← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وادعيتم فِيهِ التَّوَاتُر كَأَنَّهُ حَدِيث أَو أثر وَمَا تقرر عنْدكُمْ مَا شاهدتم من محبتنا الراسخة الْبُنيان وَقد قيل فى الامثال لَيْسَ الْخَبَر كالعيان وَكَانَ الْوَاجِب أَن لَا تلتفتوا الى مثل هَذِه الخرافات (وشاهدى فى ادِّعَاء الْحبّ خاطركم ... وَهُوَ المزكى فقولى لَا تردوه) (كفى بقلبى مَا يلقى ببعدكم ... لَا تحرقُوهُ بِنَار الهجر خلوه) وَكتب أَيْضا فى غُضُون رسَالَته (وَمَا أَنا حفظ الوفا متصنعا ... وَلَا أَنا للزور الْقَبِيح منمق) (وَأَنت فتدرى مَا اقتضته جبلتى ... فَمَا أدعى الا وَأَنت مُصدق) (وَلَكِن دهرا قد بلينا بأَهْله ... أَبَا حوابه ثوب النِّفَاق ونفقوا) فو الذى يعلم سرى وعلن فى جَمِيع حالى لم يصدر عَنى ذَلِك الامر وَلَا خطر ببالى وَهل يَلِيق بى ان أدنس الْعرض بِمثل ذَلِك الْعرض وأحشر فى زمرة الْكَاذِبين بَين يَوْم الْعرض (وودى أَنْت تعلمه يَقِينا ... صَحِيحا لَا يكدر بالجفاء) (فَلَا تسمع لما نقل الاعادى ... وَمَا قد نمقوه من افتراء) وَله غير ذَلِك مِمَّا يعذب وَبِالْجُمْلَةِ فقد وصفناه من الْكَمَال بِمَا فِيهِ مقنع وَلم يكن فِيهِ مِمَّا يشينه الا الطمع وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَقَالَ الْفَاضِل الاديب ابراهيم بن عبد الرَّحْمَن العمادى الدمشقى فى تَارِيخ وَفَاته (أَلا انما الدُّنْيَا غرور نعيمها ... ينغصه أكدارها وزوالها) (قضى الله للْمولى الْكَمَال بِأَن قضى ... فأرخ ديار الرّوم مَاتَ كمالها) مُحَمَّد بن أَحْمد المنوفى المصرى الشافعى نزيل مَكَّة أحد الْفُضَلَاء الاعيان كَانَ فَاضلا أديبا صَاحب ثروة وَكَانَ لَهُ ايثار وبسطة يَد وَلم يزل يعانى التِّجَارَة ثمَّ لحقه ضيق يَد فسافر الى الرّوم وَصَحب مَعَه مِفْتَاح الْكَعْبَة الشَّرِيفَة قَاصِدا اعطاءه للسُّلْطَان مُرَاد وَورد دمشق وَعقد حَلقَة تدريس فى جَامعهَا الاموى بعد صَلَاة صبح الحنفى من أول رَجَب وأقرأ صَحِيح مُسلم فَاجْتمع عَلَيْهِ خلق كثير حَتَّى رفع كرسى الْوَعْظ أَيَّامًا قَليلَة وضجت الْعَالم من احداث مَا لم يكن وَمِمَّا اتّفق لَهُ انه سُئِلَ هَل كَانَ النبى يعلم السحر ويعرفه على التَّعْمِيم فَأجَاب عَنهُ انه كَانَ يعلم كل شئ مِنْهُ وَمن غَيره من غير شكّ فَنقل جَوَابه الى النَّجْم الغزى فَغَضب غَايَة الْغَضَب وَكذبه وَقَالَ انه افتراها وَأخذ النَّجْم يُقيم عَلَيْهِ الْحُدُود فى درسه كل لَيْلَة وَيَقُول انه ان أصر

стр. 1332

على ذَلِك كفر وتطلب من أقرانه عمل رِسَالَة على وفْق مُرَاده فامتنعوا من ذَلِك وَقَالُوا انه أَخطَأ حَيْثُ قَالَهَا للعوام وَمِنْهُم من أحجم وَلم يتَكَلَّم وَقَالَ قد وَقع فِيهَا خلاف وَمَا رجحوا مِنْهَا قولا لَا ينْقل وَطَالَ التنقيب على هَذِه المسئلة حَتَّى ألف الشَّيْخ أَيُّوب الخلوتى الْمُقدم ذكره فى ذَلِك رِسَالَة سَمَّاهَا السك الموفى على رَقَبَة المنوفى وهى رِسَالَة جَامِعَة لكل منثور ومنظوم فَكف بعد المنوفى عَن الدَّرْس وَأقَام الى عيد الْفطر ثمَّ رَحل الى نَاحيَة الرّوم وَالسُّلْطَان مُرَاد فى نواحى حلب قَاصد الْمسير الى روان فصحب الْعَسْكَر الى بَغْدَاد وأنجحت سفرته ونال أمانيه ثمَّ بعد فتح روان رَجَعَ الى دمشق فَابْتلى بِمَرَض الامعاء وقاسى آلاما شديده وَكَانَ سَبَب مَوته هَذَا خُلَاصَة مَا نقلته من ثَبت الشَّيْخ مُحَمَّد بن على المكتبى الدمشقى وَرَأَيْت للمترجم تَرْجَمَة فى السلافة وَصَاحب السلافة سبطه قَالَ فى تَرْجَمته هُوَ جدى لامى وَمن مَلَأت بِهِ من عريق النّسَب كمى امام الائمة الشَّافِعِيَّة وَرب الفطنة الالمعية ملك الْعُلُوم زماما وَتقدم فى مقَام الْفضل اماما فصلت الافاضل خَلفه وظلت الْفَضَائِل حلفه لَا يشق لَهُ غُبَار فى مضمار سباق وَلَا يباريه مبار فى اصطباح واغتباق وَلَا سوى الْفضل والادب صبوح وغبوق وَهُوَ السَّابِق فيهمَا وَمن عداهُ مَسْبُوق وَكَانَ قد شدّ لرحلة الرّوم ركابه وابله (يُرِيد بسطة كف يَسْتَعِين بهَا ... على قَضَاء حُقُوق للعلى قبله) فأسفرت سفرته عَن وُجُوه آماله وَأهب عَلَيْهِ الاقبال نسائم قبُوله وشماله فَتَلقاهُ ملكهَا بِأَهْل ومرحب وأنزله من ألطافه واسعافه أفسح منزل وأرحب ونفحه بنفحات عنايته المسكية حَتَّى قَلّدهُ أَكثر المناصب المكية فَلَمَّا عَاد الى وَطنه بِقَضَاء أمله ووطره نصبت لَهُ الْمنون أشراكها فى طَرِيقه وأغصته اذ ساغت لَهُ أمانيه بريقه ثمَّ قَالَ وَلَا يحضرنى الْآن من شعره غير مَا رَأَيْته مَنْسُوبا اليه بِخَط سيدى الْوَالِد وَهُوَ (عتبت على دهرى بأفعاله الَّتِى ... أضاق بهَا صدرى وأضنى بهَا جسمى) (فَقَالَ ألم تعلم بِأَن حوادثى ... اذا أشكلت ردَّتْ لمن كَانَ ذَا علم) قَالَ وَهَذَانِ بيتان لَا يشيد مثلهمَا الا من شاد ربوع الادب وسارع لاقتناص شوارد القريض وانتدب وهما أنموذج براعته وبلاغته واقتداره على سبك ابريز الْكَلَام وصياغته وَقد صدرتهما وعجزتهما فَقلت

стр. 1333

(عتبت على دهرى بأفعاله الَّتِى ... برانى بهَا بَرى السِّهَام من الْهم) (ليصرف عَنى فادحات نوائبى ... أضاق بهَا صدرى وأضنى بهَا جسمى) (فَقَالَ ألم تعلم بِأَن حوادثى ... وأخطارها اللاتى تلم بذى فهم) (يضيق بهَا ذُو الْجَهْل ذرعا وانما ... اذا أشكلت ردَّتْ لمن كَانَ ذَا علم) وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَحْمد حَكِيم الْملك بِضَم الْمِيم وَسُكُون اللَّام الفارسى أصلا ومحتدا والمكى منشأ ومولدا أديب الْحجاز وشاعره وبليغه ذكره السَّيِّد مَعْصُوم فَقَالَ فى وَصفه فَاضل تأزر بِالْفَضْلِ وارتدى وسلك سَبِيل المكرمات واهتدى سَام فى فنون الْعلم وَصرح وأوضح متون الادب وَشرح وَهُوَ من بَيت رياسة وجلاله وَقوم لم يرثوا الْمجد عَن كلاله وَكَانَ لسلفه عِنْد مُلُوك الْهِنْد التيموريه مَحل تتضوع الْمَرَاتِب ريه وتستسقى المناصب ريه وَلما وَفد جده على السَّادة الاشراف الْمُلُوك من بنى حسن قابلوه مُقَابلَة الجفن للوسن فاكرموا نزله وقلدوا بأيادى منتهم بزله وَولد صَاحب التَّرْجَمَة بِمَكَّة فَنَشَأَ فى حجر الْفضل وَالْمجد وانتشق عرف خزامى تهَامَة وشميم عرار نجد فَجمع بَين تليد الْمجد وطارفه ورفل فى فضفاض الادب فى أبهى مطارفه وَلم يزل مُتبعا تِلْكَ الدَّار مَحْمُود الايراد والاصدار مَعَ تمسكه من سلطانها الشريف محسن بالعروة الوثقى الَّتِى لَا تنفصم وحلوله لَدَيْهِ بالمكانة الَّتِى مَا حلهَا ابْن أَبى دؤاد عِنْد المعتصم حَتَّى حصل عَلَيْهِ من الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب مَا حصل لما انحل عقد ولَايَة الشريف محسن مِنْهَا وانفصل فَكَانَ مِمَّن نهب الشريف دَاره وَمَاله وَقطع من الامان أمانيه وآماله فالتجأ مستأمنا الى بعض الاشراف فَأَمنهُ على نَفسه بعد مُشَاهدَة الْوُقُوف على الْهَلَاك والاشراف ثمَّ سَار مختفيا الى الْيمن وَاسْتمرّ حَتَّى قتل الشريف أَحْمد فَلم ير من شرِيف مَكَّة الشريف مَسْعُود مَا كَانَ يؤمله قبل فَتوجه الى الْهِنْد فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف فَألْقى بهَا عَصَاهُ الى أَن بلغ من الْعُمر أقصاه ثمَّ ذكر لَهُ قصيدته الدالية الَّتِى عَارض بهَا قصيدة أَحْمد الرشدى الْمُقدم ذكرهَا ومطلع قصيدته (صوادح البان وَهنا شجوها بادى ... فَمن معِين فَتى فى فت أكباد) (صب اذا غنت الورقاء أرقه ... تذكيرها نغمات الشادن الشادى) (فَبَاتَ يرعف من جفنيه تحسبه ... يرجرج المدمع الوكاف بالجادى)

стр. 1334

(جافى الْمضَاجِع الف السهد ساوره ... سم الاساود أَو أَنْيَاب آساد) (لَهُ اذا اللَّيْل واراه نشيج شج ... وجذوة فى حشاه ذَات ايقاد) (سماره حِين يضنيه توحشه ... فيستريب الى تأسيس عواد) (وجدوهم وأشجان وبرح جوى ... ولوعة تتلظى والاسى سادى) (أضناه تَفْرِيق شَمل ظلّ مجتمعا ... وضن بِالْعودِ دهر خطبه عادى) (فالعمر مَا بَين ضن ينقضى وضنى ... والدهر مَا بَين ايعاد وابعاد) (لَا وصل سلمى وَذَات الْخَال يرقبه ... وَلَا يؤمل من سعدى لَا سعاد) (أضنى فؤادى واستوهى قوى جلدى ... اقوا ملاعب بَين الهضب والوادى) (عفت محاسنها الايام فاندرست ... واستبدلت وَحْشَة من أُنْسُهَا البادى) (وعطلتها الرزايا وهى حَالية ... بساكنيها ورواد ووراد) (وعاث صرف الليالى فى معالمها ... فَمَا يُجيب الصدا فِيهَا سوى الصادى) (دوارج المورمارت فى معاهدها ... فغادرتها عَفا الساحات والنادى) (وناعب الْمَوْت نَادَى بالشتات بهَا ... فأهلها بَين أغوار وأنجاد) (وصوحت بالبلى أطلالها وخلت ... رحابها الفسيح من هيد وَمن هاد) (أضحت قفارا تجر الرامسات بهَا ... ريحًا جنوب وَشَمل رِيحهَا الجادى) (كَأَنَّهَا لم تكن يَوْمًا لبيض مهى ... مرا تعاقد خلت فِيهِنَّ من هاد) (وَلم تحل مغانيها بغانية ... تغنى اذا ماردى من بدرها رادى) (وَلَا عطا نبتها ريح وَلَا طلعت ... بهَا بَدو ردجى فى برج مصطاد) (وَلَا تثنت بهَا لمياء ساحبة ... ذيل النَّعيم دلالا بَين انداد) (فارقتها وكأنى لم أظل بهَا ... فى ظلّ عَيْش يجلى عذر حساد) (أجنى قطوف فكاهات محاضرة ... طورا وطورا أناغى ربة الهادى) (هيفاء يزرى اذا ماست تمايلها ... بأملد من غصون البان مياد) (بِجَانِب الْجيد يهوى القرط مرتعدا ... مهواه جد سحيق فَوق أكتاد) (شفاهها بَين حق الدّرّ قد خزنت ... ذخيرة الْفَحْل ممزوجا بهَا الجادى) (اذا نضت عَن محياها النقاب صبا ... مستهترا كل سجاد وَعباد) (وان تجلت فَفِيمَا قد جلته دجى ... لنابه فى الدآدى أَيّمَا هادى) (وميض برق ثناياها اذا ابتسمت ... يُعَارض الدمع من مهجورها حادى)

стр. 1335

(وناظران لَهَا يرْتَد طرفهما ... مهما رنت عَن قَتِيل مَا لَهُ وادى) (وصبح غرتها فى ليل طرتها ... يوماى من وَصلهَا أَو هجرها العادى) (تِلْكَ الربوع الَّتِى كَانَت ملاعبها ... أخنى عَلَيْهَا الذى أخنى على عَاد) (الى ملاعب غزلان الصريم بهَا ... يحن قلب الْمَعْنى مَا شدا شاد) (بعد الدَّهْر رمانى بالفراق بهَا ... وَلَا سقى كنفيه الرَّائِح الغادى) (عمرى لَئِن عظمت تِلْكَ القوادح من ... خطوبه وتعدت حد تعدادى) (لقد نسيت وأنستنى يواثقه ... تِلْكَ الَّتِى دهدهت أصلاد أطواد) (مصَارِع لبنى الزهرا وَأحمد قد ... أذكرن فخا وَمن أردى بِهِ الهادى) (لفقدهم وعَلى المطلول من دمهم ... تبكى السَّمَاء بمزن رائح غادى) (وشق جيب الْغَمَام الْبَرْق من حزن ... عَلَيْهِم لَا على أَبنَاء عباد) (كَانُوا كعقد بجيد الدَّهْر قد قرظت ... من ذَاك وَاسِطَة أودى بتبدادى) (وَهُوَ المليك الذى للْملك كَانَ حمى ... مذماس من برده فى خزأ براد) (كَانَت لجيران بَيت الله دولته ... مهاد أَمن بسرح الحيف ذواد) (وَكَانَ طود الدست الْملك مُحْتَبِيًا ... ولاقتناص المعالى أى نهاد) (ثوى بصنعا فيا الله مَا اشْتَمَلت ... عَلَيْهِ من مجده فى ضيق ألحادى) (فقد حويت بِهِ صنعاء من شرف ... كَمَا حوت صعدة بالسيد الهادى) (فحبذا أَنْت يَا صنعاء من بلد ... وَلَا تغشى زيادا وكف رعاد) (مصابه كَانَ رزأ لَا يوازنه ... رزء ومفتاح ارزاء واسآد) (وَكَانَ رَأْسا على الاشراف مُنْذُ هوى ... تتابعوا اثره عَن شبه ميعاد) (لهف الْمُضَاف اذا مَا أزمة أويت ... من قطب نائبة للمتن هداد) (لهف الْمُضَاف اذا مَا أقلحت سنة ... يضن فى محلهَا الطائى بالزاد) (لهف الْمُضَاف اذ كرّ الْجِيَاد لَدَى ... حر الجلاد أثار النَّقْع بالوادى) (لهف الْمُضَاف اذا مَا يستباح حمى ... لفقد حام بورد الْكر عواد) (لهف الْمُضَاف اذا جلى بِهِ نزلت ... وَلم يجد كاشفا مِنْهَا بمرصاد) (لهف الْمُضَاف اذا حمل المغارم فى ... نيل العلى أثقل الاعناق كالطاد) (لهف الْمُضَاف اذا نَادَى الصَّرِيخ وَلم ... يجد لَهُ مصرخا كالليث للصادى) (لهف الْمُضَاف اذا الدَّهْر العصوف سَطَا ... بضيم جَار لنزل الْعِزّ مقداد)

