← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

اجازته لاهل عصره وَلما ترعرع لزم النُّور الزيادى وَالشَّيْخ على الحلبى وَالشَّيْخ عبد الرؤف المناوى وَأخذ الحَدِيث والعربية وَغَيرهمَا عَن الْبُرْهَان اللقانى وأبى النجا سَالم السنهورى والنور على الاجهورى المالكيين وَأخذ علم الاصول والمنطق والمعانى وَالْبَيَان عَن الشهَاب الغنيمى والشهاب أَحْمد بن خَلِيل السبكى والشهاب أَحْمد بن مُحَمَّد الشلبى وخاله الشَّيْخ سُلَيْمَان البابلى وَالشَّيْخ صَالح بن شهَاب الدّين البلقينى ومشايخه فى الْعُلُوم لَا يُمكن حصرهم مِنْهُم الشَّيْخ حجازى الْوَاعِظ وَالشَّيْخ أَحْمد بن عِيسَى الكلبى وَالْجمال يُوسُف الزرقانى وَالشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد النحريرى وَالشَّيْخ سَالم الشبشيرى وَالشَّيْخ مُوسَى الدهشينى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الجابرى وَالشَّيْخ عبد الله الدنوشرى وَالشَّيْخ سيف الدّين المقرى وَالشَّيْخ أَحْمد السنهورى وجد واجتهد الى أَن وصل الى مَا لَا يطْمع فى الْوُصُول اليه من اهل زَمَانه أحد وَكَانَ من أحسن الْمَشَايِخ سيرة وَصُورَة وَكَانَ لَهُ فى الطَّرِيق قدم راسخ يواظب على التَّهَجُّد وَصرف عمره فى الدُّرُوس والنفع التَّام وَكَانَ قانعا باليسير عَارِفًا نَفسه كَمَال الْمعرفَة حكى بعض الاخباريين أَنه سمع عَلامَة الزَّمَان يحيى بن عمر المنقارى مفتى الرّوم يَقُول كنت وَأَنا قَاض بِمصْر وجهت الى البابلى تدريس الْمدرسَة الصلاحية بعد موت الشَّمْس الشوبرى وَهُوَ مَشْرُوط لَا علم عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة قَالَ وكتبت تقريرها وأرسلته اليه فجَاء الى وَامْتنع من قبُولهَا جدا مَعَ الاقدام عَلَيْهِ مارت وَادّعى أَنه لَا يعرف نَفسه أَنه أعلم عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة قَالَ فَقلت لَهُ حِينَئِذٍ تنظر لنا الْمُسْتَحق لَهَا من هُوَ حَتَّى نوجهها لَهُ فَقَالَ اعفنى من هَذَا أَيْضا وَانْصَرف وَذكره الشلى فى تَارِيخه الْمُرَتّب وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَالَ وَهُوَ مِمَّن تزينت ببديع صِفَاته الْمَدْح ونشرت على الدُّنْيَا خلع الْمنح أَقْلَام فتواه مَفَاتِيح مَا أرتج من الْمسَائِل المشكله وَالْعلم بَاب مفتاحه المسئله وَأما حَاله فى القاء الْعُلُوم وَنشر مطارف المنثور مِنْهَا والمنظوم فَكَانَ فَارس ميدانها وناظورة ديوانها ومشكاة أضوائها وعارض أنوائها وَسَهْم اصابتها وطراز عصابتها قد تأنس بِهِ معقولها ومسموعها وقرت عينا أُصُولهَا وفروعها يجرى على طرف لِسَانه حَدِيثهَا وتفسيرها وينقاد لعلم بَيَانه تنقيحها وتحريرها وطوع يَدَيْهِ تواريخها وسيرها وَنصب عَيْنَيْهِ انشاؤها وخبرها كلما أَقرَأ فَنًّا من الْفُنُون ظن السامعون أَنه لَا يحسن غَيره وَقد حج مَرَّات وجاور بِمَكَّة عشر سِنِين وَأخذ عَنهُ جماعات لَا يُحصونَ فَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ من أهل

стр. 1507

الْقَاهِرَة الشَّيْخ مَنْصُور الطوخى والشهاب أَحْمد البشبيشى وَالشَّمْس مُحَمَّد بن خَليفَة الشوبرى وَمن أهل الشَّام الشَّيْخ عبد الْقَادِر الصفورى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الخباز الْمَعْرُوف بالطنينى وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن على المكتبى وَمن أهل مَكَّة الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الرؤف وَالشَّيْخ عبد الله بن طَاهِر العباسى وَالشَّيْخ على الايوبى وَالشَّيْخ على بن أَبى البقا وَالشَّيْخ اسكندر المقرى وَالشَّيْخ سعيد بن عبد الله باقشير وَالشَّيْخ عدب المحسن القلعى وَالشَّيْخ ابراهيم بن مُحَمَّد الزنجبيل والشخي على باحاج وَمن أهل الْمَدِينَة شَيخنَا المرحوم ابراهيم الخيارى وَغَيرهم وَله فهرست مجمع مروياته وشيوخه ومسلسلاته جمعهَا تِلْمِيذه شيخ مَشَايِخنَا الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد الجعفر المغربى فى نَحْو خَمْسَة كراري حصلت عَلَيْهَا من تفضلات شَيخنَا الامام أَحْمد بن مُحَمَّد النخلى المكى عِنْدَمَا أجازنى بِجَمِيعِ مروياته فى حرم الله الامين يَوْم الاربعا ثانى ذى الْحجَّة سنة احدى وَمِائَة وَألف وَمَعَ تبحره فى الْعُلُوم لم يعتن بالتأليف وألجئ الْوَزير الاعظم أَحْمد باشا الْفَاضِل الى تأليف كتاب فى الْجِهَاد وفضائله فألف فِيهِ فى أَيَّام قَليلَة كتابا حافلا أَتَى فِيهِ بالعجب من الاثار الْوَارِدَة فِيهِ وَأَحْكَامه المختصة بِهِ وَكَانَ ينْهَى عَن التَّأْلِيف وَيَقُول التَّأْلِيف فى هَذِه الازمان من ضياعة الْوَقْت فان الانسان اذا فهم كَلَام الْمُتَقَدِّمين الْآن واشتغل بتفهيمه فَذَاك من أجل النعم وَأبقى لذكر الْعلم ونشره والتأليف فى سَائِر الْفُنُون مفروغ مِنْهُ واذا بلغه ان أحدا من عُلَمَاء عصره ألف كتابا يَقُول لَا يؤلف أحد كتابا الا فى أحد أَقسَام سَبْعَة وَلَا يُمكن التَّأْلِيف فى غَيرهَا وهى اما ان يؤلف فى شئ لم يسْبق اليه يخترعه أَو شئ نَاقص يتممه أَو شئ مستغلق يشرحه أَو طَوِيل يختصره دون أَن يخل بشئ من مَعَانِيه أَو شئ مختلط يرتبه أَو شئ اخطأ فِيهِ مُصَنفه يُبينهُ أَو شئ مفرق يجمعه قلت وَيجمع ذَلِك قَول بَعضهم شَرط الْمُؤلف أَن يخترع معنى أَو يبتكر مبْنى وَحصل لَهُ عَارض فى فى عَيْنَيْهِ أذهب بَصَره قبل انْتِقَاله بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ اذا طالع لَهُ أحد حثه على الاسراع بِحَيْثُ ان السَّامع لَا يفهم مَا يقرأه القارى واذا توقف القارى فى مَحل سابقه بِالْفَتْح عَلَيْهِ حَتَّى كانه يحفظ ذَلِك الْكتاب عَن ظهر قلب وَكَانَ كثير الْعِبَادَة يواظب على قِرَاءَة الْقُرْآن سرا وجهرا وَكَانَ راتبه فى كل يَوْم وَلَيْلَة نصف الْقُرْآن وبختم يَوْم الْجُمُعَة ختمة كَامِلَة وَكَانَ كثير الْبكاء عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن وَلَا يُفَارِقهُ خوف الله فى جَمِيع الاحيان وَكَانَ يعْفُو عِنْد الاقتدار وَله خلق سهل رضى وَكَانَ مَحَله

стр. 1508

يشْتَمل على حكايات ونكات وَكَانَ منصفا حد الانصاف حكى لى بعض الْعلمَاء وَأَنا بِمَكَّة عَن الشهَاب البشبيشى عَن البابلى انه كَانَ يَقُول اذا سئلنا من أفضل الائمة نقُول أَبُو حنيفَة وَبِالْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيل فقد اجْتمعت فِيهِ الصِّفَات الْحَسَنَة بأسرها وَلم يكن فى وقته أرأس مِنْهُ وَلَا أروع وَلَا أَكثر تقللا قَالَ الشهَاب العجمة عِنْدَمَا تَرْجمهُ فى مشيخته وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ألف وَتوفى عصر يَوْم الثلاثا خَامِس وعشرى جُمَادَى الاولى سبع وَسبعين وَألف ورثاه شَيخنَا ابراهيم الخيارى بقصيدة طَوِيلَة ذكرهَا فى رحلته وَلم يعلق فى خاطرى مِنْهَا الا بَيت التَّارِيخ وَهُوَ (قد ختم الْعلم بِهِ ... فأرخوه الخاتمه) وَذكر لى بعض الاخوان ان أَبَا بكر الصفورى الدمشقى نزيل مصر رثاه بقصيدة مطْلعهَا (مَا أرى نَصهَا من الاطراف ... غير موت الائمة الاشراف) وَلم أَقف عَلَيْهَا بِتَمَامِهَا وَالله أعلم مُحَمَّد بن علوى بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن علوى بن أَحْمد بن أَبى بكر بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف نزيل الْحَرَمَيْنِ نادرة الزَّمَان وَعلم الْعلمَاء ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد ببندر الشحر وَحفظ الْقُرْآن ولازم قِرَاءَته وَصَحب الْعلمَاء فَأول من صَحبه الامام الْعَارِف بِاللَّه نَاصِر الدّين بن أَحْمد بن لاشيخ أَبى بكر بن سَالم وتربى فى حجره وَأخذ التصوف وَالْفِقْه عَن الْفَقِيه السَّيِّد عمر باعمر ثمَّ رَحل الى مَدِينَة الاشراف تريم وَأخذ عَن شمس الشموس زين العابدين ابْن على بن عبد الله العيدروس وَعَن السَّيِّد الْجَلِيل عبد الرَّحْمَن بن عقيل وَعَن السَّيِّد الْكَبِير أَحْمد بن حُسَيْن العيدروس والعارف بِاللَّه عبد الله بن أَحْمد الصيدروس والعارف بِاللَّه تَعَالَى زين بن حُسَيْن بَافضل وَغَيرهم ومأرمه شيخ السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن عقيل بالخلوة فى زَاوِيَة مَسْجِد الشَّيْخ على أَرْبَعِينَ فَفعل وَحصل لَهُ الْفَتْح وَظَهَرت لَهُ أُمُور ثمَّ رَحل الى قَرْيَة السادات الْمَشْهُورَة بعينات فَأخذ عَن امامها الْمُقدم الشَّيْخ الْحُسَيْن بن أَبى بكر بن سَالم وَعَن أَخَوَيْهِ الحامد وَالْحسن وَغَيرهم من السَّادة وَأخذ عَن الشَّيْخ الْعَارِف الاديب الامام حسن بن أَحْمد باشعيب الانصارى ورحل الى الْهِنْد وَأخذ عَن الشَّيْخَيْنِ السيدين الجليلين عبد الْقَادِر بن شيخ الله وَمُحَمّد بن عبد الله العيدروس وَأمره الشَّيْخ عبد الْقَادِر بالرحلة الى الشَّيْخ الولى السَّيِّد عبد الله بن على فَرَحل اليه

стр. 1509

وَهُوَ بالقرية الشهيرة بالوهظ ولازم صحبته وَألبسهُ الْخِرْقَة وَحكمه وَأمره بِالْحَجِّ سنة تسع عشرَة وَألف فحج حجَّة الاسلام وزار جده رَسُول الله ثمَّ عَاد الى شيخ وَقد أجزل من الْفضل فَأقبل عَلَيْهِ وزوجه ابْنَته ثمَّ انْتقل شَيْخه فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف فحج عَن شَيْخه حجَّة الاسلام ثمَّ رَجَعَ الى وهط الْيمن وَأَرَادَ أَن يَجْعَلهَا محلا للوطن فَلم تطب لَهُ فَرجع الى وَطنه بندر الشحر وَكَانَ فى غَايَة الخمول وَيخْفى حَاله فَمَا مضى عَلَيْهِ زمن الا حصل لَهُ ظُهُور عَجِيب وَظَهَرت مِنْهُ خوارق واشتهر فى جَمِيع تِلْكَ الْبلدَانِ وقصده النَّاس ثمَّ قصد قطر الْحجاز وتوطن بِهِ واعتقده أَهله وانقعد على ولَايَته الاجماع وَكَانَ ملْجأ للوافدين قَالَ الشلى وَهُوَ من أدل مشايخى فى علم الْحَقِيقَة أَخذ عَنهُ الطَّرِيقَة وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة كَثِيرُونَ وَأما كرمه وايثاره فَكَانَ غَايَة لَا يدْرك وَله كرامات مِنْهَا استقامته على طَريقَة وَاحِدَة يواطب على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَلَا يمضى عَلَيْهِ سَاعَة الا وَهُوَ مشتغل بِطَاعَة وَمِنْهَا ان الدُّنْيَا لَا تذكر بِحَضْرَتِهِ وَلَا الْغَيْبَة وَلَا النميمة وَمِنْهَا ان من رَآهُ ذكره الله تَعَالَى وَمن شَاهده ذهل عَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمِنْهَا انه مَا دَعَا لَاحَدَّ من أَصْحَابه الا اسْتُجِيبَ دعاؤه وَمِنْهَا انى أول ملاقاتى لَهُ خطر بالبال أَن يلفننى الذّكر فَمَا اسْتمرّ خاطرى الا وَقد نظر الى وَأَقْبل بِوَجْهِهِ على ولقننى الذّكر الذى خطر وَله كرامات غير مَا ذكره وعَلى الْجُمْلَة فَهُوَ بَقِيَّة السّلف وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة بعد صَلَاة الْجُمُعَة لاربع عشرَة خلت من شهر ربيع الثانى سنة احدى وَسبعين وَألف وَحضر جنَازَته سُلْطَان مَكَّة فَمن دونه وَدفن شروق يَوْم السبت بمقبرة المعلاة وَعمل على قَبره تَابُوت عَظِيم وَهُوَ بِقرب قبر أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة رضى الله عَنْهَا مُحَمَّد بن على بن أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن السقاف الحضرمى كَانَ من كبار الْعلمَاء لَهُ مَنَاقِب مأثوره ومآثر مشهوره قَالَ الشلى ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن وَالِده الشَّيْخ على ولازمه حَتَّى تخرج بِهِ وَصَحب جمَاعَة من العارفين وَسمع الحَدِيث وَلبس الْخِرْقَة من وَالِده وَغَيره وَحكمه وَالِده وَأَجَازَهُ بالالباس والتحكيم وَلزِمَ الطَّاعَة وَكَانَ وَالِده يثنى عَلَيْهِ كثيرا وَلما ولد رأى وَالِده وَغَيره فى جَبهته آيَة الكرسى واعتقد بعض جهلة الْعَوام انه المهدى المنتظر وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف بِمَدِينَة تريم وَدفن لَهَا مُحَمَّد بن على الملقب شمس الدّين العلمى القدسى الدمشقى الْفَقِيه الحنفى وَهُوَ خَال

