Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
تربى فى حجر الْعِزَّة متفيئا ظلال الْوَالِد مَبْسُوطا عَلَيْهِ مِنْهُ جنَاح الرأفة رافلا فى حلل حماية الاب الشفيق مسديا اليه لطفه وَعطفه وَلَا بدع فانه آخر أَوْلَاده وَلم يبْق من كأس الْعُمر الاجرعه ويسير بريد الْمنية اليه فى غَايَة السرعه وَلما بلغت أَبْيَات قصيدة سنه النّصاب وَأَقْبَلت عَلَيْهِ من كَتِيبَة الْعُمر طَلِيعَة الشَّبَاب خلع عَلَيْهِ أَبوهُ حلَّة الاعاده باسطا أَجْنِحَة الافاضة والافاده وَأكْرم وَزِير تِلْكَ الدولة وَالِده فتحلى من جمان الْمدَارِس الثمان بواحده فَلَمَّا آذن قمر حَيَاة أَبِيه بالسرار وَبلغ طواف أَيَّام عمره الاعتمار رَفَعُوهُ مِنْهَا لَا الى منصب وَكَانَ السَّبَب فى ذَلِك حقد المتعصب فنسخت بِحَدِيث الْعَزْل آيَات عزته وقص بمقراض الرّفْع جنَاح رفعته ثمَّ رَجَعَ الى احدى الثمان بِزِيَادَة الْعشْر على مهرهَا وتكفل بِمَا يجب عَلَيْهِ من مُحَافظَة أمرهَا ثمَّ نقل مِنْهَا الى الْمدرسَة السليمية بأدرنه المحميه ثمَّ توجه مِنْهَا الى سلانيك حَاكما مُتَقَلِّدًا من الْقَضَاء صَارِمًا ثمَّ عزل وَلم تزل تواصله عرائس المناصب مرّة وتفارقه أُخْرَى الى ان فَازَ بِقَضَاء العسكرين وَكَانَ أَحَق بهما وَأولى وَأَحْرَى ثمَّ عزل فَنَاوَلَهُ فى نوبَته ساقى حمام منيته وَكَانَ يسير سير الْمُلُوك ويتقلد من الترفه بأزهى سلوك فى عَيْش رائغ وشراب سَائِغ وَله احاطة بالفروع الْفِقْهِيَّة والمام بالعلوم الْعَقْلِيَّة والنقليه وَكَانَت وَفَاته فى حُدُود سنة سبع بعد الالف وَدفن بمشهد قريب من تربة أَبى أَيُّوب الانصارى بجوار أَبِيه النبيه لَا زَالَت سحب الْمَغْفِرَة تَشْمَل جدثه وتحويه
مصطفى بن مُحَمَّد الشهير بعزمى زَاده قاضى وَأشهر متأخرى الْعلمَاء بالروم وأغزرهم مَادَّة فى الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم وَله التآليف الَّتِى مَلَأت سمع الزَّمَان فائده وَثَبت فِيهِ من صلات نَفعهَا كل عائده مِنْهَا حَاشِيَة على الدُّرَر وَالْغرر فى الْفِقْه وحاشية على ابْن مَالك فى الاصول وَغَيرهمَا وَله الشّعْر النَّضِير فى الْعَرَبيَّة والتركية ومخلصه على دأبهم حالتى ورباعياته مَشْهُورَة مرغوبة وَقد جمعهَا فى سفر مُسْتَقل وهى فى التركية كرباعيات سديد الدّين الانبارى فى الْعَرَبيَّة وَعمر الْخيام فى الفارسية اليها النِّهَايَة فى الْقبُول والتحسين وَعَلَيْهَا الْمعول فى لطف النكات والمضامين وَبِالْجُمْلَةِ فآثاره كلهَا لطيفه وأخباره جَمِيعهَا ظريفه وَقد ذكره ابْن نوعى فَقَالَ فى تَرْجَمته حصل الْفُنُون الرائقه الى أَن أحرز الْمرتبَة اللائقة ثمَّ تحرّك على مُعْتَاد أَرْبَاب الاستعداد فانحاز الى الْمولى شيخ الاسلام سعد الدّين
стр. 1857
ولازم مِنْهُ ثمَّ درس ابْتِدَاء بمدرسة حَاجَة خاتون بِأَرْبَعِينَ عثمانيا ثمَّ ولى مدرسة مُحَمَّد أغا برتبة الْخَارِج فى شهر بيع الْآخِرَة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ثمَّ ولى مدرسة أَيُّوب فى جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث بعد الالف ثمَّ ولى احدى الثمان فى الْمحرم سنة خمس بعد الالف ثمَّ ولى مدرسة السُّلْطَان سليم الْقَدِيم فى شهر ربيع الاول سنة ثَمَان ثمَّ ولى السليمانية فى ذى الْحجَّة من هَذِه السّنة ثمَّ ولى الخفافية فى شعْبَان سنة عشر ثمَّ ولى قَضَاء الشَّام فى رَجَب سنة احدى عشرَة ثمَّ ولى قَضَاء مصر سنة ثَلَاث عشرَة وفى زمن قَضَائِهِ بهَا وَقعت فتْنَة محافظها ابراهيم باشا وَقَتله الْعَسْكَر فعزل لتَقْصِيره فى تلافى الْفِتْنَة ثمَّ ولى قَضَاء بروسه فى شعْبَان سنة خمس عشرَة وفى أَيَّام قَضَائِهِ بهَا تسلط ابْن قلندر الخارجى عَلَيْهَا وحاصرها وَحرق بعض اماكنها فعزل عَنْهَا بعيد ذَلِك ثمَّ ولى قَضَاء ادرنه فى شهر ربيع الآخر سنة عشْرين وَاتفقَ أَنه عزّر قَاضِيا مَجْهُولا فَاجْتمع عَلَيْهِ جمَاعَة أزعجوه بالمكالمة والمخاصمة فَنقل فى شعْبَان من هَذِه السّنة الى قَضَاء دمشق قَالَ الْحسن البوريني فى بعض مجاميعه وَوَقع فى قَضَائِهِ يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشر شعْبَان سنة احدى وَعشْرين وَألف أَن رجلا كَانَ نَصْرَانِيّا قَرْيَة صيدنايا من نواحى دمشق فَأسلم وأتى الى مجْلِس قاضى الْقُضَاة مُسلما من مُدَّة تزيد على عشرَة أَعْوَام وختن ثمَّ أَتَى فى التَّارِيخ الْمَذْكُور الى نَائِب صَاحب التَّرْجَمَة أَولا وَألقى عمَامَته وَصرح على نَفسه بالْكفْر فارسله النَّائِب الى قاضى الْقُضَاة يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة فاستفهم عَن حَاله واستنطقه فَصرحَ بِمَا قَالَه فَقَالَ القاضى لَعَلَّ لَك شُبْهَة دينية أَو ظلامة دنيوية فان رغبت فى المهلة أمهلناك وتوقفنا الى التَّأَمُّل بِمَا فى هُنَاكَ فَأبى الا التعجيب بِرُوحِهِ الى الهاويه وَقَالَ انه لَا يرغب الا فى الْفرْقَة الغاويه وَصرح بِأَنَّهُ فى مُدَّة اتصافه بالاسلام لم يُوصف بِصَلَاة وَلَا زَكَاة وَلَا صِيَام وَكَانَ يُبَادر الى طلب النَّار ويستعجل اللحاق بِأَهْل دَار الْبَوَار فَكتب القاضى مَا يسْتَحقّهُ من الْقَتْل بالتعجيل وَأرْسل الصَّك الى الْحَافِظ الْوَزير الْجَلِيل فَأمْضى فِيهِ السَّيْف الماضى امتثالا لما بِهِ الشَّرْع الشريف قاضى وَذهب شقيا الى نَار الْجَحِيم وَمَا يلقاها الا الَّذين صَبَرُوا وَمَا يلقاها الا ذُو حَظّ عَظِيم وَرَأَيْت بِخَط الاديب عبد الْكَرِيم الطارانى أَنه كَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة ولد اسْمه أَحْمد وَكَانَ فى غَايَة النجابة والحذق والكمال والمعرفة توفى بِدِمَشْق فى لَيْلَة الْجُمُعَة ثانى عشر ذى الْقعدَة سنة احدى وَعشْرين وَقد نظمت الادباء تواريخ كَثِيرَة لوفاته فَمنهمْ الشَّيْخ مُحَمَّد الحتاتى وأبياته
стр. 1858
هى هَذِه
(لم يعد مَا فَاتَ يَوْمًا كمد ... والاسى عِنْد الاسى قد يحمد)
(كل مَخْلُوق قصاراه الفنا ... انما الباقى الْإِلَه الصَّمد)
(رحم الله شَهِيدا عمره ... كَانَ كالاحلام مِنْهُ الامد)
(قلت اذ ناداه مَوْلَاهُ الى ... جنَّة فِيهَا نعيم سرمد)
(نطق خير هُوَ أم تَارِيخه ... قر فى جنَّات عدن أَحْمد)
قلت وَقد مدح فى دمشق بقصائد كَثِيرَة وَكَانَ مُقبلا على الادباء وَمِمَّا أملاه من شعره العربى قَوْله
(لله من رشأ كتائب لحظه ... أهل الصبابة غادرت مأسورا)
(ولقطعه صلب الْقُلُوب كرخوها ... قد صَار صارم لحظه مكسورا)
وَقَوله فى التوسل ايضا مقتبسا
(يَا نفس عوذى بالكريم وعرجى ... فَهُوَ الذى يسدى الينا نعْمَته)
(وَينزل الْغَيْث الذى يرْوى الربى ... من بعد مَا قَنطُوا وينشر رَحمته)
ثمَّ عزل عَن قَضَاء دمشق فى رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَولى بعْدهَا قَضَاء قسطنطينية وَقَضَاء العسكرين وانعقدت عَلَيْهِ وعَلى الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغنى الْمُقدم ذكره صدارة الْعلمَاء بالروم وَكَانَت وِلَادَته لَيْلَة الِاثْنَيْنِ النّصْف من شعْبَان سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى فى حُدُود سنة أَرْبَعِينَ بعد الالف
مصطفى بن مُحَمَّد الشهير بحسمى زَاده أحد الموالى الْعِظَام القسطنطينى المولد والمنشا كَانَ فَاضلا كَامِلا بارعا نبيها فَقِيها لَهُ خبْرَة كُلية بالآداب حسن المحاضرة وَالْخطاب أخلاقه جميله ومكارمه جزيله متحليا بالعفاف متخلقا بالحمية والانصاف اشْتغل فى أَوَائِل عمره على عُلَمَاء عصره وجد فى الطّلب وَحَازَ الْفضل والادب ولازم من شيخ الاسلام أسعد بن سعد الدّين ودرس بمدارس قسطنطينية الى أَن انْتهى الى الْمدرسَة السليمانية وَولى مِنْهَا قَضَاء حلب فى سنة ثَلَاث وَخمسين وألفثم ولي قَضَاء دمشق وَقدم إِلَيْهَا فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَكَانَت سيرته بهَا أحسن سيرة لقاض ضد مَا اشْتهر عَنهُ بحلب من الامور الْمُنكرَة وَله الْيَد الْبَيْضَاء فى قمع الظلمَة وَكَانَ فى أَيَّام قَضَائِهِ ورد الْوَزير مرتضى باشا محافظا بِالشَّام وَكَانَ جبارا عاتيا ظَالِما فعارضه فى أُمُور كَثِيرَة وَلم يَدعه يتَجَاوَز فى الظُّلم مِقْدَار المسكنة وَكَانَ لَهُ ولدان
стр. 1859
ختنهما بِدِمَشْق وَجعل وَلِيمَة عَظِيمَة دَعَا فِيهَا الْوَزير الْمَذْكُور وأعيان الْعلمَاء والعسكر واستمرت الْوَلِيمَة سَبْعَة أَيَّام ثمَّ بعد خَمْسَة عشر يَوْمًا تبدل فرحه ترحا فانثلم غربه واصطفاه ربه وَكَانَت وَفَاته فى ثَالِث وعشرى جُمَادَى الاولى سنة تسع وَخمسين وَألف وَقد قَارب سنة الْخمسين وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بالتربة الْمَعْرُوفَة بالقلندرية وَقيل فى تَارِيخ مَوته قَاض فى الْجنَّة
مصطفى بن مصطفى الشهير بِابْن بُسْتَان قاضى الْعَسْكَر وَهُوَ أَخُو شيخ الاسلام مُحَمَّد ابْن بُسْتَان الْمُقدم ذكره وَكَانَ من أجلاء الموالى أَصْحَاب الوجاهة والنباهة وَكَانَ فَاضلا صَاحب معرفَة تَامَّة فى الْعَرَبيَّة والمعانى وَالْبَيَان ولى الْقَضَاء بِدِمَشْق ثَلَاث مَرَّات قَالَ النَّجْم فى تَرْجَمته وَكَانَ سمينا أكولا سخيا وَلكنه كَانَ يتَنَاوَل فى قَضَائِهِ قيل انه أول من تظاهر بالرشوة من قُضَاة دمشق الروميين وَولى أدرنه وَمَكَّة وَتزَوج بنت مُرَاد باشا الْوَزير وَولى قَضَاء قسطنطينية ثمَّ قَضَاء الْعَسْكَر باناطولى فى رَابِع عشر ذى الْقعدَة سنة ثَلَاث بعد الالف ثمَّ نقل الى قَضَاء روم ايلى بعد شهر من تَوليته قَضَاء اناطولى وعزل فى خَامِس وعشرى جُمَادَى الاولى سنة أَربع بعد الالف ثمَّ أُعِيد الى روم ايلى فى ثامن عشر شهر رَمَضَان سنة تسع بعد الالف وعزل فى صفر سنة عشر وَألف
مصطفى بن مصلح الدّين قاضى الْعَسْكَر المرزيفونى قدم فى أول عمره الى قسطنطينية وانحاز الى الْمولى مُحَمَّد جشمى قاضى الْعَسْكَر ولازم وَصَارَ قَاضِيا بِبَعْض القصبات بِبِلَاد روم أيلى ثمَّ توفّي فِي مخدمه الْمَذْكُور فَتزَوج ابْنَته ثمَّ صَار قَاضِيا بشمله بروم ايلى وساعده الْحَظ بعد ذَلِك فانتسب الى ركاب دَار السُّلْطَان ابراهيم جَعْفَر باشا الذى صَار وزيرا وصهرا للسُّلْطَان فشفع لَهُ بِقَضَاء دمشق فَوجه اليه وعد ذَلِك من أغرب مَا وَقع فى الدولة العثمانية لَان رتبته بعيدَة الْوُصُول الى رُتْبَة الموالى فضلا عَن قَضَاء دمشق الْمَعْدُود عِنْدهم من أعظم المناصب وَلم يبْق أحد من موالى الرّوم مِمَّن رَآهُ أَو اجْتمع بِهِ الا أظهر بِهِ الْعَدَاوَة وقصده بِمَا يؤلمه وهم يَقُولُونَ ان قطاع الطَّرِيق الْعَام أقل وزرا من المتعرض فى هَذَا الطَّرِيق الْخَاص وَقدم الى دمشق فى شَوَّال سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَكَانَ متكلفا فى أدوات الاحتشام والاجلال وتعاطى الاحكام بهمة فى التَّنَاوُل علية وساعده الْوَقْت فَحصل مَالا عَظِيما وهابه أهل دمشق وعسكرها واحترموا ساحته وانقادوا اليه
стр. 1860
وَمن محاسنه أَنه لما رأى خطيب الْجَامِع الاموى يخْطب بعمامة صَغِيرَة نَادَى الْخَطِيب مُحَمَّد المحاسنى وَألبسهُ الْعِمَامَة الَّتِى تعرف بالمكور وَأمره ان لَا يخْطب بعد ذَلِك الا بهَا فاستمر يخْطب بهَا الى أَن مَاتَ وَتَبعهُ المرحوم أَخُوهُ الشَّيْخ اسماعيل وبالحرى ان يكون هَذَا المعبد الْكَبِير متميزا عَن غَيره بخصوصية ثمَّ عزل عَن قَضَاء دمشق وَبعد وُصُوله سعى فى قَضَاء قسطنطينية فناله وَبنى دَارا عَظِيمَة بِالْقربِ من جَامع مُحَمَّد أغا ثمَّ اجْتهد فى تَحْصِيل قَضَاء روم ايلى وَصرف على ذَلِك شَيْئا كثيرا من الْهَدَايَا وَالْمَال وسما سموا عَظِيما ثمَّ لما قَامَ الْعَسْكَر على السُّلْطَان ابراهيم واجتمعوا فى جَامع السُّلْطَان أَحْمد وَحَضَرت الْعلمَاء والصدور عزم على الْحُضُور مَعَهم فنصحه بعض خَواص أحبابه فَلم ينتصح فى عدم الْحُضُور وَسَار فَلَمَّا أقبل على الْجمع غمز عَلَيْهِ بعض الموالى الْعَسْكَر فتعرضوا لَهُ ثمَّ كثر عَلَيْهِ الْحَط فَقَتَلُوهُ فى بَاب الْجَامِع بمعاينة الصُّدُور والاعيان وَكَانَ قَتله فى ثامن عشر رَجَب سنة ثَمَان وَخمسين وَألف والمرزيفونى بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَكسر الزاى بعْدهَا مثناة تحتية ثمَّ فَاء فواو نِسْبَة الى بلبدة مَعْرُوفَة بِبِلَاد أَنا طولى وَالله تَعَالَى أعلم
