← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

القسطنطيني المولد أحد وزراء الدولة العثمانية بل أوحدهم الَّذِي عزت بِهِ السلطنة وافتخرت الدولة وَكَانَ فِي وقته من مفاخره السامية وأفراده المتعالية وَبِه ظهر رونق الزَّمن وَعلا قدر الْفضل وَكَانَ عصره إِلَى أواسط مدَّته أحسن العصور وقته أَنْضَرُ الْأَوْقَات وَلم يكن فِي الوزراء من يحفظ أَمر الدّين وقانون الشَّرِيعَة مثله صعباً شَدِيدا فِي أُمُور الشَّرْع سهلاً فِي أُمُور الدُّنْيَا وَكَانَ حاذقاً مُدبر للْملك قَائِما بضبطه وَملك من نفائس الْكتب وعجائب الذَّخَائِر مَا لَا يدْخل تَحت الْحصْر وَلَا يضْبط بالاحصاء ولد بقسطنطينية وَنَشَأ بهَا واعتنى أَبوهُ بتهذيبه وأقرأه الْعُلُوم حَتَّى مهر وسمت همته نَحْو معالي الْأُمُور وسلك فِي بداية أمره طَرِيق المدرسين ثمَّ عدل إِلَى طَرِيق وَالِده فَتَوَلّى وَأَبوهُ فِي الصدارة الْعُظْمَى ولَايَة أَرض روم ايلي فظهرت كِفَايَته وحمدت طَرِيقَته ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى حُكُومَة الشَّام وأعطيها برتبة الوزارة وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وقدمها وَكَانَت أمورها مختلة النظام فأصلها وتقيد فِي أُمُور الْأَوْقَاف وأزال مَا بهَا من محدثات الْوَظَائِف وَغَيرهَا وَركب على أَوْلَاد معن وَبني شهَاب وَأقَام بالبقاع العزيزي أَيَّامًا حَتَّى أزالهم عَن بِلَادهمْ وقمع أهل الْفِتَن وَكَانَ قبل وَطْأَة قدمه دمشق ولغت بهَا أَيدي الْقَحْط حَتَّى عَمها وَبَلغت غرارة الْحِنْطَة فِي الثّمن إِلَى ثَمَانِينَ قرشا فنفع النَّاس فِي جلب الحبوبات من مصر وَأمر هُوَ بالبقاع بعمارة قاعة معظمة دَاخل درا الْإِمَارَة بِدِمَشْق فبنيت على أسلوب عَجِيب وَوضع غَرِيب ثمَّ طلب من الْبِقَاع إِلَى الرّوم فَسَار بالسرعة وعزل عَن حُكُومَة دمشق وجاءه أَمر حُكُومَة حلب وَهُوَ ذَاهِب فِي الطَّرِيق وَلم يدخلهَا وَبعد وُصُوله إِلَى قسطنطينية صَار قَائِما مقَام أَبِيه فِيهَا وَكَانَ السُّلْطَان إِذْ ذَاك بأدرنة وَأقَام أَيَّامًا قَليلَة ثمَّ طلب إِلَى أدرنة وَكَانَ وَالِده قد ابتدأه الْمَرَض فَلَمَّا وَصلهَا صَار قَائِما مقَامه فِي حَيَاته وَبعد أَيَّام قَليلَة توفّي وَالِده فَتَوَلّى مَكَانَهُ وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وأرخ بَعضهم تَوليته بقوله دولته نعْمَة الْإِلَه وسلك طَرِيقا فِي وزارته لم يسْبقهُ إِلَيْهَا أحد وَبلغ من الْأَحْكَام ونفوذ القَوْل مبلغا لَيْسَ فِيهِ مستزاد وَلم يبْق للنَّاس سوى التَّمَسُّك بعنايته ومراعاة حَاشِيَته وَكَانَ صائب الرَّأْي كَامِل الفراسة وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ من الفطنة أَنه جَاءَهُ يَوْمًا شخص بتوقيع فتفرس فِيهِ أَنه مَصْنُوع فَنَاوَلَهُ لأحد جماعته وَأمره بحفظه وَمضى على ذَلِك سِتّ سنوات فَجَاءَهُ يَوْمًا شخص آخر برقعة فَلَمَّا رَآهَا طلب التوقيع فجيء بِهِ فقابله على الرقعة ثمَّ سَأَلَ صَاحبهَا عَن كاتبها

стр. 352

فَأخْبرهُ بِهِ فَأرْسل إِلَيْهِ فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ أرَاهُ التوقيع وَقَالَ أَلَيْسَ هَذَا بخطك فاعترف بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كتبه فَأمر بِقطع يَمِينه وَعين لَهُ من بَيت المَال مَا يَكْفِيهِ فِي كل يَوْم وقصده الشُّعَرَاء من الْبِلَاد ومدحه جمَاعَة مِنْهُم وَالِدي المرحوم فَإِنَّهُ مدحه بِثَلَاث قصد أحداها الَّتِي أَولهَا (طيف يمثله الغرام بفكره ... أرجا يحار بطيه وبنشره) وَهِي قصيدة فائقة فِي بَابهَا وَكتب إِلَيْهِ رسائل عَجِيبَة الْإِنْشَاء وترجمه تَرْجَمَة استوعب الْمَدْح بِجَمِيعِ أفانينه فِيهَا وَكتب إِلَيْهِ الْأَمِير المنجكي فِي صدر رِسَالَة (يَا سيد الوزراء دَعْوَة مقْعد ... محت الْحَوَادِث رسمه فَعَسَى عَسى) (فَانْظُر إِلَيْهِ برأفة بل رَحْمَة ... يَكْفِيك من جرح الأسا ياما احتسى) (قد كَانَ سحبان الزَّمَان فَضِيلَة ... قطعت علوفته فَأصْبح أخرسا) وَمن الْغَزَوَات الَّتِي وَقعت أَيَّام وزارته وَعين إِلَيْهَا غَزْوَة إيوار عينه السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى فتحهَا فَسَار بِجَمِيعِ العساكر إِلَيْهَا وحاصرها وَوَقع بَينه وَبَين كفار المجر وقْعَة عَظِيمَة ومكروا بعسكره مَرَّات وخلصهم الله تَعَالَى بيمن تَدْبيره ثمَّ افتتحها فِي حادي عشري صفر سنة أَربع وَسبعين وَألف وَهدم مِمَّا يَليهَا قلعة تسمى بالقلعة الجديدة كَانَت الْكفَّار بنوها ليتحصنوا بهَا وَبَعْدَمَا قدم إِلَى مقرّ الدولة وَاسْتقر مُدَّة وَقد قويت شوكته وعظمت مهابته أَمر مخدومه بِالسَّفرِ إِلَى جَزِيرَة كريد لفتح بَلْدَة قندية الَّتِي كَانَت بَقِيَّة فِي هَذِه الجزيرة من بَين بلادها لم تفتح كَمَا شرحنا ذَلِك فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان إِبْرَاهِيم فوصلها فِي خَامِس ذِي الْقعدَة سنة سبع وَسبعين وَألف وَبنى بِالْقربِ مِنْهَا مَكَانا كَانَ متهدماً لتهيئة مهمات الْحصار ثمَّ نزلها بِمن مَعَه من العساكر وَكَانَ أَهلهَا حصنوها بأَشْيَاء لَا يُمكن حصرها وأضافوا لسورها سوراً آخر عمروه من دَاخل السُّور الْقَدِيم وَطَالَ الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ مُدَّة ثمَّ افتتحها صلحا فِي غرَّة جُمَادَى الأولى سنة ثَمَانِينَ وَألف ووردت البشائر إِلَى الْأَطْرَاف بالزينة وَكَثُرت تباشير النَّاس بِفَتْحِهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن أمرهَا كَانَ بلغ الْغَايَة وَطَالَ حَتَّى مل النَّاس من خَبَرهَا وَأَكْثَرت الشُّعَرَاء من التواريخ لهَذَا الْفَتْح وعملت الْقَصْد العجيبة حَتَّى رَأَيْت بعض الْفُضَلَاء أفرد الْأَشْعَار الَّتِي نظمت فِي ذَلِك وَفِي مدح الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة فبلغت شَيْئا كثيرا وَمن نوادرها التَّارِيخ اللَّفْظِيّ الْمَعْنَوِيّ لصاحبنا الشَّيْخ الْفَاضِل أَحْمد الصَّفَدِي وَهُوَ قَوْله فِي عَام ألف وَثَمَانِينَ عَام وَمن التهنئات

стр. 353

قصيدة الْعَلامَة الأديب الْمَشْهُور مصطفى بن عُثْمَان البابي الْحلَبِي قَاضِي الْمَدِينَة المنورة الْآتِي ذكره وَهِي من جيد شعره ومطلعها (لَك الله من ندب أذاهم صمما ... وطلاع أنجاد إِذا أم تمما) (نقاب بأعقاب الْأُمُور مُحدث ... كَأَن لَهُ مِنْهَا عَلَيْهَا مسترجما) (إِذا عرضت فِي جَانب الْملك زيغة ... أَرَاهَا قذى الأجفان أَو تتقوما) (وَقَامَ بأعباء الوزارة ناصحاً ... ووطأ فاستقصى وشاد فأحكما) (من النَّضر الغر الألى تركت لَهُم ... عزائمهم فِي غرَّة الدَّهْر مبسما) (إِذا ظمئت بيض الظبا فِي أكفهم ... تحاشوا لَهَا وردا سوى مصدر الظما) (لقد قرنوا بالنجدة الْعلم والتقى ... فقد نظموا طعمين شَهدا وعلقما) (فَفِي الجدب يستسقى بفضلهم احيا ... وَفِي الروع يستسقى ببيضهم الدما) (فيا أَسد الله الَّذِي إِن يحرم الفريسة ... أقراهم من الْأسد مطعما) (لِيَهنك فتح بَشرته سعوده ... بإقبال عز يمْلَأ الأَرْض والسما) (رَأَيْت بِهِ الْإِسْلَام يلتام شعبه ... وَقد كربت أَرْكَانه أَن تهدما) (فعلت بِجَيْش الْكفْر مَا أَنْت فَاعل ... وجرعته كأساً من الذل علقما) (فأخرت حَتَّى لم يجد مُتَأَخِّرًا ... وأقدمت حَتَّى لم يجد مُتَقَدما) (وَمَا اخْتَار موج الْبَحْر إِلَّا لِأَنَّهُ ... رأى موجه من موج سَيْفك أسلما) (فطوقتها طوق الْحَمَامَة نعْمَة ... وَإِنَّا لنَرْجُو فَوْقهَا لَك أنعما) (إِلَى أَن تعود الأَرْض بالأمن كعبة ... حَرَامًا وكل الدَّهْر شهرا محرما) وَبَعْدَمَا مهد أمورها وَبنى مَا كَانَ تهدم أَيَّام الْمُحَاربَة من مساكنها رَجَعَ إِلَى مقرّ حكومته وَكَانَ السُّلْطَان إِذْ ذَاك بأدرنة فَأَقَامَ مُدَّة ثمَّ عينه السُّلْطَان إِلَى محاربة الْقَوْم المعروفين بالليه من النَّصَارَى فَسَار فِي جمع عَظِيم لم يشْهد مثله وافتتح قلعة قمنيجة فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَعَاد إِلَى أدرنة وَأخذ فِي نقض الْأُمُور وإبرامها على الْوَجْه الحميد والرأي السديد ثمَّ تَغَيَّرت أطواره وحببت إِلَيْهِ الْعُزْلَة فَانْقَطع عَن الدِّيوَان وتعاطى الْمصَالح واشتغل باتخاذ الندماء وَكَانَ مَجْلِسه كُله فَوَائِد وَلم ينْسب إِلَيْهِ مَا يشينه سوى بعض التشاغل عَن أُمُور الرّعية وَإِلَّا فقد يُقَال إِن جَمِيع مزايا الْحسن جمعت فِيهِ فحاز من كل وصف كَمَاله وغايته ثمَّ رَحل السُّلْطَان من أدرنة إِلَى قسطنطينية وَذَلِكَ فِي أواسط الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف فَرَحل هُوَ مَعَه فَعِنْدَ وُصُوله ابتدأه

стр. 354

الْمَرَض وَكَانَ ابْتِدَاء مَرضه اليرقان الْأسود وعولج مِقْدَار سِتَّة أشهر فَلم يفد العلاج وَاشْتَدَّ بِهِ إِلَى أَن سَافر السُّلْطَان إِلَى أدرنة فِي شعْبَان من هَذِه السّنة وَخرج هُوَ على أَثَره من الْبَحْر فِي مركب إِلَى بلد سلورية وَوصل من الْبر إِلَى نواحي جور لي فأدركه أَجله فِي قَرْيَة بِالْقربِ مِنْهَا وَغسل بهَا وَأتوا بجنازته إِلَى قسطنطينية فَدفن مِمَّا يَلِي وَالِده بتربته الَّتِي كَانَ أَنْشَأَهَا بدرب الدِّيوَان وَصلى عَلَيْهِ مَكَان دَفنه وَذَلِكَ نَهَار الْأَرْبَعَاء سَابِع عشري شعْبَان سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَكَانَ قبل وَفَاته وقف كتبه ووضعها فِي خزانَة بالتربة الْمَذْكُورَة ورتب لَهَا أَرْبَعَة حفاظ وفيهَا من نفائس الْكتب مَا لَا يُوجد فِي مَكَان وَأَخْبرنِي بعض من أَثِق بِهِ أَنَّهَا خمنت بِأَرْبَعِينَ ألف قِرْش رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَمِين الدّين بن شهَاب بن أبي الْفضل بن عمر بن أَحْمد بن شرف الدّين الْمَعْرُوف بالداراني الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الْوَاعِظ الشَّافِعِي الْمَذْهَب كَانَ فَاضلا دينا خيرا لَهُ صَلَاح وَانْقِطَاع إِلَى الله تَعَالَى وَفِيه سَلامَة طبع وزهد وقناعة قَرَأَ على وَالِده وعَلى الشَّيْخ مُحَمَّد الأسطواني وَأخذ عَن مُحَمَّد البلباني وَمُحَمّد الخباز البطنيني وَعَن الْأُسْتَاذ الْكَبِير إِبْرَاهِيم بن حسن الكوراني نزيل الْمَدِينَة ودرس بِأحد بقع الْمدرسَة العمرية وَكَانَ يعظ بالجامع الْأمَوِي ويدرس بِهِ الْفِقْه وانتفع بِهِ جمَاعَة وَأَنا الْفَقِير من معتقديه ومحبيه فَإِنَّهُ كَانَ فِي جَمِيع أَحْوَاله على حد سَوَاء من الاسْتقَامَة وَالصَّلَاح وَكَانَ النَّاس يعظمونه وَيطْلبُونَ مِنْهُ الدُّعَاء وَهُوَ مَظَنَّة عَظِيمَة للدُّعَاء الصَّالح بل أرى ذَلِك فِيهِ عيَانًا وَكَانَ كثير الْأَمْرَاض نحيف الْبدن قانعاً بضنك الْعَيْش صبوراً وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ خير مَحْض من فرقه إِلَى قدمه وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمسين وَألف تَقْرِيبًا وَتُوفِّي لَيْلَة الْجُمُعَة ثَانِي عشر صفر سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف وَكَانَت جنَازَته حافلة وَدفن بعد صَلَاة الْجُمُعَة بمقبرة بَاب الصَّغِير والداراني بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة ثمَّ ألف وَرَاء نِسْبَة إِلَى داريا بياء مُشَدّدَة قَرْيَة عَظِيمَة بِدِمَشْق وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا على داراني من شواذ النّسَب لِأَنَّهُ على غير قِيَاس إِذْ الْقيَاس أَن تحذف الْألف الْأَخِيرَة لوقوعها سادسة كَمَا قَالُوا فِي قبعثر فبعثرى ثمَّ تحذف الْيَاء الأولى وتقلب الثَّانِيَة واواً كَمَا قَالُوا قصوى نِسْبَة إِلَى قصي فَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال فِي النِّسْبَة إِلَيْهَا داروي وَالله تَعَالَى أعلم الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الصَّفَدِي

стр. 355

الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي ثمَّ الْحَنَفِيّ إِمَام الدرويشية صاحبنا الشَّيْخ الْأَجَل الأديب الْفَاضِل اللبيب الشَّاعِر كَانَ فِيمَا تحققته من حَاله كثير الْفضل غَايَة فِي حسن الْأَخْلَاق سخي الطَّبْع لطيف المعاشرة ظريف النُّكْتَة والنادرة حمولاً صَدُوقًا صحبته من سنة أَربع وَسبعين إِلَى أَن مَاتَ فَمَا أنْكرت شَيْئا من أخلاقه وَكَانَ كثير الشّعْر ندي الْقَلَم وشعره عَلَيْهِ مسحة من الطلاوة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِمَّن يُنَوّه بِذكرِهِ وَلَا يهمل إِيرَاد شعره ولد بصفد وَقدم إِلَى دمشق وَمَا جَاوز الْعشْرين بِكَثِير فَأَقَامَ بِجَامِع المرادية مشتغلا بِعلم القراآت وَنسخ الْكتب وَكتب كثيرا ثمَّ قَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم الشَّيْخ مَنْصُور السطوحي وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر الصفوري واستجازهما فَأَجَازَهُ بمالهما وَحج فَأخذ عَن عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ ثمَّ تقلبت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أَن صَار شَاهدا بالمحكمة الْكُبْرَى ومحكمة الْبَاب ثمَّ ترك وَصَارَ إِمَامًا بِجَامِع المرحوم درويش باشا وخطيبا بِجَامِع الأغا وسافر إِلَى الرّوم مَرَّات ونال جِهَات ومعاليم ودرس بالعمرية وَوعظ بالجامع فِي يَوْم الاربعاء وَكَانَ يُقيم أَكثر أوقاته بالخلوة بِجَامِع الدرويشية يدرس فِيهَا القراآت والْحَدِيث والعقائد وَالْفِقْه وَالْأَدب وَله من التآليف منظومة فِي العقائد وَكتاب جمع فِيهِ ألف حَدِيث رتبها على حُرُوف المعجم وَجمع من شعره ديوانا فَسرق ثمَّ جمع آخر أَكْثَره من شعره المستجد بعد ذَلِك وظفر فِي مسوداته بِبَعْض الْمَسْرُوق فألحقه وَكنت فِي بعض الْأَحَايِين أداعبه إِذا قَرَأت لَهُ شعرًا من الدِّيوَان الْمَذْكُور فَأَقُول لَهُ أَظن هَذَا من الشّعْر الْمَسْرُوق فيفطن للغرض فيبتسم وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَن الشَّيْخ مصطفى بن سعد الدّين كَانَ دعاءه وَشَيخنَا الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ النابلسي وَعين يَوْمًا للدعوة ثمَّ عرض لَهُ مَانع فَأرْسل يعْتَذر إِلَيْهِمَا وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَلَاث وَسبعين فأرخ شَيخنَا تبطيله الدعْوَة الشَّيْخ قلب وتوارد مَعَه صَاحب التَّرْجَمَة مؤرخاً بقوله قلب الشَّيْخ وَكنت كثيرا مَا استنشده التاريخين وَأَقُول لَهُ أرى الشَّيْخ قلب الشَّيْخ قلب وَمن مستظرفاته مَا كتبه إِلَى شَيخنَا النابلسي الْمَذْكُور يستدعيه إِلَى روض وأرخ الدعْوَة بقوله (مَجْلِسنَا عبد الْغَنِيّ نزهة ... لناظر خَال عَن الْخَوْض) (فشرفونا واحضروا عندنَا ... فَنحْن فِي التَّارِيخ فِي روض) وَوَقع بيني وَبَينه مخاطبات نظماً ونثراً كَثِيرَة فَمن ذَلِك مَا كتبه إِلَيّ وَأَنا بالروم قَوْله (على الحبر الْأَجَل الْمُسْتَقيم ... طراز الْجُود ذِي الْفضل العميم)

