Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
(وأقصد أَن يُعِيد روا شبابى ... زمَان غادر الْولدَان شيبا)
(وَمَا خفيت على النَّاس حَتَّى ... أروم الْيَوْم من رخم حليبا)
(اذا ظن الذُّبَاب خشيت مِنْهُ ... لفقد مساعد يلفى مجيبا)
(وهب أَنى حكيت الشَّاة ضعفا ... فمالى أَحسب السنور ذيبا)
(عَسى يَوْمًا يراش جنَاح خطى ... فأغدو قَاصِدا شهما وهوبا)
(عَزِيزًا مستفادا من عَزِيز ... كورد أكسب الايام طيبا)
(لَئِن سعدت وَلَو فى النّوم عين ... برؤياه لتِلْك الْعين طُوبَى)
(وان ضن السَّحَاب فَلَا أبالى ... وفيض نداه قد أضحى سكوبا)
(وَهل أبغى وفى النادى سناه ... طُلُوع الشَّمْس أَو أخْشَى المغيبا)
(ظَفرت بمدحه فعلوت قدرا ... وسمانى الزَّمَان بِهِ أديبا)
(وغادر روض أفكارى جنيا ... وصير غُصْن آمالى رطيبا)
(اذا تليت مآثره بِأَرْض ... غَدا الْفلك الْمدَار بهَا طروبا)
قلت ولهذه القصيدة خبر عَجِيب أَحسب أَنى سمعته من فَم الامير وَذَلِكَ انه لما نظمها دَفعهَا لبَعض المتأدبين المقيمين بدار الْخلَافَة من أهل دمشق ليبيضها لَهُ بِخَطِّهِ وَكَانَ حسن الْخط فَأخذ نسختها وبيضها ونسبها لنَفسِهِ وَدفعهَا الى البهائى فأعجب بهَا ونالت ذَلِك الرجل شَفَاعَته عِنْد قاضى الْعَسْكَر بِمنْصب فَحصل على طول واشتهر بِحسن الشّعْر وَقبُول البهائى وَكَانَ بعض أَصْحَاب الامير وقف على جلية الامر وَذكره لَهُ وَأَرَادَ أَن يظْهر زيف الرجل فَأَعْرض عَنهُ الامير وَقَالَ لَا نخيب من توسل بِنَا فى حَال وللرجل نصيب ناله على يدنا فَالله يمتعه ويزيده وَهُوَ غَايَة فى مَكَارِم الاخلاق رَجَعَ ثمَّ عزل البهائى وَأمر بِالْمَسِيرِ الى بعض القصبات الْقَرِيبَة وأعيد ثَانِيًا فى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وأرخ عوده الاديب يُوسُف البديعى بقوله
(تشيد الْمجد بالمعالى ... وَصَارَ فى الارض كالسماء)
(والدهر قد سر قَالَ أرخ ... فتواى عَادَتْ الى البهائى)
وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ رونق عُلَمَاء الدولة علما وكرما وسماحة ويحكى عَنهُ فى الْكَرم أَشْيَاء غَرِيبَة جدا مِنْهَا انه كَانَ يجود بِثَوْبِهِ الذى يستره كَمَا قيل وَقس عَلَيْهِ غَيره وَالْكَرم الى حد يذكر من قبيل الْمَعْدُوم فى الرّوم ولطف طبعه وظرفه مِمَّا يقْضى مِنْهُمَا بالعجب حَتَّى يرْوى أَنه كَانَ اذا جَاءَ رَمَضَان اسْتعْمل خادمين نَصْرَانِيين اشفاقا
стр. 1472
على خدمته الْمُسلمين من تأذيهم بِالْخدمَةِ من قبل أَن يستوعبوا المأكل وَالْمشْرَب وآلاتهما وَلم يكن فِيهِ عيب يسند اليه الا اسْتِعْمَاله المكيفات من الافيون والبرش ونوادره وأشعاره وآثاره كَثِيرَة وَلم أَقف لَهُ من آثاره الْعَرَبيَّة الاعلى مَا كتبه على نِسْبَة أدهمية يَقُول فِيهِ حمد الْمَنّ جعل الانتساب إِلَى بعض الانساب من واكد الْأَسْبَاب الناجحة فى انشاء ذخائر الْحَمد والثنا وأباح لاقدام المتشبثين بأذيالها موطئ الْعِزّ ومدارج الْعلَا وَنصب لَهُم سلما يرفعون فِيهِ الى سَمَاء السمو وفلك الارتقا
(مرابع قدس نالها كل أقدس ... سما من سما من نائليها الى السما)
وَصَلَاة وَسلَامًا على من بِهِ بدئت نُسْخَة الْجُود والعطا كَمَا بِهِ ختمت رسائل النُّبُوَّة والاصطفا وعَلى آله وَأَصْحَابه الكرماء النجبا وَبعد فَهَذِهِ شَجَرَة طيبَة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فى السما تُؤْتى أكلهَا كل حِين بِأَمْر رَبهَا وتفوح من كل زهرَة مِنْهَا رَوَائِح كَأَنَّهَا نوافج النوافج حسنا وطيبا ويبدو من محاسنها مَا يخاله الانسان غصنا طيبا كَأَنَّهَا اتَّصَلت بأفواه عروقها عين الْحَيَاة اذا انسجمت عَلَيْهَا أذيال نفحات الْجنان بِتِلْكَ الْحَسَنَات يَا لَهَا من شَجَرَة زكية تسد عين الشَّمْس بأوراقها وتعطر أعماق الثرى بِطيب أعراقها ثَابِتَة فى تربة طالما ربت غصونا طاميات ودوحا ناميات من أَسْفَل سافلين الى أعلا عليين وجنة عالية قطوفها دانية وثمارها يانعة غير فانية تورد أخدُود خدودها حَيَاء وخجلاً حَيْثُ تشرفت بلثم انامل السَّيِّد الاجل ملك أقاليم الاطلاق على الاطلاق وَارِث أسرة مقامات الكمل بِالِاسْتِحْقَاقِ الذى أتحف الضرتين بِطَلَاق وَقَامَ فى مقَام الْجد على سَاق فطوبى لمن لَهُ نصيب فى تِلْكَ الشَّجَرَة الرفيعة الشان السامية الْمَكَان المورقة الاغصان المشرقة الانوار المزهرة الازهار اليانعة الاثمار طُوبَى لَهُ طُوبَى لَهُ كالشيخ الاجل والصاحب الامجد الاكمل فلَان فان فِيهِ مِمَّا يشْهد لَهُ أَلْسِنَة الاقلام من أجلة الْعلمَاء الاعلام بِصِحَّة هَذَا النّسَب الباذخ والحسب الْعَاطِس من انف شامخ دَلَائِل تدل على تلألؤ نور السِّيَادَة من غربَة وانبلاج صبح السَّعَادَة عَن مفرق طرته قَالَه بفمه وَكتبه بقلمه مُسْتَيْقنًا بِصِحَّة هَذَا النّسَب الاخطر وحاكما بهَا على مَا يُوجِبهُ الشَّرْع المطهر فلَان انْتهى وَسُئِلَ عَن صَاحب كتاب اخوان الصَّفَا وَحكم قرَاءَتهَا فَكتب أَنا الْفَقِير رَأَيْتهَا منسوبة للمجريطى وَمَا تحققت من هُوَ وَمَا
стр. 1473
أخباره وَحَاصِل تِلْكَ الرسائل لَيْسَ الا مَذْهَب الباطنية الاسماعيلية وهم على أنحاء شَتَّى ومعظم القَوْل فى هَذِه الشعبة من شِعْبهمْ تناسخ الارواح وادعاء حُلُول البارى جلّ وَعلا عَمَّا يَقُوله المبطلون فى الانبياء الْمَشْهُورين من آدم الى مُحَمَّد عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وفى أَئِمَّة آل الْبَيْت وَآخرهمْ المهدى ويعظمونه على الْجَمِيع والاسماعيلية يوافقون الامامية فى ذَلِك فى الصَّادِق وَمن قبله ويخالفونهم فى الكاظم وَيَقُولُونَ بامامة اسمعيل بن جَعْفَر الصَّادِق واليه ينسبون بالسبعية لقَولهم بسبعة أَئِمَّة وَمِمَّنْ ذمّ من يقْرَأ كتب اخوان الصَّفَا مُحَمَّد بن الْمحلى الطَّبِيب الْمَعْرُوف بالعنترى بقوله
(رسائل اخواننا فى الصَّفَا ... هم أَصْبحُوا كأفاعى الصَّفَا)
(اذا جئتهم لم تجدهم سوى ... أراقم من تَحت شوك السفا)
(عناصرهم كدارت الطباع ... وَمن كدر كَيفَ يُرْجَى الصَّفَا)
(وَكَانُوا ظباء الربى بالنقا ... فصاروا ذئاب الفضا بالفلا)
(طلبت فَلم أر مِنْهُم سوى ... عقارب فى منزل قد عَفا)
(تمرد كل امْرِئ مِنْهُم ... على الله مذ عبد القرقعا)
(لقد رسبوا فى بحار الْهوى ... فلست ترى مِنْهُم من طفا)
( ... وَمَا فى بنى آدم صَادِق ... يَدُوم على وده الوفا)
(خَلِيل صفا لَيْسَ فِيهِ قذا ... جواد جدير بِأَن يصطفى)
(سوى الْعقل عَن حكم بالنجاة يلقبهن وَكتب الشفا ... )
(سقى الله نفس الرئيس الذى ... هدَانَا من الْعقل غيث الْهدى)
(فَتلك مُقَدَّسَة بالجنان ... قد اتحدث بنفوس السما)
(فَلَا تفش لله سرا وَلَا ... تبث البرايا عُلُوم الحجى)
(فلولا الشَّرَائِع قيد النهى ... لضل الْمُهَيْمِن كل الورى)
(فان كنت متخذا صاحبا ... لدنياك فليك رب التقى)
(فَذَلِك خير من اللوذعى اللَّئِيم الطباع الْكثير المرا ... )
قلت وَرَأَيْت فى بعض المجاميع مِمَّا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الرسائل أَن الْوَزير صمصام الدولة ابْن عضد الدولة سَأَلَ أَبَا حَيَّان التوحيدى عَن زيد بن رِفَاعَة وَقَالَ لَا أَزَال أسمع عَن زيد مقَالا يريبنى ومذهبا لَا عهد لى بِهِ وَقد بلغنى أَنَّك تعاشره كثيرا وتجلس
стр. 1474
اليه وَعِنْده دَائِما وَمن طَالَتْ عشرته لانسان أمكنه اطِّلَاعه على مستكن رَأْيه فَقلت لَهُ أَيهَا الْوَزير هُنَاكَ ذكاء غَالب وذهن وقاد فَقَالَ فعلى هَذَا مَا مذْهبه قلت لَا ينْسب الى شئ لكنه أَقَامَ بِالْبَصْرَةِ زَمَانا طَويلا وصادف بهَا جمَاعَة عِنْدهم أَصْنَاف الْعلم فصحبهم وخدمهم وَكَانَت هَذِه الْعِصَابَة قد تآلفت بِالْعشرَةِ وتصافت بالصداقة وَاجْتمعت على الْقُدس وَالطَّهَارَة والنصيحة فوضعوا بَينهم مذهبا زَعَمُوا انهم قربوا بِهِ الطَّرِيق الى الْفَوْز برضوان الله تَعَالَى وَذَلِكَ انهم قَالُوا ان الشَّرِيعَة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات وَلَا سَبِيل الى غسلهَا وتطهيرها الا بالفلسفة وَزَعَمُوا انه مَتى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة الْعَرَبيَّة فقد حصل الْكَمَال فصنفوا خمسين رِسَالَة فى خمسين نوعا من الْحِكْمَة ومقالة حادية وَخمسين جَامِعَة لانواع المقالات على طَرِيق الِاخْتِصَار والايجاز وسموها رسائل اخوان الصَّفَا وكتموا فِيهَا أَسْمَاءَهُم وبثوها فى الوراقين ووهبوها لاكثر النَّاس فحشوا هَذِه الرسائل بالكلمات الدِّينِيَّة والامثال الشَّرْعِيَّة والحروف المحتملة والطرق المموهة وهى محشوة من كل فن بِلَا اشباع وَلَا كِفَايَة وفيهَا خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات فتعبوا وَمَا طربوا وعنوا وَمَا أغنوا ونسجوا فهلهلوا ومشطوا فغلغلوا وَبِالْجُمْلَةِ فهى مقالات مشوقات غير مستقصاة والا ظَاهِرَة الادلة والاحتجاج وَلما كتم مصنفوها أَسْمَاءَهُم اخْتلف النَّاس فى الذى وَضعهَا فَكل قوم قَالُوا قولا بطرِيق الحدس والتخمين قوم قَالُوا هى من كَلَام بعض الائمة العلويين وَقَالَ آخَرُونَ هى تصنيف بعض متكلمى الْمُعْتَزلَة فى الْعَصْر الاول وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال انْتهى ثمَّ رَأَيْت ابْن حجر المكى ذكر فى فَتَاوِيهِ وَقد سُئِلَ من صَاحب رسائل اخوان الصَّفَا وَمَا تَرْجَمته وَمَا حَال كِتَابه فَأجَاب بقوله نَسَبهَا كثير الى جَعْفَر الصَّادِق وَهُوَ بَاطِل وانما الصَّوَاب أَن مؤلفها مسلمة بن أَحْمد بن قَاسم بن عبد الله المجريطى وَيُقَال المرجيطى ومجريط من قرى الاندلس ويكنى أَبَا الْقسم كَانَ جَامعا لعلوم الْحِكْمَة من الالهيات وطبائع الاحجار وخواص النَّبَات واليه انْتهى علم الْحِكْمَة بالاندلس وَعنهُ أَخذ حكماء ذَلِك الاقليم وَتوفى بهَا فى آخر جُمَادَى سنة ثَلَاث وَخمسين وثلثمائة وَهُوَ ابْن سِتِّينَ سنة وَمِمَّنْ ذكره ابْن بشكوال وَغَيره وَكتابه فِيهِ أَشْيَاء حكمِيَّة وفلسفية وشرعية وَمِمَّنْ شدد عَلَيْهِ ابْن تَيْمِية لكنه يفرط فى كَلَامه فَلَا تغتر بِجَمِيعِ مَا يَقُوله انْتهى وَكَانَت ولادَة البهائى فى سنة عشرَة وَألف وَتوفى فى ثَالِث عشر صفر سنة
стр. 1475
أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن قبالة دَاره فى تربة مَخْصُوصَة عمرها لنَفسِهِ بِالْقربِ من جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد الفاتح من جِهَة قرمان الصَّغِيرَة وَقَالَ والدى يرثيه
(الرّوم قد محيت محَاسِن أُنْسُهَا ... وَغدا بهَا رسم الْعلَا كهباء)
( ... وتعطلت لما نأى ابْن عزيزها ... اذ لَا بهاء لَهَا بِغَيْر بهائى)
مُحَمَّد بن عبد الْعَلِيم بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى بكر بن على الاهدل وَتقدم تَمام النّسَب فى تَرْجَمَة أَبى بكر بن أَبى الْقسم وَصَاحب التَّرْجَمَة هُوَ السَّيِّد الْجَلِيل لَهُ رياسة الحديدة الثغر الْمَشْهُور بِالْيمن وَكَانَ ذَا جاه وَمَكَارِم واخلاق رضية وَدُنْيا وَاسِعَة صحب السَّيِّد الطَّاهِر ابْن الْبَحْر وَكَانَت وَفَاته بالحديدة فى سنة سبع عشرَة أَو ثَمَان عشرَة وَألف وَصلى عَلَيْهِ اماما بِالنَّاسِ السَّيِّد الطَّاهِر الْمَذْكُور
مُحَمَّد بن عبد الْغنى بن مير بادشاه الْمَعْرُوف بغنى زَاده وبنادرى نادرة الرّوم وقاضى الْعَسْكَر الْمَشْهُور فى الْآفَاق كَانَ من الْفضل فى أَعلَى ذرْوَة مِنْهُ وَهُوَ أشهر موالى الرّوم فى الذكاء والفطنة وَالنّظم والنثر وَبِالْجُمْلَةِ فهم ثَلَاثَة اجْتَمعُوا فى عصر وَاحِد من عُلَمَاء الرّوم لم يتَّفق نظيرهم فى عصر من العصور وهم حُسَيْن ابْن أخى وَصَاحب التَّرْجَمَة ابْن عزمى لَكِن صَاحب التَّرْجَمَة أطولهم باعا فى التَّحْقِيق ولطف الطَّبْع والاخذ من الْفُنُون بالنصيب الوافر مِمَّن تخرج بِهِ الشهَاب الخفاجى وَكَانَ لَا يَنْفَكّ عَن مَجْلِسه وَله من المؤلفات حَاشِيَة على تَفْسِير البيضاوى لم تتمّ وَكَلَامه فِيهَا يدل على تَحْقِيق عَظِيم وَله من الْآثَار الادبية تقريظ على كتاب فى الْفِقْه رَأَيْته بِخَط شقائق الادباء فكتبته هُنَا وَهُوَ لما نظرت فى هَذَا الْكتاب وجدته حديقة أنيقه شقائق حقائقها النعمانية لازهار الحدائق الجنانية شقيقه تأصل فِيهَا خلاف الائمة فَأخذ فى النما حَتَّى صَار شَجَرَة طيبَة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فى السما امتدت أغصانه الْمُخْتَلفَة فى الْآفَاق فأظلت الآنام حَيْثُ ظلت ملتفة الاوراق وغردت ساجعات قلم الْفَتْوَى على مَا هُوَ الاصح من أغصانه والاقوى وَللَّه من غرسه فى مقَامه وأمده برشحات مراعف أقلامه جعل الله تَعَالَى سَعْيه مشكورا وصير عمله بِالْبرِّ الاخروى مبرورا وَكَانَ يرْمى بتعاطى المدام وَاتفقَ لَهُ من النكات البديعة ان أَحْمد باشا الْحَافِظ كَانَ حَاكم الْبَحْر فاجتمعا وتذاكرا شَيْئا من مبَاحث التَّفْسِير وَكَانَ ابْن عبد الْغنى اذ ذَاك مشتغلا بتحشية التَّفْسِير فَقَالَ لَهُ الْحَافِظ مَا كتبت على
