Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
(عهدى وَشَمل السعد فِيك منضد ... والعيش يبسم عَن ثنايا ضَاحِك)
(وَعَلَيْك من وَجه الامير بشاشة ... أفديه من وَجه أغر مبارك)
(ملك جنَاحا خيله ورماحه ... يَوْم الوغى من فتية وملائك)
(تمشى الفوارس تَحت أَمر ركابه ... طوع الفياد فياله من مَالك)
(وَأَقل عبد من شِرَاء هباته ... مأوى الطريد وقبلة للسالك)
(يأيها الْمولى الذى قد دبرت ... آراؤه الدُّنْيَا بِحسن ندارك)
(قلدت أَعْنَاق العداة كارما ... بحسامك الْحق الجلى الفاتك)
(ومحوت من صحف الْحَيَاة نُفُوسهم ... محو الصَّباح ظلام ليل حالك)
(تخذوا سهامك فى الجسوم أَمارَة ... فنجوا بيمن جادها من مَالك)
(لم يكفروا نعماك لَكِن ساقهم ... قدر الاله لورطة ومهالك)
وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف بنابلس وَدفن بهَا وَخَلفه ولدان لَهُ على وعساف وَكِلَاهُمَا وليا الامارة فالاول وَليهَا سنة وَاحِدَة وَلَا أتحقق مَوته فى أى سنة كَانَ والثانى وَليهَا مَرَّات وَتوفى وَهُوَ مُتَوَجّه الى الرّوم بقونيه فى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف
مُحَمَّد بن فضل الله الرهانبورى نِسْبَة لبرهانبور بَلْدَة عَظِيمَة بِالْهِنْدِ الصوفى الهندى سُلْطَان الصُّوفِيَّة فى عصره كَانَ اماما عَالما زاهدا عابدا ورعا اشْتهر فى الْهِنْد الشُّهْرَة الْعَظِيمَة وَبلغ فى ذَلِك مبلغا لم يبلغهُ أحد وَذَلِكَ انه كَانَ يُحَاسب نَفسه كل يَوْم فى آخر نَهَاره وَكَانَ من طَرِيقَته أَن يكْتب جَمِيع مَا وَقع مِنْهُ وَتصرف فِيهِ وَكَانَ عَظِيم الْخَوْف من الله تَعَالَى يتَوَقَّع الْمَوْت فى كل وَقت وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ من أسياد الصُّوفِيَّة وحجتهم وبطانة خَالِصَة الْعلمَاء بالْقَوْل وَالْفِعْل سالكا محجتهم وَكَانَ من أكبر الْقَائِلين بالوحدة الوجودية وَألف فِيهَا رِسَالَة سَمَّاهَا التُّحْفَة الْمُرْسلَة الى النبى
وَكَانَ فَرَاغه مِنْهَا سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَشَرحهَا شرحا لطيفا أَتَى فِيهِ بالعجب العجاب وَاعْتذر فِيهِ عَمَّا يَقع من محققى الصُّوفِيَّة من الشطح الموهم خلاف الصَّوَاب اعتذارا يقبله من أَرَادَ الله تَعَالَى لَهُ الزلفى وَحسن المآب وَمِمَّنْ تولى شرحها أَيْضا الاستاذ رَأس الْمُحَقِّقين ابراهيم بن حسن الكورانى نزيل الْمَدِينَة المنورة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام وَمن شُيُوخ صَاحب التَّرْجَمَة الشَّيْخ وجيه الدّين بن القاضى نصر الله العلوى
стр. 1577
الاحمد أبادى الهندى امام الصُّوفِيَّة فى الْهِنْد وَغَيره من أكَابِر شيوخهم وَكَانَت وَفَاته بِبَلَدِهِ برهانبور فى سنة تسع وَعشْرين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى ورضى عَنهُ
مُحَمَّد بن فضل بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بعصمتى الرومى قاضى الْعَسْكَر أوحد الزَّمَان كَانَ أجل فضلاء الرّوم وأفصحهم وأظرفهم مُمَيّزا بَينهم بالمعرفة وَالْفضل وكل من رَأَيْته من أَرْبَاب الْمعرفَة سمعته يصفه بِالْفَضْلِ والذكاء وجودة الطَّبْع // وَحسن الشّعْر // والفصاحة وَهُوَ من بَيت فضل وَصَلَاح وَقد تقدم ذكر أَبِيه وَقد نَشأ وَحصل ودأب ثمَّ اتَّصل فى أَوَائِل أمره بشيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّاء فصيره ملازما ثمَّ أَرَادَ أَن يسْلك طَرِيق الملاخداوندكار فَلم يَتَيَسَّر لَهُ فَعدل الى طَرِيق الْمولى وضمه شيخ الاسلام الْمَذْكُور اليه واستخلصه لنَفسِهِ ثمَّ درس بمدارس قسطنطينية الى أَن وصل الى الْمدرسَة الَّتِى جددتها وَالِدَة السُّلْطَان مُرَاد فاتح بَغْدَاد وَهُوَ ثانى مدرس بهَا حكى والدى عَن شيخ الاسلام الْمَذْكُور قَالَ سمعته يَقُول لما وجهت اليه الْمدرسَة الْمَذْكُورَة والدته وَكَانَ عندى شرح الْمِفْتَاح بِخَط عصمتى فَأَخَذته معى فَقَالَ لى السُّلْطَان لمن وجهت الْمدرسَة فَقلت لصَاحب هَذَا الْخط وَهُوَ حفيد الشَّيْخ مُحَمَّد البركلى فأعجبه خطه وسألنى عَن فَضله فَذكرت لَهُ فَضله وزكنه فَقَالَ لى سَمِعت نبله من الافواه ثمَّ أَخذ الْكتاب وأبقاه عِنْده لإعجابه بِهِ قَالَ والدى وَلَقَد أخبرنى عصمتى انه بعد وَفَاة السُّلْطَان وصل اليه الْكتاب على يَد بعض الكتبيين فَاشْتَرَاهُ ثمَّ ولى من تِلْكَ الْمدرسَة قَضَاء الشَّام وَذَلِكَ فى شَوَّال سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف وكبابه الْجواد قبل قدومه الى دمشق فانصدعت رجله فأنشده الاديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمى ارتجالا هَذِه الابيات فى مجْلِس الِاجْتِمَاع بِهِ فَقَالَ
(انهض فَلَا قعدت بك الايام ... وسما بك الاقدام والاقدام)
(قدم العلى انصدعت فَلَمَّا صدعت ... صدع الْفُؤَاد فَلَا يكَاد ينَام)
وَلم ينزل بقرية حرستا على عَادَة الْقُضَاة بل دخل وَكَانَ دُخُوله اليها فى سَابِع ذى الْحجَّة فَقَالَ الْفَاضِل عبد اللَّطِيف بن يحيى المنقارى فى تَارِيخ قدومه
(زَمَانك يَا شمس المعالى مشرق ... وعصرك يَا بدر الْكَمَال لطيف)
(وفضلك بَين الْخلق دق ضاء نوره ... وقدرك مَا بَين الانام منيف)
(وانك فى جمع الكمالات مُفْرد ... وانك فى حكم الْقَضَاء عفيف)
стр. 1578
(وليت دمشقا حَاكما فى رعية ... بِعدْل لَهُ ظلّ عَلَيْك وريف)
(وَلما أتيت الشَّام قلت مؤرخا ... قدومك عيد عندنَا الشريف)
ومدحه أدباء الشَّام بقصائد كَثِيرَة وَوَقع فى مجَالِس سطرت عَنهُ وَمِمَّا ريأته من آثَار قلمه مَا كتبه على نِسْبَة أدهمية لِابْنِ المرزناتى بِدِمَشْق ألحمد لله الذى جعل الانساب فى بعض الْفُرُوع النجباء وسائط لاستفاضة الانوار والهمم الْعَالِيَة من الاصول الاتقياء عصيا يتوكؤن عَلَيْهَا ويدركون بهَا غَايَة المنى ويرتقون الى مدارج العلى وَلَهُم فِيهَا مآرب أُخْرَى وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُوله الْكَرِيم النُّور الاول والظهور الآخر فَاتِحَة مصحف الْوُجُود وخاتمة رِسَالَة الرسَالَة مُحَمَّد الْمُصْطَفى الذى هُوَ حجَّته الْكُبْرَى من استضاء بمصابيحه أبْصر وَنَجَا وَمن أعرض عَنْهَا ذل وَهوى صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى آله وعرته الَّذين هم حَبل الْهدى وشجرة التَّقْوَى وسفينة النجَاة الْعُظْمَى وَعُرْوَة الدّين الوثقى وَبعد فَلَمَّا تشرفت بِصَاحِب هَذَا النّسَب الْجَلِيل وجدته رَفِيق الْمجد وخليله نزيل الصّلاح وزميله تنَاول الْفضل كَابِرًا عَن كَابر وَأخذ الْفَخر عَن أسرة ومنابر فى نَاصِيَة تلوح عَلَيْهَا آثَار السَّعَادَة كالنور وفى جَبينه الانتساب الى من هُوَ كالتاج على مفرق هَذَا المنشور سطور فَمن نظر الى جميل خلقه وَحسن فعاله كَاد ينشد لِسَان حَاله بِاللَّه صلى الله تَعَالَى على النبى وَآله وَالشَّيْخ الْكَامِل الْوَاصِل الى مقَام الْعُبُودِيَّة الْمَدْعُو لهَذَا النّسَب بِعَبْد الْحق وَلَا ريب فى أَن أَلْسِنَة الْخلق أَقْلَام الْحق من سر العنصر الْكَرِيم ومعدن الشّرف الصميم الذى ببركة أنفاسه القدسية تبتهج الدُّنْيَا وعَلى عماده تضرب خيام الزّهْد وَالتَّقوى سيدنَا وسندنا الاكمل الآتم ابراهيم بن أدهم قدس الله سره وأفاض علينا خَيره وبره انْتهى قلت وَهَذَا المترجم مَعَ فَضله الباهى هُوَ أحد الْقُضَاة المذمومين بِالشَّام وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قرب جمَاعَة من أهل دمشق معروفين بالبغى وسلمهم أمره فبالغوا فى التعدى وَنسب ذَلِك اليه فعزل وسافر من دمشق فصحبه والدى الى الرّوم وَألف رحلته الاولى باسمه قَالَ وَلما وصلنا الى دَار الْخلَافَة كَانَ شيخ الاسلام الْمولى يحيى الْمَذْكُور آنِفا مَرِيضا فاتفق انه عَاده الْوَزير الاعظم مصطفى باشا وَسَأَلَهُ عَن حَاله فَقَالَ الْحَمد لله تَعَالَى حصل لى الشِّفَاء بقدوم عصمتى وَكَانَ الْوَزير الْمَذْكُور نَاوِيا أَن يُوقع بِهِ مَكْرُوها لما سَمعه من خَبره فَكَانَت كلمة شيخ الاسلام سَببا للعفو عَنهُ ثمَّ صَار قَاضِيا ببروسه وعزل فى مُدَّة جزئية
стр. 1579
وعانده الزَّمَان مُدَّة وانخفض حَتَّى ولى قَضَاء أَيُّوب وازمير ورق حَاله وَركبهُ دين عَظِيم وَلما ولى الْبَهَاء الْفتيا تقيد بتنميته فصيره قَاضِيا بقسطنطينية عشرَة أَيَّام وَنَقله الى قَضَاء سلانيك وفى أثْنَاء الطَّرِيق ضرب بعض خُدَّامه من غير عمد فَمَاتَ الْخَادِم وَحصل من سلانيك مَالا جزيلا وَقدم فبقى معزولا مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى أقبل عَلَيْهِ الْوَزير الاعظم مُحَمَّد باشا الكوبرى فَجعله قاضى الْعَسْكَر باناطولى وروم ايلى وتكرر لَهُ قَضَاء روم ايلى ثَانِيًا وَكَانَ شهما على الْقدر صلفا لحسن المنادمة وَكَانَ ظرفاء الرّوم يتنافسون فى حُضُور مَجْلِسه ويتفاخرون فى مكالمته وَكَانَ أديبا باهر الطَّرِيقَة وَقد ذكره الفيومى فى كِتَابه فَقَالَ فِيهِ لَهُ أدب كزهر الرياض وَشعر كَمَاء حلا وعذب فى الْحِيَاض فَهُوَ كمامة الزهر بل نادرة الدَّهْر تشرفت بِهِ وربطت سببى بِسَبَبِهِ فشنف سمعى وبعشرته رق طبعى فكم تلقيت من فِيهِ مَا هُوَ نَزعَة النبيه وَكم تلقفت مِنْهُ زهر الْآدَاب النديه وَبَيَان الصاحة الادبية فَمن درره الزاهره وأشعاره الباهية الباهره هَذِه المقاطيع
(أَهلا بِمن فاق السماك مخجلا ... شمس الضُّحَى فى رفْعَة وسناء)
(فَكَانَ لى فَوق الثريا منزلا ... علقت بسدته حبال رجائى)
وَقَوله فى صدر مُكَاتبَة
(يَا سراج التقى وَبدر المعالى ... دم منيرا وهاديا للعباد)
(كنت من قبل ألثم الْيَد بالاجلال والآن نَالَ ذَاك مدادى ... )
وَكتب الى شيخ الاسلام أَبى السُّعُود فى صدر كتاب وَهُوَ
(لَا زلت فى فلك السَّعَادَة ساطعا ... أَنْت الكفى بحاجتى وحسيبى)
(أملت حظوة نظرة من أجلهَا ... أشغلت ساحتكم ببسط كروبى قَالَ وَلما قَرَأت عَلَيْهِ فى تَارِيخ ابْن خلكان قَول ابْن عبد ربه
(نعق الْغُرَاب فَقلت اكذب طَائِر ... ان لم يصدقهُ رُغَاء بعير)
أنشدنى لنَفسِهِ
(ورد النسيم فَقلت اصدق قَائِل ... اذ كَانَ من ألم الغرام خَبِيرا)
وَبعث رقْعَة الى وَاحِد الدُّنْيَا الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَعْرُوف بعزتى وفى صدرها
(يومكم نصفة تقضى بنوم الْعِزّ وَالنّصف مِنْهُ للقرناء ... )
(طالع الدَّرْس بعد كل عشَاء ... فالليالى تعد للاحياء)
стр. 1580
قَالَ وَلما كنت مَعَه فى بروسه وَجَاء زمن الْورْد أنشدنى لنَفسِهِ
(عصر ورد عش بالرحيق الصفوق ... دم فان الصبوح مثل الغبوق)
(أَنْت بِالْفَتْح والدلال أنيس ... ولى الْخمر كالصديق الصدوق)
وَانْتَحَلَ على أَن أنظم من هَذِه القافية قصيدة فَقلت
(قُم الى الرَّوْض واغن بالراووق ... من سلاف قد راق فى الابربق)
(فى ربيع وأعين الْورْد تبدو ... بَين غمض الزهور والمستفيق)
(واجتل الكاس فى الرياض عروسا ... تشف بِالرَّاحِ من لهيب الرَّحِيق)
(هى رَاح وراحة وشفاء ... بل وبرء لكل قلب خفوق)
(قد صفت فى الزّجاج عَن التصافى ... فهى أهل الصَّفَا لصب مشوق)
(طَابَ وَقت الرّبيع فاغتنم الصفو وبادر اليه نَحْو الرفيق ... )
(طيب عَيْش اللبيب بالذوق والانس وخل مُوَافق ورحيق ... )
(والمليح الذى اذا مَاس عجبا ... وانثنى قد سبا بخصر رَقِيق)
(يسلب الْعقل والفؤاد بِوَجْه ... وبطرف ومبسم وبريق)
(ان تدر كاسه ترى الْقَوْم صرعى ... من مدام حبابه فى بريق)
(قُم وبادر فالروض فى طالع السعد وَمن أفق روضه فى شروق ... )
(حركته على الغصون شمال ... فَهُوَ نشوان فَوق غُصْن وريق)
(حَار عقل اللبيب فى سَاعَة الْبسط وَقد دَار كأس خمر عَتيق ... )
(بَين ورد وجنة ومدام ... وانحدار الْمِيَاه بالتصفيق)
(اتما الْعُمر عيشة الْمَرْء فى الصفو بروض البها وَحسن الصّديق ... )
(حَيْثُمَا السكر من دنان الحميا ... نشأة الصب فى منى والعقيق)