стр. 1510

الشَّيْخ مُحَمَّد بن عمر العلمى الصوفى الآتى ذكره قَرِيبا ان شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا يعرف بالعالم وَذَاكَ بالصوفى وَهُوَ سبط شيخ الاسلام بن أَبى شرِيف رَئِيس الْعلمَاء فى زَمَانه وَكَانَ عَالما عَاملا حسن الِاعْتِقَاد فى النَّاس وَكَانَ الين المقادسة المقيمين بِدِمَشْق عَرِيكَة وَأَحْسَنهمْ مَوَدَّة منصفا فى الْبَحْث غَايَة فى الاستحضار ذكره النَّجْم فى الذيل وَقَالَ فى تَرْجَمته طلب الْعلم فى بَلَده ثمَّ دخل الْقَاهِرَة وتفقه بهَا على الشَّيْخ أَمِين الدّين بن عبد العال وَالشَّيْخ زين بن نجيم صَاحب الاشباه وَالْبَحْر وَالشَّيْخ على بن غَانِم المقدسى وَغَيرهم وَأخذ النَّحْو عَن الشَّمْس الفارضى المصرى ثمَّ دخل دمشق وقطنها آخرا وَصَحب شَيخنَا الشَّيْخ زين الدّين بن سُلْطَان وَكَانَ يتَرَدَّد اليه كثيرا وَكَانَ يدرس ويفيد وَولى آخر أمره تدريس القضاعية الْحَنَفِيَّة بعد الشَّمْس بن المنقار وَأفْتى بعد وَفَاة شَيخنَا القاضى محب الدّين وَكَانَ فى حَيَاته يتَرَدَّد اليه وَكَانَ شَيخنَا القاضى يعظمه وَيعرف حَقه قَالَ وأنشدنى لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع شهر ربيع الاول سنة ثَمَان عشرَة وَألف قَالَ أنشدنى شَيخنَا الْعَلامَة الشَّاعِر الْجيد الْفَاضِل الشَّمْس مُحَمَّد الفارضى المصرى الحنبلى وذكران البيضاوى خطأ من أدغم الرَّاء فى اللَّام وَنسبه الى أَبى (أنكر بعض الورى على من ... أدغم فى اللَّام عِنْد رَاء) (وَلَا تخطى أَبَا شُعَيْب ... وَالله يغْفر لمن يَشَاء) وأنشدنا لَهُ (اجرر محلا وانصباً وارفعنا ... فى رَبنَا مَعَ اننا سمعنَا) وَكَانَت وَفَاته فى نَهَار الِاثْنَيْنِ السَّابِع من ذى الْقعدَة سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد بن على الشبراملسى المالكى الامام الْجَلِيل الْجَامِع للعلوم الذى تضلع مِنْهَا وَصرف أوقاته فى التَّحْصِيل والتفريع والتأصيل وَانْفَرَدَ فى عصره بالعلوم الحرفية والاوفاق والزايرجة وَبَقِيَّة الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَألف مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا شرح على ايساغوجى فى الْمنطق وَقد أَخذ عَن شُيُوخ مِنْهُم الشَّيْخ أَحْمد الشناوى الخامى وَعنهُ الشَّيْخ مسوى القليبى وَكَانَ فى سنة احدى وَعشْرين وَألف مَوْجُودا مُحَمَّد بن على المنعوت شمس الدّين بن عَلَاء الدّين بن بهاء الدّين البعلى الشهير بِابْن الفصى الْفَقِيه الشافعى مفتى ديار بعلبك وآباؤه كلهم رُؤَسَاء الْعلم بِتِلْكَ النَّاحِيَة كَانَ مَشْهُورا بِالْفَضْلِ الوافر وَله تآليف مِنْهَا شرح الْبردَة سَمَّاهُ الْخَلَاص من الشده وَكَانَ قَرَأَ على عَمه الشَّيْخ أَبى الصَّفَا فى بعلبك ورحل الى دمشق فَقَرَأَ على الشهَاب

стр. 1511

الطيبى الصَّغِير والشهاب العيثاوى وَرجع الى بَلَده ودرس بِالْمَدْرَسَةِ النورية وَتفرد بهَا عِنْد انْقِرَاض الْفُضَلَاء وحمدت طَرِيقَته وَأفْتى مُدَّة وَعظم شَأْنه ثمَّ لما ماست الامير مُوسَى بن على بن الحرفوش أَمِير بعلبك وَاسْتولى عَلَيْهَا الامير يُونُس ابْن عَمه بعد فتْنَة ابْن جانبولاذ رَحل الى دمشق مَعَ من رَحل من بعلبك وَسكن دمشق مُدَّة ثمَّ ألجأته الضَّرُورَة الى الرُّجُوع اليها فَلم ير من الامير يُونُس مَا كَانَ يعهده من الاقبال فَصَارَ كَاتبا محكمَة بعلبك وَأقَام بهَا وَكَانَ أديبا حسن الشّعْر وَكَانَ بَينه وَبَين الْحسن البورينى محبَّة أكيدة وَأَنا شيد وَذكره فى تَارِيخه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وكتبت اليه مرّة مَكْتُوبًا مرغوبا وقررت فِيهِ مراما مَطْلُوبا ورقت فى صَدره هَذِه الابيات (يَا لَيْت شعرى وَالزَّمَان تنقل ... هَل نلتقى من بعد طول تفرق) (أم هَل يعود الْقرب بعد تبَاعد ... وتزول اسباب الْفِرَاق ونلتقى) (يَا قلب مهلا قد أطلت تحسرى ... وحبست فى طرفى القريح تأرقى) ( ... ومنعت عينى ان تشاهد منْظرًا ... يحلو لَهَا أَو حسن روض مونق) (أسفا على تِلْكَ الليالى ليتها ... طَالَتْ وليل الْوَصْل فِيهَا قد بقى) فَكتب الى بعد مُدَّة الْجَواب ورقم فى أَوله هَذِه الابيات مُشِيرا الى أَمر أوهم خاطره حُصُول بعض الْمُضْمرَات فَقَالَ (قَالَ العداة واكثروا لَا امهلوا ... وجوانحى حذرا عَلَيْك تحرق) (أَمْسَى وَأصْبح والها متنسما ... خَبرا بِروح نسيمه أترفق) (هَذَا ولى جسم أَسِير قلبه ... بيد الهموم ودمع عينى مُطلق) (ولسان سرى لَا يزَال مكررا ... يَا رب صنه على مِمَّا أشْفق) قَالَ فأجبته بمكتوب كتبت فى صَدره هَذِه الابيات مُشِيرا لى رد مَا توهمه من الْمُضْمرَات على حِكَايَة بعض الحساد لَا فازوا بِحُصُول مُرَاد فَقلت (كذبت ظنون الحاسدين وأخفقوا ... وتعذبوا طول المدى وتحرقوا) (لَا كَانَ مَا راموه من آمالهم ... وَتَفَرَّقُوا أيدى سبا وتمزقوا) (يلغون فى حقى وَذَلِكَ منهمو ... سَبَب لاظهار الْكَمَال مُحَقّق) (مَاذَا يروم الحاسدون من الذى ... طول الزَّمَان لَهُ الصفاء الْمُطلق) (مَا كَانَ مِنْهُ الْكسر يَوْمًا لامرئ ... من دهر مفيه انكسار موبق) (بل دأبه جبر الْقُلُوب وَهَذِه ... صفة بهَا كل الْخَلَائق تنطق)

стр. 1512

(يَا سيدى وَأَنا الذى أختاره ... يشفى وداد فى فؤادى يورق) (وصلت رِسَالَتك الَّتِى أبدعها ... وبضمنها روض الْكَمَال منمق) (وافت وَكنت مُسَافِرًا فلقيتها ... وَقت الْقدوم وفى الْفُؤَاد تشوق) (فقنعت مِنْهَا بِالسَّلَامِ وَمن لقا ... أهل لَهُم طول المدى أتشوق فَبَقيت مِنْهَا بِالسَّلَامِ وَمن لقا ... أهل لَهُم طول المدى أتشوق) (فَبَقيت تحفظ للصديق وداده ... واليك أحداق السَّعَادَة تحدق) وَمن شعره مَا كتبه الى البورينى أَيْضا فى صدر كتاب (يَا سادتى قسما بلطف صنيعكم ... وَهُوَ الْيَمين لَدَى لما أَحْلف) (مَا حلت عَن عهد الْمَوَدَّة لَحْظَة ... وَالله يشْهد والملائك تعرف) قلت وَأورد فى شرح الْبردَة عِنْد الْكَلَام على قَوْله (فَكيف تنكر حبا بَعْدَمَا شهِدت ... بِهِ عَلَيْك عدُول الدمع والسقم) بَيْتَيْنِ ونسبهما لنَفسِهِ وهما فى غَايَة الرقة (قلبى وطرفى ذَا يسيل دَمًا وَذَا ... دون الورى أَنْت الْعَلِيم بقرحه) (وهما بحبك شَاهِدَانِ وانما ... تَعْدِيل كل مِنْهُمَا فى جرحه) ثمَّ رأيتهما فى أَمَاكِن كَثِيرَة منسوبين للظهير الاربلى وَذكر فى بعض مروياته فى شرف الْعلم وان الارض قد حرم عَلَيْهَا أَن تَأْكُل أجساد الْعلمَاء كَمَا ورد فى الحَدِيث قَالَ أنشدنا شَيخنَا النسفى الشافعى قَالَ أنشدنا القاضى زَكَرِيَّاء قَالَ أنشدنا شَيخنَا ابْن كَمَال باشا من نظمه (لَا تَأْكُل الارض جسما للنبى وَلَا ... لعالم وشهيد الْقَتْل معترك) (وَلَا لقارئ قُرْآن ومحتسب ... أَذَانه لَا لَهُ مجْرى الْفلك) وللبهائى صَاحب الترجمه (تعلم فان الْعلم زين لاهله ... وَصَاحبه مَا زَالَ قدما مبجلا) (وانى بتقوى الله أوصيك دَائِما ... وبالجد فى الْعلم الشريف لتفضلا) (وَلَا تتركن الْعلم يَوْمًا وَكن فَتى ... حَرِيصًا على جمع الْعُلُوم فتكملا) (ويشركنى فى صَالح من دُعَائِهِ ... فظهرى بأوزار غَدا متثقلا) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته ببعلبك نَهَار الِاثْنَيْنِ سَابِع وعشرى شهر ربيع الآخر سنة أَربع وَعشْرين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن على بن ابراهيم الاسترابادى نزيل مَكَّة المشرفة الْعَالم الْعَلامَة صَاحب

стр. 1513

كتب الرِّجَال الثَّلَاثَة الْمَشْهُورَة لَهُ مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا شرح آيَات الاحكام ورسائل مفيدة وَصيته بِالْفَضْلِ التَّام شَائِع ذائع وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة لثلاث عشرَة خلون من ذى الْحجَّة سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف الامير مُحَمَّد بن على السيفى الطرابلسى أحد أُمَرَاء بنى سَيْفا حكام طرابلس الشَّام وولادتها الْمَشْهُورين بِالْكَرمِ والادب كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم فى هَذَا الْعَصْر كبنى برمك فى عصرهم فضلا وكرما ونبلا مَا برحوا فى طرابلس لَهُم الْعِزَّة الزاهره وَالْحُرْمَة الباهره والدولة الظاهره وهم مقصد كل شَاعِر ومورد كل مادح ومدحهم شعراء كَثِيرُونَ قصدوهم وَكَانَ يُعْطون أعظم الجوائز وَكَانَ الامير مُحَمَّد بَينهم كالفضل فى بنى برمك وَكَانَ من أهل الادب الظَّاهِر وَالْفضل السامى أديبا فَاضلا بليغا ولى حُكُومَة طرابلس بعد الامير يُوسُف السيفى الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى وبذل العطايا وَكَانَت احساناته تستغرق الْعد ويحكى عَنهُ من ذَلِك مَا يبعد وُقُوعه فَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ الاديب الشَّاعِر مُحَمَّد بن ملحة العكارى وَكَانَ من شعراء الامير المختصين بِهِ قَالَ لما دهم الامراء بنى سَيْفا الْخطب من فَخر الدّين بن معن وَركب عَلَيْهِم وحار بهم كنت اذ ذَاك فى خدمَة الامير مُحَمَّد فَمَا بَرحت أدافع عَنهُ بالمقاتلة حَتَّى لقينى رجل من عَسْكَر ابْن معن فضربنى على رجلى بِسيف فجرحها فَبعث بى الامير الى منزله وَأمر بمعالجة رجلى حَتَّى برأت وَكَانَ أَمرهم انْتهى الى الصُّلْح والصافاة فَخرج الامير يَوْمًا الى التَّنَزُّه وَأَنا مَعَه وَكَانَ الْفَصْل فصل الرّبيع وَقد أزهرت الاشجار فَجَلَست الى جَانب شَجَرَة مزهرة فسألنى عَن رجلى فَقلت قد برأت وَأُرِيد أَن أريك قوتها ثمَّ ضربت بهَا تِلْكَ الشَّجَرَة فَتَنَاثَرَ من نوارهاشئ كثير فسر بذلك وَأمر لى بجائزة من الدَّنَانِير بِمِقْدَار مَا سقط من النوار وَكَانَ شَيْئا كثيرا واختص بِهِ جمَاعَة من الشُّعَرَاء كحسين بن الجزرى الحلبى وسرور ابْن سِنِين وَكَانَ يَقع بَينهمَا محاورات بِحَضْرَتِهِ حَتَّى خَاطب الامير مُحَمَّد بن الجزرى بقوله معرضًا بسرور وَقد كَانَ انْقَطع عَن الْمجْلس أَيَّامًا (وحقك مَا تركت عَن ملال ... وسهو أَيهَا الْمولى الامير) (وَلَكِن مذ ألفت الْحزن قدما ... أنفت مواطنا فِيهَا سرُور) وأنشده بديهة فى مجْلِس شراب وسرور حَاضر وَقد ألْقى فرَاش نَفسه الى النَّار (يظنّ الْفراش اللَّيْل سجنا مُؤَبَّدًا ... عَلَيْهِ وضوء الشَّمْس من سجنه بَابا)

стр. 1514

(كَذَاك السخيف الْعقل يقصى مهذبا ... كَرِيمًا ويدنى نَاقص الْعقل مُرْتَابا) وَطلب الامير حُسَيْنًا لَيْلَة للشُّرْب فَجَاءَهُ وَهُوَ سَكرَان فأنشده ارتجالا (يَا ابْن المكارم والعلا ... انى أريك الذَّنب منى) (فَلَقَد ثملت بليلتى ... فى منزلى من خمردنى) (وَالْعَفو من شيم الْكِرَام فان تشَاء عَفَوْت عَنى) وأنشده بديهة فى مجْلِس شراب (خلونا بدار للمدام تكَاد أَن ... تماثلها الافلاك لَوْلَا نعيمها) (فهذى الندامى كالبدور شمسها الامير وأقداح المدام نجومها ... ) وَكَانَ مَعَه فى قبولا بجبل عكار فَأوقد نَار اشعاعها مُتَّصِل بالجو فأنشده بِأَمْر مِنْهُ (كَأَن نارك يَا مولاى قلب شج ... بِهِ الصبابة تعلو حِين تشتعل) (وَمن أشعتها فى الجو أَلْسِنَة ... تَدْعُو الاله ببقياكم وتبتهل) وسافر الامير مُحَمَّد الى حلب فى عَاشر ذى الْحجَّة سنة أَربع وَعشْرين وَألف فَبلغ حَسبنَا أَن بعض حساده اكثروا الوقيعة فِيهِ عِنْده فأنشده قصيدته الْمَشْهُورَة (هلما نحييها ربى وربوعا ... وهيا نسقيها دَمًا ودموعا) وهى من أعذب شعره وأحلاه وَلَوْلَا شهرتها لذكرتها بِتَمَامِهَا وللامير مُحَمَّد بن القريض مواليا كثير وَلم أظفر لَهُ بشئ من الشّعْر وَلَعَلَّه كَانَ ينظم وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف بِمَدِينَة قونية مسموماً وَكَانَ مُتَوَجها الى الرّوم هَكَذَا رَأَيْته بِخَط الاديب عبد الْكَرِيم الطارانى وَلما بلغ ابْن الجزرى خبر وَفَاته قَالَ يرثيه (وَلما احتوت أيدى المنايا مُحَمَّد الامير بن سَيْفا طَاهِر الرّوح وَالْبدن) (تعجبت كَيفَ السَّيْف يغمد فى الثرى ... وَكَيف يوارى الْبَحْر فى طية الْكَفَن) حكى ان أُخْتا للامير مُحَمَّد سَمِعت بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فَبعثت الى ابْن الجزرى بسبعمائة قِرْش وَفرس وَكَانَ الامير الْمَذْكُورَة نظام الْبَيْت السيفى وَمن بعده تقلب بهم الزَّمَان وَخرجت عَنْهُم الْحُكُومَة وَتَفَرَّقُوا أيادى سبا وَحكى لى بعض الادباء قَالَ أخبرنى بعض الادباء قَالَ أخبرنى بعض الاخوان انه جاور مِنْهُم امْرَأَة بِدِمَشْق وَكَانَت تعرف الشّعْر حق المعرة قَالَ فسألتها يَوْمًا عَن دولتهم وَمَا كَانُوا فِيهِ من النِّعْمَة فتنهدت وأنشدت