стр. 356

(كثير الْخَيْر مِفْتَاح العطايا ... شرِيف النَّفس وَالنَّفس الْكَرِيم) (مُحَمَّد الْأمين وَمن تسامى ... بديع الصنع ذِي النّظر السَّلِيم) (عليم الْبَحْر من فن القوافي ... وبحر الْعلم ذِي الْقدر الجسيم) (بليغ النّظم مُنْتَظم اللآلئ ... طَوِيل الباع ذِي الْحلم الْحَلِيم) (كريم فاق فِي الْآفَاق ذكرا ... وَعم الأَرْض بِالْعلمِ الْعَلِيم) (سَلام من سَلام من سَلام ... قويم من قويم فِي قويم) (عَظِيم الْعرف كالمسك الذكي ... غضيض الطّرف كالورد الشميم) (ومصحوبا بخيرات حسان ... ورضوان بجنات النَّعيم) (فيغشى الْحبّ فِي روض أنيق ... ويلثم تربه لثم النديم) (وَفِي التَّقْبِيل عني نَاب أَنِّي ... كثير النوح فِي اللَّيْل البهيم) (من الأشواق شقّ الْقلب مني ... وأحرق مهجتي بعد الْحَمِيم) (لذيذ الْعَيْش عِنْدِي صَار مرا ... وَإِنِّي للفراق كَمَا السقيم) (فَإِن ألقيت طيفك فِي خيالي ... توقد فِي الحشا حمر الْجَحِيم) (وَلما جَاءَ طرس مِنْك حلى ... بنظم صَار كالدر النظيم) (فأنعشني وَلَكِن زَاد شوقي ... إِلَى لقياك فِي وجد عَظِيم) (فيا مولَايَ دم بِالْخَيرِ واسلم ... مدى الْأَيَّام بِالْفَضْلِ العميم) فَكتبت إِلَيْهِ الْجَواب (تذكر لَذَّة الْعَيْش الْمُقِيم ... فحن لذَلِك الْعَهْد الْقَدِيم) (وَبَات مؤرقا يطوي ضلوعا ... على شغف بشادنه الرخيم) (سقى عهدي بِهِ نوء الغوادي ... يرويهِ بصيبه العميم) (أَو أَنا كنت أجني فِي حماه ... ثمار الْحَظ فِي الرَّوْض النَّعيم) (وأروي فِيهِ زاهية القوافي ... عَن الصَّفَدِي كالدر النظيم) (بِأَلْفَاظ أرق من الحميا ... وألطف من محادثة النديم) (وأندى من رَبًّا هبت عَلَيْهَا ... صبا فاحت معطرة الشميم) (بروحي ثمَّ بِي أفدى سميري ... وَمن أَدْعُوهُ بالخل الْحَمِيم) (وَمن هُوَ فِي الحفيظة لَيْسَ يمشي ... على غير الصِّرَاط الْمُسْتَقيم) (أديب الدَّهْر مُخْتَار الْمعَانِي ... وفرد الْعَصْر ذُو الْقدر الجسيم)

стр. 357

(تملك كل وصف مستجاد ... بِحسن الْخلق والطبع السَّلِيم) (أيا مولَايَ دمت حفيظ ودي ... فودك من فُؤَادِي بالصميم) (بعثت إِلَيّ بالغر اللواتي ... تعرفنِي بأسلوب الْحَكِيم) (أَنْت نحوي على مضضي فَحلت ... حُلُول الْبُرْء فِي جسم السقيم) (وقاك الله من نكدي وحزني ... وحياني بمنظرك الوسيم) (وَدم تنتاشني من خطب دهر ... رماني بالنوى الصعب الذميم) (اجلك أَن يكون إِلَيْك هَذَا ... جوابي لَا من الوشي الرقيم) (فعذرا أَن فكري فِي انقباض ... تقاضاه التنائي كالغريم) (إِذا استنتجت مِنْهُ بعض شَيْء ... فينتجه من الشكل الْعَقِيم) وَكَانَت وَفَاته رَحمَه الله تَعَالَى نَهَار الْجُمُعَة سادس عشرى شهر ربيع الثَّانِي سنة مائَة وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَلم يُجَاوز السِّتين بِكَثِير وَقلت أرثيه (لهفي على الصَّفَدِي فَرد الدَّهْر من ... لعلاه كف المكرمات تُشِير) (طود الْفَضَائِل دكه حكم القضا ... فالأرض من أقْصَى التخوم تمور) (فَانْظُر ترى عجبا وَقد سَارُوا بِهِ ... جبلا غَدا فَوق الرِّجَال يسير) الشريف أَحْمد بن مَسْعُود بن حسن بن أبي نمى الشريف الحسني أحد أَشْرَاف مَكَّة صَاحب الْأَدَب البارع والأشعار السائرة المرغوبة ذكره ابْن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي تَرْجَمته نَابِغَة بني حسن وباقعة الفصاحة واللسن الساحب ذيل البلاغة على سحبان والسائر بأفعاله وأقواله الركْبَان أحد السَّادة الَّذين رووا الحَدِيث برا عَن بر والساسة الَّذِي فتقت لَهُم ريح الجلاد بعنبر فاقتطفوا نور الشّرف من روض الْحبّ الأنضر وجنوا ثَمَر الوقائع يانعاً بالعز من ورق الْحَدِيد الْأَخْضَر كَانَت لَهُ همة تزاحم الأفلاك وتراغم بعلو قدرهَا الْأَمْلَاك لم يزل يطْلب من نيل الْملك مَا لم يَفِ بِهِ عدده وعدده وَلم يمده من الْقَضَاء مدده ومدده فاقتحم لطلبه برا وبحرا وقلد للملوك بمدحه جيدا ونحرا لم يسعفه أحد وَلم يساعد إِذا عظم الْمَطْلُوب قل المساعد وَكَانَ قد دخل شهارة من بِلَاد الْيمن فِي حدى الجماديين من سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف وامتدح بهَا إمامها مُحَمَّد بن الْقَاسِم بقصيدة رَاح بهَا ثغر مديحه ضَاحِكا باسم وَطلب مساعدته على تَخْلِيص مَكَّة المشرفة لَهُ وإبلاغه من تحليته بولايتها امله وَكَانَ ملكهَا إِذْ ذَاك الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب

стр. 358

فَأَشَارَ فِي بعض أبياتها إِلَيْهِ وَطعن فِيهَا بسنان بَيَانه عَلَيْهِ ومطلعها (سلا من دمي ذَات الخلاخل وَالْعقد ... بِمَاذَا استحلت أَخذ روحي على عمد) (فَإِن أمنت أَن لَا تقاد بِمَا جنت ... فقد قيل أَن لَا يقتل الْحر بِالْعَبدِ) مِنْهَا وَهُوَ مَحل الْغَرَض (أغث مَكَّة وانهض فَأَنت مؤيد ... من الله بِالْفَتْح المقوض وَالْجد) (وَقدم أَخا ود وَأخر مباغضا ... يساور طَعنا فِي الْمُؤَيد وَالْمهْدِي) (ويطعن فِي كل الْأَئِمَّة مُعْلنا ... ويرضى عَن ابْن الْعَاصِ والنجل من هِنْد) فَلم يحصل مِنْهُ على طائل إِلَّا مَا أجَازه من فضل ونائل فَعَاد إِلَى مَكَّة المشرفة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَأقَام بهَا سنتَيْن ثمَّ توجه إِلَى الديار الرومية فِي أواسط شهر ربيع الثَّانِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين قَاصِدا ملكهَا السُّلْطَان مُرَاد خَان فورد عَلَيْهِ قسطنطينية الْعُظْمَى مقرّ ملكه وَاجْتمعَ بِهِ ومدحه بقصيدة فريدة وَسَأَلَهُ فِيهَا تَوليته مَكَّة المشرفة وأنشده إِيَّاهَا فِي أَوَاخِر شَوَّال سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف ومطلعها قَوْله (أَلا هبي فقد بكر النداما ... وَمَج المرج من ظلم الندى مَا) فَيُقَال أَنه أَجَابَهُ إِلَى ملتمسه وَمرَاده وأرعاه من مقْصده أخصب مُرَاده وَلَكِن مدت إِلَيْهِ يدا لهلك قبل نيل الْملك وَقيل أجزل صلته فَقَط فقد طمعه عَمَّا تمناه وقط وَلم يعد إِلَى مَكَّة وَتُوفِّي فِي تِلْكَ السّنة أَو الَّتِي تَلِيهَا وظفرت فِي آثَار السَّيِّد مُحَمَّد بن العرضي الْحلَبِي بِذكرِهِ فِي تَرْجَمَة أفردها لَهُ وَهِي من محَاسِن الْمَقُول فَذَكرتهَا تَتِمَّة للفائدة وَالْمَقْصُود التطرية وَمَا تمّ لَهَا أحسن من الْكَلَام الْمُهَذّب الْجَارِي عَن أَمْثَال هَذَا فَقَالَ فِي حَقه النقاب ابْن النقاب وَمن غذي بلبان أبي تُرَاب نبغة من الشَّجَرَة النَّبَوِيَّة الزاكية النجار المعجونة طينتها برند نجد والعرار طلع علينا بحلب سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف طُلُوع الْبَدْر فِي الدراه وَألقى بهَا عَصا التسيار وَكَأَنَّهُ من الْكَوَاكِب السيارة فَنزل مِنْهَا بصدر رحيب وقابلته بتأهيل وترحيب وكل من أبنائها تشوق لنزوله عِنْده فِي السعَة قَائِلا بِلِسَان الْحَال هَلُمَّ يَا ابْن رَسُول الله إِلَى الرَّاحَة والدعة فَأبى أَن ينزل الْأَعْلَى أفقر بَيت فِي الْمَدِينَة وَأَصْلحهُ هُوَ بَيت الشَّيْخ الزَّاهِد نَاصِر الدُّنْيَا وَالدّين الْمَعْرُوف بالصائغ وَمن ذيله بِالطَّهَارَةِ الدِّينِيَّة ضاف وسابغ مقتديا فِي ذَلِك بجده رَسُول الله حِين دخل الْمَدِينَة فَكَانَ كلما مر على دَار من دور الْأَنْصَار يَدعُونَهُ إِلَى الْمقَام عِنْدهم يَا رَسُول الله

стр. 359

هَلُمَّ إِلَى الْقُوَّة والمنعة فَيَقُول خلوا سَبِيلهَا يَعْنِي النَّاقة أَنَّهَا مأمورة وَلم يَزُجّ من زمامها وَلم يحولها وَهِي تنظر يَمِينا وَشمَالًا حَتَّى إِذا أَتَت دَار مَالك بن النجار بَركت على بَاب الْمَسْجِد وَهُوَ يَوْمئِذٍ لسهل وَسُهيْل ابْني رَافع بن عَمْرو وهما يتيمان فِي حجر معَاذ بن عفراء وَيُقَال أسعد بن زُرَارَة وَهُوَ الْمُرَجح ثمَّ ثارت وَهُوَ عَلَيْهَا حَتَّى بَركت على بَاب أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ثمَّ ثارت مِنْهُ وبركت فِي مبركها الأول وَأَلْقَتْ جِرَانهَا بِالْأَرْضِ يَعْنِي بَاطِن عُنُقهَا أَو مقدمها من المذبح ورزمت يَعْنِي صوتت من غير أَن تفتح فاها فَنزل عَنْهَا رَسُول الله وَقَالَ هَذَا الْمنزل إِن شَاءَ الله وَاحْتمل أَبُو أَيُّوب رَحْله وَأدْخلهُ بَيته وَمَعَهُ زيد بن حَارِثَة وَكَانَت دَار بني النجار أَوسط دور الْأَنْصَار وأفضلها وهم أخوال عبد الْمطلب جده ﵊ كَذَا فِي الْمَوَاهِب اللدنية للقسطلاني عود إِلَى تَمام سيرة ابْن هِشَام وَابْن سيد النَّاس وَخير الْأَنَام الني هِيَ أزكى من الرَّوْض الْأنف يفتر عَن زهر الكمام ثمَّ انثالت إِلَيْهِ من أَبنَاء الشَّهْبَاء عُيُون أعيانها من وُجُوه علمائها واشرافها الَّذين هم إِنْسَان حدقة انسابها انثيال الدّرّ إِلَى الْوَاسِطَة من عقد النَّحْر واحتفت بِهِ احتفاف النُّجُوم بالبدر فَمن دَعَاهُ نَادِيه فلباه حظي بإقبال وَجهه وطلعة محياه فرأيناه يحاضرنا بأخبار الشريف الرضي من وَجه مذْهبه فِي البلاغة وضي وَطَرِيقه وَهُوَ أَخُو المرتضى مرضى ويلهج كثيرا بأخباره ويحفظ أغلب أشعاره فمدحته بقصيدة مطْلعهَا (لله أكناف بخيف ... طابت وطاب بهَا وُقُوفِي) إِلَى أَن قلت فِي التَّخَلُّص إِلَى المديح (وَإِذا طلبت عريفهم ... ولأنت بالفطن العريف) (فَهُوَ الشريف ابْن الشريف ... ابْن الشريف ابْن الشريف) فقابل لَدَى إنشادها طَربا وَأظْهر إعجابا بهَا وعجبا قَائِلا لَا فض الله فَاك وَكثر من أمثالك فَقلت اسْتَجَابَ الله دعَاك كَمَا اسْتَجَابَ من جدك رَسُول الله حِين أنْشدهُ النَّابِغَة الْجَعْدِي (بلغنَا السما مجدا وجودا وسوددا ... وَإِنَّا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا) فَقَالَ لَهُ إِلَى أَيْن يَا ابْن أبي ليلى قَالَ إِلَى الْجنَّة يَا رَسُول فَقَالَ أجل ثمَّ قَالَ

стр. 360

(وَلَا خير فِي حكم إِذا لم يكن لَهُ ... حَكِيم إِذا مَا أورد الْأَمر أصْدرَا) فَقَالَ لَا فض الله فَاك فَبلغ عمره مائَة سنة وَلم يتَغَيَّر لَهُ سنّ بل كَانَ أحسن النَّاس ثغرا ثمَّ قصد الشريف الْمَزْبُور دَار السلطنة فلقي سُلْطَان الْوَقْت إِذْ ذَاك مُرَاد الْغَازِي ومدحه بقصيدته الَّتِي مطْلعهَا قَوْله (أَلا هبي فقد بكر النداما ... وَمَج المرج من ظلم الندى مَا) مِنْهَا (فيا ملك الْمُلُوك وَلَا أحاشي ... وَلَا عذرا أسوق وَلَا احتشاما) (أنفت بأنني أَلْقَاك مِنْهُم ... بِمَنْزِلَة الرِّجَال من الْأَيَامَى) (إِلَى جدواك كلفنا المطايا ... دواما لَا نفارقها دواما) (صلينَا من سموم القيظ نَارا ... تكون ببردك الناشي سَلاما) (وخضنا الْبَحْر من ثلج إِلَى أَن ... حسبناه على البيدا الكماما) (نَؤُم رحابك الفيح اشتياقا ... ونأمل مِنْك آمالا جِسَامًا) (وَمن قصد الْكَرِيم غَدا أَمِيرا ... على مَا فِي يَدَيْهِ وَلنْ يضاماا) (وحاشا بحرك الْفَيَّاض أَنا ... نرد بغلة عَنهُ هياما) (وَقد وافاك عبد مستهيج ... ندى كفيك والشيم الضخاما) (وَحسن الظَّن يقطع لي بِأَنِّي ... أنال وَإِن سما مِنْك المراما) (وَلَا بدع إِذا وافاك عاف ... فَعَاد يَقُود ذَا الْجب لهاما) (فقد نزل ابْن ذِي يزن طريدا ... عَليّ كسْرَى فأنزله شماما) (أَتَى فَردا فآب يجر جَيْشًا ... كسا الآكام خيلا والرغاما) (بِهِ استبقى جميل الذّكر دهرا ... وَأَنت أجل من كسْرَى مقَاما) (وَسيف لَو سمادوني فَإِنِّي عصامي وأسموه عظاما) (بفاطمة وابنيها وطه ... وحيدرة الَّذِي أشفى السقاما) (عَلَيْهِم رَحْمَة تهدي سَلاما ... يكون لنشرها مسكا ختاما) (وَفِي أملي بِأَن يجْزِيك عني ... بِي عَفوه ويطفي الأواما) (فَخذ بيَدي وسنمنى محلا ... بقربي مِنْك فِيهِ لن أسامى) (وهب لي منصبي لتنال أجري ... وشكري مَا بقيت بهَا لزاما) (فقد لعبت بِبَيْت الله حَقًا ... زعانف يسْتَحلُّونَ الحراما) (أغثه فَلَيْسَ مسئول غَدَاة ... الْمعَاد سواك إِن بعثت قيَاما)

стр. 361

(وَفك أَسِير أسر لَيْسَ يرضى ... بِأَن يغشى وَإِن خَفِي الملاما) (فَقل سل تعط أَعْطَاك الَّذِي لم ... يخف نقصا وَلم يخْش انتقاما) (مدى الْأَيَّام تخْفض ذَا اعوجاج ... وترفع من أطاعك واستقاما) (وَدم فِي دَار عمرك والأعادي ... تمنى فِي مضاجعها الحماما) قَوْله فقد نزل الأبيات يلمح إِلَى قصَّة سيف ذِي يزن لما تغلبت الْحَبَشَة على ملك الْيمن فَنزل بكسرى مستنجدا فأمده بِجَيْش انقشعت بِهِ غمامتهم فَعَاد سيف قرير الْعين إِلَى ملكه وَسكن غمدان قصره وَرجع إِلَى صولته وفتكه فانثالت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب بالتهنئة من كل فج عميق وَكَانَ من جُمْلَتهمْ عبد الْمطلب جدا النَّبِي وَهُوَ إِذْ ذَاك معرف قُرَيْش العريق وَالنَّبِيّ رَضِيع فِي المهاد محفوف بعيون الْعِنَايَة والاسعاد فَأخْبرهُ سيف أَنه سينجم أمره ويطلع بدره فِي قصَّة يطول شرحها مستوفاة فِي كتب السّير فَجعل صَاحب التَّرْجَمَة نَفسه كسيف وسلطان الْوَقْت ككسرى وَكَانَ الْأَنْسَب أَن يَجْعَل سُلْطَان الْوَقْت كقيصر لكَونه ملك الرّوم إِلَّا أَنه تحاشى عَن ذَلِك لكَون قَيْصر لما قَصده سيف لم ينجده وَلم يجبهُ إِلَى مُرَاده بل اعتذر إِلَيْهِ بانا نَحن والحبشة اخوان لكوننا جَمِيعًا أهل كتاب فَرجع من عِنْده خائبا قَالَ العرضي وَكَانَت رفادة الْبَيْت وسقاية الْحَاج الْمعبر عَنْهَا الْآن بسلطنة الْحَرَمَيْنِ مفوضا أمرهَا إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة إِلَّا أَنه فاضت فِي زمن تَوليته فتن ادت إِلَى خلعه وتولية ابْن عَمه الشريف زيد بن محسن بن حُسَيْن فسكن بيمن تَوليته نابض الْفِتْنَة وأخمد بِنور طلعته نَار المحنة وَكَذَا النُّور يخمد النيرَان فَلم يقر لصَاحب التَّرْجَمَة قَرَار دون أَن ينشر على رَأسه لواؤها وَالْعلم فَركب ابله وَجعل اللَّيْل جمله يفلي شعر الفلاة بِمشْط كل حافر ومنسم فَوجه تِلْقَاء مَدين دَار السلطنة العادلة رجاه ضَارِبًا بعصا تسياره أَحْجَار عرصاتها لينجز لَهُ مَا يترقبه ويتمناه من انعطاف السلطنة إِلَيْهِ ثَانِيًا فَلِذَا استماح سُلْطَان الْوَقْت بقوله وَقد أضحى لعنان همته ثَانِيًا ثمَّ ذكر قِطْعَة من قصيدته الْمُتَقَدّمَة قلت قد وقفت لَهُ على أشعار كَثِيرَة ذكرت مِنْهَا فِي النفحة الَّتِي ذيلت بهَا على الريحانة حِصَّة وافرة وقصيدته السينية الَّتِي مطْلعهَا قَوْله (حث قبل الصَّباح نجب كؤوسي ... فَهِيَ تسرى مسرى الفذافي فِي النُّفُوس) سائرة مَشْهُورَة فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا هُنَا وَكَانَ نظمها فِي طرسوس الْبَلدة الْمَعْرُوفَة

