Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
والخيول والامتعة والاملاك مَالا يُمكن وَصفه وَملك كثيرا من المماليك والجوارى وسافر الى روان لما سَافر اليها السُّلْطَان مُرَاد وَأهْدى الى كبراء الدولة الْهَدَايَا الْعَظِيمَة واشتهر عِنْد أَرْكَان الدولة وسافر الى بَغْدَاد أَيْضا عَام فتحهَا ثمَّ اسْتَقر بِدِمَشْق وَصَارَ ركنها الركني وَحج مرّة فى صُحْبَة عَمه الرئيس حسن بن الناشف أحد الْكتاب بِدِمَشْق ثمَّ حج ثَانِيًا فى سنة سبع وَخمسين ثمَّ صَار كتخدا الدفتر وَهُوَ رَأس أَرْبَاب التيمارات وعزل بعد قَلِيل وَأُصِيب بِولد كَانَ أكبر أَوْلَاده ثمَّ بعد مَوته بيومين مَاتَ لَهُ ولدان فى يَوْم وَاحِد وَصلى عَلَيْهِمَا مَعًا ثمَّ تَبِعَهُمْ من المماليك وَالْعَبِيد والجوارى والخدم مَا يُقَارب الْخمسين وبقى لَهُ ولد كَانَ ثانى أَوْلَاده وَكَانَ اسْمه أَحْمد وَكَانَ تقيا نزيها محبا للصالحين مواظبا على الصَّلَوَات فى اوقاتها مَعَ الصّيام وَالْقِيَام ولين الْجَانِب ثمَّ أَمر المترجم بعمارة قلعة تَبُوك فتعلل أَولا ثمَّ امْر ثَانِيًا فاسرع فى الذّهاب وَأخذ مَعَه جمَاعَة من الْعَسْكَر الشامى وشرذمة من البنائين وعمرها عمَارَة متقنة وَعَاد الى دمشق وَكَانَت عمارتها فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَلما جَاءَ ختم الوزارة الْعُظْمَى للوزير أبشير بحلب توجه اليه مَعَ جمَاعَة من أَعْيَان دمشق وَكَانَ بَينه وَبَينه مَوَدَّة سالفة أَيَّام حكومته بِدِمَشْق فصادف مِنْهُ اكراما وَصَحبه مَعَه الى قسطنيطينية ثمَّ جعل لَهُ رُتْبَة حُكُومَة روم ايلى وايا صوفيه فَقدم الى دمشق باسلوب غَرِيب وطور عَجِيب وَفرغ من خدمَة التذاكر لِابْنِهِ أَحْمد الْمَذْكُور آنِفا ثمَّ صَار دفتريا بِالشَّام سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ المنصب الْمَذْكُور مبدأ انحطاطه بِقدر صُعُوده فَلَمَّا جَاءَ ختم الوزارة لمُحَمد باشا بوينى اكرى اى اعوج الرَّقَبَة وَهُوَ بِدِمَشْق محافظ لَهَا أهانه اهانة كُلية ثمَّ فوض اليه أَحْمد باشا ابْن مصطفى باشا الشهير بِابْن الطيار لماصار نَائِب الشَّام امْر الْحُكُومَة قبل قدومه اليها فَلَمَّا ورد اهانه بابلغ مِمَّا اهانه بِهِ الْوَزير وزجر وَلَده أَحْمد زَجْرَة اثرت فِيهِ فَكَانَت سَبَب مَوته فَتوجه صُحْبَة ابْن الطيار الى السّفر مَعَ جملَة الْعَسْكَر فتوفى فى الطَّرِيق وَلما وصل خبر مَوته الى وَالِده حزن كثيرا حَتَّى اداه حزنه عَلَيْهِ الى مرض طَالَتْ مدَّته وكابد عللا شَتَّى وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ صَدرا رَئِيسا حسن الْملقى متوددا لكنه مغرور باقبال الدُّنْيَا وَقد مدح كثيرا وَأثْنى عَلَيْهِ لاقباله على الادباء وَكَثْرَة تقربهم اليه وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سبع والف وَتوفى فى عَاشر صفر سنة ارْبَعْ وَسبعين والف وَدفن بمدفن عَمه بِالْقربِ من دَارهم بمحلة قصر حجاج رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 1682
السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد بن سليم بن سلمَان بن سليم بن بايزيد بن مُحَمَّد الْملك الاعظم الباهر الشَّأْن كَانَ سُلْطَانا عَظِيم الْقدر مهيبا جوادا عالى الهمة مظفرا فى وقائعه وقورا اريبا وجيها مهيبا صَالحا عابدا ساعيا فى اقامة الشعائر الدِّينِيَّة مراعيا كأحكام الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة مُطيعًا لاوامر الله منقاد لما بِقرب اليه مداوما للْجَمَاعَة فى الاوقات الْخمس قَائِما بالسنن والرواتب وَمن عَادَته المرضية انه كَانَ اذا ذكر النبى
نَهَضَ قَائِما وَبِالْجُمْلَةِ فاوصافه كلهَا حَسَنَة فائقة وَكَانَ على عَادَة أجداده الْكِرَام رُبمَا نظم الشّعْر وَكَانَ يتَخَلَّص على عَادَة شعراء الرّوم بعدلى ذكر مبدا أمره انه لما بلغ من الْعُمر سِتّ عشرَة سنة صنع لَهُ أَبوهُ الْخِتَان الذى طَنَّتْ حَصَاة خَبره فى الْآفَاق وَلم يتَّفق لَاحَدَّ من ابناء الْمُلُوك مثله على الاطلاق وسأذكر تفصله فى تَرْجَمَة وَالِده واشير من خَبره الى طريفه وتالده ثمَّ فى ثانى سنة من ختانه وهى سنة احدى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة خلع عَلَيْهِ ابوه خلعة الامارة وقلده بِلَاد قَاعِدَة الْملك صَار وخان ومدينتها الْعُظْمَى مغنيسا فَتوجه اليها ثانى ذى الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وَاسْتمرّ بهَا الى ان اندرج ابوه الى عَفْو الله وغفرانه يَوْم الاربعاء سادس جُمَادَى الاولى سنة ثَلَاث بعد الالف فارسل اليه بالْخبر وأخفى موت وَالِده عشرَة ايام حَتَّى وصل فَجَلَسَ على التخب يَوْم الْجُمُعَة سادس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وَقيل فى تَارِيخه الذى تسلطن فِيهِ
(قد مهد الله الْبِلَاد ... بِحكم سُلْطَان نبيل)
(والكون نَادَى منشدا ... تَارِيخه ظلّ ظَلِيل)
قَالَ الْمولى عبد الْكَرِيم المنشى لما تلالات انوار السلطنة المحمدية من سريرها وأصبحت الدُّنْيَا بِتِلْكَ الانوار مشرقة بحذافيرها بَدَأَ أحسن الله مبداه وختامه واغمد فى قرَاب الظَّالِمين حسامه بقتل ابراهيم باشا من عَم الْعَالم ظلمه وَفَشَا قلت وابراهيم هَذَا تقدّمت تَرْجَمته وَذكرت هُنَاكَ تَتِمَّة مَا ذكره المنشى هُنَا ثمَّ صير راس المقربي اليه وَهُوَ لَا لَا مُحَمَّد باشا وسيأتى ذكره مُنْفَردا بترجمة وَزِير اوفر هاد باشا صدر الوزراء وَكَانَ قَائِما مقَام الْوَزير وعينه سردار اعلى العساكر لقِتَال ميخال حَاكم بِلَاد الافلاق من قبل السلطنة العثمانية وَكَانَ خرج عَن الطَّاعَة وَجمع جموعا من الْكفَّار الارجاس وتمرد وعاث فى بِلَاد روم ايلى فوصل اليها فرهاد باشا وجرد عزمه لمقاتلته وَكَانَ بعض المقربين بَين الى السُّلْطَان حسن لَهُ عَزله وتولية
стр. 1683
سِنَان باشا الْمَشْهُور الوزارة فَفعل وعينه للسَّفر مَكَانَهُ فوصل سِنَان باشا الى الْعَسْكَر وَبلغ ميخال عزل فرهاد باشا وَكَانَ ألْقى رعبه فى قلبه ففرح بعزله وقوى جاشه وقابل الْعَسْكَر فَظهر بعض الظُّهُور وَزَاد فى عتوه بعد ذَلِك وارسل السُّلْطَان لمحاربته عَسَاكِر مَرَّات فَلم يظفروا مِنْهُ بِمُرَاد ثمَّ عزل السُّلْطَان سِنَان باشا وَولى لَا لَا مُحَمَّد باشا الصدارة فى منتصف شهر بيع الاول سنة ارْبَعْ بعد الالف فَمَاتَ بعد عشرَة أَيَّام من تَوليته بِمَرَض الاكلة فأعيد سِنَان باشا وبهذه الْمرة تمّ لَهُ خمس مَرَّات ثَلَاثَة فى عهد السُّلْطَان مُرَاد وثنتان فى عهد السُّلْطَان مُحَمَّد فَفتح حَرْب الانكروس الْمَشْهُور وَشرع فى تهيئة لوازمه وَمهما والزم السُّلْطَان بَان يُسَافر بِنَفسِهِ فادركه الاجل فى شعْبَان من هَذِه السّنة قبل ان يُسَافر فولى الوزارة ابراهيم باشا الْوَزير الثانى وَكَانَ السُّلْطَان صمم على السّفر فَخرج من دَار خِلَافَته فته فى شَوَّال سنة ارْبَعْ بعد الالف وَوصل الى قلعة فى غَايَة المنعة والتحصين فنازلها بجُنُوده واطلق أمره فى ضربهَا بالمكاحل فَاشْتَدَّ الْبلَاء بِمن فِيهَا فحرجوا مِنْهَا طائعين وسلموها فى أَوَاخِر صفر سنة خمس والف وَوصل خبر اخذها الى ملك الانكروس فَقَامَ وَقعد وأرغى وأزبد لانها كَانَت عِنْدهم من القلاع الْمُعْتَبرَة فكاتب مُلُوك النَّصَارَى يطْلب الامداد مِنْهُم بالعساكر والذخائر فَاجْتمع اليه ملك النمجه وَملك الفرنج وحاكم الاردل وحاكم البغدان وحاكم الافلاق وسواكن الجزائر من حكام الْبَحْر فجاؤا الى امداده بسبعة جيوش يضيق عَنْهَا الفضاء وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد سَار بعسكره بعد فتح اكرى كل جَانب واحاطوا بِهِ وَكَانَ عَسْكَر الاسلام حِينَئِذٍ غير مستعد وَالنَّصَارَى فى غَايَة الْكَثْرَة جدا بِحَيْثُ ان جمعهم المخذول لَا يُحْصى وَكَانَ يَوْم دهمتهم يَوْم الْخَمِيس ثانى شهر ربيع الاولى من السّنة وَوَقع حَرْب عَظِيم فى ذَلِك الْيَوْم كُله الى ان دخل اللَّيْل فَتَفَرَّقُوا واصبحوا يَوْم الْجُمُعَة متحاربين أَيْضا واستعدت النَّصَارَى ازيد من الْيَوْم الاول فَكَانُوا غرقى فى الفولاذ ثمَّ هجموا دفْعَة وَاحِدَة على الْمُسلمين وفرقوهم بددا ووصلوا الى مخيم السُّلْطَان فَطلب السُّلْطَان اليه معلمه الخوجه سعد الدّين وَكَانَ فى صحبته فَحَضَرَ بَين يَدَيْهِ وَجعل يُثبتهُ وَالسُّلْطَان يستنهض عساكره الْخَاصَّة بِهِ من سلا حداريه وبلطجيه ويستغيث بِاللَّه فَلم يكن باسرع من أَن قوى الْمُسلمُونَ وادكهم بعض المنهزمين ففرقوا شَمل النَّصَارَى وأبادوهم ودخلوا بَينهم والتحم الْقِتَال
стр. 1684
وتراجع جَمِيع الْعَسْكَر مسعفين فكسروا النَّصَارَى وردوهم على اعقابهم وَوَقع السَّيْف فيهم وهم فارون حَتَّى قتل بَعضهم بَعْضًا من الزحام وَغَيره ووهب الله تَعَالَى لَهُ النَّصْر والتأييد وَلم يسلم اُحْدُ من الْكفَّار الا من هرب وغنم السُّلْطَان وَمن مَعَه غنيمَة عَظِيمَة واكثر ذَلِك كَانَ على يَد الْوَزير سِنَان باشا ابْن جغال والوزير حسن باشا ابْن مُحَمَّد باشا وأحصيت قَتْلَى الْمُسلمين فَكَانَ الذى اسْتشْهد من القواد مَا يقرب من اربعمائة وَمن اصحاب الالوية الْمعبر عَنْهُم فى اصْطِلَاح الرّوم بالصناجق بضعَة عشر رجلا وَمن الامراء الكبراء اربعة انفار وَمن العساكر مَا بَين فَارس وراجل مَا لَا يُحْصى وَوَافَقَ بعد الظفران السُّلْطَان قتل من عسكره الفارين جمَاعَة كثيرين وَقبض على باقيهم وحقرهم غَايَة التحقير فى مُنْصَرفه وعاقب بعض من فر بِقطع علوفته وَضبط ملكه وَمَاله لجِهَة بَيت المَال وَالْحَاصِل ان مَا وَقع لَهُ من هَذِه النُّصْرَة لم يَقع لَاحَدَّ من مُلُوك آل عُثْمَان وَذَلِكَ انما هُوَ بمحض لطف الهى وامداد ربانى غير متناه وَلَقَد حكى كثير من السياح ان مُلُوك الفرنج تطلق على هَذَا السُّلْطَان صَاحب الْقرَان وَهَذَا الْوَصْف انما هُوَ لمن بلغ فى الشجَاعَة الْمرتبَة الَّتِى لَا تسامى وانهم على عَادَتهم يصورون مُلُوك آل عُثْمَان فيقدمون هَذَا فى التَّصْوِير على كل الْمُلُوك وَذَلِكَ كُله بِسَبَب هَذِه النُّصْرَة الَّتِى رزقها وَحكى ابْن نوعى فى ذيل الشقائق عَن أَبِيه قَالَ بَيْنَمَا النَّاس فى ترقب أَمر النُّصْرَة للسُّلْطَان اذ هُوَ بشرنى بِهَذِهِ المبشرة الغيبية وَذَلِكَ انه رأى فى مَنَامه انه دخل مَجْلِسا فِيهِ النبى
واصحابه فَسمع اصحاب النبى
يتذاكرون أَمر هَذِه الْغَزْوَة ووقائعها ويحكون مَا جرياتها على التَّرْتِيب أمرا بعد أَمر قَالَ ثمَّ سَمِعت حَضْرَة الصّديق الاكبر رضى الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول ان انهزام الْمُسلمين كَانَ مقررا لَكِن لما كَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد أكْرمه الله تَعَالَى فأمده بملائكة النَّصْر حَتَّى حصل لَهُ الظفر والتأييد ثمَّ فى ثانى يَوْم من النُّصْرَة عزل الْوَزير الاعظم ابراهيم باشا وصير سِنَان باشا ابْن جغال مَكَانَهُ وَكَذَلِكَ فعل فى خَان التاتارغازى كراى خَان فانه عَزله وَأمره بالتوجه الى دَار السلطنة وصير أَخَاهُ فتح كراى خَانا وَعين حسن باشا ابْن مُحَمَّد باشا الْمُحَافظَة بلغراد ثمَّ أَمر الْعَسْكَر بالرحيل الى جَانب دَار الْملك ورحل بهم فَلَمَّا وصل الى قرب ادرنه عزل ابْن جغال واعاد ابراهيم باشا وَذَلِكَ بعد خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا من تَوليته وَكَذَلِكَ فعل بِفَتْح كراى الا أَنه قَتله
стр. 1685
