Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
ابْن فتح الله وَطلب مِنْهُ أَن يُجِيزهُ فَأَجَابَهُ بديهة بقوله
(انى أجزت الْمُصْطَفى الفتحى بِمَا ... أرويه عَن أَشْيَاخ أهل الْموصل)
(ومحققى أهل الْعرَاق وجلق ... وَالروم والشهباء أكْرم منزل)
(وَبِكُل مَا ألفته ونظمته ... ونقلته عَن كل عذب المنهل)
(وَبِمَا يطول اذا ذكرت جَمِيعه ... بل بعضه فكفايتى بالافضل)
(أعنى البخارى الصَّحِيح وَمُسلمًا ... وَبَقِيَّة السِّت الشهيرة فانقل)
(عَن شَيخنَا العرضى وَهُوَ أَبُو الوفا ... عَن عَالم الشهبا الامام الافضل)
(عمر أَبِيه عَن أَبِيه ذى التقى ... عبد لوهاب عَن الشَّيْخ الولى)
(زكرينا عَن حَافظ الدُّنْيَا شهَاب الدّين أَحْمد بن سيدنَا على ... )
(العسقلانى الْحفاظ الحبر الذى ... ينْهَى اليه كل ذى سَنَد على)
(وَجَمِيع مَا يرويهِ فى فهرسته ... اطلبه فِيهِ تَجدهُ ثمَّة وادع لى)
وَلما رَجَعَ من الْحَج توفى بحلب وَدفن بهَا وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف عَن ثَلَاث وثماتنين سنة تَقْرِيبًا
مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حسن البابى ثمَّ الحلبى الْمَعْرُوف بِابْن البيلونى الْعَدْوى الشافعى الشَّيْخ أَبُو الثَّنَاء نور الدّين الامام الْعَالم المقرى الْمُحدث من صرف عمره فى الْعلم تعلما وتعليما نَشأ فى حجر عَمه أَبى الْيُسْر مُحَمَّد البيلونى امام الحجازية بحلب لوفاة وَالِده وَهُوَ صَغِير ثمَّ حفظ الْقُرْآن وَقَرَأَ للسبعة على الشَّيْخ الضَّرِير ابراهيم القابونى ثمَّ قَرَأَ على الشَّيْخ الامام عبد الْوَهَّاب العرضى فى المهاج الفرعى ثمَّ على الشَّيْخ عبد الْقَادِر التكسيرى حِصَّة فى الارشاد لِابْنِ المقرى ولازم الرضى بن الحنبلى كثيرا فَقَرَأَ عَلَيْهِ وَسمع مِنْهُ وَحضر دروسه طرفى النَّهَار واستفاد مِنْهُ وترقى على يَده وَأخذ عَنهُ مَعَ الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية الحَدِيث وَعَن أَبِيه الْبُرْهَان الحنبلى صحيحى البخارى وَمُسلم اجازة فى مرض الْبُرْهَان وَعَن الشَّيْخ الْمُوفق شيخ الشُّيُوخ الْكتب السِّتَّة اجازة وَكتب استدعاء الى مصر ودمشق فَكتب لَهُ محدثوهما وعلماؤهما وَلما حج فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة اجْتمع بعالم الْحجاز الشهَاب أَحْمد ابْن حجر الهيتمى وَكتب لَهُ اجازة طنانة بالافتاء والتدريس وَلم يجْتَمع بِهِ الا أَيَّام الْحَج فَقَط فانه لم يجاور ثمَّ عَاد الى حلب وَقد فضل فى حَيَاة شَيْخه ابْن الحنبلى فَكَانَ يدرس فى زَمَانه وَكَانَ ابْن الحنبلى يجله وَأخذ عَنهُ جمع كثير مِنْهُم شيخ حلب عمر العرضى
стр. 1787
وَذكره فى تَارِيخه وَذكر مقروآته عَلَيْهِ قَالَ ثمَّ اشْتغل بخويصة نَفسه وَجلسَ فى بَيته وَعمر لَهُ ابراهيم باشا جَامعه الذى بِجَانِب دَاره وَجعل فِيهِ خطْبَة وَبنى لَهُ مَنَارَة وَانْقطع فِيهِ وَلم يخرج الا للحمام حَالَة الِاحْتِيَاج اليه وَأَقْبل النَّاس عَلَيْهِ يثنون عَلَيْهِ وينسبون اليه الصّلاح ويصفونه بالانقطاع وَثقل سَمعه وَضعف بَصَره واشتغل بِمُجَرَّد تِلَاوَة الْقُرْآن والاشتغال بمصالح عِيَاله وكف الْجَوَارِح وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ رجل صَالح فَاضل لَا شكّ فى ذَلِك قَالَ النَّجْم فى تَرْجَمته بعد أَن قَالَ شَيخنَا وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم حفظا متينا مَعَ التجويد متينا مَعَ التجويد والاتقان فِيهِ مَعَ تبحره فى النَّحْو وَالصرْف والمعانى وَالْبَيَان والمنطق والهيئة وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه والاصول ومعارف الصُّوفِيَّة وَكَانَ اذا تكلم فى فن من الْعُلُوم يَقُول سامعه لَا يحسن غَيره وَكَانَ مَعَ ذَلِك يظْهر لَهُ كشف فى مَجْلِسه واشراق على قُلُوب جُلَسَائِهِ قدم علينا دمشق قَاصِدا الْحَج على طَرِيق مصر فى سادس عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع بعد الالف وَأخْبر أَنه أَخذ الْعلم أَيْضا عَن منلا مصلح الدّين اللارى وَسمع الحَدِيث من الشَّيْخ برهَان الدّين العمادى وَأَجَازَهُ الشَّيْخ نجم الدّين الغيطى مُكَاتبَة قَالَ وَحضر درسى بالجامع الاموى تجاه سيدى يحيى ﵇ عَشِيَّة فى أثْنَاء رَجَب هُوَ وجماعته وَشَيخنَا القاضى محب الدّين ثمَّ ذَهَبُوا لضيافتى وحضروا عندى لَيْلَة كَامِلَة كَانَت لَيْلَة مَشْهُودَة وخطر لى فى لَيْلَة النّصْف من رَجَب أَن أستحيزه بالافتاء والتدريس فَلَمَّا أَصبَحت ذهبت لزيارته وَكَانَ نزل بالعادلية الصُّغْرَى دَاخل دمشق فرأيته قد كتب لى اجازة بالافتاء والتدريس وَدفعهَا الى وَكَانَ يُقَابل من يأتى للسلام عَلَيْهِ بالبشاشة والاقبال ويبادر الى اسماع الحَدِيث المسلسل بالاولية وَكَانَ من افراد الدَّهْر عَلَيْهِ جلالة الْعلم وأبهة الْفضل ونورانية الْعِبَادَة يتوقد وجهة نورا وَيشْهد لَهُ من رَآهُ أَنه من الْعلمَاء العاملين والاولياء الصَّالِحين وَمن شعره وَهُوَ مِمَّا تلقيناه عَنهُ وأجازنا بِهِ وَكَانَ حصل لَهُ مرض حِين تمّ لَهُ سِتُّونَ من عمره فَقَالَ
(لما وعكت بغاية السِّتين ... جافيت كل دنية فى الدّين)
(وبذلت جهدى فى الْعُلُوم ونشرها ... للعاملين بهَا ليَوْم الدّين)
وَمِنْه أَيْضا
(اقنع بِمَا لابد مِنْهُ وكف عَمَّا قد بدا مِمَّا عَلَيْهِ النَّاس ... )
(واذا كَفَفْت عَن الذى فتنُوا بِهِ ... ذهبت همومك والعنا والباس)
стр. 1788
وَمِنْه
(ربع قواى من سِنِين قد عَفا ... وَالْحب أبدال الْوِصَال بالجفا)
(والدمع من أجفان عينى وكفا ... فحسبى الله تَعَالَى وَكفى)
قَالَ ورأيناه أطروشا لَا يسمع الا باسماع فى أُذُنه وَقَالَ من نعم الله تَعَالَى على هَذَا الطرش فانى لَا أسمع غيبَة وَلَا غَيرهَا الا أَنى أسمع قِرَاءَة الْقُرْآن اذا قرى عندى وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ من أَفْرَاد الْعَصْر واعجوبة من أَعَاجِيب الدَّهْر ثمَّ ذكر سَنَده فى الحَدِيث المسلسل بالاولية وعقبه بقوله ثمَّ انه سَافر فى أَوَاخِر رَجَب الْمَذْكُور من دمشق الى مصرفمات بهَا فى رَمَضَان أَو بعده قَالَ العرضى فى شَوَّال سنة سبع الْمَذْكُورَة قَالَ النَّجْم وَحضر جنَازَته وَالصَّلَاة عَلَيْهِ قاضى قُضَاة مصر اذ ذَاك يحيى بن زَكَرِيَّا قَالَ النَّجْم مُحدثا عَنهُ انه لما ورد حلب مَعَ أَبِيه زَكَرِيَّا حاجين اجْتمع بشيخنا صَاحب التَّرْجَمَة وَقَالَ لَهُ نرَاك ان شَاءَ الله قَاضِيا بحلب ثمَّ بِمصْر قَالَ فَلَمَّا وليت حلب كنت أعتقد الشَّيْخ وأتأول كَلَامه ثمَّ بِمصْر ثمَّ تكون قَاضِيا بِمصْر وَلم أتحقق أَن الْمَعْطُوف مُتَعَلقا مَعَ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فى حكم وَاحِد تعقله الرُّؤْيَة فَلَمَّا وليت قَضَاء مصر زَاد اعتقادى فى الشَّيْخ على التَّأْوِيل الْمَذْكُور حَتَّى تحققت ذَلِك الْآن حِين رآنى الشَّيْخ قَاضِيا بِمصْر قبل مَوته وَظهر لى صدق كشف الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى
مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عِيسَى بن ابراهيم الْعَدْوى القاضى نور الدّين الصالحى الشافعى الْمَعْرُوف بالزوكاري قَرَأَ على المنلا أَسد وَالشَّمْس بن المنقار فى الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا وَكَانَ من أصلح النواب فى وقته وَكَانَ عزل مُدَّة وَولى مَكَّة القاضى عبد اللَّطِيف بن الجابى ثمَّ لما مَاتَ ابْن الجابى ردَّتْ اليه النِّيَابَة فبقى نَائِبا الى أَن مَاتَ لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثانى ذى الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بسفح قاسيون وَكَانَ قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق الْمولى عبد الله بن مَحْمُود العباسى قد عزل قبل مَوته فَبَقيت نِيَابَة الْبَاب معطلة حَتَّى دخل الْمولى أَبُو سعيد فولاها القاضى بدر الدّين حسن الموصلى فوليها بعد أَن جلس على سجادة الصُّوفِيَّة مَكَان أَخِيه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن سِنِين وَالله أعلم
مَحْمُود بن مُحَمَّد أَبُو الْفضل قاضى الْعَسْكَر الشهير بقره جلبى زَاده الصَّدْر الْكَبِير وَالْبَحْر الْعَزِيز عديم النظير والبديل فقيد المثيل والعديل صَاحب مَكَارِم الاخلاق الْمَشْهُور بكرم الْقَلَم فى الْآفَاق حصل من الْفضل والافضال وَجمع المَال والنوال مَا لَا يُمكن وَصفه وعده وَلَا يتَصَوَّر ضَبطه وَحده وَهُوَ من بَيت
стр. 1789
قديم كَبِير بَين الانام شهير لَازم من شيخ الاسلام أَبى الميامن ثمَّ حج فى خدة وَالِده قاضى الْعَسْكَر فى سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف ثمَّ تدرج فى الْمدَارِس حَتَّى وصل الى الْمدرسَة السليمانية وَولى قَضَاء ينكى شهر ثمَّ قَضَاء مَكَّة المكرمة وَقدم إِلَى دمشق فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَنقل إِلَى قَضَاء دمشق وَهُوَ لم يخرج مِنْهَا وَكَانَ ابْتِدَاء تَوليته نَهَار الثلاثا سَابِع عشر شَوَّال من هَذِه السّنة وَكَانَ فى قَضَائِهِ معتدلا ملاطفا وَشَاهد مِنْهُ فضلاء دمشق رِعَايَة واقبالا ومدحه شعراؤها بالقصائد النفيسة مِنْهُم أَحْمد بن شاهين فانه مدحه بقصيدة مطْلعهَا هَذَا
(نسجت حاكة الرّبيع برودا ... واقتنت صاغة النسيم عقودا)
(تِلْكَ تكسو بهَا الرياض وهذى ... لتحلى الغصون جيدا فجيدا)
(سلبت فى الخريف عقدا وبردا ... فكساها الرّبيع مِنْهُ برودا)
(فَكَانَ الرياض حِين أبانت ... خفرات أَتَت تريك الخدودا)
(وتثنت ملد الغصون فخلنا ... أَنَّهَا خرد أمالت قدودا)
(ورأينا أكمة النُّور تزهى ... فاجتلينا من الكعاب النهودا)
(حاكت الرّيح فى الجداول درعا ... مُحكم النسيج سابغا مسرودا)
(خادمت بُرْهَة سُلَيْمَان فى الْملك فحاكى صنيعها داودا ... )
(أتقنت صَنْعَة اللبوس فضاهت ... بنسيج الْمِيَاه درعا جَدِيدا)
(فَتَأمل ترى الخمائل غيدا ... نظمت فى النحور مِنْهَا الفريدا)
(مَا شككنا أَن الرياض جنان الْخلد حسنا أَن لَو تَسَاوَت خلودا ... )
(واذا مَا أردْت تحظى بروض ... دَائِم الْبشر يممن مَحْمُودًا)
(خلق يسلب الرياض ذكاها ... وَيَد تسلب السَّحَاب الجودا)
(وسجايا كانها الزهر فارغب ... عَن ذَا الزهر واطلبن المزيدا)
(انما الْفضل فى الانام لمولى ... همه أَن يُفِيد أَو يستفيدا)
(عَالم وَابْن عَالم فَتَأمل ... كَيفَ ذَا الشبل رَاح يقفو والاسودا)
(متع الله سيدى بِأَبِيهِ ... ليرى مِنْك والدا وحفيدا)
(والدا حُزْته أم الْمجد أضحى ... والدا جَاءَ بالعلا مولودا)
الى أَن قَالَ فِيهَا
(يَا ابْن قاضى العساكر الغر سمعا ... لنظام كالدر جَاءَ نضيدا)
стр. 1790
(بهجة الشّعْر فى النشيد وهذى ... قصتى كلهَا تزين النشيدا)
(كَانَ رأيى وَقد أردْت مديحا ... فِيك يَا رونق المديح سديدا)
(وابق للدهر نصْرَة ودراء ... مَا غَدا العيض فى حماك رغيدا)
(لَيْلَة نجتليه لَيْلَة قدر ... وَكَذَا الْيَوْم مهرجانا وعيدا)
ثمَّ نقل الى قَضَاء مصر ثمَّ قَضَاء قسطنطينية فى رَابِع صفر سنة أَربع وَأَرْبَعين ثمَّ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بِأَنا طولى سنة خمس وَأَرْبَعين ثمَّ عزل ووجهت إِلَيْهِ رُتْبَة قَضَاء روم أيلي ثمَّ ولي قَضَاء روم أيلي فِي شهر ربيع الاول سنة سبع وَخمسين وَاتفقَ أَنه ولى زوج بنته الْمولى حُسَيْن الشهير بالخوجه قَضَاء أَنا طولى وَكَانَ السُّلْطَان ابراهيم مُقبلا عَلَيْهِمَا مَا نعقد على صدارتهما الِاتِّفَاق وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة كريم الطَّبْع جدا كَمَا ذكرت فبسبب ذَلِك أَدخل فى طَرِيق الموالى أجانب ونماهم فَنَشَأَ بذلك الابتذال وَدخُول الاسافل والانذال ثمَّ عزل وأنشده أديب الزَّمَان الامير منجك يَوْم عَزله هَذِه الابيات
(يَا ابْن الْكِرَام الالى شادت عزائمهم ... بَيْتا جَلِيلًا كبيت الله نعرفه)
(أَنْت الْكَبِير الذى لَا عزل ينقصهُ ... قدرا وَلَا النّسَب العالى يشرفه)
(ولوسعى جهده الْمَعْرُوف مختبرا ... لم يلف غَيْرك فى الدُّنْيَا فيألفه)
(عبيد نعماك لَا يَخْشونَ من سرف ... ان أتلف الدَّهْر شَيْئا أَنْت تخلفه)
ثمَّ أُعِيد الى قَضَاء روم ايلى وَعمر مدرسة لَطِيفَة بِالْقربِ من جَامع الشهزاده بقسطنطينية وَصرف عَلَيْهَا مَالا جزيلا وَكَانَ ذَا حلم وأناة وتواضع لَا يعرف الْغَضَب محبا بالطبع لابناء الْعَرَب وَكَانَ ينظم الشّعْر العربى وَمن شعره وقفت لَهُ على هذَيْن الْبَيْتَيْنِ كتبهما على ديوَان بِخَط العناياتى وهما
(لَك الْحَمد اللَّهُمَّ فى كل أوقاتى ... بمنك لطفا لم يزل بالعناياتى)
(على أننى مَا زلت أشكر نعْمَة ... بِتَمْلِيك ديوَان بِخَط العناياتى)
وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمدرسة الَّتِى أَنْشَأَهَا رَحمَه الله تَعَالَى
مَحْمُود بن يُونُس بن يُوسُف الملقب شرف الدّين الْخَطِيب الطَّبِيب رَئِيس الاطباء وخطيب الخطباء بِدِمَشْق الشهير بالحكيم الاعرج الحنفى الْمَشْهُور قرآ فى الْفِقْه على الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب خطيب الْجَامِع الاموى وفى الطِّبّ على أَبِيه وفى القراآت والتجويد على الشهَاب الطيبى وَولى امامة الْمَقْصُورَة بالاموى سِنِين ثمَّ فرغ عَنْهَا
стр. 1791
