Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
وَرُبمَا كَانَ يَأْكُل من كسب يَمِينه ونسج الْحَرِير وَكَانَ يُقيم الذّكر فى زاويتهم الَّتِى ذكرنَا خَبَرهَا فى تَرْجَمَة السَّيِّد مُحَمَّد بن حسن فى رَجَب وَشَعْبَان ورمضان يَوْمًا فى الاسبوع وَهُوَ يَوْم الاحد وَكَانَ كَرِيمًا سخيا عَاقِلا كَامِلا قَلِيل الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ وَكَانَ محبا للخمول والانزواء وَقَالَ الْحسن البورينى فى تَرْجَمته وعندى انه كَانَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى لَان أخلاقه كَانَت أَخْلَاق الاولياء العارفين وَقَالَ النَّجْم كنت يَوْمًا جَالِسا فى الْجَامِع الاموى فَدخل من بَاب العنبرانيين وَصلى مَا تيَسّر لَهُ فأسرع فى الاركان فخطر لى فِيهِ أَنه عامى لَا يحسن الطمأنية فى الصَّلَاة فَسلم من صلَاته ثمَّ قَامَ من مَجْلِسه وَأَقْبل على وصافحنى وَقَالَ لى يَا سيدى لَا تؤاخذنى فانى عامى وَصَلَاة العامى لَا تعجب الْعلمَاء فَعلمت أَنه كشف مِنْهُ فكارمته فى الْخطاب واعتذرته وَكَانَت آثَار الصّلاح ظَاهِرَة على وَجهه وَكَانَت وَفَاته يَوْم الثلاثا سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة ارْبَعْ بعد الالف وَشَيخ الْمَشَايِخ هُوَ الذى يعْقد الشد والعهد لاهل الصَّنَائِع وَكَانَ صَاحب هَذَا المنصب قَدِيما يعرف بسُلْطَان الحرافيش ثمَّ كنى احتشاما بشيخ الْمَشَايِخ وَالله تَعَالَى أعلم
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن بَرَكَات الملقب ولى الدّين بن شمس الدّين بن الكيال الشافعى الدمشقى الامام الْعَالم الصَّالح الدّين وَهُوَ وَالِد شمس الدّين الْمُقدم ذكره آنِفا وجد جدتى لابى وَله وقف أهلى نصفه بيدى كَمَا ذكرته فى تَرْجَمَة ابْن عَمه بَرَكَات بن تقى الدّين وَكَانَ خطيب الصابونية وَولى نِيَابَة النّظر بالشامية البرانية فَلَمَّا ولى تدريسها أَبُو الْفِدَاء اسمعيل النابلسى عوضه عَنْهَا بتولية الظَّاهِرِيَّة فَبَقيت مَعَه الى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى الْيَوْم الذى توفى فِيهِ الشَّمْس مُحَمَّد بن المنقار الْمُقدم ذكره بل فى الْوَقْت الذى مَاتَ فِيهِ وَهُوَ وَقت الْغُرُوب من يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع وعشرى شَوَّال سنة خمس بعد الالف بعد أَن تمرض وأقعد سنوات وَمَات وَهُوَ فى عمر الثَّمَانِينَ وَدفن يَوْم الاربعاء بتربة بَيت بِبَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن دَاوُد المنعوت شمس الدّين بن صَلَاح الدّين الداودى القدسى الدمشقى الشافعى الْمُحدث الْفَقِيه علم الْعلمَاء الاعلام والمفتى الْمدرس الْهمام قَرَأَ بالقدس على الْعَلامَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَبى اللطف المقدسى وَغَيره ثمَّ رَحل الى مصر وَأخذ عَن جمَاعَة من المصريين مِنْهُم النَّجْم الغبطى والناصر الطبلاوى وَالْجمال يُوسُف ابْن القاضى زَكَرِيَّاء والخطيب الشربينى وَالشَّمْس الرملى وَدخل دمشق فَأخذ
стр. 1612
بهَا عَن الْبَدْر الغزى ولازم دروسه وَأعَاد للعلامة اسمعيل النابلسى بالشامية وَأخذ عَنهُ الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وَكَانَ لَهُ مُشَاركَة جَيِّدَة فى الْفِقْه ومسايرة تَامَّة فى الْمعَانى وَالْبَيَان وَسَائِر عُلُوم الْعَرَبيَّة واستحضار جيد للشواهد والامثال وَأما الحَدِيث فَكَانَ فِيهِ متقنا ماهرا وَلما دخل دمشق سكن فى حجرَة فى العزيزية وَكَانَ فَقِيرا فسعى لَهُ شَيْخه النابلسى الْمَذْكُور فى أَقسَام من الْعِمَارَة السليمانية ثمَّ ولى مشيخة الحافظية خَارج دمشق ودرس فى الحَدِيث بالجامع الاموى بعد موت الْبَدْر الغزى وَبِه اشْتهر فأقرأ صَحِيح مُسلم ثمَّ صَحِيح البخارى ثمَّ السِّيرَة وَكَانَ يقْرَأ بَين يَدَيْهِ الشَّيْخ مُحَمَّد الحادى الصيداوى ونقلت عَن خطه مَا نَصه وَقع الْخَتْم للسيرة النَّبَوِيَّة بِقِرَاءَة الشَّيْخ مُحَمَّد الحادى على الْفَقِير بِجَامِع بنى أُميَّة عَشِيَّة الْخَمِيس السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف وحضره جمع من الْعلمَاء والمشايخ والطلبة وَغَيرهم وأملينا فِيهِ حديثين وهما مِمَّا ذكره الْحَافِظ العراقى فى أَمَالِيهِ أَحدهمَا حَدِيث اعذار الله الى عبد أخر عمره الى السِّتين أَو السّبْعين وَذكر ان البخارى رَوَاهُ من غير أوالسبعين وَالْآخر حَدِيث قَالَ رجل يَا رَسُول الله أى النَّاس خير قَالَ من طَال عمره وَحسن عمله قَالَ فأى النَّاس شَرّ قَالَ من طَال عمره وساء عمله فسقناهما باسنادين منا الى النبى
وَكَذَا مَا أملاه فى مَعْنَاهُمَا عقب املائهما وَهُوَ قَوْله نظما
(أكملت فى ذَا الْيَوْم سبعين سنه ... مرت وَمَا كَأَنَّهَا الا سنه)
(لم أدخر فِيهَا سوى توحيده ... وَحسن ظنى فِيهِ وَهُوَ حسنه)
(مَا حَال من لم يتعظ بزاجر ... وفى مراعى اللَّهْو أرْخى رسنه)
(قد أعذر الله الذى السِّتين هَل ... يلفى مسئ عمل أَو محسنه)
(وان شَرّ النَّاس من طَالَتْ بِهِ ... حَيَاته وَفعله مَا أحْسنه)
(وان خير النَّاس من طَالَتْ بِهِ ... حَيَاته وَفعله قد أحْسنه)
(لكننا نأمل من خالقنا ... عَافِيَة دائمة مستحسنه)
(متعنَا الله بأسماع تعى ... وأعين باصرة وألسنه)
(ونرتجى عِنْد انقضا آجالنا ... ختما بِخَير ووفاة حسنه)
(وانما النَّاس نيام من يمت ... مِنْهُم أَزَال الْمَوْت عَنهُ وسنه)
قَالَ وَقلت أَنا من لفظى لنفسى عقب املائى لما ذكر يَوْم الْخَمِيس عشرى شهر رَمَضَان
стр. 1613
سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وَهُوَ
(أدْركْت فى ذَا الْعَام سِتِّينَ سنه ... وَقد مَضَت مثل خيال وسنه)
(ظلمت فِيهَا النَّفس ظلما بَينا ... قصرت عَن كسب الْخِصَال الحسنه)
(لم آل جهدا فى اتباعى للهوى ... وَلم أحصل قربا مستحسنه)
(واخجلتا فى مَوَاقِف الْعرض اذا ... يصير سر كل شخص علنه)
(لَكِن ظنى فى كريم حسن ... ينيلنى من الْجَمِيل حسنه)
(الا أجى يَوْم اللقا معترفا ... بالفقر وَالْعجز وذل المسكنه)
(مرتجيا غفرانه عَن زلتى ... بخصلتين كل احدى حسنه)
(توحيده بِالْقَلْبِ منى مخلصا ... كَذَاك نشرى للنبى سنَنه)
(فالفوز أَرْجُو من الهى بِالرِّضَا ... فى جنَّة الفردوس دَار المأمنه)
(وبشفاعة النبى أرتجى ... منزلَة تقرب فِيهَا وَطنه)
(فصل با رب عَلَيْهِ دَائِما ... وَاجعَل الهى ختم عمرى أحْسنه)
وَلما وقفت على مَا أسْندهُ الْحَافِظ أَبُو الْفضل العراقى الى الامام أَبى الْقَاسِم الرافعى مِمَّا أملاه من لَفظه لنَفسِهِ وَلم يذكر تَارِيخ املاء الرافعى لذَلِك وَلَا مَكَانَهُ وَذكر تَارِيخ املائه هُوَ لَهُ ومكانه وَهُوَ الْمجْلس الْمِائَة الْوَاقِع بِالْقَاهِرَةِ بِالْمَدْرَسَةِ القراسنقرية يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع جُمَادَى الاولى سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَهُوَ
(طُوبَى لمن طيب أوقاته ... اذا نأى عَنْكُم بذكراكم)
(اذا دنا عطر أردانه ... بِمَا يغِيظ الْمسك رياكم)
(كل فؤاد بكم مغرم ... وكل عين تترضاكم)
(اذا حييتُمْ فدعونى أمت ... فانما محياى محياكم)
(رفقا بِمن صَار أَسِيرًا لكم ... أما ترقون لاسراكم)
(أمالكم فى وَجهه سيمة ... روحى فدَاء لثناياكم)
(أمالكم فى شَأْنه رَحْمَة ... رحمنا الله واياكم)
فَقلت أَنا من لفظى لنفسى وأمليته عقد ختمى لمجلس الْوَعْظ على الكرسى بالجامع الاموى فى يَوْم الِاثْنَيْنِ سلخ شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف
(اذا حضرتم واجتمعنا بكم ... فقد تَمَتعنَا برؤياكم)
(وان نأت عَن دَارنَا داركم ... فقد تداوينا بذكراكم)
стр. 1614
(طُوبَى لمن أنستموه بكم ... فَهُوَ بِغَيْب يتراآكم)
(وَقد سكنتم فى سويدائه ... فأينما وَجه يلقاكم)
(فَالْعَبْد مِنْكُم واليكم وفى ... بَاب رضاكم يترجاكم)
(وَمَاله من سَبَب موصل ... الى مناه غير رحماكم)
(فَمن يُرْجَى جودكم صَادِقا ... تولوه من فيض عطاياكم)
وَكَانَ يعظ يَوْم الاحد وَالْخَمِيس من كل جِهَة فى الاشهر الثَّلَاثَة رَجَب وَشَعْبَان ورمضان عَن ظهر قلب وَكَانَ الوعاظ غَيره يعظون النَّاس من الكراريس فثار جمَاعَة الشهَاب الطيبى الْمُتَوفَّى فى سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة اليه وَقَالُوا كَيفَ يأتى رجل غَرِيب ويعظ غيبا وَأَنت شيخ الوعاظ والمفسرين بِدِمَشْق وتعظ النَّاس من الكراريس فَلَا زَالُوا بِهِ حَتَّى ترك الكراريس وَصَارَ يملى فى التَّفْسِير وَغَيره ففاق على الداودى لانه كَانَ وَاسع الصَّوْت فصيح الْعبارَة سريع الاملاء وَكَانَ الداودى منخفض الصَّوْت وَله فى لِسَانه رتة الا انه كَانَ صَحِيح الْعبارَة حسن الاستحضار عَلَيْهِ مهابة الْعلمَاء وَله سكينَة وَولى آخر تدريس الاتابكية بالصالحية وانتفع بِهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ من الْفُضَلَاء الْمشَار اليهم أنبلهم الْحسن البورينى فانه أَخذ عَنهُ الحَدِيث وَذكره فى تَارِيخه وَأَطْنَبَ فى مدحه على عَادَته ثمَّ قَالَ وَكَانَ مَعَ كَمَال فَضله وَغَايَة فطنته ونبله ينظم الشّعْر البديع الذى يعْتَرف بحسنه البديع كتب الى وكتبت اليه وَأورد على وأوردت عَلَيْهِ فَمن ذَلِك أرسل الى ملغزا فى ورد فَقَالَ
(يَا اماما قد حَاز كل الْمعَانى ... ورقى للعلى بِغَيْر توانى)
(دمت للمجد والفضائل كنزا ... دَائِما آمنا من الْحدثَان)
(مَا اسْم شئ لَهُ حُرُوف ثَلَاث ... وحروف تزيد فَوق ثَمَان)
(واذا مَا حرفته كَانَ دأبا ... لذوى الدّين من أولى الْعرْفَان)
(وَكَذَا مَا حذفت أول حرف ... مِنْهُ أضحى فعلا لماضى الزَّمَان)
(واذا مَا عكست ذَا الامر تلقى ... جوهرا فى نحور حورحسان)
(واذا مَا بدلت أول حرف ... مِنْهُ بَاء أضرّ بالانسان)
(أَو بجيم فوصف ثوب معنى ... فَاقِد الْقُوت عادم الامكان)
стр. 1615
(أَو بفاء أبدلته فَهُوَ وصف ... للاله الْمُهَيْمِن الديَّان)
(أَو بنُون فَذا حرَام علينا ... معشر النَّاس من أولى الايمان)
(واذا قلبه أزلت تَجدهُ ... لَك فى قلب خلص الاخوان)
(واذا مَا أبدلت بِالْقَلْبِ عينا ... صَار مِمَّن تحب أقْصَى الامانى)
(أَو بغين أبدلته فَهُوَ وصف ... لرقيب مِنْهُ الكروب أعانى)
(أَو بفاء فاسم لمن لحماكم ... أم يَرْجُو منا هَل الاحسان)
(أَو بقاف فوصف مَا بفؤادى ... للقاكم من لاعج النيرَان)
(وَهُوَ مَا يبْقى بالجسم للنَّاس دهرا ... وبروح ان جِسْمه صَار فانى)
(وَيسر النُّفُوس فى مجْلِس الانس اذا ضَاعَ نشره فى الْمَكَان ... )
(وَهُوَ فى وَجه من تحب ترَاهُ ... وَاضحا دَائِما مدى الازمان)
(ورد اللغز نَحْو بابك يسْعَى ... يرتجى حلّه بِحسن الْبَيَان)
(فأجب سيدى فَلَا زلت أَهلا ... للمعالى فى نعْمَة وأمان)
قَالَ وَهَذَا الْجَواب الذى كتبته اليه وَهُوَ
(أمعان بَدَت لنا من مبانى ... أم عُقُود فاقت عُقُود الجمان)
(أم سلاف راقت ورقت فَلَمَّا ... مَا زجتنى غَدَوْت كَالسَّكْرَانِ)
(أم حبيب مواصل بعد هجر ... من لطفا بِقُرْبِهِ والتدانى)
(أم نظام قد جَاءَنَا من امام ... وَاحِد الدَّهْر مَاله فِيهِ ثانى)
(فظباء الْعُلُوم ترتع زهوا ... فى رباه مَا بَين تِلْكَ المغانى)
(مَا امْرُؤ الْقَيْس فى القريض وَقس ... عِنْدَمَا قلت يَا امام الزَّمَان)
(أَنْت بَحر الندى وَحبر المعالى ... أَنْت انسان عين هَذَا الزَّمَان)
(أَنْت شمس لَكِن بِغَيْر كسوف ... أَنْت بدر لَكِن بِلَا نُقْصَان)
(لَك يَا أوحد الزَّمَان بَيَان ... قد غَدا حاويا بديع الْمعَانى)
(كل أهل الْعُلُوم ركن وَلَكِن ... أَنْت مولاى عُمْدَة الاركان)
(فَضلكُمْ شَامِل الانام فانى ... وَاجِد شكركم بِكُل لِسَان)
(كل شخص أَتَى يؤم حماكم ... شملته هواطل الاحسان)
(جَاءَ من در بَحر فضلك لغز ... فاق لطفا قَائِد العقيان)
(هُوَ روض وفاح مِنْهُ عبير ... فغدا مذكرى خدود الحسان)
стр. 1616
(ان هَذَا وَالله سحر حَلَال ... فاتنى حلّه بِعقد اللِّسَان)
(كَانَ فى خُفْيَة فَهبت عَلَيْهِ ... نسمات الافكار والاذهان)
(فأثارت مِنْهُ العبير فاضحى ... وَاضحا ظَاهرا لعين جنانى)
(واذا مَا قلبته قلب بعض ... صَار دور ايا كَامِل الْعرْفَان)
(واذا مَا حذفت قلبا فَيبقى ... مشبهى صدغ شادن فتان)
(فِيهِ نشر حكى ثنائى عَلَيْكُم ... لعطاء كالوابل الهتان)
(يَا اماما سما على كل سَام ... فعلا رفْعَة على كيوان)
(خُذ جَوَابا أَتَاك يبدى قصورا ... هن حَلِيف الهموم والاحزان)
(أَيْن نظم القريض من فكر شخص ... أغرقته مواطر الاشجان)
(عاندته يَد الزَّمَان فاضحى ... فى مَكَان وقصده فى مَكَان)
(ثمَّ قل لى مَا اسْم ثلاثى وضع ... ثُلُثَاهُ عش دَائِما فى أَمَان)
(واذا مَا فتحت عينا ترَاهُ ... صَار فعلا لماضى الازمان)
(آخر مِنْهُ مثل علمك طود ... أول مِنْهُ أَنْت فى الانسان)
(لَيْسَ يَخْلُو مِنْهُ لطيف وإنى ... صرت مِنْهُ فى النَّاس كالحيران)
(ان تصحفه تلقه ضد ضوء ... فِيهِ أبكى من زَائِد الهجران)
(فاكشفنه وأوضحن لِمَعْنى ... دمت فى رفْعَة مدى الازمان)
(مَا تغنت على الاراكة ورق ... فأمالت مَوَائِد الاغصان)