وَأعَاد غازى كراى الى مَكَانَهُ وَدخل الى مقرّ ملكه فى ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَألف بموكب حافل وَاسْتقر وفى أَوَاخِر شَوَّال من هَذِه السّنة عين حسن باشا لمحافظة نهر الطونه عوضا عَن بلغراد وَعين مُحَمَّد باشا الساطور جى سردارا على بِلَاد الانكروس فتقابل مَعَ الْكفَّار وَوَقع بَينهم قتال وَوَقع من محافظ بوسنه حسن باشا الترباقى اهمال فى مساعفته ولولاه مَا خلص مِنْهُم أحد وبقى الى سنة سبع سردارا وفيهَا فتح قلعة واردار وفى شهر ربيع الاول فى سنة سِتّ عزل ابراهيم باشا بِسَبَب انه كَانَ السَّبَب فى قتل فتح كراى بعد سبق اعانته الْعَسْكَر فى السّفر وَولى حسن باشا الْخَادِم الوزارة وفى ثانى شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة حَبسه فى يدى قله ثمَّ قَتله بعد ثَمَانِيَة أَيَّام وَصَارَ مُحَمَّد باشا الْجراح وزيرا وفى اثناء ذَلِك استولت الْكفَّار على قلعة يانق وَبَعض قلاع وفى تَاسِع شَوَّال صَار ابْن جغال حَاكم الْبَحْر وفيهَا ولى حسن باشا ابْن مُحَمَّد باشا مُحَافظَة بَغْدَاد وارسل أَحْمد باشا الْحَافِظ الطواشى لمحافظة طونه وفى أَوَائِل سنة سبع كبس ميخال اللعين على غَفلَة قرب نيكبولى ففر الْحَافِظ مُنْهَزِمًا فحاصر اللعين قلعة نيكبولى مُدَّة ثمَّ رَحل عَنْهَا وفى ثانى عشر ربيع الاول مها عين مَحْمُود باشا الشهير بكوز لجه سردارا على الْعَسْكَر بِبِلَاد روم ايلى وفى جُمَادَى الْآخِرَة عزل الْجراح بتقاعد وَجه اليه وَأعَاد ابراهيم باشا وبهذه تمّ لَهُ ثَلَاث مَرَّات وفى عشرى شَوَّال عينه سردارا على بِلَاد الانكروس فوصل الى بلغراد وَأقَام بهَا مستنظرا قدوم مُحَمَّد باشا الساطورجى وَكَانَ غضب عَلَيْهِ السُّلْطَان لاهماله فى أَمر الْمُحَاربَة واتعابه الْعَسْكَر واسرافه فى المصارف وانتزاع يانق فى زَمَانه واقتلاع بعض قلاع فارسل اليه ضَابِط الْجند الطرفجى فَقتله فى ذى الْحجَّة وفى هَذِه السّنة تحركت الطغاة فى بِلَاد اناطولى لخلوها من العساكر واشتغالهم بمحاربة الْكفَّار فَخرج عبد الْحَلِيم البازجى الْمُقدم ذكره حُسَيْن باشا حَاكم الْحَبَشَة ثمَّ تبعهما حسن أَخُو عبد الْحَلِيم وَقد ذكرنَا تَفْصِيل أَحْوَالهم فى تَرْجَمَة عبد الْحَلِيم فَلَا تطيل باعادتها وفى سنة ثَمَان هلك ميخال اللعين وفيهَا قتل الْوَزير جَعْفَر باشا محافظ تبريزا كدره خَان من امراء الجرج وَبعث بِرَأْسِهِ وبابن لَهُ فحبس ابْنه فى يدى قله ثمَّ أسلم فاطلق وسمى مُحَمَّدًا وفيهَا هدم مَحْمُود باشا قلعة يركوك وَقدم الى دَار السلطنة وفى رَجَب مِنْهَا وصل خبر موت جَعْفَر باشا محافظ تبريز وفى غرى شعْبَان صَار حسن باشا اليمشجى قَائِما مقَام الْوَزير وفى شَوَّال رفعت امانة الْخمر
стр. 1686
وَنهى عَنْهَا وفى هَذِه السّنة فتحت قلعة قاينسره وَكَانَ فتحهَا على يَد الْوَزير الاعظم ابراهيم باشا وَكَانَ فتحا عَظِيما يعادل فتح اكرى وسربها الْمُسلمُونَ وزينت الْبِلَاد لهَذَا الْفَتْح ثَلَاثَة أَيَّام وَكَانَ فى أَيَّام محاصرتها وَقع اضْطِرَاب عَظِيم فَرَأى بعض الصلحاء فى منامة شيخ الاسلام صنع الله بن جَعْفَر وَهُوَ يَأْمُرهُ بِقِرَاءَة هَذَا الدُّعَاء وَهُوَ اللَّهُمَّ قو قُلُوب الْمُؤمنِينَ بِقُوَّة الْكِرَام البرره وألق الرعب فى قُلُوب الْكَفَرَة الفجره فشاع هَذَا الدُّعَاء وداوم على قِرَاءَته النَّاس فَظهر أَثَره وَللَّه الْحَمد وفى عَاشُورَاء محرم سنة عشر ورد خبر وَفَاة الْوَزير الاعظم ابراهيم باشا فصير حسن باشا اليمشجى مَكَانَهُ وسافر على وَجه السرعة الى بلغراد وَصَارَ خَلِيل باشا قَائِما مقَامه وفى هَذِه السّنة استولت النَّصَارَى على استون بلغراد وَكَثُرت الجلالية والزرب بدار السلطنة وبالغوا فى التعدى والشقاوة فَاجْتمع الْعلمَاء وذهبوا الى خَلِيل باشا الْقَائِم مقَام وَأَقَامُوا النكير عَلَيْهِ وذكروه مَا يَفْعَله الْقَوْم من خرق حُرْمَة الشَّرْع فَعرض مَا قَالُوهُ على السُّلْطَان فَكَانَ جَوَابه لكل شئ وَقت وزمان وفى أَوَائِل ذى الْقعدَة عزل خَلِيل باشا وصيرحسن باشا الساعتجى مَكَانَهُ وفى أَوَائِل جُمَادَى الاولى من سنة احدى عشرَة قتل عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بصارى عبد الرَّحْمَن مدرس مدرسة بهْرَام لم كتخدا وَقد ثَبت انه ملحد زنديق وفى عشرى رَجَب اجْتمع الْعَسْكَر وطلبوا عزل الساعتجى فعزل وصير مَكَانَهُ مَحْمُود باشا وَفِيه اجْتمع السباهية وطلبوا ان يَتَرَتَّب السطلان ديوانا يحضر فِيهِ اعيان الْعلمَاء ليعرضوا على السُّلْطَان بعض أُمُور بالمشافعهة فَجمع السُّلْطَان اليه الْمُفْتى صنع الله والقائم مقَام وقاضى الْعَسْكَر وَنَحْو ثَلَاثِينَ مدرسا وعالما ثمَّ دخل من السباهية حُسَيْن خَليفَة وبويراز عُثْمَان وَكَاتب حزى وَذكروا ان رُؤْس العساكر خلت مِنْهُم بلاداناطولى فَكَانَ ذَلِك سَببا لاتصال الطغاة بِهَذِهِ الْبِلَاد وَمَا ذَاك الا من اهمال وكلاء الدولة ومسامحة المقربين للسلطنة فَظن السُّلْطَان انهم يعنون الساعتجى والطرنقجى فَأمر باحضارهما فاظهر الْقَوْم براة ذمتهما وأحالوا الامر على غضنفر اغا حَافظ البابا السلطانى وَعُثْمَان أغا ضَابِط الْحرم فَأمر السُّلْطَان بِقَتْلِهِمَا فقتلا وفى هَذِه السّنة اسْتردَّ اليه شجى قلعة استونلى بلغراد وَقدم الى مقرّ الْملك فَلَمَّا وصل الى قريب من قسطنطينية أعمل عَلَيْهِ مَحْمُود باشا حِيلَة أدَّت الى تَحْرِيك الاشقياء وطغيانهم وَذَلِكَ انه استفتى الْمُفْتى فِيهِ بِنِسْبَة التَّقْصِير فى أَمر الْمُسلمين وَسُوء التَّدْبِير فى أَمر الْحَرْب
стр. 1687
واعطى الْفتيا للسباهية فَبلغ الْوَزير الْخَبَر فاسرع فى الدُّخُول الى دَاره وفى ثانى يَوْم اجْتمع اليه الْعَسْكَر واختفى الْمُفْتى صنع الله ومحمود باشا وَوجد فى مَجْلِسه أَبُو الميامن فوجهت اليه مشيخة الاسلام ثمَّ اقْتضى الرأى ان يُوَجه ضَابِط الْجند الى السباهية وَكَانُوا مُجْتَمعين بآت ميدان فهجم عَلَيْهِم وَفرق جمعهم ثمَّ استحضر مِنْهُم بويراز عُثْمَان واكوز مَحْمُود ودبه كور رضوَان بعد تفتيش بليغ فَقتلُوا فى حَضْرَة السُّلْطَان وفى أَوَاخِر ذى الْحجَّة سنة احدى عشرَة بلغ السُّلْطَان عَن وَلَده مَحْمُود وَهُوَ اكبر أَوْلَاده بعض امور تتَعَلَّق بِالْملكِ فَأحْضرهُ وَقَالَ لَهُ مَالك تدخل فى امور الْملك فَأَجَابَهُ بِجَوَاب مَا أرضاه فَضَربهُ بخنجر فَقتله وَكَانَ عمره نَحْو ثَمَان عشرَة سنة ثمَّ نَدم على ذَلِك النَّدَم الكلى وفى سنة اثنتى عشرَة عين الْوَزير اليمشجى وزراء كثيرين وأمراء للمحافظة وتلافى أَمر الطغاة بِالصُّلْحِ وانتقم من اعدائه وَظهر لَهُ انه اسْتَقل بِأَمْر الْملك فتمرد وأجحف وَكثر شاكو ظلمه وفساده فَعَزله السُّلْطَان فى سلخ ربيع الآخر وصيرياوز على باشا مَكَانَهُ وَمُحَمّد باشا الْجراح قَائِما مقَام الْوَزير وفى هَذَا الاثناء أعْطى ضَابِط الْجند قَاسم باشا رُتْبَة الوزارة وفى أَوَائِل جُمَادَى الاولى طلب الْجند اعادة اليمشجى الى الوزارة فَغَضب السُّلْطَان من جراءتهم فى الطّلب فَأرْسل الى اليمشجى من قَتله وَكَانَ ببستانه الْمَعْرُوف فى قَصَبَة سوليجيه وفى خَامِس عشرى جُمَادَى الْآخِرَة عزل الْجراح لمَرض كَانَ اعتراه وصير مَكَانَهُ قَاسم باشا وفى سلخ هَذَا الشَّهْر ورد من محافظ بحجوان أَمِير باشا كتاب يذكر فِيهِ ان شاه الْعَجم نقض عقد الصُّلْح واستأسر محافظ تبريز واضطرب أَمر الْمُسلمين فضمت تبريز الى وان واعتبرا وزارة ووجهتا لكافل حلب نصوح باشا مَعَ ضم السردارية وفى ذَلِك الاثناء ورد من حسن باشا الساعتجى كتاب يذكر فِيهِ ان الامر مُقْتَض لعسكر يُرْسل الى تبريز فعين السُّلْطَان عسكرا جرارا وَأَرْدَفَ بهم نصوح باشا الى هُنَا انْتَهَت الوقائع الصادرة فى زمن السُّلْطَان مُحَمَّد وَقد ذكرنَا تتمثها فى تَرْجَمَة ابْنه السُّلْطَان أَحْمد وَكَانَت وِلَادَته فى اللَّيْلَة السَّابِعَة من ذى الْقعدَة سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى يَوْم الاحد سَابِع عشر رَجَب سنة اثنتى عشرَة بعد الالف وَحكى ابْن نوعى انه وَقع لَهُ فى ثانى عشرى جُمَادَى الاولى وَكَانَ مُتَوَجها الى دَار سعادته فَاسْتَقْبلهُ شخص مجذوب وَقَالَ لَهُ أَيهَا الْملك انه يحدث بعد سِتّ وَخمسين يَوْمًا حَادِثَة عَظِيمَة فَلَا تسكن غافلا عَنْهَا فاذا هى مَوته وَمِمَّا نقل عَنهُ انه قبل وَفَاته بِثَلَاثَة أَيَّام جمع اليه سَائِر الوزراء والمفتى
стр. 1688
وقضاة الْعَسْكَر وَسَائِر اركان الدولة وعهد بمحضرهم لوَلَده السطان أَحْمد بِالْملكِ ثمَّ أحضرهُ واوصاه بِأَن تكون جدته وهى وَالِدَة صَاحب التَّرْجَمَة فى السراى العتيقة وان لَا يقبل فِيهَا قولا وَبِأَن لَا يقتل أَخَاهُ السُّلْطَان مصطفى وَلَا يَجْعَل وزيره الاعلى باشا صَاحب مصر ثمَّ أَمرهم بالانصراف فَلَمَّا توفى اجْتمع أهل السراى وَأَرْسلُوا الى قَاسم باشا قَائِم مقَام الْوَزير والمفتى وَضَابِط الْجند فَلَمَّا اجْتَمعُوا بالسراى خرج عَلَيْهِم السُّلْطَان أَحْمد وأعلمهم بِمَوْت وَالِده فقبلوا يَده ودعوا لَهُ ثمَّ جهز السُّلْطَان مُحَمَّد وَحضر للصَّلَاة عَلَيْهِ الْعلمَاء والوزراء وَتقدم شيخ الاسلام أَبُو الميامن مصطفى فصلى عَلَيْهِ وَدفن مِمَّا يلى تربة السُّلْطَان سليم وَكَانَت مُدَّة عمره تِسْعَة وَثَلَاثِينَ سنة وَمُدَّة سلطنته تسع سِنِين وشهرين وَمن الطف مَا قيل فى تَارِيخ وَفَاته قَول بعض الْفُضَلَاء مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد ابْن مُرَاد ثمَّ قَالَ فى تَارِيخ تَوْلِيَة وَالِده وَهُوَ التَّارِيخ بِعَيْنِه وتسلطن السُّلْطَان أَحْمد على الْعباد وَأَوْلَاده أَرْبَعَة وهم السُّلْطَان سليم توفى فى ثَالِث عشرى شهر رَمَضَان سنة خمس بعد الالف وَالسُّلْطَان مَحْمُود قَتله فى سَابِع عشرى ذى الْحجَّة سنة عشر وَالسُّلْطَان أَحْمد وَالسُّلْطَان مصطفى وسيأتى ذكره بترجمة مُسْتَقلَّة ان شَاءَ الله تَعَالَى ومعلموه الَّذين قَرَأَ عَلَيْهِم وهم الْمولى جَعْفَر مَاتَ فى أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَالْمولى حيدر مَاتَ فى شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَالْمولى عزمى مَاتَ فى رَجَب سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وَالْمولى نوال مَاتَ فى جُمَادَى سنة ثَلَاثِينَ وَألف وزراؤه الْعِظَام تِسْعَة وهم سِنَان باشا وفرهاد باشا وَلَا مُحَمَّد باشا وابراهيم باشا وَسنَان باشا ابْن جغال وَحسن باشا الْخَادِم وَمُحَمّد باشا الْجراح وَحسن باشا اليمشجى وياوز على باشا ومشايخ الاسلام خَمْسَة وهم الْمولى مُحَمَّد بن بُسْتَان وساذكره بعده وَالْمولى سعد الدّين مُحَمَّد بن حسن جَان وَالْمولى صنع الله بن جَعْفَر وَالْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين وَالْمولى ابو الميامن وصدور الْعلمَاء فى قطر روم ايلى تِسْعَة وهم الْمولى صنع الله وَالْمولى عبد الباقى الشَّاعِر وَالْمولى مصطفى بن بُسْتَان وَالْمولى على بن سِنَان وَالْمولى مُحَمَّد الداماد وَالْمولى قوشجى وَالْمولى مصطفى بن أَبى السُّعُود وَالْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين وَالْمولى عبد الْحَلِيم أخى زَاده وصدوراناطولى اثْنَا عشر وهم الْمولى على بن سِنَان وَالْمولى مصطفى بن أَبى السُّعُود وَالْمولى مصطفى بن بُسْتَان وَالْمولى مُحَمَّد الداماد وَالْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين وَالْمولى قوشيجى وَالْمولى عبد الْحَلِيم أخى زَاده وَالْمولى شمس بن الخوجه عَطاء الله
стр. 1689
وَالْمولى اِسْعَدْ بن الخوجه سعد الدّين وَالْمولى أَبُو الميامن وَالْمولى مصطفى الشهير بكتخدا وَالْمولى كَمَال الدّين مُحَمَّد بن طاشكبرى وَهَذَا الصَّنِيع لِابْنِ نوعى حاكيه فِيهِ وَالله أعلم
مُحَمَّد بن مصطفى الْمَعْرُوف أَبوهُ ببستان الرومى مفتى الدولة العثمانية وَرَئِيس علمائها وعالمها الْمَشْهُور الذى طَنَّتْ حَصَاة فَضله فى الْخَافِقين وذاعت معاليه فى المغربين والمشرقين ذكره الاديب المنشى فَقَالَ فى وَصفه نَشأ فى رياض فضل ناضره وَعين الْعِنَايَة اليه ناظره وربى فى مهد الْعِزّ ووالده يتعهده بِحسن اجماله ويتفقده بتفصيل كرمه واجماله فاحرز الْفَضَائِل وتحرك على مَا هُوَ الْعَادة حَتَّى وصل الى خدمَة أَبى السُّعُود وتحلى بقلادة الاعادة وَلم يزل منظورا بِعَين الْعِنَايَة المتواصلة المدد وملحوظا بنهاية الرِّعَايَة على توالى المدد والفلك يَدُور حَسْبَمَا أَرَادَ وكوكب السعيد يدل لَهُ بالاسعاف والاسعاد مَعَ استقلاله بالمآثر الَّتِى اخْتصَّ بهَا دون سَائِر الاشراف واستبداده بالمفاخر الَّتِى سَار ذكرهَا فى أقْصَى الْبِلَاد والاطراف وَلم يزل تتشرف بِهِ المناصب ويطلع بَدْرًا من سَمَاء الْمَرَاتِب الى ان حل من الدولة مَحل الانسان من الْعين وأشرقت بشمس ذَاته فضاء العسكرين ثمَّ بعد الْعَزْل زفت لَهُ عروس الْقَاهِرَة وعدت فى عقده وأصبحت محلاة من حسن السلوك بعقده ففارقها بعد التَّمَتُّع بهَا ونفوس غَيره تحترق باشواقها وسمحت همته الْعلية لمثل هَذِه الْحَسْنَاء بِطَلَاقِهَا فَلَمَّا وصل الى دَار السلطنة أثمر روض سروره وأزهر واستقبله السعد وَبسط بَين يَدَيْهِ شقة قَضَاء الْعَسْكَر وَبعد ذَلِك طرز حلل الْفَتْوَى بوشى رقّه وَحل عقد المشكلات بِبَيَان قلمه ثمَّ فارقته وَلم تصبر على نَوَاه فَرَاجعهَا بَعْدَمَا استحلت بسواه فَعَاد روض الْفضل الى نمائه وكوكب السعد الى سمائه كعود الحلى الى العاطل وَلم يزل تكتحل الطروس بميل يراعته وتتشنف الاسماع بلآلى براعته الى أَن ذبل بسموم الْمَرَض غُصْن نَبَاته وقطفت بيد الْمَوْت زهرَة حَيَاته وَنَفسه من احشاء المكارم تنْزع وَعين الْعلَا على مصائب فَقده تَدْمَع ثمَّ أورد لَهُ من شعره العربى قَوْله من قصيدة يرثى بهَا السُّلْطَان سُلَيْمَان مطْلعهَا