стр. 1476
قَوْله تَعَالَى ﴿يسئلونك عَن الْخمر وَالْميسر﴾ فَقَالَ الْآن أَنا أكتب على قَوْله تَعَالَى ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ وَحكى أَنه قَالَ لَهُ شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا بلغنى عَنْك انك تسْتَعْمل الْخمْرَة وتبعث بعض غلمانك الى الحانة ليأتيك بهَا وَهَذَا لَا يَلِيق بشأنك فَقَالَ أما الشَّأْن فلست فى شَأْنه وَأما قَوْلك انى أبْعث بعض غلمانى فَلَا كَانَ ذَلِك لَان الله جعل لى رجلَيْنِ فَأَنا أسعى الى الحانة وأشربها فى محلهَا وَهَذَا من بَاب الغلوقى المداعبة والا فقدره يجل عَن كل هَذَا وينقل عَنهُ فى هَذَا الْبَاب أَشْيَاء غَرِيبَة أخر ولعلها مصنوعة وَقد ولى مناصب عديدة مِنْهَا قَضَاء قسطنطينية وَقَضَاء العسكرين ولشعراء عصره فِيهِ مدائح كَثِيرَة ويعجبنى مِنْهَا قصيدة كَانَ أَحْمد ابْن شاهين الدمشقى مدحه بهَا وَهُوَ بالروم يهنيه بِقَضَاء الْعَسْكَر ومطلعها
(بِنَا مِنْك مَا بِالربعِ من وجد مغرم ... سوى أننا نشكوا وَلم يتَكَلَّم)
(شَكَوْنَا لَهُ وَهنا فظلت رِكَابنَا ... تميد بِنَا أكوارهن وترتمى)
(ورحنا نواليه بصوب غمامة ... من الدمع تغنى عَن سمال وزمزم)
(هى الدَّار دَار الْمَالِكِيَّة والهوى ... تجل بِأَن توطا بخف ومنسم)
(سقى الله أَيَّامًا صَحِبت بربعها ... جآذر بَانَتْ فى عرينة ضيغم)
(غرمت شبابى والشباب تعلة ... وَلَكِن من يشرب هوى الغيد يغرم)
(وَمَا الشيب شيب العارضين وانما ... هى النَّفس شابت بَين جنبى فَاعْلَم)
(هرمت وَلم يعل المشيب عوارضى ... وَلَكِن من يهجر وعيشك يهرم)
(على انها الايام تلعب بالفتى ... فتحزن مَسْرُورا وتلهو بمغرم)
(لحا الله ذى الدُّنْيَا حَدِيثا السامر ... ونصرا لمظلولم ويسرا لمعدم)
(طلبنا بهَا مقدارهمات صدرنا ... فضاقت كَمَا ضَاقَ الْبَخِيل بدرهم)
(وَلَو أَن كفى قد أميطت بهمتى ... لطال الى نيل السماكين معصمى)
يَقُول فى مديحها
(فيا عَالما فى ثَوْبه كل عَالم ... وَمَا الدَّهْر الا فى مقَام التَّعَلُّم)
( ... لِيهن قَضَاء الرّوم حِين وليته ... ببسطة علم مثل رَأْيك مُحكم)
(ويهن بنى الدُّنْيَا جَمِيعًا فلنهم ... لقوك وَقد وافوا لاعظم منعم)
(فَللَّه أَقْلَام بكفك أَصبَحت ... تجول بتفسير الْكتاب المكرم)
(وَللَّه هَذَا السعى اذ رحت منشيا ... لحاشية قد أوضحت كل مُبْهَم)
стр. 1477
(وأبرزت لِلْقُرْآنِ كل خُفْيَة ... ترد الى عقل رصين مُحكم)
(جبلتك العلياء وهى شريفة ... لآدَم بِاسْتِحْقَاق علمك تنتمى)
(فانت صفى جِئْت من خير صفوة ... كَأَنَّك من نور خلقت مجسم)
وَلها تَتِمَّة طَوِيلَة وَقد اكتفينا بزبدتها وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة فى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف
مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن أَبى بكر بن اسرائيل بن اسمعيل بن مُحَمَّد بن عمر الْيُمْنَى ذكره الشلى فى تَارِيخه الْمُرَتّب على السنين وَقَالَ فى وَصفه الامام الْعَلامَة الذى ظهر شرفه وعلت غرفه وأنبأ عَن جَوْهَر كَلمه صدفه صنف عدَّة كتب فى فنون كَثِيرَة مِنْهَا تَفْسِير غَرِيب الْقُرْآن سَمَّاهُ شذور الابريز فى لُغَات الْكتاب الْعَزِيز وَهُوَ كتاب يعجز الواصفون عَن وصف جماله وتعشى الْعُيُون من شمس كَمَاله وَله رِسَالَة فى القهوة ورسالة فى علم المساحة سَمَّاهَا المشمة النفاحة بتحقيق المساحه جمع فِيهَا الْكثير المتفرق من الْكتب فى هَذَا الْفَنّ على أقصد سَبِيل وَأقرب مَأْخَذ وَله نظم حسن ورد على الشَّيْخ مُحَمَّد بن عمر بحرق فى قصيدة لَهُ فى السُّلْطَان بدر الْكثير فى قَوْله وكأنما أنصارك الانصار فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة أنقيس غفلا جَاهِلا بنبينا وَمن نظمه فى القهوة
(يَا شَاعِر افاق فى أَقْوَاله الشعرا ... أبدى لنا من قوافى نظمه دررا)
(أطربتنى اذ وصفت الْقَاف تتبعه ... هَاء وواو وهاء بعده زبرا)
(حققت فى وصفهَا وصفى كفى وَرقا ... بل قد شفى وجلا عَن قلبى الكدرا)
(فانها قُوَّة مهما حذفت لَهَا ... هَاء تبين ذَا من فى الانام قرا)
(لذاك ناسبها فى ذكرك اسْم قوى ... مُوَافقا عدهَا فاعدده واعتبرا)
(بقافها قويت أَعْضَاء كل فَتى ... وهاؤها لهدى وَالْوَاو مِنْهُ جرا)
(بَين الانام الوفا وَالْهَاء آخرهَا ... مِنْهُ الهبات وَهَذَا السِّرّ قد ظهرا)
(فَاشْرَبْ هَنِيئًا فَمَا فى ذَاك منقصة ... كلا وَلَا حُرْمَة تخشى بهَا ضَرَرا)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته يَوْم الاربعاء لثنتى عشرَة بقيت من رَجَب سنة خمس عشرَة وَألف وَدفن بروضة بنى اسرائيل
مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر المنعوت شمس الدّين الشهير بالحادى الصيداوى الشافعى مفتى صيدا الْفَاضِل الاديب الْمَشْهُور لَهُ ألحان الحادى بَين المراجع والبادى
стр. 1478
وَضعه على أسلوب الحان السواجع للصلاح الصفدى قَالَ فى خطبَته بعد أَن ذكر انه وقف على كتاب الصّلاح فتحركت القريحة لجمع مَا هُوَ كالشريد وان كَانَ بَين المقامين بون بعيد وَالْفضل للسابق على كل تَقْدِير وَأجر اللَّاحِق لَهُ من غير تقتير لَكِن الشَّيْخ صَلَاح الدّين افْتقر لذكر السواجع للالحان والحادى غنى بألحانه عَن تَحْرِيك الْعود من الاغصان وشتان بَين من يتَصَرَّف بأنواع فنون نغماته من الانسان وَبَين مغردة تفْتَقر فى تَحْرِيك ألحانها الى سُكُون فنن من الافنان قلت وَقد وقفت على هَذَا الْكتاب وطالعته مرَارًا فَلم أجد فِيهِ كَبِير فَائِدَة سوى انه ذكر مشايخه الَّذين أَخذ عَنْهُم بالشأم مِنْهُم الشَّمْس بن المنقار وجدى القاضى محب الدّين والملا أَسد الدّين بن معِين الدّين التبر يزى وَالشَّمْس مُحَمَّد الداودى والشهاب العيثاوى وَالشَّمْس الميدانى وأضاف اليهم بعض أدباء راسلهم وراسلوه وَقد استوعبت شعره الذى ذكره فِيهِ فَلم أر لَهُ أَجود من قَوْله من قصيدة راسل بهَا الشَّيْخ الامام حسن جمال الدّين الصيداوى مستهلها
(اذا أنْكرت دَعْوَى الْمُحب شُهُوده ... فحسبى انى فى الغرام شهيده)
(فَللَّه شوقى لَا يقر قراره ... من الْبعد حَتَّى مَاله من يعودهُ)
(وَقد مله عواده وَهُوَ مدنف ... حَلِيف جوى صب الْفُؤَاد عميده)
(رعى الله أَيَّامًا تقضت بقربهم ... وَمن لى بِذَاكَ الْقرب من ذَا يُعِيدهُ)
(أيا عاذلى عَمَّن نعيمى وعده ... وحر جحيمى بعده ووعيده)
(وَلم يتلطف بالوصال لمغرم ... وَقد طَال مِنْهُ هجره وصدوده)
(فَهَذَا ملامى مسمعى لَا يُريدهُ ... وَهَذَا غرامى لَا أَزَال أروده)
(وان كَانَ دهرى قد يجور زَمَانه ... تخلصت مِنْهُ بالذى عَم جوده)
فَرَاجعه بقصيدة اخْتَرْت نسيبها ومبدؤها
(مَرِيض هواكم مله من يعودهُ ... فعصر التدانى مَاله من يُعِيدهُ)
(أقمتم على هجرى وانى على الولا ... مُقيم وعتدى كل آن مزيده)
(بِمَاذَا استبحتم ضرّ صب بحبكم ... غَدا عدما بَين الانام وجوده)
(كَسَاه النَّوَى ثوب اكتئاب وحسرة ... مدى الْعُمر لَا يبْلى لَدَيْهِ جديده)
(فان شئتمو عودوا على من غرامه ... قضى بعناه والدموع شُهُوده)
(وحاشاكمو أَن لَا تجودوا لطَالب ... الى نحوكم فى الدَّهْر سَارَتْ وفوده)
стр. 1479
(وَمَا هُوَ بَاقٍ مَا يُقيم على الذى ... عهدتم وَلَو زَالَت لديكم عهوده)
(فيا عاذلى مَا عَاد لى الْآن مسمع ... بِمَا نالنى وَالصَّبْر حلت عقوده)
(وَمَا أَنا مِمَّن قد شكى حكم دهره ... بضد الذى يَرْجُو بِهِ ويريده)
(وَقد حق شكرى حَيْثُ قد صَار مسكنا ... فؤادى لمولى أخجل اليم جوده)
وَذكر فى تَرْجَمَة شَيْخه الشَّمْس الداودى انه ختم عَلَيْهِ قِرَاءَة شرح الْمحلى على الْمِنْهَاج فَعمل دَعْوَة حضرها جمع من الْعلمَاء والادباء فَأَنْشد بَعضهم
(وَيَوْم قد قطعناه سعيد ... لجيد الدَّهْر قد أضحى محلى)
(بروض زَاهِر جنبات نهر ... ومأكول ومشروب محلى)
(قطعناه بقرآن وَذكر ... واخوان حووا أَسْنَى مَحل)
(وَكَانَ ختامه مسكا فَقَالُوا ... كَذَلِك فَلْيَكُن ختم الْمحلى)
وَكَانَ كثير النّظم وَله فى عمل الالغاز وحلها الْيَد الطُّولى وَمَتى كتب اليه شئ مِنْهَا حلّه فى وقته وَكتب الْجَواب وَكَانَ لطيف المحاضرة لذيذا الصُّحْبَة ممتع المؤانسة وَكَانَ رُؤَسَاء الشأم يميلون اليه جدا ويعدونه رَيْحَانَة الندماء ويعاشر مِنْهُم من تطيب عشرته وتلين قشرته وَلَهُم مَعَه نكات تجرى بَينهم ومقاصد لَا يغْضب مِنْهَا وَلَا يتألم وَلَو كَانَت سبا حكى انه دخل على بَعضهم وَكَانَت الْمِائَة الْعَاشِرَة تمت وَدخلت الْمِائَة الْحَادِيَة عشر فَقَالَ ذَلِك الرئيس قد خلصنا من الْقرن الْعَاشِر وَهَذَا الْقرن الحادى قد أقبل وَاتفقَ لَهُ انه اجْتمع عِنْده فى حجرَة لَهُ بِأحد مَسَاجِد صيدا عشرُون شخصا من أَصْحَابه فجَاء أحد الشُّعَرَاء مِمَّن كَانَ يألفهم فَلَمَّا وجدهم خرج وَكتب على بَاب الْحُجْرَة
(أحد وَعِشْرُونَ لقد جمعُوا ... كلهم فى خلْوَة الحادى)
(فقاتل الْعشْرين رب السما ... ولعنة الله على الحادى)
وَله لطائف من هَذَا الْبَاب كَثِيرَة فَمن ذَلِك مَا كتبه الى أَبى اللطف بن مُحَمَّد الخوجى يطْلب مِنْهُ شدا
(يَا أَبَا اللطف ان فَضلكُمْ ... لَيْسَ يُحْصى بِكَثْرَة الْعد)
(شدّ وسطى بِمَا ترى كرما ... وَلَا تماطل فكثرة الشد)
فسير لَهُ شدا وَأرْسل لَهُ هَذَا الْمَقْطُوع فى كتاب وَهُوَ قَوْله
(مقصد ذَا العَبْد من تفضلكم ... من دون من قبُول ذَا الشد)
стр. 1480
(قد سدت فضلا وشدت كل علا ... وَقد شددت الْقُلُوب بالود)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بِمَدِينَة صيدا فى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وصيدا مَعْرُوفَة وهى مَدِينَة بساحل الْبَحْر الرومى بَينهَا وَبَين دمشق سِتَّة وَثَلَاثُونَ ميلًا سميت بصيدون بن صدفا بن كنعان بن حام بن نوح النبى ﵇ وَهُوَ أول من عمرها وسكنها وَقَالَ فى الرَّوْض المعطار سميت بِامْرَأَة وَقِيَاس النِّسْبَة اليها صيداوى بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة كَمَا هى مَفْتُوحَة فى الْمُفْرد والعامة تكسرها فَكَسرهَا من غلط الْعَوام
مُحَمَّد حجازى بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الشهير بِابْن قضيب البان الحلبى الحنفى نقيب حلب كَانَ عَالما فَاضلا جسورا كثير الْعرْفَان فصيح اللِّسَان فى اللُّغَات الْعَرَبيَّة والفارسية والتركيه وَكَانَ ذَا همة عالية مغبوطه وَيَد لِلْخَيْرَاتِ مبسوطه ولى بعد أَبِيه نقابة الاشراف بحلب مُدَّة وقصدته النَّاس فى الْمُهِمَّات ثمَّ سلك طَرِيق الموالى وَوجه اليه قَضَاء أرِيحَا على طَرِيق التَّأْبِيد وَأعْطى رُتْبَة الْقُدس وَرَأس فى حلب وَكَانَ ينظم الشّعْر وشعره لَا بَأْس بِهِ فَمن ذَلِك من قصيدة يمدح بهَا البهائى الْمُفْتى الْمُقدم ذكره لما كَانَ قَاضِيا بحلب ومستهلها
(أَلا منجدا فى أَرض نجد من الوجد ... فَمَا عِنْد أهليها سوى لوعة تجدى)
(وقفت بهَا مستأنسا بظبائها ... كَمَا يأنس الصب المتيم بالوجد)
(أسائل عَمَّن حل بالجزع والحمى ... وَأنْشد عَمَّن جَازَ بالاجرع الْفَرد)
(خليلى ان الصَّدْر ضَاقَ عَن الجوى ... فَلَا تَعَجبا من طفرة النَّار فى الزند)
(قفى الْجِسْم من سعدى جروح من الاسى ... وفى الْقلب من أجفانها كل مَا عدى)
(بثغر يزِيد الوقد من خمرة اللمى ... وصدغ يثير الوجد من جَمْرَة الوجد)
(تقرب لى باللحظ مَا عز دركه ... وتنفر عمدا كى تصاد على عمد)
(تلاعب فى عقل الفحول بطرفها ... ملاعبة الاطفال من غرَّة المهد)
(رمت مهجتى أهدابها عَن تعمد ... نبالا فزادت من توقدها وقدى)
(دَنَوْت اليها وهى لم تدر مَا الْهوى ... وَمَا علمت مَا حل بى من هوى نجد)
(فَقلت أمالى من رضابك رشفة ... معللة أروى بهَا غلَّة الوجد)
(وَهل للتدانى سَاعَة أستمدها ... وأبذل فى انجاز وصلتها جهدى)
(فَقَالَت أما يَكْفِيك وعدى تعلة ... لقلبك فاقنع يَا أَخا الود بالوعد)
стр. 1481
(وَلَا ترج مهما تقصد النَّفس نيله ... فان الرزايا فى مُتَابعَة الْقَصْد)
(وَلَا تستمح من كل خدن وَصَاحب ... اخاء نقد يفضى الاخاء الى الزّهْد)
(فَمَا كل انسان ترَاهُ مهذبا ... وَلَا كل خل صَادِق الْوَعْد والعهد)
(وَلَا كل نجم يهتدى بضيائه ... وَلَا كل مَاء طيب الطّعْم والورد)
(وَلَا الْمسك فى كل المهاة مَحَله ... وَلَا ريح مَاء الْورْد من عاصر الْورْد)
(وَلَا فضل مَوْلَانَا البهائى مُحَمَّد ... كفضل الموالى السَّابِقين على حد)
وَقَوله من أُخْرَى فى مدح البهائى الْمَذْكُور
(قطب السَّمَاء هُوَ الطَّرِيق الاقصد ... دارت عَلَيْهِ نجومه والفرقد)
(والمشترى والزهرة الزهراء فى ... أوج السُّعُود هبوطها والمصعد)
( ... وَالشَّمْس مَا شرفت على أقرانها ... الا بنسبته اليها العسجد)
(وَالله لَا تحصى شؤون كَمَاله ... فالويل ثمَّ على الذى لَا يشْهد)