وَذكره والدى رَحمَه الله تَعَالَى وَأطَال فى وَصفه الى أَن قَالَ وَقد تشرفت بِهِ فى سفرتى الثَّانِيَة الى الرّوم سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف فرأيته منعما بهَا وَقد دارت رحى رجانه على قطبها وذكرنى بأَشْيَاء كنت نسيتهَا الطول الْغَيْبَة بل تناسيتها وَقد صدئت مرْآة فهمى لطول الْمدَّة عَن حَضرته وتكدر مَاء خاطرى لبعد الْعَهْد عَن خدمته
(فان الصارم الصمصام ينبو ... شباه لطول عهد بالصقال)
ورأيته لم يتَغَيَّر عَن معاملتى فى الْحَقِيقَة وَهَذَا خلاف مشربه الْمَشْهُور عِنْد الْخَلِيفَة وتقيد بأحوالى وَهُوَ فى صدارة الرّوم على حسب مَا أمكنه عِنْد السَّادة القروم
стр. 1581
وَقد شمت من كرمه بارق سَحَاب وحصلت من وَعوده على أخصب جناب وَمن زرع خيرا حصد جَزَاء فحالت غيوم سوء الْحَظ بَين طرفى المنى والاحسان فَلم يساعد على الامنية الْمَقْصُودَة الزَّمَان وكتبت اليه فى تِلْكَ الايام قصائد ورسائل وفصولا هى لشرح حالى رسائل قلت وَقد أورد مِنْهَا فى تَرْجَمته وفى رحلته الثَّانِيَة أَشْيَاء كَثِيرَة قَالَ وَلم يزل على الظّرْف والصلف الى أَن جاور من مضى من السّلف وفاجأته الْمنية وناوله ساقى الْحمام كأس الْمنون لَا كأس المدام وَذَلِكَ فى ثانى عشر صفر قريب وَقت السحر سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَدفن بِبَاب أدرنه من أَبْوَاب قسطنطينية وَلم يخلف ولدا وَلَقَد فجعت الرّوم مِنْهُ بفاضل نجيب وكامل لَبِيب وَسَهْم الرزايا بالنفائس مولع انْتهى
مُحَمَّد بن الْقَاسِم الملقب شمس الدّين بن المنقار الحلبى ثمَّ الدمشقى الحنفى الْعَالم البارع المناظر القوى الساعد فى الْفُنُون كَانَ من أَعْيَان الْعلمَاء الْكِبَار ذكره الخفاجى فَقَالَ فى حَقه صدر من صُدُور دهره مخلط مزيل سَابق فى حلبة عصره روض تجاذبت الاخبار اذيال فضائله واهتزت أَغْصَان الربى اذا حدث النسيم عَن شمايله تزينت بتاج ذكره هام الايام وتاهت بِهِ على سَائِر الْبلدَانِ بقاع الشَّام صدحت ورق فَصَاحَته فى ناديها وسارت محاسنه رائحها وغاديها وأثمرت أَقْلَام الْفَتْوَى بشمس آفَاق لَهُ ارْتَفَعت فيا لَهَا من أَغْصَان أثمرت من بعد مَا قطعت وَنور فَضله بادى لكل حَاضر وبادى
(كَالشَّمْسِ فى كبد السَّمَاء وضوءها ... يغشى الْبِلَاد مشارقا ومغاربا)
قَوْله مخلط مزيل يضْرب للذى يخالط الامور ويزايلها ثِقَة بِعِلْمِهِ واهتدائه اليها انْتهى قَالَ النَّجْم فى تَرْجَمته ولد بحلب وَنَشَأ بهَا ولازم لرضى بن الحنبلى وَغَيره ثمَّ وصل الى دمشق فى سنة احدى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وتدبرها ورافق الشَّيْخ اسمعيل النابلسى والعماد الحنفى والمنلا أَسد وطبقتهم فى الِاشْتِغَال على الْعَلَاء بن الْعِمَاد وَالشَّيْخ أَبى الْفَتْح الشبشيرى وَغَيرهمَا وَحضر دروس شيخ الاسلام الْوَالِد وَرَأَيْت فى بعض مجاميع الطارانى انه درس بعدة مدارس وَمَات عَن تدريس القصاعية والوعظ بالعمارتين السليمانية والسليمية والبقعة بالجامع الأموى وَغير ذَلِك من الْجِهَات والحوالى وَأفْتى على مَذْهَب الامام أَبى حنيفَة وَكَانَ يدرس فى البيضاوى وَأخذ عَنهُ جمع كثير مِنْهُم التَّاج الْقطَّان وَالْحسن البورينى وَالشَّمْس
стр. 1582
الميدانى وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى والشسم مُحَمَّد الحادى وَغَيرهم وَكَانَ عَالما متضلعا من عُلُوم شَتَّى الا ان دَعْوَاهُ كَانَت أكبر من علمه وَكَانَ يزْعم ان من لم يقْرَأ عَلَيْهِ ويحضر درسه فَلَيْسَ بعالم وَكَانَ كثير اللهج بِذكر شَيْخه ابْن الحنبلى الْمَذْكُور والاطراء فى الثَّنَاء عَلَيْهِ وانما يقْصد بذلك التميز على أقرانه والانفراد عَنْهُم بِهِ وَكَانَت بَينه وَبَين رَفِيقه النابلسى والمنلا أَسد مهاجرات بِسَبَب المناظرة حَتَّى يُؤدى ذَلِك الى المنافرة وَكَانَ النابلسى يلائمه وَيَأْخُذ بخاطره لانه كَانَ أنبل مِنْهُ وأوسع جاها وَأطلق لِسَانا وَكَانَ كثير الْمُخَاصمَة والجدال يحب التصدر على اعلام الشُّيُوخ فى الْمجَالِس الحافلة ويتمثل بأشعار الْجَاهِلِيَّة وَغَيرهم كَقَوْل سحيم
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا ... مَتى أَضَع الْعِمَامَة تعرفونى)
وَقَول أَبى الطّيب
(أَنا صَخْرَة الوادى اذا مَا زوحمت ... واذا نطقت فاننى الجوزاء)
وَكَانَ كثيرا مَا يلهج بِأَبْيَات أَبى الْعَلَاء المعرى فى قصيدته اللامية الْمَشْهُورَة
(اذا وصف الطائى بالشح مادر ... وعير قسا بالفهاهة بَاقِل)
(وطاولت الارض السَّمَاء سفاهة ... وفاخرت الشهب الْحَصَى والجنادل)
(وَقَالَ السهى للشمس أَنْت خُفْيَة ... وَقَالَ الدجى للصبح لَو أَنَّك حَائِل)
(فيا موت زر ان الْحَيَاة ذميمة ... وَيَا نفس جدى ان دهرك هازل)
وَكَانَ اذا وصل الى قَوْله وَقَالَ السهى للشمس يضع يَده على صَدره مُشِيرا الى نَفسه الى غير ذَلِك وَكَانَ مَعَ مَا اتّصف بِهِ من التفاخر مبغضا لمن يَتَّصِف بفضيلة وَجرى لَهُ فى أَيَّام سُلَيْمَان باشا ابْن قباد بن رَمَضَان لما كَانَ نَائِبا بِدِمَشْق فى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة أَنه تعصب على الشَّمْس مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن دَاوُد المقدسى الآتى ذكره بِسَبَب قِرَاءَة الحَدِيث بالجامع الاموى بَين العشاءين على أسلوب الاستاذ الْكَبِير مُحَمَّد بن أَبى الْحسن البكرى بالديار المصرية وَمنعه من ذَلِك وشق على أهل الْعلم مَا فعله فَقَالَ السَّيِّد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن على بن خصيب القدسى نزيل دمشق الآتى ذكره هَذِه الابيات يُخَاطب ابْن المنقار بهَا
(منعت ابْن دَاوُد الحَدِيث بجلق ... وَمَا مثله فى الشَّام وَالله من فار)
(وتزعم حصر الْعلم فِيك بجلق ... فتنقر أهل الْعلم فِيهَا بمنقار)
(سيأتيه من ربى بلَاء وفى غَد ... ستلقى بِوَجْه يَا ابْن منقار وَمن قار)
стр. 1583
ثمَّ عظم الامر بَين ابْن المنقار والداودى وَلَا زَالَ يبلغهُ غليظ مَا يكره حَتَّى قَالَ فِيهِ الداودى قصيدة رائية أَولهَا
(يَا سخطَة من عَظِيم الْقَهْر جَبَّار ... حلى بِسَاحَة من يدعى ابْن منقار)
مِنْهَا
(يصفر من حسد حَتَّى كَأَن بِهِ ... ربعا قديمَة عهد ذَات أدوار)
(ويعتريه اضْطِرَاب فى مفاصله ... كَأَن أفكل فى أَعْضَائِهِ سَار)
وَرَأَيْت بِخَط الطارانى قَالَ وَمن أعجب مَا وَقع لى مَعَه أننى مدحته بقصيدة سيمية بديعة أَولهَا
(سقى مربع الاحباب ودق الغمائم ... وجادت عَلَيْهِ هاطلات السواجم)
وَبَيت المخلص
(سفرن بدورا عَن محيا كَأَنَّهُ ... سنا نور شمس الدّين عين الاكارم)
فَمَا كَانَت جائزتى مِنْهُ غير الذَّم والمقابلة بِمَا لَا يَلِيق وقصة حطه على النَّجْم الغزى مَشْهُور وملخصها كَمَا قَالَ النَّجْم فى تَرْجَمته كَانَ يعظ وَيقْرَأ الحَدِيث فى الْجَامِع وَكَانَت الشَّمْس كسفت وَصلى الشهَاب العيثاوى اماما بِالنَّاسِ صَلَاة الْكُسُوف بمحراب الشَّافِعِيَّة ثمَّ حضر الشّرف الْحَكِيم الْخَطِيب بالجامع وَصلى وَحضر ابْن المنقار وَلما فرغ النَّاس من الصَّلَاة أَخذ فى الانكار على العيثاوى والنجم فى الصَّلَاة وَعطف عَلَيْهِ انه علم النَّجْم وَقواهُ على النّظم والتدريس فَاجْتمع بِهِ العيثاوى والنجم فَلَمَّا تكالموا ثارت الْعَوام عَلَيْهِ وألجأوه حَتَّى خرج من بَاب الْبَرِيد حافيا وَهُوَ بعمامة صَغِيرَة غير عمَامَته الْمُعْتَادَة وهم يصيحون بِهِ ثمَّ آل الامر أَن عقد لَهُ مجْلِس عِنْد قاضى الْقُضَاة مصطفى بن بُسْتَان وَحضر جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء مِنْهُم الْجد القاضى محب الدّين والشهاب العيثاوى فأصلحوا بَينهمَا ثمَّ طلبُوا المناظرة بَينهمَا فتناظرا فى عبارَة من تَفْسِير البيضاوى وَكَانَت الْغَلَبَة للنجم وَألف العيثاوى رِسَالَة حافلة فِيمَا وَقع بَينهمَا وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم قد ظَهرت نُجُوم السَّمَاء نَهَارا لقُوَّة الْكُسُوف فَقَالَ بعض الادباء مصراعا أَجَاد فِيهِ وَهُوَ قَوْله وَعند كسوف الشَّمْس قد ظهر النَّجْم فسبكه النَّجْم فى أَبْيَات هى قَوْله
(بعام ثَمَان بعد تسعين حجَّة ... وتعمى مرت جرى الامر وَالْحكم)
(بَان حضر الشَّمْس ابْن منقار الذى ... تحرى جد الا حِين زايله الحزم)
стр. 1584
(وناظرنا يَوْم الْكُسُوف فَلم يطق ... لنا جدلا بل خانه الْفِكر والفهم)
(فَقيل وَبَعض القَوْل لَا شكّ حِكْمَة ... وَعند كسوف الشَّمْس قد ظهر النَّجْم)
(وَلَوْلَا تلافى الله ﷻ ... أصَاب تلافا حِين تَابعه الرَّجْم)
وَالْحَاصِل انه كَانَ ضيق الْخلق وَأما علمه فَسلم عِنْد من يعرفهُ وان طعن فِيهِ طَاعن فَعَن عَدَاوَة وحسد وَله أشعار كَثِيرَة وقفت فى بعض المجاميع على أَبْيَات لَهُ كتبهَا الى قاضى الْقُضَاة بِالشَّام الْعَلامَة الْمولى على بن اسرائيل الْمَعْرُوف بِابْن الحنائى وَكَانَ وَقع لَهُ وَهُوَ قاضى بِدِمَشْق أَنه اخْرُج عَن رجل بعض الْوَظَائِف فَكتب الرجل محضرا فى شَأْن نَفسه واستكتب الاعيان فَكتب لَهُ بعض من كَانَ يظْهر الصداقة والمودة للقاضى الْمَذْكُور فَبَلغهُ ذَلِك فَقَالَ مضمنا
(لنا فى الشَّام اخوان ... بِظهْر الْغَيْب خوان)
(فأبدوا فى الجفا شانا ... بِهِ وَجه الصَّفَا شانوا)
(وظنوا أَنهم ذهلوا ... وَمَا غدروا وَمَا خانوا)
(وَلما ان رَأينَا الذهل طبع النَّاس مذ كَانُوا ... )
(صفحنا عَن بنى ذهل ... وَقُلْنَا الْقَوْم اخوان)
وأبيات الشَّمْس هى هَذِه
(لِسَان العدا ان سَاءَ فَهُوَ كليل ... قصير وَلَكِن يَوْم ذَاك طَوِيل)
(وَأَقْلَام من ناواك ضلت وأخطأت ... وَلَيْسَ لَهُم فى ذَا السَّبِيل دَلِيل)
(لقاليك شان شانه سوء فعله ... وَفعل الذى والى علاك جميل)
(فَلَا تحتفل مولاى ان قَالَ قَائِل ... ستنشدهم عِنْد اللقا وَتقول)
(وننكران شِئْنَا على النَّاس قَوْلهم ... وَلَا يُنكرُونَ القَوْل حِين نقُول)
(اذا طلعت شمس النَّهَار تساقطت ... كواكب ليل للافول تميل)
(وَهل يغلب الْبَحْر الْمُعظم جدول ... وَهل يدعى قهر الْعَزِيز ذليل)
(وَهل لجهول أَن يُقَاوم عَالما ... وَلَيْسَ سَوَاء عَالم وجهول)
(فَلَا عجب ان خَان خل وَصَاحب ... لَان وجود الصَّادِقين قَلِيل)
(على أننى أَصبَحت للْعهد حَافِظًا ... وحاشا لدينا أَن يضيع جميل)
(صُفُونا وَلم نكدر وأخلص ودنا ... وَفَاء عهود قد مَضَت وأصول)
(وانا الْقَوْم لَا نرى الْغدر سنة ... اذا مَا رَآهُ صَاحب وخليل)
стр. 1585
(نعم قد كبا عِنْد الطراد جوادهم ... وَأَنت كريم لَا بَرحت تقيل)
وَكَانَ بَينه وَبَين جدى القاضى محب الدّين مراجعات ومطارحات كَثِيرَة لما كَانَ بَينهمَا من سالف مَوَدَّة واخاء ثمَّ تغيرا وانحرفا كَمَا سأذكره وَلَقَد ذكر الْجد فى رحلته قطعا من تِلْكَ المراجعات وَرَأَيْت الْفَقِير بِخَط الْجد فى بعض مجاميعه أبياتا كتبهَا اليه الشَّمْس مسائلا فَأَجَابَهُ عَنْهَا الْجد بِأَبْيَات من نظمه فَأَما أَبْيَات الشَّمْس فهى هَذِه وتاريخ كتَابَتهَا سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وهى قَوْله
(أيا فَاضلا أثنت عَلَيْهِ الافاضل ... وشاعت وذاعت عَن علاهُ الفواضل)
(جمعت علوما ثمَّ رحت تفيدها ... فَأَصْبَحت فَردا فى الورى لَا تماثل)
(وَكم غصت فى الْقَامُوس نَحْو صحاحه ... فأخرجت در الْيَسْ يحويه فَاضل)
(ففى نظمك الدّرّ النضيد منظم ... وفى النثر منثور الْجَوَاهِر حَاصِل)
(حللت محب الدّين فى الشَّام فانثنت ... تتيه بكم اذ زينتها الْفَضَائِل)
(وَلَا بدع أَنْت الْبَحْر فى الْعلم والندى ... وَكم عَم طلاب الْقرى مِنْك نائل)
(رقيت مقَاما فى الفصاحة ساميا ... يقصر عَن غاياته المتطاول)
(لبيد بليد وامرؤا لقيس مطرق ... لَدَيْهِ وسحبان الفصاحة بَاقِل)
(وَقد أرسل الممولك نَحْوك سَائِلًا ... سُؤال محب للحبيب يسائل)
(لانك فى الْفِقْه الامام مُحَمَّد ... لذَلِك قد قَامَت عَلَيْهِ الدَّلَائِل)
(فأى وَكيل لَا مجَال لعزله ... وان مَاتَ ذُو التَّوْكِيل فَهُوَ يزاول)
(بعثت سؤالا عاطلا نَحْو ربعكم ... وَلكنه يَرْجُو الحلى ويحاول)
(وَقد جَاءَكُم عبد يروم كِتَابَة ... ويكفيه فخرا أَنه بك نَازل)
(تَأَخَّرت فى عصر وَأَنت مقدم ... وفزت بِمَا لم تستطعه الاوائل)
