← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وَكَانَ حج فى سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف فتوفى وَهُوَ رَاجع بعسفان فى ثانى الْمحرم سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى مُرَاد رَئِيس المغربى الْمَشْهُور أَمِير الْبَحْر وَصَاحب المغازى كَانَ مَيْمُون النقيبة قوى الطالع غَالِبا للكفرة كاسرا لشوكتهم بطلا من الابطال وَلم يتول منصبا للسُّلْطَان بل كَانَ يغز وَالْكفَّار وَمهما اكْتسب من غنيمتهم أنفقها على نَفسه وعَلى جماعته الشجعان وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان عشرَة بعد الالف وَكَانَ طاعنا فى السن ناهز الثَّمَانِينَ سنة وَذكر البورينى أَنه ورد فى سنة مَوته كتاب من الامير فَخر الدّين بن معن لبَعض أَصْحَابه يذكر فِيهِ مَوته بقوله وَمُرَاد رَئِيس توفى فحسبت هَذِه الالفاظ فَوَافَقت تَارِيخ مَوته مُرَاد باشا الْوَزير فى عهد السُّلْطَان أَحْمد صَاحب الحروب مَعَ المجر والعجم والجلالية وشهرته تغنى عَن تَعْرِيفه أَصله من الخرواد وَكَانَ خدم مَحْمُود باشا الْمَشْهُور الذى كَانَ تولى الْيمن ومصر وَقَتله عَسْكَر مصر فى شعْبَان سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة ثمَّ صَار كتخداه فَلَمَّا قتل الْوَزير الْمَذْكُور صَار أحد الصناجق بِمصْر ثمَّ صَار حَاكما بِالْحَبَشَةِ ثمَّ عينه السُّلْطَان مُرَاد حَاكما لليمن فوصل الْوَزير الى ينْدر الصلف فى شهر ربيع الاول سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَدخل صنعاء فى جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وضاق حَاله بِالْيمن وامتحن فِيهَا فَظهر فى زَمَانه الامام الْحسن بن على المؤيدى فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يحب الْعلمَاء ويميل الى الصلحاء وَكَانَ لَهُ حسن عقيدة فى الشَّيْخ الصَّالح عبد الْقَادِر الجعدى وَأَوْلَاده قدس الله سرهم وَهُوَ الذى بشره بِولَايَة الْيمن وَهُوَ خازندار من عِيَال خزانَة مَحْمُود باشا وَأدْخل الشَّيْخ عبد الْقَادِر الْمَذْكُور رَأس مَحْمُود باشا فِي كمة مُشَاهدَة مَحْمُود باشا فِي كمه رجلا يُرِيد يرميه ببندق فخاف مَحْمُود باشا على نَفسه فَقَالَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر مَا يكون ذَلِك الا بِمصْر فَرَمَوْهُ فى ولَايَته بِمصْر وَأرْسل هُوَ حِينَئِذٍ سردار العساكر السُّلْطَانِيَّة بعد عَزله من الْيمن الى زيد ابْن الشَّيْخ عبد الْقَادِر الْمَذْكُور كسَاء فاخرا ونقودا وكتابا باللغة التركية فَأمر الْوَزير كتخدا سِنَان باشا وَكَانَ كَاتب الدِّيوَان فى خدمته أَن يعرب للشَّيْخ زيد مَفْهُوم ذَلِك الْكتاب فعربه وَرَأى فِيهِ من لطف الْعبارَات مَا يدل على مَكَارِم أَخْلَاق الْوَزير الْمشَار اليه وَله آثَار حَسَنَة بِالْيمن مِنْهَا جَامع فى قصر صنعاء وأجرى لَهُ غيلا من جبل نُقِيم وَانْقطع فى زمن حسن باشا الْوَزير

стр. 1822

وَبنى أَيْضا قبَّة معظمة على قُبُور السَّادة بنى الاهدل بزبيد وَدفن فِيهَا من متأخريهم شيخ الاسلام والْحَدِيث فى عصره الطَّاهِر الْحُسَيْن الاهدل وَكَانَ لَهُ حسن عقيدة فيهم وَرفع عَن الرّعية جملَة من الْبدع والمظالم وَنشر عدله فى الْجبَال وَكَانَ مَعَ ذَلِك سفاكا ثمَّ عزل عَن الْيمن ووليها بعده الْوَزير حسن باشا وَلما وصل الى دَار السلطنة أعْطى حُكُومَة قرمان وَأمر بِالسَّفرِ مَعَ الْوَزير الاعظم الموجه الى تبريز فأسرته الْعَجم فى الْوَقْعَة قَالَ النَّجْم حَدَّثَنى شَيخنَا القاضى محب الدّين أَنه حَدثهُ عَن أسره انه لما أسرته الْعَجم وانْتهى الامر عرضت الاسارى على الشاه اسمعيل فَكَانَ يَأْمر بقتل الْبَعْض ورد الْبَعْض الى الرِّبَاط أَو الْحَبْس قَالَ وَكَانَت عمامتى قد ذهبت عَن رأسى وفرجيتى فَلَمَّا جَاءَت نوبتى فى الْعرض عَلَيْهِ قَالَ من تكون أَنْت من الْعَسْكَر فَقلت وَاحِد من السباهية أَو قَالَ من القبوقوليه فَقَالَ لى كذبت أَنْت خَان من خاناتهم وهم يسمون الباشا خَانا قَالَ ثمَّ أَمر لى بساق رَقِيق ثمَّ أَمر بى الى السجْن قَالَ وَكَانَ عرفنى من سروالى فانه كَانَ من الديباج قَالَ فَلَمَّا كنت فى الاسر وَالْحَبْس نذرت لله تَعَالَى عشرَة آلَاف ذَهَبا ان خلصت وعدت الى حالى أَقف بهَا عقارا على فُقَرَاء الْحَرَمَيْنِ الشريفين فَلَمَّا خلص ولاه السُّلْطَان مُرَاد نِيَابَة دمشق فعمر بهَا السُّوق الذى عِنْد بَاب الْبَرِيد وَكَانَ يعرف بسوق الطواقية شرع فى تعميره فى أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف فهدم الحوانيت الْقَدِيمَة وجدد بناءها ووسع الطَّرِيق وَرفع السّقف وَبنى على مربعة بَاب الْبَرِيد قبَّة عَظِيمَة عالية ملاصقة للعمودين العظيمين الباقيين على يَمِين بَاب الْبَرِيد وشماله فَجَاءَت قبَّة حَسَنَة وَجَاء الْبناء حسنا محكما وَأخذ الْبيُوت الَّتِى وَرَاءه وعمرها وكَالَة حَسَنَة وَأمر أَن يسكن فِيهِ تجار سوق السباهية فنقلوا اليه بُرْهَة حَتَّى مَاتَ وأعيدوا الى السُّوق الْمَعْرُوف بهم الْآن ثمَّ عمر الى جَانِبه سوقا آخر وَنقل اليه تجار سوق الذِّرَاع المتولى لَهُ على عمَارَة السُّوق الاول والقهوة وَالْوكَالَة الشَّيْخ احْمَد المغربى متولى الْجَامِع الاموى الْمُقدم ذكره وَكَانَ تَمام عمارتها فى سنة خمس بعد الالف وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الطّيب الغزى فى تَارِيخ الْوكَالَة (هاك تَارِيخا شما لَهُ ... بدر هالات الغزاله) (جملَة الْملك بهاء ... وسخاء وبساله) (صَحَّ فى آخر شطر ... ضمن الدّرّ مقاله) (ولى الشَّام مُرَاد ... فَبنى خير وكاله)

стр. 1823

وَالْوكَالَة اسْم للخان كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف فى عرف المصريين والدمشقيون يسمونه قيسارية والمتولى عمَارَة السُّوق الثانى لَهُ حسن باشا الْمَعْرُوف بشور بزه نزيل دمشق الْمُقدم ذكره ووقف الْجَمِيع على الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَقتل مُرَاد باشا فى تَوْلِيَة دمشق الامير مَنْصُور بن الفريخ الآتى ذكره والامير على بن الحرفوش وصير الامير فَخر الدّين بن معن صنجقا وبقى نظره عَلَيْهِ ثمَّ انْفَصل عَن دمشق وَولى حلب وديار بكر وسافر سفرة الانكروس الَّتِى فتحت فِيهَا قلعة اكره وَظَهَرت لَهُ يَد فى الْمُقَاتلَة ثمَّ أعْطى ولَايَة روم ايلى مرَّتَيْنِ ثمَّ انْعمْ عَلَيْهِ بالوزارة وَأمر بمحافظة بلغراد وَلما قتل الْوَزير الاعظم درويش باشا يَوْم السبت تَاسِع شعْبَان سنة خمس عشرَة بعد الالف أرسل الى صَاحب التَّرْجَمَة للوزارة الْعُظْمَى بسوق شيخ الاسلام صنع الله بن جَعْفَر وَعقد الصُّلْح بَين السُّلْطَان أَحْمد وَبَين نَصَارَى الانكروس وَقدم الى دَار السلطنة فَدَخلَهَا فى أَوَاخِر الْمحرم سنة سِتّ عشرَة ثمَّ فى أَوَائِل شهر ربيع الاول من هَذِه السّنة عينه السُّلْطَان سردارا على بِلَاد الشرق وَأمره بتمهيد بِلَاد أَنا طولى فَتوجه الى حلب بِقصد الامير على بن جانبولاذ وَوَقع بَينهمَا حروب كَانَ آخرهَا انهزام ابْن جانبولاذ كَمَا سلف فى تَرْجَمته ثمَّ ان الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة شَتَّى فى حلب وَخرج مِنْهَا فى أول الرّبيع لقِتَال قره سعيد وَابْن قلندر والطويل وَكَانَ ابْن قلندر استولى على بروسه وأفسد فى أطرافها وفى شهر رَمَضَان سنة سِتّ عشرَة أحرق أَكثر أماكنها فَاجْتمع أَعْيَان الدولة من الْعلمَاء والوزراء عِنْد مصطفى باشا قَائِم مقَام الْوَزير ودبروا الامر فى ان يُرْسل من المتقاعدين وأكابر الْعَسْكَر طَائِفَة لاستخلاص قلعة بروسه مِنْهُ فسارت الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة واستخلصت القلعة فغر ابْن قلندر مَا فعله أَن يُقَابل الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة فَتوجه نَحْو حلب فَالتقى مَعَ الْوَزير وَوَقع بَينهمَا حَرْب انجلى عَن هزيمَة ابْن قلندر وقره سعيد فى شرذمة قَليلَة وَقتل أَكثر جماعتها وتمهدت بِلَاد انا طولى الى حد اسكدار وَكَانَ فى تِلْكَ الاثناء خرج بِبَغْدَاد أَحْمد الطَّوِيل وَاسْتولى على بَغْدَاد واراد يفتك بِأَهْلِهَا فَقبض عَلَيْهِ حاكمها وَقَتله وَلم يبْق فى بِلَاد انا طولى من قسم الْخَوَارِج أحد واطمأنت الْبِلَاد ثمَّ دخل الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة قسطنطينية فى شهر رَمَضَان سنة سبع عشرَة فى أبهة عَظِيمَة وفى خلال سنة ثَمَان عشرَة عزم على السّفر الى الْعَجم وَعبر اسكدار ثمَّ ظهر ان الامر مَأْخُوذ على التراخى فَأبْطل الْعَزْم وَرجع الى دَار الْملك ثمَّ فى تَاسِع شهر ربيع الآخر سنة

стр. 1824

عشْرين بعد الالف تحركت عزيمته لنَحْو بِلَاد الْعَجم وصمم واقيم مقَامه مُحَمَّد باشا الكورجى الطواشى وسافر بالعساكر الى أَن وصل الى حُدُود تبريز فَلم يَتَيَسَّر لَهُ ملاقاة الشاه وَلَا ظفر بشئ مِمَّا كَانَ يؤمله فَعَاد وفى أثْنَاء الطَّرِيق ابتدأه مرض الْمَوْت واسترسل الى أَن وصل الى ديار بكر وَتوفى بهَا وَكَانَت وَفَاته عَن اذان الْمغرب من ثامن وعشرى جُمَادَى الاولى سنة عشْرين بعد الالف وَحمل مصبرا الى قسطنطينية فَدفن بتربته الَّتِى كَانَ أجدثها لنَفسِهِ بمدرسته الْمَعْرُوفَة بِهِ وَوصل خبر مَوته الى دمشق فى شهر رَجَب من هَذِه السّنة وتأسف النَّاس عَلَيْهِ لنصحه الزَّائِد للدولة وللمسلمين وقمع الاشقياء الَّذين أخربوا الْبِلَاد وأهلكوا بعتوهم الْعباد مرعى بن يُوسُف بن أَبى بكر بن أَحْمد بن أَبى بكر بن يُوسُف بن أَحْمد الكرمى نِسْبَة لطوركرم قَرْيَة بِقرب نابلس ثمَّ المقدسى أحد اكابر عُلَمَاء الْحَنَابِلَة بِمصْر كَانَ اماما مُحدثا فَقِيها ذَا اطلَاع وَاسع على نقُول الْفِقْه ودقائق الحَدِيث وَمَعْرِفَة تَامَّة بالعلوم المتداولة اخذ عَن الشَّيْخ مُحَمَّد المرداوى وَعَن القاضى يحيى الحجاوى وَدخل مصر وتوطنها وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ الامام مُحَمَّد حجازى الْوَاعِظ والمحقق أَحْمد الغنيمى وَكثير من الْمَشَايِخ المصريين وَأَجَازَهُ شَيْخه وتصدر للاقراء والتدريس بِجَامِع الازهر ثمَّ تولى المشيخة بِجَامِع السُّلْطَان حسن ثمَّ أَخذهَا عَنهُ عصريه الْعَلامَة ابراهيم الميمونى وَوَقع بَينهمَا من المفاوضات مَا يَقع بَين الاقران وَألف كل مِنْهُمَا فى الآخر رسائل وَكَانَ منهمكا على الْعُلُوم انهماكا كليا فَقطع زَمَانه بالافتاء والتدريس وَالتَّحْقِيق والتصنيف فسارت بتآليفه الركْبَان وَمَعَ كَثْرَة أضداده وأعدائه مَا أمكن أَن يطعن فِيهَا أحد وَلَا أَن ينظر بِعَين الازراء اليها فَمِنْهَا كتاب غَايَة الْمُنْتَهى فى الْفِقْه قريب من أَرْبَعِينَ كراسا وَهُوَ متن جمع من الْمسَائِل أقصاها وادناها مَشى فِيهِ مَشى الْمُجْتَهدين فى التَّصْحِيح وَالِاخْتِيَار وَالتَّرْجِيح وَله كتاب دَلِيل الطَّالِب فى الْفِقْه نَحْو عشرَة كراريس وَدَلِيل الطالبين لكَلَام النَّحْوِيين وارشاد من كَانَ قَصده لَا اله الا الله وَحده ومقدمة الخائض فى علم الْفَرَائِض وَالْقَوْل البديع فى علم البديع وأقاويل الثِّقَات فى تَأْوِيل الاسماء وَالصِّفَات والآيات المحكمات والمتشابهات وقرة عين الْوَدُود بِمَعْرِِفَة الْمَقْصُور الْمَمْدُود والفوائد الموضوعه فى الاحاديث الموضوعه وبديع الانشاء وَالصِّفَات فى المكاتبات والمراسلات وبهجة الناظرين فى آيَات المستدلين نَحْو عشْرين كراسا يشْتَمل على الْعَجَائِب

стр. 1825

والغرائب والبرهان فى تَفْسِير الْقُرْآن لم يتم وتنوير بصائر المقلدين فى مَنَاقِب الائمة الْمُجْتَهدين وَالْكَوَاكِب الدريه فى مَنَاقِب ابْن تيميه والادلة الوفيه بتصويب قَول الْفُقَهَاء والصوفيه وسلوك الطريقه فى الْجمع بَين كَلَام أهل الشَّرِيعَة والحقيقه وَروض العارفين وتسليك المريدين وايقاف العارفين على حكم أوقاف السلاطين وتهذيب الْكَلَام فى حكم أَرض مصر وَالشَّام وتشويق الانام الى الْحَج الى بَيت الله الْحَرَام ومحرك سواكن الغرام الى حج بَيت الله الْحَرَام وقلائد المرجان فى النَّاسِخ والمنسوخ من الْقُرْآن وأرواح الاشباح فى الْكَلَام على الارواح ومرآة الْفِكر فى المهدى المنتظر وارشاد ذوى الافهام لنزول عِيسَى ﵇ وَالرَّوْض النَّضر فى الْكَلَام على الْخضر وَتَحْقِيق الظنون بأخبار الطَّاعُون وَمَا يَفْعَله الاطباء والداعون لدفع شَرّ الطَّاعُون وتلخيص أَوْصَاف الْمُصْطَفى وَذكر من بعده من الخلفا واتحاف ذوى الالباب فى قَوْله تَعَالَى ﴿يمح الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب واحكام الاساس﴾ فى قَوْله تَعَالَى ان أول بَيت وضع للنَّاس وتنبيه الماهر على غير مَا هُوَ الْمُتَبَادر من الاحاديث الْوَارِدَة فى الصِّفَات وَفتح المنان بتفسير آيَة الامتنان والكلمات الْبَينَات فى قَوْله تَعَالَى ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ وأزهار الفلاه فى آيَة قصر الصلاه وَتَحْقِيق الْخلاف فى أَصْحَاب الاعراف وَتَحْقِيق الْبُرْهَان فى اثبات حَقِيقَة الْمِيزَان وتوفيق الْفَرِيقَيْنِ على خُلُود أهل الدَّاريْنِ وتوضيح الْبُرْهَان فى الْفرق بَين الاسلام والايمان وارشاد ذوى الْعرْفَان لما فى الْعُمر من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَاللَّفْظ الموطا فى بَيَان الصَّلَاة الْوُسْطَى وقلائد العقيان فى قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ وَمَسْبُوك الذَّهَب فى فضل الْعَرَب وَشرف الْعلم على شرف النّسَب وشفاء الصُّدُور فى زِيَارَة الْمشَاهد والقبور ورياض الازهار فى حكم السماع والاوتار والغناء والاشعار وَتَحْقِيق الرجحان بِصَوْم يَوْم الشَّك من رَمَضَان وَتَحْقِيق الْبُرْهَان فى شَأْن الدُّخان الذى يشربه النَّاس الْآن وَرفع التلبيس عَمَّن توقف فِيمَا كفر بِهِ ابليس وَتَحْقِيق المقاله هَل الافضل فى حق النبى الْولَايَة أَو النُّبُوَّة أَو الرساله والحجج المبينه فى ابطال الْيَمين مَعَ البينه والمسائل اللطيفه فى فسخ الْحَج الى الْعمرَة الشريفه والسراج الْمُنِير فى اسْتِعْمَال الذَّهَب وَالْحَرِير

