Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
(أبن لنا اعرابه وَالْمعْنَى ... وفز بتكرار الدُّعَاء منا)
(واعذر فَعَن ضَرُورَة سؤالى ... لَا زلت ترقى رتب المعالى)
فَأَجَابَهُ بقوله
(يَا فَاضلا أهْدى لنا ارجوزه ... بديعة بليغة وجيزه)
(لَا غر وَحَيْثُ انه ابْن الدرا ... فَهُوَ بأنواع الْفُنُون أدرى)
(وجده الولى ذُو مَنَاقِب ... رؤتها عَمَّن رَوَاهَا عَن أَبى)
(عَلَيْهِم الرَّحْمَة والرضوان ... ثمَّ بهم يَرْحَمنَا الرَّحْمَن)
(سَأَلت عَن بَيت الولى الفارضى ... روحه الله بِفضل فائض)
(لكَونه من معضل الابيات ... معنى واعراباً لَدَى النجَاة)
(اما كَانَ فهى للتقريب ... ان شِئْت فَانْظُر مغنى اللبيب)
(فقد حكى الاقوال فى اعرابها ... وَكلهَا غَرِيبَة فى بَابهَا)
(ذكرت بعض أوجه لطيفه ... مِنْهَا وأعرضت عَن الضغيفه)
(ثمَّ قرنت بالوجوه الْمَعْنى ... مناسبا لما عَلَيْهِ يبْنى)
(وَذَاكَ وسع طَاقَة الامكان ... فى فهم قَول الْعَارِف الربانى)
(أوردته نثرا لضيق النّظم ... مرتجيا تقريبه للفهم)
(معترفا بِالْعَجزِ وَالتَّقْصِير ... فى مثل هَذَا المسلك الخطير)
(ثمَّ ختمته بِحَمْد ربى ... مستعفيا مُسْتَغْفِرًا لذنبى)
(مُصَليا مُسلما على النبى ... القرشى الهاشمى العربى)
(وَآله وَصَحبه الابرار ... وتابعيه السَّادة الاخيار)
(وَقَالَ ذَاك أَضْعَف الْعباد ... عبيد رَحْمَن الورى العمادى)
اعْلَم ان كَانَ فى الْبَيْت حرف تقريب على رأى الْكُوفِيّين مثلهَا فى قَوْلهم كانك بالشتاء مقبل وكانك بالفرج آتٍ وكانك بالدنيا لم تكن وكأنك بِالآخِرَة لم تزل وَقَول الحريرى من قصيدته الفريدة من مقاماته المفيدة
(كانى بك تنحط ... الى الْجهد وتنغط ... وَقد اسلمك الرَّهْط ... الى أضيق من سم)
وَقد اخْتلف النحويون فى اعراب ذَلِك على اقوال أقواها قَول أَبى على الفارسى ان الْكَاف فى كَأَنَّك حرف خطاب وَالْيَاء فى كانى حرف تكلم لَا مَحل لَهَا من الاعراب وَالْبَاء بعدهمَا زَائِدَة وَالْمَجْرُور بهَا مَحَله النصب على انه اسْم كَانَ التقريبية وَالْجُمْلَة
стр. 1717
بعْدهَا خبر ثمَّ الالطف من تِلْكَ الاقوال قَول الامام أَبى الْفَتْح نَاصِر الدّين المطرزى النحوى الْفَقِيه الحنفى خَليفَة الزمخشرى ان أصل الْكَلَام كانى ابصر الدُّنْيَا لم تكن وكانى ابصرك تنحط ثمَّ حذف الْفِعْل وزيدت الْبَاء ونقول التَّقْدِير كَأَنَّك تبصر بالدنيا أى تشاهدها من قَوْله تَعَالَى فبصرت بِهِ عَن جنب وَالْجُمْلَة بعد الْمَجْرُور وبالباء حَال وَالْمعْنَى كَأَنَّك تبصر بالدنيا وتشاهدها غير كائنة انْتهى وَقَالَ الرضى الاولى ان تبقى كَانَ على معنى التَّشْبِيه وَلَا يحكم بِزِيَادَة شئ انْتهى وَهَذَا من الرضى انتصار لمَذْهَب الْبَصرِيين فى انكار افادة كَانَ معنى التَّقْرِيب وابقائها فى مثل هَذِه الامثلة على معنى التَّشْبِيه الاصلى فَنَقُول فى اعراب الْبَيْت على قَول أَبى على الْيَاء فى كانى حرف تكلم لَا مَحل لَهَا من الاعراب وَالْبَاء فى بِهِ زَائِدَة وَالْهَاء مَنْصُوبَة الْمحل اسْم كَانَ التقريبية وَجُمْلَة عصاك خَبَرهَا ومطيعا حَال من فَاعل عصاك وَالْمعْنَى كَانَ الغمض عصاك فى حَال طَاعَته وسيأتى بَيَان صِحَة هَذَا الْكَلَام ان شَاءَ الله تَعَالَى وعَلى قَول المطرزى الْيَاء ضميرالمتكلم مَنْصُوبَة الْمحل اسْم كَانَ التقريبية وخبرها مَحْذُوف تقديرها ابصر وَالْبَاء زَائِدَة وَالْهَاء مفعول الْفِعْل الْمَحْذُوف وَجُمْلَة عصاك حَال من الْهَاء ومطيعا حَال متداخلة من فَاعل عصاك وَالتَّقْدِير كانى ابصر الغميض عَاصِيا لَك فى حَال طَاعَته وعَلى قَول الرضى الْيَاء اسْم كَانَ التَّشْبِيه وخبرها مَحْذُوف وَبِه مُتَعَلق بالمحذوف وَالتَّقْدِير كانى ابصر بالغمض وأشاهده عَاصِيا لَك فى حَال طَاعَته ومحصل الْمَعْنى المُرَاد من الْبَيْت وَالله أعلم أَن الشَّيْخ أَفَادَ فى الْبَيْت الذى قبله وَهُوَ قَوْله رضى الله عَنهُ
(ذاب قلبى فَأذن لَهُ يتمناك وَفِيه بَقِيَّة لرجاكا ... )
انه على شرف الفناء وَلَكِن فِيهِ بَقِيَّة رَمق يُمكنهُ فِيهَا تمنى الْوِصَال ثمَّ سَأَلَ فى هَذَا الْبَيْت ان لم يسمح بالاذن الْمَذْكُور ان يَأْمر الغمض بالمرور بجفنه الْآن حَيْثُ يُمكن الغمض ان يطيعه فى الْمُرُور مَا دَامَت الْبَقِيَّة مَوْجُودَة لانها اذا زَالَت انْعَدم مَحل الغمض بالفناء الْمَحْض فَلَا يُمكن الغمض طَاعَته من الْمُرُور بالجفن بعد انعدامه ثمَّ بَين بقوله فكأنى بِهِ الخ أَن بَقِيَّة الرمق وان كَانَت مَوْجُودَة الْآن وَطَاعَة الغمض مُمكنَة لَكِنَّهَا قريبَة الزَّوَال وعَلى شرف الاضمحلال حَتَّى كَانَ عصيان الغمض لتحَقّق قرب وُقُوع الزَّوَال وَاقع فى حَال طَاعَته الْآن من غير امهال فعلى كَون كَانَ تقريبية أفادت أَن حَال بَقِيَّة الرمق الَّتِى يُمكن فِيهَا طَاعَة الغمض قريبَة
стр. 1718
من حَال الفناء الَّتِى يَقع فِيهَا عصيانه وتمتنع طَاعَته حَتَّى كَأَنَّهَا وَاقعَة فِيهَا وعَلى كَونهَا تشبيهية أفادت ان حَال بَقِيَّة الرمق الَّتِى يُمكن فِيهَا الطَّاعَة شَبيهَة بِحَال الفناء الَّتِى يَقع فِيهَا الْعِصْيَان حَتَّى كَأَنَّهَا هى وَكَانَ الْعِصْيَان الْوَاقِع فى تِلْكَ الْحَالة مُقَارن للطاعة الْوَاقِعَة فِيهَا انْتهى عوداً لذكر صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ رَحل الى الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ سُلْطَان وَمن عاصره ثمَّ حج وجاور وَأخذ بِمَكَّة عَن ابْن عَلان الصديقى وتكرر لَهُ بعد ذَلِك السّفر الى مصر ومدح بهَا الاستاذ مُحَمَّد ابْن زين العابدين الْكُبْرَى بقصيدتين مطلع الاولى
(خليلى حطا بالركائب فى مصر ... سَقَاهَا وحياها الهزيع من الْقطر)
وَالثَّانيَِة
(من لقلب من الْهوى لَا يفِيق ... وعيون انسانهن غريق)
وَاجْتمعَ بِهِ والدى بهَا فى سنة سِتِّينَ وَألف ثمَّ حج وجاور بِمَكَّة فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَعمل بِمَكَّة شرحا على سقط الزندلابى الْعَلَاء المعرى وَجعله برسم الشريف زيد بن محسن وصدره بقصيدة من نظمه ثمَّ أدْركهُ الْمَرَض بِمَكَّة وَلم يكمل الشَّرْح وَالْقَصِيدَة الْمَذْكُورَة مطْلعهَا هَذَا
(خُذ يَمِين الْحمى فثم بدور ... طلعت فى دجى الشُّعُور تنير)
(كل بدر يقلهُ غُصْن بَان ... مثمر بالدلال لدن نضير)
(فقدت قَلبهَا المناطق فِيهِ ... فهى حيرى على الخصور تَدور)
(سلب الظبى لفتة ولحاظا ... ظبى أنس مرعاه منا الضَّمِير)
(كل لحظ اذا أَشَارَ بشزر ... فالمنايا تحل حَيْثُ يُشِير)
(واذا شابه الرضى فحياة ... فَهُوَ حتف طورا وطورا نشور)
(خل عَنْك الرقى فسحر ظباه ... فى نفوس الرقى لَهُ تَأْثِير)
(ان نضاه فَلَا يقيك مجن ... وَلَو ان الْمِجَن مِنْهُ ثبير)
(قد وَحقّ الْهوى وعهد التصابى ... أعوز العاشقين مِنْهُ المجير)
(بيد أَن تستجير بِالْحرم الآمن حَيْثُ الملاذ حَيْثُ النصير ... )
(حَيْثُ قطب الْمُلُوك فى فلك الْمجد عَلَيْهِ زهر الفخار تَدور ... )
يَقُول فى مديحها
(شرف المشرفى حِين رقى مَا ... رصعته من الْمُلُوك الثغور)
(من بنان الشريف فَهُوَ على الْهَام الى الله بِالسُّجُود يُشِير ... )
стр. 1719
(فى مقَام تكَاد هام عداهُ ... قبل ان ينتضى ظباه تطير)
(نظرة أحمدية حبذا من ... آيَة الرعب للشريف نصير)
(مَعَ امضاء عَزمَة هى فى الْحَرْب اذا طاشت الْعُقُول سعير ... )
(وتراه بالبشر يعرف اذ ذَاك وَقد أنكر العشيرا لعشير ... )
(فى بنان الْيَسَار مِنْهُ عنان الطّرف وَالْمَوْت فى الْيَمين أَسِير ... )
(موطئا مِيم مهره عبن أعداه وهم فى طرس الْوَطِيس سطور ... )
(لابسا لَام طَاعَة ألف الْخَوْض ببحر الهيجاء وَهُوَ صَغِير ... )
(حَيْثُ لَا مهد غير سرج المذاكى ... وَله هَالة الشموس سَرِير)
وَهَذِه القصيدة من أَجود شعره واكتفيت مِنْهَا بِهَذَا الْقدر لَان لَهَا أَخَوَات تذكر بقَوْلهمْ لكل جَدِيد لَذَّة فَمِنْهَا مَا كتبه الى بعض خلانه من أهل مَكَّة المشرفة وَهُوَ قَوْله
(فَدَيْنَاك من خل ارق من الصِّبَا ... واعذب من ترشاف كأس لمى الثغر)
(وآخذ للالباب من سُورَة الطلا ... وانفذ فِيهَا من مخالسة السحر)
(واشهى الى الاحداق من رونق الضُّحَى ... بروض كسته الدّرّ غادية الْقطر)
(وابهج من روق الشَّبَاب زهرَة ... وَقد قذيت اجفان حَادِثَة الدَّهْر)
(واوقع للآمال من وصف معرض ... تميل الامانى ان يُبِيح سوى الهجر)
(من التّرْك فى احداقه طبعة الجدجا ... وتشرق من أطواقه طلعة الْبَدْر)
(اذا خامرته نشوة الدل وَالصبَا ... يُرِيك المنايا من لواحظة الشزر)
(رَقِيق حواشى الْحسن كالورد مترف ... يبرمه وحى الوشاح الى الخصر)
(رخيم الْمعَانى كالسلاف لطافة ... يكَاد مَعَ الارواح من لطفه يجرى)
(تدفق فى خديه مَاء جماله ... فَاطلع وردا فى خمائله الْخضر)
(وَمَال بعطفى بانة نقوية ... بريقته نشوان لَا بطلا الْخمر)
(يجر ذيول التيه فِينَا تصلفا ... فيختلس الالباب منا وَلَا ندرى)
(أما وسويعات لنا بوصاله ... نعمنا بهَا بالأمن من سطوة الهجر)
(لانت على وفْق المنى ورضا الْهوى ... وانك ملْء الْعين والسمع والصدر)
(وَلَيْسَ لصهباء المدامة موقع ... اذا رحت تملى بَيْننَا أكؤس الشّعْر)
(سأثنى على الايام مَا دمت انها ... رمتنى الى مَا لم يجل قطّ فى فكرى)
وَلما نظم هَذِه القصيدة عتب عَلَيْهِ بعض الادباء بِمَكَّة وَقَالَ ان فلَانا الذى مدحته
стр. 1720
بِهَذِهِ لَا يَسْتَحِقهَا فَكتب للمعاتب فى الْحَال يَقُول لَهُ
(يَا من تنكر وَهُوَ كالنبراس ... أَو تختفى اللألىء بَين النَّاس)
(هون عَلَيْك فَمَا كَذَلِك من جرت ... منا اليه جداول الايناس)
(وتسابقت أَرْوَاحنَا لوداده ... مرتاضة لَيست بِذَات شماس)
(فعلام أَو فيمَ التناكر بَعْدَمَا ... هَب التعارف طيب الانفاس)
(ان كَانَ ذَلِك من تجنيك اتئد ... فالقلب طود للتجنى راسى)
(أَو كَانَ من طرف الدَّلال وتيهه ... فعلى محاجرى الْقبُول وراسى)
(لَكِن أرى فى ضمن مَا أرشفتنى ... من كأس عتبك حسنها من كاس)
(عوض الْحباب قذى يكدر مَا صفا ... من سلسبيل مزاجها للحاسى)
(فالغض فِيمَا بَين اخوان الصَّفَا ... من بَعضهم من زِينَة الوسواس)
( ... وأعيذ جمعكم المنضد شَمله ... من شَرّ خلسته بِرَبّ النَّاس)
(هَذَا وَمَا نظمى القريض لانه ... فخرأتيه بِهِ على الْجلاس)
(لَكِن فِيهِ للنفوس علالة ... تخْتَار كالريحان للاكياس)
(لَا تعتقد أَنِّي أرَاهُ صناعَة ... وأعده من حليتى ولباسى)
(مَا الْفَخر الا بالعلوم وكسبها ... أفدى رقائقها بِكُل حواسى)
(فبها يجر الْمَرْء أذيال العلى ... وبغيرها عَار وان يَك كاس)
(وَأَبِيك لَا أزهو بِنِسْبَة غَيرهَا ... انى وَتلك الرَّأْس للرآس)
وَمن غزلياته أَيْضا قَوْله
(مَال كالغصن حركته الشَّمَائِل ... يتثنى تيها بلطف الشمايل)
(رشأ دب فى لواحظه الغنج وأضحى فى طرفها السحر جائل ... )
(لست أدرى أبابل هى هذى ... أم اليها بِالسحرِ تنْسب بابل)
(سل مِنْهَا على الْقُلُوب سيوفا ... مَا لَهَا غير عارضيه حمائل)
(تقتل الصب وَهُوَ يصبو اليها ... وَعَجِيب ميل الْقَتِيل لقَاتل)
(اهيف زانه الْجمال ولاحت ... بَين عطفيه للدلال دَلَائِل)
(تخذ الْعجب عَادَة فمحال ... أَن يرى فِيهِ للوصال مخائل)
(جذبتنى الحاظه فاطعت الْحبّ فِيهِ وَقد عصيت العواذل ... )
(نحلتنى فِيهِ الصبابة حَتَّى ... صَار هَذَا النحول فى مفاصل)
стр. 1721
(خلته اذ بدا قَضِيبًا وَلَكِن ... كذبتنى بِمَا ظَنَنْت الغلائل)
(رمت مِنْهُ وَقد مددت اليه ... يَد ذلى وصلا ودمعى سَائل)
(فانثنى والصدود يعْطف مِنْهُ ... عَن وصالى عطفا يهيج البلابل)
(فهجرت الْكرَى وأوصلت سهدا ... عَنهُ قد كَانَت الجفون غوافل)
(أسهر اللَّيْل فى مسامرة النَّجْم وَنجم سامرته غير آفل ... )
(يَا رعى الله مهجتى كم تلاقى ... من قوام الحبيب والطرف ذابل)
(ورعى أضلعى فكم ذَا نقاسى ... حر وجسد لهيبه غير زائل)
(كلما قلت ذى أَوَاخِر مَا بى ... من دواعى الغرام كَانَت أَوَائِل)
وَقَوله
(هَات حدث عَن مقلة وطفاء ... بجفون مَرِيضَة الايماء)
(ومحيا كطلعة الْبَدْر نورا ... وخدود تضرجت بحياء)
(وثنايا مَا بَين خمرة ريق ... كحباب الرَّحِيق شيب بِمَاء)
(وجبين من تَحت طرة فرع ... كالهدى بعد ظلمَة الاغواء)
(قوام كَأَنَّهُ غُصْن بَان ... يتثنى كالصعدة السمراء)
(وتجن فِيهِ مخائل عطف ... تزدهيه مثل الْتِفَات الظباء)
(ووقار يجول فِيهِ التصابى ... جولان الرِّضَا خلال الْجفَاء)
(وَحَدِيث يسبى الْعُقُول اختلاسا ... كاختلاس الاجفان للاغفاء)
(بِبَيَان فِيهِ عصارة سحر ... نقشتها سلافة الصَّهْبَاء)
وَقَوله وَيخرج من أَولهَا بالالتزام اسْم درويش ومضمنا وَهُوَ
(يَمِينا بسُلْطَان الْعُيُون على الْقلب ... وسطوتها مَا حلت عَن مَذْهَب الْحبّ)
(بروحى افدى كل أغيد أهيف ... اذا لعبت خمر الدَّلال بِهِ يسبى)
(لَهُ لحظات فى محاجر جؤذر ... مدعجة الاجفان يصرعن ذَا اللب)
(جلا تَحت جنح الشّعْر غرَّة كَوْكَب ... على غُصْن بَان من معاطفه رطب)
(شغفت بِهِ رَيَّان من مَاء حسنه ... أغن يُرِيك السحر من منطق عذب)
(يُدِير بِالْمَاءِ الجفون اذا رنا ... سلافة كاسات الغرام على الصب)
(ويلعب بالافكار رونق حسنه ... وجد الْهوى يَنْمُو على ذَلِك اللّعب)
(رويدك يَا من لَام فى الْحبّ أَهله ... اليك فَمَا تجدى الْمَلَامَة فى الْحبّ)
(دع اللوم أَو فاعشق فانك ان تدق ... مطاعم أهل الْعِشْق أَقرَرت بالذنب)
стр. 1722
(ودونك فَانْظُر من سبيت بحسنه ... ترى دون وصف من ملاحته يصبى)
(رَقِيق حواشى الْحسن مهما لحظته ... يزيدك مَا يَدْعُو الْعُقُول الى السَّلب)
(وَمهما غضضت الطّرف ناداك لطفه ... الى أَيْن عَن مغنى شمايلنا الرحب)
(يضرج خديه الْجمال فيكتسى ... نقابا من الْيَاقُوت من أَفْخَر النقب)
(ويحجبه عز الْجمال وصونه ... ومرهف جفنيه وناهيك من حجب)
(وَيَوْم توافينا على غير موعد ... طرفنا بِهِ طرق التباعد بِالْقربِ)
(ونلنا ثمار الْوَصْل يانعة وَقد ... أفمنا حاديث الْهوى مَوضِع الشّرْب)
(وَقد لَاحَ فى ثوب كطرته الَّتِى ... كوجه عذولى فِيهِ اذ لج فى عتبى)
(وَشد على أعطافه بعقيقة ... ليحرسها من أعين النَّاس والشهب)
(فَللَّه من يَوْم بلغت من الْهوى ... مناى وبرأت الامانى من الْكَذِب)
(لَئِن عَاد عيد الْوَصْل يجمع بَيْننَا ... نحرت مَتى مَا أشرقت شمسه قلبِي)
وَقَوله
(أَلا صاب كاسات الغرام أوارى ... وان كنت أخْفى حبها وأوارى)
(فَتلك هى العذب الْفُرَات على الظما ... وَمَا دونهَا عندى عصارة نَار)
(وكل عَذَاب فى الْهوى وفْق مَا اقْتَضَت ... قضاياه حكم بالتنعم جارى)
(وَمن يجتبى برد الصبابة فَهُوَ فى ... حلا الْعِزّ أَو يخلع فلابس عَار)
(وَمن يَك فى ذل الْمحبَّة مخلدا ... فَذَاك لهام الفرقدين يُبَارى)
(وَمن ولعت أيدى الغرام بلبه ... حرى بِأَن يدعى بِكُل فخار ...