للشَّيْخ نَاصِر الدّين الرملى الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى وَولى خطابة الاموى شركَة الشَّيْخ يحيى البهنسى ثمَّ جَاءَ بِحكم سلطانى أَن لَا يخْطب الْعِيدَيْنِ الا هُوَ ثمَّ تفرغ آخر الامر عَن شطر الخطابة لشَرِيكه الشَّيْخ يحيى الْمَذْكُور وَحج فى سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فَأخذ عَن عَالم مَكَّة الشهَاب أَحْمد بن حجر الهيثمى وَعَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن ابْن فَهد وَغَيرهمَا ودرس بالخاتونية وبالجقمقية وَكَانَ يستلف أجور أوقافهما وَكَانَ لَهُ تبذبر وَسُوء تَدْبِير فى معيشته وعَلى كل حَال فقد كَانَ مَذْمُوم السِّيرَة مَعْرُوفا بِالْكبرِ وَالْخُيَلَاء وَكَانَ يتجرى على الْفَتْوَى مَعَ أَنه كَانَ يقصر عَن رتبتها وَوَقعت لَهُ محنة بِسَبَب قتيا انحرف عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا قاضى الْقُضَاة الْمولى مصطفى بن بُسْتَان ورد عَلَيْهِ الْفَاضِل أَحْمد بن اسكندر أحد جمَاعَة القاضى الْمَذْكُور فى رِسَالَة قرظ عَلَيْهَا عُلَمَاء ذَلِك الزَّمَان مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن خصيب وَتقدم تقريظه وَمِنْهُم البورينى وَمن جملَة مَا قَالَه فى تقريظه وَقد وقفت على هَذِه الرسَالَة وقُوف وامق على مرابع عذرا وأجلت طرف طرفى فى مضمار بلاغتها اجالة ابْن عباد لحظه فى مراتع الزهرا
(ونادمتها وَاللَّيْل مرخ ستوره ... كأنى جميل زار ربع بثينة)
فَمَا زلت أغترف من حياضها وأقتطف من رياضها رَاوِيا عَنْهَا غيث الادب الذى انسجم نَاقِلا عَنْهَا الفصحاء الْعَرَب مَا يزرى بلامية الْعَجم قَائِلا لله در مؤلفها فَلَقَد فتح من البلاغة بَابا مقفلا ومنح من صِحَاح أَلْفَاظه لاهل الادب مُجملا ومفصلا بيد أَنَّهَا ترجمت عَن أَوْصَاف صَادِقَة على مَوْصُوف وَحدثت عَن اقتراف من هُوَ بالمنكر مَعْرُوف فتعجبت من بعد المبنى عَنهُ مَعَ قرب الْمَعْنى وأفكرت فى كَمَال يجْتَمع مَعَ النَّقْص فى منزل ومغنى فَقلت أما الاوصاف فانها عَلَيْهِ صَادِقَة وَأما الالفاظ بفضلته غير لائقة فَعلمت أَن ذَلِك كَمَا يحْكى عَن أَبى زيد الذى كَانَ تعارجه لكيد وصيد وَمن أَيْن هَذِه التراكيب لمن انحل تركيبه واختل مَا بَين أهل الْكَمَال ترتيبه ولعمرى لقد حدث عَنهُ لِسَان الرسَالَة فوعى من الْكثير قَلِيلا وَاخْتصرَ فى ايضاح بَيَانه والمتن يحْتَمل شرحا طَويلا على أَن فى اعتذار الْمُؤلف عَن عدم التكثير مندوحة بقوله والقطرة تنبئ عَن الغدير اعلاما بِأَن البعرة تدل على الْبَعِير اشارة الى وقُوف السقطات وَكَثْرَة المخازى والجهالات فَمن ذَلِك رِوَايَته للْحَدِيث من غير معرفَة كَلَام الْعَرَب ودخوله قَوْله
من كذب هَذَا مَعَ عدم الاجازة الْمَأْخُوذَة لرِوَايَة الحَدِيث لَا فى زَمَنه السَّابِق
стр. 1792
وَلَا فى وقته الحَدِيث وَمِنْهَا أَنه يدعى الْوَعْظ وَلَيْسَ متعظا وَمِنْهَا مداومته على اغتياب من شِمَاله أندى من يَمِينه وغثه مَا زَالَ أَنْفَع من سمينه فالى مَتى يقْرض الاعراض السليمه وهلا اشْتغل باحواله الحائلة السقيمة لَيْت شعرى أى بَاب من الزلل مَا دخل اليه وأى نوع من الخطل مَا أَقَامَ عاكفا عَلَيْهِ على أَنه من يغتابه من المذمة سليم خَالص وَمَا زَالَ يتَمَثَّل بقول الشَّاعِر
(واذا أتتك مذمتى من نَاقص ... )
وَمِنْهَا جُلُوسه مَعَ زعنفة لم تحنكهم التجارب وَلم يزِيدُوا فى الْفضل على صبيان الْمكَاتب موهما أَنه انتظم فى سلك الافاضل مخيلا أَنه ورد من مياه الْفضل أعذب المناهل مفاخرا بالاشعار الَّتِى لَو أنصف دَفعهَا الى أَهلهَا وَلما تكلّف من غير انْتِفَاع بهَا مشقة حملهَا فَهُوَ جَالس بَين الْقُبُور طَالبا للنزال أَو كملهوف الى الْورْد قانعا بالآل عَن الزلَال
(واذا مَا خلا الجبان بِأَرْض ... طلب الطعْن وَحده والنزالا)
وَمِنْهَا أَنه يشمخ بِأَنْفِهِ على عِصَابَة هم جمال الانام وبمثلهم تفتخر الليالى والايام مَعَ حقارة مَتَاعه وَقصر بَاعه فيالله الْعجب مِمَّن سقط عَن مرتبَة الطّلب كَيفَ يترقى الى معالى الرتب
(مَا لمن ينصب الحبائل أَرضًا ... ثمَّ يَرْجُو بِأَن يصيد الهلالا)
فيا أَيهَا الناكب عَن طَرِيق الصَّوَاب الذَّاهِب فى غير مَذَاهِب أولى الالباب وَيحك الى مَتى تتوكأ على العكاز وتدعى بَين النَّاس أَنَّك من أهل البرَاز وَيلك هلا وقفت فى مجازك وَمَا تعديت من حقيقتك الى مجازك
(وَمن جهلت نَفسه قدره ... رأى غَيره مِنْهُ مَا لَا يرى)
ولعمرى لقد كَاد زيفك أَن يروج وَقربت على عرجك من العروج لَكِن قبض الله لَك ناقدا بَصيرًا وعالما كَامِلا خَبِيرا فأظهر عوارك الذى كنت تخفيه وَأبْدى من حالك مَا لم تكن تبديه وَذَلِكَ عَلامَة الْمُحَقِّقين بِلَا نزاع وخاتمة المدققين من غير دفاع هُوَ من أَقُول فِيهِ من غير وَلَا تمويه
(هَذَا الْهمام الذى من عز سطوته ... أَمْسَى الذى رام ظلم الْخلق مبتذلا)
(هَذَا الذى مذ بدا فى الشَّام صافحها ... كف السرُور وعنها الْهم قد رحلا)
(قاضى الْقُضَاة ابْن بُسْتَان الذى شملت ... عواطف الْفضل مِنْهُ السهل والجبلا)
(قد انجلت عِنْده كل الامور كَمَا ... عَن البرايا ظلام الظَّالِمين جلا)
(من در مَنْطِقه أَو نور طلعته ... طول الزَّمَان يحلى السّمع والمقلا)
стр. 1793
انْتهى قَالَ النَّجْم وَكَانَ حسن الصَّوْت الا انه كَانَ يلحن فى قِرَاءَته ويطرب فى خطبَته ويطيل بِسَبَب ذَلِك وَكَانَ النَّاس يمقتونه ويسبونه بِسَبَب التَّطْوِيل وَكَانَ يلبس عِمَامَة كَبِيرَة مكورة وَله عرج وَقصر وَهُوَ مَعَ ذَلِك يتبختر ويتخذ غُلَاما أَمْرَد من أَبنَاء النَّاس يمشى خَلفه وَرُبمَا يلْتَفت ويخاطبه فى الطَّرِيق وكل مِنْهُمَا يرفل فى زينته وَكَانَ يعرف التركية واذا تكلم بهَا تبجح ازراء بأبناء الْعَرَب وَهُوَ لَيْسَ الا مِنْهُم وَكَانَت فضيلته جزئية الا أَن جراءته كُلية وَكَانَ اخْتَلَّ مزاجه مُدَّة تقرب من سنتَيْن وَحصل لَهُ طرف من الفالج ثمَّ مَاتَ فجاءة يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع وعشرى شعْبَان سنة ثَمَان بعد الالف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير
الشَّيْخ مَحْمُود الاسكدارى قطب الاقطاب ومظهر فيوضات رب الارباب مهدى الزَّمَان ومرشد الْعَصْر والاوان
(هُوَ الدّين وَالدُّنْيَا هُوَ اللَّفْظ وَالْمعْنَى ... هُوَ الْغَايَة القصوى هُوَ الذرْوَة الْعليا)
أَصله من بَلْدَة سورى حِصَار ولد بهَا ثمَّ لزم التَّحْصِيل الى ان برع ونظم الشّعْر وَكَانَ يتَخَلَّص على عَادَتهم بهدايى وَخرج من بَلَده الى قسطنطينية فوصل الى نَاظر زَاده وتلمذ لَهُ فَلَمَّا تمت عمَارَة مدرسة السُّلْطَان الَّتِى بأدرنه وجهت ابْتِدَاء لاستاذه الْمَذْكُور فَصَارَ بهَا معيدا فى سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة ولازم مِنْهُ وَلما ولى قَضَاء الشَّام ومصر كَانَ فى صحبته وَولى بهما بعض النيابات ثمَّ فى الْمحرم سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة أعْطى الْمدرسَة الفرهادية ببروسه بهَا نِيَابَة الْجَامِع الْعَتِيق فاتفق انه عزّر بعض الصلحاء لامر دَعَا الى ذَلِك فَرَأى فى تِلْكَ اللَّيْلَة فى مَنَامه كانه جئ بِهِ للفرجة على جَهَنَّم فَرَأى فِيهَا أُنَاسًا كَانَ يظنّ انهم لِكَثْرَة صَلَاحهمْ فى صدر الْجنَّة وَمِنْهُم أستاذه نَاظر زَاده وَكَانَ اسْمه رَمَضَان وَكَانَ مَشْهُورا بالديانة والاستقامة فتأثر من هَذِه الرُّؤْيَا وَلم يخرج عَلَيْهِ النَّهَار الا وَقد بَاعَ جَمِيع مَا يملكهُ وَترك النِّيَابَة والمدرسة وَذهب الى الشَّيْخ افتاده الْمَشْهُور وَأخذ عَنهُ وجد كثيرا وَكَانَ يلازم الرياضة ويبالغ فِيهَا الى النِّهَايَة حكى عَنهُ انه قَالَ كَانَ بعض أحباب الاستاذ قد مَاتَ فرأيته بعد مُدَّة فى عَالم الْيَقَظَة وَهُوَ خَارج من بَاب الشَّيْخ فَسلمت عَلَيْهِ وَسلم على ثمَّ دخلت الى الشَّيْخ وأخبرته بذلك وَقلت لَهُ أَهَذا غلط خيال أَو وَاقعَة مَنَام فَقَالَ لى يَا ولدى قد قويت روحك بالرياضة فَمَا رَأَيْته من آثارها وَأَنا كنت أَيَّام رياضتى اذا دخلت السُّوق أَحْيَانًا أرى من الاموات أَكثر مَا ارى من الاحياء قلت
стр. 1794
وَقد نقل الشَّيْخ مَحْمُود صَاحب التَّرْجَمَة روح الله تَعَالَى روحه فى رِسَالَة لَهُ سَمَّاهَا بِجَامِع الْفَضَائِل ان بعض أهل السلوك اذا تصفى يرى الْمَوْتَى عيَانًا وَعَن بعض الْفُقَرَاء قَالَ كنت فى بداية سلوكى ببروسه المحروسه وَكَانَ بمحلتنا رجل مُؤذن بِجَامِع مَوْلَانَا الفنارى فَمَاتَ ذَلِك الْمُؤَذّن وَمضى عَلَيْهِ ايام كَثِيرَة وَذَهَبت الى شيخى قدس سره بعد صَلَاة الصُّبْح فَلَقِيت الْمُؤَذّن الْمَذْكُور فى الطَّرِيق وَمَعَهُ شخص آخر لَا أعرفهُ وَكَانَ الثَّلج ينزل علينا فَسلمت ومضيت ثمَّ ذكرت الْقِصَّة للشَّيْخ فَقَالَ هَذَا بِسَبَب رياضتك اياما وَكَانَت رياضى خبْزًا يَابسا ثمَّ قَالَ الشَّيْخ قدس سره قد لقِيت أَنا بعض الْمَوْتَى فى سكَّة زقاق السلك ببروسة المحروسة وَرَأَيْت الْفَقِير فى اجازة القطب الربانى الشَّيْخ مَنْصُور الْمحلى نزيل الصابونية أجَاز بهَا بعض الْفُضَلَاء عِنْد مَا ذكر اشياخه الَّذين أَخذ عَنْهُم قَالَ وَمِنْهُم وَهُوَ أَوَّلهمْ صَاحب الدّين المتين الذى اشْتهر أَنه يقرى الْجِنّ الشَّيْخ يس المالكى وَمن أعجب مَا سَمِعت مِنْهُ انه قَالَ جاءتنى أمى فى الْمَنَام وَقَالَت لى يَابِس فى خاطرى شنبر اسود فَأخذت لَهَا شنبرا وَوَضَعته تَحت رأسى فَجَاءَت وأخذته وَمِمَّا سمعته مِنْهُ أَيْضا انه قَالَ جزت يَوْمًا بِالسوقِ فَرَأَيْت فلَانا الْمَيِّت وَاقِفًا على اللحام فَقلت لَهُ مَا الذى أوقفك هَهُنَا فَقَالَ فُلَانَة جَاءَت البارحة وَأَنا اشْترى لَهَا لَحْمًا تطبخه لنا وامثال هَذَا كثير عودا الى تَتِمَّة التَّرْجَمَة وَلما اكمل الشَّيْخ مَحْمُود الطَّرِيق على شَيْخه الْمَذْكُور ورد الى اسكدار وَاخْتَارَ الاقامة بهَا ثمَّ فى جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف اعطى الْوَعْظ والتذكير والتحديث وَالتَّفْسِير بِجَامِع السُّلْطَان مُحَمَّد بعد وَفَاة الشَّيْخ معيده وفى الْمحرم سنة سبع وَألف زيد لَهُ من الْوَقْف الْمَزْبُور مائَة عثمانى كل يَوْم وَلما أتم عمَارَة الْجَامِع الذى بناه بزاويته الَّتِى باسكدار اخْتَار هُوَ ايْنَ يكون خَطِيبًا فِيهِ وتفرغ عَن وعظ جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد لبعد الْمسَافَة وَطلب وعظا بِجَامِع مهروماه الذى باسكدار فى يَوْم الْخَمِيس فَأعْطِيه وَكَانَ يعظ بِهِ الى أَن مَاتَ وَلما أتم السُّلْطَان أَحْمد جَامعه فى سنة سِتّ وَعشْرين وَألف فوض اليه فى وعظا فى نَهَار الِاثْنَيْنِ فَكَانَ يعظ فِيهِ وَكَانَ مُعْتَقدًا للسُّلْطَان أَحْمد يعظمه كثيرا وَلَا يصدر الا عَن رَأْيه وَوَقع لَهُ مَعَه مكاشفات وحكايات تثر عَنهُ فَمن ذَلِك مَا يذكر ان السُّلْطَان ذهب هُوَ وَبَعض خواصه الى أحد المنتزهات باسكدار وَطلب لَحْمًا مشويا فجِئ بِاللَّحْمِ وحفر لَهُ حفيرة وشوى بِحَضْرَتِهِ فَلَمَّا أَرَادَ التَّنَاوُل مِنْهُ حضر الشَّيْخ مَحْمُود وَنَهَاهُ عَن تنَاول شئ مِنْهُ وَقَالَ لَهُ انه كَانَ بجنبه حَيَّة وَقد احترقت وسرى
стр. 1795
سمها الى اللَّحْم وَأمر بالقاء قِطْعَة لحم الى كلب هُنَاكَ فَلَمَّا أكلهَا مَاتَ ثمَّ حفروا الْمَكَان فَرَأَوْا آثَار الْحَيَّة كَمَا اخبر وَحكى أَن السُّلْطَان كَانَ عزل أحد وزرائه الْعِظَام وارسل ختم الوزارة الى وَزِير كَانَ مُقيما باسكدار فغرق الرَّسُول وَمَعَهُ الْخَاتم فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك توجه الى الشَّيْخ مَحْمُود وَذكر لَهُ الامر فَكَانَ جَوَابه أَنه كشف السجادة وناوله الْخَاتم من تحتهَا وَمن اللطائف الَّتِى تنقل عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ السُّلْطَان الْمَذْكُور بلغنى أَنَّك صرت فى ابْتِدَاء أَمرك نَائِبا فَقَالَ نعم صرت نَائِبا فى عدَّة بِلَاد وَلم أدر أَن أحدا وضع لى نقطة يُشِير الى سَلَامَته من ادناس النيابات ثمَّ وضعت أَنا لنفسى نقطة فصرت تَائِبًا بعد ان كنت نَائِبا وَحكى السَّيِّد الْفَاضِل الاديب يحيى ابْن عمر العسكرى الحموى قَالَ كنت رحلت فى ابْن الصِّبَا الى الرّوم وَكنت قَلِيل الجدوى فاذا احتجت الى شئ من قسم الْمَأْكُول أَخَذته من عِنْد أربابه فيجتمع لَهُم فى ذمتى حِصَّة من المَال وَكنت أرد مورد الشَّيْخ مَحْمُود الاسكدارى فيعطينى نَفَقَة من عِنْده فاذا أدّيت مَا يكون على لَا يبْقى على وَلَا لى شئ ويأتى الْمبلغ رَأْسا بِرَأْس وَله غير ذَلِك نَوَادِر وأخبار وَمن آثاره الشَّرِيفَة مجَالِس تَفْسِير كَانَ يحررها قريبَة التَّمام وَله الرسَالَة الَّتِى سَمَّاهَا جَامع الْفَضَائِل وقامع الرذائل وَله رسائل كَثِيرَة وديوان شعر منظوم ومنثور الهيات وكل ذَلِك مَشْهُور متداول عِنْد الرّوم وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بالتربة الَّتِى أعدهَا لنَفسِهِ فى جوَار زاويته باسكدار وَاسْتقر مَكَانَهُ بالزاوية خَلِيفَته الاستاذ الْكَامِل النير الْخَيْر الصَّالح سميه الشَّيْخ مَحْمُود الشهير بغفورى وَكَانَ من الْعلمَاء الكمل وفضله وزهده أشهر من من ان يذكر وَكَانَ شَاعِرًا مطبوعا لَهُ شعر سَائِر وَولى الْوَعْظ بِجَامِع السُّلْطَان مُحَمَّد واعتقده جلّ النَّاس وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من خير صلحاء وقته وَكَانَت وَفَاته بعد السّبْعين وَألف وَدفن بتربة شَيْخه باسكدار رحمهمَا الله تَعَالَى
المنلا مَحْمُود الكردى نزيل دمشق وَأعلم الْعلمَاء الْمُحَقِّقين بهَا الاستاذ الْعَلامَة الْمُحَقق المدقق كَانَ أعجوبة الزَّمَان فى التضلع من الْعُلُوم والاستحضار العجيب وَقُوَّة الحافظة الَّتِى لم تشاهد فى غَيره من أَبنَاء جنسه فانه كَانَ كثيرا مَا يقْرَأ عَلَيْهِ الْكتب المطولة فاذا تصحف شئ من عباراتها أملاها كَمَا هى وَكَثِيرًا مَا يُؤْتى بنسخ مصححة فيطابقها مَا يسرده من غير روية وَلَا فكر وَقد أَقَامَ بِدِمَشْق نَحْو سِتِّينَ سنة منهمكا على اقراء لعلوم وَأكْثر قِرَاءَته لكتب الاعاجم وَهُوَ أول من عرف طلبة الشَّام