стр. 1826

وَدَلِيل الْحُكَّام فى الْوُصُول الى دَار السَّلَام ونزهة الناظرين فى فَضَائِل الْغُزَاة والمجاهدين وبشرى من استبصر وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهى عَن الْمُنكر وبشرى ذوى الاحسان لمن يقْضى حوائج الاخوان وَالْحكم الملكيه والكلم الازهريه واخلاص الوداد فى صدق الميعاد وسلوان الْمُصَاب بفرقة الاحباب وتسكين الاشواق بأخبار العشاق ومنية المحبين بغية العاشقين ونزهة المتفكر ولطائف المعارف والمسرة والبشاره فى فضل السلطنة والوزاره ونزهة الناظرين فى تَارِيخ من ولى مصر من الْخُلَفَاء والسلاطين وقلائد العقيان فى فَضَائِل سلاطين آل عُثْمَان وَغير ذَلِك من فَتَاوَى ورسائل نافعة تداولها النَّاس وَله الرسَالَة الَّتِى سَمَّاهَا النادرة الغريبة والواقعة العجيبة مضمونها الشكوى من الميمونى والحط عَلَيْهِ ولد ديوَان شعر مِنْهُ قَوْله (يَا سَاحر الطّرف يَا من مهجتى سحرًا ... كم ذَا تنام وَكم أسهرتنى سحرًا) (لَو كنت تعلم مَا أَلْقَاهُ مِنْك لما ... أَتعبت يَا منيتى قلبا اليك سرى) (هَذَا الْمُحب لقد شاعت صبابته ... بِالروحِ وَالنَّفس يَوْمًا بالوصال شرى) (يَا ناظرى ناظرى بالدمع جاد وَمَا ... أيقنت فى مقلتى يَا مقلتى نظرا) (يَا مالكى قصتى جَاءَت ملطخة ... بالدمع يَا شافعى كدرتها نظرا) (عساك بالحنفى تسْعَى على عجل ... بالوصل للحنبلى يَا من بدا قمرا) (يَا من جَفا ووفى للْغَيْر موعده ... يَا من رمانا ويامن عقلنا قمرا) (الله منصفنا بالوصل مِنْك على ... غيظ الرَّقِيب بِمن قد حج واعتمرا) (يَا غامر الكئيب بالصدود كَمَا ... ان السقام لمن يهواك قد غمرا) (قل الصدود فكم أسقيت أَنْفُسنَا ... كأس الْحمام بِلَا ذَنْب بدا وَجرى) (وَكم جرحت فؤادى كَمَا ضنى جسدى ... أَلَيْسَ دمعى حبيبى مذ هجرت جرى (فالشوق أقلقنى والوجد أحرقنى ... والجسم ذاب لما قد حل بى وطرا) (والهجر أضعفنى والبعد أتلفنى ... وَالصَّبْر قل وَمَا أدْركْت لى وطرا) (أشكوك للمصطفى زين الْوُجُود وَمن ... أرجوه ينقذنى من هجر من هجرا) وَقَوله (بروحى من لى فى لقاه ولائم ... وَكم فى هَوَاهُ لى عذول ولائم) (على وجنتيه وردتان وخاله ... كمسك لطيف الْوَصْف والثغر باسم) (ذوائبه ليل وطلعة وَجهه ... نَهَار تبدى والثنايا بواسم)

стр. 1827

(بديع التثنى مُرْسل فَوق خَدّه ... عذارا هوى العذرى لَدَيْهِ ملازم) (وَمن عجب أَنى حفظت وداده ... وَذَلِكَ عندى فى الْمحبَّة لَازم) (وبينى وَبَين الْوَصْل مِنْهُ تبَاين ... وبينى وَبَين الْفَصْل مِنْهُ تلازم) وَقَوله (لَيْت فى الدَّهْر لَو حظيت بِيَوْم ... فِيهِ أَخْلو من الْهوى والغرام) (خالى الْقلب من تباريح وجد ... وصدود وحرقة وهيام) (كى يراح الْفُؤَاد من طول شوق ... قد سقَاهُ الْهوى بكأس الْحمام) وَله (يُعَاتب من فى النَّاس يدعى بِعَبْدِهِ ... وَيقتل من بِالْقَتْلِ يرضى بعمده) (ويشهر لى سَيْفا ويمرح ضَاحِكا ... فيا لَيْت سيف اللحظ تمّ بغمده) (فَللَّه من ظبى شرود ونافر ... يجازى جميلا قد صنعت بضده) وَله (يُبَالغ فى ذمى وأمدح فعله ... فشكرا لمن مَا جَار يَوْمًا بصده) لَهُ (لَئِن قلد النَّاس الْأَئِمَّة إِنَّنِي ... كفى مَذْهَب الْجد ابْن حَنْبَل رَاغِب) (أقلد فتواه وأعشق قَوْله ... وَلِلنَّاسِ فِيمَا يعشقون مَذَاهِب) وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى شهر ربيع الاول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف ﵀ الشريف مَسْعُود بن ادريس بن الْحسن بن ابى نمى صَاحب الْبَلَد الشريف نَشأ فى كَفَالَة أَبِيه الشريف ادريس وَوَقعت لَهُ حروب مَعَ ابْن عَمه الشريف محسن بن حسن وفى بَعْضهَا أرسل الشريف محسن وَلَده مُحَمَّدًا فظفر بالشريف مَسْعُود وَاسْتولى عَلَيْهِ وَأَخذه أخذا سنيعا وَقتل فى المعركة السَّيِّد حميصة بن عبد الْكَرِيم بن حسن وَالسَّيِّد هَاشم بن شبير بن حسن ثمَّ دخل السَّيِّد مَسْعُود مَكَّة المشرفة بِرِضا من السَّيِّد محسن بكفالة الاشراف أَنه لَا يسْعَى بِخِلَاف وَلَا يَقُول وَلَا يفعل فَلم يثبت على ذَلِك ثمَّ ولى مَكَّة بعد السَّيِّد أَحْمد بن عبد الْمطلب فى صفر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وحمدت سيرته وَكَانَ فى الْجُمْلَة من أَجود الاشراف ورخصت فى زَمَنه الاسعار وَكَثُرت الامطار وَوَقع السَّيْل الْمَشْهُور الذى ذَكرْنَاهُ فى تَرْجَمَة السُّلْطَان مُرَاد وَقَامَ بِأَمْر الْعرض الى السلطنة وتقيد فى تنظيف الْبَيْت وَالْمَسْجِد وَمِمَّا وَقع لَهُ أَنه شمر عَن أكمامه وَأخذ مكتلا وَحمل فِيهِ شَيْئا من الطين وَفعل النَّاس كَذَلِك فَمَا كَانَ بأسرع من تنظيمه ثمَّ برز أمره الى المهندسين والفعلة بتنظيف بَيت الله الْحَرَام مِمَّا وَقع فِيهِ من الاحجار وَالتُّرَاب فنظفوه فى أسْرع مَا يكون وبقى أَمر الْعِمَارَة الى سادس وعشرى شهر ربيع الثانى من سنة أَرْبَعِينَ كَمَا فصلناه سَابِقًا

стр. 1828

ثمَّ ان الشريف مَسْعُود توفى فى لَيْلَة الثلاثا ثامن وعشرى شهر ربيع الثانى من سنة أَرْبَعِينَ ببستانه بِأم عابدة بِمَرَض الدق وَنزل بِهِ الاشراف وَقت الضحوة الى مَكَّة على محفة البغال وَصلى عَلَيْهِ بالملتزم وَدفن عِنْد أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة الْكُبْرَى رضى الله تَعَالَى عَنْهَا وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنة وشهرين وَسِتَّة وَعشْرين يَوْمًا وَقَامَ بالامر بعده عَمه الشريف عبد الله الْمُقدم ذكره وفى ايامه تمت عمَارَة الْبَيْت الشريف مَسْعُود بن الْحسن بن أَبى نمى السَّيِّد الشريف الاجل الْمُحْتَرَم نَاب عَن أَبِيه بعد أَخِيه السَّيِّد الشريف حُسَيْن فى الْقيام بالاحكام وَالتَّصَرُّف فى اقامة وُلَاة دولته من المقدمين والحكام وَكَانَ لَهُ الْبشر والخلق الرضى وامتدح بالقصائد المهذبه وَقصد بالتآليف المستعذبه لميله الى أهل الْفضل وشغفه بمذاكرة الادب وَكَانَ بَينه وَبَين الامام عبد الْقَادِر الطبرى ألفة شديده ومحبة اكيده حَتَّى انه الف شرح الكافى فى علمى الْعرُوض والقوافى خدمَة لَهُ وَمَا زَالَ فى ملازمته مُدَّة مديدة وَمِمَّا اتّفق من نَوَادِر الوقائع أَنه تواعد مَعَ بعض محضياته لَيْلًا فَأَتَاهُ غَيرهَا فَظن أَنَّهَا هى فواقعها حَالا فَحَضَرت الْمَطْلُوبَة وبيدها شمعة موقدة فندم على مواقعته الاولى وَكَانَ عِنْده معِين الدّين بن البكا تِلْكَ اللَّيْلَة فَخرج اليه فى الصَّباح وَقَالَ لَهُ أجز قَول الشَّاعِر (نَدِمت ندامة الكسعى لما ... رَأَتْ عَيناهُ مَا فعلت يَدَاهُ) فَأَجَابَهُ (وعدت معذبى لَيْلًا فَلَمَّا ... تبين أَنه شخص سواهُ) نَدِمت الخ وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَلَاث بعد الالف بِمَكَّة وَدفن بالمعلاة وأرخ وَفَاته معِين الدّين الْمَذْكُور بقوله (يَا عين مَاتَ المفدى ... مَسْعُود وَالْقلب قد ذاب) (وكوكب مذ تبدى ... حاولت تَارِيخه غَابَ) مَسْعُود الرومى قاضى الْقُضَاة الشهير بآواره زَاده وَمعنى الاواره فى الاصل الامر بالتفتيش على الصَّيْد ثمَّ اطلق فى عرف الروميين على الْمُنْفَرد بخويصة نَفسه ولى صَاحب التَّرْجَمَة قَضَاء دمشق فى سنة خمس وَسبعين وَألف وَكَانَ معتدلا فى حكومته لَا يهمه شئ الا يبتنى عَلَيْهِ النشاط وَالسُّرُور لانه كَانَ متكيفا جدا وَكَانَ حُلْو الْعبارَة لطيف الْعشْرَة مائلا الى المجون والمداعبة وَكَانَت ايامه كلهَا هنيئة متواصلة الهناء بالفرح ثمَّ عزل عَن دمشق وَولى بعْدهَا قَضَاء ادرنه ثمَّ الغلطة وَمَات وَهُوَ قَاض بهَا وَكَانَت فى حُدُود سنة تسعين وَألف

стр. 1829

مُسلم بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن خَلِيل الصمادى القادرى الشافعى شيخ الطَّائِفَة الصمادية بِالشَّام بعد أَبِيه وَكَانَ حِين توفى وَالِده لَيْلَة الْجُمُعَة عَاشر صفر سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة بالبقاع فَأرْسل اليه خبر موت أَبِيه وبقى وَالِده حَتَّى حضر فى صَبِيحَة السبت فَدفن وَالِده ذَلِك الْيَوْم وَولى المشيخة من بعده قَالَ النَّجْم وَكنت مرّة مَرِيضا فاشتدت بى الْحمى ذَات لَيْلَة فَرَأَيْت رَسُول الله فى الْمَنَام بالجامع الاموى وَكَانَ الْيَوْم يَوْم الْجُمُعَة وَأَنا عُرْيَان فَرَأَيْت حَلقَة فِيهَا قوم قيام يذكرُونَ الله تَعَالَى فَدخلت بَينهم لاستتر فيهم لِئَلَّا يرانى النَّاس عُريَانا فَلَمَّا فرغوا من الذّكر جَلَسُوا فَرَأَيْت رَسُول الله صدرهم وَلم أعرف من على يَمِينه وانما عرفت الشَّيْخ مُحَمَّد الصمادى عَن يسَاره وَولده الشَّيْخ مُسلم عَن يسَار أَبِيه ونقباء الصمادية عَن يسَار الشَّيْخ مُسلم فَلَمَّا فرغوا من الذّكر سَأَلَ الشَّيْخ مُحَمَّد رَسُول الله عَن الصمادية فَقَالَ لَا تتعب مَا فيهم غير ولدك مُسلم قَالَ ثمَّ استيقظت وَقد حصل لى عرق عَظِيم وعوفيت فبلغت رؤياى الشَّيْخ مُحَمَّد الصمادى فَبعث الى وَقَالَ لى يَا سيدى نجم الدّين بلغتنى رُؤْيَاك وَالله انها لحق وَأُرِيد مِنْك أَن تقصها أَنْت على فَلَمَّا قصصتها عَلَيْهِ بَكَى وَقَالَ وَالله لقد صدقت رُؤْيَاك مَا فى جماعتنا غير مُسلم ثمَّ توفى بعد هَذِه الرُّؤْيَا بِيَسِير وَقَامَ وَلَده الشَّيْخ مُسلم مقَامه قَالَ وَكنت أَقُول للشَّيْخ مُسلم يَا مَوْلَانَا الشَّيْخ أَنا الذى جِئْت بتوقيفك بالمشيخة من عِنْد رَسُول الله الى أَبِيك فيعترف لى بالفضيلة ويعاملنى بالمحبة والاعتقاد وَهُوَ كَانَ فى نَفسه صَالحا دينا مُبَارَكًا سليم الصَّدْر والفطرة وَكَانَ لَهُ فى حلقته همة عالية فى زمَان وَالِده ثمَّ فى حَال مشيخته وسافر فى آخر أعوامه الى بَيت الْمُقَدّس فى سيارة على طريقتهم وَمَعَهُ من الزوار جمَاعَة وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد وَلَهُم اليه محبَّة وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ من خير خلق الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فى جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس عشرَة وَألف السُّلْطَان مصطفى بن السُّلْطَان مُحَمَّد بن السُّلْطَان مُرَاد الْملك الصَّالح الزَّاهِد المتقشف تقدم ذكره اجمالا مَرَّات من جُمْلَتهَا فى تَرْجَمَة وَالِده وَأَنه أوصى وَلَده السُّلْطَان أَحْمد حِين عهد اليه بالسلطنة أَن يُرَاعى أَخَاهُ صَاحب التَّرْجَمَة وَأَن لَا يقْتله فَلَمَّا توفى السُّلْطَان أَحْمد تولى السُّلْطَان مصطفى مَكَانَهُ وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس رَابِع وعشرى ذى الْقعدَة سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وبقى ثَلَاثَة أشهر وَثَمَانِية

стр. 1830

أَيَّام فَلم تظهر أَهْلِيَّته وَلَا كِفَايَته لشدَّة بذله الاموال وَكَثْرَة ركُوبه الى المحلات الْبَعِيدَة من غير تقيد بِأَمْر مركوب وَلَا غَيره لانه تَارِك للدنيا وَلَيْسَ براغب فِيهَا بِحَيْثُ انه كَانَ فى مُدَّة ملكه لبسه جوخة خضراء بأكمام عَرَبِيَّة وَأما أكله فانه لم يَأْكُل الزفر مُطلقًا وانما كَانَ يَأْكُل الكعك الناشف واللوز والبندق وأنواع الْفَوَاكِه وَأما أمره فى النِّسَاء فان والدته أحضرت لَهُ جوارى عديدة فَلم يقبل مِنْهُنَّ وَاحِدَة وَكَانَ لَا يدرى من أَحْوَال الْملك الا مَا ألْقى اليه فَلَمَّا رأى أَرْكَان الدولة أَن الامر بِهِ لَا يَنْتَظِم ذهب الْمُفْتى الْمولى أسعد بن سعد الدّين الى اسكدار لمولانا الشَّيْخ مَحْمُود المعتقد الصَّالح الْعَالم يستشيره فى أَمر خلعه فَأَشَارَ بخلعه وَأَن يُولى مَكَانَهُ السُّلْطَان عُثْمَان ثمَّ جَاءَ من عِنْده وَأخْبر قَائِم مقَام الْوَزير مصطفى أغا ضَابِط الْحرم قريب الْعشَاء من لَيْلَة الاربعاء ثَالِث شهر ربيع الاول فَأرْسل الْقَائِم مقَام الى الى الصوباشى اذا جاءتك فى غدورقة مختومة فافعل بِمَا فِيهَا واحترس على الابواب فَقَالَ سمعا وَطَاعَة وَأما مصطفى أغا فانه أول مَا مضى من لَيْلَة الاربعاء سِتّ سَاعَات ذهب الى أَبْوَاب السراى وقفلها جَمِيعًا وَكَذَا أَبْوَاب الامكنة الَّتِى فِيهَا أكَابِر الخدم وَأخذ المفاتيح وهيأ الْمحل الذى فِيهِ تخت السلطنة وأوقد فِيهِ الشموع وفرشه بِأَحْسَن الْفرش وَذهب من حِينه الى السُّلْطَان عُثْمَان فى مَجْلِسه الذى هُوَ فِيهِ وَهُوَ مَحل عَمه صَاحب التَّرْجَمَة الذى كَانَ فِيهِ فى حَيَاة أَخِيه السُّلْطَان أَحْمد وَفتح عَلَيْهِ الابواب فَحصل لَهُ رعب وتخوف من أَن يكون عَمه أرْسلهُ ليَقْتُلهُ فَقَالَ لَهُ لَا تخف أَنْت صرت سلطاننا فَلم يصدق ذَلِك فَصَارَ يحلف لَهُ ان القَوْل صَحِيح وَلَا زَالَ يتلطف بِهِ الى أَن أدخلهُ الى مَحل التخت فألبسه ثِيَاب الْملك وَأَجْلسهُ على التخت وَقبل يَده وَصَارَ يفتح أَبْوَاب السراى بَاب بَابا وَيدخل من كَانَ دَاخل الابواب للمبايعة حَتَّى لم يبْق أحد فى السراى بِغَيْر مبايعة هَذَا كُله وَالسُّلْطَان مصطفى نَائِم عِنْد والدته ثمَّ أرسل مصطفى أغا للمفتى وقائم مقَام الْوَزير فحضرا وَبَايِعًا ثمَّ ذَهَبُوا الى السُّلْطَان مصطفى قبل الْفجْر فطلبوه من الدَّاخِل فَخرج اليهم وَقَالَ مَا جَاءَ بكم فى هَذَا الْوَقْت فَكَانَ أول من تكلم شيخ الاسلام أسعد فَقَالَ لَهُ ان أَمر المملكة اخْتَلَّ وان الاعداء تسلطت علينا وَنحن نخشى ضيَاع الْملك وَأَنت لست بلائق للسلطنة فَأَجَابَهُ بقوله أَنا مَا طلبت مِنْكُم الْملك وَلَا أردته وَلَيْسَ لى بِهِ مصلحَة فَقَالُوا جَمِيعًا لَا نكتفى بِقَوْلِك هَذَا ولابد أَن تذْهب وتبايع ولد أَخِيك السُّلْطَان عُثْمَان فانا قد أجلسناه على التخت فَقَالَ جعله الله