(وَمن طاش فى نهج الخلاعة عقله ... فقد ملئت أثوابه بوقار)
(وَمن يمتطى طرف الْهوى يزدهى على السماك وللريح الرخَاء يجارى ... )
(يميد ارتياحا بالغرام وينثنى ... وَمَا عاقرت عطفيه كأس عقار)
(لحى الله قلبا يشتكى حرق الْهوى ... وَيرجع يستجديه جذوة نَار)
(فانى بلوت الْحَالَتَيْنِ وَبَان لى ... بِأَن خلى الْقلب مثل حمَار) ٥ وَقَالَ أَيْضا مضمنا بَيت مهيار الديلمى ( ... فتنت بِهِ وَالصُّبْح من فرق شعره ... بدا ولشمس الرّوح فِيهِ غرُوب)
(فكدت لما شاهدت لَوْلَا طُلُوعهَا ... بمشرق خد الْقلب مِنْهُ أذوب)
(وَلَوْلَا طُلُوع الشَّمْس بعد غُرُوبهَا ... هوت مَعهَا الارواح حِين تغيب)
وَمن خطه قَالَ بَعضهم
стр. 1723
(وَمَا قلت آه بعدكم لمسامر ... من الْبعد الا قَالَ قلبى آها)
فَقلت ولسان الطّلب هُوَ النَّاطِق ومقتضيات الْمجْلس الى البديهة تسابق
(رعى الله أوقاتا بقربكم مَضَت ... وَلم يبْق مِنْهَا الْبعد غير مناها)
(لقد طرفت ايدى البعاد لحاظها ... فأظلم ناديها الْفَقْد سناها)
(فآه لَهَا لَو تمّ بِالْقربِ أُنْسُهَا ... سقى ربعكم صوب الهنا وسقاها)
(فَمَا سر قلبى بعْدهَا غير ذكرهَا ... وحاشاه أَن يهدى بِذكر سواهَا)
(وماقلت آه بعْدهَا لمسامر ... من الْبعد الا قَالَ قلبى آها)
وَله غير ذَلِك وَقد ذكرت لَهُ فى كتابى النفحة مُعظم احسانه وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ثَمَان وَعشْرين بعد الالف وَتوفى يَوْم السبت قبل الزَّوَال سادس شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير
مُحَمَّد مكى بن ولى الدّين المدنى الحنفى رَئِيس الْحَرَمَيْنِ وقاضى البلدين أوحد الْعَصْر ومفرد الدَّهْر كَانَ رَئِيسا نبيلا فَاضلا كَامِلا كريم النَّفس والاخلاق عالى الهمة مَشْهُورا بالرياسة والحشمة ولد بِالْمَدِينَةِ وَقَرَأَ الْقُرْآن واشتغل بِالْعلمِ النافع وأخذا الطَّرِيق وتلقن الذّكر وَلبس الْخِرْقَة من السَّيِّد سَالم شَيْخَانِ وَلَزِمَه كثيرا وَكَانَ أعجز جماعته عِنْده وبشره بأَشْيَاء ظهر لَهُ بعد ذَلِك حَقِيقَتهَا مِنْهَا أَنه يعِيش سعيدا فَكَانَ كَذَلِك وَمِنْهَا انه لَا يتَعَرَّض لَهُ أحد بِسوء الا رأى فِيهِ مَا يسره فَلم يتَعَرَّض لَهُ أحد بِسوء الا قصمه الله تَعَالَى وَهَذَا مَشْهُور فى وأقعة أهل الْمَدِينَة وَمَا فعله بَعضهم من شكواه الى الابواب السُّلْطَانِيَّة ثمَّ رَجَعَ مخذولا وغالبهم مَاتَ فى حَيَاته وَمِنْهَا أَنه من أهل الْجنَّة وَمِمَّا اتّفق لَهُ فى مجاورته بِمَكَّة عَام اثْنَيْنِ وَسبعين وَألف أَنه رد علية تَفْوِيض الحكم الشرعى بِطيبَة من قاضيها الْمولى بهائى من الديار الرومية تفويضا مُطلقًا وَوَافَقَ ان القاضى الْمَعْزُول وَهُوَ الْمولى مُحَمَّد المرغلى أعْطى قَضَاء مَكَّة وجاءه المنشور فَأرْسل هُوَ أَيْضا تَفْوِيض حكم مَكَّة اليه فباشر النِّيَابَة عَن القاضى بِنَفسِهِ بِمَكَّة وَأقَام من يُبَاشر عَنهُ فى الْمَدِينَة حَسْبَمَا ابيح لَهُ ذَلِك فَقَالَ فى ذَلِك الشَّيْخ أَحْمد بن عبد الرؤف المكى هَذِه الابيات
(وضحت لرائدة مدحكم طرق الْبَيَان ... وتحدثت بنسيبكم خرس اللِّسَان)
(وَأَتَتْ باسجاع الهديل حمائم الترسيل من أوصافك الغر الحسان)
(وتقلدت تيها نظام حليها ... وتطاولت شرفا لَهَا عنق الزَّمَان)
стр. 1724
(وشدا بهَا حادى علاك مُحدثا ... وَلَقَد روى الْحسن الصَّحِيح عَن العيان)
(سعت المناصب نَحْو بابك خطْبَة ... وتروم نحلتها الْقبُول لَان تصان)
(وَأَتَتْ اليك خلَافَة مقرونة ... بفرائد التسديد يقدمهَا الامان)
(بِقَضَاء مَكَّة وَالْمَدينَة مُفردا ... اذ لَا يكون لنجم سعدكم قرَان)
(فلذاك ناديت الْغَدَاة مؤرخا ... يَا حَاكم الْحَرَمَيْنِ فى وَقت وآن)
وَكَانَت وِلَادَته فى سنة تسع عشرَة وَألف وَتوفى بِالْمَدِينَةِ لَيْلَة الْخَمِيس خَامِس عشر ذى الْحجَّة سنة أَربع وَسبعين وَألف وَدفن وَقت الضحوة من الْيَوْم الْمَذْكُور فى بَقِيع الغر قد رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن يحيى الشهير بِابْن شرف المصرى الشافعى أحد أجلاء الْفُضَلَاء وأعيان النبلاء وَمِمَّنْ برع فى الْفِقْه وجد فِيهِ وفَاق فِيهِ من يماثله أَخذ عَن الشَّمْس مُحَمَّد الرملى ولازمه واستفاد من فَوَائده وأجزل عَلَيْهِ من فواضله وعوائده وَأَجَازَهُ بمروياته ومسنداته ومؤلفاته وَجمع بَين التَّقْرِير والتحرير وَألف حَاشِيَة لَطِيفَة على شرح التَّحْرِير للقاضى زَكَرِيَّا وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى يَوْم الثلاثا سَابِع وعشرى ذى الْحجَّة سنة سبع بعد الالف وَهُوَ شَاب فى عشر الثَّلَاثِينَ
مُحَمَّد بن يحيى بن عمر بن يُونُس الملقب بدر الدّين القرافى المصرى المالكى القاضى بِالْبَابِ المصرى رَئِيس الْعلمَاء فى عصره وَشَيخ الْمَالِكِيَّة كَانَ صَدرا من صُدُور الْعلم لَهُ همة عالية وطلاقة وَجه مَعَ خلق وضى وَخلق رضى الى سجايا كفاغمة الرياض النواضر وباهر مزايا تحار فِيهَا الاعين النواظر فكانها زهر الرياض تفتقت عَنهُ الكمام أَو ثغر باسمة الاقاح من الحيا فِيهِ ابتسام أَو شرخ مقتبل الشَّبَاب سقى معاهده الْغَمَام وشدت بالحان الْغَرِيض ومعبد فِيهِ الْحمام أَخذ الْمُخْتَصر عَن الشَّيْخ الْفَقِيه الْقدْوَة عبد الرَّحْمَن بن على الاجهورى وَعَن الشَّيْخ زين بن أَحْمد الجيزى وَعَن وَالِده وَالثَّلَاثَة تلقوهُ عَن الْعَلامَة شمس الدّين اللقانى وَهُوَ أَخذه عَن الْعَلامَة الشَّيْخ على السنهورى وَهُوَ أَخذه عَن الشَّيْخ عبَادَة وَهُوَ عَن الشَّيْخ عبد الله الافقهى وَهُوَ عَن الشَّيْخ تَاج الدّين بهْرَام وَهُوَ عَن الشَّيْخ خَلِيل مُؤَلفه وَمن مشايخه أَيْضا التاجورى وَسمع الحَدِيث عَن الْجمال يُوسُف بن القاضى زَكَرِيَّا والنجم الغيطى والصالح أَبى عبد الله بن ابى الصَّفَا البكرى الحنفى وَولى قَضَاء الْمَالِكِيَّة وَألف كتبا مِنْهَا شرح ابْن الْحَاجِب وذيل الديباج لِابْنِ فَرِحُونَ فِيهِ نَيف
стр. 1725
وثلثمائة شخص فى أَرْبَعَة كراريس أَو خَمْسَة وَشرح الموطا وَشرح التَّهْذِيب بَين فِيهِ الْمَشْهُور خُصُوصا مَا فى التَّقْيِيد من خلاف هَكَذَا ذكر هُوَ فى فهرسته وَذكره جدى القاضى محب الدّين فى رحلته فَقَالَ فى حَقه وَأما مَوْلَانَا الْعَلامَة والعمدة الفهامة المتصف بالفضائل والفواضل فى جَمِيع المسالك الْحَائِز لرق الْآدَاب فَهُوَ للفتوة متمم وللفتاوى مَالك بدر الْملَّة وَالدّين القاضى بدر الدّين القرافى المالكى فانه اتقن مذْهبه غَايَة الاتقان واحتوى على الْفَضَائِل ونباهة الشان وَله جامعية حسنه وَحسن انشاء واشعار مستحسنه وَذكره الخفاجى وَأطَال فى ثنائه لكنه أدمج قوهية شعره ونثره فى أَثْنَائِهِ حَيْثُ قَالَ وَله شعر الْعلمَاء ونثر طَار مَعَ العنقاء تانق فِيهِ وتصلف وَلَا عجب للبدر أَن يتَكَلَّف ثمَّ أورد لَهُ بَيْتَيْنِ وَأورد فَأَخذهُمَا ذكرتها كلهَا فى تَرْجَمَة عبد الْبر الفيومى وَقَالَ فِيهِ عبد الْكَرِيم المنشى أَبُو الاشراف بدر الدّين القارفى مطبوع الاسجاع والقوافى القاضى الْفَاضِل الْفَاصِل بَين الْحق وَالْبَاطِل أعلم الْقُضَاة الْمَالِكِيَّة فى عصره وَمن ترنو اليه احداق الاحكام فى مصره شمايله من الشمَال ألطف وَلَو حَكَاهُ الْبَدْر فى السنا لتكلف مَا من تكلّف شَيْئا مثل من طبعا نفذ للشريعة الطاهرة بِالْقَاهِرَةِ أحكاما وتقلد الْقَضَاء بهَا نَحْو الْخمسين عَاما وفى مقامى بِالْقَاهِرَةِ كُنَّا لصيقى دَار وَصبي جوَار وَكَانَ منزلى تَارَة يتعطر بعبير أنفاسه ويتأرج أُخْرَى بعنبر ايناسه ودارت بينى وَبَينه كاسات المكاتبات بأرق معَان وألطف عِبَارَات فكم جلا من العرائس الادبيه وَكم جنيت من رياض الْفَوَاكِه البدرية وَكَانَ محظوظا من الدُّنْيَا معانقا للثروة وَمَعَ ذَلِك لم يعْهَد لَهُ صبوه وَقَالَ
(وَمَا سمعنَا قطّ أَن امْرأ ... أهْدى لَهُ شَيْئا وَلَا قدر شاه)
وَأما مَا جمعه من الْكتب فيعجز الْحساب احصاؤه وتعداده وَرُبمَا تصلح لكلى لَا تنتهى افراده وَبعد أَن غربت شمسه وواراه رمسه فرقتها الدَّهْر أيدى سبا وبددتها كأوراق الْورْد اذا نثرتها الصِّبَا وَمن آثَار قلمه مَا أوردهُ لَهُ أَبُو المعالى الطالوى فى سانحاته وَذَلِكَ مَا كتبه لَهُ على نسبهم الطالوى وَصورته حمد الله الذى أنشأ الموجودات بباهر قدرته فأحكم الانشا وَبِيَدِهِ سُبْحَانَهُ أبدع من هَذَا الانشاء ان شا وَصَلَاة وَسلَامًا على أعظم الْمَخْلُوقَات كمالا ومنشا الْمَبْعُوث من الله رَحْمَة للْعَالمين وهداية من شا وعَلى آله وَصَحبه الَّذين جاهدوا فى الله حق جهاده فكرمهم
стр. 1726
بشرف ان الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة فَكَانُوا من السالكين فى طرق الْخيرَات أحسن ممشى وَبعد فان نعم الله لَا تحصى وآلاءه لَا تستقصى أَقَامَ نظام الْعَالم على أحسن مَا رسم وفاوت فى الْقسم بِنِسْبَة حيرت الْعُقُول فِيمَا نظم قدر أَقْوَامًا قواما وأعلاما أَعلَى مَا وأخلص لَهُم السِّيرَة وَحسن لَهُم السره وحلاهم بعلو الهمم وسمو الشيم وَكَانَ من تِلْكَ النعم الجسيمة والافضالات الوسيمة والْمنَّة المستديمة مَا ابتهج بِهِ النَّاظر وانتهج لَهُ الخاطر من الْوُقُوف على هَذِه السِّيرَة الشَّرِيفَة وأخبار الاخيار المنيفة سيرة مفاخر الامراء الاعيان والكبراء الا عزة أولى الشان الجارى نشر مآثرهم بأسنة الاقلام وألسنة أولى الْبُرْهَان السارى ذكر مفاخرهم على ممر الزَّمَان الآ طالوا لارتقى من تحلت تواريخ الاسلام بِذكر محامدهم وعلو شَأْنهمْ بغاية التِّبْيَان فَقَالَ
(وَمر دهور بالثناء عَلامَة ... على حسن ممدوح ورفعة شَأْنه)
أَمر انْعَقَد الاجماع وَعَلِيهِ الْوِفَاق بِلَا دفاع
(وَالنَّاس اكيس من أَن يبرزوا مدحا ... من غير أَن يَجدوا آثَار افضال)
دلّ على شرف قدرهم وَجَمِيل فَخْرهمْ نسلهم الطَّاهِر وعلمهم الظَّاهِر ذُو الْمجد الزَّاهِر وَالْفضل الباهر والكمال الفاخر ولى التَّحْقِيق ومعدن التدقيق جَامع الْفَضَائِل حائزا لفواضل
(كالبدر من حَيْثُ الْتفت رَأَيْته ... يهدى الى عَيْنَيْك نورا باهيا)
مفاخره ظَاهره ومحامده باهره
(عريق فى الْكَمَال وَقد ترقى ... الى نيل الْعُلُوّ مَعَ الْمَزِيد)
(لَهُ سعد بِمَا أوتيه فضلا ... فواعجبا لدرويش سعيد)
شَجَرَة طيبَة النَّمَاء الاصل ثَابت وَالْفرع فى السَّمَاء
(إِن السرى اذا سرى فبنفسه ... وَابْن السرى اذا سرى اسراهما)
شعر (فيا آل طالو طَابَ جد بجدهم ... وَيَا خير نسل عَاشَ من ذكرهم جد)
(حويتم جميلا أنتج الدَّهْر صدقه ... بِنَسْل جليل فِيهِ حمد وَلَا حد)
ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء ويوليه من شَاءَ وَلما أحَاط النّظر بِمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه السِّيرَة الجليلة من الْخلال الجميله والخيرات الجزيله والغزوات المشكوره والمشاهد الْمَشْهُورَة والعزمات المبرورة والمقاصد المأثورة أنْشد لِسَان الْحَال
стр. 1727
بالارتجال
(وهب الله للمعالى اناسا ... بذلوا عزمهم وجالوا وصالوا)
(وَأَقَامُوا لِوَاء دين بِصدق ... وحموا مجده ففازوا نالوا)
(وَرَأَوا نَصره بعزة دين ... فأروا قُوَّة وبأسا وجالوا)
(وعَلى من رَأَوْهُ صَاحب بغى ... وجهوا عزمهم اليه ومالوا)
(أظهر الله حَالهم وحباهم ... بثناء عبيره يستطال)
(وأراهم من نسلهم خير حبر ... وَبِه ذكرهم داوا مَا يطال) ٥ وَقد حصل التشرف بلقاء نسلهم هَذَا الْمولى الْفَاضِل ولى الْفضل الْكَامِل المومى اليه فِيهِ أدام الله تَعَالَى غرَّة معاليه وَظهر من مُجَالَسَته وفرائد مباحثته مَا يشْهد النَّاظر بجماله وَيسر الخاطر بِكَمَالِهِ
(وَأَحْرَى بِأَن تزهى دمشق ببارع ... اذا عد فى أَسد الشرى ريح الشرا)
وَلما حلت مصر بمشاهدته وَعلمت بِرُؤْيَتِهِ أنْشد لِسَان حَالهَا