стр. 1796
تِلْكَ الْكتب وقواهم على قرَاءَتهَا واقرائها وَمِنْه انْفَتح بَاب التَّحْقِيق فى دمشق هَكَذَا سمعنَا مَشَايِخنَا يَقُولُونَ وَكَانَ نَفسه مُبَارَكًا وَكَانَ فى غَايَة الصّلاح والزهد والتغفل والتواضع وَأقَام هَذِه الْمدَّة سَاكِنا بِالْقربِ من الْمدرسَة الجقمقية وَلم يحصل لَهُ من من الْوَظَائِف والمعاليم الا النزر الْقَلِيل وَكَانَ اذا أتم الدَّرْس وَتوجه لنَحْو بَيته يسْأَل عَن الْبَيْت من يلقاه لتغفله وَأما فِيمَا يتَعَلَّق بِالْعلمِ فَكَانَ أبلغ مستحضر سمع وَهَذِه كَرَامَة لَهُ بِلَا شكّ وَلَا مرية وَكَانَ اذا سُئِلَ عَن عمره يَقُول مائَة وَخَمْسَة وَثَلَاثُونَ ظنا وَمِائَة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ قطعا وَلما ورد دمشق كَانَ فى عداد أساتذة الاكراد المتبحرين كالخلخالى وَأَضْرَابه وَحكى الْمولى الْمُحَقق مُحَمَّد الكردى الشهير بملا حلبى قاضى قُضَاة الشَّام أَن صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ فى ابْتِدَاء أمره أجل من نوه بِقَدرِهِ بَين الْمُحَقِّقين وَكَانَ فى أَيَّام اشْتِغَاله مشارا اليه وغالب الْمَشَايِخ يلزمون طلبتهم بالتلمذ لَهُ والاخذ عَنهُ وَيَقُولُونَ انه فهامة الزَّمَان وملا حلبى الْمَذْكُور أحد من أَخذ عَنهُ وَلما ورد الشَّام قَاضِيا كَانَ يعظمه ويجله وَأكْثر الْفُضَلَاء الْمَشْهُورين بِدِمَشْق أخذُوا عَنهُ وانتفعوا بِهِ أَجلهم شَيخنَا الْعَلامَة ابراهيم بن مَنْصُور الفتال وَسَيِّدنَا المفضال أَبُو الصَّفَا مُحَمَّد بن أَيُّوب ومشايخنا الاجلاء عبد الْقَادِر بن عبد الهادى وَعُثْمَان بن مَحْمُود المعيد واسماعيل بن على الحائك وَغَيرهم مِمَّن لَا يُحْصى وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
مَحْمُود الْبَصِير الصالحى الدمشقى الشافعى شَيخنَا الْفَاضِل الذكى الفطن نادرة الزَّمن وأعجوبة الْوَقْت واطروفة الدوران كَانَ فى الْفضل سَابِقًا لَا يملك عنانه وفى الذكاء فَارِسًا لَا يشق ميدانه وَله جمعية نَوَادِر وفنون لَا تحوم حولهَا الاوهام والظنون قَرَأَ بِدِمَشْق على الجلة من الْمَشَايِخ مِنْهُم شخينا الْعَلامَة ابراهيم الفتال وَبِه تخرج وتفنن فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْعَرَبيَّة والمعانى والمنطق وَأخذ الرياضيات عَن الشَّيْخ رَجَب بن حُسَيْن والالهيات عَن المنلا شرِيف الكردى وتفقه على جمَاعَة وناظر وباحث وَسمع الْكثير وَضبط وَكَانَ قوى الحافظة جيد الفكرة كثير التدبر للمشكلات جوال الطَّبْع فى المباحث وَقد انْتفع بِهِ بعض الاخوان وَأخذت أَنا عَنهُ الْمنطق والهندسة وَالْكَلَام وَكَانَ هُوَ لما أَخذ الهندسة احتال على ضبط أشكالها بتماثيل من شمع عسلى كَانَ يمثلها لَهُ استاذه الشَّيْخ رَجَب الْمَذْكُور فضبطها ضبطا قَوِيا فَلَمَّا قَرَأت الهندسة عَلَيْهِ كنت أعجب من تَصْوِيره الاشكال
стр. 1797
كَمَا أَخذهَا عَن أستاذه وَكَانَ يَقُول اذا برز الشكل الذى اصطنعه فليقابل الشكل الذى فى الْكتاب وَصرف جهده فى تَحْرِير شرح على تَهْذِيب الْمنطق وَمَات وَلم يكمله ثمَّ اعتنى بِعلم الطِّبّ وَلزِمَ التجربات ومذاكرة كتبه مَعَ رَئِيس الاطباء بِدِمَشْق يُوسُف الطرابلسى حَتَّى تمهر فِيهِ جدا ثمَّ مل الاقامة بِدِمَشْق لقلَّة ذَات يَده وَلعدم وَظِيفَة يحصل مِنْهَا نَفَقَته فسافر الى الرّوم فتعرف بأكابر الدولة واشتهر فِيمَا بَينهم بالحذق والفهم وَلم يزل يتدرج حَتَّى وصل الى مصاحب السُّلْطَان مصطفى باشا فقربه اليه وأحبه وَاعْتمد عَلَيْهِ فى أَمر مزاجه وأمزجة حَوَاشِيه فنال الحظوة التَّامَّة بِسَبَب تقربه اليه وساعده الْحَظ فانحلت الْمدرسَة الشامية البرانية بِدِمَشْق عَن الشَّيْخ على بن سعودى الغزى فطلبها فوجهت اليه وَلكنه أسْرع اليه مرض السل واستحكم فِيهِ فَلم يقر لَهُ قَرَار بأدرنه دون أَن شدّ رَحْله الى قسطنطينية فتأثر من الْحَرَكَة العنيفة وأدركه الاجل لَدَى وُصُوله الى قسطنطينية وَكَانَ وَفَاته فى سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَألف ﵀
مَحْمُود قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق وَليهَا فى غرَّة رَجَب سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف بعد أَن كَانَ ولى قبلهَا قَضَاء ينكى شهر وَدخل دمشق فى عَاشر رَجَب وَكَانَ مَشْهُورا بِالْفَضْلِ فى الرّوم وأعرفه وَهُوَ يشار اليه بَينهم فى التجول بالمناظرات الا أَنه عِنْد قَدمته الى الشَّام رَأَيْته قد اخْتَلَط وتعاورت جِسْمه أمراض مهولة ضَاقَتْ بِسَبَبِهَا حظيرته وَكَانَ مُشَوه الْخلقَة بذى اللِّسَان قَلِيل التَّدْبِير وَلَيْسَ عِنْده شئ بممتنع بل مهما خطر فى باله وَلَو كَانَ مستحيلا عَادَة كَانَ عِنْده سهلا حكى لى بعض الاخوان انه تشاجر هُوَ وَابْن زَوجته فَتَرَافَعَا اليه وَمُرَاد الحاكى أَن يعتزل هُوَ وَزَوجته عَن ابْن الزَّوْجَة لبيت مُسْتَقل اذ الْبَيْت الذى يسكنونه بَيت ابْن الزَّوْجَة فَلَمَّا قصا على القاضى قَالَ للرجل أَيْن تسكن فَقَالَ فى بَيت هَذَا يعْنى ابْن زَوجته فَقَالَ وَمن يصرف على الْبَيْت قَالَ أَنا قَالَ اذا أَنْت صَاحب الْبَيْت وَذَا لَاحق فِيهِ وَأمره باخراجه من الْبَيْت وَجرى فى زَمَانه أَن شخصا من الْجند الشَّام سبّ شريفا وأحضر لَدَيْهِ وَادّعى عَلَيْهِ بِمحضر عَام من الْعلمَاء والعسكر أَنه سبّ الشريف وتجاوزه الى آبَائِهِ وَحصل فى الْقَضِيَّة أغراض فَاسِدَة نشأت عَن تهور صَاحب التَّرْجَمَة وَعدم تدبره وَأدّى أمره الى أَن عرض فى أنَاس من متعينى الْجند وحبسوا فى قلعة دمشق مُدَّة الى أَن ورد أَمر باطلاقهم وَلم يحكم فى الْقَضِيَّة بشئ وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة مبدأ ظُهُور
стр. 1798
الْجند الشامى وتحزبهم وَلم يزل جاشه يقوى شَيْئا فَشَيْئًا الى أَن بدر مِنْهُم ممانعة حَمْزَة باشا ومصادمته كَمَا ذَكرْنَاهُ مفصلا فى تَرْجَمَة صَالح بن عبد النبى بن صَدَقَة ثمَّ عزل صَاحب التَّرْجَمَة عَن الْقَضَاء فى أثر الْقِصَّة وسافر الى الرّوم فَلم تطل مُدَّة حَيَاته بهَا وَتوفى سنة سبع وَتِسْعين وَألف بقسطنطينية وَالله أعلم
محبى الدّين بن خير الدّين بن أَحْمد بن نور الدّين بن على بن زين الدّين بن عبد الْوَهَّاب الايوبى العليمى الفاروقى الرملى الْفَقِيه الحنفى الْعَالم بن الْعَالم وَقد تقدم أَبوهُ شيخ الْحَنَفِيَّة وبركة الشَّام فى عصره ومحيى الدّين هَذَا ولد بالرملة وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى الشَّيْخ أَبى الوفا بن مُوسَى القبى الحنفى وَالشَّيْخ ابراهيم الشلبى الحنفى الرمليين وَأخذ الْفَرَائِض والحساب عَن الشَّيْخ زين العابدين المصرى الفرضى النحوى شَارِح الرحبية قدم عَلَيْهِم الرملة فى حُدُود سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف فأنزله وَالِده عِنْده لاجل اقراء وَالِده وَمكث عِنْدهم نَحْو سنتَيْن ثمَّ توجه الى مصر وَأَجَازَهُ وَالِده بالافتاء فَأفْتى فى حَيَاته وَكَانَ أعجوبة الزَّمَان فى كشف الْمسَائِل من مظانها عَلامَة فى الْفَرَائِض والحساب حَتَّى ان غَالب فَتَاوَى وَالِده فى الْفَرَائِض كَانَ هُوَ الذى يقسمها وغالب كتب وَالِده كَانَت تَحْصِيله إِمَّا بالاستكتاب واما بِالشِّرَاءِ وَكَانَ يعجب وَالِده اجْتِهَاده فى تحصليها وَكَانَ متصرفا فى دنيا وَالِده تَصرفا حسنا حَتَّى انه جدد أملاكا وتجملات كَثِيرَة وَكَانَ يحب اكرام من يقدم على وَالِده وَكَانَ حسن الْخلق والخلق كريم الطَّبْع وقورا عالى الهمة سامى الْقدر دينا خيرا أخبرنى صاحبنا الْفَاضِل المؤرخ ابراهيم الجنينى أَن مولده فى نَيف وَعشْرين وَألف وَتوفى نَهَار الاربعاء حادى عشر ذى الْحجَّة سنة احدى وَسبعين وَألف فى حَيَاة وَالِده وأسف عَلَيْهِ أسفا عَظِيما وَبعد مَوته تكدر عيشه وَذهب رونق حَيَاته وَله فِيهِ مَرَّات وأشعار كَثِيرَة رحمهمَا الله
محيى الدّين بن ولى الدّين بن الْمسند جمال الدّين يُوسُف بن شيخ الاسلام زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد بن أَحْمد الانصارى الشافعى السنيكى الاصل المصرى المولد والمنشا والوفاة الْفَقِيه الْمُحدث كَانَ من كبار عُلَمَاء عصره لَهُ الِاعْتِبَار الزَّائِد والصيت الشَّائِع تهابه الْعلمَاء وتحترم ساحته الكبراء أَخذ عَن جده شيخ الْمُحدثين الشَّيْخ جمال الدّين وجده يرْوى عَن وَالِده قاضى الْقُضَاة صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة وَجلسَ مجْلِس التدريس فدرس فى كل علم نَفِيس وروى عَنهُ أجلاء الْعلمَاء مِنْهُم الْعَلامَة النُّور عَليّ
стр. 1799
الشبراملسى وَالشَّيْخ أَحْمد العجمى الشافعى وَولد صَاحب التَّرْجَمَة الْعَلامَة زين العابدين وحفيده الشَّيْخ شرف الدّين الْمُقدم ذكرهمَا وَكَانَت وَفَاته فى شعْبَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف عَن سبع وَثَمَانِينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
مَدين بن عبد الرَّحْمَن القوصونى المصرى الطَّبِيب رَئِيس الاطباء بِمصْر الْفَاضِل الاديب المؤرخ أَخذ الْعُلُوم عَن الشهَاب أَحْمد بن مُحَمَّد المتبولى الشافعى وَعَن الشَّيْخ عبد الْوَاحِد البرجى والطب والطلب عَن الشَّيْخ دَاوُد ولى مشيخة الطِّبّ بِمصْر بعد السرى أَحْمد الشهير بِابْن الصَّائِغ وَألف التآليف النافعة مِنْهَا كتاب ريحَان الالباب وريعان الشَّبَاب فى مَرَاتِب الْآدَاب والتاريخ الذى نقل عَنهُ وَكتاب قَامُوس الاطباء فى الْمُفْردَات وَله غير ذَلِك وَذكره الخفاجى فى الخبايا وَقَالَ فى تَرْجَمته هُوَ فَاضل كَانَ سميرى فى نَادَى الطّلب فكم نافثته فى ابان الِاشْتِغَال بِالطَّلَبِ والادب فَكَانَت بينى وَبَينه عشرَة لم نخرج لَهَا من القشره أعد كل يَوْم مِنْهَا غرَّة وَجه الزَّمَان وعيدا تهاداه الايام على رغم النيروز والمهرجان والعمر طرير مَا بَين رَوْضَة وغدير وَهُوَ اذا ضمخ كافور قرطاسه بمسك مداده وأنفاسه أنكر الْمسك دارين وخطا وَغدا انتسابه لواه خطا فكم فاح مِنْهُ عنبر البراعه وقطرت مياه الفصاحة من ميزاب اليراعه وفى عودتى لمصر عرض على كتابا جَلِيلًا لَهُ سَمَّاهُ قَامُوس الاطبا وسألنى أَن أقرظ عَلَيْهِ فَكتبت عَلَيْهِ مَا هَذَا صورته مَا طرزت حلل الثنا ووشيت رياض البلاغة بثمرات غضة الجنا الا لتَكون لباسا الابكار المحامد ومرتعا لافكار شَاكر وحامد فَالْحَمْد للْمولى على مَا أنعم من اللغاة وَالْبَيَان وأنعم بتلقينها الاطفال والارواح فى مكَاتب الابدان وألهمها اسْتِخْرَاج دُرَر الْمعَانى من أصداف الْحُرُوف لننظم مِنْهَا فى الصُّدُور ونعلق فى الآذان أبهى عُقُود وشنوف وأزكى صَلَاة وَسَلام على أفْصح من نطل بالضاد فروى من عين فَصَاحَته كل صَاد وشفى بطب هدايته مَرِيض كل قلب قلب وَهدى بمفردات حكمته كل ذى جهل مركب وعَلى آله وَأَصْحَابه مَدَائِن الْعلم وَالْحكم ورؤساء أطباء الابدان والاديان من سَائِر الامم لَا سِيمَا الاربعة الَّذين ترياقهم الْعَتِيق وفاروقهم حَافظ صِحَة مزاج الدّين بِكُل ماضى الشفرتين رَقِيق مَا دَامَت الدُّنْيَا دَار الشفا وَصَحَّ مزاج الدَّهْر من الاعراض واشتفى هَذَا وان أخى شَقِيق الرّوح وَقُوَّة الْعين وصفوة الْحَيَاة وَمن محبته على فرض عين لما أتحفنى
стр. 1800
فى قدومى للقاهرة بكتابه قَامُوس الاطباء وجدته الدرة الفاخرة وَالرَّوْضَة الَّتِى تفتحت فِيهَا عُيُون أنواره الزهية الزاهرة ظنا مِنْهُ أَنى شُعَيْب مدينته وَمَا أَنا الا سلمَان بَيته بل أشعب مَوَائِد كرمه ومنته فاذا هُوَ برد محبر وَعقد كُله جَوْهَر وَكتاب جَمِيعه مُفْرَدَات ولغة لَو رَآهَا الجوهرى قَالَ هَيْهَات العقيق هَيْهَات أَو الْخَلِيل بِعَيْنِه فدَاه بِعَيْنِه أَو جَار الله لقَالَ هَذَا هُوَ الْفَائِق أَو ابْن البيطار لود لَو طابقه كِتَابه مُطَابقَة النَّعْل بالنعلم لما فِيهِ من الدقائق أَو صَاحب الْقَامُوس لقَالَ هَذَا هُوَ الْمجد الذى ارْتقى ذرْوَة الْعَرَبيَّة مَا بَين تهَامَة ونجد فَللَّه در مُصَنفه فقد أرانا فى الرِّجَال بقايا وفى الزوايا خبايا وأنار فكرة ظلمَة الْجَهْل وَقد وَقد وروى ظمآن الْفِكر فِيمَا ورد ورد وحقق مَا قيل من دق الْبَاب ولج ولج وَمن جد وجد وَقلت فِيهِ ارتجالا
(دهر يجود بِمثلِهِ ... أنعم بِهِ دهرا وفى)
(روى بكاس علومه ... وختامه مسك وفى أنْتَهى وَلَقَد سعيت جهدي فِي تَحْصِيل وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة فَلم أظفر لَكِن غَايَة مَا حققت من خَبره أَنه كَانَ فى سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف مَوْجُودا فى الاحياء كَمَا يعلم ذَلِك من تَارِيخه الذى وَضعه وَالله اعْلَم
مُرَاد بن ابراهيم الْمَعْرُوف بن الشريطى الدِّمَشْقِي الدفترى الرئيس النبيه اللوذعى الْكَامِل أحد الافراد فى المعارف وَحسن الْخط وبداعة الاسلوب فى الْمُنْشَآت والرقم وَكَانَ شهما حاذقا صائب الرأى وَالتَّدْبِير سما بِهِ حَظه من حِين نشأته فخالط الْكِبَار وتمهر فى أفانين الْكِتَابَة وسافر الى الرّوم وَولى كِتَابَة الْجند بِالشَّام وازداد على توالى الايام رونقا واشتهارا ثمَّ ولى الدفتر بِدِمَشْق وَعظم صيته واتسعت دائرته وتملك دَار سِنَان باشا الْوَزير ابْن جغال قرب الْجَامِع من نَاحيَة سوق السِّلَاح فى سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وجدد فِيهَا عمارات وأتقنها غَايَة الاتقان وفيهَا يَقُول أَبُو بكر الْعُمْرَى شيخ الادب