قَالَ فأجابنى بقوله بِهَذِهِ وهى
(أَيهَا الْفَاضِل الذى فى الْمعَانى ... وَبَيَان علا بديع الزَّمَان)
(يَا فصيحا قد فاق فى الْفضل قسا ... وبليغا أربى على سحبان)
(من يجارى جواد فكرك يكبو ... طرفه فى غَدَاة يَوْم الرِّهَان)
(هَكَذَا هَكَذَا القريض والا ... فالاحق السُّكُوت للانسان)
(قد حللت الْمَعْقُود أحسن حل ... وعقدت المحلول عقد الجمان)
(وبذكر الخدود هيمت قلبا ... كَانَ من قبل زَائِد الهيمان)
(وبواو الاصداغ وَالدَّال أضحى ... لى دور فى فى الْورْد وَالريحَان)
(وحوى نظم عقد لفظك لغزا ... سَاب الرّوح من يَد الجثمان)
(هُوَ شئ لَهُ على النَّاس حكم ... من تولى عَلَيْهِ أصبح عانى)
стр. 1617
(حَاكم ظَالِم لطيف عنيف ... بَاطِن ظَاهر بِلَا كتمان)
(جَائِر فى قُضَاته لَيْسَ يخْشَى ... من وَزِير علا وَلَا سُلْطَان)
(وَقُلُوب الاسود بالرغم أمست ... مِنْهُ قهرا مراتع الغزلان)
(كم لَهُ فى الاحياء مثلى قَتِيلا ... من كماة لَدَى الوغى شجعان)
(وَهُوَ فى اللَّفْظ ذُو حُرُوف ثَلَاث ... ولدى الْبسط وَاحِد مَعَ ثَمَان)
(أول مِنْهُ ان بدا لى أنادى ... مرضى من مرضة الاجفان)
(وأخير مماثل طور سينا ... عَكسه فاق شامخ الْبُنيان)
(ان تفصل حُرُوفه وتصحف ... تلقه فى مفصل الْقُرْآن)
(وتراه مُصحفا عَاد كالصبح ... اذا من هَاجر بالندانى)
(وَهُوَ فى الْقلب كامن وتراه ... ناطقا مفصحا بِغَيْر لِسَان)
(ثُلُثَاهُ أودعته فى مقالى ... عِشْت دهرا ممتعا فى أَمَان)
(خُذ جَوَابا بَينته لَك حَتَّى ... صَار من بعد وَاضح التِّبْيَان)
(ثمَّ دم راقيا سَنَام المعالى ... حائز الْمجد فائق الاقران)
(مَا جرى بَين أهل فضل سُؤال ... وَجَوَاب يفوق زهر الْجنان)
وَمِمَّا أوردهُ النَّجْم الغزى مَا أنْشدهُ اياه قَوْله
(لَوْلَا ثَلَاث هن من ودى ... مَا كنت أخْشَى الرمس فى لحدى)
(ان أنشر السّنة أبغى بهَا ... نصرا على الْحَاسِد والضد)
(وأتلو الْقُرْآن لَيْلًا اذا ... نَام الورى فى الْفرش والمهد)
(وان أرى فى عمل مخلصا ... لَدَى الاله الْوَاحِد الْفَرد)
(فهى ثَلَاث أرتجى فى غَد ... أرقى بهَا فى جنَّة الْخلد)
قَالَ النَّجْم مولده كَمَا سمعته من لَفظه ثمَّ قرأته من خطه فى أحد الربيعين سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى يَوْم الاربعاء ثَالِث شعْبَان سنة بعد الالف وَكَانَت جنَازَته حافلة وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير قَالَ وَكَانَ سَبَب مَوته مرض عقب غيظ حصل لَهُ فى مجْلِس عقده عَلَيْهِ شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا حِين كَانَ قَاضِيا بالشأم بِسَبَب حمية لابى زَوجته السَّيِّد أَبى بكر الحصرى بِسَبَب دَعْوَى سبقت مِنْهُ فى زمن الْمولى كَمَال الدّين حُسَيْن كَانَ قاضى الشأم على زين الدّين بن المريد أَنه سبه وَسَب أجداده وَكَانَت مفتراة على ابْن المريد أَن يذب عَن عرضه وَيدْفَع
стр. 1618
مَا سجل عَلَيْهِ من الدَّعْوَى فعرضت صُورَة الدَّعْوَى على شُيُوخ الْعَصْر فوجدوها متناقضة هى وَالشَّهَادَة وبينوا التَّنَاقُض فعارف فى ذَلِك الداودى فَجمع قاضى الْقُضَاة الْعلمَاء مِنْهُم شَيخنَا القاضى محب الدّين الحنفى وَالشَّيْخ شهَاب الدّين العيثاوى الشافعى وَكَانَا قد أفتيا بِعَدَمِ مُطَابقَة الشَّهَادَة للدعوى فعارضهما الداودى وأيد أهل الْمجْلس كَلَامهَا وأفهموا القاضى مَا أفهماه وَوَقع من القاضى فى حَقه بِسَبَب انه قَالَ معتذرا عَن قِيَامَة فى ذَلِك الْمُصَاهَرَة تقتضى المناصرة وَقَالَ لَهُ القاضى لَا تكْتب على الْفَتْوَى بعْدهَا فَحصل لَهُ غيظ وانزعاج وَمرض من يَوْمئِذٍ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الذى مَاتَ فِيهِ ابرهيم بن الطباخ الْمُقدم ذكره دخل ضحوة النَّهَار جمَاعَة يعودون الداودى فَبَيْنَمَا هم عِنْده اذ دخل عَلَيْهِ منلا على العجمى الاعرج وَكَانَ من أصدقائه وتلاميذه فَقَالَ لَهُ أعظم الله أجركُم فى الشَّيْخ ابراهيم بن الطباخ فتألم الداودى وتأوه وتأسف عَلَيْهِ وتكدر الْمجْلس لما كَانَ بَينهمَا من الصداقة والتلاميذ فَخرج النَّاس فَقَالَ لاخيه الشَّيْخ عبد الْقَادِر أقعدنى يَا أخى فأقعده فلقف ثَلَاث لقفات وَمَات لوقته رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن مُحَمَّد الملقب بدر الدّين الكرخى الشافعى نزيل مدرسة السُّلْطَان حسن بِمصْر ذكره الشَّيْخ مَدين القوصونى فَقَالَ فى حَقه كَانَ عَالما عَاملا فَاضلا كَامِلا فَقِيها مُفَسرًا مُحدثا مطلعا أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة مِنْهُ شيخ الاسلام زَكَرِيَّا الانصاري قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأت عَلَيْهِ سُورَة الْفَاتِحَة وأجازنى بِجَمِيعِ مروياته ومؤلفاته وَمِنْهُم الامام شهَاب الدّين أَحْمد الرملى وَولده الشَّمْس وَالشَّيْخ الْعَلامَة الشَّمْس مُحَمَّد بن ابراهيم التتائى المالكى قَالَ وَمن جملَة مَا قرأته عَلَيْهِ شَرحه على القصيدة الَّتِى فى مصطلح الحَدِيث الَّتِى أَولهَا قَوْله
(غرامى صَحِيح والرجا فِيك معضل ... وحزنى ودمعى مُرْسل ومسلسل)
قَالَ قرأتها عَلَيْهِ فى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَألف التآليف الفائقة مِنْهَا حاشيتان على تَفْسِير الجلالين كبرى فى أَربع مجلدات وصغرى مجلدين ضخمين وَله أَيْضا حَاشِيَة على شرح الْمِنْهَاج للشَّيْخ جلال الدّين الْمحلى وَكَانَت وِلَادَته فى عشرَة وَتِسْعمِائَة وَتوفى سنة سِتّ بعد الالف فى ذى الْقعدَة وَدفن بحوش الامام الشافعى رحمهمَا الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن مُؤذن باجمال قَالَ الشلى فى وَصفه صَاحب الاحوال
стр. 1619
والمهابة ولد فى سنة خمس وَتِسْعمِائَة بعد وَفَاة وَالِده مُحَمَّد فَسمى باسمه وتربى فى حجر عَمه الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وَحفظ الْقُرْآن وَقَرَأَ على عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور الْعلم وَأخذ الْفِقْه عَن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن سراج ووالده والفقيه مُحَمَّد بامهيد وَحصل كتبا كَثِيرَة ووقفها على طلبة الْعلم وَكَانَ صَحِيح الْقلب والجسم معافى من الامراض معاشر بِالْمَعْرُوفِ قَائِما بِحُقُوق الاخوان والمحبين فى الله تَعَالَى من الاكرم وصلَة الرَّحِم لَهُ صَبر شَدِيد شكور لله تَعَالَى على نعمه الظَّاهِرَة والباطنة وَكَانَ لَهُ همة علية ومروءة تَامَّة فى جَمِيع أَحْوَاله ووقف على عمَارَة كتبه وَقفا كَبِيرا ووقف سقايتين ووقف عَلَيْهِ مَا يقوم بهما وَكَانَت وَفَاته فى سنة سبع بعد الالف
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله التركى الخلوتى المصرى أَخُو عبد الله الصبان الْمُقدم ذكره المناوى فى طبقاته وَقَالَ كَانَ شَيخنَا صَالحا متعبدا متزهدا ريض الاخلاق حسن الشمايل جيد الْخِبْرَة بطرِيق التصوف مشاركا لاهل الْحَقَائِق أَخذ عَن الشَّيْخ كريم الدّين الخلوتى ثمَّ عَن أَخِيه الشَّيْخ عبد الله وَكَانَ مَعَ تخلقه باخلاق الْقَوْم وتمكنه فى طريقهم لَا يَأْكُل إِلَّا من عمل يَده فَكَانَ يعْمل المناخل ويبيعها ويتقوت مِنْهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك ملازما للْجدّ وَالِاجْتِهَاد بِحَيْثُ لَا يغْفل طرفَة عين وَكَانَ محمدى الصِّفَات ان ذكرت الدُّنْيَا ذكرهَا مَعَك وان ذكرت الْآخِرَة ذكرهَا مَعَك وَلم يكن للغضب عَلَيْهِ سَبِيل وَكَانَ قد انْتهى الى حَالَة يسمع مَعهَا نطق الْحَيَوَانَات والجمادات بالتسبيح وَكَانَ اذا اشْتغل بِالذكر شَاركهُ الموجودات قَالَ وَلَزِمتهُ فَمَا رَأَيْته غضب وَقَالَ لى انه أَقَامَ ثَلَاثَة عشر عَاما لَا يضع جنبه الى الارض بل يصلى الصُّبْح بِوضُوء الْعشَاء وَقَالَ لى انه أَقَامَ بِمَكَّة سِنِين ينفصد فى كل أُسْبُوع مرَّتَيْنِ لشدَّة حر الْقطر وحدة الِاشْتِغَال قَالَ وَهَذِه كَرَامَة لَا ينكرها الا حَاسِد أَو معاند وَوَقع لَهُ أَنه دخل بَيْتا لَيْسَ فِيهِ مِصْبَاح فأضاء بدنه وَكَانَ يتأسف على اندراس أهل الطَّرِيق واختفاء آثَارهم وَحج فى آخر عمره وَرجع مَرِيضا وَمَات فى سنة سبع بعد الالف بعد هُوَ شهر من قدومه وَقَالَ فى مَرضه قد فتشت وطفت الْحجاز فَلم أر أحدا من الظاهرين فِيهِ أَهْلِيَّة التسليك وَطَرِيقَة الخلوتية قد صَارَت شاذلية وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع الازهر وَدفن بِجَانِب أَخِيه عبد الله بحارة بهاء الدّين تجاه مدرسة ابْن حجر وَلم يخلف بعده مثله رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 1620
مُحَمَّد بن مُحَمَّد شمس الدّين القدسى الشافعى الدمشقى الْمَعْرُوف فى بِلَاده بِابْن خصيب وبالسيد الصادى وفى دمشق بالسيد القدسى وَقد تقدم حفيده مُحَمَّد بن على وَذكرت نسبه ثمَّة فَليرْجع اليه وَكَانَ هَذَا السَّيِّد المترجم من أهل الْفضل والادب نَشأ على الْجد وَالِاجْتِهَاد حَتَّى سَاد وبرع ونبغ من بَين أَهله وحيدا لانه لم يكن فيهم صَاحب معرفَة بل كلهم من أَرْبَاب الْحَرْف ورحل الى مصر فى ابْتِدَاء أمره وَحفظ فِيهَا صفوة الزّبد وَكَانَ يَقُول كنت أسمع العلاماء بَيت الْمُقَدّس يَقُولُونَ من قَرَأَ هَذَا الْكتاب لابد أَن يلى الْقَضَاء قَالَ وَكنت لَا أَرغب فِيهِ فَكنت أَقُول انخرمت الْقَاعِدَة فَلَمَّا كنت بالروم احْتِيجَ الى قَاض شافعى لاجل فسخ نِكَاح فوليت الْقَضَاء فى تِلْكَ الْقَضِيَّة فَقلت هَذَا تَأْثِير مَا قيل فى من قَرَأَ الصفوة وَأخذ تدريس الْمدرسَة الجوزية وَأخذ فى مرّة أُخْرَى توجه فِيهَا الى الرّوم تدريس الْمدرسَة العمرية بالصالحية وَكَانَت لِلشِّهَابِ العيثاوى فَأعْطَاهُ العيثاوى دَرَاهِم واستفرغه عَنْهَا ثمَّ سَافر الى الرّوم مرّة أُخْرَى فاخذ تدريس العذارية فَقَرَأَ واقرأ وَأخذ العذراوية عَن القاضى ابْن المنقار فسافر وَأَخذهَا عَن ابْن المنقار ثَانِيًا واستمرت عَلَيْهِ الى أَن مَاتَ ودرس بالجامع الاموى وَلما هدمت دَار الْعدْل الَّتِى كَانَ قد عمرها الْملك الْعَادِل نور الدّين بِدِمَشْق وَكَانَ هدمها فى أَوَاخِر سنة ألف أَخذ السَّيِّد الْمَذْكُور حِصَّة من أرْضهَا وعمرها دَارا لَهُ وَسكن بهَا مُدَّة وَكَانَ قبل ذَلِك سَاكِنا بِالْمَدْرَسَةِ الريحانية وَكَانَ فى مُدَّة اقامته بِدِمَشْق يزاخم أكابرها ويداخلهم ويشفع فَتقبل شَفَاعَته الى أَن ولى قَضَاء الشَّام شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّاء فولاه قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِدِمَشْق قَالَ البورينى فاقتضت حِكْمَة الله تَعَالَى أَن اخْتَلَّ تَدْبيره وانهدم تعميره وَصَارَ عقله معقولا وَعقد تصرفه محلولا وَصَارَ يسير فى الاسواق مُنْفَردا وَيدخل بيُوت الطباخين وحيدا فيأكل من طعامهم ويلتذ بكلامهم ويلقى أَصْحَابه فَلَا يعرفهُمْ وينصرف عَنْهُم ويصرفهم وَلما ظهر اختلاله وَاخْتلفت أَفعاله وتناقضت أَقْوَاله وَلم تنتظم أَعماله قَيده وَلَده فى دَاره وَمنعه من تسياره وَمَضَت لَهُ مُدَّة شنيعة وَانْقَضَت أَحْوَاله البديعة والدهر أَبُو الاهوال وَلَا يبْقى مَعَ أحد على حَال ثمَّ قَالَ وَكَانَ لى رَفِيقًا وَكنت لَهُ صديقا لَا أفتر عَن مصاحبته وَلَا أغيب عَن مُوَافَقَته فاما يكون عندى واما أكون عِنْده وَكَانَ
стр. 1621
لَا يلتذ بالعيش بعدى وَلَا ألتذ بالعيش بعده كَمَا قيل فى مَعْنَاهُ
(بروحى من نادمته فَوَجَدته ... ألذ من الشكوى وأصفى من الدمع)
(يوافقنى فى الْهزْل والجدد دَائِما ... فَينْظر من عينى وَيسمع من سمعى)
قَالَ وَكنت فى صحبته مرّة فى قَرْيَة منين من قرى الشَّام وهى فى الْحَقِيقَة ذَات روض نسام وزهر يفوق وزه على الثغر البسام مَاء جارى ونسيم سارى وواد لَا ترى فِيهِ الشَّمْس الا من خلال الاشجار وفوقها أطيار تسبح الْوَاحِد الْغفار فى الاصل والاسحار فَلَمَّا دنا وَقت الظهيره وَحمى حر الهجيره أَرَادَ الراحه فَانْفَرد عَنَّا للاستراحة فَمَا رَأَيْت الْمَنَام غنما بل رَأَيْته فى مثل ذَلِك الْمَكَان غرما فَكتبت اليه مرتجلا وَأرْسلت اليه عجلا
(بحقك خلى لَا تضع فرْصَة المنى ... وبادر الى هَذَا الغدير المسلسل)
(وان لم تَجِد زهر الرياض فاننا ... نريك زهوراً من كَلَام مرتل)
فَكتب الى وَعطف بجوابه على قَوْله
(على غَدِير جلسنا فى مذاكرة ... ودوحة قَامَ من سوق على سَاق)
(فخلت أَغْصَان ذَاك الدوح باكية ... تُرِيدُ تكْتب مَا نملى بأوراق)
وَلما وصلا الى وحصلا لَدَى كتب اليه هَذَا
(جلسنا بروض فِيهِ زهران أسقيا ... بِمَاء افتكار والمياه الدوافق)
(فَمن زهر يبديه روض كلامنا ... وَمن زهر يبديه روض الحدائق)
قَالَ وبالقرب من قَرْيَة منين قَرْيَة يُقَال لَهَا التل قبل الْوُصُول اليها من جَانب دمشق فَلَمَّا قَفَلْنَا من جَانب منين عزم علينا أَهلهَا أَن نمكث بهَا عِنْدهم يَوْمًا فأجبنا الدعوه وانتهزنا فرْصَة الايام الحلوه فَكتب الى السَّيِّد الْمَذْكُور مداعبا فَقَالَ
(أيا رَوْضَة الْآدَاب وَالْفضل والحجى ... وَمن فاق فى جمع الْكَمَال على الْكل)