стр. 1831

مُبَارَكًا وَأَنا لَيْسَ عندى مُخَالفَة وَذهب وَبَايع السُّلْطَان عُثْمَان فَقَالُوا الْآن نحضر جَمِيع الوزراء وأركان الدولة وَأشْهد على نَفسك بِالْخلْعِ فَقَالَ لَهُم أفعل ذَلِك فأرسلوا أحضروا الوزراء وقاضى الْعَسْكَر وَكَتَبُوا عَلَيْهِ حجَّة بخلع نَفسه وَأرْسل الْقَائِم مقَام الورقة وهى الْمَوْعُود بهَا الى الصوباشى وفيهَا الامر بالمناداة وتولية السُّلْطَان عُثْمَان فنودى بذلك ثمَّ لما قتل السُّلْطَان عُثْمَان وَقعت الْبيعَة الْعَامَّة للسُّلْطَان مصطفى فى سادس رَجَب سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَألف ففوض أَمر الوزارة الْعُظْمَى لزوج أُخْته دَاوُد باشا فَلم تحمد سيرته فعزل بعد عشْرين يَوْمًا من تَوليته وَلم يتَّفق لَهُ حُضُور الدِّيوَان السلطانى الا مرّة وَاحِدَة ثمَّ فوض أَمر الوزارة لمره حُسَيْن باشا وعزل بعد أَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا فولى مَكَانَهُ مصطفى باشا اللفكوى وعزل بعد أَرْبَعَة أشهر لفرط حمقه وَغَلَبَة طمعه ثمَّ ولى مَكَانَهُ مُحَمَّد باشا الكرجى وَكَانَ وزيرا كَامِل الْعقل ناصحا للدولة قَائِما برعاية أُمُور الْملك الا أَنه لم يسلم من مكيدة مره حُسَيْن باشا فحرك عَلَيْهِ السباهية وثارت فتْنَة عَظِيمَة وَلم يُمكن أَن تمهد الا بعزل الكرجى وتولية مره فوليها مره وَلما وَليهَا وَافق أَمر الله أَن قَامَت أُمَرَاء أَنا طولى ونوابها على سَاق لطلب دم السُّلْطَان عُثْمَان وأظهروا الِاسْتِقْلَال التَّام فى ولايتهم فاتفق الرأى على تعْيين مَحْمُود باشا ابْن جغال لتسكين فتنتهم فَسَار الى أَن وصل الى أنقره وَلم يتَّفق لَهُ مُقَابلَة أحد فَرجع لمحافظة بروسه وفى رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ اتّفق ان الْوَزير عزّر قَاضِيا فى حَضرته فَاجْتمع الْعلمَاء بِجَامِع السُّلْطَان مُحَمَّد وقصدوا ايقاع أَمر فَلم يُمكنهُم وَبلغ الْوَزير ذَلِك فَفرق الجمعية وعزل بعض أَشْرَاف من الْعلمَاء وَنفى بَعْضًا ثمَّ فى شَوَّال من هَذِه السّنة اجْتمعت السباهية على عَزله وتبعهم الجم الْغَفِير فَلم يخلص من أَيْديهم الا بإرسال مهر الوزارة الى السُّلْطَان واختفى مُدَّة وَكَانَ قَتله على يَد السُّلْطَان مُرَاد وَولى الوزارة مَكَانَهُ على باشا الْمَعْرُوف بكمانكش ثمَّ اخْتَار السُّلْطَان صَاحب التَّرْجَمَة التخلى عَن السلطنة وَالْعُزْلَة فَخلع عَن السلطنة فى يَوْم الاحد رَابِع ذى الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته سنة وَاحِدَة وَأَرْبَعَة أشهر وَمَا عَاشَ بعد ذَلِك كثيرا وَكَانَت وِلَادَته سنة ألف ﵀ مصطفى بن أَحْمد بن مَنْصُور بن ابراهيم بن مُحَمَّد سَلَامه أَبُو الْجُود بن محب الدّين الدمشقى الْفَاضِل الاديب الْمَشْهُور كَانَ من أجلاء الْفُضَلَاء الَّذين جدوا

стр. 1832

فى الِاكْتِسَاب وأفادوا من الْفَضَائِل مَا يعز اليه الانتساب قَرَأَ بِدِمَشْق على الْحسن البورينى وَغَيره وسافر الى مصر مرَّتَيْنِ الاولى فى سنة أَربع وَعشْرين بعد الالف وَأقَام بهَا خَمْسَة أشهر وَانْقطع مُدَّة اقامته فى الطّلب غَالِبا الى الْبُرْهَان اللقانى وَخَصه بدرس فى ألفية الحَدِيث على خلاف عَادَته من الِامْتِنَاع عَن التَّخْصِيص لفرد على الْخُصُوص ثمَّ أجَازه بِمَا قَرَأَهُ عَلَيْهِ وَمَا سَمعه مِنْهُ فى اجازة خَتمهَا ببيتين من نظمه وهما (مذ حل فى مصر ركاب الْمُصْطَفى ... فاقت وأشرق أَزْهَر بِالنورِ) (من آل فرفور ونخبة خيضر ... كحلول مُوسَى لاقتباس النُّور) قَالَ الْمُصْطَفى فَقلت مادحا لَهُ مضمنا لهَذَا الْبَيْت مَعَ تَعْبِير بديع من التَّجْنِيس حصل للبيت الْمَذْكُور مِنْهُ التحسين والتأنيس وأضفت اليه بَيْتا آخر وكتبت الْبَيْتَيْنِ بخطى وأعطيتهما للشَّيْخ من يدى وهما (ان اللقانى الْهمام انتاشنى ... من بعد مَا قد كنت كالشئ اللقى) (حل من العلياء فى أَعلَى الذرى ... فقصر اللَّاحِق عَن طول المدى) قَالَ ثمَّ بعد رجوعى الى الوطن وَسُكُون الْقلب بالقرار فى السكن بعثنى لاعج الحنين الى الاحباب وتذكر التأنس من تِلْكَ الْمعَاهد الرحاب أَن صغت أبيانا بديعة المطلع والختام مفصلة السمط مطبوعة النظام فى مدح الشَّيْخ الْمَذْكُور بنيت الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورين بواسطتها وبينت انهما كواسطتها بِحَيْثُ جَاءَت مَقْصُورَة مَقْصُورا عَلَيْهَا البديع أَيّمَا قصر رافلة فى غلائل البلاغة تفوق دمنة الْقصر حملهَا اليه قاضى مصر صاحبنا الشريف وَقد اجتاز على دمشق مُتَوَجها الى مصر لمباشرة قَضَائهَا وَذَلِكَ فى آخر شهر ربيع الآخر سنة خمس وَعشْرين بعد الالف والمقصورة الْمَذْكُورَة هى هَذِه (قد عَن للقلب حنين للسرى ... لمصر وهى الشَّام فى وَجه الْقرى) (والازهر الْجَامِع فِيهِ سادة ... غر ميامين غَدا كل رضى) (لَا سِيمَا فَخر اللقان من لَهُ ... برهَان فضل لَيْسَ يَغْشَاهُ الخفا) (حبر لتحقيق وتدقيق حوى ... أهاب بِالْعلمِ فلبى وسعى) (ان اللقانى الْهمام انتاشنى ... ) الى آخر الْبَيْتَيْنِ الْمُتَقَدِّمين وبعدهما (قداقتنى الْعلم فَقِيه يقْتَدى ... بِهِ لنعم المقتدى والمقتنى)

стр. 1833

(يُعِيد مَكْنُون الخفايا وَاضحا ... كالصبح عَنهُ حِين ينجاب الدجى) (مَتى يحاول حل اشكال عرا ... رعاه توفيق فأجدى وَهدى) (أجرد طرف الْبَحْث مِنْهُ مَا كبا ... وَلَا حسام الْفضل فى بَاب نبا) (يشتاقه قلب اليه قد صفا ... والاذن قبل الْعين راقتها الحلى) (جسمى نأى وَالْقلب مِنْهُ قد دنا ... وثيق عهدى لَيْسَ مفصوم العرى) (لَا زَالَ فى صهوة عز يمتطى ... لَا يجد السوء اليه مختطى) ثمَّ سَافر الثَّانِيَة فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ قَالَ وَاجْتمعت بشيخنا الْمَذْكُور وَحَضَرت درسه فى صَحِيح البخارى برواق المغاربة من الْجَامِع الازهر بِمصْر ثمَّ تَوَجَّهت على الطَّرِيق المصرى لقَضَاء فَرِيضَة الْحَج فاجتمعت بِهِ بِمَكَّة فى موسم عَام أَرْبَعِينَ ثمَّ ودعته وداعا لَا تلاقى بعده فَتوجه صُحْبَة الركب المصرى وتوجهت صُحْبَة الركب الشامى فوافاه أَجله فى عقبَة أيله انْتهى ثمَّ اسْتَقر بِدِمَشْق مُدَّة متفرغا للافادة واشتغل عَلَيْهِ جمَاعَة بالجامع الاموى وَولى النّظر على دَار الْقُرْآن الخيضرية والتربة الَّتِى بمحلة مَسْجِد الذبان وهما انشاء جده من قبل الامهات القطب مُحَمَّد بن عبد الله بن خيضر بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة الشافعى البلقاوى الْمَشْهُور بالقطب الخيضرى وَكَانَ فى رحلته الى مصر وقف على مدرستين لَهُ بالقرافة الصُّغْرَى فأظهر مسطور وَقفهَا وَولى النّظر عَلَيْهِمَا أَيْضا وسافر الى حلب مرَّتَيْنِ أَيْضا الاولى فى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَالثَّانيَِة فى نَيف وَخمسين وَدخل ثغر صيدا وبيروت فى أَيَّام الامير فَخر الدّين بن معن وَولده الامير على وَله من التآليف شرح الملحة وَهَذَا الشَّرْح فِيمَا أدْركْت من معزاه لَيْسَ الا فهرست تَارِيخ أجداده وطالما حدثت عَن صَاحب التَّرْجَمَة بِأَنَّهُ كَانَ غَالب عَلَيْهِ السَّوْدَاء الْمُحْتَرِقَة فحقق عندى شَرحه هَذَا انه بلغ الْغَايَة فى التَّخْلِيط وَكَثِيرًا مَا وقفت على كتب من متملكاته وعَلى غَالب هوامشها خطه وَكَانَ يكْتب الْخط الثُّلُث الجلى وكل مَا يَكْتُبهُ لَا مُنَاسبَة لَهُ بِمَا كتب عَلَيْهِ بل ثَمَرَته تبشيع الْكتاب الذى يدْخل تَحت يَده وَهَكَذَا كَانَ يفعل فى الْكتب الَّتِى لغيره يستعيرها للمطالعة فيملؤها بخلطياته وأحسب هَذَا الامر طَرَأَ عَلَيْهِ فى أَوسط عمره فتغلبت عَلَيْهِ السَّوْدَاء حَتَّى كَانَ يطلع الى مَنَارَة الْمَسْجِد الذى بمحلتهم وينادى بِأَعْلَى صَوته بسب بعض الْعلمَاء الْكِبَار وَيُصَرح بِأَسْمَائِهِمْ وَقد وقفت لَهُ على تَرْجَمَة بِخَط شَيخنَا الشَّيْخ رَمَضَان العطبقى ذكر لَهُ فِيهَا مناظيم كَثِيرَة اخْتَرْت مِنْهَا هَذَا الْقدر الذى أوردهُ فَمن ذَلِك مَا كتبه

стр. 1834

الى شيخ الاسلام أسعد بن سعد الدّين لما قدم من الْحَج وزيارة بَيت الْمُقَدّس فى سنة أَربع وَعشْرين وَألف (بحلية فضل الاوحد الْفضل أسعدا ... تجملت الدُّنْيَا وكللها الندى) (وقرت بِهِ عينا وقرت لانه ... غَدا فَوْقهَا ركنا ركينا مشيدا) (امام لنَحْو الْفضل قد مد بَاعه ... فقصر عَن أدنى معاركه المدى) (حوى الْعلم عَن جد وجد وراثة ... فيا حبذا تأسيس أصل تأكدا) (وَحل ذرى العلياء مذ كَانَ يافعا ... فاكرم بِهِ فخرا ومجدا وسوددا) (عَلَيْهِ من الْمجد الاثيل شعاره ... وبالعلم وَالتَّقوى تأزر وارتدى) (وَقد تمّ فى أفق السَّعَادَة سعده ... وَلَا غرو سعد من سعيد تولدا) (سرى قَاصِدا نَحْو الْمَدِينَة طيبَة ... فحج وَقد زار النبى مُحَمَّدًا) (وَعَاد الى الْقُدس الشريف مبادرا ... فزار من الاقصى الْمُبَارك مَسْجِدا) (وَأم دمشق الشَّام عودا لبدئه ... فزادت بِهِ حسنا أخيرا ومبتدا) (وَيَا ليته لَو دَامَ فِيهَا مقَامه ... لينقع من ريا خليقته الصدى) (وَلَكِن بِظهْر الْغَيْب أحفظ وده ... وهيهات أَن أنسى لَدَيْهِ توددا) (وداد لَهُ فى الْقلب أزكى مغارس ... وعهد وثيق بالمحبة قد بدا) (فدام لَهُ الْعَيْش المهنأ أرغدا ... وطالعه السيار أسعى وأسعدا) قَالَ وأنشدنى من لَفظه لنَفسِهِ وَقَالَ انه أول نظم نظمته وَهُوَ (يَا مليحا حوى جمالا وظرفا ... وغزالا قد فاق جيدا وطرفا) (كلما ازْدَادَ فى الملاحة ضعفا ... زادنى فى الوجد فى الصبابة ضعفا) وأنشدنى من لَفظه لنَفسِهِ وَقَالَ انه لم ينظم هذَيْن الْبَيْتَيْنِ على طَريقَة النّظم من الْفِكر والروية بل نفحة ربانية وَذَلِكَ بِمصْر (لَا أشهد الْفضل لكنى شهِدت بِهِ ... للنَّفس اذ دأبت فى الْعلم تحصيلا) (وَذَاكَ من بَاب تحديث لخالقها ... بِنِعْمَة مِنْهُ تحصيلا وتنويلا) وأنشدنى قَوْله مادحا للنور الزيادى عَالم مصر قبل التَّوَجُّه فَلَمَّا توجه وجد الشَّيْخ قد مَاتَ فزاره قَبره وأنشدهما (عجبت عمرى لزيد نيل ... قد زَاد نيلا لكل زَاد) (فَقَالَ لى لَيْسَ ذَا عجيبا ... ففضل فيضى من الزيادى)