стр. 1336

(بل لهف كل ذوى الآمال قاطبة ... عَلَيْهِم خير مرتاد لمرتاد) (كَانَت بهم تزدهى فى السّلم اندية ... وفى الوغى كل قداد وهناد) (على الارائك أقمار تضئ وَمن ... تَحت الترائك آساد لمساد) (تَشكوا عداهم اذا شاكى السِّلَاح بدا ... شكّ القناما ضفا من نسج ابراد) (الى النحور وَمَا تحوى الصُّدُور وَمَا ... وارته فى جنحها ظلمات أجساد) (بادوا فباد من الدُّنْيَا بأجمعها ... من كَانَ فكاك أصفاد باصفاد) (وَقد ذوت زهرَة الدُّنْيَا لفقدهم ... وألبست بعدهمْ أَثوَاب احداد) (واجتث غرس الامانى من فجيعتهم ... وَأنْشد الدَّهْر تقنيطا لرواد) (يَا ضيف أقفر بَيت المكرمات فَخذ ... فى جمع رحلك واجمع فضلَة الزَّاد) (يَا قلب لَا تبتئس من هول مصرعهم ... وَعز نَفسك فى بوس وانكاد) (بِمن غَدا خلفا يَا حبذا خلف ... فى الْملك عَن خير آبَاء واجداد) (بحائز ارثهم حاو مغافرهم ... كَمَا حوى الالف من آحَاد أعداد) (وَذَاكَ زيد أدام الله دولته ... وزاده مِنْهُ تأييدا بامداد) (سمابه النّسَب الوضاح حَيْثُ غَدا ... طريفه جَامعا أشتات أتلاد) (لقد حوى من رفيعات المكارم مَا ... يكفى المثخن أحداد وأحفاد) (أَلَيْسَ قد نَالَ ملكا فى شبيبته ... مَا ناله من سعى أَعمار آباد) (أَلَيْسَ فى وهج الهيجا مواقفه ... مشكورة بَين أَعدَاء واضداد) (أَلَيْسَ أسج بِالتَّنْعِيمِ سابحه ... لج المنايا ليحيا قبل أجناد) (أَلَيْسَ يثبت يَوْم اللَّيْث أَن لَهُ ... وثبات لَيْث يزجى ذود نقاد) (أَلَيْسَ يَوْم العطا تحكى أنامله ... خلجان بَحر بفيض التبر مداد) (أَلَيْسَ قد لَاحَ فى تأسيس دولته ... من جده الْمُصْطَفى رمز بارشاد) (دَامَت معاليه والنعمى بِذَاكَ لَهُ ... مصونها وَهُوَ ملحوظ باسعاد) (مَا لَاحَ برق وَمَا غنت على فنن ... صوادح البان وَهنا شجوها بادى) قَوْله أَلَيْسَ قد لَاحَ فى تأسيس دولته يُشِير بِهِ الى مَا وَقع للشريف زيد فانه لما وَردت الاوامر السُّلْطَانِيَّة بولايته الْحَرَمَيْنِ وَكَانَ اذ ذَاك بِالْمَدِينَةِ المنورة قصد زِيَارَة النبى فَأَرَادَ الخدم ان يفتحوا لَهُ الْبَاب فوجدوه مَفْتُوحًا وَكَانُوا قد أغلقوه من قبل فَعلم النَّاس انه اشارة الى الْفَتْح وَالظفر وَكَانَ الامر كَذَلِك وَكتب

стр. 1337

الى القاضى تَاج الدّين المالكى (سقى الدمع مغنى الوابلية الْحمى ... سواجم تغنى جانبيه عَن الوبل) (وَلَا بَرحت عينى تنوب عَن الحيا ... بدمع على تِلْكَ المناهل منهل) (مغانى الغوانى والشبيبة وَالصبَا ... ومأوى الموالى وَالْعشيرَة والاهل) وَقَالَ (سَقَاهَا الحيا من أَربع وطلول ... حكت دنفى من بعدهمْ ونحولى) وَقَالَ (سقى صوب الحياد منا ... بجرعاء اللوا درسا) (وَزَاد محلك المأنوس يَا دَار الْهوى أنسا ... ) (لَئِن درست ربوعك فالهوى العذرى مَا درسا ... ) وَقَالَ (سقى بالصفا الربعى ربعابه الصِّبَا ... وجاد بأجياد ثرى مِنْهُ ثروتى) (مخيم لذاتى وسوق مآربى ... وقبلة آمالى وموطن صبوتى) انما الْمُحَافظَة على الرسوم والآداب والملاحظة للعوائد المألوفة فى افْتِتَاح الْخطاب لمن يملك أمره اذا اعتراه ذكر زَيْنَب والرباب وَلم تخل عقال عقله يدا لنوى والاغتراب وَلَيْسَت لمن كلما لَاحَ بارق ببرقة ثهمد فَكَانهُ أخوجنة مِمَّا يقوم وَيقْعد تتقاذفه أمواج الاحزان وتترامى بِهِ طوائح الهواجس الى كل مَكَان فَهُوَ وان كَانَ فِيمَا ترى الْعين قاطنا بحى من الاحياء (يَوْمًا بحزوى وَيَوْما بالعقيق وبالعذيب يَوْمًا وَيَوْما بالخليصاء ... ) لَا يأتلى مقسم العزمات منفصم عرى العزيمات لَا يقر قراره وَلَا يُرْجَى اصطباره ان روح الْقلب بُد كرّ المنحنى أَقَامَ الحنين حنايا ضلوعه أَو استروح روح الْفرج من ذكر الْخيف يمنى أَو مَضَت بوارق زفراته تحدو بِعَارِض دُمُوعه (من تمنى مَالا وَحسن منال ... فمناى منى واقصى مرادى) فيا لَهُ من قلب لَا يهد أخفوقه ولاتنى لامعة بروقة وَلَا يبرح من شُمُول الاحزان صبوحه وغبوقه يساور همواماً فَمَا مساورة ضئيلة من الرقش ويناجى احزانا لَوْلَا بس بَعْضهَا الصخر الاصم لَا نهش ويركب من أخطار الوحشة أهوالا دونهَا ركُوب النعش يحن الى مَوَاضِع ايناسه ويرتاح الى مراتع غزلان صريمه وكاية وَينْدب أَيَّامًا يستثمر الطَّرب من أفنان اغراسه (أَيَّام لَا الواشى بعد ضَلَالَة ... ولهى عَلَيْهِ وَلَا العذول يؤنب) غَيره (أَيَّام ليى ترينى الشَّمْس طلعتها ... بعد الْغُرُوب بَدَت فى افق ازرار)

стр. 1338

غَيره (أَيَّام شرخ شبابى رَوْضَة أنف ... ماريع مِنْهُ بروع الشيب ويعانى) (أَيَّام غصنى لدن من غضارته ... أصبو الى غير جاراتى وخلانى) غَيره (ثمَّ انْقَضتْ تِلْكَ السنون وَأَهْلهَا ... فَكَأَنَّهَا وكانهم أَحْلَام) غَيره (لم يبْق مِنْهَا مشتاق اذا ذكرا ... الا لواعج فكر تبْعَث الفكرا) غَيره (وَلم يبْق منى الشوق الا تفكرى ... فَلَو شِئْت أَن أبكى بَكَيْت تفكرا) لم أكن على مُفَارقَة الاحباب جلدا فَأَقُول وهى جلدى وانما وهى تجلدى مِمَّا حملت النوائب على كندى وفتت صرف الْبَين المشت من أفلاذ كبدى (جربت من صرف دهرى كل نائبة ... أَمر من فرقة الاحباب لم أجد) غَيره (فراقا قضى أَن لَا تأسى بَعْدَمَا ... مضى منجدا صبرى وأوغلت مُتَّهمًا) (وفجعه بَين مثل صرعة مَالك ... ويقبح بى أَن لَا أكون متمما) (خليلى ان لم تسعدانى على البكا ... فَلَا أَنْتُمَا منى وَلَا أَنا مِنْكُمَا) (وحسنتما لى سلوة وتناسيا ... وَلم تذكرا كَيفَ السَّبِيل اليهما) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بِالْهِنْدِ فى سنة خمسين وَألف مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَعْرُوف بالحتاتى المصرى الاديب الشَّاعِر الْكَاتِب الْمَشْهُور كَانَ من أَعْيَان الْفُضَلَاء وبلغاء الشُّعَرَاء وَله شعر رَقِيق فى نِهَايَة الْحسن والجودة وَكَانَ ظريف الطَّبْع خليعا طروبا وَله فى الطِّبّ بَاعَ طَوِيل أَخذ عَن عُلَمَاء مصر ثمَّ دخل الرّوم وَأقَام بهَا مُدَّة طَوِيلَة وَولى قَضَاء أسيوط والجيزة فى نواحى مصر وَذكره الخفاجى فى الخبايا فَقَالَ فى حَقه أديب فَاضل رَقِيق شملة الشَّمَائِل جم المناقب صنو درارى الْكَوَاكِب ان كَانَ الادب روضا فَهُوَ ونواره أَو الْفضل يدا وساعد فَهُوَ سواره قطف ثَمَر الْمجد غض الجنا وكل من عجل الْغِرَاس اجتنى وَهُوَ مَعَ أَن ربع الْكَرم هشيم الحاطم مجذب روض رَبِيعه وسلسال معاليه مغدق مخصب وَله فى الطِّبّ يَد كَثِيرَة الايادى وطبع مُفِيد العناصر والمبادى وبدائع مجريات شهِدت لَهَا الاسباب والعلامات وفكر ألمعى لم يلم بِهِ ألم عى وموثق خطّ يسند وَحَدِيث مجد الى المعالى مُسْند وَشعر رَقِيق ونثر هُوَ الْمسك الفتيق وأدب يجل وَلَا يمل كتنفس الريحان اذا بَكَى الطل يتَغَنَّى بِهِ كل حاد وملاح ونثر يترقرق ترقرق الدُّمُوع فى خدود الملاح وَكَانَ فى صباه بِمصْر لَا زَالَت السحب تحط بحماه أثقالها مجدا فى كسب المحامد والمعالى لَا ترد سؤالها ثمَّ أتهم وأنجد وديباجة حَاله

стр. 1339

بالرحيل تتجدد وَلم يزل مغربا ومشرقا حَتَّى اتخذ الرّوم لشمسه أفقا فنعمت فِيهَا باجتناء فواكه محاوراته أزرف من زهر الْعُلُوم مونقه فطوقنى قلادة من مدائحه وعقدا من مطارحاته أكسد سوق الدّرّ مَا ينمقه مَا بَين جد أسكر ابْنة الزرجون وهزل اغتبقت واصطبحت مِنْهُ بسلافة المجون (هُوَ الضَّيْف سمعى لَهُ منزل ... وقلبى فرش وحبى قرا) ثمَّ أنْشد لَهُ قَوْله من قصيدة طَوِيلَة (أسترجع الله أحلا مَا مضين لنا ... فى غَفلَة الدَّهْر أَو فى يقظة الْعُمر) (حَيْثُ التصابى مَعْقُود اللِّوَاء على ... جَيش من اللَّهْو بَين الا من وَالظفر) (أَيَّام كَانَت شموس الصفو تلمع من ... أفق الاسارير والكاسات والثغر) (والانس تطفح عندى صفحتاه وان ... طَغى رقيبى رَمَاه الكاس بالشرر) (كأننى كنت فى دَار النَّعيم مَتى ... مَا جال للنَّفس سؤل لَاحَ للنَّظَر) (لَا غول فِيهَا وَلَا لَغوا وَلَا كدر ... سوى السلاف وَصَوت الناى وَالْقصر) (فكم لَيَال كست بدر الدجى شرفا ... تمنت الشَّمْس فِيهِ رُتْبَة الْقدر) (أهْدى لنا ضوأه لحفا بطائنها ... ريح الصِّبَا وافترشنا زهرَة الزهر) (وَكم ركبنَا بهَا دهما قلائدها ... شهب النُّجُوم على الاحجال وَالْغرر) (نبيت فِيهَا نشاوى خمرة وصبا ... غرقى الممرات فى ورد وفى صدر) (لَا نَعْرِف الحقد الا للصباح وَقد ... أضحت تنم علينا غفوة السحر) (وَكَانَ يرقب ليلاتى ويسبقها ... على المجر وان لم تمض لم يسر) (تِلْكَ الليالى الَّتِى لَو أنصفت وصلت ... بِالروحِ بعد سُوَيْد الْقلب وَالْبَصَر) (مَضَت سرَاعًا بأحباب عرفت بهم ... حَال المُرَاد اذا حَالَتْ عَن الصُّور) (واسود وَجه شبابى بعد نضرته ... بأبيض الشهب لَا باللؤم والخور) (أرى حداد الليالى بعد بَينهم ... شبيبتى وحدادى أَبيض الشّعْر) (أبكى ويبكيهم دَوْمًا اذا ذكرُوا ... بأعين النَّجْم دمع الهاطل الْمَطَر) (فَلم تعض عَنْهُم نجم وَلَا قمر ... وَلَا شموس وَلَا زاك من الْبشر) (سوى الشهَاب أَبى الْعَبَّاس سيدنَا ... الْمولى المفدى بِأَهْل البدو والحضر) (يحيا بِهِ دارس للْعلم حِين غَدا ... مُجَدد الدّين والآداب والفقر) (لوعا صر الاربع الاوتاد لَا نعقد الاجماع مِنْهُم على آرائه الْغرَر ... )

стр. 1340

(شَقِيق نعْمَان لَوْلَا ورد بهجته ... ثانى الشَّقِيق وحمر الخاطر الْعطر) (يعطيك مَا هية الاشيا ويسلبها ... سحر الْمجَاز بِمَعْنى فِيهِ مبتكر) (لم ألق فى الْمَلأ الادنى وفى الْمَلأ الْأَعْلَى شَبِيها لَهُ فاستجل واختبر ... ) (عَلامَة الدَّهْر فى كل الْعُلُوم لَدَى ... كل العصور وَلَيْسَ الْخَبَر كالخبر) (عَرفته سيدا مولى أصُول بِهِ ... على الزَّمَان وأغد وَخير منتصر) (ايه نَصَحْتُك قلبى فَهُوَ عروتك الوثقى تمسك بِهِ فى الْخطب وَاقْتصر ... ) (وناد نَفسك ان جَاشَتْ لنائبة ... واستبدلت لعلاها الْيَأْس بالوطر) (لَا يذهب الصَّبْر مَا لاقيت واعتمدى ... على معاليه بعد الله وَالْقدر) (واستقبلى الْمجد من علياء همته ... فانها فى مضاء الصارم الذّكر) (طلق الجبين بِهِ اسْتغنى زَمَانك عَن ... شمس الضُّحَى وأبى اسحق وَالْقَمَر) (واستوكفى سَبَب كفيه يفيك بِمَا ... مِنْهُ البحور تمنت زِينَة الْمَطَر) ثمَّ قَالَ وَكنت نظمت بِالشَّام قصيدة طَوِيلَة طائبة أَولهَا (نثار نور دوح قد تمطى ... وَألقى برده صبح تغطى) (وَقد عطس الصَّباح فشمتته ... حمائم قد كساها الْخَزّ مِرْطًا) فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا أعجب بهَا وعارضها بقصيدة بديعة وأرسلها الى وهى هَذِه (كسا الرَّوْض من رياه ريح الصِّبَا مِرْطًا ... فَأَثْقَله واعتل فاعتمد الابطا) (أرى الدوح مفتون النسيم فراقص ... يصفق ان وافى ويطرق ان شطا) (يمد لَهُ من حليه وثيابه ... وتيجانه من تَحت أَخْمُصُهُ بسطا) (وَكم من أياد للنسيم على الربى ... فيرقدها شطا ويوقظا نشطا) (يهذبها بالغيث تَهْذِيب مصحف ... فيعر بهَا شكلا ويعجمها نقطا) (لذاك نَبَات الرَّوْض شقَّتْ على الْهوى ... جيوبا وحلت عقد أزرارها شرطا) (لتلثمه خدا وترشفه فَمَا ... وتنشقه مَا الْمسك عَن عرفه انحطا) (وَمن قبل شَرط العقد بَث أريجها ... وَشرط الْهوى أَن الجزا يسْبق الشرطا) (كَانَ الغصون الْعرس وَالرِّيح بَعْلهَا ... اذا اعتلقا اهتزا وأوراقها تلطا) (وان أَعرَضت عَنْهَا ثناها بفرعها ... اليه وَأَدْنَاهَا وأضجعها ضغطا) (تجاذب ذَات الطوق لَكِن تهزها ... وتسمعها هزا قلائدها لقطا) (ومذ صَار خلخالاً لَهَا النَّهر لم ينم ... وَمن شطه بالسق دَار وَمَا غطا)