(فجد بِجَوَاب لَا بَرحت تفيدنا ... لانك شيخ فى الْحَقِيقَة كَامِل)
وَأما أَبْيَات الْجد فَهَذِهِ وهى قَوْله
(أهذى سطور أم قدود عوامل ... وَتلك شموس أم بدور كوامل)
(وَهل هَذِه الالفاظ أزهار رَوْضَة ... سَقَاهَا من المزن الغدير هواطل)
(وَتلك الْمعَانى أنجم مستنيرة ... أم القاصرات الطّرف فِيهَا تغازل)
(وَبعد فيا رب الْفَضَائِل والندى ... وَيَا بَحر علم مَا لفضلك سَاحل)
(لَئِن كَانَ مَا أظهرت فى الطرس أنجما ... فانك شمس فى سما الْفضل رافل)
стр. 1586
(وان كَانَ مَا رصعت درا منظما ... فانك بَحر فى الْحَقِيقَة كَامِل)
(لقد أفحم النظام مَا أَنْت ناظم ... وأعجز أهل الْفضل مَا أَنْت قَائِل)
(أَشرت بالغاز وَحسن تلطف ... الى لغز فِيهِ الْعُيُون تغازل)
(وَصورته مولَايَ تَوْكِيل رَاهن ... لمرتهن فى بيع رهن يزاول)
(وَقد شَرط التَّوْكِيل فى عقد رَهنه ... فان مَاتَ قبل البيع لَا عزل حَاصِل)
(فجد وتفضل بِالْقبُولِ فاننى ... لعبد فَقير خامد الْفِكر خامل)
(وسامح لهَذَا العَبْد ان بضاعتى ... لفى الشّعْر مزجاة وحظى سافل)
(فوابل نظمى عنْدك الطل قد غَدا ... كَمَا ان يَا مولاى طلك وابل)
(فَلَا زلت فى أوج الْفَضَائِل ساميا ... وفى ذرْوَة الْمجد الرفيع تحاول)
(وَلَا زلت صَدرا للعلوم وموردا ... فَلَا غرو إِن طابت لديك المناهل)
وَمن ألطف شعره أَيْضا قَوْله من قصيدة كتب بهَا الى الاديب مُحَمَّد بن نجم الدّين الهلالى الصالحى الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى ومطلعها
(وقفت على ربع الحبيب أسائله ... ودمعى بالمكتوم قد باح سائله)
(وَقلت لَهُ منى اليك تَحِيَّة ... أما هَذِه أوطاونه ومنازله)
(أما مَاس فى روضاتها بَان قده ... ومالت لَدَى مر النسيم شمايله)
(فمالك قد أَصبَحت قفرا وطوفت ... طوائح دهرى فِيك ثمَّ زلازله)
(فَقَالَ سرى عَنى الحبيب وفاتنى ... سنا برق شمس الدّين ثمَّ هواطله)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى عِنْد غرُوب الشَّمْس من يَوْم الثلاثا رَابِع عشرى شَوَّال سنة خمس بعد الالف وَدفن بمَكَان صَغِير بِهِ محراب قديم على الطَّرِيق الْآخِذ الى السويقة المحروقة غربى تربة بَاب الصَّغِير قَالَ النَّجْم وَكَانَ سَبَب مَرضه أَن شَيخنَا القاضى محب الدّين كَانَ يتأدب مَعَه ويعظمه لسنه وجريا على عَادَته فى التأدب مَعَ أهل دمشق واكرام كل مِنْهُم على حسب مَا يَلِيق بِهِ فَكَانَ شَيخنَا اذ اجْتمع هُوَ وَالشَّمْس يقدمهُ فى الْمجْلس فَلَمَّا انتصر لنا شَيخنَا بِسَبَب تعنت الشَّمْس وَقع بَينهمَا وَكَانَ كلما تعرض الشَّمْس لنا بَادر شَيخنَا الى الِانْتِصَار حَتَّى بلغه أذية الشَّمْس لَهُ قلت وَقد أسلفت فى تَرْجَمَة الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْن أَحْمد بن سُلَيْمَان أَن الشحناء تأكدت بَينهمَا بِسَبَب قيام الْجد بنصرته فاجتمعا آخرا عِنْد قاضى الْقُضَاة الْكَمَال ابْن طاشكبرى قاضى دمشق فَتقدم عَلَيْهِ شَيخنَا
стр. 1587
فى الْمجْلس فَغَضب ابْن المنقار وَقَالَ أَنْت كنت سَابِقًا تقدمنى فَلم تقدّمت على قَالَ تقدّمت الى مجلسى وَكنت أوثرك سَابِقًا بمقامى وَكَانَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين فى الْمجْلس فَأخذ بيد الشَّمْس وَأَجْلسهُ بَينه وَبَين القاضى ثمَّ بقى الشَّمْس على غيظه حَتَّى مرض مِنْهُ وَجعل تتزايد بِهِ الامراض حَتَّى توفى فى الْيَوْم الدى ذَكرْنَاهُ انْتهى
مُحَمَّد بن قَاسم بن على القيسى الغرناطى أصلا وَأَبا والقصار لقبا مفتى فاس وَرَيْحَانَة ذَلِك الكاس ومحدث الغرب الاقصى الذى فضائله لَا تعد وَلَا تحصى فَقِيه عصره وعلامة قطره حفظ الْقُرْآن وجوده وَأخذ الْعُلُوم الْفِقْه والْحَدِيث عَن ولى الله أَبى نعيم رضوَان بن عبد الله الحملولى الفاسى وَعَن المتفرد بالْمَنْطق وَالْكَلَام وأصول الْفِقْه وَالْبَيَان بِفَارِس جَار الله مُحَمَّد خروف الانصارى التونسى وَعَن الاستاذ مُحَمَّد النولى وَعَن أَبى عبد الله مُحَمَّد بن جلال وَغَيرهم من مَشَايِخ الْمغرب وَأخذ بالاجازة عَن شيخ الاسلام الْبَدْر مُحَمَّد الغزى مفتى دمشق وَغَيره وَعنهُ أَخذ عُلَمَاء الْعَصْر من الْمغرب كأبى الْعَبَّاس المقرى وَمُحَمّد بن أَبى بكر الدلائى الفشتالى وَالسَّيِّد عبد الهادى السجلماسى الْحسنى وأبى عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف أَبى المحاسن العربى الفاسى وَكَانَ سوق الْمَعْقُول كاسدا فى فاس فضلا عَن سَائِر أقطار الْمغرب فنفق فى زَمَانه مَا كَانَ كاسدا من سوق الاصلين والمنطق وَالْبَيَان وَسَائِر الْعُلُوم لَان أهل الْمغرب كَانُوا لَا يعتنون بِمَا عدا النَّحْو وَالْفِقْه وَالْقُرْآن مِمَّا يُوصل الى الرياسة الدُّنْيَوِيَّة وَكَانَ من قبل هَذَا الْقرن فِيهِ أَيْضا كَذَلِك وَأكْثر الى أَن رَحل البيستنى الى الْمشرق فَأتى بشئ من ذَلِك ثمَّ ورد الشَّيْخ خروف التونسى وَكَانَ امام ذَلِك كُله والمقدم فِيهِ الا أَنه جَاءَ من غير كتب لابتلائه بالاسر وغرق كتبه فى الْبَحْر وَمَعَ ذَلِك كَانَت بِلِسَانِهِ عجمة مَعَ ميله الى الخمول فَلم يقدروا قدره وانما انْتفع بِهِ الشَّيْخ المنجور وَالشَّيْخ الْقصار صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ للمنجور مُشَاركَة فى فنون كَثِيرَة وتنقيح عبارَة وَمَعْرِفَة بالتدريس وَكَانَ للقصار عبارَة قَاصِرَة مَعَ زِيَادَة تَحْقِيق وَكَمَال معرفَة وتحرير وغوص على الْمسَائِل فَمَا انْتفع بِهِ الا من صلحت نِيَّته وَلم يثنه عَنهُ عبَادَة وَلَا خمول واليه والى المنجور مرجع شُيُوخ الْمغرب مَعَ مُلَازمَة الْقصار أَكثر لانفراده بعده وَله مؤلفات مفيدة وفهرست جمعت فِيهِ مروياته فى الْفِقْه والْحَدِيث وَغَيرهمَا من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَله نظم من ذَلِك قَوْله
стр. 1588
(تسع أَبى مِنْهَا أولو الاحلام والهمم السنيه ... )
(الا بِحَال ضَرُورَة ... تدعوا لَهَا من حسن نيه ... )
(وهى الشَّهَادَة والوساطة والحكومة فى القضيه ... )
(وَكَذَا الامامة والوديعة والتعرض للوصيه ... )
(وَكَذَا الاجابة للطعام وللولائم والهديه ... )
(فسد الزَّمَان وَأَهله ... الا الْقَلِيل من البريه)
وَكَانَت وَفَاته فى فاس فى سنة اثنتى عشرَة بعد الالف رَحمَه الله تَعَالَى برحمنه
الامام مُحَمَّد الْمُؤَيد ابْن الامام الْقسم بن مُحَمَّد بن على وَبَقِيَّة نسبه فى تَرْجَمَة أَبِيه الْقسم قَالَ الْحُسَيْن بن المهلا لَا بَرحت آثاره زِينَة الْكتب وفضائله الازمنة والحقب انه السَّيِّد الذى ظَهرت فضائله فى الْبِلَاد وأذعن لفضله الْحَاضِر والباد وَاجْتمعت كلمة الْيمن اليه وَأخرج الاتراك بأسرهم وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الفتوحات من كل وجهة وَقَامَ بنصرته اخواته الْحسن وَالْحُسَيْن وَأحمد أَبُو طَالب واسمعيل وَكَانَ اماما جَلِيلًا مفننا فى كثير من الْعُلُوم قَائِما باعباء الامامة مباشرا للامور بِنَفسِهِ لَا ينَام من اللَّيْل قَلِيلا محسنا الى الْفُقَرَاء حَافظ للبلاد كلهَا أصلح الله تَعَالَى فى ولَايَته بَين الْخلق وَأمن الله تَعَالَى الطرقات ببركات نِيَّته ومكت فى الامامة نَحْو سبع وَعشْرين سنة لم ينكب فِيهَا واستوزر والدى الْعَلامَة نَاصِر بن عبد الحفيظ واختصه بمجالس النّظر الْخَاصَّة فى جَمِيع الْعُلُوم وَألف رسائل كَثِيرَة تشْتَمل على علم وَاسع وأجوبة فى أَنْوَاع الْعُلُوم مَشْهُورَة وَكَانَت وَفَاته فى سَابِع وعشرى رَجَب سنة أَربع وَخمسين وَألف فى شهاره وَدفن بهَا عِنْد قبر وَالِده وَلما توفى بُويِعَ بالخلافة ولى عَهده أَخُوهُ أَحْمد فى شهاره ثمَّ دَعَا أَخُوهُ اسمعيل الى نَفسه فى ضوران فَبَايعهُ جمع من النَّاس وَكَذَلِكَ دَعَا مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقسم الى نَفسه فَبَايعهُ أهل الْيمن فى أَب وجبلة وَمَا يَليهَا وَلما تفاقم الامر وَتَفَرَّقَتْ الاحوال اتّفق رأى الْعُقَلَاء من النَّاس فَاجْتمع مُحَمَّد بن الْحسن وَأَخُوهُ أَحْمد وَمن والاهم ففوضوا الامر لاسمعيل فَبَايعُوهُ وَكَانَ رَأيا سديد فَأَقْبَلت عَلَيْهِ النَّاس وأمراء الْبِلَاد من كل جِهَة وطاعوه وجهز على أَخِيه أَحْمد السَّيِّد مُحَمَّد بن الحسني فَسَار يُرِيد مَدِينَة ثلا فَلَمَّا علم بقدومه أَحْمد أغار من شهاره بأعيان من فِيهَا وصحبته القاضى أَحْمد بن سعد الدّين وَجَمَاعَة من الكبراء فيهم ابراهيم بن أَحْمد بن عَامر وَغَيره فَالتقى الْجَمْعَانِ فِيمَا بَين
стр. 1589
الطريف الى ثلا فَاقْتَتلُوا فَكَانَت الطائلة لجَماعَة اسمعيل واجتاز أَحْمد الى ثلا فحصروه فِيهَا ثمَّ قدم الامام أَحْمد الى أَخِيه اسمعيل من ثلا الى ضوران فَسلم اليه الامر وَبَايَعَهُ وصحبته الامير النَّاصِر بن عبد الرب صَاحب كوكبان فى جمع من الاعيان وَفِيهِمْ القاضى أَحْمد بن سعد الدّين والناصر بن رَاجِح وَجمع وَكَانَ يَوْمًا مشهودا لِاجْتِمَاع عِصَابَة الْمُسلمين واصلاح ذَات الْبَين ثمَّ توجه أَحْمد الى صعدة متولبا عَلَيْهَا من قبل أَخِيه الامام المتَوَكل انْتهى
محمدبن قباد الْمَعْرُوف بالسكوتى البدونى ثمَّ الدمشقى الحنفى مفتى الشَّام وَأجل فضلاء الزَّمَان كَانَ فَقِيها بارعا حَافظ للمسائل كثير الِاطِّلَاع عَلَيْهَا عفيفا خيرا دينا وَكَانَ حسن الْخط والانشاء حسن الْمعرفَة كثير الصمت مثابرا على الْعِبَادَات والمطالعة ويروى عَنهُ انه كَانَ لَا يفتر عَن المطالعة وَلَو كَانَ مَاشِيا فى طَرِيق وَجمع كتبا كَثِيرَة وأكثرها عَلَيْهَا تعليقاته وتحريراته وَكَانَ وُرُوده الى دمشق صُحْبَة قاضى الْقُضَاة الْمولى مُحَمَّد بن يُوسُف الْمَعْرُوف بنهالى فى سنة أَربع عشرَة وَألف وَلما عزل القاضى الْمَذْكُور عَن قَضَاء دمشق أَقَامَ بهَا وتأهل وَولى النّظر على أوقاف الدرويشية ودرس فى الْمدرسَة الجوزية وَأعْطى نظارة النظار وتولية البيمارستان القيمرى وَولى النِّيَابَة الْكُبْرَى وَقِسْمَة الْمَوَارِيث مَرَّات وانحط مُدَّة فاستولى عَلَيْهِ الاقلال وَحكى أَنه فى تِلْكَ الْمدَّة دَعَاهُ الرئيس الْجَلِيل مُحَمَّد بن الطباخ أحد الْكتاب وَكَانَ مصاهره الى بُسْتَان فى يَوْم نوروز وَكَانَ مِمَّن حضر فى الدعْوَة الامام الْهمام يُوسُف بن أَبى الْفَتْح ووالده أَبُو الْفَتْح الْمَذْكُور وَكَانَ أَبُو الْفَتْح يعرف علم الزايرجا حق الْمعرفَة فأبرم عَلَيْهِ وَلَده فى اسْتِخْرَاج طالع صَاحب التَّرْجَمَة فَجمع أعدادا ثمَّ ركبهَا وَقَالَ قد طلع فى طالعه منصب قريب جدا وَقد وصل خَبره الى دمشق فَلم يمض الا هنيئة واذا بشخص من جيران السكوتى دخل عَلَيْهِم وَذكر أَنه جَاءَهُ مساع من الرّوم فَقَالَ من وقته وَتوجه الى بَيته فَرَأى الساعى ينتظره وَقد جَاءَهُ بِأَمْر النِّيَابَة وَلما صَار الفتحى الْمَذْكُور امام السُّلْطَان مُرَاد نبه حَظه من رقدته فَكَانَ لَا يَنْفَكّ عَن النِّيَابَة وَرَأس بِدِمَشْق وَعظم شَأْنه وَمَات الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن العمادى فوجهت الْفتيا اليه ودرس بالسليمانية والى ذَلِك يُشِير أَحْمد بن شاهين فى قصيدته الَّتِى رثى بهَا العمادى فَقَالَ
(يَا مفتيا طَال السُّؤَال لقبره ... وَجَوَابه مُتَعَذر الامكان)
стр. 1590
وَحكى والدى بل الله ثراه بوابل غفرانه انه وقف على رِسَالَة كتبهَا أَوْلَاد العمادى الى مفتى الرّوم يطْلبُونَ مِنْهُ الْفتيا ويذكرون مَا دهمهم من صَاحب التَّرْجَمَة واستشهدوا بِبَيْت المتنبى الْمَشْهُور
(وفى النَّفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتى بَيَان عِنْدهَا وَكَلَام)
وَاسْتمرّ مفتيا الى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى ثانى شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير والبدونى بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ دَال مُهْملَة ثمَّ واه وَنون نِسْبَة الى قَاعِدَة بِلَاد البشانقة وَأَعْظَمهَا وهى الْحَد الْفَاصِل بَين بِلَاد العثامنة سلاطين بِلَادنَا أعزهم الله وبلاد النَّصَارَى الانكروس وتعرف هَذِه الْبَلدة بمفتاح بِلَاد الاسلام وَقد استولت عَلَيْهَا النَّصَارَى الْآن بعد حروب تقذت بهَا عين الاسلام والمأمول من الله تَعَالَى أَن يُعِيد باعادتها رونق الدّين كَمَا كَانَ بمنه وَكَرمه