стр. 1835

وأنشدنى من لَفظه لنَفسِهِ ارتجالا فَقَالَ (من رام ظلا وريفا يستظل بِهِ ... وينثنى بثناء طيب الْخَبَر) (فليطلب الْعلم بالاخلاص مُجْتَهدا ... يفز بِمَا شَاءَ من عز وَمن خطر) وَكتب اليه الشَّيْخ عبد الباقى الحنبلى فى ذى الْقعدَة سنة سِتّ وَخمسين وَألف مسائلا فَقَالَ (أيا عَالما أَحْيَا مَدِينَة جلق ... وتحرير هَذَا الْعَصْر كشاف بلواه) (دهتنى هموم أَنْت ترجى لكشفها ... فَمِنْهَا سُؤال أَنْت بِالْحَقِّ مقضاه) (وَذَاكَ حوالينا لقد جَاءَ مُسْندًا ... وفى السّنة الغراء حَقًا روينَاهُ) (فمفرده حول كَذَا قَالَ شَارِح ... وللمجد فى الْقَامُوس يفرد مَعْنَاهُ) (وفى الْفَتْح أنصبه بِفعل مُقَدّر ... أى امطر حوالينا من القفر حَيَّاهُ) (وَلكنه مبْنى أَو هُوَ مُعرب ... فان قلت بالثانى فَبين لمبناه) (فَكيف يُفِيد الْفَرد هَل هُوَ مُفْرد ... وَهل هُوَ مَجْمُوع فأوضح لمعزاه) (واعرابه بَين على كل حَالَة ... فَأَنت لهَذَا الْخطب وضاح منشاه) (وَهل ظَاهر الاعراب أَو هُوَ مُقَدّر ... أرحنى من الاشكال مَا صرت أَلْقَاهُ) فَكتب الشَّيْخ مصطفى اليه الْجَواب وَهُوَ (أيا من حوى علما تقاصر عِنْده ... عُلُوم ذوى التَّحْقِيق عَن بعد مسراه) (وَيَا فَاضلا عَمت فواضل جوده ... فَمَا طَالب الا وَقد حَاز جدواه) (وَيَا من لَهُ غوص بِفضل فطانة ... على كل معتاص على الْفَهم مَعْنَاهُ) (أتيت بِلَفْظ فى سُؤال منضد ... كعقد بجيد الغادة الخود خلناه) (وَذَاكَ حوالينا الذى جَاءَ واردا ... بِلَفْظ حَدِيث يجتلى الْقلب مرآه) (واعرابه نصب على الظّرْف ظرفه ... مَكَان والزمانى يُنَافِيهِ مبناه) (وَلكنه جمع أَتَى وَهُوَ نَادِر ... على صُورَة الِاثْنَيْنِ حَقًا روينَاهُ) (وَلكنه لما أضيق لمزد ... غَدَتْ نونه حذفا لما قد أضفناه) (وَهَذَا الذى يَبْدُو لعبد مقصر ... مقرّ بتقصير وذنب جنيناه) (وعذرا فان الْعذر عنْدك سَائِغ ... فَأَنت امام شاع فى النَّاس تقواه) (فَلَا زلت للاشكال توضح بهجة ... تزيل عَن الْفَهم الذى مِنْهُ يَغْشَاهُ) (ودمت معافى فى سرُور ونعمة ... تقر عُيُون المستفيدين نعماه)

стр. 1836

(وَخص اله الْعَرْش أفضل خلقه ... نَبيا عُلُوم الْخلق من فيض علياه) (مُحَمَّد الْمُخْتَار مفزع أمننا ... بدنيا وَأُخْرَى فَهُوَ ركن عهدناه) (بِأَفْضَل تَسْلِيم وأزكى تَحِيَّة ... وَآل وَصَحب مَا حَدِيث روينَاهُ) وَمن خطه نقلت لَهُ أَيْضا قَوْله (لَا تسأ من بِحمْل الْعلم من كتب ... فالعلم أنفس شئ أَنْت حامله) فَأَجَابَهُ مجيزا لهَذَا الْبَيْت الشَّمْس مُحَمَّد الفرفورى فَقَالَ (وانقل لصدرك مَا أودعت من كتب ... يرحك عَن حملهَا مَا أَنْت ناقله) وَكتب من خطه أَيْضا قَوْله (أحسن برأى امْرِئ عد الكفاف غنى ... مُجَردا لَهُم فى دَار يعادلها) (طُوبَى لمن بَات فى أَمن وفى دعة ... فراحة الْقلب لَا شئ يعادلها) قَالَ وَسَأَلته عَن مولده فَأخْبر أَن وَالِده كتبه على ظهر كتاب وَأَنه ضَاعَ لَكِن فى غَالب ظَنّه أَنه فى نَيف وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَحصل لَهُ مرض فى أَوَائِل سنة احدى وَسِتِّينَ وَألف وَانْقطع فى دَاره الَّتِى هى دَاخل بَاب توما وتعرف بِبَيْت محب الدّين جوَار دَار شيخ الاسلام ابْن عماد الدّين فعدته فى أثْنَاء الْمَرَض فرأيته مترقبا للعافية وآثار الْمَوْت عَلَيْهِ غير خافيه فتكالمنا مَعَه فأبدى لنا من فضائله مَا يسحر الْعُقُول من مَعْقُول ومنقول وَمن كل معنى فائق ونظم رائق ثمَّ بعد ذَلِك فارقته فِرَاق وداع متأسفا على طى فضائله الَّتِى انْعَقَد على حسنها الاجماع فَكَانَ بعد ذَلِك يراسلنى بالرسل والاوراق الى أَن كتبت لَهُ جَوَاب رِسَالَة فى لَيْلَة السبت ثَالِث عشر صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وفى ضمنهَا هَذِه الابيات (أسأَل الله من أتم غلاكا ... خَالق الْخلق أَن يتم شفاكا) (فَلَقَد زَاد سقم صبك هَذَا ... ودواه محققا رؤياكا) (وَهُوَ حيران فى غياهب شكّ ... لَيْسَ يبدى لنورها الاكا) (عِشْت صَدرا لطَالب الْعلم بَدْرًا ... زِدْت قدرا تسمو بِهِ الافلاكا) (لتنال الطلاب مِنْك مُنَاهُمْ ... ومناهم وَالله أقْصَى مناكا) ثمَّ قصدت أَن أَسِيرهَا فى الْيَوْم الْمَذْكُور فَلم يتَّفق لِكَثْرَة الامطار حَتَّى صَارَت طرقات الْمَدِينَة كالانهار فاذا هُوَ انْتقل بعد الظّهْر فى الْيَوْم الْمَذْكُور الى رَحْمَة رب الْعَالمين وَلم يُمكن فى ذَلِك الْيَوْم التَّجْهِيز والتكفين وَاسْتمرّ الْمَطَر مُتَّصِلا لَا يَنْقَطِع الى يَوْم

стр. 1837

الاحد فَغسل وكفن فى الامطار الغزار وَذهب بِهِ الى جَامع بنى أُميَّة وَصلى عَلَيْهِ الظّهْر وَحمل الى قَرْيَة الشَّيْخ ارسلان فَدفن قبالة الشباك المواجه للضريح عَلَيْهِ رَحْمَة الحنان المنان وَاتفقَ أَن صَار حَالَة الدّفن مطر غزير لم يتَّفق مثله فى الاعوام فَقلت القصيدة الَّتِى أَولهَا (بَكت السَّمَاء بمدمع هطل ... اذ مَاتَ غيث الْجُود وَالْفضل) وَلم يذكر مِنْهَا الا بَيت المطلع هَذَا وَأَنا لم أَقف عَلَيْهَا قلت وَمِمَّا يتَعَلَّق بترجمة صَاحب التَّرْجَمَة فى تَسْمِيَته نَفسه بالمصطفى مُعَرفا مَا وجدته بِخَط البورينى تَحت كِتَابَة للمصطفى فَكتب تحتهَا قَاعِدَة فى أل الَّتِى تكون للمح الْوَصْف من زَوَائِد الشَّيْخ الطَّيِّبِيّ الْكَبِير على ألفية ابْن مَالك (كالفضل والحرث وَالْعَبَّاس ... وَلَيْسَ هَذَا الْبَاب بِالْقِيَاسِ) قلت وَالْبَيْت فى الاصل هَكَذَا (كالفضل والحرث والنعمان ... فَذكر ذَا وحذفه سيان) واذا علمت هَذِه الْقَاعِدَة على هَذَا الاسلوب أَنه لَا يُؤْتى بأل فى مثل هَذِه الْكَلِمَات الا اذا سَمِعت من الْعَرَب واذا لم تسمع فالاتيان بهَا غلط فأل فى الْمُصْطَفى اذا كَانَ مصطفى علما غير وَاقعَة فى موقعها الصَّحِيح لانها لم تسمع فِيهِ فَالْوَاجِب حِينَئِذٍ حذفهَا فاعلمه مصطفى بن أَحْمد بن مصطفى البولوى مفتى السلطنة وعالم علمائها وَرَئِيس نبلائها الامام الْعَالم الْعلم الْعَلامَة الشهير كَانَ أوحد الزَّمَان فى الْفُنُون مطلعا على الظَّاهِر مِنْهَا والمكنون مشارا اليه بالتحقيق مُنْذُ عرف محلى بنفائس الصِّفَات الْعلية من حِين وصف وَكَانَت دمت الاخلاق رَقِيق الطَّبْع ذَا مُرُوءَة وسكينه ومكانة من الادب مكينه انْتَمَى فى مبدا أمره الى شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا وتلمذ لَهُ ولازم مِنْهُ وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور يُحِبهُ ويقدمه ولاه الْمدَارِس السامية ثمَّ بعد وَفَاة الْمولى الْمَذْكُور مَا زَالَ حَظه وَصيته يَنْمُو حَتَّى صَار مفتش الاوقاف ثمَّ ولى ابْتِدَاء قَضَاء بروسه وَلَا زَالَ فى رفْعَة الى ان تولى قَضَاء العسكرين ثمَّ الافتاء ثمَّ عزل وَأمر بالتوجه الى مصر وَأعْطى قَضَاء الفيوم فَأَقَامَ بِمصْر مُعظما يقرى ويدرس ببيته وَلِلنَّاسِ عَلَيْهِ اقبال عَظِيم لتواضعه ولطف مُعَامَلَته وَله من المؤلفات شرح على الْكَنْز وحواش على شرح أشكال التأسيس وَغير ذَلِك من التحريرات

стр. 1838

الفائقة وَكَانَت وَفَاته فى سنة تسعين وَألف مصطفى بن رَمَضَان الشهير بِابْن صارى خوجه الدمشقى الدفترى الرئيس الْجَلِيل الشَّأْن كَانَ من أَرْبَاب الوجاهة والمروءة حسن الْخلق لين الْجَانِب حَلِيمًا معاشرا سهل الصُّحْبَة ذكره والدى فى تَارِيخه فَقَالَ فى تَرْجَمته كَانَ أَبوهُ روميا من أهل أدرنه ورد دمشق واستوطنها الى أَن تَلا الدَّهْر آيَة مَوته وأعلنها وَكَانَ اقتنى دَارا بِبَاب قلعة دمشق مُتَّصِلَة بدار الحَدِيث الاشرفية وجاءه أَوْلَاد مِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة فَأَقْرَأهُ وَكتبه وَعلمه حَتَّى تعلم الرقم والحساب فَدخل فى زمرة الْكتاب وَاخْتَلَطَ بالاعيان وَأكْثر من التَّرَدُّد الى المرحوم حسن بن عُثْمَان الرُّومِي لكنه فى جواره وداره تجاه دَاره وَفرغ لَهُ عَن كِتَابَة أوقاف الدرويشية وَكَانَ مِمَّن تمهر على يَده فى الارقام الحسابية ثمَّ انحاز الى ابراهيم باشا الدفترى وَصَارَ من خَواص جماعته وَصَارَ كَاتبا لوقف الْجَامِع الاموى ومتوليا على وقف الدرويشية ثمَّ صَار كَاتبا فى قلم المحاسبة بالخزينة الدمشقيه وكاتبا للكيلار السلطانى وَحج بِهَذِهِ الْخدمَة مرَّتَيْنِ ثمَّ صَار محاسبا بالخزينة بعد الرئيس مُرَاد بن هِدَايَة الله الْمُقدم ذكره وَكبر بِهَذِهِ الْخدمَة وَصَارَ يُرَاجع فى الامور المهمة وَصَارَت لَهُ رُتْبَة الدفترية مَعَ بَقَاء المحاسبة ثمَّ صَار دفتريا اصالة فى سنة ثَمَان وَخمسين وَألف وعزل عَنْهَا وأعيد اليها مَرَّات ثمَّ صَارَت لَهُ رُتْبَة بكلر بكية مرعش وَصَارَ قَائِم مقَام الْوَزير الْكَبِير مُحَمَّد باشا بوينى اكرى لما جَاءَهُ ختم الوزارة الْعُظْمَى وَهُوَ محافظ دمشق ثمَّ بعد ذَلِك أكره من قبل الْجند الشامى على حُكُومَة الشَّام فى ماجرية مرتضى باشا ثمَّ تناقضت أَحْوَاله وتشتت فكره وباله وَلَا غرو فللزمان صروف تجول وَأُمُور تعرض وتحول فاذا أقبل جد الْمَرْء فالاقبال يسعده والاوطار تعينه وتساعده واذا أدبر فالايام تعاديه والنحوس تراوحه وتغاديه وَأظْهر الْفقر للانام والفاقة الشَّدِيدَة للحكام ثمَّ سَار الى أدرنه بِطَلَب من طرف السلطنة للسؤال عَن اختلال الخزينة الشامية فاتهم فى بعض أُمُور أحيلت عَلَيْهِ فنفذ فِيهِ الْقَضَاء وأسرع الْقَتْل اليه وَمَات شَهِيدا وَدفن وحيدا وَكَانَ قَتله فى سنة احدى وَسبعين وَألف وَمن الِاتِّفَاق ان وَالِده ولد بأدرنه وَدفن بِدِمَشْق وَهُوَ بعكس ذَلِك مصطفى بن زين الدّين بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الشهير بِابْن سوار الحموى الاصل الدمشقى المولد الشافعى شيخ الْمحيا النبوى الامام الحبر الْبَحْر الصَّالح

стр. 1839

الناسك من زنده بِالْفَضْلِ وارى وَعرضه من كل مَا يشين عارى ان كَانَ الْفضل روضا فَهُوَ نواره أَو الصّلاح يدا وساعدا فَهُوَ سواره (ندب يغار على الْفَضَائِل فَضله ... فيضمها ضم السوار المعصما) نَشأ فى صِيَانة وديانه وترعرع ملئ برده متانة ورزانه وَأخذ الْفِقْه عَن جمع مِنْهُم الشهَاب العيثاوى وَالشَّمْس الميدانى والعلوم العقلبة عَن جمَاعَة أَجلهم الملا مَحْمُود الكردى والعلوم الْعَرَبيَّة عَن الشَّيْخ عمر القارى وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى والنجم الغزى ولازمه سِنِين وروى عَنهُ الْكتب السِّتَّة وَغَيرهَا وَصَارَ معيدا لدرسه الْعَام تَحت قبَّة النسْر لما مَاتَ الشَّيْخ رَمَضَان العكارى سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَكَانَ النَّجْم يَقُول من أَرَادَ أَن ينظر الى حوارى هَذِه الامة فَلْينْظر اليه وَكَانَ حسن السمت والخلق لطيف الطباع مهابا مجللا عِنْد عُلَمَاء دمشق وأمرائها وكبرائها مُعْتَقدًا عِنْد الْخَاص وَالْعَام لَا يتَرَدَّد الى أحد الا الْخَواص وَجلسَ للتدريس وانتفع بِهِ جمَاعَة من أَجلهم شَيخنَا الشَّيْخ عُثْمَان بن مَحْمُود المعيد وَكَانَ منهمكا على بَث الْعُلُوم وافادتها مواظبا للمحيا النبوى لَيْلَة الِاثْنَيْنِ بالجامع الاموى وَلَيْلَة الْجُمُعَة بالجامع البزورى بمحلتهم قبر عَاتِكَة قَائِما بوظيفة الصَّلَاة على النبى مَعَ الاحسان للْفُقَرَاء والضعفاء ولين الْجَانِب والتواضع التَّام وَكَانَت وِلَادَته سنة عشر بعد الالف وَتوفى سنة احدى وَسبعين وَألف وَدفن فى تربة الدقاقين بمحلة قبر عَاتِكَة ورثاه الامير المنجكى رَحمَه الله تَعَالَى بقوله (لعمرك زند الْفضل أصبح عاطلا ... من ابْن سوار بَعْدَمَا كَانَ حاليا) (وَقد ملئت منا الْقُلُوب لفقده ... مصابا وأضحى مجْلِس الْعلم خَالِيا) وَرَآهُ تِلْمِيذه صاحبنا الشَّيْخ عبد الله بن على العاتكى بعد مَوته فى الْمَنَام بعد لَيْلَتَيْنِ وَهُوَ طَائِر فَقَالَ لَهُ يَا سيدى الى أَيْن تطير قَالَ الى عليين فَقَالَ لَهُ بِمَ نلْت ذَا فَقَالَ بِكَثْرَة الصَّلَاة على النبى وَكَانَ لَهُ ولدا اسْمه زين الدّين وَكَانَ من الافاضل وَاتفقَ أَنه مَاتَ ثانى يَوْم من وَفَاة وَالِده ويروى أَنه كَانَ لقن اباه وَبعد أَن فرغ من التَّلْقِين دَعَا الله أَن يلْحقهُ بوالده فاستجيب دعاؤه ورؤى وَالِده فى الْمَنَام وَهُوَ يَقُول ان الشوق الى زين الدّين جذبه الينا وَمَا قَدرنَا على فِرَاقه رحمهمَا الله تَعَالَى مصطفى بن سعيد الدّين بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن حسن الجباوى الدمشقى القبيباتى