(وَلَقَد أَبيت الدَّهْر غير مغادر ... فى حَالَة مِنْهَا أقوم وأقعد)
(فَسَأَلته من بالحمى فأجابنى ... مفتى الانام أَبُو الْبَهَاء مُحَمَّد)
وَقَوله فى الصَّهْبَاء وتعليل نشأتها
(لَا ترض بالاضرار للنَّاس ... ان رمت أَن تنجو من الباس)
(وَانْظُر الى الْخمر وَمَا أوقعت ... فى شاربيها بعد ايناء)
(لما رَضوا فى دوسها عوقبوا ... بضربة مِنْهَا على الراس)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته بِمَكَّة المكرمة سنة احدى بعد الالف وَتوفى بحلب فى صفر سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف
مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد محب الدّين بن أَبى بكر تقى الدّين ابْن عمر أَبى المحبى الخلوتى الدمشقى الحنفى الْمَعْرُوف بشقير كَانَ من الْفُضَلَاء الْمشَار اليهم بالنباهة والبراعة وَكَانَ قوى الحافظة للمسائل وَالشعر والاخبار حسن الصُّحْبَة كثير الْعِبَادَة والمطالعة لكتب التَّفْسِير والتصوف وَله رسائل وتحريرات على مَوَاطِن من التَّفْسِير لَطِيفَة قَرَأَ على الشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى وعَلى الْمُفْتى فضل الله بن عِيسَى البوسترى وَالْمولى يُوسُف بن أَبى الْفَتْح وَأخذ عَن جمَاعَة كثيرين مِنْهُم العمادى الْمُفْتى والنجم الغزى وَالْفَتْح البيلونى وَالشَّيْخ على القبردى الصالحى وَلزِمَ الشَّيْخ أَحْمد العسالى وَأخذ عَنهُ طَرِيق الخلوتية وداوم على قِرَاءَة الاوراد وَدخل مَعَه
стр. 1482
الْخلْوَة مَرَّات عديدة وسافر الى الْقُدس والقاهرة وَحج من طَرِيق مصر فى صُحْبَة الامير رضوَان أَمِير الْحَاج المصرى وَحكى عَن نَفسه مَرَّات انه من حِين خرج من مصر فى صحبته الى ان عَاد اليها لم يصرف سوى قِرْش وَاحِد وهبه للجمال وَسَببه محبَّة الامير الْمَذْكُور لَهُ وتقيده بِهِ ثمَّ قدم الى دمشق وَأقَام بخلوة لَهُ فى مدرسة الكلاسة وعمرها عمَارَة فائقة وحببت اليه الْعُزْلَة وَاسْتمرّ عمره كُله مُجَردا وَكَانَ سمته غَرِيبا لَا يشبه أحدا وَكَانَ نديم الرؤساء والكبراء يحاضرهم أحسن محاضرة ويورد النكات البديعة والاشعار اللطيفة وَيحسن اللُّغَة التركية جدا وَكَانَ مغرما بالجمال وَمضى عمره كُله فى نشاط وسرور فَلم ير الا مَسْرُورا مُتَبَسِّمًا وَكَانَ سخيا متعبدا يَصُوم غَالب الايام وَله شعر كثير فى لِسَان الْقَوْم وَبَينه وَبَين أدباء عصره مراسلات من ذَلِك مَا كتبه الى الاديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمى ملغزا فى غزال
(نراجع فى الْفضل أهل الْكَلَام ... ونأخذ عَن كل حبر همام)
(ونسأل من ساحة الاكرمين ... ونخضع للمجد لَا للانام)
(فنتبع من رفعته النُّفُوس ... ونترك من قَدمته اللئام)
( ... فأختار طورا زَوَايَا الخمول ... وطورا أحب الامور الْعِظَام)
(ترانى على كل حَال أرى ... أَسِير الْهوى ومليك الغرام)
(وَمَا جرعة الْحبّ الا الْمنون ... وَمَا لوعة الهجر الا الهيام)
(وَمَا رَاحَة الْعِشْق الا العنا ... وَلَا صِحَة الصب الا السقام)
(ولى حسرة بعد أُخْرَى لَهَا ... زفير وَلَيْسَ لَهُ انحسام)
(يذيب الحشا ويثير الشجون ... بِنَار غَدا وقدها كالضرام)
(وَهل للهوى غير من ذاقه ... فنشكو لَهُ مر سمع الملام)
(وَلَا كل من غاص بَحر الْهوى ... حوى من جواهره باغتنام)
(وَلَا كل من قد سما فى الْعُلُوم ... يُقرر مشكلها عَن امام)
(فَذَاك هُوَ النّدب بدر الْعُلُوم ... وَمن نوره لم يزل فى التَّمام)
( ... كخلى الكريمى من فَضله ... تلفعه يافعا باهتمام)
(مهذب أَخْلَاق أهل الوفا ... حفيظ لعهد التقى والذمام)
( ... وجامع آدَاب أهل النهى ... وبانى بيُوت المعالى الفخام)
( ... وفى كل فن ترَاهُ لَهُ ... نصيب وحظ أَبى الانقسام)
стр. 1483
(فيوضح من مشكلات الْعُلُوم ... بفكر خلا ضوءه عَن ظلام)
(فنظم القريض يرى دونه ... عصامى طبع شرِيف الْمقَام)
(يشابه للدر فى سلكه ... ويحوى اشارات طعن السِّهَام)
(فَلَو رام سحبان أَلْفَاظه ... لقصر فى رقة الانسجام)
( ... ويهفو جرير لتقبيلها ... ويعجز عَن مثلهَا فى النظام)
(فيأيها الخدن شمس العلى ... وجرثومة الْفَخر نسل الْكِرَام)
(فَمَا اسْم رباعى اذا مَا بدا ... فنعتا يرى فى مجَاز الْكَلَام)
(فآونة تلقه فى الْعلَا ... وفى الارض طورا بحول الاكام)
(ثَلَاثَة أَرْبَاعه ان قلبت ... هى اسْم لما بدؤه فى انعدام)
(وان لم ترد قصد تقليبها ... فَمَعْنَاه فى الْحَرْب بادى اللثام)
(وَأَيْضًا يرادف معنى الذّهاب ... اذا كَانَ عَن بدئه فى انفصام)
(وَنصف لَهُ بعد تصحيفه ... حرى بِهِ من لَهُ احترام)
(وَبَاقِيه بِالْقَلْبِ لَا يقتضى ... لاثبات شئ وَأمر يرام)
(فأنعم بِحل رموزى الَّتِى ... لَهَا الْفِكر فى حيرة واصطلام)
(وألغز لنا مَا بدا فى الْجَواب ... وَبَين لنا قصدنا والمرام)
(وَدم وابق فى سودد سرمدا ... مدى الدَّهْر مَا ناح ورق الْحمام)
فَأَجَابَهُ بقوله
(أَزْهَر الربى كللته الْغَمَام ... أم الزهر ساطعة فى الظلام)
(وَهل مَا أرى حببا رائقا ... بكاس طلا حسن الانتظام)
(أم الْبَرْق ام دُرَر نظمت ... أم افتر ثغرك عِنْد ابتسام)
(أيا بدر تمّ غرامى بِهِ ... قديم أكيد وَحقّ الغرام)
(وَيَا ريم أنس لجراه لم ... يعد لى سوى سقمى من مرام)
(يمانى لحظك هلا نبا ... وخطى قدك هلا استقام)
(وَيَا ممرض الْقلب من هجره ... وبالجسم يَا مورثا للسقام)
(وَيَا تاركى مثلا فى الْهوى ... أفديك جد وارع لى فى الذمام)
(رَضِينَا الْهوى حَاكما بَيْننَا ... أحل من المغرم الانتقام)
(وجد بالنهى شرطا أَحْكَامه ... وأى حجى كَانَ للمستهام)
стр. 1484
(أخى لظمك العذب هاج الجوى ... الْقَدِيم وذكرنى بالهيام)
(وَلم أنس قطّ ولكنما ... التَّذَكُّر يذكى خفى الضرام)
(فدار الْهوى مانحاها مزاج ... عليل كجسمى الا استقام)
(سَقَاهَا الرِّضَا من ربوع غَدا ... خلال خباها لغيرى حرَام)
(مغانى المنا وديار الشفا ... ومأوى الْغَرِيب وَدَار السَّلَام)
(لقد رمت اِدَّرَكَ فى وصفهَا ... مدى عاقنى عَنهُ شيق الْمقَام)
(وحلى امتثالا للغز حوى ... قوافى رقت وَحسن انسجام)
(لخدنى الذى فَضله شَامِل ... وبادلنا بَين خَاص وعام)
(محبى نجار وحبى لَهُ ... بِصدق لفضل لَهُ مَعَ نظام)
(أَبُو الْفضل حاوى الْعلَا ماجد ... وَندب أهالى الْعُلُوم الْكِرَام)
(وَذُو الادب الرَّائِق المشتهى ... وَبَين ذويه أَمِير الْكَلَام)
(وحاوى الْفَضَائِل والمكرمات ... وَمن هُوَ فى كل فن امام)
(بهرت بلغزك عقلى وَكم ... فَتى فِيهِ مثل مُسَمَّاهُ هام)
(قريب بعيد تحار الْعُقُول ... بِهِ وحلال وفاه حرَام)
(هُوَ الشَّمْس للعين من حسنه ... ضِيَاء اذا مَا المذاق استقام)
(رباعى حُرُوف ومنطوقها ... مَعَ اثْنَيْنِ عشر حُرُوف تَمام)
(ثَلَاثَة أَرْبَاعه فعله ... بِعَيْنيهِ فى المغرم المستهام)
(بِغَيْر استوا قلب أَرْبَاعه الثَّلَاثَة مَا قلت يَا ابْن الْهمام ... )
(وَزَالَ يرادف معنى الذّهاب ... مرَادا بِهِ وصف نفى المرام)
(وان حرف النّصْف مِنْهُ يعد مصحفه الْعِزّ والاحتشام)
(وَلَا قلب بَاقِيه يَا سيدى ... نعم وسلمت لنا وَالسَّلَام)
(وَهَذَا هُوَ الْجهد فى حل مَا ... أمرت والا فيأتى الْكَلَام)
(بقيت مُفِيد لنا دَائِما ... فرائد باهرة الانتظام)
(مدى الدَّهْر مَا نفرائريم عَن ... متيمه ناقضا للذمام)
وَكَانَت ولادَة صَاحب التَّرْجَمَة فى سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَتوفى فى صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن على أَبِيه بمقبرته الَّتِى أَنْشَأَهَا بِالْقربِ من جَامع جراح
مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد الْخَطِيب بن مُحَمَّد الْخَطِيب ابْن ابراهيم الْخَطِيب ابْن مُحَمَّد
стр. 1485
الْخَطِيب التمرتاشى الغزى الحنفى الْمَذْهَب رَأس الْفُقَهَاء فى عصره كَانَ امام فَاضلا كَبِيرا حسن السمت جميل الطَّرِيقَة قوى الحافظة كثير الِاطِّلَاع وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يبْق فى آخر أمره من يُسَاوِيه فى الدرجَة أَخذ بِبَلَدِهِ أَنْوَاع الْفُنُون عَن الشَّمْس مُحَمَّد بن المشرقى الغزى مفتى الشَّافِعِيَّة بغزة ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة أَربع مَرَّات آخرهَا فى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وتفقه بهَا على الشَّيْخ الامام زين بن نجيم صَاحب الْبَحْر والامام الْكَبِير أَمِين الدّين بن عبد العال وَأخذ عَن الْمولى على بن الحنائى قاضى الْقُضَاة بِمصْر وَرجع الى بَلَده وَقد رَأس فى الْعُلُوم وقصده النَّاس للْفَتْوَى وَألف التآليف العجيبة المتقنة مِنْهَا كِتَابَة تنوير الابصار وَهُوَ متن فى الْفِقْه جليل الْمِقْدَار جم الْفَائِدَة دقق فى مسَائِله كل التدقيق ورزق فِيهِ السعد فاشتهر فى الافاق وَشَرحه هُوَ الشَّرْح الْمُسَمّى بمنح الْغفار وَهُوَ من أَنْفَع كتب الْمَذْهَب واعتنى بشرحه جمَاعَة مِنْهُم الْعَلَاء الحصكفى مفتى الشأم والملاحين بن اسكندر الرومى نزيل دمشق وَالشَّيْخ عبد الرَّزَّاق مدرس الناصرية الجوانية بِدِمَشْق وَكتب عَلَيْهِ شيخ الاسلام بالديار الرومية وَهُوَ الْمولى مُحَمَّد الانكروى كتابات فى غَايَة التَّحْرِير والنفع وَكتب على شرح مُؤَلفه شيخ الاسلام خير الدّين الرملى حواشى مفيدة وَله من التآليف فى الْفِقْه شرح الْكَنْز وصل فِيهِ الى كتاب الايمان وَقطعَة من شرح الْوِقَايَة وحاشية على الدُّرَر وَالْغرر وصل فِيهَا الى نِهَايَة كتاب الْحَج وَله منظومة وَشَرحهَا وَكتاب معِين الْمُفْتى على جَوَاب المستفتى فى مُجَلد كَبِير وَجَمِيع مجلدين من فَتَاوِيهِ وَله رسائل كَثِيرَة مِنْهَا رِسَالَة فى خَصَائِص الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ ورسالة فى بَيَان جَوَاز الاستبانة فى الْخطْبَة وَكتاب مسعف الْحُكَّام على الاحكام ورسالة فى بَيَان أَحْكَام الْقِرَاءَة خلف الامام ورسالة النفائس فى أَحْكَام الْكَنَائِس ورسالة فى عصمَة الانبياء ورسالة فى دُخُول الْحمام ورسالة فى التجويز ورسالة فى مسح الْخُفَّيْنِ ورسالة فى النُّقُود ورسالة فى أَحْكَام الدروز والارفاض وَكتاب شرح مشكلات وَردت عَلَيْهِ من الْفُرُوع والاصول لَهُ فى الاصول كتاب الْوُصُول الى قَوَاعِد الاصول وَقطعَة من شرح الْمنَار الى بَاب السّنة وَشرح مُخْتَصر الْمنَار فى مُجَلد وفى الْكَلَام شرح اللامية يَقُول العَبْد وَشرح زَاد الْفَقِير للكمال بن الْهمام سَمَّاهُ اعانة الحقير ومنظومة فى التَّوْحِيد وَشَرحهَا وَله رِسَالَة فى التصوف ورسالة فى علم الصّرْف وَكتاب شرح العوامل فى النَّحْو وَقطعَة من شرح الْقطر وصل فِيهِ
стр. 1486
الى اعمال اسْم الْفَاعِل وانتفع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم ولداه صَالح ومحفوظ والشيخان الامامان أَحْمد وَمُحَمّد ابْنا عمار وَمن أهالى الْقُدس الْبُرْهَان الفتيانى الْمُؤلف وَالشَّيْخ عبد الْغفار العجمة وَغَيرهم وَذكره جدى القاضى محب الدّين فى رحلته الى مصر وَوَصفه بأوصاف جليلة وَذكر مَا وَقع بَينهمَا من المحاضرة قَالَ ثمَّ اتسعت مَعَه دَائِرَة المخاطبة واستطرد القَوْل بطرِيق الْمُنَاسبَة الى ذكر رحلته الى بَلْدَتنَا حماة المحروسة وتغزل لنا بِوَصْف مَا فِيهَا من تِلْكَ الاماكن المأنوسة ثمَّ سألنى عَمَّن يعهده فِيهَا من أفاضل الاصحاب فَكَانَ سَائل دمع مقلتى الْجَواب ثمَّ حَدثنَا بِكَثِير من حسن المحاضرات ولطيف المحاورات الَّتِى كَانَت تصدر بَينه وَبَين فاضلها المرحوم سيدى الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشَّيْخ علوان وَكَانَ يتعجب من فَصَاحَته وبلاغته الَّتِى حارت فِيهَا الْعُقُول والاذهان ويمدح فضائله وفواضله الغزار وَيذكر صفاء الْعَيْش الذى قَضَاهُ فى صحبته فى تِلْكَ الديار انْتهى وَكَانَت وَفَاته فى أَوَاخِر رَجَب سنة أَربع بعد الالف عَن خمس وَسِتِّينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن عبد الله بن شيخ بن الشَّيْخ عبد الله العيدرورس الحضرمى أحد الاولياء الْكِبَار ذكره الشلى فى تَارِيخه الْمُرَتّب على السنين وَقَالَ ولد فى مَدِينَة تريم فى سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَظَهَرت عَلَيْهِ لوايح الْفَلاح فسلك طَرِيق الاقدمين ولازم التَّقْوَى وَكَانَ كثير الصَّلَاة وَالْعِبَادَة مخلصا فى أَعماله حَافِظًا لِسَانه وَكَانَ مُعظما عِنْد الْمُلُوك والامرا مكرما مُحْتَرما عِنْد الاغنياء والفقرا وانتفع بِهِ الْخَاصَّة والعامه واشتهر بِالْولَايَةِ التَّامَّة وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس بعد الالف وَدفن بمقبرة زنبل رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن عبد الله بن الامام شرف الدّين من أَعْيَان مُلُوك كوكبان الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ نَشأ فى حجر الْخلَافَة والامامة ودرج فى حجرات الْعلم والورع وَطلب الْعلم عَن جهد وجد حَتَّى انْتهى الى أقْصَى غَايَة وجد لم يزل لاهجا بطلابه مغرى باكتسابه حَتَّى الْحق الاصاغر بالاكابر وَغدا كل كَبِير لَهُ صاغر وَعقد عَلَيْهِ عِنْد ذكر الْعلمَاء بالخناصر فَمَا من فن من الْفُنُون الا وَقد بلغ غَايَته القصوى وفاز بقدحه الْمُعَلَّى ذكره السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن حميد الدّين فى كِتَابه ترويح المشوق فَقَالَ هُوَ الْعَلامَة الذى يسْتَغْرق مدحه الْكَلَام وتحفى فى قطع مَسَافَة أوراقه جاريات الاقلام وتطأطئ البلغاء رُؤْسهمْ عِنْد سَمَاعه ان نظم قَالَ النظام لَا محَالة ان جَوْهَر