السَّيِّد مُحَمَّد بن كَمَال الدّين بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن حَمْزَة وَبَقِيَّة النّسَب ذكرته فى تَرْجَمَة أَخِيه السَّيِّد حُسَيْن نقيب الشَّام وعلامة الْعلمَاء الاعلام الحسينى المنتمى الحنفى الْمَذْهَب رَئِيس وقته فى الْعلم والجاه ووحيد دهره فى سودده وعلاه وَكَانَ عَالما محققا وحبرا مدققا غواصا على الْمسَائِل كثيرا لتبحر مملوءا معارف وفنونا وَقد حظى من التَّخْصِيص والتنعم بِمَا قصر عَنهُ غَيره وَتقدم على كل من عاصره من الْكِبَار وَبَلغت شهرته الْآفَاق ورزق الابناء الَّذين هم غرر جباه المعلومات وأكاليل تَاج المكرمات والسعادات وهم السَّيِّد عبد الرَّحْمَن الماضى ذكره والباقى على مدى الازمان حَمده وشكره وَالسَّيِّد عبد الْكَرِيم وَالسَّيِّد ابراهيم الباقيان كالفرقدين النيرين والساميان فى الانارة على نور القمرين أحياهما الله تَعَالَى الْحَيَاة الطبية وروى الآمال بسحائب مواهبهم الصيبة وَقد ولد بِدِمَشْق وربى فى حجر وَالِده وَقَرَأَ الْقُرْآن الْعَظِيم على الشَّيْخ المعمر الصَّالح أَبى بكر السليمى الحنفى وجوده عَلَيْهِ ثمَّ على الشَّيْخ عبد الباقى الحنبلى وَقَرَأَ عَلَيْهِ لاهل سما افرادا وجمعا من طَرِيق الشاطبية والتيسير الى أواسط سُورَة الْبَقَرَة وأحضره وَالِده الى الْفَقِيه الْمسند المعمر الشَّمْس مُحَمَّد بن مَنْصُور بن محب الدّين الحنفى وَأَجَازَهُ بِمَا يجوز لَهُ رِوَايَته وَحضر مجْلِس الشَّمْس الميدانى فى صَحِيح البخارى تَحت قبَّة النسْر من جَامع الاموى فى دمشق فى الثَّلَاثَة أشهر رَجَب وَشَعْبَان ورمضان فَسمع عَلَيْهِ بعض الصَّحِيح وَأَجَازَهُ
стр. 1591
بسائره وَمَا يجوز لَهُ رِوَايَته فى آخَرين وَقَرَأَ على الْمسند المعمر الشهَاب أَحْمد بن مُحَمَّد الفرغانى البقاعى قِطْعَة من صَحِيح البخارى وَقطعَة من صَحِيح مُسلم وَقطعَة من الاربعين النووية وَأَجَازَهُ بسائرهن وَبِمَا يجوز لَهُ رِوَايَته وجد فى طلب الْعُلُوم على جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم السَّيِّد أَحْمد بن على الصفورى وَسمع بقرَاءَته بعض صَحِيح البخارى على النَّجْم الغزى وَمِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بن على الحرفوشى العاملى الحريرى وَالشَّيْخ ابراهيم القبردى وَسمع عَلَيْهِ بعض صَحِيح البخارى وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف بن المنقار وَعَلَيْهِمَا تفقه وَالشَّيْخ عمر القارى وَالشَّيْخ رَمَضَان بن عبد الْحق العكارى وتفقه عَلَيْهِ وَسمع عَلَيْهِ بعض صَحِيح مُسلم وَالشَّيْخ يُوسُف ابْن أَبى الْفَتْح وتفقه عَلَيْهِ وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عماد الدّين وتفقه عَلَيْهِ وَسمع عَلَيْهِ بعض التَّفْسِير الزمخشرى وَبَعض صَحِيح البخارى والنجم مُحَمَّد الغزى وَسمع وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح التَّبْصِرَة لِلْحَافِظِ العراقى وَأَجَازَهُ بهَا وبشرح القاضى زَكَرِيَّاء وبسائر تآليفه فى آخَرين وَكتب لَهُم فى طبقَة السماع خطه بذلك ولازم مَجْلِسه تَحت قبَّة النسْر فى صَحِيح البخارى فى الثَّلَاثَة أشهر فَسمع عَلَيْهِ كثيرا من الصَّحِيح والمنلا عبد الْكَرِيم الكورانى نزيل دمشق وَقَرَأَ وَسمع عَلَيْهِ شرح العقائد النسفية للسعد التفتازانى وَشرح الطوالع للسَّيِّد الفنرى وَشرح منَازِل السائرين وَأَجَازَهُ بِمَا يجوز لَهُ رِوَايَته فى آخَرين وَلما ورد الْحَافِظ الاثرى أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد المقرى الى دمشق فى سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف لَازمه وَحضر درسه فى شرح الهمزية لِابْنِ حجر فى أرجوزته الْمُسَمَّاة باضاءة الدجنة وَسمع عَلَيْهِ من صَحِيح البخارى قِطْعَة ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ قِطْعَة مِنْهُ وَمن صَحِيح مُسلم وَقطعَة من الاربعين النووية وأرجوزته الْمَذْكُورَة وَأَجَازَهُ بسائرهن وَمَا تصح لَهُ وَعنهُ رِوَايَته وَلما رَحل الى دَار السلطنة صُحْبَة وَالِد مُسِنَّة أَرْبَعِينَ وَألف لَازم بهَا درس الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد النبى الشعال الدمشقى وَلما حج فى سنة خمسين وَألف اجْتمع بمحدث مَكَّة المكرمة الشَّيْخ على بن عَلان وَقَرَأَ عَلَيْهِ قِطْعَة من الشفا للقاضى عِيَاض وَأَجَازَهُ بِمَا يجوز لَهُ رِوَايَته وَكتب لَهُ خطه بذلك وَاجْتمعَ بمحدث الْمَدِينَة المنورة الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخيارى وَقَرَأَ عَلَيْهِ قِطْعَة من أول صَحِيح البخارى وَأَجَازَهُ بسائرهن وَمَا يجوز لَهُ رِوَايَته وَأنْشد حِين ابتهج بمشارق أنوار طابه وألم بمزار من فضل الله تَعَالَى على كَافَّة الخليقة ترابه هَذِه الابيات
(حياك يَا طيبَة الغراء مبتكرا ... من الْحيَاء جزيل النَّفْع منسكب)
стр. 1592
(فلى بأفقك بدر كَامِل أبدا ... فى حبه مهجتى وَالروح أحتسب)
(بِهِ اعتصامى اذا مَا شفنى ألم ... بِهِ أغاث اذا حلت بى الكرب)
(بِهِ غنيت عَن الدُّنْيَا وزخرفها ... بِهِ توطد لى الاكناف والرتب)
(بِهِ فنيت جوى يَا حبذا تلفى ... وَالْحب مقترب والوصل مرتقب)
(عَلَيْهِ أزكى تحيات معطرة ... من نشره اذ اليه الْعرف ينتسب)
(مَا اخضر عَيْش محبيه بروضته ... وَقَامَ فِيهَا على الاقدام منتحب)
وَقَالَ أَيْضا ممتدحا بَاب السَّلَام على دَاخله السَّلَام
(حبذا بَاب السَّلَام اذا ... عاينته مقلة البادى)
(فِيهِ لى نشأة نشأت ... كَأَنَّمَا نوديت للنادى)
وَلما ورد لدمشق سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف الْمولى الشهَاب أَحْمد الخفاجى وَقد وَافق قدومه وُرُود الْورْد كتب لخدمته
(اذا حل مجد فى ديار تزينت ... بِأَحْسَن مَا تولى الرياض وَمَا تبدى)
(وَحَيْثُ اغتدى الْمولى الشهَاب بجلق ... فَلَا غر وَأَن تزهو بهَا بهجة الْورْد)
وتكرر سفرهالى دَار السلطنة ولازم على عَادَتهم ودرس ومدح مَشَايِخ الاسلام وصدور الدولة بقصائد فائقة فَمن ذَلِك مَا مدح بِهِ قاضى العساكر الرومية الْمولى أَحْمد الشهير بالمعيد
(أَبى الْقلب أَن يقوى على النَّار والصد ... وغصن الصِّبَا غض يمِيل الى الود)
(وَمَا كل تبريح يُطَاق احْتِمَاله ... وَلَا كل من تهوى تجنيه لَا يردى)
(وبى مائل فى مهجتى لَا اعتياض لى ... بِذَات وشاح عَن لقاه وَلَا برد)
(خميل الدمى عذب اللمى مونق الْحمى ... ظريف السمى غض النما مائس الْقد)
(جميل الْمحيا يخجل الشَّمْس ان بدا ... ضحى أَو مسا أزرى على الاغصن الْمَدّ)
(وان قَامَ حاكى السمهرى اعتداله ... وَيَا حبذا ان رنح الْعَطف بِالْقَصْدِ)
(مليح وشى النمام من فَوق خَدّه ... عذار تحاشى من سَطَا شَوْكَة الْورْد)
(غزانا بهتدى من اللحظ صارم ... فيا حسنه من فَارس فاتك نجدى)
(حكى شعره ليل التجافى بِطُولِهِ ... وأعقب خلفا بعد مَا جاد بالوعد)
(وألوى وَمَا ألوى على بزورة ... فيا حسرى غاض الوفا من ذوى الْعَهْد)
(وَلَكِن لى من فضل مولاى أَحْمد ... نتائج عقد فاح مِنْهَا شذا الند)
стр. 1593
وَكتب فى صدر كتاب لبَعض أحبابه قَوْله
(لقد هيج الْقلب التنائى وزادنى ... ولوعا فَهَل أقضى الليالى بعلما)
(وانى لراج للقا بعد بَعدنَا ... وَقد يجمع الله الشتيتين بعد مَا)
وَقَالَ يشكو فِرَاق بعض أحبابه
(كُنَّا ازدواجا فبنا ... والآن صرنا فُرَادَى)
(يَا فرقة قطعتنا ... وَمَا نَسِينَا الودادا)
وَقَالَ أَيْضا فى معنى قَول مهيلر
(أبكى ويبكى غير أَن الاسا ... دُمُوعه غير دموع الدَّلال)
مَا لَفظه
(يقْضى الدجى غير بمطلوبه ... وصلا وأقضيه بوعد محَال)
(أحيى وَيحيى اللَّيْل لكنما ... ليل التجافى غير ليل الْوِصَال)
وَكتب الى أَخِيه السَّيِّد حُسَيْن من دَار الْخلَافَة قَوْله
(كم من بعيد والقلوب دياره ... وَالْعين من طول المدى تختاره)
(يَا نازحين ولى بهم وجد على ... وجد تشعب حَيْثُ شبت ناره)
(رعيا لايام مضين وَنحن فى ... مرح التألف والهنا أقطاره)
(أَيَّام حنا الرياض ومرحنا ... فَوق الْحِيَاض وأسنا أقماره)
(وحديثنا النَّجْوَى يدار ألذ من ... كأس الْعقار تشعشعت أنواره)
(وخطابنا السحر الْحَلَال أسر من ... طيف الخيال اذا بَدَت أسراره)
(لله من عصر نضى لما مضى ... سيف العتو على الحشا تذكاره)
(عود فعود مدنفا فِيكُم قضى ... شرخ الشَّبَاب وَمَا انْقَضتْ أوطاره)
(وتعطفوا بحشاشة الصب الذى ... هجر السكرى وتواصلت أخطاره)
(وعساه يسعده بلطف شَامِل ... من وصلكم فعلى الْكَرِيم مَدَاره)
ثمَّ رَجَعَ الى الشَّام وَأقَام بهَا وَولى النِّيَابَة الْكُبْرَى بِدِمَشْق وقسمه الْعَسْكَر ودرس بالتقوية وَلما توفى وَالِده ولى مَكَانَهُ النقابة وانعقدت عَلَيْهِ صدارة الشَّام وهرعت لبابه الطّلبَة وأرباب الْحَاجَات ودام على الافادة والتحرير وَأَجَازَ فى الاستدعاآت وَألف التآليف الحسان المقبولة من ذَلِك حَاشِيَة على شرح الْخُلَاصَة لِابْنِ النَّاظِم شرع فى تأليفها من بَاب الِاسْتِثْنَاء مَعَ الدَّرْس والتحريرات على الْهِدَايَة مَعَ الدَّرْس من كتاب الطَّهَارَة الى أثْنَاء كتاب الصَّلَاة وَغير ذَلِك من الرسائل والتحريرات
стр. 1594
وانتفع بِهِ جمَاعَة وَمن أجل من أَخذ عَنهُ الامام الْهمام مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربى نزيل الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَشَيخنَا الشَّيْخ رَمَضَان بن مُوسَى بن عطيف وَشَيخنَا الشَّيْخ أَبُو الْمَوَاهِب الحنبلى وَشَيخنَا الشَّيْخ عبد الحى العكرى وَغَيرهم وَكَانَت تصدر لَهُ مجَالِس تُؤثر عَنهُ وَيحدث عَن عظم وقعها فى النُّفُوس فَمن ذَلِك أَنه خرج يَوْمًا الى منتزه يسفر عَن محياه وينفتق عَن طيب رياه فقرئ بَين يَدَيْهِ مَا غنته نعم الْجَارِيَة بَين يَدي الْمَأْمُون وَهُوَ
(وَلَقَد أَخَذْتُم من فؤادى انسة أَنه ... لَا شل ربى كف ذَاك الْآخِذ)
(وَزَعَمت أَنى ظَالِم فهجرتنى ... ورميت فى قلبى بِسَهْم نَافِذ)
(وَنعم هجرتك فاغفرى وتجاوزى ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
(هَذَا مقَام فَتى أضرّ بِهِ الْهوى ... قرح الجفون بِحسن وَجهك لائذ)
قلت وقصة هَذِه الابيات ذكرهَا ابْن خلكان وَقَالَ انه استعادها الْمَأْمُون الصَّوْت ثَلَاث مَرَّات وَكَانَ بِحَضْرَتِهِ اليزيدى فَقَالَ لَهُ يَا يزيدى أَيكُون شئ أحسن مِمَّا نَحن فِيهِ قَالَ قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ مَا هُوَ فَقلت الشُّكْر لمن خولك هَذِه النعم الْعَظِيمَة الجليلة فَقَالَ أَحْسَنت وصدقت ووصلنى وَأمر بِمِائَة ألف دِرْهَم يتَصَدَّق بهَا فكانى أنظر الى الْبَدْر وَقد أخرجت وَالْمَال يفرق انْتهى فَلَمَّا قُرِئت أنْشد النَّقِيب صَاحب التَّرْجَمَة لنَفسِهِ مضمنا لمصراع هَذَا مقَام المستجير العائذ فَقَالَ
(نقل العذول بأننى أفنيت مَا ... أخْفى الْحفاظ من الغرام الواقذ)
(هبنى اقترفت لما افترى فاغفره لى ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
وَأنْشد أَيْضا قَوْله
(نبذا الخليط مودتى حَيْثُ العدا ... حولى يروعنى بهجر النابذ)
(فَسَأَلته الرجعى وَقلت دع القلى ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
ثمَّ أَشَارَ لاولاده وَمن فى مَجْلِسه من أحفاده بِأَن يضمن كل مِنْهُم هَذَا المصراع وينظم مَا يُنَاسِبه على وَجه الِاتِّبَاع وَمَا قَصده الاسبر قرائحهم واختبار سافلهم وراجحهم فَانْتدبَ وَلَده النّدب السَّيِّد عبد الرَّحْمَن فَقَالَ
(نبذا العهود مغاضبى فألم بى ... فى صُورَة الاشفاق طيف النابذ)
(فَسَأَلته أَن لَا يفوه بِمَا جرى ... فيحيله عَنى بقول نَافِذ)
(فَمضى ونم على فِيمَا قلته ... فاتى يهددنى بِسيف شاحذ)
стр. 1595
(رحماك قد صدق الخيال وانما ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