(ترى هَل يعود الدَّهْر يَوْمًا يؤمنا ... ونرقى كَمَا رام الْفُؤَاد على التل)
فَكتبت اليه فى الْحَال على سَبِيل الارتجال فَقلت
(أيا سيد السادات يَا من بنانه ... تضيف الورى بالجود فى الزَّمن الْمحل)
(اذا ساعد الْحَظ السعيد فاننا ... نطل على الوادى ونرقى على التل)
وَكَانَ بِدِمَشْق خطيب فى الْجَامِع الاموى وَكَانَ أعرج أَعْوَج مُتَّهمًا فى العقيدة وفى الافعال وَهُوَ شرف الدّين مَحْمُود بن يُونُس الطَّبِيب وَكَانَ مَعَ جَهله يتَعَرَّض للفتيا
стр. 1622
وَكَانَ النَّاس يعدون ذَلِك من الْبلوى فَكتب يَوْمًا على بعض أَحْكَام قاضى الْقُضَاة بِالشَّام مصطفى بن بُسْتَان انه بَاطِل وَمن حلى الْحَقِيقَة عاطل فَجمع عَلَيْهِ الْعلمَاء وَكتب فِيهِ رِسَالَة بِالْجَهْلِ بعض تَوَابِع القاضى الْمَذْكُور وَهُوَ الْفَاضِل أَحْمد بن اسكندر الرومى وَكتب عَلَيْهَا غَالب عُلَمَاء الْبَلدة فَمن جملَة من كتب عَلَيْهَا السَّيِّد صَاحب التَّرْجَمَة وَصُورَة مَا كتبه الْحَمد لله الذى أيد الْحق بالبرهان الْقَاطِع وَأظْهر الدّين وقمع كل فَاسق مخادع وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُوله الْمُصْطَفى الذى مَا زَالَ عَن الشَّرِيعَة يدافع حَتَّى أَزَال الظلام وبدا وَجه الْحق بِالنورِ الساطع وعَلى آله الَّذين هم طراز المحافل وعَلى صَحبه مَا ارْتَفع الْحق وخفض الْبَاطِل وَبعد فقد وقفت على هَذِه الرسَالَة الَّتِى سَارَتْ بسيرتها الركْبَان وتناقلها أكَابِر الْفُضَلَاء فى هَذَا الزَّمَان فَوَجَدتهَا غَرِيبَة الْمِثَال معربة عَن قَائِلهَا بِأَن لِسَان الْحَال أفْصح من لِسَان الْمقَال قد تَضَمَّنت مَا انطوى عَلَيْهِ هَذَا الْغمر من القبائح وَمَا انْتَشَر مِنْهُ فى هَذَا الْعُمر الْقصير من الفضائح فانه قد امتطى غارب الْجَهْل والعناد وانتضى حسام الزُّور الشرة بَين الْعباد وَأخذ أَمْوَال النَّاس وتوصل بهَا الى الْحُكَّام وَحصل ضَرَره وفساده فى الارض للخاص وَالْعَام مَشى على غير استقامة حسا وَمعنى وَأنْشد قَول الْقَائِل فى ذَلِك الْمَعْنى
(من يَسْتَقِيم يحرم مناه وَمن يزغ ... يخْتَص بالاسعاف والتمكين)
(أنظر الى الالف استقام ففاته ... عجم وفاز بِهِ اعوجاج النُّون)
تصدر للفتياء مَعَ انه أَجْهَل من توما الْحَكِيم وأنصف حِمَاره ابْن حجيج فَرَكبهُ فى اللَّيْل البهيم قد فتح فَاه بجهله وَصدر فتياه بقوله الْحَمد لله سُبْحَانَهُ وَالشُّكْر لله تَعَالَى شانه وَلم يُمَيّز فى السجعين بَين الْفَاعِل وَالْمَفْعُول فَكَأَنَّهُ اشْتغل بِبَاب الْبَدَل مَعَ حبه فَحصل لَهُ بِرُوحِهِ هَذَا الذهول لانه رأى فى كتب النَّحْو المهذبه أَن الْفَاعِل مَا اسند اليه فعل فَظَنهُ بِهَذِهِ المرتبه وَلَو سُئِلَ لأبرز من ضَمِيره هَذَا الخاطر وَحلف بأبى عمْرَة ان هَذَا هُوَ الظَّاهِر وَلَقَد شهدته حضر بِمَجْلِس قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق الشَّام مَعَ وَاسِطَة عقد الْفُضَلَاء الْكِرَام وَبدر الليالى وشمس الايام الشَّيْخ حسن ابْن مُحَمَّد البورينى فدار بَينهمَا الْكَرم حَتَّى ذكر فى أثْنَاء كَلَامه وَلَا رجل لغوى فَفتح اللَّام فى الْمَنْسُوب فَقَالَ لَهُ البدرى حسن انك لغوى مُبين وانفضح فى ذَلِك بَين الْعَالمين فيا لَيْت شعرى بِهَذِهِ الرُّتْبَة السافله والدرجة النازله يروم أَن
стр. 1623
يرقى الْمَرَاتِب العليه بل هَذَا دَلِيل على انه أَجْهَل البريه
(لَا يستوى مُعرب فِينَا وَذُو لحن ... هَل تستوى البغلة العرجاء وَالْفرس)
وطالما عرج على درج الْمِنْبَر وَجعل أمرده أَمَامه وَلَوْلَا التقية لجعله امامه وَمَا تلفت على أَعْوَاد الْمِنْبَر يَمِينا وَشمَالًا الا ليقتنص ظَبْيًا أَو يصيد غزالا واذا ترنم وَأظْهر الْخُشُوع واهتز لغير طرب وأجرى الدُّمُوع فلأجل مليح يرَاهُ عِنْد الْمِحْرَاب وَلم يسْتَطع أَن يشافهه بِالْخِطَابِ أَو ليخدع بعض الحضار من الاتقياء الاخيار فَأَنْشَدته ارتجالا وأنفاسى تتصعد ومهجتى بِنَار الكمد تتوقد
(أفاضل جلق أَيْن الْعُلُوم ... وَأَيْنَ الدّين مَاتَ فَلَا يقوم)
(يجاهركم خطيبكم بفسق ... ويفتى فِيكُم توما الْحَكِيم)
أَبَا الْحبّ والخب ترجو الرّفْعَة على الانام أم بالرشوة والتزوير تنَال الرتب فى هَذِه الايام أم بالسعى فى ابطال حق وَحَقِيقَة بَاطِل ستان بَين من تحلى بالفضائل وَبَين من هُوَ مِنْهَا عاطل وَمَا كَفاك أخذك التدريس بالتدليس وخوضك فى الْفِتَن الَّتِى فقت بهَا على ابليس حَتَّى دخلت على الْعلمَاء من غير بَاب ورددت أَقْوَال الْفُضَلَاء بِغَيْر صَوَاب كَأَنَّهُ خطر فى زعمك الْفَاسِد وفكرك الْقَبِيح الكاسد أَن الله قبض الْعلمَاء وَلم يبْق مِنْهُم أحد وَاتخذ النَّاس رُؤَسَاء جهلاء فى كل بلد فتضل النَّاس كَمَا ضللت وتعديت وتنفق بضاعتك الكاسدة بِقَوْلِك أَفْتيت وَفِيه
(قُولُوا الاعرج جَاهِل متكبر ... قد جَاءَ يطْلب رفْعَة وتكرما)
(دع مَا تروم فان حظك عندنَا ... تَحت الحضيض وَلَو عرجت الى السما)
وَمَا يدل على جهلك الْمركب وَعدم فهمك الذى هُوَ من ذَاك اعْجَبْ انك ترى دمشق الشَّام مشحونة بالعلماء والافاضل الَّذين لَيْسَ لَهُم فى الدَّهْر من مماثل وهم مشتغلون بالعلوم وتحريرها وتنقيح الْمسَائِل وتقريرها وَأَنت تغالط بِنَفْسِك وَتدْخلهَا مَعَ غير أَبنَاء جنسك وتترفع على من لَا يرتضيك تقبل رجله وَلَا يراك أَهلا لخدمة نَعله دع الْفَخر فلست من فرسَان ذَلِك الميدان وَلَا أَنْت مِمَّن أحرز قصب السَّبق فى الْيَوْم الرِّهَان وَمَالك فى ذَلِك وَمَالك شيخ فى التدريس سوى أَبى مرّة ابليس فَمَا زلت تسلك فى مسالكه وَتَقَع فى مهاوى مهالكه حَتَّى أنْشد لِسَان حالك فى قَبِيح سيرتك وخبث أفعالك هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
(وَكنت فَتى من جند ابليس فارتقى ... بى الْحَال حَتَّى صَار ابليس من جندى)
стр. 1624
(فَلَو عِشْت يَوْمًا كنت أَحْسَنت بعده ... طرائق فسق لَيْسَ يحسنها بعدى)
فَلَمَّا تبين من حالك انه كالليل الحالك طردك شيخ الاسلام وأقصاك وحجب سَمعه عَن كلماتك الملفقة وَمَا أدناك فتضاعف لَهُ الدُّعَاء من سَائِر الورى وترادف لَهُ الشُّكْر من أهل الْمَدَائِن والقرى لَا زَالَ طَائِر الْفضل فى بُسْتَان فَضله مغردا ودام يَعْلُو على جَمِيع الاقران مُفردا فَهُوَ ذُو الْفِكر الصائب والفهم الناقب أعلم الْعلمَاء على الاطلاق وأوحد الاصلاء بالِاتِّفَاقِ حامى حوزتى الْعلم والشريعه حاوى الدقائق الَّتِى أَصبَحت لَهُ مطيعه مظهر الْحق فى سَائِر الامصار ممحى الْبَاطِل وقامع الاشرار من سقيت أُصُوله الزاكية من بُسْتَان الْعُلُوم وَطَابَتْ فروع ذَلِك الاصل زاهرة كَالنُّجُومِ أمد الله تَعَالَى أطناب دولته السعيده وأدام صولته الشديده بِمُحَمد وَآله وَمن سلك على منواله انْتهى وَللسَّيِّد صَاحب التَّرْجَمَة أشعار وأخباره كَثِيرَة وفى الْقدر الذى أوردنا لَهُ مقنع وَكَانَ عرض لَهُ فالج قبل مَوته بنحوسنة ثمَّ مَاتَ بالاسهال فى يَوْم السبت ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان بعد الالف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عمر بن اسمعيل بن أَحْمد بن الْفَرد فى زَمَنه الشَّيْخ محيى الدّين ينتهى نسبه الى السُّلْطَان ابراهيم بن أدهم قدس الله سره وَقد قدمنَا تَتِمَّة نسبه فى تَرْجَمَة ابْنه عبد الْحق المرزتانى الصوفى الحنبلى الْمَذْهَب الصالحى الشَّيْخ الصَّالح الْخَيْر كَانَ من أمثل صوفية الشَّام وَكَانَ أَخذ طَرِيق القادرية عَن الاستاذ أَحْمد بن سُلَيْمَان وَادّعى بعد موت شَيْخه انه خَلفه وَأَرَادَ أَن يجلس مَكَانَهُ على سجادته فَمَا مكن وَذكرنَا ذَلِك فى تَرْجَمَة الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن سُلَيْمَان الْمَذْكُور فَلَا نطيل باعادته وَكَانَ المترجم كثير الرحلة الى الرّوم وَله مَعَ علمائها اخْتِلَاط كثير وَكَانَ لَهُ فِيمَا يَفْعَله مَشَايِخ الصُّوفِيَّة من النشر والتعويذات شهرة تَامَّة وَكَانَ يروج بذلك مِقْدَاره عِنْد الاروام بِسَبَب اعْتِقَاد الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم ونال بِسَبَب ذَلِك قبولا وَأخذ وظائف ومعاليم كَثِيرَة وَكَانَ فَاضلا عَارِفًا وَله فى التَّارِيخ معرفَة وَقيد كثيرا من أَحْوَال معاصريه فى مجاميعه وَذكر وفيات بعض الْعلمَاء وَقد رَأَيْت مَنْقُولًا من خطه كثيرا من الْفَوَائِد من ذَلِك مَا صورته وفى نَهَار السبت ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع وَألف رَأَيْت أَسمَاء السَّبْعَة رضى الله عَنْهُم من أَصْحَاب النبى
الَّذين قتلوا وأجسامهم بقرية عذرا ورؤسهم بالسبعة وأقصابهم
стр. 1625
بِمَسْجِد الاقصاب وأقدامهم بِمَسْجِد الْقدَم فَقَالَ
(وَسَبْعَة بفنا عذراء قد دفنُوا ... وهم صِحَاب لَهُم فضل واكرام)
(حجر قبيصَة صيفى شريكهم ... ومحرز ثمَّ كرام وَهَمَّام)
(منى السَّلَام عَلَيْهِم دَائِما أبدا ... تترى يَدُوم عَلَيْهِم كلما داموا)
قلت قَالَ ابْن كثير فى تَارِيخه يسْتَحبّ زِيَارَة قُبُور الشُّهَدَاء بقرية عذراء وهم حجر بن عدى الكندى حَامِل راية رَسُول الله
وَابْن همام وَقبيصَة بن عدى الكندى حَامِل راية رَسُول الله
وَابْن همام وَقبيصَة بن ضبيعة العبسى وصيفى بن نسيك الشيبانى وَشريك بن شَدَّاد الحضرمى ومحرز بن شهَاب السعدى وكرام بن حَيَّان العنزى كلهم فى ضريح وَاحِد بِجَامِع الْقرْيَة المزبورة وهى مَكْتُوبَة على لوح من صَخْرَة نظمهم بعض الْعلمَاء فَقَالَ فى ذَلِك
(جمَاعَة بثرى عذراء قد دفنُوا ... وهم صِحَاب لَهُم فضل واكرام)
ألى آخر الْبَيْتَيْنِ عودا وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة فى أَربع عشرَة بعد الالف
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عمر بن سَالم الملقب شمس الدّين بن أَبى البقا الْمَعْرُوف بالقصير الموصلى الاصل الدمشقى الشافعى الْمَذْهَب ذكره النَّجْم وَقَالَ كَانَ يحفظ كَلَام الله تَعَالَى حفظا متينا ويحفظ من خطب الشهَاب الطيبى كثيرا أَخذ القراآت عَنهُ وَعَن وَلَده الشهَاب أَحْمد الصَّغِير وَكَانَ حَرِيصًا على مصنفات الطيبى ومناطمه وَكَانَ يلازم صَلَاة الظّهْر وَالْعصر فى جَامع الاموى وَيصلى الْجَمَاعَة ارْبَعْ مَرَّات وليم على الزِّيَادَة على مرَّتَيْنِ فَلم يدع ذَلِك وَولى ربع خطابة التوريزية بمحلة قبر عَاتِكَة مِقْدَار أَربع سِنِين وَتوفى فى جُمَادَى الاخرة سنة خمس عشرَة بعد الالف وَدفن بمقبرة مرج الدحداح على وَالِده قلت وَقد ذكر النَّجْم أَبَاهُ أَبَا البقا فى الْكَوَاكِب وَذكر ان جده لامه قاضى الْقُضَاة محيى الدّين النعيمى وانه مَاتَ فى غرَّة جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جَانِبك القاضى شمس الدّين الْمَعْرُوف بالسكنجى الدمشقى الشافعى ذكره النَّجْم وَقَالَ أَخذ الْعلم عَن الْعَلَاء بن الْعِمَاد والنور النسفى القاضى وَغَيرهمَا لكنه لم يحصل شَيْئا وَكَانَ مغفلا يعْتَقد الْفَضِيلَة فى نَفسه ويدعيها وناب فى الْقَضَاء فى تَوْلِيَة الْمولى على بن الحنائ فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَتِسْعمِائَة بمحكمة قناة العونى ثمَّ بمحكمة الميدان ثمَّ بمحكمة الصالحية ثمَّ بمحكمة الْكُبْرَى ثمَّ بِالْبَابِ بعد القاضى
стр. 1626
عمر بن الْموقع وعزل مِنْهَا مرَارًا وأعيد اليها وامتحن فى فتْنَة مَحْمُود البواب يعْنى الَّتِى ذكرنَا خَبَرهَا فى تَرْجَمَة حسن باشا بن مُحَمَّد الْوَزير وَأَخذه هُوَ والقاضى عبد الله ابْن الرملى المالكى من المحكمة الْكُبْرَى مهانين وحبسهما فى بَيت ابْن خطاب وَكَانَ أحد الشُّهُود بهَا مُحَمَّد بن عُثْمَان أَمِين الدّين الصالحى يداعب القاضى السكنجى وَيَقُول لَهُ يَا مَوْلَانَا أَنْت ضائع فى هَذِه المحكمة وَقد قصروا فى حَقك فَيَقُول لَهُ يَا قاضى أَمِين الدّين أما انا صَالح للنيابة فَيَقُول لَهُ يَا مَوْلَانَا القاضى الشافعى قامتكم مَا تصلح الا للباب فيتشكر مِنْهُ ويفرح بِمَا يَقُوله وَهُوَ يُرِيد التورية عَن نِيَابَة الْبَاب بِالْبَابِ الذى تعزر بِهِ السوقة وَلما ولى النِّيَابَة فى أول الامر أنكر النَّاس ذَلِك لقلَّة بضاعته وَعدم صلاحيته اذ ذَاك للْقَضَاء وَكَانَ يتعاقب الْقَضَاء بِالْبَابِ هُوَ وَالسَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الجعفرى الْمَعْرُوف بالصالحى ثمَّ اسْتَقر هُوَ فى النِّيَابَة حَتَّى مَاتَ فى أَوَاخِر شهر ربيع الاول سنة سِتّ عشرَة بعد الالف عَن بضع وَسبعين سنة
مُحَمَّد بن مُحَمَّد الملقب شمس الدّين المهدوى المالكى الازهرى ذكره الشَّيْخ مَدين وَقَالَ فى حَقه كَانَ عَالما نحوياً لَهُ من التآليف شرحان على الاجرومية كَبِير وصغير ذكر فيهمَا اعراب كل شَاهد ذكره قَالَ وَالْكَبِير رَأَيْته بِخَطِّهِ فى تِسْعَة عشر كراسا بِخَط مضموم فى نصف الفرخ سَمَّاهُ بالتحفة الانسية على الْمُقدمَة الاجرومية وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث عشر من الْمحرم سنة عشْرين وَألف وَدفن خَارج بَاب النَّصْر بِالْقربِ من حَوْض اللفت بجوار الْعَارِف بِاللَّه سيدى ابراهيم الجعبرى قدس الله سره