стр. 1487
عقدك الْفَرد أَو نثر قَالَ الْفَاضِل انت ملك الْكَلَام ومولاه وَأَنا العَبْد أوجد قَالَ المزاح رعتنى بجدك وَقَالَ القاضى السعيد مَا أرى السعد الا بجدك وَجدك وَمَا هُوَ الا سُورَة النُّور فى الشعرا وَالْآيَة الْبَيِّنَة الَّتِى حام الافاضل يتلونها زمرا وَقد تتبع سيدى عِيسَى بن لطف الله تقاصير نظمه الذى يطْرَح عِنْده شعر ابْن مطروح ونظمها فى أحسن سلك وَهل يقوم جسم الفصاحة الا بِالروحِ رحم الله وَجهه ونضره والى سَبِيل الْجنَّة يسره فَمِنْهَا
(يَا رَاقِد اللَّيْل لم يشْعر بِمن سهرا ... أَسهرت عينى فعينى لَا تذوق كرا)
(تنام عَنى وأجفانى مؤرقة ... عبراء مَا مرها نوم وَلَا عبرا)
(سلبت عقلى وأودعت الْهوى كبدى ... يَا منيتى وملكت السّمع والبصرا)
(فأنثنى وَاضِعا كفاعلى كبد ... حرا وكفا يكف الدمع حِين جرى)
(يدنى لى الْوَهم غصنا مِنْك أعشقه ... حَتَّى أكاد أناجيه اذا خطرا)
(وَأَرْفَع الْكَفّ أَشْكُو مَا أكابده ... أَقُول أَنْت بحالى يَا عليم ترا)
(ادعو اذى جننى ليل ولى مقل ... تفيض دمعا وقلب ذاب واستعرا)
(لَا واخذ الله من اهوى بجفوته ... وَلَا ملا مثل قلبى قلبه شررا)
(وَلَا ثناه الْهوى وجدا وَلَا اكتحلت ... عَيناهُ مثل عيونى فى الدجا سهرا)
(رق النسيم لتبريح الصبابة بى ... لما انثنى ذيله من أدمعى خضرًا)
(والبرق شقّ جُيُوب السحب عَن كبدى ... والرعد حن وأبكى دمعى المطرا)
(يَا صاحبى ان لى سرا أكاتمه ... أخفيته من نسيم الرّيح حِين سرا)
(ان كنت تضمن لى أَن لاتبوح بِهِ ... سَمِعت من سرى الْمكنون مَا استترا)
(غزيل الْحلَّة الفيحاء أرشقنى ... من لَحْظَة بسهام راشها وَبرا)
(رمانى الرَّمية الاولى فَقلت بِلَا ... عمد رمانى فأصمانى وَمَا شعرًا)
(وَحين فَوق لى سهميه ثَانِيه ... بَكَيْت نفسى واستبكيت من حضرا)
هَذَا من قَول مهيار
(رمى الرَّمية الاولى فَقلت مجرب ... وكررها أُخْرَى فأحسست يَا لشر)
(بَكَيْت نفسى لعلمى أَن مقلته ... لَا يقتلنى ظلما وسوف ترى)
(ممتع الْوَصْل لَا يُرْجَى تواصله ... لوزاره الصب فى طيف لما صَدرا)
(لَا تَسْتَطِيع صبا نجد اذا خطرت ... تهدى الى الصب من أكافه خَبرا)
стр. 1488
(ربيب ملك كَانَ الله صوره ... ملكا وخيره بَين الورى الصورا)
(مهفهف الْقد لَا يطفى لظى كبدى ... الا ارتشا فى لماه الْبَارِد العطرا)
(أغن يكسر جفنيه على حور ... يذيب نفسى ونفسى تعشق الحورا)
(بدر على غُصْن بَان فى محبته ... أكاد أعشق غُصْن البان والقمرا)
(أقبل الدّرّ من عشقى لمبسمه ... لما رَأَيْت ثنايا ثغره دررا)
(عَلَيْهِ كل هِلَال ينحنى أسفا ... وكل بدر حَيا من وَجهه استترا)
(والنرجس الغض غض الطّرف حِين رنا ... واحمر ورد الربى من خَدّه خضرًا)
(ذكرته حِين فاحت لى معنبرة ... ريح الصِّبَا وسرى لى سرها سحرًا)
(يأيها الْقَمَر السارى اذا خطرت ... اليك عَيناهُ واستحل بك السمرا)
(أبلغه يَا بدر قل مضناك أودعنى ... أهْدى اليك سَلاما طيبا عطرا)
(يمسى سميرى ويبكى من صبابته ... شوقا اليك ويرعى الانجم الزهرا)
(عَسى أَخُوك اذا أخْبرته خبرى ... يرثى لحالى فحالى شجو من نظرا)
وَله سامحه الله تَعَالَى
(نسمات النسيم من نعْمَان ... وابتسام الوميض باللمعان)
(سعرا نَار مهجتى وأنارا ... شجو قلبى وهيجا أشجانى)
(ذكرانى بعصر وصل تقضى ... آه لهفى لفوت مَا ذكرانى)
(هَا شبابى مضى وَمَا نلْت وصلا ... أَيْن منى شباب عمر ثانى)
(يَا خليلى خليانى فَمَا بى ... من غرام أذاب قلبى كفانى)
(لَا تحلا باللوم عقد عهودى ... واعذرانى بِاللَّه أَو فاعذلانى)
(فبسمعى من ذَلِك اللوم وقر ... قد أجبْت الغرام لما دعانى)
(قسما بِالْحَطِيمِ وَالْحجر وَالْبَيْت الْعَظِيم الْمقبل الاركان ... )
(وبمن حل عقد عهدى وَمن قد ... حل منى هَوَاهُ كل مَكَان)
(وبعصر الشَّبَاب عذر التصابى ... وعفافى اذا وصلت الغوانى)
(وبعصيانى الملام مُطيعًا ... لغرامى وَهَذِه أيمانى)
(اننى قد حملت من مثقلات الصد مَالا يطيقه الثَّقَلَان ... )
(يَا مرِيدا لسلوتى كف عَنى ... فَعَن الْحبّ لَيْسَ يثنى عنانى)
стр. 1489
(انا حلف الْهوى رَضِيع الصبابات حلف الغرام والأشجان ... )
(بَين قلبى وسلوتى مثل مَا بَين حسان الْوُجُوه والاحسان ... )
(فاسترح عاذلى ودعنى أعانى ... من تباريح لوعتى مَا أعانى)
(لَا تلمسنى وَمثل نَفسك عاملنى فان الانسان كالانسان ... )
(أَنْت بدرى وان تجاهلت مَا يفعل وجد بذى هوى ولهان ... )
(لست لَا والغرام تجْهَل شَأْنًا ... لمحب وان تجاهلت شانى)
(أَنْت اما مغالط لى والا ... فغيور أَو حَاسِد أَو شانى)
وَمن // جيد شعره // قَوْله
(يَا طلعة الْبَدْر فى ديجور اغلاس ... وَيَا هلالا على غُصْن من الآس)
(يَا من كتمت الْهوى صونا لَهُ فاذا ... فاهوا بِذكر اسْمه غالطت جلاسى)
(يَا من اذا ضربت فى حبه عنقى ... مَا مَال الا اليه مسرعا راسى)
(يَا منية الْقلب مَا عَنى أَتَاك فقد ... أوحشتنى يَا حبيبى بعد ايناس)
(فقد أتانى حَدِيث مِنْك آربنى ... وَزَاد وَالله من همى ووسواسى)
(أذاب نفسى مِمَّا جَاءَ مِنْك فَلَو ... لَا أدمعى أحرقتنى نَار أنفاسى)
(وَحين عَايَنت صبرى عَنْك مُمْتَنعا ... وَبت أتضرب أَخْمَاسًا بأسداس)
(كتبت وَالِد مَعَ يمحو مَا تخط يدى ... حَتَّى بَكت لى اقلامى وقرطاسى)
(فاعطف على مستهام عاشق دنف ... بَين الرَّجَاء لطيف مِنْك والياس)
(مَاذَا الصدود الذى مَا كنت آنفة ... مَتى يلين لما بى قَلْبك القاسى)
(لَو ان لى سَاعَة أَشْكُو عَلَيْك بهَا ... حالى وَقد نَام حسادى وحراسى)
(مالى أملك نفسى من يعذبها ... بالصد عَنى ومالى أذكر النَّاس)
(يَا نَاس هَل لى مجير من هوى رشأ ... مهفهف كقضيب البان مياس)
(أذاب قلبى وسل النّوم من مقلى ... بفاتن فاتر الاجفان نُعَاس)
(من لى بزورته جنح الظلام وَقد ... غَابَ الرَّقِيب ونامت أعين النَّاس)
(أَمْسَى أعانقه ضما الى كبدى ... مَا فى العناق وَمَا فى الضَّم من باس)
(وأنثنى عِنْد رشفى خمر مبسمه ... شكرا وأسكر من مَا رِيقه الكاسى)
(عَسى الذى قد قضى بالحب يجمعنا ... يَا طلعة الْبَدْر فى ديجور أغلاس)
وَقَوله
(نفسى الْفِدَاء لشادن ... مر الجفا حُلْو المراشف)
стр. 1490
(قاسى الْفُؤَاد أعَار أَغْصَان النقالين المعاطف ... )
(لهبت بِنَار صدوده ... كبدى ودمع الْعين ذارف)
(وممتع كالغصن دون لِقَائِه خوض المتالف ... )
(من وَصله وصدوده ... أَنا دَائِما راج وخائف)
(فعلت بِنَا ألحاظه ... مَا تفعل الاسد الرواعف)
(متجاهل عَمَّا يقاسى فِيهِ قلبى وَهُوَ عَارِف ... )
وَله غير ذَلِك مِمَّا يروق ويشوق وَكَانَت وَفَاته فى جُمَادَى الاولى سنة عشرَة بعد الالف
مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن عبد الرؤف المكى أحد الْفُضَلَاء الاذكياء والادباء الالباء وَمِمَّنْ نَشأ فى طَاعَة الله ولازم تقواه واشتغل بِمَا يعنيه من أموردينه ودنياه وجد فى طلب الْعلم النافع فَأدْرك مَا لم يُدْرِكهُ الْكِبَار وَهُوَ يافع وَأخذ عَن كثيرين مِنْهُم الشَّيْخ عبد الله بن سعيد باقشير وَصَحب السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ وتلقن مِنْهُ الذّكر وَلبس الْخِرْقَة ولازمه واختص بِهِ وَفتح الله عَلَيْهِ بفتوحاته السّنيَّة الا انه لم تطل حَيَاته فاخترمته الْمنية فى شبابه وَهُوَ وَالِد الشَّيْخ عبد الرؤف الْمَوْجُود الْآن وَكَانَ ينظم الشّعْر وَمن شعره قَوْله يمدح السَّيِّد أَبَا بكر بن شَيْخه السَّيِّد سَالم الْمَذْكُور وَيُشِير الى ثُبُوته على حَلقَة الذّكر الَّتِى كَانَ يعقدها وَالِده فى الْمَسْجِد الْحَرَام وَمنعه من أَرَادَ أَن يتَعَدَّى بِمَنْعه مِنْهَا فى الْمَسْجِد وَنَصره الله على أعدائه
(سلوا عَن فؤادى فى الْهوى كل شائق ... وَعَن شوق كلى للوى كل سائق)
(وكل فَتى قد نَالَ منى صبَابَة ... وَلَا مَال عَن نهجى وَلَا بمقارقى)
(يخال بِأَن الْحبّ لم يبْق من ضنى ... بقا يَا للقيا أَو لرؤيا المفارق)
(صَبَّابًا لصبا قد مالكم فى صبَابَة ... فَهَل مثله صب وَذُو قلب خافق)
(وَمن حب ليلى ثمَّ هِنْد وَزَيْنَب ... وَرَافِع دعد ذى المواضى الهوارق)
(اذا لَاحَ من تِلْكَ الثنايا بويرق ... ثنتنا المنايا وافنتنا بطالق)
(وان لَاحَ فى شَرق بريق شروقها ... وجادت بريق من وميض البوارق)
(فانى الصد الصادى لطيف خيالها ... بمهجة ايقادى ومقلة وامق)
(وان ماست الاعطاف مِنْهَا من الصِّبَا ... ومالت بهَا الارداف ميلًا كآنق)
(تسترت الاغصان فى قضب دوحها ... حَيَاء وَعَاد كالفئام الطوارق)
(وَمن كلهَا كلى قَتِيل جمَالهَا ... وتفصيله منى فَلَيْسَ بلائق)
стр. 1491
(وَمن هز عطفيها بقلبى جِرَاحَة ... وَمن سحر عينيها أسرنا بوامق)
(وَمن قدها قدقد قلبى سناؤها ... وَأَسْنَانهَا لاحت ببارق بارق)
(أَسِير على الاجفان ان قيل انها ... تنيل الْفَتى الْوَسْنَان عهد وثائق)
(فعندى عقد الْوَصْل لَو طَال بَيْننَا ... كأهنى وصال عِنْد أصدق صَادِق)
(وَمن عرفان الْوَصْل سَارَتْ قبابها ... ومالت الى جمع المنى والحقائق)
(وظلت مطايا الْحبّ تطوى محسرا ... فيا حسرة المشتاق من قلب تائق)
(وفى منحتى ضلعى وَخيف بنائِهِ ... هُنَاكَ المنى فِيهِ المنايا الْآبِق)
(وفى الجمرات اللاء خيمن فى الحشا ... عَلَامَات نيران الْهَوَاء لواثق)
(سقى الله أَيَّامًا مَضَت ولياليا ... عرفت الْهوى فِيهَا وحلت بسابق)
(لقد جَاءَنَا نصر من الله حفنا ... وَفتح قريب عمنَا مثل وادق)
(على فرقة الْفرق الَّذين عموا على ... بَصِيرَة أبصار ورشد لحاذق)
(يُرِيدُونَ أَن يطفوا ضيا الاله بالعقول الَّتِى قَالَت بقول مُنَافِق ... )
(فَردُّوا بغيظ لم يحوزوا بِهِ الْعلَا ... وباؤا بخسران جَزَاء لفَاسِق)
(على انهم لم يعلمُوا الْحق ظَاهرا ... فَكيف بِأَمْر بَاطِن غير طَارق)
(على أَنهم من افكهم شفعوا الذى ... تفرد عَن فَرد وَعَن كلا لَاحق)
(على الْحق لَا يَعْلُو على كل بَاطِل ... على جرف هار وَلَيْسَ براهق)
(بليث همام زاكى الاصل سيد ... كريم السجايا نسل أَعلَى الْخَلَائق)
(حَلِيم لذى الامر الْعَظِيم وَلم يزل ... على اثر آثَار الجدود السوابق)
(وفى الذرْوَة الْعليا الَّتِى لَا ينالها ... جَمِيع الألى كَانُوا وكل اللواحق)
(حمانا بِسيف الصدْق من كل مُعْتَد ... تعدى بِدَعْوَى الْجَهْل لَيْسَ بصادق)
(هُوَ السَّيِّد العالى أَبُو بكر الذى ... سما عَن سَمَاء الْمجد من كل شَاهِق)
(ونجل وحيد الدَّهْر سَالم من غَدا ... سليلا لشيخان امام الطرائق)
(مُفِيد الورى عَن سر أسرار من مضى ... ومظهر دين الْحق ثمَّ الْحَقَائِق)
(فَمن رام أَن يُحْصى صِفَات كَمَاله ... كمن رام أَن يلفى شَرِيكا لخالق)
(وَصلى الهى ثمَّ سلم مَا حدث ... حداة المطايا نَحْو أصدق نَاطِق)
(عَلَيْهِ وَآل ثمَّ صحب من غَدا ... وريثا لَهُم فى علمهمْ غير زاهق)
وَكَانَت وِلَادَته فى سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَتوفى فى شهر ربيع الاول سنة اثْنَتَيْنِ
стр. 1492
وَخمسين وَألف بِمَكَّة وَدفن بالمعلاة