ثمَّ تَلا تلوه السَّيِّد عبد الْكَرِيم فَقَالَ
(هَب قادنى فِيك الغرام فَمَا الذى ... ألجاك تعذيبى بهجر واقذ)
(أضراعتى أم مَا افترته عواذلى ... عَنى اليك من الْكَلَام النَّافِذ)
(رحماك بِي لَا ترع غير مودتي ... وحفاظ ودي لاتكن بالنابذ)
(فلديك مِنْك بك استعذت وانه ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
وَقَالَ أَيْضا
(ريم رنا نحوى بِطرف أدعج ... فاستل روحى من جَمِيع مآخذى)
(فطفقت أستعفى اللواحظ قَائِلا ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
ثمَّ ثلث الثَّالِث السَّيِّد ابراهيم فَقَالَ
(قد أوسعت عَيناهُ قلبى أسهما ... ان غض عَنى هَذِه أصمى بذى)
(مَا فوقت الا وَقلت لسهمها ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
ثمَّ قَالَ شَيخنَا بركَة الْوُجُود الشَّيْخ عبد الْغنى النابلسى
(لاحظت خالا فَوق صفحة خَدّه ... متواريا خوف اللهيب النَّافِذ)
(فَسَأَلته مَاذَا الْمقَام فَقَالَ لى ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
ثمَّ اتَّصل بشيخنا الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن عبد الهادى فَقَالَ
(وافى الحبيب بِغَيْر وعد زَائِرًا ... يرنو بِطرف بالمجامع آخذ)
(أربى بسكر هوى وسكر مدامة ... حَتَّى اذا سدت على منافذى)
(ناديته حسبى فديتك زَائِرًا ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
ثمَّ قَالَ شَيخنَا الشَّيْخ عبد الحى العكرى
(أنزلت آمالى بوادى مخصب ... وَحمى منيع نعم كَهْف اللائذ)
(فلذاك نادانى يقينى مُعْلنا ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
وَقَالَ الشَّيْخ زين الدّين البصروى
(وأغن فتاك اللواحظ ادعج ... يرْمى بنبل فى الْقُلُوب نوافذ)
(نادته أفلاذى وَقد فتكت بهَا ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
وَقَالَ شَيخنَا عبد الرَّحْمَن التاجى البعلى
(وَلَقَد وقفت على الطلول عَشِيَّة ... التوديع يَوْم الْبَين وَقْفَة لائذ)
стр. 1596
(فاستعبرت عيناى لما بَان من ... أَوْهَى بفرقته جَمِيع مآخذى)
(لَام العذول وَقد رآنى والها ... فأجبته خفض عَلَيْك منا بذى)
(لَو راعك الْبَين المشت عذرتى ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
وَقَالَ الأمجد بن السّفر جلانى
(يَا آل بَيت الْمُصْطَفى شعرى حلا ... فِيكُم وَطَابَتْ بالمديح لذائذى)
(وافيتكم أبغى حماكم منشدا ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
وَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد الذهبى
(يَا من اذا جَارِيَته فى مَسْلَك ... ألفيته قد سد طرق منافذى)
(أَهْون بمضناك الذى حيرته ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
ثمَّ بعد أَيَّام طلب تَضْمِينه من الامير المنجكى فَقَالَ
(بسوى حماكم لَا ترانى مقلة ... يَا من لَهُم ودى الْمُؤَكّد لائذى)
(فاذا وقفت ببابكم متذللا ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
وَقَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الموصلى
(عاهدته أَن لَا يمل وَقد رآى ... نبذ العهود فديته من نابذ)
(رد الصَّباح لناظرى بهجره ... لَيْلًا وسدد بالصدر منافذى)
(ناديته واليأس أَمْسَى ضَاحِكا ... وأنامل الآمال تَحت نواجذى)
(رفقا بقلب لَا يمِيل لغيركم ... هَذَا مقَام المستجير العائذ)
انْتهى وَمِمَّا يحْكى من مَكَارِم اخلاقه أَنه دَعَاهُ بَنو الاصفر أَعْيَان تجار الشَّام فَسقط قنديل مَمْلُوء زيتا على عِمَامَة صَاحب التَّرْجَمَة وفروته فاستشاط غيظا وحنقا فَأَنْشد بعض الادباء مُخَاطبا أَصْحَاب الدعْوَة بمسمع من صَاحب التردمة بيتى محيى الدّين بن عبد الظَّاهِر فى الْملك الاشرف لما نَازل عكا وهما
(يَا بنى الاصفر قد حلت بكم ... نقمة الله الَّتِى لَا تنفصل)
(نزل الاشرف فى ساحلكم ... فابشروا مِنْهُ بصفع مُتَّصِل)
فسرى عَنهُ الْغَضَب وتلافى الْمجْلس بِأَحْسَن تلاف وانهش قَالَ لى بعض الاخوان كَثِيرَة وَكَانَ مُضر ذَلِك الْمجْلس مَا رَأَيْته سرورة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَقد وَقعت على أشعار وَقد ذكر لى وَلَده الصَّغِير الْكَبِير الشان السَّيِّد الْفَاضِل ابراهيم انه جمع ديوانا لنَفسِهِ وَمِمَّا يلطف موقعه قَوْله فى الْغَزل
стр. 1597
(أمل لَيْسَ يقْضى فى تمنى ... نظرة تستفاد عِنْد التفاتك)
(لست أرضاك مُسْرِفًا فى تجنيك بِحَال وَالْحسن بعض صفاتك)
(لَك فى كل مهجة راضها الْحبّ هوى يستطاب فى مرضاتك ... )
(بقوام يملى على اذا مَال حَدِيث الرماح فى لفتاتك ... )
(ومحيا يرى ضئيل نحولى ... لعذولى وَالصُّبْح للسر هاتك)
(وسنا مبسم الى الرشد يهدى ... هائما ضل فى دجى مرسلاتك)
(يَا بديعا تحكى الرياض سجاياه أقل مهجتى شبا لحظاتك ... )
(أَنا من لَا يحيله فرط اعرا ... ضك عَن مَذْهَب الولا وحياتك)
(وعَلى مهجتى رَقِيب من الوجد أرى فى لقاه بهجة ذاتك ... )
(حسب قلب وناظر يتمنا ... ك بِأَن لَا يرى سوى حَسَنَاتك)
(ملح تسلب النهى ومزايا ... أَيهَا يُسْتَطَاع واللحظ فاتك)
وَله غير ذَلِك مِمَّا ذكرته فى كتابى النفحة وَكَانَت وِلَادَته فى غرَّة رَجَب سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَتوفى ختام صفر سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن لطف الله بن زَكَرِيَّاء بن بيرام الشهير بشيخ مُحَمَّد العربى أستاذى ومرجعى وملاذى عين الرّوم وعماد ملك بنى عُثْمَان وَصدر عُلَمَائهمْ وأوحد الْعَصْر فى الْعلم وَالْفضل وَسَائِر أدوات الرياسة والآخذ من الْآدَاب بالطرف القوى وَكَانَ اليه الاشارة فى الفصاحة والبراعة مَعَ حسن النّظم والنثر فى الالسن الثَّلَاثَة وجزالة الالفاظ وسلاستها الى براعة الْمعَانى ونفاستها وَقد جمع الله تَعَالَى لَهُ أدوات الْفَضَائِل وَلم يزل يتدرج الى المعالى حَتَّى بلغ مَا بلغ وازداد على الايام رونقا واتساقا ورياسة وَعزة وَاسْتقر فى الذرْوَة الْعَالِيَة من قَضَاء الْعَسْكَر ورياسة الْعلمَاء وَكَانَ مقصد الشُّعَرَاء من كل مَكَان لَا تزَال عطاياه وَارِدَة عَلَيْهِم واحساناته فائضة لديهم وَلَو جمع مَا مدح بِهِ من القصائد والمقاطيع لناف على ألف ورقة وَجمع من الْكتب مَا لَا يدْخل تَحت حصر حاصر وَلَا ضبط ضَابِط وَكَانَ مَعَ كَثْرَة تنوعها لَا يشذ عَن فكره شئ مِنْهَا برسومه كلهَا وَلَقَد شاهدت مِنْهُ غَرِيبَة وهى انه افْتقدَ يَوْمًا ملحمة دانيال فَأمر حَافظ كتبه أَن يخرج الرسائل الْمُتَعَلّقَة بالعلوم الرياضية فاستمر الْحَافِظ وَالْفَقِير مَعَه ثَلَاثَة أَيَّام فى مُرَاجعَة هَذِه الرسائل وظفرنا
стр. 1598
من الملحمة بنسخ مُتعَدِّدَة وَكَانَت النُّسْخَة الَّتِى أرادها لم تخرج بعد فَكَانَ يشخصها بأسطرها وورقها ثمَّ ظفرنا بهَا على طبق مَا شخصها وَكَانَ من الذكاء فى مرتبَة لم تسمع عَن أحد حَتَّى انه جَاءَهُ يَوْمًا رجل بأسطرلاب عَلَيْهِ كِتَابَة لِسَان الارمنى وَكَانَ عرضه على اناس مِمَّن يعرف ذَلِك اللِّسَان فَلم يستخرجوا الْكِتَابَة وَكَانَ الاستاذ صَاحب التَّرْجَمَة لم يعرف مصطلح كِتَابَة الارمنى فاستملى من شخص نصرانى مقطعات حُرُوفه وَمَا زَالَ يعْمل فكرته حَتَّى استخرج الْكِتَابَة بِقُوَّة رَأْيه وَسلمهَا لَهُ أَرْبَاب ذَلِك اللِّسَان وَكَانَت الْكِتَابَة تَارِيخ عمل الاسطرلاب وَله من هَذِه الخوارق فى الحدس أَشْيَاء كَثِيرَة ولد بغلبه وَتقدم أَن وَالِده ولى قضاءها مُدَّة خمس وَأَرْبَعين سنة وَتوفى أَبوهُ وَهُوَ ابْن سبع سِنِين فَأحْضرهُ اليه عَمه شيخ الاسلام يحيى وتقيد بِحِفْظ هَذَا الدّرّ الْيَتِيم وَكَانَ عِنْده وَعند زَوجته أعز من كل أحد فانهما مَا رزقا ولدا وَكَانَ عَمه يطْلب لَهُ الدُّعَاء من كل من يدْخل اليه وَيرد من أهالى الْبِلَاد عَلَيْهِ لَا سِيمَا من أهالى الْحَرَمَيْنِ الشريفين ثمَّ شرع فى الِاشْتِغَال فَقَرَأَ أَولا على الاستاذ السَّيِّد مُحَمَّد نزيل قسطنطينية ثمَّ على حَامِد بن مصطفى الاقسرابى وعَلى الْعَلامَة أَحْمد الشهير بدرس عَام وعَلى الْمولى حسن الطَّوِيل قاضى الْعَسْكَر باناطولى رُتْبَة ثمَّ لزم الْمولى مُحَمَّد الكردى الشهير بمنلا حلبى وعَلى الملا عبد الله وَتخرج فى الادب على عَمه سُلْطَان الْعلمَاء وَالشعرَاء وَكَانَ فى عنفوان عمره يعرض عَلَيْهِ لطائف أشعاره فيصلح مَا فِيهَا وتخلص أَولا بشيخى ثمَّ بعزتى واشتهر كَمَاله من حِين كَانَ ولدا وَكَانَ السُّلْطَان مُرَاد يسْأَل عَمه عَنهُ كثيرا وَيُرْسل لَهُ العطايا الطائلة وَلَقَد ذكر والدى بوأه الله تَعَالَى فسيح جنانه انه استدعاه السُّلْطَان مُرَاد وَأَعْطَاهُ فى يَده بعض دَنَانِير فَفَاضَتْ عَن يَده وَسقط مِنْهَا الى الارض جَانب فَلم يلْتَفت الى مَا سقط فَعجب السُّلْطَان من نزاهته ثمَّ لَازم على دأبهم من السُّلْطَان ابراهيم فى أَوَائِل شَوَّال سنة احدى وَخمسين وَمَات عَمه بعد ذَلِك فاستقر فى دَاره وانضمت اليه حواشى عَمه من الصُّدُور وَحكى أَنه لما عَاد من جَنَازَة عَمه الى دَاره وَمَعَهُ حفدة عَمه صحبهم السَّيِّد مُحَمَّد نقيب الاشراف فَلَمَّا أَتَوا الدَّار أَخذ المخدوم صَاحب التَّرْجَمَة الى صَدره وضمه وَقبل رَأسه وَأَجْلسهُ مَكَان عَمه وكساه الله تَعَالَى فى ذَلِك الْوَقْت ثوب الْوَقار والسكون والهيبة وَكَانَ عمره يَوْمئِذٍ ثَمَان عشرَة سنة فَأَقَامَ بدار عَمه وَورثه وحفته جمَاعَة عَمه كالمولى مُحَمَّد عصمتى وَالْمولى مُحَمَّد العجمى ثمَّ اتَّصل بكريمة
стр. 1599
شيخ الاسلام أَبى سعيد فَأقبل عَلَيْهِ وصيره كَأحد أَوْلَاده فى الْمحبَّة والحنو وَوجه اليه ابْتِدَاء مدرسة عَمه برتبة موصلة الصحن ثمَّ نَقله الى احدى الثمان وَمِنْهَا درس بمدرسة أسماخان بنت السُّلْطَان سُلَيْمَان وَنقل مِنْهَا الى دَار الحَدِيث وَأعْطى مِنْهَا قَضَاء الشأم وَكَانَ ذَلِك فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وأرخ قَضَاءَهُ عبد الْبر الفيومى بقوله للشام عز وَشرف وَقدم اليها نَهَار الْجُمُعَة عشرى رَجَب من تِلْكَ السّنة وسلك طَرِيقا محمودة مَعَ الْوَقار والعفة وَكتب اليه والدى هَذِه القصيدة يمدحه بهَا وهى
(صبح الْوِصَال بدا عموده ... والدهر قد صدقت وَعوده)
(وَالرَّوْض أضحى باسما ... لمسرتى واخضر عوده)
( ... وتضوعت أنواره ... بمناى اذ وَردت وُرُوده)
(قد صَاح فِيهِ العندليب ... وفاح فى الْآفَاق عوده)
(من منصفى من شادن ... فى الْحبّ قادتنى قيوده)
(ملك تحكم فى الورى ... وَقُلُوبهمْ طَوْعًا جُنُوده)
(رقت معاطف خصره ... فتحيرت فِيهَا بنوده)
(ان رمت معنى الْحسن مِنْهُ عَلَيْك تمليه خدوده ... )
(وعَلى الْحَقِيقَة مَاله ... من مشبه لَوْلَا صدوده)
(نشوان من خمر الدَّلال عَلَيْهِ مَا قَامَت حُدُوده ... )
(مَا زلت أخْشَى بعده ... فعلى اذ وفدت وفوده)
(والصب من نَار الغرام فُؤَاده فِيهَا خلوده ... )
(وعَلى مياه خدوده ... ورياضها أبدا وُرُوده)
(رق العذول لحاله ... يَوْم النَّوَى وَكَذَا حسوده)
(وافى خيال خياله ... فَأتى لمضناه يعودهُ)
(فلك المسرة والمنى ... نحوى لقد دارت سعوده)
(بقدوم مولى الشَّام من ... أمْلى من الدُّنْيَا وجوده)
(قد حَاز رقى بالولا ... ولرق أجدادى جدوده)
(من ذَا يضاهى مجده ... لاسؤدد الا يسوده)
стр. 1600
(مَا الْمجد الا مجده ... فاليه قد خضعت أسوده)
(قاضى عَدَالَته غدن ... كل الانام بهَا شُهُوده)
(ملئت ملابسه حَيا ... وَمن التقى نسجت بروده)
(فى الْعلم طود والتوا ... ضع مُفْرد وَالْبَحْر جوده)
(أبقاه ربى ملْجأ ... أبدا وللعليا صُعُوده)