مصطفى الْمَعْرُوف بكوجك مصطفى أحد الموالى الرومية ولى قَضَاء الشَّام فى سنة احدى بعد الالف قَالَ النَّجْم وسلك فى قَضَائِهِ مسلكا حسنا وَكَانَ يتحَرَّى فى أَحْكَامه ويحررها خُصُوصا فِيمَا يتَعَلَّق بالجند ومداينتهم وَكَانَ يحط على المرابين وَدخل عَلَيْهِ خصمان أَحدهمَا جندى فحرر عَلَيْهِ وَلم يسع الجندى الا التّرْك لرباه وَلما فَاتَهُ مَا يحصل لَهُ رباه أنكر رهنا كَانَ عِنْده للمديون فَقَالَ للرَّاهِن أقِم عَلَيْهِ الْبَيِّنَة فَقَالَ انه لَا يتجرأ أحد على الشَّهَادَة عَلَيْهِ فَقَالَ للجندى ادن منى فَدَنَا مِنْهُ فَأخذ خَاتمه مِنْهُ وَأَعْطَاهُ للمعين عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ خُذ هَذَا الْخَاتم واذهب الى بَيت هَذَا الرجل وَقل لَهُم أعطونى الرَّهْن الَّذِي صفته كَذَا وَكَذَا وخذوا هَذَا الْخَاتم أَمارَة فَذهب وَجَاء بِالرَّهْنِ كَمَا وَصفه الرَّاهِن فاعترف بِهِ وَكَانَ لَهُ من قبيل هَذِه الفراسة أَشْيَاء كَثِيرَة فتهارع النَّاس اليه فى طلب الْحُقُوق وَكَانَ اذا مر فى أسواق دمشق عا لَهُ أَهلهَا ثمَّ أعْطى فى السّنة الْمَذْكُورَة قَضَاء مَكَّة وسافر اليها فى تِلْكَ السّنة ثمَّ قَالَ وأحسب أَنه مَاتَ قبل الْعشْرَة وَألف وَالله أعلم
مصطفى أَبُو الميامن شيخ الاسلام ومفتى التخت العثمانى كَانَ من كبار الْعلمَاء أَصْحَاب الِاطِّلَاع فَقِيها متبحرا وافر الْحُرْمَة مُعظما عِنْد الدولة ولى قَضَاء
стр. 1861
قسطنطينية ثمَّ نقل الى قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولى فى ثانى وعشرى رَجَب سنة احدى عشرَة بعد الالف ثمَّ نقل الى مشيخة الاسلام بعد شهر وَيَوْم من تَوليته قَضَاء الْعَسْكَر بِأَنا طولى وفى زمن فتواه توفى السُّلْطَان مُحَمَّد وتسلطن السُّلْطَان أَحْمد ثمَّ عزل فى الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وأعيد فى شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرَة وَتوفى فى رَجَب من هَذِه السّنة وَهُوَ مفت رَحمَه الله تَعَالَى
مصطفى الْمَعْرُوف بِابْن العلبى الحلبى مفتى الْحَنَفِيَّة بحلب ورئيسها السامى المكانة نبع من بَين قومه متفردا بشعار الْعلمَاء فان أَهله كلهم تجار غير أَن لَهُم رياسة قديمَة فى التِّجَارَة والتمول وَكَانَ سَافر الى الرّوم وانحاز الى شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا ولازم مِنْهُ وتقرب اليه كل التَّقَرُّب وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو الْيمن مفتى حلب لما قَارب الْوَفَاة فرغ لِابْنِهِ ابراهيم الْمُقدم ذكره عَن الْفَتْوَى فَلَمَّا أرسل عرضه الى دَار السلطنة كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة بهَا وَكَانَ يتطلب من شيخ الاسلام أمورا يستصعبها فَوجدَ الْفَتْوَى أسهل وأنفع لَهُ فوجهها اليه مَعَ الْمدرسَة الخسروية وَلم يعْتَبر عرض القاضى ثمَّ قدم الى حلب مفتيا وَرَأس بهَا وعلت حرمته ثمَّ لما جَاءَ السُّلْطَان مُرَاد الى حلب وفى صحبته شيخ الاسلام الْمَذْكُور أَرَادَ الشَّيْخ ابراهيم الشكاية الى السُّلْطَان بِاعْتِبَار انه أعلم من صَاحب التَّرْجَمَة فَوجدَ لشيخ الاسلام الْيَد الطُّولى عِنْد السُّلْطَان فَعرض الامر عَلَيْهِ فزجره زجرا عنيفا ثمَّ قَالَ لَهُ مهما أردْت من المناصب أسعى لَك فِيهِ الا الْفَتْوَى فَلم يقبل شَيْئا حنقا ثمَّ أضَاف شيخ الاسلام لِابْنِ العلبى صَاحب التَّرْجَمَة قَضَاء ادلب الصُّغْرَى وَلم ينل هَذِه الرُّتْبَة من تقدمه من مفتية حلب خُصُوصا وَلَا الاخوة الثَّلَاث أَبُو الْجُود وَمُحَمّد وَأَبُو الْيمن مَعَ اتساع علومهم ورفعة مقامهم وَابْن العلبى هَذَا بِالنِّسْبَةِ اليهم فى الْفضل بِمَثَابَة تلميذ لَهُم بل وَلَا تتأتى لَهُ هَذِه المثابة فانه كَانَ مَشْهُورا بِالْجَهْلِ وَكَانَ فى أَمر الْفَتَاوَى انما هُوَ صُورَة ممثلة والذى ينظر أمرهَا رجل كَانَ يكْتب لَهُ الاسئلة يعرف بِابْن ندى وَمن غَرِيب مَا وَقع لصَاحب التَّرْجَمَة أَنه حضر يَوْمًا الْجَامِع فاحضرت جَنَازَة فَقدم للصَّلَاة عَلَيْهَا اماما فَكبر خمْسا فَقَالَ فِيهِ السَّيِّد احْمَد بن النَّقِيب هَذِه
(ومذ مصطفى صلى صَلَاة جَنَازَة ... وَكبر خمْسا أعلن النَّاس لَعنه)
(فَقلت اعذر ومانه قلد الندى ... وَمن قبل فى الْفَتْوَى لقد قاد ابْنه)
يُشِير الى قَول أَبى تَمام فى قصيدته الَّتِى رثى بهَا ادريس بن بدر ومطلعها
стр. 1862
(دموع أجابت داعى الْحزن همع ... توصل منا عَن قُلُوب تقطع)
الى أَن قَالَ
(وَلم أنس سعى الْجُود خلف سَرِيره ... باكسف بَال يَسْتَقِيم ويطلع)
(وتكبيره خمْسا عَلَيْهِ معالنا ... وان كَانَ تَكْبِير الْمُصَلِّين أَربع)
(وَمَا كنت أدرى يعلم الله قبلهَا ... بِأَن الندى فى أَهله يتشيع)
وَقَوله وَمن قبل فى الْفَتْوَى الخ اشارة الى كَاتب أسئلته الذى ذَكرْنَاهُ على طَرِيق الِاسْتِخْدَام وَهَذَا الْمَقْطُوع من سحر الْكَلَام
مصطفى باشا الشهير بابشير الْوَزير الاعظم أَو حد الوزراء الْمَشْهُورين بالجلالة والرأى الصائب وَحسن السياسة ولى الشَّام فى سنة سِتِّينَ وَألف وألجئ فى حكومته الى غَزْو بِلَاد الدروز فَخرج من دمشق فى جمع عَظِيم وَبلغ الامير ملحم بن يُونُس الْمَعْنى خبر خُرُوجه بقصدهم فَجمع جمعا كثيفا من الدروز وعزم على الْمُقَابلَة وَوَقعت الْمُحَاربَة بَين الْفَرِيقَيْنِ فى وادى قرنانا فَكَانَ عَسْكَر الْوَزير فى أَسْفَل الوادى لكَوْنهم ركبانا وَجَمَاعَة الدروز من أَعلَى الوادى فخلص بعد صعوبة وَذهب لَهُ ولعسكره شئ كثير من الْخَيل وَالسِّلَاح وَالْعدَد ثمَّ عزل عَن مُحَافظَة دمشق وَأعْطى كَفَالَة حلب وَله بهَا الْخيرَات الْعَظِيمَة من الْجَامِع والخان والحوانيت وَغَيرهَا مِمَّا جعله وَقفا على الْجَامِع وعَلى صرة لأهالي مَكَّة تحمل اليهم كل سنة وَشرط توزيعها لمن يكون قَاضِيا بِمَكَّة ثمَّ جَاءَهُ ختم الوزارة الْعُظْمَى وَهُوَ بحلب سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَقيل فى تَارِيخه وَزِير الْخَيْر وَلم تطل مدَّته فى الوزارة وَقَامَ الْعَسْكَر عَلَيْهِ وقتلوه وَكَانَ قَتله فى أَوَائِل سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف
مصطفى الشهير بضحكى قاضى الْعَسْكَر وفقيه الرّوم كَانَ أعجوبة الزَّمَان فى الْفضل وَكَثْرَة الِاطِّلَاع على الْمسَائِل وَله تآليف فى الْفِقْه ولى قَضَاء قسطنطينية مَرَّات ثمَّ ولى قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلى فى سنة احدى وَثَمَانِينَ وَألف وَكَانَ مُعْتَبرا مراعيا لمراسم الطَّرِيق مُرَاعَاة بَالِغَة بِحَيْثُ تخرج بِهِ مراعاته فى بعض الاحيان الى الْهزْل والعبث وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من الْعلمَاء الصُّدُور وَكَانَت وَفَاته فى سنة تسعين بعد الالف بقسطنطينية
مصطفى سبط الشَّيْخ القطب مَحْمُود الاسكدارى قاضى الْقُضَاة السَّيِّد الاجل كَانَ من لطفاء الموالى ذاتا وطبعا لطيف الْعشْرَة متوددا خلوقا ولى مناصب
стр. 1863
عديدة مِنْهَا ديار بكر وَالْمَدينَة ثمَّ ولى قَضَاء دمشق فى شهر ربيع الاول سنة خمس وَتِسْعين وَألف وَقدم اليها وَكَانَت سيرته بهَا حَسَنَة وَتوفى بهَا وَكَانَت وَفَاته فى ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن بِالْقربِ من بِلَال الحبشى
مصطفى باشا المرزيفونى الْوَزير الاعظم فى عهد السُّلْطَان مُحَمَّد بن ابراهيم وَهُوَ الشهير بقره مصطفى باشا وبالمقتول كَانَ من أمره انه خدم مُحَمَّد باشا الْوَزير الاعظم الشهير بِالْكبرِ يلى الْمُقدم ذكره فَنَهَضَ بِهِ الْحَظ على يَدَيْهِ فولاه نِيَابَة ديار بكر ثمَّ جعله حَاكم الْبَحْر وَمَا زَالَ فى عزة تتزايد وسعادة تتصاعد الى أَن مَاتَ أستاذه الْمَذْكُور وَولى ابْنه أَحْمد باشا الْفَاضِل الوزارة الْعُظْمَى فَعَزله عَن حُكُومَة الْبَحْر وَرَأى أَن قربه الى الدولة أجدى لَهُ لما يعرف من رابطته المحكمة فصرف جهده فى المغالاة بِحقِّهِ والالتفات اليه وَكَانَ هُوَ لَا يهمه الا مُرَاعَاة جَانب مخدومه الْمَذْكُور وَلَا يعرف الا رِعَايَة حُقُوقه وَلما توجه الْفَاضِل الى جَزِيرَة كريد صيره قَائِما مقَامه وَأَقْبَلت الدولة عَلَيْهِ اقبالا لَيْسَ وَرَاءه لَاحَدَّ مطمع وسافر فى خدمَة السُّلْطَان الى سلانيك ويكى شهر واتسعت دَائِرَة جاهه وأنيطت بِرَأْيهِ الامور وَكَانَ أولى النَّاس بنيل مَا يأمله من ينتمى اليه ويعول فى أمره عَلَيْهِ وَكَثُرت فى ذَلِك الابان حفدته وحواشيه وتملك الاملاك الْكَثِيرَة ثمَّ قدم الْوَزير الْفَاضِل من كريد الى دَار السلطنة أدرنه بعد أَن فتح قلعة قندية فبقى فى تِلْكَ الْجَلالَة مستشار الدولة زَائِد العنوان والصوله وَلما دخلت أدرنه فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ والدولة اد ذَاك فى بلهنتيها وَقد استوفت الْكَمَال من عزتها وحرمتها رَأَيْته قد استوعب أدوات الرفعه وَتصرف فى السلطنة تصرف الرخ فى الرقعه وَصيته قد مَلأ الْبِلَاد وعرها وسهلها وَملك جلّ أمورها وَكَانَ أَحَق بهَا وَأَهْلهَا ثمَّ مَاتَ الْوَزير الْفَاضِل فسعت اليه الصدارة وَلم يسع لَهَا فَقَامَ بأعبائها وتصلب فى حمل اثقالها وَتمكن مِنْهَا تمَكنا عَظِيما ونال من اقبالها حظا جسيما وَكَانَ فى حَقِيقَة أمره مُدبرا حازما عَاقِلا متمولا وجيها وَله محبَّة فى الْعلمَاء والفضلاء يحب المذاكرة العلمية ويرغب فى الْفَائِدَة وَرُبمَا اشْتغل وذاكر فى صنوف من الْفُنُون وَكَانَ ملتفتا لأحوال النَّاس فِيمَا ينظم أَمرهم الا أَنه كَانَ شَدِيد الطمع فى جمع المَال وَعِنْده عجب وخيلاء ونفسانية وتملك دَارا بِالْقربِ من جَامع السليمانية وعمرها وأتقنها فاحترقت فى أسْرع مُدَّة فَأَعَادَهَا أحسن مِمَّا كَانَت عَلَيْهِ وسافر سفرة جهرين بِأَمْر مخدومه السُّلْطَان مُحَمَّد بجيوش عَظِيمَة وافتتحها واحتوى على
стр. 1864
الملحة الَّتِى بِالْقربِ مِنْهَا وَهَذِه المملحة كَمَا نَقله الثِّقَات من أعظم مجالب النَّفْع لبيت المَال حَتَّى انهم يبالغون فِيمَا يدْخل مِنْهَا حد الْمُبَالغَة وَسبب ذَلِك أَن بِلَاد النَّصَارَى المعروفين بالمستو والقزق محتاجون اليها وَلَيْسَ فى بِلَادهمْ مملحة غَيرهَا وَلما فتحت هَذِه القلعة سر النَّاس سُرُورًا عَظِيما لَان فتحهَا كَانَ فى غَايَة الصعوبة وَكَانَ كثير من نَصَارَى الرّوم مِمَّن رَأَيْتهمْ يَزْعمُونَ اسْتِحَالَة فتحهَا ويهزؤن بالوزير صَاحب التَّرْجَمَة فى قَصدهَا وشاع عَنْهُم أَخْبَار فى انكسار عَسْكَر الْمُسلمين وهزيمتهم وَكَانُوا يظهرون الشماتة وَسبب ذَلِك مَا يعرفونه من أَنَّهَا تَابِعَة لملك المسقو وَهَذَا الْملك هُوَ أَكثر مُلُوك النَّصَارَى جيوشا وأكبرهم ملكا قيل ان مَمْلَكَته مَسَافَة سنة طولا وَمثلهَا عرضا وفى طَرِيق هَذِه القلعة من جَانب قسطنطينية صحراء وارات وهى أَرض مُجْدِبَة قَليلَة الْخَيْر لَيْسَ بهَا بِلَاد ومسافتها بعيدَة وَبِالْجُمْلَةِ فان فتح هَذِه القلعة كَانَ من أعظم الفتوحات وزينت دَار الْخلَافَة ثَلَاثَة أَيَّام وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد اذ ذَاك ببلدة سلستره بروم ايلى فَكتب الى قَائِم مقَام الْوَزير بقسطنطينية عبدى باشا النيشانى أَنه يُرِيد الْقدوم الى دَار المملكة وانه لم يتَّفق لَهُ رُؤْيَة زِينَة بهَا مُدَّة عمره وَأمره بالنداء لتهيئة زِينَة أُخْرَى اذا قدم فَوَقع النداء قبل قدوم السُّلْطَان بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وتهيا النَّاس للزِّينَة ثمَّ قدم السُّلْطَان فشرعوا فى التزيين وبذلوا جهدهمْ فى التأنق فِيهَا وَاتفقَ أهل الْعَصْر على أَنه لم يَقع مثل هَذِه الزِّينَة فى درو من الادوار وَكنت الْفَقِير اذ ذَاك بقسطنطينية وشاهدتها وانا مُتَحَقق من غير شكّ يخامرنى أَنَّهَا لم تصدر فى زمَان وَلم يبْق شئ من دواعى الطَّرب الا صرفت اليه الهمم ووجهت اليه البواعث واستغرقت النَّاس فى اللَّذَّة وَالسُّرُور واستوعب جَمِيع آلَات النشاط والحبور وفشت المناهى وَقصر فِيهَا المحذر والناهى وَعلمت الْعُقَلَاء أَن مثل هَذَا الامر كَانَ غَلطا وان ارتكابه جرم عَظِيما وخطا وَمَا أَحسب ذَلِك الا نِهَايَة نهنهة السلطنة وخاتمة كتاب السَّعَادَة والميمنة تمّ طَرَأَ الانحطاط وشوهد النُّقْصَان وتبدل الرِّبْح بعْدهَا بالخسران فَوَقع بعيد ذَلِك فى الْقُسْطَنْطِينِيَّة حريق عَظِيم بِنَاحِيَة الفنار حرق فِيهِ نَحْو اثنى عشر ألف بَيت ثمَّ تراسل الْحَرِيق فى كثير المحلات حَتَّى حسب مَا وَقع مِنْهُ فَكَانَ تسعين حريقا كل ذَلِك فى سنة وَاحِدَة ثمَّ طلب الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة الاذن من السُّلْطَان بِالسَّفرِ على بِلَاد الانكروس وَكَانَ عقد الصُّلْح الذى أوقعه مَعَهم الْوَزير الْفَاضِل بعد فتح ايوارعلى خمس عشرَة سنة قد مضى عَلَيْهِ
стр. 1865