(الا أَيهَا الناحى كانك لَا تدرى ... بِمَا قلت من سوء الْمقَالة وَالشَّر)
(أسلت سيول الْمَوْت فى الدَّهْر بَغْتَة ... وَقد بلغ السَّيْل الربى من جوى الصَّدْر)
(وسقت قُلُوب الْمُسلمين جِرَاحَة ... بصارم سيف قد مضى ماضى الامر)
стр. 1690
(سِهَام المنايا من قسى صروفها ... أَصَابَت بدهر فى ابتسام من الثغر)
(نسيم الصِّبَا رقت باشجان فرقة ... حمامة ذَات السدر حنت من الذعر)
(همام على هام الممالك تاجه ... امين رشيد فى الْخلَافَة ذُو قدر)
(فأعنى جوادا فى جواد بِذكرِهِ ... لقد سَارَتْ الركْبَان فى الْبر وَالْبَحْر)
(عزيمته فى الْبَحْر كَانَت عَظِيمَة ... وهمته فاقت على الانجم الزهر)
(وايامه كَالشَّمْسِ كَانَت مضيئة ... واعوامه فى الْحسن ابهى من الْبَدْر)
(وَمَا قيل اجمال لبَعض جميله ... وَلَا يُمكن التَّفْصِيل بالنظم والنثر)
(فهاتيك أَوْصَاف لعمرى جليلة ... فدونكها أبهى من الزهر والزهر)
(على عكس مَا طَاف الْبِلَاد بجنده ... كشمس غَرِيبا غَابَ فى مغرب الْقَبْر)
(صَحَائِف اكوان تدبرت كلهَا ... فصادفتها شرحا لفن من الهجر)
(على صفحة الْخَدين أمليت مَا جرى ... باقلام اهداب من الْبُؤْس والضر)
وَذكره النَّجْم فى الذيل وَأثْنى عَلَيْهِ قَالَ وَكَانَ فصيح الْعَرَبيَّة عَلامَة فهامة وَكَانَ فى أَوَائِله ولى قَضَاء الشَّام وقدمها فى خَامِس عشرى ذى الْحجَّة سنة احدى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ ولى مصر ثمَّ ترقى الى قَضَاء العسكرين ثمَّ ولى قَضَاء مصر ثَانِيًا ثمَّ كتب اليه السُّلْطَان مرادخان بانى لم أعزلك عَن مصر فاقم من شِئْت فِيهَا فى مقامك ثمَّ جِئْنَا زَائِرًا فَدخل دمشق فى رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فاجتمعت بِهِ اذ ذَاك فى صُحْبَة شَيخنَا يُرِيد بِهِ العيثاوى فِيمَا احسب فى مجَالِس كَانَت حافلة بالعلماء وسمعته يَقُول كنت بِمصْر لَا أترك زِيَارَة الامام الشافعى رضى الله عَنهُ وَكنت أستنهضه فى الْمُهِمَّات فاذا كَانَ أَمر مُهِمّ يحْتَاج الى الْعرض فِيهِ الى السُّلْطَان اذْهَبْ الى ضريح الامام الشافعى رضى الله عَنهُ وَأَقُول لَهُ يَا امام هَذِه بلدتك وَقد حدث بهَا كَذَا وَكَذَا وَأَنا أَرْجُو مِنْك الامداد ثمَّ ارْجع فآمر بشئ فَيتم ببركة الامام الشافعى رضى الله عَنهُ قلت ثمَّ سَافر الى قسطنطينية فولى بهَا قَضَاء الْعَسْكَر ثمَّ صَار مفتيا فى جُمَادَى الاولى سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وعزل فى رَجَب سنة احدى بعد الالف ثمَّ أُعِيد فى شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَاسْتمرّ مفتيا الى ان مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى رَابِع شعْبَان سنة سِتّ بعد الالف بقسطنطينية وَهُوَ الْيَوْم الذى توفى فِيهِ الشَّمْس الداودى بِدِمَشْق وَوصل الْخَبَر بِمَوْتِهِ يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن وعشرى شهر رَمَضَان مِنْهَا وَصلى عَلَيْهِ غَائِبَة يَوْم الْجُمُعَة بعد صلَاتهَا رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 1691
مُحَمَّد بن مصطفى الشهير بكانى الرومى الاصل المدنى المولد والمنشاء الحنفى كَانَ من الْفُضَلَاء الاعيان وَأهل البلاغة وَالْبَيَان وَكَانَ أَمِيرا من جِهَة الاتراك حِين كَانُوا مستولين على الْيمن وَكَانَ حسن السِّيرَة صافى السريرة وَله اطلَاع على الْعُلُوم الادبية وَمَعْرِفَة جَيِّدَة لعلوم الْعَرَبيَّة وَله تَارِيخ سَمَّاهُ بغية الخاطر ونزهة النَّاظر جعله برسم الْوَزير مَحْمُود باشا وابتدأ فِيهِ من أَخْبَار النبى
وأحواله من زمن ميلاده الى هجرته وَوصل فِيهِ الى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَذكر فِيهِ الائمة الدعاة من الزيدية وَغَيرهم وملوك آل عُثْمَان وحكامهم فى الْيمن وَله اشعار كَثِيرَة حَسَنَة مِنْهَا قصيدة فى مدح خي الْخلق
من جُمْلَتهَا قَوْله
(يَا نَبيا كمل الله لَهُ ... كل وصف زينته الشيم)
(والذى من يأسه نَار لظى ... وأياديه الزلَال الشيم)
(والذى قد أَصبَحت أمته ... يتدانى من علاها الامم)
(من لصب لَيْسَ يشفيه البكا ... وَهُوَ من اجفانه منسجم)
(ولقلب ولبرق مثله ... تَحت جِلْبَاب الدجا يضطرم)
(وكئيب الْقلب صنعا دَاره ... مَا بدا رسم لَهُ أَو معلم)
(حب جرعا طيبَة جرعه ... كأس شوق مَا حَكَاهُ العلقم)
(يَا احبابى وَأَيَّام خلت ... هى أَيَّام مَضَت أَو حلم)
(وعهودا قد حفظناه الْكمّ ... مَا نرى انكم ضيعتم)
(وهواكم وَهُوَ عندى قسم ... بسواه حَالفا لَا أقسم)
(بعدكم لم يجر من بعدكم ... غير دمع قد جرى وَهُوَ دم)
(وسقام لَا يداويه سوى ... من برؤيا يداوى السقم)
(حَيْثُ لَا يصبر الارغبة ... فى جنان ظلها مرتكم)
(فى ربى طيبَة طابت تربة ... حَيْثُ حل الْمُصْطَفى وَالْحرم)
(مَضْجَع حل الحبيب الْمُصْطَفى ... فى ثراه والعلا وَالْكَرم)
(بقْعَة ضمت بهَا اعضاؤه ... أفضل الارض بقول يجْزم)
(بلد بالمصطفى الهادى لَهُ ... كل يَوْم وَقْفَة أَو موسم)
(الثبى الهاشمى الْمُجْتَبى ... سيد الْخلق وان هم رغموا)
стр. 1692
(صفوة الله وَمَا من آدم ... كَانَ فى الْكَوْن وَلَا كَانُوا هم)
(جمع الله بِهِ اشتاتنا ... من شتات كَاد لَا يلتئم)
(هُوَ مسك طيب من أجل ذَا ... انبياء الله مِنْهُ ختموا)
(نجل اسمعيل فى عرق الثرى ... وَابْن ابراهيم فاظر من هم)
(يَا خَلِيل الله هَل من نفحة ... يخجل الْبَحْر بهَا والديم)
(يَا رَسُول الله هَل من جذبة ... حَيْثُ حل الرُّكْن والملتزم)
(يَا حبيب الله هَل من شربة ... يرتوى العطشان مِنْهَا زَمْزَم)
(يَا عَظِيم الجاه هَل من غَارة ... هى بالنصر المرجى موسم)
(يَا أجل الْخلق هلى تسمعنى ... مثل مَا قَالَ الاجل الاكرم)
(واليك الْيَوْم أَشْكُو خلة ... أسقمت جسمى وَمَا بى سقم)
(خوف أعدائى ونفسى والهوى ... وشياطين عَن الْحق عموا)
(بل انا عبد مسئ مذنب ... مُنْذُ وافى سَائل لَا يحرم)
(يَا جميل الْخلق فعلى سيء ... فاسأل الرَّحْمَن يَا من يرحم)
(فانا الْمُضْطَر وافى سَائِلًا ... جود مولى مَا عداهُ الْكَرم)
(لست بالسكانى لما أَشْكُو لكم ... أَنْتُم بِالْحَال مِنْهُ أعلم)
(وحياء لم أقل لى ذمَّة ... بِاسْمِك الْمَحْمُود ذَاك الاعظم)
( ... فكنيت الِاسْم اجلالا وان ... صَحَّ لى مِنْهُ الذمام الْمُحكم)
(فَعَلَيْك الله صلى دَائِما ... مَا هدى الساعى اليك الْقدَم)
(وَكَذَا آلك أَرْبَاب التقى ... وَكَذَا الصحب الهداة الانجم)
مُحَمَّد باشا بن مصطفى باشا الْوَزير بن الْوَزير الشهير بِابْن الدفتر دَار البوسنوى الاصل القسطنطينى المولد والمنشا والوفاة قدم أَبوهُ من بوسنه الى دَار السلطنة وَولى بهما الخدمات السُّلْطَانِيَّة ثمَّ اسْتَقر دفتريا فى عهد السُّلْطَان مُرَاد صَاحب بَغْدَاد واعطى رُتْبَة الوزراة وَنَشَأ وَلَده هَذَا وَقَرَأَ ودأب واشتغل بِالْعلمِ حَتَّى صَار لَهُ ملكة ولازم من شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا ثمَّ درس ثمَّ عدل الى طَرِيق أَرْبَاب الخدمات فَصَارَ من كبار البوابين للسُّلْطَان ثمَّ أَمِير الامراء ثمَّ وزيرا وَولى مُحَافظَة مورة ثمَّ مُحَافظَة الشَّام فى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف ودخلها فى خَامِس عشر رَمَضَان وَكَانَ فى حكومته معجبا بِنَفسِهِ متعاظما قَالَ والدى رَحمَه الله تَعَالَى وَمَا أحقه بِمَا قَالَه
стр. 1693
بعض الاطباء فى وصف رَئِيس صفراوى الذكاء سوداوى الرأى دموى المزاج لَوْلَا مَا فى لفظ البلغم من الْكَرَاهَة لَقلت بلغمى الاناة وَلما كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة هوائى المشرب نارى الطبيعة مائى الطمع صَاحب نفس عامية لَا ترابية غلب عنصر المَاء فى ايام حكومته واشتعلت النَّار فى زمن ولَايَته وَوَقع السَّيْل الْعَظِيم الْمَشْهُور بِهَذِهِ الْبِقَاع حَتَّى علا المَاء على حجر التَّارِيخ الذى تَحت قلعة دمشق مِقْدَار ذِرَاع وَقد وَقع أَمْثَاله لَكِن هَذَا أربى بِهَذَا الْمِقْدَار كَمَا وجدت الْآثَار فى جَامع بلبغا بالجدار وَكَانَ الْفَصْل أواسط فصل الرّبيع بل مضى مِنْهُ ثُلُثَاهُ وَلم يؤذ نفس الْمَدِينَة بالجدار وانما كَانَ فى الْخَارِج كمان شَاهَدْنَاهُ وَأخذ بعض الرِّجَال وَالنِّسَاء والاطفال حَتَّى رؤى من الاطفال الصغار حِصَّة وهم فى المهاد وأظن ان الَّذين غرفوا مِنْهُم جاوزوا التعداد وَتلف للنَّاس من الْعَسَل والارز وَالسمن وَبَقِيَّة الْمُؤَن شئ كثير لَان أَكثر بقالة دمشق فى نَاحيَة الزِّيَادَة وخصوصا سوق المؤيدية الشهير وبقى المَاء من بعد الظّهْر الى نَحْو نصف اللَّيْل ثمَّ غاض باذن رب الارض وَالسَّمَاء الْملك الْفَيَّاض وَكَانَ ذَلِك نَهَار الثُّلَاثَاء تَاسِع عشر جُمَادَى الاولى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف ثمَّ وَقع أَيْضا الْحَرِيق بسوقى الطواقية والذراع الْعَتِيق لصيق الْجَامِع الاموى وَسبب ذَلِك ان بعض أهل الصِّنَاعَة من أهل السُّوق غفل عَن اطفاء النَّار بحانوته المغلوق فشبت النَّار فى صَبِيحَة النَّهَار وَوَقع التَّنْبِيه على الْمُبَادرَة لاطفائها وامتحن النَّاس ساعتئذ بكر بهَا وبلائها ثمَّ جَاءَ الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة وَمَعَهُ غَالب الْعَسْكَر والسقائين والبنائين والقصارين الى مَحل الْحَرِيق ووقف بِنَفسِهِ وأطفاه وَذهب للنَّاس من القماش والامتعة مَا لَا يُمكن ضَبطه واحصاه وَكَانَ ذَلِك نَهَار السبت الْعشْرين من رَجَب سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ جملَة مَا حرق من الحوانيت مائَة وَثَلَاثَة وَعشْرين حانوتا وَاتفقَ ان صَاحب التَّرْجَمَة تجَاوز الْحَد فى الظُّلم وابتدع مظالم كَثِيرَة وانتهك محارم غزيره فَاجْتمع الْعَسْكَر الشامى وتحزبوا لمصادمته وصمموا على محاربته ومقاتلته وجاؤا الى الْجَامِع الاموى بجمعية عَظِيمَة وأحضروا عُلَمَاء الْبَلدة وَذكروا مَا أَخذه من الاموال على سَبِيل الجريمة ونقموا عَلَيْهِ أَخذ الْبَقر من أَصْحَابهَا بِدُونِ أَثمَان ليطعم مِنْهَا رِجَاله من الصارجية والسكبان وَقد كَانَ شدد فى ذَلِك كبنى اسرائيل لما شَدَّدُوا شدد عَلَيْهِم فَأرْسل اليهم صَاحب التَّرْجَمَة الْمَرَاسِيل العديدة فى تهميدهم فَلم يفد إرْسَاله اليهم ثمَّ نهبوا
стр. 1694
غَالب اتِّبَاعه وهمدت الْفِتْنَة وزالت بعون الله تَعَالَى تِلْكَ المحنة وَكَانَ جَاءَ ختم الوزارة الْعُظْمَى فى تِلْكَ الاثناء للوزير أبشير محافظ حلب الشَّهْبَاء وَكَانَ بَينه وَبَين منافرة كليه وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يتجلد فى أمره مَعَه خُصُوصا بعد صُدُور القضيه فاتفق انه عز لَهُ وَورد متسلم الكافل الْجَدِيد غازى باشا الى دمشق فَخرج المترجم مِنْهَا فى أول ربيع الاول سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وَبعد وُصُوله الى دَار السلطنة قتل الوزيرا بشير باشا فَصَارَ دفتردارا ثمَّ قتل أَيْضا قَرِيبا من صيروريته فى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف كَمَا قتل أَبوهُ وَهود فتردار أَيْضا
مُحَمَّد بن مصلح بن اسماعيل الرومى نزيل الْقُدس الشريف كَانَ من الصلحاء خَادِمًا لكتب الْعلم وَالْقُرْآن الْعَظِيم كِتَابَة وَوَقع لَهُ أَنه كتب ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ على أرزة وَكتب سُورَة يس فى حُرُوف الْبَسْمَلَة وَالْقُرْآن جَمِيعه فى حُرُوف سُورَة يس وَكَانَ لَا يتَعَلَّق بشر من أُمُور الدُّنْيَا مهما جَاءَهُ أنفقهُ فَلَا يجمع شَيْئا وتصبر اذا لم يجئه شئ وَعمر زَمَانا طَويلا وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن فى بَابا الرَّحْمَة ﵀ ورحم أنامله آمين
مُحَمَّد بن الْفَقِيه مَعْرُوف بن عبد الله بن أَحْمد العقيبى باجمال أحد عباد الله الصَّالِحين المواظبين على طَاعَة الله تَعَالَى كَانَ ورعا زاهدا قانعا يحب الخمول وَيكرهُ الشُّهْرَة يحب الصَّالِحين حسن الظَّن باخوانه صحب خَاله الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد بن عمر باجمال وحصلت لَهُ نظرات ولحظات ودعوات ظهر عَلَيْهِ بركتها وَله صدقَات كَثِيرَة مِنْهَا بِنَاء الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بالحمام فى وسط مَدِينَة الغرفة وآبار كَثِيرَة وَقفهَا على الْمُسلمين وَله أوقاف على مَسَاجِد بِمَدِينَة هنيز وأوقاف على قرَابَته وصدقات تقسم على الْفُقَرَاء يَوْم عَاشُورَاء وَحصل كتبا كَثِيرَة ووقفها ووقف على عمارتها مَعَ قلَّة مَاله وَلَيْسَ لَهُ صَنْعَة وَلَا تِجَارَة وَكَانَ محبوبا عِنْد النَّاس مُعْتَقدًا مَقْبُولًا وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة السبت منتصف صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين والف