стр. 1515

(كَانَ الزَّمَان بِنَا غرافا فَمَا بَرحت ... بِهِ الليالى الى أَن فطنته بِنَا) مُحَمَّد بن على بن أَحْمد الْمَعْرُوف بالحريرى وبالحرفوشى العاملى الدمشقى اللغوى النحوى الاديب البارع الشَّاعِر الْمَشْهُور كَانَ فى الْفضل نخبة أهل جلدته وَله تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا شرح الاجرومية فى مجلدين سَمَّاهُ اللآلى السّنيَّة وَشرح شرح الفاكهى وَشرح التَّهْذِيب وحاشية شرح الْقَوَاعِد ونهج النجاه فِيمَا اخْتلف فِيهِ النحاه وَشرح الزبدة فى الاصول وطرائف النظام ولطائف الانسجام فى محَاسِن الاشعار وَغير ذَلِك قَرَأَ بِدِمَشْق وَحصل وسما وَحضر دروس العمادى الْمُفْتى وَكَانَ العمادى يجله وَيشْهد بفضله وَطَلَبه الْمولى يُوسُف بن أَبى الْفَتْح لاعادة درسه فحضره أَيَّامًا ثمَّ انْقَطع فَسَأَلَ الفتحى عَن سَبَب انْقِطَاعه فقيله انه لَا يتنزل لحضور درسك فَكَانَ ذَلِك الْبَاعِث على اخراجه من دمشق وسعى الفتحى عِنْد الْحُكَّام على قَتله بِنِسْبَة الرَّفْض اليه وَتحقّق هُوَ الامر فَخرج من دمشق الى حلب هَارِبا ثمَّ دخل بِلَاد الْعَجم فَعَظمهُ سلطانها شاه عَبَّاس وصيره رَئِيس الْعلمَاء فى بِلَاده وَكَانَ وَهُوَ بِدِمَشْق خامل الذّكر وَكَانَ يصنع القماش العنايات الْمُتَّخذ من الْحَرِير وَلذَلِك قيل لَهُ الحريرى وَكَانَ كثير من الطّلبَة يقصدونه وَهُوَ فى حانوته يشْتَغل فيقرؤن عَلَيْهِ وَلَا يشْغلهُ شاغل عَن الْعلم وَكَانَ فى الشّعْر مكثرا محسنا فى جَمِيع مقاصده وَقد جمعت من أشعاره أَشْيَاء لَطِيفَة فَمن ذَلِك قَوْله (حبانى الوجد والحرقا ... وأودع مقلتى الارقا) (وروع بالجفا قلبا ... بِغَيْر هَوَاهُ مَا علقا) (رنا بصوارم خدم ... تسمت بَيْننَا حدقا) (حمى أوراد وجنته ... بأسود خَاله ووقا) (ولاح بواضح أضحى ... لَهُ شمس الضُّحَى شفقا) (لَهُ خصر بألحاظ الورى مَا زَالَ منتطقا ... ) هَذَا كَقَوْل المتنبى (وخصر تثبت الاحداق فِيهِ ... كَانَ عَلَيْهِ من حدق نطاقا) وَفِيه تعَارض مَعَ السرى الرفاقى قَوْله (أحاطت عُيُون العاشقين بخصره ... فهن لَهُ دون النطاق نطاق) (فيا لله من بدر ... غَدا قلبى لَهُ أفقا)

стр. 1516

(أَلا يَا حبذا زمن ... حظيت بِهِ ونلت لقا) (زمَان لم أجد مِنْهُ ... لشمل الْوَصْل مفترقا) (أهيم بسالف حلك ... وأهوى وَاضحا يققا) (تولى مسرعا عنقًا ... وَمر كطارق طرقا) (وطبع الدَّهْر لَا يبْقى ... على حَال وان رفقا) (فَكُن خلوا بِهِ فَردا ... وسرفى الارض مُنْطَلقًا) (وَكن جلد لَا ذَا مَا الدَّهْر أبدى مشربا رنقا ... ) وَقَوله (يَا ليتها اذ لم تَجِد بوصال ... سمحت بوعد أَو بطيف خيال) (جنحت لما رقش الوشاة ونمقوا ... من اننى سَالَ وَلست بسال) (كَيفَ السلو ولى فؤادى لم يزل ... بجحيم نيران الصبابة صالى) (ومدامعى لَوْلَا زفيرى لم يكد ... ينجو الورى من سحها المتوالى) (ونحول جسم وَاحْتِمَال مكاره ... وسهاد جفن وَاد كار ليالى) (فالام أظمأ فى الْهوى ومواردى ... فِيهِ سراب أَو لموع الْآل) (وَلم اختيارى عَن فؤادى كل من ... ألْقى وقلبى عِنْد ذَات الْخَال) أَخذه وَلم يحسن الاخذ من قَول الباخرزى (قَالَت وَقد فتشت عَنْهَا كل من ... لاقيته من حَاضر أَو بادى) (أَنا فى فُؤَادك فارم طرفك نَحوه ... ترنى فَقلت لَهَا وَأَيْنَ فؤادى) (هيفاء رنحها الدَّلال فأخجلت ... هيف الغصون بقدها الميال) (فى خدها الْورْد الجنى وثغرها ... يحوى لذيذ الشهد والجريال) (حجبت محياها الدجميل ببرقع ... كرقيق غيرم فَوق بدر كَمَال) (ونضت من الاجفان بيض صوارم ... نصرت بِهن وَلم تناد نزال) وَقَوله من قصيدة طَوِيلَة يتفخر فِيهَا وهى من غرر قصائده ومستهلها (الْحَمد لله أحرزت الْكَمَال وَمَا ... أرجوه مِمَّا لَدَى أهل الْعلَا حسن) (وطلت فَوق السهى قدرا ومنزلة ... أصَاب أهل المعالى دونه الوهن) (وطبت أصلا وقدرى قد زكا شرفا ... وحرت مجدا بِهِ الْعرْفَان مقترن) (ونلت فضلا بِهِ الاعداء قد شهِدت ... وأعلنت وَكفى من يُنكر العلن) (فالشمس ينكرها الخفاش لَيْسَ لَهَا ... فى ذَاك مَنْفَعَة تلفى فتمتهن)

стр. 1517

(أَنا ابْن قوم اذا مَا جَاءَ يسألهم ... ذُو فاقة وهبوا مَا عِنْدهم وغنوا) (يعفون عَمَّن أَتَى فى حَقهم سفها ... وهم على الْجُود وَالْمَعْرُوف قد مرنوا) (ويرغبون شِرَاء الْمجد مكرمَة ... مِنْهُم وجودا وَلَو أَرْوَاحهم وزنوا) (لَكِن دهرى لم ينْهض بكلكه ... عَنى وَلَا ارْتَفَعت من صرفه المحسن) (كَأَنَّهُ قد أتانى أَن يُذِيق بنى العلياء من بأسه الضراء اذ فطنوا ... ) (وَلم يزل قدر أهل الْجَهْل يرفعهُ ... على ذوى الْفضل طورا وَهُوَ مؤتمن) (كم قلت من ظلمه وَالنَّاس فى سَعَة ... وَالْقلب فى سجنه بالضيق مُرْتَهن) (مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ ... تجرى الرِّيَاح بِمَا لَا تشْتَهى السفن) وَذكره البديعى ذكرى حبيب فَقَالَ فى وَصفه امام من أَئِمَّة الْعَرَبيَّة جليل يقصر عَنهُ سِيبَوَيْهٍ والخليل وَقد أعرب كِتَابه المعنون بنهج النجاه فِيمَا اخْتلف فِيهِ النحاه عَن غزارة فَضله فانه كتاب لم تنسج يَد فكر على منواله وَلم تسمح قريحة بِمثلِهِ وَله غَيره من التصانيف المحرره والرسائل المحبره مَعَ شعر ديباجة أَلْفَاظه مصقولة وحلاوة مَعَانِيه معسوله ثمَّ أورد من شعره هَذَا القصيدة يمدح بهَا النَّجْم الحلفاوى الحلبى وأرسلها اليه من دمشق الى حلب وهى (فؤاد الْمَعْنى فى التباعد مُودع ... بحى الذى يهوى فَلَو موه أودعوا) (ففى قلبه شغل من الوجد شاغل ... وَلَيْسَ فى الْعَيْش بِالْعَبدِ مطمع) (يود بِأَن يقْضى وَلم يقْض سَاعَة ... لَهُ بالنوى لَو كَانَ ذَلِك ينفع) (وَمَا بِاخْتِيَار مِنْهُ أصبح نازحا ... وماذا الذى فِيمَا قضى الْبَين يصنع) (سأشكو من الْبَين المفرق بَيْننَا ... الى الله عل الله بالشمل يجمع) (فجسمى نحيل مذ نأى من أوده ... وعينى لطول الْبعد لم تَكُ تهجع) (فَلَو عادنى العواد لم يهدم الى ... مكانى سوى مَا من أنينى يسمع) (وَلَو عَاد من أَهْوى لعادت بِهِ القوى ... لجسم بأثواب الضنى يتلفع) (فيا لَيْت شعرى هَل أرَاهُ وَلَو كرى ... وَهل ذَلِك الماضى من الْعَيْش يرجع) (وَقد علم الاحباب انى مفارق ... حشاشة نفس ودعت يَوْم ودعوا) (وَهل هم على الْعَهْد الْقَدِيم الذى أَنا ... عَلَيْهِ مُقيم أم لذَلِك ضيعوا) (فيا سائرا يطوى المفاوز مسرعا ... فعرج وقاك الله مَا مِنْهُ تجزع) (الى حلب الشهبا وأبلغ تحيتى ... الى من لبعدى عَنْهُم أتوجع)

стр. 1518

(وَخص بهَا عين الافاضل بل وَمن ... على فَضله أهل الْفَضَائِل أَجمعُوا) (جلا غيهب الظلماء عَن كل شُبْهَة ... وَأَحْيَا رسوما للعلى وهى بلقع) (علا رُتْبَة من دونهَا اقتعدا السهى ... وَأصْبح كل نَحْوهَا يتطلع) (لعمرى لقد أَصبَحت للفضل منهلا ... وحضرتك العلياء للْعلم مشرع) (عَلَيْك سَلام من محب متيم ... لطول النَّوَى أحشاؤه تتقطع) (فبعدك أضناه وذكرك عِنْده ... هُوَ الْمسك مَا كررته يتضوع) وَقَوله فبه أَيْضا وَهُوَ بحلب يتشوق لدمشق (سقى جلق الفيحاء مغنى النواسم ... وجادرباها هاطلات الْغَنَائِم) (وَلَا بَرحت تهدى اليها الصِّبَا ... نسائم يزرى نشرها باللطائم) (وَلَا زَالَ يجرى فى أنيق رياضها ... جداول تنساب انسياب الاراقم) (ودامت على الاغصان تهتف بالضحى ... حمائم يشجى صدحها قلب هائم) (وَحيا الحيا تِلْكَ الْمعَاهد من فَتى ... يرى حفظ عهد الدو ضَرْبَة لَازم) (أَلا حبذا دهر نعمت بظلها ... أتيه بِهِ مَا بَين تِلْكَ المعالم) (هصرت بهَا هيف الغصون كَأَنَّهَا ... غصون أمالتها أكف النسائم) (خرائد فى ألحاظها سحر بابل ... وفى لَفظهَا للمجتلى در ناظم) (قضيت بهَا مَا تشْتَهى النَّفس نيله ... وجانبت مَا يأتى الْهوى غير واجم) (وخالست دهرى فرْصَة مَا غنمتها ... وفرصة صفو الْعَيْش أجدى الْمَغَانِم) (فمذبان عَنى من أحب وخيمت ... على الْقلب أخطار الجفا المتراكم) (وَوَلَّتْ لَيَال كنت أَحسب أَنَّهَا ... تدوم وَمَا عَيْش رخى بدائم) (تقنعت بالفكر الذى صدع الحشا ... أسامر فِيهِ سائرات النعائم) وَمن مديحها (سرى رقى اوج الْكَمَال بهمة ... وَجَاز السهى من قبل لى العمائم) (هُوَ الْبَحْر حدث عَن علاهُ وفضله ... بِمَا شِئْت من قَول فلست بزاعم) (لَهُ كرم لَو شاع فى النَّاس بعضه ... لاصبح كل جوده مثل حَاتِم) (لَهُ قلم ان جال من فَوق طرسه ... حباه درارى الافق من كف رَاقِم) (حوى رُتْبَة فى الْفضل قصر دونهَا ... بَنو الدَّهْر واستعصمت على كل حَازِم) (لقد شاد ربعا للفضائل طالما ... غَدا دارس الاركان رث الدعائم)

стр. 1519

(بِهِ حلب فاقت على كل بَلْدَة ... وأضحت بِهِ تفتر عَن ثغر باسم) وَله ينْدب أوقاته الْمَاضِيَة (رعى الله أوقاتا بهَا كنت أَجْهَل الْفِرَاق وأياما بهَا أنكر الجفا) (تقضت كلمح الْعين أَو زور طَارق ... أَتَى مسرعا أَو بارقافى الدجى خفا) (وأبدلت مِنْهَا فرقة وتشتتا ... وبعدا وهجرا دَائِما وتأسفا) (فيا رب أنعم باللقاء لمدنف ... والا فَكُن بالحتف يَا رب مسعفا) وَمِمَّا يستجاد لَهُ قَوْله (يَا حبيبا أضحى جميل الْمعَانى ... وَهُوَ فى الْحسن مُفْرد فى الحقيقه) (قد مضى موعد بوصلك قدما ... وَهُوَ لاشك من علاك وثيقه) (قَالَ لى موعدى مجَاز فَقلت الاصل فى سَائِر الْكَلَام الحقيقه ... ) قلت معنى قَوْلهم الاصل فى الِاسْتِعْمَال الْحَقِيقَة لَيْسَ مَعْنَاهُ انه اذا دارت الْكَلِمَة بَين أَن تكون حَقِيقَة أَو مجَازًا تحمل على الْحَقِيقَة بل مَعْنَاهُ أَنه اذا علم موضوعها الحقيقى وَلم يمْنَع مَانع من ارادته لَا يعدل عَنهُ الى الْمَعْنى المجازى وَأما مَعَ جهل موضوعها الحقيقى فَتحمل على الْمجَاز قطعا لَان اسْتِعْمَال الْمجَاز فى اللُّغَة كثير بل قَالَ ابْن جنى انه أَكثر من الْحَقِيقَة قَالَ سيد الْمُحَقِّقين اثبات الْحَقِيقَة أصعب من خرط القتاد وعَلى مَا ذكر يحمل قَوْلهم الاصل فى سَائِر الْكَلَام الْحَقِيقَة وَله فى الْخَال (قَالَ لى من غَدا امام أولى الْفضل وَرب المباحث الفلسفيه ... ) (ان عندى برهَان حق على نفسى الهيو لى وَالصُّورَة الجسمية ... ) قلت هَذَا جَار على رأى الْمُتَكَلِّمين فى الرَّد على الْحُكَمَاء من أَن اثبات النقطة يسْتَلْزم نفى الهيولى وَالصُّورَة وَقد حاول محاولة عَجِيبَة وَمثل هَذَا الِاسْتِعْمَال من ذكر أَلْفَاظ الْمُتَكَلِّمين وَنَحْوهم من المهندسين والنحويين مِمَّا قَالَ فِيهِ ابْن سِنَان الخفاجى ينبغى أَن لَا يسْتَعْمل فى الْكَلَام المنظوم والمنثور قَالَ لَان الانسان اذا خَاضَ فى علم وَتكلم فى صناعَة وَجب عَلَيْهِ أَن يسْتَعْمل أَلْفَاظ أهل ذَلِك الْعلم وَأَصْحَاب تِلْكَ الصِّنَاعَة ثمَّ مثل ذَلِك بقول أَبى تَمام (مَوَدَّة ذهب أثمارها شبه ... وهمة جَوْهَر معروفها عرض)