ثَلَاث سِنِين فَأذن لَهُ السُّلْطَان وَشرع فى تهيئة الاسباب من الذَّخَائِر ومكاتبة نواب الْبِلَاد والعساكر وَجمع من الجيوش والجنود مَا لَا يدْخل تَحت حصر حاصر وَلم يتَّفق جَمِيع مثله فِيمَا مضى من الزَّمَان الغابر ثمَّ طلع صَاحب التَّرْجَمَة من قسطنطينية بأبهته الْعَظِيمَة مصمما على أَخذ بِلَاد النَّصَارَى بِالْقُوَّةِ الجسيمة وَلم يدر مَا خبئ لَهُ فى الْغَيْب حَتَّى وَقع مَا وَقع فَزَالَ الشَّك والريب ولنسق أَمر هَذَا السّفر فصلا فصلا ونبينه بمعونة الله تَعَالَى فرعا وأصلا وَمَا أَقُول الذى أقوله الا عَن نقل وعزو مَعَ التحرى فى ذَلِك باثبات ومحو فَأَقُول نَاقِلا عَن كتاب ورد من بعض الاجناد مُلَخصا مِنْهُ مَحل المُرَاد قَالَ وَلم يزل الْوَزير بِمن مَعَه من العساكر سائرين الى أَن وصلوا الى قلعة يانق فى يَوْم الْخَمِيس ثانى عشر رَجَب سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَعبر نهر ريا فى يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ فى يَوْم السبت توجه قَاصِدا قلعة بج قلت وَهَذِه القلعة هى الَّتِى كَانَت مَقْصُوده لَهُ بِالذَّاتِ وَأطلق أمره فى نهب القلاع والقرى الَّتِى على الطَّرِيق فَمَا كَانَ للعسكر مشغلة الا نهبها واحراقها واتلاف زروعها فأحرقوا من القلاع الْمَعْلُومَة نَحْو مائَة قلعة وَمَا يتبعهَا من الْقرى أَشْيَاء كَثِيرَة جدا وكل قَرْيَة من هَذِه الْقرى بِمَثَابَة بَلْدَة تحتوى على ألف بَيت أَو أَكثر وَجَمِيع هَذِه القلاع والقرى فى نِهَايَة الاحكام وَحسن الْبناء وبيوتها فى غَايَة من اتقان الصَّنْعَة مسواة بالرخام وفيهَا من السماقى مَالا يُوصف كَثْرَة وَأكْثر بيُوت هَذِه الْبِلَاد ثَلَاث طَبَقَات الثَّالِثَة مِنْهَا مصنوعة بالدف والخشب وعاثت عَسَاكِر التاتار فى بِلَاد الْكفَّار الى قريب فزل ألما الَّتِى هى مَحل ملك الانكروس الْمَعْرُوف بالبابا ونهبوا مَا قدرُوا عَلَيْهِ من الْبِلَاد وحرقوها وَرَأَيْت بِخَط بعض الروميين أَن رجلا من كبار عقلاء النَّصَارَى دخل عَسْكَر الْمُسلمين ثمَّ جَاءَ الى الشَّيْخ مُحَمَّد الوانى واعظ السُّلْطَان مُسلما قَالَ وَكَانَ لَهُ وقُوف على أَحْوَال ملكهم وَأَنَّهُمْ ذكرُوا عِنْده أَمر هَذِه النُّصْرَة وَلَعَلَّ لَهَا أسبابا من جَانب النَّصَارَى أوجب الانتقام مِنْهُم فَقَالَ ان الْملك البابا دخل يَوْمًا على زَوجته بنت ملك الاسبانية وَهُوَ مغموم فَقَالَ لَهُ زَوجته مَا أغمك فَقَالَ أرى أَمر هَؤُلَاءِ العثمانية قد بلغ النِّهَايَة فى الْغَلَبَة علينا وَمن أعظم مَا يغمنى من أَمرهم طَاعَة نوابهم وامرائهم لَهُم فاذا طلبوهم بِأَدْنَى خطاب من أقْصَى الْبِلَاد لَا يُمكن ان يتخلفوا ويبادرون الى الْحُضُور اليهم وامتثال أَمرهم وَأما أَنا اذا أرْسلت الى امراء المجار مَرَاسِيل أطلبهم لامر فَلَا يطيعون أوامرى وَلَا يحْضرُون الى فَقَالَت لَهُ
стр. 1866
انما يُطِيع حكام الْمُسلمين أَمر سلطانها لانهم كلهم أهل مِلَّة وَاحِدَة وَمذهب وَاحِد فَخرج الْملك من عِنْد زَوجته مغضبا وجهز الرُّسُل الى بِلَاد المجار يَدعُوهُم الى مذْهبه فَلم يقبلُوا فَأرْسل عَسَاكِر من قبله فقبضوا على أَكْثَرهم وأحضروهم اليه فعذبهم وقتلهم وَفعل فى بِلَاد المجار أفعالا شنيعة جدا لم تصدر من ملك قطّ مَعَ أَنهم رعاياه ويؤدون اليه مَا عَلَيْهِم بِلَا خلاف لَهُ فَبِهَذَا تحقق النَّصَارَى ان الله تَعَالَى سلط الْمُسلمين عَلَيْهِ فخربوا بِلَاده وَألقى الرعب فى قلبه وقلب عسكره وهربت رعاياه من هَذَا الْحَد الى حد قزل ألما وتشتتوا فى الْبِلَاد كل ذَلِك بِسَبَب مَا فعله لَهُ مَعَ المجار الَّذين هم رعاياه وَحزبه انْتهى ثمَّ ان خَان التاتار نور الدّين كراى لحق كثيرا من الهاربين فَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة وَمن أغرب مَا وَقع فى هَذَا الاثناء أَن سوقة الْعَسْكَر كَانُوا يدْخلُونَ قلعة من القلاع الْمَذْكُورَة فيرون فِيهَا أُنَاسًا قَلَائِل من النِّسَاء وللرجال العاجزين عَن الْحَرَكَة فيقتلونهم ويستولون على القلعة ثمَّ يطلقون فِيهَا النَّار فعلوا هَذَا فى اكثر من أَرْبَعِينَ قلعة وَاسْتولى قره مُحَمَّد باشا على قلعة تسمى أووار يُقَال انها أحصن من ايوارا الَّتِى افتتحها الْوَزير الْفَاضِل فى سنة خمس وَسبعين وَألف وَفتح بكر باشا قلعة هانبرق وهى على مَا سَمِعت فى الحصانة لَا تقصر عَن قلعة حلب ثمَّ حرقوا القلعتين المذكورتين وغنم الْمُسلمُونَ غَنَائِم لَا تحصر وَلَا تضبط واسروا نَحْو مائَة ألف أَسِير بِحَيْثُ بِيعَتْ الْجَارِيَة مَعَ وَلَدهَا بِثَلَاثَة قروش والابكار لَا يتَجَاوَز ثمنهَا الْعشْرين قرشا الا فى النَّادِر وَبيع الرَّأْس من الْغنم بقطعتين ورطل الطحين العال بقطعتين ورطل النّحاس بِثَلَاث قطع وهرب عَسْكَر النَّصَارَى من بج ونواحيها وَأخذُوا مَعَهم كثيرا من الاموال فلحقهم جمَاعَة من التاتار فأدركوهم عِنْد لنجة قلعة دَاخل بج بِنَحْوِ سِتِّينَ سَاعَة فاستأصلوهم قتلا ونهبوا جَمِيع مَا كَانَ مَعَهم وفى عشرى رَجَب توجه نور الدّين كراى نَحْو بَابا طاغى بِنَحْوِ عشرَة آلَاف من عسكره التاتار فلقى جمَاعَة من النَّصَارَى فى عدد عشْرين ألف فَقتل بعضلاا وَأسر آخَرين وَلم ينج مِنْهُم الا الْقَلِيل وَكَذَلِكَ فعل حَاج كراى سُلْطَان فى بعض النواحى فغنم غَنَائِم عَظِيمَة ثمَّ وصل الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة الى بج وَضرب مخيمه بهَا وخيمت العساكر وَهَذِه القلعة كَمَا تلقيت خَبَرهَا ذَات قلعة داخلها يُحِيط بهَا من جوانبها الثَّلَاثَة الدّور والابنية والعمارات والحدائق وَمن جملَة ذَلِك سَبْعَة عشر مَكَانا باسم الْملك تحتوى هَذِه الامكنة على عجائب الزخارف والفواكه والفساقى من السماقى
стр. 1867
والرخام وَقد قدمنَا ان عَسْكَر بج كَانُوا قد هربوا وَكَذَلِكَ هرب أهل الْخَارِج من الرّعية وَلم يبْق الا نَحْو عشْرين ألف رجل عشرَة آلَاف من الْعَسْكَر وَعشرَة آلَاف من الرّعية فى دَاخل القلعة فَأمر الْوَزير باحراق الْخَارِج فَأحرق فى أقل من طرفَة عين وَلم يبْق الا مَحل أَو طاق السُّلْطَان سُلَيْمَان وَمحله الْمَذْكُور كَانَت الْكفَّار قَدِيما بنته بِنَاء عَظِيما وصيرته من أحسن المنتزهات بالبلدة الْمَذْكُورَة تَعْظِيمًا مِنْهُم للسُّلْطَان سُلَيْمَان فانهم يعظمونه كثيرا ثمَّ أَمر بمحاصرة القلعة فَنصبت عَلَيْهَا المكاحل وَشرع الْعَسْكَر فى رميها بآلات الْحَرْب فَضَاقَ بِمن فِيهَا الخناق فى أقل من قَلِيل والتجؤا الى أَن يسلموها طَوْعًا فَأبى الْوَزير خوفًا من أَن ينهب الْعَسْكَر مَا فِيهَا من الاموال وَحكى أَنه ابرم عَلَيْهِ أَعْيَان الوزراء والعسكر فى الْمُبَادرَة الى دُخُولهَا صلحا خوفًا من أَمر يأتى فَقَالَ ان ضمنتم لى العسرك فى أَن لَا يَأْخُذُوا شَيْئا فعلت فَأَبَوا فتمادى الامر يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَهُوَ وَبَقِيَّة الوزراء فى اعمال الْفِكر على ان يفتحوها عنْوَة ومالهم علم بِمَا سيحدث عَلَيْهِم من الامر واذا بطلائع الْكفَّار أَقبلت وفى اثرها عَسْكَر سد الفضا وشب نيران الغضا لَا يبالون بقتل وَلَا ضرب بل يقدمُونَ على الْمَوْت بجنان من الصخر وقلب وهجموا دفْعَة وَاحِدَة والعسكر فى غَفلَة عَمَّا يُرَاد بهم واختلطوا بهم طامعين فى قَتلهمْ وسلبهم وأطلقوا السيوف وجردوا أسنة الحتوف فَلم يكن بأسرع مِمَّا انْقَلب العيان وجمدت فى الْوُجُوه العينان وَكَانَ الْمُقدم من الْمُسلمين من عمد الى الْفِرَار وَلم يَقُوله فى تِلْكَ الْحَالة الْقَرار فَقتل من قتل وَنَجَا من نجا لَكِن نجاة من عدم المعونة والالتجا واحتوت الْكفَّار على السرادقات والخيول وفازوا بِأَمْر كَانَ يتعسر اليه فى أحلامهم الْوُصُول وكر الْوَزير بِمن مَعَه هَارِبا وللنجاة من اللحاق بِهِ طَالبا وتفرق الْعَسْكَر فى تِلْكَ البرارى والوهاد وَلم يَجدوا من مرشد لَهُم وَلَا هاد ونفد مَا مَعَهم من الزَّاد فبعضهم وصل الى بودم وَالْبَعْض الى اكرى وَهَكَذَا حَتَّى اجْتَمعُوا بعد مُدَّة ببلغراد وَنفذ أَمر العلى الْكَبِير وَهُوَ على جمعهم اذا يَشَاء قدير وَأقَام الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة ببلغراد يدبر أمرا فى تلافى مَا مضى وَاخْتلفت بعيد ذَلِك الآراء وَكَثُرت التخاليط وأظهرت نَصَارَى الافلاق والبغدان والاردل الْعِصْيَان وَعم الْغم وَعظم الْوَهم وزحفت الْكفَّار على بِلَاد الاسلام فَأخذُوا بعض قلاع وَبعث الْوَزير فى ذَلِك الاثناء الى ملك الانكروس رَسُولا برسالة يتهدده فِيهَا وَيَقُول لَهُ انه لابد من مقابلتك وكسرك
стр. 1868
وَأخذ جَمِيع بلادك وفهرك فى كَلَام آخر يعلم من الْجَواب الذى ورد من ملك النَّصَارَى الانكروس وَهَذَا صورته من سُلْطَان الْملَّة المسيحية وقهرمان السلطنة النَّصْرَانِيَّة الذى هُوَ ملك مُلُوكهمْ وصولته قد أحاطت بأَرْبعَة اطراف عالمهم وَاسْتولى على جَمِيع المجار وَمَا عداهم قد اسْتَقر فى ملكه خَمْسَة آلَاف مَدِينَة وحصن حُصَيْن وَجلسَ على تخت نوشروان وَقَيْصَر وصلصال وَصَارَ لجملة أمة عِيسَى سُلْطَان السلاطين أنهى اليك أَيهَا الْوَزير الاعظم والسردار الاكرم بِنَاء على الْمحبَّة دُعَاء لائقا وثناء فائقا وَقد ورد من طرفك على يَد سردار عسكرنا مَا يُقَاس رِسَالَة فحين وصولها جَمعنَا وكلاءنا وامراءنا ورهباننا وقرئت الرسَالَة بمحضرهم وَفهم مضمونها فقولك فِيهَا ان السُّلْطَان مُرَاد الغازى الْقَدِيم لما مضى الى رَحْمَة الله الْجواد الْكَرِيم ولى ابْنه الذى فتح قسطنطينية وَهُوَ السُّلْطَان مُحَمَّد فصرف فى سَبِيل الغزاء بسمة الْعَطِيَّة للغزاة ألف حمل ذهب وان سلطنتكم الْيَوْم أعظم شَأْنًا وأزيد مملكة وأعوانا مِمَّا كَانَت عَلَيْهِ فى زَمَنه فَهَذَا السُّلْطَان مُحَمَّد الذى ذكرته كَانَ سُلْطَانا عَاقِلا عادلا وملكا لَا نجد لَهُ بَين الْمُلُوك معادلا قد نَالَ مَا ناله بعدالته وظفره الله تَعَالَى بِمَا أَرَادَهُ بعنايته وَأما أَنْتُم فَلم تقفوا فى كتب التَّارِيخ ان قلعة قسطنطينية يَأْخُذهَا منا سُلْطَان مُسَمّى بِمُحَمد وَأَيْضًا نَحن نأخذها من سُلْطَان اسْمه مُحَمَّد وَقد ظهر الان ذَلِك حد الظُّهُور وتأكذ حَيْثُ أَخذنَا مِنْكُم ثمانى عشرَة قلعة وَمَا عدا ذَلِك فحكام البغدان والافلاق والاردل جاؤا الى خدمتنا واختاروا الانحياز الى عبوديتنا وقولك انا نرفع يدنا عَن المجار لانهم هم السَّبَب فى هَذِه الْفِتْنَة فَهَذَا الْكَلَام بعيد عَن الافهام وَهل هُوَ الا أَمر ينْزع تاجنا عَن رَأْسنَا فان التَّاج لَهُم وَأما قَوْلك وَيكون ذَلِك مدَار الصُّلْح وَالصَّلَاح فَهَل طلبنا مِنْكُم الصّلاح وَالصُّلْح نَحن لَا نطلب الصُّلْح وَلَا نترجاه وَلَا يخْطر على بالنا بعد الْفساد الذى شَاهَدْنَاهُ وَأما نقض الْعَهْد فَمن ابْتَدَأَ بِهِ سيلقى غبه ويتجرع مِنْهُ مَالا يسيغه اذا كلف شربه قد راعينا فِيمَا سلف الْعَادة الْقَدِيمَة ورعينا الذِّمَّة المستقيمة فَأَرْسَلنَا هديتنا الْمُعْتَادَة الى قريب قومران فَخرج حَاكم بوديم جلالى باشا واغار على بِلَادنَا وَأنزل بهَا الهوان فَهَل يَلِيق هَذَا التعدى الذى مَا وَقع فى عصره من العصور ثمَّ بعد ذَلِك وَقع لرسلنا من الاهانة وَالْحَبْس مَا استدللنا بِهِ على النُّصْرَة لطرفنا فان الله غيور وَقَوله ان سلاطينكم أَصْحَاب مَال وعسكر كَثِيرَة فَنحْن نَعْرِف هَذَا الْمِقْدَار وَلَكِن
стр. 1869
كسر الْعَسْكَر الْكثير وهلاك من نقض الْعَهْد عَادَة أزلية لذى الْجلَال القهار وَالْحَاصِل ان كَانَ المُرَاد الصُّلْح فَيكون لنا من الْبِلَاد من حدنا الْآن الى حد أسكوب والا فلنا مَعَك سوق حَرْب يُقَام فِيهَا الْمَتَاع المجلوب ثمَّ لم يزل الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة مُقيما ببلغراد وَالنَّاس فى قلق واضطراب وفى كل يَوْم يحدث خبر مذهل لاولى الالباب وَنصب أهل الممالك الْعَدَاوَة وذهبوا كل مَذْهَب فى انه من أهل الغباوة والشقاوة ولهجوا بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ وفوقوا سِهَام ذمهم اليه حَيْثُ كَانَ السَّبَب فى انتهاك حُرْمَة الاسلام وامتهانه بتغلب الْكَفَرَة الفجرة اللئام وَلَهُم فِئَة بِسَبَب ذَلِك أقاويل كَثِيرَة وَكلما مزرية شعيرَة من أخفها أَن أَمر الدولة كَانَ غَنِيا عَن هَذِه المحاربه وان كَانَ يُمكن الانتصاف من الْكَفَرَة وَهُوَ الاقرب بِنَوْع من المطالبه وانما الطمع أَدَّاهُ الى هَذِه الافعال فَكَانَ عَاقِبَة أمره الوبال والنكال وَحكى لى بعض المقربين اليه وَهُوَ من المهرة فى علم النُّجُوم والرمل أَنه استشاره فى أَمر هَذَا السّفر فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ وأجمل فى العبار قَالَ فَقَالَ لى ان السُّلْطَان سُلَيْمَان وصل الى بج وَلم يفتحها فاذا فتحت على يدى كَانَ لى شَأْن عَظِيم لم ينله ملك عَظِيم فَقلت الْآن أبين لَك مَا ظهر من تَحْرِير أَمر هَذَا السّفر وَهُوَ انى لما حررته بَان لى فِيهِ نحوسة وَكَانَ قبيل ذَلِك بِمدَّة ظهر نجم لَهُ ذَنْب بقى ليالى وَكَانَ ذَنبه الى جِهَة قسطنطينية فان أَرْبَاب التنجيم قَائِلُونَ بَان جِهَة الذَّنب من نجم يظْهر جِهَة نحوسة قَالَ فَقَالَ لى كنت أَظُنك ناصحا صَدُوقًا فَالْآن تبين لى مِنْك خلاف ذَلِك فَلَا تخاطبنى بعْدهَا فى خُصُوص هَذَا السّفر بشئ ودع عَنْك اشباه هَذَا الْكَلَام فَلَا تجريه على لسَانك مرّة أُخْرَى قَالَ فَعلمت ان غرور الدولة استحكم فِيهِ وانه مدل بعجبه الى خطر عَظِيم من غير شكّ يُنَافِيهِ وَمَا زَالَ الْوَزير فى قلق واضطرب مترقبا لما يظْهر فى حَقه من طرف السلطنة من الْجَزَاء وَالْعِقَاب فبرز الامر السلطانى بقتْله وتدميره جَزَاء لَهُ على مَا جناه من سوء تَدْبيره فَقتل فى الْمحرم من سنة ألف وَخمْس وَتِسْعين عَلَيْهِ رَحْمَة الْمولى الْمعِين