مُحَمَّد أَبُو سِرين بن المقبول بن عُثْمَان بن أَحْمد بن مُوسَى بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن عِيسَى ابْن القطب صفى الدّين أَحْمد بن عمر الزيلعى العقيلى صَاحب اللِّحْيَة رضى الله عَنهُ رَأَيْت تَرْجَمته بِخَط صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله وَلست أدرى أهى لَهُ ام لغيره قَالَ فِيهَا لَيست تحضرنى عبارَة تنبئ عَن مَحَله وعلو مرتبته فى الْعلم وَالْولَايَة
стр. 1695
والقدم الثَّابِت فى مراقبة الله تَعَالَى وَالرِّعَايَة سَارَتْ بِذكرِهِ الركْبَان وَبلغ الشرق والغرب مَاله من علو الْمَكَان وَكَانَ فى عصره مرجع اللِّحْيَة وَمَا والاها من اقرى وَالْعرب مطيعون لَهُ اطاعة الامرا وَكَانَت دولة الاتراك لَا تصدر الا عَن رَأْيه واشارته وَلَا تخرج جَمِيع الْحُكَّام عَن طَاعَته وَكَانَ رَئِيسا عالى الهمة آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر صَاحب عبَادَة وزهاده مُمِدًّا من الله تَعَالَى سُبْحَانَهُ بالسعاده وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ على ظهر قلبه كثير التِّلَاوَة لَهُ عَظِيم الْقيام بِهِ وَكَانَت اللِّحْيَة فى زَمَنه كالحديقة المزهره ووجوه بنى الزيلعى بِنور وَجهه ضاحكة مستبشره وَهُوَ مرجعهم فى الْمُهِمَّات والمدار عَلَيْهِ من بَينهم فى الملمات وَله المهابة فى الْقُلُوب وَالْجَلالَة فى النُّفُوس بِرُؤْيَتِهِ ينجلى كل هم وبوس وَكَانَ من الْكَرم فى ذروته الْعَالِيَة وَمن التَّوَاضُع بمكانة غَالِيَة مقدما فى قومه مُعظما فى عشيرته نَشأ على خير وفى خير وكنى بابى سِرين لانه كَانَ لَهُ سرتين وَلما ولد وَاجْتمعَ النَّاس من أَصْحَاب وَالِده لتسميته فى سابعه أَتَى بِهِ أَبوهُ وَوَضعه بَينهم وَقَالَ لَهُم من يقدر مِنْكُم يرفع رَأسه من الارض فَأخذ كل مِنْهُم بِرَأْسِهِ فَلم يقدروا على رَفعه فَقَالَ لَهُم وَالِده هَذَا صَاحب المنصب بعدى وَكَانَ لَهُ اخوة كبار أمّهم عَرَبِيَّة وَصَاحب التَّرْجَمَة أمه ام ولد فَأَرَادَ وَالِده تنبيههم على ذَلِك وَأَنه الاحق بِمَا هُنَالك وَفضل الله يؤتيه من يَشَاء وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة مَعَ الاتراك وقائع كَثِيرَة وكرامات شهيرة وَكَانَ لَا يتَعَرَّض لَهُ أحد بِسوء الاعطب وتصرفه فى عصره مَشْهُور وَعند النَّاس مَذْكُور وَمن كراماته انه وشى بِهِ بعض الحساد الى السَّيِّد الْحسن ابْن الامام الْقَاسِم وَمن جملَة مَا رَمَوْهُ بِهِ انه يعين الاتراك ويمدهم بِمَال من عِنْده وَيقدم لَهُم الْهَدَايَا ويحثهم على الْمُحَاربَة للائمة فارسل اليه جمَاعَة من أَتْبَاعه يَأْمُرهُ بالوصول اليه فاتوا بِهِ اليه وَهُوَ مَرِيض مَحْمُول على سَرِير وَكَانَ اراد قَتله بِمُجَرَّد وُصُوله فَلَمَّا أَتَوا اليه وَرَآهُ أَجله وأكرمه وَاعْتذر لَهُ من فعله وَأمر بار جاعه الى بَلَده مجللا مكرما ثمَّ اشْتغل عَن ذَلِك فاتى اليه وَقَالَ لَهُ انى مَرِيض ومرادى أَمُوت ببلدى فجهزنى سَرِيعا وَاعْلَم انك ميت على أثرى فجهزه لوقته وَسَار الى بَلَده اللِّحْيَة فَلَمَّا وصل اليها جلس أَيَّامًا قَليلَة وَمَات وَكَانَت وِلَادَته فى سنة تسع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتوفى فى ثانى شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَمَات فى اثره السَّيِّد الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم ﵀
الامير مُحَمَّد بن منجك بن أَبى بكر بن عبد الْقَادِر بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن ابراهيم بن
стр. 1696
منجك الْكَبِير اليوسفى الذى اشْتهر فى الدُّنْيَا وتناقلت أَحَادِيثه النَّاس فى الْعليا وَصَاحب التَّرْجَمَة نبع فى الدوحة المنجكية نبيلا وسما قدره فى دمشق جَلِيلًا وارتقى الى اعلى ذرْوَة وَلم يحذ أحد فى المعلوات حذوه كَانَ أَمِيرا جليل الْقدر سامى الهضبة سخى الطَّبْع كَبِير الشان الا انه مغال فى الْكبر والتيه بذى اللِّسَان كثير الوقيعة فى النَّاس مفرط فى أذيتهم وَلِهَذَا خافه النَّاس وَكَبرت دولته وعظمت صولته ومدحه الشُّعَرَاء واتقادت اليه الْفُضَلَاء سلك اولا طَرِيق الْعَسْكَر فَصَارَ من آحَاد الْجند الشامى ثمَّ زعيما ثمَّ مُتَوَلِّيًا على عمَارَة السُّلْطَان سُلَيْمَان بالميدان الاخضر وَصَارَ بعْدهَا أَمِيرا بتدمر مَعَ التَّوْلِيَة الْمَذْكُورَة ثمَّ صَار متقاعدا على قانون آل عُثْمَان عَن دفتر دارية دمشق ثمَّ عرض لَهُ الْوَزير مُحَمَّد باشا ابْن سِنَان باشا فى أَن يكون أَمِير الامراء بمدينتى الرقة والرها فَنَهَضَ بِهَذِهِ الرُّتْبَة وسما وتقلبت بِهِ الاحوال وطافت بِهِ الاهوال حَتَّى سَافر مَرَّات الى دَار السلطنة وخالط الوزراء حَتَّى علا فى الْمقَام وَولى انظارا وقافهم عَن عَمه الامير عبد اللَّطِيف بن أَبى بكر لما مَاتَ فى ثانى عشر شَوَّال سنة احدى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ الامير عبد اللَّطِيف وَليهَا عَن عَمه الامير ابراهيم بن عبد الْقَادِر فى حَيَاته وَلم يتم لَهُ التصريف حَتَّى مَاتَ عَمه فى شهر ربيع الاول سنة موت عبد اللَّطِيف واما وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة الامير منجك فانه لم يتول الانظار الْمَذْكُورَة وَمَات فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَالْحق انه لم يصل مِنْهُم أحد الى مَا وصل اليه المترجم فانه بلغ من نُفُوذ القَوْل الى مرتبَة عَظِيمَة وَعمر العمارات الفائقة مِنْهَا القاعة الْمَشْهُورَة فى دَارهم بَين بَاب جيرون وَبَاب السلسلة فانه أنق فى عمارتها بالقاشان والرخام وَصرف عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَة وَعمر الْقصر الْمَعْرُوف بِهِ فى الوادى الاخضر أحد منتزهات دمشق وانتهت عِمَارَته فى سنة احدى عشرَة وَألف وَفِيه يَقُول الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى الْمُفْتى مؤرخا بناءه ومخاطبا بانيه بقوله
(بنيت فصرا ام الْجنان جرى ... من تحتهَا النَّهر فَوْقه الغرف)
(جَاوَرت فى سَمَكَة السماك مَعَ ... الْجَوْز اولم ينْتَه لَهُ طرف)
(بدر الدجا من سناه ممتحق ... شمس الضُّحَى من سناه تنكسف)
(بنيت مجدا وسوددا وَعلا ... ظَهرت فِيهَا والحاسدون خفوا)
(بِنَاء من لَا يمل من كلف ... متيم بالعطا بِهِ كلف)
(يضيق للوفد مَعَ توسعه ... فبعضهم تَحت ظله يقف)
стр. 1697
(قد جَاوز الواصفون حَدهمْ ... فى وَصفه وَهُوَ فَوق مَا وصفوا)
(فَحسن ذَات العمادا خَلفه ... عماد هَذَا وحبذا الْخلف)
(ان سَالَ الْوَارِد دون عَن شرف ... أَعلَى ومروا بِهِ وَمَا عرفُوا)
(فاصدقهم الامر واهدهم كرما ... وَقل وارخه قصرى الشّرف)
وَقَالَ أَبُو بكر بن مَنْصُور الْعُمْرَى
(وَقصر تود قُصُور الْجنان لَو أَنَّهَا بَابه تخْدم ... )
(وكوثرها دائر حوله ... وأشجارها تربه تلثم)
(بناه الامير فَتى منجك ... مُحَمَّد الْفَارِس الْمعلم)
(وشرفه فغدا قدره ... عَظِيما وتاريخه أعظم)
قلت وَكَانَ الامير منجك ابْن المترجم الآتى ذكره وهب الْقصر الْمَذْكُور لاحمد باشا الْمَعْرُوف بالكوجك لما كَانَ كافل دمشق فادرجه الكوجك فى وَقفه وَهُوَ الْآن من جملَة وَقفه غير انه لعبت بِهِ أيدى الحادثات فَذَهَبت برونقه وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أَحْوَال ووقائع وَمَا جريات وفظائع تجاوزت الْحَد وكل عَنْهَا الْعد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كَمَا تلقيناه وأخذناه من الافواه رجل اساءته أَكثر من احسانه فانه قل من سلم من يَده وَلسَانه ولعمرى لقد أنصف ابْنه المرحوم الامير منجك سقى الله ثراه صيب الرحمه فِيمَا قَالَ مُشِيرا لما فعله أَبوهُ من الظلامات الْمَدّ لهمه
(اساء كبارنا فى النَّاس حَتَّى ... جرى هَذَا الاساء على الصغار)
(لقد شرب الاوائل كاس خمر ... غَدَتْ مِنْهَا الاواخر فى خمار)
وَكَانَت وَفَاته فى رَابِع وعشرى شهر ربيع الاول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بِجَامِع جده بالميدان وجده الاعلى صَاحب الاوقاف مَذْكُور فى كتب التواريخ مِنْهَا المنهل الصافى لِابْنِ ثغرى بردى وذكرانه تنقل فى نيابات الشَّام كحلب وطرابلس ودمشق وصفد وطرسوس وَولى قبل ذَلِك الوزارة فى زمن النَّاصِر مُحَمَّد ابْن قلاون وَجرى عَلَيْهِ امور وَقبض عَلَيْهِ مَرَّات
مُحَمَّد بن مَنْصُور بن ابراهيم بن سَلامَة محب الدّين الملقب شمس الدّين الشهير بالمحبى الدمشقى الحنفى الْفَقِيه الْمُحدث المقرى المعمر الْبركَة مُلْحق الاحفاد بالاجداد حفظ الْقُرْآن وجوده وَأخذ القراآت عَن الشهَاب الطيبى وَالشَّيْخ حسن الصلتى وغبرهما وَالْفِقْه عَن النَّجْم البهنسى الْخَطِيب بِجَامِع دمشق وَغَيره والْحَدِيث عَن
стр. 1698
وَالِده الْمسند الْكَبِير عَن القاضى زَكَرِيَّا والبرهان القلقنشدى والحافظ عبد الْحق السنباطى المصريين وَالتَّقوى بن قاضى عجلون وَالسَّيِّد كَمَا الدّين بن حَمْزَة الدمشقيين وأتقن وَضبط وانتفع بِهِ وَلَده ابراهيم وَمَات فى حَيَاته فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة عَن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ نبل جدا وَلم أَقف على وَفَاته وانتفع بِهِ شيخ الاسلام عبد الرَّحْمَن العمادى وَتزَوج بوالدة العمادى آخرا وَحصل لَهُ ثقل فى سَمعه آخر عمره وَكَانَ مُنْقَطِعًا فى بَيته يَتْلُو كَلَام الله تَعَالَى وَألف وَمن تآليفه شرح على الْهِدَايَة على مَا سَمِعت وَمَا رَأَيْته وَرَأَيْت لَهُ من شعره هذَيْن الْبَيْتَيْنِ منسوبين اليه فاثبتهما لَهُ وهما
(يَا قَارِئًا خطا لمن لم يجد ... حظا مدى الايام من دهره)
(عساك ان تَدْعُو بغفران مَا ... جنى من الآثام فى عمره)
وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ التغفل وَالصَّلَاح قَالَ النَّجْم الغزى ميلاده فى سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة كَمَا نقلته من خطّ المحيوى الشَّيْخ عبد الْقَادِر النعيمى وَتوفى سنة ثَلَاثِينَ بعد الالف قلت فَيكون بلغ من الْعُمر مائَة سنة وَقَالَ الشهَاب العمادى فى تَارِيخ وَفَاته
(مَاتَ المحبى شيخى ... وَكَانَ نعم الْمُحب)
(بدر الْفَضَائِل لما ... هوى تخلف شهب)
(وأشرقت شمس علم ... مِنْهُ لَهَا الْقَبْر غرب)
(سُلْطَان فضل حمته ... كتائب هن كتب)
(قطب الْوُجُود تسامى ... فِيهِ صَلَاح وجذب)
(فَقلت يَا صَاح أرخ ... بِالشَّام قدمات قطب)
قلت وَبَيت محب الدّين هَؤُلَاءِ غير بيتنا بِدِمَشْق وهم أقدم منا فِيهَا وَيُقَال لَهُم بَيت نَاظر الْجَيْش لَان جدهم الاعلى القاضى محب الدّين كَانَ نَاظر الْجَيْش أَيَّام السطلان الغورى واما جد صَاحب التَّرْجَمَة ابراهيم الْمَذْكُور فَكَانَ بِسَبَب مَوته الْفِتْنَة الْمَشْهُورَة بِدِمَشْق وَأخذ الْعلمَاء مِنْهَا الى مصر تَحت الترسيم وَذَلِكَ انه مَاتَ وَله ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَ أَبوهُ بِمصْر عِنْد الاشرف الغورى فَلَمَّا دفن بنيت عَلَيْهِ قبَّة فى ملاصقة قبَّة القطب الولى الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سيدنَا الشَّيْخ ارسلان قدس الله سره الْعَزِيز فَأفْتى السَّيِّد كَمَال الدّين مفتى دَار الْعدْل بهدم الْقبَّة الْمَذْكُورَة لكَونهَا بنيت فى مَقْبرَة
стр. 1699
مسبلة وَأفْتى التَّقْوَى ابْن قاضى عجلون بِعَدَمِ هدمها وَقَالَ هَذِه الْقبَّة كَانَت مَوْجُودَة وَلها أساس وَمَا بنيت الثَّانِيَة الا على أساس الاولى والاولى كَانَت عامرة مُدَّة طَوِيلَة من غير تعرض لَهَا والاصل وضع الشئ بِحَق وَكَانَ القاضى الْحَاكِم بهدمها قاضى الْقُضَاة خير الدّين المالكى وَكَانَ الامير سيباى أَمِير الامراء بِدِمَشْق حَاضرا على هدمها فَلَمَّا صدر ذَلِك ذهب الْخَبَر الى وَالِد الْمَيِّت القاضى محب الدّين فَقدم الى دمشق وَاسْتمرّ من الطَّرِيق عَازِمًا الى قبر وَلَده وَعَزاهُ النَّاس فِيهِ هُنَاكَ ثمَّ انه أَخذ عظاما من التربة وَضعهَا فى وعَاء وَذهب الى مصر وَألقى الْعِظَام بَين يدى الْملك الاشرف قانصوه الغورى فَقَالَ لَهُ مَا هَذِه قَالَ هَذِه عِظَام ولدى الَّتِى أخرجتها أكَابِر دمشق من قَبره وَمَا فعلوا ذَلِك الا لانتسابى اليك وَقَالَ للسُّلْطَان عندى كنز يحْتَاج الى البخور فَقَالَ عندى بخوره فَكتب لَهُ عِنْد ذَلِك أَسمَاء الْجَمَاعَة الَّذين كَانُوا داخلين فى الْقِصَّة مِنْهُم التَّقْوَى ابْن قاضى عجلون مَعَ انه أفتى بِعَدَمِ هدم الْقبَّة وَلَكِن كَأَنَّهُ أَخذه ليستشهده على من أفتى بهدمها وَمِنْهُم السَّيِّد كَمَال الدّين مفتى دَار الْعدْل والشهاب أَحْمد الرملى امام الْجَامِع الاموى والقاضى خير الدّين المالكى وَجَمَاعَة وَكتب حكم سلطانى بأسماء هَؤُلَاءِ وَأرْسل خاصكى الى دمشق بِطَلَب هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة فَذَهَبُوا مُتَفَرّقين ودخلوا الى السُّلْطَان بِمصْر فرسم عَلَيْهِم الا التَّقْوَى فانه أبقاه فى بعض الْمدَارِس غير مرسم عَلَيْهِ وَلما حَضَرُوا فى الْجمع الى السُّلْطَان زجر الْجَمَاعَة وَلم يزل الامر يزِيد وَينْقص الى أَن وَقعت الدَّعْوَى على القاضى المالكى الذى حكم بهدم الْقبَّة وَحكم قاضى حنبلى بِمصْر بِأَن الحكم الصَّادِر بهدمها لم يَقع موقعه وخسر الْقَوْم بِسَبَب هَذِه الْقِصَّة مَا يزِيد على عشْرين ألف دِينَار وَرَجَعُوا بمناصب زَالَت بعد قَلِيل وَالله أعلم
