Полный текст (1 978 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
رَأَيْت خَبره معصلا فِي بعض مَا كتبه إِلَى السَّيِّد عبد الله الْحِجَازِي رَحمَه الله تَعَالَى من تراجم الحلبيين قَالَ ولد بحلب وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن الْعَلامَة عمر العرضي وَغَيره وتأدب بإبراهيم بن المنلا وبرع ورحل إِلَى قسطنطينية وَولي الْقَضَاء بُرْهَة ثمَّ تقاعد عَن رُتْبَة الْقُدس وَولي نِيَابَة الْقَضَاء بحلب وَكَانَ لَهُ إحاطة تَامَّة بأنواع الْفُنُون وَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من مشاهير فضلاء حلب وَبِه انتفعوا وَألف حَاشِيَة على الْفُنُون وَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من مشاهير فضلاء حلب وَبِه انتفعوا وَألف حَاشِيَة على الدُّرَر وَالْغرر فِي الْفِقْه وأجاد فِيهَا جدا واطلعت أناله على تحريرات كَثِيرَة تدل على دقة نظره وغزارة فَضله أما شعره ونثره فاليهما النِّهَايَة فِي الْحسن فَمن شعره قَوْله من قصيدة
(سقى الله عَيْشًا مر فِي زمن الصِّبَا ... وحياه عني بالعبير نسيم)
(ودهراً بقسطينية قد قطعته ... إِذا السعد عبد لي بهَا وخديم)
(بِلَاد هِيَ الدُّنْيَا إِذا مَا قطنتها ... فَوجه الْأَمَانِي مُسْفِر ووشيم)
(وَمَا هِيَ الا جنَّة الْخلد بهجة ... وَمَا غَيرهَا إِلَّا لظى وجحيم)
(فكم فِي مغانيها قضيت لبانة ... وزالت عَن الْقلب الكليم هموم)
(وَقرب أبي أَيُّوب كم رَوْضَة إِذا ... حللت بهَا يَوْمًا فلست تريم)
(تَقول إِذا شاهدت عالي قُصُورهَا ... أهذي جنان زخرفت ونعيم)
(جرى مَاؤُهَا كالسلسبيل فمثلها ... إِذا مَا تذكرت الْبِقَاع عديم)
(كستها الغوادي حلَّة سندسية ... وَأهْدى شذاها للنفوس شميم)
(وبالسفح سفح الطوبخانة أَربع ... لَهَا النسْر فِي جو السَّمَاء نديم)
(تلوح بهَا الغيد الصَّباح كَأَنَّمَا ... علوا وإشراقا تلوح نُجُوم)
(يقابلها ذَاك الخليج بصفحة ... كَأَن لَهَا متن السَّمَاء خديم)
(ترى السفن فِيهَا جاريات كَأَنَّهَا ... جِيَاد فَمِنْهَا سَابق ولطيم)
(وَعند الحصارين المنيعين جيرة ... حَدِيث علاهم فِي الْأَنَام قديم)
(عجبت لأيامي بهم كَيفَ لم تدم ... وَهل دَامَ شَيْء غَيرهَا فتدوم)
وَكتب لبَعض الكبراء مَعَ قطاع من الصيني أهداها لَهُ قَوْله
(إِن قصر الدَّاعِي وَأهْدى بِلَا ... روية محتقرا نزرا)
(من عمل الصين قطاعا أَتَت ... لَا تسْتَحقّ الْوَصْف والذكرا)
(فاعذر فقد أهْدى إِلَيْك الثنا ... عقد انظيما يخجل الْبَدْر)
стр. 317
وَكتب مَعَ أُخْرَى يعتذرا عَن هَدِيَّة قَوْله
(وهديت الْيَسِير فانعم وقابل ... نزره بِالْقبُولِ والامتنان)
(فَلَو أَن العيوق وَالشَّمْس والبدر ... مَعَ الفرقدين فِي إمكاني)
(كنت أَهْدَيْتهَا وقدمت عذرا ... وَرَأَيْت الْقُصُور مَعَ ذَاك شاني)
وَقَالَ من فصل وَهُوَ مِمَّا يخْتَار لِلْكَاتِبِ مَعَ الْهَدَايَا قد جرت الْعَادة بمهاداة الخدم للسادة رَجَاء أَن يجددوا لَهُم ذكرا وَإِن كَانَت الْهَدِيَّة شَيْئا نزرا وَلَهُم فِي ذَلِك أُسْوَة بالسحاب إِذا أهْدى الْقطر إِلَى تيار الْبَحْر وبالنسيم إِذا أهْدى النشر إِلَى حديقة الزهر وَله من قصيدة يُخَاطب بهَا صديقا لَهُ
(تَزُول الرواسِي عَن مقرّ رسومها ... وودي على الْأَيَّام لَيْسَ يَزُول)
(وَلست بِمن يرضيه من أهل وده ... خَفِي وداد فِي الْفُؤَاد دخيل)
(إِذا لم يكن فِي ظَاهر الْمَرْء شَاهد ... على سره فالود مِنْهُ عليل)
(أأرضى بود فِي الْفُؤَاد مغيب ... وَلَيْسَ إِلَى علم الغيوب سَبِيل)
(وَأَقْبل عَن هجري اعتذار مزينا ... تمحلته أَنِّي إِذا لجهول)
(لعمرك قد حركت مَا كَانَ سَاكِنا ... وعلمتني بِالْغَيْبِ كَيفَ أصُول)
وَكتب إِلَى العلامك البوسنوي يودعه حِين توجه إِلَى الرّوم من حلب من غير عزل وأقامه مقَامه
(ركابك مقرون بعز وإقبال ... وسيرك مَيْمُون بطالعك العالي)
(رحلت فأضرمت الْقُلُوب بجمرة ... وكل مَا أوريت من حرهَا صالي)
(وغادرتنا حلف التأسف والأسى ... نبيت بآلام وتغدو بأوجال)
(إِذا مَا تذكرنا زَمَانك وَالَّذِي ... جنيناه فِيهِ من جنى كل إفضال)
(تمزق درع الصَّبْر عَنَّا تلهفا ... عَلَيْهِ وَلم نَبْرَح رهائن بلبال)
(فَمَا أَنْت إِلَّا الْغَيْث نخصب إِن دنا ... ونجدب إِمَّا هم عَنَّا بترحال)
(وَقد كَانَت الشَّهْبَاء لما حللتها ... تجر مروط الْعِزّ ناعمة البال)
(وتفخر إعجابا وَمَا ذَاك بِدعَة ... فكم من عرين نَالَ فخرا بريبال)
(فَصَارَت وَقد أَعرَضت عَنْهَا خلية ... عَن الْعدْل والانصاف فِي أسوء الْحَال)
(كَانَ أمرأ الْقَيْس انتحاها بقوله ... أَلا عَم صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي)
وَقَالَ يُخَاطب بعض أَصْحَابه بقوله
стр. 318
(رويدك شَأْن الدَّهْر أَن يتغيرا ... وشمته أَنا مَا صفا أَن يكدرا)
(وعادته الشعاء فِي النَّاس أَنه ... إِذا جَاءَ بالبشرى تحول منذرا)
(فَلَا بؤسه يبْقى وَأما نعيمه ... فكالطيف إِذْ تَلقاهُ فِي سنه الكرا)
(فَلَا تَكُ مَسْرُورا إِذا كَانَ مُقبلا ... وَلَا تَكُ حزونا إِذا هُوَ أدبرا)
(فَأَي دجى هم دهاك وَلم تَجِد ... صبا حَاله بالبشر وأفاك مُسْفِرًا)
(وَقد هزلت أيامنا فَلَو أَنَّهَا ... أتتنا بجد كَانَ للهزل مظْهرا)
وَمِنْهَا
(وَلَيْسَ بِعَيْب الْبَدْر فقدان نوره ... إِذا كَانَ بعد الْفَقْد يظْهر مقمرا)
وَكتب إِلَى بعض الموَالِي يودعه
(أمامك التَّوْفِيق والرشد ... وخدنك التأييد والسعد)
(وَكلما حليت فِي منزل ... قابلك الاقبال وَالْجد)
(رحلت عَن ثهبائنا فانزوى ... الْفضل بهَا وانطمس الْمجد)
(من بعد مَا أجريت عدلا بهَا ... فِيهِ تساوى الْحر وَالْعَبْد)
(فَكُن مثل الشَّمْس ماشانها ... بِالنورِ إِلَّا الاعين الرمد)
(فَكنت مثل الْورْد مَا زرتنا ... حَتَّى ترحلت كَذَا الْورْد)
(لَا بل كريعان الصِّبَا سرنا ... حينا وَلَكِن ساءنا الْفَقْد)
(فَاذْهَبْ فَأَنت الْغَيْث مَا حل فِي ... منزلَة الاله خمد)
وَله وَهُوَ فِي غَايَة الْجَوْدَة
(لدواة داعيكم مداد شَاب من ... جور الزَّمَان وَقد رثت لمصابه)
(فَأَتَت تؤمل فَضلكُمْ وتروم من ... إحسانكم تَجْدِيد شرخ شبابه)
وَكتب صدر رِسَالَة
(أَيهَا الْفَاضِل الَّذِي خصّه الله ... من الْفضل والحجى بلبابه)
(إِن شوقي إِلَيْك لَيْسَ بشوق ... يُمكن الْمَرْء شَرحه فِي كِتَابه)
وَكتب إِلَى السَّيِّد مُحَمَّد العرضي قبل توجهه إِلَى الرّوم
(مَا زلت محسوداً على أيامكم ... حَتَّى غَدَوْت ببعدكم مرحوما)
(وَمن البلية قبل توديعي لكم ... أَصبَحت رزقا للنوى مقسوما)
فَأَجَابَهُ وَكَانَ محموما
(وافي الْكتاب وَكنت قبل وُرُوده ... من خوف ذكر فراقكم محموما)
стр. 319
(هَذَا ولي أَمر بصرفة عزمكم ... عَنهُ فَكيف إِذا غَدا محتوما)
وَله
(إِن شوقي يحل عَن أَن يُؤَدِّي ... بعض أَوْصَافه لِسَان اليراع)
وَكتب لمن أَعَارَهُ مجموعا
(مولَايَ هَب أَن الْمُحب فُؤَاده ... هبة مسلمة بِغَيْر رُجُوع)
(فاقنع فديتك بالفؤاد تفضلا ... وانعم وَلَا تتبعه بالمجموع)
قلت مِمَّا يُنَاسب هَذَا الْمَضْمُون وَيحسن موقعه عِنْده فِي المماطلة بِمَجْمُوع أَن الصَّدْر تَاج الدّين أَحْمد بن الْأَمِير الْكَاتِب اسْتعَار مجموعا من مُجَاهِد الدّين بن شقير وَأطَال مطله بِهِ فاتفق يَوْمًا أَن حضر إِلَى ديوَان المكاتبات فَقَالَ لَهُ ابْن الْأَمِير كَيفَ أَنْت يَا مُجَاهِد الدّين وَالله قلبِي وخاطري عنْدك فَقَالَ لَهُ وَالله وَأَنا محمو عي عنْدك فطرب لَهُ الْحَاضِرُونَ وَمن رباعيات ابْن النَّقِيب قَوْله