مصطفى بن على بن نعْمَان الضمدى الْيُمْنَى عَالم شهد بفضله الْعَالم وَسلم لَهُ كل مناضل وَسَالم مَحَله فى الْفضل مَعْرُوف لَا يُنكر وَقدره فى الْعلم معرفَة لَا يُنكر مَلأ صيته كل موطن وقفر فغنى بِهِ حضر وحدا بِهِ سفر الى أدب مَا ميط عَن مثله نقاب وَلَا نسقت بِمثل فرائده قلائد رِقَاب ولد بوادى ضمد من أَعمال سَببه وَحفظ
стр. 1870
الْقُرْآن وجوده على الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْيُمْنَى وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح الجزرية للقاضى زَكَرِيَّا وقرا الازهار على الْفَقِيه عبد الله الْوَهم وَبَعض شَرحه على القاضى سعيد الهبل وَأَكْثَره على أَخِيه أَحْمد بن عسلى بن النُّعْمَان وعَلى الْفَقِيه ابراهيم المتميز وَقَرَأَ الْبَحْر الزخار على القاضى أَحْمد بن حَابِس وَبَعضه على السَّيِّد أَحْمد بن المهدى المؤيدى وَقَرَأَ مِفْتَاح الفرائق على عَمه أَحْمد بن عَبده النُّعْمَان وَقَرَأَ على السَّيِّد صَلَاح الحاضرى تمهيد النخبة وتنقيح الانظار كِلَاهُمَا للسَّيِّد مُحَمَّد بن ابراهيم الْوَزير وَقَرَأَ الْكَشَّاف على السَّيِّد دَاوُد وَله جازات من شُيُوخه بالكتب السِّتَّة وسيرة ابْن هِشَام وأمالى أَبى طَالب وأمالى احْمَد بن عِيسَى وَالْجَامِع الكافى ومجموع زيد بن على والاحكام والمنتخب للهادى وشفاء الاوام للامير الْحسنى واصول الاحكام لاحمد بن سُلَيْمَان وغالبها رَوَاهُ عَن القاضى أَحْمد بن حَابِس بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور فى مُعْجَمه وَله تصانيف شهيرة مِنْهَا وَهُوَ أجلهَا الْفُرَات النمبر تَفْسِير الْكتاب الْمُنِير أحسن فِيهِ الْعبارَات وجود فِيهِ الرَّمْز والاشارات قَالَ فى آخِره هَذَا آخر مَا قصدناه ومنتهى مَا أردناه من تأليف هَذَا السّفر الخطير الْمُسَمّى بالفرات النمير فدونك رخيصا ثمينا خميصا بطينا حوى من اصداف التفاسير لثاليها وأنار من مشكلات الاقاويل لياليها وَلنْ يسْعد بِحل رموزه ويظفر بكشف كنوزه الا من برز فى علم الْبَيَان وأشير اليه فى معرفَة صَحِيح الْآثَار بالبنان وراض نَفسه على دقائق مَقَاصِد السّنة وَالْقُرْآن هَذَا وَمَعَ لطافة جِسْمه فكم حوى من لطائف وَمَعَ حَدَاثَة سنه فكم حدث بظرائف وَمَعَ رشاقة قده فكم رشق من مُخَالف وَكم مُشكل أوضحه قد أغفلة الاولون وكأى من آيَة يَمرونَ عَلَيْهَا وهم عَنْهَا معرضون فَالْحَمْد الله الذى وفقنا لتفسير كِتَابه وأهلنا الايضاح معانى خطابه حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ انْتهى كَلَامه وَقد حظى هَذَا التَّفْسِير بِالْيمن بِالْقبُولِ عِنْد الفحول ومدحه كثير من علمائه بالاشعار الرائقة والمدائح الفائقة مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة صَلَاح الدّين ابْن أَحْمد المهدى المؤيدى قَالَ فى مدحه هَذِه الابيات وهى
(هَذَا الْفُرَات فَرد مشارع مَائه ... تَجِد الشَّرَائِع أودعت فى سطره)
(كشاف كل غوامض ببيانها ... أسرار منزل رَبنَا فى سره)
(حبس الْمعَانى الرائقات برقه ... وَالْحق أطلق والضلال بأسره)
(لَا عيب فِيهِ سوى وجازة لَفظه ... مَعَ الاحتواء على الْكَمَال بأسره)
стр. 1871
وَله نظم ونثر سائران فَمن ذَلِك قَوْله
(من شافعى نحوكم يحنفكم ... الى يَا مالكى فأحمده)
(زيدتنى حِين صرت معتزلى ... وجدا كحر الْجَحِيم أبرده)
(يَا رافضى أَنْت ناصبى لهوى ... مَا كنت قبل الْفِرَاق أعهده)
وَله
(تظنونى مرتاحا ... وَمن أَيْن لى الراحه)
(اذ الرَّاحَة فى الْكيس ... وَلَيْسَ الْكيس فى الراحه)
وَكتب الى السَّيِّد صَلَاح بن أَحْمد الشرفى ملغزا فى قهوة البن بقوله
(وَجَارِيَة سَوْدَاء ان هى أسفرت ... يقبلهَا أهل الْمُرُوءَة والهى)
(اذا مَا اشْتهى ظلم الحبيبة عاشق ... فمجموعها ظلم لعمرى مشتهى)
(اذا بردت أحشاؤها طَال مكثها ... وان أَصبَحت محمومة طَابَ صها)
(وان ذكر الاحباب طيب أصولهم ... ليفتخروا فالرشق بِالْقَلْبِ أَصْلهَا)
(وان سقيت من خَالص الْمَحْض شربة ... تسارع فِيهَا الشيب وابيض جسمها)
فَأَجَابَهُ السَّيِّد صَلَاح الْمَذْكُور بقوله
(اذا شِئْت حل اللغز مِنْهُ فانها ... لاول مَا يقرى الضيوف أولو النهى)
(اذا خيمها فى الرشق فَابْعَثْ لَهَا دوا ... وفى القشر بُنيان لداء دوالها)
(اذا حذفوا من ابْنهَا العاء واجتزوا ... فَذَلِك شئ طيب الطّعْم مشتهى)
(اذا أدخلوه النَّار صَار محببا ... وان أودعوه الظل صَار مكْرها)
وَمن شعره ايضا وَهُوَ فى غَرَض السّفر الى الْيمن لطلب سَماع الحَدِيث
(تَقول عِيسَى وَقد أزممت مرتحلا ... لحجا وَقد لاحت الاعلام من عدن)
(أمنتهى الارض يَا هَذَا تُرِيدُ بِنَا ... فَقلت كلا وَلَكِن مُنْتَهى الْيمن)
وَكتب أَيْضا الى السَّيِّد صَلَاح المؤيدى
(تزوج هديت تهامية ... تروقك فى المتزر الْمطرف)
(ودع عَنْك بَيْضَاء نجدية ... وَلَو برزت فى بهَا يُوسُف)
(عَلَيْهَا قَمِيص وسروالة ... وَلَيْسَت ترق لمستعطف)
فَأَجَابَهُ السَّيِّد صَلَاح ايضا بقوله
(أردْت بهَا الذَّم ألبستها ... سرابيل مدح وَلَا تختفى)
(نعم هَكَذَا شِيمَة الْمُحْصنَات ... اذا شِئْت تمدح مدحا وفى)
стр. 1872
(قسا فى الْقُلُوب ولين القدود ... وخد نقى وَصَوت خفى)
(وان رام مِنْهَا الوفا طَارق ... فَلَيْسَتْ ترق لمستعطف)
وَكَانَت وِلَادَته فى سنة أَربع بعد الالف
السَّيِّد مطهر بن مُحَمَّد الجرموزى الْحسنى قَالَ فى حَقه القاضى حُسَيْن المهلا كَانَ من اعيان الدَّهْر وافراد الْعَصْر علما وَعَملا ونباهة وفضلا وَله التَّارِيخ الذى جمع فِيهِ أَحْوَال الائمة الثَّلَاث الامام الْقسم وولديه مُحَمَّد الْمُؤَيد واسماعيل المتَوَكل ذكر فِيهِ كثيرا من وقائعهم وَمَا جرياتهم وسيرهم وأحوالهم ومكاتباتهم قَالَ وَكَانَ من أصدقاء والدى وَبَينه وَبَينه مراسلات ومكاتبات رائقة وَله أَوْلَاد عُظَمَاء ادباء كرماء مُحَمَّد وَالْحسن وجعفر قلت وَقد ذكرتهما فى كتابى النفحة وَالْحُسَيْن والهادى واسماعيل وَمَا مِنْهُم أحد الا وَله النّظم السائر والمحاسن الَّتِى تفوق الرياض الزواهر وَكَانَت وِلَادَته فى جُمَادَى الاخرة سنة ثَلَاث بعد الالف وَتوفى فى سَابِع وعشرى ذى الْحجَّة سنة سبع وَسبعين وَألف ﵀
معِين الدّين بن أَحْمد البلخى الاصل المصرى المولد والمنشأ الْمَعْرُوف بِابْن البكا نزيل مَكَّة المشرفة الْفَاضِل الاديب الْمَشْهُور كَانَ من نَوَادِر الزَّمَان وعجائب الاوان مَعَ دمانة اخلاق وطباع ونضارة محاورة واستماع اذا حل بناد فَلهُ الصَّدْر الموفى واذا تكلم داوى كلم الصُّدُور بحَديثه المشفى وَلم يكن فى أهل مصر أرق من حَاشِيَته وَلَا أحلى من مفاكهته ونادرته قدم الى مَكَّة فى سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة صُحْبَة الركب المصرى ثمَّ أَقَامَ بهَا مؤتلفا بنى حسن ائتلاف المقلة بالوسن يسقى بمزن كرمهم ويخصب جَدب أمله بهطال ديمهم وَهُوَ عِنْد الشريف مَسْعُود مُورق الْعود مثمر السُّعُود وَله من الشّعْر قلائد فرائد كانها عُقُود فى اجياد خرائد فَمن ذَلِك قَوْله
(يَا شَقِيق الرّوح والجسم وَيَا ... دوحة بالود فضلا أثمرت)
(كنت لَا أخْشَى حسود الا وَلَا ... عين واش ان بِسوء نظرت)
(وَأرى الود وهى بُنْيَانه ... مَا كَأَن الْعين لَا أثرت)
(فَبِحَق الود الا صنته ... لحقير روحه قد سعرت)
وَقَوله فى ذيل قَول القاضى الْفَاضِل
(تراءت ومرآة السَّمَاء صقيلة ... فأثر فِيهَا وَجههَا صُورَة الْبَدْر)
(ولاحت عَلَيْهَا حليها وعقودها ... فأثر فِيهَا صُورَة الانجم الزهر)
стр. 1873
(وَله حاذر زويلة أَن تمر ببابها ... وطعامها كن آيسا من خَيره)
(فموسط الْقَتْلَى يَقُول بهَا انْظُرُوا ... من لم يمت بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ)
وَمثله قَول الآخر
(لما سلمت من الردى من طرفه ... مَعَ أَنه كالسيف فى تَأْثِيره)
(جَاءَ العذار فأيقنت نفسى الردى ... من لم يمت بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ)
وزو يلة بِمُعْجَمَة مصغر محلّة بِمصْر كباب زويلة وَوجه تَسْمِيَتهَا يعرف من الخطط وتواريخ مصر وَهَذَا المصراع مضمن من قَول ابْن السعدى من قصيدة وهى هَذِه
(أرى الْمَرْء فِيمَا يبتغيه كانما ... مداولة الايام فِيهِ مبارد)
(ويضطرم الْجَمْعَانِ وَالنَّقْع ثَائِر ... فَيسلم مِقْدَام وَيهْلك خامد)
(وَمن لم يمت بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ... تعدّدت الاسباب وَالْمَوْت وَاحِد)
(فصبرا على ريب الزَّمَان انما ... لكم خلقت أهواله والشدائد)
وَمن شعر معِين الدّين قَوْله يستدعى بعض أَصْحَابه
(الدَّهْر أَرْبَعَة أَيَّامه انحصرت ... صحو وغيم وريح ثمَّ أمطار)
(فالصحو ظرف لاصلاح المآرب اذ ... تقضى من الْحبّ يَوْم الْغَيْم أَو طَار)
(وَيَوْم ريح لنوم لَا حراك بِهِ ... وَيَوْم هطل السما للكاس أسرار)
(وَالْيَوْم قد نثرت درا سحائبه ... على بِسَاط ربى يكسوه أزهار)
(فبادر النكاس يَا بدر الزَّمَان فَمن ... سناء وَجهك لَاقَى الافق اقمار)
وَكَانَ لَهُ فى المعمى وحله يَد طائلة وَله فِيهِ رِسَالَة مَشْهُورَة وَله أشعار ووقائع كَثِيرَة وَكَانَ الشريف مَسْعُود بن حسن الْمَذْكُور مُقبلا عَلَيْهِ كثيرا وَلما توفى تراجعت أَحْوَاله بعض التراجع وَكَانَت وَفَاته بِالْمَدِينَةِ المنورة فى سنة أَرْبَعِينَ وَألف عَن سنّ عالية رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ مُوسَى بن أَحْمد المحجب بن عِيسَى بن أَحْمد بن عبد الْغفار بن مُحَمَّد بن عِيسَى ابْن أَحْمد بن عمر الزيلعى العقيلى صَاحب اللِّحْيَة استاذ الاستاذين وَشَيخ الاولياء العارفين اشْتغل بالتحصيل وَصَحب الاولياء ونال مَا نالته الاكابر وتقيد بالشريعة ولازم الطَّاعَة وَله كرامات كَثِيرَة ومكاشفات وَحج مرَارًا وَكَانَ شرِيف مَكَّة الشريف زيد بن محسن يَعْتَقِدهُ اعتقادا عَظِيما وَحصل لَهُ مِنْهُ نفع جسيم وَكَانَ يكره ظُهُور الْكَرَامَة الا عَن ضَرُورَة وَكَانَ كَرِيمًا سخيا يحب الْفُقَرَاء وَيحسن اليهم وَيقبل
стр. 1874
الْهَدِيَّة ويجازى عَلَيْهَا فاذا أَتَتْهُ هَدِيَّة من ظَالِم بَاعهَا وَاشْترى بِثمنِهَا مَا يُرْسِلهُ الى صَاحبهَا وَكَانَ كثير الِاغْتِسَال لَا سِيمَا للصلوات وَأكْثر غسله فى الْبَحْر لقُرْبه من دَاره وَكَانَ ورعا جدا كثير الِاحْتِيَاط فى أُمُور متقشفا مخشوشنا متواضعا وَلما بلغه أَن بعض الاولياء من أهل الْحَرَمَيْنِ قَالَ لَا يكْتب على أهل عصره ذَنْب اكراما لَهُ بَكَى وَقَالَ أَنا أقل عباد الله وأحقر من أَن يُقَال فى حقى ذَلِك وَكَانَ يتستر بالعلوم الظَّاهِرَة وَيَقُول من فعل كَذَا أُصِيب بِكَذَا وَمن فعل كَذَا أعْطى كَذَا فَكَانَ كل من خَالفه فِيمَا نَهَاهُ عَنهُ أُصِيب بِمَا ذكره وَمن أطاعه نَالَ مَا ذكره وَكَانَ يَقُول لاهل الْبَحْر احترزوا يَوْم كَذَا من كَذَا وفى مَحل كَذَا فَمن خَالفه عطب وَمن امتثل سلم وَله فى ذَلِك حكايات وَكَانَ يكاشف بعض أَصْحَابه بِمَا يخْطر بِبَالِهِ وَمَا جرى لَهُ فى غيبته قَالَ الشلى وَوَقع لى أَنى دخلت عَلَيْهِ بعد الْعَصْر فى شهر رَمَضَان وَذَلِكَ أول اجتماعى بِهِ فَحصل لى بِهِ غَايَة المدد والانس وَكَانَ معى ابْن عمى وَكَانَ أكبر منى ومعنا لَهُ هَدِيَّة من بعض أَصْحَابه بِالْهِنْدِ فعزمنا للعشاء فَاعْتَذر ابْن عمى عَن ذَلِك وَقصد بذلك عدم تَكْلِيف الشَّيْخ لَان وَقت الافطار قريب فَقَالَ رُبمَا لَا تَجِدُونَ عشَاء فى هَذِه اللَّيْلَة فانفق أَنا درنا فى الْبَلَد فَلم نجد مَا نتعشى بِهِ لَا قَلِيلا وَلَا كثيرا فَعرفنَا أَن ذَلِك من مخالفتنا لَهُ وَأَنَّهَا كَرَامَة مِنْهُ فبتنا وتوسلنا الى الله تَعَالَى بالشيخ فاذا بِرَجُل يَقُول لنا مَا تُرِيدُونَ فَقُلْنَا الْعشَاء فَقَالَ عندى وَلما أَصْبَحْنَا ودخلنا على الشَّيْخ كاشفنا بِمَا وَقع لنا ودعا لنا بِالْخَيرِ وَلم يزل يترقى فى أَعلَى الدَّرَجَات حَتَّى انْتقل بالوفاة الى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَت وِلَادَته فى سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف بِمَدِينَة اللِّحْيَة الَّتِى اشْتهر عَن جده الْفَقِيه أَحْمد بن عمر الزيلعى رضى الله تَعَالَى عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول فى شَأْنهَا ان من زارها أَو دارها كفى جَهَنَّم ونارها وَأَن الْمَيِّت لَا يسئل بهَا وَلَا يلقن كَمَا قَالَ مُحَمَّد الهندى فى قصيدته الَّتِى مدح بهَا سيدى أَحْمد بن عمر الزيلعى رضى الله تَعَالَى عَنهُ مِنْهَا قَوْله فِيهِ