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن حسن شمس الدّين الشهير بِابْن سعد الدّين الشَّيْخ المربى الْجواد الجبارى الدمشقى الشافعى الصوفى كَانَ فى مبدأ امْرَهْ يتعانى التِّجَارَة ويسافر الى الْحجاز وَوَقع لَهُ اجتماعات بسادات من الاولياء حلت عَلَيْهِ أنظارهم وَجرى لَهُ مَعَهم مكاشفات حدث من لَفظه انه كَانَ هُوَ وَبَعض اخوانه بِمَكَّة وَقد فرغت نَفَقَتهم وَكَانَ مَعَهم بضائع شامية الا انها كَانَت كاسدة اذ ذَاك فأصبحنا يَوْمنَا وَنحن فى اضْطِرَاب وَتردد فى الِاسْتِدَانَة من مقصد فَدخل علينا الشَّيْخ الصَّالح المعتقد أَبُو بكر الْيُمْنَى نزيل مَكَّة وَقَالَ كَيفَ حالكم يَا أَوْلَاد أخى وَجلسَ يعْمل الْقصب وَكَانَت حرفته فَلَمَّا قَامَ قَالَ هاتوا أَرْبَعِينَ محلقا قَالَ وَلم يكن مَعنا غَيرهَا فدفعناها اليه فاخذ خواطرنا ودعا لنا فَلم يكن بأسرع من أَن جَاءَنَا الدَّلال
стр. 1627
وبعنا مَا كَانَ مَعنا من البضائع وَمن ثمَّ اتسعت دائرته ونبل وَتَوَلَّى مشيخة بنى سعد الدّين فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وتصدى لتلقى الصُّوفِيَّة وَالزُّوَّارِ المتبركين واستعد للنَّاس اسْتِعْدَادًا عَظِيما وشيعه فى ذَلِك اخوه ابراهيم الْمُقدم ذكره وَكَانَ الشَّيْخ مُحَمَّد يسْتَمر فى زاويتهم ويستعقب اخاه الْمَذْكُور فى حلقتهم بالجامع الاموى يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ اذا تردد الى الْحُكَّام ووجوه النَّاس كَانَا مَعًا وعلت كلمتهما فى دمشق حَتَّى نَشأ لَهما ولدان هما عِيسَى بن مُحَمَّد وَكَمَال الدّين بن ابراهيم فتناظر الْولدَان وَدخل بَينهمَا المترددون بالقال والقيل حَتَّى تعاديا وسرى ذَلِك الى ابويهما فَوَقع النزاع بَينهمَا وترافعا الى الْحُكَّام مرَارًا وَآل الامر الى ان عزل الشَّيْخ مُحَمَّد أَخَاهُ من مشيخة الْحلقَة وَصَارَ يذهب هُوَ بِنَفسِهِ الى الْحلقَة وَانْقطع اخوه فى بَيته ثمَّ مَاتَ قبل اخيه فاستقل الشَّيْخ مُحَمَّد بالمشيخة وَزَاد فى الاستعداد للنَّاس وَكَانَ يعم الْحُكَّام بنواله ويدعونه الى بُيُوتهم واقبلت النَّاس عَلَيْهِ اقبالا زَائِدا وَكَانَ سمته فى الْقرى للواردين سمة الْمُلُوك وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من افراد الدَّهْر ومحاسن الْعَصْر وَلَزِمَه جمَاعَة من الْفُضَلَاء مِنْهُم الْعَلَاء بن المرحل مفتى الْمَالِكِيَّة وَالشَّمْس الميدانى والتقى الزهيرى والشهاب الجعفرى القاضى الشافعى وابو الطّيب الغزى وَالشَّيْخ عبد الرَّحِيم الاسطوانى واخوه امين الدّين وَالشَّيْخ محيى الدّين الخضيرى والقطب بن سُلْطَان فى آخَرين وَكَانُوا فى عداد جماعته وَرَأس فى آخر أمره فى الشَّام بِحَيْثُ كَانَ صَدرا فى الْمجَالِس ومرجع النَّاس وجدد زاويتهم وَعمل مَجْلِسا آخر للضيافة وَعمر قبل ذَلِك بَيته عمَارَة الْمُلُوك وَكَانَت الْهَدَايَا تترادف اليه من سَائِر الاقطار وَملك من الْمزَارِع والاراضى والبساتين والحمامات والدكاكين شَيْئا كثيرا لَا يُمكن ضَبطه وَكَانَ مَعَ ذَلِك محافظا على الاوراد والصلوات بِالْجَمَاعَة فى أول الاوقات وَيُقِيم الذّكر على طريقتهم بالجامع الاموى وبالزاوية وَكَانَ يكرم الْعلمَاء ويجلهم وَيرجع الى قَوْلهم ويوقر الكبراء وَيحسن الى الْفُقَرَاء الا انه كَانَ لَا يُعَارض فى اغراضه لسعة جاهه ونفوذ كَلمته ووفور حرمته وَكَانَ جوادا سخيا متواضعا وَكَانَ سَافر الى الْقُدس غير مرّة وَحج مرَارًا كَثِيرَة ومدح بالقصائد البديعة واثنى النَّاس عَلَيْهِ كثيرا وَكَانَت وَفَاته فى ثلث اللَّيْل الاول من لَيْلَة الثُّلَاثَاء الْعشْرين من صفر سنة عشْرين بعد الالف وحفلت جنَازَته كثيرا وَدفن خَارج بَاب الله غربى الْمَعْرُوفَة بتربة الحصنى وَقد مَاتَ عَن احدى أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة وَمكث فى مشيخة بنى سعد الدّين اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 1628
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن سيمان الملقب نَاصِر الدّين الاسطوانى الحنبلى اُحْدُ الْعُدُول بِدِمَشْق كَانَ من اعرف الْكتاب بمحكمة الْبَاب وَكَانَ يكْتب بَين يدى قُضَاة الْقُضَاة وَكَانَ شيخ الاسلام الشهَاب العيثاوى ويثنى عَلَيْهِ كثيرا ويعدله وَيَقُول هُوَ احسن الشُّهُود كِتَابَة وادينهم وَكَانَ صامتا قَلِيل الْكَلَام لَا يدْخل فِيمَا لَا يعنيه وَكَانَت وَفَاته فى رَجَب سنة عشْرين بعد الالف وَدفن بمقبرة بَاب الفراديس الْمَعْرُوفَة بتربة الغرباء رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الملقب شمس الدّين الحجازى الحميدى الحمصى الدمشقى وَيعرف فى حمص بِابْن سماقة وفى دمشق بالحجازى لمجاورته بِمَكَّة بضع عشرَة سنة وَكَانَ اذا انتسب ينتسب للحميدى شيخ البخارى الشَّيْخ الامام الْعَالم الْفَقِيه الْمُفْتى الْهمام أَخذ طَرِيق الْقَوْم عَن الشَّيْخ على الانبلاقى الْيُمْنَى القاطن بِالْمَدِينَةِ المنورة وَكَانَ مَوْجُودا فى سنة سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ عَاد الى دمشق فصحب الشَّيْخ مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن خطيب السَّقِيفَة وَزعم انه أَخذ عَنهُ علم الزايرجا وَعلم الكيميا وعرفهما وَصَحبه لذَلِك الخواجه ابْن عتور فاتلف عَلَيْهِ مَالا كثيرا وَأخذ الطِّبّ عَن الشَّيْخ يُونُس بن جمال الدّين رَئِيس الاطباء بِدِمَشْق واختص بِصُحْبَتِهِ زَمَانا وَكَانَ يحاضر باخباره كثيرا فَمن ذَلِك مَا ذكره ابو المعالى الطالوى فى كِتَابه السانحات وفى الْقصر اخبرنى من لَفظه فى مَسْجِد القلعى دَاخل سور دمشق غرَّة ذى الْقعدَة سنة سِتّ بعد الالف قَالَ بَيْنَمَا أَنا فى مَجْلِسه واذا بقاصد من قبل القاضى مَعْرُوف الصهيونى الْمُتَوفَّى سنة احدى وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَمَعَهُ سكرجة يستهدى فِيهَا شَيْئا من التَّرْكِيب الْمُسَمّى ببرء سَاعَة وفى طراز السكرجة هَذِه الابيات
(لَا زَالَ كل رَئِيس ... يُرِيك سمعا وطاعه)
(وكل رب مزاج ... بكم يُرْجَى انتفاعه)
(عبد اتاكم محب ... قد مد كف الضراعه)
(يشكوا أَذَى ودواه ... لديكم برْء ساعه)
فَقضى حَاجته وَكتب تَحت السكرجة فى اقل من دقيقة هَذِه الابيات
(العَبْد عبد محب ... ابدى قبولا وطاعه)
(كالسحر قَابل أمرا ... مطرزا بالبراعه)
(أهْدى اليكم دَوَاء ... مهذبا بالصناعه)
стр. 1629
(يشفى بِفعل وحى ... على الْمَكَان ابْن ساعه)
وَصَحب الشَّيْخ مُوسَى الكنارى الدمشقى الصوفى الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الْمَشْهُور الْمُتَوفَّى سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة واخذ عَنهُ واعرض عَنهُ الكنارى آخرا وَكَانَ سَبَب اعراضه عَنهُ ان الشَّيْخ مُوسَى ذكر حَدِيثا عَن النبى
فِيهِ رخصَة فَقَالَ الحجازى ان النبى
عجرف فى ذَلِك فَغَضب الشَّيْخ مُوسَى وَقَالَ لَا تعد الينا بعْدهَا وَلم يعد حَتَّى سَافر الى مصر ثمَّ جَاءَ بعد مُدَّة وَمَعَهُ من الْهَدِيَّة أَشْيَاء الى الشَّيْخ فَلم يقبلهَا مِنْهُ وَقَالَ يَا رجل خرجنَا عَنْك لله فَلَا نعود وَاسْتقر آخر أمره على الافادة مَعَ التَّرَدُّد الى الْحُكَّام واستجلابهم بالالواح الموفقة والتبشير لَهُم على دَعْوَى معرفَة ذَلِك بالارصاد والاستخراج من الجفر وبالخط فى الرمل وَغَيره وَكَانُوا يجلونه لذَلِك وحظى عِنْد قاضى الْقُضَاة السَّيِّد مُحَمَّد بن مَعْلُول وبشره بَان زَوجته تحمل وتلد ولدا ذكرا وامره ان يُسَمِّيه مُحَمَّد فَوَافَقَ ان ولد لَهُ ذكر فَسَماهُ مُحَمَّدًا وبشره بانه يكون الْهدى الْمَوْعُود بِهِ فى آخر الزَّمَان وبشره بانه يلى قَضَاء الْعَسْكَر فَيكون فِيهِ سبع عشرَة سنة فَلَمَّا ولى قَضَاء الْعَسْكَر باناطولى كَانَ الحجازى مَعَه فاعطاه الْمدرسَة التقوية بِدِمَشْق عَن شيخ الاسلام الْبَدْر الغزى وَكَانَ ذَلِك تعصبا من ابْن مَعْلُول فانه عضب على الْبَدْر الغزى لما كَانَ قَاضِيا بِدِمَشْق لانه كَانَ قد مَاتَ لَهُ بنت فَمَا خرج الْبَدْر لجنازتها فاضمر ذَلِك فى نَفسه فَلَمَّا ولى قَضَاء الْعَسْكَر اراد اهانته فولى الْمدرسَة الْمَذْكُورَة الحجازى فَلَمَّا ورد الْخَبَر بذلك الى الشَّام كَادَت تميد باهلها استعظاما لهَذَا الامر حَتَّى ان بَعضهم مَا كَانَ يعْتَقد صِحَة هَذَا الْخَبَر لانه من قبيل المستحيل عَادَة فَبعد نَحْو شَهْرَيْن جَاءَ الْخَبَر بعزل ابْن مَعْلُول من قَضَاء الْعَسْكَر وصيرورة شيخ الاسلام شيخ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الياس الشهير بجوى زَاده مَكَانَهُ فَرد الْمدرسَة الى الْبَدْر فى أول يَوْم من تَوليته لانه قد روى الحَدِيث بِدِمَشْق عَن الْبَدْر حِين كَانَ قَاضِيا بهَا فى سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَعَاد الحجازى الى دمشق مُتَوَلِّيًا فحلقه عَزله وَكَانَ سفر الحجازى من دمشق الى الرّوم يَوْم السبت سادس عشرى الْمحرم سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَعَاد الى دمشق فَدَخلَهَا فى سَابِع عشرى رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة مُتَوَلِّيًا للتقوية بعد ان فرغ عَن دَار الحَدِيث الاشرفية لوَلَده عبد الْحق الْمُقدم ذكره وَورد الْخَبَر بعزله واعادتها للبدر يَوْم الاربعاء تَاسِع شَوَّال مِنْهَا وَعمل فى الحجازى أشعار واهاج وَبقيت فى يَد الْبَدْر سنة واياما ثمَّ لما مَاتَ الْبَدْر ولى الحجازى التقوية وَلما مَاتَ
стр. 1630
الشهَاب الفلوجى عرض القاضى لَهُ اذ ذَاك فى الشامية البرانية وَكتب شيخ الاسلام أَبُو الْفِدَاء اسمعيل النابلسى كتاب الى بعض اصحابه بالروم من الموالى فَجَاءَت بَرَاءَة الشامية باسم النابلسى وَكَانَ سعى الحجازى فى التقوية بعد ذَلِك ودرس بالعذراوية وَدَار الحَدِيث الاشرفية وَجمع لَهُ بَينهمَا بعد ان تفرغ عَن التقوية لِابْنِهِ عبد الْحق وَكَانَ هُوَ وَولده ملازمين لمَسْجِد القلعى يدرسان فِيهِ ويتردد النَّاس اليهما وَكَانَ ينْسب للمترجم جمع الاموال وَرُبمَا حصل لَهُ بِسَبَب الشفاعات والمخافات الْهَدَايَا والاموال وَكَانَ يَصُوم الْعشْر الاخر من جُمَادَى الْآخِرَة وَرَجَب وَشَعْبَان وَلَا يَأْكُل اللَّحْم عِنْد صَوْمه وَلَا يَأْكُل عِنْد الْفطر الا الحمص وَالزَّيْت ويعد النَّاس مِنْهُ ذَلِك رياضة لاجل التَّوَصُّل الى مَا هُوَ فِيهِ من اسْتِعْمَال الاسماء وتوفيق الاوفاق وَكَانَ ينْسب اليه قلَّة الانصاف والطمع الزَّائِد قَرَأت بِخَط الْعَلامَة اسماعيل بن عبد الْغنى بن أَبى الْفِدَاء اسماعيل النابلسى قَالَ وجدت بِخَط الْعَلامَة الْعُمْدَة الفهامة المرحوم السَّيِّد مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد القدسى انه فى عَام ثَمَانِينَ انْحَلَّت مشيخة الجهاركسيه فى الصالحية فتوجهت لطلبها من قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق فاخذ فى الْوَعْد فذهبنا الى الشَّيْخ مُحَمَّد الحجازى ليدعو لى بتحصيلها فَمَا قُمْت من عِنْده الا وَقد أرسل الى القاضى يطْلبهَا لنَفسِهِ فَقلت فى ذَلِك هَذِه الابيات ودفعتها لقاضى دمشق
(لقاضى جلق وافيت يَوْمًا ... ولى جِهَة ونفسى تشتهيها)
(فماطلنى فرحت الى الحجازى ... ليوصلنى بدعوات اليها)
(فَأَطْرَقَ رَأسه للارض يَدْعُو ... ودمعته غَدَتْ تجرى بديها)
(وَصَارَ لنَفسِهِ يسْعَى بعزم ... وَكَانَ بكاؤه حرصا عَلَيْهَا)
قَالَ النابلسى وَقد اتّفق لى مَعَ ولد وَلَده فى الْفَرَاغ عَن هَذِه الْوَظِيفَة نَحْو ذَلِك بِقصَّة مُطَوَّلَة وَهَذَا من عَجِيب الِاتِّفَاق وَبعد هَذَا فالانصاف فِيهِ انه كَانَ متضلعا من الْعُلُوم الْفِقْهِيَّة والعربية عَلامَة فيهمَا وَكَانَ لَهُ استحضارا حسن للابحاث والشواهد وَكَانَ ينظم الشّعْر وَمِمَّا رَأَيْته مَنْسُوبا اليه قَوْله
(بدا كالبدر يجلى فَوق غُصْن ... يميس بِحسن قد وابتسام)
(وأرخى فَوق خديه لثاما ... فَمَا احلاه فى ذَاك اللئام)
(يغار الْبَدْر مِنْهُ اذا تبدى ... وَيخْفى تَحت اذيال الْغَمَام)
(كحيل الطّرف ذُو خد أسيل ... نحيل الخصر ممشوق القوام)
стр. 1631
(لَهُ مقل مراض قاتلات ... فواتر راميات بِالسِّهَامِ)
(رمى بسهام مقلته فؤادى ... فَمَا أحلاه من رشا ورام)
(فوا أسفاه كَيفَ أَمُوت وجدا ... وَلَا أقضى من الرامى مرامى)
(لَهُ ثغر حوى فِيهِ رحيقا ... بِهِ يشفى العليل من السقام)
(أَنا المضنى المتيم فى هَوَاهُ ... وجفنى من جفاه جَفا منامى)
وَله أَيْضا هَذَا الْمَقْطُوع وَهُوَ قَوْله
(يَا خل ذَا الحبشى يفتن وَاقِفًا ... من شَرطه قاضى الْهوى قد حَار فى)