стр. 1840

الشَّيْخ المجذوب كَانَ من الاسخياء الاجواد حج فى خدمَة وَالِده فى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف ثمَّ اشْتغل بِالتِّجَارَة وسافر الى مصر مَرَّات ثمَّ تعانى طبخ الصابون وَبيع الْحَرِير ثمَّ صَار شيخ زاويتهم بعد وَفَاة أَخِيه الشَّيْخ مُوسَى فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف لعدم وجود أحد غَيره واقبلت الدُّنْيَا عَلَيْهِ ومالت اليه بِالْقَلْبِ والقالب وانحصرت فِيهِ جَمِيع املاك بنى سعد الدّين وأوقافهم وَجمع من المَال مَا فاق بِهِ على آبَائِهِ واجداده وتميز بِهِ على الْمَشَايِخ الصُّوفِيَّة وَحج ثَانِيًا الى بَيت الله الْحَرَام فى سنة سِتّ وَخمسين بأَهْله وَأَوْلَاده وسافر الى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ حج ثَالِثا وَكَانَ فى جَمِيع شؤنه متناقض الاطوار وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ صدق قَوْلهم هُوَ كخبز الشّعير يُؤْكَل ويذم وكالهندية يكره ويلم (كَمَاء طَرِيق الْحَج فى كل منزل ... يذم على مَا كَانَ فِيهِ وَيشْرب) وَكَانَ لَهُ ابْن يُسمى سعد الدّين وَكَانَ نجيبا اصيب بِهِ فى طَرِيق الْحَج وحزن عَلَيْهِ حزنا شَدِيدا ثمَّ بعد ذَلِك حط بِهِ الدَّهْر واستطالت عَلَيْهِ يَد اللئام واستغرق اوقاته فى النزاع وَالْخِصَام وعارضه بعض حكام دمشق فى كل أَمر وَقع لَهُ فَترك زاويته الَّتِى بالقبيبات وَسكن دَاخل دمشق وَتزَوج أم ولد بعض التُّجَّار ثمَّ تزوج زَوْجَة التَّاجِر الْمَذْكُور ايضا وزادت عَلَيْهِ الاكدار وَكَانَ لَهُ بنت مُزَوّجَة بِبَعْض الاعيان فَمَاتَتْ بعد أَن طَلقهَا وخلفت بِنْتا فَوضع يَده على جَمِيع مخلفاتها وَكَانَ اذا طُولِبَ بِالْمِيرَاثِ يَقُول ان بنى سعد الدّين لَا يورثون الاناث وَله من هَذَا الْقَبِيل كَلِمَات عَجِيبَة فَمن أعجبها أَنه ذكر بعض الافاضل بِحَضْرَتِهِ كتبا مَوْجُودَة عِنْدهم بِخَط مصنفها فَقَالَ وَأَنا عندى متن الْكَشَّاف بِخَط مُصَنفه وَمِمَّا يحْكى عَن وَالِده أَنه لما قدم جَعْفَر باشا محافظ مصر سَأَلَهُ عَن طَرِيقه فَقَالَ على السنانية فَقلت لَو قَالَ على بَاب الله لَكَانَ اصاب وَكَانَ وَقع بَينه وَبَين ابْن أَخِيه الشَّيْخ كَمَال الدّين بِسَبَب المشيخة وَكَانَ يتوسط بَينهمَا جمَاعَة بِالصُّلْحِ فاذا ذكرُوا الشَّرِيعَة فى مقَام الانذار يَقُول ان كَانَ لَهُ شَرِيعَة فلنا طَريقَة وكل هَذَا مبْنى على الجذب والاستغراق فان غَالب بنى سعد الدّين يغلب عَلَيْهِم الْغَرق وَأرى السَّلامَة فى اعْتِقَادهم فان تصرفهم مجرب ثمَّ ان الشَّيْخ صَاحب التَّرْجَمَة غلب عَلَيْهِ الْحَال وضاق بِهِ المجال وزادت عَلَيْهِ الاتعاب من الْخَارِج والداخل فَأَنْشد لِسَان حَاله قَول الْقَائِل حَيْثُ قَالَ (جَار الزَّمَان فَلَا جواد يرتجى ... للنائبات وَلَا صديق يشفق)

стр. 1841

(وطغى على فَكل رحب ضيق ... ان قلت فِيهِ وكل حَبل يخنق) ثمَّ انتهز فرْصَة الْغَفْلَة من حفدته وَدخل الى خلوته بالمشهد الشرقى من جَامع الاموى الْمَعْرُوف بمشهد الْمحيا وقفل الْبَاب وخلع ثِيَابه وَوضع حبلا فى عُنُقه وَألقى نَفسه فَمَاتَ فَدخل وَلَده بعد الْعَصْر مَعَ اتِّبَاعه فوجدوه مَيتا على الصُّورَة الْمَذْكُورَة فَسَارُوا الى قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق الْمولى مُحَمَّد بن مَحْمُود المفتش وَأَخْبرُوهُ بذلك فَأرْسل مَعَهم كشافا فَكتب صُورَة الْكَشْف وأنزلوه ووضعوه فى نعش وأخذوه بعد الْغُرُوب الى بَيتهمْ بالقبيبات وَغسل وَصلى عَلَيْهِ فى قَول أَبى حنيفية رضى الله تَعَالَى عَنهُ وَدفن بمقبرة أجداده بِبَاب الله وأرخ ذَلِك شَيخنَا القَاضِي حُسَيْن الْعَدْوى الْمُقدم ذكره بقوله (أنظر الى محن الزَّمَان ... ترى الْجواد يَمُوت خنقا) (قد دارت الافلاك حَتَّى ... ذاقت الاحرار رقا) (من بعض مَا نَالَ ابْن سعد ... الدّين من نكباته سلبا وَسُحْقًا) (أَن جاد بِالنَّفسِ العزيزة ... مهديا للروح خنقا) (فلذاك قلت مؤرخا ... عجبا بِهِ قد مَاتَ شنقا) وَكَانَ ذَلِك نَهَار الْجُمُعَة رَابِع الْمحرم سنة تسع وَسبعين وَألف وَبلغ من الْعُمر خمْسا وَسِتِّينَ سنة وَاتفقَ قبل وقعته بِنَحْوِ سنوات أَن رجلا من المجاذيب دخل دمشق واقام بالجامع الاموى سَاكِنا صامتا مُدَّة ثمَّ تكلم أَيَّامًا وَكَانَ يَصِيح بِصَوْت عَال فصيح فى صحن الْجَامِع الشَّيْخ مصطفى بن سعد الدّين شنقوه وَكَانَ النَّاس يعْجبُونَ من ذَلِك غَايَة الْعجب حَتَّى وَقع مَا وَقع قلت وَوَقع فى سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف أَن الشَّيْخ اسماعيل ابْن الشَّيْخ أَحْمد بن سوار بن أخى الشَّيْخ مصطفى شيخ الْمحيا الْمُقدم ذكره قبل صَاحب التَّرْجَمَة صلب نَفسه فى المشهد الذى صلب صَاحب التَّرْجَمَة نَفسه فِيهِ اقْتِدَاء بالشيخ المترجم وَالله أعلم مصطفى بن سِنَان أحد الموالى الرومية تولى قَضَاء الْقُضَاة بِدِمَشْق فى سنة ثَلَاث بعد الالف ثمَّ ترقى حَتَّى ولى قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلى وَكَانَت سيرته مُسْتَقِيمَة فى قَضَائِهِ كُله عفيفا منزه الْعرض الا أَن بضاعته فى الْعلم كَانَت مزجاة وَكَانَت وَفَاته وَهُوَ قَاض بروم ايلى فى شهر ربيع الثانى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف بقسطنطينية مصطفى بن طه الحلبى نقيب الاشراف بحلب وَأحد رؤسائها وَكَانَ شهما جسورا

стр. 1842

خَبِيرا بِأُمُور النَّاس لَهُ أَنَفَة وَحُرْمَة وَرَأس بحلب مُدَّة وَكَانَ يُرَاجع فِي المهام وَولى قسْمَة الْعَسْكَر بهَا وسما وَكَانَ الْبَاعِث لسموه مصاهرته للْمولى صَالح رَئِيس الاطباء ونديم السُّلْطَان مُحَمَّد وَكَانَت وَفَاته فى سنة مصطفى بن عبد الْحَلِيم البروسوى قاضى العساكر الْفَاضِل الْكَامِل الْمُؤَدب الْمُهَذّب الْحَاكِم الحاسم الفطن الذكى الحرى بِأَن ينشد فِيهِ (قَاض اذا الْتبس الامران عَن لَهُ ... رأى يخلص بَين المَاء وَاللَّبن) كَانَ أحد أَفْرَاد الزَّمَان مَعَ وفور فضل وَعلم وعقل واثق الْعَهْد صَادِق الود حسن التَّصَرُّف بَرِيئًا من الرِّيَاء والتكلف لَهُ ديانَة وَحسن سيرة مَعَ صِحَة فطنة وسلامة سريرة عفيف النَّفس نظيف الملبس طَاهِر الذبل قَرِيبا لخاطر المتأنس اشْتغل بِطَلَب الْعلم ببروسه على الْعَلامَة الْمولى مُحَمَّد البروسوى الْمَعْرُوف بِابْن المعيد الذى تولى قَضَاء قُضَاة الشَّام فى سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَعلا غَيره ثمَّ دخل قسطنطينية فى عنفوان شبابه واجتهد فى تَحْصِيل الْعُلُوم وَقَرَأَ على شيخ الاسلام عبد الرَّحِيم وَالْمولى يحيى بن عمر المنقارى ولازم من شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا ثمَّ ورد فى صُحْبَة أَخِيه شيخ الاسلام مُحَمَّد الْمُقدم ذكره الى دمشق لما ولى قَضَاء مصر وناب عَنهُ بهَا ثمَّ درس بالروم ثمَّ ولى قَضَاء دمشق وَقدم اليها فى أَوَائِل سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وعظمه أهل دمشق حق التَّعْظِيم لما احتوى عَلَيْهِ من الْوَقار والبهاء فى نَفسه ولتقيده بفصل الاحكام على وَجه الْعِفَّة والاستقامة وَلكَون أَخِيه اذ ذَاك مفتى السلطنة وَمحل الانسان من عينهَا وجاءه خبر عَزله عَن الْفَتْوَى وَهُوَ قَاض وَلم يتأثر وَزَاد فى التصلب وقمع الْحُكَّام ثمَّ عزل غرَّة الْمحرم سنة ثَلَاث وَتوجه الى الرّوم نَهَار الْخَمِيس تَاسِع الْمحرم وسافر والدى المرحوم فى صحبته سفرته الثَّانِيَة قَالَ فى تَرْجَمته وَمَا رَأَيْته يَوْمًا اطاع سُلْطَان الْغَضَب فِيمَا لاقاه من الرَّاحَة والتعب وفى الحَدِيث ان فِيك لخصلتين يحبهما الله تَعَالَى الاناة والحلم ثمَّ بعد ذَلِك صَار قَاضِيا بِمصْر وَخرج عَلَيْهِ قطاع الطَّرِيق فى نواحى اسكى شهر وَأخذُوا جَمِيع مَا مَعَه من اسباب وأمتعة ثمَّ ولى قَضَاء مَكَّة وَورد دمشق فى ثانى عشر شهر رَمَضَان سنة احدى وَثَمَانِينَ وَاتفقَ أَن أَخَاهُ كَانَ قدمهَا فى غرَّة رَجَب وَهُوَ مُتَوَجّه الى الْحَج وَاجْتمعَ بِهِ بعد عشر سنوات كَانَا لم يجتمعا فِيهَا وَسَار الى الْحَج ثمَّ ولى قَضَاء قسطنطينية ثمَّ قَضَاء الْعَسْكَر باناطولى فى سنة خمس وَثَمَانِينَ وَاجْتمعت بِهِ وَهُوَ قاضيه فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ بأدرنه وأسدى

стр. 1843

الى نعما طائلة ومدحته ثمَّ عزل بعد قدوم السُّلْطَان الى قسطنطينية فى احدى الجماديين سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأقَام بدار بمحلة السُّلْطَان سليم وَكَانَ تأنق فى عمارتها وَكَانَ شغفا بالمطالعة والتصحيحات وَعمر مدرسته بداخل قسطنطينية قبالة مدرسة شيخ الاسلام زَكَرِيَّا بِالْقربِ من حمام السُّلْطَان سليم وَبنى فِيهَا مدفنا ورتب فِيهِ قراء وَكَانَ تَمام بنائها فى أَوَائِل سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ ثمَّ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلى وعزل فَلم تطل مدَّته بعد ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سبع وَعشْرين وَألف وَتوفى فى آخر ذى الْقعدَة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف وَدفن بتربته الَّتِى أَنْشَأَهَا رَحمَه الله تَعَالَى مصطفى بن عبد الْملك وَقيل عُثْمَان البابى الحلبى الاديب الْفَاضِل المتمكن من المعارف وَكَانَ من أجل فضلاء الدَّهْر وأوحد أدباء الْعَصْر وَبِالْجُمْلَةِ ففضله يجل عَن التَّعْرِيف وأدبه غير مُحْتَاج الى التوصيف نَشأ بحلب وَأخذ بهَا الْعُلُوم عَن جمع من أَجلهم الشَّيْخ أَبُو الْجُود البترونى والنجم الحلفاوى وَالشَّيْخ أَبُو الوفا العرضى والمنلا ابراهيم الكردى وَالشَّيْخ جمال الدّين البابولى وَدخل دمشق صُحْبَة ابْن الحسام قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق فى سنة احدى وَخمسين وَألف وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى والنجم الغزى وَأَجَازَ مشايخه ورحل الى الديار الرومية فدرس بهَا وانتفع بِهِ جمَاعَة من فضلائها ثمَّ سلك طَرِيق الموالى وَتَوَلَّى قَضَاء طرابلس الشَّام ثمَّ مغنيسا ثمَّ بَغْدَاد ثمَّ الْمَدِينَة المنورة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فى سنة احدى وَتِسْعين وَحج فى هَذِه السّنة فتوفى بِمَكَّة وأشعاره كلهَا نفيسة فائقة مطربة رائقه وهى فى الجزالة والفصاحة فَوق شعر المفلقين من الْمُتَقَدِّمين وفى الرشاقة وَحسن التخيل تفوق قَول المجيدين من الْمُحدثين وَهَا أَنا أتلو عَلَيْك مِنْهُ مَا بِهِ الارواح تنتعش والجمادات ترتعش فَمن ذَلِك قَوْله من قصيدة يمدح بهَا ابْن الحسام (سرى عَائِدًا حَيْثُ الضنى رَاع عودى ... سرى الْبَدْر طيف بالدجنة مُرْتَد) (وَمَا رق لَو لم يرع وجدى وَلَا سرى ... على الْبعد فى ثوب الْحداد المرقد) (فأعجبه شوقى اليه على النَّوَى ... كَذَا كَانَ حَيْثُ الشمل لم يتبدد) (وعاتبته وَالظَّن أيأس طامع ... فجاوبنى وَالْقلب أطمع مجتد) (ولاطفته حَتَّى استملت فُؤَاده ... فيا لَك سَعْدا بعضه لين جلد) (وَبت كَانَ الدَّهْر ألْقى زمامه ... الى وصافانى فأحرزت مقصدى) (وحكمنى من جيده وَهُوَ عاطل ... فحلاه دمعى بالجمان المنضد)

стр. 1844

(الى أَن نعى بالبين صبح كَأَنَّهُ ... غراب النَّوَى لكنه غير أسود) (وَقد جدد التذْكَار مَا أخلق الضنى ... وأى عهود مثلهَا لم تجدّد) (فيا لَيْت أبقى ذكرهَا لي عِبْرَة ... لابكى بهَا أَو لَيْت أبقى تجلدى) (خليلى مَا آليتما جهد نَاصح ... وَلَكِن حيران القضا كَيفَ يهتدى) (أما تصلح الايام بعد فَسَادهَا ... فَلم تبْق من عيشى صلاحا لمفسد) (وَقد زادنى ظلما وأوسعنى أَذَى ... يدا عصبَة لم تخش لله من يَد) (فأكبادهم للنحر فى جَوف جلمد ... وألسنهم للشر فى فَم أسود) (عَسى يهدم الاحسان مَا شيد الاذى ... اذا لذت بالركن الشَّديد المشيد) (امام أَقَامَ الدَّهْر من عثراته ... وأحيت مساعيه شَرِيعَة أَحْمد) (كَانَ أَمَالِيهِ الرياض ثمارها الدرارى والاقلام صَوت المغرد ... ) مِنْهَا (يجود الحيا بِالْمَاءِ بابك وجوده ... مَعَ الْبشر يهمى من لجين وعسجد) (تقلدت الشَّهْبَاء صارم عدله ... وَلَوْلَا مضاء السَّيْف لم تتقلد) (وَلَو كلف الْمَخْلُوق مَا فَوق وَسعه ... سعت للقاه سعى صَاد لمورد) (أَتَى وظلام الشّرك فِيهَا كَأَنَّهُ ... وساوس شرك فى فؤاد موحد) (فأشرق بدر الْعدْل فى عرصاتها ... بِوَجْه أغر مبرق الْعَزْم مرعد) (تردت بِثَوْب بالصيانة معلم ... وحفت ببحر بالمكارم مُزْبِد) (عزائم بَانَتْ فاختفى كل جَاحد ... وَقَامَت فألفى وفرها كل مقْعد) (وَسَاخَتْ أياديه فشردت الندى ... وَردت من العلياء كل مشرد) (غَدَتْ تقْرَأ التَّحْمِيد سُورَة حَمده ... سجودا وَمن يسْتَوْجب الْحَمد يحمد) وَقَوله من أُخْرَى يمدح بهَا ممدوحه الْمَذْكُور فَقَالَ (عوجا على رسم ذَلِك الطلل ... نفضى حُقُوق الليالى الاول) (لَعَلَّ نثنى أعطاف ثَانِيَة ... وَقد ترجيت غير مُحْتَمل) (فالدهر يَأْبَى بَقَاء مغتنم ... فَكيف يُرْجَى لرد مرتحل) (لكل مَاض من شبهه يدل ... وَمَا لعهد الشَّبَاب من بدل) (سقى لَو يلا تنابذى سلم ... كل ملث الربَاب منهمل) (معاهد طالما اقتطفت بهَا ... زهر الهنا من حدائق الجذل) (وأطلع السعد فى معالمها ... بدر المنى فى غياهب الامل)