(يَا من اخْتَرْت لي حبيباً قبله ... يَا من صيرت حسنه لي قبله)
(روحي لَك قد أَخَذتهَا خَالِصَة ... فَاجْعَلْ ثمن الْمَبِيع مِنْهَا قبله)
وَلما انْتقل أَخُوهُ بالوفاة كتب إِلَى أبي الْوَفَاء العرضي وَكَانَ أُصِيب بولديه قَوْله
(رزء ألم وحسرة تتوالى ... ومصيبة قد جرت الأذيالا)
(وجليل خطب لَو تكلّف حمله ... ثهلان ذُو الهضبات دك ومالا)
(وفراق الف إِن أردْت تصبرا ... عَنهُ أردْت من الزَّمَان محالا)
(وغروب عين لَيْسَ تفتر دَائِما ... عَن سكب رقراق الدُّمُوع سجالا)
(بعد الدَّهْر شَأْنه أَن لَا يرى ... إِلَّا خؤونا غادرا محتالا)
(نغتر فِيهِ بالسلامة بُرْهَة ... ونرى الْمَآل تمحقا وزوالا)
(ويعيرنا ثوب الشبيبة ثمَّ لم ... يبرح بِهِ حَتَّى يرى أسمالا)
(قبحت يَا وَجه الزَّمَان فَلَا أرى ... لَك بعد أَن فقد الْجمال جمالا)
(ذَاك الَّذِي قد كَانَ قُرَّة ناظري ... وقرار قلبِي بل وَأعظم حَالا)
(قد كنت أَرْجُو أَن يُؤَخر يَوْمه ... عني وَيحمل بعدِي إِلَّا ثقالا)
(وَيَذُوق مَا قد ذقته لفراقه ... ويمارس الْأَهْوَال والأوجالا)
(فتطاولت أَيدي الْمنية نَحوه ... وَبقيت فَردا أندب الأطلالا)
(كُنَّا كغصني بانة قطع الردى ... منا الأغض إِلَّا رطب الميالا)
(أَو كاليدين لذات شخص وَاحِد ... كَانَ الْيَمين لَهَا وَكنت شمالا)
стр. 320
(أسفى عَلَيْهِ شمس فضل عوجلت ... بكسوفها وعماد مجد مَالا)
(لَا كَانَ يَوْمًا حسم فِيهِ فراقنا ... فَلَقَد أَطَالَ الْحزن والبابالا)
(فبقى ضريحا صله صوب الحيا ... فِي كل وَقت لَا يغيب وصالا)
وَمِنْهَا
(هَيْهَات من لي بالرثاء وفقده ... لم يبْق فِي بَقِيَّة ومجالا)
(أفحمتني يَا رزأه من بَعْدَمَا ... كنت الفصيح المصقع القوالا)
(من لي بطبع اللوذعي أبي الوفا ... ذَاك الَّذِي بِالسحرِ جَاءَ حَلَالا)
(مولى إِذا وعظ الْأَنَام رَأَيْته ... يلقى على كل امْرِئ زلزالا)
(بزواجر لَو أَنه استقصى بهَا ... أهل الضلال لما رَأَيْت ضلالا)
(مولَايَ يَا صدر الزَّمَان وَمن غَدا ... لِبَنِيهِ غوثا يرتجى وثمالا)
(ذِي نفثة المصدور قد سرحتها ... لحماك تَشْكُو بثها إدلالا)
(أَن الْمُصِيبَة ناسبت مَا بَيْننَا ... إِذْ حولت بحلولها إِلَّا حوالا)
(فثكلت مخدومين كل مِنْهُمَا ... قد كَانَ فِي أفق السُّعُود هلالا)
(لَو أمهلا مَلأ الْعُيُون محاسنا ... وَكَذَا الْقُلُوب مهابة وكمالا)
(ولكان هَذَا للمعالي نَاظرا ... ولكان هَذَا فِي طلاها خالا)
(خطفتهما أَيدي الْمنون وغادرت ... مَاء الْعُيُون عَلَيْهِمَا هطالا)
فَأَجَابَهُ بقصيدة مِنْهَا
(لهفي على بدر تَكَامل بَعْدَمَا ... قد سَار فِي ذَاك الْكَمَال هلالا)
(أعظم بِهِ رزأ أتاح مضائبا ... فت القوب ومزق الأوصالا)
(مَا كنت أعلم قبل حمل سَرِيره ... أَن الرِّجَال تسير إِلَّا جبالا)
(وَعَجِبت للبحر الْمُحِيط بحفرة ... هَل غَابَ حَقًا أَو أرَاهُ خيالا)
(يَا دافنيه من الْحيَاء تقنعوا ... غيبتم شمس الْغَدَاة ضلالا)
(عهدي الْغَمَام حجابها مَالِي أرى ... أضحى الْحجاب جناد لَا ورمالا)
وَكتب إِلَيْهِ فِي هَذَا الشَّأْن قَوْله
(خطب بِقرب دونه الآجالا ... ويمزق الأحشاء والأوصالا)
(فدع الجفون تجود إِن نضبت ... سحائب دمعها فِيهِ دَمًا هطالا)
(أفلت نُجُوم الْفضل من فلك العلى ... ووهي ثبير المكرمات ومالا)
(فقدت أولو الْأَلْبَاب الْمجد الَّذِي ... عدموا بفقد حَيَاته الإقبالا)
стр. 321
(فقدوا حَلِيف الْفضل من بِكَمَالِهِ ... وحجاه كُنَّا نضرب الأمثالا)
(من شَاءَ للعلياء يسع فَإِن من ... كَانَت لَهُ بالْأَمْس ملكا زَالا)
وَمِنْهَا
(اعزز عَليّ بِأَن أرى رب ... الفصاحة والبلاغة لَا يُجيب سؤالا)
(مَا كنت أعلم قبل يَوْم وَفَاته ... أَن الْكَوَاكِب تسكن الأرمالا)
(مَا كنت أَحسب أَن أرى من قبله ... للشمس من قبل الزَّوَال زوالا)
وَمِنْهَا
(صبرا على مَا نالني فِي يَوْمه ... كالصبر مِنْهُ بِهِ على مَا نالا)
(مَلأ الْقُلُوب من الأسى ولطالما ... مَلأ الْعُيُون مهابة وجلالا)
(لَوْلَا أَخُوهُ أَبُو الْفَضَائِل أَحْمد ... لرأيت أندية العلى أطلالا)
(الْكَامِل الفطن الَّذِي عزماته ... أَن صال تلقاها ظبا ونصالا)
وَمِنْهَا
(مَا رام بدر التم مثل كَمَاله ... إِلَّا وصيره المحاق هلالا)
(مولَايَ يَا ابْن الرشدين وَمن لَهُم ... شرف على هام السماك تَعَالَى)
(صبرا فَإِن الدَّهْر من عاداته ... يدني النَّوَى ويحول الأحوالا)
وَقد اقتفى أثر الشريف الرضي فِي قصيدته الَّتِي رثى بهَا الصاحب ابْن عباد ومطلعها
(أكذا الْمنون تقطر الأبطالا ... أكذا الزَّمَان يضعضع الأجيالا)
وَهِي طَوِيلَة جدا فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى إيرادها وَلابْن النَّقِيب غضة الشغوف مِنْهَا قولة حَضْرَة تقلدت أَعْنَاق الرِّجَال بقلائد نعمها وتدبجت رياض الآمال بهواطل سحب كرمها وطافت أفهام الطلاب بكعبة حقائقها وعلومها وسعت أفكار بني الْآدَاب بَين صفا منثورها ومروة منظومها لَا بَرحت الْأَيَّام باسمة الثغر بمعاليها والأنام حَالية النَّحْر بأياديها وَكَقَوْلِه وَهُوَ صدر الدُّنْيَا وركن الْعليا وواسطة عقد وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَوَاحِد هَذَا النَّوْع الانساني من الاحياء دَعْوَى لَا يدْخل بينتها وهم ونتيجة لَا يشين مقدماتها عقم فَإِن من كل صدر بني هَاشم وشنب ثغرهم الباسم وهم فِي الرّفْعَة والمنعة كَانَ أجل مَوْجُود وَأعظم من فِي الْوُجُود وَكَقَوْلِه قسما بِمن جعل محَاسِن الدُّنْيَا فِي تِلْكَ الذَّات محصوره وَأَسْبَاب الْعليا على مُلَازمَة عتباتها مقصوره أَن عقد عبوديتي عقد لَا تتطاول إِلَيْهِ الْأَيَّام بِفَسْخ وعهد مودتي عهد لَا تتوصل إِلَيْهِ الْحَوَادِث بنسخ وَكَيف يفْسخ وَصورته فِي الْجنان مجلوه أم كَيفَ ينْسَخ وسورته فِي كل حِين بِاللِّسَانِ متلوه ولعمري مهما نسيت فَإِنِّي لَا أنسى أيامي فِي خدمتها والتقاطي الدّرّ من مذاكرتها وَمَا كَانَ بَيْننَا من
стр. 322
المصافاة الَّتِي هِيَ مصافاة المَاء مَعَ الراح وَمَا يجْرِي بَيْننَا من الْمُفَاوضَة الَّتِي هِيَ فِي الْحَقِيقَة مُفَاوَضَة الْورْد مَعَ التفاح وعَلى كل حَال فَلَا عوض لنا عَنْهَا إِلَى مَا تنقله الركْبَان من اخبار سلامتها وَمَا تودعه فِي صدفة آذاننا من جَوَاهِر آثَار عدالتها لَا جرم أَنه كلما تعطرت مجالسنا بِشَيْء من ذَلِك دَعونَا الله فِيمَا هُنَالك بِأَن يزِيد بَاعَ عدلها امتدادا وشعاع فَضلهَا سطوعا وازدياد وَأَن يبلغهَا أقْصَى مَا تطمح إِلَيْهِ عين طامحة أَو تجنح نَحْو نفس جانحة هَذَا والمتوقع من كرمها كَمَا هُوَ المألوف من شيمها أَن لَا تخرجنا من ضميرها الْمُنِير وَأَن تعدنا فِي جَرِيدَة من يلوذ بمقامها الخطير وَالله تَعَالَى يبْقى لنا تِلْكَ الذَّات سامية الركاب عالية القباب فِي رفْعَة دونهَا قاب الْعقَاب وَبِالْجُمْلَةِ فمحاسن هَذَا السَّيِّد كَثِيره وأشعاره ومنشآته غزريرة فلنكتف بِهَذَا الْمِقْدَار وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَخمسين وَألف وعمره ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة حَتَّى أَنه كَانَ يَقُول فِي مرض مَوته أَحْمد وَاقعَة الْحَال رَحمَه الله تَعَالَى