(ان مَاتَ فِيهَا الْمَيِّت لَا يلقن ... وَمن سُؤال الْملكَيْنِ يَأْمَن)
(كَرَامَة فى غَيرهَا لَا تمكن ... طُوبَى لعبد فى ثراها يدْفن)
(فانها للْعَبد نعم المستقر ... )
وَدفن بتربة سيدى المقبول صَاحب القضب ﵀
الامير ملحم بن يُونُس بن قمر قماس الشهير بِابْن معن ابْن أخى الامير فَخر الدّين الْمُقدم
стр. 1875
ذكره وَكَانَ أَبوهُ يُونُس فى زمن أَخِيه رَأس الكبانية الَّذين فى خدمته وَنَشَأ الامير ملحم هَذَا فى عزة وَحُرْمَة وافرة وَلما قبض على عَمه الْوَزير أَحْمد باشا الكوجك كَانَ هرب فنجا وَظهر بعد ذَلِك وسعى على الامارة بِبِلَاد عمَّة فولى الشوف وَالْعرب والجرد والمتن وكسروان وَكَانَ حَازِم الرأى عَاقِلا لَهُ حسن تصرف وانقياد تَامّ الى جَانب السلطنة فَلهَذَا أبقى مُدَّة تزيد على عشْرين سنة لم ينغص لَهُ فِيهَا عَيْش الا مرّة وَاحِدَة قَلما قَصده الوزيرا بشير باشا وَكَانَ ذَلِك باغراء بعض المفسدين من غير دَاعِيَة حصلت من قبله وانتصر فى تِلْكَ الْوَقْعَة ولكثير من الادباء فِيهِ مدائح وَكَانَ بَينه وَبَين أَحْمد بن شاهين أديب دمشق رابطة محكمَة ومودة أكيدة وَكَانَ الشاهين خرج اليه فى قصَّة طَوِيلَة واختفى عِنْده مُدَّة وَفِيه يَقُول هَذَا الْمَقْطُوع يُشِير الى مَا كَانَ عَلَيْهِ تبعا لاسلافه من أَنهم يسهرون من اللَّيْل أَكْثَره وينامون الى وَقت الزَّوَال خوفًا من أَمر يدهمهم بِاللَّيْلِ والمقطوع هُوَ هَذَا
(ينَام الى وَقت نصف النَّهَار ... وَيخرج مُسْتَوْفيا فيا حَظه)
(فأى زمَان يرَاهُ الشوق ... يرى لَحْظَة سودت لحظه)
وَكَانَت وَفَاته فى سنة بِمَدِينَة صيدا وَبهَا دفن وَخلف وَلدين قرقاس وَأحمد أما قرقاس فَقتله مُحَمَّد باشا حَاكم صيدا فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَأما أَحْمد فانه الْآن بَاقٍ وَهُوَ امير بِلَادهمْ الْمَذْكُورَة انْتهى
الامير منجك بن مُحَمَّد بن منجك بن أَبى بكر بن عبد الْقَادِر بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن ابراهيم بن منجك الْكَبِير اليوسفي الدمشقى
(أَمِير جند المعالى وَابْن بجدتها ... انسان عين العلى وَالْمجد وَالْكَرم)
نسب مَا وَرَاءه نسب وَحسب مَا مثله حسب تعقد ذوائبه بالنجوم ويستوى عِنْده الْمَجْهُول والعلوم وَهُوَ فى دماه السليقه لَيْسَ بشبهه أحد من الخليقه وَله من الْفضل مَا لَا يحْتَاج الى اقامة الدَّلِيل وَمن الْكَمَال مَا اجْتمع فِيهِ مِنْهُ كل كثير وَقَلِيل وَقد ذكره الخفاجى فى كِتَابه وَوَصفه بقوله وَمِمَّنْ رَأَيْته بِالشَّام من الاعلام الامير منجك بن منجك وَهُوَ جذيلها المحكك وعذيقها المرجب وحبابها المذرب قَوْله جذيلها المحكك هَذَا مثل قَائِله حباب والجذيل تَصْغِير جذل وَهُوَ عود يغرز فى حَائِط فتحتك بِهِ الجرباء أى يستشفى بِرَأْيهِ استشفاء الابل بالجذل وَذكره البديعى فَقَالَ فى حَقه نجيب ورث المفاخر كَابِرًا كالرمح أنبوبا على أنبوب وَجمع
стр. 1876
بَين فضيلتى الاقلام والبواتر كَمَا جمعت خلاله بَين أهواء الْقُلُوب وأريب بِكُل مدح قمين وأديب لَهُ الْفضل ترب والسماح قرين وحسيب من قوم تهدى لَهُم تحف الاشعار وتزف لديهم أبكار الافكار
(وَمَا دب الا فى بُيُوتهم الندى ... وَلَا رب الا فى حجورهم الْحَرْب)
(وَمَا كَانَ بَين الهضب فرق وَبينهمْ ... سوى انهم زَالُوا وَلم يزل الهضب)
(أولاك بَنو الاحساب لَوْلَا فعالهم ... درجن فَلم يُوجد لمكرمة عقب)
وَله من الْكَلَام مَا يَنُوب عَن المدام قلت وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مَذْكُور بِكُل لِسَان وممدوح لكل انسان نَشأ فى أَيَّام أَبِيه متفيأ ظلال نعمه مَبْسُوط الرَّاحَة بهمائه وَكَرمه وشغف من حِين نشأته بِالطَّلَبِ وَصرف نقد عمره عل تَحْصِيل الادب وَقَرَأَ على مَشَايِخ عِظَام وانتظم فى سلك الْفُضَلَاء أى انتظام وَمن مشايخه الَّذين قَرَأَ عَلَيْهِم وَجَثَا زَمنا على رُكْبَتَيْهِ بَين يديهم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى وأخذا لحَدِيث عَن الشهَاب أَحْمد الوفائى وأبى الْعَبَّاس المقرى والادب عَن أَحْمد بن شاهين ووهب الله تَعَالَى الذكاء وَقُوَّة الحافظة وَحسن التخيل والاداء وَكَانَ فَصبح اللهجة فسيح ميدان المحادثة كثير المحفوظات جيد المناسبات كريم الطيع خلوقا متواضعا وعَلى كل حَال فَهُوَ كَمَا قيل
(مَا فِيهِ لَو وَلَا لَيْت تنقصه ... وانما أَدْرَكته حِرْفَة الادب)
وَلما مَاتَ وَالِده فى التَّارِيخ الذى ذكرته فى تَرْجَمته تقلبت بِهِ الاحوال وفجأته طوارق الاهوال ونفق مَا وَرثهُ عَن وَالِده وأحرزه من طريفه وتالده وَذَلِكَ لمبالغته فى الْبَذْل والسرف ومباشرة الاوقاف الَّتِى بِيَدِهِ بالاجارات الطَّوِيلَة وَالسَّلَف ثمَّ انزوى مُدَّة فى دَاره وَلزِمَ الْوحدَة بِاخْتِيَارِهِ الى أَن أنف من الاقامة ففوض عَن الشَّام خيامه وَهَاجَر الى الديار الرومية وَأقَام بهَا مؤملا ادراك مَاله من الامنيه والدهر يعده ويمنيه ويذيقه الْغصَص فى ضمن تأبيه وَلَقَد قاسى فى الغربه من الْمَشَقَّة المبرحة والكربه وعناد الدَّهْر فى الْمَقَاصِد والتعنى فى المصادر والموارد مَا لَا أَحسب أحدا قاصاه وَلَا لقى أحد من أغذياء النعم أدناه وَلَقَد سمعته مرّة يحْكى أَنه كَانَ لَهُ جَار فى الرّوم مَعْدُود من أَرْبَاب الوجاهة القروم وَله حفدة وَدَار عظيمه وثروة بَين أقرانه جسيمه لم يتَّفق انه زَارَهُ وَلَا حَيا مزاره وَكَانَ بعض أصدقاء الامير يصاحب رجلا من المقربين الى السلطنة وَذكر لَهُ أمره
стр. 1877
وَمَا هُوَ فِيهِ من الْفَاقَة والمسكنه فَقَالَ اذا نزروه فى مَكَانَهُ ونسعى بعد ذَلِك فى فكه من قَيده وهوانه قَالَ ثمَّ جاءنى بعيد الْعَصْر وَمَا عندى بلغه وَلَا أجد فى الجراب وَلَا مُضْغَة فَمَا اسْتَقر بِهِ الْجُلُوس الا وَذَلِكَ الْجَار حبانى بِجَمِيعِ مَا عِنْده من خدام الدَّار وابتدأ خدمه فى الخدمه وجلب مَا يلْزم من المشروبات بِكَمَال الادب والحرمه ثمَّ بعد هنيئة جَاءَ بسفرة وآلات الطَّعَام مِمَّا لَا يُوجد فِيمَا أَحْسبهُ الا عِنْد الوزراء الْعِظَام وَجَاء بنفائس من الاطعمه وَالْجَار يُبَالغ فى التَّعْظِيم وفى التكرمه حَتَّى أكل الطَّعَام وَاسْتوْفى بعده المشروب والمشموم رَأَيْت الرجل الذى جَاءَ بِهِ صاحبى نَهَضَ وَهُوَ مغموم فَتَبِعَهُ صاحبى الى الدَّار وَعَاد لَا يُدِير لحظا من شدَّة الافكار فَقلت لَهُ مَا الذى عرَاك وَمن برد نشاطك الذى كَانَ عرَاك فَقَالَ أَمر عَجِيب وحادث غَرِيب وَهُوَ أَن الرجل غضب لما وَقع وَقَالَ أَنا أسمع عَن الامير السَّفه وانه فِيهِ طبع مُتبع فَلَمَّا رَأَيْت مَا رَأَيْت تحققت مَا سَمِعت وَمَا ماريت وَهَذَا الرجل لَو وَجه اليه أعظم منصب فى مملكة آل عُثْمَان لَا يفى بمصرفه وَلَا يحصل لَهُ مِنْهُ الا الخسران قَالَ فَحَلَفت لَهُ بِاللَّه ان الذى رَأَيْته من نعْمَة جَاره الذى وافاه فَلم يصدق وآلى لَا عَاد مرّة أُخْرَى وَلَا يسْعَى فِيمَا يخجله عِنْد الدولة وانه بالسلامة أَحْرَى انْتهى وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَنه كَانَ اشار اليه الْعَلامَة يُوسُف الفتحى الامام السلطانى بنظم قصيدة فى مدح السُّلْطَان ابراهيم لتَكون وَسِيلَة الى شئ من الامانى فنظم قصيدته الميمية الَّتِى أَولهَا
(لَو كنت اطمع بالمنام توهما ... لسألت طيفك ان يزور تكرما)
فبيضها لَهُ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن الحسام بِخَطِّهِ المدهش وترجمها بالتركية على الْهَامِش وَكَانَ الفتحى عرف بِهِ السُّلْطَان فَدخل لاعطاء القصيدة ثمَّ وقف وتناولها الفتحى وَقرأَهَا وَحصل من السُّلْطَان الْتِفَات وَقبُول لَكِن القصيدة لم تسفر عَن شئ من الْمَوَاهِب وَلَا قوبلت بمطلب من المطالب نعم دخل الامير بشيرا وَخرج بشيراً وَكَانَ مَعَه دِينَار أعطَاهُ للَّذي أخبرهُ بحصو الْإِذْن للدخول مبشراً وَهَكَذَا الدَّهْر أَبُو الْعجب وعناده مُوكل بِأَهْل الادب وَاتفقَ لَهُ فى أَوَاخِر مقَامه بالروم رُؤْيا صَالِحَة حَسَنَة عَجِيبَة وواقعة فالحة مستحسنة غَرِيبَة وَقد سدت عَلَيْهِ جَمِيع الابواب وَبَات الْقلب مِنْهُ فى اضْطِرَاب وَذَلِكَ أَنه رأى رجلا فى سِيمَا الصّلاح يتوسم فِيهِ الْفَلاح وَهُوَ وَاقِف بوادى ينشد وينادى كانه حادى قصيدة
стр. 1878
مُطَوَّلَة بشرح حَاله مفصلة فَلم يعلق بخاطره فى الْمَنَام سوى مصراع المطلع وَبَيت الختام وَقد أورد حَضْرَة الشَّيْخ الاكبر قدس الله سره الْعَزِيز فى بَاب من أَبْوَاب الفتوحات لعلى بن الجهم هَذَا الْبَيْت
(وأبواب الْمُلُوك محجبات ... وَبَاب الله مبذول الفناء)
وَلَا غرو فَكل بَاب سوى الْكَرِيم مسدود وكل وَاقِف غير سَائل فَهُوَ مَرْدُود فسبحان من اذا أغلق بَابا فتح أبوابا واذا قطع سَببا أوصل أَسبَاب فَلَمَّا انتبه من الخيال قَامَ فى الْحَال ونظم على سَبِيل الارتجال مكملا للمصراع ومضمنا للبيت بِحسن الابداع وَذَلِكَ آخر جُمُعَة فى شهر رَمَضَان عَام سِتّ وَخمسين وَألف والابيات هى هَذِه
(أَيْن الاساة فقلبى الْيَوْم مَجْرُوح ... متيم لعبت فِيهِ التباريح)
(روح تسيل على خدى فيحسبها ... دمعا خلى فؤاد مَا لَهُ روح)
(وَالْحب سطر بلوح الصَّدْر مكتتب ... مترجم بِلِسَان الشوق مشروح)
(وضعت خدى على كف الخضوع ولى ... ذل على عتيبات الْعِزّ مطروح)
(فَلَا بارق وادى الشّعب وانتبهت ... نوام وجدى وفاح الرند والشيح)
(وَقَامَ هَاتِف ذَاك الحى ينشدنى ... بَيْتا يسلى فؤادى مِنْهُ تلويح)
(ان الْمُلُوك اذا أَبْوَابهَا غلقت ... لَا تيأسن فباب الله مَفْتُوح)
وَقَالَ أَيْضا فى الْمَعْنى
(ذهب الشراع وضلت الملاح ... فى جنح ليل مَا لذاك صباح)
(وسفينتى لم يبْق فِيهَا قِطْعَة ... الا ومزقها بلَى ورياح)
(والسحب تهطل والرعود قواصف ... والبرق سيف فاتك سفاح)
(وجهت وجهى نَحْو بابك راجيا ... اذا سدت الابواب يَا فتاح)
وَله فى تغربه بالروم أشعار كَثِيرَة سَمَّاهَا الروميات مُعَارضا بِالتَّسْمِيَةِ روميات ابي فراس فانه كَانَ يحذو حذوه ويقفو أَثَره فَمن رومياته قَوْله أَيْضا
(نزيح ديار لَا أنيس وَلَا صحب ... وعاتب دهر لَيْسَ يعتبه العتب)
(مَنَازِله بِالشَّام أضحت خلية ... حكت جِسْمه اذ سَار عَن جِسْمه الْقلب)
(لَهُ صبية عِنْد العداة رهينة ... ومدمعهم من فرط لهفهم صب)
(عُرَاة اذا نَامُوا تيقظ شرهم ... فَأَمنَهُمْ خوف وسلمهم حَرْب)
стр. 1879
(جنيت على نفسى الذَّنب كُله ... بسيرى وَمَا للذنب فى فعله ذَنْب)
(غررت بِأَقْوَام وعودهم هبا ... تمر جهاما وَاسْمهَا عِنْدهم سحب)
(يلبون بِالدَّعْوَى لطَالب سيبهم ... وَلَو شاهدوا فلسًا على الارض لانكبوا)
(وَلم أر من قبلى عليلا طبيبه ... سقيم اختبار لَيْسَ يعرف مَا الطِّبّ)
(يمد لصيد الْمَدْح منى حبالة ... على الْغدر مَعْقُود بأطرافه الْكَذِب)
(وَمَا النَّاس الا حَيْثُ يلْتَمس الندى ... وَمَا الطير الا حَيْثُ يلتقط الْحبّ)
(رجعت وَعون الله للمرء حارس ... وطرفى لَا يكبو ونارى لَا تخبو)
وَمِنْهَا قَوْله
(انى لآنف من قَول الاعاجيب ... لهول مَا شاهدته عين تجريبى)
(الصدْق يسأم مِنْهُ سمع مختبر ... حَال الزَّمَان فَمَا شَأْن الاكاذيب)
(تلاعب الدَّهْر بى طفْلا وبصرنى ... بالفكر مَا لَا ترَاهُ أعين الشيب)
(عوضت عَن جلق بالروم متخذا ... يأسى بهَا بَدَلا عَن كل مَطْلُوب)
(بدا بعيد فَقلت الْعِيد أيكما ... لما تَأَمَّلت من حسن وَمن طيب)
(أعَاد حزنى افراحا وصيرنى ... أثى على طول تشتيتى وتغريبى)
وأشعاره كلهَا على نمط وَاحِد فى الرقة واللطافة وَلم تكن مَجْمُوعَة فى دفتر على حِدة أَولا لَكِن لما ورد دمشق شيخ الاسلام عبد الرَّحْمَن بن الحسام بعد عَزله عَن الْفَتْوَى أَمر والدى بجمعها فَأَنْشَأَ لَهَا ديباجة وَجَمعهَا ورتبها ترتيبا حسنا وهى الْآن فى دفتر مَشْهُور متداول فَمن غزلياته قَوْله رَحمَه الله تَعَالَى