مُحَمَّد العيدروس بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس الحضرمى أحد الكمل الْمَشْهُورين ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته كَانَ امام وقته علما وَعَملا وَحَالا ومقالا وزهدا وتحقيقا وورعا ولد بِمَدِينَة تريم فى سنة سبعين وَتِسْعمِائَة وَضبط عَام وِلَادَته فى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ ثمَّ حفظ الْقُرْآن وَغَيره فى فنون عديدة وربى فى حجر وَالِده وَقَرَأَ عَلَيْهِ عدَّة عُلُوم وَتخرج بِهِ طَرِيق الْقَوْم وتفقه على السَّيِّد مُحَمَّد بن حسن والفقيه مُحَمَّد بن اسمعيل وَالسَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن شهَاب وَأخذ التصوف عَن جمَاعَة وَسمع الحَدِيث من طَائِفَة وَلزِمَ الْعِبَادَة واثنى عَلَيْهِ مشايخه وَغَيرهم بل انْعَقَد الاجماع على فَضله وكماله وَأخذ عَن عَمه الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْن شيخ وَكتب الى وَالِده يَقُول لَهُ يَكْفِيك فَخر يَا عبد الله خُرُوج مثل هَذَا الْوَلَد من صلبك وَلما سمع بِهِ جده شيخ بن عبد الله طلبه اليه وَهُوَ باحمد أباد من أراضى الْهِنْد فَرَحل اليه وَاجْتمعَ بِهِ فِيهَا وَذَلِكَ فى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَأَشَارَ الى ذَلِك جده الْمَذْكُور فى بعض قصائده بقوله قدومك حَافظ للشمل جَامع فان عدد حَافظ كَذَلِك ولازم جده فى جَمِيع دروسه وأحواله واقتدى بِهِ فَبلغ مَا لم يبلغهُ الْمَشَايِخ الْكِبَار وَقَرَأَ عَلَيْهِ فى كثير من الْعُلُوم عدَّة متون وشروح وَألبسهُ الْخِرْقَة وَصَافحهُ وَحكمه وَأذن لَهُ فى الالباس والتحكيم وَجعله ولى عهد ثمَّ انْتقل جده شيخ الْمَذْكُور فى سنة تسعين وَتِسْعمِائَة فَقَامَ من بعده وَكَانَ ينْفق على جَمِيع من يمونه جده من أهل الْهِنْد وحضرموت وَلما سَأَلَ عَنهُ وَالِده عبد الله السَّيِّد الولى أَحْمد بن على أَجَابَهُ بقوله الذى أعتقده فِيهِ انه أحسن من أَبِيه فَسجدَ وَالِده شكرا وَقَالَ هَذَا الذى كنت أوده وأتمناه وَقَالَ كل أحد لَا يُرِيد أَن يكون أحد أحسن مِنْهُ الا وَلَده وَبعد انْتِقَال وَالِده أجْرى مَا كَانَ يجريه وَالِده من نَفَقَة وَكِسْوَة وَغَيرهَا فَكَانَ الْوَارِث لابيه وجده ثمَّ ارتحل من أَحْمد آباد الى بندرسورت واستوطنه واشتهر كَمَال الاشتهار واعتقده أهالى تِلْكَ الدائرة وَكَانَ سُلْطَان الْهِنْد يعرف قدره ويرجحه على أهل زَمَانه ويجرى عَلَيْهِ كل يَوْم مَا يَكْفِيهِ من النَّفَقَة الْعَظِيمَة وَكَانَ كثير العطايا كَرِيمًا وَكَانَ مَعَ كَثْرَة مدخوله لَا يفى مدخوله بِنَفَقَتِهِ وَرُبمَا زَاد عَلَيْهَا ضعفين أَو أَكثر وكل ذَلِك دين يبْقى عَلَيْهِ وَكَانَ يسْتَغْرق احيانا فَرُبمَا دخل عَلَيْهِ شخص وَلم يشْعر بِهِ وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَدفن ببندرسوت وَبنى عَلَيْهِ بعض التُّجَّار قبَّة عَظِيمَة وَبنى عِنْدهَا
стр. 1493
مَسْجِدا وبركة مَاء وأجرى لمن يقْرَأ عَلَيْهِ أُجْرَة وأوقف على ذَلِك ضيَاعًا واراضى ورباعا وقبره ظَاهر يزار ويتبرك بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى
الشريف مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن أَبى نمى كَانَ سيد شجاعا مقداما رَئِيسا ولاه وَالِده الشريف عبد الله مَكَّة فى حَيَاته وأشرك مَعَه الشريف زيد بن محسن غرَّة صفر سنة احدى وَأَرْبَعين وَألف وخطب لَهما على المنابر الى شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة فوصلت الاتراك من الْيمن فى قصَّة ذكرتها فى تَرْجَمَة الشريف زيد فَوَقَعت اللقيا بِالْقربِ من وادى البيار بَين السَّادة الاشراف وَبَين الاتراك فحصلت ملحمة عَظِيمَة وقتال شَدِيد وَقتل صَاحب التَّرْجَمَة وَقتل مَعَه جمَاعَة من الاشراف مِنْهُم السَّيِّد أَحْمد بن حراز وَالسَّيِّد حُسَيْن بن بنايس وَالسَّيِّد سعيد بن رَاشد وَخلق آخَرُونَ وَأُصِيبَتْ يَد السَّيِّد هيزاع بن مُحَمَّد الْحَارِث فَقطعت وتعلقت بباقى جلدتها وَلم تنفصل وَدخل بهَا كَذَلِك الى مَكَّة وَمر على جِهَة سوق اللَّيْل قَائِلا عذرى يَا أهل مَكَّة مَا تَرَوْنَهُ وَتوجه بَقِيَّة الاشراف الى وادى مر وَدخل الاتراك الى مَكَّة ونودى بِالْبَلَدِ للسَّيِّد نامى بن عبد الْمطلب وَكَانَ دُخُولهمْ من جِهَة بركَة ماجن فتعب النَّاس أَشد تَعب وَحصل الْخَوْف الشَّديد وتسلطت العساكر على النَّاس وأزعجوهم نهبا وفسقا وظلما وتقطعت الطّرق وعصت الاعراب وَحمل صَاحب التَّرْجَمَة فى عصر ذَلِك الْيَوْم وَدفن بالمعلاة فى مَقَابِر آبَائِهِ وأجداده بعد أَن قَاتل قتال من لَا يخَاف الْمَوْت وَكَانَت الْوَقْعَة الْمَذْكُورَة فى رَابِع عشرى شعْبَان سنة احدى وَأَرْبَعين وَكَانَت مُدَّة ولَايَة الشريف مُحَمَّد سِتَّة أشهر وَأَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا
مُحَمَّد بن عبد الله بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الولى الْمَنْقُول بن مُحَمَّد بن عبد الولى جعمان كَانَ اماما عَالما عَلامَة مَشْهُورا فى الْيمن أَخذ عَن جمَاعَة واستفاد وَأفَاد وروى وَضبط توفى بِالرَّوْحَاءِ بعد ان زار النبى
فى سنة خمس وَخمسين وَألف وجده الْفَقِيه عبد الولى بن مُحَمَّد وَأَخُوهُ عمر بن مُحَمَّد صَاحب الموجز كَانَا فى بَيت الْفَقِيه ابْن عجيل فى أَيَّام السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب الاموى وَكَانَ الْفَقِيه عمر بن مُحَمَّد مفتى بَيت الْفَقِيه وَصَاحب رياستها على ولَايَة عَظِيمَة مَشْهُورَة فاستولد بهَا عبد الولى ثمَّ تزوج فى مَحل الاعوص الْقرْيَة الْمَشْهُورَة فاستولد بهَا أَيْضا فَلَمَّا توفى قبر فى تربة الْفَقِيه أَحْمد بن مُوسَى العجيل فَرَآهُ أَخُوهُ فى الْمَنَام وَكَأَنَّهُ يَقُول لَهُ انقلنى الى مَحل الاعوص فانتبه الْفَقِيه عمر من نَومه فَقَالَ هَذِه رُؤْيا مَنَام وَالنَّقْل عِنْد
стр. 1494
الْفُقَهَاء حرَام ونبش الْمَيِّت أعظم خَطِيئَة فَجَاءَهُ لَيْلَة أُخْرَى ثمَّ فى الثَّالِثَة كَذَلِك فَقَالَ لَهُ لَئِن لم تنقلنى والا خرجت من الْقَبْر فجَاء الْفَقِيه الْمَذْكُور الى التربة لينقل أَخَاهُ فَرَآهُ خَارج الْقَبْر باكفانه فَحَمَلُوهُ فَنقل الى قَبره الْآن بِمحل الاعوص فَسمى الْمَنْقُول وَهَذِه الْكَرَامَة مستفاضة والفقيه الرائى ثِقَة عَارِف وَالله أعلم
السَّيِّد مُحَمَّد كبريت ابْن عبد الله بن مُحَمَّد بن شمس الدّين بن أَحْمد بن قَاسم بن شرف الدّين بن يحيى بن شرف الدّين بن حُسَيْن بن فَخر الدّين بن مُوسَى بن كريم الدّين بن مُحَمَّد ابْن ابراهيم بن دَاوُد بن مَحْمُود بن حسن بن عَبَّاس بن على بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن أَحْمد بن جَعْفَر بن مُوسَى الكاظم ابْن جَعْفَر الصَّادِق ابْن مُحَمَّد الباقر ابْن على زين العابدين ابْن الْحُسَيْن بن على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ السَّيِّد الْجَلِيل كَانَ من أعجب خلق الله تَعَالَى فى الاخذ باهداب الْفُنُون كثير النَّوَادِر جم المناقب ولد بِالْمَدِينَةِ وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بالعلوم النقلية والعقلية فَقَرَأَ النَّحْو والتصريف والمعانى وَالْبَيَان على جمَاعَة مِنْهُم عبد الْملك العصامى وَالشَّيْخ الامام وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى المرشدى وَأخذ الْعُلُوم الرياضية والحكمية والطبيعية وَعلم الْحَقِيقَة عَن الْمُحَقق الْكَبِير عبد الله بن ولى الحضرمى تلميذا لقطب الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى السَّيِّد صبغة الله بن روح الله السندى ثمَّ توجه الى الرّوم فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ والف وَألف رحْلَة بديعة سَمَّاهَا رحْلَة الشتَاء والصيف ذكر فِيهَا مَا وَقع لَهُ فى سفرته هَذِه من الغرائب وَدخل دمشق وَاجْتمعَ فِيهَا بالاستاذ الْكَبِير ايوب بن أَحْمد الْمُقدم ذكره وَأخذ عَنهُ ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة وَلزِمَ بهَا الاستاذ مُحَمَّد بن زين العابدين البكرى وَكَانَ أَشَارَ اليه بالاخذ عَن بعض السَّادة الخلوتية شَيْئا من علم الاسماء فأخلاه الْمَأْخُوذ عَنهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لرياضة نَفسه فَفتح عَلَيْهِ ثمَّ عَاد الى الْمَدِينَة واختص بِصُحْبَة سيدنَا مُحَمَّد مكى المدنى الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى فَكَانَ لَا يُفَارِقهُ فى أغلب أوقاته وَأقَام على بَث الْعلم ومراقبة الله تَعَالَى وَألف تآليف كَثِيرَة بديعة مِنْهَا كتاب سَمَّاهُ نصر من الله وَفتح قريب شرح فِيهِ أبياتا لبَعض أفاضل عصره جمع فِيهِ من كل غَرِيبَة وَمِنْهَا كتاب الْجَوَاهِر الثمينة فى محَاسِن الْمَدِينَة وَمِنْهَا بسط الْمِثَال فى القيل والقال فى مجلدين وَغير ذَلِك من مُفْرد ومجموع وَله ركاز الرِّكَاز فى المعمى والالغاز ورسالة سَمَّاهَا خمائل الافراح وبلابل الادواح تشْتَمل على أشعار لَطِيفَة وَكتاب الزنبيل اختصر فِيهِ كتاب الكشكول للبهائى العاملى وَكتاب الْعُقُود الفاخره
стр. 1495
فى أَخْبَار الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَكتاب حَاطِب ليل كَبِير جدا وَشرح ديوَان ابْن الفارض سَمَّاهُ ظلّ الْعَارِض وَكتاب الْمطلب الحقير فى وصف الْغنى وَالْفَقِير وَهُوَ كتاب حسن الْوَضع عَجِيب الاسلوب قَالَ فى آخِره وَهَذَا آخر مَا جرى بِهِ الْقَلَم من تسطير هَذِه الحكم وَرُبمَا اشْتَمَل على كَلَام لَا يفهم وَمَفْهُوم لَا يكَاد يعقل ومعقول لَا يكَاد يقبل بِحَسب مَا قيل
(يَقُولُونَ أقوالا وَلَا يفهمونها ... وَلَو قيل هاتوا بينوا لم يبينوا)
ثمَّ ذكر كلَاما طَوِيل الذيل من هَذَا الْقَبِيل وَأنْشد لنَفسِهِ فى مدح الْكتاب قَوْله
(لله تأليف غَدا جاءها ... بَين النقيضين لمن يعقل)
(جَامعه اغرب فى نَقله ... لكنه لم يدر مَا ينْقل)
وَعَكَفَ آخر عمره على مطالعة الفتوحات المكية والفصوص للشَّيْخ الاكبر ابْن عربى وَألف فى وحدة الْوُجُود رِسَالَة وَكَانَ يصدر عَنهُ قولات رُبمَا أنكرها بعض معاصريه ونسبوه فِيهَا الى الالحاد وَله أشعار كَثِيرَة حَسَنَة التَّرْكِيب بَيِّنَة الْجَوْدَة فَمن مقاطيعه قَوْله
(هبوا أَن ذَاك الْحسن عَنى محجب ... أَلَيْسَ برياه سرت نسمَة الصِّبَا)
(اذا رمت أَن تبدى مصونات خدره ... فَحدث بِذَاكَ الحى عَن ذَلِك الخبا)
وَقَوله
(يَا من تبادى بهجر مَا لَهُ سَبَب ... وَصد عمدا يرى فى ذَاك تبكيتى)
(كَانَ هجرك بعد الْوَصْل يَا أمْلى ... أَوَائِل النَّار فى أَطْرَاف كبريت)
نَقله حسن للمصراع الاخير عَن مَوْضُوعه الذى هُوَ تَشْبِيه البنفسج وَهُوَ
(وَلَا زوردية تزهو بزرقتها ... بَين الرياض على حمر اليواقيت)
(كَأَنَّهَا فَوق قامات ضعفن بهَا ... أَوَائِل النَّار فى أَطْرَاف كبريت)
وَقَوله
(أرى مطالعتى فى الْكتب مَا نَفَعت ... لَعَلَّ وَجهك يغنينى عَن الْكتب)
(فَمن رأى وَجهك الباهى وبهجته ... فانه فى غنى عَن كل مكتتب)
وَقَوله
(لَيست على الْحر الْكَرِيم مشقة ... بأضر من أَن لَا يرى أَمْثَاله)
(ذَاك الْغَرِيب وان يكن فى أَهله ... وارحمتاه لَهُ لما قد ناله)
وَله
(يَا لائمى فى حب من ... عزت على ربوعه)
(خفض عَلَيْك وخلنى ... أحلى الْهوى ممنوعه)
وَقَالَ يفتخر
стр. 1496
(نشأت بِفضل الله فى ظلّ دوحة ... سمت بنبى كنت من بعض عترته)
(فان شِئْت فى صفح العوالى وان أشأ ... بدار الذى طابت وطالت بهجرته)
(فهاتيك دَار للحبيب وَهَذِه ... بهَا منزهى يَا صَاح من حول حجرته)
وَقَالَ فى تَفْصِيل الْعَالِيَة
(أَرَاك تغالى فى العوالى وفى قبا ... وَأَنت على وهم الخيال تعول)
(الى كم ترى تهوى الذى أَنْت سَائِر ... الى غَيره اذ أَنْت عَنهُ تحول)
(فَكُن سائرا فى لَا مقَام فانما ... تقلب من شان لشأن وترحل)
الْعَالِيَة أَرض ذَات رياض فائقة قَالَ فى الْوَفَاء هى من الْمَدِينَة مَا كَانَ فى جِهَة قبلتها من قبَاء وَغَيرهَا على ميل فَأكْثر وأقصاها عمَارَة على ثَلَاثَة أَمْيَال وَأَرْبَعَة الى ثَمَانِيَة أَو سِتَّة على الْخلاف فى ذَلِك انْتهى وَوجه التَّسْمِيَة جلى وَذَلِكَ لَان السُّيُول تنحدر من تِلْكَ النواحى الْعَالِيَة الى سوافل الْمَدِينَة فعلى ذَلِك يُقَال نزلنَا من العوالى الى الْمَدِينَة وطلعنا الى العوالى وَله فى مدحها قطع كَثِيرَة غير هَذِه فَمِنْهَا قَوْله
(فضل العوالى بَين ولاهلها ... فضل قديم نوره يَتَهَلَّل)
(من لم يقل ان الْفَضِيلَة طينت ... أَرض العوالى وَهُوَ حق يقبل)
(انى قضيت بفضلها وَأَقُول فى ... وادى قبا الْفضل الذى لَا يجهل)
وَله
(اذا كنت فى ارْض العوالى تشوقت ... لارض قبا نفسى وفيهَا المؤمل)
(وَلَو كنت فِيهَا قَالَت النَّفس لَيْت لى ... بِأَرْض العوالى يَا خليلى منزل)
(فيا لَيْت انى كنت شَخْصَيْنِ فيهمَا ... وَمَا لَيْت فى التَّحْقِيق الا تعلل)
وَله من أَبْيَات قَالَهَا وَهُوَ بالروم يتشوق الى معاهده
(مَا أطيب الايام فِيهَا تنقضى ... وَالْعين قد قرت بوصل حبيبها)
(مَا الْعَيْش الا فى حماها لَيْت لى ... مأوى وَلَو فى سفحها ورحيبها)
وَله وهى من لطائفه
(الْحَمد لله على مَا أرى ... من ضيعتى مَا بَين هَذَا الورى)
(صيرنى الدَّهْر الى حَالَة ... يرثى لَهَا الشامت مِمَّا يرى)
(بدلت من بعد الرخا شدَّة ... وَبعد خبز الْبَيْت خبز الشرا)
(وَبعد سُكْنى منزل مبهج ... سكنت بَيْتا من بيُوت السكرا)
(وَلَو تحققت الذى نالنى ... لارتفع الشَّك وَزَالَ المرا)
стр. 1497
وَرَأَيْت فى كِتَابه الْجَوَاهِر قَالَ مَرَرْت فى رحلتى بِبَعْض قرى الرّوم فَرَأَيْت قبرا عَلَيْهِ بُنيان قد أظهرت فِيهِ الْحِكْمَة زخارف صَنْعَة الْبناء على رَأسه مَكْتُوب
(وَمَا ينفع الانسان بُنيان قَبره ... اذا كَانَ فِيهِ جِسْمه يتهدم)