(ان دَارا أَحييت مِنْهَا رسوما ... أخلقتها أيدى الزَّمَان العوادى)
(ومغان كسوتها حلل الْمجد فَقَامَتْ تختال فَوق المهاد ... )
(أذكرتنا عهد الْجنان وَأَنت ... مَا حكوه من وصف ذَات الْعِمَاد)
(هى دَار العلى وَبَيت المعالى ... ومقام السُّعُود والاسعاد)
(وَلها الْجَامِع الْمُعظم جَار ... نعم جَار الرِّضَا الْيَوْم الْمعَاد)
стр. 1801
(صانها الله رَبنَا وحماها ... ووقاها من أعين الحساد)
(لذبها مَا اسْتَطَعْت صَاح وأرخ ... فهى بَيت مبارك لمراد)
وَقَالَ يمدحه ويهنئه بِالدَّار الْمَذْكُورَة بِهَذِهِ القصيدة وهى من أَجود شعره ومطلعها قَوْله
(رويدا فَمَا ظهر المطى حَدِيد ... وَلَا منزل الاحباب عَنْك بعيد)
(ومهلا فَمَا سوق الركائب مطفئ ... لهيب ضرام الشوق وَهُوَ شَدِيد)
(ورفقا بِهَذَا الْقلب كم يحمل الجوى ... على أَنه دون الْقُلُوب عميد)
(تَقول زرود يَا أَخا الوجد بغيتى ... صدقت وَلَكِن أَيْن مِنْك زرود)
(وان المغانى لَا يُفِيد ادكارها ... وَهل دون وصل القاطعين يُفِيد)
(بلَى تَنْفَع الذكرى اذا طمع الحشا ... وَقد ساعدته فى الدنو وعود)
(وبالكلة الْحَمْرَاء حوراء لَو جلت ... على الْبَدْر وَجها قابلته سعود)
(وان خطرت فى الرَّوْض وَالرَّوْض حافل ... لعَلِمت الاغصان كَيفَ تميد)
(وَلَو نفثت فى الْبَحْر وَالْبَحْر مالح ... لحلاه در الثغر وَهُوَ نضيد)
(وأغيد لَوْلَا وَجهه وقوامه ... لما ذكرت يَوْم التنافر غيد)
(من التّرْك معسول المراشف لين المعاطف حَبل الشّعْر مِنْهُ مديد ... )
(لواحظه تحمى موارد ثغره ... فَمَا لصد نَحْو الرضاب وُرُود)
(ضنين باهداء السَّلَام ورده ... على أَن بعض الباخلين يجود)
(وَرب صديق صَادِق قد بثتته ... شجونا لَهَا بَين الضلوع وقود)
(فأوسعنى عتبا وَقَالَ لى اتئد ... فَمَا الرأى فى وصف الحسان سديد)
(أتطلب من بعد الثَّمَانِينَ صبوة ... وَهل يتَغَنَّى بالملاح رشيد)
(فَقلت لَهُ اكفف فالنسيب مقدم ... على كل مدح طَابَ مِنْهُ نشيد)
(وان ارتجال الشّعْر فى الْمَدْح مَذْهَب ... محاسنه والذائقون شُهُود)
(فَقَالَ وَمن ترجوه فى الجاه والغنى ... فَقلت لَهُ وَالْحق فِيهِ شَهِيد)
(أغير مُرَاد الدفترى يَلِيق أَن ... يساق اليه فى دمشق قصيد)
(وَهل ينظم الشّعْر البديع لماجد ... سواهُ معَاذ الله ذَاك بعيد)
(أَمِير المعالى والمعانى خدينها ... لَهُ من وُفُود المعتفين جنود)
(كريم الْمحيا باسط الْكَفّ بالندى ... اذا شحت الانواء فَهُوَ يجود)
(تَطوف بَنو الآمال سعيا بِبَابِهِ ... فتبلغ مَا قد أملت وتعود)
стр. 1802
(تصدق يمناه وَلم تدر أُخْتهَا ... ويسراه يسر وهى مِنْهُ تفِيد)
(ضحوك الثنايا باسم الثغر بشره ... يبشر بالجدوى وَفِيه مزِيد)
مِنْهَا
(يمزق أَمْوَالًا حوتها يَمِينه ... وَعَن بَيت مَال الْمُسلمين يذود)
مِنْهَا
(كسانى وأولانى الْجَمِيل ببره ... وَمَا بره الالهى ونقود)
(وحقق تجدنى فى ثِيَاب سخائه ... وَهل أَنا الا أعظم وجلود)
(فيا أيهذا السَّيِّد الْجيد الذى ... ترَاهُ على رغم حسود يسود)
(اليك بهَا من منطقى عمرية ... تهادى على أترابها وتميد)
(محجبة بكر الْمعَانى رفيعة المبانى وَقصر الغانيات مشيد ... )
(اذا أنشدت تكسو المحبين بهجة ... وَيَعْبَسَ مِنْهَا كاشح وحسود)
وَقد بقى فى دفترية الشَّام مُدَّة سِنِين ووجهت اليه رُتْبَة امير الامراء وَهُوَ بهَا وسالمه الزَّمَان فَلم ينغص لَهُ عَيْش ورزق السَّعَادَة فى المَال والبنين فانه نَشأ لَهُ ولدان كَانَا غَايَة فى المحاسن والفطنة وَكَانَ كثير الْميل للفضلاء والادباء يعاشرهم ويداوم الِاجْتِمَاع بمجالسهم ويبالغ فى تعظيمهم واذا عرض لاحدهم أَمر مُهِمّ فى جَانب الدولة صرف جهده فى انجازه وَكَانَ صُدُور الدولة يرعون حرمته ويكاتبونه ثمَّ عزل عَن دفترية الشَّام وسافر الى الرّوم وتوطن بقسطنطينية وانخرط فى سلك أَرْبَاب الخدمات والمناصب وبقى ابناه فى دمشق فانتقى لَهما زعامتين عظيمتين وجهتا اليهما وَكَانَ صهره الرئيس النَّبِيل أَحْمد السحملى كَاتب الْجند بِدِمَشْق فَصَارَ لَهُ تعين تَامّ بالاستناد اليه ثمَّ ترقى صَاحب التَّرْجَمَة حَتَّى صَار دفتريا فى الشق الثانى فى أَيَّام السُّلْطَان ابراهيم وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا بخيلها ورجلها وراجعته الْخَاصَّة والعامة فى الامور وتهيأ فى أثْنَاء ذَلِك للدفترية الْكُبْرَى لما كَانَ فِيهِ من الاهلية وَلَكِن بدر مِنْهُ بِسَبَب غرور الدولة مَا كَانَ سَببا فَقتل فى سنة سبع وَخمسين وَألف بقسطنطينية
السُّلْطَان مُرَاد بن السُّلْطَان أَحْمد بن السُّلْطَان مُحَمَّد بن السُّلْطَان مُرَاد بن السُّلْطَان سليم بن السُّلْطَان سُلَيْمَان بن السُّلْطَان سليم أعظم سلاطين آل عُثْمَان مِقْدَارًا وأسطاهم همة واقتدارا الذى خضعت لعظمته رُؤْس الاكاسرة وذلت لِحُرْمَتِهِ وقهره من تصلب فى فَمَعَ المفسدين بسداد الرأى فى أمره كَانَ من أمره أَنه لما تحركت العساكر وغدروا بأَخيه عُثْمَان كَمَا ذكرنَا أَولا أعادوا عَمهمَا السُّلْطَان
стр. 1803
مصطفى الى السلطنة فَلم تظهر كِفَايَته واختل أَمر السلطنة فى عَهده فاختبر للسلطنة صَاحب التَّرْجَمَة بِاتِّفَاق الآراء من الْعلمَاء ولوزارة وبويع فى يَوْم الاحد رَابِع عشر ذى الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف بعد أَن خلع عَمه السُّلْطَان مصطفى وَكَانَ عمره يَوْمئِذٍ احدى عشرَة سنة وَسَبْعَة أشهر وَقيل فى تَارِيخ سلطته مُرَاد خَان الْعَادِل وَكَانَ السُّلْطَان مصطفى ولى فى آخر سلطته على باشا الْمَعْرُوف بكمانكش الوزارة الْعُظْمَى فأبقاه على مَا كَانَ وَكَذَلِكَ أبقى شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا فى منصب الْفَتْوَى وَأقَام شعار الْملك أتم قيام متثبتا فى حالتى النَّقْض والابرام وابتدأ أَولا باستئصال الطغاه من الْعَسْكَر الَّذين قتلوا أَخَاهُ فاهتم بِأَمْر تحصيلهم من الْبِلَاد وتحرى قَتلهمْ وَقد أَجَاد وبقى على هَذَا الْحَال مُدَّة وَأعد لَهُ من رَأْيه الصائب كل عده وجعلهم ديدنه وشغله وأباد مِنْهُم كل متحزب شَمله وَحكى بعض المتقربين اليه أَنه خرج لَيْلَة من الْحرم وَمَا عَلَيْهِ الا ثِيَاب الْمَنَام قَالَ وَكَانَت لَيْلَة شَدِيدَة الثَّلج وَأمر بِفَتْح بَاب السراى السلطانى وَخرج مِنْهُ فَتسَارع الْخدمَة اليه وَكنت أَنا من جُمْلَتهمْ فصحبت معى فروتين من فرى السُّلْطَان وتبعناه فَانْتهى الى الْبَحْر وَطلب زورقا وَركب وركبنا وَمَا زَالَ الى ان أَشَارَ الى الملاح بِأَن ينحوالى نحوة اسكدار ثمَّ خرج مِنْهَا الى التربة الْمَشْهُورَة فى طرفها الْآخِذ الى انا طولى فاستقر تَحت شَجَرَة ثمَّة ووقفنا معاشر الْخدمَة وَكُنَّا نشاهد مِنْهُ غَايَة التضجر حَتَّى ان بخار الْحَرَارَة ليتصعد من وَجهه لشدَّة مَا عِنْده من الانزعاج ثمَّ بعد حِصَّة أَشَارَ الى وَقَالَ انْظُر هذَيْن الشجين اللَّذين لاحا من بعيد أدركهما وسلهما من أَيْن أَقبلَا قَالَ فأدركتهما وسألتهما فَقَالَا مقدمنا من حلب فَقلت لَهما السُّلْطَان طلب أَن يراكما وَهُوَ جَالس هُنَا وأشرت اليه فأسرعا الى أَن وَقفا قدامه وقبلا الارض ثمَّ قَالَ لَهما مَا الذى جَاءَ بكما فَقَالَا مَعنا رُؤْس أَقوام من الطغاة قتلوا بحلب فَأَمرهمَا باخراج الرؤس فحين وَقع بَصَره عَلَيْهَا انْصَرف عَنهُ مَا كَانَ يجده من التلهب وَطلب فروا فَوَضَعْنَا عَلَيْهِ مَا كَانَ مَعنا من فرى وَغَيرهَا وَهُوَ يشتكى الْبرد ثمَّ نَهَضَ وأسرع الى السراى الَّتِى باسكدار وَقَالَ انى مذ أويت الى الْفراش فى ليلتى هَذِه أخذتنى الفكرة فى أَمر هَؤُلَاءِ المقتولين وتحثيلهم فَلم أملك نفسى أَن نهضت من مرقدى وَجرى مَا جرى وَكَانَ بطلا من الابطال قوى الجاش متين الساعد ذكر أَنه أرسل الى مصر درقة نَحْو احدى عشرَة طبقَة مطبقة ضربهَا بِعُود فَثَبت فِيمَا وبرز أمره الى العساكر المصرية باخراج
стр. 1804
الْعود مِنْهَا وَأَن من أخرجه يُزَاد فى علوفته فحاولوا اخراجه فعجزوا عَن ذَلِك ثمَّ أرسل قوسا وَمَعَهُ خطّ شرِيف خطابا لوزير مصر أَحْمد باشا مضمونه أَمر العساكر والاجناد بجر هَذَا الْقوس وَزِيَادَة علوفة من يفعل ذَلِك فحاولت العساكر جَرّه فَلم يقدروا على ذَلِك ثمَّ علقت الدرقة بالديوان السلطانى بِمصْر وعلق الْقوس بِبَاب زويله وَجعل بعض أَعْيَان مصر تَارِيخا لطيفا بالتركية لما ورد الْقوس وترجمه بَعضهم بِالْعَرَبِيَّةِ يَا سُلْطَان الْوُجُود لساعدك الْقُوَّة وجهز عساكره لافتتاح الْبلدَانِ وَتوجه هُوَ بِنَفسِهِ فى سنة أَربع وَأَرْبَعين لغزو الْعَجم وَكَانَ سلطانها الشاه عَبَّاس خذله الله قد تمكنت فى السلطنة قَوَاعِده وخلاله الْوَقْت مُدَّة وَأخذ كثيرا من الْبلدَانِ الَّتِى كَانَت مُضَافَة لبلاد آل عُثْمَان فَجرد السُّلْطَان مُرَاد عزمه لمحاربته واذلاله وَتوجه الى بِلَاده بعساكر يضيق عَنْهَا الفضاء وحاصر من بلدانه روان وافتتحها ثمَّ توجه فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين لفتح بَغْدَاد ونازلها بجنده وَكَانَ الشاه عَبَّاس حصنها بِالْعدَدِ والعسكر فَأمر السُّلْطَان بِحَفر لغم عَظِيم وَوضع فِيهِ البارود وأطلقت فِيهِ النَّار فهدم جانبا عَظِيما من جِدَار السُّور بِحَيْثُ قيل انه لم يرى لغم مثله فى محاصرة قلعة من القلاع فَصَارَ يرى من هدم اللغم مَا فى مَدِينَة بَغْدَاد من الْبيُوت والدور لانه صَار فى ذَلِك الْجَانِب جِدَار السُّور سهلا مستويا مَعَ سطح الارض فَلَمَّا رأى أهل بَغْدَاد مَا دهمهم مِمَّا لم يعرفوه قطّ تَلا شوا وبعثوا الى الشاه عَبَّاس الْمَرَاسِيل يُرِيدُونَ التَّسْلِيم وَكَانَ عَسْكَر السُّلْطَان قد توانوا فى الهجوم وتثبطت همتهم وفى أثْنَاء ذَلِك أرسل الشاه رَسُولا يطْلب الصُّلْح وَكَانَ الرَّسُول الْمَذْكُور من أَعْيَان عَسْكَر الشاه يُسمى جَانِبك سُلْطَان وفى يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشر رَجَب بكرَة النَّهَار اجْتمع بالوزير الاعظم فى ديوَان عَظِيم وَدفع اليه كتاب الشاه بِالصُّلْحِ فقرئ بمسمع من النَّاس وَفهم الْكل مِنْهُ مَا قَصده الشاه من الْحِيلَة فَأبى السُّلْطَان وَجَمِيع الوزراء والاركان الصُّلْح وَلَقَد رَأَيْت الْوَاقِعَة بِخَط الاديب رامى الدمشقى وَذكر أَنه تفاءل حَالَة اجْتِمَاع الرَّسُول فى مصحف كَانَ مَعَه فجَاء فى أول الصفحة قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ آمنتم لَهُ قبل أَن آذن لكم إِنَّه لكبيركم الَّذِي علمكُم السحر فلأقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل ولتعلمن أَيّنَا أَشد عذَابا وَأبقى﴾ ثمَّ أطلق السُّلْطَان الامر بالمحاصرة وشدد فى ذَلِك فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة ثامن عشر شعْبَان يسر الله تَعَالَى فتحهَا وَكَانَ مُدَّة حصارها أَرْبَعِينَ يَوْمًا ودخلها الْعَسْكَر وَالسُّلْطَان فى أَثَرهم
стр. 1805
وَقتلُوا من الْعَجم أَكثر من عشْرين ألفا وأسروا من رُؤَسَائِهِمْ وَأهل شوكتهم جمَاعَة وضعفت شوكتهم وزالت قوتهم لَان معتمديهم كَانُوا بهَا وَصرف السُّلْطَان همته الى ازالة مَا كَانَ أحدثه الارفاض خذلهم الله تَعَالَى فى مرقد الامام الاعظم ومرقد الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلانى رضى الله عَنْهُمَا وَأمر بتجديد عمَارَة محليهما وَأحكم أَمرهمَا غَايَة الاحكام وَبنى مَا كَانَ تهدم من سور القلعة وشحنها بالعسكر وَالْعدَد وَعين لكفالتها وزيرا وَقد أَكثر النَّاس من نظم الشّعْر والتواريخ لفتحها ووقفت بِمَكَّة المشرفة على تَارِيخ للقاضى تَاج الدّين المالكى
(خَليفَة الله مُرَاد غزا ... قلعة بَغْدَاد فأردها)
(وعندما حاصرها جَيْشه ... اندك للاسفل أَعْلَاهَا)
(وَأصْبح الشاه ذبيحا لما ... أخبر من كَثْرَة قتلاها)
(هَذَا اخْتِصَار القَوْل فِيهَا فان ... قيل لقد أجملت ذكرَاهَا)
(فالتشرحن فعل مُرَاد بهَا ... مؤرخا قد ذبح الشاها)
ثمَّ رَحل السُّلْطَان عَنْهَا قَاصِدا دَار ملكه هَذَا مَا وَقع فى عَهده من الفتوحات وَأما مَا وَقع من الْحَوَادِث فى أَيَّام سلطنته فَمِنْهَا تغلب الْعَسْكَر بعد أَن كَانَ أضعفهم بِالْقَتْلِ والنهب بعد تَوليته الْملك كَمَا قدمْنَاهُ آنِفا ثمَّ حصلت لَهُ فلتة فتجاوزوا الْحُدُود وَنصب نَفسه الْمولى حُسَيْن ابْن أخى لزعزعتهم وقوى جنان السُّلْطَان حَتَّى جمع جمعية على السباهية وأباد كبراءهم وَقتل الْوَزير الاعظم رَجَب باشا الذى كَانَ مستظلا بظلهم وفى ذَلِك الابان سَافر السُّلْطَان الى بروسة فَبَلغهُ ان الْمُفْتى وَهُوَ ابْن أخى وَالْعُلَمَاء يُرِيدُونَ الِاجْتِمَاع على خلعه فبادر فى المجئ وَدخل دَار ملكه وخنق الْمُفْتى وخمدت نَار فتْنَة الْعَسْكَر بعد ذَلِك وَمِنْهَا تبطيله القهوات فى جَمِيع ممالكه وَالْمَنْع عَن شرب التبغ بالتأكيدات البليغة وَله فى ذَلِك التحريض الذى مَا وَقع فى عهد ملك أبدا وَمِمَّا يدل على سعادته الْعُظْمَى توجه خاطره الى أهل الْحَرَمَيْنِ وَأمره لمتولى الْجِهَات خُصُوصا مصر باجراء حبوبهم وارسال مغلات اوقافهم فَمَا من أَمر يرد عَنهُ الا وَفِيه الْحَث على ذَلِك وَمن ذَلِك أَيْضا التفاته الى أَخْبَار الرّعية مُطلقًا والبحث عَن أَحْوَال وُلَاة الْبلدَانِ التفاتا وبحثا تامين بِحَيْثُ ان وُلَاة الْجِهَات لَا يجاوزون حدا وفى زَمَانه وَقع السَّيْل الْعَظِيم الْمَشْهُور بِمَكَّة المشرفة فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَطَاف بِالْبَيْتِ وَوَافَقَ تَارِيخه رقى الى قفل
стр. 1806