стр. 1845

(حَيْثُ قطوف اللَّذَّات دانية ... ومورد الانس مغدق النهل) (تعثر تيها فى ذيل لذتها ... فى هضبات العناق والقبل) (بِكُل مستوقف الْعُيُون سنا ... يَدْعُو فرَاغ الْقُلُوب للشغل) (أثقل اعطافه بخفته ... لطف التصابى فخف بالثقل) (وعطلت من حلى النَّبَات عذاراه فحلاه الْحسن بالعطل ... ) (ألْقى عَلَيْهِ الْجمال حلته ... وحلة الْحسن أحسن الْحلَل) (اذا رمتنا من قَوس حَاجِبه ... سِهَام جفنيه مَا بَنو ثعل) (وَا رحمتا العاشقين قد دهمتهم المنايا فى صُورَة الْمقل ... ) (وَقد تفاءلت من مصَارِعهمْ ... أَن تلافى بالاعين النجل) (أسى لقد أزعج الاسى وَهوى ... أهويت من أَجله على أجلى) (فَذا الذى حجبت محاسنه ... عَنَّا مساوى الصدود وَالنَّقْل) (من كَانَ عَنى قبل النَّوَى صلفا ... أبعد من مسمعى عَن العذل) (مَا زِدْت عَنهُ بعدا بفرقته ... لَا واخذ الله الْبَين من قبلى) (وفى امتداحى لَيْث العرين غنى ... عَن الْغِنَا بالغزال والغزل) (مولى غَدا فى علاهُ عَن رجل ... أبعد عَن حاسديه من زحل) (النّدب عبد الرَّحْمَن من فضحت ... غر سجاياه الشَّمْس فى الْحمل) (أَقَامَ للفضل دولة حسنت ... ودولة الْفضل أفضل الدول) (فأغدقت للورى مناهله ... من بَعْدَمَا كَانَ غائض الوشل) (قد انتضى الله مِنْهُ فى حلب ... سيف سداد لَهَا من الْخلَل) (حَتَّى كساعد لَهُ الليالى والايام ثوب الاسحار والاصل ... ) (واستتر الظُّلم من عَدَالَته ... بَين جفون الظباء بالكحل) (بأبيض الْعدْل مَا تركت بهَا ... سَواد ظلم إِلَّا من الْمقل) (واعتدلت حَتَّى مَا اسْتمرّ بهَا ... لَوْلَا قدود ألحان ذُو ميل) (مَا كنت أدرى من قبل رُؤْيَته ... كَيفَ انحصار الانام فى رجل) (حَتَّى رَأَيْت امْرأ يقوم لَهُ الدَّهْر على سَاقه من الوجل ... ) (ان ادّعى مبصر لَهُ شبها ... فاحكم على ناظريه بالحول) (وان يكن فى الْعُيُون بُد على ... فبأسه فى الْقُلُوب سيف على)

стр. 1846

(رام المهى سأو مجده فَسَهَا ... جزى بِطرف بالسهد مكتحل) (واعتل من لطفه الصِّبَا حسدا ... لَا بَرحت حاسدوه فى علل) (وزور الْغَيْث سح رَاحَته ... حَتَّى اعتزى للسخاء بالحيل) (يَا سيدا أَصبَحت مكارمه ... أشهر بَين الانام من مثل) (كَادَت معانى الثَّنَاء تسبقنا ... اليك وَالْحق وَاضح السبل) (يهنيك عيد بِهِ الهناء لَهُ ... كَمَا أهنيك والهنا بك لى) (وهاكها رَوْضَة لقد صبغت ... مِنْهَا خدود الربى من الخجل) (لَو نَالَ فصل الرّبيع بهجتها ... مَا سلبت عَنهُ حلَّة الخضل) (وانما الْمجد دولة جعلت ... لَهَا معانى الثَّنَاء كالخول) وَله هَذِه النونية يمدحه أَيْضا (أفى كل يَوْم لوعة وحنين ... وَمن كل فج للفراق كمين) (وكل طَرِيق هَكَذَا غير موعر ... فلى طرق كَانَت اليك تهون) (نقضت عهودا باللوى وتصرمت ... وعود وخابت يَا بثين ظنون) (وَوَلَّتْ لذاذات عهِدت وأسفرت ... نوى غربَة مَا تنقضى وشطون) (كَانَ لم تدر تِلْكَ المناجات بَيْننَا ... وَلَا هصرت ذَاك القوام يَمِين) (وَلَا أخضلت تِلْكَ لمعاهد بَعدنَا ... وَلَا هطلت فِيهَا سحائب جون) (على لهَذَا الْخطب ايقاضة همة ... يضج لَهَا صلد الصَّفَا ويلين) (ووجبة ارقال ينْكث بأسها ... قوى الباس تدرى الْعَزْم كَيفَ يكون) (فان فؤادا بَين جنبى حشوه ... أَمَان ولى عِنْد الزَّمَان دُيُون) (وسائلة عيسا اأعيى عَن النَّوَى ... عَنى وعتاب الغانيات شجون) (أجل من تقصى الْمجد يَا ابْنة مَالك ... تولى شمالا شَمله وَيَمِين) (فَلَا تتعبينى واعلمى أَنما الْعلَا ... أَسِير على وَجه القلاص رهين) (أتلك المطايا البزل أم سفن طَغى ... بهَا الْآل تخفى مرّة وَتبين) (تمور لرجع الحدى مورا كانما ... عراها بِأَصْوَات الحداة جُنُون) (اذا لمحت برق العواصم لم تكد ... مناسمها تقوى بِهن حزون) (تلفت تِلْقَاء الشآم كانما ... تخلى لَهَا بالرقتين جَنِين) (اذا أبْصر الخالى بهَا قَالَ علقت ... مشا فرهاتى بالغبيط يَمِين)

стр. 1847

(وصلنا السرى بالسير حَتَّى كانما ... من الوخد أَخْفَاف لَهَا ومتون) (فرينا بهَا أَو داج كل مطوق ... من السحب مَمْنُوع الفناء حُصَيْن) (جبال تمطت للعلى لَو رَأَيْتهَا ... لَقلت لَهَا بَين النُّجُوم دُيُون) (أشابت نَوَاصِيهَا الثلوج فَمَا رقت ... لَهَا بعد فقدان الشَّبَاب عُيُون) (وَيَا رب ليل ضل فِيهِ دليلنا ... فيهديه من نجل الحسام جبين) (فَتى لَا ضلال بعد رُؤْيَة وَجهه ... وَلَا بارق الافضال مِنْهُ يَمِين) (علاهُ رقى نسر السما بجناحه ... وَعرض بعيد الغايتين مصون) (ورقة خلق رَاح يحسدها الصِّبَا ... فأضحى عليلا يَعْتَرِيه أَنِين) (وبذل تذوب السحب مِنْهُ خجالة ... وبأس بِهِ يمضى القضا ويدين) (وَعلم لَو ان النَّاس قَامَت بِبَعْضِه ... وهى الْجَهْل حَتَّى لَا يكَاد يبين) (من الْقَوْم شادوا ذرْوَة الْبَأْس والندى ... لُيُوث لَهُم قصب اليراع عرين) (هَنِيئًا حسام الدّين يَا خير ماجد ... بِهِ شيدت للمكرمات حصون) (بِمقدم مولى قد هدت بقدومه ... قُلُوب وقرت للكرام عُيُون) (أَنَاخَ بِأَرْض الرّوم أكْرم قادم ... لَهُ السعد خدن والعلا قرين) (وَقد وفدت أخباره الغر قبله ... تطوق أَعْنَاق العلى وتزين) (أَلا هَكَذَا فى الله من يَك سَعْيه ... تدين لَهُ أَيَّامه وتلين) (فيا آل عُثْمَان تهنوا بِمَا جد ... يذب لكم عَن عرضكم ويصون) (رغمتم بِهِ أنف الْعَدو وانما الزَّمَان بِهِ عَن غَيْركُمْ لضنين ... ) (أطلاب مسعاه هلموا أدلكم ... عَلَيْهِ فانى فى الْمقَال أَمِين) (ضَعُوا يدكم فى جنح عنقاء مغرب ... وأرجلكم فى الرّيح فَهُوَ متين) (وهام السهى فارقوا اذا حلقت بكم ... اليه فَمَا رمتم هُنَاكَ يكون) (أجاذب ضبعى اذ قواى ضئيلة ... ومأمن روعى وَالزَّمَان خؤون) (أما انه لولاك مَا فتقت بِنَا ... الى الرّوم رتق الراسيات ظعون) (وَلَا كنت أدرى كَيفَ تكتسب العلى ... وَلَا كَيفَ صَعب الحادثات يهون) (أقلت عثار الْحَال منى اذ همى ... على سَحَاب من علاك هتون) (وانى لادرى ان فضل كَامِل ... لبانات طلاب الْكَمَال ضمين) (ومالى بعد الله غَيْرك مسعد ... من النَّاس فى نيل المُرَاد معِين)

стр. 1848

(وفى بَابَكُمْ حطت رحال مطامعى ... وَمَا تمّ لى إِلَّا اليه سُكُون) (وانك أدرى من فؤادى بحاجتى ... وحسبى بِهَذَا كاشف ومبين) وَكَانَ وقف على هَذِه القصيدة أديب الزَّمَان مُحَمَّد القاسمى فاتهم البابى بانتحالها فَكتب اليه البابى هَذِه القصيدة وهى (أيشعر هَذَا الْبَرْق أى المناسم ... سرى فيذكر تابآى المعالم) (وَكم دونهَا من سبسب دون وَطنه ... سرى دونه وخد القلاص الرواسم) (بريق الغضا هلا درى كَيفَ حَالنَا ... على الْبعد أخدان لنا بالعواصم) (أسائلهم مَا لَا تطِيق قُلُوبهم ... صدعت اذن بالظلم قلب المراحم) (سقى الله أَرضًا خيموا بفنائها ... وباكرها صوب الحيا المتراكم) (وَلَا زَالَ طِفْل النبت فى مهد تربها ... تدر عَلَيْهِ من دموع الغمائم) (وَلَو سقيت أَمْثَالهَا قبلهَا دَمًا ... لَقلت سَقَاهَا من دموعى السواجم) (معاهد كَانَ اللَّهْو فِيهَا مساعدى ... على وفْق قصدى وَالزَّمَان مسالمى) (أأيامنا بالأجرع الْفَرد هَل لنا ... سَبِيل الى عهد الصِّبَا المتقادم) (ليالى لَا أقداح مرضى مدارة ... علينا سوى أحداق ظبى ملائم) (وَلَا الْخمر الا من رضاب مبرد ... وَلَا الْورْد الا من خدود نواعم) (وسل أثلات الْجزع تخبرك اننا ... نعمنا بعيش فى ذراهن ناعم) (اذا الرَّوْض مخضل الربى وغصونه ... تقلد من قطر الندى بتمائم) (وفى خلل الاغصان نور كَأَنَّهُ ... مجامر ند فى حجور الكمائم) (يُصَافح بَعْضًا بعضه بيد الصِّبَا ... كباسم ثغر راشف ثغر باسيم) (محَاسِن غطتها مسَاوٍ من النَّوَى ... وأعراس لَهو بدلت بمآتم) (سل اليعملات البزل كم فتقت لنا ... بأيدى السرى من رتق أغبر قاتم) (وَكم شدخت أخفافها هام سامد ... من الشم تيها توجت بالغمائم) (وَكُنَّا اذا فل السرى غرب عزمنا ... تشحذه ذكرى لِقَاء ابْن قَاسم) (مقل لِوَاء الْفضل غير مدافع ... وحامى ذمار الْمجد غير مُزَاحم) (حديقة فضل لَا يصوح نورها ... وبحر بأمواج الذكا متلاطم) (عنت لمعانيه الْكَوَاكِب واقتدت ... بهَا فاغتدت مَا بَين هاد وراجم) (وَلَوْلَا مقَال جاءنى مِنْهُ أطرقت ... حَيَاء لَهُ الْآدَاب اطراق واجم)

стр. 1849

(وَقطع أمعاء القريض لهوله ... ورد القوافى وهى سود العمائم) (امام العلى انى أحاشيك أَن ترى ... بِعَين الْمعَانى عرضة للوائم) (زعمت بأنى سَارِق غير شَاعِر ... صدقت بِمَعْنى سَاحر غير ناظم) (لقد قَالَهَا من قبل قوم فألقموا ... بأيدى الهجا حاشاك صم الصلادم) (رَأَوْا مثل مَا عَايَنت ابداع أَحْمد ... وبادرة الطائى وطبع كشاجم) (حنانيك بعض البغى لابدع ان أَتَى ... بِشعر حبيب من رأى جود حَاتِم) (وان ندى نجل الحسام لروضة ... أينكر فِيهَا طيب سجع الحمائم) (فدونكها ابكار فكر تزفها ... يَد الشوق عَن ود من الريب سَالم) (مشيدة الْبُنيان لَا يستريبها ... حسود وَلَا يقوى بهَا كف هَادِم) وَمن مختاراته قصيدته الَّتِى مدح بهَا السَّيِّد مُحَمَّد العرضى ومطلعها قَوْله (هُوَ الْفضل حَتَّى لَا تعد المناقب ... بل الْعَزْم حَتَّى تطلبنك المطالب) (وَمَا قدر الاسنان الا اقتداره ... أجل وعَلى قدر الرِّجَال الْمَرَاتِب) (أَقَامَ الْفَتى العرضى للفضل دولة ... لَهَا قَائِد من ناظريه وحاجب) (بهَا اعتذرت أيامنا عَن ذنوبها ... وَأَقْبل جانى دَهْرنَا وَهُوَ تائب) (يجددها رأى من الْعَزْم صائب ... ويحرسها بَأْس مَعَ الْحلم عاطب) (وللمجد مثل النَّاس سقم وَصِحَّة ... وَفِيه كَمَا فيهم صَدُوق وكاذب) (أنيط بِهِ حَتَّى لَو اخْتَار نَزعه ... لحسن اليه وَهُوَ ثكلان نادب) (وَمن لم يُوفى للمعالى حُقُوقهَا ... فان مساعيه الحسان مثالب) (ألم تَرَهَا كَيفَ اقتناهما مُحَمَّد ... تجاذ بِهِ أذياله ويجاذب) (اذا النَّاس لم تشتق لشارب عذبها ... فَلَا عذبت يَوْمًا عَلَيْهَا المشارب) (فسأس طواغيها وراض شماسها ... وأضحى لَهُ مِنْهَا وَزِير وحاجب) (حوى سوددا تبدو ذكاه بِوَجْهِهِ ... وترنو لعينيه النُّجُوم الثواقب) (تغرب لَا يرضى ذرى الْمجد موطنا ... وَأَمْثَاله حَيْثُ اسْتَقَرَّتْ غرائب) (دَعَاهُ العلى شوقا اليه وَغَيره ... دَعَتْهُ فلباها النِّسَاء الكواعب) (وَمن حسر الراحات يكْتَسب العلى ... وَبَعض خسارات الرِّجَال مكاسب) (فآب بِمَا يشجى العدى ويسره ... فَوَائِد قوم عِنْد قوم مصائب) (لِيهن علاهُ منصب طالما صبا ... لَهُ بل تهنى اذ رضيها المناصب)

стр. 1850

(من الْقَوْم أما عرضهمْ فَمنع ... حُصَيْن وَأما عرفهم فَهُوَ سائب) (يدين لَهُم بالمجد دَان وشاسع ... وينعتهم بِالْفَضْلِ ساع وراكب) (ففيهم والا لَا تقال مدائح ... وَمِنْهُم والا لَا ترام الرغائب) (اليك امام الْفضل منا تَوَجَّهت ... كتائب الا أَنَّهُنَّ مواكب) (معَان تعير الْعين سحر عيونها ... وتسخر مِنْهَا بِالْعُقُودِ الترائب) (قد انسدلت بَين الطروس سطورها ... كَمَا انسدلت فَوق الصُّدُور الذوائب) (لَهَا من براح الشوق حاد وقائد ... اليك وَمن لقياك دَاع وخاطب) (محملة معنى الهناء بِمنْصب ... تسير ببشراه الصِّبَا والجنائب) (وان سرنى اخبار أَنَّك قادم ... فقد ساءنى تَقْدِير أَنى غَائِب) (قد اتسعت مَا بَيْننَا شقة النَّوَى ... وَضَاقَتْ على وَجه اللِّقَاء الْمذَاهب) (فيا للموالى للعبيد بأوبة ... ليهدا بهَا قلب من الْبعد وَاجِب) (وتسعد آمال وتسكن لوعة ... ويفرح محزون ويبسم قاطب) وَمن مبتدعاته الْمَشْهُورَة الَّتِى توسل بهَا وهى هَذِه (هوت المشاعر والمدارك عَن معارج كبريائك) (يَا حى يَا قيوم قد ... بهر الْعُقُول سنا بهائك) (أثنى عَلَيْك بِمَا علمت فَأَيْنَ علمى من ثنائك ... ) (متحجب فى غيبك الاحمى منيع فى علائك ... ) (فظهرت بالآثار والافعال باد فى جلائك ... ) (عجبا خفاؤك من ظهورك أم ظهورك من خفائك ... ) (مَا الْكَوْن الا ظلمَة ... قبس الاشعة من ضيائك) (بل كل مَا فِيهِ فَقير مستميح من عطائك ... ) (مَا فى العوالم ذرة ... فى جنب أَرْضك أَو سمائك) (الا ووجهتها اليك بالافتقار الى غنائك ... ) (انى سَأَلتك بالذى ... جمع الْقُلُوب على ولائك) (نور الْوُجُود خُلَاصَة الكونين صفوة أوليائك ... ) (الا نظرت لمستغيث عَائِذ بك من بلائك ... )