(سعدت مصر اذا أَتَاهَا فريد ... ليرى حسنها وَمَا قد أَتَاهَا)
(وَلذَا كَانَ بَين مصر وشام ... مَا بِهِ النَّفس تبتغى مشتهاها)
(علمت مصر فى تنَازع ثَان ... وبرجحانه مقَال تباهى)
فَالْحَمْد لله على مَا أولى وَله الْحَمد فى الْآخِرَة والاولى
(وَالنَّفس ترغب للكمال وَأَهله ... لم لَا وَقد بلغ الْكَمَال مَحَله)
وَالله سُبْحَانَهُ يديم هَذَا الْمولى لفوائد يبديها وفرائد لاولى الْكَمَال يهديها راقيا فى رتب الافادة والفضائل المستجاده رافلا فى حلل الْعِنَايَة المستزاده بِحرْمَة حَضْرَة الْمُصْطَفى ولى السياده وَآله وَصَحبه أولى السعاده انْتهى وَمن شعر القرافى مَا كتبه الى الْعَلامَة سرى الدّين بن الصَّائِغ رَئِيس الاطبا بِمصْر وَقد دفع عَنهُ دِينَارا لآخر فَأرْسلهُ لَهُ ظَانّا مِنْهُ أَنه يقبله فَقَالَ
(مَاذَا جنيت على القاضى بمنقصة ... مضمونها الشُّح فى أخذى لدينار)
فَأَجَابَهُ السرى بقوله
(يَا بدر تمّ بِلَا نقص واقتار ... وقاضيا فى البرايا حكمه سَار)
(لقد صرفت عَن القاضى تصرفه ... فَكيف تبذل دِينَارا بِدِينَار)
(حاشاك تنْسب الا للوفا وَلذَا ... جرت بحارك بالنعمى على الْجَار)
стр. 1728
وَكتب اليه الْعَلامَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الدنوشرى قَوْله
(أَتَيْنَا لكم قصد لتقبيل أَقْدَام ... أيا من على خير لَهُم حسن اقدام)
(وَيَا من هُوَ الْبَدْر الْمُنِير أَبُو الْهدى ... غَدا مشرقا فى أفق سعد واعظام)
(نظرتم الينا فى الطَّرِيق ومالنا ... سواكم لنجح فى الامور واعلام)
(قطفنا زهورا من رياض علومكم ... وفاح شذاها مذ قطفنا لافهام)
(فسحبا لذيل الصفح وَالْعَفو وَالرِّضَا ... على عيب مثلى بل على نشر أوهامى)
(أيا عَالم الاسلام يَا علم الْهدى ... وَيَا قبْلَة للفضل زين بافهام)
(عَلَيْك سَلام الله مَا هبت الصِّبَا ... وَمَا دبج الاوراق وشى لاقلام)
(نشرنا لِوَاء الْحَمد والمدح والثنا ... لَك لابرحتم مفهمين لاعلام)
فاجابه صَاحب التَّرْجَمَة بقوله
(زواهر أبداها لنا خير أَعْلَام ... وَأبْدى مقَالا فِيهِ أبلغ اعلام)
(قريض أَتَانَا بارع بفصحاة ... وَأحكم احكام كدر لنظام)
(فيا أَيهَا المفضال انى عَالم ... بانك فى اوج المعالى باقدام)
(وانى على دهرى لاثنى بهمة ... لفضل بِهِ زينت مفاخر أقلامى)
(وانا أحطنا ان مَا قد نظمته ... لموف طَرِيقا فِيهِ أحسن اعظام)
(محامد أبداها جليل مقَالَة ... عبير بِهِ قلب يسير بانعام)
(وانى لما أبديته لمقصر ... وَخير رِدَاء فِيهِ ستر لآلام)
(بقيت لابداء الْفَوَائِد دَائِما ... ودمت لاهل الْفضل دهر باكرام)
(بِحرْمَة خير الْخلق اكمل كَامِل ... وَرَحْمَة رب الْعَالمين لاسقام)
وَقَالَ الشَّيْخ مَدين عِنْدَمَا ذكره وَرَأَيْت فى تأليفه الْمُسَمّى بتوشيح الديباج فى تَرْجَمَة جده لامه القاضى مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الدميرى المالكى مَا نَصه وجدى هَذَا هُوَ الذى لقبنى بدر الدّين وَذَلِكَ انى ولدت لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة كَمَا وجدته بِخَط والدى وبلغنى من طَرِيق آخر أَن السّنة انما هى سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَتكلم النَّاس فى اللَّيْلَة أَنَّهَا لَيْلَة الْقدر فَقَالَ لَا ألقبه الا بدر الدّين وَتوفى نَهَار الْخَمِيس ثانى وَعشر شهر رَمَضَان سنة ثَمَان بعد الالف وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع الازهر وَدفن بتربته الَّتِى أَنْشَأَهَا مَعَ الضريح بجوار الْقبَّة الْمُعَلقَة المدفون بهَا بِالْقَاهِرَةِ فِيمَا يُقَال بِالْقربِ من الْبَيْت الذى ينزل بِهِ قَضَاء العساكر
стр. 1729
محمدبن يحيى الملقب صفى الدّين الْعُزَّى المصرى الشافعى الْمُحدث الاديب الشّعْر ذكره الخفاجى فى كِتَابه فَقَالَ فى وَصفه ماجد اذا تليت أَوْصَافه ركع لَهَا الْقَلَم وَسجد دو معال انْفَرد بأسانيده فاصبح دَار علمي بَين العلياء والسند حَدِيثه فى الْفضل مَرْفُوع وَأثر سواهُ ضَعِيف ومقطوع لَفظه يحسن ان يرسم بِنور الْبَصَر فى عنوان صَحَائِف الْفِكر وطبعه سكر مصرى يحلو مكرره ومعاده لم يزل بهَا يَتْلُو ثناه لِسَان الدَّهْر ويحفظه فُؤَاده وَهُوَ أحد من رويت عَنهُ السّنَن وتشرفت بملقاه الْحسن ثمَّ انشد لَهُ قَوْله فى مليح نُحَاس
(على رفقا بِمن ذَابَتْ حشاه ضنى ... صب ازال ضيا من مقلتيه وصب)
(حَدِيد قَلْبك يَا نُحَاس يمنعهُ ... لجين جسمك وَالنَّوْم المصون ذهب)
وَله فى نديمه الصحافى
(يَا عاذلى فى هَوَاهُ ... تلاف قبل تلافى)
(وهات لى الدن واجمع ... بينى وَبَين الصحافى)
وَكَانَت وَفَاته يَوْم الثلاثا ثانى عشرشوال سنة تسع عشرَة بعد الالف والعزى نِسْبَة لمنية الْعِزّ بِنَاحِيَة فاقوس من شرقية مصر
مُحَمَّد بن يحيى بن بير على بن نصوح نوعى زَاده صَاحب ذيل الشقائق وأطروفة الزَّمن ونادرته الحرى بِكُل وصف معجب الراقى فى الادب والمحاضرات الذرْوَة الْعلية كَانَ اليه النِّهَايَة فى حسن الانشاء والترصيع ونوادره ومناسباته مِمَّا يقْضى مِنْهَا بالعجب وَلَا يفارقها الطَّرب وَكَانَ من قُضَاة بِلَاد روم ايلى وَلم يكن من الموالى وَقد ولى أَسْنَى المناصب واشتهر بِالْفَضْلِ التَّام والمعرفة وَألف ذيله الْمَشْهُور على الشقائق النعمانية ابْتَدَأَ فِيهِ من انْتِهَاء دولة السُّلْطَان سُلَيْمَان ورتبه طَبَقَات على تراجم السُّلْطَان مُرَاد فاتح بَغْدَاد وَقد أحسن الصَّنِيع فِيهِ وأجاد وَقد طالعته مرَارًا آخرهَا بِمَكَّة المشرفة وجردت مِنْهُ تراجم لزمنى اثباتها فى كتابى هَذَا السكن فاتنى مِنْهُ حلاوة التَّعْبِير لاخْتِلَاف اصْطِلَاح اللغتين على أَنى سعيت جهدى فى مُرَاعَاة تأدياته وَأَنا الْآن أمْلى عَلَيْك من قطعه الفذة المستلذة مَا ترتاح بِهِ ارتياح الْغُصْن بالنسيم اذا هَب فَمن ذَلِك تمثيله بِأَبْيَات الحريرى صَاحب المقامات حِين ذكر شرب أَبى زيد وأرسله للنصيح واسْمه مطهر فى تَرْجَمَة الْمولى مطهر الشروانى وَكَانَ يتهم بالتعاطى والابيات هى هَذِه
(أَبَا زيدا علم أَن من شرب الطلا ... تدنس فالحظ كنة قَول المجرب)
стр. 1730
(وَقد كنت سميت المطهر والفتى ... يصدق فى الْأَقْوَال تَسْمِيَة الْأَب)
(فَلَا تحسها كَيْمَا تكون مطهرا ... والا فَغير ذَلِك الِاسْم واشرب)
وَمن ذَلِك قَوْله فى تَرْجَمَة بعض المتكيفين ابتلى بالكيف ثمَّ دَعَتْهُ الْغيرَة الى قطعه دفْعَة فَكَانَ قطعه قَاطع عرق حَيَاته وَسبب وَفَاته وَقَوله فى تَرْجَمَة قَاض صَارَت أَيَّام ربيع حَيَاته وَهُوَ قَاض مقضيه وشؤن حَاله منحصرة فى الاخبار الماضويه وَمَا ذكرته النموذج من حسن تعبيراته واذا فتشت كِتَابه تلقى فِيهِ الْكثير مِمَّا لَا يَخْلُو عَن مقصد معجب وَكَانَت وَفَاته فى حُدُود سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف
مُحَمَّد بن يحيى الناصرى القدسى كَانَ فَاضلا أديبا ورعا مهيب الشكل نير الْوَجْه نَشأ فى الِاشْتِغَال حَتَّى برع وَلما قدم الشَّيْخ مَنْصُور الْمحلى السطوحى الى الْقُدس لَازمه مُلَازمَة الرّوح للجسد فَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح العقائد ومختصر الْمعَانى وَالْبَيَان والكافى وَشرح الشمسية فى التصريف وَغَيره وَكَانَت وَفَاته فى سنة سبع وَخمسين وَألف وَدفن بِجَانِب وَالِده بِبَاب الرَّحْمَة
مُحَمَّد بن يحيى بن أَحْمد بن على بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الخباز الْمَعْرُوف بالطنينى الدمشقى الشافعى الْمُحدث الْفَقِيه الْوَرع الصَّالح الناسك كَانَ غَايَة فى الْوَرع ذَا صلابة فى دينه يُنكر الْمُنكر وَلَا يخَاف فِي الله لومة لائم وَكَانَ متواضعا خلوقا عَلَيْهِ سكينَة ووقار وَكَانَ فى بداية أمره خبازا بِدِمَشْق فارتحل الى مصر وجاور بِجَامِع الازهر سِنِين وَأخذ عَن الشَّيْخ السُّلْطَان المزاحى وَالشَّمْس البابلى والشهاب أَحْمد القليوبى وَالشَّمْس مُحَمَّد الشوبرى وَمن عاصرهم من طبقتهم وَفتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ بعد رُجُوعه وَكَانَ يدرس فى فنون ويملى من حفظه مَا يطلعه بِحسن تَقْرِير ثمَّ عرض لَهُ عمى فَزَاد حفظه واشتهر واعتقدته النَّاس وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الْعَامَّة والخاصة وانتفع بِهِ جمَاعَة من الْفُضَلَاء مِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد البجشى الحلبى وَشَيخنَا الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن عبد الهادى وَالشَّيْخ أَبُو السُّعُود بن تَاج الدّين وَالشَّيْخ حَمْزَة الدومانى وَكثير وَله تآليف مِنْهَا كِتَابه فتح رب الْبَريَّة بِالْجَوَابِ عَن أسئلة المبتدعة الزيديه ثمَّ درس تَحت قبَّة النسْر البخارى بعد موت الشَّيْخ مُحَمَّد المحاسنى الْخَطِيب وانتهت اليه الرياسة عِنْد الشَّافِعِيَّة والتحديث وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس وَسبعين وَألف وأرخ وَفَاته القاضى ابراهيم الغزالى بقوله
(أبدت لنا بطنين شَيخا جلّ من أمده ... )
стр. 1731
(علم الحَدِيث فنه ... لذاك زَان سرده)
(مَاتَ فَقلت أَرخُوا ... مَاتَ الحَدِيث بعده)
والبطنينى نِسْبَة الى قَرْيَة من قرى دمشق وَالله أعلم
مُحَمَّد بن يحيى بن تقى الدّين بن عبَادَة بن هبة الله الملقب كَمَال الدّين الحلبى الاصل الدمشقى المولد الشافعى الْفَقِيه الفرضى المقرى كَانَ من اتقياء الْعلمَاء وَأَكْثَرهم انْقِطَاعًا الى الله تَعَالَى ينفع النَّاس فى أَمر المناسخات والقراآت وَكَانَ مهاب الشكل عَلَيْهِ مهابة الْعلم وَكَانَ ذَا بشاشة وكرم زَائِد قَرَأَ على أَبِيه الْعَرَبيَّة والفرائض والحساب والقراآت وَغَيرهَا وَأخذ عَن غَيره من عُلَمَاء عصره وَلما مَاتَ الشَّيْخ رَمَضَان العكارى وجهت اليه عَنهُ الخطابة بِجَامِع السنانية وَكَانَ أَكثر مقَامه بالمكتب الْمَعْرُوف بالدرويشية يقرى فِيهِ الْعُلُوم واخذ عَنهُ جمَاعَة من الْعلمَاء وَكَانَت وَفَاته فى منتصف ذى الْقعدَة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن يحيى الملقب نجم الدّين أَخُو الذى قبله شَيخنَا واستاذنا النَّجْم الفرضى روح الله تَعَالَى روحه وَجعل من الرَّحِيق الْمَخْتُوم غبوقه وصبوحه كَانَ أعظم شيخ أدركناه واستفدنا مِنْهُ وَكَانَ فى الْعلم وَالتَّقوى والزهد فَرد الزَّمَان وَوَاحِد الاقران وَلم أر مثله فى تفهيم الطّلبَة والحرص على تَهْذِيب قرائحهم وجبر خواطرهم مَعَ انه كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى حاد المزاج سريع الانفعال لكنه اذا انفعل يرضى فى الْحَال ويتلافى مَا كَانَ مِنْهُ وَكَانَ نَفسه مُبَارَكًا مَا قَرَأَ عَلَيْهِ أحد الا انْتفع ببركته وبركة اخلاصه وسلامة طويته وَهُوَ فى عُلُوم الْعَرَبيَّة فَارس ميدانها والمجلى يَوْم رهانها لم يكن أحد مثله فِيهَا لَهُ الِاطِّلَاع التَّام على قوادمها وخوافيها وَله فى الحَدِيث وَالْفِقْه فضل لَا يرد وَأما فى الْفَرَائِض والحساب ففضائله فِيهَا جَاوَزت الْحَد وَالْعد أَخذ عَن وَالِده وأخيه الْمَذْكُور قبله فِيمَا أَحسب وَكَانَ يعظمه تَعْظِيم الْوَلَد لوالده ويذكره بره لَهُ فى طريفه وتالده ثمَّ لزم الشّرف الدمشقى فَأخذ عَنهُ مُعظم الْفُنُون وأكرمه الله بِالْقبُولِ فى الْحَرَكَة والسكون ثمَّ لزم دروس الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى والنجم الغزى وَأخذ عَنْهُمَا ثمَّ جلس مجْلِس التدريس فَانْتَفع بِهِ الْفُضَلَاء طبقَة بعد طبقَة وادركته أَنا أَولا وَهُوَ يدرس دروسا خَاصَّة بِجَامِع بنى أُميَّة فَقَرَأت عَلَيْهِ الاجرومية ثمَّ مَاتَ لَهُ ولد نجيب كَانَ نبل فَانْقَطع عَن الدَّرْس مُدَّة سِنِين وفى انْقِطَاعه هَذِه الْمدَّة اجرى الله على يَده الْخَيْر الذى لَا يَنْقَطِع فاجرى من مَاله