وَذكره ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فى وَصفه مُفْرد جَامع وأديب ضوء أدبه لامع نافت شمائله على أنفاس الشُّمُول وَالشمَال وَقَالَ من ظرفه وأدبه بجنتين عَن يَمِين وشمال كَانَ لطيف قشرة الْعشْرَة تحسد تباشير الصَّباح بشره لَا تمل ند مَاؤُهُ مُجَالَسَته وَلَا تسأم أَصْحَابه مؤانسته الى فصاحة ولسن وتجمل بِكُل خلق حسن وتقنع بقناع القناعة والكفاف واشتمال بأبراد الصون والعفاف سلك مَسْلَك من نبذ الدُّنْيَا وَرَاء ظَهره ورضى مِنْهَا بمسالمة خطوب دهره ورام انتحال مَذْهَب أهل الْحَال فَتكلم بَعضهم فى اعْتِقَاده وَنقل عَنهُ فلتات أشعرت بخفى الحاده وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فى جَمِيع نَوَادِر الادب والنسل الى تَقْيِيد شوارد النكت من كل حدب وَله فى ذَلِك مؤلفات مِنْهَا محك الدَّهْر وَكتاب المباهج وَرشح البال بشرح البال وَغير ذَلِك الا انه لم يكن لَهُ فى سَائِر الْعُلُوم رسوخ قدم مَعْلُوم أخبرنى الْوَالِد بِسَمَاعِهِ عَنهُ ان أستاذه خَالف فى تَعْلِيمه النظام وطفر بِهِ طفرة النظام فنقله من الاجرومية الى الْكَشَّاف وأبدله النشاف من الارتشاف وَله شعر انتظم بِهِ فى سلك من نظم ثمَّ أنْشد لَهُ قَوْله
(واذا جَلَست مَعَ الرِّجَال وأشرقت ... فى جو باطنك الْمعَانى الشرد)
(فاحذر مناظرة الجهول فَرُبمَا ... تغتاظ أَنْت ويستفيد فيحسد)
وَقَوله موريا فى الْمولى عبد الرَّحْمَن العشاقى
(قد قلت للمجد من تهوى تواصله ... فكلنا ذَلِك ذُو وجد وأشواق)
(فَقَالَ لى بِلِسَان غير مقتدر ... لَا أشتهى أَن أوافى غير عشاقى)
انْتهى وَكَانَت وِلَادَته فى سنة اثنتى عشرَة بعد الالف وَتوفى بعد الظّهْر عشرى شهر رَمَضَان سنة سبعين وَألف وَصلى عَلَيْهِ السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد باعلوى وَدفن شمالى الْقبَّة المطهرة قبَّة سيدنَا ابراهيم بن النبى
ببقيع الْغَرْقَد ﵀
مُحَمَّد بن عبد الْملك البغدادى الحنفى نزيل دمشق الشَّيْخ الامام الْمُحَقق كَانَ من كبار الْعلمَاء خُصُوصا فى المعقولات كَانَ لهى والطبيعى والرياضى وَهُوَ من جمَاعَة عَلامَة الزَّمَان منلا مصلح الدّين اللارى قيل وَأخذ عَن أَخِيه شمس الدّين البغدادى
стр. 1498
وَكَانَ فى الاصول وَالْفِقْه عَلامَة وَله الْيَد الطُّولى فى الْكَلَام والمنطق وَالْبَيَان والعربية قدم دمشق فى سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة ودخلها لابسا عباءة من الصُّوف وثوبا من القماش الابيض الْقطن وجاور بِجَامِع دمشق فى بَيت خطابته ثمَّ انْتقل الى الْمدرسَة العزيزية جوَار الكلاسة وَحضر دروس الْبَدْر الغزى ولازم ابا الفدا اسماعيل النابلسى وَقَرَأَ فقه الشافعى على الشهَاب العيثاوى ثمَّ تحنف وَولى وظائف وتدريس مِنْهَا الْمدرسَة الدرويشية وبقعة فى الْجَامِع الاموى وَتَوَلَّى تصدير حَدِيث بالجامع الْمَذْكُور وَكَانَ لَهُ من صندوق السلطنة فى كل يَوْم مَا يزِيد على أَرْبَعِينَ عثمانيا وَتَوَلَّى مشيخة الْجَامِع فَسمى شيخ الْحرم الاموى وَتَوَلَّى تَوْلِيَة الدرويشية وَعظم أمره وَتردد الى الْقُضَاة وشمخ بِأَنْفِهِ حِين رَجَعَ النَّاس اليه وَكَانَ يحضر دروسه أفاضل الْوَقْت ودرس التَّفْسِير بالجامع وَكَانَ فى لِسَانه لكنة عَظِيمَة حَتَّى انه كَانَ لَا يفصح عَن كَلَامه أبدا وشاع ذكره فى الاقطار الشامية وَلما مرض مرض الْمَوْت وَثقل فى مَرضه حضر اليه قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق الْمولى ابراهيم بن على الازنبقى وعاده وَقَالَ لَهُ أفرغ عَن وظائفك لنائبنا حسن الطَّوِيل وَهُوَ ابْن عُثْمَان الذى ذَكرْنَاهُ فى حرف الْحَاء فَيُقَال انه أفرغ لَهُ وَقيل انه لم يفرغ وَلَكِن كتب ذَلِك القاضى رَغْبَة أَن تصير الْجِهَات الْمَذْكُورَة لنائبه وَقَالَ لَهُ القاضى ايْنَ أموالك فَقَالَ لَهُ وَمَا تُرِيدُ بأموالى فَقَالَ لَهُ نُرِيد أَن نحرزها خوفًا عَلَيْهَا من سَارِق يَأْخُذهَا وَأَنت مَرِيض فَيُقَال انه أذن لَهُ فى أَخذهَا وَقيل بل أَخذهَا القاضى جبرا فَلَمَّا أخذت أَمْوَاله أَفَاق من سَكَرَات مَرضه وَطلب الاموال من حسن الطَّوِيل فَقَالَ لَهُ وَمَا تصنع بهَا ان كنت مُحْتَاجا الى شئ من المَال أقرضتك من عندى مَا تخرجه وَأما مَالك فانى لَا أَسْتَطِيع احضاره اليك خوفًا عَلَيْهِ فَيُقَال انه لما قَالَ ذَلِك احتد وَاشْتَدَّ غيظه وَمد يَده الى لحية النَّائِب وضربه على رَأسه فَقَالَ لَهُ أَنْت فى جُنُون الْمَرَض وَلَا حرج عَلَيْك فِيمَا فعلته وَلم يَأْتِ لَهُ بِالْمَالِ فانتكس وَرجع الى الْمَرَض بعد ان كَانَ أبل مِنْهُ قَلِيلا وَمَات عقيب ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فى لَيْلَة الِاثْنَيْنِ عشرى شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وَألف وَدفن شمالى تربة مرج الدحداح فى أقصاها عَن بضع وَسِتِّينَ سنة وَكَانَ بنت من أمة سَوْدَاء فنفاها قبل مَوته بأشهر لامر رَآهُ على الامة فَأنكرهُ ثمَّ بعد مَوته ثَبت نسب الْبِنْت اليه بِشَهَادَة قاضى الْقُضَاة على اقراره واخر ثمَّ جَاءَ بعد مُدَّة ابْن عَم لَهُ من بَغْدَاد الى دمشق فَصَالحه النَّائِب على شئ من المَال ثمَّ ذهب
стр. 1499
فَشَكَاهُ الى الْوَزير نصوح باشا وَكَانَ الْوَزير الْمَذْكُور رَأس العساكر اذ ذَاك بحلب فوردت بِطَلَب النَّائِب بِسَبَب ذَلِك الى حلب وَالْعجب العجاب انه كَانَ فى دمشق رجل من الْعَسْكَر يُقَال لَهُ مُحَمَّد البغدادى مُوَافق لصَاحب التَّرْجَمَة فى الِاسْم وَالنِّسْبَة مَاتَ يَوْم مَوته فبقى الرجل يَقُول مَاتَ مُحَمَّد البغدادى الْيَوْم فَلَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر الا نبية الْعلم لهَذَا وَنسبَة العسكرية لذاك وَالله تَعَالَى أعلم
مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الطائفى الْفَقِيه الشافعى كَانَ من فضلاء وقته ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد سنة أَربع بعد الالف وَحفظ الْقُرْآن ثمَّ نَسيَه فَقيل لَهُ لم لَا تحفظه ثَانِيًا فَقَالَ أخْشَى أَن أنساه ثَانِيًا وَأخذ الْعُلُوم عَن مَشَايِخ عصره مِنْهُم السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَالشَّيْخ احْمَد الحكمى وَالشَّيْخ عبد الْملك العصامى وَأذن لَهُ غير وَاحِد بالافتاء والتدريس فدرس فى الْمَسْجِد الْحَرَام وانتفع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن عمر الباز وَالشَّيْخ عبد الْجَامِع بن أَبى بكر بارجا الحضرمى وَكَانَ شَيخنَا أَبُو الْحسن النبتيتى مَعَ جلالته يحض درسه وَكَذَلِكَ الشَّيْخ أَبُو الْجُود المزين وَله تآليف مِنْهَا شرح حسن على الاجرومية أملاه على بعض طلبته وَله حواش على شرح الْمنْهَج وحواشى على النِّهَايَة للشمس الرملى وَكَانَ حسن الاخلاق بارا بوالدته لَا يُخَالِفهَا فى كل مَا أمرت بِهِ وَترك الزواج خوفًا من أَن يتكدر خاطرها وَكَانَ كثير الْعِبَادَة والتهجد يحب الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين ويعرض عَن غَيرهم من أَرْبَاب الشَّأْن قانعا من الدُّنْيَا باليسير ومدحه صَاحبه الشَّيْخ غرس الدّين الخليلى المدنى بقصيدة أَولهَا
(وَالله انى مغرم بالطائفى ... لم لَا وَذَلِكَ كعبة للطائف)
وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس حادى وعشرى شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف فى مَكَّة بعلة الاسهال وَدفن بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن تقى الدّين الْمَعْرُوف بِابْن المهمندار الحلبى الحنفى وَالِد شَيخنَا الْعَالم الفهامة أَحْمد مفتى الشَّام الْآن وزبدة من بهَا من الْعلمَاء ذوى الشان لابرحت فضائله ملهج أَلْسِنَة الوصاف وفواضله مَظَنَّة الاطراء والاتحاف كَانَ الْمَذْكُور من أشهر مشاهير الْعلمَاء لَهُ بسطة بَاعَ فى الْفُنُون وَيَد طائلة فى التَّحْرِير والتهذيب قَرَأَ بحلب على علمائها الاجلاء مِنْهُم الشَّيْخ عمر العرضى
стр. 1500
وَخرج وَهُوَ متقن متضلع وَدخل دمشق فى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف ثمَّ هَاجر الى الرّوم وتوطنها ودرس بهَا الْعُلُوم وانتفع بِهِ جمَاعَة ثمَّ لَازم من الْمولى يحيى وصيره شَيخا لِابْنِهِ الْمولى عبد الْقَادِر ثمَّ استخلصه الْمولى صَادِق مُحَمَّد بن أَبى السُّعُود لنَفسِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ وانتفع بِهِ وَبِه شاع ذكره واشتهر بَين موالى الرّوم ثمَّ درس بمدارس دَار الْخلَافَة الى أَن وصل الى مدرسة وَالِدَة السُّلْطَان مُرَاد فاتح بَغْدَاد وَولى مِنْهَا قَضَاء مَدِينَة أَيُّوب وَله من التآليف رِسَالَة فى الْمعَانى وَله تحريرات كَثِيرَة وتميقات لَطِيفَة وَكَانَت وَفَاته وَهُوَ قَاض بِأَيُّوب فى سنة سِتِّينَ وَألف عَن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن عَتيق الحمصى الشافعى نزيل مصر الشَّيْخ الْفَاضِل كَانَ قوى الذكاء والفطنة حسن الاشارة فصيح الْعبارَة ذَا دعابة لَطِيفَة وطبع مُسْتَقِيم دخل الْقَاهِرَة فى أَيَّام شبابه واشتغل بفنون الْعُلُوم وَأخذ عَن الْبُرْهَان اللقانى والنورين على الحلبى وعَلى الاجهورى وَعبد الْجواد الجنبلاطى وحسين النمساوى وَمُحَمّد النحوى الشهير بسيبويه وَيس بن زين الحمصى وَالشَّمْس البابلى وسلطان المزاحى والنور الشبراملسى وجد واجتهد وبرع فى سَائِر الْفُنُون وفَاق أقرانه وتقوى على حل المشكلات العلمية وَألف حَاشِيَة على شرح التَّلْخِيص الْمُخْتَصر للسعد ورسائل فى فنون شَتَّى ثمَّ عرض لَهُ قَاطع عَن الْعلم واشتغل بتحصيل الدُّنْيَا وَفتح حانوتا للْبيع وَالشِّرَاء وَكَثُرت دُنْيَاهُ بِحَيْثُ أعرض عَن النّظر فى كتب الْعلم نَحْو عشْرين سنة ثمَّ طرقه طَارق الْخَيْر فَرجع الى مَا كَانَ عَلَيْهِ فى بدايته من الْجد وَالِاجْتِهَاد واشتغل بتصحيح جَمِيع مَا عِنْده من الْكتب على كثرتها وجد فى تَحْصِيل كتب الحَدِيث وكتبها بِخَطِّهِ وَكَانَ حسن الْخط وَلم يزل على هَذَا الْحَال الى أَن مَاتَ وَكَانَت وِلَادَته بحمص فى سنة عشْرين وَألف وَتوفى فى جُمَادَى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف بِمصْر وَدفن بتربة المجاورين وَرَآهُ بعض اخوانه فى الْمَنَام بعد مَوته فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لى وكتبنى عِنْده من الْعلمَاء قَالَ فَقلت لَهُ كَيفَ وَقد كنت انْقَطَعت عَن الْعلم مُدَّة فَقَالَ لى الْفضل أوسع وَمَا رَأَيْت الا كل خير وان أردْت النجَاة فى الْآخِرَة فَعَلَيْك بالاشتغال بِالْعلمِ فانه من أعظم أَسبَاب الْمَغْفِرَة عِنْد الله تَعَالَى واياك والتكلم فى أحد بِسوء فان عَلَيْك رقيبا أى رَقِيب
مُحَمَّد بن عُثْمَان الملقب أَمِين الدّين الدمشقى الصالحى الهلالى أحد الموقعين
стр. 1501
للاحكام بالمحكمة الْكُبْرَى الاديب الشَّاعِر النَّاظِم الناثر اشْتغل فى الْعلم ثمَّ تَركه وتعانى التوقيع وَالشعر وَكَانَ لطيف الذَّات حُلْو النادرة وَمن ألطف مَا وَقع لَهُ انه كتب على خَاتمه من شعره
(يَرْجُو ابْن عُثْمَان الامين الصالحى ... من ربه حسن الختام الصَّالح)
وَكَانَ مغرما بالهجاء وثلب اعراض النَّاس وَقيل لَهُ مَالك لَا يكَاد يجود شعرك الا فى الهجاء فَقَالَ خاطرى لَا يغْرف الامن الْبَحْر المنتن وَحكى البورينى أَنه سَمعه مَرَّات يَقُول كل شَاعِر لَهُ عينان نضاختان فى فكره الْوَاحِد عذبة للمديح وَمَا يُضَاف اليه وَالثَّانيَِة مُنْتِنَة للهجو وَمَا يُقَاس عَلَيْهِ وَأما انا فلى عين وَاحِدَة فَقَط وهى الْعين الثَّانِيَة فانى لَا أعرف الا الهجو المثالب قَالَ فَقلت لَهُ تَبًّا لَك يَا بغيض هَل يَلِيق بك أَن تقبح محَاسِن القريض فَقَالَ هَذِه جبلة ذاتيه وطبيعة على القبيحة مبنيه وَمن شعره قَوْله فى هجو عَمه ولى الدّين البزورى
(اذا رَأَيْت ولى الدّين مفتكرا ... مُنَكسًا رَأسه انسانه ساهى)
(فَذَاك من أجل دُنْيَاهُ لَا الْآخِرَة ... خوفًا من الْفقر لَا خوفًا من الله)
وَله فى بنى الْخطاب الَّذين كَانُوا قُضَاة مالكية بِالشَّام أهاج كَثِيرَة وَقد جمعهَا فى جُزْء خَاص وَسَماهُ قرع القبقاب فى قرعَة بن الْخطاب وَفِيه كل عَجِيبَة وكل مسَبَّة غَرِيبَة فَمن ذَلِك قَوْله
(بَيت ابْن خطاب غَدا ... بَيْتا قَلِيلا خَيره)
(ينْفق فِيهِ عاشق ... قَامَ عَلَيْهِ أيره)
وَنظر يَوْمًا الى شُهُود محكمَة الْكُبْرَى فَوَجَدَهُمْ تِسْعَة وَهُوَ وَاحِد مِنْهُم وَوجد قضاتهم أَرْبَعَة وَمِنْهُم كَمَال الدّين أحد بنى خطاب الْمَذْكُورين فَقَالَ
(قَالَت لنا الْكُبْرَى أما ... آن لكم مَا توعدون)
(قضاتنا أَرْبَعَة ... لكِنهمْ لَا يعلمُونَ)
(شهودنا عدتهمْ ... تِسْعَة رَهْط يفسدون)
(والكتخدا والترجمان ... فى الْجَحِيم خَالدُونَ)
وَمن شعره مقوله يهجو بعض الادباء
(يَخُوض بعرضى من غَدا عَار دهره ... وَمن هُوَ أدنى من سجَاح واكذب)
(وَمن أقعدته همة الْمجد والعلا ... وطارت بِهِ للخزى عنقاء مغرب)
стр. 1502
(وَمن كَانَ فى عهد الحداثة نَاقَة ... يُقَاد الى أردى الانام ويركب)
(وَقد كَانَ قصدى أَن أبين وَصفه ... وَلَكِن اجمال القبائح أنسب)