стр. 1851

(قذفت بِهِ من شَاهِق ... أيدى امتحانك وابتلائك) (ورمته من ظلم العناصر والطبائع فى شبائك) (وسطت عَلَيْهِ لَوَازِم الامكان صدا عَن ثنائك) (فاذا ارعوى اوكاد نادته الْقُيُود الى ورائك ... ) (فالطف بِهِ فِيمَا جرى ... فى طى علمك من قضائك) وَله غير ذَلِك من الْبَدَائِع وَكَانَت وَفَاته فى أَوَاخِر ذى الْحجَّة سنة احدى وَتِسْعين وَألف وَدفن بالمعلاة بعد أَن قضى مَنَاسِكه والبابى نِسْبَة الى الْبَاب قَرْيَة من قرى حلب لَهَا وَاد مَشْهُور بِطيب الْهَوَاء وَكَثْرَة الرياض وَفِيه يَقُول زين الدّين عمر بن الوردى هَذِه الابيات وهى (ان وادى الْبَاب قد ذكرنى ... جنَّة المأوى فَللَّه الْعجب) (فِيهِ دوح يحجب الشَّمْس اذا ... قَالَ للنسمة جوزى بأدب) (طيره معربة فى لحنها ... تطرب الحى كَمَا تحيى الطَّرب) (مرجه مبتسم مِمَّا بَكت ... سحب فى ذيلها الطّيب انسحب) (فِيهِ روضات أَنا صب بهَا ... مثل مَا أصبح فِيهَا المَاء صب) (نهره ان قَابل الشَّمْس ترى ... فضَّة بَيْضَاء فى نهر ذهب) وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة فِيهِ قصائد وأبيات مِنْهَا جانبا فى كتابى النفحة فَارْجِع اليها فِيهِ وَالله أعلم مصطفى بن فَخر الدّين بن عُثْمَان العلمى القدسى من فضلاء الْقُدس وأعيانها نَشأ فى طلب الْعلم ورحل الى مصل وَأقَام بالازهر زَمَانا طَويلا حَتَّى كَادَت لُغَة أهل مصر تغلب عَلَيْهِ وَكَانَ دَائِما يتَكَلَّم بهَا وَرجع الى الْقُدس وَصَارَ كَاتب الصكوك فى محكمتها وَولى النِّيَابَة كثيرا وَله من الْآثَار وقف على المؤذنين بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَله على الصَّخْرَة قنديل مُعَلّق يشعل لَيْلًا وَنَهَارًا وَكَذَلِكَ لَهُ خيرات على خدام سيدنَا الْخَلِيل وَله قنديل على الْغَار الذى فى الصَّخْرَة وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس وَسبعين وَألف وَلم يعقب رَحمَه الله تَعَالَى مصطفى بن قَاسم عبد المنان متولى أوقاف السنانية بِالشَّام الدمشقى عين الاعيان ومجموعة النَّوَادِر الحسان كَانَ وَاحِد الْوَقْت فى المحاوره وَسُرْعَة البداهة والنكتة والنادره وَفِيه يَقُول الامير المنجكى رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 1852

(لنجل أَبى المعالى حسن فهم ... وطبع كالزلال العذب صافى) (تطاوعه الْمعَانى حِين ينشى ... وتخدمه النكات مَعَ القوافى) اشْتغل بِالطَّلَبِ على المنلا عبد الله القونوى امام جَامع الدرويشية وعَلى الْعَلامَة الشَّيْخ رَمَضَان بن عبد الْحق العكارى وشارك فى الْعُلُوم الادبية وَحفظ من الشّعْر العربى والفارسى والتركى أَشْيَاء كَثِيرَة ونظم الشّعْر وَأكْثر نظمه كَانَ بالتركية ومخلصه رمزى وَحج فى صُحْبَة وَالِده سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف وَصَارَ أَولا من الْجند الشامى ثمَّ لما مَاتَ أَبوهُ فى التَّارِيخ الذى ذكرته فى تَرْجَمته توجه ثانى يَوْم من وَفَاته الى الرّوم وَصَارَ مُتَوَلِّيًا مَكَانَهُ على أوقاف سِنَان باشا بِمُوجب الشَّرْط للعتقاء وذريتهم وَصَارَ من المتفرقة بِالْبَابِ العالة وَرجع الى دمشق وَقَامَ مقَام وَالِده وَوضع يَده على مَا خَلفه لَهُ من أَمْوَال وَأَسْبَاب وَتصرف فى التَّوْلِيَة بعقله وَمد يَده الى البسطة والسرف وَكَانَت الْعُقَلَاء ينظرُونَ الى عَاقِبَة أمره فى عدم الِانْتِظَار وَصَحب الوزراء وَالْموالى وَكَانُوا يقبلُونَ عَلَيْهِ لبداعته وغربته وَكَانَ مكثرا فى حكاياته وقلما يحلو من مبالغات فى خطاباته لكنه على تعبيراته مسحة الحلاوه وَعَلَيْهَا طل الطلاوة والنداوه وَلما صَار الْوَزير مُحَمَّد باشا بوبنى اكرى كافل الشَّام وزيرا أعظم سَافر من دمشق فى خدمته وَكَانَ لَهُ اليه محبَّة فأنعم عَلَيْهِ برتبة أحد البوابين للسُّلْطَان وَلم يسْبق لغيره من أهالى دمشق وَدخل دمشق بطرز غَرِيب وَأظْهر بعض الْخُيَلَاء وَكَانَ جند الشَّام فى ذَلِك الْعَهْد قد صالوا وتاهوا فعزموا على مهاجرته فَلم يزل منطرحا فى زَوَايَا الخمول حَتَّى استألف بعض كبرائهم وَأظْهر لَهُم كَمَال الانحياز وأزال الْحجاب واختلت بعد ذَلِك أُمُوره فقابلته الايام بِوَجْه عبوس وأبدلته بعد النعم بالبوس وأصابته الْعين ونفد مَا عِنْده من النَّقْد وَالْعين وَأخذ يستلف على أَقْلَام الْوَقْف وَقل عَلَيْهِ الايراد وَكثر الصّرْف فزادت عَلَيْهِ الاحوال وتكدر مِنْهُ الْفِكر والبال وَكَانَ من جملَة مَا وَرثهُ عَن وَالِده الفلاحة وَالدَّار بقرية دير العصافير وهى من محَاسِن الابنية والبساتين بِالْقربِ من جَامع تنكر فَبَاعَهَا بِدُونِ ثمن مثلهَا وَأَنْشَأَ عوضهَا قصرا بالصالحية بالجسر الابيض وَصرف عَلَيْهِ مَالا كثيرا وبلغنى أَن الذى اشْترى الْبُسْتَان بَاعَ مِنْهُ أشجارا من الْحور فى السّنة الَّتِى اشْتَرَاهُ فِيهَا بثمنة الا ثلث قِرْش فضل عَن رَأس المَال وَكَانَ لَهُ من هَذَا الْقَبِيل أسود كَثِيرَة وَكَانَ كثير النكات وَقد جمع من نكاته جانبا فى دفتر كَانَ كثيرا مَا يوردها وَمن

стр. 1853

المتداول مِنْهَا أَن بعض كفلاء الشَّام كَانَ طلب رماحا من أَعْيَان دمشق وَطلب مِنْهُ ثَلَاثَة فتعسرت عَلَيْهِ فَأَنْشد الْبَيْت الْمَشْهُور وَهُوَ (وَلَو كَانَ رمحا وَاحِد لاتقيته ... وَلكنه رمح وثان وثالث) وَكَانَ يَوْمًا بِمَجْلِس بعض كفلاء الشَّام فَدخل جمَاعَة من طلبة الْعلم شاكين من مُسْتَوفى الخزينة بِأَنَّهُ قطع من معاليمهم أَرْبَعَة أشهر من غير وَجه وَقَرَأَ بَعضهم قَوْله تَعَالَى ﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله يَوْم خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْهَا أَرْبَعَة حرم﴾ فَقَالَ الاربعة الْحرم وهى الَّتِى قطعهَا الدفترى وَاتفقَ فى قدمة مرتضى باشا الْوَزير وَمن مَعَه من الْعَسْكَر أَنه ورد الى دمشق من أهالى حلب رجل يُقَال لَهُ عسرك وَكَانَ يحسن الموسيقى ويتردد الى الاعيان للاستجداء فَكَانَ يخطابه اذا دخل عَلَيْهِ أَتَانَا مرتضى الْجَبَّار بعسكر جرار وَوَقع لَهُ أَنه كَانَ فى مجْلِس الْقُضَاة بِدِمَشْق فَدخل الشَّيْخ يس البقاعى وَأنْشد قصيدة يمدح بهَا القاضى وَكَانَت القصيدة ركيكة فَلَمَّا أتم قرَاءَتهَا تلى صَاحب التَّرْجَمَة الْآيَة ﴿وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ وَقَالَ لَهُ الشَّيْخ مصطفى بن سعد الدّين والدك كَانَ خَليفَة والدى أَخذ عَنهُ الطَّرِيق وَأَنت خليفتى فَقَالَ لست لَك بخليفة وَلَا ابْن الْخَلِيفَة وَأَوْمَأَ الى رجل من المجان يعرف بِابْن الْخَلِيفَة وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة أَحول فَقَالَ بِهِ بعض من لَهُ عَلَيْهِ إدلال من الكبراء كم شخصا ترانى فَحق فِيهِ وَقَالَ لَا أرى الا وَاحِدًا وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أَكثر أهل الْعَصْر نوادرا وتحفا وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سبع وَعشْرين وَألف وَتوفى فى أَوَائِل شعْبَان سنة تسع وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من قبر أَبِيه مصطفى بن قَاسم الطرابلسى الحلبى نزيل الْمَدِينَة المنورة مولده ومنشؤه الشَّام لكنه مِمَّن طابت بِطيبَة مِنْهُ المشام فانتظم فى سلك جيران الرَّسُول الشَّفِيع وارتفع مقَامه بذلك الْمقَام الرفيع وَهُوَ مِمَّن فاق فى الادب وبرع وَورد مناهله العذبة صفوا فكرع مَعَ مُشَاركَة فى علمى الْفِقْه والنحو وَتَحْقِيق مَا شان اثبات آيه محو وَقد تَرْجمهُ السَّيِّد مُحَمَّد كبريت فى كِتَابه نصر من الله وَفتح قريب بِمَا نَصه هُوَ مَوْلَانَا الشَّيْخ درويش مصطفى بن قَاسم بن عبد الْكَرِيم بن قَاسم بن محيى الدّين الحلبى الشافعى مذهبا الوفائى طَريقَة ومشربا وينتهى نسبه فِيمَا أخبرنى بِهِ السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة رضى الله تَعَالَى عَنهُ وَعَن أَبِيه

стр. 1854

(فيا نسبا من فرع دوحة هَاشم ... وَيَا حبا بالاصل قد ألحق الفرعا) ولد بِمَدِينَة طرابلس الشَّام فى سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ ودأب عبد النافع الحموى مفتى الْحَنَفِيَّة وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْحق الشافعى وَالشَّيْخ عبد الْخَالِق المصرى وَغَيرهم ثمَّ دخل دمشق فى سنة أَربع عشرَة بعد الالف فَأخذ عَن الشَّيْخ أَحْمد العيثاوى الْفِقْه والْحَدِيث وَحضر مجَالِس الْعلم ثمَّ دخل مصر فَأخذ الْفِقْه والنحو عَن النُّور الزيادى وَالشَّيْخ أَبى بكر الشنوانى وَغَيرهمَا وَأخذ الْمنطق عَن الشَّيْخ سَالم الشبشيرى وَالْكَلَام عَن الشَّيْخ أَحْمد الغنيمى واليرهان اللقانى ثمَّ دخل قسطنطينية وَأخذ عَن صدر الدّين وَعَن الْعَلامَة مُحَمَّد الْمُفْتى مَعَ الْمُلَازمَة فى الطَّرِيق ثمَّ قدم الْمَدِينَة المنورة فى سنة سبع وَعشْرين وَألف زَائِرًا ثمَّ قدمهَا ثَانِيًا فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ يرفل فى ثِيَاب الْجمال وَالْجَلالَة فَأَقَامَ بهَا وتأهل وَأحسن السِّيرَة والسريرة وتقيد بنشر الْعلم والتدريس بِالْمَسْجِدِ النبوى ثمَّ لزم حَاله لما كثر الدخيل وَتقدم الدنىء والعويل وَكثر فى اللغوا القال والقيل وَصَارَت مجَالِس الْعلم لغير أَهلهَا كَمَا هُوَ مُقْتَضى الْحَال فى تَقْدِيم الانذال (وَكم قَائِل مالى رَأَيْتُك رَاجِلا ... فَقلت لَهُ من أجل أَنَّك فَارس) وَله التآليف الرائقه والتصانيف الفائقة مِنْهَا نزهة الابصار فى السّير فِيمَا يحدث للْمُسَافِر من الْخَيْر وَمِنْهَا هتك الاستار فى وصف العذار وَمِنْهَا شرح تائية ابْن حبيب الصفدى سَمَّاهُ الْمنح الوفائيه فى شرح التائيه وَمِنْهَا الدّرّ الْمُلْتَقط من بَحر الصَّفَا فى مَنَاقِب سيدى أَبى الاسعاد بن وفا وَله النّظم الرَّائِق مِنْهُ وَقد كتب اليه بعض أحبابه (يَا غَائِبا يشْكر اقباله ... قلبى يوشكو بعده النَّاظر) (أوحشت طرفى واتخذت الحشا ... دَارا فَأَنت الْغَائِب الْحَاضِر) فَكتب (مَا غبت عَن طرفى وَلَا مهجتى ... بل أَنْت عندى فيهمَا حَاضر) (ان غبت عَن عينى تمثلت فى ... قلبى يُرَاعى حسنك النَّاظر) وَله تخميس فائية الشَّيْخ شرف الدّين بن الفارض رضى الله عَنهُ وَله ديوَان شعر يشْتَمل على قصائد ومقاطيع وَمن شعره قَوْله مستغيثا وَهُوَ مِمَّا قَالَه بمصرفى سنة خمس وَعشْرين (يَا من بِهِ كل الشدائد تفرج ... وبذكره كل العوالم تلهج)

стр. 1855

(وَعَلِيهِ أَمْلَاك السَّمَاء تنزلت ... وبمدحه لله حَقًا تعرج) (واليه ينْهَى كل راج سؤله ... والسائلون على حماه عرجوا) (يَا قطب دَائِرَة الْوُجُود بأسره ... يَا من لعلياه البرايا قد لجوا) (يَا سيد السادات يَا غوث الورى ... يَا من بِهِ ليل الْحَوَادِث أَبْلَج) (قد جِئتُكُمْ أَرْجُو الْوَفَاء تكرما ... لكننى للعفو مِنْهُ أحْوج) (وحططت أحمال الرَّجَاء لديكم ... فعساكمو أَن تنعموا وتفرجوا) انْتهى مَا قَالَه السَّيِّد مُحَمَّد كبريت فى تَرْجَمته قلت وَكَانَ الْبَاعِث لَهُ على تصنيف كِتَابه نصر من الله أَن صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ نظم تَارِيخا لمَكَان بناه شيخ الْحرم المدنى عبد الْكَرِيم المصاحب بِالْمَدِينَةِ ببئر ودى ونظم لَهُ ابياتا وهى هَذِه (بِشِرَاك يَا من صَار جَار الْكَرِيم ... بِطيب عَيْش أَنْت فِيهِ مُقيم) (أَصبَحت فى خدمَة خير الورى ... ترفل فى روض جنان النَّعيم) (بِطيبَة طابت لمن حلهَا ... حَدِيث ودى فى هَواهَا قديم) (طُوبَى لمن أَمْسَى مُقيما بهَا ... يلقى أهاليها بقلب سليم) (مصاحب السُّلْطَان نلْت المنى ... بِمَا ترجى من غَفُور رَحِيم) (بنيت ايوانا بِهِ قد سما ... ببئر ودوى للصديق الْحَمِيم) (بغاية الاحكام تَارِيخه ... مقْعد أنس شاد عبد الْكَرِيم) وَأَرَادَ بغاية الاحكام آخرهَا وَهُوَ الْمِيم على طَريقَة التعمية وَعدد الْمِيم أَرْبَعُونَ فَلَمَّا شاعت الابيات وقف عَلَيْهَا فتح الله النّحاس الحلبى فهزأ بهَا وَألف رِسَالَة سَمَّاهَا التفتيش على خبالات درويش مضمونها الِاعْتِرَاض على هَذِه الابيات فألف السَّيِّد مُحَمَّد كِتَابه انتصارا الصاحب التَّرْجَمَة وَجمع فِيهِ من غرائب الْفَوَائِد وفرائد القلائد مَا تقر بِهِ الْعُيُون وتنشرح لَهُ الصُّدُور وَكَانَت وَفَاة الدرويش مصطفى فى السَّابِع وَالْعِشْرين من ذى الْقعدَة سنة ثَمَانِينَ وَألف بِالْمَدِينَةِ المنورة وَدفن بِالبَقِيعِ رَحمَه الله تَعَالَى مصطفى بن مُحَمَّد أَبى السُّعُود بن مُحَمَّد العمادى قاضى العسكرين ابْن الْمُفْتى صَاحب التَّفْسِير الْمَشْهُور ذكره الْمولى عبد الْكَرِيم المنشى فَقَالَ فى تَرْجَمته سليل الْعَالم على التَّحْقِيق وَمن هُوَ فى الْفَتْوَى لابى حنيفَة النُّعْمَان شَقِيق الْمولى الاجل الْعَلامَة أَبى السُّعُود العمادى لَا زَالَ طَائِفًا حول قَبره من السَّحَاب الرَّائِح والغادى