стр. 1732
نَحْو مائَة وَأَرْبَعين قناة كَانَت داثرة ثمَّ جلس للتدريس الْعَام فى محراب الْحَنَابِلَة فاقرأ أَولا الاجرومية ثمَّ شرحها للشَّيْخ خَالِد ثمَّ شرح الازهرية ثمَّ شرع فى قِرَاءَة شرح الْقَوَاعِد للشَّيْخ خَالِد وَشرح تصريف الْعُزَّى للتفتازانى وَمن حِين شُرُوعه فيهمَا لَزِمته ولزوما لانفكاك مَعَه الا مجَالِس قَليلَة الى أَن أتمهما وأقرأ الشذور للقاضى زَكَرِيَّا واتمه ثمَّ حضرت عِنْد ابْن المُصَنّف الى الِاسْتِثْنَاء وسافرت الى الرّوم وبلغنى انه أتمه بعد ذَلِك وأقرأ جانبا من مغنى اللبيب وَكَانَ يحضر درسه جمع يجاوزون الاربعين من امثلهم صاحبنا الْفَاضِل مُحَمَّد بن مُحَمَّد المالكى وَالسَّيِّد عبد الباقى بن عبد الرَّحْمَن المغيزلى وَالشَّيْخ خَلِيل الحمصانى وَالشَّيْخ عز الدّين بن خَليفَة الحمصى وَهَؤُلَاء الْآن من الْفُضَلَاء المنوه بهم كثر الله تَعَالَى من امثالهم وَزَاد فى فَضلهمْ وافضالهم ثمَّ مرض الشَّيْخ النَّجْم مُدَّة وَمَات نَهَار الْجُمُعَة ثانى عشر صفر سنة تسعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن على المكتبى مؤرخا وَفَاته بقوله
(قلت لما ان قضى نحبا لَهُ ... خلنا الحبر الامام الفرضى)
(يَا عَزِيزًا غَابَ عَنَّا آفلا ... نَالَ دَار الْخلد ارخ فرضى)
ورؤيت لَهُ بعد مَوته منامات صَالِحَة مِنْهَا أَن رجلا من الصَّالِحين رأى بعض أَصْحَابه من الْمَوْتَى لابسا حلَّة عَظِيمَة لم ير مثلهَا فى الدُّنْيَا فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَقَالَ لَهُ كُنَّا بِأَسْوَأ حَال فَلَمَّا دفن الشَّيْخ نجم الدّين الفرضى فى جبانتنا البس الله تَعَالَى جَمِيع أهل جبانته حللا مثل هَذِه الْحلَّة وَغفر لَهُم ببركته رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن يس المنوفى الشافعى الْعَالم الْفَاضِل البارع الْكَامِل مهذب مبَاحث الجهابذة الْفُضَلَاء ومحرر دَلَائِل الطّلبَة النبلاء ومحط رحال الْعلمَاء الاماثل ومصدر الْعُلُوم الجلائل ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ واشتغل بالعلوم اشتغالا تَاما وَأخذ عَن جمع مِنْهُم أَبُو بكر الشنوانى مُحَمَّد الميمونى وَمُحَمّد الخفاجى وَأحمد السنهورى وَغَيرهم واجازوه وتعالطى النّظم فَبلغ فِيهِ الْغَايَة القصوى وارتقى الى أَن زاحم بمناكبه أكَابِر الشعرا ورحل الى الديار الرويمة وتمذهب بِمذهب الامام أَبى حنيفَة رضى الله تَعَالَى عَنهُ ومدح من بهَا من الموالى الْعِظَام وَتَوَلَّى بنواحى مصر المناصب العديدة ثمَّ ترك الْقَضَاء وَعَكَفَ على عبَادَة الله تَعَالَى وَاعْتَزل عَن النَّاس الا افرادا مِنْهُم وَترك النّظم الا مَا كَانَ استغاثة ومدحا فى النَّبِي
وَمن شعره
стр. 1733
السائر قَوْله رَحمَه الله تَعَالَى من قصيدة
(تائهة بالدلال يثنيها ... عَن حائر فى الْهوى تثنيها)
(قرح فيض الدُّمُوع مقلته ... فاشتبك المَاء فى مآقيها)
(وَمن نمت فى سَواد مهجته ... لواهج الشوق كَيفَ يخفيها)
(يبعدها الصد والهوى محن ... عَن ناظرى والغرام يدنيها)
(هَل بارق مَا أرى أم ابتسمت ... فانتظم الدّرّ فى تراقيها)
(عَن فتكها قدها يحذرها ... وحسنها بالصدود يغريها)
(ان أسفرت فالهلال طلعتها ... أَو نكهت فالعبير فى فِيهَا)
(أسخطت فى حبها ولوعتها ... كل صديق عساه يرضيها)
(لَو سمحت بالكرى لارقنى ... وَهنا من اللَّيْل خوف واشيها)
(أَو بعثت طيفها لعرفها ... مَا ذاقه الصب من تجنيها)
(وشقة الهجر بَيْننَا نشرت ... فَلَا يكَاد الزَّمَان يطويها)
(جرعنى الدَّهْر بعْدهَا غصصا ... اكتمها تَارَة وأبديها)
(يَا بَائِعا نَفسه بِلَا ثمن ... أرخصتها فالهوان يشريها)
(مَا بَال هَذَا الزَّمَان يتحفنى ... بمصميات الى يهديها)
(طلائع للمشيب ضاحكة ... بعارضى والشباب يبكيها)
وَله الْمَقْصُورَة الَّتِى عَارض بهَا مَقْصُورَة الشهَاب الخفاجى الَّتِى أَولهَا
(أيا شَقِيق الرَّوْض حَيَّاهُ الحيا ... فاحمر خد ورده من الحيا)
ومطلع مقصورته هُوَ هَذَا
(سقى الاله ان سقى الارض الحيا ... حوامل المزن ربى أم الْقرى)
(وجاد دفاق الْغَمَام مردفا ... بِمثلِهِ ظهر الْحجُون فكدى)
(فبطن نعْمَان الاراك فالصوى ... فالبرك فالتنعيم فالهضب الدنا)
(فذات عرق فالبطاح دونه ... الى حراء فثبير فمنى)
(وجللت أيدى السَّحَاب وكست ... أنوارها طلع الهضاب فالربى)
(وقاربت وَقع الخطا غمائم ... تَدْعُو عَن الْبَهَاء ألبان الجفا)
(يحثها حاد مرن خلفهَا ... فهى لذاك الْحَث تدعى الحيدى)
(يكَاد أَن يُخطئ فى مسيرها ... وهى الْمُصِيب سَيرهَا من الوحا)
стр. 1734
(فاطرح الحدب وَكَانَ آيسا ... من ارتجاع الْخطب اطمار السعا)
(ونسجت من كل وشى حبرًا ... فالزمت لحمتها مَعَ السدى)
(وماست الوهاد فى ملابس ... مخضرة من الحلى والحلى)
(فسوقها فى لجج من زئبق ... يخفى بهَا طورا وطورا يجتلى)
(وهامها يحملن من زبرجد ... عمائما تلوثها ايدى الصِّبَا)
(فطبق العنبر أطباق الثرى ... وملأ العبهر أَطْرَاف الملا)
(لَا يهتدى نجم السَّمَاء أَن يرى ... نجم المحاجر بَين فذوثنا)
(يصير فِيهَا الخازباز مصعبا ... فَلم يَصح من وفرة الندا الصدا)
(اضحت وَكَانَ الْوَحْش لَا يسوفها ... خوفًا وَلَا يسلكها صل كدا)
(مسرح آرام وغيل اشبل ... وحصن ريبال وأفحوص قطا)
(يرمقها الْبَرْق فيغضى خجلا ... والطرف يدرى مَا يرى اذا رنا)
(كانها صفيحة يغمدها ... فى جفنها صانعها فتنتضى)
(أَو نصف مرْآة بكف ماجن ... يديرها من وَجههَا الى الْقَفَا)
(أذكرنى وَمَا نسيت خلسا ... لله مَا هيج لى برق الدجا)
(أَيَّام خلصاى الالى عهدتهم ... لَا ينقضون للملمات الحبا)
(من كل فنان الشَّبَاب عَاقد ... يمناه بالمجدين علم وَعلا)
(ان رتق الافواه فى الامر اهْتَدَى ... لغامض يدق عَن دَرك القوى)
(تطارحوا خير الْعُقُول بُرْهَة ... وَبعده تفَرقُوا ايدى سبا)
(فبعضهم فَوق الاثير همة ... وَبَعْضهمْ جثمانه تَحت الثرى)
(لَوْلَا الخفاجى الشهَاب أَحْمد ... عصارة الشم العرانين الالى)
(تفيؤا فى ظلّ كل شَاهِق ... من الْكَمَال والعلا أوج الذرى)
(مزاحمى الافلاك فى مدارها ... بهمة لم ترضهن مستوى)
(أَبوهُ شيخ خَاله وخاله ... عَلامَة الدُّنْيَا أَتَى ثمَّ مضى)
(ثوى أَبُو بكر لديغ حسرة ... لفقده مُحَمَّدًا سامى الرقا)
(كَانَا لجيد الدَّهْر عقدى جَوْهَر ... وزينة الْكَوْن وأرباب النهى)
(تشارفت من الذرى اذ لَا ذرى ... مغارس الْآدَاب ان لَا تجتنى)
(نتيجة الدَّهْر وحشو برده ... وَلَذَّة الْعَيْش وريعان المنى)
стр. 1735
(طوى لآفاق الْبِلَاد ليرى ... لَهُ نظيرا فى الْكَمَال والعلى)
(اشرق فى الرّوم فعين مصره ... لبعده مَمْلُوءَة من القذى)
(وَالْجَامِع الازهر وَالْعلم مَعًا ... حنا الى ذَاك البنان واللقا)
(كَانَت بِهِ مصر تجر ذيلها ... تيها واعجابا على كل الْقرى)
(سقته دَار الْمجد من ثديها ... فشب فى حجر الْعُلُوم ونما)
(صفت بِهِ نافسة لقدره ... والشئ يَعْلُو قيمَة فيصطفى)
(صونا لَهُ عَن أَن يرى بغَيْرهَا ... فشاركتها فِيهِ اسباب النَّوَى)
(ألْقى بقسطنطينية جرانه ... وفاز فِيهَا بِالْقبُولِ وَالرِّضَا)
(ونال مِنْهَا حظوة لَو قسمت ... مَعَ اسْتِوَاء الْحَظ عَمت الورى)
(أَحْيَا بهَا ميت الْعُلُوم واستوى ... ينفض عَن أكتافه برد البلى)
(يعْتَقد الْبَعْث ولات مبعث ... وَالروح مِنْهُ بَين ثغر وَلها)
(وسَاق فى سوق الرِّهَان حلبة ... من الْبَيَان بالنفوس تشترى)
(ينظم فى الاسماع من محفوظه ... جَوَاهِر اللَّفْظ بلبات الدمى)
(كم رَوْضَة دبجها يراعه ... فأينع الزهر وطاب المجتنى)
(مَا زَالَت الركْبَان تطرى بعض مَا ... ضم رحيب صدر وَمَا حوى)
(حَتَّى الْتَقَيْنَا فالتقطنا الدّرّ من ... الفاظه الغر فُرَادَى وثنا)
(رَأَيْته الْبَدْر اذا الْبَدْر سرى ... وَخلته الْبَحْر اذا الْبَحْر طمى)
(فَهُوَ السنان هزة اذا سَطَا ... وَهُوَ الزَّمَان همة اذا اعتلى)
(شفى الْفُؤَاد لحظه وَلَفظه ... وَكَانَ قبل الْمُلْتَقى على شفا)
(ذُو منطق لَو صَادف الْبَحْر حلا ... وَلَو فرى بِهِ الحسام لانفرى)
(وهاكها على علاك وَحده ... مَقْصُورَة فى حسنها مدى البقا)
(لم تدعها ضَرُورَة لقطع مَا ... مدوه بل جَاءَت باحكام الْبَنَّا)
(حركنى الى اختراع وَزنهَا ... أيا شَقِيق الرَّوْض حايه الحيا)
(طَلِيعَة يتبعهَا مقانب ... من القريض القح ان طَال المدى)
(رقى لممدود القوافى وقرى ... وغصة للحاسدين وجشا)
وَله من قصيدة مستهلها هَذَا
(مَا الْعَصْر الشَّبَاب رثت بروده ... وَلَو جيدها من الْوَصْل روده)
стр. 1736
(ولمياده وَمَا طَال عهدا ... من سقيط الندى ذوى أملوده)
(وَسَوَاد العذار عَاد مَرِيضا ... فَأتى ناصع البنان يعودهُ)
(وحبِيب يحنو عَلَيْهِ وَلَكِن ... بزمام الى الْحمام يَقُودهُ)
وَله
(وَمن تخطئه نيران القوافى ... فَسَوف يصبهُ ألم الدُّخان)
وأبلغ من مذاق الْمَوْت بَأْس ... جناه الْمَرْء من روض الامانى)
وللشهاب فى معنى الاول وَهُوَ قَوْله
(أَقُول لَهُ تنكب عَن مرامى ... نبال الذَّم وَاحْذَرْ شرداء)
(فَمن يقْعد على طرق القوافى ... تمر عَلَيْهِ قافية الهجاء)
وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الْخَمِيس ثانى ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بالقرافة الْكُبْرَى جوَار السَّادة الوفائية
(مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الْقَادِر الدمياطى المصرى الحنفى الْمُفْتى الامام الْمُقدم على اقرانه البارع فى أهل زَمَانه مفتى مَذْهَب النُّعْمَان بالقاهره والمبدى من تحريراته التحقيقات الباهره فاق فى الْفَضَائِل جَمِيعهَا وبهر فى تأصيل الْمسَائِل وتفريعها وَتكلم فى الْمجَالِس واظهر من دُرَر بحره النفائس وَجمع وَألف وَكتب وافاد وارسل فَتَاوِيهِ طائرة بأجنحة وَرقهَا الى سَائِر الْبِلَاد ولازم شُيُوخ الْحَنَفِيَّة من المصريين كالشيخ الامام زين بن نجيم وأخيه الشَّيْخ عمر وَشَيخ الْفُقَهَاء فى وقته الشَّيْخ على بن غَانِم المقدسى وَغَيرهم واجازوه وتصدر للتدريس ونفع النَّاس وَذكره الخفاجى فَقَالَ فى حَقه مقدم نتائج الْفضل وَغَيره التالى ومشيد بُنيان المكارم بطبعه العالى ذُو وقار تَزُول عِنْده الراسيات الشوامخ بمحكم فضل لَا يرد على آيَاته الْبَينَات نَاسخ ان خطّ فَمَا خطّ الرّبع والعذار أَو تكلم فَمَا مطرب الاوتار والاطيار ورد الرّوم وَأَنا بهَا كِرَاء وَاصل أَو حرف عِلّة أَو همزَة وَاصل وشوقى الى الْكِرَام كَمَا قَالَ أَبُو تَمام
(وَاجِد بالخليل من برحا الشوق وجدان غَيره بالحبيب ... )
ثمَّ أورد لَهُ ابياتا رَاجعه بهَا عَن ابيات أرسلها اليه مطْلعهَا هَذَا
(أيا روض مجد منبتا زهر الْحَمد ... وَمن ذكره اذكى من العنبر الْورْد)
وأبيات الدمياطى صَاحب التَّرْجَمَة هَذِه
(أفائق أهل الْعَصْر فى كل مَا يبدى ... وأوحد هَذَا الْعَصْر فى الْحل وَالْعقد)
стр. 1737
(وَمن فاق سحبانا وقسا فصاحة ... وَمن نظمه الْمَشْهُور بالجوهر الْفَرد)
(نظمت قريضا فى حلاوة لَفظه ... وفى الصوغ أزرى بالنباتى والورد)
(وضمنته معنى بديعا فَمن يرم ... لادراك شئ مِنْهُ يُخطئ فى الْقَصْد)
(ملكت اساليب الْكَلَام بأسرها ... فَأَنت بارشاد الى طرقها تهدى)
(لقد كنت فى مصر خُلَاصَة أَهلهَا ... وفى الرّوم قد أَصبَحت جَوْهَرَة العقد)
(وَحقّ شهَاب أَصله الشَّمْس ان يرى ... حريا بِأَن يرقى الى غَايَة السعد)
(فمعذرة منى اليك وَمَا ترى ... من الْعَجز وَالتَّقْصِير قابله بالسد)
(فَلَا زلت فى أوج العلى متنقلا ... وشانئك الممقوت فى الْعَكْس والطرد)
(وَلَا بَرحت ابياتك الغر فى الذرى ... وابيات من عاداك فى الدك والهد)
(ودمت فريدا للفرائد راقيا ... مَرَاتِب فضل منهلا طيب الْورْد)
وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر ربيع الثانى شهر ربيع الثانى سنة أَربع عشرَة وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن يُوسُف المراكشى التاولى المالكى أحد فُقَهَاء المغاربه الممتطين سَنَام الْفضل وغاربه عَالم ماضى شبا اللِّسَان والقلم وَعلم فضل أشهر من نَار على علم لَهُ فى الادب يَد لَا تقصر عَن ادارك غايه وَبَاعَ تلقى رياة البلاغة فَكَانَ عرابة تِلْكَ الرايه وَمن نوابغ كَلمه قَوْله من جملَة كتاب فعذر الْمَنّ هُوَ أخرس من سمكه وَأَشد تخبطا من طَائِر فى شبكه وَقَوله من ارجوزة ضمن فِيهَا مصاريع من الفية ابْن مَالك مدح بهَا شَيْخه الْحَافِظ أَبَا الْعَبَّاس المقرى وَقَالَ فِيهِ
(ذَاك الامام ذُو الْعَلَاء والهمم ... كعلم الاشخاص لفظا وَهُوَ عَم)
(فَلَنْ ترى فى علمه مثيلا ... مستوجبا ثنائى الجميلا)
(ومدحه عندى لَازم أَتَى ... فى النّظم والنثر الصَّحِيح مثبتا)
(أَوْصَاف سيدى بِهَذَا الرجز ... تقرب الاقصى بِلَفْظ موجز)
(فَهُوَ الذى لَهُ المعالى تعتزى ... وتبسط الْبَذْل بوعد منجز)
(رتبته فَوق العلى يَا من فهم ... كلامنا لفظ مُفِيد كاستقم)
(وَكم أَفَادَ دهره من تحف ... مبدى تَأَول بِلَا تكلّف)
(لقد رقى الى الْمقَام الباهر ... كطاهر الْقلب جميل الظَّاهِر)
(وفضله للطالبين وجدا ... على الذى فى رَفعه قد عهدا)
стр. 1738
(قد حصل الْعلم وحرر السّير ... وَمَا بَالا أَو بانما انحصر)
(فى كل فن ماهر فِيهِ وَلَا ... يكون الا غَايَة الذى تَلا)
(سيرته سَارَتْ على نهج الْهدى ... وَلَا يلى الا اخْتِيَارا ابدا)
(وَعلمه وفضله لَا يُنكر ... مِمَّا بِهِ عَنهُ مُبينًا يخبر)
(يَقُول دَائِما بصدر انْشَرَحَ ... اعرف بِنَا فاننا نلنا الْمنح)
(يَقُول مرْحَبًا لقاصد وَمن ... يصل إِلَيْنَا يستعن بِنَا يعن)
(والزم جنابه واياك الْملَل ... ان يستطل وصل وان لم يستطل)
(واقصد جنابه ترى مآثره ... وَالله يقْضى بهبات وافره)
(وانسب لَهُ فانه ابْن معطى ... ويقتضى رضَا بِغَيْر سخط)
(واجعله نصب الْعين وَالْقلب وَلَا ... تعدل بِهِ فَهُوَ يضاهى المثلا)
وَلما قدم فى سنة سِتّ وَعشْرين وَألف من مَدِينَة مراكش الى فاس كتب الى شَيْخه يستدعى مِنْهُ اجازة هَذِه الابيات
(أموقظ جفن الدَّهْر من بعد مَا غفا ... وباسط كف الْبَذْل من بعد مَا كفا)
(ومحيى رَسُول الاكرمين الَّتِى عفت ... ومجرى معِين الْفضل من بعد مَا جَفا)
(أجزنى بِمَا قد قلته ورويته ... ففضلك يَاذَا الْفضل قد حير الوصفا)
فَأَجَابَهُ بِهَذِهِ الابيات
(أمشكاة أنوار القراآت والادا ... وساحب اذيال الْكَمَال على الاكفا)
(وحائز شتات الْفَضَائِل اذ غَدَتْ ... مفاخرة فى اذن مغربنا شنفا)
(بعثتم بطرس بل بروض بلاغة ... تعطرت الارجاء من نشره عرفا)
(وأملتم أَعلَى الاله مقامكم ... وألبسكم من عزه الْمطرف الاضفى)
(من الْقَاصِر الباع الضَّعِيف اجازة ... ألم تعلمُوا ان الصَّوَاب هُوَ الاعفا)
(وَلست بِأَهْل ان أجَاز فَكيف أَن ... أُجِيز على ان الْحَقَائِق قد تخفى)
(فأضواء فكرى أظلمتها حوادث ... فآونة تبدوا وآونة تطفا)
(وَلَوْلَا رجائى مِنْكُم صَالح الدعا ... لما سطرت يمناى فى مثل ذَا حرفا)
وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته لَكِن أعلم انه من رجال هَذِه الْمِائَة وَالله تَعَالَى أعلم
مُحَمَّد بن يُوسُف بن أَبى اللطف الملقب رضى الدّين المقدسى الحنفى من آل بَيت أَبى اللطف كبراء بَيت الْمُقَدّس وعلمائها أَبَا عَن جد وَكَانَ رضى الدّين هَذَا فَاضلا
стр. 1739
أديبا بارعا استجاز لَهُ وَالِده من شيخ الاسلام الْبَدْر الغزى وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن ابْن عَم أَبِيه الشَّيْخ عمر بن مُحَمَّد بن أَبى اللطف وتفقه أَولا على وَالِده يُوسُف فى فقه الشافعى ثمَّ تحول حنفيا وَاقْتضى حَاله لتطاول الزَّمَان ان يكون كَاتبا عِنْد قاضى بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ يلى النِّيَابَة وَقدم دمشق قبل ذَلِك فى سنة سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَكَانَ فى صُحْبَة ابْن عَمه وَشَيْخه الشَّيْخ عمر الْمَذْكُور وَصَحب الْحسن البورينى فى دمشق فى قَدمته هَذِه وَأخذ عَنهُ قَالَ النَّجْم وعلق شرحا على منظومة الْوَالِد فى الْكَبَائِر والصغائر على حسب حَاله وأوقفنى عَلَيْهِ وقرظت عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَكَانَت وَفَاته بِبَيْت الْمُقَدّس فى جُمَادَى الاخرة سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف وَصلى عَلَيْهِ غَائِبَة بِدِمَشْق يَوْم الْجُمُعَة منتصف رَجَب رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن حَامِد بن أَبى المحاسن المغربى الفاسى الْقصرى الشَّيْخ الامام المفنن الْعَلامَة المتبحر النقاد عَالم الْمغرب فى عصره من غير مدافع أَخذ عَن وَالِده وَعَمه الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبى عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وأخيه الْحَافِظ أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف وَعَن الامام الْقصار والامام أَبى الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن القاضى والمفتى والخطيب أَبى عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد المرى التلمسانى والفقيه المشارك أَبى الْحسن على بن مُحَمَّد بن أَبى الْعَرَب السفيانى والفقيه الاديب أَبى عبد الله مُحَمَّد ابْن على القنطر الْقصرى والقاضى أَبى مُحَمَّد المركنى المغراوى والامام أَبى الطّيب الْحسن ابْن يُوسُف الزناتى وَغَيرهم وَعنهُ كثير مِنْهُم ولد أَخِيه عَالم الْمغرب الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن يُوسُف الفاسى وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا شرح على دَلَائِل الْخيرَات فى مجلدين ضخمين ورسالة منظومة فى الوفق الخماسى الخالى الْوسط وشرحا وَكَانَت وِلَادَته فى سادس شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى رَابِع عشر شهر ربيع الثانى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين والف رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن يُوسُف بن يُوسُف الكريمى الدمشقى أديب الزَّمَان وَرَيْحَانَة أفاضل الشَّام وواسطة عقد مخاديمها الْكِرَام طراز حلَّة الْفضل وأوحد النثر وَالنّظم فشعره تسكر مِنْهُ الطباع وتكاد للطفه تشربه الاسماع وَلَقَد أصَاب البديعى فى وَصفه بقوله هُوَ الشَّاعِر لَو لم تكن بِهِ جنَّة لما قيل الاساحر قَرَأَ على الشّرف الدمشقى والمفتى فضل الله بن عِيسَى وَالشَّيْخ عمر القارى وَأخذ عَن الامامين الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى وأبى الْعَبَّاس المقرى وَتخرج فى الادب على الشَّيْخ أَبى الطّيب
стр. 1740
الغزى فراض طبعه على أسلوبه وَحكى انه لما قيد أَبُو الطّيب الْمَذْكُور للعارض السوداوى الذى اعتراه وَحجر عَلَيْهِ وَمنع النَّاس من التَّرَدُّد اليه كَانَ اذا نظم قصيدة بعث بهَا اليه مَعَ بعض النِّسَاء على صفة انها تُرِيدُ حرْزا اَوْ نشرة وقصده عرضهَا عَلَيْهِ ليهذبها وينقحها فَكَانَ اذا وصلته اصلحها ورمز لَهُ بِوُجُوه الاصلاح وعرفه طرق الانتقاد فَلهَذَا مهر فى سبك الْمعَانى وَحسن البذرقة وأربى على فضلاء الْعَصْر باتقان اللغتين الفارسية والتركية والموسيقى وَكَانَ ينظم الشّعْر فى اللُّغَات الثَّلَاثَة وَكَانَ لَهُ اغان يسيرها فى نغمات مَقْبُولَة وسافر الى الرّوم صُحْبَة وَالِده فى سنة ثَمَان وَعشْرين ولازم من شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا ومدحه بقصائد كَثِيرَة ثمَّ قدم مَعَ وَالِده الى دمشق ودرس بعد موت وَالِده بِالْمَدْرَسَةِ العزية بالشرف الْأَعْلَى ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم ثَانِيًا وَولي قَضَاء الركب الشَّامي فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَانْقطع بعد ذَلِك فِي منزله مُدَّة ثمَّ سَافر ثَالِثا الى الرّوم فى سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَصَارَ لَهُ رُتْبَة الْخَارِج المتعارفة الْآن بَين أَبنَاء الشَّام ثمَّ رَجَعَ واستغرق أوقاته فى الْعُزْلَة وابتلى بِاسْتِعْمَال البرش ثمَّ غلبت عَلَيْهِ السَّوْدَاء فَضرب الْحجر على نَفسه سِنِين وطواه الزَّمَان فى خريدة النسْيَان وَلم ينل مَا يسْتَحقّهُ من سمو الشان ثمَّ ظهر بعض الظُّهُور وَاخْتَلَطَ بِبَعْض أَصْحَاب الْفَهم وَطرح التَّكَلُّف وامتحن بلعب الشطرنج على عَادَة الاذكياء وَكَانَ ماهرا فى لعبه وَكَانَ كثير النّظم وَله ديوَان يُوجد فى أيدى النَّاس ومختاراته كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله من قصيدة
(فى فؤادى من الخدود لهيب ... جنَّة طَابَ لى بهَا التعذيب)
(صحوتى من هوى الحسان خمار ... وشبابى بالاتصاب مشيب)
(داونى باللحاظ فالحب فِيهَا ... دَار بلوى بهَا السقام طَبِيب)
(لفؤادى من لَحْظَة السخط سهم ... هى من قسْمَة الْهوى لى نصيب)
(كل قلب لَهُ الصبابة دَاء ... ألف الدَّاء فالحكيم رَقِيب)
(محنة الْحبّ عندنَا دَار بلوى ... فلهَا من قُلُوبنَا أَيُّوب)
(هَكَذَا حَاكم الْهوى فلديه ... من ذنُوب لنا تعد الْقُلُوب)
(لَو بدا للوجود يُوسُف حسن ... ضمه من قُلُوبنَا يَعْقُوب)
(لَا تلمنى سدى فَمد من خمر الْحبّ فى مِلَّة الْهوى لَا يَتُوب ... )
(فى لحاظ الظباء آيَة حسن ... قد تَلَاهَا على الْعُقُول الحبيب)
стр. 1741
(رشا أخجل البدور اذا مَا ... شوشت خاطر الْفُؤَاد الْجنُوب)
(مَا رَأينَا من قبل وَجهك ان قد ... حمل الْبَدْر فى الزَّمَان قضيب)
(قاتلى فى الْهوى اللحاظ وَهَذَا ... شَاهد الخد من دمى مخصوب)
(قد رمانى بأسهم الْجور عمدا ... وَسوى الْقلب سَهْمه لَا يُصِيب)
(لَيْت أَنا لم يخلق الْحسن فِينَا ... لَيْت أَو لم يكن فؤادى طروب)
(يَا أَخا الوجد هَل رَأَيْت قَتِيلا ... وَهُوَ ظلما بِنَفسِهِ مَطْلُوب)
(يَا لقلب أطعته وعصانى ... لَهو الا الى الْهوى لَا يُجيب)
(خبرى يَا صبار رياض التصابى ... فبذكر الْهوى فؤادى يطيب)
(عرف الْقلب فِيك رَائِحَة الْحبّ ويدرى بشمه الملسوب)
(ساعدتنى على النحيب حمام ... حَيْثُ مالى سوى صداها مُجيب)
(أَنا وَالْوَرق فى الطلول غَرِيبَانِ ويستصحب الْغَرِيب الْغَرِيب)
(غير انى بهَا رهين فؤادى ... وهى تأتى وَحَيْثُ شَاءَت تؤوب)
(علم الْقلب منطق الطير شجوا ... فَلهُ فى فنونه تَهْذِيب)
(يهتدى فى سَبيله بفؤادى ... كلما ضل فى الغرام كئيب)
وَقَوله من أُخْرَى أرسلها من الرّوم الى بعض اخوانه من أفاضل دمشق فى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ ومستهلها قَوْله
(بعاد يزِيد الجوى والحنينا ... وَبَين يعلم قلبى الانينا)
(فِرَاق أذاب الحشى أدمعا ... فَأجرى بصافى الدِّمَاء العيونا)
(ألفنا السهاد لسكب الدُّمُوع ... فَأنْكر منا الرقاد الجفونا)
(فقدت اصطبارى غَدَاة الرحيل ... وعوضت عَنهُ الجوى والشجونا)
(رعى الله أَيَّام قرب مَضَت ... وَحيا لياليها والسنينا)
(وجاد الحيا أَرْبعا بالشآم ... وَسلم صحبا بهَا قاطنينا)
(وهبت بهَا نسمات الْقبُول تحدو اليها سحابا هتونا)
(وسالت بروضتها للرضا ... جداول تنساب مَاء معينا)
(وغنت بهَا سحرًا وَرقهَا ... تنبه للنور فِيهَا عيُونا)
(ولابرحت فى رباها الصِّبَا ... تروح شمالا وتغدو يَمِينا)
(تلاعب أَغْصَان باناتها ... فتهتز مثل القدود الغصونا)
стр. 1742
(وتجلو عرائس نوارها ... فتنثر للطل درا ثمينا)
(غصون تعلم من فعلهَا ... قدود الغوانى قواما ولينا)
(رياض بهَا للعليل الْهوى ... شِفَاء فلولا التنائى شفينا)
(فكم بت فى خلدها لَيْلَة ... أسامر فِيهَا من الآس عينا)
(وَكم غازلتنى بهَا أعين ... تعلم هاروت مِنْهَا فنونا)
(وَكم جمعت للهوى مدنفا ... وَمثل فؤادى فؤادا حَزينًا)