(يقْضى بِذَاكَ الشَّرْط فى عشاقه ... فالصب مقتول بِشَرْط الْوَاقِف)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة كَمَا أخبر بِهِ من لَفظه للبورينى وَتوفى يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشرى شعْبَان سنة عشْرين بعد الالف قَالَه البورينى وَقد اعتمدته واما قَول النَّجْم انه سنة تسع فقد ناقضه مناقضة ظَاهِرَة بقوله فى تَرْجَمَة وَلَده عبد الْحق انه توفى لخامس عشر رَمَضَان سنة عشْرين وعقبه بقوله وَبَينه وَبَين وَالِده اُحْدُ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير قَالَ البورينى وَالْعجب انه كَانَ وَاقِفًا عِنْد بَاب مَسْجِد القلعى على حَانُوت خباز كَانَ يعْتَاد الْوُقُوف عَلَيْهِ لقَضَاء بعض الْحَوَائِج فَأعْطَاهُ رجل سؤالاً ليكتب عَلَيْهِ الْجَواب فَأخذ الْقَلَم بِيَدِهِ وَكتب الْحَمد لله رب زدنى علما وَمد صُورَة ألف ليكتب لاما فانجر الْقَلَم مَعَ يَده على القرطاس وَوَقع مغشيا عَلَيْهِ فاستمر فى بَيته نَحْو اسبوع وَقضى الى رَحْمَة الله وَلم ينْطق بِحرف فِيمَا علمناه وَالله أعلم
مُحَمَّد بن مُحَمَّد شمس الدّين بن الجوخى الشافعى الْفَاضِل الذكى الْمَشْهُور كَانَ جيد الْمُشَاركَة محسنها فى كثير من الْعُلُوم كالفقه والنحو والمعانى وَغَيرهَا وآباؤه من رُؤَسَاء التُّجَّار المياسير بِدِمَشْق وَلما مَاتَ وَالِده ترك لَهُ ولاخيه محيى الدّين أَمْوَالًا كَثِيرَة فَكَانَا يتعاونان فى تنميتها وَكَانَ منزويا عَن النَّاس مُقْتَصرا على نفع نَفسه وينسب اليه الشُّح لزم أَبَا الْفِدَاء اسماعيل النابلسى والشهاب العيثاوى فى الْفِقْه وَأخذ الْعَرَبيَّة والمعانى عَن النابلسى الْمَذْكُور والعماد الحنفى وَالشَّمْس بن المنقار وَأخذ التَّفْسِير عَن جدى القاضى محب الدّين وَتزَوج بنت الشَّيْخ الْعِمَاد الْمَذْكُور بعد وَفَاة بَعْلهَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن يحيى البهنسى وسافر الى مصر فَأخذ عَن شيوخها وَملك كتبا كَثِيرَة وَكَانَ رَفِيقًا للقاضى بدر الدّين حسن الموصلى
стр. 1632
فى الِاشْتِغَال وَبَينهمَا صداقة كُلية وتناسب كثير وَكَانَ مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من تقليب الاموال لَا يتْرك الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَكَانَ ينظم الشّعْر ووقفت على أَبْيَات لَهُ فى مَجْمُوع بِخَط ابْنه أَبى اللطف كتبهَا للعمادى الْمُفْتى فى صدر كتاب لَهُ وهى هَذِه
(وَمَا شوق ظمآن الْفُؤَاد رمت بِهِ ... صروف الليالى فى مُلَمَّعَة قفر)
(شكا من لظى نارين ضمت عَلَيْهِمَا ... أضالعه نَار الهجير مَعَ الهجر)
(يرْوى غليل الارض من فيض دمعه ... وَلَيْسَ لَهُ جهد الى غلل الصَّدْر)
(الى عَارض من مزنة عطفت بِهِ ... نسيم صبا الاحباب من حَيْثُ لَا يدرى)
(بأبرح من شوقى لرؤياكم الَّتِى ... أعد لعمرى أَنَّهَا لَذَّة الْعُمر)
وَكَانَت وَفَاته فى أَوَائِل شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَولى أمره وَأمر أَوْلَاده الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى لغيبة أَخِيه الخوجا محيى الدّين بِمصْر ثمَّ لما رَجَعَ الى الشَّام سلم اليه مَا كَانَ بِيَدِهِ قلت وَكَانَ نبغ لَهُ ولد اسْمه أَبُو اللطف وَكَانَ نبل وَفضل وَله أدب وَشعر وَبَينه وَبَين الامير المنجكى مُرَاجعَة وَقد ذكرته هُوَ ووالده فى كتابى النفحة وأوردت لَهُ بعض أشعار ووقفت عَلَيْهَا بِخَطِّهِ من جُمْلَتهَا قَوْله
(بعيشكم أهل الصبابة وَالصبَا ... أقلبا رَأَيْتُمْ مثل قلبى معذبا)
(فَلم أرلى فى محنة الْحبّ منجدا ... وَلم أستطع من فيض دمعى تحجبا)
(وَقد صرت من حر الْفِرَاق بِحَيْثُ لَو ... يُشَاهد حالى كل واش تحجبا)
(فيا لَيْت من أهواه فى النّوم زارنى ... فشلى معنى صَار فى حبه هبا)
(سَأَلت الذى قد قدر الْبعد بَيْننَا ... سيجمعنا يَوْمًا يكون لَهُ نبا)
وانما لم افرد لَهُ فى كتابى هَذَا تَرْجَمَة لانه لم أَقف على تَارِيخ وَفَاته واحسب انه تجَاوز عشر الثَّلَاثِينَ
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الفرفور الحنفى الدمشقى تخرج أَولا بِعَمِّهِ القاضى جمال الدّين ثمَّ اشْتغل على القاضى مُحَمَّد الاندلسى بن المالكى المغربى فَقَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا من النَّحْو وَالصرْف وَقَرَأَ على الْحسن البورينى حِصَّة من شرح التَّلْخِيص الْمُخْتَصر للتفتازانى ثمَّ حضر دروس الْجد القاضى محب الدّين وَولى نظارة أوقافهم ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الاغلبكية بِمحل القيمريه بِدِمَشْق وهى مَشْرُوطَة لَهُم وَكَانَ لَهُ هَيْئَة حَسَنَة وظرافه وَكَانَ لَهُ خيل على عَادَة أَوْلَاد الاكابر وَكَانَ ينظم الشّعْر
стр. 1633
فَمن شعره مَا كتبه الى شَيْخه البورينى مستنجزا وَعدا
(يَا عَالما قد رقى فى الْعلم مرتبَة ... دارت بقطب سناها دارة الْقَمَر)
(وكاملا قد سما فى الْخَافِقين لَهُ ... بِالْفَضْلِ ذكر حميد سَار كالمثل)
(وَمن هُوَ الجهبذا الحبر الذى شهِدت ... لَهُ الموالى هداة الْعلم وَالْعَمَل)
(حوى معارف فضل لَيْسَ ينكرها ... سوى جهول لفرط الْحمق معتزل)
(شيخ الْعُلُوم الَّتِى تبدى فوائدها ... فوائدا لم تقل فى الاعصر الاول)
(جَوَاهِر قد حلى جيد الزَّمَان بهَا ... من بعد مَا مر حينا وَهُوَ ذُو عطل)
(مولى غَدا مجرياً فضل السباق بمضمار العلى فى سِيَاق الْبَحْث والجدل ... )
(ودوحة الْفضل تزهو من جلالته ... ورونق الْعلم مِنْهُ عَاد فى كمل)
(يَا صَاح ان رمت حل المشكلات فلذ ... بِهِ وَعَن فهمه السيال قُم فسل)
(حبر تفرد فى جمع الْكَمَال فَلَا ... يرى مضاهيه فى مَاض ومقتبل)
(هَذَا وَقد طَال وعد مِنْك يَا سندى ... وَالْقلب من أَجله قد صَار فى شغل)
(والوعد دين لَدَى رب الْكَمَال يرى ... قَضَاؤُهُ لَازِما من غير مَا مهل)
(فحققن رجائى فاعتقادى فى ... صدق العلى لكم عَار عَن الزلل)
(وجد برد جوابى فالجوى بى قد ... أحَاط والوجد منى غير منتقل)
(وخادع الدَّهْر قد أبدى جِنَايَته ... كَأَنَّهُ طَالب ثارا على دخل)
(أقلب الطّرف من وجدى لعلى أَن ... أرى معينا لدفع الْحَادِث الجلل)
وَذكر النَّجْم هَذَا الْمَقْطُوع وَقَالَ انه مِمَّا أنشدنيه
(اذا أَرَادَ الاله أمرا ... قَضَاؤُهُ فى النُّفُوس مبرم)
(فوضت أمرى وَقلت خيرا ... مَا دفع الله كَانَ أعظم)
قَالَ وَمِمَّا اتّفق لَهُ انه لما ولى قَضَاء دمشق السَّيِّد مُحَمَّد الشريف وَكَانَ لَهُ حِدة وَكَانَ مِمَّن صحب الامير مُحَمَّد بن منجك فشفع الامير مُحَمَّد الى القاضى الْمَذْكُور لِابْنِ عَم مُحَمَّد المترجم عمر بن جمال الدّين ان ينظر فِيمَا بَينه وَبَين ابْن عَمه من الِاسْتِحْقَاق فى أوقافهم فاحتد القاضى على مُحَمَّد حَتَّى عَزله عَن النّظر وولاه ابْن عَمه عمر فَحصل لمُحَمد غَايَة الْقَهْر وَالْكَسْر ثمَّ اصلح بَينهمَا الامير بعد ان وصل الى مرده وبقى مُحَمَّد على انكساره الى أَن مَاتَ قَالَ البورينى أخبرنى من لَفظه ان وِلَادَته فى ثَالِث عشر ذى الْقعدَة سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى بعد ان تمرض أَيَّامًا قَليلَة بحمى محرقة فى يَوْم الْجُمُعَة
стр. 1634
حادى عشرى شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف عَن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة وَأَبوهُ مَاتَ أَيْضا وسنه ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَدفن بتربتهم جوَار ضريح الشَّيْخ ارسلان قدس الله سره
مُحَمَّد بن مُحَمَّد سعد الدّين حسن جَان الشهير بِابْن الخوجة مفتى السلطنة وَرَئِيس علمائها وَكَانَ فى الْفضل والفطنة والحافظة فى مرتبَة خَارِجَة عَن طوق الْبشر وَلَقَد يحْكى عَنهُ انه ركب يَوْمًا الْبَحْر بِقصد السّير فى بُسْتَان لَهُ مَعْرُوف قَدِيما بِهِ وَكَانَ أَمِين الْفَتْوَى فى خدمته وَكَانَ توزيع الْفَتَاوَى قرب فَقَالَ لَهُ أخرج الاسئلة واقرأها على لاستحضر أجوبتها فاذا وصلنا الْبُسْتَان سهلت الْكِتَابَة عَلَيْهَا فأخرجها وَقرأَهَا حَتَّى أَتَى على آخرهَا وَكَانَ يضع المقروء أَمَامه فى الزورق الذى هم فِيهِ فَهبت ريح عَاصِفَة بالاوراق وألقتها فى الْبَحْر فاضطرب الامين لذَلِك غَايَة الِاضْطِرَاب فَقَالَ لَهُ لَا بَأْس عَلَيْك فَلَمَّا وصل الْبُسْتَان استدعى بقراطيس وَقسمهَا صورا وَقَالَ اكْتُبْ مَا أمْلى عَلَيْك وَأخذ يمليه الاسئلة المكتتبة وَهُوَ يكْتب حَتَّى لم يبْق شئ مِنْهَا وبلغنى من بعض الروميين انها كَانَت تنوف على مائَة سُؤال وَهَذِه المنقبة من أعظم مَا يكون وهى كَافِيَة لَهُ عَن الاطناب فى وَصفه وَله نظم بالالسنة الثَّلَاثَة وَخمْس القصيدة البرأة بِتَمَامِهَا وَله انشاء وخطب وتقاريظ كلهَا ممتعة وَلَقَد وقفت لَهُ على تقريظ كتبه على كتاب فى الطِّبّ يَقُول فِيهِ
(رَوْضَة أنوار آثَار الشفا مِنْهَا تلوح ... دوحة أنوار أثمار الصَّفَا فِيهَا تفوح)
(عرفهَا ذَاك يقوى الْقلب طيبا طيبا ... مِنْهُ للارواح روح فِيهِ للابدان روح)
رَوْضَة نباتها أزهرت فاقتطفت مِنْهَا أدوية الشِّفَاء وحديقة دوحتها أثمرت فاجتنيت من أَغْصَانهَا أفاويه الدَّوَاء أَجَاد جَامعهَا وَأحسن وأمعن فِيمَا جمع وأتقن حَيْثُ أَتَى بمختصر حسن فى تَلْخِيص مطولات هَذَا الْفَنّ فغدا موجزا سديدا نفيسا يَلِيق بَان يكون لحذاق الطِّبّ أنيسا فِيهِ مَالا يسع الطَّبِيب جَهله وانما يعرف قدره أَهله جرى فِيهِ على سمت الطبائع كَمَا هُوَ بَين أهل الْفَنّ شَائِع فان الشَّرْع مناع الشنائع يدل الاسباب والعلامات على اتقان بأوضح العلامات يتَعَيَّن للاعيان أَن يتمموا آماله ويطيبوا بِطيب التطبيب باله وَقد ولى قَضَاء دَار الْخلَافَة ثمَّ قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولى فى ثانى عشر رَجَب سنة أَربع بعد الالف وسافر هُوَ وَأَبوهُ مَعَ السُّلْطَان مُحَمَّد
стр. 1635
ابْن مُرَاد فى سفر أكرى وَظَهَرت كفايتهما فى ذَلِك السّفر وَحكى ان صَاحب التَّرْجَمَة تدرع ايام الْمُحَاربَة وجاهد مجاهدة عَظِيمَة ونفع النَّفْع التَّام عِنْد هجوم الْكفَّار على صف السُّلْطَان فَكَانَ يجمع الْعَسْكَر الى طرف السُّلْطَان وَيُقَاتل أَشد الْقِتَال حَتَّى وهب الله النَّصْر وَالظفر وَفتحت قلعة اكرى وَلما رَجَعَ السُّلْطَان عزل عَن قَضَاء الْعَسْكَر فى خَامِس عشر جُمَادَى الاولى سنة خمس بعد الالف ثمَّ ولى قَضَاء روم ايلى فى خَامِس عشر ذى الْقعدَة سنة سبع بعد الالف وعزل فى ثامن عشر شهر رَمَضَان سنة تسع بعد الالف وَولى الافتاء فى صفر سنة عشر وَألف وعزل فى ثانى عشرى رَجَب سنة احدى عشرَة ثمَّ اعيد فى صفر سنة سبع عشرَة وبقى الى أَن مَاتَ فى جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَقَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى مفتى الشَّام فى تَارِيخ وَفَاته
(قدمات مُحَمَّد الْعُلُوم الْمَعْلُوم ... فالروم رجت لفقد ذَاك المخدوم)
(لم لَا وأتى وفْق وَفَاة المرحوم ... تَارِيخ افول شمس علم فى الرّوم)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشريف شمس الدّين بن السَّيِّد كَمَال الدّين بن عجلَان نقيب الاشراف بِدِمَشْق وَكَانَ قبل ذَلِك كأبيه وَقد تقدم ذكر شيخ الْمَشَايِخ فَلَمَّا مَاتَ السَّيِّد مُحَمَّد بن السَّيِّد حُسَيْن بن حَمْزَة فى سنة سِتّ عشرَة وَألف بحماة قَافِلًا من حلب كَمَا تقدم فى تَرْجَمته وَكَانَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين اذ ذَاك بحلب فَطلب النقابة عَنهُ للسَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور من الْوَزير الاعظم مُرَاد باشا فَعرض لَهُ فِيهَا فوجهت اليه ووليها مُدَّة سلك فِيهَا مسلكا حسنا وتصدى للنَّاس بِالْكَرمِ وَحسن الْخلق مَعَ صغر سنه وَكَانَ حسن الْمُوَافقَة كثير الْحيَاء والسخاء متخلقا بالاخلاق الَّتِى تدل على صِحَة الشّرف وَالنّسب وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت ثامن عشرى رَجَب سنة خمس وَعشْرين وَألف بعد ان تمرض نَحْو خَمْسَة أَيَّام بحمى محرقة وَلم يبلغ أَرْبَعِينَ سنة وَدفن بتربة الجورة من ميدان الْحَصَى بِالْقربِ من دَارهم
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جَانِبك القاضى كَمَال الدّين بن القاضى شمس الدّين المالكى الْمَذْهَب وَأَبوهُ الْمُقدم ذكره كَانَ شافعيا وَيعرف بالسكنجى ولى الْقَضَاء بقناة العونى ثمَّ بالكبرى وَكَانَ فَاضلا سَاكِنا وَهُوَ على كل حَال أفضل من أَبِيه واحذق وَكَانَت وَفَاته فى أَوَاخِر شَوَّال سنة تسع وَعشْرين بعد الالف
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حبيقه الدمشقى الميدانى الطَّبِيب أَخذ الطِّبّ عَن عَمه يحيى وَغَيره
стр. 1636