стр. 1856

تربى فى حجر الْعِزَّة متفيئا ظلال الْوَالِد مَبْسُوطا عَلَيْهِ مِنْهُ جنَاح الرأفة رافلا فى حلل حماية الاب الشفيق مسديا اليه لطفه وَعطفه وَلَا بدع فانه آخر أَوْلَاده وَلم يبْق من كأس الْعُمر الاجرعه ويسير بريد الْمنية اليه فى غَايَة السرعه وَلما بلغت أَبْيَات قصيدة سنه النّصاب وَأَقْبَلت عَلَيْهِ من كَتِيبَة الْعُمر طَلِيعَة الشَّبَاب خلع عَلَيْهِ أَبوهُ حلَّة الاعاده باسطا أَجْنِحَة الافاضة والافاده وَأكْرم وَزِير تِلْكَ الدولة وَالِده فتحلى من جمان الْمدَارِس الثمان بواحده فَلَمَّا آذن قمر حَيَاة أَبِيه بالسرار وَبلغ طواف أَيَّام عمره الاعتمار رَفَعُوهُ مِنْهَا لَا الى منصب وَكَانَ السَّبَب فى ذَلِك حقد المتعصب فنسخت بِحَدِيث الْعَزْل آيَات عزته وقص بمقراض الرّفْع جنَاح رفعته ثمَّ رَجَعَ الى احدى الثمان بِزِيَادَة الْعشْر على مهرهَا وتكفل بِمَا يجب عَلَيْهِ من مُحَافظَة أمرهَا ثمَّ نقل مِنْهَا الى الْمدرسَة السليمية بأدرنه المحميه ثمَّ توجه مِنْهَا الى سلانيك حَاكما مُتَقَلِّدًا من الْقَضَاء صَارِمًا ثمَّ عزل وَلم تزل تواصله عرائس المناصب مرّة وتفارقه أُخْرَى الى ان فَازَ بِقَضَاء العسكرين وَكَانَ أَحَق بهما وَأولى وَأَحْرَى ثمَّ عزل فَنَاوَلَهُ فى نوبَته ساقى حمام منيته وَكَانَ يسير سير الْمُلُوك ويتقلد من الترفه بأزهى سلوك فى عَيْش رائغ وشراب سَائِغ وَله احاطة بالفروع الْفِقْهِيَّة والمام بالعلوم الْعَقْلِيَّة والنقليه وَكَانَت وَفَاته فى حُدُود سنة سبع بعد الالف وَدفن بمشهد قريب من تربة أَبى أَيُّوب الانصارى بجوار أَبِيه النبيه لَا زَالَت سحب الْمَغْفِرَة تَشْمَل جدثه وتحويه مصطفى بن مُحَمَّد الشهير بعزمى زَاده قاضى وَأشهر متأخرى الْعلمَاء بالروم وأغزرهم مَادَّة فى الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم وَله التآليف الَّتِى مَلَأت سمع الزَّمَان فائده وَثَبت فِيهِ من صلات نَفعهَا كل عائده مِنْهَا حَاشِيَة على الدُّرَر وَالْغرر فى الْفِقْه وحاشية على ابْن مَالك فى الاصول وَغَيرهمَا وَله الشّعْر النَّضِير فى الْعَرَبيَّة والتركية ومخلصه على دأبهم حالتى ورباعياته مَشْهُورَة مرغوبة وَقد جمعهَا فى سفر مُسْتَقل وهى فى التركية كرباعيات سديد الدّين الانبارى فى الْعَرَبيَّة وَعمر الْخيام فى الفارسية اليها النِّهَايَة فى الْقبُول والتحسين وَعَلَيْهَا الْمعول فى لطف النكات والمضامين وَبِالْجُمْلَةِ فآثاره كلهَا لطيفه وأخباره جَمِيعهَا ظريفه وَقد ذكره ابْن نوعى فَقَالَ فى تَرْجَمته حصل الْفُنُون الرائقه الى أَن أحرز الْمرتبَة اللائقة ثمَّ تحرّك على مُعْتَاد أَرْبَاب الاستعداد فانحاز الى الْمولى شيخ الاسلام سعد الدّين

стр. 1857

ولازم مِنْهُ ثمَّ درس ابْتِدَاء بمدرسة حَاجَة خاتون بِأَرْبَعِينَ عثمانيا ثمَّ ولى مدرسة مُحَمَّد أغا برتبة الْخَارِج فى شهر بيع الْآخِرَة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ثمَّ ولى مدرسة أَيُّوب فى جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث بعد الالف ثمَّ ولى احدى الثمان فى الْمحرم سنة خمس بعد الالف ثمَّ ولى مدرسة السُّلْطَان سليم الْقَدِيم فى شهر ربيع الاول سنة ثَمَان ثمَّ ولى السليمانية فى ذى الْحجَّة من هَذِه السّنة ثمَّ ولى الخفافية فى شعْبَان سنة عشر ثمَّ ولى قَضَاء الشَّام فى رَجَب سنة احدى عشرَة ثمَّ ولى قَضَاء مصر سنة ثَلَاث عشرَة وفى زمن قَضَائِهِ بهَا وَقعت فتْنَة محافظها ابراهيم باشا وَقَتله الْعَسْكَر فعزل لتَقْصِيره فى تلافى الْفِتْنَة ثمَّ ولى قَضَاء بروسه فى شعْبَان سنة خمس عشرَة وفى أَيَّام قَضَائِهِ بهَا تسلط ابْن قلندر الخارجى عَلَيْهَا وحاصرها وَحرق بعض اماكنها فعزل عَنْهَا بعيد ذَلِك ثمَّ ولى قَضَاء ادرنه فى شهر ربيع الآخر سنة عشْرين وَاتفقَ أَنه عزّر قَاضِيا مَجْهُولا فَاجْتمع عَلَيْهِ جمَاعَة أزعجوه بالمكالمة والمخاصمة فَنقل فى شعْبَان من هَذِه السّنة الى قَضَاء دمشق قَالَ الْحسن البوريني فى بعض مجاميعه وَوَقع فى قَضَائِهِ يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشر شعْبَان سنة احدى وَعشْرين وَألف أَن رجلا كَانَ نَصْرَانِيّا قَرْيَة صيدنايا من نواحى دمشق فَأسلم وأتى الى مجْلِس قاضى الْقُضَاة مُسلما من مُدَّة تزيد على عشرَة أَعْوَام وختن ثمَّ أَتَى فى التَّارِيخ الْمَذْكُور الى نَائِب صَاحب التَّرْجَمَة أَولا وَألقى عمَامَته وَصرح على نَفسه بالْكفْر فارسله النَّائِب الى قاضى الْقُضَاة يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة فاستفهم عَن حَاله واستنطقه فَصرحَ بِمَا قَالَه فَقَالَ القاضى لَعَلَّ لَك شُبْهَة دينية أَو ظلامة دنيوية فان رغبت فى المهلة أمهلناك وتوقفنا الى التَّأَمُّل بِمَا فى هُنَاكَ فَأبى الا التعجيب بِرُوحِهِ الى الهاويه وَقَالَ انه لَا يرغب الا فى الْفرْقَة الغاويه وَصرح بِأَنَّهُ فى مُدَّة اتصافه بالاسلام لم يُوصف بِصَلَاة وَلَا زَكَاة وَلَا صِيَام وَكَانَ يُبَادر الى طلب النَّار ويستعجل اللحاق بِأَهْل دَار الْبَوَار فَكتب القاضى مَا يسْتَحقّهُ من الْقَتْل بالتعجيل وَأرْسل الصَّك الى الْحَافِظ الْوَزير الْجَلِيل فَأمْضى فِيهِ السَّيْف الماضى امتثالا لما بِهِ الشَّرْع الشريف قاضى وَذهب شقيا الى نَار الْجَحِيم وَمَا يلقاها الا الَّذين صَبَرُوا وَمَا يلقاها الا ذُو حَظّ عَظِيم وَرَأَيْت بِخَط الاديب عبد الْكَرِيم الطارانى أَنه كَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة ولد اسْمه أَحْمد وَكَانَ فى غَايَة النجابة والحذق والكمال والمعرفة توفى بِدِمَشْق فى لَيْلَة الْجُمُعَة ثانى عشر ذى الْقعدَة سنة احدى وَعشْرين وَقد نظمت الادباء تواريخ كَثِيرَة لوفاته فَمنهمْ الشَّيْخ مُحَمَّد الحتاتى وأبياته

стр. 1858

هى هَذِه (لم يعد مَا فَاتَ يَوْمًا كمد ... والاسى عِنْد الاسى قد يحمد) (كل مَخْلُوق قصاراه الفنا ... انما الباقى الْإِلَه الصَّمد) (رحم الله شَهِيدا عمره ... كَانَ كالاحلام مِنْهُ الامد) (قلت اذ ناداه مَوْلَاهُ الى ... جنَّة فِيهَا نعيم سرمد) (نطق خير هُوَ أم تَارِيخه ... قر فى جنَّات عدن أَحْمد) قلت وَقد مدح فى دمشق بقصائد كَثِيرَة وَكَانَ مُقبلا على الادباء وَمِمَّا أملاه من شعره العربى قَوْله (لله من رشأ كتائب لحظه ... أهل الصبابة غادرت مأسورا) (ولقطعه صلب الْقُلُوب كرخوها ... قد صَار صارم لحظه مكسورا) وَقَوله فى التوسل ايضا مقتبسا (يَا نفس عوذى بالكريم وعرجى ... فَهُوَ الذى يسدى الينا نعْمَته) (وَينزل الْغَيْث الذى يرْوى الربى ... من بعد مَا قَنطُوا وينشر رَحمته) ثمَّ عزل عَن قَضَاء دمشق فى رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَولى بعْدهَا قَضَاء قسطنطينية وَقَضَاء العسكرين وانعقدت عَلَيْهِ وعَلى الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغنى الْمُقدم ذكره صدارة الْعلمَاء بالروم وَكَانَت وِلَادَته لَيْلَة الِاثْنَيْنِ النّصْف من شعْبَان سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى فى حُدُود سنة أَرْبَعِينَ بعد الالف مصطفى بن مُحَمَّد الشهير بحسمى زَاده أحد الموالى الْعِظَام القسطنطينى المولد والمنشا كَانَ فَاضلا كَامِلا بارعا نبيها فَقِيها لَهُ خبْرَة كُلية بالآداب حسن المحاضرة وَالْخطاب أخلاقه جميله ومكارمه جزيله متحليا بالعفاف متخلقا بالحمية والانصاف اشْتغل فى أَوَائِل عمره على عُلَمَاء عصره وجد فى الطّلب وَحَازَ الْفضل والادب ولازم من شيخ الاسلام أسعد بن سعد الدّين ودرس بمدارس قسطنطينية الى أَن انْتهى الى الْمدرسَة السليمانية وَولى مِنْهَا قَضَاء حلب فى سنة ثَلَاث وَخمسين وألفثم ولي قَضَاء دمشق وَقدم إِلَيْهَا فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَكَانَت سيرته بهَا أحسن سيرة لقاض ضد مَا اشْتهر عَنهُ بحلب من الامور الْمُنكرَة وَله الْيَد الْبَيْضَاء فى قمع الظلمَة وَكَانَ فى أَيَّام قَضَائِهِ ورد الْوَزير مرتضى باشا محافظا بِالشَّام وَكَانَ جبارا عاتيا ظَالِما فعارضه فى أُمُور كَثِيرَة وَلم يَدعه يتَجَاوَز فى الظُّلم مِقْدَار المسكنة وَكَانَ لَهُ ولدان

стр. 1859

ختنهما بِدِمَشْق وَجعل وَلِيمَة عَظِيمَة دَعَا فِيهَا الْوَزير الْمَذْكُور وأعيان الْعلمَاء والعسكر واستمرت الْوَلِيمَة سَبْعَة أَيَّام ثمَّ بعد خَمْسَة عشر يَوْمًا تبدل فرحه ترحا فانثلم غربه واصطفاه ربه وَكَانَت وَفَاته فى ثَالِث وعشرى جُمَادَى الاولى سنة تسع وَخمسين وَألف وَقد قَارب سنة الْخمسين وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بالتربة الْمَعْرُوفَة بالقلندرية وَقيل فى تَارِيخ مَوته قَاض فى الْجنَّة مصطفى بن مصطفى الشهير بِابْن بُسْتَان قاضى الْعَسْكَر وَهُوَ أَخُو شيخ الاسلام مُحَمَّد ابْن بُسْتَان الْمُقدم ذكره وَكَانَ من أجلاء الموالى أَصْحَاب الوجاهة والنباهة وَكَانَ فَاضلا صَاحب معرفَة تَامَّة فى الْعَرَبيَّة والمعانى وَالْبَيَان ولى الْقَضَاء بِدِمَشْق ثَلَاث مَرَّات قَالَ النَّجْم فى تَرْجَمته وَكَانَ سمينا أكولا سخيا وَلكنه كَانَ يتَنَاوَل فى قَضَائِهِ قيل انه أول من تظاهر بالرشوة من قُضَاة دمشق الروميين وَولى أدرنه وَمَكَّة وَتزَوج بنت مُرَاد باشا الْوَزير وَولى قَضَاء قسطنطينية ثمَّ قَضَاء الْعَسْكَر باناطولى فى رَابِع عشر ذى الْقعدَة سنة ثَلَاث بعد الالف ثمَّ نقل الى قَضَاء روم ايلى بعد شهر من تَوليته قَضَاء اناطولى وعزل فى خَامِس وعشرى جُمَادَى الاولى سنة أَربع بعد الالف ثمَّ أُعِيد الى روم ايلى فى ثامن عشر شهر رَمَضَان سنة تسع بعد الالف وعزل فى صفر سنة عشر وَألف مصطفى بن مصلح الدّين قاضى الْعَسْكَر المرزيفونى قدم فى أول عمره الى قسطنطينية وانحاز الى الْمولى مُحَمَّد جشمى قاضى الْعَسْكَر ولازم وَصَارَ قَاضِيا بِبَعْض القصبات بِبِلَاد روم أيلى ثمَّ توفّي فِي مخدمه الْمَذْكُور فَتزَوج ابْنَته ثمَّ صَار قَاضِيا بشمله بروم ايلى وساعده الْحَظ بعد ذَلِك فانتسب الى ركاب دَار السُّلْطَان ابراهيم جَعْفَر باشا الذى صَار وزيرا وصهرا للسُّلْطَان فشفع لَهُ بِقَضَاء دمشق فَوجه اليه وعد ذَلِك من أغرب مَا وَقع فى الدولة العثمانية لَان رتبته بعيدَة الْوُصُول الى رُتْبَة الموالى فضلا عَن قَضَاء دمشق الْمَعْدُود عِنْدهم من أعظم المناصب وَلم يبْق أحد من موالى الرّوم مِمَّن رَآهُ أَو اجْتمع بِهِ الا أظهر بِهِ الْعَدَاوَة وقصده بِمَا يؤلمه وهم يَقُولُونَ ان قطاع الطَّرِيق الْعَام أقل وزرا من المتعرض فى هَذَا الطَّرِيق الْخَاص وَقدم الى دمشق فى شَوَّال سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَكَانَ متكلفا فى أدوات الاحتشام والاجلال وتعاطى الاحكام بهمة فى التَّنَاوُل علية وساعده الْوَقْت فَحصل مَالا عَظِيما وهابه أهل دمشق وعسكرها واحترموا ساحته وانقادوا اليه

стр. 1860

وَمن محاسنه أَنه لما رأى خطيب الْجَامِع الاموى يخْطب بعمامة صَغِيرَة نَادَى الْخَطِيب مُحَمَّد المحاسنى وَألبسهُ الْعِمَامَة الَّتِى تعرف بالمكور وَأمره ان لَا يخْطب بعد ذَلِك الا بهَا فاستمر يخْطب بهَا الى أَن مَاتَ وَتَبعهُ المرحوم أَخُوهُ الشَّيْخ اسماعيل وبالحرى ان يكون هَذَا المعبد الْكَبِير متميزا عَن غَيره بخصوصية ثمَّ عزل عَن قَضَاء دمشق وَبعد وُصُوله سعى فى قَضَاء قسطنطينية فناله وَبنى دَارا عَظِيمَة بِالْقربِ من جَامع مُحَمَّد أغا ثمَّ اجْتهد فى تَحْصِيل قَضَاء روم ايلى وَصرف على ذَلِك شَيْئا كثيرا من الْهَدَايَا وَالْمَال وسما سموا عَظِيما ثمَّ لما قَامَ الْعَسْكَر على السُّلْطَان ابراهيم واجتمعوا فى جَامع السُّلْطَان أَحْمد وَحَضَرت الْعلمَاء والصدور عزم على الْحُضُور مَعَهم فنصحه بعض خَواص أحبابه فَلم ينتصح فى عدم الْحُضُور وَسَار فَلَمَّا أقبل على الْجمع غمز عَلَيْهِ بعض الموالى الْعَسْكَر فتعرضوا لَهُ ثمَّ كثر عَلَيْهِ الْحَط فَقَتَلُوهُ فى بَاب الْجَامِع بمعاينة الصُّدُور والاعيان وَكَانَ قَتله فى ثامن عشر رَجَب سنة ثَمَان وَخمسين وَألف والمرزيفونى بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَكسر الزاى بعْدهَا مثناة تحتية ثمَّ فَاء فواو نِسْبَة الى بلبدة مَعْرُوفَة بِبِلَاد أَنا طولى وَالله تَعَالَى أعلم مصطفى الْمَعْرُوف بكوجك مصطفى أحد الموالى الرومية ولى قَضَاء الشَّام فى سنة احدى بعد الالف قَالَ النَّجْم وسلك فى قَضَائِهِ مسلكا حسنا وَكَانَ يتحَرَّى فى أَحْكَامه ويحررها خُصُوصا فِيمَا يتَعَلَّق بالجند ومداينتهم وَكَانَ يحط على المرابين وَدخل عَلَيْهِ خصمان أَحدهمَا جندى فحرر عَلَيْهِ وَلم يسع الجندى الا التّرْك لرباه وَلما فَاتَهُ مَا يحصل لَهُ رباه أنكر رهنا كَانَ عِنْده للمديون فَقَالَ للرَّاهِن أقِم عَلَيْهِ الْبَيِّنَة فَقَالَ انه لَا يتجرأ أحد على الشَّهَادَة عَلَيْهِ فَقَالَ للجندى ادن منى فَدَنَا مِنْهُ فَأخذ خَاتمه مِنْهُ وَأَعْطَاهُ للمعين عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ خُذ هَذَا الْخَاتم واذهب الى بَيت هَذَا الرجل وَقل لَهُم أعطونى الرَّهْن الَّذِي صفته كَذَا وَكَذَا وخذوا هَذَا الْخَاتم أَمارَة فَذهب وَجَاء بِالرَّهْنِ كَمَا وَصفه الرَّاهِن فاعترف بِهِ وَكَانَ لَهُ من قبيل هَذِه الفراسة أَشْيَاء كَثِيرَة فتهارع النَّاس اليه فى طلب الْحُقُوق وَكَانَ اذا مر فى أسواق دمشق عا لَهُ أَهلهَا ثمَّ أعْطى فى السّنة الْمَذْكُورَة قَضَاء مَكَّة وسافر اليها فى تِلْكَ السّنة ثمَّ قَالَ وأحسب أَنه مَاتَ قبل الْعشْرَة وَألف وَالله أعلم مصطفى أَبُو الميامن شيخ الاسلام ومفتى التخت العثمانى كَانَ من كبار الْعلمَاء أَصْحَاب الِاطِّلَاع فَقِيها متبحرا وافر الْحُرْمَة مُعظما عِنْد الدولة ولى قَضَاء
следующие страницы →