стр. 1341

(وهم زَعَمُوا أَن الْكَوَاكِب جديها ... يهيم وَلم يرقد فَمَا باله غطا) (رعى الله لَيْلًا بَات للنهر والهوى ... وللحب أَرضًا قد عشقت بهَا السخطا) (أردْت بِلَا شط أرَاهُ وَمن يبت ... على النَّهر مِمَّن يشتهيه يرى الشطا) (غزال بِفِيهِ الْمسك والشهد والطلا ... فَلَو ذقتها استبشعت قَوْلهم اسفنطا) (رشا شعره لما بدا من خلاله ... وميض الطلا وانساب كالحية الرقطا) (طَوِيل دجوجى لحظ عميده ... وَلَيْلَته ان غَابَ أَو منع الوأطا) (لحاجبه المجذوب رَاء ممانع ... ومقلته ترمى فتجذبنا قمطا) (يلاط بمغناطيسها الْقلب والنهى الْحَدِيد فان تفككه عَنهُ بِهِ لطا ... ) (بثغر يُعِيد اللَّيْل صبحا كَأَنَّمَا ... حباه شهَاب الدّين من شعره سمطا) (مليك العلى ان كنت تعرف مَا العلى ... والافجر الْفضل ان كنت مشتطا) (همام لَهُ سبق الاوائل آخرا ... ورحل العلى وَالْعلم فى بَابه حطا) (مجيد كَانَ الْفضل عكس أشعة اختياراته اللاتى غَدَتْ خلقا سبطا ... ) (فقس لَدَيْهِ بَاقِل وقدامه ... اذا مَا رَآهُ امتاز من دره لقطا) (كَذَلِك كَعْب وامرؤ الْقَيْس لَو درى ... طَرِيقَته المثلى لما ندب السقطا) (وَلَو حذوه يحذو الامام أَبُو الْعلَا ... لَا ورى لَهُ الزند الْكَوَاكِب لَا السقطا) (لَئِن عَلقُوا بِالْبَيْتِ شعرًا فشعره ... تعلّقت الافلاك فى بَيته ربطا) (وَلَو كَانَ عقد الدَّهْر جيد شعرهم ... لكَانَتْ بِهِ أشعاره الدرة الْوُسْطَى) (هى التَّاج والاكليل فى مفرق العلى ... وفى أذن الايام أعرفهَا قرطا) (وَمن لى بِأَن أحصى ثَنَاء وَقد غَدا ... كَمَال الورى من عشر أَوْصَافه قسطا) (أمولاى ان الشّعْر عبد ملكته ... ففى مَذْهَب الْآدَاب تحرزه ضبطا) (لمجدك حمد من معَان وهبتها البلاغة لم ترض النُّجُوم لَهَا رهطا ... ) (يَصِيح على الكندى يَا لخفاجة ... ويسحب سحبان على وَجهه مِرْطًا) (وعذرا وحيد النسج ان بمهجتى ... ضنى من أسى الايام أحرقها خمطا) (فؤاد كبيت العنكبوت مُقَلِّب ... على الْجَمْر محزون بِسيف القلا قطا) (وبى من صروف الدَّهْر مَا الْمَوْت دونه ... وَمَا الْمَوْت عَن خطب وَلَو هان منحطا) (زمَان لَهُ حقد الْقَدِير فباطش ... بِنَا لَا يرى شَيخا وَلَا لحية شُمْطًا) (فَمَا الرجل المكتوف ملقى بزاخر ... خضم وَلم يقْض مُضْطَر باخيطا)

стр. 1342

(بأنكس من حالى وَقد ظلّ مطلبى ... رهين لئيم يملك الْمَنْع والاعطا) (يدافعنى عَنهُ مدافعة النَّوَى ... وَلَو أمكنته فرْصَة غالنى سرطا) (وَمَا سابح فى بَحر بيداء موجها الهجير صدى لم يُصَادف بهَا وقطا ... ) (على فرق ان سَار أَو عَاد أَو ثوى ... وحيدا بهَا والوحش فى صُحْبَة غطا) (بأحير منى بَين قوم أبرهم ... تضيع حُقُوق الْفضل من عده عمطا) (عِصَابَة سوء بَين جهل مشيد المبانى ولؤم حط قدر العلى حطا ... ) (وَقد قرؤا أَن لَا تؤدوى مَكَان أَن ... تُؤَدُّوا وَقَالُوا ان لَا حذفت خطا) (فَلَو أنصفوا غبا ودع عَنْك عدلهم ... لما ضقت ذرعا اذ أَتَى جَوْرهمْ فرطا) (فان خذلوا فَالله بالنصر مدرك ... وَقد تهب الايام فى قبضهَا بسطا) (وَلست بِمن يبكى على حلم يرى ... ويمضى وَقد أبقى لَهُ الْوزر والوهطا) (يموه وَجه الذل بالعز خدعة ... وَمن قبل مَا أعطَاهُ يَأْخُذ مَا أعْطى) (فَمن عرف الدُّنْيَا اطْمَأَن لنأيها ... وَذُو الْعقل لم يُنكر دنوا وَلَا شحطا) (وعفوا فدتك النَّفس يَا خير سيد ... وَيَا عَالما والى النَّبِيين والسبطا) (فَمَا نفثه المصدور مِمَّا تعافه الْكِرَام وَلَو ألوت على وَجهه أرطا ... ) (وَدم بَاقِيا للنظم والنثر والندى ... فلولاك للآداب غيثا قَضَت قحطا) (تَدور رحى الافلاك دهر بِمَا ترى ... وَمَا تشْتَهى ان كَانَ رفعا وان حطا) (وعمرت أَعمار النسور على رضَا ... وَبَلغت حسن الْخَتْم مَا قلم خطا) وَلما أنفذها الى كتبت اليه (أيا بَحر فضل من اللطف يصفو ... حلا بِفَم السّمع لى مِنْهُ رشف) (لقد حكت شعرًا رَقِيق المبانى ... دَقِيق الْمعَانى عَلَيْهِ يشف) (عروس أحلّت نِكَاح الشّغَار ... بِغَيْر مُهُور الينا تزف) (وَقد رسب الدّرّ من خجلة ... لَهُ اذ رأى فَوْقه الدّرّ يطفو) (بطبك يشفى مزاج الوداد ... بِغَيْر علاج وَمَا فِيهِ ضعف) (وَمَا اعتل ريح الصِّبَا مذ غَدا ... رسولى لكنه فِيهِ لطف) (لبحرك ورد حلا للنهى ... عَلَيْهِ الْقُلُوب طيور ترف) (فيا خدن روحى وَمن شكره ... يقصر عَنهُ نعوت وَوصف) (لانت حياتى وَلكنهَا ... تبدل مِنْهَا على الْيَأْس حرف)

стр. 1343

(وَقد جدت لى بنضار القريض ... وللفكر نقد وللدهر صرف) (ترنم فِيهِ هزار الْمعَانى ... وأقفاصه فى سطور تصف) (وَشعر بِشعر رَبًّا لم يجز ... وَلَكِن مولاى للفضل يعْفُو) (فقابل رياحينه بِالْقبُولِ ... كَمَا سنّ مَا طَابَ للشكر عرف) (فَلَا زلت روضا بِهِ أنيعت ... ثمار الامانى ولى مِنْهُ قطف) فَأجَاب (أعذب نمير من الود يصفو ... عَلَيْهِ مُنِير من الدّرّ يطفو (أشعر لَهُ نشوة الْخمر مِنْهُ ... لقلبى ولبى بأذنى رشف) (أم الرَّوْض وشته سحب والا ... على وجنه الْورْد للطل لطف) (أصب صبا أم مشت جنَّة الْخلد أم أعين الْعين حور ووطف) (حسان سبت سحرها روتها ... لَهَا كل قلب أَسِير والف) (أنظم بدا أم عُقُود اللآل ... وصفو الليالى وهيهات تصفو) (أفى قالب الشّعْر قد أفرغ الْحسن أم صَار وَجها لَهُ الشّعْر طرف ... ) (أم السَّبْعَة الشهب أمست قريضا ... والا أتتنا من الشَّمْس صحف) (والا أَتَانَا من الْعَرْش شعر ... والا اصطفانا من الوحى صنف) (تحدى الْعُقُول باعجاز شعر ... زها لم يُعَارضهُ شرع وَعرف) (أأنفاس عِيسَى وآيات مُوسَى ... أم الطّور والنور معنى وحرف) (متين الْمعَانى رصيف المبانى ... عَلَيْهِ من الْمجد ثوب يشف) (بِهِ الرّوح حى فأهدى حياتى ... وَمِنْه حبائى علاهُ محف) (وَلَا بدع أَن تولنى حبوة ... يدمنه حازت فؤادا يرف) (مليك على الْفَخر مَا من كَمَال ... لَدَى النَّاس الا لعلياه وصف) (بليغ بأشعاره تنطق الْبكم لَكِن لَدَيْهِ لَهَا الْعَرَب غلف ... ) (فصيح تداوى بألفاظه الصم وَالْمَيِّت يحييه من فِيهِ هتف ... ) (فَلَو شَاءَ بالشعر انبات روض ... على اليم أضحى ولى مِنْهُ قطف) (وَلم تلق كُفؤًا بَنَات براها ... لَهَا الشَّمْس أيد بهَا الْبَدْر وقف) (فكم من فحول أنابت لَدَيْهَا ... وَكم من مليك لَدَيْهَا مسف) (وَأهل الْمعَانى كَأَهل الغوانى ... اذا مس قحط لعنين زفوا) (أمولاى من للموالى عماد ... وللفخر وَالْمجد نجد وكهف)

стр. 1344

(رَأينَا بك الشّعْر فَوق الثريا ... فَلم يدننا مِنْهُ وزن وزحف) (وأرصدت مِنْهُ عَلَيْهَا شهابا ... فَلم يستقم للشياطين خطف) (وَلَو أدْركْت عين فكرى ثراه ... فهيهات مِنْهَا وللدهر عنف) (وَلَو ساجلتنا حروب لَدَيْهِ ... وَلَكِن علينا اذا رق ضعف) (ولولاك مَا فهت بالشعر كلا ... وَلَا كَانَ قلبى الى النّظم يهفو) (ولكننى قد شممت ابتصارا ... بعلياك انى لعلياك حلف) (يناجيك قلبى فتجلود جاه ... وللخطب بالبيض ان يدج كشف) (ولاحت بفكرى معانيك بيضًا ... كَمَا لَاحَ للبرق فى اللَّيْل سجف) (أمولاى مالان للدهر عطف ... أما آن مِنْهُ على الْمجد عطف) (وَقبل تمنى ذووا الْفضل مِنْهُ ... جنونا فَقَالُوا عَسى الدَّهْر يصفو) (أَبى الْعدْل وزنا وَأولى صروفا ... ولى مِنْهُ صدع وَمنع وَصرف) (وذنبى لَدَيْهِ لِسَان قؤل ... وَأما ضميرى فوَاللَّه عف) (وأشنا من الدَّهْر أهلوه غدرا ... ندير هَوَاهُ وفى الْخَبَر حتف) (فكم من مشير على الْحبّ يعْصى ... وَكم من قَبِيح على الْحسن يجفو) (فَمَعْنَى صديق عَدو مداج ... وَمعنى رَفِيق حنين وخف) (وَمعنى كَبِير دنئ وَكبر ... ففى المَاء است وفى الاوج أنف) (وَمعنى عَظِيم طويس بغاء ... لَهُ اذ يرى الا يرغشى ونزف) (وَمعنى عليم جواد وطى ... وتيس لَدَيْهِ كتاب وَعرف) (سقى الله عصرا تسنمت فِيهِ ... نُجُوم الامانى بِوَطْء يخف) (وليلا تمتعت فِيهِ بصحب ... كصبح لَهَا اللطف وَالْمجد ظرف) (وحور وَعين ودهر معِين ... بِنَجْم وَبدر وشمس تزف) (زمَان كَمَا شِئْت طلق الْمحيا ... وريعان عمر على الصفو وقف) (فعوضت عَن أنسه وَحْشَة ... فَمَا تنتهى بجوى وَلَا يكف) (فرعيا وسقيا لَهُ من زمَان ... تبكيه عينى دمالا يجِف) (فيا حسرتى هَل لماضيه عود ... وَيَا لهف قلبى وَلم يجد لهف) (مضى فابق لى عَنهُ دهرا وفيا ... وَمولى صفيا يفْدِيه ألف) (اماما على النثر وَالنّظم برا ... وبحرا لنا من أياديه غرف)

стр. 1345

(وَدم تكس شعرى بمدحك حليا ... وان أجن ذَنبا فَلَا زلت تَعْفُو) (وَلَا زلت تَغْدُو بديع الْمعَانى ... بَيَانا وَيَغْدُو لَهَا مِنْك لطف) وَذكره البديعى فى ذكرى حبيب وَقَالَ فى وَصفه كَاتب كَأَنَّمَا اقتبس نَفسه من مقل الغوانى وشاعر كَلِمَاته أوقع فى الاسماع من ايقاع المثالث والمثانى بِأَلْفَاظ كأيام الشَّبَاب وَمَعَان كمذاكرة الاحباب وَلم يزل الى أَن أثخته سِهَام المنيه قَائِلا تَحت ظلال الدوحة الاكشمية وَقد ابتدع فى هَذَا الْبَاب من النَّوَادِر مَا اسْتوْجبَ ان يكون لَهُ قَول الشَّاعِر (وَكنت فَتى من جند ابليس فارتمت ... بى الْحَال حَتَّى صَار ابليس من جندى) ثمَّ أنْشد لَهُ من شعره الزاهى قَوْله من قصيدة (اليك بعثت الرّوح رقاء تصدح ... لتعرب متن الشوق عَنى وتشرح) (رمانى النَّوَى والبعد عَنْكُم بأسهم ... لَهَا كل أعضائى قُلُوب تشرح) (بعينى ظما للبارد العذب قربكم ... وانسانها فى مُطلق الدمع يسبح) (فان تَكُ عَن عينى القريحة نَائِيا ... فَأَنت بروض الْفِكر وَالْقلب تمرح) (سقى الله وَدَار بِعْهُ سفح مهجتى ... وعهدا على حقيه أَمْسَى وَأصْبح) (وَحيا ادكاراً بِالصديقِ وان يكن ... بِسيف تنائيه دم الْقلب يسفح) (لَئِن صرف الاحباب وَجه ودادهم ... فَوجه ودادى عَنْهُم لَيْسَ يبرح) (وان جنحوا للحرب عزا وجفوة ... فلست لغير الذل وَالسّلم أجنح) (وان سمحوا لى باللقا فبتر بهم ... لغير جفونى حُرْمَة لست أَمسَح) (وان غضبوا صالحتهم وخضعت فى ... رضاهم فان الْكبر بالحب يقْدَح) (يذموننى والذنب هم ومحبتى ... على أننى لَا أَبْرَح الدَّهْر أمدح) (ففى الْقرب والابعاد نشر تَحِيَّة ... تحفهم من روض قلبى وتمنح) وَمن // جيد شعره // قَوْله (نظرت إِلَيْهَا ثمَّ للشمس فى الضُّحَى ... ليظْهر وَجه الْفرق فى الْوَجْه وَالْفرق) (فلاحت كَمَا يَبْدُو سواهَا لمن رأى ... سناها وهمت بِالرُّجُوعِ الى الشرق) (تأثر مِنْهَا وَجههَا مثل مَا بهَا ... تأثر وَجه السافرين على الطّرق) وَقَوله فى الْغَزل (أجل الله اعطاف الحبيب ... وأينع قامة الْغُصْن الرطيب)

стр. 1346

(وَأنْبت وردهَا غضا طريا ... وسيجه بريحان الْقُلُوب) (وَلَا زَالَت شمائله نشاوى ... مرنحة كغصن فى كثيب) (وعطفها نسيم الشوق حَتَّى ... تميل الى معانقة الكئيب) (وروى أرْضهَا سَحا مطيرا ... بغيث من سما جفن نحيب) وَقَوله (أَرَاك طروبا عِنْد وَقع النوائب ... ضحوكاً كوجه السَّيْف فى كف قاطب) (لعوبا بعقل الصب توعده المنى ... بخوض المنايا فى مبارى السباسب) (فريدا وَشَمل الْمجد مِنْك اجتماعه ... جليدا على فقد المنى والحبائب) (مرود الْجَيْش الْخطب حَربًا لسلمه ... كَأَنَّك ضد الدَّهْر حلف النوائب) وَمِمَّا ادَّعَاهُ لنَفسِهِ (شوقى اليك وَقد تناءت دَارنَا ... شوق الْغَرِيب الى ملاعب تربه) (أَو شوق ظمآن ألم بمنهل ... منعته أَطْرَاف القنا عَن شربه) وَله فى ضمن مُكَاتبَة (نعم أتتك فَلَا خضاب الْموعد ... متنصل بندى اعتذار المجتدى) (جاءتك تدرع السُّعُود كَأَنَّهَا ... غُصْن من الْيَاقُوت تَحت زبرجد) وَله على لِسَان جَامع مهجور (واحسرتا والذل حِين يمر بى ... وَيُقَال هَذَا جَامع مهجور) (لَو كنت فى أيدى النَّصَارَى بيعَة ... لبكى على القس والسابور) وَله فى الاقتباس (أَقُول لذات حسن قد تَوَارَتْ ... مَخَافَة كاشح فى الحى كامن) (أرينى وَجهك الوضاح قَالَت ... ألم تؤمن فَقلت بلَى وَلَكِن) وَله معمى فى اسْم مُوسَى (أَقُول لمالحى عذولى ... ولوم من هام لَيْسَ يجدى) (بالثغر والصدغ والثنايا ... وَمَا بلحظ الحبيب وجدى) وَله الابيات الْمَشْهُورَة الَّتِى قَالَهَا فى مرجة دمشق فى قَدمته اليها مدرسا بالشامية البرانية فى سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف والابيات هى هَذِه (بصبا المرجة المبلل ذيله ... علل الْقلب عل يبرد ويله) (وَاد كرّ يَوْمنَا بيومى حبيب ... سلفا والسلاف تركض خيله)