بَيت الله وبسببه انْهَدَمت الْكَعْبَة وَعمل النَّاس فى ذَلِك التواريخ والاشعار وفى سنة أَرْبَعِينَ كَانَ بِنَاء الْبَيْت الشريف وَمن التواريخ المنثورة فِيهِ رفع الله قَوَاعِد الْبَيْت وَكَانَت هَذِه الْفَضِيلَة مِمَّا اخْتصَّ بهَا السُّلْطَان مُرَاد وَمن تَارِيخ الفاسى لغيره قَوْله
(بنى الْكَعْبَة الغراء عشر ذكرتهم ... ورتبتهم حسب الذى أخبر الثقه)
(مَلَائِكَة الرَّحْمَن آدم ابْنه ... كَذَاك خَلِيل الله ثمَّ العمالقه)
(وجرهم يتلوهم قصى قريشهم ... كَذَا ابْن زبير ثمَّ حجاج لاحقه)
وذيل ذَلِك بَعضهم بقوله
(وخاتمهم من آل عُثْمَان بدرهم ... مُرَاد المعالى أسعد الله شارقه)
وَبَيت آخر
(وَمن بعدهمْ من آل عُثْمَان قد بنى ... مُرَاد حماه الله من كل طارقه)
وَوَقع بعد تَمام الْعِمَارَة بِأَرْبَع سِنِين خلل فى السَّطْح المكرم فَعرض صَاحب مَكَّة وَشَيخ حرمهَا ذَلِك الى وَزِير مصر فَعرض ذَلِك على السُّلْطَان الْمَذْكُور فورد أمره بذلك فعين وَزِير مصر لهَذِهِ الْخدمَة من كَانَ قَائِما بهَا ومتعاطيا لَهَا قبل ذَلِك وَهُوَ الامير رضوَان الفقارى وأضاف اليه يُوسُف المعمار مهندس العمارات السَّابِقَة فوصلا فى موسم سنة أَربع وَأَرْبَعين فَلَمَّا كَانَ الْعشْر الْأَخير من ذى الْحجَّة جعل اجْتِمَاع النَّاس بمصلى الشريف زيد بن محسن وَحضر فِيهِ هُوَ وقاضى مَكَّة الشَّيْخ أَحْمد البكرى وقاضى الْمَدِينَة الْمولى حنفى والامير رضوَان وَغَيرهم من الْعلمَاء والاعيان فقرأوا سُورَة الْفَتْح ثمَّ وصلوا الى الْكَعْبَة وأشرفوا على بَابهَا ثمَّ تفَرقُوا ثمَّ فى الْمحرم سنة خمس وَأَرْبَعين شرع الامير فى تهيئة الْحَصَى لِلْمَسْجِدِ ففرشه بِهِ ثمَّ لما كَانَ سَابِع عشر شهر ربيع الاول وصل الى بَاب الْكَعْبَة وَفتح السادن باببها فقلعوه وركبوا عوضه بَابا من خشب لم يكن عَلَيْهِ شئ من الْحِلْية وانما عَلَيْهِ ثوب من القطنى أَبيض وفى يَوْم الثلاثا تَاسِع عشر الشَّهْر وزنت الْفضة الَّتِى كَانَت على الْبَاب المقلوع فَكَانَ مَجْمُوع ذَلِك مائَة وَأَرْبَعَة وَأَرْبَعين رطلا خَارِجا عَن الزرافين فوزنها وَمَا شابهها مِمَّا كَانَ على الْبَاب ثَمَانِيَة عشر رطلا ثمَّ شرع فى تهيئة بَاب جَدِيد فشرع فِيهِ وأتمه وَركب عَلَيْهِ حلية الْبَاب السَّابِق وَكتب عَلَيْهِ اسْم السُّلْطَان صَاحب التَّرْجَمَة ثمَّ جئ بِهِ مَحْمُولا على أَعْنَاق الفعلة فَمشى النَّاس
стр. 1807
أَمَام الْبَاب الى أَن وصلوا الى الْحطيم وَبِه الشريف جَالس فَوضع بَين يَدَيْهِ فَقَامَ الشَّيْخ عمر الرسام ودعا للسُّلْطَان والشريف فألبس الشريف جمَاعَة فى ذَلِك الْمجْلس خلعا مِنْهُم عمر الْمَذْكُور والامير رضوَان وفاتح الْبَاب والفعلة ثمَّ أدخلُوا فردتى الْبَاب الى دَاخل الْكَعْبَة وَدخل الشريف وَمَعَهُ الْأَمِير وَجَمَاعَة من الْأَعْيَان إِلَى الْكَعْبَة وصعدوا السَّطْح وأشرفوا عَلَيْهِ ثمَّ انفض الْجمع فشرع الامير بعد انفضاض النَّاس فى تركيب الْبَاب فركبته وَتمّ عِنْد غرُوب الشَّمْس من يَوْم الْعشْرين من شهر رَمَضَان ثمَّ فى موسم الْعَام الْمَذْكُور توجه بِالْبَابِ الْقَدِيم الى مصر واستمله وَزِير مصر وأرسله الى السُّلْطَان وَقد أفرد الْكَلَام على عمل الْبَاب الْمَذْكُور الشَّيْخ الْعَلامَة على بن عبد الْقَادِر الطبرى برسالة سَمَّاهَا تحفة الْكِرَام باخبار عمَارَة السّقف وَالْبَاب لبيت الله الْحَرَام وَبَين فِيهَا جَوَاز قلع الْبَاب وَلَو للزِّينَة كَمَا صرح بِهِ الْعلمَاء فقد قلع مرَارًا قبل ذَلِك وَلم يُنكر كالترخيم والتزيين وَكَانَت ولادَة السُّلْطَان مُرَاد صَاحب التَّرْجَمَة فى سنة احدى وَعشْرين وَألف وَتوفى فى تَاسِع عشر شَوَّال سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف وَمُدَّة سلطنته سِتّ عشرَة سنة وَأحد عشر شهرا وَخَمْسَة أَيَّام رَحمَه الله تَعَالَى
السُّلْطَان مُرَاد بن السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان بن سليم جد وَالِد الذى قبله السُّلْطَان الْجَلِيل الشان أوحد سلاطين الزَّمَان كَانَ أجل آل بَيته علما وأدبا وأوفرهم ذكاء وفهما اشْتغل بالعلوم حَتَّى فاق وملأ صيته بالادب الْآفَاق وَكَانَ لَهُ علم التصوف المهارة الْكُلية وفى النّظم بالالسن الثَّلَاثَة أعظم مزيه وَكَانَ بَعيدا عَن التُّهْمَة فِيمَا يشوب بشائبه مَأْمُون الدولة بسعادة ملاحظته عَن أدنى نَائِبه جلس على سَرِير الْملك فى نَهَار الاربعاء سَابِع شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بعد موت وَالِده وَكَانَ وَالِده مَاتَ وَقت الْغُرُوب من نَهَار الِاثْنَيْنِ ثامن وعشرى شعْبَان من هَذِه السّنة وأخفى مَوته الى أَن قدم السُّلْطَان صَاحب التَّرْجَمَة من مغنيسا وبويع بالخلافة وَأمر بقتل اخوته على مَا هُوَ قَاعِدَة سلطنتهم وَكَانُوا خَمْسَة فخنقوا فى الْوَقْت وَأمر بتجهيزهم مَعَ وَالِده فجهزوا وَصلى عَلَيْهِم دَاخل السراى فى عدَّة من الوزراء والاركان وَالْموالى وَتقدم للصَّلَاة عَلَيْهِم مفتى الْوَقْت الْمولى حَامِد باشا بِإِشَارَة من السُّلْطَان قَالَ جدى المرحوم القاضى فى رحلته وَقد أولع النَّاس فى تواريخ فنظموا ونثروا وأطنبوا وَاخْتصرَ وَوَقع اخْتِيَار الْفَقِير
стр. 1808
مِنْهَا على تَارِيخ لبَعض الاصحاب وَهُوَ نصر من الله وَفتح قريب لَكِن يزِيد على سنى التَّارِيخ بثلثمائة وَعشْرين من الاعداد فاحترس لاخراج ذَلِك باحتراس عَجِيب حَيْثُ قَالَ
(السعد مذقارنه منشد ... بِطيب ألحان وَصَوت رطيب)
(من غير شكّ جَاءَ تَارِيخه ... نصر من الله وَفتح قريب)
ونظمت الْفَقِير تَارِيخا وَقع فى نصف من مصراع اتِّفَاقًا وَأَظنهُ لَا يجد فى سوق الادب نفَاقًا
(لقد من رب الْعَالمين على الورى ... بسُلْطَان عدل لَيْسَ فى عدله شكّ)
(فَقلت بِتَوْفِيق الاله مؤرخا ... مُرَاد تولى الْملك دَامَ لَهُ الْملك)
انْتهى قلت وَالْفَقِير اسْتحْسنَ تاريخين لتوليته من نظم مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِمَا ميه الدمشقى أَحدهمَا قَوْله
(قد مهد الله الْبِلَاد بِحكم سُلْطَان الْعباد ... )
(والكون نَادَى منشدا ... تَارِيخه هَذَا المُرَاد)
والثانى وَهُوَ قَوْله أَيْضا فِيهِ
(بالبخت فَوق التخت أصبح جَالِسا ... ملك بِهِ رحم الاله عباده)
(وَبِه سَرِير الْملك سر فأرخوا ... حَاز الزَّمَان من السرُور مُرَاده)
(وَبِه سَرِير الْملك سر فأرخوا ... حَاز الزَّمَان من السرُور مُرَاده)
وَكَانَ همه من حِين ولى السلطانة قتال صَاحب اذربيجان وخراسان من أَوْلَاد حيدر الصوفى فعين الْوَزير مصطفى باشا فاتح بِلَاد قبرس صَاحب الخان وَالْحمام بِدِمَشْق فَتوجه فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بعسكر كثير الى بِلَاد الشرق فبسنى قلعة قارص وشحنها بالمدافع والمكاحل وَبنى مَدِينَة اسلامية فَوجدَ فِيهَا الْمَسَاجِد والجوامع ومزارات الاولياء مِنْهَا مَزَار الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى ابى الْحسن الخرقانى رضى الله تَعَالَى عَنهُ من كبار الصُّوفِيَّة فَلَمَّا استولى عَلَيْهَا الْكفَّار أخربوها ثمَّ سَار الى تخوم بِلَاد الْعَجم والكرج حَتَّى وصل الى مَكَان يُسمى حكدر من بِلَاد الشاه فحاصر هُنَاكَ قلعة لكفار الكرج تسمى بَكَى قلعه فاستولى عيها ثمَّ هجم عَلَيْهِ عَسْكَر الشاه صُحْبَة وزيره دقماق فَبعث الْوَزير مصطفى باشا عسكرا الى قِتَاله فهزموهم وحصدوهم بِالسُّيُوفِ واستولوا على أَمْوَالهم وخيولهم ثمَّ استولى الْوَزير الْمَذْكُور هُنَاكَ على عدَّة قلاع وشحنها بِالرِّجَالِ ثمَّ سَار حَتَّى افْتتح قلعة تفليس
стр. 1809
من بِلَاد أورخان قَاعِدَة مملكة الكرج وَكَانَ الْمُسلمُونَ افتتحوها قَدِيما ثمَّ غلبت الكرج واستولت عَلَيْهَا وَلما فتحت مَدِينَة تفليس أرْسلت أم منوجهرالكرجى ملكة تِلْكَ الْبِلَاد ابْنهَا الى الْوَزير ثمَّ قَامَ الْوَزير الْمَذْكُور بعد أَن نصب فى تفليس أَمِير الامراء فى طرف شرْوَان وفى شماخى وَبث سراياه الى الاطرف وَتمكن مِنْهَا ثمَّ ترك فِيهَا الْوَزير عُثْمَان باشا ابْن أزتمر واليا بهَا فَلَمَّا أقبل الشتَاء توجه الْوَزير الى طرف بِلَاد السُّلْطَان وشتى هُنَاكَ للاغارة فى الرّبيع على بِلَاد الْعَجم ثمَّ بلغه أَن أرسخان صَاحب شرْوَان الْقَدِيم قَصده بِنَحْوِ اثنى عشر ألف عسكرى لقِتَال عُثْمَان باشا فَوَقع بَينهمَا قتال شَدِيد فاتفق أَن انتصر عُثْمَان باشا وَقتل أرس خَان وغالب عسكره ثمَّ وَقع بَينه وَبَين عَسْكَر الشاه هُنَاكَ مَا ينوف عَن عشْرين وقْعَة كَانَت النُّصْرَة دَائِما فى جَانب عُثْمَان باشا وَآخر ذَلِك أَن عدل امام قولى بعسكر يقرب من ثَلَاثِينَ ألفا على أَرض شرْوَان فقاتل عُثْمَان باشا مُدَّة أَرْبَعَة ايام ثمَّ نزل نصر العثمانية وَقتل غَالب الشاهية وَبنى عُثْمَان باشا بعد هَذِه الْوَقْعَة فى شماخى حصارا عَظِيما فى دور سَبْعَة آلَاف ذِرَاع بِذِرَاع الْبناء فى مُدَّة أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ ترك حصارا عَظِيما فى دور سَبْعَة آلَاف ذِرَاع بِذِرَاع الْبناء فى مُدَّة أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ ترك فِيهَا جَعْفَر باشا نَائِبا بهَا وَبعد مُدَّة دخل دَار الْخلَافَة وَصَارَ وزيرا أعظم وَذَلِكَ بعد أَن قَاتل فى سره عدَّة أُمَم اعْتَرَضُوهُ بِالْحَرْبِ وانتصر عَلَيْهِم ثمَّ لما وصل الى بِلَاد كفة بلغه أَن خَان التتار أظهر الْعِصْيَان على آل عُثْمَان فقاتله وانتصر عَلَيْهِ وَقطع رَأسه وفى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بعث السُّلْطَان مُرَاد وزيره سِنَان باشا الى قتال الْعَجم فَسَار مَعَ عَسْكَر جرار وَوصل الى حُدُود الْعَجم وَأرْسل اليه الشاه فى الصُّلْح وَبعث الى السُّلْطَان أحد وزرائه يدعى بابراهيم خَان بتحف سنية وهدايا جليلة وَظن سِنَان باشا ان هَذِه الْحَالة مِمَّا تعجب فَلم يكن كَذَلِك بل لما عَاد الْوَزير من سَفَره عَزله السُّلْطَان وَأقَام مقَامه فرهاد باشا وفى سنة تسعين وَتِسْعمِائَة احتفل السُّلْطَان بختان وَلَده السُّلْطَان مُحَمَّد وصنع لذَلِك فَرحا لم يَقع فى زمن أحد من الْخُلَفَاء والملوك وامتدت الولائم والفرجة وَاللَّهْو والطرب مُدَّة خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا وَجلسَ للفرجة فى دَار ابراهيم باشا بمحلة آتٍ ميدان وأغدق النعم الْعَظِيمَة وَرَأَيْت فى تَارِيخ البكرى أَنه جعل صوانى صغَارًا من ذهب وفضلة وملأ الذَّهَب بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّة بِالذَّهَب وَألقى ذَلِك لارباب الملاهى وَغَيرهم من طالبى الاحسان وَجعل بعد ذَلِك دشيشة لاجل فُقَرَاء الْمَدِينَة الشَّرِيفَة ووقف عَلَيْهَا
стр. 1810
أوقافا كَثِيرَة وَبهَا النَّفْع التَّام لاهل الْمَدِينَة وفى سنة احدى وَسبعين توجه الْوَزير فرهاد باشا الى بِلَاد الْعَجم فَسَار وتوغل فى بِلَاد أذربيجان نَحْو سَبْعَة أَيَّام وَاسْتولى على مَدِينَة روان وَبنى عَلَيْهَا حصنا حصينا وَنصب فِيهَا يُوسُف باشا واليا وأميرا وفى هَذِه السّنة خرج ابراهيم باشا من قسطنطينية الى الديار المصرية والشامية ليصلح مِنْهَا مَا فسد وغزا الدروز وَوَقع لَهُ تأييد وفى سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين سَافر فرهاد باشا بعسكر عَظِيم للغزو بِبِلَاد الكرج فَبنى هُنَاكَ عدَّة قلاع وفى هَذِه السّنة بعث السُّلْطَان الْوَزير الاعظم عُثْمَان باشا بعساكر عَظِيمَة الى قتال الْعَجم فَتوجه بعد أَن شَتَّى فى بِلَاد قسطمونى وَسَار فى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمَعَهُ من العساكر مَالا يعلم عَددهمْ الا الله تَعَالَى وَكَانَ ذَلِك لمحبة النَّاس لَهُ لكرمه وشهامته وَحسن تَدْبيره فعارضه الْعَجم فى الطَّرِيق فَقتل مِنْهُم قتلة عَظِيمَة ثمَّ دخل تبريز فى أَوَاخِر شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَمن هُنَا أذكر ملخص مَا ذكره جدى القاضى محب الدّين فى رحلته التبريزية الَّتِى مَا نسج على منوالها وَلَا جَادَتْ قريحة بمثالها وَاتفقَ لَهُ السّفر الْمَذْكُور لتسليم مَال عوارض فى قَضَاء تولاه وَحضر الْفَتْح الْمَذْكُور حَتَّى أنهى أمره واستوفاه قَالَ وَكَانَ هَذَا السّفر مِمَّا لم يُشَاهد مثله فى الاسفار وَلَا دون مَا يدانيه فى الْكتب والاسفار لَا سِيمَا جمع كثرته الذى انْتهى اليه جمع الجموع وَعدم حصر أَفْرَاده الَّتِى بلغت الْغَايَة فى الشُّيُوع بِحَيْثُ انه كَانَ اذا سَار يسد الفضاء الْوَاسِع ويملاء الفلا الشاسع ويضيق عَنهُ الْمَكَان النائى وَيكون كالجراد الْمُنْتَشِر بِحَذْف كَاف التَّشْبِيه بِعَين الرائى وَكَانَ هَذَا الْفَقِير اذا شبهه من جِهَة الْكَثْرَة بشئ كثيرا مَا يظْهر فِيهِ وَجه التَّشْبِيه وَيكون لَهُ عِنْد التَّأَمُّل وَجه وجيه فَكَانَ اذا شبهته بالنهر العجاج أَو الْبَحْر المتلاطم بالامواج يظْهر وَجه التَّشْبِيه فى حَال سير بعضه ووقوف الْبَعْض وَقد غطى الْبِقَاع وَألقى القناع على وَجه الارض فتختلف الانظار الحسية فى جِهَة سيره اذا سرى فالبعض يَقُول انه يمشى الْقَهْقَرَى وَأما اذا اخْتَلَط الظلام وَظَهَرت الاضواء من تِلْكَ الْخيام وقابلت بنورها نُجُوم السما وَشبه الْفَقِير هَذِه الْهَيْئَة بِتِلْكَ الْهَيْئَة الْتبس عَلَيْهِ أَيهمَا الْمُشبه والمشبه بِهِ مِنْهُمَا وَأما الْغُبَار الذى كَانَت تثيره السوابح بل تعقده بعدوها الضوابح فَكَانَ يذكرنَا ذَلِك مَا كثيرا قَالَه بعض افاضل الورى عقدت سنابكها عَلَيْهَا عثيرا لَا شُبْهَة ان هَذَا الْمَعْنى فِيمَا نَحن
стр. 1811