стр. 1520

قَالَ ابْن الاثير فى الْمثل السائر وَهَذَا الذى أنكرهُ هُوَ عين الْمَعْرُوف فى هَذِه الصِّنَاعَة (ان الذى تَكْرَهُونَ مِنْهُ ... هُوَ الذى يشتهيه قلبى) فَقَوله لَان الانسان الخ مُسلم اليه وَلكنه شَذَّ عَنهُ ان صناعَة المنظوم والمنثور مستمدة من كل علم وكل صناعَة لنها مَوْضُوعَة على الْخَوْض فى كل معنى وَهَذَا لَا ضَابِط لَهُ يضبطه وَلَا حاصر يحصره وجود الحريرى فى قَوْله (تروم وُلَاة الْجور نصرا على العدى ... وهيهات يلقى النَّصْر غير مُصِيب) (وَكَيف يروم النَّصْر من كَانَ خَلفه ... سِهَام دُعَاء عَن قسى قُلُوب) وَهَذَا معنى تداولته الشُّعَرَاء وَالْحسن مِنْهُ قَول ابْن نباتة المصرى (أَلا رب ذى ظلم كمنت لحربه ... فأوقعه الْمَقْدُور أى وُقُوع) (وَمَا كَانَ لى الاسهام تركع ... وأدعية لَا تتقى بدروع) (وهيهات أَن ينجو الظلوم وَخَلفه ... سِهَام دُعَاء من قسى رُكُوع) (مريشة بالهدب من جفن ساهر ... منصلة أطرافها بدموع) وللحريرى (أَشْكُو الى الله لَا أَشْكُو الى أحد ... مَا نابنى من صديق يدعى الرشدا) (صافيته من ضميرى ودذى ثِقَة ... فاعتضت مِنْهُ بمذق بِاللِّسَانِ غَدا) (فعدت من بعده والدهر ذُو عجب ... لَا أصطفى فى الورى لى صاحبا أبدا) وَكَانَت وَفَاته بديار الْعَجم فى شهر ربيع الثانى سنة تسع وَخمسين وَألف والحرفوشى نِسْبَة لآل الحرفوش امراء بعلبك مُحَمَّد بن على بن عمر بن مُحَمَّد الْمَشْهُور بِابْن القارى الدمشقى الحنفى تقدم جده عمر وَابْنه حُسَيْن وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا فَاضلا نبيلا شَاعِرًا لطيفا حسن المحاضرة جيدا الْخط لَهُ كرم اخلاق وطلاقة وَجه وَكَانَ مائلا الى الصلف والفخامة ويروى عَنهُ انه كَانَ كثيرا مَا يلهج بقول بعض الكبراء أنظر يَمِينا فَلَا ارى قرينا وَشمَالًا فَلم أجد مِثَالا قَرَأَ على جده وعَلى الْمُفْتى فضل الله بن عِيسَى البوسنوى وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن الشّرف الدمشقى وتفقه بالشيخ عبد اللَّطِيف الجالقى وَأخذ الحَدِيث عَن أَبى الْعَبَّاس المقرى ولازم من الْمولى عبد الله بن مَحْمُود العباسى الْمُقدم ذكره وَفرغ لَهُ جده عَن الْمدرسَة الشامية الجوانية فدرس بهَا برتبة الدَّاخِل وَولى قَضَاء الْحَج فى سنة احدى وَخمسين وَألف وسافر الى الرّوم ونال جاها وَحُرْمَة بَين أقرانه وَكَانَ ينظم الشّعْر وَرَأَيْت هذيه

стр. 1521

الْبَيْتَيْنِ بِخَط بعض أَصْحَابه منسوبين اليه وهما (خلت الْعُيُون الراميات بأسهم ... يجرحن قلبا بالعباد معذبا) (فاعجب للحظ قَاتل عشاقه ... فى حالتيه اذا مضى واذا نبا) // وَهُوَ معنى لطيف // وَأَصله قَول ابْن الرومى (نظرت فأقصدت الْفُؤَاد بسهمها ... ثمَّ انْثَنَتْ عَنهُ فكا يهيم) (وبلادى ان نظرت وان هى أَعرَضت ... وَقع السِّهَام ونزعهن أَلِيم) وَكَانَ بَينه وَبَين أَحْمد بن شاهين مَوَدَّة الحيدة ومراسلات كَثِيرَة مِنْهَا مَا طتبه إِلَيْهِ الشاهينى فى صدر كتاب وَهُوَ فى الْحَج (سَلام كورد فاتح مونق ندى ... على منزل فِيهِ خيام مُحَمَّد) (مُحَمَّد قاضى الركب لَا زَالَ ساميا ... لاوج حجاز خدن رأى مُسَدّد) (ورد الهى ذَلِك الْوَجْه سالما ... بعيش على رغم الحواسد أرغد) وَكَانَت وِلَادَته فى سنة احدى عشرَة وَألف وَتوفى وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَحكى والدى فى تَرْجَمته قَالَ مِمَّا اتّفق لَهُ مَعَه انى ذهبت أَنا واياه الى عِيَادَة مَرِيض فصادفنا عِنْده يَعْقُوب الطَّبِيب اليهودى فَلَمَّا خرجنَا خرج الطَّبِيب مَعنا فَسَأَلَهُ الْقَارئ عَن الْمَرِيض فَقَالَ رُبمَا أَنه يَمُوت الْيَوْم أَو غَدا فان نبضه سَاقِط جدا ففى ثانى يَوْم من ذَلِك مرض الْقَارئ وَمَات بعد أَيَّام وَلم تمض جُمُعَة الا والطبيب مَاتَ أَيْضا وعوفى الْمَرِيض فَذكرت قَول الْقَائِل (كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا وَمَات طبيبه وَالْعود) السَّيِّد مُحَمَّد بن على الْمَعْرُوف بالمنير الحسينى الحموى الاصل الدمشقى الشافعى الْمَذْهَب الشَّيْخ المعمر الْمُنِير الْخَيْر الْبركَة قطب وقته كَانَ من المعمرين الاخيار اتّفق أهل عصره على صَلَاحه وديانته وَكَانَ فى جَمِيع أَحْوَاله مَاشِيا على نهج الْكتاب وَالسّنة وَعمر كثيرا قيل انه جَاوز الْمِائَة وَانْقطع مُدَّة عَن الْحَرَكَة وَله كرامات وأحوال عَجِيبَة مِنْهَا مَا حَكَاهُ بعض الثِّقَات أَنه رَآهُ فى موقف عَرَفَة وَكَانَ لم يخرج فى تِلْكَ السّنة من دمشق وَذكره والدى ﵀ فى ذيله وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَالَ وَمن شَاهد أَحْوَاله لَا يشك أَنه من الْقَوْم السالمين من الْمَحْذُور واللوم اذا حلوا ارضا أخصبت من أنواء جودهم وأضاءت بأنوار وجودهم (اذا نزلُوا أَرضًا تولى محولها ... وَأصْبح فِيهَا رَوْضَة وغدير)

стр. 1522

(وان رحلوا عَنْهَا غَدَتْ ورمالها ... من الْمسك طيب وَالتُّرَاب عبير) وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ بركَة الزَّمَان وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَخلف ثَلَاثَة أَوْلَاد أكبرهم السَّيِّد حسن وَتقدم ذكره فى حرف الْحَاء وأوسطهم السَّيِّد عبد الرَّحْمَن وَكَانَ عَالما عَاملا تقيا نقبا توفى فى سنة وثالثهم السَّيِّد اسحاق وَهُوَ الْآن حى مَوْجُود عَالم صَالح وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة لَا شكّ فى انهم من خِيَار أمة مُحَمَّد وَذريته وَلَقَد حكى لى بعض الاخوان عَن صَدُوق من النَّاس أَنه رأى والدهم صَاحب التَّرْجَمَة فَسَأَلَهُ عَن مرتبتهم فى الْولَايَة فَقَالَ أما حسن فَكُنَّا نتجارى نَحن واياه فسبقنا وَأما عبد الرَّحْمَن فقد وصل وَأما اسحق فع الركب مجد على الْوُصُول وَالله أعلم مُحَمَّد بن على بن عبد الله صَاحب الشبيكة ابْن عَم مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله ابْن أَحْمد بن على بن مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن الاستاذ الاعظم الْفَقِيه الاجل السَّيِّد الْجمال بلفقيه الْمَشْهُور فى مَكَّة كأبيه وجده بالعيدروس ذكره الشلى فى تَارِيخه وَأطَال فى وَصفه بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ ولد بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وتفقه على الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمى وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر الطبرى وحصب وَالِده وَغَيره من أكَابِر الاولياء وَكَانَ وَاحِد عصره وَشَيخ زَمَانه وانتهت اليه الرياسة وَكَانَ يلبس الملابس الفاخرة وتهابه الصُّدُور وَلَا ترد لَهُ شَفَاعَة وَكَانَ يُقيم بمنى الْمدَّة المديدة فتفد عَلَيْهِ الاعيان ويكرمهم بالاطعمة الفاخرة ويعمهم بخيراته وَكَانَ يعْطى العطايا الجزيلة وَكَانَت سيرته سيرة الْمُلُوك ثمَّ انخلع من تِلْكَ الْحَالة وَترك اللَّهْو وتجنب صُحْبَة أهل الظَّوَاهِر وتجرد للطاعة وَرغب فى صُحْبَة بنى عَمه من السَّادة قَالَ وَكنت مِمَّن لَازمه الى الْمَمَات ودعا لى بدعوات ظهر لى نَفعهَا وَكَانَت تقع لَهُ كرامات خوارق من جُمْلَتهَا انى كنت جَالِسا عِنْده فجَاء بدوى فسألنى عَنهُ فأشرت اليه فَلَمَّا سلم عَلَيْهِ قَالَ هَات النّذر الذى مَعَك فبهت البدوى ثمَّ قَالَ أخبرنى مَا هُوَ فَقَالَ كَذَا وَكَذَا فأكب البدوى على رجله يقبلهَا ثمَّ قَالَ لى مَا علم أحد بنذرى غير الله تَعَالَى وَمِنْهَا أَن بعض الْفُقَرَاء شكى اليه حَالَته فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ الى شرِيف مَكَّة يحصل لَك مطلوبك فَذهب الى الشريف وَأنْشد قصيدة وَافَقت مَا فى ضَمِيره فطرب لذَلِك وَأمر لَهُ بكسوة وجائزة وَمِنْهَا ان حاك مَكَّة مَاتَ وَطلب مرتبته من شرِيف مَكَّة جمَاعَة من المتأهلين لَهَا ووقفوا على بَاب الشريف ينْتَظر كل وَاحِد أَن يوليه

стр. 1523

الْحُكُومَة وَكَانَ الامير سُلَيْمَان منديه يعْتَقد صَاحب التَّرْجَمَة فجَاء اليه وَأخْبرهُ بذلك وَكَانَ لَا يرومها لضعف حَاله فألبسه السَّيِّد ثوبا من ثِيَابه وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ الْآن الى الشريف فَأَنت حاكمها فَلَمَّا دخل على الشريف وجده مفكرا فِيمَن يوليه من الطالبين للحكومة فَلَمَّا رَآهُ انْشَرَحَ صَدره وخلع عَلَيْهِ خلعة الامارة وَمِنْهَا أَن عين مَكَّة انْقَطَعت وَقرب مجئ الْحجَّاج والبرك فارغة وَكَانَ الشريف بَعيدا فَكتب لحاكمه أَن يجْتَهد فى تملية البرك بأى وَجه أمكن وَعلم الْحَاكِم عَجزه عَن ذَلِك لقرب الْمدَّة فَأتى الى صَاحب التَّرْجَمَة وشكى اليه حَاله فَقَالَ لَهُ أعْط الْخَادِم خَمْسَة حُرُوف يتَصَدَّق بهَا على الْفُقَرَاء فَلَمَّا أَصْبحُوا أمْطرت السَّمَاء وسالت أَوديَة مَكَّة وامتلأت البرك من السَّيْل وَغير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بعد صَلَاة الْجُمُعَة حادى عشر ذى الْقعدَة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن شروق يَوْم السبت فى قبر وَالِده فى مشهدهم الشهير بالشبيكة وَكَانَت لَهُ جَنَازَة حافلة السَّيِّد مُحَمَّد بن على بن حفظ الله بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن على بن أَحْمد بن عِيسَى الْحسنى النعمى وَتقدم ذكر بَقِيَّة نسبه فى تَرْجَمَة أَخِيه السَّيِّد حسن بن على النعمى كَانَ السَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور جمال الْعلمَاء وتاج الْحُكَمَاء سيد جَلِيلًا وأديبا نبيلا علم الْمعَانى الحسان والناسج من وشى البلاغة مَا يقصر عَنهُ بديع الزَّمَان لَهُ الشّعْر الرَّائِق والنثر الْفَائِق عَنى بجمعه ابْن أَخِيه صفى الدّين أَحْمد بن الْحسن بن على بن حفظ الله فى ديوَان فَمِنْهُ قَوْله متغزلا (من لقلب مزاجه الاهواء ... وعيون أودى بِهن الْبكاء) (لشجى متيم مستهام ... عَمه النوح دَائِما والاساء) (يَا خليلى بالبكا ساعدانى ... فى عراص ربوعهن خلاء) (دَار ليلى وَدَار نعم وَهِنْد ... وديار تحلها أَسمَاء) (وَقفا بى هديتما لَو فواقا ... فوقوفي على الطلول شِفَاء) (أَيهَا الرَّسْم هَل تجيب سؤالا ... لمشوق أودت بِهِ البرحاء) (كَائِنا عَن وداد ليلى بهند ... وبنعم وشوقه أَسمَاء) (وَكَذَا كل مولع بحبيب ... يتكنى وَهل تفِيد الكناء) (بح غراما ان كنت حلْس وداد ... وَقل اللوم فى الحسان هذاء) (انا حلف الغرام فى كل حِين ... وفؤادى من السلو هَوَاء)

стр. 1524

(كلما أزمع الْفُؤَاد سلوا ... ذكرتنى وهنانة هيفاء) (ذَات قد كَأَنَّهُ غُصْن بَان ... جللته غمامة سَوْدَاء) (وعيون فواتر ساجيات ... رسل الْمَوْت بَينهَا كمناء) (قائلات لمن تمنى لقاها ... لابقاء مَعَ اللقا لابقاء) (وقدود بميلها تتثنى ... ظاميات أكفالهن رواء) (يطْمع الصب لينها فى لقاها ... وهى للصب صَخْرَة صماء) (لم أنلها بِالْعينِ الا اختلاسا ... رد عينى عَن الصِّفَات الضياء) (وعدانى عَن ازديارى حماها ... رقباها وصدها الرقباء) (فترانى أَهْوى الْمَمَات طماعا ... لازديارى مِنْهَا وَبئسَ الرَّجَاء) (أَو أَرْجَى يَوْم النشور لقاها ... وَكثير من الرَّجَاء هباء) (انما الْحبّ ذلة وغرور ... وسقام يكل عَنهُ الدَّوَاء) وَقَوله أَيْضا (سمحت بوصل المستهام العاشق ... هيفاء خصت بالجمال الْفَائِق) (بَيْضَاء صامتة الموشح طفلة ... تزرى الْقَضِيب بلين قد باسق) (من بعد مَا شحت بِطيب وصالها ... نحوى ومل تسمح بطيف طَارق) (وافت وثوب اللَّيْل أسود حالك ... فى جسم عاشقها وزى السَّارِق) (باتت ذوائبها الحسان قلائدى ... وموسدى نعم الذِّرَاع الرَّائِق) (نشكو الجوى ونبث سر غرامنا ... فى غَفلَة الرقبا ونوم الرامق) (لله من وصل هُنَالك نلته ... فى جنح ليل غيهبى غَاسِق) (فى لَيْلَة ظلما كَأَن نجومها ... فى لج بَحر أوثقت بوثائق) (من شادن غنج أغن مهفهف ... أحوى الْعُيُون بديع صنع الْخَالِق) (ملك الْفُؤَاد بدله ودلاله ... فجوانحى كجناح طير خافق) (تالله لَا أنساه لَيْلَة قَالَ لى ... لَا تنس منى مَحْض ود صَادِق) (واسأل فُؤَادك عَن فؤادى انه ... ينبيك عَمَّا جن قلب الوامق) (واليك يَا سبط المكارم حلوة ... عذرا تضوع عنبر اللناشق) (أَلْقَت اليك زمامها منقادة ... وتبرزت نَحْو اللبيب الحاذق) (فَاجْعَلْ اجازتها الْجَواب فانه ... طب الْفُؤَاد المستهام العالق)

стр. 1525

وَله من قصيدة مدح بهَا الامام مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقسم مطْلعهَا (سقى المنحنى صوب من المزن هاطل ... وسحت على كثب العقيق الْمسَائِل) (فألبسها من حلَّة النبت سندسا ... وماس غضاها تزدهيه الغلائل) (منَازِل أنس للاوانس حبذا ... لَدَى الصب هاتيك الرِّبَا والمنازل) (وملعب غزلان ومسرح ربرب ... وَمَا الدَّار شجو الصب لَوْلَا الأواهل) وَمِنْهَا (فيا من لصب تيمت قلبه النَّوَى ... وجار الْهوى فِيهِ وَمَا الْبَين عَادل) (تحامته أَحْدَاث الزَّمَان لانه ... بِأَكْنَافِ عز الدّين وَالْملك نَازل) وَمِنْهَا فى مدحه (وَمَا اشتبهت يَوْمًا لَدَيْهِ قَضِيَّة ... من الامر الا ظافرته الدَّلَائِل) (وَلم ينأ جَبَّار عَلَيْهِ بِجَانِب ... من الامر الا قربته الصواهل) وَمِنْهَا (تلاقى العطايا والنوائب والوغى ... ووجهك وضاح وكفك باذل) (لذَلِك لَا يلفى ببرك سَائل ... وَكَيف يلاقى حَضَرنَا وَهُوَ سَائل) وَمِنْهَا (وحسبى من التَّفْصِيل مَا أَنْت أَهله ... وفى النّيل للمرتاد شرب ونائل) (ودمت لَهُم بل للبرية عَن يَد ... وعلمك مأهول وَمَالك راحل) وَله فى النسيب (يتمتنى بجيدها والدلال ... وأباحت دمى بِغَيْر قتال) (ذَات فرع كَأَنَّهُ جنح ليل ... وجبين يحْكى ضِيَاء الْهلَال) (وسواج ينفثن سحرًا مُبينًا ... وهى للعاشقين أى نبال) (وَلها الْحَاجِب الازج قسى ... ان قَتْلَى مَا بَين تِلْكَ النصال) (غضة بضة رداح شموع ... برزت فى صفاتها والخصال) (تسلب الخشف جيده ورناه ... وتصاهى فى الافق بدر الْكَمَال) (جلّ من خصها بِحسن بديع ... وبراها شخصا بِغَيْر مِثَال) (رَوْضَة للعيون بَين رياض ... عللت بالمجلجل الهطال) (عذل العاذلون لى عَن هَواهَا ... لَيْسَ يصغى سمعى الى العذال) (لست أنسى مِنْهَا ليالى ود ... ان لله درها من ليالى) (يَوْم أعطتنى الوداد دهاقا ... وسقتنى من ثغرها السلسال) (من شنيب كَأَنَّهُ عقد در ... شيب بِالْخمرِ والمعين الزلَال)