стр. 362

قرب طرابلس الشَّام فَإِنَّهُ كَانَ مر عَلَيْهَا قادما من نَاحيَة مصر على طَرِيق السَّاحِل وَبعد مَا عَاد من الرّوم مَاتَ فِي الطَّرِيق وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى الْأَمِير أَحْمد بن مطاف أَمِير الْأُمَرَاء بحلب ذكره أَبُو الْوَفَاء العرضي فِي تَارِيخه وَقَالَ فِي تَرْجَمته لم يزل يتدرج إِلَى المناصب حَتَّى تولى كَفَالَة حلب وَفِي تِلْكَ الْأَيَّام وَقع الْحَرِيق فِي سوق العطارين وَذهب للنَّاس أَمْوَال كَثِيرَة مَعَ أَن هَذَا الْأَمر لم يعْهَد فِي حلب قيل سَببه أَن بَعضهم نسي فِي الشقف بعض نَار وَقيل أَن جمَاعَة الكافل فعلوا ذَلِك عمدا حَتَّى يغرموا النَّاس الْأَمْوَال وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال وَالَّذِي قَالَه بعض أَرْبَاب الْعُقُول الْحَسَنَة أَن هَذَا الْأَمر وَقع من غفل رجل عَن النَّار وَظهر فِي زَمَنه من الْعَرَب فَسَاد كثير من قطع الطَّرِيق وَأخذ أَمْوَال النَّاس حَتَّى ركب ابْنه درويش بك بعساكر حلب نَحْو ألف فَارس وَكَانَ أَمِير الْعَرَب عرار خَال دندن فَاقْتَتلُوا وَانْهَزَمَ عَسْكَر حلب فَكَانَ عرار يتبعهُم وَحده وَيقتل مِنْهُم ويفرّ وَمن تَحْتَهُ فرسه الَّتِي لَا تسابق وَعَلِيهِ الدرْع الَّذِي لَا تعلم فِيهِ السِّهَام وَلَا السيوف قيل وَلَا المكاحل وَاسْتمرّ يتبعهُم إِلَى قرب حلب وَكَانَ عرار فِي الشجَاعَة والفروسية لَا يُطَاق وعاش درويش بعد وَالِده مُدَّة طَوِيلَة وَكَانَ من أكَابِر أَعْيَان المتفرقة وَحصل لَهُ الْقبُول التَّام عِنْد نصوح باشا وسعى على قتل السَّيِّد حُسَيْن نقيب الْأَشْرَاف بتحسين أَخِيه السَّيِّد لطفي قَائِلا لَهُ إِن أخي يفعل كَذَا وَيفْعل كَذَا وَسَيَأْتِي خبر قتل السَّيِّد حُسَيْن ثمَّ لما وَقعت الْفِتْنَة بَينه وَبَين حُسَيْن باشا ابْن جانبولاذ وَكَانَ يتهم درويش بك فِي أَنه هُوَ الَّذِي حسن لنصوح باشا كل هَذِه الْأُمُور فَلَمَّا ملك حُسَيْن باشا حلب وَصَارَ كافلها حبس درويش بك فِي القلعة وخنقه لَيْلًا وعلقه على بَاب الْحَبْس وَقَالَ إِن درويش بك هُوَ الَّذِي قتل نَفسه تجَاوز الله عَن الْجَمِيع وَكَانَ قَتله فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَأَبوهُ صَاحب التَّرْجَمَة مَاتَ قبله وَهُوَ باني الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بِهِ بحلب وَقد شَرط لمدرسها فِي الْيَوْم عشر قطع فضية فِي قَول عشْرين عثمانياً صَحِيحا وَاتخذ لَهُ ثَلَاثِينَ جُزْءا من كتاب الله تَعَالَى وَهُوَ ختم كَامِل وَبنى لَهُ مدفناً وَله خَان وَبَعض دكاكين وَقفهَا على هَذِه الْخيرَات وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان بعد الْألف وَدفن بمحلة الجلوم رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد السطيحة بن المقبول بن عبد الْغفار بن أبي بكر بن المقبول تعيش

стр. 363

الصَّائِم رَمَضَان فِي المهد ابْن أبي بكر صَاحب الْخَال الْأَكْبَر بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن أبي الْأَوْلِيَاء سُلْطَان العارفين بِاللَّه أَحْمد بن عمر الزَّيْلَعِيّ صَاحب اللِّحْيَة الَّذِي قَالَ فِي شَأْنه الْوَلِيّ الْكَبِير أَبُو الْغَيْث بن جميل حِين زَارَهُ وتعاطى خدمته بِنَفسِهِ وَقد سَأَلَ تلامذته عَنهُ وَعَن سَبَب تعاضيه خدمته بِنَفسِهِ دون غَيره من أَتْبَاعه أَنه مَا على الله الْآن أكْرم مِنْهُ وَأَن لَهُ لِوَاء يعرف بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وأكون أَنا وَأَنْتُم تَحت لوائه الإِمَام الْعقيلِيّ أحد أَوْلِيَاء الله تَعَالَى الْكِبَار الَّذين اشتهروا فِي سَائِر الأقطار فعمت بركاته وعظمت حالاته مولده اللِّحْيَة وَبهَا نَشأ وأقعد وَهُوَ صَغِير وَأخذ عَن أكَابِر الشُّيُوخ وَعنهُ أَخذ كثير من العارفين مِنْهُم الْخَتْم الإلهي أَحْمد بن مُحَمَّد القشاشي وَالْوَلِيّ الشهير مَقْبُول المحجب الزَّيْلَعِيّ وَغَيرهمَا وَمن كراماته أَن بعض السَّادة جَاءَهُ وَهُوَ مقْعد وَكَانَ يتَعَلَّم الْقُرْآن وَهُوَ صَغِير جدا فَقَالَ لَهُ فِي أُذُنه لما رأى الْأَطْفَال قَامُوا يتمشون ويلعبون بعد انفضاضهم من الْقِرَاءَة نقيمك يَا سطيحة تمشي مَعَهم فَقَالَ لَهُ مجيباً إِن أقمتنا أقعدناك فصاح وَخرج هَارِبا وَمِنْهَا أَنه قبل مَوته بأيام كَانَ يَقُول لزوجته إِذا مت فَلَا تصيحوا وَلَا تنوحوا عَليّ فَإِنِّي مُتَوَجّه من مَكَان إِلَى آخر وَهِي تَقول لَهُ وَكَانَت هِيَ أَيْضا من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى مَا يُمكن نخالف عَادَة أهل بلدنا فَإِذا لم نَفْعل ذَلِك يعيبوننا وَيَقُولُونَ إِنَّك عندنَا ممتهن فَقَالَ لَهَا إِن كُنْتُم تَفْعَلُونَ ذَلِك تفتشون عَليّ مَا تجدوني فَلَمَّا مَاتَ ناحوا عَلَيْهِ وَبكوا فَلَمَّا جهزوه وَأتوا بِهِ إِلَى الْمَسْجِد للصَّلَاة عَلَيْهِ فَبَيْنَمَا هم ينتظرون إِمَام الْمَسْجِد ليُصَلِّي عَلَيْهِ جَاءَ بعض النَّاس ومسه ليتبرك بِبدنِهِ فَلَمَّا وضع يَده على السَّاتِر الَّذِي يضعونه فَوق التابوت على الْمَيِّت لم يجده فِي التابوت فَأخْبر النَّاس فضحوا وتحيروا وصاروا يفتشون عَلَيْهِ ويظنون أَنه سقط حَتَّى جَاءَ بعض أكَابِر السَّادة بني الزَّيْلَعِيّ فَأَمرهمْ أَن يقرؤا سُورَة يس أَرْبَعِينَ مرّة فَلَمَّا أتموها وجدوه مَكَانَهُ وَكَانَت وَفَاته نصف لَيْلَة الْأَحَد ثامن شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف باللحية وَدفن بِقرب تربة جده الْفَقِيه أَحْمد بن عمر الزَّيْلَعِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى الْمولى أَحْمد بن نور الله البولوي نزيل قسطنطينية الْمَعْرُوف بذكي قَاضِي الْقُدس الشريف أحد من لَقيته من فضلاء اروم وأدبائها البارعين وَهُوَ أمثلهم فِي معرفَة فنون الْأَدَب واللغة وأرواهم للشعر الْعَرَبِيّ وأحفظهم للوقائع وَالْأَخْبَار وَكَانَ مَعَ ذَلِك متقناً للفقه والفرائض والصول كثير الْإِحَاطَة بمسائلها وَقد جمع إِلَى

стр. 364

تَحْقِيق الْعَجم فصاحة الْعَرَب وَكَانَ أستاذي عَلامَة الرّوم الْمولى شيخ مُحَمَّد بن لطف الله الْمَعْرُوف بعزتي يعظمه وَيعرف قدره ويقدمه وَهُوَ أحد أَتْبَاعه وملازميه وَصَحبه إِلَى دمشق ومصر أَيَّام قَضَائِهِ فيهمَا وولاه فيهمَا الْقِسْمَة وَكنت وَأَنا بالروم لَزِمته للأخذ عَنهُ والتلقي مِنْهُ فَقَرَأت عَلَيْهِ أصُول الْفِقْه وَأخذت عَنهُ الْفَرَائِض وَالْعرُوض ورسالة الرّبع وَهُوَ أَخذ عَن خَاله الْعَلامَة الْكَبِير الْمولى أَحْمد وَعَن غَيره ونفع الطّلبَة فِي ابْتِدَاء أمره مُدَّة فِي إقراء الْعُلُوم ثمَّ إِنَّه مَال إِلَى سلوك طَرِيق الموَالِي فدرس بعدة مدارس بقسطنطينية إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بوفاء برتبة السلميانية وَأعْطى مِنْهَا قَضَاء الْقُدس فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف وَقدم إِلَى دمشق وَأَنا بهَا فاجتمعت بِهِ ثمَّ سَار إِلَى الْقُدس وسلك فِي قَضَائِهِ بهَا مسلكاً معتدلاً ثمَّ عزل وَقدم إِلَى دمشق فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَتِسْعين وَمرض بهَا مُدَّة أَيَّام ثمَّ توجه إِلَى الرّوم وَهُوَ مَرِيض فَمَاتَ فِي الطَّرِيق بِمَدِينَة أركلة أَوَاخِر صفر سنة خمس وَتِسْعين وَألف وَدفن بهَا رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد بن يحيى بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن رَجَب خطيب دمشق وَابْن خطيبها الْمَعْرُوف بالبهنسي الْحَنَفِيّ أحد الْعلمَاء الرؤساء النبلاء كَانَ عَالما وجيهاً كثير التَّخْصِيص والتنغم وافر الْعِزَّة وَالْحُرْمَة مَحْفُوظًا فِي الدُّنْيَا موقراً عِنْد الْخَاصَّة والعامة قَرَأَ فِي أول أمره على وَالِده وَأخذ عَنهُ النَّحْو وَأخذ النَّحْو والمعاني عَن الشَّيْخ الشَّمْس ابْن المنقار وَالْحسن البوريني وَالْفِقْه عَن أَبِيه وَغَيره وتصدر للإقراء وانتفع بِهِ جمَاعَة وسافر مَعَ أَبِيه إِلَى الرّوم ولازم من قَاضِي الْعَسْكَر الْمولى مُحَمَّد بن بُسْتَان وانفصل عَن بعض مدارس الْأَرْبَعين وناب فِي خطابة الْجَامِع الْأمَوِي عَن وَالِده ثمَّ أعطيها بعد موت أَبِيه وَأفْتى بِدِمَشْق نِيَابَة عَن الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ مفتي الْحَنَفِيَّة لما حج فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَذَا لما مَاتَ الْمُفْتِي الْمَذْكُور فِي سنة إِحْدَى وَخمسين إِلَى أَن وجهت للعلامة مُحَمَّد بن قباد الْمَعْرُوف بالسكوتي الْآتِي ذكره وَتوجه إِلَى الْقُدس وَإِلَى الْحَج فِي سنة خمس وَأَرْبَعين ودرس بالعادلية الصُّغْرَى والعذراوية وَفرغ عَن العذراوية آخرا إِلَى زوج ابْنَته عبد اللَّطِيف بن عَليّ الكريدي وَكَانَت وِلَادَته فِي منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي منتصف جُمَادَى الآخر ة سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من بِلَال الحبشي رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 365

الشَّيْخ أَحْمد بن يحيى بن حسن بن نَاصِر الْحَمَوِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الْمُؤَذّن الْفَقِيه الشَّافِعِي القادري الطَّرِيقَة خطيب جَامع السُّلْطَان بِمَدِينَة حماه وَكَانَ عَالما محققاً مطلعاً واعظاً مُعْتَقدًا رَحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَغَيره من عُلَمَاء الْأَزْهَر وتفوق وبرع وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة وَأخذ بهَا عَن الْحسن البوريني وَغَيره وتصدّر للإفادة بحماة فَانْتَفع بِهِ جمَاعَة وذاع ذكره ثمَّة بِالْعلمِ وَالصَّلَاح وَكَانَت وَفَاته فِي رَجَب سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف بحماة وَقد جَاوز السِّتين هَكَذَا أَخْبرنِي وَلَده الشَّيْخ الصَّالح مُحَمَّد فِي منزلي بِدِمَشْق الشَّيْخ أَحْمد بن يحيى بن يُوسُف بن أبي بكر بن أَحْمد بن أبي بكر بن يُوسُف بن أَحْمد الْحَنْبَلِيّ الكرمي نِسْبَة لطور كرم من قرى نابلس ثمَّ الْقُدس كَانَ من الْعلمَاء العاملين والأولياء الزاهدين ولد بِبَيْت الْمُقَدّس فِي سنة ألف وَقَرَأَ الْقُرْآن بطور كرم وَأخذ الطَّرِيق عَن الْعَارِف بِاللَّه مُحَمَّد العلمي ورحل إِلَى الْقَاهِرَة سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وَأخذ بهَا الْفِقْه وَغَيره عَن عَمه مرعي الْحَنْبَلِيّ وَعَن مَنْصُور البهوتي ويوسف الفتوحي الحنبليين وَأخذ النَّحْو عَن مُحَمَّد النَّحْوِيّ والفرائض والحساب عَن عبد الْمُنعم الشرنوبي والْحَدِيث عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَعلي الأَجْهُورِيّ وَكثير وَكَانَ ملازماً لِلْعِبَادَةِ بمكانه الْمَعْرُوف بِجَامِع الْأَزْهَر مشتغلاً بالعلوم الدِّينِيَّة لَا يتَرَدَّد إِلَى أحد من أَرْبَاب الدُّنْيَا قانعاً باليسير من الرزق متقيداً بِصَلَاة الْجَمَاعَة فِي الصَّفّ الأول فِي الْأَوْقَات الْخَمْسَة قَلِيل الْكَلَام حسن السِّيرَة جَامعا لصفات الْخَيْر لَيْسَ فِيهِ شَيْء يشينه فِي دينه ودنياه حكى عَن وَلَده الشَّيْخ الْفَاضِل عبد الله أَنه رأى الْحق فِي النّوم ثَلَاث مَرَّات أَولهَا رأى الْمَلَائِكَة قد أَخَذُوهُ إِلَى النَّار فَإِذا بمناد من الْحق سُبْحَانَهُ لَيْسَ من أَهلهَا اذْهَبُوا بِهِ إِلَى الْجنَّة فَقَامَ من نَومه فَرَأى نَفسه فِي الْجَامِع الْأَزْهَر وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع عشر صفر سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف وَدفن بتربة المجاورين بِقرب تربة عَمه مرعي رحمهمَا الله تَعَالَى السَّيِّد أَحْمد بن يحيى بن عمر الْحَمَوِيّ الْمَعْرُوف بالعسكري الشَّافِعِي مفتي الشَّافِعِيَّة بحماة الْعَالم الْعلم الفصيح الْعبارَة الْكَامِل الأدوات قَرَأَ على أَبِيه وعَلى الشَّيْخ سرى الدّين بن مُحَمَّد الْبكْرِيّ الشراباتي وَكَانَ فَقِيها فرضياً حسابياً أديباً لبيباً ودرس بعد أَبِيه بِالْمَدْرَسَةِ العصرونية بحماة وَكَانَت وَفَاته فِي ثَالِث عشر رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَسَيَأْتِي أَبوهُ السَّيِّد يحيى إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 366

الْمولى أَحْمد بن يُوسُف الْمُفْتِي الْأَعْظَم الْمَعْرُوف بالمعيد الْمجمع على فَضله وديانته وتبحره فِي الْعُلُوم ورزق من الْحَظ والإقبال فِي أُمُوره مَا لم يكن لأحد من أهل عصره ولد بقرية قازطاغى وَقدم قسطنطينية واشتغل بالعلوم حَتَّى مهر فِيهَا ثمَّ صَار من طلبة الْمولى مُحَمَّد فهمي الْمَعْرُوف بِابْن الحنائي وَصَارَ معيد درسه فِي مدرسة عَليّ باشا الجديدة وشهرته بالمعيد لذَلِك ثمَّ لَازم مِنْهُ بعد انْفِصَاله عَن الْمدرسَة الْمَذْكُورَة واختص بالعلامة الْمُحَقق الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْغَنِيّ صَاحب الْحَاشِيَة على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ الْآتِي ذكره وَكَانَ كثير التقشف مداوماً على الْعِبَادَة وعلماء الرّوم ينظرُونَ إِلَيْهِ نظر التوقير ويتوسمون فِيهِ الصّلاح والفلاح ثمَّ درس بعد ذَلِك على قاعدتهم حَتَّى وصل إِلَى إِحْدَى مدارس السُّلْطَان سُلَيْمَان وَولي مِنْهَا قَضَاء دمشق نَهَار الْأَرْبَعَاء حادي عشر شهر رَجَب سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَكَانَت سيرته فِي حكوماته مرضية جدا وَولد لَهُ فِي دمشق ولد سَمَّاهُ يحيى الشَّامي وَذَلِكَ فِي سَابِع ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقيل فِي تَارِيخه قدوم يحيى عَلَيْك عيد وعزل فِي ثَالِث يَوْم من وِلَادَته وَتُوفِّي ابْنه الْمَذْكُور ثَانِي يَوْم عَزله ثمَّ سَار إِلَى قسطنطينية وَبعد مُدَّة صَار قَاضِيا بِمصْر فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وعزل عَنْهَا وَولي بعد ذَلِك قَضَاء أدرنة وقسطنطينية وَقَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي فِي عشرى ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَوَقع بَينه وَبَين الْعَلامَة يُوسُف بن أبي الْفَتْح الدِّمَشْقِي إِمَام السُّلْطَان امتحان بِسَبَب أَنه تخطاه فِي مجْلِس أحد الصُّدُور وَجلسَ فَوْقه وتباحثا فِي بعض مسَائِل من عُلُوم مُتَفَرِّقَة سأذكرها فِي تَرْجَمَة الْفَتْح إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِنَّهَا كثيرا مَا تطب وَيسْأل عَنْهَا وَذَاكَ محلهَا فَإِن الفتحى هُوَ السَّائِل وَله على لأجوبة إشكالات دقيقة المسلك وبسببها ظهر الفتي عَلَيْهِ فِي الْبَحْث فَأعْطى رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بروم ايلي لِيَتَقَدَّم فِي الْجُلُوس على المعيد وَاسْتمرّ المعيد قَاضِي الْعَسْكَر باناطولي إِلَى أَن سَافر السُّلْطَان مُرَاد إِلَى بَغْدَاد وسافر هُوَ بخدمته حَتَّى وصلوا إِلَى ازنكميد فأهان رجلا من جمَاعَة الْمُفْتِي الْأَعْظَم الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّا فَغَضب السُّلْطَان عَلَيْهِ لذَلِك وعزله وَوجه إِلَيْهِ فضاء بلغراد مَعَ فتواها فَتوجه إِلَيْهَا وَكَانَ بعض المنجمين بشره بالفتوى فظنها هِيَ وَلم يعلم أَن الْفَتْوَى الْعُظْمَى مدخرة لَهُ ثمَّ أذن لَهُ بِالْعودِ من بلغراد وَأعْطى ثَانِيًا قَضَاء الْعَسْكَر باناطولي وَنقل مِنْهَا بعد مُدَّة إِلَى قَضَاء عَسْكَر روم ايلي فَأَقَامَ بهَا مُدَّة طَوِيلَة وعزل ثمَّ أعْطى منصب الْفَتْوَى فِي نَهَار الاربعاء خَامِس