فِيهِ أمكن بل قيل انه فِيمَا نَحن فِيهِ حَقِيقَة وَفِيمَا قيل فِيهِ مجَاز وان كَانَ الْكل مجَازًا فَهُوَ أحسن وَمِمَّا شَاهده الْفَقِير من كَثْرَة العساكر أَنهم كَانُوا يصيحون على الطير وَهُوَ طَائِر فيعجز عَن الطيران ويروم أَن يسْتَقرّ على مَكَان فَلَا يجد تَحْتَهُ غير انسان وَلم يبْق لَهُ الى الطيران مجَال ثمَّ يسْقط فتخطفه النَّاس فى الْحَال وَأما ظباء الفلا والوحوش الهائمة فى الملا فَكَانَت تحول بَينهَا النَّاس فتجول مشرقا ومغربا ويضيق عَلَيْهَا الفضاء فَلَا تَسْتَطِيع هربا فيغدوا وَاحِدهَا وَهُوَ حيران ويحال بَينه وَبَين النزوان وَلَا يُمكنهُ عَدو ولاحراك فَيمسك بالايدى ويصاد من غير شباك الى غير ذَلِك من لَوَازِم الكثره وَالْوَصْف الذى لَا نستطيع حصره ثمَّ قَالَ فَلَمَّا تحقق قزلباش أَن العساكر مدركوه وَأَن الْوُصُول الى تبريز من الامر الْمُحَقق الْوَاقِع وَصدق عَلَيْهِ قَول الْقَائِل حَيْثُ قَالَ
(فانك كالليل الذى هُوَ مدركى ... وان خلت أَن المنتأى عَنْك وَاسع)
ضَاقَ بِهِ العطن وأحاطت بِهِ المحن فشرع فى تحصين تبريز بأَشْيَاء يظنّ أَنه يحصل بهَا الدفاع وَيَزْعُم أَن أَخذهَا من يَده بعد هَذَا التحصين مِمَّا لَا يُسْتَطَاع على أَن تِلْكَ الاشياء لَيست بحاجز حُصَيْن وَلَا يتحصن بهَا من كَانَ ذَا رَأْي سديد وعقل رصين وَذَلِكَ أَن مَدِينَة تبريز على عظمها وَكَونهَا فى الْقدر قَرِيبا من مصر الا أَنَّهَا لَيست بمسورة وَلَيْسَ فِيهَا قلعة معمرة بل هى محاطة بالبساتين احاطة بساتين دمشق بهَا أى مَعَ قطع النّظر عَن لطف الرونق وَحسن المنظر فان كَون الْمُشبه لَيْسَ كالمشبه بِهِ من كل وَجه من الْمَعْلُوم الْمُقَرّر حَاصِل الامر أَنه عمد الى حيطان الْبَسَاتِين وهى من لبن المغاربه وَعمل بَين كل حائطين حَائِطا فِيهِ طاقات لَان يرْمى بهَا الْعَسْكَر حَال المحاصرة والمحاربه وَأبقى فى تبريز حاكمها من قبله الْمُسَمّى بامام قولى خَان وَجمع الى اهاليها تِلْكَ الاطراف وَأمرهمْ بمحاربة الْعَسْكَر مَعَهم ومساعدتهم بِحَسب الامكان وَخرج هُوَ مَعَ عسكره الى مَكَان خَارج عَن الْمَدِينَة وَزعم أَنَّهَا بِهَذِهِ الاوهام والخيالات قد صَارَت حصينه وَكَانَ فى عزمه بل فى زَعمه أَنه اذا جَاءَت عَسَاكِر الاسلام المنصوره وقصدوا أَن يحاصروا الْمَدِينَة المذكوره يذودهم ويصدهم عَنْهَا من هُوَ فِيهَا بالنشاب والبنادق وَأَن تخصم هَذِه الفرازين بِتِلْكَ البيادق وَأَنه يحْتَاط بالعسكر من خَارج الْمَدِينَة ويحاربهم من الْخَارِج بعسكره الاقل وَيَزْعُم بِأَنَّهُ
стр. 1812
المتصف بمضمون قَوْله تَعَالَى ﴿ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ معَاذًا الله بل قَالَ عَسْكَر الاسلام عِنْد قربه للبلد ووصوله نقُول بِمُوجب مَا قلت وَلَكِن الْعِزَّة لله وَلِرَسُولِهِ ثمَّ ان الْوَزير تقدم اليها بالعساكر المنصورة وَهُوَ فى غَايَة الْقُوَّة والمنعة وَتقدم أَمَامه بِيَسِير جغال زَاده يمشى شَيْئا فَشَيْئًا كَأَنَّهُ كَمَا قيل
(منصرف فى اللَّيْل من دَعْوَة ... قد أسرجت قدامه شمعه)
حَتَّى أَتَاهَا وَقَامَ على رياضها وقاربها واستقى من حياضها وعندما قصد أَخذهَا ورام يحاولها وَقَالَ رائدهم ارسوا نزاولها اسْتَعَانَ الله تَعَالَى وَوجه اليه مرامى كَادَت أَن تكون من حَدِيد جبالا وقابل تِلْكَ الثغور الَّتِى تحَصَّنُوا بهَا بثغور مدافع كَأَنَّهَا تَبَسم وَلَكِن عَن شرر كالقصر وحاصرها من قبل الظّهْر الى بعد الْعَصْر ورماها بهَا فَكَانَت كالصواع المحرقه وَأرْسل عَلَيْهَا شواظا من نَار ونحاس أحرق بهَا أهل الْبدع والزندقه وحوم عَلَيْهَا بالعسكر وَحلق
(وأخاف أهل الشّرك حَتَّى انه ... لتخافه النطف الَّتِى لم تخلق)
وابتدع ذَلِك بمشرفيات كأنهن أَنْيَاب اغوال أضحت كسنن لَاحَ بَينهُنَّ ابتداع وقابل تِلْكَ البيادق بأفيال من مدافع لَا يُمكن عَنْهَا دفاع فَلَمَّا عاينوا ذَلِك الْحَرِيق وَشدَّة وقوده قَالُوا لَا طاقه لنا الْيَوْم بِهَذَا الْوَزير وَجُنُوده فان هَؤُلَاءِ كَمَا قيل
(قوم اذا حَاربُوا ضروا عدوهم ... أَو حاولوا النَّفْع فى أشياعهم نفعوا)
(سجية تِلْكَ مِنْهُم غير محدثة ... ان الْخَلَائق فَاعْلَم شَرها الْبدع)
فعندما شَاهد حَاكم تبريز تِلْكَ الحاله وَعلم أَن المملكة مَأْخُوذَة لَا محاله لم ير بدا من أَن ينهزم من الْبَلدة ويتسحب وأوجس فى نَفسه خيفة وَخرج مِنْهَا خَائفًا يترقب وطلع عَنْهَا متنكرا وهرب مِنْهَا مبكرا فَكَانَ حَاله كَمَا قيل
(اذا أنكرتنى بَلْدَة أَو نكرتها ... خرجت مَعَ البازى على سَواد)
وَلَكِن سَواد الذله ولباس الخزى والمذله فَلَمَّا ذهب على هَذِه الْحَالة الى الشاه مَاتَ من قهره وَجعل الله كَيده فى نَحره وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وملكت الْبِلَاد بعناية الله على أحسن الاحوال ثمَّ لما خذل الله ذَلِك الْعَدو وانفشل وهرب بعسكره نَاحيَة وَاعْتَزل متحيرين مِمَّا لَقِيَهُمْ وَقد غشيهم من الْهم مَا غشيهم وصاروا أَضْعَف النَّاس قبيلا وظلماً تمنوا الْمُحَاربَة فَلم يَجدوا اليها سَبِيلا وَكلما رام ذَلِك الْعَدو والضعيف أَن يُوقد نَارا للحرب أطفأها الله وأخمد مِنْهَا الضرام وَمَتى قصد
стр. 1813
الْمُقَاتلَة والمقابلة يُقَال لَهُ تنكب لَا يقطرك الزحام فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ لَهُ قومه اقترح شَيْئا نجد لَك التباعه ومرنا بِأَمْر نجد بامتثاله بِحَسب الاستطاعه فَقَالَ لَهُم اتبعونى وَلَكِن فى الْهَرَب وجدوا فى الْهَزِيمَة قبل أَن يمنا العطب فلسنا من فرسَان هَذَا الميدان وَلَا يُقيم على ضيم يُرَاد بِهِ الا الاذلان ثمَّ ان حَضْرَة الْوَزير لم يقنع مِنْهُ بالهرب بل كَانَ كلما ترحل عَنهُ لج فى الطّلب وَكلما بلغه خبر شرذمة من اولئك جد فى طلبَهَا وأقدم وارسل لحربها حزبا من شجعان الْعَسْكَر الضاربين بِكُل أَبيض مخذم وَمَتى قيل لَهُ ان طائة من اولئك فى جِهَة أرسل عينا تشرف عَلَيْهَا وَهُوَ دَائِما ماسك عنان فرسه كلما سمع هتفة طَار اليها يجول تِلْكَ الاطراف مشارقا ومغاربا عزماته مثل النُّجُوم ثواقبا
(تَدْبِير معتصم بِاللَّه مرتقب ... لله منتصر فى الله منتقم)
ثمَّ انه قبل وُصُوله الى تبريز كَانَ يترقب من أهاليها لَا سِيمَا الاكابر والافاضل ان يستقبلوه الى خَارج الْمَدِينَة بمراحل ويقابلوه بِكَمَال الطَّاعَة والانقياد ويظهروا لَهُ كَمَال الْمحبَّة والاعتقاد وَأَنَّهُمْ يستبشرون بمقدمه ويسرون بحلول قدمه ويبايعونه على أَنهم رعايا وَأَنَّهُمْ قدمُوا أنفسهم لَهُ هَدَايَا فيراعى كلا مِنْهُم على حسب حَاله ويبلغه من الامن والامانى مَا فى آماله الا أَن الشاه كَانَ هددهم غَايَة التهديد وأوعدهم على اقامتهم بِالْمَدِينَةِ بأنواع الْوَعيد فَلَمَّا دَخلهَا لم ينظر فِيهَا غير فُقَرَاء الرعايا والشيوخ الْكِبَار الَّذين فيهم من عهد عَاد بقايا وَأَكْثَرهم فُقَرَاء آفاقيه وَأما اكابر الْمَدِينَة فَلم يبْق مِنْهُم أحد بِالْكُلِّيَّةِ ثمَّ ان أهل الْمَدِينَة لما ذَهَبُوا أخذُوا من أَمْوَالهم وارزاقهم مَا رخص حمله وغلت قِيمَته وأبقوا مَا عدا ذَلِك مِمَّا يثقل حمله وتكثر مُؤْنَته فَحصل للوزير من هَرَبهمْ غَايَة الْغَضَب وانحرف مزاجه بِهَذَا السَّبَب وَكَانَ فعلهم هَذَا الى نهب أَرْزَاقهم وَسِيلَة وذريعه فَلَمَّا دخل الْعَسْكَر لَا سِيمَا الينكجريه أغمضت عَنْهُم الْعين فنهبوا ذَلِك جَمِيعه واسترقوا أَوْلَادهم وعيالهم وَأخذُوا أَرْزَاقهم وَأَمْوَالهمْ بِحَيْثُ لم يتْركُوا من ذَلِك شَيْئا أصلا وتتبعوا الْبيُوت بَابا بَابا وفصلا فصلا حَتَّى أخذُوا الاخشاب وجعلوها أحطابا وَلم يبقوا فى المساكن طاقات وَلَا أبوابا وَكَثِيرًا مَا شاهدت أَمَاكِن ذَات أَبْوَاب محكمَة الصِّنَاعَة وآلات حازت من اللطف أَنْوَاعه من عمل الصناع العوال والاساتذة الَّتِى لَيْسَ لاساتذة بِلَادنَا عِنْدهم مجَال قد كسرت أَبْوَابهَا فَعَادَت مَبْنِيَّة على الْفَتْح
стр. 1814
وهدمت جدرانها من الاساس الى السَّطْح فأضحت على عروشها خاويه بعد أَن كَانَت لانواع النقوش والزخاريف حاويه وَلم يُوجد فِيهَا مَكَان الا تهدم وَلم يبْق من أَكْثَرهَا كَمَا قبل الادمنة لم تكلم ثمَّ ان تَحت غَالب بيُوت تبريز مغارات وَاسِعَة جدا ينْسب واصفها الى الغلو اذا رام لرسمها حدا طولهَا فِيمَا يُقَال كَمَا بَين دمشق والصالحيه لَا يهتدى اليها كل أحد لَان لَهَا مدَاخِل خفيه أضمرها من كَانَ لَهَا صانعا وَجعل لَهَا مثل حجر اليربوع ذافقاء وقاصعا مُشْتَمِلَة على خبايا وزوايا أعدوها قَدِيما الاخفاء أَرْزَاقهم اذا حل بهم مثل هَذِه المحن والبلايا فوضعوا أمتعتهم فى المغارات وأخفوها عَن الْعُيُون وجعلوها من قبيل الْمُضْمرَات المبنية على السّكُون حَتَّى أخبر من يعْقد على اخباره ان غَالب أهاليها وأبنائها الى الْآن مختب فى داخلها ومحتب بفنائها الا أَن الينكجرية لِكَثْرَة تفتيشهم وتنقيرهم وتتبعهم وتحريرهم ظَهَرُوا على كثير من تِلْكَ المغارات فتوجهوا اليها وشنوا عَلَيْهَا الغارات وَكلما اطلع أحد من الينكجريه على شئ من ذَلِك ذهب لاعلام رفقائه فتجئ وتستخرج اليربوع من نافقائه وَقد شوهد بعض من ذَلِك النَّوْع وَذَلِكَ مغارة فى الباذستان وضع فِيهَا حَاكم الْبَلدة خزائنه لما حصل لَهُ من الْخَوْف والروع وَلما نهب الباذستان لم يعلم بهَا أحد وَلم يطلع عَلَيْهَا انسان لَكِن اطلع عَلَيْهَا كَثِيرَة التنقير وَبلغ أثر تِلْكَ حَضْرَة الْوَزير فَأرْسل من جَانِبه الدفترادار فى الْحَال وَضبط جَمِيع مَا فِيهَا لبيت المَال ثمَّ ان الْعَسْكَر بعد أَن نهبوا الْمَدِينَة ذَهَبُوا الى الاطراف فنهبوا الزروع ودخلوا الْبَسَاتِين فَقطعُوا الاشجار من الاصول وَالْفُرُوع فَكَانَ حَال أُولَئِكَ كَمَا قيل فى الْمَعْنى
(للسبى مَا نكحوا وَالْقَتْل مَا ولدُوا ... والنهب مَا جمعُوا وَالنَّار مَا زرعوا)
ثمَّ بعد ذَلِك حضر جمَاعَة من أهل الْمَدِينَة وأكابرها بعد أَن ذهب عَنْهُم الروع وجاؤوا بِحسن الِاخْتِيَار والطوع وتقدموا الى حَضْرَة الْوَزير وَاعْتَذَرُوا بِأَنَّهُم كَانُوا مجبورين على هَذَا التَّأْخِير فَقبل مِنْهُم مَا أبدوه وعذرا وَمن عَلَيْهِم بفك الاسرى فَانْقَلَبَ كل مِنْهُم الى أَهله مَسْرُورا ولقى من بعد ذَلِك الْخَوْف أمنا وسرورا فشرعوا فى الْعود الى أوطانهم من بعد الْهَرَب وَأَقْبلُوا يَنْسلونَ اليها من كل حدب هَذَا وَكَثِيرًا مَا سَأَلنَا بعض أبنائها عَن محاسنها واستفسرنا مِنْهُ عَن لطيف موَاضعهَا وأماكنها فَيَقُول لَو رأيتموها وهى مأهوالة معموره وبالخيرات
стр. 1815
والارزاق مغموره لرأيتم شَيْئا يحير الافكار ولحكمتم بِأَن لَيْسَ لَهَا نَظِير فى الديار ثمَّ يتنفس الصعدا وَيَغْدُو لِسَان حَاله منشدا
(ألما على الدَّار الَّتِى لَو وجدتما ... بهَا أَهلهَا مَا كَانَ وحشا مقيلها)
(وَلَو لم يكن الا معرج سَاعَة ... قَلِيلا فانى نَافِع لى قليلها)
وفى الْحَقِيقَة هى من أحسن الْبِلَاد الانيقه ومعدودة كَمَا هُوَ مَعْلُوم من الاماكن الرشيقه لَكِن تعرضت لَهَا أيدى الْحدثَان وَكَانَ مُقَدرا عَلَيْهَا أَن تصاب بِهَذَا الْمُصَاب فى هَذَا الاوان
(واذا تَأَمَّلت الْبِقَاع وَجدتهَا ... تشقى كَمَا تشقى الرِّجَال وتسعد)
وَأما جوا مَعهَا الْعَظِيمَة الشان وَحسن رونقها الذى لَا يُوجد نَظِيره الا فى الْجنان فانها حازت أَنْوَاع المحاسن واللطائف وَلَا يُمكن أَن يضْبط حسن نضارتها بِوَصْف واصف
(لقد جمعت كل المحاسن صُورَة ... شهِدت بهَا كل الْمعَانى الدقيقة)
لَا سِيمَا تزينها ظَاهر اَوْ بَاطِنا بنفيس القيشانى والنقوش البديعة الْمعَانى والكتابات الْحَسَنَة الَّتِى تكل عَن وصفهَا الالسنه كخط ابْن البواب وَمن فاقه من مشاهير الْكتاب فانا لم نشاهد مثل هَذِه الكتابات قطّ وَقد أنسانا ذَلِك جمع مَا شَاهَدْنَاهُ فى عمرنا من حسن الْخط خُصُوصا وضع كل شئ فى مَحَله واقترانه مَعَ مناسبه والتئامه كالكتابة على المنارة مثلا المؤذنون أطول النَّاس أعناقا يَوْم الْقِيَامَة وكالكتابة على الاخرى بالخط الْوَاضِح الْمُبين وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا وَقَالَ اننى من الْمُسلمين وعَلى الاخرى أشهد أَن لَا اله الا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَلَقَد شاهدنا على حَائِط الْجَامِع مِمَّا يلى الْبَاب من الْجِهَتَيْنِ مَكْتُوبًا بالخط الجلى القويم آيَات من الْكَلَام الْقَدِيم فَمن جِهَة الْيَمين قَوْله تَعَالَى ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وزلفى من اللَّيْل إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ واصبر فان الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ وَمن جِهَة الشمَال قَوْله ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس إِلَى غسق اللَّيْل وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة لَك عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ لَكِن لم يتمتع النّظر بأنضر من ذَلِك الْخط وَلَا أجلى وَلم تشاهد الْعين ألطف من ذَلِك الرقم وَلَا أحلى كلما زِدْته نظرا زادك حسنا وَكلما راجعت الْبَصَر كرة بعد كرة يظْهر لَك من ذَلِك الشكل
стр. 1816