стр. 1526

(فى خلاء عَن الرَّقِيب وواش ... ساعدى فرشها وفرش الدَّلال) (فلئن أسعدت على الْوَصْل غيرى ... وحمتنى اللقا وطيف الخيال) (فلكم فزت باللقاء قَدِيما ... فى ليلاتنا القدام الخوالى) (فَمن الْمبلغ السَّلَام اليها ... من كئيب حذته حَذْو النِّعَال) (وأذابته بالصدود وخلت ... مدمعيه تفيض فيض السجال) (وَعَلَيْكُم أحباب قلبى سَلام ... كل يَوْم مَا مَال فئ الظلال) (أَو تذكرت وصلكم فشجانى ... أَو سفحت الدُّمُوع فى الاطلال) وَله (تيمتنى ذَات الخدود الرهاف ... وبرتنى ذَات القدود اللطاف) (طفلة تفضح الْقَضِيب قواما ... تسبل اللَّيْل فَوق رمل الحقاف) (صور الله شخصها من ضِيَاء ... ولجين ولؤلؤ الاصداف) (أَعلَى من هوى لتِلْك ملام ... لَا وَرب الْحَدِيد والاحقاف) وَله غير ذَلِك مِمَّا يطول بِهِ ذيل الْكَلَام وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وَتوفى فى عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع وَسبعين وَألف بِجِهَة مور وَبهَا دفن والنعمى تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فى تَرْجَمَة الْحسن وَالله أعلم السَّيِّد مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن على النَّقِيب بن خَلِيل ابْن عماد بن زهيف بن عُثْمَان بن قيس بن على الرئيس ابْن مَنْصُور بن طَاهِر النَّقِيب ابْن المحسن بن على بن الْحُسَيْن بن حَمْزَة بن مُحَمَّد بن على بن الْحُسَيْن بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن اسحق بن ابراهيم المرتضى ابْن مُوسَى الثانى الاصغر ابْن ابراهيم المرتضى ابْن الامام مُوسَى الكاظم ابْن الامام جَعْفَر الصَّادِق ابْن الامام مُحَمَّد الباقر ابْن الامام زين العابدين على بن الامام أَبى عبد الله الْحُسَيْن بن الامام على بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه الْمَعْرُوف بالسيد القدسى وبابن خصيب الدمشقى الشافعى من فضلا الدَّهْر المعروفين ونبلائه الْمَشْهُورين وَكَانَ مَعَ كرم حَسبه وتكامل شرفه يرجع الى علم طائل وأدب باهر الا أَنه كَانَ مستخفا بِنَفسِهِ وَعِنْده طيش وَكَانَ ممسكا محبا للدنيا فَلهَذَا انخفض قدره بَين النَّاس وَسقط من مرتبَة الْفضل مَعَ انه كَانَ فى مرتبَة من الْعلم يقصر عَنْهَا أضرابه قَرَأَ بِدِمَشْق على الشَّمْس الميدانى وَغَيره ورحل الى الْقَاهِرَة فَقَرَأَ بهَا الْقُرْآن للسبع على شيخ الْقُرَّاء الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْيُمْنَى وَحضر اللقانى فى مغنى اللبيب والجاربردى وجوهرة التَّوْحِيد وَلزِمَ الشهَاب الغنيمى والبرهان

стр. 1527

الميمون وَأخذ عَنْهُمَا فنون الادب وَأخذ التَّفْسِير عَن الشهَاب أَحْمد بن عبد الْوَارِث البكرى والْحَدِيث عَن الْحَافِظ أَبى الْعَبَّاس الْمُقْرِئ وَكلهمْ أجازوه بالافتاء والتدريس ثمَّ قدم الى دمشق فدرس بهَا مُدَّة وانتفع بِهِ جمَاعَة ثمَّ رَحل الى الرّوم وسلك طَرِيق عُلَمَائهمْ فلازم من شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّاء وَكَانَ لزمَه مُدَّة مستطيلة حَتَّى نَالَ مِنْهُ ذَلِك وَرَأَيْت بِخَطِّهِ قِطْعَة انشاء كتبهَا اليه أَيَّام ملازمته وفى صدرها هَذَانِ الْبَيْتَيْنِ (يَقُول لى النَّاس مذ رأونى ... أسعى لقوت منى يفوت) (قدمت سعيا فَقلت حاشا ... أَيَّام يحيى مثلى بِمَوْت) ثمَّ أعقبهما بالنثر وَهُوَ مَدين المآرب ومنتهى المطالب قصدت التَّمَسُّك بثرى أعتابك والتشرف بملازمة بابك وجنابك ليرى مَوْصُول ضميرى بِالْخَيرِ عَائِدًا واسناد خبرى فى رياض بيانك رائدا زَائِدا وَلم يبعثنى لناديك سوى فضلك وجود أياديك والعبودية الَّتِى ورثهَا العَبْد من الْوَالِد عَن الْجد فبالفعل أَنْت مصدر الْكَمَال فَلَا تتركنى بعد نَحْوك ملغى من الاعمال فقد أَصبَحت بحماك نزيلا وفى ذِمَامك خيلا وَلَقَد لقِيت ظاميا بحرا طاميا وَمن قصد الْبَحْر اسْتَقل السواقيا لَا زَالَ رَأْيك الْفَصْل جَامعا لوصل مثلى ومقدمات افضالك مُحَققَة لانتاج شكلى ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ اليونسية برتبة الدَّاخِل وَأخذ وظائف كَثِيرَة عَن أَهلهَا وهم فى الاحياء وَحكى أَن أَتَى بصندوقين من البرآت السُّلْطَانِيَّة وَآل أمره فِيهَا الى الْمَشَقَّة وَالنّصب وَلم يتَصَرَّف مِنْهَا الا بِالْقَلِيلِ وَكَانَت هَذِه الفعلة مِنْهُ أحد اسباب بغض النَّاس لَهُ وَلزِمَ الْعُزْلَة مُدَّة وَحفظ وَكتب وَكَانَ لَهُ فى فن التَّارِيخ وَالسير والوقائع جمعية عَظِيمَة وَله شعر وقفت على كثير مِنْهُ فَمِنْهُ قَوْله من // قصيدة طَوِيلَة حَسَنَة الديباجة // مطْلعهَا (سواك بقلبى لم يحلل ... وَغير مديحك لم يحل لى) (وَغَيْرك عِنْد انْعِقَاد الامور ... اذا اشتدت الْحَال لم يحلل) (قصدتك سعيا على ضامر ... حكانى نحولا وَلم ينْحل) (يكَاد يسابق برق السَّمَاء ... وَلَوْلَا وجودك لم يعجل) (وجردت من خاطرى صاحبا ... لشكوى الزَّمَان وَمَا تمّ لى) (أعاطيه كأس الْهوى مترعا ... شكاة فَأَلْقَاهُ لم يمل لى)

стр. 1528

(وَصَحب بجلق خلفتهم ... سواهُم بقلبى لم ينزل) (وخضت بدمعى مذ فارقوا ... وبالصد منزل قلبى بلَى) (فَقلت لجارى عيونى قفا ... لذكرى الحبيب مَعَ الْمنزل) (وفتانة سمتها وَصلهَا ... فأصمت بمنظرها مقتلى) (بقد ترنحه ذابلا ... وخد بِهِ الْورْد لم يذبل) (مهاة من الْحور فى ثغرها ... رحيق الْحَيَاة مَعَ السلسل) (لختم الْجمال بِهِ شامة ... وَكَانَ عَن الْعِشْق فى معزل) (تحرش طرفى بلحظ لَهَا ... وَكَانَ عَن الْعِشْق فى معزل) (فآبت بمهجته للحمى ... أَسِير ظبا طرفها الاكحل) (ومدت شِرَاك دجا شعرهَا ... فصادت لطائر دمعى ولى) وَقَوله من أُخْرَى مستهلها (أما آن تقضى لقلبى وَعوده ... ويورق من غُصْن الاحبة عوده) (فقد شفه دَاء من الصد متْلف ... وَلَيْسَ لَهُ غير السقام يعودهُ) (وَمَا حَال مشتاق تناءت دياره ... وأحبابه مضنى الْفُؤَاد عميده) (يراقب من زور النسيم زِيَارَة ... فان جَاءَهُ يذكى الجوى ويزيده) (حكى النَّجْم بَين السحب يَبْدُو ويختفى ... اذا سَالَ أجفانا وثار وقوده) (وَلَو كَانَ يسْعَى للزيارة مُمكنا ... لسار وَلَكِن أثقلته قيوده) وَمن مقاطيعه قَوْله (جذبت بمغناطيس لحظى خَاله ... فَصَارَ لجفنى نَاظرا وعلاجا) (ومذ خَافَ من عين المراقب أنبتت ... دموع زفيرى للجفون سياجا) وقرأت بِخَطِّهِ أنشدنى الامير المنجكى بداره بِدِمَشْق فى سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف (وَلما طارت الآمال شرقا ... وغربا ثمَّ لم أر لى مغيثا) (بسطت جنَاح ذلى ثمَّ انى ... وقفت بِبَاب عزك مستغيثا) قَالَ ثمَّ بعد مُدَّة تأملتهما ومعناهما وَقلت مَا أَحَق مثلى بهما وَمَا أحلاهما وَجعلت اذ ذَاك بَيْتَيْنِ من الْوَزْن دون القافية وهما (وَلما ضَاقَتْ الايام ذرعا ... بأحوالى وَلم أر لى نَصِيرًا) (شرحت فؤاد آمالى يذل ... وَقمت بِبَاب عزته فَقِيرا)

стр. 1529

وَكَانَت وِلَادَته فى سنة اثنتى عشرَة بعد الالف وَتوفى فى سَابِع عشر شهر ربيع الثانى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من بِلَال الحبشى رضى الله عَنهُ مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد بن على بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن جمال الدّين بن حسن بن زين العابدين الملقب عَلَاء الدّين الحصنى الاصل الدمشقى الْمَعْرُوف بالحصكفى مفتى الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وَصَاحب التصانيف الفائقة فى الْفِقْه وَغَيره مِنْهَا شرح تنوير الابصار الْمُسَمّى بالدر الْمُخْتَار وَكَانَ شرع فى كِتَابَة شرح مطول عَلَيْهِ قدره فى عشرَة أسفار كتب مِنْهَا سفرا وَاحِدًا وصل فِيهِ الى بَاب الْوتر والنوافل وَسَماهُ خَزَائِن الاسرار وبدائع الافكار وَله شرح ملتقى الابحر سَمَّاهُ الدّرّ الْمُنْتَقى وَشرح الْمنَار فى الاصول سَمَّاهُ افاضة الانوار وَشرح الْقطر فى النَّحْو ومختصر الْفَتَاوَى الصُّوفِيَّة وَالْجمع بَين فَتَاوَى ابْن نجم جمع التمرتاشى وَجمع ابْن صَاحبهَا وَله تعليقة على صَحِيح البخارى تبلغ نَحْو ثَلَاثِينَ كراسة وعَلى تَفْسِير القاضى البيضاوى من سُورَة الْبَقَرَة وَسورَة الاسراء وَغير ذَلِك من رسائل وتحريرات وَكَانَ عَالما مُحدثا فَقِيها نحويا كثير الْحِفْظ والمرويات طلق اللِّسَان فصيح الْعبارَة جيد التَّقْرِير والتحرير الا أَن علمه أَكثر من عقله ولد بِدِمَشْق وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى الامام مُحَمَّد المحاسنى خطيب دمشق الْمُقدم ذكره ولازمه وانتفع بِهِ وَبَلغت محبته لَهُ الى أَن صيره معيد درسه فى البخارى وَأَجَازَهُ اجازة عَامَّة فى شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وارتحل الى الرملة فَأخذ بهَا الْفِقْه على شيخ الْحَنَفِيَّة خير الدّين الرملى ثمَّ دخل الْقُدس وَأخذ بهَا عَن الْفَخر بن زَكَرِيَّاء المقدسى الحنفى السالف الذّكر وَحج فى سنة سبع وَسِتِّينَ وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن الصفى القشاشى وَكتب لَهُ اجازة مؤرخة بعاشر الْمحرم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَله مَشَايِخ كَثِيرُونَ مِنْهُم الشَّيْخ مَنْصُور بن على السطوحى نزيل دمشق والاستاذ القطب ايوب الخلوتى وَالشَّيْخ عبد الباقى الحنبلى واشتغل عَلَيْهِ خلق كثير وَأخذُوا عَنهُ وانتفعوا بِهِ أَجلهم شَيخنَا الشَّيْخ اسماعيل بن على الْمدرس بن عبد الباقى الْكَاتِب وَالشَّيْخ عُثْمَان بن حسن بن هدايات وَالشَّيْخ عمر ابْن مصطفى الْوزان وَغَيرهم وحضرته ان بِحَمْد الله تَعَالَى وَهُوَ يقرى تنوير الابصار فى دَاره وَتَفْسِير البيضاوى فى الْمدرسَة التقوية والبخارى فى الْجَامِع الاموى

стр. 1530

وانتفعت بِهِ وَكَانَ فى أول عمره فَقير الْحَال جدا فسافر الى الرّوم فى سنة ثَلَاث وَسبعين ونهض بِهِ حَظه لاقبال الْوَزير الْفَاضِل عَلَيْهِ فولى الْمدرسَة الجقمقية ثمَّ فرغ عَنْهَا وَطلب افتاء الشَّام فناله وَقدم الى دمشق بحشمة باهرة وَاسْتمرّ مفتيا خمس سِنِين وَكَانَ متحريا فى امْر الْفتيا غَايَة التحرى وَلم يضْبط عَلَيْهِ شئ خَالف فِيهِ القَوْل الْمُصَحح وَلما توفى الشَّمْس مُحَمَّد بن يحيى الخباز الشهير بالبطنينى انْحَلَّت عَنهُ بقْعَة التحديث بِجَامِع دمشق فوجهت اليه ودرس بهَا وَعلا صيته واشتهر أمره ثمَّ سعى بعض حساده فى كِتَابَة مَا هُوَ عَلَيْهِ من الانفة وَالْخُيَلَاء وَزَادُوا أَشْيَاء وَأَرْسلُوا فى ذَلِك كتبا الى جَانب الدولة فاستقر ذَلِك فى عقول أَصْحَاب الْحل وَالْعقد وَاتفقَ انه مَاتَ فى غُضُون ذَلِك الْعَلامَة المنلا أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن الكردى الْمُقدم ذكره وَكَانَ مدرس السليمية فَعرض فِيهَا قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق الْمولى عبد الله بن مُحَمَّد الطَّوِيل لنائبه شَيخنَا الْهمام أَحْمد بن مُحَمَّد المهمندارى فوجهت السليمية لشَيْخِنَا صَاحب التَّرْجَمَة ووجهت الْفتيا لشَيْخِنَا المهمندارى وَأعْطى درس التحديث عَنهُ للشمس مُحَمَّد بن مُحَمَّد العيثى وبقى على هَذَا نَحْو سنة ثمَّ سَافر الى الرّوم وَاجْتمعَ بشيخ الاسلام يحيى المنقارى وشكى اليه حَاله فَوجه اليه قَضَاء قاره وعجلون على التَّأْبِيد وَأعَاد اليه بقْعَة التحديث وَكَانَ الْوَزير الْفَاضِل يَوْمئِذٍ فى محاصرة جَزِيرَة كريت فَتوجه اليه فَلَمَّا وصل واستقبله وأكرمه وَفتحت مَدِينَة قندية وَهُوَ ثمَّة فعينه الْوَزير لخطبة الْفَتْح فى الْجَامِع الذى وسم باسم السُّلْطَان مُحَمَّد بن ابراهيم وَحصل لَهُ بذلك كَمَال الاشتهار وَوجه اليه قَضَاء حماة فَقدم الى دمشق ودرس مُدَّة ثمَّ أشيع مَوته فى الرّوم فوجهت عَنهُ الْمدرسَة السليمية وَالْقَضَاء فبقى مُدَّة صفر الْيَد ثمَّ لما مَاتَ السَّيِّد مُحَمَّد بن كَمَال الدّين بن حَمْزَة نقيب الشَّام وجهت اليه مدرسة التقوية ثمَّ سَافر الى الرّوم وأضاف اليها قَضَاء صيدا ثمَّ رَجَعَ الى دمشق وبقى يُفِيد ويدرس الى ان مَاتَ وَكَانَ مَوته يَوْم الِاثْنَيْنِ عَاشر شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَاتفقَ لَهُ قبل مَوته أَحْوَال تدل على حسن الختام لَهُ مِنْهَا انه كَانَ من حِين ابْتَدَأَ درس البخارى فى سنة مَوته يقْرَأ الْفَاتِحَة كل يَوْم فى أول درسه وَآخره ويهديها النبى فَوَافَقَ انها كَانَت ختام درسه فانه انْتهى درسه فى البخارى عِنْد آخر تَفْسِير الْفَاتِحَة فى الْيَوْم التَّاسِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان وَاتفقَ انه فى ثانى يَوْم ثَبت الْعِيد وَكَانَ يَوْم الْجُمُعَة فَحَضَرَ الى الْجَامِع وَعقد درسا حافلا