стр. 367

عشري ذِي الْحجَّة سنة خمس وَخمسين وَألف وأرخ تَوليته قَاضِي الْقُضَاة الشهَاب أَحْمد الخفاجي الْمُقدم ذكره بقوله (إِنِّي لأشكر دَهْرنَا ... مذ زَاد فِي الْحسنى وَأحمد) (إِذْ صير الْفَتْوَى إِلَى ... أتقى أهالي الْعَصْر أَحْمد) (أرخته فِي نَصره ... لشريعة الْمُخْتَار أَحْمد) (أمعيد شرع مُحَمَّد ... بِكَمَالِهِ وَالْعود أَحْمد) وَبنى مدرسة بقسطنطينية تجاه دَاره بِالْقربِ من جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد الفاتح وَمَات وَهُوَ مفت فِي خَامِس شهر ربيع الأول سنة سبع وَخمسين وَألف وَدفن بمدرسته الْمَذْكُورَة وَخلف مَالا جزيلاً وَلم يعقب إِلَّا بأنثى وقازطاغى بقاف ثمَّ ألف وزاي ثمَّ طاء وَألف وغين مُعْجمَة ثمَّ يَاء قَصَبَة مَعْرُوفَة قرب مَدِينَة بروسة سميت باسم جبل قريب مِنْهَا فَقَوْلهم قازطاغى أَي جبل الأوزفان القاز الأوز وطاغ الْجَبَل عَادَتهم تَقْدِيم الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف وازنكميد بِكَسْر الْهمزَة وَالزَّاي وَسُكُون النُّون وَكسر الْكَاف وَالْمِيم ثمَّ دَال والعامة تَقول ازميد بَلْدَة ببروسة وَالله تَعَالَى أعلم الشَّيْخ أَحْمد بن يُونُس بن أَحْمد بن أبي بكر الملقب شهَاب الدّين العيثاوي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي أحد شُيُوخ الْعلمَاء الأجلاء بِالشَّام المتصدين للإفتاء والتدريس ونفع النَّاس وَكَانَ عَالما ورعاً جليل الْقدر نبيه الذّكر جيد الملكة سليم الطَّبْع وَكَانَ ألطف الْأَشْيَاخ عبارَة وأجودهم تقريراً وَله من التآليف متن على طَرِيق الْإِرْشَاد فِي فقه الشَّافِعِي سَمَّاهُ الحبب وَشَرحه شرحاً لطيفاً سَمَّاهُ بالخبب فِي الْتِقَاط الحبب وَله غير ذَلِك من تحريرات رسائل وَأفْتى مُدَّة طَوِيلَة وانتفع بِهِ كثير من الْمُتَأَخِّرين الْفُضَلَاء وَعنهُ أخذُوا وَعمر حَتَّى لم يبْق من أقرانه فِي دمشق وحلب ومصر والحجاز أحد وَكَانَ لَهُ فِي الْولَايَة شَأْن عَال وأخبار عَجِيبَة قَرَأت فِي ثَبت الشَّيْخ مُحَمَّد المكبتي مِمَّا أرويه وأنقله عَن السَّادة الأخيار أَن عجاناً عجن عجينه بِالنَّهَارِ ثمَّ خبزه وأتى الْجَامِع فَتَوَضَّأ وَصلى الظّهْر واضطجع يُرِيد صَلَاة الْعَصْر فاسترسل بِهِ النّوم إِلَى وَقت السحر وَإِذا بِرَجُل شعل الْقَنَادِيل الَّتِي فَوق محراب الْمَالِكِيَّة وَعمد إِلَى الْبَاب الَّذِي يجْرِي فِيهِ مَاء الْحَنَفِيَّة ففتحه حَتَّى دخلت مِنْهُ رجال نَحْو الْأَرْبَعين فَلَمَّا رَآهُمْ العجان ظن أَن الصَّلَاة للمغرب أَو الْعشَاء فجَاء الْقَوْم وَاصْطَفُّوا منتظرين لإمامهم فَإِذا صَلَاة الْعشَاء قد أُقِيمَت للعيثاوي فَتقدم وَصلى إِمَامًا ثمَّ إِن الْقَوْم جاؤا

стр. 368

إِلَيْهِ يَلْتَمِسُونَ مِنْهُ الْبركَة وَجَاء العجان على إثرهم فخاطبه وَأمره بِالْكِتْمَانِ مُدَّة الْحَيَاة ولد بِدِمَشْق وَقَرَأَ الْقُرْآن على الشهَاب أَحْمد بن النبيه ثمَّ قَرَأَ الْفِقْه والنحو على الشَّيْخ البارع تَاج الدّين ثمَّ لزم وَالِده الْفَقِيه الْكَبِير يُونُس ثمَّ أمره وَالِده بملازمة فَقِيه الْعَصْر أقضى الْقُضَاة نور الدّين عَليّ النَّسَفِيّ الْمصْرِيّ نزيل دمشق فلازمه سِنِين حَتَّى تبحر فِي الْفِقْه وَحضر بأَمْره أَيْضا دروس الْعَلَاء بن عماد الدّين وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّمْس مُحَمَّد بن طولون وَغَيره وَقَرَأَ فِي القراءآت على أستاذ الْقُرَّاء الشهَاب الطَّيِّبِيّ وَصَحب فِي طَرِيق الْقَوْم ومذاكرة الْعُلُوم الشهَاب أَحْمد بن الْبَدْر الْغَزِّي واصطحب فِي الطَّرِيق أَيْضا الشَّيْخ عبد الرَّحِيم الصَّالِحِي وَأَجَازَهُ الْبَدْر الْغَزِّي بالفتوى بعد وَفَاة الطَّيِّبِيّ وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم الْحسن البوريني وَالشَّيْخ مُحَمَّد الجوخي والشرف الدِّمَشْقِي والنجم الْغَزِّي وَغَيرهم وَكَانَ أفقه أهل زَمَانه وَعَلِيهِ الْمعول فِي الْفَتْوَى وَمن بَينهم وَاخْتلف هُوَ والعلامة إِسْمَاعِيل النابلسي الشَّافِعِي فِي بِنَاء المنارة الْبَيْضَاء الَّتِي بنيت على كَنِيسَة النَّصَارَى دَاخل دمشق بمحلة الخراب فَأفْتى النابلسي بِعَدَمِ بنائها حذرا من أَن يكون إشهار الْأَذَان بهَا سَببا لسب النَّصَارَى لدين الْإِسْلَام وَنظر إِلَى الْآيَة ﴿وَلَا تسبوا الَّذين يدعونَ من دون الله﴾ الْآيَة وَأفْتى العيثاوي بِجَوَاز بنائها وَكَانَ الْبَانِي لَهَا عَلَاء الدّين بن الحجيج التَّاجِر الْكَبِير وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاة مصطفى بن بُسْتَان مائلاً إِلَى مَا أفتى بِهِ العيثاوي ونائب الشَّام حسن باشا بن مُحَمَّد باشا مائلاً إِلَى مَا أفتى بِهِ النابلسي ثمَّ بنيت بِأَمْر القَاضِي بعد أَن بذل النَّصَارَى للوزير مَالا جماً وَألف العيثاوي فِي بنائها رِسَالَة لَطِيفَة وَكَانَ ذَلِك قبل التسعين والتسعمائة وَتَوَلَّى من الْوَظَائِف إِمَامَة الْجَامِع الْأمَوِي وخطابة الْجَامِع الْجَدِيد الْمَعْرُوف بالجامع الْمُعَلق خَارج بَاب الفراديس وَنصف خطابة التوريزية خَارج دمشق بمحلة قبر عَاتِكَة ودرس بالعمرية والعزيزية ثمَّ الظَّاهِرِيَّة ثمَّ الشامية البرانية وَوعظ بالجامع الْأمَوِي وجامع السُّلْطَان سُلَيْمَان وسافر إِلَى الْحصن وَإِلَى طرابلس الشَّام مرَّتَيْنِ لصلة أرحامه وَكَانَ لَهُ ثمَّ خؤلة وسافر إِلَى حلب مرَّتَيْنِ أَيْضا كِلَاهُمَا فِي مصلحَة أهالي دمشق الأولى سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف هُوَ وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين وَآخَرُونَ بشكاية إِلَى الْوَزير مُرَاد باشا بِمَا وَقع بِدِمَشْق ونواحيها من عَليّ بن جانبولاذ وفخر الدّين بن معن وأحزابهما وعتوّهما فِي بِلَاد دمشق والقصة مَشْهُورَة وَسَتَأْتِي

стр. 369

فِي تَرْجَمَة ابْن جانبولاذ فِي حرف الْعين إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالثَّانيَِة فِي سنة خمس وَعشْرين لرفع التَّكْلِيف عَن أهل دمشق بِسَبَب سفر الْعَجم الْوَاقِع فِي تِلْكَ السّنة وَأَقْبَلت عَلَيْهِ أهالي حلب للأخذ عَنهُ وعظموه تَعْظِيمًا بليغاً وَرَأَيْت أَبَا الْوَفَاء العرضي يثني عَلَيْهِ فِي تَارِيخه كثيرا وَذكر علمه وورعه وَهُوَ فِي نفس الْأَمر أهل لكل وصف حسن وَكَانَ مرض مرّة عَاما كَامِلا وَكَانَ ابْتِدَاء مَرضه فِي عيد الْأَضْحَى سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وانْتهى فِي عيد الْأَضْحَى من الْعَام الْقَابِل فعيده الْحسن البوريني وَأنْشد لنَفسِهِ قَوْله (شهَاب الْمَعَالِي وَبدر الدجى ... وَمن مِنْهُ كل الورى تستفيد) (نذرت الصّيام ليَوْم الشفا ... وَكَيف يَصُوم الْفَتى يَوْم عيد) قَالَ النَّجْم الْغَزِّي فِي ذيله الْمُسَمّى بلطف السمر فِي أَعْيَان الْقرن الْحَادِي عشر أَخْبرنِي مرَارًا أَن مولده فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وتمرض بحمى الرّبع وَتُوفِّي فِي مستهل ذِي الْحجَّة سنة خمس وَعشْرين وَألف عَن أَربع وَثَمَانِينَ سنة وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَقَالَ أَبُو بكر الْعمريّ فِي تَارِيخ وَفَاته (يَا أَخا الْعلم خَاضَ بَحر الْفَتَاوَى ... وَغدا الدّين دامي الطّرف أرمد) (مَاتَ غوث الْأَنَام من كَانَ يستسقى ... بِهِ الْغَيْث وَالْخَلَائِق تشهد) (شَيخنَا العيثوي بل شيخ أهل الْعَصْر ... طرّ ادْع جَاهِلا فِيهِ فند) (شَافِعِيّ الزَّمَان مَالك أَسبَاب ... الْعُلُوم الَّتِي بهَا النَّاس ترشد) (قل إلهي إِذا دَعَوْت وأرخ ... ارْحَمْ العيثوي عَبدك أَحْمد) والعيثاوي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة ثمَّ يَاء مُثَلّثَة وَألف مَقْصُورَة نِسْبَة إِلَى عيثاقرية من قرى الْبِقَاع العزيزي من ضواحي دمشق وَيُقَال فِي النِّسْبَة إِلَيْهَا عيثوي أَيْضا كَمَا اسْتَعْملهُ الْعمريّ وعيثالغة عامية وَكَانَ وَالِده يُونُس قدم مِنْهَا إِلَى دمشق وتوطنها ذكره البوريني أَحْمد بن يُونُس وَزِير شرِيف مَكَّة السَّيِّد إِدْرِيس بن الْحسن كَانَ شَدِيد الْبَأْس ذَا قُوَّة وَعدد ومدد وطار صيته فِي الْآفَاق وَأكْثر الدخل وَأَقل الْإِنْفَاق وَكَانَ ذَا تَدْبِير لأحواله حَتَّى جَاوز الْحُدُود فَوَقع مَا قَضَاء الله تَعَالَى وَذَلِكَ أَنه لما استفحل أمره وَعظم صَارَت الْأُمُور كلهَا منوطة بِرَأْيهِ فتعدى طوره وَلم يقف عِنْد حَده فتوافق الشريف إِدْرِيس والشريف محسن على عَزله فَأرْسل الشريف إِدْرِيس وَكَانَ

стр. 370

إِذْ ذَاك بالمبعوث إِلَى الْقَائِم مقَامه بِمَكَّة السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الْمطلب يَأْمُرهُ بِأخذ الْمهْر مِنْهُ وَهُوَ مهر الْعرُوض وَأرْسل الشريف محسن إِلَى الْقَائِد ياقوت بن سُلَيْمَان وَكَانَ وزيره بِأخذ مهره مِنْهُ فَفعل كل مَا أَمر بِهِ وَكَانَ الْأَخْذ الْمَذْكُور صَبِيحَة عَاشر رَمَضَان سنة سِتّ وَعشْرين وَألف فشاع فِي الْبَلَد عَزله وَأرْسل الشريف إِدْرِيس إِلَى الْقَائِد ريحَان بن سَالم حَاكم مَكَّة يَأْمُرهُ بالوصول إِلَيْهِ إِلَى الشرق فَقدم إِلَيْهِ فقلده منصب الوزارة فوصل إِلَى مَكَّة فِي الشَّهْر الْمَذْكُور فَلَمَّا كَانَ آخر الْعشْر الثَّانِي من رَمَضَان وصل الْخَبَر للسَّيِّد مُحَمَّد الْمَذْكُور بِأَن الْقَائِد أَحْمد يُرِيد الرّكُوب عَلَيْك وَقد اجْتمعت عِنْده الْعدَد والمدد وَوصل الْخَبَر إِلَى الْقَائِد أَحْمد بذلك أَيْضا فَركب كل مِنْهُمَا وألبس ووقف عِنْد بَاب دَاره ثمَّ انجلى الْأَمر وَظهر أَن مَا أخبر بِهِ كل مِنْهُمَا لَيْسَ لَهُ أصل وَأرْسل السَّيِّد مُحَمَّد إِلَى الشريف إِدْرِيس والشريف محسن يعرفهما بذلك وَلما كَانَ الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان ذهب الْقَائِد أَحْمد إِلَى الْمَبْعُوث وَأقَام هُنَاكَ فجَاء الْأَمر إِلَى السَّيِّد مُحَمَّد بِأخذ أَمْوَاله من دَاره وكل ماهو لَهُ وَأَن يحْتَفظ على ذَلِك فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْعِيد فرق السِّلَاح على الْعَسْكَر آخر اللَّيْل وَنزل إِلَى الْمَسْجِد وَصلى صَلَاة الْعِيد فَقَط وبرز من الْمَسْجِد قبل الْخطْبَة وعزم بالجيش إِلَى بَيت الْقَائِد الْمَذْكُور فختم على أَمْوَاله وَأمر أَن ينزل الْبَعْض مِنْهَا إِلَى الْبَلَد وَاسْتمرّ إِلَى بعد صَلَاة الْعَصْر فَنزل هُوَ والجيش بعد أَن احتاط بِبَقِيَّة الْأَمْوَال وَقبض على جمَاعَة من المنسوبين إِلَيْهِ وحبسهم بعد أَن ختم على بُيُوتهم ثمَّ فكوا بعد وُصُول الشريف إِدْرِيس إِلَّا إِبْرَاهِيم بن أَمِين كَاتبه وَأعظم المقربين إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لم يزل مسجوناً إِلَى أَن قضى الله عَلَيْهِ وَأما الْقَائِد أَحْمد فَإِنَّهُ اسْتمرّ بالمبعوث فثارت بسبه فِي ثَانِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فتْنَة أدَّت إِلَى الادراع ولإلباس ثمَّ رَحل إِلَى كلاح فَأَقَامَ بهَا ثمَّ رَجَعَ مِنْهَا إِلَى جِهَة الشَّام فَلَمَّا أَن كَانَ فِي أثْنَاء الطَّرِيق رَجَعَ فوصل إِلَى الشريف إِدْرِيس وَهُوَ بالشرق فِي السّنة الْمَذْكُورَة فسجنه وكبله بالحديد ثمَّ إِنَّه قَتله فِي الْعَام الْمَذْكُور فِي مَحل يُقَال لَهُ وَادي النَّار وَدفن هُنَاكَ عَفا الله عَنهُ أَحْمد الأحمدي الصعيدي من بَيت بني أَحْمد قَرْيَة من أَعمال الْمنية كَانَ مَاشِيا على طَرِيق الْقَوْم بِكَثْرَة الْعِبَادَة محباً للْفُقَرَاء وَالْعُلَمَاء صوفياً زاهداً عَمت إمداداته واشتهر صيته وَكَانَ يحجّ سنة وَيتْرك أُخْرَى مَعَ إدامته لخشونة عيشه وَكَانَ رُبمَا لبس الخيش وَكَانَ كثيرا مَا ينشد