أَحْمد بن مُحَمَّد بن نعْمَان بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالأيجي الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ كَانَ فَاضلا كَامِلا سخياً سليم الصَّدْر صافي المشرب نَشأ بِدِمَشْق وَقَرَأَ على أَبِيه وَغَيره وَكَانَ شافعياً على مَذْهَب وَالِده ثمَّ تحنف وَتزَوج بابنة نقيب الْأَشْرَاف السَّيِّد مُحَمَّد بن حَمْزَة وجاءه مِنْهَا أَوْلَاد وَتَوَلَّى النيابات بنواحي دمشق ومحاكمها وَصَارَ قَاضِي الركب الشَّامي وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا ولازم من بعض الموَالِي ودرس بدار الحَدِيث الأحمدية الكائنة بالمشهد الشَّرْقِي من الجاامع الْأمَوِي وَقبل مَوته بأيام صَارَت لَهُ رُتْبَة الدَّاخِل المتعارفة الْآن عِنْد أهل دمشق تبعا لأهل الرّوم ونفذت كَلمته وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة ثَانِي عيد النَّحْر سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير والأيجي بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَبعدهَا جِيم نِسْبَة إِلَى ايج بَلْدَة بالعجم قدم مِنْهَا جده أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن مُحَمَّد سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة وتوطن دمشق وَكَانَ من اجلاء الْعلمَاء وَله تَرْجَمَة طَوِيلَة فِي الْكَوَاكِب السائرة للنجم الْغَزِّي وَسَيَأْتِي فِي كتَابنَا ابْنه نعْمَان وَابْن ابْنه مُحَمَّد وَالِد أَحْمد وَيحيى أَخُو أَحْمد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد بن مُوسَى بن أبي بكر صَاحب الْخَال الْأَكْبَر ابْن مُحَمَّد بن عِيسَى بن سُلْطَان العارفين أَحْمد بن عمر الزَّيْلَعِيّ صَاحب اللِّحْيَة ابْن حُسَيْن بن ملكاي بن عقيل بن حُسَيْن بن طللة بن عَليّ بن أَحْمد بن حُسَيْن ابْن عمر بن أَحْمد بن جِبْرِيل بن عبد الرَّحْمَن بن حُسَيْن بن سُلَيْمَان بن حسن بن
стр. 323
أبي بكر بن عَليّ بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن جِبْرِيل بن مُحَمَّد بن جِبْرِيل بن مُحَمَّد بن سراج الدّين بن حَامِد بن عبد الله بن صَالح بن أَحْمد بن حُسَيْن بن زين العابدين ابْن مُسلم بن عقيل بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب بن هَاشم الْمَعْرُوف بِصَاحِب الْخَال كَبِير اللِّحْيَة وصدرها وَشَيخ المعارف والعلوم ومعدن العوارف والفهوم الامام الْفَقِيه الْجَلِيل الْمُنْفَرد فِي عصره بعلوم الدّين وَالْولَايَة وَكَانَ قَاضِي اللِّحْيَة ومرجعها الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول وَله الْكَلِمَة النافذة وَالْقَبُول التَّام والتمسك من التَّقْوَى بِسَبَب أقوى وجلالته ومهابته وخشيته من الله تَعَالَى مِمَّا اشْتهر وبهر ذكره الشلي فِيمَا أعلم ثمَّ رَأَيْت الْأَخ الْفَاضِل الشَّيْخ مصطفى بن فتح الله الْحَمَوِيّ الأَصْل ثمَّ الدِّمَشْقِي نزيل مَكَّة قد تَرْجمهُ وَذكر أَن وِلَادَته كَانَت فِي سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَحفظ الْقُرْآن والارشاد وعدة متون فِي جملَة فنون وَأخذ عَن شُيُوخ كثيرين مِنْهُم الْفَقِيه رَضِي الدّين بن أبي بكر الْقمرِي وَأَبُو الْخَيْر مُحَمَّد بن شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن حجر الهيثمي وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عَليّ عَلان الصديقي وَعنهُ جمع من أَعْيَان الأفاضل وَكثير من الْعلمَاء مِنْهُم ولداه مُحَمَّد وَأَبُو بكر وَله مؤلفات مِنْهَا منظومة فِي الْحساب ومنظومة فِي أَسمَاء الصَّحَابَة الَّذين روى عَنْهُم البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس عشر رَجَب سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف باللحية وَدفن بِقرب تربة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي المقبول صَاحب الْقَضِيب ابْن أَحْمد بن مُوسَى قدس الله سره الْعَزِيز
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَسدي الشَّافِعِي الْمَكِّيّ من فضلاء الزَّمَان وظرفائه ولد بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن وَالِده عدَّة عُلُوم وَأخذ عَن الشَّمْس مُحَمَّد بن عَلان والامام عَليّ ابْن عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ وَالشَّيْخ مُحَمَّد الطَّائِفِي وَغَيرهم وتصدر للإقراء بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وانتفع بِهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ وَكَانَ كثير الْعِبَادَة محبا للعزلة ونظم شذور الذَّهَب لِابْنِ هِشَام فِي أرجوزة سَمَّاهَا قلائد النحور بنظم الشذور وَله أشعار كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله متغزلا وَهُوَ أسلوب لطيف الْموقع حسن التأدية
(دع المدامة يَعْلُو فَوْقهَا الحبب ... رضَا بِهِ وثناياه لنا أرب)
(نزه فُؤَادك عَن رَاح الكؤس وَخذ ... رَاحا من الثغر عَنْهَا يعجز الْعِنَب)
(شتان بَين حَلَال طيب عذب ... وحامص يزدريه الْعقل وَالْأَدب)
(إِذا تغزلت فِي خمر وَفِي قدح ... فَمَا مرادي إِلَّا الثغر الشنب)
(لله در مدام بت أرشفها ... من فِي غزال إِلَى الأتراك ينتسب)
стр. 324
(مهند اللحظ زنجي السوالف لم ... تحو الَّذِي قد حواه الْعَجم وَالْعرب)
(قَالَت مباسمه للبرق حَتَّى سرى ... لقد حكيت وَلَكِن فاتك الشنب)
(وَبت أشدو على الْغُصْن الرطيب لذا ... بيني وَبَيْنك يَا ورق الْحمى نسب)
(يَقُول لما رأى دمعي جرى ذَهَبا ... يَا مطلبا لَيْسَ لي فِي غَيره أرب)
(تبت يدا عاذلي عَمَّن أعوذه ... بِالنَّاسِ من نافث أَو غَاسِق يقب)
(إِن الْمحرم سلواني لطلعته ... فَقل لشعبان عني إِنَّنِي رَجَب)
(كَيفَ السلو وعيني كلما نظرت ... لوامع الْبَرْق قَالَت زَالَت الْحجب)
وَقَوله من قصيدة يمتدح بهَا شَيْخه الإِمَام عَليّ بن عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ ويستجيزه
(من أَيْن للبدر جُزْء من محياك ... أم للصباح نصيب من ثناياك)
(والبدر يزريه مَا يعلوه من كلف ... وَالصُّبْح يَكْفِيهِ أَن يَدعِي بأفاك)
(وَهل حوى الكاس مَا يحويه ثغرك من ... نفائس لم ينلها غير مسواك)
(قد غره عِنْد مَا يعلوه من حبب ... قَول الَّذِي قَالَ إِلَّا خلته فَاك)
(أَنْت البريئة من نقص تشان بِهِ ... حاشاك من وصمة حاشاك حاشاك)
(كل المحاسن فِي مرآك قد جمعت ... فجل من بحلى الْحسن حلاك)
(من علم الظبى أَن يرنو بناظره ... وَعلم الْغُصْن أَن يَهْتَز الاك)
(وَالْبيض من لحظك الفتان راوية ... والسمر تنقل مَا ترويه عطفاك)
(يَا كعبة الْحسن بل يَا ركن كعبته ... تبَارك الله من أنشا وَسوَاك)
(رقى لصب فَقير من تصبره ... بِحَق من بكنوز الْحسن أَغْنَاك)
(مني عَلَيْهِ بوصل بَات يرقبه ... فطرفه ساهر من صَار يهواك)
(أَقْسَمت بِالْمِيم من طائي مبسمها ... وَنون حَاجِب ذَاك النَّاظر الشاكي)
(أَن لَا مليح سواهَا فَهِيَ وَاحِدَة ... وَمَالهَا فِي البها شبه وَلَا حاكي)
(أملي العذول سلوى وَهُوَ مؤتفك ... وعنك شنع هجري بعد أَمْلَاك)
(كَيفَ السلو وقلبي مَا لَهُ شغل ... إِلَّا التفكر فِي تَحْقِيق معناك)
(نعم بِحَضْرَة ذِي الآلاء قدوتنا ... رب المكارم مَوْلَانَا ومولاك)
وَقَالَ فِي مليح اسْمه بِلَال
(ومليح تَكَامل الْحسن فِيهِ ... لشفاء الْمُحب سمى بِلَالًا)
(كلما رام مِنْهُ نيل وصال ... لَا ترَاهُ يُجيب إِلَّا بِلَالًا)
стр. 325