(وغزال كناسه المران ... مَا لقلب من مقلتيه أَمَان)
(ذى نواص كَأَنَّهَا ظلمَة الشّرك وَوجه كَأَنَّهُ الايمان ... )
(وَكَانَ العذار فى صفحة الخد كفور فى جيده فرقان ... )
(وَكَانَا من انسه ومحياه بروض تظلنا الافنان ... )
(خَدّه الْورْد والبنفسج صدغاه لعينى وثغره الاقحوان ... )
(وَكَانَ الحَدِيث مِنْهُ هُوَ اللُّؤْلُؤ يرفض بَيْننَا والجمان)
(وَكَانَ الندى والكاس تجلى ... فِيهِ أفق نجومه الندمان)
(وَكَانَ الندمان فى رَوْضَة اللَّهْو غصون ثمارها الكتمان)
(يتعاطون أكؤس العتب اذ طَاف عَلَيْهِم بهَا المنى والامان ... )
стр. 1880
(يَا سقى الله ذَلِك الزَّمَان وحياه ملث من الرِّضَا هتان ... )
(زمن كُله ربيع وعيش ... غصنه يَانِع الجنا فينان)
(مر لى بالشآم والعيش غض ... وشبابى يزينه العنفوان)
(ابْن عشر وَأَرْبع وثمان ... هى عيدى وَبَعضهَا مهرجان)
وَقَوله
(لحظات ترمى الحشا بِنِبَالٍ ... قاتلات ولات حِين قتال)
(وخدود كالورد لونا وطعما ... صقلتها صبا البها وَالْجمال)
(وثنايا كَاللُّؤْلُؤِ الرطب يزرى ... حسن نظم لَهَا بِعقد اللآلى)
(وقوام يحْكى العوالى وَلَكِن ... فعله فى الْقُلُوب فعل العوالى)
(من نصيرى على الحبيب المفدى ... بنفوس منا كرام غوال)
(قمر يخجل الشموس سناء ... وقضيب يسقى بِمَاء الدَّلال)
(وغزال للمسك فى الْغم مِنْهُ ... نفحات تفوق مسك الغزال)
(قَامَ يشدو بِذكر خمرة دن ... عِنْد سمعى فاسكرت آمالى)
(خمرة صورت عصارة خمر ... لظنون فى أكؤس من آل)
(غادرتنى أيدى هَوَاهُ بجسم ... ناحل مَا حل كربع بَال)
(أَتَمَنَّى خياله وبعيد ... أَن يزور الخيال طيف الخيال)
وَمن خمرياته أَيْضا قَوْله
(أدر المدامة يَا نديمى ... حَمْرَاء كالخد اللطيم)
(تسرى بأرواح النهى ... كالبرء فى الْجِسْم السقيم)
(وأقم اذا جن الدجى ... مترديا ظلّ الكروم)
(فالجو راق كانما ... صقلته أنفاس النسيم)
(وتبددت زهر النُّجُوم تبدد العقد النظيم ... )
(قُم هَاتِهَا واستحلبها ... من كف ذى شجو رخيم)
(بدر يُرِيك محاسنا ... يسبى بهَا عقل الْحَلِيم)
(ان مَاس يزرى بالقنا ... واذا رنا فبكل ريم)
(فى رَوْضَة نسجت بهَا ... أيدى الصِّبَا حبر الجميم)
(ضحِكت بهَا الازهار لما أَن بَكَى جفن الغيوم ... )
(كم لَيْلَة قضيتها ... فى ظلها الضافى الاديم)
стр. 1881
(متذكرا عهد الدمى ... متناسيا ذكر الرسوم)
(نشوان من خمر الصِّبَا ... جذلان بالانس الْمُقِيم)
(حَيْثُ الشبيبة غضة ... وَالْوَقْت مقتبل النَّعيم)
وَقَوله
(قُم للمدامة يَا نديم فانها ... شرك المنى وحبالة الافراح)
(حَمْرَاء صَافِيَة المزاج كَأَنَّهَا ... ورد الخدود أذيب فى الاقداح)
(شمس اذا بزغت لعينك فى الدجى ... أغنتك عَن صبح وَعَن مِصْبَاح)
(مسكية أَنى فضضت ختامها ... عبق الندى من نشرها الفضاح)
(تفتر عَن حبب ثغور كؤسها ... كسقيط طل فى ثغور أقاح)
(يسقيكها رشأ اذا غنى بهَا ... رقصت لذاك معاطف الارواح)
وَقَوله
(أَلا هَات اسقنى كاسا فكاسا ... وحى بهَا ثَلَاثًا بل سداسا)
(فانى فى احتساها لَا أعاصى ... رشا تخذ الحشا منى كناسا)
(حبيب كلما أَلْقَاهُ يغضى ... فَلَو أَعْطيته آسا لآسى)
(يُرِيك اذا بدا قمرا منيرا ... وغصنا ان ثنى عطفا وماسا)
(ويبسم ثغره عَن أقحوان ... ويجلو خَدّه وردا وآسا)
(خلعت عذار نكى فى هَوَاهُ ... وَمَا راقبت فى حبيسه نَاسا)
(فأحلى الْحبّ مَا كَانَ افتضاحا ... وأشهى الْوَصْل مَا كَانَ اختلاسا)
وَقَوله
(زمن الرّبيع كنشوة العشاق ... غب التَّفَرُّق فى نَهَار تلاق)
(فانهض الى تِلْكَ الرياض مبكرا ... تبكير ذَات السجون والاطواق)
(واشرب على ورد ونرجس أيكة ... صبغا بلون الخد والاحداق)
(صهباء تلعب بالعقول وفعلها ... فعل الْهوى بالوا لَهُ المشتاق)
وَقَوله
(قُم هَاتِهَا فانتهاب الْعَيْش مغتنم ... من كف معتزل فى خير ابان)
(حَيْثُ الرياض اكتست من سندس حللا ... وتوجت بيواقيت وعقيان)
(والمسك فى الْفلك العلوى اذ رتعت ... غزالة الافق والكافور سيان)
وَمن ربيعياته قَوْله
(ومنتزه يروق الطّرف حسنا ... بِمَا فِيهِ من المرأى البديع)
(تجول كتائب الازهار فِيهِ ... وَقد كُسِيت حلى الْغَيْث المريع)
(وَبَات الْورْد فِيهَا وَهُوَ شَاك السِّلَاح يميد فى الدرْع المنيع)
стр. 1882
(حكى منظم زنبقه طروسا ... وفيهَا عرض أَحْوَال الْجَمِيع)
(تنمق حليها أيدى النعامى ... وتبعثها الى ملك الرّبيع)
وَمن رياضياته أَيْضا قَوْله
(أربوثنا حيتك عَنَّا السحائب ... فانت لوجه الارض عين وحاجب)
(نزلنَا بِظِل السفح مِنْك فكلنا ... مُصِيب لانواع المسرة صائب)
(وبتنا وأفياء الغصون سماؤها ... فَنحْن بدور والندامى كواكب)
وَقَوله أَيْضا فى قصرهم المنجكى)
(قصر الامير بوادى النير بَين سقى ... رباك عَنى من الوسمى مدرار)
(كم مر لى فِيك أَيَّام هواجرها ... أصائل ولياليهن اسحار)
(حَيْثُ الشبيبة بكر فى غضارتها ... وللصبابة احلاف وأنصار)
(حَيْثُ الرياض تغثبينى حمائمها ... بالدف والجنك والسنطور لى جَار)
(حَيْثُ الخمائل أفلاك بهَا طلعت ... زهر من الزهر والندمان أقمار)
(حَيْثُ المدامة فِي زجاجتها ... يديرها سعار ... )
(عطرية نفضت فِيهَا عوارضه ... فتيت مسك لَهُ الارواح سفار)
(ياقوتة أفرغت فِي قشره لُؤْلُؤ ... فلاح مِنْهَا نور الْمنَار)
(شمس تعاطيتها من راحتى قمر ... لَهُ من الْحسن مَا يرضى ويختار)
(يسْعَى الى بهَا تَحت الدجى حذرا ... من الوشاة لَان اللَّيْل ستار)
(متوج الراح بالابريق ذُو قرط ... مثل الْهلَال لَهُ الجوزاء زنار)
(سقى وساقيه من رَاح وَمن قدح ... الى الصَّباح فمرباح ومخار)
(يضمنا بأعالى الْقصر ثوب هدى ... زرت عَلَيْهِ من الاشواق أزرار)
(متع الطّرف منى فى محاسنه ... وَلَيْسَ عندى من العذال اشعار)
(حَتَّى تيقظ دهرى بعد مَا غفلت ... عَنى حوادثه والدهر غدار)
وَمن غرامياته قَوْله
(نفس تعلل بالامانى ... لَا بالقناني والبقنانى)
(ومدامع مسفوحة ... بَين الْمعَاهد والمغانى)
(وأبيت مضموم الْيَدَيْنِ على الترائب والجنان)
стр. 1883
(أَشْكُو الصبابة للصبابة بالمدامع لَا اللِّسَان)
(وَأَقُول اذ هَتَفت بِنَا ... ورق شَجَّاهَا مَا شجانى)
(يَا ورق مَا هَذَا النواح فبعض مَا عندى كفانى ... )
(غادرت بَين الغوطتين ... بمنزلى السامى الْمَكَان)
(أَو مَالهَا كبد على مذابة مِمَّا دهانى ... )
(تستخبر الركْبَان عَن ... حالى وتندب كل آن)
(فَعَسَى الذى أبلى يعين ويلتقى ناء بدان ... )
وَمن زهدياته قَوْله
(أرح مطايا الامانى واترك الطلبا ... لم يبْق فى الْعُمر شئ يُوجب التعبا)
(قد أطلعتنى على الاشياء تجربة ... مَا غادرت لى فى شئ اذا أربا)
(مَا زَالَ يمنعنى مَا رمته أدبى ... حَتَّى طفقت لعمرى أكره الادبا)
(حتام يغْرس عندى من بليت بِهِ ... غرس الوعود ويجنى مطمعى الكذبا)
(ان قلت واحربا فى الدَّهْر ملتمسا ... مِنْهُ الاعانة قَالَ الدَّهْر واحربا)
وَقَوله
(لَا أطلبن مراما لست أدْركهُ ... وان رقت بى الى أَعلَى الذرى هممى)
(وَلَا يلذ لسمعى ذكر سالفه ... من النَّعيم مَضَت كالطيف فى الْحلم)
(مالى وَعرض الْجنان السَّبع لَو وضعت ... وَلم يكن لى فِيهَا مَوضِع الْقدَم)
وَمن فخرياته رَحمَه الله تَعَالَى قَوْله
(نشأت بمهدى رفيع الذرى ... وحولى الظباء وَأسد الشرى)
(ونادمت كل سخى الْوُجُود ... يطعم نيرانه العنبرا)
(ووالدى الشهم فَحل الرِّجَال ... وجدى الامير أَمِير الورى)
(وان يمم الضَّيْف أحياءنا ... بذلنا لَهُ الرّوح دون الْقرى)
(وَلَكِن أَنَاخَ علينا الزَّمَان ... وخان عهودا لنا وافترى)
وَقَوله أَيْضا
(لعمرى لَيْسَ بالاشعار فخرى ... وَلَكِن بالقواضب والعوالى)
(وأحسابى لِسَان الدَّهْر يَتْلُو ... مآثرها على سمع الليالى)
(وبذلى للنضار بِغَيْر من ... على مَقْدُور موجودى ومالى)
(وآلى تستقى مِنْهَا بحور ... وأبحر من يفاخر لمع آل)
стр. 1884
(فَقل لى ابْن بنت أَبى مداس ... بعم أَنْت تفحر أم بخال)
(وترفل فى ثِيَاب الْكبر تعسا ... لمثلك قد عريت من المعالى)
(وترمى آل منجك بانتقاص ... وهم أهل الْفَضَائِل والكمال)
(أتنصدع السَّمَاء بنبح كلب ... ام الشعرى العبور ربه تبالى)
(تسب صحابة الْمُخْتَار حينا ... وحينا تدعى حبا لآل)
(ويكرهك الْجَمِيع كَمَا كرهنا ... لارجلنا الْعَتِيق من النِّعَال)
(أَلا دعنى وشانى يَا ابْن ودى ... ومحوى كل شخص من خيالى)
(فَمَا ترك الصدود لَدَى شَيْئا ... يسر من الاحبة بالوصال)
(نقضت بِهِ الامانى من عهود ... أكلفها حَقِيقَة ذى ملال)
(أيقصد من أسربه سيوفه ... طبعن لضرب أَعْنَاق الرِّجَال)
وَله
(ان تغزلت أَو مدحت فانى ... لست بالشاعر المطيل كلامى)
(أَنا من معشرهم النَّاس أَمْسوا ... لم يداروا الورى لاجل مرام)
(كل من قد مدحته فَهُوَ دونى ... وحبِيب هويته فغلامى)
وَله
(دعنى من الشّعْر ان الشّعْر منقصة ... فالمجد يختال بَين الْبيض والاسل)
(لَا تدركنه وان راجت جواهره ... فَالْعقد للنحود لَا للفارس البطل)
(أسْتَغْفر الله من شعر مدحت بِهِ ... قوما مديحهم من أعظم الزلل)
وَقَالَ أَيْضا رَحمَه الله تَعَالَى فى ذمّ الشّعْر
(انى أرى الشُّعَرَاء أفنوا دهرهم ... فى وصف كل حَبِيبَة وحبِيب)
(ومضوا وَلم يحظوا بوصل مِنْهُمَا ... بتأسف وتلهف ونحيب)
(وسواهم يحظى بِمن وصفوا لَهُ ... فهم من القواد فى التَّرْغِيب)
(لكنما القواد تظفر بالعطا ... وهم بمقت النَّاس والتكذيب)
وَمن حكمياته قَوْله
(مَا فَاتَ فَاتَ وَلَيْسَ تعلم مَا الذى ... يَأْتِيك من قبل الزَّمَان الْمقبل)
(لم تلف الا مدْركا أَو آخرا ... يرْوى وينقل مخبرا عَن أول)
(فاذا تَأَمَّلت الثرى ألفيته ... غرر الْمُلُوك تداس تَحت الارجل)
وَقَوله
(لَا تغترر بشبابك الغض الذى ... أَيَّامه قمر يلوح ويأفل)
(ودع اتِّبَاع النَّفس عَنْك فانما ... حب الْجمال الصَّبْر عَنهُ أجمل)
стр. 1885
(نعم الْعُيُون الفاتنات قواتل ... لَكِن سِهَام الله مِنْهَا أقتل)
وَقَالَ ذكر الزمخشرى فى كِتَابه ربيع الابرار ان الواقدى شكى لِلْمَأْمُونِ فاقة نزلت بِهِ وديونا لم يعين مقدارها فَوَقع لَهُ الْمَأْمُون فِيك خلَّتَانِ سخاء وحياء فالسخاء أبلى يدك بتبذير مَا ملكت وَالْحيَاء مَنعك أَن تذكر لنا فَوق حَاجَتك فان كُنَّا قَصرنَا فبجنايتك على نَفسك وان كُنَّا بلغناك بغيتك فزد فى بسط كفك فخزائن الله تَعَالَى مَفْتُوحَة وَيَده بالخيرات مبسوطة وَأَنت كنت حدثتنى اذ كنت قَاضِيا للرشيد أَنه قَالَ
وخزائن الرزق بازاء الْعَرْش ينزل للنَّاس أَرْزَاقهم على قدر نفقاتهم فَمن كثر كثر لَهُ وَمن قلل قلل عَلَيْهِ فَقَالَ الواقدى مَا فرحت بِالْعَطِيَّةِ مَا فرحت بِالْحَدِيثِ فانى كنت نَسِيته وَقد نظم الامير هَذَا الْمَعْنى قَالَ
(زَعَمُوا بِأَن الواقدى قد اشْتَكَى ... من فاقة وأغاثه الْمَأْمُون)
(وروى لَهُ معنى الحَدِيث فانه ... قد قَالَ خير الْعَالمين أَمِين)
(بازاء عرش الله ﷻ ... رزق الورى بخزائن مخزون)
(فمكثر لمكثر ومقلل ... لمقلل للرزق وَهُوَ خرين)
(فابسط يَمِينك بالعطاء وَلَا تخف ... فَالله رَبك كافل وضمين)
(فعمدت لما أَن سَمِعت مقاله ... لمطيتى وَمن الْعُيُون عُيُون)
(وقصدت بَاب الله أَرْجُو فَضله ... اذ كل فضل دون ذَلِك دون)
(فَعَسَى الْمَوَاهِب ان تكون قريبَة ... منى ويسعد طالعى ويعين)
(وَأَقُول هاتوا يَا بنى رحالكُمْ ... وتمتعوا فَكَذَا الهبات تكون)
وَمن رباعياته الْمُتَعَلّقَة بالالهيات والنصائح قَوْله
(فى حُسَيْن اذا مَا ... أردْت نطقا يَقِينا)
(جوانحى للسانى ... تَقول ألله فِينَا)
وَقَوله
(ان آمالنا الَّتِى شَغَلَتْنَا ... عَن طلاب الحظوظ والارزاق)
(آيستنا من كل شئ وَلَكِن ... مَا أيسنا من رَحْمَة الخلاق)
وَقَوله
(اشغل فُؤَادك بالتقى ... وَاحْذَرْ زَمَانك تلتهى)
(واعمل لوجه وَاحِد ... يَكْفِيك كل الاوجه)
وَقَوله
(الام أحمل من نفسى وَمن نفسى ... عبئا من الاثم فِي صبحى وفى غلسى)
(عَسى الْكَرِيم بلطف مِنْهُ ينقذنى ... منى فاخلص شرورى الطبر من قفسى)
стр. 1886
وَقَوله
(تزَود فَخير الزَّاد مَا كَانَ بَاقِيا ... وخلا الامانى المسفرات عَن الكرب)
(يسَار الليالى مِنْك فى الاخذ لم تزل ... بأسرع من يمناك فى طلب الْكسْب)
وَقَوله
(مهلا سفينة آمالى لَعَلَّ بِأَن ... تهب نحوى ريَاح اللطف وَالْكَرم)
(وَيَا حظوظى رفقا لست مدركة ... غير الذى قسم الارزاق فى الْقدَم)
وَقَوله
(لَا تتهم بالسوء دهرك انه ... جبل يُجيب صداك مِنْهُ صداء)
(مرآتك الدُّنْيَا وفعلك صُورَة ... فِيهَا فَمَا الشنعاء والحسناء)
وَقَوله
(ربح المخلصون بالاخلاص ... وَاكْتفى العابدون هول الْقصاص)
(وَأَنا المذنب الذى بسوى الْعَفو بعيد من الْجَحِيم خلاصى ... )
وَقَوله
(سيدى مَا قنطت مِنْك وَلَا رَاع فؤادى من الخطا مَحْذُور)
(ان أكن راجيا فَأَنت جواد ... أَو أكن مذنبا فانت الغفور)