стр. 1347

(ونديم وَقت حَوَاشِيه لطفا ... وبحكم الْهوى تحجب نيله) (جِئْت من تَحت ذيله مستجيرا ... والتجنى على يسحب ذيله) وَله غير ذَلِك مِمَّا يروق ويشوق وَكَانَت وَفَاته بالجيزة وَهُوَ قَاض بهَا فى سنة احدى وَخمسين ألف مُحَمَّد بن أَحْمد بن سَلامَة الاحمدى الشافعى الْبَصِير الشهير بسيبويه كَانَ عَالما تحريرا محققا عَارِفًا بِجَمِيعِ الْعُلُوم النقلية والعقلية متقنا لَهَا وَلكنه اشْتهر بِالْعَرَبِيَّةِ لغلبتها عَلَيْهِ وَكَثْرَة اقرائه لَهَا وَكَانَ مرجعا لحل المشكلات العلمية واذا قرر الْمسَائِل تظهر للطلبة بِأَدْنَى اشارة وتنطبع فى قُلُوبهم وَذَلِكَ لانه جمع الله تَعَالَى لَهُ بَين الْعلم وَالْولَايَة وكل من قَرَأَ عَلَيْهِ نَفعه الله تَعَالَى وكل من خدمه خدمَة مَا أسعده الله تَعَالَى دينا وَدُنْيا وَمَا بشر أحدا بشئ الا ناله الْبَتَّةَ وَكَانَ عزباً لَا يخرج من جَامع الازهر الا اذا تعطلت فسقيه الْجَامِع فَيخرج لاقرب مَكَان لقَضَاء الْحَاجة وَكَانَ ملبسه فى الصَّيف والشتاء جُبَّة حَمْرَاء وَكَانَ من الزّهْد فى الدُّنْيَا بِحَيْثُ لَا يَأْخُذ من أحد شَيْئا الا بِقدر الضَّرُورَة وَيَأْكُل من مُرَتّب الْجَامِع ظهرا وعصرا وَكَانَ يَعْتَرِيه فى بعض أوقاته سكُوت فَلَا يقدر أحد أَن يبتدئه بِكَلَام حَتَّى يكون هُوَ البادى وكل من بدأه بِكَلَام مُتَعَمدا حصلت لَهُ متعبة دنيوية بالتجربة وَعرف ذَلِك عِنْد غَالب النَّاس وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْجمال لَا يرى متكدرا بل منشرح الصَّدْر متبلجا مداعبا وَلَا تذكر الدُّنْيَا عِنْده بِحَال لَا يعرفهَا وَلَا يعرف أَحْوَال أَهلهَا وَالْغَالِب عَلَيْهِ سَلامَة الصَّدْر فَلَا يظنّ بِالنَّاسِ الا خيرا واذا قَرَأَ عَلَيْهِ أحد وَلَو درسا وَاحِدًا يسْأَله عَن اسْمه وَاسم أَبِيه وَلَا يزَال يذكرهُ وَيسْأل عَنهُ واذا غَابَ عَنهُ سِنِين وَجَاء اليه يعرفهُ بِمُجَرَّد تكَلمه مَعَه وَلَا يغيب عَنهُ ذهنه وَكَانَ اذا فرغ من الدَّرْس يشْتَغل بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَلم يتَخَلَّف فى سَائِر الاوقات عَن صَلَاة الْجَمَاعَة فى الصَّفّ الاول بالازهر وَيقوم فِيهِ من النّصْف الآخر وَلَا يزَال يتهجد حَتَّى يصلى الصُّبْح مَعَ الْجَمَاعَة وَبعدهَا يقْرَأ النَّاس عَلَيْهِ فى القراآت الى طُلُوع الشَّمْس فَيذْهب حِينَئِذٍ الى فسقية الْجَامِع وَيتَوَضَّأ وَيجْلس للتدريس الى قبيل الظّهْر هَذَا دأبه طول عمره الى أَن نَقله الله الى دَار كرامته قَرَأَ فى بدايته على شُيُوخ كثيرين مِنْهُم الْعَلامَة الشهَاب أَحْمد بن قَاسم العبادى وَأَبُو بكر الشنوانى وَعنهُ أَخذ أكَابِر الشُّيُوخ كَالشَّمْسِ البابلى والنور الشبراملسى وَيس بن زين الحمصى وشاهين الارمناوى وَيحيى الشهاوى وَمُحَمّد

стр. 1348

المنزلاوى وَمَنْصُور الطوخى مُحَمَّد بن عَتيق الحمصى وَغَيرهم وَلم يمت أحد أَخذ عَنهُ الا بِخَير وكراماته كَثِيرَة شهيرة وَكَانَت وَفَاته فى نَيف وَخمسين وَألف وَلم يخلف درهما وَلَا دِينَارا الا ثِيَابه الَّتِى عَلَيْهِ وَدفن بتربة المجاورين وَلما مَاتَ سمع النَّاس قَائِلا يَقُول وهم فى جنَازَته مَاتَ الْعلم الْخَالِص لوجه الله تَعَالَى وَذهب الزّهْد فِيمَا بَين النَّاس بعد مُحَمَّد انا لله وانا اليه رَاجِعُون فَضَجَّ النَّاس وصاحوا وَبكوا ذكره البابلى فَقَالَ مَا رَأينَا فى شُيُوخنَا أثبت قدما فى الزّهْد مِنْهُ وَجَمِيع مَا نَحن فِيهِ من بركته وَقَالَ بعض الشُّيُوخ انه أمة قد خلت رَحمَه الله تَعَالَى ورضى عَنهُ السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عز الدّين بن الْحُسَيْن بن عز الدّين بن الامام الْحسن بن الامام عز الدّين قَالَ ابْن أَبى الرِّجَال هُوَ الْمَعْرُوف فى ألسن الْعَامَّة بِابْن العنزلان أمه مَاتَت وَهُوَ يرضع فعطف الله تَعَالَى عَلَيْهِ عَنْزًا كَانَت عِنْد حَاجته تنفرد عَن الْغنم من المرعى وتجرى حَتَّى تدخل عَلَيْهِ ثمَّ تنفجح لَهُ حَتَّى يُمكنهُ الارتضاع كَانَ من عباد الله الصَّالِحين وَأهل التَّقْوَى وَالْعقد على طَريقَة أهل الطَّرِيقَة كثير الصمت قَلِيل الضحك لم تسمع لَهُ قهقهة وَكَانَ فى أَيَّام شبيبته يعتزل النِّسَاء ويمضى فى الشعاب وَالْجِبَال متخليا متعبدا ثمَّ يعود الى مَسْكَنه بربيع وَكَانَ لَهُ أَصْحَاب صَالِحُونَ يتبركون بخدمته ولقائه ويصفون عَنهُ تمَكنا فى علم الاسماء وَأَنه كَانَ يأتى من الْمَسْجِد فيغلق مَكَانَهُ على سَبِيل الممازحة سويعة ثمَّ يَفْتَحهُ وَهُوَ متبسم وَلَا يعرف الفاتح وَلَا المغلق وَلَا يرى ويروى عَنهُ أَنه تمكن من الصَّنْعَة وَأَنه اسْتَأْجر حَاجا لابيه وَأَعْطَاهُ أُجْرَة من الْفضة الْخَالِصَة المعدنية وَكَانَت لَهُ فكرة عَجِيبَة فى كل شئ وَعمل ناظورا يدْرك بِهِ الْبعيد فأبصر بِهِ من صعدة الى ربيع أَو من ربيع الى صعدة وَالْحكم وَاحِد مولده بِبَيْت الوادى ربيع من أَعمال صعدة فى ثانى ذى الْقعدَة سنة ألف من الْهِجْرَة وَشرح قصيدة الإِمَام الْهَادِي عز الدّين بن الْحُسَيْن الرائية وفيهَا معرفَة الْمَوَاقِيت تكلم على مواد نافعة من علم الْفلك وَمَا يحققونه من الْكُسُوف غير متعرض للاحكام صانه الله عَنْهَا وأعمال الرّبع الْمُجيب وَكَانَت وَفَاته بِهِجْرَة قلله مُسْتَقر سلفه فى رَابِع عشرى ذى الْقعدَة سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وَدفن فى قبَّة جده الامام عز الدّين بن الْحسن الى جنب السَّيِّد الْحسن بن يحيى بن الامام الْحسن الى جِهَة الْيَمين رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَحْمد بن قَاسم الشهير بالقاسمى الحلبى الْفَاضِل الاديب الْمَشْهُور نادرة

стр. 1349

الزَّمَان وفريد الْعَصْر كَانَ غزير الْفضل لطيف الطَّبْع فاق على أهل عصره بصنعة النّظم والنثر ذكره الخفاجى فى الريحانة والخبايا وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر مَا جرى بَينه وَبَينه من المراسلة وَقَالَ البديعى فى وَصفه مَعْدن الْملح والطرف وينبوع النكت والتحف وجاحظ زَمَانه وحافظ أَوَانه وَلَا يخفى طول بَاعه فى فنون الادب وأنواعه فأسرار البلاغة لَا تُؤْخَذ الا مِنْهُ وَدَلَائِل الاعجاز لَا تروى الا عَنهُ مَعَ دماثة أَخْلَاق تعيد ذَاهِب الصِّبَا ورقة دعابة كَأَنَّمَا انتسخها من صحيفَة الصِّبَا ومنطق يسوغ فى الاسماع سلافه يلفظ كَأَنَّهُ اللُّؤْلُؤ والآذان أصدافه وَقَالَ الفيومى فى تَرْجَمته كَانَت وِلَادَته بحلب ثمَّ قدم الرّوم وَصَارَ بهَا من كبار المدرسين ثمَّ كف بَصَره فتقاعد برزق عين لَهُ من قبل السُّلْطَان فانزوى فى بَيته وهرعت اليه الافاضل من كل جَانب فاشتهر فَضله وانتشر علمه فاستمر يقرئ أَنْوَاع الْعُلُوم من كلا مَنْطُوق وَمَفْهُوم ومباد ومقاصد لكل طَالب وقاصد فَانْتَفع بِهِ كثير من الطّلبَة قَالَ وَلما قدمت الرّوم وفدت عَلَيْهِ فَرَأَيْت الْفَضَائِل انقادت اليه فحضرته مجَالِس فى المطول وسيرة ابْن هِشَام فَرَأَيْت مِنْهُ رُتْبَة لَا تنَال بالاهتمام وَمَات وَأَنا بالروم وَدفن بدار الْخلَافَة وَكَانَت لَهُ رُتْبَة فى الادب هى من أَعلَى الرتب وشعره غَايَة فى بَابه لَهُ فِيهِ التشبيهات العجيبة والمضامين الغريبة مَا يكْتب بِمَاء الْوَجْه على الحدق لَا بالحبر على الْوَرق كَقَوْلِه من قصيدة (قد دَعَاهُ الْهوى وداعى التصابى ... لادكار الاوطان والاحباب) (فَأَتَت دون صبره من أَلِيم الوجد نَار شَدِيدَة الالتهاب ... ) (فذوى غصنه الرطيب وجفت ... من رياض الصِّبَا مياه الشَّبَاب) (شعر الْمَرْء نُسْخَة الْعُمر والايام فِيهَا من أصدق الْكتاب ... ) (فاذا تمّ مِنْهُ مَا كتبته ... تربته من شيبَة بِتُرَاب) هَذَا معنى بديع ذكر انه لم يسْبق اليه قَالَ الشهَاب وَقد اتّفق لى مثله فى قولى (لعمرى لقد خطّ المشيب بمفرقى ... رسائل تَدْعُو كل حى الى البلى ... ) (أرى نُسْخَة للعمر سودها الصِّبَا ... وَمَا بيضت بالشيب الا لتنقلا) رَجَعَ (لست آسى على الصِّبَا انما أذكر حَقًا لاقدم الاصحاب ... ) (قد سقتنى عهوده الْعَيْش صفوا ... وكستنيه مونق الجلباب) وَمِنْهَا فى المديح

стр. 1350

(بَحر فضل لَو قيس بالبحر كَانَ الْبَحْر فى جنبه كَلمعِ سراب ... ) (واذا قيل خلقه الرَّوْض أضحى الرَّوْض طلقا بذلك الانتساب ... ) (مزج الْفضل بالغمام كَمَا مازج مَاء الْغَمَام صفو الشّرْب ... ) (مَا عَسى أَن أعد من مكرمات ... ضَبطهَا قد أَبى على الْحساب) (واذا مَا الافكار أمعن فِيهَا ... غرقت من بحورها فى عباب) (أَنْت من نَاظر الزَّمَان سَواد الْعين وَالنَّاس مِنْهُ بالاهداب ... ) وَقَوله (قَالَ لى العاذلون لم ملت عَمَّن ... بمحياه يخجل الانوارا) (قلت كَانَ الْفُؤَاد عشا لَهُ اذ ... كَانَ فرخا وَحين ريش طارا) قَالَ الشهَاب أنشدنى لَهُ فى مليح مصفر العذار كَأَنَّمَا قيدت الابصار مِنْهُ بسلاسل النضار كَأَنَّمَا ملك من الْحسن كَمَا لَهُ فَهد من الذَّهَب لشكاة الغرام سلسلة العداله (لما التحى تمت محَاسِن وَجهه وصفت طباعه ... ) (وَغدا بلطف عذاره ... قمرا أحَاط بِهِ شعاعه) قَالَ الفيومى قلت فى اثباته الشعاع للقمر نقد فانه مُضَاف للشمس كَمَا ان الْمُضَاف للقمر النُّور وَأَيْضًا فان الشعاع والنور انما يحسن استعمالهما فى صفة الشيب لَا فى صفة العذار وفى قَوْله تَعَالَى واشتعل الرَّأْس شيبا تَأْكِيد لهَذَا الْمَعْنى وَله (كَانَ صدغيه فى احمرارهما ... قد صبغا من مدام وجنته) وَله (مَا احمر وَجه حبيبى ان وجنته ... سقته من صبغها خمرًا وَلَا خجلا) (وَإِنَّمَا لفحت خديه من كَبِدِي ... نَار فدبت إِلَى صدغيه فاشتعلا) وَله (صب على الشنب المعسول ذاب أسى ... وَبَات من حر نَار الشوق فى شغل) (كالشمع يبكى وَلَا يدرى أعبرته ... من صُحْبَة النَّار أم من فرقة الْعَسَل) هَذَا الْبَيْت الْأَخير لأبي اسحاق الغزى وَقَبله (اني لأشكو خطوباً لَا أعينها ... ليبرأ النَّاس من لومي وَمن عذلي) كالشمع الى آخر الْبَيْت قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب فى الخريدة عِنْد ذكره رَوَاهُ بَعضهم من حرقة النَّار أَو من فرقة الْعَسَل مُحَافظَة على التَّجْنِيس اللفظى وانا أرويه من صُحْبَة النَّار للتطبيق المعنوى وللقاسمى (قد كنت أبكى على من مَاتَ من سلفى ... وَأهل ودى جَمِيعًا غير أشتات) (وَالْيَوْم اذ فرقت بينى وَبينهمْ ... نُوق بَكَيْت على أهل المودات)