وَدخل يَوْمًا على الخواجه الرئيس أَبى السُّعُود بن الْكَاتِب فأنشده
(يَا من بِهِ رق شعرى ... وجال فى الْفِكر وَصفه)
(قد مزق الدَّهْر شاشى ... وَالْقَصْد شاش أَلفه)
فَأعْطَاهُ شاشا وَبِالْجُمْلَةِ فنوادره كَثِيرَة وَكَانَت وِلَادَته لَيْلَة عيد الْفطر سنة خمسين وَتِسْعمِائَة وَتوفى وَقت الضحوة الْكُبْرَى من يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشر شعْبَان سنة أَربع بعد الالف وَدفن فى قبر وَالِده فى تربة الفراديس
مُحَمَّد بن عُثْمَان الصيداوى الْفَقِيه الاصولى الشافعى الْمَذْهَب نزيل دمشق كَانَ من الْعلمَاء العاملين كَامِل الْخِصَال كثير التَّقْوَى وَالصَّلَاح والورع وَكَانَ زاهدا فى الدُّنْيَا لذيذا المصاحبة خَفِيف الرّوح تميل اليه الْقُلُوب الا أَنه كَانَ حاد المزاج كثير الانفعال مَعَ صفاء السريرة وَكَانَ عُلَمَاء دمشق يعظمونه وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ بَقِيَّة السّلف خرج من بلدته صيدا وَهُوَ فى ابان الطّلب فَدخل الْقَاهِرَة وَأخذ عَن علمائها وَأقَام مُدَّة بِجَامِع الازهر وبرع فى كل الْفُنُون واشتهر صيته وَكَانَ مَعَ تغربه ذَا وجاهة وايثار على طلبة الازهر قَرَأت فى ثَبت الشَّمْس مُحَمَّد بن على المكتبى الدمشقى قَالَ لما حججْت فى سنة تسع وَخمسين وَألف اجْتمعت فى مَكَّة بِالْحَافِظِ الشَّمْس مُحَمَّد البابلى فسألنى عمر بِدِمَشْق من الْعلمَاء وَعَمن اجْتمع فى مصر حَال قِرَاءَته على مشايخه فسردتهم عَلَيْهِ وَاحِد بعد وَاحِد الى أَن وصلت فى التعداد الى شيخى الصيداوى فَبكى وَقَالَ لَيْسَ لَاحَدَّ على منَّة وَلَا فضل سواهُ لانه كَانَ يَأْتِيهِ من أَبِيه دَنَانِير من الذَّهَب فيصرفها علينا ويطعمنا بهَا لذيذ الاطعمة وَيَأْخُذ الى الاماكن المفرحة ويمزح مَعَ كل منا بِمَا يُوَافقهُ حَتَّى انه أعطانى جوخة سَوْدَاء جَاءَتْهُ من وَالِده ليلبسها وَكَانَ ذرعها أَرْبَعَة أَذْرع وَنصف فَلم تكفنى على الْعَادة فطفت مصرا أتطلب فِيهَا نصف ذِرَاع لتتميمها فَلم أجد فشار على بعض الاخوان بِبَيْعِهَا وَقَالَ اشْتَرِ بدلهَا من الجوخ فَبِعْت كل ذارع مِنْهَا بِخمْس من الريال واشتريت بِبَعْض الثّمن جوخة خضراء مَعَ كافتها وَهَا أَنا لابس لَهَا الى يَوْم تَارِيخه مَعَ مَا فضل لى من الثّمن انْتهى ثمَّ قدم الى دمشق فى سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَأقَام بمحلة القنوات وأقرأ وَأفَاد وَكَانَ لَا يفتر
стр. 1503
وَلَا يمل من المطالعة والبحث وَحضر دروس الشَّمْس الميدانى والنجم الغزى وَولده الشَّيْخ سعودى تَحت قبَّة النسْر وَلزِمَ العمادى الْمُفْتى فى دروسه أَيْضا وَكَانَ أَصْحَاب الْمجْلس يرجعُونَ الى مَا يَقُوله وَكَانَ يُطِيل الْبَحْث وَكَانَ صَوته جهورياً فَيسمع من بعيد وَرُبمَا تهور على بعض الطّلبَة فآلمه بالْكلَام وَلَا ينفعل كل الانفعال الا تلافى مَا يَقع مِنْهُ لصفاء طويته وَكَانَ لَا يُنَادى أحدا الا باسمه كَائِنا من كَانَ وَلم يلبس السَّرَاوِيل مُدَّة عمره وَكَانَ كثير التقشف فى أَمر الْعِبَادَة وَرُبمَا عارضته الوسوسة فى الضَّوْء وَالصَّلَاة ودرس فى بقْعَة بالجامع الاموى فرغ لَهُ عَنْهَا الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس المقرى لَيْلَة ارتحاله الى الْقَاهِرَة وَأعْطى بعض جِهَات فى بعض الاوقاف وَمن الحوالى شَيْئا قَلِيلا وَكَانَ جَمِيع ذَلِك لَا يقوم بِهِ لما كَانَ عَلَيْهِ من السخاء وَبسط الْكَفّ وَكَانَ متوكلا فى أُمُوره كلهَا واذا فاوضه أحد فى مصرفه يَقُول أنْفق مَا فى الجيب يأتى مَا فى الْغَيْب وَكَانَ كثير الشغف بايراد حَدِيث أنْفق بِلَالًا وَلَا تخش من ذى الْعَرْش اقلالا وَكَانَت وِلَادَته بِمَدِينَة صيدا فى سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير فى قبر كَانَ اشْتَرَاهُ فى حَيَاته وأعده لنَفسِهِ قبل مَوته بِنَحْوِ عشر سِنِين بِالْقربِ من قبر سيدى نصر المقدسى رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن عُثْمَان بن مُحَمَّد بن على الهوش الدمشقى الصالحى الشافعى الْفَاضِل الاديب البارع صَاحب الرأى والمعرفة مَعَ الْخلق الْحسن والصدر السَّلِيم والتواضع وَحفظ اللِّسَان صحب جمَاعَة من أَعْيَان الْمَشَايِخ بِدِمَشْق مِنْهُم الشَّيْخ عبد الباقى الحنبلى وَالشَّمْس مُحَمَّد بن بليان وَأخذ الطَّرِيق عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَيُّوب الخلوتى ثمَّ رَحل الى مصر وَأكْثر تردده اليها وَكَانَ من أخيار التُّجَّار وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ سُلْطَان وَالشَّمْس البابلى والنور الشبراملسى وَغَيرهم وَأَجَازَهُ جلّ شُيُوخه وَحج مَرَّات وجاور بالحرمين وَله شعر مِنْهُ قَوْله فى تخميس لامية ابْن الوردى بعد قَوْله
(واله عَن آلَة لَهو أطربت ... وَعَن الامرد مرتج الكفل)
(أعربت عَنهُ لُغَات الفصحا ... أَنه كالبدر بل شمس الضُّحَى)
(قلت للعاذل فِيهِ اذ لحا ... ان تبدى تنكشف شمس الضُّحَى)
(واذا قسناه بالبدر أفل ... )
(حل بِالْقَلْبِ وعظمى وَهنا ... وَنفى عَن ناظرى الوسنا)
стр. 1504
(مذ تبدى ولعطفيه ثنى ... زَاد اذ قسناه بالشس سنا)
(وعدلناه ببدر فاعتدل ... )
وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَتوفى بِدِمَشْق لَيْلَة الْخَمِيس ثانى عشر رَجَب سنة احدى وَتِسْعين والف
مُحَمَّد بن عقيل بن شيخ بن على بن عبد الله وطب بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة آخِره مُوَحدَة ابْن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الشَّيْخ الامام عبد الله بن علوى ابْن الاستاذ الاعظم امام الصُّوفِيَّة بديار حضر موت والقائم بوظائف السّنة فِيهَا الْمَشْهُور بِصَاحِب مديحج بميم ودال مُهْملَة ومثناة تحتية وحاء مُهْملَة وجيم تَصْغِير مدحج وَهُوَ اسْم مَسْجِد كَانَ ملازما فِيهِ الِاعْتِكَاف ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وتلاه على طَريقَة التجويد واشتغل بِعلم التَّوْحِيد وَقَرَأَ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وحقق التصوف وَأخذ الْفِقْه عَن القاضى محمدبن حسن بن الشَّيْخ على وَأخذ عَن السَّيِّد شهَاب الدّين عبد الرَّحْمَن وَالشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الله بَافضل عدَّة عُلُوم ثمَّ لزم الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد بن علوى مُلَازمَة تَامَّة واقتدى بِهِ فى أَحْوَاله فَكَانَ يجْتَهد فى جَمِيع الْمَقَاصِد وَكَانَ متصفا بمحاسن الاوصاف مَوْصُوفا بالورع والعفاف والزهد مواظبا على الِاعْتِكَاف والتلاوة وَكَانَ مواظبا على الْجَمَاعَة وَصلى جَمِيع الصَّلَوَات فى أول وَقتهَا وَكَانَ يحضر للصَّلَاة خَلفه خلق كثير بِحَيْثُ ان الْمَسْجِد يضيق بالمصلين وَيصلى كثير مِنْهُم فى الشَّارِع وَمن لم يكن متوضئا قبل الْوَقْت لم يدْرك مَعَه الصَّلَاة لانه يَأْمر باقامة الصَّلَاة بعد صَلَاة الرَّاتِبَة عقب الاذان وتصدى لنفع النَّاس وقصدته الْخَلَائق وَأخذُوا عَنهُ وَمِمَّنْ تخرج بِهِ السَّيِّد أَبُو بكر ابْن على معلم خرد وَالسَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن عقيل وَالسَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن عمر بارقيه وَبَنُو أَخِيه عبد الله وَعقيل وعَلى وَمُحَمّد وَأحمد وَكَانَ لَهُ اعتناء تَامّ بِكِتَاب احياء عُلُوم الدّين فَكَانَ يقْرَأ مِنْهُ جُزْءا فى كل يَوْم سوى غَيره من الْكتب وَكَانَ عَارِفًا بعدة عُلُوم وَله كرامات كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس بعد الالف وَحضر النَّاس لتشييع جنَازَته من جَمِيع النواحى حَتَّى ضَاقَتْ بهم الطّرق وَدفن بمقبرة زنبل رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد مُحَمَّد بن عقيل الامام الْكَبِير الولى الحضرمى ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته تَرْجَمَة تِلْمِيذه شيخ بن عبد الله فى السلسلة قَالَ كَانَ عَظِيم الْحَال مُنْقَطع القرين
стр. 1505
كثير المجاهدات ملازما لِلْعِبَادَةِ متخليا عَن العلائق كلهَا لم يتَزَوَّج قطّ وَلَا غرس نخلا وَلَا بنى بَيْتا وَلَا تعلق بشئ من أَسبَاب الدُّنْيَا فِرَارًا من قَوْله
ذبح الْعلم على أفخاذ النِّسَاء وَعَملا بقوله
من غرس نخلا أَو بنى بَيْتا فقد ركن الى الدُّنْيَا وَهَكَذَا كَانَ
وَمن تبعه من السّلف الصَّالح لم يضعوا لبنى على لبنة وَلَا قَصَبَة على قَصَبَة الى أَن فارقوا الدُّنْيَا وَسبب ذَلِك أَنهم رَأَوْا الدُّنْيَا جِسْرًا مَنْصُوبًا على نهر عَظِيم وهم عابرون راحلون عَنهُ وَلَا غرو أَن من بنى مثل ذَلِك فقد تعرض للتلف وَلَقَد سَمِعت عَن الشَّيْخ المجذوب صندل الحبشى صَاحب المخا حِكَايَة تومى الى ذَلِك وَذَلِكَ أَن بعض مُلُوك الْهِنْد أرسل الى فُقَرَاء الشَّيْخ صندل بِمَال وَأمرهمْ أَن يبنوا لَهُ بَيْتا يسكنهُ وَيكون باشارة مِنْهُ فى أى مَوضِع يُرِيد فَلَمَّا أعلموه والتمسوا مِنْهُ الاشارة الى أى مَوضِع يُرِيد ليقدموا فى الْعِمَارَة فَقَامَ وَخرج بهم الى سَاحل الْبَحْر ثمَّ أشرا الى الباحة فى الْبَحْر وَقَالَ ابْنُوا هُنَاكَ فتحيروا فى ذَلِك فسألوا الْفَقِيه على الجازانى فتعجب من ذَلِك وَأَشَارَ اليهم بالذهاب الى الْفَقِير وَكنت اذ ذَاك بالمخا عِنْد رجوعى من الْحَج فى سنة سبع بعد الالف فَقلت الله أعلم أَن مَقْصُود الشَّيْخ صندل بالاشارة الى الْبَحْر الاشارة الى فنَاء الدُّنْيَا وزوالها وان من فِيهَا كَأَنَّهُ مبْنى على أمواج الْبَحْر هَذَا مَا قَالَه الشَّيْخ شيخ وَكَانَت وَفَاة السَّيِّد مُحَمَّد فى سنة سِتّ بعد الالف
مُحَمَّد بن عَلَاء الدّين أَبُو عبد الله شمس الدّين البابلى القاهرى الازهرى الشافعى الْحَافِظ الرحلة أحد الاعلام فى الحَدِيث وَالْفِقْه وَهُوَ أحفظ أهل عصره لمتون الاحاديث وأعرفهم بجرحها ورجالها وصحيحها وسقيمها وَكَانَ شُيُوخه وأقرانه يعترفون لَهُ بذلك وَكَانَ اماما زاهدا ورعا بركَة من بَرَكَات الزَّمَان حكى أَنه رأى لَيْلَة الْقدر ودعا بأَشْيَاء مِنْهَا أَن يكون مثل ابْن حجر العسقلانى فى الحَدِيث فَكَانَ حَافِظًا نبيها مَا وَقع نظره قبل انكفافه على شئ الا وَحفظه بديها والذى عد من محفوظاته الْقُرْآن بالروايات والشاطبية والبهجة والفية العراقى فى أصُول الحَدِيث والفيه ابْن مَالك وَجمع الْجَوَامِع وَمتْن التَّلْخِيص وَغَيرهَا وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة مِنْهَا فتح البارى لِابْنِ حجر وَكَانَ قدم بِهِ؟ أَبوهُ من قريتهم بابل من أَعمال مصر الى الْقَاهِرَة وَهُوَ صَغِير دون التَّمْيِيز وسنه دون ارْبَعْ سِنِين وأتى بِهِ الى خَاتِمَة الْفُقَهَاء الشَّمْس الرملى وَهُوَ مُنْقَطع فى بَيته فَدَعَا لَهُ بِخَير وَدخل فى عُمُوم
стр. 1506
اجازته لاهل عصره وَلما ترعرع لزم النُّور الزيادى وَالشَّيْخ على الحلبى وَالشَّيْخ عبد الرؤف المناوى وَأخذ الحَدِيث والعربية وَغَيرهمَا عَن الْبُرْهَان اللقانى وأبى النجا سَالم السنهورى والنور على الاجهورى المالكيين وَأخذ علم الاصول والمنطق والمعانى وَالْبَيَان عَن الشهَاب الغنيمى والشهاب أَحْمد بن خَلِيل السبكى والشهاب أَحْمد بن مُحَمَّد الشلبى وخاله الشَّيْخ سُلَيْمَان البابلى وَالشَّيْخ صَالح بن شهَاب الدّين البلقينى ومشايخه فى الْعُلُوم لَا يُمكن حصرهم مِنْهُم الشَّيْخ حجازى الْوَاعِظ وَالشَّيْخ أَحْمد بن عِيسَى الكلبى وَالْجمال يُوسُف الزرقانى وَالشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد النحريرى وَالشَّيْخ سَالم الشبشيرى وَالشَّيْخ مُوسَى الدهشينى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الجابرى وَالشَّيْخ عبد الله الدنوشرى وَالشَّيْخ سيف الدّين المقرى وَالشَّيْخ أَحْمد السنهورى وجد واجتهد الى أَن وصل الى مَا لَا يطْمع فى الْوُصُول اليه من اهل زَمَانه أحد وَكَانَ من أحسن الْمَشَايِخ سيرة وَصُورَة وَكَانَ لَهُ فى الطَّرِيق قدم راسخ يواظب على التَّهَجُّد وَصرف عمره فى الدُّرُوس والنفع التَّام وَكَانَ قانعا باليسير عَارِفًا نَفسه كَمَال الْمعرفَة حكى بعض الاخباريين أَنه سمع عَلامَة الزَّمَان يحيى بن عمر المنقارى مفتى الرّوم يَقُول كنت وَأَنا قَاض بِمصْر وجهت الى البابلى تدريس الْمدرسَة الصلاحية بعد موت الشَّمْس الشوبرى وَهُوَ مَشْرُوط لَا علم عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة قَالَ وكتبت تقريرها وأرسلته اليه فجَاء الى وَامْتنع من قبُولهَا جدا مَعَ الاقدام عَلَيْهِ مارت وَادّعى أَنه لَا يعرف نَفسه أَنه أعلم عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة قَالَ فَقلت لَهُ حِينَئِذٍ تنظر لنا الْمُسْتَحق لَهَا من هُوَ حَتَّى نوجهها لَهُ فَقَالَ اعفنى من هَذَا أَيْضا وَانْصَرف وَذكره الشلى فى تَارِيخه الْمُرَتّب وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَالَ وَهُوَ مِمَّن تزينت ببديع صِفَاته الْمَدْح ونشرت على الدُّنْيَا خلع الْمنح أَقْلَام فتواه مَفَاتِيح مَا أرتج من الْمسَائِل المشكله وَالْعلم بَاب مفتاحه المسئله وَأما حَاله فى القاء الْعُلُوم وَنشر مطارف المنثور مِنْهَا والمنظوم فَكَانَ فَارس ميدانها وناظورة ديوانها ومشكاة أضوائها وعارض أنوائها وَسَهْم اصابتها وطراز عصابتها قد تأنس بِهِ معقولها ومسموعها وقرت عينا أُصُولهَا وفروعها يجرى على طرف لِسَانه حَدِيثهَا وتفسيرها وينقاد لعلم بَيَانه تنقيحها وتحريرها وطوع يَدَيْهِ تواريخها وسيرها وَنصب عَيْنَيْهِ انشاؤها وخبرها كلما أَقرَأ فَنًّا من الْفُنُون ظن السامعون أَنه لَا يحسن غَيره وَقد حج مَرَّات وجاور بِمَكَّة عشر سِنِين وَأخذ عَنهُ جماعات لَا يُحصونَ فَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ من أهل