لطيف معنى لَو اجْتمع كتاب الْعَصْر لم يستطيعوا أَن يكتبوا على شكله مِثَالا وَالْحَاصِل ان ذَلِك آيَة من آيَات الله تَعَالَى وَكُنَّا نقُول عِنْد مُشَاهدَة ذَلِك سُبْحَانَ خَالق القوى وَالْقدر وانما لمعان تعشق الصُّور ثمَّ بعد أَن وضعت الْحَرْب أَوزَارهَا وَأَطْفَأت الفئة الغازية نارها شرع الْوَزير فى أَن يحصن المدينه ويعمر بهَا قلعة حصينه وتفحص عَن مَكَان مُنَاسِب يَلِيق وأعمل فى ذَلِك الْمَعْنى فكره الدَّقِيق فَوَقع الِاخْتِيَار على أَن يكون مَحل القلعة مَوضِع قصر الشاه وبستانه وَاتفقَ الرأى على أَن تكون القلعة عوضا عَن الْبُسْتَان ومكانه فشرع فى تعميرها يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس شَوَّال من غير قُصُور وَكَانَ الْفَرَاغ مِنْهَا خَامِس وعشرى الشَّهْر الْمَذْكُور وَصَارَ الْقصر دَاخل القلعة المذكوره وعادت الْبَلدة بذلك مستوره وَأما الْقصر الْمَذْكُورَة فَهُوَ حسن المبانى لطيف الْمعَانى لَا يُوجد لَهُ مثل فى سَائِر الْبِلَاد وَلَا عمر نَظِيره وَلَا من عهد عَاد أحكم وَاضعه بناءه النفيس وأتقن صانعه فى شكله المسدس أشكال التأسيس وَهُوَ فى الْحَقِيقَة كَمَا كتب على بَابه كمل هَذَا الْقصر الْمُعَلَّى والصرح الممرد الْمحلى الذى لم يوضع مثله فى الْجنان وَلم يخْطر مِثَاله للجنان وتاريخه سنة تسع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ولعمرى انه الْمَعْنى بقول الْقَائِل
(قصر عَلَيْهِ تَحِيَّة وَسَلام ... خلعت عَلَيْهِ جمَالهَا الايام)
وَقد نقل عَن الشاه أَنه لما بلغه عمَارَة القلعة مَكَان قصره وبستانه تأسف كثيرا على معاهد ملكه وسلطانه وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الارض بِمَا رَحبَتْ وعاين أَن روحه من جسده سلبت وَمَا أحراه أَن ينشد فى هَذَا الْحَال تحسرا على الْقصر الْمَذْكُور قَول من قَالَ
(فَدَيْنَاك من ربع وان زدتنا كربا ... فانك كنت الشرق للشمس والغربا)
وَقد غَدا مخذولا مقهورا وأضحى كَانَ لم يكن شَيْئا مَذْكُورا ثمَّ لما اتم الْوَزير بِنَاء القلعة وأكمل الْحصار وَأحكم وَضعه وضع فِيهِ جمعا كثيرا من الْعَسْكَر وَأمر عَلَيْهِم حَاكما الباشا جَعْفَر ثمَّ بعد أَن أعْطى كَمَا ذكرنَا لاهل تبريز الْأمان وَرجع بَعضهم الى الْمنَازل والاوطان وَفتحت بعض الدكاكين والحمامات وأضحت مأنوسة بِأَهْلِهَا بعض المحلات اتّفق فى ذَلِك الاثناء أَن قتل فى بعض الحمامات بعض أشخاص من الْعَسْكَر وَنقل الى الْوَزير أَن جمَاعَة القزباش مختفين بِالْمَدِينَةِ بِاتِّفَاق من أَهلهَا فَغَضب من ذَلِك وتأثر وَأقسم أَنه ينْتَقم من أهالى
стр. 1817
تبريز غَايَة الانتقام وَأمر فيهم حَيْثُ وجدوا بِالْقَتْلِ الْعَام واستوعبهم بِالْقَتْلِ واستأصل واصر حَالهم كَمَا قيل
(فَمَا زَالَت الْقَتْلَى تمج دماءها ... بدجلة حَتَّى مَاء دجلة أشكل)
وَقتل عِنْد ذَلِك آمنهم وَأَصْبحُوا لَا ترى الا مساكنهم بل هى أَصبَحت مضمحلة لَا ترى وَلم يذروا مِنْهَا عينا وَلَا أثرا بِحَيْثُ لم يبْق مِنْهَا الا بعض الْمَوَاضِع وَلم يتْركُوا مِنْهَا الا الثَّلَاث الاثافى والديار البلاقع وَلم يبْق من أَهلهَا الا من كَانَ طفْلا أَو صارخة تصرخ صُرَاخ الثكلى وَكَانَ بقى لَهُم من رزقهم بعض بَاقٍ فنهب الْعَسْكَر ذَلِك الباقى وَلم يتْركُوا لَهُم شَيْئا يَأْكُلُونَهُ فَكَادَتْ أَرْوَاحهم من الْجُوع ترقى الى التراقى وَصَارَ حَالهم الى أَسْوَأ الاحوال وناهيك بِالْجرْحِ على قرب الِانْدِمَال وَقد نقل أَنه قتل فى جملَة أُولَئِكَ جمع من الاشراف الافاضل وَجَمَاعَة من الْعلمَاء الاكامل وَكَانَ ذَلِك فعلا صادرا من غير رأى صائب وأمرا يمجه الطَّبْع وَيحكم الْعقل بِأَنَّهُ أَمر مَحْذُور العواقب وَكَانَ الْكَفّ عَن هَذَا الْفِعْل أولى وَأَحْرَى وان صدر من بعض مَجْهُول جرم فَلَا تزر وَازِرَة وزرة أُخْرَى ثمَّ اتّفق بِمُقْتَضى الْحِكْمَة الالهية والاوامر الربانيه أَن الْوَزير مرض عقيب ذَلِك الْفِعْل من غير تَأْخِير وَاسْتمرّ أَرْبَعَة أَيَّام والتحق بالعليم الْخَبِير وَخرج من تبريز وَهُوَ يعالج سَكَرَات الْمَوْت وانتقل بالوفاة بعد خُرُوجه مِنْهَا بِيَوْم من غير فَوت انْتهى مَا لزم ايراده عودا الى مَا يتم بِهِ من صَاحب التَّارِيخ مُرَاده وَكَانَ قبل وَفَاته نصب سِنَان باشا حَاكما وانه قَائِما مقَامه فَلَمَّا توفى رَحل سِنَان باشا بالعساكر فاعترضهم الْعَدو يَمِينا وَشمَالًا وَوَقع بَينهم مناوشة فَلَمَّا وصلوا الى حُدُود المملكة العثمانية أَمَام قلعة سلماس هجم حَمْزَة ميرزا ابْن شاه مُحَمَّد خدا بنده صَاحب عراق الْعَجم فى نَحْو ثَلَاثِينَ ألف رَاكب فَوَقع بَين العسكرين قتال كثير انجلى الْحَرْب عَن هزيمَة الاعجام بعد أَن حصد غالبهم بِالسَّيْفِ فَلَمَّا دخلُوا مَدِينَة وان شَقوا بطن الْوَزير عُثْمَان باشا وحشوه بالطيب وبعثوا جده الى مَدِينَة آمد فدفنوه بهَا وَكَانَ الْوَزير الْمَذْكُور رأى مناما وَهُوَ بِمَدِينَة تبريز أَنه كَانَ رَاكِبًا فرسا أَبيض فَأَلْقَاهُ الْفرس الى الارض وَسَقَطت عمَامَته عَن رَأسه فَعرف أَنه يَمُوت من مَرضه الذى اعتراه فأوصى بِمَا أَرَادَ وَكَانَ من الشجَاعَة فى جَانب عَظِيم وَكَانَ تولى عدَّة صناجق فى ابْتِدَاء حَاله ثمَّ صَار أَمِير الامراء بِبِلَاد الْحَبَشَة فَسَار حَتَّى انْتهى الى تخوم أَرض الْحَبَشَة فَرَأى مَكَانا
стр. 1818
ينْبت الذَّهَب فِيهِ فى سفح جبل كَمَا ينْبت الْقصب فوصل الى اقليم القرود وتقاتل مَعَهم مَرَّات عديدة فَكَانَ النَّصْر لَهُ وفى سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة جهز السُّلْطَان صَاحب التَّرْجَمَة فرهاد باشا الْوَزير مَعَ عَسَاكِر عَظِيمَة الى بِلَاد الْعَجم فوصلوا الى تبريز وحصنوا قلعتها ورمموا سورها وَكَانَت السباهية حاصروها مرَارًا عديدة وقربوا من أَخذهَا ثمَّ بنى بَين وان وتبريز قلعتين وشحنهما بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاح وَلم يزل الْوَزير الْمَذْكُور يشتى بِبِلَاد الرّوم وَيرجع فى الصَّيف الى بِلَاد الْعَجم حَتَّى مهد الْبِلَاد الَّتِى أخذت من الكرج وَبنى قلعة كورى وَوصل الى بِلَاد قره بَاغ وكنجه وابتنى هُنَاكَ حصنا على كنجه وحصنا على بردعه وَقَاتل صَاحب قره بَاغ مُحَمَّد خَان فَكسر وغنم أَمْوَاله وَعَاد الى بِلَاد الرّوم وَقد وَقع فتح بِلَاد شرْوَان فى هَذِه السّنة وَمن الْعَجَائِب الَّتِى وَقعت فى هَذِه السّنة أَنه فى خَامِس صفر مِنْهَا ولد بحارة بلاط من قسطنطينية بدار رجل يُقَال لَهُ الْحَاج خضر مَوْلُود لَهُ لحية بَيْضَاء طَوِيلَة وَلَيْسَ لَهُ عينان وَلَا فَم وعَلى حَاجِبه أَو جَبينه ثؤلول قدر الباقلا وأذناه فى عُنُقه وَحين ولد سَطَعَ لَهُ نور وبقى الى أَن مَاتَ من يَوْمه وَلما مَاتَ ذهب ذَلِك النُّور وجئ بِهِ الى مجْلِس قاضى استانبول وَرَآهُ النَّاس وسجل بالسجل وَبعث بِصُورَة الْوَاقِعَة للامصار وفى سنة سبع وَتِسْعين وَردت أوَامِر الى الاقطار بِأَنَّهُ ظهر بِمَدِينَة مراكش من الْمغرب ثَلَاث أَنْفَار أحدهم اسْمه يحيى بن يحيى وَهُوَ لابس ثوبا من لِيف النّخل وفى صَدره مرْآة وَهُوَ رَاكب جملا وَيَقُول لَا اله الا الله وَيَقُول الْجمل مُحَمَّد رَسُول الله وانه يَقُول للجدار انْهَدم بِأَمْر الله فينهدم وَيَقُول كن جدارا كَمَا كنت باذن الله فَيكون جدارا عَامِرًا وان الثَّلَاثَة تفَرقُوا وَاحِد الى الشَّام وَآخر الى مصر وَآخر الى قسطنطينية وَإِن الثَّلَاثَة يَجْتَمعُونَ بِالشَّام وان المهدى يتلاقى مَعَهم بِالشَّام وَمَعَهُمْ محْضر نَائِب القاضى على قاضى طرابلس الغرب وخطوط الْعلمَاء وَغَيرهم وان البندق والسهام وَالسُّيُوف لَا تُؤثر فى وَاحِد مِنْهُ وَلما اتَّصل بِعلم السُّلْطَان مُرَاد أَمرهم أرسل الى بِلَاد الغرب أَن لَا يعتبروا شَيْئا من ذَلِك وَكَذَلِكَ الى مصر وَالشَّام وَصَحَّ هَذَا الْخَبَر وَثَبت وفى نَهَار الثلاثا ثَالِث وعشرى شهر ربيع الآخر سنة احدى بعد الالف وَقعت الْفِتْنَة باسلا مبول وَذَلِكَ أَن العساكر من طَائِفَة الْيَمين واليسار والسلاحدراية وَغَيرهم اتَّفقُوا ودخلوا الى ديوَان السُّلْطَان بِسَبَب ابطاء علوفاتهم عَن الْعَادة وَأَرْسلُوا يطْلبُونَ مُحَمَّد الشريف صَاحب الدفاتر يَوْمئِذٍ
стр. 1819
فَامْتنعَ السُّلْطَان من تَسْلِيمه لَهُم خوفًا من أَن يقتلوه وَلم تزل قُضَاة العساكر يَتَرَدَّدُونَ لهَؤُلَاء الْجَمَاعَة لدفع هَذِه الْفِتْنَة فَلم يقدروا فرجموهم واستمروا واقفين مصرين حَتَّى هجم عَلَيْهِم من الدَّاخِل بعض الصّبيان وساعدهم من وجد من القواد وخدمة الدِّيوَان واستمروا يضربونهم ويرجمونهم بِالْحِجَارَةِ فازدحموا عِنْد خُرُوجهمْ من الْبَاب الوسطانى حَتَّى تراكم بَعضهم على بعض بَين الْبَابَيْنِ واستد الْبَاب فَكَانَ النَّاس يَمْشُونَ عَلَيْهِم فَقتل مِنْهُم وَمن المتفرجين نَحْو من مائَة وَسَبْعَة عشر انسانا فَأمر السُّلْطَان بالقاء أَجْسَادهم فى الْبَحْر وَسلم الدفترى الْمَذْكُور وفى هَذِه السّنة عين الْوَزير سِنَان باشا لمحاربة كفار المجر وَأرْسل العساكر فَفتح تِلْكَ السّنة قلعة بستريم وقلعة طاطا وشتى بِمَدِينَة بلغراد وفى السّنة الثَّانِيَة فتح قلعة قرَان بِضَم الْقَاف وقلعة يانق وهى من أحصن القلاع وأصعبها قد أحَاط بهَا المَاء وهى مَدِينَة مَاتَت الْمُلُوك بحسرتها لحصانتها ومنعتها ومتانتها وَكَانَ فتحهَا عِنْد النَّصَارَى بِمَنْزِلَة الْمحَال لصعوبة مراقيها واستعلاء مراميها وَذَلِكَ بعد أَن نَالَ الْمُسلمين شدَّة عَظِيمَة قيل ان النَّصَارَى رموهم بالمدافع فجَاء مدفع بصنجق النبى
الذى صَحبه عَسْكَر الشَّام مَعَهم فكاد يسْقط فَتَلقاهُ رجل قبل السُّقُوط فَلم يسْقط ثمَّ بعد أَيَّام لما اشْتَدَّ بهم الْحصار سلط الله عَلَيْهِم مَوتَانا فَجعلُوا يموتون فى مدينتهم من غير قتال فَسَلمُوا الْمَدِينَة للْمُسلمين فَدَخَلُوهَا فوجدوها قد جافت من الْمَوْتَى وسر الْمُسلمُونَ بذلك سروا عَظِيما وَهَذِه جملَة الوقائع الَّتِى وَقعت فى زمن السُّلْطَان صَاحب التَّرْجَمَة وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ سعيد البخت وَكَانَت أَيَّام سلطنته معتدلة غَايَة الِاعْتِدَال وَالْعُلَمَاء والسادات فِيهَا مكرمون وَقد كثر فى زَمَنه الْعلمَاء وَكَانَ محبا لجمع الْكتب مَعَ حسن مطالعتها وَله أدب باهر وَشعر بليغ وَكَانَ غَايَة فى التَّوَاضُع والاستكانة لله تَعَالَى حكى النَّجْم عَن الْخَطِيب أَحْمد بن النعيمى الدمشقى خطيب أيا صوفيا بقسطنطينية أَنه كَانَ فى حَضْرَة السُّلْطَان مُرَاد حِين دخل قسطنطينية بعض أقَارِب سُلْطَان الْعَجم لطلب الْمُصَالحَة وَقد أَمر السُّلْطَان أَن تعرض عَلَيْهِ عساكره مارين عَلَيْهِ بَين يدى الاعجام على وَجه الِاسْتِيفَاء وَجلسَ فى مَكَان لَهُ على كرسيه وَبَين يَدَيْهِ شيخ الاسلام الْمُفْتى والخوجه ونقيب الاشراف وامامه وخطيب أيا صوفية وَهُوَ الْمُحدث قَالَ فعرضت عَلَيْهِ العساكر من أول النَّهَار الى وَقت الظّهْر فى موكب عَظِيم قَالَ فَرَأَيْنَا السُّلْطَان قد بَكَى وانتحب وخر عَن
стр. 1820
كرسيه سَاجِدا ثمَّ قَالَ لنا اشْهَدُوا على أَنى عبد الله تَعَالَى من جملَة عبيده هَؤُلَاءِ لَا مزية لى بسلطنتى عَلَيْهِم فأبكانا وَبِهَذَا الْمِقْدَار من الاستكانة لله تَعَالَى وَالِاعْتِرَاف يُرْجَى لَهُ الْمَغْفِرَة وَكَانَت وِلَادَته بِمَدِينَة قسطنطينية فى سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة وتاريخ وِلَادَته خير النّسَب وَتوفى يَوْم الثلاثا سادس جُمَادَى الاولى سنة ثَلَاث وَألف بحصر الْبَوْل بعد أَن اسْتمرّ مُدَّة طَوِيلَة مُنْقَطِعًا وَاسْتمرّ مَيتا عشرَة أَيَّام حَتَّى جَاءَ وَلَده السُّلْطَان مُحَمَّد وَجلسَ على التخت ثمَّ جهز وَأخرج بعد صَلَاة الْعَصْر وَصلى عَلَيْهِ بِسَاحَة أيا صوفيا وَتقدم للصَّلَاة عَلَيْهِ شيخ الاسلام مُحَمَّد بن بُسْتَان وَدفن بِالْقربِ من تربة وَالِده بِقرب ايا صوفيا وَله من الْعُمر خَمْسُونَ سنة وَكَانَت مُدَّة ملكه عشْرين سنة وَخلف عشْرين والدا ذكرا غير الاناث فَلَمَّا اسْتَقر ابْنه سُلْطَانا أَمر بخنق اخوته كَمَا تقدم فى تَرْجَمته وَالله أعلم
مُرَاد بن هِدَايَة الله العجمى الاصل الدمشقى المولد رَئِيس الْكتاب بِدِمَشْق وَصَاحب دفاتر المحاسبة بِبَاب الدفترى وَكَانَ صَدرا نبيلا وقورا ممدوحا وَهُوَ الذى مدحه الْفَتْح بن النّحاس بقصيدته الْمَشْهُورَة الَّتِى أَولهَا قَوْله
(بصباح وَجهك تشرق الانوار ... ولباب مجدك تهرع الامجاد)
(واذا جرى ذكر الانام بِمَجْلِس ... بدؤا بذكرك وانْتهى الاعداد)
(سجدت لَك الافلاك حِين رفعتها ... والغاب ترفع ذكره الآساد)
(حيرت حذاق الْحساب بفكرة ... تَركتهم وألوفهم آحَاد)
(قس الفصاحة لَو نطقت سحرته ... وَلَو دلو أَن الحَدِيث يُعَاد)
(لم يسبقوك وان سبقت بوالد ... فكلاهما فى المأثرات جواد)
(مَا الْمجد الا أَن يكون وراثة ... وتزيد عَن آبائها الْأَوْلَاد)
(مِنْكُم بدا نجم الْهِدَايَة للعلا ... وعشا لنأر قرا كم القصاد)
(كل يؤمل أَن يُرَاد سوى الذى ... خلع الْقبُول عَلَيْهِ وَهُوَ مُرَاد)
(ان السِّيَادَة فى ذراك تعوذت ... بك أَن يمد يدا لَهَا الحساد)
(عَزمَات مثلك لَا تعاب بحدة ... بيض الصوارم كُلهنَّ حداد)
(هَذَا الْغَمَام على الْخَلَائق رَحْمَة ... وَصِفَاته الابراق والارعاد)
(يَا دوحة ظلّ السَّعَادَة ظلها ... لَا زَالَ حولك ظلك المياد)
(ورعى حماك من الْعِنَايَة حارس ... وَسَقَى ثراك من الْحيَاء عهاد)
стр. 1821
وَكَانَ حج فى سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف فتوفى وَهُوَ رَاجع بعسفان فى ثانى الْمحرم سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