مُحَمَّد بن مُوسَى بن عفيف الدّين المنعوت شمس الدّين بن شرف الدّين القابونى الدمشقى الشافعى ذكره الغزى وَقَالَ هُوَ سبط الشهَاب أَحْمد بن أَحْمد بن بدر الدّين الطيبى عرف بجدى لانه كَانَ يلازم جده الطيبى فَيَقُول لَهُ جدى جدى فغلب عَلَيْهِ ذَلِك كَانَ خطيب جَامع منجك الْمَعْرُوف بِمَسْجِد الاقصاب خَارج دمشق كأبيه ثمَّ ولى امامة الْمَقْصُورَة من الْجَامِع الاموى شركَة شَيخنَا يعْنى بِهِ العيثاوى بعد موت خَاله الشهَاب أَحْمد بن أَحْمد بن أَحْمد فى منتصف شهر رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة بِمَعْرِِفَة قريبهم الشَّيْخ أَحْمد بن النعمى خطيب ايا صوفيه وَكَانَ ورد دمشق
стр. 1700
حَاجا فى صُحْبَة الْمولى عبد الْغنى قاضى قُضَاة الشَّام وَقد وَليهَا ثَانِيًا ثمَّ قَالَ وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن وختمه فى الْمِحْرَاب مَرَّات وَكَانَ يلازم فى جُمُعَة شَيخنَا أَيْضا وَكَانَ لَهُ مُشَاركَة فى القراآت وَيقْرَأ مجودا ولى نصف وَظِيفَة الْوَعْظ فى يَوْم الاربعاء من الثَّلَاثَة الاشهر عَن ابْن قنديل شركَة التَّاج القرعونى فباشره وَكَانَ يعسر عَلَيْهِ التأدية من الْوَرق لضعف نَصره وَعبارَته فَكَانَ يتصحف عَلَيْهِ أَلْفَاظ ويتكرر مِنْهُ تصحيفها وتحريفها حَتَّى سمعته بورد هَذَا الحَدِيث غير مرّة لَا تحقرن جَارة لجارتها وَلَو فرسن شَاة فيقرؤه فى سنّ شَاة كَلِمَتَيْنِ وَسن بِالتَّشْدِيدِ يُرِيد وَاحِد الاسنان وَكَانَت وَفَاته يَوْم الاحد خَامِس عشر صفر سنة تسع عشرَة وَألف وَدفن من الْغَد بمقبرة الفراديس عِنْد قبر جده وخاله الطيبيين قلت وَالشَّيْخ أَحْمد النعيمى الذى ذكره هُوَ الشَّيْخ بهاء الدّين أَحْمد بن عبد الْقَادِر النعيمى الدمشقى تقلبت بِهِ الاحوال بِدِمَشْق فسافر الى الرّوم فَصَارَ خطيب السليمانية وامام ياصوفيه بقسطنيطينية وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة
مُحَمَّد بن مُوسَى بن عَلَاء الدّين الْمَعْرُوف بالعسيلى القدسى ولد الشَّيْخ كَمَال الدّين الْمُقدم ذكره كَانَ من كبار الْفُضَلَاء أَصْحَاب التصانيف أَخذ الْفَرَائِض عَن الولى الْبركَة الشَّيْخ مُحَمَّد الدجانى وَأَجَازَهُ وَأخذ الْفِقْه والْحَدِيث عَن الشَّيْخ يحيى ابْن قاضى الصَّلْت القدسى والتصوف والعقائد عَن الشَّيْخ مُحَمَّد العلمى وَكَانَ مغرما بِهِ وقارئ درسه وَأخذ الْمعَانى وَالْبَيَان عَن شيخ الاسلام رضى الدّين اللطفى وَالشَّيْخ مَحْمُود البيلونى وَقَرَأَ البيضاوى بِتَمَامِهِ على المنلا على الكردى واجازه شيخ الاسلام التمرتاشى الغزى صَاحب التَّنْوِير رَحمَه الله تَعَالَى بِمَا لَهُ من مروياته نظما ووقفت على الاجازة وَأرْسل لَهُ النُّور الزيادى اجازة من مصر لما سَأَلَهُ عَن أسئلة عديدة وَطلب مِنْهُ الاجازة وَلم يره وَمن مؤلفاته حَاشِيَة على الفاكهى وَقطعَة كَبِيرَة على الجلالين اخترمته الْمنية قبل اكمالها ونظم الْقطر وَشَرحه ونظم خَصَائِص النبى
وَشرح النّظم شرحا لطيفا لم يسْبق اليه مَعَ زيادات على انموذج اللبيب فى خَصَائِص الحبيب وَسَماهُ النّظم الْقَرِيب فى خَصَائِص الحبيب وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بِمَا من الله
مُحَمَّد بن مُوسَى بن مُحَمَّد الجمازى نِسْبَة الى الامير عز الدّين جماز شَيْخه بن هَاشم بن قَاسم بن مهنا بن حُسَيْن بن مهنا بن دَاوُد بن قَاسم بن عبد الله بن طَاهِر بن
стр. 1701
يحيى بن جَعْفَر بن عبيد الله بن الْحُسَيْن الاصغر بن على زين العابدين بن الْحُسَيْن بن على بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه ورضى الله عَنْهُم الحسينى المالكى أحد الْفُضَلَاء الاعيان وَاحِد أَئِمَّة الْبَيَان أخر زمن الادب طرفا وحوى مِنْهُ جانبا مستظرفا وَكَانَ لَهُ بِمصْر منزلَة ومكانه وَقدر شرف بِهِ زَمَانه ومكانه وَولى الْقَضَاء بمحكمة ابْن طولون وَمن شُيُوخه مُحَمَّد بن مُحَمَّد الغزى الحنفى لَازمه سِنِين عديدة واختص بِصُحْبَتِهِ وَأخذ عَن عبد الْوَاحِد الرشيدى امام برج مغزل وَمن مشايخه مرعى الحنبلى وخاتمة الْمُحدثين النُّور الاجهورى وَله مؤلفات مِنْهَا شرح الاندلسية فى الْعرُوض ونظم أم الْبَرَاهِين للسنوسى وَغير ذَلِك من الرسائل وَله شعر مِنْهُ قَوْله فى النَّعْل الشريف
(مذ شاهدت عيناى شكل نعاله ... خطرت على خواطر بمثاله)
(فَغَدَوْت مَشْغُول الْفُؤَاد مفكرا ... متمنيا انى شِرَاك نعاله)
(حَتَّى ألامس أخمصيه ملاطفا ... قد مَا لمن كشف الدجى بجماله)
(يَا عين ان شط الحبيب وَلم أجد ... سَببا الى تقريبه ووصاله)
(فَلَقَد قنعت برؤيتى آثاره ... فامرغ الْخَدين فى اطلاله)
وَاصل هَذَا قَول عَلَاء الدّين بن سَلام حَيْثُ قَالَ
(يَا عين ان بعد الحبيب وداره ... ونأت مراتعه وشط مزاره)
(فَلَقَد ظَفرت من الزَّمَان بطائل ... ان لم تريه فَهَذِهِ آثاره)
وَمثله قَول لِسَان الدّين بن الْخَطِيب الاندلسى حَيْثُ قَالَ فِيهِ
(ابْن بَان منزله وشط مزاره ... قَامَت مقَام عيانه أخباره)
(قسم زَمَانك عِبْرَة أَو عسرة ... هَذَا ثراه وَهَذِه آثاره)
وَمن شعر الجمازى أَيْضا قَوْله يمدح السَّيِّد زَكَرِيَّا المقدسى نقيب السَّادة الاشراف بِمصْر من قصيدة مطْلعهَا قَوْله
(ان بعدى وغربتى واشتياقى ... وافتراقى كفرقة الاعتزال)
(واصطبارى على الْمقَام هوانا ... بَين قوم كعصبة الدَّجَّال)
(لم يفيدوا علما وَلم يستفيدوا ... ان فيهم تهاتها مَعَ جِدَال)
(وتقضى الزَّمَان فى ترهات ... آفَة الْعلم قلَّة الِاشْتِغَال)
(لَا حَيَاة هنيئة فى عِيَال ... وارتكاب لَا خبث الاعمال)
وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 1702
مُحَمَّد بن نَاصِر الدّين بن على البلينى الْمصر الاديب الشَّاعِر ذكره الخفاجى فَقَالَ فى وَصفه فَاضل شافعى الْمَذْهَب ولبيب طراز فَضله بالآداب مَذْهَب من الْقَوْم الالى فى طَرِيق الْخيرَات ساعون وَالَّذين هم لاماناتهم وَعَهْدهمْ رَاعُونَ وَله شعر أصفى من الرَّحِيق الْمُعْتق وابهى من وشى الرّبيع المنمق الا انه تجَاوز رقة النسيب الى التَّجْنِيس والغريب ثمَّ أنْشد لَهُ قَوْله من قصيدة
(اهلا بِهِ ملكا فى زى انسان ... أَهلا بِهِ قادما فى شهر نيسان)
مِنْهَا قَوْله فى الْمَدْح
(ابكى على حِين مرغوس على جنى ... وَمن تلافى فِيهِ قد تلافانى)
الْحِين الْهَلَاك والرغس النِّعْمَة
(واننا شنى بِالْيَدِ الْبَيْضَاء سودده ... من أسود الْخطب لما أَن تخاطانى)
(قد كنت غصان بِالْمَاءِ الزلَال وَهل ... يجرى سوى المَاء فى حلقوم غصان)
(صديان أَشْكُو فَلَا اشكى كَأَن خرس الصدا وصم فَلَا يجرى بميدان ... )
(يَا جَامعا شَمل اشتات الْفَضَائِل فى ... جثمانه عز عَن جمع وجثمان)
(وَمن تفرد فى هضبات عزمته ... ألية مَا لفرد مِنْك من ثَان)
(حجبت غَيْرك عَمَّا ظلت تملكه ... ارثا من الْفضل حجبا حجب حرمَان)
قَوْله قد كنت غصان معنى مطروق كَقَوْلِه
(من غص داوى بِشرب المَاء غصته ... فَكيف يصنع من قد غص بِالْمَاءِ)
وَقَوله
(لَو بِغَيْر المَاء حلقى شَرق ... كنت كالغصان بِالْمَاءِ اعتصارى)
وَهُوَ فى معنى قَوْله
(كنت من محنتى أفر اليهم ... وهم محنتى فَأَيْنَ الْفِرَار)
ولابى فراس
(قد كنت عدتى الَّتِى أسطو بهَا ... ويدى اذا اشْتَدَّ الزَّمَان وساعدى)
(فرميت مِنْك بضد مَا أملته ... والمرء يشرق بالزلال الْبَارِد)
وَمن كَلَام ابْن المعتز رُبمَا شَرق شَارِب المَاء قبل ريه وللشهاب
(فديتك مَا كل مطل لَهُ ... يصبر من ذاقه وَاحْتمل)
(اذا مطل المَاء ذَا غُصَّة ... فقد رام انجاز وعد الاجل)
(وعدت بنصرى على حَالَة ... لَهَا الصَّبْر عادى وفر الامل)
وللبلينى من قصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا هَذَا
стр. 1703
(لَو علمت الْجمال يَا جمل بعدى ... لَو صلت الْوِصَال بعدا ببعد)
(زعمت اننى شغفت بدعد ... جمل فاستأثرت بلَى وَصد)
(مَا لَهَا أَعرَضت وَلم آتٍ ذَنبا ... غير انى علقت مِنْهَا بود)
(كل حَال يجل مَا شِئْت فِيهَا ... غير رفض الْهوى وصدور صد)
(حادى العيس سر بسربى لسرب ... بالمصلى لَهُم جَوَامِع عهدى)
(حبهم فى جوانحى مستجن ... فى ضمير بدا وَمَا كدت أبدى)
(نم دمعى بِهِ فنم شجونى ... ظَاهر مخبر بباطن وجدى)
(لَيْت شعرى وَمَا شَعرت أغيرى ... مغرم فى الغرام أم أَنا وحدى)
(لم أجد حِيلَة فحيلة وجدى ... وجدد مَعَ قد خد أخدُود خدى)
وَقَوله من أُخْرَى مستهلها
(ظلّ ظلّ الْهوى بنعم مُقيما ... فَأَقَمْنَا بِهِ فَكَانَ النعيما)
(ورأينا وَلَا نرى الصد يسمو ... فى معالى الْكَمَال وَجها وسيما)
(يَا خليلى ان تَرَ وَمَا فروما ... غُصْن بَان اذا تثنى وريما)
(يصحب الصحب بالتكرم فهم ... بابنة الْكَرم مكرما ونديما)
(واكسبا الْمجد مَا احتسى الراح روح ... واكتسى الرَّوْض عَن نَسِيج نسيما)
(واذا الغانيات غنتك فاغنم ... من بَنَات العريب صَوتا رخيما)
(غادة غادرت دموعى غديرا ... دائرا حائرا وصبرى عديما)
(جمعت فى القوام ضدين فاعجب ... عَجزا رابيا وكشحا هضيما)
(أوهنت قوتى فأقوت هيولاى وبادت فصرت هشا هشيما)
(لَزِمت قَومهَا ففارقت قومى ... قَائِما اقْتضى القوام القويما)
(ورنت باللحاظ فى كسر جفن ... ظلّ يهدى الى حشاى الجحيما)
(ففؤادى بهَا السَّلِيم بلدغ ... لَا تَظنن ذَا السَّلِيم السليما)
(ومشت فى الربى فاربت على مَا ... مَاس من غصنها فامسى خديما)
(وامالت مثل الردينى قدا ... مِنْهُ بثت فى الرَّوْض عرفا شميما)
(بعثت طيفها لطيفا ودت ... لَو يكون الرَّسُول عَنْهَا النسيما)
(علمت اننى سقيم فاهدت ... لى من حسنها مِثَالا سقيما)
(فتنبهت لم أجد فَلَو جدى ... فى لطيف جعلت خدى لطيما)
стр. 1704
(وتخيلت فى البروق ضِيَاء ... هُوَ كالطيف فاغتديت مشيما)
(فر منى من ليته قرحتى ... أذكر الْعَهْد فى سليمى القديما)
(مَا على من على الْهوى من جنَاح ... لزم السهد أم أَتَى التهويما)
(حالتاه أجهدتاه فاما ... يرصد الطيف أَو يناجى النجوما)
(يحْسب العاذلون اى اذا مَا ... لج بى الشجولا أكون الكتوما)
(انما الشّعْر حِكْمَة يصطفيها ... مصقع مدره يُسمى الحكيما)
وَمِنْهَا فى المديح وَرَأى الْبَدْر مِنْهُ فى الارض بَدْرًا ... فارتضى أَن يكون عبدا خديما)
(من يكن دَائِما سواهُ فانى ... عَن حماه وحمده لن أريما)
(وَقُلُوب الورى تدَاخل ودا ... فسليم الْفُؤَاد يهوى السليما)
(كحروف الادغام تُدْغَم فى الْمثل وَقد يدغمون فى الْفَاء ميما ... )
(صَاح من لوعتى توالت همومى ... مِنْهُم والهموم تغرى الهموما)
(طَال مدحى لَهُم وَمَا نلْت الا ... مدح مدحى فظل برئى سقيما)
(فكأنى أسلفتهم نقد لفظ ... فَرَأَوْا رد جنسه تَسْلِيمًا)
مِنْهَا
(أَيهَا المبتغى الْعباب ليروى ... من صداه ويغبق الشغموما)
(صد عَن غَيره وعرج وعود ... عودك الوخد نَحوه تسقيما)
(وترحل عَمَّا سوى أرضه ... وَارْضَ بِأَرْض يكون فِيهَا مُقيما ... )
(واذا لم يكن من السعى بُد ... فالرحيل الرحيل أبغى الرحيما)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الْخَمِيس حادى وعشرى شَوَّال سنة تسع عشرَة وَألف والبلينى بِضَم أَوله ثمَّ لَام سَاكِنة بعْدهَا تحتية مَفْتُوحَة نِسْبَة لبلية بحرى هُوَ بلد من الصَّعِيد
مُحَمَّد بن نَاصِر الدرعى العربى النحوى اللغوى النَّاظِم مُجَدد الطَّرِيقَة الشاذلية مربى الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء بركَة الْمغرب صَاحب الكشوفات وأوحد الدَّهْر أجمع أهل الْمغرب على جلالته وَعظم قدره وَمَا أَظن أحدا بلغ رتبته فى الاشتهار عِنْدهم فانى كثيرا مَا أسأَل عَنهُ آحَاد المغاربه فيبادرونى بِذكر فضائله وولايته بِأول وهلة وَلَا أَرَاهُم فى وصف غَيره كَذَلِك وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف رحه الله تَعَالَى
стр. 1705