стр. 1531

فَاجْتمع النَّاس من كل مَكَان وَقَرَأَ من تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة من صَحِيح البخارى فى حَدِيث الشَّفَاعَة الْعَامَّة وَلما اتم الدَّرْس شرع فى الدُّعَاء وَكَانَ يَقُول يَا عباد الله أوصيكم بتقوى الله والاكثار من قَول لَا اله الا الله ويكرر ذَلِك مرَارًا وَيَقُول أَكْثرُوا من ذَلِك حد الاكثار وَأَنا لَا أُرِيد مِنْكُم أَن تشهدوا لى بِفضل وَلَا علم وَلَا جاه سوى انى كنت أَقُول لَا اله الا الله وانى كنت أذكركم بهَا ثمَّ لما ختم الدُّعَاء ودع الْحَاضِرين بعبارات مرموزه وَذهب الى بَيته وَاسْتمرّ عشرَة أَيَّام فى عبَادَة وتسبيح وتهليل حَتَّى مَاتَ ورثاه جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ الامام مُحَمَّد بن على المكتبى الآتى قَرِيبا فانه رثاه بقصيدة طَوِيلَة أَولهَا (قفا يَا صاحبى على الرسوم ... نسائلها عَن الْعَهْد الْقَدِيم) (وَمَا فعلت أيادى الْخطب فِيهَا ... مَعَ الاهوال والزمن الغشوم) (ونوحا وابكيا مولى جَلِيلًا ... امام الْعَصْر فى كل الْعُلُوم) (عَلَاء الدّين حَلَال القضايا ... وحيد الدَّهْر ذَا الرأى السَّلِيم) (دَعَاهُ الله حَلَال القضايا ... مُطيعًا مسرعا نَحْو الرَّحِيم) (فوا أسفى عَلَيْهِ مدى حياتى ... وَلست على التأسف بالملوم) (وَلَوْلَا ان دمعى من حماء ... سقيت سراه كالغيث العميم) مُحَمَّد بن على بن مَحْمُود بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن ابراهيم الشامى العاملى الشهير بالحشرى الاديب الشَّاعِر البليغ الوحيد فى مقاصده الْبعيد الْغَايَة فى ميدانه ذكره السَّيِّد على بن مَعْصُوم فى السلافة واستوعب ذكر فضائله فأغنانى عَن شرح أَحْوَاله حَيْثُ قَالَ الْبَحْر الغطمطم الزخار والبدر الْمشرق فى سَمَاء الْمجد بسناء الافتخار الْهمام الْبعيد الهمة المجلوة بأنوار علومه ظلم الْجَهْل المدلهمه اللابس من مطارف الْكَمَال أطرف حلّه وَالْحَال من منَازِل الْجلَال فى أشرف حلّه فضل تغلغل فى شعاب الْعلم زلاله وتسلسل حَدِيث قديمه فطاب لراويه عذبه وسلساله وفحل رقى من أوج الشّرف أبعد مراقيه وَحل من شخص المعالى بَين جوانحه وتراقيه شاد مدارس الْعُلُوم بعد دروسها وَسَقَى بصيب فَضله حدائق غروسها وأنعش جدودها من عثارها وَأخذ من احزاب الْجَهْل بثارها ففوائده فى سَمَاء الافادة أقمار ونجوم وشهب لشياطين الانس وَالْجِنّ رجوم ان نطق صفد الْمعَانى عَن أُمَم وأسمعت كَلِمَاته من بِهِ صمم وان كتب كبت الْحَاسِد عَن كثب فجَاء بِمَا شَاءَ على الاقتراح

стр. 1532

وَترك أكباد أعدائه دامية الْجراح وَمَتى احتبى مُفِيدا فى صدر نَادِيه وجثت بَين يَدَيْهِ طلاب فَوَائده وأياديه رَأَيْت دأ مَاء الْعلم تقذف دُرَر المعارف غواربه وقمر الْفضل اشرقت بضياء عوارفه مشارقه ومغاربه فَيمْلَأ أصداف الاسماع درا فاخرا ويبهر الابصار والبصائر محَاسِن ومفاخرا وَأما الادب فَعَلَيهِ مَدَاره واليه ايراده واصداره ينشر مِنْهُ مَا هُوَ أذكى من النشر فى خلال النواسم بل أحلى من الظُّلم يترقرق فى ثنايا المباسم وَمَا الدّرّ النظيم الا مَا انتظم من جَوَاهِر كَلَامه وَلَا السحر الْعَظِيم الا مَا نفثت سواحر أقلامه وَأقسم انى لم أسمع بعد شعر مهيار والرضى أحسن من شعره الْمشرق الوضى ان ذكر الانسجام فَهُوَ غيثه الصيب أَو السهولة فَهُوَ نهجها الذى تنكبه أَبُو الطّيب ثمَّ قَالَ وَله على من الْحُقُوق الْوَاجِبَة شكرها مَا يفل شبايراعتى وبراعتى ذكرهَا وَهُوَ شيخى الذى أخذت عَنهُ فى بَدْء حالى وأنضيت الى مَوَائِد فَوَائده بعملات رحالى واشتغلت عَلَيْهِ فاشتغل بى وَكَانَ دأبه تَهْذِيب أدبى ووهبنى من فَضله مَالا يضيع وحنا على حنو الظِّئْر على الرَّضِيع ففرش لى حجر علومه وألقمنى ندى معلومه حَتَّى شحذ من طبعى مرهفا وبرى من نبعى مثقفا فَمَا يسح بِهِ قلمى فَهُوَ من فيض بحاره وَمَا ينْفخ بِهِ كلمى انما هُوَ من نسيم اسحاره وَأما خبر ظُهُوره من الشَّام وَخُرُوجه وتنقله فى الْبِلَاد تنقل الْقَمَر فى بروجه فانه هَاجر الى الديار العجمية بعدا بدار هلاله وانسجام وسمى فَضله وانهلاله فَأَقَامَ بهَا بُرْهَة من الدَّهْر مَحْمُود السّير والسريرة فى السِّرّ والجهر عاكف على بَث الْعلم ونشره مؤرجا الارجاء بطيبه ونشره وَلما تلت الالسن سور أَوْصَافه واجتلت الاسماع صور اتسامه بِالْفَضْلِ واتصافه استدعاه أعظم وزراء مَوْلَانَا السُّلْطَان يُرِيد بِهِ سُلْطَان الْهِنْد الى حَضرته وأحله من كنفه فى بهجة الْعَيْش ونضرته ثمَّ رغب الْوَالِد فى انحيازه الى جنابه فاتصل بِهِ اتِّصَال المحبوب بعد اجتنابه فَأقبل عَلَيْهِ اقبال الوامق الْوَدُود وَأكله بسرادق جاهه الْمَمْدُود فانتظم فى سلك ندمائه وطلع عُطَارِد فى نُجُوم سمائه حَتَّى قصد الْحَج فحج وَقضى من مَنَاسِكه العج والثج وَأقَام بِمَكَّة سنتَيْن ثمَّ عَاد فَاسْتَقْبلهُ ثَانِيًا بالاسعاف والاسعاد وَكنت قد رَأَيْته حَال عوده ببندر المخا ثمَّ رَأَيْته بِحَضْرَة الْوَالِد وَبَينهمَا من الْمَوَدَّة مَا يربى على الاخا فَأمرنَا بالاشتغال عَلَيْهِ والاكتساب مِمَّا لَدَيْهِ فَقَرَأت عَلَيْهِ الْفِقْه والنحو وَالْبَيَان والحساب وتخرجت عَلَيْهِ فى النّظم والنثر وفنون الْآدَاب وَمَا زَالَ يشنف أذنى بفرائده ويملأ اردانى بفوائده حَتَّى

стр. 1533

حسدنا عَلَيْهِ الدَّهْر الحسود وَجرى على سجيته فى تَبْدِيل الايام الْبيض بالليالى السود فَقضى الله علينا بِفِرَاقِهِ لامور أوجبت نكس الآبل بعد اعراقه ثمَّ انشد لَهُ من شعره قَوْله (شَرق على حكم النَّوَى أَو غرب ... مَا أَنْت أول ناشب فى مخلب) (فى كل يَوْم أَنْت نهب مخالب ... أَو ذَاهِب فى اثر برق خلب) (متألق فى الجو بَين مشرق ... غص الفضاء بِهِ وَبَين مغرب) (يبكى ويضحك والرياض نواسم ... ضحك المشيب على عذارى الاشيب) (أزعمت ان الذل ضَرْبَة لَا زب ... فنشبت فى مخلاب باز أَشهب) (لعبت بلبك كَيفَ شَاءَ لَهَا الْهوى ... مقل مَتى تَجِد النواظر تلعب) (زعمت عثيمة ان قَلْبك قد صبا ... من لى بقلب مثل قَلْبك قلب) (قد كنت آمل أَن تَمُوت صبابتى ... حَتَّى نظرت اليك يَا ابْنة يعرب) (فطربت مَا لم تطربى ورغبت مَا ... لم ترغبى ورهبت مَا لم ترهبى) (وَلَقَد دلفت اليهم فى فتية ... ركبُوا من الاخطار أصعب مركب) (جعلُوا الْعُيُون على الْقُلُوب طَلِيعَة ... ورموا القفار بِكُل حرف ذعلب) (ترمى الفجاج وقلبها متصوب ... فى البيد اثر البارق المتصوب) (هوجاء مَا نفضت يدا من سبسب ... الا وَقد غمست يدا فى سبسب) (تسرى وقلب الْبَرْق يخْفق غيرَة ... مِنْهَا وَعين الشَّمْس لم تتنقب) (تطفو وترسب فى السراب كَأَنَّهَا ... فلك يشق عباب بَحر رعرب) (تفلى بِنَا فى البيد نَاصِيَة الفلا ... حَتَّى دفعت الى عقيلة ربرب) (وافتك تخلط نَفسهَا بلداتها ... وَالْحسن يظهرها ظُهُور الْكَوْكَب) (كفريدة فى غيهب أَو شادن ... فى ربرب أَو فَارس فى موكب) (تمشى فتعثر فى فضول ردائها ... بحياء بكر لَا بنشطة ثيب) وَقَوله من قصيدة (باجتلاء المدام فى الاقداح ... وبمرآة وَجهك الوضاح) (لَا تذرنى على مرَارَة عيشى ... أكل واش وَلَا فريسة لاحى) (صَاح كلنى الى المدام ودعنى ... والليالى تجول جول القداح) (لَا تخف جور حادثات الليالى ... نَحن فى ذمَّة الظبار والرماح) (طوع أيدى الخطوب رهن المنايا ... تَتَخَطَّى بهَا الى صفاحى)

стр. 1534

(قلدتنى من المشيب لجاما ... كف رأسى شكيمة عَن جماح) (صَاح ان الزَّمَان أقصر عمرا ... من بكاء بدمنة ونواح) (رق عَنَّا ملاحف الجو فاسمح ... برقيق من طبعك المرتاح) (يَا مليك الملاح ان زَمَانا ... أَنْت فِيهِ زمَان روح وَرَاح) (طَابَ وَقت الزَّمَان فَاشْرَبْ عساه ... يَا صباحى يطيب وَقت الصَّباح) (واسقنيها سقيت فى فلق الْفجْر على نَغمَة الطُّيُور الفصاح ... ) وَقَوله (أيا ريح الصِّبَا ان جِئْت نجدا ... فجدد بالظباء الْعين عهدا) (فقد أرضعتنى ندى الامانى ... وشبت وَمَا بلغت بِهِ أشدا) (وَكم زفت الى طوال ليل ... ذوائب ذَلِك الرشأ المفدى) (وَمَا نجد وَأَيْنَ ظباء نجد ... سقى الرَّحْمَن مَاء الْحسن نجدا) وَقَوله من قصيدة (وَقد جعلت نفسى تحن الى الْهوى ... حلافيه عَيْش من بثينة أَو مرا) (وَأرْسلت قلبى نَحْو تيماء رائدا ... الى الخفرات الْبيض والشدن العفرا) (تعرف مِنْهَا كل لمياء خاذل ... هى الريم لَوْلَا ان فى طرفها فترا) (من الظبيات الرود لَو أَن حسنها ... يكلمها أبدت على حسنها كبرا) (وَآخر ان عَرفته الشوق راعنى ... بصد كأنى قد أتيت لَهُ وترا) (أناشد فِيهِ الْبَدْر والبدر غائر ... وأسأل عَنهُ الريم وَهُوَ بِهِ مغرى) (فَمَا ركب الْبَيْدَاء لَو لم يكن رشا ... وَلَا صدع الديجور لَو لم يكن بَدْرًا) (لحاظ كَانَ السحر فِيهَا عَلامَة ... تعلم هاروت الكهانة والسحرا) (وَقد هوى الْغُصْن الرطيب كانما ... كسته تلابيب الصِّبَا وَرقا نضرا) (رتقت على الواشين فِيهِ مسامعا ... طَرِيق الردى مِنْهَا الى كبدى وعرا) (أعاذلتى واللوم لؤلم ألم ترى ... كَانَ بهَا عَن كلا لائمة وقرا) (بفيك الثرى مَا أَنْت والنصح انما ... رَأَيْت بِعَيْنَيْك الْخِيَانَة والغدرا) (وَمَا للصبا يَا وَيْح نفسى من الصِّبَا ... تبيت تناجى طول لَيْلَتهَا البدرا) (تطارحه وَالْقَوْل حق وباطل ... أَحَادِيث لَا تبقى لمستودع سرا) (وتلقى على النمام فضل ردائها ... فَيعرف للاشواق فى طيها نشرا) (يعانقها خوف النَّوَى ثمَّ تنثنى ... تمزق من غيظ على قدك الازرا)

стр. 1535

(ألم تَرَ بَان النقا كَيفَ هَذِه ... تميل بعطفيها حنوا الى الاخرى) (وَكَيف وشى غُصْن الى غُصْن هوى ... وَأبْدى فنونا من خيانته تترى) (فَمن غُصْن يدنى الى غُصْن هوى ... وَمن رشأ يُوحى الى رشأ ذكرا) (هما عذلانى فى الْهوى غير أننى ... عذرت الصِّبَا لَو تقلين لَهَا عذرا) (هبيها فدتك النَّفس راحت تسرهُ ... اليه فقد أبدته وهى بِهِ سكرى) (على أَنَّهَا لَو شايعت كثب النقا ... وشيح الخزامى انما حملت عطرا) وَمن مبدعاته قَوْله من قصيدة أُخْرَى (مَا فى التصابى على من شَاب من باس ... أما ترى جلوة الصَّهْبَاء فى الكاس) (النَّاس بِالنَّاسِ وَالدُّنْيَا بأجمعها ... فى درة تعطف الساقى على الحاسى) (يئست واليأس احدى الراحتين وَكم ... جلوت منى صدا الاطماع باليأس) مِنْهَا (فى كل غانية من أُخْتهَا بدل ... ان لم تكن بنت راس فابنة الراس) (أودعت عقلى الى الساقى فبدده ... فى كسر جفنيه أَو فى مَيْلَة الكاس) (لَا أوحش الله من غَضْبَان أوحشنى ... مَا كَانَ أبطاه عَن بَرى وايناسى) (سلمت يَوْم النَّوَى مِنْهُ وأسلمنى ... الى عدوين نمام ووسواسى) (ذكرته وهولاه فى محاسنه ... عهود لَا ذَاكر عهدى وَلَا ناسى) (وددت اذ بِعته روحى بِلَا ثمن ... لَو كنت أضْرب اخماسا لاسداس) (يَا وَيْح من أَنْت يَا لمياء بغيته ... مَا كَانَ أغناه عَن فكر ووسواس) (قَامَت تغنى بِشعر وهى حَالية ... بِهِ أَلا حبذا المكسو والكاسى) (تَقول وَالسكر يطويها وينشرها ... أى الشرابين أحلى فى فَم الكاس) (يَا حبذا أَنْت يَا لمياء من سكن ... وحبذا سَاكن الْبَطْحَاء من نَاس) (مَا ان ذكرتك الا زَاد بى طربى ... وطاب ريح الصِّبَا من طيب أنفاسى) (وَلَا ذكرت الصِّبَا وأذكرنى ... لياليا أرضعتنى درة الكاس) (وجيرة لعبت أيدى الزَّمَان بهم ... أنْكرت من بعدهمْ نفسى وجلاسى) (أَيَّام أختال فى ثوبى بلهنية ... وميعة من شباب ناعم عاس) (عَار من الْعَار حَال بالصبا كاسى ... كأننى وَالصبَا فى برد أَخْمَاس) (أنضيت فِيهِ مطايا الْجَهْل والباس ... عريت مِنْهُ وَمَا عريت افراسى) (فى صبية كنجوم اللَّيْل اكياس ... كَانَ ايامهم ايام اعراس)