وعالج النَّاس كثيرا فَصَارَ لَهُ آخر الامر حذق وَمَعْرِفَة تَامَّة وانتفع بِهِ النَّاس ولازمته الْحمى سنتَيْن أَو ثَلَاثَة حَتَّى قَالَ مَا رَأَيْت اعْجَبْ من هَذِه الْحمى الَّتِى تأخذنى وَمَات بِدِمَشْق فى شعْبَان سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَقد جَاوز التسعين رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن أَحْمد بن مُحَمَّد الملقب شمس الدّين الحموى الاصل الدمشقى الْمولى الميدانى الشافعى عَام الشَّام ومحدثها وَصدر علمائها الْحَافِظ المتقن كَانَ بديع التَّقْرِير متين لتحقيق غَايَة فى دقة النّظر وَكَمَال التدقيق حَافِظًا ضابطا ذَا ذهن ثاقب وقريحة وقادة وَسُرْعَة فهم وَنظر مُسْتَقِيم ومروءة وعقل وافر وشكل نورانى شَدِيد الانقبضاض عَن النَّاس شَدِيدا فى الدّين مهابا جدا عِنْد النَّاس ولد بِدِمَشْق وَقَرَأَ الْقُرْآن وَغَيره على الشَّيْخ قزيحة امام جَامع منجك بميدان الْحَصَى خَارج دمشق وَقَرَأَ فى الْقُرْآن على الشَّيْخ حسن الصلتى والفرائض والحساب على الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن ابراهيم التنورى ثمَّ أنكر مشيخة الْمَذْكُور فَكَانَ يَقُول غصبنى اسمى وشهرتى وسمى نَفسه مُحَمَّد الميدانى وانما مُحَمَّد الميدانى أَنا وَهُوَ مَسْكَنه بالقبة الطَّوِيلَة جوَار حارة بَاب الْمصلى ثمَّ قَرَأَ فى القراآت وَغَيرهَا على شيخ الاسلام الشهَاب أَحْمد بن أَحْمد الطيبى والشهاب أَحْمد بن الْبَدْر الغزى وَأخذ عَن الْبَدْر وَكَانَ يحضر دروسه وَعَن الشّرف يُونُس العيثاوى وَمَنْصُور بن الْمُحب وَقَرَأَ الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة عَن أَبى الْفِدَاء اسماعيل النابلسى والعماد الحنفى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الحجازى والشهاب العيثاوى ثمَّ أنكر مشيخة هذَيْن بعد عوده من مصر ورحل الى مصر فى سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وجاور بالازهر تسع سِنِين وَحضر دروس مَشَايِخ الاسلام بهَا كَالشَّمْسِ الرملى والنور والزيادى وَمن فى طبقتهما من عُلَمَاء وقته وانهمك على الطّلب واستغرق فِيهِ جَمِيع أوقاته حَتَّى كَانَ أهل الازهر يضْربُونَ الْمثل بفهمه وثباته وَكتب جملَة كتب بِيَدِهِ ثمَّ قدم الشَّام فى سنة احدى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فتصدر بهَا للتدريس وَالْقِرَاءَة فَاجْتمع اليه الطّلبَة طبقَة بعد طبقَة نَحْو أَرْبَعِينَ سنة وشاع أمره قَالَ النَّجْم وَكَانَ اعظم معلوماته الْفِقْه الا انه كَانَ يشبه على الطّلبَة ويورد الاشكالات عَلَيْهِم فاذا أجابوه خطأهم فاذا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِكَلَام الْمُتَأَخِّرين كشيخه الرملى والزيادى وَابْن حجر يَقُول مَا علينا من كَلَامهم ويخطئهم واذ رُوجِعَ غاظ من يُرَاجِعهُ وَكَانَ يحب التبكيت بالطلبة والنداء عَلَيْهِم بِالْجَهْلِ وَعدم الْفَهم وَكَانَ لَا يتواضع مَعَ الْعلمَاء والافاضل فَبِهَذَا السَّبَب مكث بِدِمَشْق
стр. 1637
سِنِين وَلم يَجْعَل لَهُ من الْجِهَات والوظائف الا قَلِيل حَتَّى ظفر بعض تلاميذه بالوظائف السّنيَّة وَهُوَ محروم مِنْهَا وَكَانَ يتكبر على الاكابر من الْعلمَاء الْمَوْجُودين اذ ذَاك كَالشَّمْسِ ابْن المنقار والقاضى محب الدّين الَّذين يحْتَاج الى ملايمتهم والتردد اليهم وَحُضُور دروسهم وَلم يحصل على مُرَاده مِنْهُم ثمَّ حصل على امامة الشَّافِعِيَّة الاولى بِجَامِع بنى أُميَّة وَشطر اخرى بَينه وَبَين القاضى بدر الدّين الموصلى تمّ انْحَلَّت قِرَاءَة الحَدِيث عَن الشَّيْخ نجم الدّين بن حَمْزَة العاتكى فوجهت اليه وَقِرَاءَة الحَدِيث والوعظ عَن الشَّيْخ ولى الدّين الكفرسوسى فوجهت اليه وَلم يباشرهما قطّ ثمَّ لما انْحَلَّت امامة الْمَقْصُورَة شركَة شَيخنَا يعْنى الشهَاب العيثاوى عَن الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن مُوسَى بن عفيف الدّين الآتى ذكره وَجههَا قاضى الْقُضَاة مُحَمَّد الشريف اليه وَلما انْحَلَّت خطابة الصابونية عَن الشَّيْخ بَرَكَات بن الكيال ذهب ليشفع لوَلَده الشَّيْخ كَمَال الدّين الْكَاتِب فِيهَا فطلبها لنَفسِهِ فاعطيها وَكَانَ لما مَاتَ الشَّمْس الداودى فقد النَّاس مَجْلِسه للْحَدِيث فَقَامَتْ الطّلبَة على الميدانى لعقد مجْلِس فى الحَدِيث بعد مَوته بِسنتَيْنِ أَو أَكثر فاقرأ فى صَحِيح البخارى بعد صَلَاة الْعَصْر وَاخْتَارَ ان يكون جُلُوسه تَحت قبَّة النسْر وَكَانَ الداودى يجلس تجاه الْمِحْرَاب الذى للشَّافِعِيَّة وَكَانَت الْعَوام تحمل عَنهُ مسَائِل فَنَشَأَ عَنهُ القَوْل بتفضيل الْمَلَائِكَة مُطلقًا وانكار ان تكون قِرَاءَة كل قَارِئ بِالنِّسْبَةِ اليه متواترة الا أَن يتلقاها عَن مَشَايِخ يبلغ عَددهمْ التَّوَاتُر وَكَانَ لَهُ من هَذَا الْقَبِيل اشياء وَلما توفى الشَّيْخ عبد الْحق الحجازى وَجه اليه قاضى الْقُضَاة بِالشَّام الْمولى نوح بن أَحْمد الانصارى تدريس دَار الحَدِيث الاشرفية فَلَمَّا كَانَ طاعون سنة تسع وَعشْرين مَاتَ لَهُ ولد بَالغ كفيف الْبَصَر لَهُ فَضِيلَة وَكَانَ اسْمه مُحَمَّدًا وَلم يكن لَهُ ولد غَيره سوى بنت فَوجدَ لفقده وَحمله حزنه على ان تفرغ عَن وظائفه واظهر انه يُرِيد الْحَج والمجاورة بِمَكَّة ثمَّ سَافر صُحْبَة الشَّيْخ سعد الدّين الى مَكَّة وجاور ثمَّ رَجَعَ من الْعَام الْمقبل سنة ثَلَاثِينَ ثمَّ ورد عَلَيْهِ فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بَرَاءَة فى تدريس الشامية البرانية سعى لَهُ فِيهَا مُحَمَّد البحرى بِدلَالَة باكير محْضر باشى عَن مدرسها النَّجْم الغزى فبادر قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق وَسلمهَا اليه فسافر النَّجْم لاجلها الى الرّوم وَألف رحلته الَّتِى سَمَّاهَا بِالْعقدِ المنظم فى رحْلَة الرّوم وَقرر بِالْمَدْرَسَةِ بِقَيْد الْحَيَاة وتسلمها فَلَمَّا كَانَ أَوَاخِر ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بعث باكير بَرَاءَة بتقرير الشَّمْس فى الْمدرسَة أَيْضا وترافعا لَدَى قاضى
стр. 1638
الْقُضَاة فأبرز النَّجْم نقلا عَن عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة ان السُّلْطَان اذا أعْطى رجلا وَظِيفَة بِقَيْد الْحَيَاة ثمَّ وَجههَا لغيره لَا يَنْعَزِل عَنْهَا الا أَن ينص السُّلْطَان على الرُّجُوع عَن الاعطاء بِقَيْد الْحَيَاة فَلَمَّا رأى قاضى الْقُضَاة الْمولى عبد الله الْمَعْرُوف ببلبل زَاده النَّقْل قَالَ للنجم الْحق لَك لَكِن تطيعنا على رِعَايَة سنّ هَذَا الرجل ونقسم بَيْنكُمَا التدريس فَصَارَت الْوَظِيفَة بَينهمَا شرطين الى أَن مَاتَ الميدانى فضم الشّطْر الثانى الى النَّجْم وَكَانَ الميدانى مبتليا بالقولنج قَالَ النَّجْم وَلم يدرس بالاشرفية وَلَا بالشامية وَلم يُبَاشر وظائفة الا الامامة فى بعض الاوقات وَكَانَ يمدح الْحِرْص وَجمع الدُّنْيَا وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الْفِقْه الا انه انْفَرد بمسائل كَانَ يفيدها على خلاف الْمَذْهَب وَكَانَ يُنكر أَن يُقَال تَحِيَّة الْمَسْجِد وَيَقُول قُولُوا تَحِيَّة رب الْمَسْجِد ويحتج بِمَا تَأَول بِهِ ابْن الْعِمَاد فى قَوْلهم تَحِيَّة الْمَسْجِد وَهُوَ خلاف الْمَنْقُول الجارى على أَلْسِنَة الْعلمَاء قَدِيما وحديثا وَمن اغرب مَا وَقع لَهُ فى مجْلِس عُثْمَان باشا نَائِب الشَّام فى لَيْلَة النّصْف من رَمَضَان سنة احدى عشرَة وَألف وَكَانَ فى الْمجْلس الشهَاب العيثاوى والْعَلَاء الطرابلسى والنجم الغزى فتذاكروا فضل دمشق وجامعها حَتَّى ذكر السَّيِّد مُعَاوِيَة رضى الله عَنهُ وانه مدفون بِبَاب الصَّغِير وقبره ومعروف يزار وَكَانَ الذاكر لذَلِك الْعَلَاء فَقَالَ الشَّمْس هَذَا الْمَشْهُور بِبَاب الصَّغِير قبر مُعَاوِيَة لَا مُعَاوِيَة الْكَبِير وَمُعَاوِيَة الصَّغِير ابْن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَكَانَ صَالحا بِخِلَاف أَبِيه فَقَالَ لَهُ الْعَلَاء فَأَيْنَ قبر مُعَاوِيَة الْكَبِير قَالَ فى بَيته فى قبْلَة الْجَامِع الاموى وَقيل ان قَبره غير مَعْرُوف وأخفى قَبره وَهَذَا مِنْهُ غير تثبت وَلَا احسب انه يرى لَهُ نقل فان كَون قبر مُعَاوِيَة فى بَاب الصَّغِير شَائِع مَحْفُوظ فى الالسن وَذكره غير وَاحِد مِنْهُم الْحَافِظ السيوطى فانه قَالَ فى تَارِيخ الْخُلَفَاء فى تَرْجَمَة مُعَاوِيَة رضى الله عَنهُ انه دفن بَين بَاب الْجَابِيَة وَبَاب الصَّغِير وَكَانَ قَدِيما وَقع بَينه وَبَين بعض مشايخه فى مسئلة الكاس الْمَوْضُوع الْآن فى صحن الْجَامِع الاموى فَكَانَ الشَّمْس يَقُول بِصِحَّة الْوضُوء مِنْهُ لانه يَتَحَرَّك المَاء بحركته وَهُوَ زَائِد على الْقلَّتَيْنِ وَكلما يَتَحَرَّك المَاء بحركته يعْتَبر فِيهِ الْقَوْلَانِ وَشَيْخه بخالفه فى ذَلِك ويشنع عَلَيْهِ وَكَانَ اذ ذَاك شَابًّا وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَوْل فِيهِ انه عَالم عصره وَرَئِيس محدثيه وفقهائه خُصُوصا بعد موت الشهَاب العيثاوى وَبلغ بِهِ سطوع الشَّأْن الى مرتبَة قل من يضاهيه فِيهَا حَتَّى ان الْحُكَّام كَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الظُّلم خوفًا مِنْهُ ويحترمونه اقوى احترام مَعَ عدم تردده اليهم وَقلة اكتراثه بهم وحطه
стр. 1639
عَلَيْهِم وَأكْثر النَّاس من الاخذ عَنهُ وَالْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَمن اجل من أَخذ عَنهُ واعاد دروسه سِنِين الشّرف الدمشقى وَالشَّيْخ على القبردى وَله من التحريرات حَاشِيَة على شرح التَّحْرِير فى الْفِقْه لم تشتهر وَكَانَ يكْتب الْخط الْمَنْسُوب وَجمع من الْكتب شَيْئا كثيرا وَكَانَت وَفَاته بالقولنج فى وَقت الضُّحَى يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر ذى الْحجَّة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ والف وَصلى عَلَيْهِ قبل صَلَاة الْعَصْر وَدفن بمقبر بَاب الصَّغِير عِنْد قبر وَالِده وَلما أنزل فى قَبره عمل المؤذنون ببدعته الَّتِى ابتدعها مُدَّة سنوات بِدِمَشْق من افادته اياهم ان الاذان عِنْد دفن الْمَيِّت سنة وَهُوَ قَول ضَعِيف ذهب اليه بعض الْمُتَأَخِّرين ورده ابْن حجر فى الْعباب وَغَيره فأذنوا على قَبره وَحكى الشَّيْخ مُحَمَّد ميرزا الدمشقى نزيل الْمَدِينَة انه دخل عَلَيْهِ فى مرض مَوته يعودهُ فروى لَهُ حَدِيثا بِسَنَدِهِ وَهُوَ نعمتان مغبوط فيهمَا كثير من النَّاس الصِّحَّة والفراغ وَحكى الشَّمْس مُحَمَّد بن على المكتبى فى ثبته ان وَالِده الْمَذْكُور رأى لَيْلَة وَفَاة الشَّمْس وَهُوَ نَائِم فى خلوته بالمرادية انه حضر لسَمَاع خطبَته بالصابونية فاذا بِهِ قد خرج من بَيت الخطابة وعَلى رَأسه عِمَامَة بهَا تروك عدتهَا أَرْبَعُونَ وكل ترك مِنْهَا لَهُ عَلامَة تميزه بعذبة مرخية فَوق الْجَمِيع فَخَطب خطْبَة اولى وَنزل وَلم يتم الثَّانِيَة ثمَّ خرج النَّجْم الغزى من بَيت الخطابة وَعَلِيهِ تِلْكَ الْعِمَامَة بِعَينهَا من غير تَغْيِير لَهَا فَخَطب الْخطْبَة الثَّانِيَة وَصلى بهم الْجُمُعَة وَدخل بَاب الصَّغِير الْمُقَابل للجامع الْمَذْكُور والمقتدون فى وَجل عَظِيم فَقَامَ من مَنَامه وجلا وَعلم من التَّأْوِيل أَن الميدانى قضى نحبه فَتَوَضَّأ وَصلى بعض رَكْعَات واذا بالمؤذن دخل وَهُوَ يهلل جَهرا ويحادث بعض جمَاعَة وَيَقُول ان الشَّيْخ شمس الدّين قد مَاتَ واول هَذِه الرُّؤْيَا بَان الشَّمْس رَأس الاربعين واكثر النَّاس فِيهِ من المراثى والتواريخ فَمن ذَلِك تَارِيخ الاديب ابراهيم الاكرمى الصالحى وَهُوَ قَوْله
(شيخ دمشق وشمس دين الاله فِيهَا قضى وفاتا ... )
(فَقلت واحسرتاه ارخ ... أشافعى الزَّمَان مَاتَا)
وَمن ذَلِك تَارِيخ الشَّيْخ أَبى الطّيب الغزى قَوْله
(أَيهَا الْعَادِل دعنى وبكائى ... أَنْت خلو من مصابى وبلائى)
(عد عَنى لَا تلمنى أبدا ... فى رثائى لامام الْعلمَاء)
(غَابَ شمس الدّين عَنَّا فاذن ... نَحن فى ظلماء من بعد ضِيَاء)
(غَابَ عَنَّا بَغْتَة فانقمعت ... لرداه نجباء النبهاء)
стр. 1640
(كَانَ وَالله حَنِيفا مُسلما ... مُسْتَقِيمًا من كبار الصلحاء)
(يَا لَهُ من عَالم تَارِيخه ... مَاتَ بالقولنج نور النبلاء)
وَقَالَ أَيْضا
(أَيهَا الْعَصْر الذى ... باينته المكرمات)
(ساوت الايام فِيك الليالى المظلمات ... )
(فَاتَ مِنْهُ الْمُسلمين الْهدى ثمَّ المسلمات ... )
(وابكه للمشكلات الصعاب المبهمات ... )
(واستمع تَارِيخه ... شمسك العلام مَاتَ)
وَقَالَ فِيهِ أَبُو بكر الْعُمْرَى شيخ الادب
(مغانى الْعلم قد درست ... وَقد أقوت معالمها)
(لمَوْت الْعَالم النحرير عينى فاض ساجمها ... )
(من افتخرت بِهِ العلياء وانتظمت مكارمها ... )
(امام الْعَصْر شمس الدّين وَالدُّنْيَا مساهمها ... )
(قضى وَعَلِيهِ قد قَامَت ... من الدُّنْيَا مآتمها)
(فَقل ان شِئْت أَو ارخ ... دمشق مَاتَ عالمها)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بآلتى برمق صَاحب السِّيرَة النَّبَوِيَّة التركية أَصله من بَلْدَة أسكوب وَكَانَ يعرف بِابْن الجقرقجى أى الْخَرَّاط أَخذ طَرِيق البيرامية عَن السَّيِّد جَعْفَر المدفون باسكوب وَحصل طرفا عَظِيما من المعارف ثمَّ قدم قسطنطينية وعظ بهَا بِجَامِع السُّلْطَان مُحَمَّد وَحدث وَفسّر واشتهر صيته ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة وَألقى فِيهَا رَحل الاقامة وأحرز جرايات وجهات وَوعظ ومشيخة وَحج مِنْهَا وَرجع وَأقَام بهما وَله تآليف مِنْهَا تَرْجَمَة المطول بالتركية والسيرة التركية وهى تَرْجَمَة معارج النُّبُوَّة وترجمة نكار ستان غفارى سَمَّاهُ نزهة جهان ونادرة الزَّمَان وَكَانَ عذب الْبَيَان منطلق اللِّسَان حُلْو المحاوره لطيف المجاوره شرِيف النَّفس عَظِيم الجاه مَشْهُورا بِعظم الْقدر والشان وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُفْرد زَمَانه واوحد اقرانه وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ والف رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد حجازى بن مُحَمَّد بن عبد الله الشهير بالواعظ القلقسندى بلد الشعراوى