стр. 371

(أقنع بلقمه وشربة مَاء وَلبس الخيش ... وَقل لقلبك مُلُوك الأَرْض راحوا بإيش) وَكَانَ كثير الْفِكر وَالذكر وَالصَّلَاة على النَّبِي وَأخْبر أَنه رأى النَّبِي وَأَنه إِذا زَارَهُ سمع مِنْهُ رد السَّلَام عَلَيْهِ كَانَت وَفَاته فِي سنة سبع بعد الْألف ذكر وَفَاته الْمَنَاوِيّ فِي طبقاته وَهُوَ عُمْدَة وَذكر الشلي أَن وَفَاته فِي رَجَب سنة عشر بعد الْألف وَلَا أَدْرِي عَمَّن نقل هَذَا وَالله أعلم الشَّيْخ أَحْمد المغربي الْمَالِكِي شيخ الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق والمتكلم عَلَيْهِم بعد الْعَلَاء ابْن المرحل كَانَ فَاضلا دينا وَفِيه خير وَصَلَاح وكلمته نَافِذَة عِنْد الْحُكَّام وَله استقامة لَا يتَكَلَّم فِي أحد بِسوء ولي نظارة الْجَامِع الْأمَوِي فحمدت سيرته وَكَانَ ينتدب الْأَوْقَاف فيعمرها مَعَ التوفير فِي المصارف ووسع الطرقات إِلَى الْجَامِع فَوسعَ بَاب الْبَرِيد بِتَأْخِير تخوته إِلَى خلف ووسع سوق السِّلَاح وَكَانَت وَفَاته فِي إِحْدَى الجمادين سنة ثَمَان وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى خَان أَحْمد الكيلاني الشريف الْحُسَيْنِي سُلْطَان بِلَاد كيلان من بَيت السلطنة أَبَا عَن جد وَكَانَ مَعَ كَونه من الْمُلُوك أحد أَفْرَاد الْعَالم فِي الْعُلُوم الرياضية والحكمية حصل علم الْهَيْئَة والهندسة والفلك وَكَانَ يدرس القوشجي فِي الْهَيْئَة وَكَانَ إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي الموسيقى وَالشعر الْفَارِسِي وَإِذا نظم غزلاً ربطه فِي أصوات ونغمات وَكَانَ طهماسب شاه قد اعتقله فِي قلعة دهقهه فِي بِلَاد الْعَجم وَمكث بهَا معتقلاً سِنِين عديدة وَكَانَ ولد طهماسب شاه إِسْمَاعِيل مَحْبُوسًا عِنْده فَقَالَ لَهُ أطلقني الله من الْحَبْس وولاني أَمر النَّاس فَللَّه عَليّ أَن أطلقك وأوليك بلادك فاتفق أَن الله تَعَالَى أطلقهُ وَأَعْطَاهُ سلطنة العراقين وأذربيجان وشروان وشيراز وخراسان وهمدان وبلاد الْجبَال فَأخْرجهُ من دهقهة لَكِن وَضعه فِي قلعة اصطخر وَقَالَ لَهُ أُرِيد أرسلك إِلَى بلادك مَعَ مزِيد التَّعْظِيم فَلم تطل مُدَّة إِسْمَاعِيل وَمَات ثمَّ استخرجه الشاه أعمى أَخُو إِسْمَاعِيل الْمُسَمّى بخداي بنده مُحَمَّد عِنْدَمَا تولى السلطنة بِاتِّفَاق أُمَرَاء قزلباش وَكَانَت إِقَامَته فِي زمن سلطنة أَبِيه وأخيه الشاه إِسْمَاعِيل فِي شيراز فَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ إِسْمَاعِيل لم يَجدوا فِي بَيت السلطنة ذكرا قَابلا للْملك سوى هَذَا فقالو اهو من بَيت السلطنة لَيْسَ إِلَّا فَنحْن نوليه ملك أَبِيه وَلَو كَانَ أعمى فَلَمَّا تولى السلطنة أرسل إِلَى خَان أَحْمد واستخرجه من اصطخر وولاه بِلَاد كيلان كَمَا كَانَ فَلم يزل بهَا إِلَى أَن أَخذ سُلْطَان الْإِسْلَام السُّلْطَان مُرَاد بن سليم غَالب عراق الْعَجم

стр. 372

وكل عراق الْعَرَب وأذربيجان وشروان وبلاد الكرج فَلَزِمَ إِن شاه عَبَّاس بن خداي بنده الضَّرِير الْمَذْكُور أرسل عسكراً وافراً فَأخذُوا كيلان من يَد خَان أَحْمد فهرب مَعَ جمَاعَة معدودين إِلَى جَانب السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد فَدخل عَلَيْهِ وامتدحه بقصيدة عَظِيمَة يحثه فِيهَا على أَخذ كيلان من يَد شاه عَبَّاس وَأهْدى لَهُ شمعداناً مرصعاً قيل إِنَّه خمن بِثَمَانِينَ ألف دِينَار وَلم يحصل على مُرَاده من الْعَسْكَر وَذهب إِلَى بَغْدَاد بِإِذن السُّلْطَان فَمَاتَ بهَا فِي سنة تسع بعد الْألف الشَّيْخ أَحْمد الضوي الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بِأبي لبد لِأَنَّهُ كَانَ يتعمم بعدة برد وَيَضَع على رَأسه عقدَة لبد ويجعلها وَاحِدَة فَوق وَاحِدَة المجذوب الْيَقظَان الهائم السَّكْرَان كَانَ مُقيما بقلمه بِقرب قليوب لَا يأوي غَالِبا إِلَّا للكيمان وَكَانَ بَينه وَبَين النُّور ابْن العظمة الْآتِي ذكره مَا يكون بَين الأقران حَتَّى أَنه لم يدْخل مصر مُدَّة حَيَاته مهابة لَهُ وَله كرامات وأحوال غزيرة مِنْهَا مَا حَكَاهُ الحمصاني أَنه دخل على والدته ذَات يَوْم فَقَالَ أعندك شَيْء آكله فَقَالَت لم يكن عِنْدِي إِلَّا جبن فَقَالَ بلَى عنْدك لبن ادخرتيه لزوجك وَكَانَت ادّخرته لَهُ كَمَا قَالَ وَلم تعلم بِهِ أحدا قَالَ الحمصاني وَكَانَ لَهُ اطلَاع على الخواطر مَا وقف إِنْسَان تجاهه إِلَّا كاشفه بِمَا عِنْده وَمِنْهَا أَنه وجد غزالة مَعَ رجل بسوق طنان فَقَالَ لَهُ بِعني هَذِه فَقَالَ أَعْطَيْت خمسين نصفا فَقَالَ لَهُ خُذ هَذَا ثمنهَا فَوضع فِي يَده خَمْسَة أَنْصَاف فَأَعَادَهَا لَهُ وَقَالَ لَهُ أَقُول لَك أَعْطَيْت خمسين فَمَا يزَال يدفعهم لَهُ بعينهم وَفِي كل مرّة يزِيدُونَ وَيَقُول هم الثّمن إِلَى أَن صَارُوا خمسين وَله غير ذَلِك وَتُوفِّي فِي سنة سبع عشرَة بعد الْألف الشَّيْخ أَحْمد الْمَدْعُو حَمده المجذوب الصاحي كَانَ كشفه لَا يكَاد يتَخَلَّف وَكَثِيرًا مَا يخبرنا بالشَّيْء قبل وُقُوعه قَالَ الْمَنَاوِيّ قَالَ الْوَلَد يَعْنِي وَلَده زين العابدين الْآتِي ذكره مَا تلبست بِحَال إِلَّا كاشفني بِهِ وَهُوَ مُقيم عِنْد نسَاء بِبَاب الْفتُوح يخدمهن وبعضهن بغيات وَمَا مَاتَ أحد مِنْهُنَّ إِلَّا عَن تَوْبَة وَرُبمَا صَار بَعضهنَّ من أهل المقامات وَيذْهب كل يَوْم من بَاب الْفتُوح إِلَى بَاب زويلة يجمع لَهُنَّ دَرَاهِم من أَرْبَاب الحوانيت قَالَ وَقَالَ لي الحمصاني لَقيته مرّة وَإِذا بولدك قادم فَقَالَ لَهُ أَصبَحت فِينَا صيرفياً وَمن لم تستجوده فَلَيْسَ عبقرياً طَاعَتك علينا حكم الْفَرْض لَا نصدر إِلَّا عَن رَأْيك فِي الطول وَالْعرض وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَائِل سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وَدفن فِي الرَّوْضَة خَارج بَاب النَّصْر

стр. 373

الشَّيْخ أَحْمد الأحمدي الْمصْرِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى المرشد الْمَعْرُوف بالسيحي ذكره أَحْمد العجمي فِي مشيخته قَالَ فِي تَرْجَمته تَلا الْقُرْآن على مُحَقّق عصره الشَّيْخ أَحْمد بن شيخ الشُّيُوخ عبد الْحق النباطي وَلَزِمَه وَأخذ عَنهُ وَأخذ عَن عُلَمَاء عصره الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَكَانَ فِي عداد طبقَة الْمَشَايِخ الْكِبَار بل أكبر مِنْهُم حَالا ومقالاً وَكَانُوا كلهم يعظمونه ويوقرونه ويتبركون بِهِ ثمَّ ارتحل من مصر بِإِشَارَة بعض أَرْبَاب الْأَحْوَال فَطَافَ الْبِلَاد الْبَعِيدَة على قدم التَّجْرِيد المجاهدة والتوكل وَدخل بَغْدَاد والكوفة وَالْبَصْرَة وَمَا وَرَاء تِلْكَ النواحي ثمَّ عَاد إِلَى مصر فابتنى مَسْجِدا بجوار مشْهد الشُّهَدَاء بالمنوفية وَأقَام فِيهِ لإقراء النَّاس الْقُرْآن فَانْتَفع بِهِ خلائق لَا يُحصونَ وَكَانَ يَجِيء إِلَى مصر فِي كل عَام مرّة يجلس أَحْيَانًا بِجَامِع الْأَزْهَر وَأَحْيَانا بمدرسة السيوفية وَالنَّاس يزدحمون عَلَيْهِ ثمَّ يعود إِلَى مَسْجده هَذَا دأبه مُدَّة حَيَاته وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمسجده وضريحه يزار رَحمَه الله تَعَالَى أَحْمد المغربي القيرواني الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِصَاحِب السَّعَادَة أحد أَعَاجِيب الزَّمَان ونوادره كَانَ فِي مبدأ أمره خرج من بِلَاده وَهُوَ متقن لمعارف وأفانين كَثِيرَة فِيهِ فضل وأدب فوصل إِلَى الرّوم وَاخْتَلَطَ بأدبائها وَلم يزل مُقيما بهَا حَتَّى صَار مُسْتَوْفيا بِبِلَاد الْيمن ورحل إِلَيْهَا فصادف بهَا حاكمها حيدر باشا فانخرط فِي سلك ندمائه وَلم يزل عِنْده فِي مكانة سامية حَتَّى وقف على جملَة من هزلياته فنفر عَنهُ وَعرض فِيهِ إِلَى جَانب السُّلْطَان فعزل وسافر إِلَى الرّوم فولي الْحُكُومَة بِمَدِينَة مرعش وَبَعْدَمَا صرف عَنْهَا حط بِهِ الدَّهْر إِلَى أَن بَقِي مُنْفَردا لَا يملك من حطام الدُّنْيَا إِلَّا مَا عَلَيْهِ من الثِّيَاب وَورد دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة أَخْبرنِي من كَانَ لَهُ وقُوف على حَاله أَنه كَانَ فَاسد الرَّأْي كثير الأزراء بِنَفسِهِ وَمن عَجِيب أطواره أَنه كَانَ يلبس ثوبا من الليف الْبُرُلُّسِيّ سوى أكمامه فَكَانَ يصنعها من الْكَتَّان الرفيع الفاخر وَكَانَ لَهُ ناسومتان إِحْدَاهمَا عتيقة يلبسهَا فِي أغلب أوقاته وَأُخْرَى جَيِّدَة يصطحبها دَاخل الْكيس مُعَلّق فِي خرامة إِذا أَرَادَ الدُّخُول على أحد من الْأَعْيَان لبسهَا وَوضع العتيقة مَكَانهَا فِي الْكيس إِلَى أَن يخرج فيعيدها وَكَانَ لَهُ مَعَ أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْمقري صُحْبَة أكيدة فَلَمَّا قدم الْمقري دمشق كَانَ لَا يُفَارِقهُ وبسببه اتَّحد مَعَ عُلَمَاء دمشق مِنْهُم أَحْمد الشاهيني وَلما رَحل الْمقري من دمشق أَقَامَ هُوَ بهَا فَتغير

стр. 374

(لَهَا برص بِإِحْدَى إسكتيها ... كعنفقة الفرزدق حِين شَابًّا) غير أَن الفرزدق نظام وَهَذَا من جملَة الْعَوام بل الْهَوَام أَو جحظة الْبَرْمَكِي الَّذِي يَقُول فِيهِ ابْن الرُّومِي (نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج وَمن سرطان) (وارحمتا لمنادميه تحملوا ... ألم الْعُيُون للذة الآذان) خلا أَن منادم هَذَا يجمع بَين الألمين بَين ألم الْأذن وألم الْعين أَو هُوَ أَبُو زيد الَّذِي قَالَ فِيهِ الصاحب (انْظُر إِلَى وَجه أبي زيد ... أوحش من حبس وَمن قيد) (وحوشه ترتع فِي ثَوْبه ... وظهره يركب للصَّيْد) بيد أَن أَبَا زيد أثبت لَهُ الصاحب صفة الصَّيْد وَهُوَ لَا يكون إِلَّا لوزير أَو لأمير ابْن أَمِير وَهَذَا الفاتك المتناسك كَأَنَّهُ حجام أَو حائك أَو هُوَ عَيَّاش الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو تَمام (أيا من أعرض الْعَالم طرّاً عَنهُ من بغضه ... وَيَا من بعضه يشْهد بالبغض على بعضه) (وَيَا أثقل خلق الله من ماش على أرضه ... وَيَا أقذر مَخْلُوق تناهى الْخلق فِي رفضه) (وَمن عاف مليك الْمَوْت ... واستقذر من قَبضه) وَأقسم بِاللَّه أَن قدر عَيَّاش مَا بَين الأوباش بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا القلاش فِي المعاش كنسبة أبي تَمام لبَعض أراذل الْعَوام وَلَيْسَ فِي نفس الْأَمر إِلَّا زيد الَّذِي وَصفه عَمْرو فَقَالَ يَا صَاحب الشقاوة ومنبع الغباوة كم تدّعى الْحَلَاوَة وَقَالَ مَا هَذِه العلاوة والطرف ذُو غشاوة وحظك الْعَدَاوَة وَقَالَ فِيهِ (يَا من بِهِ وبشكله ... لِذَوي البصائر تبصره) (أَخْلَاق ثَوْبك عِبْرَة ... للعاقلين وتذكره) (قومت مَا فِيهِ أَتَى ... بقمامة فِي مجزرة) (فِي كل مغر زابره ... قاذورة أَو مطهره) (مَا أَنْت إِلَّا دمثة ... مَكْرُوهَة مستقذره) وَقَالَ فِيهِ (يَا بَحر جهل قد زخر ... بالحمق دهراً فافتخر) (هلا تنسمت الَّذِي ... فِي الثَّوْب من فضل الْحجر) (مَا للكيف رَوَائِح ... فاحت بفيك من البخر) وَقَالَ فِيهِ (يَا ذَا الَّذِي قد جَاءَنَا ... والشكل مِنْهُ مزدرى)

стр. 375

(مَا إِن رَأَيْتُك مُقبلا ... إِلَّا تمنيت الْعَمى) أصبح فِي الشَّام كَأَنَّهُ فِي الْعَرَبيَّة ابْن هِشَام يتَكَلَّم بِغَيْر احتشام فَتَارَة يَدعِي أَنه أفضل أهل الْمشرق وَأَحْيَانا أَنه أفضل أهل الْمغرب وآونة أَنه أكمل فضلاء مصر ورادفة أَنه أجل أُمَرَاء الْعَصْر وَهُوَ خَارج من الْفَرِيقَيْنِ ودارج عَن الطَّرِيقَيْنِ (لَا إِلَى هَؤُلَاءِ إِن طلبوه ... وجدوه وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ) وَرُبمَا يلهو بلحيته الوسواس الخناس فيزكي نَفسه وَيَقُول أَنا أتقى النَّاس وَرُبمَا لج بِهِ الْغرُور حَتَّى فضل نَفسه على الْجُمْهُور وَإِذا تحكم بِهِ الطغيان صرح وَقَالَ من فلَان وَفُلَان وَحين يقرب بِزَعْمِهِ من نفس الْأَمر جعل نَفسه ثَانِيًا لوَاحِد الدَّهْر وَلَيْسَ حَظه من هَذِه الدَّعْوَى إِلَّا الْبلوى والشكوى وَلَا فَائِدَة وَلَا جدوى بل حَظه مِنْهَا الْجِدَال والمرا وَمن جهلت نَفسه قدره رأى غَيره فِيهِ مَا لَا يرى يزْعم أَنهم لقبوه صَاحب السَّعَادَة وَلَا أَدْرِي مَا السَّعَادَة الَّتِي ينتمي إِلَيْهَا والرياسة الَّتِي يلوب ويتهالك عَلَيْهَا إِن كَانَت أخروية فَذَلِك الْأَمر لَا يعرف كَيفَ يكون وَإِن كَانَت دنيوية فالرجل لَا محَالة مَجْنُون مفتون إِذْ لَيْسَ فِيهِ أثر من آثارها وَلَا ذرة من غبارها فالويل لَهُ من هَذِه الدَّعْوَى الكاذبة والتنابز بِالْأَلْقَابِ المخطئة الْغَيْر صائبة اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك عقلا يعقلنا عَن مثل تِلْكَ الحماقات ورشداً يمنعنا عَن تِلْكَ الدَّعَاوَى الباطلات العاطلات (والدعاوى مَا لم يقيموا عَلَيْهَا ... بَيِّنَات أبناؤها أدعياء) فَلَمَّا وصلت إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة أَخْبَار هَذِه الْمُقدمَة لم يزل يتطلبها حَتَّى وقف عَلَيْهَا وتحامق على حمقه وحنق وَذهب بهَا إِلَى الشَّيْخ الْمقري وَبكى وشكى من مؤلفها فَأرْسل مؤلفها يعرف الشَّيْخ سَبَب تأليفها وإنشائها وتصنيفها فَكتب إِلَيْهِ يَقُول وَلَقَد أجل سَيِّدي عَمَّا سيعرض على عالي جنابه وأنزه من ذَلِك شرِيف سَمعه وخطابه من هَذَا الوسواس المنافر والهذيان الوافي المتنافر والسخرية الَّتِي يحرس سمع الأديب عَنْهَا ويكلا والأعجوبة الَّتِي خَبَرهَا يسلى الحزين ويضحك الثكلى والمدح الَّذِي يلوح الْقدح على صفحاته والهزل الَّذِي يَأْخُذ الْجد بمخنق لهاته وَالشعر الَّذِي ينفث السحر بَين كَلِمَاته وفقراته والداعي إِلَى ائتلاف قوافيه وتضييع الْعُمر فِيهِ أَن هَذَا الرجل الملقب نَفسه بالضد وَهُوَ حَلِيف الشقاوة وَمن طَرِيق الْجد قد نصب حبائل الخداع فِي استجلاب مَا عندنَا من نفائس الْمَتَاع وَلم يفرق بَين