стр. 1536

(أسمو اليهم سمو النّوم للراسى ... أدب فيهم دَبِيب السكر فى الحاسى) (باتوا بميثاء صرعى لاحراك بهم ... وانما صرعتهم صدمة الكاس) (يَا عاذلى أَنْت أولى بى فَخذ بيدى ... فَأَنت أوقعتنى فيهم على راسى) (وَيَا حمام اللوى هلا بَكَيْت معى ... على زمَان تقضى أَو على نَاس) وَقَوله من أُخْرَى (أتراك تهفو للبروق اللمع ... وتظن رامة كل دَار بلقع) (لَوْلَا تذكر من ذكرت برامة ... مَا حسن قلبى للوى والاجرع) (ريم بأجوبة الْعرَاق تركته ... قلق الوساد قرير عين المضجع) (فى السِّرّ من سعد وَسعد هَامة ... رعناء لم تصدع وَلم تتضعضع) مِنْهَا (قَالَت وَقد طَار المشيب بلبها ... أنشبت فى حلق الْغُرَاب الابقع) (وتلفتت وَالسحر رائد طرفها ... نَحْو الديار بمقلة لم تخشع) (وَلكم بعثت الى الديار بمقلة ... رجعت تعثر فى ذيول الادمع) (عرفت رسوم الدَّار بالمتربع ... فَبَكَتْ وَلَوْلَا الدَّار لم تتقشع) وَله وهى من غرره (أَرَأَيْت مَا صنعت يَد التَّفْرِيق ... أعلمت من قتلت بسعى النوق) (رَحل الخليط وَمَا قضيت حُقُوقهم ... بمنى النُّفُوس وَمَا قضين حقوقى) (عَلقُوا بأذيال الرايح ووكلوا ... للبين كل معرج بفريق) (وغدوت أصرف ناجذى على النَّوَى ... واغص من غيظ الوشاة بريقى) (هجروا وَمَا صنع الشَّبَاب بعارضى ... عجلَان مَا علق المشيب بزيقى) (فكاننى والشيب أقرب غَايَة ... يَوْم الْفِرَاق كرعت من راووق) (لَا راق بعدهمْ الْخِيَار لناظرى ... ان حن قلبى بعدهمْ لرحيق) (لعب الْفِرَاق بِنَا فشرد من يدى ... ريحانتى صديقتى وصديقى) (لله ليلتنا وَقد علقت يدى ... مِنْهُ بعطف كالقناة رَشِيق) (عاطيته حلب الْعصير وصدنا ... عَن وَجه حاجبنا يَد التعويق) (مَا كَانَ أسْرع مَا وحته وانما ... دهش السقاة بِهِ عَن الترويق) (أيقظته وَاللَّيْل ينفض صبغه ... وَالسكر يخلط شائقا بمشوق)

стр. 1537

(وَالنَّوْم يعبث بالجفون وَكلما ... رق النسيم قست قُلُوب النوق) (والبرق يعثر بالرحال وللصبا ... وقفات مصغ للْحَدِيث رَفِيق) (فأجابنى وَالسكر يعجم صَوته ... والكاس تضحك للثنايا الروق) (لَوْلَا الرَّقِيب هرقت مضمضة الْكرَى ... وغصصت صَافِيَة الدنان بريقى) (ثمَّ انثنيت وزلفه بيد الصِّبَا ... وشميمه فى جيبى المفتوق) وَله (آه يَا غُصْن النقا مَا أميلك ... جلّ يَا غُصْن النقا من عدلك) (قد قضى لى بتباريح الجوى ... من قضى بالحب لى وَالْحسن لَك) (أكل الْحبّ فؤادى بَعْدَمَا ... لاك منى مَا تمنى وعلك) (هلك الشامى وجدا وأسى ... مَا يبالى يَا حياتى لوهلك) (قل لى فِيك غراما وجوى ... قلل الله عذولا قللك) (حكم الله لفودى على ... نُسْخَة الشيب وتسويد الحلك) (أَترَاهُم قدرووا أى دم ... هرق الواشى على تِلْكَ الْفلك) (يَا غراب الْبَين لَا كنت وَلَا ... كَانَ واش دب فيهم وسلك) (أخذُوا منى وأعطوا مَا اشتهوا ... مَا كَذَا يحكم فِينَا من ملك) (جرت فى الحكم على أهل الْهوى ... لَا تخف فالامر لله وَلَك) (لَيْت شعرى أمليك فى الورى ... أَنْت يَا انسان عينى أم ملك) (حكم الدَّهْر علينا بالنوى ... هَكَذَا تفعل أدوار الْفلك) وَله (آه من داءين باد ودخيل ... وخصيمين مشيب وعذول) (مَا على من طَال ليلى بعدهمْ ... لَو أعانونى على ليلى الطَّوِيل) (عَاجل الْقلب اليهم ناظرى ... مَا أضرّ الْحسن بِالْقَلْبِ العجول) (نادمت مِنْهُم بنانى ناجذى ... واستشاط الوجد فى اثر الحمول) (وبأكناف الْمصلى غادة ... سنحت لى مسخ الظبى الجذول) (عرضت شَرط المفدى فى مهى ... يتعثرن بأطراف الذيول) (قد عرفنَا وَقْفَة الركب دجى ... فى سنا الْجور وأنفاس الْقبُول) (اذ شفيعى عِنْد لمياء الصِّبَا ... ورسولى خلسة اللحظ الكليل) (نظرت نحوى ورقراق السنا ... يخطف الابصار عَن طرف كحيل)

стр. 1538

(حكم الله لقلبينا على ... قلق القرط ووسواس الحجول) (زَاد شوقى يَا حمامات اللوى ... عللينا ببكاء وعويل) (أَنا أولى بنواح وبكا ... لَا يزالانى كوجدى وغليل) (لَيْت شعرى والامانى ضلة ... هَل صبا نجد الى الغيد رَسُول) (يَا صبا نجد وَمن لى لَو وعت ... رَجَعَ قولى أَو أصاخت لسؤول) (أَنْت أدرى يَا هناتى بالجوى ... خبريهم يَا لَك الْخَيْر وَقَول) (لَو رأى وَجه سليمى عاذلى ... لتفارقنا على وَجه جميل) (بشرت سلمى عذولى بالنوى ... آه مِمَّا أودعت سمع العذول) وَله (كلينى لَهُم لَا ينَام ونامى ... فَمَا الشَّام ان ضَاقَتْ على بشام) (وَمَا بى سوى أم رؤم وجيرة ... عزاز علينا يَا عثيم كرام) (وَقد كنت قبل الْبَين جلدا على الاسى ... تطالبنى نفسى بكر مرام) (لصوقا بأكباد الحسان محببا ... الى الغيد يحلو لى لَهُنَّ كلامى) (يقودوننى قَود الجنيب الى الْهوى ... فَمَا لى منبوذ الى ذمامى) (وفى الركب مَدْلُول اللحاظ الى الحشا ... يدافع عَن أترابه ويحامى) (لقد كمنت أم المنايا بلحظه ... كمون المنايا فى شَفير حسام) (يشايعه من آل كسْرَى ضراغم ... براثنهم عِنْد اللِّقَاء دوامى) (يروحون والتيجان فَوق رؤوسهم ... أَلا رب تيجان زهين بهام) (برزت لَهُم الحتف منى على شفا ... أرى الحتف خلفى تَارَة وأمامى) (أوارب عَن صحبى وَأعلم أننى ... لاول مقتول لاول رامى) (فناضلته والركب بَين مفوق ... وَآخر مقروح الجوانح دامى) (أَصَابَت وَكَانَت لَا تصيب سهامه ... وطاشت وَكَانَت لَا تطيش سهامى) (كَذَا الغيد يَا عثماء اما مجاهر ... واما ختول لَا يفى بذمام) وَله (لَا يتهمنى العاذلون على البكا ... كم عِبْرَة موهتها ببنانى) (يَا من يفندنى على ابْنة وَائِل ... عَنى اليك فَغير شَأْنك شانى) (آلَيْت لَا فتق العذول مسامعى ... يَوْمًا وَلَا خاط الْكرَى أجفانى) (قَالَت عثيمة قد كَبرت عَن الصِّبَا ... مَا للكبيرة وصبوة الشبَّان) (مَا الشيب الا كالقذاة لناظرة ... فقليله وَكَثِيره سيان)

стр. 1539

(سلبت أساليب الصبابة من يدى ... صبرى وأغرت ناجذى ببنان) وَله (طرقت تخطى رَقَبَة الواشين بى ... وعيونهم مطروقة بكراها) (وَأَنا وموار الْيَدَيْنِ نلوذ فى ... سجف الْغَمَام كأننا طنباها) مِنْهَا (هَل فى الْقَضِيَّة أَن يشايعك العدا ... فى لَيْلَة نَاجَيْت فِيك سهاها) (هَب أَن للشامى فِيهَا بالسهى ... نسبا فَأَيْنَ هم وَأَيْنَ دجاها) (لَيْت الَّتِى بعثت الى خيالها ... أَذِنت لعينى أَن تذوق كراها) وَله غير ذَلِك مِمَّا لَا تنتهى بدائعه وَكَانَت وَفَاته فى نَيف وَتِسْعين وَألف مُحَمَّد بن على بن سعد الدّين بن رَجَب بن علوان الْمَعْرُوف بالمكتبى الدمشقى الْخَطِيب الامام الشافعى الْمَذْهَب كَانَ من أجل عُلَمَاء الزَّمن مُحدثا فَقِيها اخباريا أديبا لَهُ نظم ونثر وَكَانَ حسن الاخلاق صَدُوقًا ثَبت الرِّوَايَة جمع لنَفسِهِ مشيخة وقفت عَلَيْهَا بِخَطِّهِ ونقلت مِنْهَا بعض تراجم أشياخه فَمنهمْ وَالِده وَالشَّيْخ مُحَمَّد الميدانى والنجم مُحَمَّد الغزى وَالشَّيْخ على النجار الصالحى وَالشَّيْخ على القبردى والشيح يحيى الفرضى والكمال العيثاوى وَالسَّيِّد ابراهيم الصمادى وَالشَّيْخ ابراهيم الحلبى العلوانى امام الصابونية بِدِمَشْق والشهاب أَحْمد العرعانى وَهَؤُلَاء كلهم شافعيون وَمن الْحَنَفِيَّة العمادى الْمُفْتى والشهاب أَحْمد البهنسى وَالْمولى يُوسُف بن أَبى الْفَتْح والاديب أَحْمد ابْن شاهين وَالشَّيْخ رَمَضَان العكارى وَالشَّيْخ أَيُّوب الخلوتى وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الحزرمى الْبَصِير وَمن الْحَنَابِلَة الشَّيْخ عبد الباقى الْمُفْتى والشهاب أَحْمد الوفائى وَمن الْمَالِكِيَّة أَبُو الْقَاسِم المغربى وَهَؤُلَاء كلهم دمشقيون وَأخذ عَن أَبى الْعَبَّاس المقرى وَشَيخنَا الشَّيْخ يحيى الشاوى وَحج فى سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَأخذ بِمَكَّة عَن الْجمال مُحَمَّد على بن عَلان الصديقى ثمَّ حج ثَانِيًا فى سنة تسع وَخمسين وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن الصفى القشاشى وبمكة عَن الشَّمْس البابلى وَدخل الْقُدس وَأخذ بهَا عَن مفتى الْحَنَفِيَّة بهَا الشَّيْخ عبد الْغفار وَولى امامة السنانية وخطابة السيبائية وَكَانَ لَهُ كرسى وعظ بِجَامِع بنى أُميَّة وبالسنانية ودرس الجامعين الْمَذْكُورين كثيرا وانتفع بِهِ جمَاعَة وَكَانَ جهورى الصَّوْت فصيح الْعبارَة فى وعظه وَكَانَ فَقِيرا كثير العائلة صَابِرًا قنوعا سخى الطَّبْع مجدا فى الْعِبَادَة فى وعظه وَكَانَ فَقِيرا كثير العائلة صَابِرًا قنوعا سخى الطَّبْع مجدا فى الْعِبَادَة والمطالعة ونفع النَّاس لَا يمل وَلَا يكل وَكَانَ للنَّاس فِيهِ محبَّة لتواضعه وكرم اخلاقه وَله أشعار كَثِيرَة غالبها فى الْمَدْح والرثا وَبِالْجُمْلَةِ ففضله لَا يحْتَاج الى شَاهد وَكَانَت وِلَادَته فى الْيَوْم السَّابِع عشر من ذى

стр. 1540

الْقعدَة سنة عشْرين بعد الالف وَتوفى نَهَار السبت ثانى عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن عمر بن فواز الملقب شمس الدّين الدمشقى الشافعى كَانَ فَاضلا أديبا لطيف الذَّات حسن الْخلال عذب الْفَاكِهَة لَهُ مُشَاركَة فى عدَّة فنون وَله شعر // حسن لطيف السبك // أَخذ بِدِمَشْق عَن الْعَلامَة العمادى الحنفى ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا سِنِين وَصَحب أفاضلها الْمَشَاهِير وَلزِمَ الاديب مُحَمَّد الفارضى الْمَشْهُور وروى عَنهُ منظومات كَثِيرَة وَرجع الى دمشق ودرس بِبَعْض الْمدَارِس وَكَانَ كثيرا مَا يألف الشَّيْخ مُحَمَّد الحجازى مفتى الشَّافِعِيَّة بِدِمَشْق وَولده عبد الْحق وَكَانَ عبد الْحق يقْرَأ عَلَيْهِ وانتفع بِهِ وَكَانَ يراسله فَمَا كتبه الفوازى اليه وَقد انْقَطع عَن صحبته أَيَّامًا لجفوة صدرت مِنْهُ وتعتب عَلَيْهِ فى المهاجرة (يَا غَائِبا والذنب ذَنْبك ... متعتبا الله حَسبك) (لَا تبعدن فانما ... أمْلى من الايام قربك) وَقد ذكره البورينى فى تَارِيخه وَأحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَكَانَ عندنَا فى يَوْم قد هَب نسيمه وَصَحَّ بِوَصْف السَّلامَة سليمه فَقَرَأَ بعض الاصحاب هَذَا الْبَيْت من كتاب الصادح والباغم لِابْنِ الهبارية وَظَاهره لَا يَخْلُو من شئ على مُقْتَضى الشَّرِيعَة المحمدية وَالْبَيْت هَذَا (وَلَيْسَ فى الْعَالم ظلم جارى ... اذ كَانَ مَا يجرى بِأَمْر البارى) فأظهر اشكاله وأودع حَقِيقَة الْحق أَقْوَاله فَقَالَ (هَذَا كَلَام ظَاهر الاشكال ... ظَاهره لم يخل من مقَال) (اذ عَالم الْكَوْن مَعَ الْفساد ... كم قد حوى كفرا على عناد) (وَكم بِهِ ظلم على اعتداء ... وَالله لَا يَأْمر بالفحشاء) (ومدعى هَذَا أَتَى بهتانا ... اذ قَوْله يصادم القرآنا) (مُنَاقض فَائِدَة الارسال ... وَحِكْمَة التَّكْلِيف بالاعمال) (كَقَوْلِه لَا تقربُوا أقِيمُوا ... فظلمنا مرتعه وخيم) (فان أَرَادَ الْعلم والاراده ... بالامر فَهُوَ ظَاهر الافاده) (وهى صِفَات رَبنَا فى الْقدَم ... وَالظُّلم فى فعل الْعباد فَاعْلَم)