ثمَّ نقل مِنْهَا الى مصر فى غرَّة رَجَب سنة خمس وَسِتِّينَ ثمَّ عزل وَتَوَلَّى قَضَاء بروسه ثمَّ أعْطى رُتْبَة قَضَاء أدرنه ثمَّ صَار قَاضِيا بدار السلطنة فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَاسْتمرّ بهَا قَاضِيا سَبْعَة عشر شهرا وصل اليه والدى فى أثْنَاء قَضَائِهِ فَوجه اليه نِيَابَة أخى جلبى وأجزل عَلَيْهِ نعمه الدارة قَالَ والدى وَوجدت مِنْهُ أَبَا شفيقاً وأخا بارا شقيقا فنظم أمرى واغتنم شكرى وأجرى ورعى فى معروفه مَعْرُوف اسلافه لاسلافى وَجعل السُّعُود فى جَمِيع الْمَقَاصِد من أخلافى بانيا كَمَا بنوا وبادياً من حَيْثُ انْتَهوا فغدت وَحْشَة اغترابى بخدمته انسا وألسن شكرى لاياديه وَنشر مساعيه خرسا وَكنت أرى من فَضله وبديع بديهته وصفاء قريحته ولطف طَبِيعَته واشاراته الذوقيه ومحاضراته الادبيه مَا يبهر الْعُيُون ويحقق الظنون الى مَا حواه من كرم الشمايل والاحتشام والمحاسن الموفرة الانواع والاقسام فَمَا أنْكرت طرفا من أخلاقه وأقواله وَمَا شاهدت الا مجدا وشرفا من أَحْوَاله
(واذا نظرت الى أميرى زادنى ... ضنابة نظرى الى الامراء)
فَلَو صرفت أَوْقَات عمرى وتشرعت بِجَمِيعِ مَذَاهِب الثَّنَاء وَالدُّعَاء لَهُ طول دهرى لما كنت الا فى كَمَال التَّقْصِير ومعترفا بِالْعَجزِ الْكثير وَمِمَّا شنف سمعى بِهِ فى أثْنَاء المذاكره أَيَّام تشرفى فى مجالسة الزاهية الزاهره قَوْله من ربَاعِية أنشدنيها
(ناديت أحبتى لاجل السلوى ... والدهر رسوم ربعهم قد سوى)
(بالنوحة جدت فى المغانى حَتَّى ... قد ساعدنى على بكائى رضوى)
فَأَنْشَدته بديهة على طَرِيق الْمُعَارضَة وهى
(يَا من بعدوا وأورثونى الْبلوى ... أبدى لكم من الْفِرَاق الشكوى)
(أَصبَحت وحبكم عميدا دنفا ... من بعدكم رق لحالى رضوى)
وأنشدنى بعد أَيَّام قَوْله أَيْضا
стр. 1601
(يسبى الْعُقُول بلحظه فَكَأَنَّمَا ... سقيت سيوف جفونه بسلاف)
(سيفيه صَاد الْقُلُوب بنظرة ... من بَين نقل قوادم الخطاف)
فَأَنْشَدته
(رشأ رَقِيق الْقد والاعطاف ... لم يخْش صارم لحظه اتلافى)
(خطف الْفُؤَاد بنظرة من لحظه ... لما رآنى انقض كالخطاف)
ثمَّ فارقته عَازِمًا على الرحلة الى الوطن وأنشدته حَالَة التوديع هَذَا
(ان سَار عَبدك ظَاعِنًا ... فى النَّاس أَو أضحى مُقيما)
(فَهُوَ الذى لحماكمو ... مَا زَالَ فى الدُّنْيَا خديما)
انْتهى ثمَّ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بانأطولى فى ثامن عشر الْمحرم سنة تسع وَسبعين وَكَانَ وَهُوَ قَاض بِدِمَشْق وعد أَبى بملازمة لى فَأحْسن بهَا وأرسلها من مَدِينَة يسكى شهر وَكَانَ توجه اليها فى خدمَة السُّلْطَان مُحَمَّد وَأرْسل الى مَعهَا مدرسة لامعى فى بروسه بِخمْس وَعشْرين عثمانيا ثمَّ نقل الى قَضَاء عَسْكَر روم ايلى وَأرْسل الى مدسة خوجه خير الدّين بِثَلَاثِينَ عثمانيا ثمَّ عزل عَن قَضَاء الْعَسْكَر وَقدم الى دَار السلطنة فانزوى فى دَاره وَاسْتمرّ مُدَّة لَا يخرج الا فى يَوْم الثلاثا وَيَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ اذا خرج فى هذَيْن الْيَوْمَيْنِ تواردت عَلَيْهِ الافاضل من كل نَاحيَة وجبيت اليه أنفس البضائع من الْفُنُون فَلَا تمر لَحْظَة من ذَلِك الْمجْلس الا فى مذاكرة ومطارحة وَلما وصلت الى قسطنطينية فى سنة سبع وَثَمَانِينَ رَأَيْته فى تِلْكَ الْحَالة وحضرته فَوَجَدته محط رحال الْفُضَلَاء ومقصد الادباء وَالشعرَاء فَدخلت الى مَجْلِسه وأنشدته هَذِه الابيات وهى
(دنا الركب من حى تقادم عَهده ... وهيج فِيهِ الْقلب وجد يجده)
(دَعَتْهُ الى الشكوى معالم انسه ... وَلَكِن أسرار الغرام تصده)
(بنفسى من جرعائه كل شادن ... تملك منى حَبَّة الْقلب وده)
(من الصَّيْد يرنو لحظه عَن مهند ... يفْسد قُلُوب الدارعين فرنده)
(أرد عيونى عَنهُ خيفة كاشح ... وَهل يمْنَع الصادى عَن المَاء رده)
(سقانى مداما رق فى اللطف جرمها ... فشف بهَا عَن أَحْمَر الْورْد خَدّه)
(سلافا يصير الصُّبْح فى كشفه لنا ... قناع الدجى مِنْهُ سنا يستمده)
(وَقد بسطت فى الرَّوْض كف بَيْعه ... نَسِيج نوار حيك كالوشى برده)
стр. 1602
(أَقَمْنَا بِهِ نملى حَدِيث صبَابَة ... الى الْعُمر اشهى من شباب يوده)
(الى أَن دعانى للوداع فهاج بى ... خفى سعير يظْهر البث وقده)
(وقفت وطرفى لَا أردد دمعه ... وَقد كنت حينا للفراق أعده)
(وطار بى الغى المشت فى كل منهل ... فؤاد بحى يصحب الْحبّ رشده)
(أنهنه طرف الشوق فى كل منهل ... يكَاد الفضا يبدى وَلم يبد ورده)
(وعزمى يَقُود الشوق منى عنانه ... لربع جواد يمْلَأ الدَّهْر رفده)
(أَخُو عَزمَات لَا يفل جسامها ... وَعند مضاها يجل السَّيْف حَده)
(يفوت احْتِمَال الْمَرْء أول عَفوه ... وَقد جَاوز الْمَقْدُور فى السعى جهده)
(اذا أشرقت شمس العلى عَن جَبينه ... فطلعها يستخدم الدَّهْر سعده)
(يروق بِهِ غُصْن من الْحَمد يَانِع ... ويعبق من نشر الثنا فِيهِ رنده)
( ... فَلَا تعثر اللحظان دون مقَامه ... بِغَيْر منال يقْدَح الْعِزّ زنده)
(بِمَا تستجد المزن وضاير وقه ... وَمن فيض يمناه المنى يستجده)
(أدر على الايام سيا تَفَجَّرَتْ ... ينابيع حَتَّى الصخر أعشب صلده)
(وَلم يبْق للمقدار غير تعلة ... يسير بهَا من قَارن الْيمن كده)
(فيا من يرينى من نداه أمانيا ... يسالمنى فِيهَا من الدَّهْر وغده)
(رعى الامل الغادى اليك انسيابه ... فَكَانَ الى صوب المجرة قَصده)
(وشام لديك الْبَحْر فى صُورَة الحجا ... يفِيض علينا من هباتك مده)
(فَلَا تنتهى فى يَوْمنَا لَك نعْمَة ... كَمَا انه لَا ينتهى فِيك حَمده)
وَكَانَت الامراض قد أثرت فِيهِ تَأْثِير بَالغا وأحناه الضعْف حَتَّى صَار كالقوس وَكَانَ لَا يقدر على الْحَرَكَة الا بِمَشَقَّة عَظِيمَة وَكَانَت النزلات تعتريه فى دماغه وفى الشتَاء يجلس فى مَكَان صَغِير وَيكون عِنْده منقل كَبِير يكون عَلَيْهِ من الفحم وَالنَّار شئ كثير وَكَذَا فى الموقد كثير من الْحَطب وَعَلِيهِ الثِّيَاب الْكَثِيرَة وَتَحْته الطرحة الوثيرة بِحَيْثُ انه يُوجد الْحر وَالْكرب وَهُوَ مرتاح ثمَّ ولى ثَانِيًا قَضَاء روم ايلى وازدانت بِهِ الدولة وَأَقْبل عَلَيْهِ السُّلْطَان مُحَمَّد اقبالا زَائِدا وَكَانَ يطْلب الِاجْتِمَاع بِهِ وَطلب أَن يضيفه فى بستانه الذى باستبه فأضافه فَلَمَّا تمّ الْمجْلس ألبسهُ السُّلْطَان فَرْوَة من السمور ثمَّ عزل فَقلت أسليه بِهَذِهِ القصيدة
(ضرب الْغَمَام مضاربا من عنبر ... ملئت خزائنها بأنفس احور)
стр. 1603
(والارض ترفل فى مطارف سندس ... كالخود فى حلل الْحَرِير الاخضر)
(وَالرَّوْض معتل النسيم كَأَنَّهُ ... دَار النَّعيم وماؤه كالكوثر)
(فَاشْرَبْ على ورد الخدود مَعَ الربى ... رَاح الزجاجة والرضاب الْمُسكر)
(وانهب زمَان اللَّهْو قبل فَوَاته ... فالعيش لَيْسَ بدائم لمعمر)
(والدهر أغدر من أضب فانه ... يصمى الْفَتى من حَيْثُ مَا لم يحذر)
(وَلَقَد عرفت بنيه معرفتى بِهِ ... فعجبت من حَظّ اللبيب الْمُدبر)
(وَالنَّاس أميل مَا رَأَيْت الى الْغنى ... فيكاد يعبد كل عبد مُوسر)
(ولرب ذى فضل يواصل ليله ... طيا وَجَهل فى النَّعيم الاوفر)
(لَا سامح الله الزَّمَان فانه ... من شَأْنه تَقْدِيم كل مؤحر)
(والنذل أَضْعَف مَا يرى مُتَقَدما ... كتقدم الْمَعْمُول قبل الْمصدر)
(وَالنَّدْب أجمل مَا يكون مُجَردا ... كالعضب لَيْسَ قدما لم يشهر)
(واذا الضمائر فى الْمَرَاتِب قدمت ... وتظاهرت حسن اختفاء الْمظهر)
(مَا خص ذُو الْجَهْل الدنى برتبة ... الا كَمَا خص الختام بختصر)
(والمرء أتعب مَا ترَاهُ اذا ابْتغى ... خطرا وليل حظوظه لم يقمر)
(كالمدح أضيع مَا يكون اذا جرى ... فى غير روح الْكَوْن قاضى الْعَسْكَر)
(عَلامَة الدُّنْيَا وَخير مقدم ... هُوَ فى الصُّدُور كتبع فى حمير)
(قلب الْوُجُود العزتى مُحَمَّد ... ذُو الْوَجْه وَالْفِعْل الْجَمِيل الازهر)
(وتر الْكَمَال فَمن رأى أهل العلى ... وأضله أَمْسَى كمن لم يُوتر)
(متواضع للسائلين وَرُبمَا ... يسمو تكبره على المتكبر)
(بِالْعَدْلِ تقطر نعْمَة أَيَّامه ... للمهتدين ونقمة للفجر)
(لَو كَانَ يطْلب قدره لم يرضه ... الا الاسرة أَو مراقى الْمِنْبَر)
(مولى اذا بخل الْغَمَام أَفَاضَ من ... يمناه بالنقدين خَمْسَة أشهر)
(يعْطى على الْحَالين قدرَة ملكه ... ويريك عذر المذنب المستغفر)
(لَا شئ أكْرم مِنْهُ الا جائد ... كرما بِهِ والجود أشرف مخبر)
(تبع الافاضل والا ماجد رَأْيه ... ان الْقَلِيل لتابع للاكثر)
(قَامَت فضائلهم بِهِ فَكَأَنَّهَا ... عرض وجوهر ذَاته كالجوهر)
(من قاسهم جودا بِهِ فَكَأَنَّمَا ... قَاس الجداول جَاهِلا بالابحر)
стр. 1604
(نسخت مكارمه أَحَادِيث الألى ... سَبَقُوهُ من معن الْجواد وجعفر)
(وَلَئِن تَأَخّر عصره عَنْهُم فَمَا ... هُوَ فى سَبِيل الْمجد بالمتأخر)
(لَيْسَ الزَّمَان بِمُوجب تَفْضِيلهمْ ... فَسَمِّيهِ الْمُخْتَار آخر مُنْذر)
(والطل قبل الوبل والاسفار من ... قبل الضُّحَى والخلد بعد الْمَحْشَر)
(وتجئ فذلكة الْحساب أخيرة ... لتَكون جَامِعَة العديد الاوفر)
(وَاضْرِبْ لَهُم مثلا مَنَاقِب ماجد ... محصورة لمناقب لم تحصر)
(يأيها الْمولى الْعَظِيم وَخير من ... ورث السياد قسورا عَن قسور)
(خُذْهَا بديعة بَابهَا وضاحة ... رقت فرق لَهَا قريض البحترى)
(واستجلها بكرا قبولك مهرهَا ... وَالْبكْر لَيْسَ تحل مَا لم تمهر)
(فَلَانَتْ أهل الْمَدْح دمت لاهله ... مَا بيع الا كنت أَنْت الْمُشْتَرى)
(لَا زلت فى أوج السَّعَادَة راقيا ... ومقامك الْمَحْمُود فَوق الْمُشْتَرى)
(مَا حجك الراجى وبابك قبْلَة ... بقلائد فضحت صِحَاح الجوهرى)
فألبسنى من حلله جوخة بنفسجية اللَّوْن ركب فِيهَا فَرْوَة من النافة فَقلت هَذِه القصيدة أمدحه بهَا ومستهلها قولى
(شَأْن الموله أَن يعِيش متيما ... وَالْحب مَا منع الْقَرار المغرما)
(هُوَ مَا علمت غرام صب دمعه ... مَا زَالَ يظْهر سره المتكتما)
(لَو شَاءَ من أضناه فرط هجيره ... رد الْحَيَاة لجسمه متكرما)
(واذا الصبابة خامرت قلب امْرِئ ... وجد الشِّفَاء من الحبيب تنعما)
(ولرب مغبر الاديم قطعته ... من فَوق مبيض القوائم أدهما)
(لَا تَسْتَطِيع الشَّمْس توسم ظله ... فاذا مَشى سبق الْقَضَاء المبرما)
( ... وَاللَّيْل بَحر قد تدافع موجه ... وَترى الْكَوَاكِب فِيهِ تسرى عوما)
(وَكَأن وَجه الافق مُنْقد فضَّة ... والبدر تحسبه عَلَيْهِ درهما)
(وكأنما المريخ شعلة قابس ... أَو رَأس نصل خضبته يَد دَمًا)
(أسرى وشخصك لَا يزَال مسامرى ... وَأرى التصبر عَنْك مرا علقما)
(يَا آفَة الارواح مَا ألهاك عَن ... دنف لذكر هَوَاك يهوى اللوما)
(لله عهد كنت بدر ضيائه ... أَيَّام نلقى كل وَقت موسما)
(فى رَوْضَة لبست رِدَاء زمرد ... صبغت حَوَاشِيه الشقائق عِنْدَمَا)
стр. 1605
(وَكَأن أجياد الغصون كواعب ... أظهرن عقدا فى النحور منظما)
(لَا تسمع الآذان فى ارجائها ... الا هدير هزارها مترنما)
(وشربتها صهباء من يَد شادن ... فضحت محاسنه الغزار الانجما)
(نادمته والراح يعْطف عطفه ... كالغصن جاذبه النسيم فهيما)
(فهصرت قدا كالقضيب ومعطفا ... ولثمت خدا كالاقاح ومبسما)
(مهلا فلست بِمن تقود عنانه ... الا الصبابة منجدا أَو مُتَّهمًا)
(وأظن لى فى الدَّهْر حظا كامنا ... كالنار أودعت الزِّنَاد الابكما)
(مالى وللايام أبغى مِنْهَا ... والى جناب العزتى لى انتما)
(عَلامَة الثقلَيْن أفضل ماجد ... حلف الزَّمَان بِمثلِهِ لن ينعما)
(مولى اذا ظلم الزَّمَان فَمَا ترى ... الا الى عزماته متظلما)
(جارى الْمُلُوك الى مقامات العلى ... فتأخروا عَنهُ وَكَانَ مقدما)
(لَو مد راحنه لثغر مقبل ... أنف الثريا أَن تكون لَهَا فَمَا)
(أَو تنطق الدُّنْيَا بمدحة ماجد ... نطق الزَّمَان بمدحه وتكلما)
(دعواته تجلو الكروب وعزمه ... لَو يلتقيه الْمَوْت مَاتَ توهما)
(وَلَو استجار بِهِ النَّهَار من الدجى ... لم تبصر الاحداق شَيْئا مظلما)
(قد حكم الْمَعْرُوف فى أَمْوَاله ... والرعب فى أعدائه فتحكما)
(يعْطى الالوف سماحة متكتما ... والجود لَيْسَ بممكن أَن يكتما)
(وَمَتى تَخَيَّلت القرائح مدحه ... سبقت جوائزه القريض تكرما)
(متوقد كالبدر لَيْلَة تمه ... فاذا تحرّك للعطاء تبسما)
(ملئ الزَّمَان مهابة من عدله ... حَتَّى أَخَاف الظبى مِنْهُ الضيغما)
(وسرت لَهُ سير معطرة الربى ... فَكَأَنَّمَا كَانَت صبا متنسما)
(يَا من نلوذ من الزَّمَان بِبَابِهِ ... ونرى نداه لما نؤمل مغنما)
(مَاذَا نقُول سموت عَن أفهامنا ... حَتَّى اسْتَوَت فِيك الْبَريَّة أعجما)
(لله أنعمك الَّتِى من بَعْضهَا ... لم تبْق فى الدُّنْيَا فَقِيرا معدما)