مُرَاد رَئِيس المغربى الْمَشْهُور أَمِير الْبَحْر وَصَاحب المغازى كَانَ مَيْمُون النقيبة قوى الطالع غَالِبا للكفرة كاسرا لشوكتهم بطلا من الابطال وَلم يتول منصبا للسُّلْطَان بل كَانَ يغز وَالْكفَّار وَمهما اكْتسب من غنيمتهم أنفقها على نَفسه وعَلى جماعته الشجعان وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان عشرَة بعد الالف وَكَانَ طاعنا فى السن ناهز الثَّمَانِينَ سنة وَذكر البورينى أَنه ورد فى سنة مَوته كتاب من الامير فَخر الدّين بن معن لبَعض أَصْحَابه يذكر فِيهِ مَوته بقوله وَمُرَاد رَئِيس توفى فحسبت هَذِه الالفاظ فَوَافَقت تَارِيخ مَوته
مُرَاد باشا الْوَزير فى عهد السُّلْطَان أَحْمد صَاحب الحروب مَعَ المجر والعجم والجلالية وشهرته تغنى عَن تَعْرِيفه أَصله من الخرواد وَكَانَ خدم مَحْمُود باشا الْمَشْهُور الذى كَانَ تولى الْيمن ومصر وَقَتله عَسْكَر مصر فى شعْبَان سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة ثمَّ صَار كتخداه فَلَمَّا قتل الْوَزير الْمَذْكُور صَار أحد الصناجق بِمصْر ثمَّ صَار حَاكما بِالْحَبَشَةِ ثمَّ عينه السُّلْطَان مُرَاد حَاكما لليمن فوصل الْوَزير الى ينْدر الصلف فى شهر ربيع الاول سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَدخل صنعاء فى جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وضاق حَاله بِالْيمن وامتحن فِيهَا فَظهر فى زَمَانه الامام الْحسن بن على المؤيدى فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يحب الْعلمَاء ويميل الى الصلحاء وَكَانَ لَهُ حسن عقيدة فى الشَّيْخ الصَّالح عبد الْقَادِر الجعدى وَأَوْلَاده قدس الله سرهم وَهُوَ الذى بشره بِولَايَة الْيمن وَهُوَ خازندار من عِيَال خزانَة مَحْمُود باشا وَأدْخل الشَّيْخ عبد الْقَادِر الْمَذْكُور رَأس مَحْمُود باشا فِي كمة مُشَاهدَة مَحْمُود باشا فِي كمه رجلا يُرِيد يرميه ببندق فخاف مَحْمُود باشا على نَفسه فَقَالَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر مَا يكون ذَلِك الا بِمصْر فَرَمَوْهُ فى ولَايَته بِمصْر وَأرْسل هُوَ حِينَئِذٍ سردار العساكر السُّلْطَانِيَّة بعد عَزله من الْيمن الى زيد ابْن الشَّيْخ عبد الْقَادِر الْمَذْكُور كسَاء فاخرا ونقودا وكتابا باللغة التركية فَأمر الْوَزير كتخدا سِنَان باشا وَكَانَ كَاتب الدِّيوَان فى خدمته أَن يعرب للشَّيْخ زيد مَفْهُوم ذَلِك الْكتاب فعربه وَرَأى فِيهِ من لطف الْعبارَات مَا يدل على مَكَارِم أَخْلَاق الْوَزير الْمشَار اليه وَله آثَار حَسَنَة بِالْيمن مِنْهَا جَامع فى قصر صنعاء وأجرى لَهُ غيلا من جبل نُقِيم وَانْقطع فى زمن حسن باشا الْوَزير
стр. 1822
وَبنى أَيْضا قبَّة معظمة على قُبُور السَّادة بنى الاهدل بزبيد وَدفن فِيهَا من متأخريهم شيخ الاسلام والْحَدِيث فى عصره الطَّاهِر الْحُسَيْن الاهدل وَكَانَ لَهُ حسن عقيدة فيهم وَرفع عَن الرّعية جملَة من الْبدع والمظالم وَنشر عدله فى الْجبَال وَكَانَ مَعَ ذَلِك سفاكا ثمَّ عزل عَن الْيمن ووليها بعده الْوَزير حسن باشا وَلما وصل الى دَار السلطنة أعْطى حُكُومَة قرمان وَأمر بِالسَّفرِ مَعَ الْوَزير الاعظم الموجه الى تبريز فأسرته الْعَجم فى الْوَقْعَة قَالَ النَّجْم حَدَّثَنى شَيخنَا القاضى محب الدّين أَنه حَدثهُ عَن أسره انه لما أسرته الْعَجم وانْتهى الامر عرضت الاسارى على الشاه اسمعيل فَكَانَ يَأْمر بقتل الْبَعْض ورد الْبَعْض الى الرِّبَاط أَو الْحَبْس قَالَ وَكَانَت عمامتى قد ذهبت عَن رأسى وفرجيتى فَلَمَّا جَاءَت نوبتى فى الْعرض عَلَيْهِ قَالَ من تكون أَنْت من الْعَسْكَر فَقلت وَاحِد من السباهية أَو قَالَ من القبوقوليه فَقَالَ لى كذبت أَنْت خَان من خاناتهم وهم يسمون الباشا خَانا قَالَ ثمَّ أَمر لى بساق رَقِيق ثمَّ أَمر بى الى السجْن قَالَ وَكَانَ عرفنى من سروالى فانه كَانَ من الديباج قَالَ فَلَمَّا كنت فى الاسر وَالْحَبْس نذرت لله تَعَالَى عشرَة آلَاف ذَهَبا ان خلصت وعدت الى حالى أَقف بهَا عقارا على فُقَرَاء الْحَرَمَيْنِ الشريفين فَلَمَّا خلص ولاه السُّلْطَان مُرَاد نِيَابَة دمشق فعمر بهَا السُّوق الذى عِنْد بَاب الْبَرِيد وَكَانَ يعرف بسوق الطواقية شرع فى تعميره فى أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف فهدم الحوانيت الْقَدِيمَة وجدد بناءها ووسع الطَّرِيق وَرفع السّقف وَبنى على مربعة بَاب الْبَرِيد قبَّة عَظِيمَة عالية ملاصقة للعمودين العظيمين الباقيين على يَمِين بَاب الْبَرِيد وشماله فَجَاءَت قبَّة حَسَنَة وَجَاء الْبناء حسنا محكما وَأخذ الْبيُوت الَّتِى وَرَاءه وعمرها وكَالَة حَسَنَة وَأمر أَن يسكن فِيهِ تجار سوق السباهية فنقلوا اليه بُرْهَة حَتَّى مَاتَ وأعيدوا الى السُّوق الْمَعْرُوف بهم الْآن ثمَّ عمر الى جَانِبه سوقا آخر وَنقل اليه تجار سوق الذِّرَاع المتولى لَهُ على عمَارَة السُّوق الاول والقهوة وَالْوكَالَة الشَّيْخ احْمَد المغربى متولى الْجَامِع الاموى الْمُقدم ذكره وَكَانَ تَمام عمارتها فى سنة خمس بعد الالف وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الطّيب الغزى فى تَارِيخ الْوكَالَة
(هاك تَارِيخا شما لَهُ ... بدر هالات الغزاله)
(جملَة الْملك بهاء ... وسخاء وبساله)
(صَحَّ فى آخر شطر ... ضمن الدّرّ مقاله)
(ولى الشَّام مُرَاد ... فَبنى خير وكاله)
стр. 1823
وَالْوكَالَة اسْم للخان كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف فى عرف المصريين والدمشقيون يسمونه قيسارية والمتولى عمَارَة السُّوق الثانى لَهُ حسن باشا الْمَعْرُوف بشور بزه نزيل دمشق الْمُقدم ذكره ووقف الْجَمِيع على الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَقتل مُرَاد باشا فى تَوْلِيَة دمشق الامير مَنْصُور بن الفريخ الآتى ذكره والامير على بن الحرفوش وصير الامير فَخر الدّين بن معن صنجقا وبقى نظره عَلَيْهِ ثمَّ انْفَصل عَن دمشق وَولى حلب وديار بكر وسافر سفرة الانكروس الَّتِى فتحت فِيهَا قلعة اكره وَظَهَرت لَهُ يَد فى الْمُقَاتلَة ثمَّ أعْطى ولَايَة روم ايلى مرَّتَيْنِ ثمَّ انْعمْ عَلَيْهِ بالوزارة وَأمر بمحافظة بلغراد وَلما قتل الْوَزير الاعظم درويش باشا يَوْم السبت تَاسِع شعْبَان سنة خمس عشرَة بعد الالف أرسل الى صَاحب التَّرْجَمَة للوزارة الْعُظْمَى بسوق شيخ الاسلام صنع الله بن جَعْفَر وَعقد الصُّلْح بَين السُّلْطَان أَحْمد وَبَين نَصَارَى الانكروس وَقدم الى دَار السلطنة فَدَخلَهَا فى أَوَاخِر الْمحرم سنة سِتّ عشرَة ثمَّ فى أَوَائِل شهر ربيع الاول من هَذِه السّنة عينه السُّلْطَان سردارا على بِلَاد الشرق وَأمره بتمهيد بِلَاد أَنا طولى فَتوجه الى حلب بِقصد الامير على بن جانبولاذ وَوَقع بَينهمَا حروب كَانَ آخرهَا انهزام ابْن جانبولاذ كَمَا سلف فى تَرْجَمته ثمَّ ان الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة شَتَّى فى حلب وَخرج مِنْهَا فى أول الرّبيع لقِتَال قره سعيد وَابْن قلندر والطويل وَكَانَ ابْن قلندر استولى على بروسه وأفسد فى أطرافها وفى شهر رَمَضَان سنة سِتّ عشرَة أحرق أَكثر أماكنها فَاجْتمع أَعْيَان الدولة من الْعلمَاء والوزراء عِنْد مصطفى باشا قَائِم مقَام الْوَزير ودبروا الامر فى ان يُرْسل من المتقاعدين وأكابر الْعَسْكَر طَائِفَة لاستخلاص قلعة بروسه مِنْهُ فسارت الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة واستخلصت القلعة فغر ابْن قلندر مَا فعله أَن يُقَابل الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة فَتوجه نَحْو حلب فَالتقى مَعَ الْوَزير وَوَقع بَينهمَا حَرْب انجلى عَن هزيمَة ابْن قلندر وقره سعيد فى شرذمة قَليلَة وَقتل أَكثر جماعتها وتمهدت بِلَاد انا طولى الى حد اسكدار وَكَانَ فى تِلْكَ الاثناء خرج بِبَغْدَاد أَحْمد الطَّوِيل وَاسْتولى على بَغْدَاد واراد يفتك بِأَهْلِهَا فَقبض عَلَيْهِ حاكمها وَقَتله وَلم يبْق فى بِلَاد انا طولى من قسم الْخَوَارِج أحد واطمأنت الْبِلَاد ثمَّ دخل الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة قسطنطينية فى شهر رَمَضَان سنة سبع عشرَة فى أبهة عَظِيمَة وفى خلال سنة ثَمَان عشرَة عزم على السّفر الى الْعَجم وَعبر اسكدار ثمَّ ظهر ان الامر مَأْخُوذ على التراخى فَأبْطل الْعَزْم وَرجع الى دَار الْملك ثمَّ فى تَاسِع شهر ربيع الآخر سنة
стр. 1824
عشْرين بعد الالف تحركت عزيمته لنَحْو بِلَاد الْعَجم وصمم واقيم مقَامه مُحَمَّد باشا الكورجى الطواشى وسافر بالعساكر الى أَن وصل الى حُدُود تبريز فَلم يَتَيَسَّر لَهُ ملاقاة الشاه وَلَا ظفر بشئ مِمَّا كَانَ يؤمله فَعَاد وفى أثْنَاء الطَّرِيق ابتدأه مرض الْمَوْت واسترسل الى أَن وصل الى ديار بكر وَتوفى بهَا وَكَانَت وَفَاته عَن اذان الْمغرب من ثامن وعشرى جُمَادَى الاولى سنة عشْرين بعد الالف وَحمل مصبرا الى قسطنطينية فَدفن بتربته الَّتِى كَانَ أجدثها لنَفسِهِ بمدرسته الْمَعْرُوفَة بِهِ وَوصل خبر مَوته الى دمشق فى شهر رَجَب من هَذِه السّنة وتأسف النَّاس عَلَيْهِ لنصحه الزَّائِد للدولة وللمسلمين وقمع الاشقياء الَّذين أخربوا الْبِلَاد وأهلكوا بعتوهم الْعباد
مرعى بن يُوسُف بن أَبى بكر بن أَحْمد بن أَبى بكر بن يُوسُف بن أَحْمد الكرمى نِسْبَة لطوركرم قَرْيَة بِقرب نابلس ثمَّ المقدسى أحد اكابر عُلَمَاء الْحَنَابِلَة بِمصْر كَانَ اماما مُحدثا فَقِيها ذَا اطلَاع وَاسع على نقُول الْفِقْه ودقائق الحَدِيث وَمَعْرِفَة تَامَّة بالعلوم المتداولة اخذ عَن الشَّيْخ مُحَمَّد المرداوى وَعَن القاضى يحيى الحجاوى وَدخل مصر وتوطنها وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ الامام مُحَمَّد حجازى الْوَاعِظ والمحقق أَحْمد الغنيمى وَكثير من الْمَشَايِخ المصريين وَأَجَازَهُ شَيْخه وتصدر للاقراء والتدريس بِجَامِع الازهر ثمَّ تولى المشيخة بِجَامِع السُّلْطَان حسن ثمَّ أَخذهَا عَنهُ عصريه الْعَلامَة ابراهيم الميمونى وَوَقع بَينهمَا من المفاوضات مَا يَقع بَين الاقران وَألف كل مِنْهُمَا فى الآخر رسائل وَكَانَ منهمكا على الْعُلُوم انهماكا كليا فَقطع زَمَانه بالافتاء والتدريس وَالتَّحْقِيق والتصنيف فسارت بتآليفه الركْبَان وَمَعَ كَثْرَة أضداده وأعدائه مَا أمكن أَن يطعن فِيهَا أحد وَلَا أَن ينظر بِعَين الازراء اليها فَمِنْهَا كتاب غَايَة الْمُنْتَهى فى الْفِقْه قريب من أَرْبَعِينَ كراسا وَهُوَ متن جمع من الْمسَائِل أقصاها وادناها مَشى فِيهِ مَشى الْمُجْتَهدين فى التَّصْحِيح وَالِاخْتِيَار وَالتَّرْجِيح وَله كتاب دَلِيل الطَّالِب فى الْفِقْه نَحْو عشرَة كراريس وَدَلِيل الطالبين لكَلَام النَّحْوِيين وارشاد من كَانَ قَصده لَا اله الا الله وَحده ومقدمة الخائض فى علم الْفَرَائِض وَالْقَوْل البديع فى علم البديع وأقاويل الثِّقَات فى تَأْوِيل الاسماء وَالصِّفَات والآيات المحكمات والمتشابهات وقرة عين الْوَدُود بِمَعْرِِفَة الْمَقْصُور الْمَمْدُود والفوائد الموضوعه فى الاحاديث الموضوعه وبديع الانشاء وَالصِّفَات فى المكاتبات والمراسلات وبهجة الناظرين فى آيَات المستدلين نَحْو عشْرين كراسا يشْتَمل على الْعَجَائِب
стр. 1825
والغرائب والبرهان فى تَفْسِير الْقُرْآن لم يتم وتنوير بصائر المقلدين فى مَنَاقِب الائمة الْمُجْتَهدين وَالْكَوَاكِب الدريه فى مَنَاقِب ابْن تيميه والادلة الوفيه بتصويب قَول الْفُقَهَاء والصوفيه وسلوك الطريقه فى الْجمع بَين كَلَام أهل الشَّرِيعَة والحقيقه وَروض العارفين وتسليك المريدين وايقاف العارفين على حكم أوقاف السلاطين وتهذيب الْكَلَام فى حكم أَرض مصر وَالشَّام وتشويق الانام الى الْحَج الى بَيت الله الْحَرَام ومحرك سواكن الغرام الى حج بَيت الله الْحَرَام وقلائد المرجان فى النَّاسِخ والمنسوخ من الْقُرْآن وأرواح الاشباح فى الْكَلَام على الارواح ومرآة الْفِكر فى المهدى المنتظر وارشاد ذوى الافهام لنزول عِيسَى ﵇ وَالرَّوْض النَّضر فى الْكَلَام على الْخضر وَتَحْقِيق الظنون بأخبار الطَّاعُون وَمَا يَفْعَله الاطباء والداعون لدفع شَرّ الطَّاعُون وتلخيص أَوْصَاف الْمُصْطَفى وَذكر من بعده من الخلفا واتحاف ذوى الالباب فى قَوْله تَعَالَى ﴿يمح الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب واحكام الاساس﴾ فى قَوْله تَعَالَى ان أول بَيت وضع للنَّاس وتنبيه الماهر على غير مَا هُوَ الْمُتَبَادر من الاحاديث الْوَارِدَة فى الصِّفَات وَفتح المنان بتفسير آيَة الامتنان والكلمات الْبَينَات فى قَوْله تَعَالَى ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ وأزهار الفلاه فى آيَة قصر الصلاه وَتَحْقِيق الْخلاف فى أَصْحَاب الاعراف وَتَحْقِيق الْبُرْهَان فى اثبات حَقِيقَة الْمِيزَان وتوفيق الْفَرِيقَيْنِ على خُلُود أهل الدَّاريْنِ وتوضيح الْبُرْهَان فى الْفرق بَين الاسلام والايمان وارشاد ذوى الْعرْفَان لما فى الْعُمر من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَاللَّفْظ الموطا فى بَيَان الصَّلَاة الْوُسْطَى وقلائد العقيان فى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ وَمَسْبُوك الذَّهَب فى فضل الْعَرَب وَشرف الْعلم على شرف النّسَب وشفاء الصُّدُور فى زِيَارَة الْمشَاهد والقبور ورياض الازهار فى حكم السماع والاوتار والغناء والاشعار وَتَحْقِيق الرجحان بِصَوْم يَوْم الشَّك من رَمَضَان وَتَحْقِيق الْبُرْهَان فى شَأْن الدُّخان الذى يشربه النَّاس الْآن وَرفع التلبيس عَمَّن توقف فِيمَا كفر بِهِ ابليس وَتَحْقِيق المقاله هَل الافضل فى حق النبى الْولَايَة أَو النُّبُوَّة أَو الرساله والحجج المبينه فى ابطال الْيَمين مَعَ البينه والمسائل اللطيفه فى فسخ الْحَج الى الْعمرَة الشريفه والسراج الْمُنِير فى اسْتِعْمَال الذَّهَب وَالْحَرِير
следующие страницы →