واشعاره كلهَا من هَذَا النمط مستعذبة لَطِيفَة وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف بِمَكَّة وَدفن بالشبيكة والأسدي نِسْبَة إِلَى أَسد بن عَامر أحد الْفُقَهَاء الْعَامِرِيين والأسديون كَثِيرُونَ بِالْيمن مَشْهُورُونَ بِالْعلمِ وَالصَّلَاح مِنْهُم الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ الْأَسدي الْمَعْرُوف بالبلاع صَاحب الكرامات الْمَشْهُورَة وَكَانَ يلقب بالمعمر لِأَنَّهُ عمر مائَة وَثَمَانِينَ سنة على مَا قيل وأصلهم من قَبيلَة يُقَال لَهُم آل خَالِد سكنهم بنواحي جازان قَرْيَة بِأَرْض الْيمن قلت جازان أَصْلهَا جوزان بِفَتْح الْجِيم وَالزَّاي وجازان لُغَة عامية هَكَذَا رَأَيْت فِي بعض التغاليق وَالله تَعَالَى أعلم
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالقلعي الْحِمصِي المولد الدِّمَشْقِي الدَّار الْفَقِيه الْحَنَفِيّ أحد مَشَايِخ دمشق المتصدرين للتدريس والنفع كَانَ إِمَامًا عَالما متبحراً فِي الْفِقْه مقدما فِي مَعْرفَته وإتقانه وَكَانَ لَهُ إِلْمَام بِغَيْرِهِ من الْعُلُوم وَكَانَ النَّاس يَجْتَمعُونَ إِلَيْهِ ويقتبسون مِنْهُ وَكَانَ حسن التَّعْلِيم جيد التفهيم وَنَفسه مُبَارَكًا انْتفع بِهِ خلق كثير وَأجل من قَرَأَ عَلَيْهِ شَيخنَا مُحَقّق الْعَصْر إِبْرَاهِيم بن مَنْصُور الفتال الْمُقدم ذكره وَسمعت مِنْهُ الثَّنَاء عَلَيْهِ بِالْعلمِ وَالتَّقوى مرَارًا وَذكره وَالِدي المرحوم فِي تَارِيخه وَقَالَ قدم مَعَ وَالِده إِلَى دمشق وَكَانَ صَغِيرا وَبَلغنِي أَن وَالِده توفّي فَجْأَة وهم داخلون إِلَى دمشق بِالْقربِ من مَسْجِد الأقصاب قبل أَن يصلوا وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع منجك وَدفن بمقبرة الفراديس وَاسْتمرّ أَحْمد هَذَا بِدِمَشْق وَقَرَأَ ودأب واتصل بِخِدْمَة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُوسَى السيوري ولازمه مُدَّة مديدة واشتغل بِالْعلمِ على الْعَلامَة عمر الْقَارِي وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ وَالشَّيْخ الامام يُوسُف بن أبي الْفَتْح وَصَارَ معيد الدَّرْس السليمانية وَكَانَ مدرسها إِذْ ذَاك الْفَاضِل الْمَشْهُور مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالسكوني مفتي دمشق بعد الْعِمَادِيّ الْمَذْكُور وبرع وتنبل وَسكن آخرا دَاخل قلعة دمشق وَصَارَ إِمَامًا وَلذَلِك يدعى بالقلعي قَالَ وَالِدي ﵀ قَرَأت عَلَيْهِ فِي أَوَائِل الطّلب مِقْدَار ثُلثي الْقَدُورِيّ وَحِصَّة من كتاب الِاخْتِيَار وَشرح الْمُخْتَار وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف
الأديب أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بالجوهري الْمَكِّيّ الأديب الشَّاعِر البارع ذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة وَقَالَ فِي حَقه جوهري النثر والنظام ازهري السجايا الْعِظَام حلي بعقود نظمه عواطل الأجياد وَسبق بجواد فكره الصافنات
стр. 326
الْجِيَاد وتضلع من فنون الْعُلُوم واطلع على خفايا الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم ولد بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وترعرع ورحل إِلَى الْهِنْد فِي عنفوان عمره وَابْتِدَاء حَاله وَأمره فقطن بهَا خَمْسَة وَعشْرين سنة وَعَاد إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى فَأنْكر تقلب أمورها فانتقل مِنْهَا إِلَى فَارس فطنب بهَا خيامه وَلم يتم لَهُ فِيهَا مرامه فَرجع إِلَى الْهِنْد وَلم يزل حَتَّى دَعَاهُ أَجله فلبى وَقضى من الْحَيَاة نحبا وَمن رَقِيق شعره قَوْله
(مَا شمت برقا سرى فِي جنح معتكر ... إِلَّا تذكرت برق المبسم الْعطر)
(وَلَا صبوت إِلَى خل أسامره ... إِلَّا بَكَيْت زمَان اللَّهْو والسمر)
(شلت يَد للنوى مَا كَانَ ضائرها ... لَو غادرتنا تقضي الْعَيْش بالوطر)
(فِي خلسة من ليَالِي الْوَصْل مسرعة ... كَأَنَّمَا هِيَ بَين الوهن وَالسحر)
(لَا نرقب النَّجْم من فقد النديم وَلَا ... نستعجل الخطو من خوف وَلَا حذر)
(وأهيف الْقُدس ساقينا براحته ... كَأَنَّهُ صنم فِي هيكل الْبشر)
(منعمين وَشَمل الْأنس مُنْتَظم ... يَرْبُو على نظم عقد فاخر الدُّرَر)
(فَمَا انتهينا لأمر قد ألم بِنَا ... إِلَّا وَبدل ذَاك الصفو بالكدر)
(لَا دردر زمَان رَاح مختلسا ... من بَيْننَا قمر أناهيك من قمر)
(غزال أنس تحلى فِي حلى بشر ... وَبدر حسن تجلى فِي دجى شعر)
(وغصن بَان تثنى فِي نقا كفل ... لَا غُصْن بَان تثنى فِي نقا مدر)
(كَأَن ليلِي نَهَار بعد فرقته ... مِمَّا أقاسي بِهِ من شدَّة السهر)
(يَا لَيْت شعري هَل حَالَتْ محاسنه ... وَهل تغير مَا باللحظ من حور)
(فَإِن تكن فِي جنان الْخلد مبتهجا ... فاذكر معنى الْأَمَانِي ضائع النّظر)
(وَإِن تأنست بالحور الحسان فَلَا ... تنس اللَّيَالِي الَّتِي سرت مَعَ الْقصر)
وَقَوله
(كَيفَ أسلو من مهجتي فِي يَدَيْهِ ... وفؤادي وَإِن رحلت لَدَيْهِ)
(إِن طلبت الشِّفَاء من شَفَتَيْه ... جاد لي بالسقام من جفنيه)
(إِن حلف السهاد عين رَأَتْهُ ... وجنت ورد جنتي خديه)
(كلما رمت سلوة قَالَ قلبِي ... لَا تلمني فِي ذَا العكوف عَلَيْهِ)
(لست وحدي متيما فِي هَوَاهُ ... كل أهل الغرام تصبو إِلَيْهِ)
وَله مقاطيع سَمَّاهَا لآلىء الْجَوْهَرِي مِنْهَا قَوْله
(كَيفَ يَرْجُو الْعرْفَان بِاللَّه من قد ... قيدته الذُّنُوب طول حَيَاته)
стр. 327
(لَا لعمري أم كَيفَ يشرق قلب ... صور الكائنات فِي مرآته)
وَقَوله
(إِذا انْقَضتْ الْأَوْقَات من غير طَاعَة ... وَلم تَكُ مَحْزُونا قد أعظم الْخطب)
(عَلامَة موت الْقلب أَن لَا ترى بِهِ ... حراكا إِلَى تقوى وميلا عَن الذَّنب)
وَقَوله
(إِن حزت علما فَاتخذ حِرْفَة ... تصون مَاء الْوَجْه لَا يبْذل)
(وَلَا تهنه أَن ترى سَائِلًا ... فشأن أهل الْعلم أَن يسئلوا)
وَقَوله
(قل للَّذي يَنْبَغِي دَلِيلا ... من غير طول على الْمُهَيْمِن)
(مَا ذرة فِي الْوُجُود إِلَّا ... فِيهَا دَلِيل عَلَيْهِ بَين)
وَقَوله فِي الْغَزل
(وَلَقَد سقتنا البابلية إِذْ رَأَتْ ... أَنا نحدثها ونسبر حسنها)
(خمرًا أدراتها الْعُيُون فأذهبت ... منا الْعُقُول وَلم نفارق دنها)
وَقَوله
(لما بدا الْبَدْر يجلو ... دجى الظلام واسفر)
(ذكرت وَجه حَبِيبِي ... وَالشَّيْء بالشَّيْء يذكر)
وَقَوله
(وأسمح النَّاس كفا ... من لَا يَقُول وَيفْعل)
(وأعذب الشّعْر بَيت ... يرويهِ عذب الْمقبل)
وَقَوله
(لَا تعذلوني فِي وَقت السماع إِذا ... طربت وجدا فَخير النَّاس من عذرا)
(حَتَّى الجماد إِذا غنت لَهَا طرب ... أما ترى الْعود طورا يقطع الوترا)
فَكتب إِلَيْهِ بعض الأدباء مقرظا وصل البيتان بل القصران فَمَا ألفاظهما إِلَّا الدّرّ النظيم فَلَا وحقك لم يفه بمثلهما العصران لَا الحَدِيث وَلَا الْقَدِيم فَللَّه دَرك مَا أحفل دَرك وأبهج فِي أسلاك الْمعَانِي دَرك وَلَقَد خاطبت بمعناهما عِنْد سماعهما من عذل وطربت لحسن سبكهما طرب من منح عِنْد نشوته سبيك النضار وبذل بل طرب لَهما الجماد وَمن ذَا الَّذِي سمعهما وَمَا ماد فَالله تَعَالَى يبقيك للأدب كهفا يرجع إِلَيْهِ وذخرا عِنْد اشْتِبَاه الْأَلْفَاظ والمعاني يعول عَلَيْهِ وَقد نظمت البارحة أبياتا فِي الْعود أَحْبَبْت أَن يلاحظها بملاحظتك لَهَا السُّعُود وَهِي
(وعود بِهِ عود المسرة مُورق ... يُغني كَمَا غنت عَلَيْهِ الحمائم)
(إِذا حركت أوتاره كف غادة ... فسيان فِي شوق خلي وهائم)
(يرنح من يصغي إِلَيْهِ صبَابَة ... كَمَا رنحته فِي الرياض النسائم)