стр. 1351

(فَمَا حَيَاة امْرِئ أضحت مدامعه ... مقسومة بَين أَحيَاء وأموات) وَله من الرباعيات (باربع سقاك كل مزن غادى ... قد كنت مَحل أنسنا الْمُعْتَاد (هَل يلحظنى الزَّمَان بالاسعاد ... يَوْمًا فتعود فِيك لى أعيادى) وَله من قصيدة فى تهنئة بختان (أعلامة الْوَقْت مولى الموالى ... وقرة عين العلى والكمال) (تبوأ من الْمجد أَعلَى مقَام ... وضع نعل مسعاك فَوق الْهَلَاك) (فقد أَيقَن الْمجد أَن المجئ بمثلك للدهر عين الْمحَال ... ) (فبشرى لكم بالختان الذى ... بِهِ لبس الدَّهْر ثوب الْجمال) (هُوَ الشمع ان قطّ لَا غر وَأَن ... أنارت بِهِ حالكات الليالى) هَذَا من قَول ابْن فضل الله فى ختان الْملك النَّاصِر (لم يروع لَهُ الْخِتَان جنَانًا ... قد أصَاب الْحَدِيد مِنْهُ حديدا) (مثل مَا تنقص المصابيح بالقط فتزداد بالضياء وقودا ... ) رَجَعَ (وظفر بتقليمه لَا تزَال ... أكف المكارم مِنْهُ حوالى) (وتشمير ذيل لَدَى الاستباق ... لنيل الامانى وَكسب المعالى) (وَمَا لليراع اذا لم يقط ... فضل يعد على كل حَال) (وَمن بعد بَرى الغصون ازدهت ... عَلَيْهَا الاسنة سمر العوالى) (فَلَا بَرحت من مزاياكم ... يجيد الزَّمَان عُقُود اللآلى) قَوْله وظفر الى آخِره أَصله قَول الغزى (نما لَك ودى حِين قلمت رَأسه ... قِيَاسا على الاقلام والشمع وَالظفر) وَمثل مَا لليراع قَول الصنوبرى (أرى طهرا سيثمر بعد عرسا ... كَمَا قد تثمر الطَّرب المدامه) (وَمَا قلم بمغن عَنْك الا ... اذا مَا ألقيت عَنهُ القلامه) وللقاضى الْفَاضِل الْحَمد لله الذى أطلعه ثنيات الْكَمَال وبلغه غَايَة الْجمال ويسره لدرجات الْجلَال وَنَقله تنقل الْهلَال وشذب مِنْهُ تشذيب الاغصان وهذبه تَهْذِيب الشجعان وأجرى فِيهِ سنة سنّ لَهَا الْحَدِيد فنقصه للزِّيَادَة واستخلصه للسياده ودربه للاصطبار وأدبه للانتصار وَألقى عَنهُ فضلَة فى اطراحها الفضيله

стр. 1352

وَقطع عَنهُ علقَة حق مثلهَا أَن لَا تكون بِمثلِهِ موصوله فَلم يزل التقليم منوها بالاغصان ومنبها للثمر الْوَسْنَان وَمُبشرا بالنما وميسرا لنشور الانتشا وَلابْن مطروح (لقد سرت البشائر والتهانى ... الى الثقلَيْن من انس وجان) (ويصغر كل مبتهج اذا مَا ... نسبناه الى هَذَا الْخِتَان) (تود الزهرة الزهراء فِيهَا ... لَو اتَّخذت لَهَا احدى القيان) (وان الْبَدْر طَار فى يَديهَا ... وان مراسليها الفرقدان) (وتستملى من الافلاك لحنا ... فَمَا قدر المثالث والمثانى) (وتسقى بِالثُّرَيَّا فِيهِ كاسا ... وَلَا أرْضى لَهَا بنت الدنان) (وَلَكِن من رحيق سلسبيل ... بأيدى عبقريات حسان) (ويصغر خَادِمًا بهْرَام فِيهِ ... على مَا فِيهِ من بَأْس الْجنان) (فلولا أَنه فرض علينا ... لما مدت لخاتنه يدان) (وقط الشمع يكسبه ضِيَاء ... وقط الظفر أزين للبنان) ولابى الْقَاسِم الزمخشرى من قصيدة يهنى بهَا بعض الرؤساء بختان بنيه (فى عصرنا لبنيك فضل باهر ... مَا نَالَ أيسره بَنو أَيَّامه) (طهرتم فرعا كَمَا طهرتهم ... أصلا فحازوا طهرهم بِتَمَامِهِ) (وأخو الْكِتَابَة لَا يجود خطه ... حَتَّى ينَال القط من أقلامه) (وَالْكَرم لَيْسَ يبين حسن نموه ... الاعلى التَّنْقِيح من كرامه) (والورد لَيْسَ يفوح طيب رِيحه ... الا اذا انفصمت عرى اكمامه) (وكتابك الْمَخْتُوم لَيْسَ بواضح ... مَعْنَاهُ الا بعد فض ختامه) (وأخو اللطام عَن الذِّرَاع مشمر ... فالكم يشْغلهُ أَوَان لطامه) (وَابْن الوغى مَا لم يسل حسامه ... عَن غمده لم ينْتَفع بحسامه) وللقاسمى (ويلى من المعرض لَا قسوة ... لَكِن لاقوال العدا والوشاة) (مَا لَاحَ للعين سنا وَجهه ... الا وفيهَا من رَقِيب قذاة) وفى مَعْنَاهُ قَول بَعضهم (لم ترد مَاء وَجهه الْعين الا ... شَرقَتْ قبل ريها برقيب) وَله من رِسَالَة (مَا كنت أَحسب أَن يكون كَذَا تفرقنا سَرِيعا ... ) (قد كنت أنْتَظر الوضال فصرت أنْتَظر الرجوعا

стр. 1353

قُرَّة عينى مَا أسْرع مَا طلع نجم التَّفَرُّق فى الْبَين وهجمت على ائتلافنا قواطع الْبَين هلا امْتَدَّ زمَان الاقتراب حَتَّى تتأكد الاسباب وتأخرت أَيَّام الْفِرَاق حَتَّى يتم مِيقَات الِاتِّفَاق واهاً لايام قرب مَا وفت بِمَا فى الضَّمِير وَلَا ساعدت على بَقَائِهَا الْمَقَادِير والى الله أَشْكُو فى الصَّدْر حَاجَة تمر بهَا الاوقات وهى كَمَا هيا وَأقسم بِاللَّه الْعَظِيم انهم عِنْدَمَا قَالُوا الرحيل فَمَا شَككت بأنهار وحى عَن الدُّنْيَا تُرِيدُ رحيلا فيا لَيْت شعرى هَل تحس بفقدى أتذكرنى من بعدى ان فعلت فَمَا أحقك بالاحسان وان نسيت فَمن شيم الانسان النسْيَان وَأما أَنا فانى (أروح وَقد ختمت على فؤادى ... بحبك أَن يحل بِهِ سواكا) (وَلَو أَنى اسْتَطَعْت خفضت طرفى ... فَلم أبْصر بِهِ حَتَّى أراكا) وَله (ورد الْكتاب مبشرا بقدوم من ... مَلأ النُّفُوس مَسَرَّة بقدومه) (فطربت بالاسماع من منثوره ... وثملت بالجريال من منظومه) (وسجدت شكرا عِنْد مورده على ... اسعاد هَذَا العَبْد من مخدومه) وَله من فصل من التَّحِيَّة عندى مَا يستعير الرَّوْض من رياه ويستنير الصُّبْح من محياه وَمن الود مَالا ينقضى يَوْمه وَلَا غده وَمن الشوق مَا أحر نَار الْجَحِيم أبرده وأناله ببلوغ الا وطار وعلو الْمنَار على أبلغ مَا يكون حقق الله تَعَالَى فِيهِ كَمَال مَا أرتجيه وسرنى سَرِيعا بتلاقيه وَمن شعره قَوْله (ودعتكم وَرجعت عَنْكُم والنوى ... سلبت جَمِيع تصبرى وقرارى) (والجفن يقذف بالدموع وَلم أكن ... لولاه أنجو من لهيب النَّار) وَقَوله (وَمن يغتمد بالبشر مِنْك فانه ... جهول بادراك الغوامض مغرور) (فانك مثل السَّيْف يخْشَى مضاؤه ... اذا لمعت فى صفحتيه الاسارير) وَقَوله (نبت عَنْهُم حد الضباب كَأَنَّهَا ... لِكَثْرَة مَا هَانَتْ عَلَيْهِم صوالج) (وحلوا بهَا أعداءهم فَكَأَنَّهَا ... قلائد فى أَعْنَاقهم ودمالج) وَمن // جيد شعره // قَوْله من قصيدة (من شفيعى الى الثنايا الْعَذَاب ... من عذيرى من الغصون الرطاب) (من مجيرى مِمَّا أقاسى من الايام من فرط لوعة واكتئاب ... ) (من نصيرى على الليالى الَّتِى مَا ... زَالَ مِنْهَا مَا بَين ظفر وناب) (أترجى مِنْهَا الْخَلَاص فَألْقى ... من أذاها مَا لم يكن فى حسابى)

стр. 1354

(صَار مِنْهَا قلبى كقرطاس رام ... مزقته مواقع النشاب) (أهوَ الْبَين أشتكيه وَقد عاندنى فى الديار والاحباب ... ) (وكسانى المشيب من قبل أَن أعرف مِقْدَار حق الشَّبَاب ... ) (أم هُوَ الْخطب خطّ مَا جنت الايام من طول محنتى واغترابى ... ) (ومقامى على الهوان بِأَرْض ... أَنا فِيهَا مقوض الاطناب) (أصطلى جَمْرَة الهجير فان رمت شرا بألم ألق غير سراب ... ) (لَيْسَ لى من اذا عرضت عَلَيْهِ ... شرح حالى يرق يَوْمًا لما بى) (بخستنى الايام حقى ظلما ... ورمتنى بالحادث المنتاب) (وأضاعت بَين الصُّدُور بطرق الْفضل سعيى وجيئتى وذهابى ... ) (لَيْت شعرى مَا كَانَ ذنبى الى الايام حَتَّى قد بالغت فى عقابى ... ) (وجفتنى حَتَّى لقد صرت من كل مرام مقطع الاسباب ... ) ) وَقَوله من أُخْرَى أحسن فى غزلها كل الاحسان (مهلا أبثك بعض مَا أَنا وَاجِد ... دمع مقرّ بالذى أَنا جَاحد) (قد كَانَ يخفى مَا تكن ضمائرى ... لَوْلَا الشؤن على الشجون شَوَاهِد) (ولطالما خفيت سطور الوجد من ... حالى فضل بهَا وَغَابَ النَّاقِد) (لَيْت الذى لم يبْق لى من مسعد ... فِيمَا ألاقى من هَوَاهُ مساعد) (لَو لم يحل بينى وَبَين تصبرى ... مَا بَان مَا أَشْقَى بِهِ وأكابد) (حَال كَمَا شاهدت عقل واله ... وجوانح حرا وَوجد زَائِد) (لله مَا أَشْقَى أَخا حب لَهُ ... مَعَ وجده الْيَقظَان حَظّ رَاقِد) (يورى زناد الشوق ذكرَاهُ لَهُم ... فتشب من بَين الضلوع مواقد) وآثاره كَثِيرَة وَلَوْلَا خوف الاطالة لَا السَّآمَة لَا وَردت لَهُ جلّ شعره فان مثل هَذَا الشّعْر لَا يهمل ذكره وَمن وقف عَلَيْهِ عرف كَيفَ يكون الشّعْر وَكَانَت وَفَاته بدار الْخلَافَة فى سنة أَربع أَو خمس وَخمسين وَألف وَقد تقدم ذكر ابْنه عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن عِيسَى بن جميل الْمَعْرُوف بالكلبى المصرى شيخ الْمحيا بِجَامِع الازهر الامام الْمُفِيد الْحجَّة الْوَرع الزَّاهِد الْمَشْهُور أَخذ الْعلم عَن أَبِيه وَغَيره من مَشَايِخ الْقَاهِرَة وأجازوه وبرع وفَاق وَجلسَ فى مجْلِس الْمحيا بعد وَالِده وَهُوَ بعد الشَّيْخ الصَّالح مُحَمَّد البلقينى وَهُوَ بعد وَالِده الْعَالم الربانى والعارف الصمدانى صَالح وَهُوَ بعد

стр. 1355

وَالِده شيخ الاسلام شهَاب الدّين البلقينى وَهُوَ بعد الشَّيْخ بركَة الْوُجُود نور الدّين الشونى عَن اذن من النبى وَكَانَ مُحَمَّد صَاحب التَّرْجَمَة حسن الاخلاق كَرِيمًا سخيا كثير الاحسان لَا سِيمَا للْفُقَرَاء لَا يفتر عَن الصَّلَاة على النبى وَكَانَ ذكيا محصلا لِلْعِبَادَةِ كثير النَّوَافِل وَالطَّاعَة مواظبا على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَكَانَ نَاظرا على وقف الامامين بالقرافة وَسَار فى ذَلِك أحسن سير مَعَ الاحسان لخدمة المكانين وَكَانَت وَفَاته نَهَار الثُّلَاثَاء سَابِع ذى الْحجَّة سنة سبع وَخمسين وَألف وَصلى عَلَيْهِ بالازهر وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى والكلبى نِسْبَة الى دحْيَة الكلبى الصحابى رضى الله عَنهُ لانه من ذُريَّته ودحية بِكَسْر الدَّال وَيجوز فتحهَا كَمَا نقل عَن الاصمعى وَالْمَشْهُور الأول وَهُوَ دحْيَة بن خَليفَة كَانَ من أجمل النَّاس صُورَة وَلذَا كَانَ جِبْرِيل ﵇ يتَمَثَّل فى صورته أَحْيَانًا اذا جَاءَ للنبى كَمَا رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن وَمعنى دحْيَة رَئِيس الْجند كَمَا قَالَه أَئِمَّة اللُّغَة مُحَمَّد بن أَحْمد الاسدى العريشى الْيُمْنَى المكى شيخ الْعُلُوم والمعارف وَمَالك زمامها من تليد وطارف أربى على الْعُمر الطبيعى وَهُوَ ممتع بحواسه من بَيت علم وَصَلَاح مقيمين على تقوى وفلاح رَاض بالكفاف من الرزق الْحَلَال الارغد ناصب النساخة حبلا لصيد معيشته كَمَا عَلَيْهِ السّلف الطَّاهِر الامجد اشْتغل بالفقه وبرع وأعرب فى النَّحْو قبل ان بترعرع وَأخذ من الْعُلُوم بتصيب وافر ولازم الْعلمَاء الائمة الاكابر كالسيد عمر البصرى وَالشَّيْخ خَالِد الْمَالِكِي وَعبد الْملك العصامى وَعنهُ وَلَده الْعَلامَة أَحْمد والقاضى على العصامى وَعبد الله العباسى وَغَيرهم وَألف مؤلفات عديدة مفيدة مِنْهَا شرح الكافى فى علمى الْعرُوض والقوافى فى نَحْو عشرَة كراريس وَمِنْهَا اخْتِصَار الْمِنْهَاج للنووى وَمِنْهَا شرح على الاجرومية مُخْتَصر وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فى سنة سِتِّينَ وَألف وَدفن بالشبيكة مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن مُحَمَّد بن اسمعيل بن شعْبَان الرئيس الْكَبِير الْمَعْرُوف بِابْن الغصين الغزى كَانَ رَئِيسا جليل الْقدر وَاسع الْكَرم لم يصل الى غَزَّة أحد من الواردين عَلَيْهَا الا وبادر الى زيارته وَحمل اليه مَا يَلِيق بِحَالهِ وتقرب الى قلبه بِكُل طَرِيق وبالخصوص أهل الْعلم والادب وَهُوَ الذى قَالَ فِيهِ حَافظ الْمغرب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد المقرى بيتيه الْمَشْهُورين وَكَانَ مرعلى غَزَّة عِنْد رحلته الى الشَّام فبذل فى اكرامه جهده فَقَالَ فِيهِ

стр. 1356

(يَا سائلى عَن غَزَّة ... وَمن بهَا من الانام ... ) (أَجَبْتهم مرتجلا ... ابْن الغصين وَالسَّلَام) وَحكى لى صاحبنا الاديب ابراهيم بن سُلَيْمَان الجنينى نزيل دمشق أَن شيخ الاسلام خير الدّين الرملى كَانَ توجه الى غَزَّة فى بعض السنين لامر اقْتضى قَالَ وَكنت مَعَه فَنزل عِنْد الرئيس مُحَمَّد بن الغصين الْمَذْكُور فَرَأى بيتى المقرى مكتوبين على جِدَار الْمَكَان الْمعد للاضياف فَكتب تحتهما ارتجالا (دَار الغصين محط كل مُسَافر ... وتكية لِابْنِ السَّبِيل العابر) (وَبهَا المكارم والمفاخرة التقى ... يَا رب فاعمرها ليَوْم الآخر) وعَلى الْجُمْلَة فان مُحَمَّدًا صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ من أفرادالكرام والرؤساء وَله مَنَاقِب فى الْكَرم لَا تعد ومزايا لَا تُوصَف وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الاحد عشرى الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بغزة وَلم يخلف مثله فى الْكَرم والنباهة رَحمَه الله تَعَالَى السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن الامام الْحسن بن دَاوُد بن الْحسن ابْن الامام النَّاصِر ابْن الامام عز الدّين بن الْحسن بن على بن الْمُؤَيد بن جِبْرِيل بن مُحَمَّد بن على بن الامام الداعى يحيى بن المحسن بن يحيى بن يحيى بن النَّاصِر بن الْحسن بن الامير الْعَالم المعتضد بِاللَّه عبد الله بن الامام الْمُنْتَصر لدين الله مُحَمَّد بن الامام الْمُخْتَار لدين الله الْقسم ابْن الامام النَّاصِر لدين الله أَحْمد بن الامام الهادى الى الْحق يحيى بن الْحُسَيْن ابْن الْقسم السَّيِّد الباسل الشجاع الْحَلِيم عين الزَّمَان وبهجة المحافل صَاحب الآراء الثاقبة والمحامد الواسعة نَشأ على الْعلم وَالصَّلَاح بعد موت أَبِيه وصبر على مشاق الْوَقْت وقاسى فى عنفوان شبابه أمورا صَبر لَهَا حَتَّى أفضت بِهِ الى مَحل من الْخَيْر لَا يدْرك وَقَرَأَ بِصَنْعَاء وصعدة وَكَانَ كثير المذاكرة وحضرته معمورة بالفضلاء وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ يَقُود المقانب ويشارك فى الْمُهِمَّات كَأحد أَوْلَاد الْقسم بن مُحَمَّد وَكَانَ لَا يعد نَفسه الا مِنْهُم وَلَا يعدونه هم الامن الا من أجلائهم وَلم يزل مَعَ السَّيِّد الْحسن بن الامام الْقسم فى جَمِيع الْمشَاهد ثمَّ ولاه العدين وَهُوَ اقليم متسع فحسنت حَاله واستقامت حَال خلائق مَعَه وَعلا صيته فى الْعلم والجاه والرياسة ثمَّ كَانَ أحد أَعْيَان دولة الامام المتَوَكل على الله اسماعيل بن الامام الْقسم وَكَانَ بَينهمَا ود أكيد وَتَوَلَّى فى أَيَّامه مَعَ العدين حيس من تهَامَة وبندر المخا وَحِينَئِذٍ أَلْقَت اليه الدُّنْيَا أفلاذ