стр. 1541

(وربنا منزه عَن ظلم ... اذ فعله عَن حِكْمَة وَعلم) (وَمَا جرى فى الْكَوْن بالتقدير ... مَعَ القضا فى سَائِر الامور) (وَالله سمى الْبَعْض ظلما حَقًا ... فَلَيْسَ من يُنكره محقا) (وَكم حوى الْقُرْآن ذمّ الظَّالِمين ... وكل من خَالف نهج الْمُؤمنِينَ) (وَيجب الايمان بِالْقضَاءِ ... وَلم يكن سرا بِلَا امتراء) (وَامْتنع الرضاء بالمقضى ... اذ كَانَ شَيْئا لَيْسَ بالمرضى) (كَقَوْل أهل الْعلم وَهُوَ الصدْق ... ان الرِّضَا بالْكفْر كفر حق) (فَلَا تجوز الرِّضَا بالظلم ... أنكر وَلَو بِالْقَلْبِ يَا ذَا الْفَهم) (هَذَا جَوَاب حسن مُحَقّق ... وَالله مَوْلَانَا هُوَ الْمُوفق) وَمن نظمه مَا يتَعَلَّق بِأَكْل المكيفات من البرش مضمنا (بالكيف تظهر اخلاق الرِّجَال لنا ... لَا بالصنائع والهيئات والحرف) (والكيف كَيْفيَّة للنَّفس تخبرنا ... عَن خلق صَاحبهَا اخبار معترف) (فانه الرّيح ان مرت على عطر ... طابت وتخبث ان مرت على الْجِيَف) وَفِيه تضمين مَعَ نقل وَأَصله (لَا تشرب الراح الا مَعَ أخى ثِقَة ... واختر لنَفسك حرا طيب السّلف) (فالراح كَالرِّيحِ ان مرت على عطر ... طابت وتخبث ان مرت على الْجِيَف) قَالَ وَمِمَّا قرأته لَهُ بِخَطِّهِ فى طلب سفينة شعر من بعض اخوانه (يَا سيدا فى المعالى ... لَهُ أياد مبينه) (انى بك الْبر فَابْعَثْ ... يَا بَحر نحوى سَفِينِهِ) (لَا زلت تهدى دواما ... لى اللآلى الثمينة) ورحل آخر أمره الى مَكَّة وجاور بهَا وَكَانَ سَبَب رحلته ان رجلا من أجناد دمشق أَخذ لَهُ صرا بِمَكَّة المشرفة فى كل سنة مَا يقرب من ثملثمائة دِينَار هبه فَرَحل اليها وتديرها وقرأت بِخَط البورينى قَالَ لما عزم على الرحيل الى ذَلِك الجناب وصمم على ترك الاقامة بِاخْتِيَار الذّهاب ذهبت اليه مودعا وأنشدته متوجعا مرتجلا فى نظمه مظهر الهيب الْفِرَاق بعد كتمه مضمنا الْبَيْت الاخير لابى الْحسن التهامى مودعا لَهُ فى غُضُون كلامى فَقلت (فَازَ ابْن فواز فَفَارَقَ جلقا ... وَغدا بِمَكَّة جَار أكْرم جَار)

стр. 1542

(وغدوت فَردا فى دمشق لبعده ... متجرعا غصصا لِجَار الدَّار) (جَاوَرت أعدائى وجاور ربه ... شتان بَين جواره وجوارى) وَلم يذكر وَفَاته فى تَارِيخه وَقد كنت فحصت عَنْهَا فرأيتها فى مَجْمُوع بِخَط عبد الْكَرِيم الطارانى الْمُقدم ذكره قَالَ فِيهِ ان وَفَاته كَانَت بِمَكَّة فى أَوَائِل ذى الْحجَّة سنة خمس بعد الالف وَمَات وَله من الْعُمر نَيف وَخَمْسُونَ سنة تَقْرِيبًا وَورد خبر مَوته الى دمشق فى عشرى صفر سنة سِتّ بعد الالف مُحَمَّد بن عمر الملقب شمس الدّين بن سراج الدّين بن سراج الدّين الحانوتى المصرى الْفَقِيه الحنفى كَانَ رَأس الْمَذْهَب فى عصره بِالْقَاهِرَةِ يرجع اليه أَمر الْفَتْوَى والرياسة بعد شيخ الْمَذْهَب على بن غَانِم المقدسى وَكَانَ فَقِيها وَاسع الْمَحْفُوظ لَهُ الْفَتَاوَى الْمَشْهُورَة وهى فى مُجَلد كَبِير مرغوبة يعتمدها الْفُقَهَاء فى زَمَاننَا ولوالده أُخْرَى نافعة سائرة تفقه على وَالِده وعَلى قاضى الْقُضَاة نور الدّين الطرابلسى ثمَّ المصرى والشهاب أَحْمد بن يُونُس بن الشلبى صَاحب الْفَتَاوَى وَأخذ عَن الامام تقى الدّين الفتوحى وقاضى الْقُضَاة شمس الدّين الشامى المالكى والامام النَّاصِر بن حسن اللقانى المالكى والشهاب أَحْمد الرملى والشهاب ابْن عبد الْحق والاستاذ أَبى الْحسن البكرى وَالشَّمْس مُحَمَّد الدلجى شَارِح الشفا وَالشَّمْس مُحَمَّد الشامى الصالحى ثمَّ المصرى صَاحب السِّيرَة وَالشَّيْخ مُحَمَّد الداودى وتلميذ السيوطى والمظفرى وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الاجلاء مِنْهُم الشَّيْخ الامام خير الدّين الرملى وَكَانَت وِلَادَته لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع عشر صفر سنة ثَمَان وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَتوفى بِالْقَاهِرَةِ فى سنة عشرَة بعد الالف مُحَمَّد بن عمر الخفاجى وَالِد الشهَاب الْمُقدم ذكره المصرى الشافعى أحد أجلاء الْعلمَاء فى عصره كَانَ من الْفضل فى المكانة السامية والهضبة الْعَالِيَة مفننا بارعا محققا مدققا مَشْهُور الصيت ذائع الذّكر أَخذ عَن كبار الشُّيُوخ وتصدر للافادة والتدريس وانتفع بِهِ جمَاعَة من كبار الْعلمَاء مِنْهُم أَبُو بكر الشنوانى وَكَفاهُ بتلمذ هَذَا لَهُ مفخرا وَلَزِمَه ابْنه الشهَاب وتأدب بِهِ وَعَلِيهِ تخرج فى كثير من الْفُنُون وَبِالْجُمْلَةِ فجلالته وَعظم قدره أشهر من أَي يذكر وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى عشرَة بعد الالف ورثاه الْفَاضِل الاديب مُحَمَّد بن يس المنوفى الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى بقصيدة مطْلعهَا

стр. 1543

(مَا بَال أيدى النائبات تخون ... وتذيم رصف الْمجد وَهُوَ رصين) (يَا دهر لَا عتبى عَلَيْك وَلَا رضى ... كل المصائب بعد ذَاك تهون) (تعد الورى البوسى فتسرع وقعها ... واذا وعدت بِمَا يسر تمين) مِنْهَا (لَو كَانَ يجدى النوح مَيتا قبله ... نفعا لنا حت أعصر وقرون) (يَا واعظا بسكونه حركتنا ... ولأنت بالوعظ الْمُفِيد قين) (وَغدا ضجيع الا انه ... فى قلب كل موحد مدفون) ختامها (حفتك رَحْمَة ذى الْجلَال وعفوه ... وَسَقَى ثرى جدث حواك هتون) (وسرت محَاسِن مَا صنعت حواملا ... حسن الثَّنَاء يحفها التَّأْمِين) مُحَمَّد بن عمر بن أَبى بن أَحْمد بن أَبى بكر بن عمر بن أَبى بكر بن عمر بن العزب السَّيِّد مُحَمَّد بن عمر وَالِد بِالْيمن بسردد وَأخذ عَمَّن بِهِ من الشُّيُوخ من بنى القديمى ثمَّ رَحل من الْيمن وَاتفقَ انه دخل زبيد لقَضَاء حَاجَة لبَعض شُيُوخه فَدَخلَهَا بعد الْمغرب فَوجدَ سورها مغلوقا فَبَاتَ على بَاب الْبَلَد واذا هُوَ بِرَجُل فَجَلَسَ عِنْده واكل مَعَه وانسه الى الصُّبْح وَقَالَ لَهُ سلم على شيخك فَقَالَ لَهُ السَّيِّد من أَنْت فَقَالَ هُوَ يعرفنى فَأخْبر شَيْخه بذلك فَقَالَ لَهُ أما عَرفته قَالَ لَا قَالَ ذَاك الْخضر وَهُوَ صاحبى فتعب السَّيِّد فَقَالَ لَهُ لَا تتعب سيصير صَاحبك بعدى وَلما دخل القنفدة كَانَ صَاحب المنصب من أَوْلَاد الشَّيْخ على الطوشى بِمَدِينَة جلى لَيْلَة قدومه الى القنفدة يقوم وَيقْعد وَينظر يَمِينا وَشمَالًا وَيَقُول دخل هَذِه الْبِلَاد فى هَذِه اللَّيْلَة نور عَظِيم وَأوصى بعض المتوجهين الى جِهَة القنفدة يسْأَل عَمَّن قدمهَا فى تِلْكَ اللَّيْلَة فأخبروه أَن القادم تِلْكَ اللَّيْلَة السَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور ثمَّ ظهر حَاله وشاع أمره واعتقده النَّاس وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ السّكُون والثبات فى جَمِيع الامور وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع عشرَة وَألف بهَا دفن رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن عمر بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن حسن بن عمر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عمر بن أَحْمد بن عمر بن الشَّيْخ على بن عمر الاهدل كَانَ هَذَا السَّيِّد من كبار مَشَايِخ الصُّوفِيَّة أهل الْحل وَالْعقد الْمُسْتَعَان بهم فى النوائب والشدائد والشفاعات صَاحب زَاوِيَة واكرام وافضال وانعام وشهرته تغنى عَن شرح حَاله أَخذ عَن وَالِده ونصبه جده عبد الْقَادِر وَهُوَ فى سنّ الصغر دون التَّمْيِيز شَيخا فَكَانَ يَقُول لَهُ يَا شيخ وَالله ان لَك

стр. 1544

جدا لَو نظر الى أهل الارض لصاروا كلهم مَشَايِخ انْتهى وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة كثيرا مَا يَتْلُوا الْقُرْآن بالجهر تِلَاوَة مجودة بترتيل وَحسن صَوت مواظبا الزِّيَارَة جده الشَّيْخ الْكَبِير على الاهدل كل يَوْم ثمَّ يقف عِنْد كل قبر من الْقُبُور الْمَعْرُوفَة هُنَاكَ سَاعَة ثمَّ يدْخل مَسْجِد التربة فيصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُو وينصرف الى بَيته وَلم يزل كَذَلِك الى أَن توفى لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع عشر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد سعد الدّين بن تقى الدّين بن القاضى نَاصِر الدّين بن أَبى بكر ابْن أَحْمد بن الامير مُوسَى وَتقدم تَمام النّسَب فى تَرْجَمَة ابْن أَخِيه أَحْمد بن صَالح الشَّيْخ الْبركَة الولى المعتقد الْمَعْرُوف بالعلى القدسى كَانَ من أصلح صلحاء زَمَانه وأعرفهم بِاللَّه تَعَالَى لَهُ الطَّرِيقَة الباهرة والسمت الْحسن فى مصطلحات الصُّوفِيَّة وَذكرهمْ وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَ فى مبدأ أمره يسكن دمشق بخانقاه تقى الدّين عمر الكردى فى محلّة القنوات ثمَّ حج وجاور وَلم يسْتَقرّ بعد ذَلِك فى دمشق فَرَحل الى موطنه الْقُدس وقطن بهَا واعتقده أَهلهَا وأحبوه واشتهر صيته فى الْآفَاق وَكَانَ عَالما صَالحا سالكا على نهج كبراء الصُّوفِيَّة وَله على لسانهم شعر نَفِيس فَمن ذَلِك قَوْله مُشِيرا الى الْوحدَة الْمُطلقَة (سلم اذا ذكر اتحادا عاشق ... وافطن فطور الْمَرْء لَيْسَ يزِيد) (فَالنَّار يدخلهَا الْحَدِيد فيغتدى ... نَارا فَذَاك معاين مشهود) (فاذا تخلى عَن مقَام وصالها ... فَالنَّار نَار وَالْحَدِيد حَدِيد) وَله كرامات مَشْهُورَة مِنْهَا مَا حَكَاهُ خَلِيفَته الشَّيْخ على الحورانى الحبراصى من حبراص قَرْيَة بحوران وَكَانَ من أخص جماعته وَذَلِكَ انه شاور الشَّيْخ فى الذّهاب الى بِلَاده لزيارة أَهله فحذره من أَمر يأتى عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ دَافع عَن نَفسك مهما أمكنك وَلم يُصَرح ثمَّ توجه فَلَمَّا وصل الى دَارهم الَّتِى يعهدها دَخلهَا فَخرجت اليه امْرَأَة وأدخلته وَلم يدر أَنَّهَا غَرِيبَة فَلَمَّا اسْتَقر دَاخل الدَّار غلقت عَلَيْهِ الابواب وراودته عَن نَفسه وَكَانَ غارقا فى الجذب فَصَرَخَ عَلَيْهَا بقول الله فَلم تلْتَفت وَأَقْبَلت عَلَيْهِ فَلم يضعر الا والجدار قد انْشَقَّ وَالشَّيْخ العلمى وَاقِف يَقُول لَهُ هَات يدك يَا على وسحبه وَأخرجه فَلَمَّا أَتَى الْقُدس لزيارة الشَّيْخ وَسلم عَلَيْهِ مسك الشَّيْخ يَده وَشد عَلَيْهَا وَأَوْمَأَ اليه بالكتم وَذكره الفيومى فى المنتزه وَقَالَ فى وَصفه أشرقت شمس معارفه بالارض المقدسه فأطلعت أهل ارشاده هادية ومؤنسه فانتشرت فضائله

стр. 1545

واشتهرت فواضله وَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ النَّاس وَأَقْبَلت عَلَيْهِ أَرْبَاب الباس فنفذت كَلمته وازدادت حرمته وَله ديوَان شعر مَشْهُور وتائية فى السلوك درها منثور على النحور افتتحها بقوله تبعا لِابْنِ حبيب فى تائيته (باسم الاله ابتدائى فى مهماتى ... فَذَاك حصنى فى كل الملمات) (وَالْحَمْد لله ربى دَائِما أبدا ... حمدا ننال بِهِ أَعلَى المبرات) (ثمَّ الصَّلَاة على الْمُخْتَار سيدنَا ... مُحَمَّد الْمُصْطَفى عز الوجودات) (كَذَا سَلام من الْمولى يضاعفه ... من اليه بأنواع التَّحِيَّات) (فى كل حِين وآن لَا انْقِضَاء لَهُ ... من رَحْمَة الله يأتى بالمسرات) (كَذَاك للآل والصحب الْكِرَام وَمن ... للدّين قد أيدوا فى كل حالات) وهى كَبِيرَة تشْتَمل على قَوَاعِد أهل الطَّرِيقَة والحقيقة وَذكره البورينى فى تَارِيخه وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَلما كَانَ بِدِمَشْق سرت اليه يَوْمًا من الايام وهزنى الشوق والغرام لاغتنام مصاحبته واجتلاء مكالمته فصادفت الديار خاليه والمنازل عاطلة غير حاليه لانه قد سَار الى زِيَارَة أَهله فى بَيت الْمُقَدّس فَلَمَّا رَأَيْت وحشتها بعد انسها وظلمتها بعد أنوار شمسها أنشدت مرتجلا وكتبت عجلا على جِدَار الخانقاه الَّتِى كَانَ يسكنهَا هَذِه الابيات (أتيت ديار الحى بعد ارتحالهم ... فصادفت ربعا بعد سكانه أقوى) (ورمت من الْقلب التصبر بعدهمْ ... فَقَالَ على بعد الاحبة لَا أقوى) (وَمن نكد الدُّنْيَا على الْمَرْء ان يرى ... منَازِل من يهوى على غير مَا يهوى) انْتهى وَكَانَت وَفَاة العلمى فى سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بجبل الطّور ظَاهر الْقُدس رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن عمر بن أَبى بكر بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن أَبى بكر عبَادَة بن يُوسُف بن أَحْمد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن اسماعيل بن مُحَمَّد الاحنف مُصَنف كتاب الثَّمَرَة فى الْفِقْه ابْن اسماعيل بن عمر بن يحيى بن عمر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن على بن الشويش بن على بن وهب بن صريف بن ذوال وَقد مر تَتِمَّة النّسَب فى تَرْجَمَة ابراهيم عبد الله جعمان فبنو عباده وَبَنُو جعمان يَجْتَمعُونَ فى عمر بن مُحَمَّد كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة فَقِيها عَالما ورعا زاهدا قَامَ فى مَحل آبَائِهِ أتم قيام فى الْفَتْوَى والتدريس بِبَيْت الْفَقِيه ابْن عجيل وَكَانَت وَفَاته فى شعْبَان سنة خمسين وَألف
следующие страницы →