(وخصا لَك الزهر الَّتِى لم يرضها ... أَن تجتلى قمم الْمَرَاتِب أنجما)
(ألبستنى نعما رَأَيْت بهَا الدجى ... صبحا وَكنت أرى صباحى مظلما)
(فَبَقيت يحسدنى الصّديق وَقبلهَا ... كَانَ الْعَدو يمر بى مترحما)
стр. 1606
(مَا عذر من شرفته بفضيلة ... أَن لَا ينَال بهَا السها والمرزما)
(هَيْهَات لست بِشَاهِد جود امْرِئ ... من بعد مَا عَايَنت جودك منعما)
(فاليكها زهراء ذَات بلاغة ... لَو رامها قس لاصبح أبكما)
(من كل بَيت لَو تجسم لَفظه ... لرأيته شيا عَلَيْك منمنما)
(وتهن بِالْعَام الْجَدِيد ممتعا ... بسعادة رحب الجناب مُعظما)
(واسلم لنشر فَضِيلَة مَعْلُومَة ... لولاك طَال على الملا أَن تعلما)
(ان العلى بدئت بذكرك مثل مَا ... آلت بغيرك فى الورى لن تختما)
وكتبت اليه أستدفع بِهِ مَا نابنى من سلوك طَرِيق الْقَضَاء وأرجوه فى تخليصى من هَذِه الورطة قبل أَن أتولى منصبا وَأَن يشفع لى بالملازمة لباب شيخ الاسلام على مدرسة فى الرّوم فَقلت
(باكر الحانة والكاس تدار ... فشباب الْعُمر ثوب مستعار)
(هَذِه الارض اكتست أزهارها ... مَا على من يغنم اللَّذَّات عَار)
(وَكَأن الرَّوْض وشى فاخر ... نقشه آس وَورد وبهار)
(ان سرت فى سرحه ريح الصِّبَا ... فَضَح العنبر رند وعرار)
(وَكَأن المزن تبر كنزه ... درة بَيْضَاء وَالْمَاء نضار)
(فتقت كف الغوادى جيبها ... فهمى مِنْهَا على الدوح نثار)
(يَا رفيقاى دعانى والهوى ... انما الصبوة للصب شعار)
(كنت أخْفى محنة فى خلدى ... لَو يكن للقلب فى الْعِشْق اختبار)
(من يبت ولهان فى حب الظبا ... خانه الْقلب فى الْعِشْق اخْتِيَار)
( ... يعذب الهجر لمن يعرفهُ ... وبمطل الغيد يحلو الِانْتِظَار)
(انما نشوان أحداق المهى ... صحوه من سكرة الْعِشْق خمار)
(يَا سقى موطن لهوى بالحمى ... أدمعى ان سحت السحب الغزار)
(كم لَيَال فِيهِ قد قضيتها ... وَمن الايام حُلْو مرار)
(فانقضت أسْرع من سهم القضا ... يَا ابْن ودى لَيْسَ للعيش قَرَار)
(وحبِيب بَات زندى طوقه ... والمنى ثالثنا والحظ جَار)
(قمر يحسده الْبَدْر اذا ... لَاحَ والغصن مَتى مَال يغار)
(قد نأى لَكِن عَن الْعين وَكم ... نَازع الدَّار لَهُ الْقلب ديار)
стр. 1607
(أى نفع فى اقتراب الْجِسْم ان ... بعد الْقلب وَمَا يغنى الْجوَار)
(هَكَذَا تفعل أَحْكَام الْهوى ... فى بنى الْعِشْق وللدهر الْخِيَار)
(ينقضى الْعُمر ومالى مسعف ... وَمن الضيم مصيح لَا يجار)
(هَذِه حالى وان طَال المدى ... وَاعْتِبَار الْحَال للمرء اختبار)
(غير أَن الْحِرْص غلاب النهى ... والمنى منهى اخْتِيَار واضطراب)
(لَا أَذمّ الدَّهْر حاشاى ولى ... أنعم الْمولى عَن الذَّنب اعتذار)
(كعبة الآمال والركن الذى ... كل مجد من علاهُ يستعار)
(ماجد قد صيرت آلاؤه ... كل مجد من علاهُ يستعار)
(جمعت فِيهِ المعالى والتقى ... وَله الْعِزَّة خيم وَالْوَقار)
(قد جلا خطب الليالى عزمه ... مثل مَا يجلو دجى اللَّيْل وَالنَّهَار)
(لَو يكن للبحر أدنى بره ... لم يلح للعين بر وقفار)
(وحماه ملتقى عيشى المنى ... لَا سواهُ للندى مأوى وَدَار)
(روض فضل نجتلى من جوده ... وَكَذَا تجنى من الرَّوْض الثِّمَار)
(يغْفر الذَّنب وَلَو جلّ وَقد ... يحسن الامران عَفْو واقتدار)
(واذا نَاب امْر أجهد القضا ... فالى سدته مِنْهُ الْفِرَار)
(أَيهَا الاستاذ وَالْبَحْر الذى ... غرفت من فيض كفيه الْبحار)
(أَنْت من لولاه مَا كَانَ لنا ... ملْجأ يُرْجَى وكهف يستجار)
(لَك أنهى نوبا من بعضهما ... يذهل اللب وَذُو الْعقل يحار)
(حل بى الشيب فأفنى رونقى ... وكذاك الْبَدْر يعلوه السرَار)
(فأغثنى من كروب فى الحشا ... حرق مِنْهَا وفى الطّرف انكسار)
(وتمتع بقواف كربى ... ضَاحِك النُّور بهَا الجلنار)
(بدع قد أشربت ألفاظها ... ريقة المبسم وَالْخمر الْعقار)
(كخدود الغيد تحمر حَيا ... واذا شِئْت كَمَا اخضر العذار)
(أَنا حسان القوافى فاذا ... فهت طَابَ الْعشْر وارتاح الفخار)
(واذا غنتك أطيار الثنا ... فَأَنا من بَينهَا وحدى الهزار)
(لَيْسَ لى مَال وَلَكِن كلمى ... عسجد ينْحل درا ونضار)
(لم أقل طَالَتْ واطناب الورى ... فى معاليك مدى الدَّهْر اخْتِصَار)
стр. 1608
(فابق أَعلَى النَّاس جاها وندى ... والى مجدك بالعز يشار)
(لَك أهنى عيشة تختارها ... وَلَا عداك البلايا والدمار)
وَكَانَت وِلَادَته فى صفر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَتوفى نَهَار الاحد ثَالِث عشر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وَدفن بمدرسة جده شيخ الاسلام زَكَرِيَّاء مِمَّا يلى عَمه شيخ الاسلام يحيى وَلم أقِم بعد وَفَاته بالروم الا يَوْمًا وَاحِدًا ورحلت الى دمشق وَأَنا الْآن أليف حزنه وكئيب مصابه انْتهى
مُحَمَّد بن مبارك باكراع الحضرمى محتدا المدنى الاديب الشَّاعِر ذكره ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فى حَقه أديب مستعذب الْمَوَارِد ومقتنص الاوابد والشوارد الى أدب سَنَد حَدِيثه مسلسل وعتيق رحيقه سلسل ومحاضرة تنسى مَعهَا محاضرات الرَّاغِب ومحاورة يوسى باسترواحها اللاغب ونظم نظم بِهِ عُقُود الجمان وقلد بفرائده نحر الْعَصْر وجيد الزَّمَان فَمِنْهُ مَا كتبه الى القاضى تَاج الدّين مهنئا لَهُ بزيارة النبى
(أاكليل رَأس الْمجد وَالْفضل والتقى ... وسابق شأوالسعد والعز والبها)
(وعلامة الْعَصْر الشريف وفخره ... وفهامة الاعلام مرجع ذى النهى)
(وَمن عقد الاجماع وَالله شَاهد ... على فَضله عقلا ونقلا أودها)
(فدمت بِحَمْد الله تاجا لدينِهِ ... ودمت بشكر الله فى جبهة السهى)
(وزرت رَسُول الله وَالْحَال منشد ... هَنِيئًا مريئا نَالَ فضل مَا اشْتهى)
فَأَجَابَهُ
(أيا من حوى الافضال وَالْفضل والنهى ... وَحَازَ التقى وَالدّين وَالْحسن والبها)
(وَأصْبح فَردا فى الْكَمَال كَأَنَّمَا ... تصور فى تكوينه مثل مَا اشْتهى)
(تطولت لما ان بعثت برقعة ... اذا مَا حَكَاهَا الرَّوْض قيل تشبها)
(وكللت تاجى من جواهرك الَّتِى ... تَعَالَى بهَا قدرا على مفرق السهى)
(ودمت وَلَا زَالَت صفاتك كلما ... تَلَاهَا محب زَاد فِيك تولها)
الْبَيْت الثانى ينظر الى قَول الْقَائِل فى حق خير الكائنات
(خلقت مبرأ من كل عيب ... كَأَنَّك قد خلقت كَمَا تشَاء)
قَالَ وَرَأَيْت الْوَالِد مَا نَصه من الاملاء الشَّيْخ مُحَمَّد باكراع بِمَكَّة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَهُوَ قَوْله وَبَيت فى حُسَيْن
стр. 1609
(صيرت جفنى واصلا والكرا ... رَاء فجد بالوصل فالوصل زين)
(وَلَا تجبنى فى سؤالى بِلَا ... فالقلب يخْشَى كرب لَا يَا حُسَيْن)
ثمَّ وقفت فى الريحانة أَنَّهُمَا لِلشِّهَابِ الفيومى وتعقبهما بعد انشادهما فَقَالَ فى قَوْله زين ابهام غير زين لَان الْعَامَّة تَقول فى حُرُوف الهجاء زين وَالصَّحِيح فِيهَا زاى بِالْمدِّ وَالْقصر وَيُقَال زى بزنة كى وَأما هَذِه فتحريف قَبِيح انْتهى وَأَنا أَقُول هُوَ ابهام حسن فان الابهام يَكْفِيهِ هَذَا الْقدر وان كَانَ فى اللُّغَة غير صَحِيح اذ الْمَعْنى لَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ لانه لم يقْصد بالزين هُنَا الا الْحسن لَكِن بِمُقَابلَة الرَّاء أوهم هُنَا ارادة الزاى
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن بَرَكَات الملقب شمس الدّين بن شمس الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الكيال الشافعى الْعَالم الْهمام المطلع أَخذ الْفِقْه عَن الْبَدْر الغزى والنور النسفى وَغَيرهمَا وسافر الى الْقُسْطَنْطِينِيَّة ساعيا فى الْمدرسَة الشامية البرانية بعد أَن اسْتَقَرَّتْ على أَبى الْفِدَاء اسمعيل النابلسى فَلم تتيسر لَهُ لشهرة النابلسى بِالْفَضْلِ الْعَام التَّام وَمَعْرِفَة أَرْكَان الدولة وبفضله اما مُشَاهدَة واما سَمَاعا فبقى فى الرّوم وسنين وَورد دمشق فى حُدُود سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وبقى بهَا مُدَّة ثمَّ رَجَعَ الى الرّوم وَلما مَاتَ أَبُو الْفِدَاء وجهت الشامية البرانية للمنلا أَسد الدّين بن معِين الدّين وَوصل الْخَبَر الى الرّوم بتوجيهها اليه قبل التَّوْجِيه اليه وَلم يُمكن صَاحب التَّرْجَمَة مِنْهَا وبقى هُنَاكَ حَتَّى مَاتَ ثمَّة بعد الالف)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد القاضى شمس الدّين بن محيى الدّين الرجيحى الحنبلى الدمشقى أحد نواب الحكم بمحكمة الْبَاب بِدِمَشْق وَلَيْسَ هُوَ بِابْن الرجيحى وانما هُوَ ابْن بنت القاضى الرجيحى قيل كَانَ وَالِده صفديا يعرف بِابْن الْمُحْتَسب من أَعْيَان صفد فصاهر الرجيحى الْمَذْكُور وَرَأس بمصاهرته وَولى نِيَابَة الْقَضَاء نَحْو خمسين سنة مِنْهَا بِالْبَابِ أَرْبَعِينَ سنة وَكَانَ حسن الاخلاق منعما مثريا ظَاهر الْوَضَاءَة والنباهة وَله محاضرة جَيِّدَة وَكَانَ فى مُبْتَدأ أمره يخْدم قاضى الْقُضَاة ولى الدّين بن الفرفور ثمَّ طلب الْعلم وَأخذ عَن الرضى الغزى وتفقه بالشيخ مُوسَى الحجازى وَالشَّيْخ شهَاب بن سَالم وَولى قَضَاء الْحَنَابِلَة بالكبرى فى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَنقل الى نِيَابَة الْبَاب وسافر الى مصر فى سنة احدى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَاجْتمعَ بالاستاذ مُحَمَّد البكرى وَغير وَاسْتمرّ بهَا مُدَّة ثمَّ عَاد الى دمشق وَولى مَكَانَهُ الى أَن مَاتَ وَكَانَ لَهُ حجرَة بِالْمَدْرَسَةِ الباذرائية وسرق لَهُ مِنْهَا أَمْتعَة ثمينة فَلم يتأثر وَكَانَ
стр. 1610
محببا فى النَّاس جميل اللِّقَاء كثيرا التجمل وَكَانَ يلبس الثِّيَاب الواسعة والعمامة الْكَبِيرَة على طَريقَة أَبنَاء الْعَرَب بالاكمام الواسعة والعمامة المدرجة والشد على الْكَتف واذا جلس فى مجْلِس أَو كَانَ بَين جمَاعَة أَخذ يتَكَلَّم عَن أَخْبَار النَّاس ووقائعهم الْقَدِيمَة الَّتِى وَقعت فى أَيَّام الجراكسة وأوائل أَيَّام العثمانية حَتَّى ينصت لَهُ كل من حضر وَكَانَ شُهُود الزُّور يهابونه فَلَا يقدمُونَ بِحَضْرَتِهِ على أَدَاء الشَّهَادَة وَكَانَ يعرفهُمْ وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من الرؤساء الْكِبَار قَرَأت بِخَط الطارانى أَن وِلَادَته كَانَت فى سنة سِتّ عشرَة وَقيل فى سنة سبع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَتوفى نَهَار الْجُمُعَة سادس عشر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من سيدى بِلَال الحبشى رضى الله عَنهُ وَحضر جنَازَته خلق كثير وَكتب وَصِيَّة قبل وصيتى تَحت الوسادة فاذا مت فخذوها وَاعْمَلُوا بمسنته ثمَّ لما قضى نحبه أخرجت فَوجدَ فِيهَا جَمِيع مَا يملك وأنبأت بأَشْيَاء أجازها ورثته وَخلف أَشْيَاء كَثِيرَة من كتب وأمتعة وَغَيرهَا وَذكر الغزى فى ذيله أَنه رَآهُ فى النّوم بعد سِنِين من مَوته قَالَ فَقلت لَهُ مَا فعل الله تَعَالَى بك فَضَحِك اليه وَقَالَ أما علمت أَنى مت لَيْلَة الْجُمُعَة رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد مَعْرُوف ابْن مُحَمَّد شرِيف قاضى للقضاة بِالشَّام ومصر ولى دمشق فى سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَلم يدخلهَا ثمَّ ولى قَضَاء مصر فى حادى رَجَب سنة احدى وَألف وعزل فى تَاسِع ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَحصل لَهُ مرض الفالج فَأَقَامَ بهَا وَبهَا توفى كَانَ عَالما فَاضلا متضلعا من فنون وَله بالتصوف وَكَلَام الْقَوْم خبْرَة تَامَّة وَشرح تائية سيدى الشَّيْخ عمر بن الفارض رضى الله عَنهُ وَله آثاره غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ ثانى عشر جُمَادَى الاولى سنة ثَلَاث بعد الالف وَصلى عَلَيْهِ بسبيل الْمُؤمنِينَ بالرملة وَحضر للصَّلَاة عَلَيْهِ أَحْمد باشا الْحَافِظ وَمن دونه وَدفن بجوار الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سيدى الشَّيْخ عمر بن الفارض قدس الله سره الْعَزِيز تجاه مقصورته وقبره ظَاهر رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشريف كَمَال الدّين بن عجلَان الدمشقى الميدانى الشافعى شيخ مَشَايِخ الْحَرْف الرفاعى الطَّرِيقَة وَالِد السَّيِّد مُحَمَّد النَّقِيب الآتى ذكره قَرِيبا كَانَ من السَّادة أهل الصّلاح والسكون صَحِيح النِّيَّة حسن الاخلاق