стр. 1357

كَبِدهَا وعاش حميدا وَلم يشْتَغل بتكلفة وَشرح كَافِيَة ابْن الْحَاجِب وَشرح الْهِدَايَة فى الْفِقْه وَكَانَ يحب الادب وَأَهله وَله نظم رائق مِنْهُ قَوْله (طرب يهيج اليعملان سبانى ... وجوى بأطباق الْفُؤَاد ذوانى) (وتعللى بخلت بِهِ ريق الصِّبَا ... وتصبرى كرمت بِهِ أجفانى) (ان الحبيب وَقد تناءت دَاره ... أغرى فؤاد الصب بالاحزان) (لَو زار فى طيف الْكرَى متفضلا ... بجماله وَحَدِيثه اشفانى) (أَو لَو تفضل بالوصال تكرما ... أَصبَحت من قتلاه بالاحسان) (يَا عاذلى عَنى فلست بمر هُوَ ... عذل العدى ضرب من الهذيان) (لَوْلَا طُلُوع الشَّمْس فى كبد السما ... خلناه أشرف من علا كيوان) (فَكَأَنَّهُ السفاح مَنْصُور اللوا ... جَاءَت صوارمه على مَرْوَان) (وكانه الهادى بِنور جَبينه ... وكاننى المهدى فى اذعان) (وَكَانَ نور جَبينه من يُوسُف ... فَأَنا الرشيد بِهِ الى الايمان) (يَا أَيهَا الْمَأْمُون عِنْد الهه ... والمتبع الاحسان بالاحسان) (والحاشر الماحى المؤمل للورى ... تَحت اللوا ذخْرا الى الرَّحْمَن) (الْمُصْطَفى الهادى النبى أجل من ... وطئ الثرى وحباه الْقُرْآن) (الْجَار وَالرحم الذى أوصى بِهِ ... رب السما ودعاك بالاعلان) (فَالله فى أَبَا شبير وشبر ... كى لَا أَخَاف طوارق الْحدثَان) وَلما كَانَ الْحَج الْكَبِير الذى اجْتمع فِيهِ أَعْيَان من آل القمم وَغَيرهم من جُمْلَتهمْ السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْقسم وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم وَكَانَ مَعَهم أَعْيَان كالقاضى أَحْمد بن سعد الدّين وَأَظنهُ عَام ثَلَاث وَخمسين جعل الامام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقسم أَمِير هَؤُلَاءِ جَمِيعهم صَاحب التَّرْجَمَة وَبِالْجُمْلَةِ فمحاسنه وفضائله كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته يَوْم الاربعاء ثامن عشر ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف ببندر المخا وَنقل الى حيس فَدفن بهَا فى التربة الَّتِى أعدهَا لَهَا بِوَصِيَّة مِنْهُ مُحَمَّد بن أَحْمد الملقب بشمس الدّين الْخَطِيب الشوبرى الشافعى المصرى الامام المتقن الثبت الْحجَّة شيخ الشَّافِعِيَّة فى وقته وَرَأس أهل التَّحْقِيق والتدريس والافتاء فى جَامع الازهر وَكَانَ فَقِيها اليه النِّهَايَة ثَابت الْفَهم دَقِيق النّظر متثبتا

стр. 1358

فى النَّقْل متأدبا مَعَ الْعلمَاء مُعْتَقد اللصوفية حسن الْخلق والخلق مهابا ملازما للعبادات وحظى حظوة فى الْفِقْه لم يحظها أحد فى عصره بِحَيْثُ ان جَمِيع معاصريه كَانُوا يرجعُونَ اليه فى الْمسَائِل المشكلة وَكَانَ يلقب بشافعى الزَّمَان حضر الشَّمْس الرملى ثَمَان سِنِين وَأَجَازَهُ بالافتاء والتدريس سنة ألف وَلزِمَ النُّور الزيادى وَأخذ الحَدِيث عَن أَبى النجا سَالم السنهورى وابراهيم العلقمى والعلوم الْعَقْلِيَّة عَن الشَّيْخ مَنْصُور الطبلاوى وَعبد الْمُنعم الانماطى وَأَجَازَهُ شُيُوخه وشهدوا لَهُ بِالْفَضْلِ التَّام واشتهر بِالْعلمِ وَالْجَلالَة وَكَانَ يقرى مُخْتَصر المزنى وَشرح الرَّوْض والعباب وَغَيرهَا من الْكتب الْقَدِيمَة المطولة وَكَانَ يمِيل اليها وَهُوَ آخر من قَرَأَ بِجَامِع الازهر شرح الرَّوْض والمختصر والعباب وانتفع بِهِ كثير من الْعلمَاء مِنْهُم النُّور الشبراملسى وَالشَّمْس البابلى وَيس الحمصى وَغَيرهم وَألف مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الْمنْهَج وحاشية على شرح التَّحْرِير وحاشية على شرح الاربعين لِابْنِ حجر وحاشية على الْعباب وَله فَتَاوَى مفيدة وَكَانَت وِلَادَته فى حادى عشرى شهر رَمَضَان سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى لَيْلَة الثُّلَاثَاء سادس عشرى جُمَادَى الاولى سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بتربة المجاورين والشوبرى تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فى تَرْجَمَة أَخِيه أَحْمد مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن سُلَيْمَان الْمَعْرُوف بالاسطوانى الدمشقى الحنفى الْفَقِيه الْوَاعِظ الاخبارى أعجوبة الزَّمَان ونادرة الْوَقْت كَانَ من منن الله تَعَالَى على عباده لم يزل يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر وَكَانَ ورعا ناسكا متقشفا مخشوشنا كثير العبوس فى وُجُوه النَّاس لما يكرههُ مِنْهُم شَدِيد الانكار عَلَيْهِم فِيمَا يُخَالف الشَّرْع لَا يقنع فى أَمر الله بِغَيْر اظهاره وَكَانَ مطبوعا على الالتذاذ بذلك متحملا للاذى من النَّاس بِسَبَبِهِ وَبلغ القَوْل فِيهِ الى أَنه حرم البقلاوة وأمثالها لما كَانَ يحرم الْحَرَام وَكَانَ أحد أَعَاجِيب الدُّنْيَا فى حلاوة الْمنطق وَحسن التأدية وَمَعْرِفَة أساليب الْكَلَام لَا يمل حَدِيثه بِحَال بل كلما طَال طَابَ وَبِالْجُمْلَةِ فَلم ير نَظِيره فى هَذَا الدّور وَلم يسمع بِمثلِهِ فى أَوْصَافه كَانَ فى الاصل على مَذْهَب أسلافه حنبليا ثمَّ انْتقل الى مَذْهَب الشافعى وَقَرَأَ الْفِقْه على مَشَايِخ عصره مِنْهُم الشَّمْس الميدانى والنجم الغزى وَغَيرهمَا وَأخذ الْعَرَبيَّة والمعقولات عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى وَالشَّيْخ عمر القارى والامام يُوسُف بن أَبى

стр. 1359

الْفَتْح وَأخذ الحَدِيث عَن أَبى الْعَبَّاس المقرى فى قَدمته لدمشق ودرس بالجامع الاموى ثمَّ رَحل الى مصر وَأخذ بهَا عَن الْبُرْهَان اللقانى والنور على الحلبى وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْيُمْنَى وَالشَّمْس البابلى وَقدم الى دمشق فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف ودرس بهَا وَأفَاد وَوَقع بَينه وَبَين شَيْخه النَّجْم الغزى فى مسئلة فسافر الى الرّوم بحرا فأسرته الفرنج ثمَّ خلص بعد مُدَّة قَليلَة وَوصل الى دَار الْخلَافَة فَأَقَامَ بهَا وَحسن حَاله وَحصل جِهَات وعلوفات وَتزَوج وجاءه أَوْلَاد ثمَّ تحنف وَصَارَ اماما بِجَامِع السُّلْطَان أَحْمد ولازم على عَادَة موالى الرّوم ثمَّ قدم الى دمشق حَاجا فى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَعَاد الى الرّوم فَصَارَ واعظا بِجَامِع السُّلْطَان أَبى الْفَتْح مُحَمَّد خَان واشتهر بِحسن الْوَعْظ ولطافة التَّعْبِير فانكيت عَلَيْهِ النَّاس وَلَزِمَه جمَاعَة قاضى زَاده الرومى وَعظم حزبه فَبَالغ فى النهى عَن أَشْيَاء كَانَ غَنِيا عَنْهَا فكاد أَن يُوقع فتْنَة فعزل عَن وَظِيفَة الْوَعْظ وَنفى الى جَزِيرَة قبرس ثمَّ أَمر بِالْمَسِيرِ الى دمشق فوردها فى سنة سبع وَسِتِّينَ وَأقَام بهَا وَلزِمَ الدَّرْس تَحت قبَّة النسْر بالجامع الاموى بَين العشاءين وَبعد الظّهْر وَنشر عليم القراآت والمواعظ وَأقر أشرح الهمزية وَرغب النَّاس فى حُضُور دروسه من عُلَمَاء وعوام لحسن تَقْرِيره وعذوبة تفهيمه ولطافة مناسباته وَسمعت والدى رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول ان درسه كَانَ يَلِيق أَن يرحل اليه من بلد الى بلد وانه قرر أَشْيَاء لم يسْمعهَا من أهالى دمشق أحد وَفِيه يَقُول الامير المنجكى (ان سمع الْعُقُول يصغى لقَوْل الاسطوانى والقلوب لَدَيْهِ ... ) (جمع الْفضل والمكارم حَتَّى ... كل حسنى تعزى وتنمى اليه) (رجل جَاءَ فى الزَّمَان أخيرا ... يحْسد الاول الاخير عَلَيْهِ) ٥ وَكَانَ بِدِمَشْق بعض مناكر فتقيد بازالتها أَو تخفيفها وَمن جُمْلَتهَا لبس السوَاد خلف الْمَيِّت وَرفع الصَّوْت بالولولة وأعهده يَوْمًا فى جَنَازَة بعض أَقَاربه وأقاربى أَمر جماعته بِحمْل عصى تَحت أصوافهم فَلَمَّا خرجت الْجِنَازَة من بَاب السلسلة وباشر النِّسَاء الولولة أَشَارَ الى جماعته بضربهن فضربوهن وَلم يدعهن يخْرجن الى الْمقْبرَة وَله غير ذَلِك مِمَّا يحْمَدُوا الى هَذَا أَشَارَ الامير المنجكى أَيْضا فى مدحه (جوزيت من رب الْهدى عَن خلقه ... مَاذَا تشا وكفيت شَرّ الْحَسَد) (أبعدتهم عَن كل لَهو مرشدا ... حَتَّى اهْتَدَى من لم يكن بالمهتدى)

стр. 1360

(وَصحت بك الدُّنْيَا فَلَيْسَ يرى بهَا ... من مُسكر الالحاظ الخرد) ثمَّ وجهت اليه الْمدرسَة السليمية بِدِمَشْق وَكَانَ بَعضهم يزْعم انه يطعن فى سُلْطَان الْعلمَاء والاولياء الشَّيْخ محيى الدّين الاكبر بن عربى قدس الله تَعَالَى سره الْعَزِيز فَلَمَّا ولى الْمدرسَة ظَهرت محبته لَهُ وَأثبت نسبه الى الشَّيْخ حسن القيمرى وَأخذ توليه البيمارستان بالصالحية وَجمع عقارات وأملاكا كَثِيرَة وَلم أسمع انه ألف أَو قَالَ شعرًا غير أَنى ظَفرت لَهُ بتحريرات على عِبَارَات فى التَّفْسِير وَالْفِقْه وَكَانَ فِيمَا يمليه مُسْتَوْفيا أَقسَام الْمُنَاسبَة وَمن املائه لمُحَمد بن الْحَنَفِيَّة كل عزلا يوطده علم فالى ذل مصيره وَمِنْه لَو كشف الغطاء لما اختير غير الْوَاقِع من عرف الله أَزَال التهمه وَقَالَ كل فعله بالحكمة وَمِنْه قوام الدُّنْيَا بِأَرْبَع السُّلْطَان وجنده وَالْعُلَمَاء والصوفية والتجار وأرباب الصَّنَائِع وَغَيرهم من قبيل الاشراء والهمل قَالَ وَأوصى عبد الْمطلب قبل وَفَاته أَبَا طَالب بنبينا مُحَمَّد وَقَالَ فِيمَا أوصى بِهِ (أوصى ابا طَالب بعدى بذى رحم ... مُحَمَّد وَهُوَ فى ذَا النَّاس مَحْمُود) (هَذَا الذى تزْعم الاحبار ان لَهُ ... أمرا سيظهره نصر وتأييد) (فى كتب مُوسَى وَعِيسَى مِنْهُ بَيِّنَة ... كَمَا يحدثنى القوام العبابيد) (فاحذر عَلَيْهِ شرار النَّاس كلهم ... والحاسدين فان الْخَيْر مَحْسُود) وَمِنْه اللُّغَة أَرض وَبَقِيَّة الْعُلُوم غراساتها وَمن املائه للبحترى (الجاهلان اثْنَان من دون الورى ... فافطن أخى وان هما لم يفطنا) (من قَالَ مَا بِالنَّاسِ عَنى من غنى ... من جَهله أَو قَالَ بى عَنْهُم غنى) وَلما انْحَلَّت بقْعَة درس الحَدِيث تَحت قبَّة النسْر بِجَامِع بنى أُميَّة عَن الشَّيْخ سعودى الغزى مفتى الشَّافِعِيَّة الْمُقدم ذكره طلها الاسطوانى من قاضى الْقُضَاة وَاجْتمعَ هُوَ وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن تَاج الدّين المحاسنى فى مجْلِس القاضى وَكَانَ الآخر طَالبا لَهَا فَوَقع بَينهمَا مقاولة ومخاصمة وَقيل انهما تشاتما بِأَلْفَاظ قبيحة ثمَّ وجهت الْبقْعَة للمحاسنى وَمرض الاسطوانى من يَوْمه وَبعد أسبوعين توفى وَلم تطل مُدَّة الآخر حَتَّى توفى بعده وقرأت بِخَط الاسطوانى ان وِلَادَته كَانَت لَيْلَة الِاثْنَيْنِ سَابِع عشر الْمحرم سنة سِتّ عشرَة بعد الالف وَتوفى قبيل الظّهْر من يَوْم الاربعاء سادس وعشرى الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف بالحمى المحرقة وَدفن بمقبرة الفراديس الْمَعْرُوفَة بالغرباء وَقَالَ شَيخنَا عبد الْغنى النابلسى فى تَارِيخ وَفَاته