وَقَوله يَا الهى هبنى لعفوك انى ... وَجل الْقلب من شنيع الذُّنُوب)
(حسناتى جَمِيعهَا سيئات ... واعتذارى اليك عين الذُّنُوب)
وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى بتوسل بالنبى
(اليك رَسُول الله وجهت وجهتى ... لانك أَنْت الْمُنعم المتفضل)
(وَلَا نصر الا من جنابك يرتجى ... وَلَا غيث الا من يَمِينك يهطل)
وَكَانَ قبل مَوته بِنَحْوِ سنة ترك الْعُزْلَة وَظهر وعاشر قرناءه الَّذين ألفهم من زمن الصِّبَا مِنْهُم والدى المرحوم فَكَانَ كل يَوْم غَالِبا يزور أَبى فيتفرغ عَن جَمِيع اشغاله لمحادثته وَكَانَ يَقع بَينهمَا محاورات عَجِيبَة ومحادثات غَرِيبَة وَكنت أَنا أَقف فى خدمتهما وَكَثِيرًا مَا يخاطبنى الامير وَيطْلب من والدى دواوين الشُّعَرَاء المفلقين ويجلسنى ويأمرنى بِقِرَاءَة قصائد ينتقيها لى ويسألنى عَن بعض أَلْفَاظ مغلقة مِنْهَا فَأُجِيبَهُ عَمَّا أعرفهُ وَكَانَ يَدْعُو لى ويحرص على فَوَائِد يلقيها الى وكتبت عَنهُ فى ذَلِك الاثناء أناشيد كَثِيرَة من شعره وَشعر غَيره وَمَا رَأَيْته يغالى بشئ من شعره الغزلى بِأَكْثَرَ من هَذِه الابيات وهى قَوْله رَحمَه الله تَعَالَى
(قد زارنى وَكَأَنَّهُ رَيْحَانَة ... يَهْتَز من تَحت القباء الاخضر)
(فَظَنَنْت مِنْهُ ضمن كلا سَلامَة ... من طيبه شمامة من عنبر)
(ولكنز مبسمه دَنَوْت فخلته ... ياقوتة ملئت بأنفس جَوْهَر)
(فهصرته هصر النسيم أراكة ... متلطفا حَتَّى كَأَن لم يشْعر)
стр. 1887
(متعانقين على فرَاش صِيَانة ... متحذرين من الصَّباح المسفر)
وكتبت عَنهُ من املائه قَوْله يمدح أَبى رحمهمَا الله تَعَالَى
(أرى الْعُمر فى غير السرُور مضيعا ... وَمن ودع الاحباب روحا مودعا)
(فانى قد نازلت كل كريهة ... وقضيت فى النعماء عزا منوعا)
(وجالست أَرْبَاب الْفَضَائِل يافعا ... وشاهدت أقمار الكمالات طلعا)
(وصادفت فضل الله وَابْن محبَّة ... أجل بنى الدُّنْيَا وَأكْرم من سعى)
(فَلَا من كَسَاه الله ثوبا كمن غَدا ... عَلَيْهِ لثوب مستعار مرقعا)
(وَلَا من يُصِيب النَّاس أنواء فَضله ... كمن رَاح يرضى بِالْقَلِيلِ تقنعا)
وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى يمدح بعض الاعيان
(بذاتك طابت فى الْوُجُود العناصر ... وقرت عُيُون واطمأنت سرائر)
(وأيسر وصف من جميلك دوحة ... يجول بهَا فكر ويرتع نَاظر)
(سقيت رياض الشُّكْر منى مآثرا ... تفتح مِنْهَا بالثناء أزاهر)
(أَزور وضدى لَا سواهُ مصاحبى ... حماك فتثنينى وحولى عشائر)
(اذا سرت خفف من عطاياك اننى ... ليثقل ظهرى جودك المتكاثر)
(وَمَا أَنا من يَأْبَى نداك وانما ... يمل من السحب الثقال الْمُسَافِر)
(كفانى عزا اننى بك لائذ ... وحسبك فخرا أننى لَك شَاعِر)
وَحضر يَوْمًا عِنْد والدى فَقَالَ لى اكْتُبْ مَا أمْلى عَلَيْك وَهُوَ مِمَّا نظمته فى هَذِه اللَّيْلَة ثمَّ أنْشد هَذِه الابيات معرضًا بِجَمَاعَة من صُدُور دمشق فَقَالَ
(أسود على مَا تدعيه نُفُوسهم ... نمال اذا عدوا ليَوْم رهان)
(يسؤوننى فى القَوْل غيبا وانهم ... لتسدى لَهُم نعماى طول زمَان)
(وَأمسى مروعا من مَخَافَة عتبهم ... وهم تَحت ظلى رأفتى وامانى)
(وَلم أنس مَا قد قَالَ والدى الذى ... تعوض عَن دنياهم بجنان)
(أَبَت همتى العلياء عَنى أَن ترى ... رجَالًا مكانى لَا تسد مكانى)
ثمَّ سمعته بعد أَيَّام يَقُول قد ظَفرت فى مسوداتى الْقَدِيمَة بِهَذِهِ الابيات الْخَمْسَة وَكنت قد نظمتها من مُنْذُ خمس وَثَلَاثِينَ سنة والآن توارد الْفِكر فِيهَا وَهَذَا غَرِيب ثمَّ بعد مُدَّة اخْتَلَط وَظَهَرت فِيهِ أَحْوَال الطاعنين فى السن وتناقضت أَقْوَاله ثمَّ مرض وَطَالَ بِهِ الْمَرَض مُدَّة أشهر ونظم فى مَرضه هَذِه القصيدة المطولة وَلَيْسَت من
стр. 1888
// حسن شعره بل هى ضَعِيفَة من ضَعِيف // ومطلعها
(دَار عَلَيْهَا وَحْشَة وقتام ... )
وَتوفى عقيب نظمها بأيام وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَانِينَ وَألف عَن ثَلَاث وَسبعين سنة وَدفن بتربتهم بِجَامِع جدهم بميدان الْحَصَا وروى عَنهُ انه قَالَ عِنْد حَالَة نَزعه أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿يَا حَيّ يَا قيوم بِرَحْمَتك أستغيث وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على جَمِيع الانبياء وَالْمُرْسلِينَ وعَلى خَاتم الرُّسُل الْكِرَام الذى هدَانَا ودلنا على سَبِيل الله أشهد الله على وَمَلَائِكَته بأنى أشهد أَن لَا اله الا الله آمَنت بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وَالْقدر خَيره وشره من الله تَعَالَى الى يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون الا من أَتَى الله بقلب سليم وَحكى انه رأى الْغَوْث فى رَابِع وعشرى جُمَادَى الْآخِرَة وَبَين يَدَيْهِ أَبُو الْغَيْث وَاقِفًا فى حرم الْمَدِينَة المنورة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام وَهُوَ ينشد هَذِه الابيات
(يَا أَبَا الْغَيْث هَل يُجَاب دُعَاء ... رحت تَدعُوهُ من لسانى وتسأل﴾
(ويجئ المشير مِنْك بشيرا ... بالتهانى يَقُول سعدك أقبل)
(كنت أَشْقَى الانام قولا وفعلا ... فَعَلَيْك الْكَرِيم لطفا تفضل)
(كل هَذَا بِفضل أَحْمد اذ كَانَ شَفِيعًا ذَاك النبى الْمفضل ... )
فأنشدنى رجل بِغَيْر صَوت أسمعهُ وَلَا أرَاهُ وَأَظنهُ ملكا مقربا
(هاكها قد أتتك وَالْخَيْر يَتْلُو ... بعضه الْبَعْض والمواهب تترى)
(سَوف يَأْتِيك مَا أَقُول قَرِيبا ... سَوف تلقى من بعد كسرك جبرا)
(سَوف يَأْتِيك مَا أَقُول قَرِيبا ... سوفى تلقى من بعد عسرك يسرا)
(كنت كَلْبا فهاك قد صرت ليثا ... تختشيك الاسود سرا وجهرا)
وَقَالَ لى أَمِير الْمُؤمنِينَ سعد بن عبَادَة قَالَ لعرابة وَهُوَ تابعى أرى كثيرا من النَّاس يَقُولُونَ يَا رب خَاتِمَة الْخَيْر وَالْخَوْف من السَّابِقَة قَالَ الله تَعَالَى بعد أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿ان الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ فَقلت يَا سيدى كَيفَ حَال الْوَاحِد منا من العصاة بعد قَوْله
لَو علم الْمَرْء مَا يَأْتِيهِ بعد الْمَوْت مَا أكل أَكلَة وَلَا شرب شربة الا وَهُوَ يبكى وَيضْرب على صَدره فجاءنى شيخ الاسلام الشَّيْخ مُحَمَّد البطنينى وَقَالَ لى أما حدثتك بِحَدِيث رَسُول الله
انه قَالَ أقيلوا ذوى الْبيُوت عثراتهم فان الله نَاظر اليهم وان كَانَ جدك مَمْلُوكا وَجَدْتُك جَارِيَة حبشية غفر الله لَك وَقد غفر لَك ببيتين
стр. 1889
قلتهما أَيَّام كنت لبطنك وفرجك وهما
(حتام سفن اما بَينا على يبس ... تجرى بجنح ظلام مطفئ القبس)
(لَعَلَّ من جَانب الالطاف يدركا ... ريح النجَاة فننجوا آخر النَّفس)
وَقَالَ
ان من الشّعْر لحكمة وان من الْبَيَان لسحرا فَكَانَ سَبَب خلاصى ببيتين وَكنت قد نسيتهما كَمَا وَقع لِابْنِ هانى المكنى بأبى نواس الحكمى غفر لَهُ بِأَبْيَات قَالَهَا وهى قَوْله
(تَأمل فى رياض الارض وَانْظُر ... الى آثَار مَا صنع المليك)
(عُيُون من لجين شاخصات ... باحداق كَمَا الذَّهَب السبيك)
(على قضب الزبرجد شاهدات ... بَان الله لَيْسَ لَهُ شريك)
مَنْصُور بن عبد الرَّزَّاق بن صَالح الْمَعْرُوف بالطوخى المصرى الشافعى امام الْجَامِع الازهر الشَّيْخ الامام الْعَلامَة صدر الافاضل وَشَيخ المدرسين وَبَقِيَّة الْعلمَاء المتمكنين أَخذ الْفِقْه والْحَدِيث وَغَيرهمَا من الْعُلُوم الدِّينِيَّة عَن جمع من الْعلمَاء الاعلام مِنْهُم الشَّمْس الشوبرى والشهاب القليوبى وَالشَّيْخ سُلْطَان وَالشَّمْس البابلى والنور الشبراملسى وَغَيرهم من أكَابِر الشُّيُوخ واكب على طلب الْعلم والتقيد بِهِ حَتَّى بلغ الْغَايَة القصوى فى جَمِيع الْعُلُوم وَشهد أشياخه لَهُ بِالْفَضْلِ التَّام واعترف لَهُ أكَابِر عُلَمَاء عصره بالتفوق على اقرانه وتصدر للاقراء بِجَامِع الازهر وَصرف فِيهِ جَمِيع اوقاته حَتَّى كَانَ يَأْتِيهِ غداؤه وعشاؤه فى مَكَان درسه وَلَا يذهب الى بَيته الا بعد الْعشَاء بساعة ويأتى الى الْجَامِع قبل الْفجْر وَاسْتمرّ على هَذِه الْحَالة الى أَن توفى وَكَانَ ورعا جدا وَحج وَأخذ عَنهُ بالحرمين جمَاعَة وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى الْمحرم سنة تسعين وَألف وَدفن بتربة المجاورين رَحمَه الله تَعَالَى
مَنْصُور بن على السطوحى الْمحلى نزيل مصر ثمَّ الْقُدس ثمَّ دمشق الشافعى الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمَشْهُور بِالْعبَادَة والعرفان والبالغ الى مرتبَة التفرد فى الزّهْد وَعظم الشان دخل مصر وَصَحب بهَا الشَّيْخ الولى الصَّالح مبارك وَأخذ عَنهُ طَرِيق الشاذلية وسلك مَسْلَك الْقَوْم وهجر المألوف وَالنَّوْم وصقل قلبه بصيقل المجاهده فشاهد فى طَرِيق الْحق مَا شَاهده وجاور بِجَامِع الازهر وَقَرَأَ الْكثير وَمهر وبهر ومشايخه كَثِيرُونَ رَأَيْت بِخَطِّهِ اجازة كتبهَا لبَعض المقدسيين قَالَ فِيهَا عِنْد ذكر مشايخه فَمنهمْ القطب الربانى شيخ عصره بِمصْر الشَّيْخ نور الدّين الزيادى
стр. 1890
وَمِنْهُم شيخ الْمُحَقِّقين ولسان الْمُتَكَلِّمين وَحجَّة المناظرين وبستان المفاكهين الشَّيْخ أَحْمد الغنيمى وَجَمِيع مَا أذكرهُ من مشايخى عِنْد الحذاق أشهر من قفا نبك فَلَا نطيل بِذكر أوصافهم والذى أذكرهُ مِنْهُم لَيْسَ الا كَمَا قَالَ الْقَائِل فى الْمَعْنى وَأحسن
(لى سادة من عزهم ... أَقْدَامهم فَوق الجباه)
(ان لم أكن مِنْهُم فلى ... فى ذكرهم عز وجاه)
وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو بكر الشنوانى وَمِنْهُم القاضى يحيى الشامى الحنبلى وَمِنْهُم الشَّيْخ ابراهيم اللقانى وَمِنْهُم الشَّيْخ يُوسُف الزرقانى وَالشَّيْخ سَالم الشبشيرى وَمِنْهُم الشَّيْخ سُلَيْمَان البابلى وَمِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد الجابرى وَمِنْهُم الشَّيْخ عبد الله الدنوشرى وَمِنْهُم الشَّيْخ سراج الدّين الشنوانى وَمِنْهُم الشَّيْخ عبد الْمُنعم بن الشَّيْخ طه المالكى وَمِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد الْقصرى وَمِنْهُم الشَّيْخ أَحْمد الكلبى وَمِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد البكرى وَمِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشلبى وَمِنْهُم الشَّيْخ حجازى الْوَاعِظ وَمِنْهُم وَهُوَ أَوَّلهمْ صَاحب الدّين المتين الذى اشْتهر انه يقرئ الْجِنّ الشَّيْخ يس المالكى وَمِنْهُم الشَّيْخ مُوسَى الدميتى وَمِنْهُم الشَّيْخ ابراهيم المعمرى وَمِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد الحبار وَمِنْهُم الشَّيْخ محب الدّين المنزلاوى وَمِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد الخوانكى ولى مَشَايِخ أخر يُؤدى ذكرهم الى الاطالة نفعنا الله تَعَالَى بهم وببركاتهم جَمِيعًا انْتهى ثمَّ قدم الى الْقُدس وَأقَام بهَا منعكفا على الْعِبَادَة وتلاوة كَلَام الله تَعَالَى الْقَدِيم والقاء حَدِيث النبى الْعَظِيم وَاسْتقر منعزلا عَن النَّاس وَلَا يخالطهم فى وَحْشَة وَلَا ايناس فحسده أهل الْقُدس على حبه الخفاء وشهرته تأياه ولاقبال الكبراء والاعيان عَلَيْهِ مَعَ أَن ذَلِك بِخِلَاف رِضَاهُ فأظهروا لَهُ الشرة والتجرى وأسندوا اليه أمورا هُوَ مِنْهَا فى غَايَة التبرى
(وحاشاه من قَول عَلَيْهِ مزور ... وَمَا علمت ذَنبا عَلَيْهِ الملائك)
فَهَاجَرَ الى دمشق فقابلته بتأهيل وترحيب وأنزلته فى صدر مِنْهَا رحيب وَأقَام بالجامع الْمَعْرُوف بالصابونية قرب بَاب الصَّغِير يقْصد ويزار واليه بالورع التَّام والزهد الْكَامِل يشار انعكفت عَلَيْهِ أهل دمشق قاطبة واعتقدوه وأحبوه حَتَّى صَار من تلامذته ومريدية خلق كثير من أَهلهَا دمشق وَكَانَ سَببا لنشر حفظ الْقُرْآن فِيهَا فان الْحفاظ صَارُوا أَكثر من أَرْبَعمِائَة نفر بِنَفسِهِ الْمُبَارك وَأقَام على حَالَته الْمَذْكُورَة ايضا منعزلا لَا يذهب الى اُحْدُ من الْحُكَّام بل هم يأْتونَ اليه ويلتسمون مِنْهُ الدُّعَاء ويأتى محبوه اليه بالاطعمة النفيسة والاحسانات وَهُوَ لَا يدّخر مِنْهَا
стр. 1891
شَيْئا وَكَانَ كثيرا مَا يحجّ فى غَالب السنين وَحج فى سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وجاور بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ السّنة هى السّنة الَّتِى مَاتَ فِيهَا فَأرْسل اليه الشَّيْخ عبد الْجواد المنوفى من مَكَّة الى الْمَدِينَة هَذِه القصيدة يهنئه بالمجاورة عِنْد خير خلق الله مُحَمَّد
(دَار الحبيب أَحَق أَن تهواها ... وتحن من طرب الى ذكرَاهَا)
(وعَلى الجفون مَتى هَمَمْت بزورة ... يَا ابْن الْكِرَام عَلَيْك أَن تنساها)
(فَلَانَتْ انت اذا حللت بِطيبَة ... وظللت ترتع فى ظلال رباها)