стр. 1611
وَرُبمَا كَانَ يَأْكُل من كسب يَمِينه ونسج الْحَرِير وَكَانَ يُقيم الذّكر فى زاويتهم الَّتِى ذكرنَا خَبَرهَا فى تَرْجَمَة السَّيِّد مُحَمَّد بن حسن فى رَجَب وَشَعْبَان ورمضان يَوْمًا فى الاسبوع وَهُوَ يَوْم الاحد وَكَانَ كَرِيمًا سخيا عَاقِلا كَامِلا قَلِيل الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ وَكَانَ محبا للخمول والانزواء وَقَالَ الْحسن البورينى فى تَرْجَمته وعندى انه كَانَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى لَان أخلاقه كَانَت أَخْلَاق الاولياء العارفين وَقَالَ النَّجْم كنت يَوْمًا جَالِسا فى الْجَامِع الاموى فَدخل من بَاب العنبرانيين وَصلى مَا تيَسّر لَهُ فأسرع فى الاركان فخطر لى فِيهِ أَنه عامى لَا يحسن الطمأنية فى الصَّلَاة فَسلم من صلَاته ثمَّ قَامَ من مَجْلِسه وَأَقْبل على وصافحنى وَقَالَ لى يَا سيدى لَا تؤاخذنى فانى عامى وَصَلَاة العامى لَا تعجب الْعلمَاء فَعلمت أَنه كشف مِنْهُ فكارمته فى الْخطاب واعتذرته وَكَانَت آثَار الصّلاح ظَاهِرَة على وَجهه وَكَانَت وَفَاته يَوْم الثلاثا سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة ارْبَعْ بعد الالف وَشَيخ الْمَشَايِخ هُوَ الذى يعْقد الشد والعهد لاهل الصَّنَائِع وَكَانَ صَاحب هَذَا المنصب قَدِيما يعرف بسُلْطَان الحرافيش ثمَّ كنى احتشاما بشيخ الْمَشَايِخ وَالله تَعَالَى أعلم
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن بَرَكَات الملقب ولى الدّين بن شمس الدّين بن الكيال الشافعى الدمشقى الامام الْعَالم الصَّالح الدّين وَهُوَ وَالِد شمس الدّين الْمُقدم ذكره آنِفا وجد جدتى لابى وَله وقف أهلى نصفه بيدى كَمَا ذكرته فى تَرْجَمَة ابْن عَمه بَرَكَات بن تقى الدّين وَكَانَ خطيب الصابونية وَولى نِيَابَة النّظر بالشامية البرانية فَلَمَّا ولى تدريسها أَبُو الْفِدَاء اسمعيل النابلسى عوضه عَنْهَا بتولية الظَّاهِرِيَّة فَبَقيت مَعَه الى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى الْيَوْم الذى توفى فِيهِ الشَّمْس مُحَمَّد بن المنقار الْمُقدم ذكره بل فى الْوَقْت الذى مَاتَ فِيهِ وَهُوَ وَقت الْغُرُوب من يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع وعشرى شَوَّال سنة خمس بعد الالف بعد أَن تمرض وأقعد سنوات وَمَات وَهُوَ فى عمر الثَّمَانِينَ وَدفن يَوْم الاربعاء بتربة بَيت بِبَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن دَاوُد المنعوت شمس الدّين بن صَلَاح الدّين الداودى القدسى الدمشقى الشافعى الْمُحدث الْفَقِيه علم الْعلمَاء الاعلام والمفتى الْمدرس الْهمام قَرَأَ بالقدس على الْعَلامَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَبى اللطف المقدسى وَغَيره ثمَّ رَحل الى مصر وَأخذ عَن جمَاعَة من المصريين مِنْهُم النَّجْم الغبطى والناصر الطبلاوى وَالْجمال يُوسُف ابْن القاضى زَكَرِيَّاء والخطيب الشربينى وَالشَّمْس الرملى وَدخل دمشق فَأخذ
стр. 1612
بهَا عَن الْبَدْر الغزى ولازم دروسه وَأعَاد للعلامة اسمعيل النابلسى بالشامية وَأخذ عَنهُ الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وَكَانَ لَهُ مُشَاركَة جَيِّدَة فى الْفِقْه ومسايرة تَامَّة فى الْمعَانى وَالْبَيَان وَسَائِر عُلُوم الْعَرَبيَّة واستحضار جيد للشواهد والامثال وَأما الحَدِيث فَكَانَ فِيهِ متقنا ماهرا وَلما دخل دمشق سكن فى حجرَة فى العزيزية وَكَانَ فَقِيرا فسعى لَهُ شَيْخه النابلسى الْمَذْكُور فى أَقسَام من الْعِمَارَة السليمانية ثمَّ ولى مشيخة الحافظية خَارج دمشق ودرس فى الحَدِيث بالجامع الاموى بعد موت الْبَدْر الغزى وَبِه اشْتهر فأقرأ صَحِيح مُسلم ثمَّ صَحِيح البخارى ثمَّ السِّيرَة وَكَانَ يقْرَأ بَين يَدَيْهِ الشَّيْخ مُحَمَّد الحادى الصيداوى ونقلت عَن خطه مَا نَصه وَقع الْخَتْم للسيرة النَّبَوِيَّة بِقِرَاءَة الشَّيْخ مُحَمَّد الحادى على الْفَقِير بِجَامِع بنى أُميَّة عَشِيَّة الْخَمِيس السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف وحضره جمع من الْعلمَاء والمشايخ والطلبة وَغَيرهم وأملينا فِيهِ حديثين وهما مِمَّا ذكره الْحَافِظ العراقى فى أَمَالِيهِ أَحدهمَا حَدِيث اعذار الله الى عبد أخر عمره الى السِّتين أَو السّبْعين وَذكر ان البخارى رَوَاهُ من غير أوالسبعين وَالْآخر حَدِيث قَالَ رجل يَا رَسُول الله أى النَّاس خير قَالَ من طَال عمره وَحسن عمله قَالَ فأى النَّاس شَرّ قَالَ من طَال عمره وساء عمله فسقناهما باسنادين منا الى النبى
وَكَذَا مَا أملاه فى مَعْنَاهُمَا عقب املائهما وَهُوَ قَوْله نظما
(أكملت فى ذَا الْيَوْم سبعين سنه ... مرت وَمَا كَأَنَّهَا الا سنه)
(لم أدخر فِيهَا سوى توحيده ... وَحسن ظنى فِيهِ وَهُوَ حسنه)
(مَا حَال من لم يتعظ بزاجر ... وفى مراعى اللَّهْو أرْخى رسنه)
(قد أعذر الله الذى السِّتين هَل ... يلفى مسئ عمل أَو محسنه)
(وان شَرّ النَّاس من طَالَتْ بِهِ ... حَيَاته وَفعله مَا أحْسنه)
(وان خير النَّاس من طَالَتْ بِهِ ... حَيَاته وَفعله قد أحْسنه)
(لكننا نأمل من خالقنا ... عَافِيَة دائمة مستحسنه)
(متعنَا الله بأسماع تعى ... وأعين باصرة وألسنه)
(ونرتجى عِنْد انقضا آجالنا ... ختما بِخَير ووفاة حسنه)
(وانما النَّاس نيام من يمت ... مِنْهُم أَزَال الْمَوْت عَنهُ وسنه)
قَالَ وَقلت أَنا من لفظى لنفسى عقب املائى لما ذكر يَوْم الْخَمِيس عشرى شهر رَمَضَان
стр. 1613
سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وَهُوَ
(أدْركْت فى ذَا الْعَام سِتِّينَ سنه ... وَقد مَضَت مثل خيال وسنه)
(ظلمت فِيهَا النَّفس ظلما بَينا ... قصرت عَن كسب الْخِصَال الحسنه)
(لم آل جهدا فى اتباعى للهوى ... وَلم أحصل قربا مستحسنه)
(واخجلتا فى مَوَاقِف الْعرض اذا ... يصير سر كل شخص علنه)
(لَكِن ظنى فى كريم حسن ... ينيلنى من الْجَمِيل حسنه)
(الا أجى يَوْم اللقا معترفا ... بالفقر وَالْعجز وذل المسكنه)
(مرتجيا غفرانه عَن زلتى ... بخصلتين كل احدى حسنه)
(توحيده بِالْقَلْبِ منى مخلصا ... كَذَاك نشرى للنبى سنَنه)
(فالفوز أَرْجُو من الهى بِالرِّضَا ... فى جنَّة الفردوس دَار المأمنه)
(وبشفاعة النبى أرتجى ... منزلَة تقرب فِيهَا وَطنه)
(فصل با رب عَلَيْهِ دَائِما ... وَاجعَل الهى ختم عمرى أحْسنه)
وَلما وقفت على مَا أسْندهُ الْحَافِظ أَبُو الْفضل العراقى الى الامام أَبى الْقَاسِم الرافعى مِمَّا أملاه من لَفظه لنَفسِهِ وَلم يذكر تَارِيخ املاء الرافعى لذَلِك وَلَا مَكَانَهُ وَذكر تَارِيخ املائه هُوَ لَهُ ومكانه وَهُوَ الْمجْلس الْمِائَة الْوَاقِع بِالْقَاهِرَةِ بِالْمَدْرَسَةِ القراسنقرية يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع جُمَادَى الاولى سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَهُوَ
(طُوبَى لمن طيب أوقاته ... اذا نأى عَنْكُم بذكراكم)
(اذا دنا عطر أردانه ... بِمَا يغِيظ الْمسك رياكم)
(كل فؤاد بكم مغرم ... وكل عين تترضاكم)
(اذا حييتُمْ فدعونى أمت ... فانما محياى محياكم)
(رفقا بِمن صَار أَسِيرًا لكم ... أما ترقون لاسراكم)
(أمالكم فى وَجهه سيمة ... روحى فدَاء لثناياكم)
(أمالكم فى شَأْنه رَحْمَة ... رحمنا الله واياكم)
فَقلت أَنا من لفظى لنفسى وأمليته عقد ختمى لمجلس الْوَعْظ على الكرسى بالجامع الاموى فى يَوْم الِاثْنَيْنِ سلخ شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف
(اذا حضرتم واجتمعنا بكم ... فقد تَمَتعنَا برؤياكم)
(وان نأت عَن دَارنَا داركم ... فقد تداوينا بذكراكم)
стр. 1614
(طُوبَى لمن أنستموه بكم ... فَهُوَ بِغَيْب يتراآكم)
(وَقد سكنتم فى سويدائه ... فأينما وَجه يلقاكم)
(فَالْعَبْد مِنْكُم واليكم وفى ... بَاب رضاكم يترجاكم)
(وَمَاله من سَبَب موصل ... الى مناه غير رحماكم)
(فَمن يُرْجَى جودكم صَادِقا ... تولوه من فيض عطاياكم)
وَكَانَ يعظ يَوْم الاحد وَالْخَمِيس من كل جِهَة فى الاشهر الثَّلَاثَة رَجَب وَشَعْبَان ورمضان عَن ظهر قلب وَكَانَ الوعاظ غَيره يعظون النَّاس من الكراريس فثار جمَاعَة الشهَاب الطيبى الْمُتَوفَّى فى سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة اليه وَقَالُوا كَيفَ يأتى رجل غَرِيب ويعظ غيبا وَأَنت شيخ الوعاظ والمفسرين بِدِمَشْق وتعظ النَّاس من الكراريس فَلَا زَالُوا بِهِ حَتَّى ترك الكراريس وَصَارَ يملى فى التَّفْسِير وَغَيره ففاق على الداودى لانه كَانَ وَاسع الصَّوْت فصيح الْعبارَة سريع الاملاء وَكَانَ الداودى منخفض الصَّوْت وَله فى لِسَانه رتة الا انه كَانَ صَحِيح الْعبارَة حسن الاستحضار عَلَيْهِ مهابة الْعلمَاء وَله سكينَة وَولى آخر تدريس الاتابكية بالصالحية وانتفع بِهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ من الْفُضَلَاء الْمشَار اليهم أنبلهم الْحسن البورينى فانه أَخذ عَنهُ الحَدِيث وَذكره فى تَارِيخه وَأَطْنَبَ فى مدحه على عَادَته ثمَّ قَالَ وَكَانَ مَعَ كَمَال فَضله وَغَايَة فطنته ونبله ينظم الشّعْر البديع الذى يعْتَرف بحسنه البديع كتب الى وكتبت اليه وَأورد على وأوردت عَلَيْهِ فَمن ذَلِك أرسل الى ملغزا فى ورد فَقَالَ
(يَا اماما قد حَاز كل الْمعَانى ... ورقى للعلى بِغَيْر توانى)
(دمت للمجد والفضائل كنزا ... دَائِما آمنا من الْحدثَان)
(مَا اسْم شئ لَهُ حُرُوف ثَلَاث ... وحروف تزيد فَوق ثَمَان)
(واذا مَا حرفته كَانَ دأبا ... لذوى الدّين من أولى الْعرْفَان)
(وَكَذَا مَا حذفت أول حرف ... مِنْهُ أضحى فعلا لماضى الزَّمَان)
(واذا مَا عكست ذَا الامر تلقى ... جوهرا فى نحور حورحسان)
(واذا مَا بدلت أول حرف ... مِنْهُ بَاء أضرّ بالانسان)
(أَو بجيم فوصف ثوب معنى ... فَاقِد الْقُوت عادم الامكان)
стр. 1615
(أَو بفاء أبدلته فَهُوَ وصف ... للاله الْمُهَيْمِن الديَّان)
(أَو بنُون فَذا حرَام علينا ... معشر النَّاس من أولى الايمان)
(واذا قلبه أزلت تَجدهُ ... لَك فى قلب خلص الاخوان)
(واذا مَا أبدلت بِالْقَلْبِ عينا ... صَار مِمَّن تحب أقْصَى الامانى)
(أَو بغين أبدلته فَهُوَ وصف ... لرقيب مِنْهُ الكروب أعانى)
(أَو بفاء فاسم لمن لحماكم ... أم يَرْجُو منا هَل الاحسان)
(أَو بقاف فوصف مَا بفؤادى ... للقاكم من لاعج النيرَان)
(وَهُوَ مَا يبْقى بالجسم للنَّاس دهرا ... وبروح ان جِسْمه صَار فانى)
(وَيسر النُّفُوس فى مجْلِس الانس اذا ضَاعَ نشره فى الْمَكَان ... )
(وَهُوَ فى وَجه من تحب ترَاهُ ... وَاضحا دَائِما مدى الازمان)
(ورد اللغز نَحْو بابك يسْعَى ... يرتجى حلّه بِحسن الْبَيَان)
(فأجب سيدى فَلَا زلت أَهلا ... للمعالى فى نعْمَة وأمان)
قَالَ وَهَذَا الْجَواب الذى كتبته اليه وَهُوَ
(أمعان بَدَت لنا من مبانى ... أم عُقُود فاقت عُقُود الجمان)
(أم سلاف راقت ورقت فَلَمَّا ... مَا زجتنى غَدَوْت كَالسَّكْرَانِ)
(أم حبيب مواصل بعد هجر ... من لطفا بِقُرْبِهِ والتدانى)
(أم نظام قد جَاءَنَا من امام ... وَاحِد الدَّهْر مَاله فِيهِ ثانى)
(فظباء الْعُلُوم ترتع زهوا ... فى رباه مَا بَين تِلْكَ المغانى)
(مَا امْرُؤ الْقَيْس فى القريض وَقس ... عِنْدَمَا قلت يَا امام الزَّمَان)
(أَنْت بَحر الندى وَحبر المعالى ... أَنْت انسان عين هَذَا الزَّمَان)
(أَنْت شمس لَكِن بِغَيْر كسوف ... أَنْت بدر لَكِن بِلَا نُقْصَان)
(لَك يَا أوحد الزَّمَان بَيَان ... قد غَدا حاويا بديع الْمعَانى)
(كل أهل الْعُلُوم ركن وَلَكِن ... أَنْت مولاى عُمْدَة الاركان)
(فَضلكُمْ شَامِل الانام فانى ... وَاجِد شكركم بِكُل لِسَان)
(كل شخص أَتَى يؤم حماكم ... شملته هواطل الاحسان)
(جَاءَ من در بَحر فضلك لغز ... فاق لطفا قَائِد العقيان)
(هُوَ روض وفاح مِنْهُ عبير ... فغدا مذكرى خدود الحسان)
следующие страницы →