стр. 1361

(قدمات حاوى الْعُلُوم طرا ... مُحَمَّد كعبة الْوُفُود) (الاسطوانى طود علم ... وَمن تسامى بفرط جود) (فضر كل الانام أرخ ... ممات عَلامَة الْوُجُود) مُحَمَّد بن أَحْمد بن عمر حماده الحمادى الشافعى الْكَاتِب الاديب الْفَاضِل كَانَ من رُؤَسَاء الْكتاب بديوان دجرجا قَصَبَة صَعِيد مصرا الْعُظْمَى قدم مصر وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ سُلْطَان المزاحى ومعاصريه وَكَانَ قَرَأَ بِبَلَدِهِ على شُيُوخ كثيرين وَله رِوَايَات عالية فى الحَدِيث وَكَانَ عذب اللِّسَان قوى الْجنان لَهُ معرفَة جَيِّدَة بعلوم الطَّرِيق وَألف فِيهِ رسائل وَله مِعْرَاج على أسلوب غَرِيب وَهُوَ انه جرد سؤالا من نَفسه فى حَقِيقَة الْخمْرَة الَّتِى يتغزل بهَا العارفون واليها يشيرون وعنها يخبرون ويصفونها بالسكر والغيبة وفى كَيْفيَّة الِاتِّصَال الى تِلْكَ الْمرتبَة وَمَتى يتَقرَّب اليها من اجتباه تَعَالَى وقربه وَأجَاب عَنهُ وَله أشعار كَثِيرَة وَلم يحفظ لَهُ الا هَذَا الْبَيْت من قصيدة وَهُوَ (وسرت الى مَا أحجم الْعقل دونه ... ونلت أمورا لَا يُحِيط بهَا فكرى) وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف يدجرجاً وَبهَا دفن رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَحْمد أَبى عصبَة بن الهادى من ذُرِّيَّة الشَّيْخ اسماعيل الحضرمى موقف الشَّمْس المدفون ببلدة الضُّحَى بِقرب بَيت الْفَقِيه ابْن عجيل واشتهر بالعبادى نِسْبَة لجده لامه الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد البكرى العبادى نِسْبَة الى عبَادَة قَرْيَة بِمصْر وَكَانَ جده الْمَذْكُور من أكَابِر الاولياء الآخذين عَن الشَّيْخ القطب بدر الدّين العادلى الْمَشْهُور قَبره بِمَكَّة ولد صَاحب التَّرْجَمَة بِمَكَّة سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف تَقْرِيبًا وَنَشَأ فى حجر وَالِده أُمِّيا وَظَهَرت لَهُ فى أَوَاخِر عمره خوارق عادات عَجِيبَة مَعَ انه كَانَ سالكا طَرِيق الملامتية فى تخريب الظَّاهِر بِأَكْل الْحَشِيش والاكثار مِنْهُ الا أَن كثيرا مِمَّن تعاطى شربه عِنْده أخبر بِأَنَّهُ مَا أثر فِيهِ مَعَ انه أَكثر مِنْهُ جدا واستبدل بذلك على انقلاب عينه أَو بطلَان ضَرَره وَمن كراماته مَا أخبر بِهِ ثِقَة ان جمَاعَة وفدوا عَلَيْهِ للزيارة فَأمره أَن يصب لَهُم قهوة من اناء معِين وَقد تحقق الْمَأْمُور خلوه من القهوة وَلم يسْتَطع أَن يواجه أمره بالاباء عَن صب القهوة فَأمره ثَانِيًا فامتثل أمره فَتَنَاولهَا ليصب مِنْهَا فَوَجَدَهَا ملآنة قهوة فصب لَهُم مِنْهَا مَا كفاهم وَبقيت بِحَالِهَا وَمِنْهَا أَن شخصا صَادِقا أخبر انه يطير فى الْهَوَاء وَمِنْهَا ان

стр. 1362

كثيرين شاهدوا مِنْهُ الصّرْف من الْغَيْب فِيمَا يُنْفِقهُ فى بعض أوقاته وَمِنْهَا ان شخصا كَانَ يحب آخر لغَرَض فَاسد فَذهب مَعَه لمحل ليختلى بِهِ فَمر من تَحت بَيت المترجم فَرَآهُ فناداه فطلع اليه فَأمره بِالْجُلُوسِ مَعَ صَاحبه بَقِيَّة يَوْمه ومنعهما من الذّهاب وجلسا عِنْده فى ذَلِك الْيَوْم الى آخر النَّهَار فَأَمرهمَا بالانصراف وَقَالَ للمحب يَا فلَان ذهب عَنْك الْحَال الذى كنت فِيهِ الْيَوْم قَالَ فَزَالَ وَالله من ذَلِك الْوَقْت عَنى جَمِيع مَا كنت أَجِدهُ من تِلْكَ الْمحبَّة الْمَذْكُورَة وتبت الى الله تَوْبَة خَالِصَة وَله من هَذَا الْقَبِيل كرامات كَثِيرَة لَا يُمكن استقصاؤها لكثرتها وَمن غَرِيب مَا اتّفق لَهُ ان ثَلَاثَة من أَصْحَابه زاروه يَوْمًا سنة مَوته فتذاكروا الْمَوْت فَقَالُوا لَهُم على سَبِيل المداعبة قد قربت وفاتى جدا وَأَنت يَا فلَان تلحقنى بِسُرْعَة ثمَّ فلَان ثمَّ فلَان فصاحوا عَلَيْهِ وَقَالُوا مَا كَانَ لنا حَاجَة بِهَذَا الْكَلَام فَقَالَ لابد من ذَلِك فَمَا مَضَت أَيَّام قَليلَة حَتَّى مَاتَ ولحقه المذكورون كَمَا ذكر وَاحِدًا بعد وَاحِد وَكَانَت وَفَاته فى يَوْم الاربعاء ثَالِث وعشرى شهر ربيع الثانى سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن ببيته الذى كَانَ يسكنهُ ملاصقا لقبر أَبِيه وجده لامه بِقرب جبل شظا على طَرِيق الذَّاهِب الى المعلاة رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَحْمد بن على البهوتى الحنبلى الشهير بالخلوتى المصرى الْعَالم الْعلم امام الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول الْمُفْتى الْمدرس ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ وَأخذ الْفِقْه عَن الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن البهوتى الحنبلى تلميذ الشَّمْس مُحَمَّد الشامى صَاحب السِّيرَة ولازم الْعَلامَة مَنْصُور البهوتى الحنبلى وَأخذ الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة عَن الشهَاب الغنيمى وَبِه تخرج وانتفع واختص بعده بِالنورِ الشبراملسى ولازمه فَكَانَ لَا يُفَارِقهُ فى دروسه من الْعُلُوم النظرية وَكَانَ يجرى بَينهمَا الدَّرْس محاورات ونكات دقيقة لَا يعرفهَا من الْحَاضِرين الا من كَانَ من أكَابِر الْمُحَقِّقين وَكَانَ الشبراملسى يجله ويثنى عَلَيْهِ ويعظمه ويحترمه وَلَا يخاطبه الا بغاية التَّعْظِيم لما هُوَ عَلَيْهِ من الْفضل ولكونه رَفِيقه فى الطّلب وَلم يزل ملازما لَهُ حَتَّى مَاتَ وَكتب كثيرا من التحريرات مِنْهَا تحريراته على الاقناع وعَلى الْمُنْتَهى جردت بعد مَوته من هَامِش نُسْخَة فبلغت حَاشِيَة الاقناع اثنى عشر كراسا وحاشية الْمُنْتَهى أَرْبَعِينَ كراسا وَله شعر مِنْهُ قَوْله (سمحت بعد قَوْلهَا لفؤادى ... ذب أسى يَا فُؤَاده وتفتت) (وَنَجَا الْقلب من حبائل هجر ... نصبتها لصيده ثمَّ حلت)

стр. 1363

وَقَوله (كَانَ الدَّهْر فى خفض الاعالى ... وفى رفع الاسافلة اللئام) (فَقِيه عِنْده الاخبار صحت ... بتفضيل السُّجُود على الْقيام) يُشِير الى أَن كَثْرَة السُّجُود أفضل من الْقيام بِنَاء على مَذْهَب الْحَنَابِلَة وَكَانَت وَفَاته بِمصْر بعد نصف لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع عشر ذى الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف السَّيِّد مُحَمَّد يحيى بن الامير أَحْمد نظام الدّين بن مَعْصُوم الحسينى أَخُو السَّيِّد على صَاحب السلافة قَالَ أَخُوهُ فى وَصفه أخى وشقيقى وَابْن أَبى وصديقى وَمن لَا أرى غَيره بى أَحَق اذا حصحص الْحق لَا كَمَا قَالَ مهيار (سَأَلتك بالمودة يَا ابْن ودى ... فانك بى من ابْن أَبى أَحَق) ماجد ثبتَتْ فى الْمجد وثائقه وفاضل تشبثت بِالْفَضْلِ علائقه أحرز من الادب النَّصِيب الاوفر وَتمسك مِنْهُ بِمَا أخجل طيب نشره بالمسك الاذفر الى دماثة شيم واخلاق مَا شان قشيب أبرادها اخلاق وَصدق صداقة وَصفا وَحسن مَوَدَّة ووفا أبرم بهما عقد اخائه وهب بذكائهما نسيم رخائه وَله شعر تَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب طرائقه وَيملك مسامع أولى الاشواق شائقه ورائقه فَمِنْهُ قَوْله (تذكرت أَيَّام الحجيج فأسبلت ... جفونى بِمَاء واستجد بى الوجد) (وأيامنا بالمشعرين الَّتِى مَضَت ... وبالخيف اذ حادى الركاب بِنَا يَحْدُو) وَقَوله مُخَاطبا لى (وَمَا شوق مقصوص الجناحين مقْعد ... على الضيم لم يقْعد عَن الطيران) (بِأَكْثَرَ من شوقى اليك وانما ... رمانى بِهَذَا الْبعد مِنْك زمانى) وَقَوله أَيْضا (أَلا لاسقى الله البعاد وجوره ... فان قَلِيلا مِنْهُ عَنْك خطير) (وَوَاللَّه لَو كَانَ التباعد سَاعَة ... وَأَنت بعيدانه لكثير) وَقَوله أَيْضا (أَلا يَا زَمَانا طَال فِيهِ تباعدى ... أما رَحْمَة تَدْنُو بهَا وتجود) (لألقى الذى فَارَقت انسى اذ نأى ... فها أَنا مسلوب الْفُؤَاد فريد) وَكتب الى مادحا وعَلى فنن البلاغة صادحا وَذكر لَهُ قصيدة انتخبت مِنْهَا هَذَا الْمِقْدَار ومطلعها (أفق أيهذا الْقلب عَمَّا تحاوله ... فانك مهما زِدْت زَاد تَشَاغُله)

стр. 1364

(دع الدَّهْر يفعل كَيفَ شَاءَ فقلما ... يروم امْرُؤ شَيْئا وَلَيْسَ يواصله) (وَمَا الدَّهْر الا قلب فى أُمُوره ... فَلَا يغترر فى الْحَالَتَيْنِ معامله) (وَيَا طالما طَابَ الزَّمَان لواجد ... فسر وَقد ساءت لَدَيْهِ أَوَائِله) (سقى ورعى الله الْحجاز وَأَهله ... ملثا تعم الارض سقيا هُوَ اطله) (فان بِهِ دارى وَدَار عزيزة ... على وَمهما أشغل الْقلب شاغله) (وَلَكِن لى شوقا الى خلتى الَّتِى ... مَتى ذكرت للقلب هَاجَتْ بِلَا بله) (أَبيت ولى مِنْهَا حنين كأننى ... طريح طعان قد أُصِيبَت مقاتله) (هوى لَك مَا أَلْقَاهُ يَا عذبة اللمى ... والا فصعب مَا أَنا الْيَوْم حامله) (أكابد فِيك الشوق والشوق قاتلى ... وأسأل عَمَّن لم يجب من يسائله) (تقى الله فى قتل امْرِئ طَال سقمه ... والا فان الهجر لَا شكّ قَاتله) (صليه فقد طَال الصدود فقلما ... يعِيش امْرُؤ والصد مِمَّن يقاتله) (حَزِين لما يلقاه فِيك من الجوى ... فها هُوَ مضنى مدنف الْجِسْم ناحله) (بلَى ان يكن لى من على وعزمه ... معِين فانى كلما شِئْت نائله) فَرَاجعه عَنْهَا بقوله (اليك فقلبى لَا تقر بلابله ... اذا مَا شدت فَوق الغصون بلابله) (تهيج لى ذكرى حبيب مفارق ... زر ود وخروى والعقيق مَنَازِله) (سقاهن صوب الدمع منى ووبله ... منَازِل لَا صوب الْغَمَام ووابله) (يحل بهَا من لَا أصرح باسمه ... غزال على بعد المزارا غازله) (تقسمه لِلْحسنِ عبل ودقة ... فرن وشاحاه وَصمت خلاخله) (وَمَا أَنا بالناسى ليالى بالحمى ... تقضت وَورد الْعَيْش صفو مناهله) (ليالى لَا ظبى الصريم مصارم ... وَلَا ضَاقَ ذرعا بالصدود مواصله) (وَكم عاذل قلبى وَقد لج فى الْهوى ... وَمَا عَادل فى شرعة الْحبّ عاذله) (يلوموه جهلا بالغرام وانما ... لَهُ وَعَلِيهِ بره وغوائله) (فَللَّه قلب قد تَمَادى صبَابَة ... على اللوم لَا تنفك تغلى مراجله) (وبالحلة الفيحاء من أبرق الْحمى ... رداح حماها من قِنَا الْخط ذابله) (تميس كَمَا مَاس الردينى مائدا ... وتهتز عجبا مثل مَا اهتز عَامله) (مهفهفة الكشحين طاوية الحشا ... فَمَا مائد الْغُصْن الرطيب ومائله)

стр. 1365

(تعلقتها عصر الشبيبة وَالصبَا ... وَمَا علقت بِي من زمانى حبائله) (حذرت عَلَيْهَا آجل الْبعد والنوى ... فعاجلنى من فادح الْبَين عاجله) (الى الله يَا أَسمَاء نفسا تقطعت ... عَلَيْك غراما لَا أَزَال أزاوله) (وخطب بعاد كلما قلت هَذِه ... أواخره كرت على أَوَائِله) (لَئِن حَار دهر بالتفرق واعتدى ... وغال التدانى من دهى الْبَين غائله) (فانى لارجو نيل مَا قد أملته ... كَمَا نَالَ من يحيى الرغائب آمله) (من النَّفر الغر الَّذين بمجدهم ... تأطد ركن الْمجد وَاشْتَدَّ كَاهِله) (لقد ألبست نفس المعالى بروده ... وزرت على شخص الْكَمَال غلائله) وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَجَاء تَارِيخ مولده لبَعْضهِم من أَبْيَات (ان قلت مَا تَارِيخ مولده فَقل ... حبر الزَّمَان بدى بأشرف طالع) وَذهب الى وَالِده بِالْهِنْدِ وَأقَام الى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته بهَا فى سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْعُمْرَى الْمَعْرُوف بِابْن عبد الهادى الدمشقى الصوفى الشَّيْخ الْبركَة المعمر بَقِيَّة السّلف كَانَ من خير خلق الله مهاب الشكل عَلَيْهِ نور الْولَايَة وَالصَّلَاح وَكَانَ عَالما بالعقائد والتصوف وَكَلَام الْقَوْم حسن الْفَهم مداوما على الدَّرْس والافادة وانتفع بِهِ خلق وَكَانَ لطيف الطَّبْع حُلْو الْعبارَة متواضعاخلوقا وَلم يكن أَصْبِر مِنْهُ على الْفَاقَة وَحكى لى بعض من أعْتَمد عَلَيْهِ انه سَمعه مرّة يَقُول أَنا من مُنْذُ ثَلَاث سنوات لم أر فى يدى شَيْئا من الْمُعَامَلَة وَلَيْسَ ذَلِك تورعا وانما هُوَ لعدم دخل شئ وَكَانَ طَرِيقه المتَوَكل التَّام أخبرنى هَذَا الْمخبر انه كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ كتابا الغزالى وصل فِيهِ الى التَّوَكُّل قَالَ فقرر لى فى التَّوَكُّل أَشْيَاء متداولة وَلم يزدْ قَالَ فَقلت لَهُ أُرِيد مَا يعرفنى حَقِيقَة التَّوَكُّل فَقَالَ فى غَد اتينى الى الْجَامِع الاموى وَلَا تصْحَب مَعَك شَيْئا من الدَّرَاهِم وصل الصُّبْح عِنْد محراب الْمَالِكِيَّة ثمَّ انتظرنى ثمَّة قَالَ فَفعلت مَا قَالَ لى فَلَمَّا فَرغْنَا من صَلَاة الصُّبْح أَخذ بيدى وَمَشى فتبعته حَتَّى انتهينا الى ميدان الْحَصَا وَكنت بلغت الْجهد من الْجُوع وفقد القهوة قَالَ فَدَعَانَا شخص الى دَاره فسرنا فَقدم لنا مائدة عَظِيمَة فأكلنا وَأمره الشَّيْخ بِأَن يسقينى قهوة ثمَّ مضينا فَدَعَانَا آخر فى القبيبات ثمَّ خرجنَا الى خَارج بَاب الله فَوقف الشَّيْخ يقْرَأ الْفَاتِحَة للشَّيْخ الحصنى قَالَ وَكَانَ التَّعَب أمضنى وخشيت أَن يذهب بى الشَّيْخ الى