مُحَمَّد بن نجم الدّين بن مُحَمَّد الملقب شمس الدّين الْمَعْرُوف بالصالحى الهلالى الدمشقى الاديب الْكَاتِب المنشى الشَّاعِر الْمَشْهُور فَرد الزَّمَان وأوحد الاوان ولد بمشق وَقَرَأَ بهَا الْقُرْآن ثمَّ توجه الى مَكَّة المشرفة وَقَرَأَ بهَا الْفِقْه على الشَّيْخ الامام شهَاب الدّين أَحْمد بن حجر الهيتمى وعَلى الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن فَهد وعَلى القطب المكى الشهروانى ثمَّ قدم دمشق بعد وَفَاة وَالِده فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ بهَا النَّحْو والمعانى وَالْبَيَان على الْعِمَاد الحنفى والشهاب أَحْمد المغربى وتفقه بِالنورِ النسفى المصرى نزيل دمشق وبرع فى الْفِقْه وَالتَّفْسِير والادب مَعَ الذكاء المفرط وَحسن الْفَهم وَلزِمَ الْعُزْلَة فى حجرَة بِالْمَدْرَسَةِ العزيزية وَكَانَ فى الْغَالِب يكْتب تَفْسِير البيضاوى وخطه فى غَايَة الْجَوْدَة ومشهور حق الشُّهْرَة خُصُوصا فى الرّوم فانهم يتغالون فِيهِ وَكَانَ جمع مَالا عَظِيما وَلم يتَزَوَّج مُدَّة عمره وَكَانَت لَهُ أُخْت متزوجة فى طرابلس الشَّام فسافر لزيارتها فى سنة ثَمَان بعد الالف فَاجْتمع هُنَاكَ بالامير على بن سَيْفا فَجعله فى مُدَّة اقامته بطرابلس معلما لوَلَده الامير مُحَمَّد السيفى فَكَانَ ذَلِك سَببا لاقامته بطرابلس مُدَّة ومدح الامير عليا وأخاه الامير يُوسُف بقصائد طنانة ثمَّ رَجَعَ الى دمشق والذى تلخص فِيهِ من القَوْل انه أبلغ بلغاء عصره وأفصح فصحاء دهره لم تكتحل بِمثلِهِ عين الزَّمَان وَلم يبتسم لنظيره ثغر الْعرْفَان وَقد ذكره الخفاجى وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَهُوَ أَخذ عَنهُ الادب ثمَّ قَالَ فى تَرْجَمته وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى من سنته الاعتزال عَن النَّاس وَتَقْدِيم الوحشة على الِاسْتِئْنَاس عَاملا فى أَوَاخِر عمره بقول على رضى الله عَنهُ بَقِيَّة عمر الْمَرْء لَا ثمن لَهَا يدْرك بهَا مَا فَاتَ وَيحيى مَا مَاتَ وَقد عقده البستى بقوله
(بَقِيَّة الْعُمر عندى مَا لَهَا ثمن ... وان غَدا خير مَحْبُوب بِلَا ثمن)
(يسْتَدرك الْمَرْء فِيهَا مَا أفات وَيحيى مَا أمات ويمحى السوء بالْحسنِ ... )
وَمن شعر الْعَلامَة الزمخشرى قَوْله فى هَذِه الْبَقِيَّة
(خربَتْ هَذَا الْعُمر غير بَقِيَّة ... ولعلنى لَك بالقية عَامر)
واشعاره ومنشآته كَثِيرَة وَله ديوَان فى مدح مصطفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام سَمَّاهُ صدح الْحمام فى مدح خير الانام ذكر فِيهِ تِسْعَة وَعشْرين قصيدة مرتبَة على حُرُوف المعجم وَقد ذكر فى ديباجته نبذا من صِفَاته ومعاهد انسه ولذاته ومسارح آرام أترابه ولداته قَالَ فى فصل صَدره اننى لما نشأت بِمَكَّة المشرفة
стр. 1706
والاماكن الَّتِى هى بالجوزاء ممنطقة وبالثريا مشنفه وَقد كسانى الزَّمَان قشيب بروده وطفت فِيهَا مَا بَين عقيق الْحمى وزروده وغصن الصِّبَا بأيام السعادات مُورق وَبدر الشَّبَاب فى سَمَاء الكمالات مشرق خلى البال منفى البلبال لَا دأب لى الا موسم وُفُود الْعُلُوم فى سوق عكاطها وَلَا شغل لى الا استكشاف وسائم وُجُوه الْمعَانى المخبأة تَحت براقع ألفاظها أستمرى من اخلاف الائمة الْمَشَايِخ در الْمَفْهُوم وأستخرج من بَحر كل حبر راسخ در الْعُلُوم أفاضل امتطوا من سَائِر الْعُلُوم غوارب الانتاج وأماثل فاضت بحور علومهم كَمَا يفِيض الْبَحْر المتلاطم بالامواج اغترفوا من حِيَاض المعارف نمير الْحَقَائِق واقتطفوا من رياض الْآدَاب ثَمَرَات اللطائف وَالرَّقَائِق لَو سمع قس فصيح لغاتهم لادركه العى بسوق عكاظ وَلَو شاهدهم سحبان لولى يسحب ذيله خجلا من جزالة الْمعَانى ورقة الالفاظ شموس فضائلهم لم تزل دائمة الطُّلُوع ومزن أدبهم مَا انْفَكَّ بقطر النّظم والنثر هموع ثمَّ لما قضى الله بِحمْل عَصا الترحال وَشد الاقتاب وحلول انتاج الاجمال وَبَطلَت حَرَكَة ذَلِك الدّور وتنقل الزَّمَان من طور الى طور أعملنا حُرُوف النجائب تنبض بِنَا الْبَيْدَاء فى سراها ولطمنا خُذ الارض باخفافها الى أَن براها السرى فى براها فكم جاوزنا جبالاً شوامخ زاحمت بمناكبها السحائب وذرعنا الناجبات شقة قفر فَلم تطوالا بأيدى الركائب وَكم جسرنا بالجاسرات على ملاقاة زنجى الظلام وَكلما رَاعنا أشرعنا اليه من الْكَوَاكِب أسنة وسللنا عَلَيْهِ من الْبَرْق حسام الى أَن بَدَت لاعيننا قباب الْمصلى كالفوانس وشاهدنا عروس الشَّام تنجلى فى سندسى الملابس وَحقّ للْمُسَافِر ان ينشد الْبَيْت السائر
(فَأَلْقَت عصاها وَاسْتقر بهَا النَّوَى ... كَمَا قر عينا بالاياب الْمُسَافِر)
فنزلنا بِأَرْض دمشق المحروسه وحللنا رحابها المأنوسه فعكفت على مَا كنت بِمَكَّة عَلَيْهِ وفوقت سِهَام عزمى الى غَرَض كَانَ مرماى قَدِيما عَلَيْهِ من اقتناص الشوارد وَتَقْيِيد الاوابد وصادفت بهَا سادة أَئِمَّة وقادة يهتدى بنورهم فى ظلم الْجَهْل المدلهمه اعيان مجد يشار اليهم بالاصابع واقران فضل لَا طَاعن فيهم وَلَا مدافع وصدور علم تتجمل بهم صُدُور الْمجَالِس اذا الْتفت عَلَيْهِم المجامع وآساد بِحَيْثُ يتضاءل لصولتهم كل معاند مُنَازع وفرسان كَلَام فى ميدان نثر ونظام اشرقت شموس فضائهم فى افلاك السُّعُود ونظموا فى سلك الْفَضَائِل كنظم الدّرّ فى اسلاك
стр. 1707
الْعُقُود رياض آدَاب كلهَا زَاهِر وبحار عُلُوم كلهَا لآلئ وجواهر وَقَالَ
(قد انتظموا فى سلك فضل قلادة ... وَكلهمْ وسطى وناهيك من عقد)
فصحبتهم بُرْهَة من الزَّمَان ونظمت من منثور فضائلهم قلائد العقيان ثمَّ الا غَالب هَؤُلَاءِ الَّذين أخيرا ذكرتهم وحلبت أشطرهم فى حَال الصُّحْبَة وخبرتهم راسلته وراسلنى يرائق شعره وسجعه وادرت كؤس قوافى شعرى على أَفْوَاه سَمعه وَمِنْه من مدحته لَا رَغْبَة فى نواله وَلَا طَمَعا فى الارتواء من سجله يَوْم سجاله بل تَلَوت عَلَيْهِ غرائب أسمارى استقداحا لزناده وزففت اليه عرائس افكارى استجلابا لوداده
(فهن عذارى مهرهَا الود لَا الندى ... وَمَا كل من يعزى الى الشّعْر يستجدى)
ثمَّ عَن لى وَارِد ربانى وخاطر الهى رحمانى سَار بذكرى فى مجَاز الْحَقِيقَة وأشهدنى عُقبى الامور السحيقه فَرَأَيْت كل قَول لَا ينفع صَاحبه غَدا فَهُوَ من زخرف القَوْل الفانى وَعلمت يَقِينا ان هَذِه الشقاشق لَا تعقب فى الْآخِرَة سرُور وَلَا تهانى وقوى الْعَزْم على ان أقدم بَين يدى مُقَدّمَة من نتائج الْفِكر وَحجَّة يقْضى الْعقل بِصِحَّة ثُبُوتهَا لتضمنها مدح خير الْبشر عَسى انها اذا قبلت تكون وَسِيلَة الى الْفَوْز بالنجاة وَكَفَّارَة لذنوب اكتسبتها وجرائم اقترفتها أَيَّام الْحَيَاة وظنى انها من القضايا المنتجة وان أَبْوَاب الْقبُول مَفْتُوحَة لَهَا غير مرتجة قلت وكل قصائده هَذِه // جَيِّدَة // لَكِن تعجبنى هَذِه الرائية ومستهلها قَوْله
(يَا ثانى الْغُصْن من قد لَهُ خطر ... ومفرد الْحسن هَا قلبى على خطر)
(وَيَا مديرا علينا من مراشفه ... سلافة الراح فى كاس من الثغر)
(لَا تحبس الراح عَمَّن رَاح ذَا علل ... شوقا لورد اللمى من ريقك الخصر)
(يَا صاحبى بنعمان الاراك خذا ... عَن يمنة الحى أَو كونا على حدر)
(فمرصد الْحبّ حَيْثُ الْغُصْن منعطف ... ومكمن الْمَوْت بَين الْورْد والصدر)
(وَحَيْثُ مسرح آرام رعايتها ... حب الْقُلُوب بسفح الاضلع الشّعْر)
(من كل ريم يصيد الاسد ناظره ... وَيكسر الجفن يَوْم الروع من حور)
مِنْهَا
(يَا ثَبت الله قلب الصب حِين دنا ... من موقف يستطير الْعقل بالطير)
(وَقد تسر بل درع الصَّبْر سابغة ... وَرَاح فى السّير بَين الامن والحذر)
مِنْهَا
(مَا كنت ادرى بَان الْحبّ ذُو محن ... حَتَّى ابْتليت وَلَيْسَ الْخَبَر كالخبر)
стр. 1708
(امسى وداء الامانى لَا يفارقنى ... ان الامانى تضنى الْقلب بِالذكر)
(والجسم قد رق من ضعف وَمن سقم ... حَتَّى تشكى مَسِيس القمص والازر)
(والجفن لم يعرف الاغماض مذ عقدت ... بحاجب مِنْهُ اهداب من الشّعْر)
(كم قلت للقلب من خوف عَلَيْهِ وَقد ... امسى بحب ظباء البدوفى فكر)
(أَنهَاك أَنهَاك لَا آلوك معذرة ... عَن نومَة بَين نَاب اللَّيْث وَالظفر)
(فَمَا أصاخ الى قولى وموعظتى ... حَتَّى رمى من صروف الْحبّ بالغبر)
(ان تمس يَا قلب من قَتْلَى الْهوى فلكم ... مُلُوك عشق هووا من أرفع السرر)
(وَغير بدع فلك الْحبّ سطوته ... تصير الاسد أشلاء الظبا العفر)
(يَا ظبى انس لَهُ فتك الاسود وَمن ... لولاه لم ألف الف الْهم والغير)
(كف الانمارة عَن قلب بِهِ فتكت ... سيوف لحظ صَحِيح الجفن منكسر)
(مَا ان يمر بِهِ يَوْم بِلَا نصب ... وَلَا يُبَاح لَهُ صفو بِلَا كدر)
(سليته يَوْم ملقانا بذى سلم ... حَيْثُ الخزاما وَنبت الضال والسمر)
(وَهَا أَنا مستجير من هَوَاك بِمن ... أَجَارَ ظبى الفلا الْمُخْتَار من مُضر)
مِنْهَا
(سَائل قُريْشًا غَدَاة النَّقْع حَيْثُ رموا ... بِعَارِض من زوام الْمَوْت منهمر)
(وَكَيف أضحوا جفَاء عِنْد مَا غرقوا ... بسيل خيل جرى فى الاخذ منحدر)
(كانما الْخَيل فى الميدان ارجلها ... صوالج ورؤس الْقَوْم كالاكر)
وَقَوله أَيْضا الطائية وأولها
(سقى طللا حَيْثُ الاجارع والسقط ... وَحَيْثُ الظباء العفر مَا بَينهَا تعطو)
(هزيم همول الودق مرتجس لَهُ ... بافنائه فى كل نَاحيَة سقط)
(وَلَو ان لى دمعا يرْوى رحابه ... لما كنت أرْضى عارضا جوده نقط)
(وَلَكِن دمعى صَار أَكْثَره دَمًا ... فَأنى يُرْجَى ان يرْوى بِهِ قحط)
هَذَا كَقَوْل مهيار
(بَكَيْت على الوادى فَحرمت مَاءَهُ ... وَكَيف يحل المَاء اكثره دم)
وكقول الابيوردى أَيْضا فى الْمَعْنى
(سقى الله ليل الْخيف دمعى والحيا ... اريد الحيا فالدمع أَكْثَره دم)
رَجَعَ
(وَلما رمانى الْبَين سَهْما مُسَددًا ... فأقصدنى والحى ألوى بِهِ شحط)
(نحوت باصحابى وركبى أجارعا ... فَلَا دفل يلفي لَدَيْهَا وَلَا خمط)
стр. 1709
(وَجِئْنَا ديارًا لوتصدن لقطعها ... روامس أرياح لاعيت فَلم تخط)
مِنْهَا
(سريت وصحبى قد اديرت لديهم ... سلاف كروى العيس فى سَيرهَا تمطو)
(وَقد مَالَتْ الاكوار وانحلت البرى ... لطول السرى حَتَّى فرى الالسع الغط)
(كأنا ببحر الْآل والركب منجد ... وَنحن بِبَطن الْغَوْر نعلو وننحط)
(كَمثل غريق لَيْسَ يدرى سباحة ... وَقد صَار وسط المَاء يَبْدُو وينغط)
(وقفنا برسم الرّبع وَالرّبع خاشع ... نسائله عَن ساكنيه مَتى شطوا)
(فَلَو أَن رسما قبله كَانَ مخبرا ... لقَالَ لنا سارواو بالمنحنى حطوا)
(كَانَ فنَاء الرّبع طرس وركبنا ... صُفُوفا بِهِ سطر ورسما بِهِ كشط)
(رعى الله طيفا زار من نَحْو غادة ... وَحيا وُفُود اللَّيْل مَا شابه وَخط)
(فحييت طيفا زار من نَحْو ارضها ... وَمن دونهَا وَالدَّار شاسعة سقط)
(فيا طيف هَل ذَات الوشاحين واللمى ... على الْعَهْد أم ألوى بهَا بَعدنَا الشحط)
(وَهل غُصْن ذَاك الْقد يحْكى قوامه ... اذا خطرت فى الرَّوْض مَا ينْبت الْخط)
(وَهل ذَلِك السبط الْمرجل لم يزل ... يمج فتيت الْمسك من بَينه الْمشْط)
(وَهل عقرب الصدغين فى روض خدها ... لشوكتها تحمى ورودا بِهِ تغطو)
(وَهل خصرها بَاقٍ على جور ردفها ... فعهدى بِذَاكَ الردف فى الْجور يشتط)
(وَهل حجلها غصان من مَاء سَاقهَا ... وَهل جيدها بَاقٍ بِهِ العقد والقرط)
(وَهل رِيقهَا كَالْخمرِ يَا صَاح مُسكر ... فعهدى بِهِ قدما وَمَا ذقته اسفنط)
(وَهل ردنها والذيل مهما تفاوحا ... يضوعان عطرا دونه الْمسك والقسط)
(وَهل سرها مَا سَاءَ عشاق حسنها ... وَقد نزفوا للبين دمعا وَقد أطوا)
(وَهل نسيت لَيْلًا وَقد دَار بَيْننَا ... حَدِيث كَمثل الدّرّ سمعى لَهُ سفط)
(وَهل علمت انى نظمت قلائدا ... فَمَا عقدهَا فى الْجيد مِنْهَا وَلَا السمط)
(قلائد فى وصف الذى طوق الورى ... عوارف مثل الْبَحْر لَيْسَ لَهُ شط)
وَقَوله أَيْضا من الفائية وأولها
(أجيراننا الغادين وَاللَّيْل مسدف ... عساكم لمضنى الْقلب أَن تتخلفوا)
(وَركب طلاح صاحبوا النَّجْم فى السرى ... ترامى بهم فى السّير بيد ونفنف)
(نضوا مِنْهُم فى السّير عزما كمرهف ... وأنضوا قلاصا فى المفاوز تعسف)
(يَخُوضُونَ بَحر الْآل يطغى عبابه ... وطورا دياجى اللَّيْل وَاللَّيْل مسدف)
стр. 1710
(كَانَ المطايا والاكلة فَوْقهَا ... سفين بأيدى الارجيات عيدف)
(كَأَنَّهُمْ قد عاقدوا العبس حلفة ... على انها فى كل بيداء توجف)
(الى ان يرَوا تِلْكَ القباب الَّتِى بهَا ... شَفِيع الورى ذَاك النبى المشرف)
وَقَوله أَيْضا من الكافية
(يَا ربة الْحسن لَو تممت حسناك ... لعدت مضنى وَمَا أضناه الاك)
(لابدع فى الشَّرْع عود الصب ذى دنف ... وَكَيف والصب يَا ضمياء مضناك)
(لَا تعجبين وَقد أسقمت مهجته ... والعاشقون وَأهل الحى قتلاك)
(ترمين أسْهم الحاظ تفوقها ... اذا نظرت الى العشاق عَيْنَاك)
(كفى لحاظك ان شِئْت الْبَقَاء على ... هَذَا الاثام اطال الله بقياك)