فَرَاجعه بقوله يَا مولَايَ الَّذِي إِن عد أَرْبَاب الْمجد عقدت عَلَيْهِ الخناصر وَإِن ذكر
стр. 328
أصخاب الْفضل فَلَا يدانيه مُتَقَدم وَلَا معاصر لَو أمدني ابْن العميد واضرابه والصاحب ابْن عباد وَأَصْحَابه مَا اسْتَطَعْت تقريظ أبياتك الأبيات إِلَّا مِنْك الممتنعات إِلَّا عَنْك فَأَنت فريد دهرك وَلَا أَقُول فِي هَذَا الْفَنّ ووحيد عصرك وَلَيْسَ ذَلِك عَن ظن وَقد دعتني دَاعِيَة الْأَدَب إِلَى أَن أَقُول أَن الْعود يفوق آلَات الطَّرب فمدحته كَمَا مدحته ووصفته كَمَا وَصفته وَقلت
(فاق كل الْآلَات فِي اللّحن عود ... حِين تعلو أصواتها وترن)
(فَكَانَ الْحمام ودهراً طَويلا ... عَلمته ألحانها وَهُوَ غُصْن)
هَذَا من قَول أبي الْفضل أَحْمد بن يُوسُف الطَّيِّبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
(من أَيْن للعود هَذَا الصَّوْت تَأْخُذهُ ... أَطْرَافه بأطاريف الأناشيد)
(أَظن حِين نشا فِي الدح علمه ... سجع الحمائم تَرْجِيع الأغاريد)
وَمثله قَول معاصره الصفي الحلى
(وعود بِهِ عَاد السرُور لِأَنَّهُ ... حوى اللَّهْو قدما وَهُوَ رَيَّان ناعم)
(يغرب فِي تغريده فَكَأَنَّمَا ... يُعِيد لنا مَا لقنته الحمائم)
ولبعضهم فِيهِ
(وعود لَهُ نَوْعَانِ من لَذَّة المنى ... فبورك جَان يجتنيه وغارس)
(تغنت عَلَيْهِ وَهُوَ رطب حمامة ... وغنت عَلَيْهِ قينة وَهُوَ يَابِس)
وَمن لآلئه الْمَذْكُورَة قَوْله
(لَا تجهلن قدرا لنَفسك إِنَّهَا ... علوِيَّة ترقى لما هُوَ شبهها)
(وَالنَّفس كالمرآة يصقلها الْغِنَا ... قسراً وَيظْلم بِالْمَعَاصِي وَجههَا)
وَقَوله
(فِي الْمَنْع والاعطاء كن رَاضِيا ... واستقبل الْكل بِوَجْه الرِّضَا)
(فالخير للعارف فِيمَا جرى ... وَرب منع كَانَ عين العطا)
وَقَوله
(إِذا الْتبس الْأَمْرَانِ فالخير فِي الَّذِي ... ترَاهُ إِذا كلفته النَّفس يثقل)
(فجانب هَواهَا واطرح مَا تريده ... من اللَّهْو وَاللَّذَّات إِن كنت تعقل)
وَهَذَا من قَول الْأَحْنَف بن قيس كفى بِالرجلِ رَأيا إِذا اجْتمع عَلَيْهِ أَمْرَانِ فَلم يدر أَيهمَا الصَّوَاب أَن ينظر أعجبهما إِلَيْهِ وأغلبهما عَلَيْهِ فليحذره وَقَرِيب مِنْهُ قَول أبي الْفَتْح البستي
(وَإِن هَمَمْت بِأَمْر ... وَلم تطق تَخْرِيجه)
стр. 329
(فقس قِيَاسا صَحِيحا ... وَخذ بضد النتيجة)
وَمن مقاطيعه فِي الْغَزل
(أخجلت بدر الدياجي ... إِذْ تمّ فِي بَدْء أَمرك)
(فَعَاد فِي النَّقْص حَتَّى ... حكى قلامة ظفرك)
وَقَوله
(وظبى نافر مِمَّا أرَاهُ ... يذل لحسنه الْملك المهيب)
(عرفت مزاجه فانقاد طَوْعًا ... وَمن عرف المزاج هُوَ الطَّبِيب)
وَقَوله
(وأهيف كالسيف ألحاظه ... وقده الْعَسَّال كالسمهري)
(أخجلني ثغر لَهُ باسم ... فاعجب لثغر مخجل الْجَوْهَرِي)
وَقَوله
(قَالَ عذولي إِذْ رأى ... أَخا الغزال الأعفر)
(هَذَا الَّذِي مبسمه ... فتت قلب الْجَوْهَرِي)
وَقَوله
(جرح اللحظ خَال خد غُلَام ... فَضَح البان قده باعتداله)
(فَإِذا ثار طاعنا لفؤادي ... قَالَ خُذْهَا من طَالب نَار خَاله)
وَقَوله
(تذكرت إِذْ جَاءَ الحجيج بِمَكَّة ... وَنحن وقُوف نَنْظُر الركب محرما)
(فصرت بِأَرْض الْهِنْد فِي كل موسم ... يجدد تذكاري لقلبي مأتما)
وَقَوله
(وَلَو أَن أَرض الْهِنْد فِي الْحسن جنَّة ... وسكانها حور وأملكها وحدي)
(لما قستها يَوْمًا ببطحاء مَكَّة ... وَلَا اخْتَرْت عَن سعدي بديلا هوى هِنْد)
وَقَوله
(وَقَالُوا بالمخاخير كثير ... فَقلت صَدقْتُمْ وَبهَا الْأمان)
(وَلَكِن حرهَا يشوي البرايا ... وَلَوْلَا الرِّيق لاحترق اللِّسَان)
وَقَوله
(شهت أمواج بَحر الْهِنْد حَيْثُ رست ... بِهِ السفائن من هِنْد وَمن صين)
(بأسطر فَوق قرطاس قد اتسقت ... والسفن فِيهِ عَلَامَات السلاطين)
وَقَوله
(إِذا لم تكن ناقدا للرِّجَال ... وصاحبت من لَا لَهُ تعرف)
(فحالفه فِي بعض أَقْوَاله ... فَإنَّك عَن خلقه تكشف)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بِالْهِنْدِ فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الثمان بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع وَتِسْعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر قَاضِي الْقُضَاة الملقب بشهاب الدّين الخفاجي الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ صَاحب التصانيف السائرة وَأحد أَفْرَاد الدُّنْيَا الْمُجْتَمع على تفوقه وبراعته وَكَانَ فِي عصره بدر سَمَاء الْعلم ونير أفق النثر وَالنّظم رَأس المؤلفين وَرَئِيس
стр. 330
المصنفين سَار ذكره سير الْمثل وطلعت أخباره وطلوع الشهب فِي الْفلك وكل من رَأَيْنَاهُ أَو سمعنَا بِهِ مِمَّن أدْرك وقته معترفون لَهُ بالتفرد فِي التَّقْرِير والتحرير وَحسن الْإِنْشَاء وَلَيْسَ فيهم من يلْحق شأوه وَلَا يَدعِي ذَلِك مَعَ أَن فِي الْخلق من يدعى مَا لَيْسَ فِيهِ وتآليفه كَثِيرَة ممتعة مَقْبُولَة وانتشرت فِي الْبِلَاد وزرق فِيهَا سَعَادَة عَظِيمَة فَإِن النَّاس اشتغلوا بهَا وأشعاره ومنشآته مسلمة لَا مجَال للخدش فِيهَا وَالْحَاصِل أَنه فاق كل من تقدمه فِي كل فَضِيلَة وأتعب من يَجِيء بعده مَعَ مَا خوله الله تَعَالَى من السعَة وَكَثْرَة الْكتب ولطف الطَّبْع والنكتة والنادرة وَقد ترْجم نَفسه فِي آخر ريحانته من حِين مبدئه فَقَالَ قد كنت فِي سنّ التَّمْيِيز فِي مغرز طيب النَّبَات عَزِيز فِي حجر وَالِدي ممتعا فَلَمَّا درجت من عشى قَرَأت على خَالِي سِيبَوَيْهٍ زَمَانه يَعْنِي أَبَا بكر الشنواني عُلُوم الْعَرَبيَّة ثمَّ ترقيت فَقَرَأت الْمعَانِي والمنطق وَبَقِيَّة الْعُلُوم الاثْنَي عشر وتظرت كتب المذهبين مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ مؤسسا على الْأَصْلَيْنِ من مَشَايِخ الْعَصْر وَمن أجل من أخذت عَنهُ شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد الرَّمْلِيّ حضرت دروسه الفرعية وقرأت عَلَيْهِ شَيْئا من صَحِيح مُسلم وأجازني بذلك وبجميع مؤلفاته ومروياته بروايته عَن القَاضِي زَكَرِيَّاء عَن وَالِده مِنْهُم شَافِعِيّ زَمَانه الشَّيْخ نور الدّين على الزيَادي حضرت دروسه زَمنا طَويلا وَمِنْهُم الْعَلامَة الفهامة خَاتِمَة الْحفاظ والمحدثين إِبْرَاهِيم العلقمي قَرَأت عَلَيْهِ الشِّفَاء بِتَمَامِهِ وأجازني بِهِ وَبِغَيْرِهِ وشملني نظره وبركة دُعَائِهِ لي وَمِنْهُم الْعَلامَة فِي سَائِر الْفُنُون عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي الْحَنَفِيّ حضرت دروسه وقرأت عَلَيْهِ الحَدِيث وَكتب لي إجَازَة بِخَطِّهِ وَمِمَّنْ أخذت عَنهُ الْأَدَب وَالشعر شَيخنَا أَحْمد العلقمي وَمُحَمّد الصَّالِحِي الشَّامي وَمِمَّنْ أخذت عَنهُ الطِّبّ الشَّيْخ دَاوُد الْبَصِير ثمَّ ارتحلت مَعَ وَالِدي للحرمين الشريفين وقرأت ثمَّة على الشَّيْخ عَليّ بن جَار الله العصام وَغَيره ثمَّ ارتحلت مَعَ وَالِدي للحرمين الشريفين وقرأت ثمَّة على الشَّيْخ عَليّ بن جَار الله العصام وَغَيره ثمَّ ارتحلت إِلَى قسطنطينية فتشرفت بِمن فِيهَا من الْفُضَلَاء والمصنفين واستفدت مِنْهُم وتخرجت عَلَيْهِم وَهِي إِذْ ذَاك مشحونة بالفضلاء الأذكياء كَابْن عبد الْغَنِيّ ومصطفى بن عزمي والحبر دَاوُد وَهُوَ مِمَّن أخذت عَنهُ الرياضيات وقرأت عَلَيْهِ اقليدس وَغَيره وأجلهم إِذْ ذَاك أستاذي سعد الْملَّة وَالدّين ابْن حسن أَخذ عَن خَاتِمَة الْمُفَسّرين أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ عَن مؤيد زَاده عَن الْجلَال الدواني وَلما توفّي أستاذي قَامَ مقَامه صنع الله ثمَّ ولداه ثمَّ انقرضوا فِي مُدَّة يسيرَة ثمَّ لما عدت إِلَيْهَا ثَانِيًا بَعْدَمَا توليت قَضَاء الْعَسْكَر بِمصْر رَأَيْت تفاقم الْأَمر فَذكرت ذَلِك للوزير فَكَانَ