стр. 376

عرُوض التُّجَّار وعروض الْأَشْعَار فجاءنا بوريقة فِيهَا خطوط أخلاط لَا يُدْرِكهَا وَلَا يفهمها بقراط مشوّشة المبنى مُخْتَلفَة الْمَعْنى يدعى أَنَّهَا تدخل فِي سلك النّظم لَا تساغ مَعَ الكظم وَلَا يعْمل فِيهَا الهضم إِنَّمَا هِيَ لقْمَة ذَات عظم لَا يُؤثر فِيهَا القضم فَمَا رَأَيْت قدرا أَكثر مِنْهَا عظما وَلَا آكلاً أَكثر مني كظماً كَمَا لم أر ناظماً أقبح مِنْهُ نظماً ثمَّ إِنَّه أَخذ يتقاضى الْجَواب وَلَا يمنعهُ الْحجاب وَلَا يعوقه البواب وَلَا يروعه الْبَاب فيقف بَين يَدي كَأَن لَهُ دينا عَليّ فيضغطني ضغطة الْغَرِيم اللَّئِيم للْمَدِين الْكَرِيم حَتَّى أردْت أَن أَقُول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقلت أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ثمَّ أَمْسَكت اليراع وَأَنا ممتلىء بالصداع ونظمت هَذِه الأبيات والنشوة على شرف الْفَوات وَمَا أنشأت هَذَا القريض حَتَّى انحط طبعي للحضيض ثمَّ لم يبرح من بَاب الدَّار حَتَّى أَمْسَكت بيَدي الطومار فَكتبت وشرخ البديهة عَازِب وَنجم القريحة غارب وَلَوْلَا ذَلِك لكَانَتْ كلهَا هجواً وَلما كَانَ بعض هجائها نجوى وَهَا هِيَ كَمَا يرَاهُ السَّيِّد مِنْهَا الرَّدِيء والجيد فَقلت مرتجلاً بديهة من غير توقف وَلَا تدبر (من رام يحوي فِي العلى مُرَاده ... فليصحبن صَاحب السعاده) (مهذب الرَّأْي الَّذِي دُنْيَاهُ فِي ... يَدَيْهِ لَا فِي قلبه معاده) (ذُو همة لَو جِيءَ بالعنقاء قد ... يَقُول هذى عندنَا جراده) (مقتصد عدوّه الأسراف فِي ... أُمُوره وخلقه الزهاده) (وَرُبمَا يرفل فِي ديباجه ... طوراً وطوراً لابساً نجاده) (وَلَو أَتَاهُ قس يَوْمًا حجَّة ... وَلَو غَدا مستنصراً إياده) (أَو حَاتِم وافاه رَاح خجلا ... وَلَو بطى قد نوى استنجاده) (يَقُول قس أَيْن لي فضل فَتى ... أحرز خصل الْفضل مَعَ زياده) (وحاتم يَقُول إِنِّي عَاجز ... عَن شأو مولى غَالب أضداده) (عَن الإِمَام المقرىء شَيخنَا ... رويت كلما رويت عَاده) (والمقري عِنْد أَصْحَاب النهى ... خُزَيْمَة فِي موطن الشَّهَادَة) (يحفظه الله الَّذِي أفادني ... إِفَادَة تغني عَن الْإِعَادَة) (قد كثر الله معاليه كَمَا ... قد كثر الله بهَا حساده) (لله مَا أسعد أوقاتي بِهِ ... وطبعه الْمَوْصُوف بالإجاده)

стр. 377

(هُوَ الْقَرِيب للقريب جَامع ... فِي زمن مشتت أَفْرَاده) (قاءه وَطول بَاعَ فِي العلى ... وزي فقر فِي الْغنى استفاده) (طوّل فِي كل الْمعَانِي بَاعه ... من اعْتدى مقصراً نجاده) (أَحْمد ذَاك الْكَامِل السَّامِي الَّذِي ... قد لقبوه صَاحب السعاده) (المغربي القيرواني الَّذِي ... أشْرب قلب شرقنا وداده) (هِيَ الْخِصَال كلهَا غَرِيبَة ... جود وحزم ومعالي الساده) (من الذكاء قلبه مشتعل ... أورى لَهُ الْفضل بِهِ زناده) (فبذله كفضله وجوده ... من طبعه وقوته العباده) (يحْتَمل الْكل عَن الْخلّ الَّذِي ... أَضَافَهُ وَيكرهُ استبعاده) (مقتنع بِكُل مَا يَأْتِي بِهِ ... محسن للباذل اقتصاده) (لَا يَأْكُل الطَّعَام إِلَّا مرّة ... بحكمة من طبعه مفاده) (وَكلما ذكرت من أخلاقه ... مُبين من رشده سداده) (وَبَعض مَا أوردت من صِفَاته ... هُوَ الَّذِي مشرد رقاده) (لَك الصَّفَا لَك الهنا لَك المنا ... لَك الرِّضَا مَعَ مُنْتَهى الإراده) (إِن جئتنا فِي يَوْم سعد زَائِرًا ... يَا من يرى الْخلّ بِهِ أعياده) (يَا لهف نَفسِي كَيفَ أبغي مدحه ... لفاضل لست أرى أنداده) (أفيده مد حَاله وَهُوَ الَّذِي ... بِذَاتِهِ اسْتغنى عَن الإفاده) (أتحفني مِنْهُ بِشعر شَاعِر ... مَا مثله حَاز أَبُو عباده) (من لي بِشعر حرت فِي نشيده ... حِين سَمِعت فِي الملا إنشاده) (حسب ابْن شاهين بِأَن قد جِئْته ... بمدحه كَأَنَّهَا قلاده) (من لُؤْلُؤ وجوهر منضد ... يزين مِنْهَا نظمها أجياده) (فَإِن يجبك سَيِّدي بِمثل مَا ... أهديته فَمن علاك صَاده) (وَإِن يكن صَاد النُّجُوم مهدياً ... إِلَيْك فَهُوَ عِنْده مَا اعتاده) (فَلَا بَرحت سَيِّدي مرتقياً ... مراقي الْعِزّ والسياده) (فِي مدّة لَا فنيت بِعَارِض ... وعمره مُحَصل مُرَاده) وَكَانَت وَفَاة صَاحب السَّعَادَة فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف بالمحلة الْكُبْرَى أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بِالْحَافِظِ أحد وزراء الدولة العثمانية الكبراء وَكَانَ فَاضلا

стр. 378

كَامِلا عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية وَيعرف عُلُوم الْأَدَب وَالْعرُوض وَكَانَ متيقظاً مُدبرا حاذقاً خدم فِي مبادي أمره بدار السلطنة وَلم يزل يترقى فِي المناصب حَتَّى ولي كَفَالَة دمشق ودخلها يَوْم الْإِثْنَيْنِ حادي عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وساس الْأُمُور فِي بداية أمره على النهج القويم إِلَّا أَنه لما طَالَتْ مدَّته تجبر وظلم النَّاس ظلما بلغ الْغَايَة وملأ من الرعب قُلُوب أهل دمشق وَلما مَاتَ الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن سعد الدّين تنَازع فِي المشيخة أَخُوهُ سعد الدّين وَابْن أَخِيه كَمَال الدّين وكل مِنْهُمَا ذُو أَمْوَال كَثِيرَة وعقارات غزيرة فَأخذ من كل وَاحِد مِنْهُمَا أَمْوَالًا لَا تحصى ثمَّ بَعْدَمَا استصفى مِنْهُم الْأَمْوَال أَخذ بستاناً عَظِيما يُسَاوِي خَمْسَة آلَاف دِينَار من الشَّيْخ سعد الدّين حَتَّى حَاز على المشيخة وَقطع آمال الشَّيْخ كَمَال الدّين وَكتب الشَّيْخ سعد الدّين حجَّة بِالْبيعِ لَهُ وَقبض الثّمن مِنْهُ وَقد كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة ذَا شهامة وَمَعْرِفَة تَامَّة بأحوال الحروب وتغريم الْأَمْوَال فصادر جماعات فِي دمشق وَأخذ مِنْهُم أَمْوَالًا بِغَيْر حق وَكَانَ أَرْبَاب الدولة من مقربي السلطنة يبعدونه دَائِما عَن السُّلْطَان لعلمهم أَنه إِذا قربوه سحر السُّلْطَان بسعة عقله وَتَمام فَضله وَكَثْرَة حيله وَقُوَّة مكره وَمن الْعجب أَن مدرسة انْحَلَّت فِي دمشق فَأمر القَاضِي أَن تُعْطى للشَّيْخ زين الدّين الأشعافي وَكَانَ أَرَادَ أَن يستوطن دمشق وَكَانَ عَالما وَسَتَأْتِي تَرْجَمته وَكَانَ صَاحب تآليف فِي علم الْعرُوض والحافظ طلبَهَا لأجل إِمَام لَهُ وَكَانَ صَالحا وَكَانَ يعرف بعض أَشْيَاء من الْعِبَادَات على مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فَقيل لِلْحَافِظِ أَن الشَّيْخ زين الدّين ثَانِي الْخَلِيل فِي علم الْعرُوض فَسَأَلَهُ الْحَافِظ عَن تقطيع بَيت فقدّر الله أَنه عجز وَصَارَ لَهُ كَمَا صَار للحريري ثمَّ إِن الْحَافِظ وَجه الْمدرسَة لإمامه ثمَّ إِن السُّلْطَان اتَّخذهُ سرداراً على قتال الْأَمِير فَخر الدّين بن معن وَأمر كافل حلب وكافل ديار بكر وكافل طرابلس وأمراء الأكراد وَنَحْو النّصْف من السباهية وعساكر دمشق وعساكر حلب الْجَمِيع يكونُونَ تبعا لَهُ فَتوجه بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ ألفا وحاصر ابْن معن تِسْعَة أشهر فَلم يقدر أَن يَأْخُذ قلعة من القلاع ثمَّ بعده أخرج رجلا من جماعته وَقَالَ لمن فِي القلاع أَنا مَالِي عنْدكُمْ غَرَض الْوَزير الْأَعْظَم لَهُ غَرَض فَقولُوا للأمير فَخر الدّين أَن ينزل إِلَى خيامنا وَعَلِيهِ أَمَان الله ونأخذ مِنْهُ دَرَاهِم للسُّلْطَان وللوزير ونقرره فِي أماكنه فَقَالُوا الْأَمِير ذهب فِي المراكب إِلَى بِلَاد الفرنج فَلَمَّا تحقق ذَلِك رَضِي بنزول أم فَخر الدّين فَقَالَت نَحن مَا ضَبطنَا بَلَدا بِغَيْر إِذن السُّلْطَان وَلَا انْكَسَرَ عندنَا مَال

стр. 379

فَعِنْدَ ذَلِك أَعْطَتْ للسُّلْطَان مائَة ألف قِرْش وللوزير خمسين ألفا وللحافظ مثلهَا وانفصل الْأَمر على ذَلِك ثمَّ تولى كَفَالَة آمد فَقدر وَالله أَن كفلاء بَغْدَاد تجاوزوا فِي الظُّلم وَتَوَلَّى يُوسُف باشا بَغْدَاد وَكَانَ وزيراً شهماً فظلم وَكَانَ بكر أحد أجناد بَغْدَاد استطال على الْعَسْكَر لِكَثْرَة أَتْبَاعه وأمواله فَوَقع بَينه وَبَين الْوَزير الْمَذْكُور وَأَرَادَ الْوَزير قَتله فحاصر بكر بمعونة أَكثر عَسَاكِر بَغْدَاد قلعة بَغْدَاد وفيهَا الْوَزير فَكَانَ ينظر من أسوارها فَضربت مكحلة من جَانب عَسْكَر بكر فأصابت الْوَزير فَقتلته وَاسْتولى بكر على بَغْدَاد وَجعل نَفسه بيد حاكمها وَبعث الْأَمْوَال وَالْعرُوض والمحاضر إِلَى دَار السلطنة ليتولى على بَغْدَاد فَمَا أُجِيب إِلَى ذَلِك ثمَّ فِي خلال ذَلِك كتب الْحَافِظ أبياتاً بالتركية تَتَضَمَّن الْخطاب للسُّلْطَان أَحْمد أَنه مَا بَقِي عنْدكُمْ عَسْكَر وَلَا رجال وَلَا أَمْوَال حَتَّى تعينُوا سرداراً على بَغْدَاد وَكَانَ مُرَاده التَّوَصُّل إِلَى الوزارة الْعُظْمَى وَكَانَ عِنْده مَمْلُوك جميل اسْمه دلاور فَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان قصيدة تركية يَقُول لَهُ فِيهَا مَا بَقِي عنْدك دلاور بمعان مُتعَدِّدَة ثمَّ بعد ذَلِك جعله السُّلْطَان سرداراً على بَغْدَاد وَأمر عدَّة أُمَرَاء أَن يَكُونُوا تبعا لَهُ وَجَمِيع الأكراد لَكِن مَا جعله وزيراً أعظم فَلَمَّا سمع ذَلِك بكر كتب لشاه عَبَّاس مَكْتُوبًا يَقُول لَهُ أسلمك بَغْدَاد بِشَرْط أَن تكون الْخطْبَة وَالسِّكَّة بِاسْمِك فَقَط فَرضِي الشاه بذلك فَقيل لَهُ أَنْت سني وَهَذَا شيعي كَيفَ تحكم الشِّيعَة فِي السّنيَّة فَقَالَ أَنا أكذب على الشاه إِذا رَجَعَ الْحَافِظ لَا أطمع بني عُثْمَان وَلَا الشاه فجَاء الْحَافِظ وحاصر بَغْدَاد وَقدر الله تَعَالَى أَن بَغْدَاد كَانَت فِي غَايَة الْقَحْط فَتحمل بكر المضض وَاسْتمرّ الْحَافِظ على المحاصرة حَتَّى سمع بِقرب الشاه مِنْهُ وَبَقِي بَينه وَبَين الشاه أَرْبَعَة أَيَّام فَكتب الْحَافِظ أَمر الْبكر أَنِّي جعلتك حَاكم بَغْدَاد ثمَّ تحول الْحَافِظ لعلمه بِكَثْرَة عَسَاكِر الشاه وَعدم استطاعته وتحول الْحَافِظ إِلَى ديار بكر وحاصر الشاه بَغْدَاد فضاقت الْمَعيشَة بعساكر بَغْدَاد ووصلوا إِلَى أَنهم كَانُوا يَأْكُلُون الْآدَمِيّين وَكَانَ بكر جعل على كل بَاب بِبَغْدَاد رجلا من أكَابِر أَقَاربه وَسلم القلعة لِابْنِهِ مُحَمَّد عَليّ فَلَمَّا رأى مُحَمَّد على أَن الْأُمُور صائرة إِلَى الْهَلَاك سمح بِهَلَاك وَالِده لنجاة نَفسه فَبعث للشاه ورقة التَّسْلِيم وَأدْخل لَيْلًا للقلعة عَسَاكِر الشاه وَلما كَانَ وَقت الصَّباح إِذا بطبول الشاه تضرب فِي القلعة فَانْقَطَعت قُلُوب أهل السّنة من الْخَوْف وامتلأت قُلُوب الشِّيعَة من الْفَرح وَالسُّرُور فَدخل الشاه صباحاً وَقتل بكر شَرّ قتلة وَوضع أَخا بكر

стр. 380

عمر فِي السَّفِينَة وَألقى فِيهَا النفط والقطران وَالنَّار وأحضر المنلا عَليّ وَكَانَ سنياً حنفياً شَيخا كَبِيرا فَأحْضرهُ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ الْعَن الشَّيْخَيْنِ فَقَالَ يَا شاه أَنا عِشْت هَذَا الْعُمر مَا بَقِي لي غَرَض فِي الْحَيَاة لعنة الله على من يلعن أَصْحَاب رَسُول الله فَأخذ الشاه السَّيْف بِيَدِهِ وضربه ضربا متوالياً حَتَّى قتل شَهِيدا سعيداً ثمَّ نَادَى بقاضي بَغْدَاد الَّذِي ولاه السُّلْطَان مُرَاد وَطلب مِنْهُ أَن يسْعَى بَينه وَبَين السُّلْطَان مُرَاد فِي أَن يولي ابْن الشاه بَغْدَاد وَتَكون السِّكَّة وَالْخطْبَة باسم السُّلْطَان مُرَاد وَيُرْسل ابْنه فِي كل سنة خمسين ألف قِرْش فوعده القَاضِي بِالْخَيرِ فَقَالَ لَهُ خواصه إِن القَاضِي يَضرك عِنْد السُّلْطَان وَيحسن لَهُ أَخذ بَغْدَاد قَالَ صَدقْتُمْ وَقَتله ثمَّ قتل السَّيِّد مُحَمَّد نَائِب المحكمة والخطيب الْعَظِيم فِي بَغْدَاد وَكَانَت امْرَأَة فسخت نِكَاحهَا عَن زَوجهَا بسب تعذر النَّفَقَة كَمَا هُوَ مَذْهَب السَّادة الشَّافِعِيَّة وَعند الشِّيعَة لَا يجوز الْفَسْخ وَكَانَ السَّيِّد مُحَمَّد فِي الْمِنْبَر يُبَالغ فِي الدُّعَاء على الشاه وَفِي لَعنه فَقَالَ لَهُ أسمعنا تِلْكَ الْخطْبَة البليغة فَقَالَ لَهُ لَا وَلَكِنِّي أسمعك مولد النَّبِي فَقَالَ لَهُ كَيفَ تزوج امْرَأَة زَوجهَا حَيّ قَالَ فسخ عَنْهَا على قَاعِدَة مَذْهَب الشَّافِعِي فلعن الشَّافِعِي وَلعن بَقِيَّة الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَضرب السَّيِّد مُحَمَّد بكلاب أخرجه من لِسَانه وصلبه وَحكى الشَّيْخ عُثْمَان الْخياط الْبَغْدَادِيّ أَنه رفس بِرجلِهِ صندوق الشَّيْخ عبد الْقَادِر وَألقى عمَامَته عَن الصندوق وَسمر بَابه وَاتخذ تكيته اصطبلاً للخيل وَالْجمال وَفعل بِقَبْر الإِمَام أبي حنيفَة أَكثر من ذَلِك فَقَالَ لَهُ السَّيِّد دارج وَكَانَ نقيب الْأَشْرَاف بِبَغْدَاد الشَّيْخ عبد الْقَادِر شرِيف فَلم تهينه فَقَالَ لَهُ جمَاعَة من أَتبَاع الشاه لَيْسَ بشريف وَقَالَ لَهُ رجل نزل بِبَاب الأزج اجْعَل للشَّيْخ إهانة عَظِيمَة يهْلك بهَا أهل السّنة وَهِي أَن أَسد جَمِيع المراحيض فِي بَاب الأزج وَأسد بَاب مَزَار الشَّيْخ عبد الْقَادِر وأفتح من الْقبَّة طَاقَة على قبر الشَّيْخ فَجَمِيع من كَانَ مُرَاده أَن يَبُول ويتغوط تنزل فضلاته على قبر الشَّيْخ فَقَالَ خوب خوب وَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة وَأخذ فِي سد الْأَبْوَاب من الْغَد فَقبل الْمغرب أَخذ خادمه يفتش على عرق ايكر فَقيل لَهُ لماذا قَالَ أَصَابَهُ قولنج ثمَّ مَاتَ سَرِيعا فَعلم الشاه أَن الشَّيْخ عبد الْقَادِر صَاحب أَحْوَال وأهان جَمِيع أهل السّنة وَحكى أَن البغداديين الشِّيعَة كَانُوا إِذا وقفُوا يقرؤن الْفَاتِحَة عِنْد قبر الشَّيْخ عبد الْقَادِر أَو قبر أبي حنيفَة يَقُولُونَ يَا عَار يَا عَار يَا أنجس من الفار إِن كَانَ الله حَرمك من الْجنَّة لَا يحرمك من النَّار وَبدل الْجُمُعَة بخطيب