(مغنى الْجمال من الخواطر والتى ... سلبت عقول العاشقين حلاها)
(لَا تحسب الْمسك الذكى كثربها ... هَيْهَات أَيْن الْمسك من رياها)
(طابت فان تبغى التَّطَيُّب يَا فَتى ... فأدم على السَّاعَات لثم ثراها)
(أبشر ففى الْخَبَر الصَّحِيح مُقَرر ... ان الاله بِطيبَة سَمَّاهَا)
(واختصها بالطيبين لطيبها ... واختارها ودعا الى سكناهَا)
(لَا كالمدينة منزلا وَكفى بهَا ... شرفا حُلُول مُحَمَّد بفناها)
(حظيت بجيرة خير من وطئ الثرى ... وأجلهم قدرا فَكيف ترَاهَا)
فَأَجَابَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الابيات وهى قَوْله
(أيا سَائِلًا عَنى وَعَن وصف خلتى ... تُرِيدُ بهَا حظا بأوفر بغيتى)
(مآرب أمرى ثمَّ مربى مآربى ... باقوال ربى ثمَّ افعال سنة)
(مجامع أمرى فى اجْتِمَاع أحبتى ... بِطيبَة اذا طابت لنَفس زكية)
(وقرة عين فى اقتراب منيتى ... بموطنها ان شَاءَ رب الْبَريَّة)
(وأهنى باخبار الاحبة كلما ... أَرَاهَا بِعَين الرَّأْس ثمَّ البصيرة)
(وأذكر مَا بَين المحبين شَأْنهَا ... فتصغى لَهَا أهل الصَّفَا والمودة)
(فيا قرب دارى بالمحبين كلهم ... وسيدهم يَوْم اللقا وَالْغنيمَة)
(فَللَّه در المغبطين لنا بهَا ... وَقدر بحت نفسى تهنى ببغيتى)
(فوَاللَّه لَا أنسى محبا ومخلصا ... وعبدا لجواد كريم السجية) ٥ وروى عَنهُ انه قَالَ لما وصلته أَبْيَات الشَّيْخ عبد الْجواد أرسل لنا الشَّيْخ هَذِه الابيات يودعنا بهَا وَكَانَ كَمَا قَالَ وَكَانَت وَفَاته فى حادى وعشرى شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بِالبَقِيعِ بِالْقربِ من مرقد سيدنَا ابراهيم بن النبى
стр. 1892
مَنْصُور بن يُونُس بن صَلَاح الدّين حسن بن أَحْمد بن على بن ادريس البهوتى الحنبلى شيخ الْحَنَابِلَة بِمصْر وخاتمة عُلَمَائهمْ بهَا الذائع الصبت الْبَالِغ الشُّهْرَة كَانَ عَالما عَاملا ورعا متبحرا فى الْعُلُوم الدِّينِيَّة صارفا أوقاته فى تَحْرِير الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة ورحل النَّاس اليه من الْآفَاق لاجل أَخذ مَذْهَب الامام أَحْمد رضى الله عَنهُ فانه انْفَرد فى عصره بالفقه أَخذ عَن كثير من الْمُتَأَخِّرين من الْحَنَابِلَة مِنْهُم الْجمال يُوسُف البهوتى وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن البهوتى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الشامى المردارى وَأكْثر أَخذه عَنهُ وَعنهُ الشَّيْخ مُحَمَّد وَمُحَمّد بن أَبى السرُور البهوتيان وابراهيم بن أَبى بكر الصالحى وَغَيرهم وَمن مؤلفاته شرح الاقناع ثَلَاثَة أَجزَاء وحاشية على الاقلاع وَشرح على مُنْتَهى الارادات للتقى الفتوحى وحاشية على الْمُنْتَهى وَشرح زَاد المستنقع للجحاوى وَشرح الْمُفْردَات للشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الهادى المقدسى وَكَانَ مِمَّن انْتهى اليه الافتاء والتدريس وَكَانَ شَيخا لَهُ مَكَارِم دارة وَكَانَ فى كل لَيْلَة جُمُعَة يَجْعَل ضِيَافَة وَيَدْعُو جماعته من المقادسة واذا مرض مِنْهُم أحد عَاده وَأَخذه الى بَيته ومرضه الى أَن يشفى وَكَانَت النَّاس تَأتيه بالصدقات فيفرقها على طلبة الْعلم فى مَجْلِسه وَلَا يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا وَكَانَت وَفَاته ضحى يَوْم الْجُمُعَة عَاشر شهر ربيع الثانى سنة احدى وَخمسين وَألف بِمصْر وَدفن فى تربة المجاورين رَحمَه الله تَعَالَى
الامير مَنْصُور الْمَعْرُوف بِابْن الفريخ تَصْغِير فرخ البدوى أَمِير الْبِقَاع العزيزى بعد اولاد الحنش كَانَ فى أول أمره بدويا من عرب تِلْكَ الْبِلَاد وَكَانَ يتكسب بالرجادة ثمَّ انْتهى أمره الى أَن حَاز الامارة وتظاهر بقتل المناحيس وَأهل الزعارة والشطارة وَكَانَ يبغض اللُّصُوص والقطاع ويعاملهم اذا قبض عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ والتمثيل وَكَانَ يحب أهل الشجَاعَة حَتَّى عظم أمره فولى حُكُومَة الْبِقَاع ثمَّ أعْطى حُكُومَة نابلس وانحاز اليه جمَاعَة من جند دمشق واشتهر وأخاف الدروز ثمَّ شن الغارات عَلَيْهِم وَكَانَ هُوَ السَّبَب فى أَخذ ابراهيم باشا أحد الوزراء فى عهد السُّلْطَان مُرَاد بن سليم اليهم وَقد جَاءَ من نِيَابَة مصر ثمَّ كَانَ قيدومه حَتَّى أثر فيهم وَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة واختفى مِنْهُ أَمِيرهمْ الامير قرقماس بن معن حَتَّى مَاتَ فى اختفائه ثمَّ جمع لَهُ بَين حُكُومَة نابلس وصفد وعجلون وَالْبِقَاع وأضيف اليها امارة الْحَاج وَالْتزم مَالا عَظِيما على صفد ونابلس وَجعل نابلس باسم وَلَده وعجلون باسم وَاحِد من جماعته
стр. 1893
يُقَال لَهُ دالى على وصفد باسمه وَالْبِقَاع بحاكم من قبله وسافر بِالْحَجِّ مرَّتَيْنِ فى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وفى الَّتِى بعْدهَا ثمَّ زَاد عتوه وتمرده وَخرب بلادا كَثِيرَة وَقتل خلقا كثيرا وَعمر عمارات عَظِيمَة بالبقاع بقرية قبر الياس وَشرع فى عمَارَة دَار عَظِيمَة خَارج دمشق قبلى دَار السَّعَادَة لم يرسم مثلهَا جعل بَابهَا بالرخام الابيض وَالْحجر الاحمر المعدنى وَنقل لَهَا الرخام من بِلَاد السواحل وَالْحِجَارَة من الْبِقَاع وَاسْتعْمل فِيهَا العملة بالسخرة وَسيرَته طَوِيلَة وَكَانَ مَعَ مَا هُوَ فِيهِ من التعدى ملازما للصلوات محبا للسّنة وَأَهْلهَا مبغضا للرافض والدروز والتيامنة شَدِيدا على المفسدين وَكَانَت الطرقات آمِنَة فى أَيَّامه ثمَّ لما ولى مُرَاد باشا نِيَابَة الشَّام وَهُوَ الذى صَار آخرا وزيرا أعظم طلع من صيدا فى سنة احدى بعد الالف فخدمه الامير فَخر الدّين بن معن بِخِدْمَة سنية وأطعمه بِكُل جزئية وكليه فَعمل مُرَاد باشا على قبض الامير مَنْصُور صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ آمن مِنْهُ بعد أَن أمره بِعَمَل ضِيَافَة لَهُ فى بَيته الذى ابتناه عِنْد الدرويشية ثمَّ اعتذر عَن الذّهاب اليه وَأمره أَن تكون الضِّيَافَة عِنْده فى دَار السَّعَادَة فَلم يشْعر الامير مَنْصُور الا وَقد أحيط بِهِ ثمَّ أودعهُ قلعة دمشق وَعرض فِيهِ الى السُّلْطَان مُرَاد فجَاء الامر بقتْله فَقتل فى نَهَار الثلاثا ثَالِث عشر شهر ربيع الاول سنة اثْنَتَيْنِ وَألف وَأخرج من القلعة فى بلنسة عتيقة مَحْمُولا فِيهَا من غير نعش وَغسل فى بَيت زَوجته بنت مُرَاد باشا وَدفن بتربتهم قبلى ميدان العبيد خَارج بَاب الصَّغِير وَفِيه يَقُول الاديب يُوسُف العلمى مؤرخا
(فى السجْن شخص اشتبك ... مُقَيّدا من غير شكّ)
(من ظلمه وجوره ... عَلَيْهِ قد دَار الْفلك)
(فكم طَغى وَكن بغى ... وَكم سبى وَكم فتك)
(لم ير فى خير سعى ... وَلَا مَشى وَلَا سلك)
(فَلَا نجا لما اعْتدى ... وَلَا افتدى بِمَا ملك)
(وَقد أَتَى تَارِيخه ... ابْن فريخ جاهلك)
وَخلف عشرَة أَوْلَادًا أكبرهم قرقاس الظَّالِم العسوف وَكَانَ عِنْد قتل وَالِده مُقيما ببوارش من أَرض الْبِقَاع فَأرْسل مُرَاد باشا الى الامير فَخر الدّين بن معن يَأْمُرهُ بالكبس عَلَيْهِ فَتوجه اليه فى جمع عَظِيم من الدروز والتيامنة فَقبل وُصُوله الى بوارش الَّتِى كَانَ نازلا فِيهَا جَاءَهُ النذير ففر وَمَعَهُ نَحْو مائَة بندقانى فعمدوا الى
стр. 1894
بيوته فنهبوها وحرقوها ونقلوا محاسنها الى بِلَادهمْ ثمَّ نزلُوا الى قبر الياس وبعثوا الى مُرَاد باشا يخبرونه أَن قرقاس هرب الى ابْن سَيْفا بِبِلَاد كسروان فَأرْسل مُرَاد باشا يَأْمُرهُم بالرحيل عَن قبر الياس اليه ثمَّ جَاءَت الاخبار بِأَن قرقاس لما توجه من بوارش هَارِبا الى ابْن سَيْفا لم يُمكنهُ ابْن سَيْفا من النُّزُول عَلَيْهِ فى بِلَاده فَتفرق عَنهُ من كَانَ مَعَه وَلم يدر أَيْن ذهب وَالله أعلم قلت ثمَّ كَانَت عاقبته أَنه قتل على يَد الامير مُوسَى بن الحرفوش بمواطأة الامير فَخر الدّين بن معن وَكَانَ قَتله فى حُدُود سنة ثَلَاث بعد الالف
مَنْصُور سبط شيخ الاسلام نَاصِر الدّين الطبلاوى نِسْبَة لبلدة بالمنوفية من أقاليم مصر الشافعى الشَّيْخ الْعَالم الْمُحَقق خَاتِمَة الْفُقَهَاء ورحلة الطلاب وَبَقِيَّة السّلف برع فى التَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث والنحو والتصريف والمعانى وَالْبَيَان وَالْكَلَام والمنطق والاصول وَغَيرهَا من الْعُلُوم فَلَا يدانيه فِيهَا مدان بِحَيْثُ انه تفرد فى اتقان كل مِنْهَا وقلما يُوجد فن من الْفُنُون العلمية الا وَله فِيهَا الملكة القوية ولد بِمصْر وَبهَا نِشأ وَحفظ الْقُرْآن بالروايات واشتغل بعلوم الشَّرْع والمعقولات وَأخذ الْفِقْه عَن الشَّمْس الرملى والعربية عَن أَبى النَّصْر بن نَاصِر الدّين الطبلاوى ولازم فى الْعُلُوم النظرية الْمُحَقق الشهَاب أَحْمد بن قَاسم العبادى وَبِه تخرج وببركته انْتفع وَحصل وَجمع وَأفْتى ودرس ولازمه بعده جلّ تلامذته وَمِمَّنْ لَازمه وَأخذ عَنهُ علوما عديدة الشَّمْس مُحَمَّد الشوبرى وَألف المؤلفات السّنيَّة ورزق السَّعَادَة فِيهَا فانتشرت واجتهد النَّاس فى تَحْصِيلهَا وسارت بهَا الركْبَان وَمن مؤلفاته شرح على الازهرية فِي مُجَلد حافل وَشرح على شرح تصريف الْعُزَّى للتفتازانى ونظم الاستعارات وَشَرحهَا ونظم عقيدة النسفى وَله مؤلف فى لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَغير ذَلِك من كتب ورسائل وجرد حَاشِيَة شَيْخه ابْن قَاسم الْمَذْكُور على التُّحْفَة لِابْنِ حجر وَلم يزل مشتغلا بِالْعبَادَة والافادة حَتَّى توفى وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الثلاثا رَابِع عشر ذى الْحجَّة سنة أَربع عشرَة بعد الالف
مَنْصُور الشهير بالفرضى الشافعى المصرى نزيل الصالحية بِدِمَشْق الْفَقِيه الفرضى الحيسوب فَرد وقته أَخذ بِمصْر عَن عُلَمَاء أجلاء ثمَّ ورد صالحية دمشق فَنزل بِالْمَدْرَسَةِ العمرية وقطن بهَا مُدَّة حَيَاته ودرس بهَا وَأفَاد واشتغل عَلَيْهِ جمَاعَة من فضلاء دمشق وانتفعوا بِهِ من أَجلهم بَقِيَّة الْبَيْت الغزى الشَّيْخ الْعَالم عبد
стр. 1895
الْكَرِيم ابْن الشَّيْخ سعودى مفتى الشَّافِعِيَّة بِدِمَشْق الْآن وَغَيره وَكَانَ صَالحا ناسكا حسن السمت والنزاهة وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت عَاشر ذى الْقعدَة سنة سبعين وَألف
الامير مَنْصُور الْمَعْرُوف بِابْن الشهَاب التيمانى أَمِير وادى التيم وَابْن أميرها ولآبائه وعمومته قدم فى امارة الوادى الْمَذْكُور وجورهم بِالنِّسْبَةِ الى أُمَرَاء بِلَاد الشَّام كالدروز بنى معن والرفضة بنى الحرفوش وَبنى سرحان مَقْصُور على أنفسهم من حَيْثُ المعتقد فَحسب ومالهم فى الْقَدِيم والْحَدِيث كَثْرَة أذية للْمُسلمين وبلادهم الْمَذْكُورَة من أصح بِلَاد الشَّام هَوَاء وأطيبها بقْعَة والامراء المذكورون يسكنون مِنْهَا حاصبيا وريشيا قريتين وَلَهُم فيهمَا أبنية نفيسة وعمارات فائقة وَكَانَ الامير مَنْصُور الْمَذْكُور صَاحب بسطة فى المَال لطيف الشكل والمصاحبة مائلا الى المعاشرة والمباسطة عَاقِلا ذَا فكرة جَيِّدَة الا انه لعبت بِهِ وساوس الحشمة فأدته الى مُوَافقَة عبد السَّلَام وَبَقِيَّة رُؤَسَاء جند الشَّام فى مصادمة مرتضى باشا لما ولى نِيَابَة الشَّام وقارب أَن يدخلهَا وَكَانَ عبد السَّلَام كَاتب الامير مَنْصُور وَابْن عَمه الامير عليا فى هَذَا الامر وَطلب اسعافه بِالرِّجَالِ فَجمعُوا من بِلَادهمْ جمعا عَظِيما وجاؤا بهم الى دمشق ثمَّ تجمع الْعَسْكَر وَخرج الفتيان ومعهما من الرعاع والاوباش مَا ضبط فَكَانَ أَرْبَعَة عشر ألفا وَكَانَ مرتضى باشا وصل الى القطيفة فَخَرجُوا الى محاربته فَلَمَّا سمع بخبرهم رَجَعَ وَلم يدْخل الى دمشق وَرَجَعُوا هم الى دمشق وَأقَام الاميران الْمَذْكُورَان بهَا أَيَّامًا وَأَقْبل الْعَسْكَر عَلَيْهِمَا وتغالوا فى تعظيمهما ومواساتهما فأعجبهما ذَلِك الاقبال وظنا أَن الدَّهْر سالمهما فى الْحَال والمآل وَحسن لَهما كثير أَن يسكنا دمشق ويدخلا فى زمرة جندها فانساغا وَلم يعْهَد فِيمَا أَحسب لَاحَدَّ من أهل بيتهما ذَلِك الانسياغ وتملكا دارين بمحلة القنوات احداهما اشْتَرَاهَا الامير مَنْصُور من بنى فرهاد والاخرى اشْتَرَاهَا الامير على من مخلفات الصنجقدار وصارا كِلَاهُمَا من كبار الْجند الْمعبر عَنْهُم بالبلوكباشية وَشرعا فى عمَارَة هذَيْن الدَّاريْنِ على أسلوب متقن مُحكم وزخرفاهما بأنواع الزخارف والنقوشات وجلبا اليهما الرخام من بلادهما واستمرا مُدَّة يصرفان جهدهما فى اتقان بنائهما حَتَّى تمت عمارتهما ولعمرى انهما أبدعا ونوعا وأجادا فِيمَا صنعا وَهَاتَانِ الداران بعد تناقل الايدى لَهما من محَاسِن دمشق الْآن وَاتفقَ قريب التَّمام قصَّة قتل عبد السَّلَام
следующие страницы →