стр. 331
ذَلِك سَبَب لعزلي وأمري بِالْخرُوجِ من تِلْكَ الْمَدِينَة وَقد من الله تَعَالَى عَليّ بالسلامة ثمَّ ذكر أَن من تآليفه حَوَاشِي تَفْسِير القَاضِي وَهِي الَّتِي سَمَّاهَا عناية القَاضِي وَشرح الشِّفَاء وَشرح درة الغواص والريحانة والرسائل الْأَرْبَعين حَاشِيَة شرح الْفَرَائِض وَكتاب السوانح والرحلة وحواشي الرضى قلت وَله كتاب شِفَاء الغليل فِيمَا فِي كَلَام الْعَرَب من الدخيل والنادر الحوشي الْقَلِيل وَكتاب ديوَان الْأَدَب فِي ذكر شعراء الْعَرَب ذكر فِيهِ مشاهير الشُّعَرَاء من الْعَرَب العرباء والمولدين وَله كتاب طراز الْمجَالِس وَهُوَ مَجْمُوع حسن الْوَضع جم الْفَائِدَة رُتْبَة على خمسين مَجْلِسا ذكر فِيهِ مبَاحث تفسيرية ونحوية وأصولية وَغَيرهَا وَذكر فِي آخِره لما قَرَأت مَا قَالَه عُلَمَاء الحَدِيث فِي الخصائص النَّبَوِيَّة أَنه لم تلج النَّار جوفا فِيهِ قَطْرَة من فضلاته
قَالَ بعض من كَانَ عندنَا حَاضر إِذا كَانَ هَكَذَا فَكيف تعذب أَرْحَام حَملته فَأَعْجَبَنِي كَلَامه ونظمته فِي قولي
(لوالدي طه مقَام علا ... فِي جنَّة الْخلد وَدَار الثَّوَاب)
(فقطرة من فضلات لَهُ ... فِي الْجوف تنجي من أَلِيم الْعقَاب)
(فَكيف أَرْحَام لَهُ قد غَدَتْ ... حاملة تصلى بِنَار الْعَذَاب)
ثمَّ ختم الْكتاب بقوله
(أسْتَغْفر الله مَالِي بالورى شغل ... وَلَا سرُور وَلَا آسى لمفقود)
(عَمَّا سوى سَيِّدي ذِي الطول قد قطعت ... مطالبي كلهَا مذ تمّ توحيدي)
وَله رسائل كَثِيرَة ومكاتبات وافرة لم يجمعها ومقامات ذكر بَعْضهَا فِي ريحانته وَكَانَ لما وصل إِلَى الرّوم فِي رحلته الأولى ولي الْقَضَاء بِبِلَاد روم ايلي حَتَّى وصل إِلَى أَعلَى مناصبها كأسكوب وَغَيرهَا ثمَّ فِي زمن السُّلْطَان مُرَاد توصل حَتَّى اشْتهر بِالْفَضْلِ الباهر فولاه السُّلْطَان قَضَاء سلانيك فَحصل بهَا مَالا كثيرا ثمَّ أعْطى بعْدهَا قَضَاء مصر وَبَعْدَمَا عزل عَنْهَا رَجَعَ إِلَى الرّوم فَمر على دمشق وَأقَام بهَا أَيَّامًا ومدحه فضلاؤها بالقصائد واعتنى بِهِ أَهلهَا وعلماؤها فأكرمو نزله وَوَقع لَهُ لطائف من ذَلِك أَنه دَعَاهُ الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي إِلَى قصرهم بالصالحية فَمر الشهَاب وصحبته الْعِمَادِيّ وَابْن شاهين على الجسر الْأَبْيَض فَنظر إِلَى غُلَام وَاقِف هُنَاكَ نظرة ميل ووقف يتأمله فانتقد الْعِمَادِيّ وَابْن شاهين عَلَيْهِ ذَلِك فَأَنْشد بديهة قَوْله
(قيل لَا تنظرن لوجه مليح ... إِن هَذَا مبدد الْحَسَنَات)
стр. 332
(قلت هَذَا الْجمال لما تبدى ... أشغل الْكَاتِبين عَن سيئاتي)
وَدخل حلب أثر ذَلِك ثمَّ وصل إِلَى الرّوم وَكَانَ إِذْ ذَاك مفتيها الْمولى يحيى بن زَكَرِيَّاء فَأَعْرض عَنهُ أجل أُمُور انتقدت عَلَيْهِ أَيَّام قَضَائِهِ فِي سلانيك ومصر من الجرأة وَبَعض الطمع فَصنعَ مقامته الَّتِي ذكرهَا فِي الريحانة وَتعرض فِيهَا للْمولى الْمَذْكُور فَكَانَ ذَلِك سَببا لنفيه إِلَى مصر وَأعْطى قَضَاء ثمَّة على وَجه الْمَعيشَة فاستقر بِمصْر يؤلف ويصنف ويقرى وَأخذ عَنهُ جمَاعَة اشتهروا بِالْفَضْلِ الباهر من جُمْلَتهمْ الْعَلامَة عبد الْقَادِر الْبَغْدَادِيّ وَالسَّيِّد أَحْمد الْحَمَوِيّ وَغَيرهمَا وَاجْتمعَ بِهِ وَالِدي المرحوم فِي مُنْصَرفه إِلَى مصر وَأخذ عَنهُ وَكتب عَنهُ أصل الريحانة الَّذِي سَمَّاهُ خبايا الزوايا فِيمَا فِي الرِّجَال من البقايا وَكتب مِنْهَا فِي دمشق نسخ وَمن ثمَّ اشتهرت فضيلته وَذكره فِي رحلته فَقَالَ ثمَّ جِئْت إِلَى رياض الْعُلُوم المزهرة بأصناف الْفُنُون من منثور ومنظوم فجنيت زهر الْآدَاب من تِلْكَ الحدائق الرحاب فَكَانَ بَيت قصيدها وواسطة عقدهَا وفريدها مَالك أزمة هَذِه الصِّنَاعَة وَفَارِس حلبة البلاغة والبراعة جناب الْمولى الشهَاب انسان عين الموَالِي وزبدة الأحقاب
(عَلامَة الْعلمَاء واللج الَّذِي ... لَا يَنْتَهِي وَلكُل لج سَاحل)
قد أشرقت بشموس علومه أفلاكها ولمع بسنا الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم سماكها وتحلت أجياد الطروس بعقود أَلْفَاظه وراجت نقود آدابه فِي سوق عكاظه قد اتّفقت كلمة الكملة أَنه وَاحِد عصره بِلَا خلاف وأقرت لَهُ عُلَمَاء دهره فِي حِيَازَة السَّبق بالاعتراف فانتهت إِلَيْهِ الْيَوْم بلاغة البلغاء فَمَا تظل الخضراء وَلَا تقل الغبراء فِي زَمَاننَا أجْرى مِنْهُ فِي ميدانها وَأحسن تَصرفا بعنانها وَأما فنون الْآدَاب فَهُوَ بن بجدتها وأخو جُمْلَتهَا وَأَبُو عذرتها وَمَالك أزمتها
(فَإِن أقرّ على رق أنامله ... أقرّ بِالرّقِّ كتاب الْأَنَام لَهُ)
قد سقت عُيُون قريحته الْمسَائِل وبسقت فِي روضه أَغْصَان الْفَضَائِل فَصَارَ عَزِيز مصر وقاضيها وناشر لِوَاء الْعَدَالَة فِي نَوَاحِيهَا وَبنى وشيد بأيدي تحريراته معالم التَّنْزِيل ونضا قناع خفايا الْأَسْرَار بمحكم التَّأْوِيل فكم أبدع بِمَا أودع فِي خبايا الزوايا فِيمَا فِي الرِّجَال من البقايا فنظمه نفثات السحر وقلائد النَّحْر وغمزات الألحاظ المراض وعطفات الحسان بعد الْأَعْرَاض ونثره النثرة إشراقا وحباب الصَّهْبَاء رونقا واتسانا
стр. 333
(فقر لم يزل فَقِيرا إِلَيْهَا ... كل مبدي فصاحة وَبَيَان)
وَقد حصلت على ضالتي المنشودة من لقيَاهُ وظفرت بالكنز الَّذِي كنت أتوقعه وأترجاه وشاهدت ثمار الْمجد والسودد تنثر من شمائله وَرَأَيْت فَضَائِل الدَّهْر عيالا على فضائله وَمن فَوَائده المعحبة الَّتِي لَا يَنْقَضِي التحسين لَهَا مَا نَقله فِي شرح الشفا عِنْد قَوْله وَمن دَلَائِل نبوته
أَن الذُّبَاب كَانَ لَا يَقع على مَا طهر من جسده وَلَا يَقع على ثِيَابه مَا نَصه وَهَذَا مِمَّا قَالَه ابْن سبع أَيْضا إِلَّا أَنهم قَالُوا لَا يعلم من روى هَذَا والذباب وَاحِدَة ذُبَابَة قيل أَنه سمي بِهِ لِأَنَّهُ كلما ذب آب أَي كلما طرد رَجَعَ وَهَذَا مِمَّا أكْرمه الله بِهِ لِأَنَّهُ طهره من جَمِيع الأقذار وَهُوَ من استقذاره وَقد يَجِيء من مستقدر قيل وَقد نقل مثله عَن ولي الله الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني قدس الله سره وَلَا بعد فِيهِ لِأَن معجزات الْأَنْبِيَاء قد تكون كرامات لأولياء أمته وَفِي ربَاعِية لي
(من أكْرم مُرْسل عَظِيم جلا ... لم تدن ذُبَابَة إِذا مَا حلا)
(هَذَا عجب وَلم يذقْ ذُو نظر ... فِي الوجودات من حلاه أحلى)
وتظرف مِنْهُ منلا جامي فَقَالَ مُحَمَّد رَسُول الله لَيْسَ فِيهِ حرف منقوط لِأَن النقط يشبه الذُّبَاب فصين اسْمه ونعته عَنهُ كَمَا قلت فِي مدحه
(لقد ذب الذُّبَاب فَلَيْسَ يَعْلُو ... رَسُول الله مَحْمُودًا مُحَمَّد)
(ونقط الْحَرْف يحكيه بشكل ... لذاك الْخط مِنْهُ قد تجرد)