стр. 381

يصعد إِلَى الْمِنْبَر وَيذكر أَئِمَّة الْبَيْت الاثْنَي عشر ويلعن أَصْحَاب مُحَمَّد وَعَلَيْهِم ويلعن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالْعُلَمَاء الْمَوْجُودين فِي الْأَحْيَاء وَينزل وَيصلونَ فُرَادَى ينتظرون خُرُوج الْمهْدي ويؤذنون وَيَقُولُونَ بعد الحيعلتين حَيّ على خير الْعَمَل مُحَمَّد وعَلى خيرالبشر وَضبط الشاه جَمِيع أَمْوَال عَسَاكِر بني عُثْمَان وأموال المنسوبين إِلَيْهِم ثمَّ بعد ذَلِك عين السُّلْطَان جركس مُحَمَّد باشا سردار على الشاه بَعْدَمَا يُقَاتل أبازه مُحَمَّد باشا وَلما ورد إِلَى توقات فقاتل أبازه وانكسر وَتَفَرَّقَتْ العساكر وَكَانَ جركس مُحَمَّد باشا يقْعد فِي خيمته ويتهجد وَيَدْعُو الله أَن لَا يظلم أحدا وَلَا يكسر خاطر أحد أصلا فأدركه الْمَوْت وخلصه الله من هَذِه المشاق فَاجْتمع رَأْي أَرْبَاب الدولة أَن يجْعَلُوا الْحَافِظ وزيراً أعظم فَتوجه لَكِن اغْترَّ بعزمه فَكَانَ يَقُول للعساكر مَفَاتِيح بَغْدَاد بيَدي وَسَببه أَن ضَابِط بَغْدَاد بعث إِلَيْهِ أَن يُسلمهُ بِمُجَرَّد وُصُوله إِلَيْهَا بِشَرْط أَن يُعْطِيهِ منصباً جَلِيلًا وَأَنا مَا أقدر أسلم مَا لم تحضر فَإِنِّي أَخَاف من عَسْكَر الشاه أَن يقتلوني فَلَمَّا وصل الْحَافِظ بالعسكر الْعَظِيم إِلَى خَارج بَغْدَاد أرسل جمَاعَة الشاه المكاحل وهم يصرخون وَيَقُولُونَ بالتركية خُذ هَذِه مَفَاتِيح بَغْدَاد فَعلم أَنهم أردوا الخداع وَالْمَكْر حَتَّى لَا يتدارك مهمات الْحصار وَاتَّخذُوا لقومات عديدة فَمَا أفادت شَيْئا سوى لقم وَاحِد اصطنعه ضَابِط الْجند خسرو باشا فَفتح جانبا عَظِيما وَلَكِن الْعَسْكَر لم يهجموا كلهم عَلَيْهِ فَإِن من عَادَة أكَابِر الْعَسْكَر أَنهم يُرِيدُونَ تَدْبِير بَعضهم بَعْضًا فَحِينَئِذٍ أقدم عَسَاكِر بَغْدَاد حَتَّى سدوا اللقم فَكَانَ خسرو باشا يبكي وينتف لحيته من قهره وَكَانَ الشاه نزل بِالْقربِ من بَغْدَاد نَحْو ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى تسمع عساكره فِي بَغْدَاد بِخَبَرِهِ فتقوى قُلُوبهم وتضعف قُلُوب عَسَاكِر السُّلْطَان وَكَانَ مُرَاد باشا الأرنبودي كافل حلب بقبح صَنِيع الْحَافِظ ويسبه وَيَقُول لأي شَيْء لَا يُرْسل عَسَاكِر من عِنْده وَكَانَ هُوَ مَعَه عَسَاكِر كَثِيرَة وَجَاء إِلَى الْحَافِظ وَقَالَ لَهُ أَعْطِنِي إجَازَة حَتَّى أتوجه إِلَى الشاه وأقتل جماعته وَرُبمَا قبضت عَلَيْهِ فَيَقُول لَهُ الْحَافِظ مُرَاد باشا لَا تفرق عساكرنا وتضعفهم فيهجم عَسَاكِر بَغْدَاد علينا ويقتلونا وَمُرَاد باشا يصمم على قتال الشاه فَقَالَ لَهُ الْحَافِظ إِن فعلت فَأَنت تعلم فَجمع مُرَاد باشا نَحْو أَرْبَعَة آلَاف وكبس الشاه فتحاربوا شَيْئا قَلِيلا ثمَّ رَجَعَ مُرَاد باشا مكسوراً فَقَالَ لَهُ الْحَافِظ عرفت أَن قَول الشُّيُوخ أصوب من رَأْي الشبَّان وضاق الْأَمر على عَسَاكِر الْحَافِظ وَوَقع

стр. 382

الغلاء فيهم وهرب غالبهم ثمَّ بعد ذَلِك اجْتمع الْعَسْكَر وَرَجَمُوا الْحَافِظ وطلبوا مِنْهُ أَن يقوم بالعساكر عَن الْحصار ويرجعوا إِلَى أوطانهم فَقَالَ اصْبِرُوا عَليّ أسبوعاً فصبروا أسبوعين ثمَّ جاؤا فَلم يزل يواعدهم حَتَّى اجْتَمعُوا عَلَيْهِ وَوَضَعُوا فِي عُنُقه مُحرمَة وجذبوه حَتَّى قَامَ من مَكَانَهُ وَشرع فِي الرحيل وَكَانَ عِنْده بعض مكاحل دَفنهَا فِي الأَرْض وَلم يعلم بذلك أحد إِلَّا شرذمة قَليلَة فَجرد بالمكاحل فَتَبِعهُمْ الشاه وَأَرَادَ الْعَسْكَر أَن يعجلوا فِي الرُّجُوع فَنَادَى كل من فَارق الْوَزير وَخرج عَن خيامه تخرج عَنهُ علوفته فَتَبِعهُمْ الشاه مرحلة مرحلة وَأَرَادَ الهجوم عَلَيْهِم فَلم يبالوا بِهِ وجمعهم الْحَافِظ وَتوجه إِلَى الشاه وقاتله حَتَّى رَجَعَ الشاه من خَوفه وَبعد يَوْمَيْنِ أحضر إِلَيْهِ مُرَاد باشا وَقَالَ لَهُ ألم أقل لَك لَا تركب حَتَّى كسرت العساكر وأظهرت الصيت الْقَبِيح لنا وَقَتله فِي الْحَال بَين خيامه وَأرْسل جثته إِلَى جماعته وَجَاء الْحَافِظ إِلَى حلب فَبعث الْهَدَايَا والتحف إِلَى السُّلْطَان وجماعته واسترضى السُّلْطَان وجماعته حَتَّى لَا يقتل لكنه عزل وَنزل بقسطنطينية خَائفًا مختفياً وَتَوَلَّى الوزارة بعده خَلِيل باشا وَبعده خسرو باشا ثمَّ تولاها الْحَافِظ صَاحب التَّرْجَمَة ثَانِيًا وَكَانَ للعساكر الطغيان الْعَظِيم فَاجْتمع عَلَيْهِ العساكر وقتلوه وَكَانَ السُّلْطَان خَيره بَين أَن يقْتله هُوَ بِنَفسِهِ وَيبْعَث بِرَأْسِهِ إِلَيْهِم ليطفي نَار غضبهم وَبَين أَن يُمكن العساكر مِنْهُ فَقَالَ الأولى أَن تسلمني للعساكر وَلَا تتقلد دمي ليبقى الْإِثْم فِي عنق الْعَسْكَر وَيكون لي فِي الْقِيَامَة الْمُطَالبَة الْكُبْرَى وَكَانَ قَتله فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى أَحْمد باشا الْوَزير الْكَبِير الْمَعْرُوف بكوجك أَحْمد الأرنودي أحد الوزراء الْمَشْهُورين بالشجاعة وَشدَّة الْبَأْس وَحسن التَّدْبِير وَكَانَ عَارِفًا بأحوال الحروب وَله طالع سعيد ورأي سديد وَكَانَ فِي مبدأ أمره خامل الذّكر ثمَّ نَهَضَ بِهِ الْحَظ حَتَّى صَار بكلر بكيا وَتَوَلَّى حُكُومَة سيواس ثمَّ ورد دمشق حَاكما بهَا أَولا فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف بَعْدَمَا عزل عَنْهَا ولي حُكُومَة كوتاهيه فنجم فِي بِلَاد الرّوم الياس باشا وَأظْهر العقوق للدولة العثمانية فعين السُّلْطَان مُرَاد صَاحب التَّرْجَمَة لمحاربته مَعَ جملَة من العساكر فَسَار إِلَيْهِ وقابله وفتك بِهِ فتكة بَالِغَة وأسره وغنم مِنْهُ غَنَائِم كَثِيرَة وَعَاد بِهِ إِلَى الْأَبْوَاب الْعَالِيَة فَأكْرمه السُّلْطَان لذَلِك وفوض إِلَيْهِ ثَانِيًا كَفَالَة دمشق وَكَانَ ذَلِك فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وخلع عَلَيْهِ خلعة الوزارة

стр. 383

وعينه لمقاتلة الْأَمِير فَخر الدّين بن معن وَقد كَانَ خرج عَن طَاعَة السلطنة وَجَاوَزَ الْحَد فِي الطغيان وَأخذ كثيرا من القلاع من ضواحي دمشق وَتصرف فِي ثَلَاثِينَ حصنا وَجمع من طَائِفَة السكبان جمعا عَظِيما وَبِالْجُمْلَةِ فقد بلغ مبلغا لم يبْق وَرَاءه إِلَّا دَعْوَى السلطنة وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره تعين لمقاتلته الْحَافِظ الْمَار ذكره فَلم يُقَابله وهرب إِلَى بِلَاد الفرنج كَمَا سلف الْإِيمَاء إِلَيْهِ وَلما عَاد أفرط فِيمَا كَانَ يرتكبه إِلَى أَن تعين لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة وَأمر كافل حلب نوالي باشا وَجَمِيع أُمَرَاء أَطْرَاف الشَّام كطرابلس وغزة والقدس ونابلس واللجون وعجلون وحمص وحماه أَن يَكُونُوا تبعا لَهُ وَهُوَ رئيسهم فَبعد قدومه إِلَى دمشق جمع أَعْيَان الْعلمَاء وكبراء الْعَسْكَر وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة فقابلوها بِالطَّاعَةِ وَبَادرُوا إِلَى مهمات تدارك السّفر وَأخذت أُمَرَاء الْأَطْرَاف يردون وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى أَن قدم نَائِب حلب فبرز بِمن مَعَه من الْعَسْكَر فِي ثَانِي عشر صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَقد كَانَ جدد الْمحمل الشريف فأطلعه أَمَامه وَأقَام بِالْقربِ من قَرْيَة الْكسْوَة بِأول الجسور أَيَّامًا قَليلَة إِلَى أَن تَكَامل جمع الجموع وَرجل لى قره خَان ثمَّ عين شرذمة من الْعَسْكَر لمنازلة بني الشهَاب الَّذين يسكنون وَادي تيم الله بن ثَعْلَبَة وهم منبع الشقاوة فَسَار كتخداه وَمَعَهُ بعض الْأُمَرَاء إِلَى جَانب حاصبيا وريشيا فاتفق من ألطاف الله أَن الْأَمِير على بن فَخر الدّين بن معن أَمِير صفد كَانَ مُتَوَجها لناحية وَالِده لمساعدته فَالتقى العسكران عِنْد صَلَاة الصُّبْح فانقضت فرقة الْعَسْكَر السلطاني انقضاض النسور على أَضْعَف الطُّيُور فمزقوهم بدداً وفرشوا الفضا بجثث الْقَتْلَى وَلم يعلم أحد أَن الْأَمِير عَليّ بَينهم وَلَو علمُوا لما ثَبت أحد لكبر صيته وَكَانَ من الِاتِّفَاق العجيب أَن بعض الشجعان صادفه فطعنه بِرُمْح رَمَاه عَن جَوَاده مَا عرفه فَأَتَاهُ رجل من الْجند وَكَانَ خدم الْأَمِير عَليّ فِي مبدئه فَنزل إِلَيْهِ ليحز رَأسه فَعرفهُ الْأَمِير عَليّ فَقَالَ لَهُ خلصني وَلَك عَليّ من المَال مَا تُرِيدُ فَقَالَ لَهُ إِن بَقَاءَك بعد هَذِه الْجراح محَال ثمَّ قطع رَأسه وأتى إِلَى مخيم الْوَزير فَدخل عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِم فَنَبَّهَهُ خدمه الموكلون بِهِ وَلما أَفَاق قبل يَدَيْهِ وَوضع الرَّأْس قدامه وَقَالَ لَهُ هَذَا رَأس رَئِيس الْقَوْم فَلم يصدقهُ حَتَّى جَاءَ من عرفه وحقق لَهُ الْأَمر فَضربت البشائر وَكَانَ الْعَسْكَر الَّذين تلاقوا مَعَ عَسْكَر الْأَمِير عَليّ انتصروا وغنموا غنيمَة عَظِيمَة وَقتلُوا وأسروا وَلم ينج من أَيْديهم إِلَّا شرذمة قَليلَة وَأرْسل أَحْمد باشا رَأس

стр. 384

الْأَمِير عَليّ إِلَى دمشق فِي جملَة من الرؤوس وأدخلوهم مشرعين على رُؤُوس الرماح وجهزوهم بعد أَيَّام إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة ثمَّ إِن أَحْمد باشا سَار إِلَى الْبِقَاع العزيزي وافتتح قلعة قبر الياس وَتوجه إِلَى جَانب صيدا وَأقَام بهَا مُدَّة شهر وَالْأَخْبَار عَن الْأَمِير فَخر الدّين مُخْتَلفَة فَمنهمْ من يَقُول إِنَّه فِي قلعة ينحا وَمِنْهُم من يَقُول إِنَّه فِي قلعة جزين وَكَانَ الْوَزير الْأَعْظَم مُحَمَّد باشا فِي حلب فاستدعى أَحْمد باشا فَسَار بخواص اتِّبَاعه وَأبقى جَمِيع الْعَسْكَر بِمَدِينَة صيدا وَاجْتمعَ بِهِ فِي حلب وَعَاد بالسرعة وَكَانَ تحقق أَن فَخر الدّين فِي قلعة جزين فَأخذ يحاصرها وَلما رأى فَخر الدّين أَنه مَأْخُوذ خرج من القلعة وأتى طَائِعا إِلَى أَحْمد باشا فَقبض عَلَيْهِ وأتى بِهِ إِلَى دمشق وَدخل بموكب حافل وفخر الدّين خَلفه مُقَيّد على فرس وَكثر دُعَاء النَّاس لَهُ ومدحه شعراء دمشق بالقصائد الطنانة وَأَكْثرُوا من التواريخ وَمن جملَة من مدحه الْأَمِير المنجكي فَإِنَّهُ مدحه بِهَذِهِ الأبيات (إِن الْوَزير أدام الله دولته ... أخباره سير فِي النَّاس تنْتَقل) (إِذْ طهر الأَرْض من كفر الدروز وَمن ... شَرّ الْبُغَاة الَّتِي من دونهَا الْأَجَل) (وجاءنا بِابْن معن بَعْدَمَا قطعت ... صم الصخور عَلَيْهِ وَهُوَ معتزل) (لم تغن عَنهُ الْحُصُون الْبيض إِذْ طلعت ... سوء الرزايا عَلَيْهِ الْيَوْم والقلل) (وَلَا الدلاص وَلَا ذَاك الرصاص وَلَا ... تِلْكَ الْجِيَاد وَلَا العسالة الذبل) (وَلَا من الْعَرَب من كَانَت جرائره ... تَأتي عَلَيْهِم وَلَا الْكتاب وَالرسل) (أطفاله لَهُم من حوله زجل ... كَأَنَّهُمْ قتلوا من غير مَا قتلوا) (كم بَات يحْسب فِي التَّقْوِيم مفتكراً ... فِي نجمه فَرَآهُ أَنه زحل) (من رَاح يَطْلُبهُ التَّقْدِير لَيْسَ لَهُ ... بَحر يَقِيه وَلَا برّ وَلَا جبل) (هذي عواقب من يطغى وحرفته ... فِي قومه وبنيه الْمَكْر والحيل) ثمَّ أرْسلهُ أَحْمد باشا مَعَ من وَكله بِهِ إِلَى مقرّ السلطنة فَبعد وُصُوله أَمر السُّلْطَان بقتْله وَسَيَأْتِي خَبره مفصلا فِي تَرْجَمته فِي حرف الْفَاء وَلما تمّ الْأَمر على هَذَا المنوال رَجَعَ صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى بِلَاد فَخر الدّين لضبط مَاله من الْأَمْوَال والأمتعة فنازل قلعة فيحة وتسلمها واستدعى قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام وعلماءها وأعيانها فتوجهوا إِلَيْهِ وحضروا الضَّبْط وَلم يظْهر من النُّقُود إِلَّا شَيْء يسير وَأما الْأَمْلَاك والعقارات والأمتعة وحلي النِّسَاء وأواني الذَّهَب وَالْفِضَّة وآلات الْحَرْب فقد ظهر مِنْهَا شَيْء

стр. 385

وافر وَكتب بذلك حجَّة وَعَاد صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة وَكَانَ عمر بِدِمَشْق تكية خَارج بَاب الله بِالْقربِ من رية الْقدَم ووقف عَلَيْهَا قرى من ضواحي صيدا وبعلبك وَكَانَ أملا كالفخر الدّين وَألْحق بذلك سِتِّينَ جزأ بالجامع الْأمَوِي وتعيينات لأهالي الْحَرَمَيْنِ وَبني سَبِيلا بِالْقربِ من عِمَارَته عَظِيم النَّفْع وَقيل فِي تَارِيخه (نشا الْوَزير للوفود منهلا ... لوجه مَوْلَاهُ إِذا وافى غَدا) (وَأنْشد الْوَارِد فِي تَارِيخه ... هَذَا السَّبِيل الأحمدي قد بدا) ثمَّ طلبه السُّلْطَان مُرَاد إِلَى محاربة الْعَجم فِي قلعة روان وعزل عَن حُكُومَة دمشق ثمَّ أُعِيد اليها قَرِيبا وَأمر بمحافظة الْموصل وَعين مَعَه عَسْكَر الشَّام فحافظوا مُدَّة وَمرض فِي أثْنَاء الْمُحَافظَة وَأَرَادَ المقاومة لشاه الْعَجم عَبَّاس شاه فَمَا ساعده الْقدر فَقتل وَأسر غَالب من مَعَه من العساكر وَأرْسل راسه إِلَى دمشق فَدفن فِي تكيته الْمَذْكُورَة وَكَانَ قَتله فِي ربيع الثَّانِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف ﵀ الشَّيْخ أَحْمد باعنتر اليمني الْحَضْرَمِيّ نزيل الطَّائِف كَانَ من كبار الْعلمَاء قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته ولد بحضرموت فِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَطلب الْعلم بهَا وَهُوَ صَغِير ثمَّ ارتحل إِلَى مَكَّة وَأقَام بهَا سِنِين وَأخذ عَن جمع مِنْهُم الشَّيْخ عبد الله الجبرتي وَمُحَمّد الطَّائِفِي وَالشَّيْخ عبد الله باقشير وَالشَّيْخ عَليّ بن الْجمال وَالشَّمْس مُحَمَّد البابلي وَالشَّيْخ عِيسَى بن مُحَمَّد الْجَعْفَرِي المغربي وَأخذ عَن الصفي القشاشي وتلقن مِنْهُ الذّكر وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة وَمن الشَّيْخ مُحَمَّد باعلوي وَالسَّيِّد عبد الرَّحْمَن المغربي وَأخذ عَن الشَّيْخ مهنا بن عوض بامزروع وزار النَّبِي مرَارًا كَثِيرَة ثمَّ تدير الطَّائِف وَجلسَ للتدريس وانتفع بِهِ خلق كثير فِي فنون عديدة واعتقده أهل تِلْكَ الْجِهَة لحسن سيرته وَكَانَ يغلب على أهل تِلْكَ الْبِلَاد عدم الاسْتقَامَة فَلم يزل يرشدهم إِلَى الشَّرِيعَة حَتَّى اهْتَدَى مِنْهُم خلائق وَلم يكن بَين اثْنَيْنِ مخاصمة ووصلوا إِلَيْهِ إِلَّا أصلح مَا بَينهم ويرضى كل بصلحه وَكَانَ أول أمره يعلم الْقُرْآن وَكَانَ فَقِيرا زاهداً قانعاً ثمَّ اتَّسع فِي آخر عمره وَكَانَ يحجّ فِي كل سنة وَيُقِيم بِمَكَّة إِلَى آخر الْمحرم ويزور النَّبِي كثيرا من السنين وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع شَوَّال سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف بِالطَّائِف وَحضر جنَازَته أَكثر أهل الْبَلَد وعطلوا الصَّنَائِع وَالتِّجَارَة وتعب النَّاس لفقده رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 386