стр. 1366

قَرْيَة من الْقرى وَلَا أقدر على المشى قَالَ فَنحْن واقفون اذا بِرَجُل مكارى رَاكب على حمَار وَهُوَ يسحب بغلين فَقَالَ لنا ان أردتم التَّوَجُّه الى سبينه فاركبا هذَيْن البغلين قَالَ فَرَكبْنَا ومضينا الى سبينة فطلع أَهلهَا الى لِقَاء الشَّيْخ وأنزلوه فنزلنا وَحصل لنا اكرام زَائِد وبتنا تِلْكَ اللَّيْلَة هُنَاكَ ثمَّ خرجنَا فى الصَّباح وَمَا زلنا سَبْعَة أَيَّام وَنحن طائفون على قرى ومتنعمون بولائم حَتَّى جِئْنَا الى دمشق قَالَ فَقَالَ لى الشَّيْخ أَرَأَيْت حَقِيقَة التَّوَكُّل قلت بلَى وَله وقائع وكرامات كَثِيرَة جدا وَكَانَ يستسقى بِهِ الْغَيْث وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَهُوَ مَحل الِاعْتِقَاد وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سِتّ بعد الالف وَتوفى نَهَار الاحد سَابِع صفر سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف قبيل الْغُرُوب بهنيئة وفى ثانى يَوْم صلى عَلَيْهِ فى الْجَامِع الاموى وَدفن بمقبرة بَاب الفراديس وَكَانَ تمرض مُدَّة طَوِيلَة وأخبرنى بعض الاخوان انه قبل أَن يَمُوت بيومين أسكت فَلم يتَكَلَّم بشئ الا صَبِيحَة وَفَاته فَسَمعهُ ابْنه الشَّيْخ مُحَمَّد يَقُول ديننَا حق ودينكم شكّ قَالَ فَقَالَ لَهُ يَا سيدى أَلَسْت عَن رَبك براض فَقَالَ بلَى وَكَانَ هَذَا آخر كَلَام قَالَه وَاتفقَ يَوْم دَفنه وُصُول الْعَالم الربانى الشَّيْخ مُرَاد الازبكى الى دمشق من الرّوم وَحكى أستاذنا الْعَلامَة المنلا عبد الرَّحِيم الهندى الكابلى نزيل دمشق وَكَانَ خرج الى اسْتِقْبَال الشَّيْخ مُرَاد الى القطيفة قَالَ قصد الشَّيْخ الرحيل مِنْهَا قبل رفقائه بِنَحْوِ أَربع سَاعَات قَالَ فَقلت لَهُ ان الطَّرِيق مخوف وَلَا يُمكن التَّوَجُّه الا مَعَ الرّفْقَة قَالَ فَقَالَ لى عرضت مهمة وَلَا يُمكن التَّخَلُّف عَنْهَا وَقَامَ وَركب فى التخت ثمَّ توجه وتوجهنا مَعَه فَلم يمض الاحصة حَتَّى نزل من التخت وَركب فرسا وأسرع فى السّير فنكا لَا نقدر على اللحاق بِهِ من شدَّة المشى حَتَّى وصلنا الى دومة فَقيل لنا ان الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الهادى قد مَاتَ فوصلنا الى دمشق وَلم ينزل الشَّيْخ مُرَاد الا فى الْجَامِع الاموى وَحضر الصَّلَاة على الشَّيْخ مُحَمَّد ثمَّ توجه الى الْمَكَان الذى هيئ لَهُ وَهَذِه من أجل الكرامات للرجلين مُحَمَّد صَاحب الْخَال ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد بن مُوسَى بن أَبى بكر صَاحب الْخَال الاكبر وَقد تقدم ذكر بَقِيَّة النّسَب لصَاحب الْخَال الاكبر جد صَاحب التَّرْجَمَة الامام الْعَلامَة الْفَقِيه قاضى اللِّحْيَة وَشَيخ الشَّافِعِيَّة بديار الْيمن وأعلمهم بالحلال وَالْحرَام مَعَ التَّقْوَى والتحرى والاحاطة والزهد والقناعة والانكفاف عَن النَّاس الى خلق عَظِيم وطبع لطيف وجلالة قدر ونفوذ

стр. 1367

كلمة ولد بِمَدِينَة اللِّحْيَة فى سنة أَربع عشرَة وَألف وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن والارشاد والملحة والرحبيبة وَغَيرهَا وَأخذ عَن وَالِده وتأدب بأدبه ولازم الْعَلامَة الشهير جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر حشيبر وَالشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبَا بكر بن مُحَمَّد القمرى وَالشَّيْخ الْعَالم مُحَمَّد باوزير الحضرمى وَالشَّيْخ الْجَلِيل مُحَمَّد بن الطَّاهِر فجم وَقدم مَكَّة سنة أَرْبَعِينَ وَألف وَأخذ بالحرمين عَن السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد الهادى باعلوى والحافظ الْمُحدث مُحَمَّد على بن عَلان والفقيه مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الطائفى وَالشَّيْخ الْعَلامَة اسمعيل بن مُحَمَّد بن عمر حشيبر والفاضل ذهل بن على الحشيبرى وَكَانَت وَفَاته بِبَلَدِهِ لَيْلَة السبت سادس وعشرى صفر سنة مائَة وَألف وَصلى عَلَيْهِ غَائِبَة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام يَوْم الْجُمُعَة خَامِس جُمَادَى الاولى من السّنة الْمَذْكُورَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْفَتى الزبيدى كَانَ من عُلَمَاء الظَّاهِر أَولا فحصلت لَهُ جذبة بعد الاربعين وسلك عِنْد بعض الْمَشَايِخ حَتَّى وصل الى غَايَة مَا يتمناه وَهُوَ مُسْتَغْرق منجمع عَن النَّاس وَله كرامات ظَاهِرَة وأحوال سنية يُقَال انه غوث هَذَا الْعَصْر وَمن جملَة حَاله انه كَانَ يكْشف أَحْوَال الرِّجَال الَّذين يزورونه بِمُجَرَّد مَا يراهم قَالَ الْمولى فروخ المكى وصلت الى خدمته سنة أَربع بعد الالف وأقمت عِنْده مُدَّة ثمَّ قلت لَهُ يَا سيدى أُرِيد السّفر الى الْيمن لازور الْمَشَايِخ فَقَالَ الذى تُرِيدُ من الْمَشَايِخ عندنَا مَوْجُود وَلَا ينبغى لنا أَن يكون محبنا مُحْتَاجا الى آخر فَقلت لابد من الرواح فَقَالَ تروح وَلَكِن تتعب كثيرا قَالَ فَكَانَ كَمَا قَالَ قَالَ أَيْضا وَقلت لَهُ عِنْد الْمُفَارقَة يَا سيدى قد أنست بك والآن أذهب الى الْحَرَمَيْنِ فَكيف يكون حالى بهما اذا غلب على الشوق الى لقائك قَالَ يُمكن أَن ترانى تَحت الْمِيزَاب أَو عِنْد الْمُلْتَزم قلت أَنا أُرِيد الارتحال الى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة قَالَ وَأَنا أصلى بهَا الْعَصْر يَوْم الْخَمِيس واشتغل بِالصَّلَاةِ على النبى من الْعَصْر الى آخر النَّهَار عِنْد بَاب السَّلَام مُحَمَّد بن اسماعيل بَافضل الحضرمى التريمى الامام الْفَقِيه الشافعى أحد الْعلمَاء الْمَشْهُورين ولد بِمَدِينَة تريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن والارشاد وَعرضه على مشايخه وتفقه بالشيخ حُسَيْن بن عبد الله بَافضل وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن حسن وَأخذ عَن شهَاب الدّين وَحج وَأخذ الْفِقْه عَن الشهَاب أَحْمد بن حجر الهيفى ولازمه فى دروسه الْفِقْهِيَّة وَغَيرهَا وَأخذ عَن تِلْمِيذه الشَّيْخ عبد الرؤف وَسمع بِمَكَّة من خلق كثيرين

стр. 1368

وَأذن لَهُ بالافتاء والتدريس غير وَاحِد من مشايخه وَأثْنى عَلَيْهِ جمَاعَة من الاولياء وَكَانَ لَهُ ذهن ثاقب وحافظة ضابطة وقريحة وقادة وفكر قويم مَعَ عقل وافر وأدب ظَاهر وَكَمَال مُرُوءَة وَحسب وفتوة ودرس وَأفْتى وَتَقْرِيره أمتن من كِتَابَته واشتغل عَلَيْهِ جمَاعَة من الْفُضَلَاء وتفقه بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُم القاضى أَحْمد بن حُسَيْن بلفقيه وَالسَّيِّد أَبُو بكر بن مُحَمَّد بافقيه صَاحب قيدون وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بافقيه وَبَنُو عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَغير هَؤُلَاءِ وَله فَتَاوَى كَثِيرَة لَكِنَّهَا غير مَجْمُوعَة وهى مفيدة جدا وَكَانَ من أورع أهل زمانة متقللا من الدُّنْيَا زاهدا فِيهَا وفى مناصبها وَكَانَ متقشفا فى مأكله وملبسه ومسكنه وَكَانَ لَهُ خطّ حسن وَيضْرب بِهِ الْمثل فى الصِّحَّة وَكتب بِخَطِّهِ عدَّة كتب وَجمع بَين الْعلم وَالْعِبَادَة والمجاهدة والزهادة وَكَانَ أعجوبة الدَّهْر فى الانابة واشتهر فى الديار الحضرمية بِانْفِرَادِهِ بتحقيق الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَكَانَت وَفَاته بِمَدِينَة تريم فى سنة سِتّ بعد الالف وَدفن بمقبرة الفويط والمنيرة وحزن النَّاس لفقده رَحمَه الله تَعَالَى الامام مُحَمَّد بن الامام اسمعيل المتَوَكل على الله بن الامام الْقسم بن مُحَمَّد بن على الامام الْمُؤَيد بِاللَّه كَانَ اماما جَلِيلًا عَالما عَاملا كثير الْخَوْف من الله سُبْحَانَهُ محبا للْفُقَرَاء صارفا بَيت المَال لمصارفة نَشأ على طَاعَة الله تَعَالَى من صغره لم يعْهَد لَهُ صبوة وَتَوَلَّى الاعمال المهمة فى زمن وَالِده وَولى صنعاء مُدَّة مديدة وكل بلد تولاها رفع عَنْهَا المكوس والمظالم قَرَأَ فى بدايته على القاضى أَحْمد بن سعد الدّين وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن المطهر الجرموزى وَأخذ الحَدِيث عَن مُحدث الشَّافِعِيَّة بِالْيمن الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الْمُفْتى وَأخذ عَن الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن عمر الحبيشى وَغَيرهم وَحج فى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وزار النبى وعمره نَحْو سبع عشرَة سنة وَمَعَهُ جمَاعَة من الاعيان وَأخذ عَن عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ وَلما توفى وَالِده عرضت عَلَيْهِ الامامة فأباها وتولاها الامام أَحْمد بن الْحسن الْمُقدم ذكره فَلَمَّا توفى أَحْمد بن الْحسن أجمع الائمة وَالْعُلَمَاء وَالنَّاس عَلَيْهِ وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ أحد فتولاها وَسَار سيرة الائمة الهادين وَعم النَّاس بِظِل عدله وَأمر باحياء الْعُلُوم والمدارس وَقرب الْعلمَاء وتعهد أَحْوَال الْفُضَلَاء وَأدّى حُقُوق الضُّعَفَاء وَأمر بِرَفْع الْمَظَالِم وَلَكِن لِكَثْرَة علمه وَعدم بطشه وتوقفه عَن الاقدام على الفتك لم تمتثل أمره بَاطِنا الائمة من بنى الْقَاسِم من اخوانه وَبنى عَمه فَكَانَ اذا أَمر بِرَفْع الْمَظَالِم وَأرْسل

стр. 1369

أحدا فى شَأْنه يمتثلون أمره ظَاهرا فاذا رَجَعَ مأموره رجعُوا لما هم عَلَيْهِ من الظُّلم وكل مِنْهُم بسط يَده على بِلَاد فكثرت الْفِتَن بِسَبَب ذَلِك وَكَانَ مُرَاده أَخذهم بالحيلة والسياسة فَلم تطل مدَّته وَتوفى وَكَانَت وَفَاته فى ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَتِسْعين وَألف وَتَوَلَّى بعده الامامة مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن وَبَايَعَهُ غَالب الائمة والاعيان ودانت لَهُ الْبِلَاد وَالنَّاس أشهرا فَلَمَّا لم تحمد سيرته لعدم ترويه فى الامور قَامَ عَلَيْهِ وَلَده عبد الله مَعَ جملَة من اخوانه وَمن بنى الامام المتَوَكل اسماعيل وخلعوه من الامامة وولوا الامامة يُوسُف بن المتَوَكل وَبَايَعَهُ النَّاس وغالب الائمة وَبسط عماله يدهم على الْبِلَاد وجهز الجيوش على الامام مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَذْكُور فحصروه بقلعة الْحصن الْمَشْهُور بالمنصورة ثمَّ قويت شوكته وَقَامَ ثَانِيًا ودانت لَهُ الْيمن واستقل بالامر وَبَايَعَهُ غَالب النَّاس طَوْعًا أوكرها مُحَمَّد بن الياس المدنى الْخَطِيب قَالَ بعض الْفُضَلَاء فى حَقه أحد الْفُضَلَاء الاكياس المثرين من نقود الادب الفائقة على نقود الاكياس طابت أنفاسه بِأَنْفَاسِ طابه وملأ من نفائس الْآدَاب والفضائل وطابه فَهُوَ اذا خطب خطب عرائس الافكار وَأجِيب اليها ونصت عَلَيْهِ فى أرائك البلاغة فَبنى علينا واذا كتب كبت الْعَدو والحسود وَأقر بفضله السَّيِّد والمسود لم يزل فى جوَار رَسُول الله حَتَّى انْتقل الى جوَار الله فَمن شعره مَا كتب بِهِ مجيبا للقاضى تَاج الدّين المالكى وَقد أرسل اليه بهدية قَوْله (مولاى قدرك أَعلَى ... من كل شئ وأغلى) (وَقد بعثت بِمَا ان ... ينمى لقدرك قلا) (وَلَا أرَاهُ يوازى ... بِذَاكَ حاشا وكلا) (من ذَا يُبَارى كَرِيمًا ... فى الْجُود حَاز الْمُعَلَّى) (أم من يجارى جوادا ... فى حلبة الْفضل جلى) (فاقبل لتشفع فضلا ... بِهِ تطولت فضلا) فَأَجَابَهُ القاضى تَاج الدّين بقوله (يَا سيدا واماما ... قد طَابَ فرعا وأصلا) (خرت المكارم قدما ... وطبت قولا وفعلا) (غمرت بالجود عبدا ... لَا زلت للفضل أَهلا)

стр. 1370

(ودمت مولى كَرِيمًا ... فَأَنت أَحْرَى وَأولى) وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الاحد ثانى شهر ربيع الثانى سنة سِتّ وَسبعين وَألف بِالْمَدِينَةِ وَدفن بِالبَقِيعِ قلت وَلِهَذَا الاديب أَخ اسْمه عبد الله ذكره ابْن مَعْصُوم لَكِن لم يذكر وَفَاته وَأَنا لم أَقف عَلَيْهَا فَأَرَدْت أَن أذكرهُ هُنَا لِئَلَّا يَخْلُو كابى من ذكره فَأَقُول قَالَ ابْن مَعْصُوم فى تَرْجَمته أديب يرفل فى حلل الْجمال ويرتع فى رياض الْكَمَال الى شمائل لرقة الشُّمُول ناسخة وآداب فى مقرّ الاحسان راسخة رَأَيْته فَرَأَيْت الْبشر مجلوا فى صورته والظرف متلوا من سورته وَله نثر ونظم يملكَانِ المسامع لطفا ويشبهان قائلهما رقة وظرفا فَمن شعره قَوْله فى الْعرُوض (ان الْعرُوض لبحر ... تعوم فِيهِ الخواطر) (وكل من عَام فِيهِ ... دارت عَلَيْهِ الدَّوَائِر) وقرأت بِخَط السَّيِّد مُحَمَّد كبريت مَا نَصه أنشدنى اجازة لنَفسِهِ سيدى الْعَفِيف عبد الله بن الْخَطِيب الياس سلما من الْمَكْرُوه والباس (يَا سيدى قُم لى وَلَا ... تخشى بحرمتك الْعِنَب) (كَيْلا يُقَال مقصر ... فَأَكُون فِيهِ أَنا السَّبَب) فَقلت وان لم يبلغ الظالع شأو الظليع (لم لَا أقوم لسيدى ... من غير أَن أخْشَى العتب) (وَهُوَ الذى قَامَت لَهُ ... بثنائها عليا الرتب) قَالَ وَقلت فى الْمَعْنى (أقوم على الرَّأْس لما بدا ... جمالك لَا لاجتناب العتب) (وَلم لَا أقوم وَأَنت الذى ... لعلياه قَامَت كرام الرتب) ولبعضهم فى الْمَعْنى (قيامى للعزيز على فرض ... وَترك الْفَرْض مَالا يَسْتَقِيم) (فَهَل أحد لَهُ عقل ولب ... وَمَعْرِفَة يراك وَلَا يقوم) وَمَا ألطف قَول بَعضهم معتذرا عَن عدم الْقيام (عِلّة سميت ثَمَانِينَ عَاما ... منعتنى للاصدقاء القياما) (فاذا عمروا تمهد عذرى ... عِنْدهم بالذى ذكرت وقاما) ذكرت بِهَذَا مَا حَكَاهُ أَرْبَاب السّير عَن الصاحب اسماعيل بن عباد انه لما كَانَ
следующие страницы →