стр. 1641
طَريقَة لوالده الخلوتى طَريقَة لَهُ الاكراوى مولد الشافعى الامام الْمُحدث المقرى خَاتِمَة الْعلمَاء كَانَ من الاكابر الراسخين فى الْعلم واشتهر بالمعارف الالهية وَبلغ فى الْعُلُوم الحرفية الْغَايَة القصوى مَعَ كَونه كَانَ يغلب عَلَيْهِ حب الخمول وكراهية الظُّهُور نَشأ بِمصْر وَحفظ الْقُرْآن وعدة متون فى النَّحْو والقراآت وَالْفِقْه وعرضها على عُلَمَاء عصره وَأخذ عَن جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم الْحَافِظ النَّجْم الغيطى وَالشَّيْخ الْجمال ابْن القاضى زَكَرِيَّا وَالشَّيْخ أَحْمد بن أَحْمد بن عبد الْحق السنباطى وَالشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الشعراوى وَالشَّمْس مُحَمَّد الرملى وَالشَّيْخ شحاذة الْيُمْنَى وَالسَّيِّد الارميونى وَالشَّمْس العلقمى وَالشَّيْخ كريم الدّين الخلوتى وَأَجَازَهُ الْمُحدث الْمسند أَحْمد بن سَنَد بثلاثيات البخارى فى حُدُود السّبْعين وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَن عضد الدّين مُحَمَّد بن اركماس اليشبكى التركى الحنفى رَفِيق الشَّيْخ عبد الْحق الكافيجى قَالَ المترجم كَمَا رَأَيْته بِخَط ابْنه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن نَاقِلا من خطّ وَالِده أَسمَاء مشايخه حَتَّى وصل الى ابْن اركماس وَهُوَ أَعلَى من لقيناه لسبقه بِالسِّنِّ انْتهى وَذكر الشَّيْخ صَاحب التَّرْجَمَة فى اجازة شيخ الْحَنَابِلَة بِالشَّام الشَّيْخ عبد الباقى البعلى قَالَ أروى بِحَق الاجازة عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن اركماس الحنفى المعمر السَّاكِن بغيط الْعدة بِمصْر الى مَوته بِحَق اجازته عَن شيخ الاسلام حَافظ الْعَصْر أَحْمد بن حجر العسقلانى وبحق اجتماعه مَعَ الْحَافِظ الْجلَال السيوطى وَالشَّيْخ عبد الْحق السنباطى قَالَ أَحدهمَا عَن الشَّيْخ محيى الدّين الكافيجى فبفضل الله تَعَالَى هَذَا الاسناد أَنا مُنْفَرد بِهِ مشرقا ومغربا انْتهى قلت وَقد تكلم فى لُحُوق ابْن اركماس لِابْنِ حجر فاستبعد وَأَنا رَأَيْت تَرْجَمته فى طَبَقَات الْحَنَفِيَّة الَّتِى ألفها القاضى تقى الدّين الْيُمْنَى فَقَالَ فِيهَا مُحَمَّد بن اركماس اليشبكى عضد الدّين النظامى نِسْبَة للنظام الحنفى لكَونه ابْن اخته ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَمَات وَالِده وَهُوَ صَغِير فرباه خَاله الْمَذْكُور وَحفظ الْقُرْآن والشاطبية والمنار والكنز والفية ابْن مَالك وَغَيرهَا وَعرض على ابْن حجر وَغَيره واشتغل على ابْن الديرى والزين قَاسم وَغَيرهمَا وَحج غير مرّة وكنب بِخَطِّهِ الْكثير وَجمع تذكرة فى مجلدات وَكَانَ لطيف الذَّات حسن الصِّفَات غزير الادب انْتهى وَأَنت اذا عرفت مولده لم تستبعد انه أَخذ عَن ابْن حجر فان وَفَاة ابْن حجر فى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَثَمَانمِائَة فقد ثَبت بِهَذَا الْوَجْه لُحُوقه لِابْنِ حجر مَا لُحُوق صَاحب التَّرْجَمَة فَمُسلم لَا مطْعن فِيهِ وَبِالْجُمْلَةِ فقد نَالَ صَاحب التَّرْجَمَة بِهَذَا السَّنَد شَأْنًا
стр. 1642
عَظِيما وَله مَشَايِخ كَثِيرُونَ يبلغون ثلثمِائة شيخ وَعنهُ اخذ الشَّمْس البابلى وَعَامة الشُّيُوخ الْمُتَأَخِّرين بِمصْر وَمن الدمشقيين عبد الباقى الْمَذْكُور آنِفا وكل من لقِيه مثن عَلَيْهِ وَألف كتبا كَثِيرَة نافعة مِنْهَا شرح الْجَامِع الصَّغِير للسيوطى وَهُوَ شرح جَامع مُفِيد سَمَّاهُ فتح الْمولى النصير بشرح الْجَامِع الصَّغِير وَقد وصل حجمه الى اثنى عشر مجلدا كل مُجَلد خَمْسُونَ كرسا وَله شرح على الفية الحَدِيث الَّتِى للسيوطى أَيْضا وَله سَوَاء الصِّرَاط فى بَيَان الاشراط وَهُوَ كتاب جلليل فِي أَشْرَاط السَّاعَة أوصلها فِيهِ الى ثلثمِائة وَله القَوْل الشَّفِيع فى الصَّلَاة على الحبيب الشَّفِيع وَشرح على الطّيبَة الجزرية ونظم طيبَة على روى الشاطبية وَشَرحهَا وَله ثَلَاثَة شُرُوح على الْمُقدمَة الجزرية وَشرح على الاربعين المضاهية للاربعين النووية لِلْحَافِظِ السيوطى وَشرح على الْقَوَاعِد والضوابط النووية وَقطعَة على تَلْخِيص ابْن أَبى جَمْرَة لصحيح البخارى وَقطعَة على نظم الشَّيْخ العمريطى للتحرير ورسالة سَمَّاهَا القَوْل المشروح فى النَّفس وَالروح وَله كشف اللثام عَن آيَة احل لكم لَيْلَة الصّيام وَالْقَوْل المقبول فى كَفَّارَة ذَنْب الْمَقْتُول ووثوق الْيَدَيْنِ بِمَا يُجَاب عَن حَدِيث ذى الْيَدَيْنِ والرقيم المسطور فى علم الْمَوْتَى بِمن يزور الْقُبُور ومعترك الْخَلَاص فى تَكْرِير سُورَة الاخلاص وَالْجَوَاب الشَّفِيع عَن الجناب الرفيع وَالْقَوْل العلى فى رُؤْيَة الْملك العلى والسراج الْوَهَّاج فى ايضاح رَأَيْت ربى وَعَلِيهِ التَّاج وَالْجَلالَة بِمد الالف قبل هَاء الجلاله والموارد المستعذبه بمصادر الْعِمَامَة والعذبه والبرهان فى أوقاف السُّلْطَان والاستعلام عَن رُؤْيَة النبى فى الْمَنَام وَالْجَوَاب المصون فى آيَة ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ﴾ واتحاف السَّائِل بِمَا لفاطمة من الْفَضَائِل واطلاق الْعَنَان فى رُؤْيَة الله تَعَالَى فى العيان وتنبيه الْيَقظَان فى قَول سُبْحَانَ وَالْقَوْل المثبوت فى قصَّة هاروت وكشف النقاب فى حَيَاة الانبياء اذا تواروا فى التُّرَاب وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَكَانَت وِلَادَته فى اللَّيْلَة السَّابِعَة عشرَة من ذى الْقعدَة سنة سبع وَخمسين وَتِسْعمِائَة بِمَنْزِلَة اكرى من منَازِل الْحَاج المصرى حَال التَّوَجُّه الى بَيت الله الْحَرَام وَتوفى بِمصْر بعد اذان الْعَصْر من يَوْم الاربعاء سادس عشر شهر ربيع الاول سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن عِنْد وَالِده بتربة فِيهَا ولى الله تَعَالَى الشَّيْخ مُحَمَّد الفارقانى دَاخل جَامع يعرف بالشيخ الْمَذْكُور بسويقة عُصْفُور بِالْقربِ من المدابغ الْقَدِيمَة والاكراوى
стр. 1643
نِسْبَة لاكرى بِالْقصرِ وَيُقَال اكره منزلَة بطرِيق الْحَاج المصرى مَعْرُوفَة بقلة لَهُ مَائِهَا وفيهَا يَقُول فتح الله البيلونى الحلبى
(تعففت عَن وادى الْفَقِير ومائه ... وسرت بَيت الله أهْدى لَهُ شكره)
(ووفرت مَا عندى احْتِرَازًا واننى ... لصونى مَاء الْوَجْه لم أر مَا أكره)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن القاضى تقى الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام ابْن روزبه بن مَحْمُود بن ابراهيم بن أَحْمد الكازرونى المدنى الزبيرى امام الشَّافِعِيَّة بالْمقَام النبوى صلى الله على ساكنه وَسلم وكرم وَعظم ومفتى الْمَدِينَة ومدرسها بروضة الشِّفَاء كَانَ فى الْعُلُوم بحرا زاخرا وعلما ظَاهرا ساهم فى الْفَضَائِل فَأدْرك مَا أدْركهُ الاواخر والاوائل وَتخرج على يَدَيْهِ الْفُضَلَاء مَعَ عذوبة اللِّسَان وسعة الصَّدْر وَحسن الْخط وَكَانَ مبتلى بِالشَّكِّ فى الطَّهَارَة مَعَ كبر سنه وشيخوخته وَكَانَ صَدرا على الْقدر وافر الْحُرْمَة أَخذ عَن الطَّاهِر بن على بن الشَّيْخ مُحَمَّد بن عراق ولازمه وَبِه تخرج وَنزل لَهُ عَن امامته دون وَلَده وأشرك مَعَه فِيهَا مُحَمَّد مَكَارِم الْبناء ثمَّ انهما فرغا لولدى شيخهما مُحَمَّد وأخيه على بِالثُّلثِ بِطيب نفس مِنْهُمَا وَكَانَ مقَام الشَّافِعِيَّة بِطيبَة خَاصّا بهؤلاء الثَّلَاثَة الْوَظَائِف وهى الْوَظَائِف الْقَدِيمَة وَلم يكن لَاحَدَّ سواهُم فِيهِ وَظِيفَة وَأخذ عَنهُ أكَابِر لَا يُحصونَ كَثْرَة مِنْهُم عبد الله باولى وَابْن عَمه أَبُو السُّعُود الكازرونى الْمُقدم ذكره وَأحمد الصالحى وَكَانَ ذَا دنيا متسعة بِحَيْثُ أَن ورثته تقاسموا النَّقْد بالطاس كَمَا أخبر بذلك من أدْركهُ وَكَانَت وفته فى يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشر ذى الْقعدَة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف بِالْمَدِينَةِ المنورة وَدفن ببقيع والغرقد بمدفن آبَائِهِ وأجداده
السَّيِّد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن برهَان الحسينى الشهير بشيخى وبالعلامة الحميدى الاصل القسطنطينى المولد نقيب الاشراف بممالك الرّوم المحروسة الْعَالم الحبر المتبحر فى الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول الباهر السمت كَانَ عَالما بارعا نبيها نبيلا صَاحب أَخْلَاق حميدة وَمَكَارِم جزيلة وَمَعْرِفَة تَامَّة بِلِسَان الْعَرَب وَله أشعار وانشاآت غضة لَازم من شيخ الاسلام يحيى زَكَرِيَّا ودرس وَلما ولى الولى الْمَذْكُور قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلى ثانى مرّة صيره فى خدمَة التذاكر وَقد اتّفق لِابْنِ عَمه الْمولى السَّيِّد مُحَمَّد بن برهَان الشهير بشريف الْمُقدم ذكره انه كَانَ من ملازمى وَالِد الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا وصيره وَهُوَ قاضى الْعَسْكَر بروم ايلى فى خدمَة التذاكر ثمَّ تنقل صَاحب التَّرْجَمَة
стр. 1644
فى الْمدَارِس الى أَن وصل الى الْمدرسَة السليمانية ثمَّ ولى مِنْهَا قَضَاء حلب ثمَّ صَار قَاضِيا بالقدم فى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف ونظم قصيدته الْمَشْهُورَة وتعرف بالثلجية ورتب لمن يقْرؤهَا كل لَيْلَة فى الصَّخْرَة الشَّرِيفَة وَقفا وهى الى الْآن تقْرَأ كل لَيْلَة ومطلعها قَوْله
(مَا الثَّلج ثلج على ذَا الطّور وَالْحرم ... نور تجلى بِهِ الرَّحْمَن ذُو الْكَرم)
(من عهد مُوسَى تجلى لَا نَظِير لَهُ ... لكنه شَامِل للْعَرَب والعجم)
مِنْهَا
(من أَيمن الطّور نَار الله قد سطعت ... هياكل النُّور فى الزَّيْتُون والاجم)
(من جَانب الرّوم ضيف قد ألم بِنَا ... أنجى الْخَلَائق من جَدب وَمن ألم)
(منور الْوَجْه شيخ من محاسنه الْبيض ببيض وَجه البان وَالْعلم ... )
(ثانى سُلَيْمَان من حفت أريكته ... فالريح تحملهَا بِالْخَيْلِ والحشم)
(تواضعا وَجهه فى الارض محتشم ... فَمن تخطاه قل يَا زلَّة الْقدَم)
ثمَّ عزل عَن قَضَاء الْقُدس فَوجه اليه قَضَاء الغلطة ثمَّ صَار نقيب الاشراف مَكَان ابْن عَمه الشريف الْمَذْكُور آنِفا وَوجه اليه رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولى وَعظم شَأْنه وروجع فى مهام الامور وشمله الْتِفَات السُّلْطَان مُرَاد وَكَانَ وافر السخاء والمروءة وَكَانَ مَجْلِسه مجمع الْفُضَلَاء من كل جَانب وَكَانَ يُورد عِنْده كل غامضة ويبث كل رائقة وَكثير من الادباء مدحوه وأثنوا عَلَيْهِ فَمنهمْ الاديب أَحْمد بن شاهين فانه كتب اليه هَذِه القصيدة لما صَار نَقِيبًا مهنئا لَهُ وهى
(ثَنَاء لآل الْمُصْطَفى وسناء ... بمطلع سعد لم تنله ذكاء)
(وأنى لشمس الافق مطلع سودد ... لَهُ من علا نور النبى سناء)
(وكل فخار بعد نور مُحَمَّد ... نبى الْهدى فى الْعَالمين مناء)
(لَك الْحَمد اللَّهُمَّ فِيمَا منحته ... وخيرتك اللَّهُمَّ حَيْثُ تشَاء)
(لصفوة هَذَا الْوَقْت من آل هَاشم ... وَمن قصرت عَن شأوه النظراء)
(لمولاى شيخ الدَّهْر علما وَمن لَهُ ... مَنَاقِب لم يظفر بهَا النُّقَبَاء)
(لعلامة الدُّنْيَا وحسبك شهرة ... لَهُ لقب دَانَتْ لَهُ الْعلمَاء)
(سما لمقام قد رقى بسموه ... لذاك لكل من علاهُ بهاء)
(وَمَا كَانَ الا الْبَدْر نورا ورفعة ... وحظ الورى مِنْهُ سنا وسناء)
(فَأصْبح شمسا لَا يُوَقت نورها ... سَوَاء صباح عِنْدهَا وَمَسَاء)
стр. 1645
(وَمَا زَاده فخرا حُلُول برتبة ... بروج ذكاء فى السمو سَوَاء)
(وانك يَا مولاى أشرف ذَا الورى ... لذاك نَقِيبًا عدك الشرفاء)
(فيا ابْن رَسُول الله وَابْن وَصِيّه ... وَمن كل قلب فِيهِ مِنْك رَجَاء)
(كفيت من الدُّنْيَا وَأَنت ذخيرتى ... لاخراى يَا من دونه الكرماء)
(وَلَيْسَ قريضى بَالغا فِيك مِدْحَة ... ولاهى مِمَّا يبلغ البلغاء)
(وان اله الْعَرْش أوصى بفضلكم ... بنى الْمُصْطَفى فليقصر الشُّعَرَاء)
وَكتب اليه فى جَوَاب كتاب ورد اليه من جنابه هَذِه
(جاءنى من جناب شيخى كتاب ... مستطاب مهذب مألوف)
(من جناب الشريف صدر الموالى ... هُوَ ذَاك الْعَلامَة الْمَعْرُوف)
(دُرَر كُله وسحر وخمر ... فلآليه كُلهنَّ شفوف)
(فبألفاظه اهتديت فمهما ... قيل أَحْسَنت قلت انى رَدِيف)
(قَائِلا فِيهِ قل أجيبك مهما ... رمته عِنْد همتى للطيف)
(فترويت ثمَّ جِئْت بِبَيْت ... قَالَه شَاعِر خَبِير عريف)
(مالنا فى الندى عَلَيْك اخْتِيَار ... كل مَا يمنح الشريف شرِيف)