وَمن تحريراته فِي أَن الْقُرْآن هَل فِيهِ السجع أَولا قَالَ وَقَالَ البقاعي فِي كتاب مصاعد النّظر اخْتلف فِيهِ السّلف فَقَالَ أَبُو بكر الباقلاني فِي كتاب الإعجاز ذهب أَصْحَابنَا الأشاعرة كلهم إِلَى نفي السجع عَن الْقُرْآن كَمَا ذكره أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي غَيره مَوضِع من كتبه وَذهب كثير مِمَّن خالفهم إِلَى إثباتة انْتهى وَالْقَوْل الثَّانِي فَاسد من اخْتِلَاف أَكثر فواصله فِي الْوَزْن والروى وَلَا يَنْبَغِي الإغترار بِمَا ذكره بعض الأماثل كالبيضاوي والتفنا زاني من إِثْبَات الفواسل والسجع فِيهِ وَإِن مُخَالفَة النّظم فِي مثل هَارُون ومُوسَى بِحَسبِهِ وَنقل أَبُو حَيَّان فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا الظل وَلَا الحرور﴾ فِي فاطر أَنه لَا يُقَال فِي الْقُرْآن قدم كَذَا وَأخر كَذَا للسجع لإن الإعجاز لَيْسَ فِي مُجَرّد اللَّفْظ بل فِيهِ وَفِي الْمَعْنى وَمَتى حول اللَّفْظ لاجل السجع عَمَّا كَانَ يتم بِهِ الْمَعْنى بِدُونِ سجع نقص الْمَعْنى ثمَّ أَنه قَالَ لَو كَانَ فِي الْقُرْآن سجع لم يخرج عَن أساليب كَلَامهم وَلم يَقع بِهِ إعجاز وَلَو حَاز أَن يُقَال سجع معجز جَازَ أَن
стр. 334
يُقَال شعر معجز والسجع مَا تؤلفه الْكُهَّان وَقد أنكر
على من سجع عِنْده على مَا عرف فِي كتب الحَدِيث وَلَو كَانَ سجعاً لَكَانَ قبيحاً لتقارب أوزانه وَاخْتِلَاف طرقه فَيخرج عَن نهجه الْمَعْرُوف وَيكون كشعر غير مَوْزُون وَمَا احْتَجُّوا بِهِ من التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لَيْسَ بِشَيْء وَأَنه كذكر الْقِصَّة بطرق مُخْتَلفَة أَقُول أَطَالَ بِلَا طائل لتوهمه أَن السجع كالشعر لالتزام تقفيته مَا يُنَافِي جزالة الْمَعْنى وبلاغته لاستتباعه للحشو والمخل وَأَن الإعجاز بمخالفته لأساليب الْكَلَام فشنع على هَؤُلَاءِ الْأَعْلَام وَلَيْسَ بِشَيْء وَالْعجب مِنْهُ أَنه ذكر كَلَام الباقلاني مَعَ التَّصْرِيح فِيهِ بِأَن من السّلف من ذهب إِلَيْهِ وَالْحق أَنه وَقع فِي الْقُرْآن من غير الْتِزَام لَهُ فِي الْأَكْثَر فَكَانَ من نَفَاهُ نفي الْتِزَامه أَو أكثريته وَمن أثْبته أَرَادَ وُرُوده فِيهِ على الْجُمْلَة فاحفظه وَلَا تلْتَفت إِلَى مَا سواهُ وَهَذَا مِمَّا ينفعك فِيمَا سَيَأْتِي وَلذَا فصلنا هُنَا لتَكون على ثَبت مِنْهُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعلمَاء أَنه تطلق الفواصل عَلَيْهِ دون السجع انْتهى وَمن غَرَائِبه الَّتِي زلق فِيهَا قلمه قَوْله عِنْد قَول القَاضِي وقرىء صِرَاط من أَنْعَمت فِيهِ دَلِيل على جَوَاز إِطْلَاق الْأَسْمَاء المبهمة على الله كَمَا ورد فِي الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة يَا من بِيَدِهِ الْخَيْر وَنَحْوه فَلَا يغرنك مَا نَقله الْحَفِيد عَن صَاحب الْمُتَوَسّط من مَنعه فَهَذَا مِنْهُ غَفلَة إِذْ من فِي الْقُرْآن لَيست وَاقعَة على الله حَتَّى يسْتَدلّ بهَا على جَوَاز الاطلاق انْتهى ونوقش فِي الْبَيْت الْمَشْهُور
(كَأَنَّهُ فَوق شقات الرخام ضحى ... مَاء يسيل على أَثوَاب قصار)
بعد قَوْله
(لله يَوْم بحمام نعمت بِهِ ... وَالْمَاء من حَوْضه مَا بَيْننَا جاري)
فَقيل لَهُ أَنه عيب حَتَّى قيل فِي قَائِله
(وشاعر أوقد الطَّبْع الذكي لَهُ ... فكاد يحرقه من فرط لألاء)
(أَقَامَ يعْمل أَيَّامًا رويته ... وَشبه المَاء بعد الْجهد بِالْمَاءِ)
فَقَالَ هَذَا الْعَيْب لَيْسَ بِشَيْء فَإِنَّهُ شبه هَذَا الرخام فِي الْحمام بشقة قصار جرى عَلَيْهَا المَاء وَلم يرد تَشْبِيه المَاء وَلَكِن مَا ذكر فِي الطَّرفَيْنِ جَاءَ بَارِدًا فَأَشَارَ الشَّاعِر إِلَى برودته فِي كَلَامه بِمَا ذكره وَله ديوَان شعر وقفت عَلَيْهِ وكل شعر مفروغ فِي قالب لإجادة وَمن أجوده قصيدته الدالية الْمَشْهُورَة وَهِي قَوْله
(قدحت رعود الْبَرْق زندا ... أضرّ من أشجانا ووجدا)
(فِي فَحْمَة الظلماء إِذْ ... مدت على الخضراء بردا)
стр. 335
(حَتَّى تثاءب نوره ... وتمطت الأغصان قدا)
(وأتى الشَّقِيق بمجمر ... للروض وَقد فِيهِ ندا)
(وعَلى الغدير مفاضة ... سردت لَهُ النسمات سردا)
(وحبابه من فَوْقه ... قد بَات يلْعَب فِيهِ نردا)
(فسقى معاهد بالحمى ... قد أنبتت حبا وودا)
(تذر اللَّيَالِي فِي ثرى ... من عنبر للمسك أهْدى)
(عجبا لدر ناصع ... أودعن فِي مسك مندي)
(فِي ظلّ عَيْش ناعم ... بنسيم أسحار تردى)
(والدهر عبد طائع ... أهْدى لنا شرفا وسعدا)
(مَا زَالَ اصدق نَاصح ... كم قَالَ لي هزلا وجدا)
(سلم امْرُؤ عَن طوره ... فِي كل حَال مَا تعدى)
(فالخطب بَحر زاخر ... فاصبر لَهُ جزرا ومدا)
(لَا يختشى لسع الزنابير ... الَّذِي يستام شَهدا)
(فِي ذمَّة الْأَيَّام للأحرار ... دين قد يُؤدى)
(إِن مَا طلت فلربما ... أنجزن بعد المطل وَعدا)
(فَإِذا رمى طأطىء لَهُ ... رَأْسا ترَاهُ عَنْك عدى)
(أفبعد أخواني الالى ... درجوا أَخَاف الْيَوْم فقدا)
(عَيْني إِذا استسقت بهم ... تسقى بدمع الْعين خدا)
(لَو كَانَت القطرات تجمد ... نظمت فِي الْجيد عقدا)
(قوم لَهُم يَدْعُو الثنا ... من شاسع الأقطار وَغدا)
(كم فِي عكاظ نديهم ... جلبوا لَهُم شكرا وحمدا)
(لَا يشْتَرونَ بذخرهم ... إِلَّا جميل الذّكر نَقْدا)
(أبقى لَهُم حسن الحَدِيث ... برغم أنف الدَّهْر خلدا)
(ورثوا المكارم كَابِرًا ... عَن كَابر فرضا وردا)
(من كل طود شامخ ... متسربل برْدَاهُ مجدا)
(أمست عيُونا كلهَا ... ترنو إِلَى الْأَعْدَاء حقدا)
(تلقى الورى بنديهم ... نكس الْعُيُون إِذا تبدى)
стр. 336
(لبس الْجلَال على الْجمال ... فصد عَنهُ الطّرف صدا)
(فهم بسُلْطَان التقى اتَّخذُوا ... قُلُوب النَّاس جندا)
(أَمْسوا بغمد ضريحهم ... وَبقيت مثل السَّيْف فَردا)
(مَالِي أقيم ببلدة ... فِيهَا بِنَاء الدّين هدا)
(وَبهَا الشهَاب إِذا سما ... يخْشَى من الشَّيْطَان طردا)
وَله قصيدة مطبوعة مطْلعهَا قَوْله
(أرح طرف عين جفاها الهجوع ... فَإِن عناء الجفون الدُّمُوع)
(إِذا علم الصَّبْر أَن يخدع العزائم ... دهر لحظي خدوع)
(حسيت كؤوس الْهوى سحرة ... وساقى المنى لمرادي مُطِيع)
(إِلَى حِين غَابَتْ نُجُوم الْهدى ... فَكَانَ لَهَا فِي عِذَارَيْ طُلُوع)
(وباتت تحث مطايا الغرام ... فجالت بِقَيْد الكلال المنوع)
(ربيئة قلبِي عين لَهَا ... لِسَان من الدمع سرى يشيع)
(تحار بِنَا فِي مجَال الصِّبَا ... يَد للطلا من قناها الشموع)
(وظبى ترى فِي حجور الْقُلُوب ... لَهُ توأم الْحسن خدن رَضِيع)
(فلولا فُؤَادِي لَهُ مسكن ... لما كَانَ تحنو عَلَيْهِ الضلوع)
(تقنعت بالوصل من طيفه ... وكل محب لعمري قنوع)
(ولي حَاجَة عِنْده للجوى ... وَلَيْسَ لَهُ غير ذلي شَفِيع)
(رهنت فُؤَادِي على حبه ... فَمَا باله لرهوني يضيع)
(تجرد من لحظه صارم ... لعمر اصْطِبَارِي عَلَيْهِ قطوع)
(وَلَو لم يكن قَاتلا للسكرى ... لما سَالَ من مقلتي النجيع)
(بِمِرْآة خديه أصداغه ... تخال عذارا لصبري يروع)
(تقيل المحاسن فِي ظله ... وَمَاء الْجمال لَدَيْهِ مريع)
(لَهُ بسط الرَّوْض ديباجه ... ومدت عَلَيْهِ الْخيام الْفُرُوع)
(وَقد ردد الطير آيَاته ... وللقضب فِي جانبيه رُكُوع)
(كَانَ الشَّقِيق وَستر الضباب ... وزهر تبقى عَلَيْهَا هزيع)
(مجامر تبر علاها الدُّخان ... وَقد أصبح الند فِيهَا يضوع)
وَهِي قصيدة طَوِيلَة فلنقتصر مِنْهَا على هَذَا الْمِقْدَار طلبا للاختصار وَمن شعره قَوْله
стр. 337
(قلت للندمان لما ... مزقوا برد الدياجي)
(قتلتنا الراح صرفا ... فاقتلوها بالمزاج)
أَصله قَول حسان
(إِن الَّتِي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل)