(رعى الله أحبابنا فى دمشق ... وَحيا بدوحتها الساكنينا)
(أحبتنا هَل يفك الرهونا ... غَرِيب وَيقْضى البعاد الديونا)
(وَهل عَائِد زمن بالحمى ... وبالقرب هَل يسعف النازحينا)
(وَهل بالتلاقى يجود الزَّمَان ... لنعلم أحبابنا مَا لَقينَا)
(فقد صدع الصَّدْر طول النَّوَى ... وللقلب قد كَانَ حصنا حصينا)
(وعلمنى الْبَين مَا قد جهلت ... فذقت النَّوَى وَعرفت الحنينا)
(فَهَل تذكرُونَ غَرِيب الديار ... وَيذكر من بالحمى الظاعنينا)
(رحلنا فَمَا تابعتنا الْقُلُوب ... وسرنا فظلت لديكم رهونا)
(كانى لم أقض حق الوداد ... فأبقيت قلبى فِيكُم رهينا)
وَقَوله أَيْضا من قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا قَوْله
(صَحَّ الْهَوَاء وطاب مِنْهُ نسيم ... وأتى الرّبيع وفضله مَعْلُوم)
(وبدت أزاهره بِأَحْسَن منظر ... فرياض جلق جنَّة ونعيم)
(وسرت بِهِ خود الصِّبَا وفْق الْهوى ... تذكى الجوى فغدا الْفُؤَاد يهيم)
(مرت تذكرنى جوى كابدته ... أَيَّام غازلنى برامة ريم)
(رشأ لحر جفاه مَعَ اعراضه ... فى الْقلب منى مقْعد ومقيم)
(غُصْن ثمار الْحسن فِيهِ شهيه ... للعين والجانى لَهَا محروم)
(بدر محاسنه الْجَمِيع جوارح ... بِالْقَلْبِ تفعل مَا تشا وتروم)
(صحت محاسنه كَمَا صَحَّ الْهوى ... منى ومثلى الطّرف مِنْهُ سقيم)
(متناسب الاعطاف أما ردفه ... فنقا وَأما كشحه فهضيم)
(من سهم مقلته جَمِيع جوانحى ... جرحى وقلبى من سواهُ سليم)
(مالامنى فى حبه من لائم ... الا رَقِيب حَيْثُ كَانَ لئيم)
стр. 1743
(مَا من هوى الا وَفِيه مراقب ... هَذَا عَذَاب للفؤاد أَلِيم)
(أبدا لقلبى من جفاه شكاية ... لَا تنقضى وَمن الغرام غَرِيم)
(وجدى بِهِ قِسْمَانِ باد للورى ... قهرا ومعظمه هوى مَكْتُوم)
(طرفى وقلبى ذَا غريق مدامع ... تجرى وَهَذَا باللحاظ كليم)
(يَا قلب مَالك والهوى فالى مَتى ... بالوجد تقعد تَارَة وَتقوم)
(محن الْمحبَّة جمة لَا تنقضى ... أبدا فكم تشقى بهَا وتهيم)
(من عهد آدم للغرام وقائع ... تروى رويدك فالبلاء قديم)
(ألفت جوانحك الصبابة والاسى ... هَذَا ابتلاء بالغرام عَظِيم)
وَكتب الى أَخِيه أكمل الدّين الْمُقدم ذكره فى حرف الْهمزَة ملغزا فى أَكْتَع
(يَا أكملا يستكمل الظرفا ... يَا فاضلاوالفضل لَا يخفى)
(وَيَا شقيقى من فخارى بِهِ ... وَمن غَدا لى فى الورى طرفا)
(أكمل منى ان أصفه فلى ... أرجع من أَوْصَافه الوصفا)
(قل لى عَن وصف حُرُوف لَهُ ... أَرْبَعَة مَا نقصت حرفا)
(اذا وصفت الشَّخْص يَوْمًا بِهِ ... فعينه فى دبره تلفى)
(وَلم يزل يصحب كلابة ... بهَا يجيد الْقَبْض والصرفا)
(ثَانِيه نصف الْعشْر من ثَالِث ... وَكله لم يبلغ الالفا)
(ينقص عَنْهَا بل وَعَن بَعْضهَا ... وَلم تكمل نَاقِصا حلفا)
(موصوفه نِصْفَانِ فَانْظُر لَهُ ... نصفا وَلَا تنظر لَهُ نصفا)
(ثَانِيه مَعَ ثالثه فعله ... مَتى يشاجر عرسه عنفا)
(يظْهر فى أَفعاله خفَّة ... وَهُوَ لثقل لم يغب صرفا)
(كالبوم شوم وَهُوَ الف لنا ... فَهَل رَأَيْتهمْ بومة الْفَا)
(أجب عَن ذَا الْوَصْف أفْصح لنا ... لاذقت للدهر اذ صرفا)
فَأَجَابَهُ بقوله
(جَاءَت فزادت روضنا عرفا ... بل قلدت آذاننا شنفا)
(وَأَطْفَأت من كبدى لوعة ... وَلم تكن من غَيرهَا تطفى)
(وهيجت شوقى الى ماجد ... لم أك أبغى غَيره الْفَا)
(أعنى شقيقى من أرى بعده ... للدهر ذَنبا لم يكد يُعْفَى)
стр. 1744
(ذُو كرم لَو شامه حَاتِم ... عض على أنمله لهفا)
(رب الْمعَانى والقوافى الَّتِى ... كالدر إِذْ ترصفه رصفا)
(كَانَت كعذب المَاء عِنْد الصَّفَا ... أَو كلما أرشفه رشفا)
(أَو كوصال من حبيب وَقد ... أَكثر فى ميعاده الخلفا)
(مضيع أرعاه بَين الورى ... وشيمة الاحباب لَا تخفى)
(أَبيت أمْلى من غرامى لَهُ ... كتبا وَمن اعراضه صحفا)
(يُدِير من ألحاظه أكؤسا ... حملهَا أجفانه الوطفا)
(تسقيه رَاحا مزجت من دَمًا ... عينى ويسقينى الْهوى صرفا)
( ... مائلة عَن ساعد لم يزل ... كقطعة الاصداغ ملتفا)
(أَو كسوار ضَاقَ عَن عبلة ... أَو كهلال كَاد أَن يخفى)
(لَكِن اذا مدت الى مرقد ... كقامة الْحبّ اذا تلفى)
(لازلت تعطها وأمثالها ... من رَاحَة كالديمة الوطفا)
(هاك جوابى واعف تَأْخِيره ... اذ لم يكن ليا وَلَا خلفا)
(وَبعد مَا وصف لَهُ أحرف ... أَرْبَعَة وَلم يزدْ حرفا)
(أَوله سبع لعشر حوى ... ثَانِيه لَا زلت لَهُ حلفا)
(ان تسْقط الْمُفْرد مِنْهُ يعد ... جمعا وَهَذَا مِنْك لَا يخفى)
(وَفعل أَمر ثمَّ فعلا لمن ... نَار غرامى فِيهِ لَا تطفا)
(ان تقلب الثاث مَعَ رَابِع ... يكن لموصوف بِهِ وَصفا)
(ثَانِيه مَعَ ثالثه وَصفه ... اذا اعتراه النّوم والاغفا)
(أبنه لى لَا زلت فى عزة ... لم تغض عمارمته طرفا)
(والدهر عبد لَك أوقائد ... بِجنب من عاديته طرفا)
وَمر مَعَ شَيْخه أَبى الْعَبَّاس المقرى بالمرجة ذَات الشرفين فَلَمَّا تجاوزا صدر الباز والمقرى بَينه وَبَين أَخِيه خَاطب المقرى مرتجلا بِهَذِهِ الابيات)
(بالمرج مَا أشبهنا يَا بدر ... نَحن الجناحان وَأَنت الصَّدْر)
(وَالْبَحْر قد شاكلنا يَا در ... اطرافه نَحن وَأَنت الْبَحْر)
(والافق مولاى وَفِيه الزهر ... وَالشَّمْس تحتاط بِهِ والبدر)
(ودمت فى الدَّهْر وَأَنت الدَّهْر ... اليه ينقاد الدجا وَالْفَجْر)
стр. 1745
وَأرْسل اليه الشَّيْخ ابراهيم الاكرمى قصيدة يمدحه بهَا فَبعث اليه شَيْئا من الملبوس وألحقه بِهَذِهِ الابيات هى
(ألبستنا حلل الثَّنَاء فزنتنا ... بملابس مَا شانها الاخلاق)
(حكت الرياض غَضَاضَة ونضارة ... فكانها لَك فى البها أَخْلَاق)
(فاقبل لخلك حلَّة خيطت لَهَا ... من ودك الاردان والاطواق)
(واعذر لقلتهَا فان عرائس الْآدَاب عندى مَا لَهُنَّ صدَاق ... )
(شاكلت مِنْك ملابسا لدا ... شتان بَينهمَا فَتلك رقاق)
(أهديت در مدائح تزهو بهَا ... منا العلى وَمن المهى الاعناق)
(فَبَقيت للاحسان شمس فَضَائِل ... بسنا قريضك تشرق الْآفَاق)
وَمن غزلياته قَوْله وَأحسن
(وَيَوْم أردْت الصَّبْر فِيهِ فَلم أجد ... لقلبى اصطبارا والحبيب قريب)
(دنت دارها منى وشط بشخصها ... وَقرب زَوَال لم أرده لهيب)
(ممنعة لَا يرتجى قطّ وَصلهَا ... فَلَيْسَ لمضنى أمرضته طَبِيب)
(دعانى هَواهَا عنْوَة فاجبته ... وقلبى لداعى الغانيات مُجيب)
(تعلقتها تركية ان سهمها ... لَهُ غَرَض منا حَشا وَقُلُوب)
(اذا مَا بَدَت للعين قَامَت شؤنها ... فدمعى واش بَيْننَا ورقيب)
(معَاذًا الْهوى ان يحرم الْوَصْل عاشق ... لَهُ فى التصابى والغرام نصيب)
(وصبرا على حر النَّوَى ولربما ... رأى وطنا بعد البعاد غَرِيب)
(فَمَا غزل من حر وجد بِنَافِع ... لَدَى وَلَا يشفى الْفُؤَاد نسيب)
(وَمَا طَابَ نفسا بالتصبر مغرم ... وَلَا قر عينا بالبكاء كئيب)
وَقَوله
(لحى الله فعل الغانيات اذا دهت ... فؤاد الابناء الصبابة والوصلا)
(وَلَا سلطت يَوْمًا على قلب عاشق ... عيُونا ترى فى ظلم عاشقها عدلا)
(يدينك عين الود والوجد نظرة ... ويمزجن جد الوجد للقلب والهزلا)
(فحمتى اذا شبت بِنَار جوانح ... وأيقن بالمطروح من أرسل النبلا)
(غدرن فَلَا يرعين للصب ذمَّة ... وأغضين عَنهُ فى الْهوى الاعين النجلا)
(نوافر منا لم نفز شقوة سوى)
بوعد رَأينَا فى جوانبه المطلا)
وَقَوله
(علام تفتك فى العشاق بالمقل ... أما تخَاف على الهندى من فلل)
стр. 1746
(لقد أبحت دمى يَا من كلفت بِهِ ... فاصبحت كلماتى فِيهِ كالمثل)
(يَا من اذا مَا لسهم اللحظ عرضنى ... أيقنت وجدان قوم من بنى ثعل)
(شمائل لَك عاطتنى الشُّمُول فَمَا ... بَرحت مَا بَين سَكرَان الى ثمل)
(آها على زمن كَانَ الرَّقِيب بِهِ ... صفر الأكف من التعنيف والعذل)
(هلا تعيد زَمَانا كَانَ طوع يَدي ... فِيهِ وصدري ملآن من الأمل)
وَله مضمنا بَيت الارجانى وَنَقله من النقاب الى العذار فَقَالَ
(ومورد الوجنات شمس جماله ... لما بَدَت بهر الضياء الاعينا)
(خطّ الْجمال بعارضيه أسطرا ... فغدا بهَا نظرى اليه مُمكنا)
(كَالشَّمْسِ يمنعك اجتلاءك وَجههَا ... فان اكتست برقيق غيم امكنا)
وَقَوله
(وَكنت أَقُول انك فى فؤادى ... لَو ان الْقلب بعْدك كَانَ عندى)
(سوى عَن ناظرى مَا غبت يَوْمًا ... فذكرك غَالب الاوقات وردى)
وَمن رباعياته قَوْله
(يذكر بالوداد من لَا ينسى ... عهدا لَك ان أصبح أَو ان أَمْسَى)
(أَقْسَمت وان تطاول الْعَهْد بِنَا ... لَا أنسى الود بَيْننَا لَا أنسى)
وَقَوله أَيْضا
(مَا جَاءَ اللَّيْل أَو أَضَاء الْفجْر ... الا وذكرك عيشنا يَا بدر)
(لهفى لزمان عيشة راضية ... قد من بهَا على يَديك الدَّهْر)
وَقَالَ
(هَل ترجع ايامنا بنادى الوادى ... تالله لقد أعددتها اعيادى)
(أَيَّام يضم شملنا منتزه ... بالغوطة لَا فقدت ذَاك النادى)
وفقد لَهُ مَجْمُوع بِخَطِّهِ فَقَالَ فى ذَلِك
(مجموعى ضَاعَ رده يَا صَمد ... قد بَان تصبرى بِهِ وَالْجَلد)
(اتهمت أَنى بِعته من سفه ... هَذَا ولدى وَهل يُبَاع الْوَلَد)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ثَمَان بعد الالف وَتوفى لَيْلَة الْخَمِيس سَابِع شهر ربيع الاول سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
المنلا مُحَمَّد شرِيف بن المنلا يُوسُف بن القاضى مَحْمُود بن المنلا كَمَال الدّين الكورانى الصديقى الشاهوى الرويسى الشافعى صدر من صُدُور الائمة كَانَ عَالما وليا قدوة فى افراد الْعلمَاء الزاهدين حَامِلا لِوَاء المعارف محافظا على الْكتاب وَالسّنة قَائِما باعباء
стр. 1747
صَلَاح الامة باسطا جنَاح الرأفة للضعفاء وذوى الْحَاجَات ذَا أوراد وأدكار وَله مواظبة على الصّيام وَالْقِيَام مَعَ فَضَائِل لَا تحصى وصلابة فى الدّين وَانْقِطَاع عَن النَّاس أَخذ عَن وَالِده وَغَيره من عُلَمَاء بِلَاده وجد واجتهد حَتَّى بلغ من الْعلم مبلغا كَبِيرا وَحفظ الْقُرْآن فى اقرائه تَفْسِير البيضاوى درسا بدرس حَتَّى خَتمه وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ ولازمه وَتخرج بِهِ وانتفع بِعُلُومِهِ ربانى هَذَا الْعَصْر المنلا ابراهيم الكورانى ثمَّ المدنى قَرَأَ عَلَيْهِ فى بِلَاده كتبا كَثِيرَة وبالمدينة طرفا من فتح البارى لِلْحَافِظِ ابْن حجر وَله مؤلفات مِنْهَا حاشيتان على تَفْسِير البيضاوى احداهما الى أَوَاخِر سُورَة الْكَهْف والبحث فِيهَا مَعَ سعدى المحشى والاخرى الى آخر الْقُرْآن والبحث فِيهَا مَعَ مظهر الدّين الكازرونى وحاشية على شرح الاشارات للطوسى محاكمة بَينه وَبَين الامام الرازى وحاشية على تهافت الفلاسفة لخواجه زَاده الرومى ومحاكمة بَينه وَبَين الامام الغزالى وَحج من طَرِيق بَغْدَاد سنة خمس وَخمسين وَألف وجاور بالحرمين سنتَيْن ثمَّ رَجَعَ الى وَطنه ثمَّ عَاد الى الْحَرَمَيْنِ وجاور مُدَّة ثمَّ توجه الى الْيمن وَأخذ عَنهُ بهَا خلق لَا يُحصونَ وَعرفُوا جلالته وَلما قدم المخا أَجله السَّيِّد زيد بن الحجاف وَمن جملَة مَا وَقع لَهُ مَعَه انه سَأَلَهُ عَن مقْصده فى هَذِه الرحلة الى أى مَكَان فَقَالَ لَهُ قصدى الْقَبْر فَرَحل بعد أَيَّام من المخا الى تعز وَمِنْهَا الى اب فتوفى بهَا وَكَانَت وَفَاته فى ثامن وعشرى صفر سنة ثَمَان وَسبعين وَألف ﵀
مُحَمَّد بن يُوسُف الْمَدْعُو عبد النبى بن أَحْمد بن السَّيِّد عَلَاء الدّين على بن السَّيِّد مُحَمَّد ابْن يُوسُف بن حسن البدرى الدجانى القشاشى القدسى الاصل المدنى وَالِد الصفى الْمُقدم ذكره القطب الولى سيد الْعلمَاء وَصَاحب الكرامات الظَّاهِرَة الْجَوْهَر الْفَرد الْمُتَصَرف بعد مَوته ولد بِالْمَدِينَةِ وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن وتمذهب بِمذهب شَيْخه مُحَمَّد بن عِيسَى التلمسانى المالكى ورحل الى الْيمن فى سنة احدى عشرَة بعد الالف وَأخذ عَن علمائه وأوليائه مِنْهُم الشَّيْخ الامين بن الصّديق المزجاجى طيب الله ثراه وَالسَّيِّد محمدج الغرب وَالشَّيْخ أَحْمد السطيحة الزيلعى وَالسَّيِّد على النبعى وَالشَّيْخ على بن مطير وَأَجَازَهُ جلّ شُيُوخه وجال فى الاقطار اليمنية وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الطَّاهِر بن مُحَمَّد الاهدل صَاحب المراوغة والعلامة مُحَمَّد الفروى وَغَيرهمَا وَأقَام بِصَنْعَاء وَنشر بهَا لِوَاء السَّادة الصُّوفِيَّة وَصَارَ لَهُ بهَا الْمنزلَة الرفيعة وَظَهَرت كراماته وانتشرت وَمِمَّا يحْكى مِنْهَا أَن بعض الامراء الزيدية