الشَّيْخ إخلاص الخلوتي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه نزل حلب كَانَ مسلكا ومرشداً حسن الْخلق وَهُوَ فِي الْمقَام اليونسي يقرب مريدوه من مائَة ألف أَو يزِيدُونَ وَذكره العرضي الصَّغِير وَوَصفه بِصِفَات كَثِيرَة ثمَّ قَالَ كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره خَادِمًا لبَعض أَرْبَاب الدول فلازم أعتاب أستاذه الشَّيْخ قايا خَليفَة الشَّيْخ شاه ولى وَأَقْبل على الرياضة وَكسر النَّفس وتهذيب الخلاق وقمع الشَّهَوَات وَالْمَنْع من اللَّذَّات وَالدُّخُول فِي الخلوات أُسْوَة غَيره من المريدين حَتَّى دنت وَفَاة الشَّيْخ قايا فامتدت أَعْنَاق المريدين إِلَى الْخلَافَة فَاخْتَارَ إخلاصاً مَعَ أَن لَهُ ابْنا صَالحا فَاضلا يُقَال لَهُ الشَّيْخ حَمْزَة لَكِن من عَادَة هَذِه الْفرْقَة من الخلوتية أَنهم لَا ينصبون خَليفَة إِلَّا الْأَجْنَبِيّ كَمَا أَن الْفرْقَة الْأُخْرَى من الخلوتية أَتبَاع جدنا لوالدتنا أَحْمد القصيري لَا يختارون إِلَّا ابنهم أَو أَخَاهُم أَو أحد أقاربهم وَدَلِيل الأولى اخْتِيَار النَّبِي الصّديق للخلافة مَعَ كَونه أَجْنَبِيّا مَعَ وجود الْعَبَّاس عَمه وَابْن عَمه عَليّ بن أبي طَالب وَدَلِيل الثَّانِيَة طمأنينة قُلُوب المريدين للأقارب وَعدم احتقارهم وَلِئَلَّا يَنْقَطِع الْخَيْر عَن ذُريَّته وَقد اتخذ لَهُ الْوَزير الْأَعْظَم مُحَمَّد باشا الأرنود زَاوِيَة صرف عَلَيْهَا مَالا جزيلاً ووقف عَلَيْهَا وَقفا عَظِيما يحصل مِنْهُ فِي الْيَوْم ثَلَاثَة قروش وَطعن فِيهِ بعض النَّاس أَنَّهَا من مَال الْعَوَارِض وَلَكِن قَالَ بَعضهم أَن الْوَزير اقْترض من رَئِيس الدفتريين مَالا جزيلاً لأجل مهمات السّفر وَحصل الْإِيفَاء من مَال الْعَوَارِض وَمَا أَظن الْكَلَامَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَحكى لنا الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن الأطرش وَهُوَ نَاشد حَلقَة ذكره أَنا كُنَّا مَعَ الشَّيْخ بِنَاحِيَة بيرة الفراة وَكَانَ معي رجل يُقَال لَهُ الْحَاج حُسَيْن وَالله أعلم قَالَ ذهبت مَعَه إِلَى مَاء هُنَاكَ للاغتسال فَنزل الْمَذْكُور إِلَى النَّهر فَرَآهُ عميقاً وَلَا قدرَة لَهُ على السباحة فِيهِ فغط وَأخرج رَأسه وصرخ إِنِّي هَلَكت وغط الثَّانِيَة وَأخرج رَأسه لَا يَسْتَطِيع الْكَلَام وَأَنا عَاجز عَن السباحة وَمَا عِنْدِي أحد وثيابه بِالْقربِ مني فهربت خوفًا من الْحُكَّام وَجئْت إِلَى الشَّيْخ فَقَالَ لي أَيْن الْحَاج حُسَيْن فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي لَا أَدْرِي فكرّر الْكَلَام ثَانِيًا وثالثاً وَقَالَ أَيْن هُوَ فَقلت وَالله يَا سَيِّدي لَا أعلم قَالَ يَا مَجْنُون الشَّيْخ الَّذِي لَا يحمي مريده لَا يكون شَيخا وَبعد زمَان طَوِيل وَإِذا بالحاج حُسَيْن مَحْمُول انتفخ من المَاء وَفِيه روح فعلقوه وَجعلُوا رَأسه تَحت وأقدامه فَوق حَتَّى نزل المَاء من فِيهِ وَحصل لَهُ الشِّفَاء فَسَأَلته قَالَ كنت قطعت بِالْمَوْتِ فَرَأَيْت يدا تدافعني إِلَى السَّاحِل حَتَّى خرجت سالما هَكَذَا أخبر

стр. 387

والعهدة عَلَيْهِ وَله فِي كل سنة أَيَّام الشتَاء خلْوَة عَامَّة يجْتَمع إِلَيْهَا المريدون فيصومون ثَلَاثَة أَيَّام ويأكلون عِنْد الْمسَاء مِقْدَار أوقيتين من الحريرة ورغيفا من الْخَبَر أَكثر من أُوقِيَّة وَلَا يشربون المَاء القراح بل يشربون القهوى ويستمرون فِي الذّكر وَالْعِبَادَة آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَأما بَاقِي الْأَيَّام فَيقومُونَ سحرًا ويتهجدون على قدر طاقتهم ثمَّ يَأْخُذُونَ فِي الذّكر إِلَى وَقت الْأَسْفَار ثمَّ يصلونَ الصُّبْح لكَون الشَّيْخ حنفيا ويقرؤن الأوراد إِلَى ارْتِفَاع الشَّمْس وَيصلونَ الْإِشْرَاق وَهَكَذَا يَفْعَلُونَ الْعِبَادَات فِي أَوْقَات الصَّلَوَات المفروضات وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَسبعين وَألف وَبلغ من الْعُمر إِحْدَى وَسبعين سنة الشريف إِدْرِيس بن الْحسن بن أبي نمى وَتَمام النّسَب تقدم فِي تَرْجَمَة أَخِيه الشريف أبي طَالب صَاحب مَكَّة وَكَانَ من أجل النَّاس من سراة الْأَشْرَاف شهما تهابه الْمُلُوك والأشراف شجاعا حسن الْأَخْلَاق ذَا تودد وسكينة وَكَانَ يكنى أَبَا عون ولد فِي سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَأمه هُنَا بنت أَحْمد بن خميصة بن مُحَمَّد بن بَرَكَات بن أبي نمى وَكَانَ لَهُ من العبيد المولدين وَالرَّقِيق الجلب مَا يزِيد على أَرْبَعمِائَة وَمن المقاديم من الْعَرَب جمَاعَة ولي مَكَّة بعد أَخِيه أبي طَالب فِي سنة إِحْدَى عشرَة وَألف وأشرك مَعَه أَخَاهُ السَّيِّد فهيد ثمَّ خلعه فِي وَاقعَة ذكرتها فِي تَرْجَمته ثمَّ أشرك مَعَه ابْن أَخِيه الشريف محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن بِاتِّفَاق من أكَابِر الْأَشْرَاف وَتمكن من السطوة والعزة ووفد إِلَيْهِ ومدح كثيرا وَمن أَجود مَا مدح بِهِ قصيدة حُسَيْن بن أَحْمد الْجَزرِي الْحلَبِي وَهِي من أرق الشّعْر وأسوغه ومطلعها قَوْله (أألزم قلبِي فِيك حبك والصبرا ... سَأَلت مجيبا لَو ملكت لَهُ أمرا) (وَمَا الْحبّ من يبْقى على الصب لبه ... وَلَا الْقلب من يبْقى وَيحْتَمل الهجرا) (وَلَيْسَ التمَاس الْعين من سهد لَيْلهَا ... بأمنع مِنْهَا مِنْك إِن لم تكن سكرى) (طوى أَن أطل شرحا لَهُ قلت هُوَ هوا ... وَيَكْفِيك ذكر النَّار عَن فعلهَا ذكرا) (وموقف بَين لَا نذيع وداعه ... وَلم ندر الألحاظ الأبه شزرا) (أحم على الْعَينَيْنِ من وَجه لائم ... وأثقل فِي الأسماع من ذكره وقرا) (نموه فِي تسليمنا بِأَنا مل ... عَلَيْك فتنضي الْبيض أَو تهززا السمرا) (وَمن لي بكتم بَين واش وحاسد ... لسرك والأجفان توضحه جَهرا)

стр. 388

(فِرَاق تراق النَّفس فِيهِ مدامعا ... وَشَاهد قولي أَنَّهَا قطرت حمرا) (وَيَوْم يؤم الْمَرْء فِيهِ حتوفه ... وَإِلَّا فَمَا بَال الْوُجُوه ترى صفرا) (ودهر إِذا استعفيته عَن مظالمي ... كَأَنِّي سَأَلت الضَّب أَن يسْلك البحرا) (أصَاحب فِيهِ اللَّيْل والبيد والسرى ... وأفقد مِنْهُ الْأنس والأمن والفجرا) (وَمَا طَال إِلَّا ليل من طَال همه ... وَلَا زَاد إِلَّا هم من زَاده فكرا) (وحسبك من ليل إِذا رمت حدّه ... فأطول يَوْم الْبَين أقصره عمرا) (أكلف مهري فِيهِ كل تنوفة ... كَمَا كلف الْمُضْطَر فِي حَاجَة عمرا) (ليلحق بِي السُّلْطَان إِدْرِيس هَاشم ... ويركب هول الْبَحْر من طلب الدرا) (فَتى يهب العافين مَا دون مجده ... وَلَو كَانَ يعْطى سره بذل السرا) (إِذا مَا سَأَلت الْقطر ثمَّ سَأَلته ... توهمت أَن الْقطر يَسْأَلك القطرا) (وَلَا عيب فِيهِ غير أَن نواله ... على سَعَة الْآفَاق يستعبد الحرا) وَمن جُمْلَتهَا (من الْقَوْم أثنى الله فِي الذّكر عَنْهُم ... وطهرهم من رِجْس دنياهم طهرا) (فَمَا غَايَة الْمثنى عَلَيْهِم بِشعرِهِ ... وَلَو نظم الشعرى العبور بهم شعرًا) (وَمَا جهد من يَبْغِي اللحاق لشأوهم ... وَلَو ركب النكباء فِي سَيرهَا شهرا) (ومفترع العلياء بكرا وَلَيْسَ من ... يحاور عينا مثل من وطىء البكرا) (وَمَا زَادَت الْآفَاق إِلَّا بهم سنا ... وَمَا دلّت الْأَعْنَاق إِلَّا لَهُم قسرا) وَمِنْهَا (وَمن كَانَ نجلاً للنَّبِي مُحَمَّد ... فقد فَازَ فِي الدُّنْيَا مقَاما وَفِي الْأُخْرَى) (قدم ملكا كلتا يَدَيْهِ لتأمني ... فنأمن باليمنى ونوسر باليسرى) (مفدى بقيل بعد قيل وَمَا أَنا ... بِمن يرتضي زيدا فدالك أَو عمرا) ومدحه الْحسن البوريني لما حج فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَألف بقصيدة يَقُول فِيهَا من المديح (مولَايَ يَا ماجد لم يحكه أحد ... وَلَو سعى جهده فِي سالف الْأُمَم) (لَا بدع إِن فقدت كل النَّاس قاطبة ... فَأَنت من نسل خير الْخلق كلهم) (قصدت ساحة الْجُود فِي مَنَازِلكُمْ ... لم أستلمها وَلَا قبلتها بفمي) (وَلَا وَردت إِلَى شرب تروّقه ... مِنْك البشاشة وَالْقلب المشوق ظمى) (وَلِيكُم أَنا وَالْأَيَّام تشهد لي ... بِالصّدقِ من قبل أَن أَصبَحت ذَا حلم)

стр. 389

(أَرْجُو بكم شربة قد راق منهلها ... وَالْحَرِير كض فِي أحشاء مُحْتَرم) وللشاهيني فِيهِ قصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا (ياربع صبري عَاد فِيك دريسا ... وهواي أَمْسَى فِي هَوَاك حَبِيسًا) وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة فِي أنموذج السَّيِّد مُحَمَّد العرضي الْحلَبِي فَقَالَ فِي وَصفه سُلْطَان الأكياس وَمن سيرته سيرة ابْن سيد النَّاس ذُو الطلعة الغرا وزهرة فَاطِمَة الزهرا ذُو الجبين المستنير بالعرفان إِذا غَدا غَيره جهولا مقنعا بطيلسان الذل والهوان مَا جد احتبي بنطاق الْمجد كَمَا احتبي بالسحائب ثهلان وجواد أقسم جوده بِيَوْم الغدير والنهروان فأقسم بِرَبّ الْبدن تدمي مِنْهَا النَّحْو رانه الْوَارِث مِنْهُ وَقْفَة الحجيج والوفادة وسقايتهم والرفادة وشهوده على ذَلِك مني والمخيف وصم الصَّفَا والمعزف كَمَا قَالَ الشريف الرضى (لَهُ وقفات بالحجيج شهودها ... إِلَى عقب الدُّنْيَا مني والمخيف) (وَمن مأثرات غَيرهَا تيك لم تزل ... لَهُ عنق عَال على النَّاس مشرف) سَار الْمَذْكُور فِي أهل الْحجاز بسيرة جده من غير أَن يغمد فيهم سيف حَده وَمِمَّا أنشدت لَهُ من شعر الْمُلُوك الْمَحْمُود وَإِن قيل شعر الْهَاشِمِي لَا يجود قَوْله فِي الِاعْتِذَار عَن خضاب الشيب بالشباب الملبس الْمعَاد والتسر بل على موت الصِّبَا بِثِيَاب الْحداد (قَالُوا خضبت الشيب قلت لَهُم نعم ... مَا إِن طمعت بِذَاكَ فِي رد الصِّبَا) (لَكِن عقل الشيب مَا أحرزته ... فَخَشِيت أَن أدعى جهولا أشيبا) وَاسْتمرّ الشريف محسن مشاركا لَهُ على صدق الْكَلِمَة والنصح والمساعدة فِي الْأَحْوَال المهمة ونافره بَنو أَخِيه عبد الْمطلب بن حسن لأمر فَقَامَ الشريف محسن فِي موافقتهم لَهُ فتم ذَلِك ودخلوا فِي الطَّاعَة وَطَابَتْ نُفُوسهم وتوغل الشريف إِدْرِيس والشريف محسن فِي الشرق ووصلا بالفريق إِلَى قرب الأحسا واجتمعا بهم هُنَاكَ ثمَّ دخلا الأحسا وَضربت خيامهم قبالة الْبَاب القبلي من سور الأحسا وأكرمهما الله صَاحبهَا عَليّ باشا وَأَقَامَا نَحْو ثَمَانِيَة أَيَّام وَلم يتَّفق لأحد من أَشْرَاف مَكَّة المتولين من القتاديين دُخُول الأحسا كَمَا اتّفق لهذين الشريفين ثمَّ وَقع بَين الشريفين إِدْرِيس ومحسن تنافر بِسَبَب خدام الشريف إِدْرِيس وتجاوزهم فِي التَّعَدِّي وعمت الْبلوى بِمَا يصدر عَنْهُم من الْأُمُور الْمُشْتَملَة على التلبيس خُصُوصا من وزيره

стр. 390

أَحْمد بن يُونُس الْمُقدم ذكره وَكَانَ الشريف إِدْرِيس متغافلاً عَمَّا يصنعوه وَلم يلق سَمعه إِلَى مَا ينْهَى من فعلهم إِلَيْهِ وَلَا ينصف أحدا من شكايتهم وراجعه الشريف محسن فِي شَأْنهمْ مرَارًا وردد القَوْل فَكَانَت الشكوى إِلَى غير منصف فَرَأى الشريف محسن وخامة عواقب الْحَال فَعِنْدَ ذَلِك اجْتمع أهل الْحل وَالْعقد من بني عَمه من السَّادة الْأَشْرَاف وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء والأعيان فَرفعُوا الشريف إِدْرِيس عَن ولَايَة الْحجاز وفوضوا الْأَمر إِلَى الشريف محسن رَأَيْت فِي بعض التَّعَالِيق مَا نَصه فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث الْمحرم سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف أشيع بِمَكَّة أَن السَّادة الْأَشْرَاف نيتهم إِقَامَة الشريف محسن مُسْتقِلّا بِالْأَمر فَحصل اضْطِرَاب عَظِيم فِي الْبَلَد وحركة عَظِيمَة وَقسمت آلَات الْحَرْب من الْجَانِبَيْنِ فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْخَمِيس ألبس كل مِنْهُمَا لمن مَعَه من العساكر والجنود ووقف كل مِنْهُمَا عِنْد بَاب دَاره فبرز من جمَاعَة الشريف محسن شرذمة من جَانب عقد السَّيِّد بشير بنية عقد النداء فِي الْبَلَد للشريف محسن اسْتِقْلَالا فَقبل وصولهم المقعد رَمَتْهُمْ الجبالية المجعولون فِي مدرسة السَّيِّد العيدروس بالبندق فَقتل من الْجَمَاعَة الْمَذْكُورين بالبندق السَّيِّد سلمَان بن عجلَان بن ثقبة والقائد مرجان بن زين العابدين وَزِير الشريف محسن فَرجع الْبَاقُونَ وَفِي ضحى هَذَا الْيَوْم ركب الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب وَمَعَهُ خيل والمنادي يُنَادي بالبلاد للشريف محسن وَلم يزل هَذَا الِاضْطِرَاب فِي الْبَلَد ذَلِك الْيَوْم جَمِيعه وَمن ألطاف الله تَعَالَى أَن الْجَمَاعَة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام قَائِمَة ذَلِك الْيَوْم والأسواق فَاتِحَة وفيهَا الأقوات وَلم يحصل تغير أبدا فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس الْمحرم وَقع الصُّلْح بَينهمَا على أَن يسْتَقلّ الشريف محسن بِالْأَمر وَيكون الْكَفّ عَن الْمُحَاربَة سِتَّة أشهر مِنْهَا ثَلَاثَة يكون الشريف إِدْرِيس فِيهَا بِالْبَلَدِ وَثَلَاثَة بِالْبرِّ فاتفق الْحَال ودعا الْخَطِيب للشريف محسن يَوْم الْجُمُعَة بمفرده ثمَّ خرج الشريف من مَكَّة لَيْلَة المولد وَنقل الثِّقَات أَنه لما ضويق وأجلبت عَلَيْهِ الْأَشْرَاف وَمن مَعَهم بِحَيْثُ أَنه أُصِيبَت جوَيْرِية من بَين يَدَيْهِ بالبندق فَسَقَطت ميتَة بَين يَدَيْهِ فارتاع لذَلِك وحزن وضع منديلاً لطيفاً على وَجهه وَبكى لفقد الناصرين فَدخلت عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الجالة أُخْته الشَّرِيفَة زَيْنَب بنت الْحسن فَقَالَت لَهُ علام ذَا الْحزن والعناء دعها لِابْنِ أَخِيك فقد وليتها مُدَّة طَوِيلَة فحيئذ أرسل إِلَى الشريف محسن والأشراف وَطلب مِنْهُم مهلة شَهْرَيْن فِي الْبَلَد وَأَرْبَعَة أشهر
следующие страницы →