(لحظى ولحظك مَا زَالَت فعالهما ... تحكى فعائل سفاح وسفاك)
(حذرت قلبى مِمَّا قد ألم بِهِ ... كَأَن تحذير هَذَا الْقلب أغراك)
(هَل تعلمين بَان الْقلب فى قلق ... شوقا اليك وان الْقلب يهواك)
(لولاك مَا بت ارعى النَّجْم ساهرة ... منى الْعُيُون حَلِيف الوجد لولاك)
(لما خطرت بقد كالقنا خطرت ... ذكراك فى قلب صب لَيْسَ ينساك)
(وَكَيف ينساك صب مَاله شغل ... فى كل صبح وليل غير ذكراك)
(أبعدت صبك اذ قربت ذاهلة ... من لَا يزَال مدى الايام يشناك)
(كَأَنَّمَا المبغضون الاصدقاء غدوا ... والاصدقاء وَأهل الْحبّ أعداك)
(نصبت حَبَّة قلبى والضلوع غَدَتْ ... منى كأشباه أفخاخ وأشراك)
(ورمت صيدك يَا أُخْت الغزال فقد ... غَدَوْت وَالْقلب والاشراك أسراك)
(فأضلعى المنحنى اذ تنزلين بهَا ... وحبة الْقلب اذ ترعين مرعاك)
(وَهَا أَنا الْيَوْم عبد طائع فمرى ... يسمع وارضاى فِيمَا فِيهِ ارضاك)
(سُلْطَان حسنك نَادَى فى ممالكه ... وهى الْقُلُوب بِأَنا من رعاياك)
(ملكت قلبى فارعى حق صحبته ... بِعَين عطف فعين الله ترعاك)
(هَل تسمحين بورد الثغر مِنْك لنا ... أَو هَل يجود بنفثات اللمى فَاك)
(قَالَا الاراك وَقد حاس الشفاه وَلم ... يَجْسُر ليدنو مِنْهَا غير مسواك)
(سَأَلتهَا مَا الذى بَين الرضاب أذا ... حَصْبَاء در والا ذَا ثناياك)
(يَا ربة الخدر جاد الْغَيْث مرتبعا ... قد ضمنا فِيهِ جنح اللَّيْل مغناك)
стр. 1711
(حَيْثُ العفاف رَقِيب مَا يزايلنا ... وَحَيْثُ مغناك معمور بمعناك)
(وجاد سلعا وقرا أرضه شرفت ... على سَمَاء وجنات وأفلاك)
(بِهِ اسْتَقر الذى فاق الانام علا ... وساد حَتَّى على جن واملاك)
وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى من قصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا هَذَا
(أذكرت ربعا من أُمَيْمَة أقفرا ... وأسلت دمعا ذَا شُعَاع أحمرا)
(أم شاقك الغادون عَنْك سحيرة ... لما سروا وتيمموا أم الْقرى)
(زموا المطى وأعنقوا فى سيرهم ... لله دمعى خَلفهم ياما جرى)
(مَا قطرت فى السّير أجمال لَهُم ... الا ودمعى فى الركاب تقطرا)
(فَكَأَن ظهر البيد بطن صحيفَة ... وقطارها فِيهِ تحاكى أسطرا)
(وَكَأَنَّهَا وهوادجا قد رفعت ... سفن ولمع الْآل يحْكى الابحرا)
(شكت الركائب من حثيث مسيرها ... وونين من جذب الازمة والبرا)
(رحلوا وَمَا عاجوا على مضناهم ... واها لحظى كَيفَ كنت مُؤَخرا)
(ان كَانَ جسمى فى الديار مخلفا ... فالقلب مَعَهم حَيْثُ قَالُوا هجرا)
(لم يأل جهدا فى الْمسير لَعَلَّه ... يحظى بِقرب أَو يَمُوت فيعذرا)
وَقَالَ أَيْضا ﵀ من أُخْرَى على وَزنهَا ورويها مطْلعهَا
(مَا لَاحَ فى افق المحاسن اَوْ سرى ... الا حمدت بلَيْل طرته السرى)
(عقد الازار على كثيب فى نقا ... فغدا اصطبارى عَنهُ محلول العرى)
(لَا تذكر الغزلان عِنْد كناسها ... مَعَه فان الصَّيْد فى جَوف الفرا)
وَمن بدائعه رَحمَه الله تَعَالَى هَذِه الثَّمَانِية الابيات وَلها سبع قواف تقْرَأ على ثَلَاثَة عشر وَجها بِلَا كلفة وتبلغ بالتداخل الى مِائَتَيْنِ وَسِتَّة وَخمسين وَجها وبامعان النّظر والتداخل وبالضرب تبلغ اربعة آلَاف وَسِتَّة وَسبعين وَجها وَيخرج مِنْهَا مُحَمَّد زُرَيْق مرَّتَيْنِ وَبِالْجُمْلَةِ فهى من محَاسِن النظام وهى هَذِه
(ملك الْجمال بحسنه لما انثنى ... هَذَا الرشا ... من تيهه متأودا)
(حَاز الملاحة ياله ... قلبى سبا ... ريقا حمى ... حاوى الرضاب مبردا)
(من لحظ بابل جفْنه ... اذ قَدرنَا ... متحرشا ... ماضي الحسام مُجَردا)
(دمع الكئيب أساله ... فَلهُ صبا ... بدر سما ... دع عَنْك رشدى وَالْهدى)
(زَاد الحزين بغينه ... وهى المنى ... لما مَشى ... زين المحاسن قد بدا)
стр. 1712
(ريم يفوق غزاله ... بَين الربى ... عذب اللمى ... رشأ ربيبا اغيدا)
(يهوى الخلود بسجنه ... مِمَّا جنى ... اضنى الحشى ... يبغى الْهَلَاك تعمدا)
(قلب اليه أماله ... وَله نبا ... وجد نما ... قاسى الْفُؤَاد بِهِ الردى)
قَالَ الخفاجى فى الخبايا وَكنت كتبت اليه قصيدة تائية من شعر الصِّبَا تنبه بهَا فى صباح الْعُمر نسيم الصِّبَا كَمَا قَالَ الباخرزى هى التَّمْر باللباب بل هى باكورة ثمار الْآدَاب بل الرَّوْض النَّضِير الذى سقى من مَاء الشَّبَاب وَكنت لما مدحته نوه باسمى وَجرى من الْكَرم على رسمه فَوق رسمى كتبت اليه فصلا مِنْهُ قولى سيدى وَأَنت أَنْت وَأَنا أَنا ان أصبت الْغَرَض فبباعك استعنت وَكَيف لَا يَعْلُو شهَاب تنؤه بِذكرِهِ وتشرق بأنوارك السّنيَّة سَمَاء قدره وَحقّ شعر أَنْت لَهُ رَاوِيه أَن يبيت لكل بَيت مِنْهُ فى الْقلب زاويه ويطأ بأخمصه هَامة النُّجُوم ويرفرف طَائِر يمنه على نسر السَّمَاء ويحوم كَمَا قَالَ شيخ المعرة فى الْمَعْنى
(والنحل يجنى المر من نور الربى ... فَيصير شَهدا فى طَرِيق رضابه)
اَوْ كَمَا قَالَ قاضى تستر والشئ بالشئ يذكر
(شعرى وَأَنت لَهُ الراوى لرفعته الشعرى وشعرى شعرى حَيْثُمَا رويا ... )
(وَالْبَحْر يلفظ درا كَانَ واقعه ... فى اذن أصدافه قطرا اذا رعيا)
أَو كَمَا قَالَ أَيْضا
(أخذت قولى معوجا وتورده ... على الورى مُسْتَقِيمًا حَيْثُمَا اجتليا)
(كالشمع يقبل نقش الفص منعكسا ... مكتوبه ليريه النَّاس مستويا)
فأجاد وجاد وَصفا من قذى الكدر موارد الوداد ثمَّ أورد قصيدته الَّتِى رَاجعه بهَا برمتها ومطلعها هَذَا
(طَالَتْ وَقد قصرت عَنْهَا الْعبارَات ... وحازت الْحسن هاتيك البراعات)
يَقُول فِيهَا
(غراء فائقة باللطف رائقة ... تحلو الخلاعات فِيهَا والصبابات)
(أُخْت الغزالى اشراقا وملتفتا ... لَهَا لَدَى السّمع لذات ونشوات)
ثمَّ ذيل القصيدة بقوله تذييل فى حسن الختام من البديع الِاسْتِخْدَام كَقَوْلِه أُخْت الغزالة الخ الا ان هُنَا فَائِدَة يتبغى التَّنْبِيه عَلَيْهَا وَهُوَ ان الْمَذْكُور فى البديع هُوَ الِاسْتِخْدَام بالضمير وَهُوَ مَعْرُوف وَهُوَ لَا ينْحَصر فِيهِ فَيكون باسم الاشارة وَهُوَ ظَاهر وَقد يكون بالتمييز كَقَوْلِه اشراقا وملتفتا وَهُوَ مصدر لَا ضمير فِيهِ وَقد أغرب سيدنَا الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عمر بن الفارض قدس الله روحه اذ استخدم
стр. 1713
بِالِاسْتِثْنَاءِ فى قَوْله رضى الله تَعَالَى عَنهُ
(أبدا حديثى لَيْسَ بالمنسوخ الا فى الدفاتر ... )
انْتهى قلت لكنه فى اسْتِعْمَاله الغزالة بِمَعْنى الظبية اعْتِرَاض مَشْهُور وزبدته ان الغزالة لم يسمع الا بِمَعْنى الشَّمْس فى أول النَّهَار الى الِارْتفَاع واما فى مؤنث الغزال فَلَا يُقَال غزالة بل ظَبْيَة وَقد غلطوا الحريرى فى قَوْله فَلَمَّا ذَر قرن الغزالة طمر طمور الغزالة وَقَالُوا لم تقل الْعَرَب الغزالة الا للشمس وَقد رد هَذَا الدمامينى فى حَاشِيَته على شرح لامية الْعَجم للصلاح الصفدى وَأورد لَهُ شَوَاهِد كَثِيرَة انْتهى قَالَ البورينى وَكَانَ الصالحى الْمَذْكُور يعادى معاصره أَحْمد العناياتى الْمُقدم ذكره فيذمه ويقدحه ويؤلمه ويجرحه عملا بِمَا عَلَيْهِ الاقران من التحاسد والخذلان وَكَانَ اذا أغضبهُ يُنكر حَسبه ويستلئم نسبه وَيَقُول هَذَا من سبتيات مَكَّة وَكَانَ فى وَقت الرِّضَا يُنكر مَعْرفَته ويبدى نُسكه وَمَا كَانَ ذَلِك الا للحسد الذى لَا يَخْلُو مِنْهُ فى الْغَالِب جَسَد لَا سِيمَا أهل الْفَضَائِل فان الْحَسَد عِنْدهم مركوز فى الطبائع غير زائل وَكَانَ العناياتى أَيْضا يسب الصالحى الْمشَار اليه وَكَانَ شَدِيد البغض لَهُ والتحامل عَلَيْهِ كنت يَوْمًا ماراً فى بعض أَزِقَّة دمشق فصادفته فَقَالَ لى هَل سَمِعت بالخراع الذى أبداه مُحَمَّد الصالحى فَقلت لَهُ الام تُشِير وعَلى أى كَلَام تبدى النكير فَقَالَ انه يَقُول فى مطلع مرثيته لشيخك الْعَلامَة العمادى الحنفى الدمشقى
(لم أقض من يَوْم الْفِرَاق شؤنى ... فَقضيت ان لم أجر مَاء جفونى)
قَالَ انْظُر الى عدم الرابطة بَين المصراعين وأى مُنَاسبَة بَين الجزءين هَذَا مَعَ كَونه مأخوذا من قَول بهذب الدّين الموصلى أَخذه أخذا شنيعا وَسَرَقَهُ وكساه ثوبا فظيعا لَا وشيا بديعا وَلَا زهرا أظهره الزَّمَان ربيعا فَقلت كَيفَ قَالَ مهذب الدّين فى نظمه الْمُهَذّب فانشدنى لَهُ مطلع قصيدة منضدة من الدُّرَر فريده وَذَلِكَ
(أعلمت حَقًا ان مَاء شؤنى ... سَبَب يدل على خَفَاء شؤنى)
قَالَ حشفا وَسُوء كَيْله انها خطة سوء فى أَسْوَأ قبيله وانكر عَلَيْهِ كثيرا من مَعَانِيه وغط فى شئ من مستهجن مبانيه قلت أمامنا مناقشته فى الْمعَانى فغالبها مسلمه وَأما مناقشته فى الالفاظ فكالسيوف المثلمه لَيست عندنَا بمقبوله وَلَا عَن الاعلام منقوله فَأَقُول اما قَوْله أَخذه من قَول الْمُهَذّب ان اراد انه أَخذ لفظى الشؤن فَمُسلم لَهُ وَلَا مَحْذُور فِيهِ اذا الالفاظ لَيست بِملك لَاحَدَّ وان أَرَادَ أَنه أَخذ الْمَعْنى فقد أبعد
стр. 1714
واما قَوْله لَا رابطة بَين المصراعين فليت شعرى اذا كَانَ لم أقض جَوَاب الشَّرْط على ان يكون الْمَعْنى ان لم أجر مَاء عروق دمعى لم أقض من يَوْم الْفِرَاق أمورى فمت والمرء اذا لم يقْض اموره الَّتِى لابد مِنْهَا يكون مَعْدُوما أى وصمة فِيهِ على انه يرْوى اذ مَكَان ان فالارتباط حِينَئِذٍ أجلى من الجلى وَالْعجب من البورينى كَيفَ رافقه وَوَافَقَهُ ويغلب على ظنى أَنه فى هَذَا المعرض نافقه وأعجب من هَذَا أَنه قَالَ بعد مَا نقل كَلَامه نعم انه رأى لَهُ ضَبطه فى كتاب خطه وَهُوَ ديوَان الاستاذ سيدى عمر بن الفارض قدس الله سره الْعَزِيز عِنْد قَوْله فى تائيته الْكُبْرَى الْمُسَمَّاة بنظم السلوك حَيْثُ قَالَ رضى الله عَنهُ
(ففى مرّة لبنى وَأُخْرَى بثينة ... وآونة تدعى بعزة عزت)
فان الصالحى كتبهَا بعزة عزة وَكتب اللَّفْظَيْنِ على صُورَة وَاحِدَة بِالتَّاءِ المربوطة الصَّغِيرَة وَذَلِكَ مُخَالف للصَّوَاب بل الْحق كِتَابَة الاولى بِالتَّاءِ المربوطة وَالثَّانيَِة بِالتَّاءِ الممدودة على انه فعل مَاض وان الْجُمْلَة دعائية أى أعزها الله تَعَالَى فان هَذَا مِمَّا لَا يسْقط فَضِيلَة فَاضل وَلَا ينقص مرتبَة كَامِل وَمَا من أحد سلم من عَثْرَة لِسَان كَيفَ والسهو وَالنِّسْيَان من عَادَة الانسان فَهَذَا العناياتى قَالَ فى مطلع فائيته
(قلبى على قدك الممشوق بالهبف ... طير على الْغُصْن أَو همز على الالف)
فدق فى بَيته كَمَا دق ثمَّ تَدَارُكه الله تَعَالَى بتوجيه أرق من كل شَعْرَة وأدق فَأَما الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ فِيهِ فَهُوَ انه لَا وَجه لتشبيه الْقلب بِالْهَمْزَةِ وَهَذَا الِاعْتِرَاض قوى وَأما الْجَواب فَيمكن ان يُقَال انه لما شبهه بطير على غُصْن وَهُوَ كثير فى الشّعْر نزله منزلَة الْمُحَقق فَبنى عَلَيْهِ تَشْبِيها آخر كالترشيح لَهُ لَان الطَّائِر على الْغُصْن يشبه بذلك كَمَا قَالَ بَعضهم فى وصف قصيدة وَهُوَ قَوْله
(والقوافى اليك حنت حنينى ... فَتَأمل فهمزها وَرْقَاء)
وَهَذَا الْجَواب للخفاجى وَهُوَ غَرِيب جدا وَبِالْجُمْلَةِ فالصالحى والعناياتى فى الادب فرسا رهان وطليقا عنان وان أربى الصالحى فى الْمُشَاركَة فى الْفُنُون العلمية والتفوق بِحسن الْخط التَّعْلِيق والعراقة فى الْجُمْلَة وَكَانَت وِلَادَته فى دمشق فى سنة سِتّ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتوفى نَهَار الِاثْنَيْنِ تَاسِع عشر صفر سنة اثنتى عشرَة بعد الالف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
مُحَمَّد بن نعْمَان بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشهير بالايجى الدمشقى الشافعى الْعَالم الْعَامِل
стр. 1715
التقى كَانَ من الْفضل فى رُتْبَة علية وَكَانَ حسن الاخلاق مرضى الشيم قَرَأَ على الْعَلامَة أَسد الدّين بن معِين الدّين التبريزى الدمشقى وعَلى الشَّمْس بن المنقار وَالْجد القاضى محب الدّين وَحَازَ الادب وَالْعلم والحلم ودرس بِبَعْض مدارس دمشق وَأفَاد وَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة وَكَانَ جيد الْخط قَوِيا على الْكِتَابَة بالضبط الصَّحِيح وَكتب كتبا كَثِيرَة وحواشى عديدة وَتزَوج بابنة نقيب الاشراف السَّيِّد حُسَيْن بن السَّيِّد حَمْزَة ولد لَهُ مِنْهَا ولدان وهما أَحْمد وَتقدم دكره وَيحيى وسيأتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فى شهر رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بالاميجبية بسفح قاسيون والايحى تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فى تَرْجَمَة ابْنه أَحْمد انْتهى