стр. 1748
بِصَنْعَاء لما ظَهرت أَحْوَاله وَعلا مقَامه حَبسه وَدخل الامير للخلاء لقَضَاء حَاجته واراد الْخُرُوج مِنْهُ بعد فَرَاغه فَلم يسْتَطع الْخُرُوج مِنْهُ حَتَّى أَمر باخراجه من الْحَبْس فَخرج حِينَئِذٍ وَمِنْهَا أَن بعض أُمَرَاء صنعاء بلغه عَن بعض جمَاعَة من أهل ولَايَته كَلَام يقتضى رفعهم اليه واهانتهم فَأتوا بهم اليه على حَالَة مُنكرَة فَلَمَّا قدمُوا صنعاء رَأَوْا عِنْد بَابهَا صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ فيهم من يعرفهُ فَأتوا اليه وسلموا عَلَيْهِ وَذكروا لَهُ مَا جرى لَهُم وتوسلوا بِهِ فَقَالَ لَهُم اعقدوا على محبته ظَاهرا وَبَاطنا وَلَا يُصِيبكُم مِنْهُ الا خير فقرؤا الْفَاتِحَة وفعلوا مَا أَمرهم بِهِ فبمجرد دُخُولهمْ عَلَيْهِ رَأَوْا مِنْهُ من الاجلال والتعظيم لَهُم والمحبة مَا لم يخْطر ببال أحد مِنْهُم وَرَجَعُوا الى بلدهم وَلم ينلهم مِنْهُ ضَرَر أَلْبَتَّة وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا شرح الحكم لِابْنِ عَطاء الله وَشرح على الاجرومية سلك فِيهِ طَرِيق الصُّوفِيَّة على أسلوب نَحْو الْقلب للامام القشيرى رضى الله عَنهُ وَكَانَت وَفَاته بِمَدِينَة صنعاء فى خَامِس عشر شعْبَان سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بهَا وقبره ثمَّة مَشْهُور يزار ويتبرك بِهِ وَتقدم فى تَرْجَمَة ابْنه ذكر نسبه وسيادته فَلَا حَاجَة الى الاعادة
مُحَمَّد ابو البركات البزورى الدمشقى الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى تلميذ الشَّيْخ القطب مُحَمَّد ابْن على بن عبد الرَّحِيم بن عراق اجْتمع بِهِ بِمَكَّة فَسَأَلَهُ عَن اسْمه فَقَالَ لَهُ بَرَكَات فَقَالَ لَهُ بل أَنْت مُحَمَّد أَبُو البركات ثمَّ صافحه ولقنه الذّكر ودعا لَهُ وحرضه على قِرَاءَة قصيدته اللامية الجامعة لاسماء الله الْحسنى الَّتِى أَولهَا قَوْله
(بدأت بِبسْم الله وَالْحَمْد أَولا ... على نعم لم تحص فِيمَا تنزلا)
قَالَ فى كل لَيْلَة أَحْسبهُ قَالَ بَين الْمغرب وَالْعشَاء قَالَ النَّجْم الغزى فى الْكَوَاكِب السائرة قلت لشَيْخِنَا أَبى البركات هَذِه القصيدة اللامية الَّتِى أشرتم اليها هى من نظم سيدى مُحَمَّد بن عراق قَالَ نعم هى من نظمه وَأَنا أَخَذتهَا عَنهُ فلازم على قرَاءَتهَا فانها نافعة وأجازنى بهَا قَالَ وَكَانَت وَفَاته فى أَوَائِل جُمَادَى الاولى سنة ثَلَاث بعد الالف وَهُوَ آخر من أَخذ عَن ابْن عراق وَفَاة فِيمَا أعلم انْتهى كَلَام النَّجْم قلت وَكَون القصيدة اللامية لِابْنِ عراق خلاف الْمَشْهُور من أَنَّهَا للدمياطى فَليُحرر وَابْن عراق الْمَذْكُور هُوَ الْعَالم الْكَبِير والولى الشهير خُصُوصا بالحرمين وَذريته بهما موجودون وَمن الْمَشْهُور الشَّائِع بَين المكيين أَن الدُّنْيَا لَا تزَال بِخَير مَا دَامَت ذُرِّيَّة ابْن عراق رضى الله عَنهُ موجودين
مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِلَالًا مُحَمَّد باشا الْوَزير الاعظم فى عهد السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّالِث تَرْجمهُ
стр. 1749
المنشئ فَقَالَ فى وَصفه تكون بِبَلَد قريب من مغنيسا جَوْهَر ذَاته وَبهَا كَانَت أوطانه وأوطار لذاته وَلما حلت بيد الشَّبَاب لمائمه وصدحت فى أَغْصَان الفتوة حمائمه تَيَقّن أَن فقد الْعِزّ فى الْحَضَر وَأَن السّفر يسفر عَن غرَّة الظفر
(والمرء لَيْسَ ببالغ فى أرضه ... كالصقر لَيْسَ بصائد فى وَكره)
كَمَا أَن السَّيْف لَا يقطع فى غمده وَلَا يظْهر مَا دَامَ فِيهِ جَوْهَر فرنده والدر لَوْلَا تنقله من الْبَحْر لما علا التَّاج والنحر وَلَوْلَا سير الْهلَال لما ظفر بعد النَّقْص بالكمال
(فالماء يكْسب مَا جرى ... طيبا ويخبث مَا اسْتَقر)
فَخرج مِنْهَا وَدَار فى بقاع الارض وبلدانها حَتَّى وصل الى الْقَاهِرَة وانتظم فى سلك كتبة ديوانها وبينما هُوَ فى بعض تِلْكَ الخدم اذ برز أَمر سُلْطَان الامم رَاقِم طراز الْعَدَالَة على حلل الْبِلَاد وَمن هُوَ مَقْصُود لكل مَوْجُود وَمُرَاد بعمارة الْحرم الْمُحْتَرَم الامين فعين لخدمة الْكِتَابَة اذ كَانَ من الْكِرَام الْكَاتِبين يَا من يرى حرما يسرى الى حرم فجاور حرم الله وخفض عيشه على الْجوَار وراعى حق الْخدمَة حَتَّى كَأَنَّهُ لبيت الله عبد الدَّار وانضم بعد ذَلِك الى بعض الخدام بالديوان السلطانى لَا زَالَ مطلعا الشموس الامانى ثمَّ لما أَصبَحت مغنيسا لذكاء الدولة المحمدية مشرقا وفلكها ببدر كَمَال ذَاته مشرقا تقلد عقد مناصب تِلْكَ الدولة حَتَّى صَار لالا وَلم يقل أحدا قَوْله لَا لَا ورقاه لما فِيهِ من الاستعداد كترقى مَرَاتِب الاعداد فسلك طَرِيق العداله وَلم يدْرك أحد فى كَمَاله كَمَاله وَهَذَا من أقوى الداعيات لَهُ على التَّقْدِيم وَأعظم الباعثات لتخطيه كل حَدِيث وقديم وَحين نسخ نور مُحَمَّد أَحْكَام من قبله وَحل ذكاء دولته من فلك السلطنة مَحَله ولمعت فى اسرتها أنوار أسرته واستنار الْعَالم بشمس جَبهته قَلّدهُ صارم الوزاره وَتوجه بتاج الصداره ثمَّ نَقله الى الوزارة الْعُظْمَى وَأنْشد لِسَان الْحَال حِين أَصبَحت أَفعاله أسما
(ذى المعالى فليعل من قد تَعَالَى ... هَكَذَا هَكَذَا والا فلالا)
وَمَا كَانَ شمس الْعَصْر الاصيل ولع قصر وقته بِظِل عدله الظليل قصرت دولته مَعَ ذَلِك الْقصر وَمَا خالط الصفو فِيهَا كدر بل صحب بتدبيره مزاج الْعباد وَجمع بعدله بَين الاضداد كالخد يجمع بَين المَاء واللهب فَلَو دَامَ مُدَّة فى رياض الوزاره لاتخذ العصفور من مخالب البزاة أَو كَارِه وَلَوْلَا مَا فى فَم الاسد من البخر لما تبَاعد عَنهُ الغزال وَنَفر بل اتخذ حضنه كناسه وحصنه لَكِن أسْرع الدَّهْر بغدره ورد
стр. 1750
جَوْهَر ذَاته الى صدف قَبره وَلَيْسَ يخْشَى النَّقْص الا عِنْد الْكَمَال وَهَكَذَا الدَّهْر ينْتَقل من حَال الى حَال وَكَانَ لَهُ دربة بِبَعْض الْعُلُوم وَمَعْرِفَة بالمنثور والمنظوم وَلَقَد أَجَاد التَّكَلُّم بلغَة فَارس وَأصْبح يُقَال لَهُ فى ميدانها فَارس وأى فَارس وَله جَامع بناه لوجه الله وعمره فى قَصَبَة يُقَال لَهَا مرمره قلت وَذكر ابْن نوعى فى تَرْجَمته أَنه ولى الوزارة فى سَابِع عشر شهر ربيع الاول سنة أَربع بعد الالف ثمَّ اعتراه مرض الاكلة لم يخرج الى الدِّيوَان إِلَّا مرّة وَاحِدَة وَتوفى بعد عشرَة أَيَّام من تَوليته الصدارة وَدفن بحرم جَامع الشَّيْخ وفا بِمَدِينَة قسطنطينية رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الترجمان المصرى الاستاذ الْكَبِير الْوَرع الزَّاهِد الناسك الْمَشْهُور ذكره المناوى فى الطَّبَقَات وَقَالَ فى تَرْجَمته أَصله من الجراكسة وَترك زى أُصُوله وَقعد فى مكتب بِالْقربِ من بَاب الْخرق يقرئ الاطفال ثمَّ حبب اليه السلوك فَأخذ عَن الشَّيْخ يُوسُف الكردى المدفون بِقرب قناطر السبَاع ولازمه وانتفع بِهِ وطريقهم تسمى طَرِيق الخواطرية لكَون أسلوبهم أَنه اذا أَرَادَ الانسان أَن يسألهم عَن شئ ابْتَدَأَ بقوله يَا سيدى الشَّيْخ خاطر ثمَّ يذكر مَا خطر لَهُ فى نَفسه مِنْهُ خير أَو من شَرّ فيتكلم عَلَيْهِ الشَّيْخ ويأمره وينهاه بِمَا يرى فِيهِ صَلَاحه ويأتى لَهُ بآيَات قرآنية وَأَحَادِيث نبوية للترغيب والترهيب وَلما مَاتَ شَيْخه تقرر فى الامامة بِجَامِع اسكندر باشا بِبَاب الْخرق وَصَارَ يعْمل فِيهِ الْمجْلس عقب الصُّبْح الى طُلُوع الشَّمْس وَبعد صلَاته بِالنَّاسِ الْعَصْر ويحضره خلق كثير ثمَّ يتَوَجَّه الى منزله بِقرب الْجَامِع الْمَذْكُور واشتهر أمره وَعلا ذكره وَقبلت شَفَاعَته وَقصد التَّبَرُّك بِهِ وَأخذ عَنهُ أَعْلَام الرِّجَال كالبرهان اللقانى وَأَضْرَابه وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى دَعَاهُ حَاكم مصر الْوَزير الى وَلِيمَة فَحَضَرَ سماطه بعد الْغُرُوب ثمَّ نزل من القلعة شاكيا فَمَا أَتَى نصف اللَّيْل الا وَقد قضى عَلَيْهِ وَكَانَت وَفَاته فى حُدُود سنة أَربع بعد الالف بعد موت شيخ الاسلام على بن غَانِم المقدسى بِقَلِيل قلت وَقد تقدم أَن وَفَاة ابْن غَانِم كَانَت فى سَابِع عشرى جُمَادَى الْآخِرَة من سنة أَربع بعد الالف وَدفن بِقرب تربة قايتباى بالصحراء وَعمر عَلَيْهِ بعض أَرْكَان الدولة ضريحا وَهُوَ الْآن يزار ويتبرك بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد الْيُمْنَى القادرى الشهير بفقيه بِالتَّصْغِيرِ كَانَ سَاكِنا ببلدة تعز وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا مرشدا نبيلا عَالما فَاضلا كَامِلا مكملا بارعا فى أسرار الْحُرُوف وخواص الاسماء والوفق والجفر والتصرفات بهَا وَله كرامات كَثِيرَة وحالات عَظِيمَة انْتَهَت
стр. 1751
اليه رياسة هَذَا الشَّأْن وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الاحباء والمريدون وَكَانَ يَأْكُل من طَعَامه كل يَوْم نَحْو وثلثمائة أَو يزِيدُونَ قَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن عَطاء الله الاسكوبى الْوَاعِظ بالسليمانية بقسطنطينية صحبته مُدَّة فأجازنى وَقَالَ يَا لي مُحَمَّد حفظنى الله لحفظ هَذِه الامانة الَّتِى أودعتك اياها فَبعد هَذَا سأموت قَالَ فَمَاتَ بعد ثَمَانِيَة أَيَّام فى أول جُمُعَة من شهر رَمَضَان سنة خمس بعد الالف وَله ثَمَان وَتسْعُونَ سنة قلت وَقد وقفت على تَرْجَمَة رجل شَارك هَذَا فى الِاسْم وَالنِّسْبَة والطريقة فَهُوَ مُحَمَّد القملى القادرى لَكِن شهرته بالشداد بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالتَّشْدِيد كَانَ سَاكِنا بجبل ثَوْر قَرِيبا من بَلْدَة تعز وَبنى بهَا زَاوِيَة ومسجدا على أَربع قباب يُقَال أَنه أَولا اجْتهد بالعبادات والرياضات والمجاهدات كالمشايخ السَّابِقين وَوصل الى مقاماتهم وحالاتهم وَصَارَ مرشدا كَامِلا مكملا فى الشَّرِيعَة والطريقة وَله أَصْحَاب وأحباب وَكَانَ يتعيش بالرفاهية والحضور مستغنيا عَن النَّاس وَمَا كَانَ لَهُ شئ من أَسبَاب الدُّنْيَا روى انه لما بنى مَسْجده أَولا على قبَّة وَاحِدَة وَكَانَ الامير حُسَيْن بن حسن باشا أَمِيرا بِبِلَاد تعز وَكَانَ لَهُ ولد شَاب حدث السن فَقيل لَهُ ان خَازِن أَبِيك يحب الشَّيْخ وَبعث اليه مَالا جزيلا من مَال أَبِيك بنى بِهِ الْمَسْجِد فَغَضب الامير وَأمر بهدم الْمَسْجِد فَذكرُوا ذَلِك للشَّيْخ فَسكت فَلَمَّا هدموه دخل الشَّيْخ الى دَاره ثمَّ خرج وفى يَده خرقَة فِيهَا خَمْسَة عشر دِينَارا وَقَالَ هَذَا الذى بعث بِهِ الى الخازن فَعلمت أَن الْحَال يكون على هَذَا المنوال فحفظتها فادفعوها الى الامير يبعثها الى أَبِيه فَمَاتَ الشَّاب بعد أَيَّام فَقَالُوا أَيهَا الشَّيْخ هَذَا شَاب لَا يعلم شَيْئا فَكيف تدعون عَلَيْهِ وَأَنْتُم أعلم بِهِ فَقَالَ مَا دَعونَا عَلَيْهِ وَلَا نحتاج الى الدُّعَاء وَلَكِن غيرَة الله بَاقِيَة فينتقم فى مثل هَذَا ان رجا صَاحبه أَو لم يرج وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته وذكرته لِئَلَّا يظنّ أَنه هُوَ الذى قبله وَالله أعلم
مُحَمَّد الوسيمى نِسْبَة الى وسيم قَرْيَة بالجيزة الشافعى رَأَيْت تَرْجَمته بِخَط صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله قَالَ فى وَصفه الشَّيْخ الْعَلامَة المعمر كَانَ من أجلاء الْعلمَاء العاملين فى الديار المصرية منعزلا فى بَيته عَن النَّاس مقتديا بقول من قَالَ وأجاد