وَحكى والدى قَالَ أخبرنى الْمولى الْعَلامَة الشهَاب الخفاجى وَأَنا بِمصْر فى سنة سِتِّينَ وَألف أَنه كَانَ فى يَوْم من الايام فى مَجْلِسه الرفيع الْمقَام مَعَ جمَاعَة من الْفُضَلَاء وزمرة من الاماجد النبلاء فاحتجب الشهَاب عَن الْمجْلس لاجل الدُّخان وَكَانَ الْمَنْع عَنهُ قد حصل من حَضْرَة السُّلْطَان وَلما عَاد الى الْمجْلس أنْشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما نظم وقتهما من غير مين
(اذا شرب الدُّخان فَلَا تلمنا ... وجد بِالْعَفو يَا روض الامانى)
(تُرِيدُ مهذبا من غير ذَنْب ... وَهل عود يفوح بِلَا دُخان)
قَالَ فَأجَاب صَاحب التَّرْجَمَة فى الْحَال على سَبِيل الارتجال
(اذ شرب الدُّخان فَلَا تلمنى ... على لومى لابناء الزَّمَان)
(أُرِيد مهذبا من غير ذَنْب ... كريح الْمسك فاح بِلَا دُخان)
وَمن آثَار قلمه البديعة مَا كتبه الى الامام الْهمام يُوسُف بن أَبى الْفَتْح امام السُّلْطَان وَهُوَ بِدِمَشْق
(يَا من علا بجماله ... وكماله أَعلَى الْعلَا)
(منى اليك تَحِيَّة ... حرز البقا لذوى العلى)
стр. 1646
ينْهَى على رسم أولى النهى الى الْمحل الذى خصّه الْحسن والبها انه كُنَّا مجهزين اليه قبل تَارِيخه كتابا مَكْتُوبًا بمداد الصدْق والخلة وخطابا فِيهِ شِفَاء من الْعلَّة وَالْغلَّة ثمَّ قعدنا ناظرين بِمَ يرجع الْمُرْسل فَلم يظْهر مِمَّن رَحل وقفل وطلع وأفل نوع أثر من عين ونغمة خبر من ربَاب ذى رعين فَلَعَلَّ المجهز ضَاعَ فى الْبَين وَمَا ضَاعَ نشره بَين اثْنَيْنِ والا فالحبيب لَا محَالة وثيق الوفا سحيق عَن شفا جرف الجفا فَلَو وصل لوصل وَمَا قطع عروق مَا حصل ودمت يُوسُف الْحَقَائِق موفيا كيل الدقائق بَين مُتَّهم ومنجد ومشئم ومعرق وَكتب على رقْعَة دفعت اليه من بعض الْفُضَلَاء على يَد وَاسِطَة بعض خَواص الافاضل متضمنة لعتب حصل من الْمولى الْمَذْكُور يحْضرُون الى الْبَيْت ويحكون الْحِكَايَة كَيْت وَكَيْت قَضِيَّة الهجر فِرْيَة الواهمه والقطيعة من الْجِيرَان لَا من اهل كاظمه عِنْد الملاقاة تظهر الامور ولذى المصافاة يحصل شِفَاء الصُّدُور وَالسَّلَام وَكتب على اجازة لبَعض الحلبيين لما تشرفت بمطالعة هَذَا الطامور الْفَائِق على هياكل النُّور وقلائد الْحور بيمن مَا احتواه من ذكر الصَّالِحين الذى تنزل الرَّحْمَة عِنْده وَتحصل الاجور اللَّائِق كتبه بالمسك على الكافور بل سَواد أحداق الْحور على صَحَائِف قدود ربات الحجول والقصور ذكرتهم بِالدُّعَاءِ الصَّالح وَالثنَاء الْعطر الفاتح وأثنيت على صَاحبه الفائض الفالح بالمدح العبق اللائح مستمدا من روحانيتهم الْعَالِيَة متيمنا بِحسن الانتظام فى زمرتهم الساميه ومستمطرا سحب همتهم الهامية الناميه فَقلت فِيهِ مقرظا
(حققت أَن جمال الدّين من زمر ... حلوا مَحل سَواد الْقلب وَالنَّظَر)
(من أهل خرقَة تجويد بهَا ادرعوا ... والتاج بيضهم تحمى عَن الضَّرَر)
(من مشرب عبقرى بيضهم جدد ... المرتوى صدرهم من رَملَة الصَّدْر)
(المنتمين الى الباز المحلق فى ... جو الْعلَا الاشهب العالى عَن النّظر)
(طُوبَى لَهُ اذ جلا مرْآة خاطره ... بِخرقَة مِنْهُم تجلو عَن الكدر)
(جمال ذى الْعَصْر فى محياه دَامَ وَاد ... حلت شعوب جمال الْكتب وَالسير)
(بَين الالى فَرَأَوْا عزا لنظير لَهُ ... عز الفريدة فى عقد من الدُّرَر)
(فان لَهُ ينبح الحساد من حسد ... فَلَا يضر عواء الْكَلْب للقمر)
تمّ عزل عَن النقابة وَأعْطى قَضَاء مَكَّة المشرفة فسافر بحرا على طبق مَا أَمر بِهِ من
стр. 1647
قبل السُّلْطَان فَلَمَّا وصل الى ثغر جدة أدْركهُ بريد الْحمام وَذَلِكَ فى سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن على الشهير بالحزرمى الْبَصِير الدمشقى المولد والوفاة الحنفى الْفَقِيه الْعَالم الْجَلِيل الْقدر أحد شُيُوخ الْحَنَفِيَّة المتصدين للافادة أَخذ الْفِقْه عَن اجلاء كبار مِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بن العلمى نزيل دمشق وَقَرَأَ انواع الْعُلُوم على المنلا مُحَمَّد بن عبد الْملك البغدادى الدمشقى وَحصل وبرع وَلَزِمَه جمَاعَة من الْفُضَلَاء أخذُوا عَنهُ وانتفعوا بِهِ وَكَانَ أول أمره فَقِيرا فسكن فى حجرَة بمدرسة العزيزية وَاتفقَ انه دخل حجرته بعض السراق وَأخذُوا اسبابه وَبَعض دَرَاهِم كَانَ جمعهَا من كد وَجهد فَحصل لَهُ كَمَال الالم وفى اثناء ذَلِك عرض لَهُ الْعَمى وَكَانَ عروضه لَهُ فى حُدُود سنة عشْرين وَألف فعالج بَصَره مُدَّة فَمَا أَفَادَهُ العلاج فسافر الى بَغْدَاد راجيا ان يبرأ على يَد أحد فَمَا تيَسّر لَهُ فَعَاد الى دمشق ثمَّ وجهت اليه الْمدرسَة اليونسية فدرس بهَا وَكَانَ لَهُ بقْعَة بالجامع الاموى وَكَانَ قبل ان يكف ولى الخطابة بِجَامِع السُّلْطَان سُلَيْمَان مُدَّة وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير والحذرمى نِسْبَة الى حزر مَا بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة بعد هازاى سَاكِنة ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة فيمَ فألف قَرْيَة بغوطة دمشق
مُحَمَّد بن مُحَمَّد الملقب نجم الدّين الحلفاوى الانصارى الحلبى الدَّار الحنفى الْمَذْهَب خطيب جَامع حلب وصدرها الْمُسْتَوْفى اقسام النباهة والبراعة وَكَانَ فى عصره أوحد الْفُضَلَاء وابلغ البلغاء وَله الصيت الذائع بالسخاء والمروءة ووفور المهابة والفتوة ذكره الخفاجة فى الخبايا فَقَالَ فى وَصفه نجم طلع من وَافق المكارم زَائِد الِارْتفَاع وَنزل منَازِل سعد رقى فِيهَا عَن قَوس الشّرف باطول ذِرَاع يقطع أوقاته فى طلب الْفَضَائِل والكمال وَلَا ينزه طرفه فى غير سَمَاء خلال أَو رياض جمال فَلَو كَانَ الْعلم بِالثُّرَيَّا لَنَالَهُ أَو بالعيوق لطاله ثمَّ أورد لَهُ ابياتا كتبهَا الى النَّجْم فِيهَا سُؤال نحوى والابيات هى هَذِه
(أنجما أَضَاءَت سَمَاء الرتب ... بِهِ وتسامت فخارا حلب)
(أخالى واسمى أخلا لاسمه ... وَكم من اخاء يفوق النّسَب)
(أبن كلمة قيل مَبْنِيَّة ... بِغَيْر اخْتِلَاف لَهُم أَو شغب)
(وان نعتت كَانَ اعرابها ... باعراب ناعتها مَا السَّبَب)
стр. 1648
(فتبوعها لم يزل تَابعا ... على عكس مَا فى لِسَان الْعَرَب)
(فدم نجم سعد بِرَأْس الْعلَا ... وطالع اعدائه فى الذَّنب)
فَأَجَابَهُ النَّجْم أَيْضا بقوله
(أمولاى منشى لِسَان الْعَرَب ... وقاضى دواوين أهل الادب)
(وَمن فَضله شاع فى الكائنات ... ونال بِهِ ساميات الرتب)
(سبقت الالى فى نظام القريض ... وفى كل علم بلغت الارب)
(وجادت اكفك بالنائلات ... وفاضت بهَا غاديات النشب)
(لعمرى لقد فقت كل الانام ... بذوق حلا وبفهم ثقب)
(كَانَ الْمسَائِل قطر الندا ... وفكرك كالسحب مِنْهَا انسكب)
(وَقد كنت أسمع أوصافكم ... فَلَمَّا تبدت رَأَيْت الْعجب)
(وَقد كنت فى تَعب للعلوم ... فَلَمَّا رَأَيْتُك زَالَ التَّعَب)
(وَقد شرفت بك كل الْبِلَاد ... وشاق بِفَضْلِك نَادَى حلب)
(بعثت لعبدك در النظام ... وصغت لَهُ أنجما من ذهب)
(سكرت بِخَمْر معَان صفت ... بِهِ نقط الْخط مثل الحبب)
(تضمن لغزا يُنَادى بيا ... شهَاب بن شمس حويت الطّلب)
(فَلَا زلت تنظم نثر اللآل ... وتنثر من دره الْمُنْتَخب)
(وَلَا زلت أنْشد فِيهِ المديح ... وأطوى الزَّمَان بِهِ والحقب)
(وَأثْنى عَلَيْهِ بآلائه ... وَأقرب مِنْهُ نأى أَو قرب)
(وأذهب من نور آدابه ... ظلام الدياجى وظلم النوب)
(مدى الدَّهْر مَا انقض نجم وَمَا ... شهَاب سما فى سَمَاء الرتب)
وترجمه تِلْمِيذه البديعى فَقَالَ فى وَصفه امام الْفُضَلَاء الذى بِهِ يقتدون وبأنواره من حنادس الشّبَه يَهْتَدُونَ عَالم جدد رسوم البلاغة بعد ان نسجت عَلَيْهَا العناكب واحيا ربوعها بعد أَن قَامَت عَلَيْهَا النوادب وافتتح بصوارم افكاره مقفلات صياصيها واستخرج خرائدها الممنعة بمعاقلها واسترق نَوَاصِيهَا حسن سيرته وطهر سَرِيرَته وقدزها بخطابته الْجَامِع الاكبر
(لَو أَن مشتاقا تكلّف فَوق مَا ... فى وَسعه لسعى اليه الْمِنْبَر)
وَقد نسجت افكار شعراء الْعَصْر وشائع مفاخره وخلدت فى دواوينها ظرائف
стр. 1649
مآثره وَلم تزل حَضرته الشَّرِيفَة كعبة الْجُود وسدته المنيفة قبْلَة الْوُفُود مَعَ سماحة شيم وفصاحة كلم ورجاحة كرم وَقد أصَاب شاكلة الصَّوَاب وأتى بفصل الْخطاب من قَالَ فى مدحه
(لقد بت فى الشَّهْبَاء مَا بَين معشر ... تهاب الليالى ان تروع لَهُم جارا)
(مقاديرهم بَين الانام شريفة ... وَلَكِن نجم الدّين أشرف مِقْدَارًا)
(ترى الْبشر يَبْدُو من أسارير وَجهه ... فَلَو جِئْته لَيْلًا لاهداك انوارا)
ثمَّ أنْشد لَهُ من شعره قَوْله من قصيدة
(أَتَرَى الزَّمَان يُعِيد لى ايناسى ... ويرق لى ذَاك الحبيب القاسى)
(كم قد نشرت بِهِ باسط لذائذى ... وهصرت من عطفيه غُصْن الآس)
(أَيَّام لَا غُصْن الشَّبَاب بملتو ... عَنى وَلَا حبى لعهدى ناسى)
(قطر الحيا فى وجنتيه مكلل ... مثل الْحباب على صفاء الكاس)
(ساقيته طعم المدام فَلم يشب ... صفو الْحَيَاة بكدرة الادناس)
(لم أنسه متسر بِلَا ثوب الحياه ... متبخترا فى قده المياس)
وَقَوله فى قصيدة
(نثر الدّرّ من كلامك نظما ... لم نَكُنْ بعد ورده الدَّهْر نظما)
قلت وَهُوَ مِمَّن أَخذ عَن شيخ الاسلام عمر العرضى وَغَيره وتصدر للاقراء فَانْتَفع بِهِ الجم الْغَفِير من أهل دائرته من أَجلهم الْعَلامَة مُحَمَّد بن حسن الكواكبى مفتى حلب والفاضل الاديب مصطفى الثانى وَشَيخنَا الْعَلامَة الاجل أَحْمد بن مُحَمَّد المهمندارى مفتى الشَّام وَغَيرهم وَاجْتمعَ بِهِ والدى فى عودته من الرّوم فى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وَذكره فى رحلته الَّتِى الفها وقرظ لَهُ عَلَيْهَا النَّجْم المترجم فَقَالَ بعد الحمدلة والتصلية وَبعد فَلَمَّا تشرفت الشَّهْبَاء بقدوم مَوْلَانَا فَخر الافاضل وعمدة الادباء الْوَارِث سلافة الْمجد عَن أَبِيه وجده الْحَائِز قصبات الرِّهَان فى ميدان البلاغة بعزمه وجده من فاق ببلاغته نثر النظام وسما فى متانة نظمه على البحترى وابى تَمام وَملك ديوَان الانشاء وَلَا بدع فَذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَكَانَ قدومه عَلَيْهَا ووروده اليها من دَار السلطنة العليه قسطنطينية المحميه راتعا طيب الْعَيْش بِحُصُول المآرب ناهلا من وُرُوده على الذ المشارب فأوقفنى على هَذِه الرحلة الَّتِى تشد اليها الرّحال وتقف عِنْدهَا مطايا الآمال فوقفت على
стр. 1650
حديقة أريجة النَّبَات وصحيفة بهيجة الصِّفَات واجلت طرفى فى الفاظ ارق من السلافه والذ من الامن بعد الاخافة وَمَعَان أحلى من لعاب النَّحْل واعذب من الخصب بعد الْمحل جمعت فَضَائِل الْآدَاب وملكت معاقل الالباب تعرب عَن بلاغة منشيها وتبلغ الانفس من امانيها فَلَا زَالَت الاعين من لقائها مبتهجة والالسن بِحسن ثنائها ملتهجة وامده الله تَعَالَى بِسَعْد لَا انْقِطَاع لحبله وأيده بمجد لَا انصداع لشمله لابرح يرتع فى رياض الْفَضَائِل ويطبق من اصول دلائله الْمسَائِل على الدَّلَائِل انْتهى وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَخمسين وَألف وَجَاء تَارِيخ وَفَاته زفت لنجم الدّين حور الْجنان والحلفاوى بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام ثمَّ فَاء بعْدهَا ألف مَقْصُورَة قَالَ ابْن الحنبلى فى تَرْجَمَة الْعَفِيف مُحَمَّد بن أَبى النمر أخبرنى انما قيل لاجداده بَنو حلفاء لما انه كَانَ لَهُم أَب ولد فى طَرِيق الْحجاز بجوار أَرض كَانَت تنْبت الحلفاء وَلم يكن مهد يوضع فِيهِ فَكَانَت أمه تَأْخُذ شَيْئا من ورق الحلفاء وتضعه تَحت وَلَدهَا الى ان فَارَقت تِلْكَ الاراضى فسكنى بأبى حلفاء قَالَ فَنحْن بَنو أَبى حلفاء الا انه اختصر فَقيل بَنو حلفاء بِحَذْف مُضَاف قَالَ وَكَانَ أَمر أَن يكْتب فى نسبه الانصارى فى آخر وقته لما بلغه ان أَبَاهُ كَانَ من ذُرِّيَّة حباب بن الْمُنْذر بن الجموح الانصارى الخزرجى وَهُوَ الذى ذكر ابْن دُرَيْد فى تَرْجَمته فى كتاب الاسعاف انه شهد بَدْرًا قَالَ وَهُوَ ذُو الرأى سمى لمشورته يَوْم بدر ذَا الرأى
مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن طريف الصالحى الحنبلى قاضى العونية كَانَ من الْفُضَلَاء والاخيار الاتقياء عفيف النَّفس قانعا من الدُّنْيَا باليسير متجملا فى جَمِيع أُمُوره تولى نِيَابَة الْقَضَاء بمحكمة قناة العونى مُدَّة تزيد على أَرْبَعِينَ سنة وَلم ينْسب اليه مَكْرُوه قَرَأت بِخَط الشَّيْخ عبد الْحق المرزناتى أَنه أخبرهُ ان مولده فى ذى الْحجَّة سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى نَهَار الْخَمِيس تَاسِع شَوَّال سنة سبع وَخمسين وَألف بالصالحية وَصلى عَلَيْهِ بالجامع المظفرى وَدفن بالروضة من السفح قلت وَهُوَ وَالِد القاضى عبد اللَّطِيف بن طريف رَئِيس الموقعين بالعونية وامهر أهل فنه فى عصرنا الاخير مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف
مُحَمَّد على بن مُحَمَّد عَلان بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن عَلان بن عبد الْملك بن على بن مُجَدد الْمِائَة الثَّامِنَة كَمَا هُوَ مَشْهُور على الالسنة والافواه الشَّيْخ الْمُحَقق الطيبى والخطيب التبريزى صَاحب الْمشكاة على بن مبارك شاه البكرى الصديقى العلوى سبط آل
следующие страницы →