مُحَمَّد بن نور الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الدرا الدمشقى الشافعى الاديب الشَّاعِر المطبوع كَانَ من أنبل أَبنَاء وقته فَاضلا ممتع المحاضرة معاشرا مسلوب الِاخْتِيَار مغرما بالجمال كثير الهيام والتعشق وَلِهَذَا رق شعره وعذب موقعه فان من شفه الغرام يَأْخُذ مِنْهُ وَيدْرك مراميه فِيهِ وعَلى كل حَال فَمَا أرَاهُ الا محسنا فى غزلياته وان لم يطلّ بَاعه فى الشّعْر وأنواعه قَرَأَ الْعَرَبيَّة على شَيخنَا النَّجْم مُحَمَّد بن يحيى الفرضى وَحضر دروس النَّجْم الغزى وَكَانَ قبل ذَلِك حضر دروس الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى وتفوق من حِين نشأته وشاع فَضله وَبحث وناظر ونظم وَقد وقفت لَهُ على أَبْيَات من بَحر الرجز كتبهَا الى العمادى الْمُفْتى الْمَذْكُور يسْأَله فِيهَا عَن بَيت الاستاذ ابْن الفارض رضى الله تَعَالَى عَنهُ فى قصيدته الكافية وَهُوَ قَوْله
(وَمر الغمض أَن يمر بجفنى ... فكانى بِهِ مُطيعًا عصاكا)
والابيات هى هَذِه
(مَاذَا يَقُول جهبذ الجهابذة ... وكعبة الطلاب والتلامذه)
(حبر الْعُلُوم صَاحب التَّحْقِيق ... بَحر الندى ومعدن التدقيق)
(مِفْتَاح ايضاح الْمعَانى من غَدا ... كنزا لمن رام الْهدى ومقصدا)
(هِدَايَة الفحول والاكابر ... رقى على الاشباه والنظائر)
(شيخ على مَشَايِخ الاسلام ... وَصَاحب الافتاء للانام)
(فى قَول شيخ الْوَقْت والحقيقه ... أستاذ أهل الله فى الطريقه)
(أعنى بِهِ ابْن لفارض السالك فى ... مَرَاتِب الرقى فى التصوف)
(فى فكانى حَيْثُ جَاءَ بعده ... بِهِ مُطيعًا سؤلنا مَا قَصده)
стр. 1716
(أبن لنا اعرابه وَالْمعْنَى ... وفز بتكرار الدُّعَاء منا)
(واعذر فَعَن ضَرُورَة سؤالى ... لَا زلت ترقى رتب المعالى)
فَأَجَابَهُ بقوله
(يَا فَاضلا أهْدى لنا ارجوزه ... بديعة بليغة وجيزه)
(لَا غر وَحَيْثُ انه ابْن الدرا ... فَهُوَ بأنواع الْفُنُون أدرى)
(وجده الولى ذُو مَنَاقِب ... رؤتها عَمَّن رَوَاهَا عَن أَبى)
(عَلَيْهِم الرَّحْمَة والرضوان ... ثمَّ بهم يَرْحَمنَا الرَّحْمَن)
(سَأَلت عَن بَيت الولى الفارضى ... روحه الله بِفضل فائض)
(لكَونه من معضل الابيات ... معنى واعراباً لَدَى النجَاة)
(اما كَانَ فهى للتقريب ... ان شِئْت فَانْظُر مغنى اللبيب)
(فقد حكى الاقوال فى اعرابها ... وَكلهَا غَرِيبَة فى بَابهَا)
(ذكرت بعض أوجه لطيفه ... مِنْهَا وأعرضت عَن الضغيفه)
(ثمَّ قرنت بالوجوه الْمَعْنى ... مناسبا لما عَلَيْهِ يبْنى)
(وَذَاكَ وسع طَاقَة الامكان ... فى فهم قَول الْعَارِف الربانى)
(أوردته نثرا لضيق النّظم ... مرتجيا تقريبه للفهم)
(معترفا بِالْعَجزِ وَالتَّقْصِير ... فى مثل هَذَا المسلك الخطير)
(ثمَّ ختمته بِحَمْد ربى ... مستعفيا مُسْتَغْفِرًا لذنبى)
(مُصَليا مُسلما على النبى ... القرشى الهاشمى العربى)
(وَآله وَصَحبه الابرار ... وتابعيه السَّادة الاخيار)
(وَقَالَ ذَاك أَضْعَف الْعباد ... عبيد رَحْمَن الورى العمادى)
اعْلَم ان كَانَ فى الْبَيْت حرف تقريب على رأى الْكُوفِيّين مثلهَا فى قَوْلهم كانك بالشتاء مقبل وكانك بالفرج آتٍ وكانك بالدنيا لم تكن وكأنك بِالآخِرَة لم تزل وَقَول الحريرى من قصيدته الفريدة من مقاماته المفيدة
(كانى بك تنحط ... الى الْجهد وتنغط ... وَقد اسلمك الرَّهْط ... الى أضيق من سم)
وَقد اخْتلف النحويون فى اعراب ذَلِك على اقوال أقواها قَول أَبى على الفارسى ان الْكَاف فى كَأَنَّك حرف خطاب وَالْيَاء فى كانى حرف تكلم لَا مَحل لَهَا من الاعراب وَالْبَاء بعدهمَا زَائِدَة وَالْمَجْرُور بهَا مَحَله النصب على انه اسْم كَانَ التقريبية وَالْجُمْلَة
стр. 1717
بعْدهَا خبر ثمَّ الالطف من تِلْكَ الاقوال قَول الامام أَبى الْفَتْح نَاصِر الدّين المطرزى النحوى الْفَقِيه الحنفى خَليفَة الزمخشرى ان أصل الْكَلَام كانى ابصر الدُّنْيَا لم تكن وكانى ابصرك تنحط ثمَّ حذف الْفِعْل وزيدت الْبَاء ونقول التَّقْدِير كَأَنَّك تبصر بالدنيا أى تشاهدها من قَوْله تَعَالَى فبصرت بِهِ عَن جنب وَالْجُمْلَة بعد الْمَجْرُور وبالباء حَال وَالْمعْنَى كَأَنَّك تبصر بالدنيا وتشاهدها غير كائنة انْتهى وَقَالَ الرضى الاولى ان تبقى كَانَ على معنى التَّشْبِيه وَلَا يحكم بِزِيَادَة شئ انْتهى وَهَذَا من الرضى انتصار لمَذْهَب الْبَصرِيين فى انكار افادة كَانَ معنى التَّقْرِيب وابقائها فى مثل هَذِه الامثلة على معنى التَّشْبِيه الاصلى فَنَقُول فى اعراب الْبَيْت على قَول أَبى على الْيَاء فى كانى حرف تكلم لَا مَحل لَهَا من الاعراب وَالْبَاء فى بِهِ زَائِدَة وَالْهَاء مَنْصُوبَة الْمحل اسْم كَانَ التقريبية وَجُمْلَة عصاك خَبَرهَا ومطيعا حَال من فَاعل عصاك وَالْمعْنَى كَانَ الغمض عصاك فى حَال طَاعَته وسيأتى بَيَان صِحَة هَذَا الْكَلَام ان شَاءَ الله تَعَالَى وعَلى قَول المطرزى الْيَاء ضميرالمتكلم مَنْصُوبَة الْمحل اسْم كَانَ التقريبية وخبرها مَحْذُوف تقديرها ابصر وَالْبَاء زَائِدَة وَالْهَاء مفعول الْفِعْل الْمَحْذُوف وَجُمْلَة عصاك حَال من الْهَاء ومطيعا حَال متداخلة من فَاعل عصاك وَالتَّقْدِير كانى ابصر الغميض عَاصِيا لَك فى حَال طَاعَته وعَلى قَول الرضى الْيَاء اسْم كَانَ التَّشْبِيه وخبرها مَحْذُوف وَبِه مُتَعَلق بالمحذوف وَالتَّقْدِير كانى ابصر بالغمض وأشاهده عَاصِيا لَك فى حَال طَاعَته ومحصل الْمَعْنى المُرَاد من الْبَيْت وَالله أعلم أَن الشَّيْخ أَفَادَ فى الْبَيْت الذى قبله وَهُوَ قَوْله رضى الله عَنهُ
(ذاب قلبى فَأذن لَهُ يتمناك وَفِيه بَقِيَّة لرجاكا ... )
انه على شرف الفناء وَلَكِن فِيهِ بَقِيَّة رَمق يُمكنهُ فِيهَا تمنى الْوِصَال ثمَّ سَأَلَ فى هَذَا الْبَيْت ان لم يسمح بالاذن الْمَذْكُور ان يَأْمر الغمض بالمرور بجفنه الْآن حَيْثُ يُمكن الغمض ان يطيعه فى الْمُرُور مَا دَامَت الْبَقِيَّة مَوْجُودَة لانها اذا زَالَت انْعَدم مَحل الغمض بالفناء الْمَحْض فَلَا يُمكن الغمض طَاعَته من الْمُرُور بالجفن بعد انعدامه ثمَّ بَين بقوله فكأنى بِهِ الخ أَن بَقِيَّة الرمق وان كَانَت مَوْجُودَة الْآن وَطَاعَة الغمض مُمكنَة لَكِنَّهَا قريبَة الزَّوَال وعَلى شرف الاضمحلال حَتَّى كَانَ عصيان الغمض لتحَقّق قرب وُقُوع الزَّوَال وَاقع فى حَال طَاعَته الْآن من غير امهال فعلى كَون كَانَ تقريبية أفادت أَن حَال بَقِيَّة الرمق الَّتِى يُمكن فِيهَا طَاعَة الغمض قريبَة
стр. 1718
من حَال الفناء الَّتِى يَقع فِيهَا عصيانه وتمتنع طَاعَته حَتَّى كَأَنَّهَا وَاقعَة فِيهَا وعَلى كَونهَا تشبيهية أفادت ان حَال بَقِيَّة الرمق الَّتِى يُمكن فِيهَا الطَّاعَة شَبيهَة بِحَال الفناء الَّتِى يَقع فِيهَا الْعِصْيَان حَتَّى كَأَنَّهَا هى وَكَانَ الْعِصْيَان الْوَاقِع فى تِلْكَ الْحَالة مُقَارن للطاعة الْوَاقِعَة فِيهَا انْتهى عوداً لذكر صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ رَحل الى الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ سُلْطَان وَمن عاصره ثمَّ حج وجاور وَأخذ بِمَكَّة عَن ابْن عَلان الصديقى وتكرر لَهُ بعد ذَلِك السّفر الى مصر ومدح بهَا الاستاذ مُحَمَّد ابْن زين العابدين الْكُبْرَى بقصيدتين مطلع الاولى
(خليلى حطا بالركائب فى مصر ... سَقَاهَا وحياها الهزيع من الْقطر)
وَالثَّانيَِة
(من لقلب من الْهوى لَا يفِيق ... وعيون انسانهن غريق)
وَاجْتمعَ بِهِ والدى بهَا فى سنة سِتِّينَ وَألف ثمَّ حج وجاور بِمَكَّة فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَعمل بِمَكَّة شرحا على سقط الزندلابى الْعَلَاء المعرى وَجعله برسم الشريف زيد بن محسن وصدره بقصيدة من نظمه ثمَّ أدْركهُ الْمَرَض بِمَكَّة وَلم يكمل الشَّرْح وَالْقَصِيدَة الْمَذْكُورَة مطْلعهَا هَذَا
(خُذ يَمِين الْحمى فثم بدور ... طلعت فى دجى الشُّعُور تنير)
(كل بدر يقلهُ غُصْن بَان ... مثمر بالدلال لدن نضير)
(فقدت قَلبهَا المناطق فِيهِ ... فهى حيرى على الخصور تَدور)
(سلب الظبى لفتة ولحاظا ... ظبى أنس مرعاه منا الضَّمِير)
(كل لحظ اذا أَشَارَ بشزر ... فالمنايا تحل حَيْثُ يُشِير)
(واذا شابه الرضى فحياة ... فَهُوَ حتف طورا وطورا نشور)
(خل عَنْك الرقى فسحر ظباه ... فى نفوس الرقى لَهُ تَأْثِير)
(ان نضاه فَلَا يقيك مجن ... وَلَو ان الْمِجَن مِنْهُ ثبير)
(قد وَحقّ الْهوى وعهد التصابى ... أعوز العاشقين مِنْهُ المجير)
(بيد أَن تستجير بِالْحرم الآمن حَيْثُ الملاذ حَيْثُ النصير ... )
(حَيْثُ قطب الْمُلُوك فى فلك الْمجد عَلَيْهِ زهر الفخار تَدور ... )
يَقُول فى مديحها
(شرف المشرفى حِين رقى مَا ... رصعته من الْمُلُوك الثغور)
(من بنان الشريف فَهُوَ على الْهَام الى الله بِالسُّجُود يُشِير ... )
стр. 1719
(فى مقَام تكَاد هام عداهُ ... قبل ان ينتضى ظباه تطير)
(نظرة أحمدية حبذا من ... آيَة الرعب للشريف نصير)
(مَعَ امضاء عَزمَة هى فى الْحَرْب اذا طاشت الْعُقُول سعير ... )
(وتراه بالبشر يعرف اذ ذَاك وَقد أنكر العشيرا لعشير ... )
(فى بنان الْيَسَار مِنْهُ عنان الطّرف وَالْمَوْت فى الْيَمين أَسِير ... )
(موطئا مِيم مهره عبن أعداه وهم فى طرس الْوَطِيس سطور ... )
(لابسا لَام طَاعَة ألف الْخَوْض ببحر الهيجاء وَهُوَ صَغِير ... )
(حَيْثُ لَا مهد غير سرج المذاكى ... وَله هَالة الشموس سَرِير)
وَهَذِه القصيدة من أَجود شعره واكتفيت مِنْهَا بِهَذَا الْقدر لَان لَهَا أَخَوَات تذكر بقَوْلهمْ لكل جَدِيد لَذَّة فَمِنْهَا مَا كتبه الى بعض خلانه من أهل مَكَّة المشرفة وَهُوَ قَوْله
(فَدَيْنَاك من خل ارق من الصِّبَا ... واعذب من ترشاف كأس لمى الثغر)
(وآخذ للالباب من سُورَة الطلا ... وانفذ فِيهَا من مخالسة السحر)
(واشهى الى الاحداق من رونق الضُّحَى ... بروض كسته الدّرّ غادية الْقطر)
(وابهج من روق الشَّبَاب زهرَة ... وَقد قذيت اجفان حَادِثَة الدَّهْر)
(واوقع للآمال من وصف معرض ... تميل الامانى ان يُبِيح سوى الهجر)
(من التّرْك فى احداقه طبعة الجدجا ... وتشرق من أطواقه طلعة الْبَدْر)
(اذا خامرته نشوة الدل وَالصبَا ... يُرِيك المنايا من لواحظة الشزر)
(رَقِيق حواشى الْحسن كالورد مترف ... يبرمه وحى الوشاح الى الخصر)
(رخيم الْمعَانى كالسلاف لطافة ... يكَاد مَعَ الارواح من لطفه يجرى)
(تدفق فى خديه مَاء جماله ... فَاطلع وردا فى خمائله الْخضر)
(وَمَال بعطفى بانة نقوية ... بريقته نشوان لَا بطلا الْخمر)
(يجر ذيول التيه فِينَا تصلفا ... فيختلس الالباب منا وَلَا ندرى)
(أما وسويعات لنا بوصاله ... نعمنا بهَا بالأمن من سطوة الهجر)
(لانت على وفْق المنى ورضا الْهوى ... وانك ملْء الْعين والسمع والصدر)
(وَلَيْسَ لصهباء المدامة موقع ... اذا رحت تملى بَيْننَا أكؤس الشّعْر)
(سأثنى على الايام مَا دمت انها ... رمتنى الى مَا لم يجل قطّ فى فكرى)
وَلما نظم هَذِه القصيدة عتب عَلَيْهِ بعض الادباء بِمَكَّة وَقَالَ ان فلَانا الذى مدحته
стр. 1720
بِهَذِهِ لَا يَسْتَحِقهَا فَكتب للمعاتب فى الْحَال يَقُول لَهُ
(يَا من تنكر وَهُوَ كالنبراس ... أَو تختفى اللألىء بَين النَّاس)
(هون عَلَيْك فَمَا كَذَلِك من جرت ... منا اليه جداول الايناس)
(وتسابقت أَرْوَاحنَا لوداده ... مرتاضة لَيست بِذَات شماس)
(فعلام أَو فيمَ التناكر بَعْدَمَا ... هَب التعارف طيب الانفاس)
(ان كَانَ ذَلِك من تجنيك اتئد ... فالقلب طود للتجنى راسى)
(أَو كَانَ من طرف الدَّلال وتيهه ... فعلى محاجرى الْقبُول وراسى)
(لَكِن أرى فى ضمن مَا أرشفتنى ... من كأس عتبك حسنها من كاس)
(عوض الْحباب قذى يكدر مَا صفا ... من سلسبيل مزاجها للحاسى)
(فالغض فِيمَا بَين اخوان الصَّفَا ... من بَعضهم من زِينَة الوسواس)
( ... وأعيذ جمعكم المنضد شَمله ... من شَرّ خلسته بِرَبّ النَّاس)
(هَذَا وَمَا نظمى القريض لانه ... فخرأتيه بِهِ على الْجلاس)
(لَكِن فِيهِ للنفوس علالة ... تخْتَار كالريحان للاكياس)
(لَا تعتقد أَنِّي أرَاهُ صناعَة ... وأعده من حليتى ولباسى)
(مَا الْفَخر الا بالعلوم وكسبها ... أفدى رقائقها بِكُل حواسى)
(فبها يجر الْمَرْء أذيال العلى ... وبغيرها عَار وان يَك كاس)
(وَأَبِيك لَا أزهو بِنِسْبَة غَيرهَا ... انى وَتلك الرَّأْس للرآس)
وَمن غزلياته أَيْضا قَوْله
(مَال كالغصن حركته الشَّمَائِل ... يتثنى تيها بلطف الشمايل)
(رشأ دب فى لواحظه الغنج وأضحى فى طرفها السحر جائل ... )
(لست أدرى أبابل هى هذى ... أم اليها بِالسحرِ تنْسب بابل)
(سل مِنْهَا على الْقُلُوب سيوفا ... مَا لَهَا غير عارضيه حمائل)
(تقتل الصب وَهُوَ يصبو اليها ... وَعَجِيب ميل الْقَتِيل لقَاتل)
(اهيف زانه الْجمال ولاحت ... بَين عطفيه للدلال دَلَائِل)
(تخذ الْعجب عَادَة فمحال ... أَن يرى فِيهِ للوصال مخائل)
(جذبتنى الحاظه فاطعت الْحبّ فِيهِ وَقد عصيت العواذل ... )
(نحلتنى فِيهِ الصبابة حَتَّى ... صَار هَذَا النحول فى مفاصل)
следующие страницы →