(لِقَاء النَّاس لَيْسَ يُفِيد شَيْئا ... سوى الهذيان من قيل وَقَالَ)
(فأقلل من لِقَاء النَّاس إِلَّا ... لأخذ الْعلم أَو اصلاح حَال)
وَكَانَ يَقُول كل قرصك والزم خصك أَشَارَ بذلك الى القناعة وَالْعُزْلَة عَن النَّاس
стр. 1752
أَخذ عَن شيخ الاسلام القاضى زَكَرِيَّا ولازمه سِنِين وَأدْركَ الْحَافِظ ابْن حجر وَله عَنهُ رِوَايَات وبلغنى أَن شيخ الاسلام زَكَرِيَّا كَانَ يجله لذَلِك كعادته مَعَ كل من أدْرك الحافظة ابْن حجر وَنقل شَيخنَا الْعَلامَة الْحَافِظ الشَّمْس مُحَمَّد بن عَلَاء الدّين البابلى عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول فى شَأْن الْحَافِظ ابْن حجر الحَدِيث فنه وَالشعر طبعه وَالْفِقْه يتَكَلَّف فِيهِ روى عَنهُ النُّور الزيادى وَسَالم الشبشيرى والبرهان اللقانى والنور الاجهورى وَكثير وَكَانَ أَكثر قِرَاءَته فى منزله وَلَا يتْرك قِرَاءَة الحَدِيث صيفا وشتاء وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر جُمَادَى الاولى سنة سِتّ بعد الالف بِمصْر قلت نقلت هَذِه التَّرْجَمَة من خطّ صاحبنا الْمَذْكُور كَمَا وَجدتهَا وعَلى رِوَايَته عَن الْحَافِظ يكون عمر فَوق الْمِائَة وَالْخمسين سنة وَهَذَا غَرِيب جدا وَالله تَعَالَى أعلم
الاستاذ مُحَمَّد أَبُو الْفضل الوفائى الشاذلى المالكى المصرى شيخ السالكين وَرَأس الْعلمَاء العاملين وَاحِد سَادَات السادات الَّذين لَهُم بِمصْر مجد تقصر عَنهُ الغايات صَاحب النَّفس القدسية المفاض عَلَيْهِ الْعُلُوم اللدنية من بنى وفا من بَيتهمْ معمور ولواء فَضلهمْ على كَاهِل الدَّهْر منشور وَلَهُم مساع ومآثر ورثوها كَابِرًا عَن كَابر مَا مِنْهُم الا صَاحب ديوَان نَافِذ لى سَبِيل البلاغة بسُلْطَان وَله نظم ونثر فَمن نظمه قَوْله من قصيدة
(أَلا صَاحب كالسيف حُلْو شمائله ... يسائلنى عَن فتنتى وأسائله)
(يَدُور غرام بَيْننَا كلما انْقَضتْ ... أواخره عَادَتْ علينا أَوَائِله)
وَقَوله
(على وجنتيه جنَّة ذَات بهجة ... ترى لعيون النَّاس فِيهَا تزاحما)
(حمى ورد خديه حماة عذاره ... فيا حسن ريحَان العذار حماحما)
والحماحم نوع من الريحان مَعْرُوف لُغَة وَعرفا وَقَوله أَيْضا
(يَا من يُبَالغ فى سقية خَدّه ... مَاء الحيا ولذاك قيل مورد)
(فى خدك الراح الَّتِى بكؤسها ... أسكرت لحظك فَهُوَ فى يعربد)
(سدت الانام غَدَاة خدك أَبيض ... وَالْيَوْم خدك بالعذار مسود)
(تمنح العذار ملاحة بملاحة ... قلم بسعدك لَا يزَال يجود)
(قلب يمِيل الى حَدِيثك بل لَهُ ... فِيمَا يؤمل من وفائك مُسْند)
(عكفت على مغناك أَرْوَاح الْغِنَا ... فَلَانَتْ للطرب المحرك معبد)
стр. 1753
(فعلى محياك السَّلَام فديته ... بِالنَّفسِ بل بِالْعينِ فَهُوَ مُؤَكد)
(وعَلى فؤادى المستجير تَحِيَّة ... مَا طَار نَحْو ربى الرياض مغرد)
فِيهِ مَعَ التورية مُرَاعَاة النظير العديمة الشبيه والنظير لما فِيهِ من الْجمع بَين التبييض والتسويد الْمَعْرُوف بَين المصنفين وَكَذَا التجويد فان مَعْنَاهُ التحسين وَيُطلق فى الْعرف على حسن الْخط وفى عرف أهل الاداء تَحْسِين مخارج الْحُرُوف وهيآتها وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الاحد ثانى وعشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان بعد الالف وَهُوَ كهل رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالاضطرارى المغربى المالكى نزيل دمشق الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الْمَشْهُور الصيت فى الْولَايَة مُعْتَقد أهل الشَّام فى عصره قَالَ النَّجْم عِنْد مَا ذكره فى الذيل قطن بِدِمَشْق أَكثر من ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ يعرف علم التَّوْحِيد معرفَة تَامَّة الا أَنه كَانَ عاميا وَكَانَ يجْتَمع اليه الْعَوام بالجامع الاموى وَغَيرهم فَيَأْخُذُونَ عَنهُ علم التَّوْحِيد ويحدثهم بالحقائق وَكَانَ يجلس فى بيُوت القهوة كثيرا ويجتمع النَّاس حوله فِيهَا وَيَأْخُذُونَ عَنهُ وَكَانَ يظْهر من أَتْبَاعه أَشْيَاء مُنكرَة خُصُوصا انكار ايمان الْمُقَلّد ويرتبون على هَذَا أَن النَّاس كلهم مقلدون حَتَّى عُلَمَاء الظَّاهِر وَسُئِلَ عَنهُ الشَّيْخ على بن الشَّيْخ عمر العقبى الْعَارِف بِاللَّه بن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى فَقَالَ هُوَ ينظر باحدى عَيْنَيْهِ يُشِير الى أَنه يتَكَلَّم على الْحَقِيقَة وَلَا يعرف الشَّرِيعَة وَكَانَ لكثير من النَّاس فِيهِ كَبِير اعْتِقَاد وَكَانَت وَفَاته فى أواسط شهر رَمَضَان سنة عشر وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَقد عمر نَحْو ثَمَانِينَ سنة أَو أَزِيد ﵀
مُحَمَّد الكردى صَائِم الدَّهْر الشَّيْخ الْفَاضِل الصَّالح ذكره النَّجْم وَقَالَ كَانَ من جمَاعَة الاخ الشَّيْخ شهَاب الدّين الغزى وَقَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ قَرَأَ الْفِقْه بعده على جمَاعَة مِنْهُم شَيخنَا يُرِيد الشهَاب العيثاوى ولازمه كثيرا وَقَرَأَ على الشَّيْخ شمس الدّين الميدانى وَأكْثر قِرَاءَته للانوار وَكَانَ يلازم الْقِرَاءَة فى الْمُصحف وَكَانَ مجاورا بالجامع الاموى غير أَنه ينَام فى حجرَة بالتقوية وَكَانَت لَهُ وَسْوَسَة زَائِدَة فى الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَكَانَ متجردا من الزَّوْجَة حكى لى أَنه اقتات بِمَكَّة ثَلَاث لَيَال بِمَاء زَمْزَم قَالَ فَعرض على بعض النَّاس قِطْعَة خبز فَأَكَلتهَا فَذَهَبت عَنى تِلْكَ الخاصية وَحضر فى أَوَائِل أمره دروس شيخ الاسلام الْوَالِد وقطن بِدِمَشْق أَكثر من أَرْبَعِينَ سنة وَتوفى يَوْم الثلاثا سَابِع جُمَادَى الاولى سنة أَربع عشرَة بعد الالف
стр. 1754
وَدفن بتربة الدحداح خَارج بَاب الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد باشا البوسنوى أحد الوزراء الْعِظَام فى عهد السُّلْطَان أَحْمد وَهُوَ من أقَارِب أَحْمد باشا القرحة الْوَزير الاعظم الْمَشْهُور كَانَ فى ابْتِدَاء أمره من جمَاعَة الْحرم الْخَاص للسُّلْطَان ثمَّ صَار اميرا خور ثمَّ ضَابِط الْجند ثمَّ ولى الْحُكُومَة بِولَايَة اناطولى ثمَّ انْعمْ عَلَيْهِ برتبة الوزارة وَعين لمحافظة حد بِلَاد الاسلام فى نَاحيَة المجر وَلما توجه ياوز على باشا الْوَزير الاعظم الى محاربة المجر فى سنة ثَلَاث عشرَة بعد الالف أدْركهُ الاجل ببلغراد فوجهت الصدارة الْعُظْمَى لصَاحب التَّرْجَمَة وَعين لمحاربة قلعة اسْتُرْ غون فَسَار اليها وَلم يتَمَكَّن تِلْكَ السّنة من فتحهَا ثمَّ فى السّنة الثَّانِيَة وهى سنة أَربع عشرَة فتحهَا وَكَانَ فى السّنة السَّابِقَة وَقع محاربة بَين الشاه وَبَين العساكر السُّلْطَانِيَّة وَكَانَ ابْن جغال رَأس العساكر فَخَالف أمره فى التَّرَبُّص عَن الهجوم بعض الوزراء فَكَانَ ذَلِك سَببا لانكسار الْعَسْكَر السلطانى وَقتل الَّذين كَانُوا سَببا فى ذَلِك وَخَافَ ابْن جغال من وخامة هَذِه الكسرة فانحاز الى قلعة وان فأدركه الْمَوْت بهَا وَبلغ الْخَبَر الى السُّلْطَان فَأرْسل الى صَاحب التَّرْجَمَة يَقُول لَهُ أَن يضع محافظا فى بِلَاد روم ايلى وَيقدم للسَّفر الى الْعَجم فَوضع مُرَاد باشا محافظا وَقدم الى قسطنطينية ثمَّ تجهز الى السّفر ففى معبره الى اسكدار ابتلى بِمَرَض الفالج وأسرع اليه الْحمام فَمَاتَ فى خَامِس عشر الْمحرم سنة خمس عشرَة بعد الالف وَدفن فى تربة ى قَرِيبه الْوَزير القوجه بِأَيُّوب قلت وسيأتى ذكر السّفر الى الْعَجم فى تَرْجَمَة الْوَزير مُرَاد باشا ان شَاءَ الله تَعَالَى
الخوجه مُحَمَّد الباقى الهندى النقشبندى كَانَ قدس الله روحه وَنور ضريحه آيَة من آيَات الله سُبْحَانَهُ ونورا من أنواره وسرا من أسراره صَاحب علم ظَاهر وباطن وتصرفات كثير الصمت والتواضع والانكسار ذَا خلق حسن لَا يتَمَيَّز عَن النَّاس بشئ حَتَّى انه كَانَ يمْنَع أَصْحَابه من أَنه يقومُوا لتعظيمه وَأَن لَا يعاملوه الا كَمَا يُعَامل بَعضهم بَعْضًا وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ ولازمه وانتفع بِهِ الشَّيْخ الْكَبِير والقطب الاكمل الشهير الْعَارِف بِاللَّه الربانى تَاج الدّين الهندى النقشبندى العثمانى الْمُقدم ذكره رحم الله تَعَالَى روحه كتب الخوجه اليه كتابا وَكَانَ الخوجه فى لاهور وَالشَّيْخ تَاج الدّين فى سنبل فَلَمَّا أَتَاهُ كِتَابه عزم على زيارته فَلَمَّا وصل اليه توجه الى سلوك طَرِيق الاكابر النقشبندية فتم سلوكه قدس سره فى ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ أجَازه الخوجه
стр. 1755
بتربية المريدين وَهُوَ أول من أجَازه وَصَحبه عشر سِنِين وَكَانَت الصُّحْبَة بَينهمَا كصحبة شَخْصَيْنِ لَا يدرى أَيهمَا عاشق وَأيهمَا معشوق وَكَانَا يأكلان فى اناء وَاحِد ويرقدان على سَرِير وَاحِد ثمَّ ظَهرت لَهُ التَّصَرُّفَات الْعَظِيمَة فَصَارَ كل من يَقع نظره عَلَيْهِ أَو يدْخل فى حلقته يصل الى الْغَيْبَة والفناء وَلَو لم يكن لَهُ مُنَاسبَة وَكَانَ النَّاس مطروحين على بَابه كالسكارى وَبَعْضهمْ كَانَ ينْكَشف لَهُ فى أول الصُّحْبَة عَن عَالم الْملك والملكوت وكل هَذَا كَانَ من غَلَبَة الجذبات الالهية وَكَانَ مولده ومنشؤه فى نواحى كابل من بِلَاد الْعَجم الَّتِى تَحت يَد سُلْطَان الْهِنْد وَكَانَ جَاءَ الى الْهِنْد لامر من الامور الدُّنْيَوِيَّة فجذبته الجذبات الالهية فَترك الدُّنْيَا وأربابها وَدَار فى الطّلب عِنْد أَكثر الْمَشَايِخ فى وقته وَمضى عَلَيْهِ زمَان فى السياحة والاخذ على الْمَشَايِخ فى طرق شَتَّى حَتَّى حضرت لَهُ روح الشَّيْخ عبيد الله أَحْرَار قدس الله سره الْعَزِيز فَعلمه الطَّرِيقَة النقشبندية وَتمّ امْرَهْ ثمَّ ذهب الى بِلَاد الْعَجم لاخذ الاجازة من الشُّيُوخ ثمَّ رَجَعَ الى الْهِنْد وتوطن مَدِينَة دهلى وَظَهَرت مِنْهُ الامور العجيبة وانتفع بِهِ خلق كثير فى مُدَّة قَليلَة وَمَا انتشرت هَذِه السلسلة الْمُبَارَكَة فى الْهِنْد الا مِنْهُ رضى الله عَنهُ وَمَا كَانَ أحد يعرفهَا مِنْهُم قبله وَكَانَت وَفَاته يَوْم الاربعا رَابِع وعشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع عشرَة بعد الالف بِمَدِينَة دهلى جهان آباد من بِلَاد الْهِنْد وَله أَرْبَعُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وقبره بهَا على غربيها عِنْد أثر قدم النبى
يزار ويتبرك بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد الشهير بالمشهدى الرومى نريل دمشق الشَّيْخ الصَّالح الصَّامِت وانما سمى المشهدى لانه كَانَ محاور بالمشهد الشرقى البرانى من جَامع بنى أُميَّة الْمَعْرُوف بمشهد زين العابدين قَدِيما والآن بمشهد الْمحيا وَكَانَ لَهُ فى جواره حجرَة ينَام فِيهَا وَيُقِيم وَأكْثر اقامته فى نفس المشهد معتكفا صحب الشهَاب الغزى وَكَانَ كل مِنْهُمَا يعْتَقد ولَايَة الآخر وَكَانَ للنَّاس فِيهِ مزِيد اعْتِقَاد يتَرَدَّد اليه أكَابِر الدولة وَهُوَ لَا يتَرَدَّد اليهم وَمَعَ ذَلِك منجمع عَنْهُم غير مستشرف الى شئ مِنْهُم أَقَامَ بِدِمَشْق نَحْو خمسين سنة كَانَ مِنْهَا نَحْو ثَلَاثِينَ سنة متجردا ثمَّ تزوج فولد لَهُ بنُون وماتوا فى حَيَاته بعد مَا برع وَاحِد مِنْهُم ثمَّ مَاتَت أمّهم فَتزَوج ثَانِيًا وَكَانَ وقورا مهيبا مَعَ حسن خلقه وبشاشته وَله ذوق فى فهم كَلَام الصُّوفِيَّة وَكَانَ اذا خرج من الْحمام يصب على رَأسه المَاء الْبَارِد وَيَقُول انه يحفظ صِحَة الدِّمَاغ وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت سلخ رَجَب
следующие страницы →