стр. 1507
الْقَاهِرَة الشَّيْخ مَنْصُور الطوخى والشهاب أَحْمد البشبيشى وَالشَّمْس مُحَمَّد بن خَليفَة الشوبرى وَمن أهل الشَّام الشَّيْخ عبد الْقَادِر الصفورى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الخباز الْمَعْرُوف بالطنينى وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن على المكتبى وَمن أهل مَكَّة الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الرؤف وَالشَّيْخ عبد الله بن طَاهِر العباسى وَالشَّيْخ على الايوبى وَالشَّيْخ على بن أَبى البقا وَالشَّيْخ اسكندر المقرى وَالشَّيْخ سعيد بن عبد الله باقشير وَالشَّيْخ عدب المحسن القلعى وَالشَّيْخ ابراهيم بن مُحَمَّد الزنجبيل والشخي على باحاج وَمن أهل الْمَدِينَة شَيخنَا المرحوم ابراهيم الخيارى وَغَيرهم وَله فهرست مجمع مروياته وشيوخه ومسلسلاته جمعهَا تِلْمِيذه شيخ مَشَايِخنَا الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد الجعفر المغربى فى نَحْو خَمْسَة كراري حصلت عَلَيْهَا من تفضلات شَيخنَا الامام أَحْمد بن مُحَمَّد النخلى المكى عِنْدَمَا أجازنى بِجَمِيعِ مروياته فى حرم الله الامين يَوْم الاربعا ثانى ذى الْحجَّة سنة احدى وَمِائَة وَألف وَمَعَ تبحره فى الْعُلُوم لم يعتن بالتأليف وألجئ الْوَزير الاعظم أَحْمد باشا الْفَاضِل الى تأليف كتاب فى الْجِهَاد وفضائله فألف فِيهِ فى أَيَّام قَليلَة كتابا حافلا أَتَى فِيهِ بالعجب من الاثار الْوَارِدَة فِيهِ وَأَحْكَامه المختصة بِهِ وَكَانَ ينْهَى عَن التَّأْلِيف وَيَقُول التَّأْلِيف فى هَذِه الازمان من ضياعة الْوَقْت فان الانسان اذا فهم كَلَام الْمُتَقَدِّمين الْآن واشتغل بتفهيمه فَذَاك من أجل النعم وَأبقى لذكر الْعلم ونشره والتأليف فى سَائِر الْفُنُون مفروغ مِنْهُ واذا بلغه ان أحدا من عُلَمَاء عصره ألف كتابا يَقُول لَا يؤلف أحد كتابا الا فى أحد أَقسَام سَبْعَة وَلَا يُمكن التَّأْلِيف فى غَيرهَا وهى اما ان يؤلف فى شئ لم يسْبق اليه يخترعه أَو شئ نَاقص يتممه أَو شئ مستغلق يشرحه أَو طَوِيل يختصره دون أَن يخل بشئ من مَعَانِيه أَو شئ مختلط يرتبه أَو شئ اخطأ فِيهِ مُصَنفه يُبينهُ أَو شئ مفرق يجمعه قلت وَيجمع ذَلِك قَول بَعضهم شَرط الْمُؤلف أَن يخترع معنى أَو يبتكر مبْنى وَحصل لَهُ عَارض فى فى عَيْنَيْهِ أذهب بَصَره قبل انْتِقَاله بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ اذا طالع لَهُ أحد حثه على الاسراع بِحَيْثُ ان السَّامع لَا يفهم مَا يقرأه القارى واذا توقف القارى فى مَحل سابقه بِالْفَتْح عَلَيْهِ حَتَّى كانه يحفظ ذَلِك الْكتاب عَن ظهر قلب وَكَانَ كثير الْعِبَادَة يواظب على قِرَاءَة الْقُرْآن سرا وجهرا وَكَانَ راتبه فى كل يَوْم وَلَيْلَة نصف الْقُرْآن وبختم يَوْم الْجُمُعَة ختمة كَامِلَة وَكَانَ كثير الْبكاء عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن وَلَا يُفَارِقهُ خوف الله فى جَمِيع الاحيان وَكَانَ يعْفُو عِنْد الاقتدار وَله خلق سهل رضى وَكَانَ مَحَله
стр. 1508
يشْتَمل على حكايات ونكات وَكَانَ منصفا حد الانصاف حكى لى بعض الْعلمَاء وَأَنا بِمَكَّة عَن الشهَاب البشبيشى عَن البابلى انه كَانَ يَقُول اذا سئلنا من أفضل الائمة نقُول أَبُو حنيفَة وَبِالْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيل فقد اجْتمعت فِيهِ الصِّفَات الْحَسَنَة بأسرها وَلم يكن فى وقته أرأس مِنْهُ وَلَا أروع وَلَا أَكثر تقللا قَالَ الشهَاب العجمة عِنْدَمَا تَرْجمهُ فى مشيخته وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ألف وَتوفى عصر يَوْم الثلاثا خَامِس وعشرى جُمَادَى الاولى سبع وَسبعين وَألف ورثاه شَيخنَا ابراهيم الخيارى بقصيدة طَوِيلَة ذكرهَا فى رحلته وَلم يعلق فى خاطرى مِنْهَا الا بَيت التَّارِيخ وَهُوَ
(قد ختم الْعلم بِهِ ... فأرخوه الخاتمه)
وَذكر لى بعض الاخوان ان أَبَا بكر الصفورى الدمشقى نزيل مصر رثاه بقصيدة مطْلعهَا
(مَا أرى نَصهَا من الاطراف ... غير موت الائمة الاشراف)
وَلم أَقف عَلَيْهَا بِتَمَامِهَا وَالله أعلم
مُحَمَّد بن علوى بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن علوى بن أَحْمد بن أَبى بكر بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف نزيل الْحَرَمَيْنِ نادرة الزَّمَان وَعلم الْعلمَاء ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد ببندر الشحر وَحفظ الْقُرْآن ولازم قِرَاءَته وَصَحب الْعلمَاء فَأول من صَحبه الامام الْعَارِف بِاللَّه نَاصِر الدّين بن أَحْمد بن لاشيخ أَبى بكر بن سَالم وتربى فى حجره وَأخذ التصوف وَالْفِقْه عَن الْفَقِيه السَّيِّد عمر باعمر ثمَّ رَحل الى مَدِينَة الاشراف تريم وَأخذ عَن شمس الشموس زين العابدين ابْن على بن عبد الله العيدروس وَعَن السَّيِّد الْجَلِيل عبد الرَّحْمَن بن عقيل وَعَن السَّيِّد الْكَبِير أَحْمد بن حُسَيْن العيدروس والعارف بِاللَّه عبد الله بن أَحْمد الصيدروس والعارف بِاللَّه تَعَالَى زين بن حُسَيْن بَافضل وَغَيرهم ومأرمه شيخ السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن عقيل بالخلوة فى زَاوِيَة مَسْجِد الشَّيْخ على أَرْبَعِينَ فَفعل وَحصل لَهُ الْفَتْح وَظَهَرت لَهُ أُمُور ثمَّ رَحل الى قَرْيَة السادات الْمَشْهُورَة بعينات فَأخذ عَن امامها الْمُقدم الشَّيْخ الْحُسَيْن بن أَبى بكر بن سَالم وَعَن أَخَوَيْهِ الحامد وَالْحسن وَغَيرهم من السَّادة وَأخذ عَن الشَّيْخ الْعَارِف الاديب الامام حسن بن أَحْمد باشعيب الانصارى ورحل الى الْهِنْد وَأخذ عَن الشَّيْخَيْنِ السيدين الجليلين عبد الْقَادِر بن شيخ الله وَمُحَمّد بن عبد الله العيدروس وَأمره الشَّيْخ عبد الْقَادِر بالرحلة الى الشَّيْخ الولى السَّيِّد عبد الله بن على فَرَحل اليه
стр. 1509
وَهُوَ بالقرية الشهيرة بالوهظ ولازم صحبته وَألبسهُ الْخِرْقَة وَحكمه وَأمره بِالْحَجِّ سنة تسع عشرَة وَألف فحج حجَّة الاسلام وزار جده رَسُول الله
ثمَّ عَاد الى شيخ وَقد أجزل من الْفضل فَأقبل عَلَيْهِ وزوجه ابْنَته ثمَّ انْتقل شَيْخه فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف فحج عَن شَيْخه حجَّة الاسلام ثمَّ رَجَعَ الى وهط الْيمن وَأَرَادَ أَن يَجْعَلهَا محلا للوطن فَلم تطب لَهُ فَرجع الى وَطنه بندر الشحر وَكَانَ فى غَايَة الخمول وَيخْفى حَاله فَمَا مضى عَلَيْهِ زمن الا حصل لَهُ ظُهُور عَجِيب وَظَهَرت مِنْهُ خوارق واشتهر فى جَمِيع تِلْكَ الْبلدَانِ وقصده النَّاس ثمَّ قصد قطر الْحجاز وتوطن بِهِ واعتقده أَهله وانقعد على ولَايَته الاجماع وَكَانَ ملْجأ للوافدين قَالَ الشلى وَهُوَ من أدل مشايخى فى علم الْحَقِيقَة أَخذ عَنهُ الطَّرِيقَة وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة كَثِيرُونَ وَأما كرمه وايثاره فَكَانَ غَايَة لَا يدْرك وَله كرامات مِنْهَا استقامته على طَريقَة وَاحِدَة يواطب على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَلَا يمضى عَلَيْهِ سَاعَة الا وَهُوَ مشتغل بِطَاعَة وَمِنْهَا ان الدُّنْيَا لَا تذكر بِحَضْرَتِهِ وَلَا الْغَيْبَة وَلَا النميمة وَمِنْهَا ان من رَآهُ ذكره الله تَعَالَى وَمن شَاهده ذهل عَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمِنْهَا انه مَا دَعَا لَاحَدَّ من أَصْحَابه الا اسْتُجِيبَ دعاؤه وَمِنْهَا انى أول ملاقاتى لَهُ خطر بالبال أَن يلفننى الذّكر فَمَا اسْتمرّ خاطرى الا وَقد نظر الى وَأَقْبل بِوَجْهِهِ على ولقننى الذّكر الذى خطر وَله كرامات غير مَا ذكره وعَلى الْجُمْلَة فَهُوَ بَقِيَّة السّلف وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة بعد صَلَاة الْجُمُعَة لاربع عشرَة خلت من شهر ربيع الثانى سنة احدى وَسبعين وَألف وَحضر جنَازَته سُلْطَان مَكَّة فَمن دونه وَدفن شروق يَوْم السبت بمقبرة المعلاة وَعمل على قَبره تَابُوت عَظِيم وَهُوَ بِقرب قبر أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة رضى الله عَنْهَا
مُحَمَّد بن على بن أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن السقاف الحضرمى كَانَ من كبار الْعلمَاء لَهُ مَنَاقِب مأثوره ومآثر مشهوره قَالَ الشلى ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن وَالِده الشَّيْخ على ولازمه حَتَّى تخرج بِهِ وَصَحب جمَاعَة من العارفين وَسمع الحَدِيث وَلبس الْخِرْقَة من وَالِده وَغَيره وَحكمه وَالِده وَأَجَازَهُ بالالباس والتحكيم وَلزِمَ الطَّاعَة وَكَانَ وَالِده يثنى عَلَيْهِ كثيرا وَلما ولد رأى وَالِده وَغَيره فى جَبهته آيَة الكرسى واعتقد بعض جهلة الْعَوام انه المهدى المنتظر وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف بِمَدِينَة تريم وَدفن لَهَا
مُحَمَّد بن على الملقب شمس الدّين العلمى القدسى الدمشقى الْفَقِيه الحنفى وَهُوَ خَال
стр. 1510
الشَّيْخ مُحَمَّد بن عمر العلمى الصوفى الآتى ذكره قَرِيبا ان شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا يعرف بالعالم وَذَاكَ بالصوفى وَهُوَ سبط شيخ الاسلام بن أَبى شرِيف رَئِيس الْعلمَاء فى زَمَانه وَكَانَ عَالما عَاملا حسن الِاعْتِقَاد فى النَّاس وَكَانَ الين المقادسة المقيمين بِدِمَشْق عَرِيكَة وَأَحْسَنهمْ مَوَدَّة منصفا فى الْبَحْث غَايَة فى الاستحضار ذكره النَّجْم فى الذيل وَقَالَ فى تَرْجَمته طلب الْعلم فى بَلَده ثمَّ دخل الْقَاهِرَة وتفقه بهَا على الشَّيْخ أَمِين الدّين بن عبد العال وَالشَّيْخ زين بن نجيم صَاحب الاشباه وَالْبَحْر وَالشَّيْخ على بن غَانِم المقدسى وَغَيرهم وَأخذ النَّحْو عَن الشَّمْس الفارضى المصرى ثمَّ دخل دمشق وقطنها آخرا وَصَحب شَيخنَا الشَّيْخ زين الدّين بن سُلْطَان وَكَانَ يتَرَدَّد اليه كثيرا وَكَانَ يدرس ويفيد وَولى آخر أمره تدريس القضاعية الْحَنَفِيَّة بعد الشَّمْس بن المنقار وَأفْتى بعد وَفَاة شَيخنَا القاضى محب الدّين وَكَانَ فى حَيَاته يتَرَدَّد اليه وَكَانَ شَيخنَا القاضى يعظمه وَيعرف حَقه قَالَ وأنشدنى لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع شهر ربيع الاول سنة ثَمَان عشرَة وَألف قَالَ أنشدنى شَيخنَا الْعَلامَة الشَّاعِر الْجيد الْفَاضِل الشَّمْس مُحَمَّد الفارضى المصرى الحنبلى وذكران البيضاوى خطأ من أدغم الرَّاء فى اللَّام وَنسبه الى أَبى
(أنكر بعض الورى على من ... أدغم فى اللَّام عِنْد رَاء)
(وَلَا تخطى أَبَا شُعَيْب ... وَالله يغْفر لمن يَشَاء)
وأنشدنا لَهُ
(اجرر محلا وانصباً وارفعنا ... فى رَبنَا مَعَ اننا سمعنَا)
وَكَانَت وَفَاته فى نَهَار الِاثْنَيْنِ السَّابِع من ذى الْقعدَة سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير
مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد بن على الشبراملسى المالكى الامام الْجَلِيل الْجَامِع للعلوم الذى تضلع مِنْهَا وَصرف أوقاته فى التَّحْصِيل والتفريع والتأصيل وَانْفَرَدَ فى عصره بالعلوم الحرفية والاوفاق والزايرجة وَبَقِيَّة الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَألف مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا شرح على ايساغوجى فى الْمنطق وَقد أَخذ عَن شُيُوخ مِنْهُم الشَّيْخ أَحْمد الشناوى الخامى وَعنهُ الشَّيْخ مسوى القليبى وَكَانَ فى سنة احدى وَعشْرين وَألف مَوْجُودا
مُحَمَّد بن على المنعوت شمس الدّين بن عَلَاء الدّين بن بهاء الدّين البعلى الشهير بِابْن الفصى الْفَقِيه الشافعى مفتى ديار بعلبك وآباؤه كلهم رُؤَسَاء الْعلم بِتِلْكَ النَّاحِيَة كَانَ مَشْهُورا بِالْفَضْلِ الوافر وَله تآليف مِنْهَا شرح الْبردَة سَمَّاهُ الْخَلَاص من الشده وَكَانَ قَرَأَ على عَمه الشَّيْخ أَبى الصَّفَا فى بعلبك ورحل الى دمشق فَقَرَأَ على الشهَاب
следующие страницы →