قَالَ الرَّاغِب أصل الْقَتْل إِزَالَة الرّوح من الْجَسَد كالموت لَكِن إِذا اعْتبر بِفعل الْمُتَوَلِي لذَلِك يُقَال قتل وَإِذا اعْتبر بفوت الْحَيَاة يُقَال موت واستعير على سَبِيل الْمُبَالغَة قتلت الْخمر بِالْمَاءِ إِذا مزجته وَوجه الِاسْتِعَارَة فِيهِ أَنه يزِيل شدتها فَجعلت نشوتها كروحها وَجعلت سكرتها عدوا انْتهى وللشهاب
(قبل يَد الْخيرَة أهل التقى ... وَلَا تخف طعن أعاديهم)
(رَيْحَانَة الرَّحْمَن عباده ... وشمها لثم أياديهم)
أَخذه من قَول عِيسَى بن حجاج اليمني وَهُوَ من كبراء الْأَوْلِيَاء وَكَانَ كل من دخل عَلَيْهِ أَو خرج يقبل يَده فَأنْكر عَلَيْهِ بَعضهم ذَلِك فَقَالَ العَبْد الْمُؤمن رَيْحَانَة الله فِي أرضه وَلَا بَأْس بشم الريحان فِي الدُّخُول وَالْخُرُوج وَمن شعره قَوْله
(أَخُوك الَّذِي إِن جِئْته لملمة ... يشمر عَن سَاق بعزم مُسَدّد)
(يُبَادر أَمر الْيَوْم قبل مضيه ... وَلَيْسَ محيلا فِي الْأُمُور على غَد)
أَصله مَا روى عَن الْمفضل الضَّبِّيّ أَنه قَالَ قَالَ لي الْمهْدي يَوْمًا أبْغض شَيْء إِلَى أَن أجعَل عمل الْيَوْم فِي غَد فَقلت لَهُ أَنه الحزم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ أَخُو تَمِيم
(أَخُوك لَهُ عزم على الحزم لم يقل ... غَدا يَوْمهَا إِن لم تعقه الْعَوَائِق)
وَله من الرباعيات قَوْله
(مذ أطنب بالمطال والايجاز ... فِي موعده ظننته بِي هازي)
(حَتَّى أرى عقيق فِيهِ قبلا ... والخاتم من عَلامَة الانجاز)
يُوضحهُ قَول بدر الدّين الْأَزْهَرِي
(أمنت من خوف العدى وشرهم ... مذ جَاءَنِي بِخَاتم الْأمان)
خَاتم الْأمان كمديل الْأمان يسْتَعْمل فِي أَمارَة الانجاز لِأَن الرؤساء اعتادوا إرْسَال ذَلِك إِذا أرادوه وَله
(قد كَانَ لي خل على ... نهج النِّفَاق لقد سلك)
(ركت ملابس وده ... فقطعته من حَيْثُ رك)
أورد هَذَا فِي شرح درة الغواص عِنْد قَول الحريري وَيَقُولُونَ قطعه من حَيْثُ رق
стр. 338
وَفِي كَلَام الْعَرَب اقطعه من حَيْثُ رك أَي من حَيْثُ ضعف وَمِنْه قيل للضعيف رَكِيك فِي الحَدِيث أَن الله تَعَالَى يبغض السُّلْطَان المركك وَقَالَ هُوَ عَلَيْهِ هَذَا على تَقْدِير السماع فِيهِ أَمر سهل فَإِنَّهُ يلْزم من رقة الثَّوْب عدم قوته فَلَا مَانع من إِرَادَة لَازمه وَبَاب الْمجَاز مَفْتُوح وَلذَا فسر أهل اللُّغَة رك برق وَلَا حَاجَة فِي أَن يُقَال تبدل الْكَاف قافا لقرب مخرجيهما وَمن ملح ابْن نباتة قَوْله
(كَانَت للفظي رقة ... ضن الزَّمَان بِمَا اسْتحقَّت)
(فصرفتها عَن فكرتي ... وقطعتها من حَيْثُ رقت)
وللشهاب
(كم من كريم قد بَات فِي دعة ... أَتَاهُ سيل الصَّباح بالنكد)
(وَرب فرخ أراشه زمن ... فَصَارَ بالعز بَيْضَة الْبَلَد)
هَذَا جَار على اسْتِعْمَال أهل الْحجاز يَقُولُونَ فِي الشتم وَهُوَ فرخ يَعْنِي ولد زنالا يعرف لَهُ أَب وَإِنَّمَا تعرف الدَّجَاجَة الَّتِي باضته وَفِي الحَدِيث الشريف على بعض الرِّوَايَات فرخ الزنالا يدْخل الْجنَّة وَهُوَ اسْتِعَارَة بديعة فِي بَابهَا وَقَوله فَصَارَ بالعز بَيْضَة الْبَلَد جرى فِيهِ على أحد احتمالية وَهُوَ الْمَدْح وَالْمرَاد بِهِ وَاحِد الْبَلَد الَّذِي يجمع إِلَيْهِ وَيقبل قَوْله لَكِن الْأَشْهر أَنه ذمّ وَقَوْلهمْ فلَان بَيْضَة الْبَلَد أبي لَا يعبأ بِهِ كَمَا ذكره فِي مجمع الْأَمْثَال وَله
(سِهَام جفونه أعرضن عني ... فأسرع فتكها ونما جواها)
(فيا لَك أسهما تصمي الرمايا ... إِذا صرفت إِلَى شَيْء سواهَا)
وَمثله لِابْنِ الرُّومِي
(نظرت فأقصدت الْفُؤَاد بسهمها ... ثمَّ انْثَنَتْ عَنهُ فكاد يهيم)
(ويلاه إِن نظرت وَإِن هِيَ أقصدت ... وَقع السِّهَام وقصدهن اليم)
وَمن شعره قَوْله
(إِن يعد ذُو بغى عَلَيْك فخله ... وارقب زَمَانا لانتقام الطاغي)
(وَاحْذَرْ من الْبَغي الوخيم فَلَو بغى ... جبل على جبل لَدُكَّ الْبَاغِي)
أَصله مَا روى عَن ابْن عَبَّاس ﵄ لَو بغى جبل على جبل لَدُكَّ الْبَاغِي وَكَانَ الْمَأْمُون يتَمَثَّل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ لِأَخِيهِ الْأمين
(يَا صَاحب الْبَغي إِن الْبَغي مصرعة ... فاعدل فَخير فعال الْمَرْء أعدله)
(فَلَو بغى جبل يَوْمًا على جبل ... لَا ندك مِنْهُ أعاليه وأسفله)
стр. 339
وَقَالَ فِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا
(بغى على لئيم دون سَابِقَة ... تَدعُوهُ غير فضول الْجَهْل والجاه)
(فَلم ألمه سوى أَن قلت من جزع ... الْموعد الْحَشْر وَالْقَاضِي هُوَ الله)
وَله
(من يتْرك الدُّنْيَا يسد أَهلهَا ... ويقتطف زهرتها بِالْيَدِ)
(لَا تسكن التَّقْوَى وَلَا حِكْمَة ... تنزل قلبا فِيهِ هم الْغَد)
أَصله مَا روى عَن ابْن سينا أَنه قَالَ ورد فِي الحَدِيث الشريف أَن الْحِكْمَة لتنزل من السَّمَاء فَلَا تدخل قلبا فِيهِ هم عد وَقَالَ أَيْضا مضمنا
(أرى عز غير الله للذل صائرا ... وكل هنى من سواهُ منغص)
(وَفِي تَعب خود لَا عمى تزينت ... وَقَامَت لَهُ فِي ظلمَة اللَّيْل ترقص)
(فَلَا ترج من أهل الزَّمَان مَوَدَّة ... إِذا غلت الأسعار بِالتّرْكِ ترخص)
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الصاحب ابْن عباد
(أردْت وصل عَليّ ... فَقَالَ كم ذَا الذُّنُوب)
(فَقلت كفر ذنوبا ... سلطتها فأتوب)
وَمن مستظرفاته قَوْله
(يَقُول من أهواه دَعْنِي وَتب ... يَا أَيهَا الْمفْتُون عَن حبي)
(فَقلت مر حسنك أَن لَا يرى ... مسلطا عشقا على قلبِي)
وَقَوله
(قد كساني حلَّة هَذَا الضنا ... خاطها فِي لِليْل وجد لَا يمل)
(ابر قد نَبتَت فِي مضجعي ... وخيوط من دموع لي تحل)
وَله
(رَئِيس تشفع بِي سيد ... اليه لأمر لقلبي طَبِيب)
(فَقلت استرح واعفه إِنَّه ... إِذا مطل الدَّاء مل الطَّبِيب)
وَفِي مَعْنَاهُ قَول الرئيس مُسْتَوْفِي اربل
(غرام قديم الشجو أعوز بُرْؤُهُ ... إِذا طَال مطل الدَّاء غير طبيبه)
وَمن ملحه قَوْله
(أَيهَا السائلي عَن ابْن فلَان ... وديون عَلَيْهِ دهرا مَلِيًّا)
(لَيْسَ يقضيك حَبَّة من دُيُون ... ويكيل الايمان كَيْلا وفيا)
(إِن تخاشنه فِي تقاضيه يَوْمًا ... صَار بِالْحلف دينه مقضيا)
وَلابْن بسام
(إِذا آلت إِلَى ضيق ديوني ... وباكرني التُّجَّار ليجذبوني)
(دفعتهم لمن لَو شَاءَ أدّى ... دُيُونهم إِلَيْهِم مُنْذُ حِين)
стр. 340
(فَمَا فِي حكمه تقشير رِزْقِي ... وتعذيبي بحنثي فِي يَمِيني)
وَلابْن الرُّومِي
(وَإِنِّي لذُو حلف كَاذِب ... إِذا مَا اضطررت فِي الْحَال ضيق)
(وَهل من جنَاح غير مُسلم ... يدافع الله مَالا يُطيق)
وللعجلي
(وَإِن دَرَاهِم الْغُرَمَاء عِنْدِي ... معلقَة لَدَى بيض الأنوق)
(فَإِن دلفو لفت لَهُم بِحلف ... كمعطى الْبرد لَيْسَ بِذِي فنوق)
(وَإِن لانوا وعدتهم بلين ... وَفِي وعدي ثنيات الطَّرِيق)
(وَإِن وَثبُوا على وجردوني ... جلفت لَهُم كالضرام الْحَرِيق)
وَمن مجونه
(مولَايَ شكرا لفرج لقد رقيت بِهِ ... فاستشفع الْحر واسأله بِمَا وَمنى)
(واعضض عَلَيْهِ وعش فِي رقْعَة وغنى ... وانعم بعيش هني نلته بِهن)
وَله فِي مَعْنَاهُ
(قَالُوا فلَان قدرقي بِزَوْجَة ... لرتبة لم يَك قبلهَا جرى)
(فَقَالَت الزَّوْجَة لما أَن علا ... لَوْلَا حرى مَا كَانَ ذابه حرى)
وَنَحْوه قَول الآخر
(قل للامير وَلَا تفزعك هيبته ... وَإِن تعاظم وَاسْتولى بمنصبه)
(لَوْلَا فُلَانَة مَا استوزرت ثَانِيَة ... فاشكر حراصرت مَوْلَانَا الْوَزير بِهِ)
وَله وَهُوَ من مبدعاته
(لعمري لم أَبَد الْبكاء لذلة ... وَإِنِّي لسوء الذل لست مطيفا)
(وَلَكِن أَرَادَ الطّرف تبريد غلتي ... برد لماء الْوَجْه حِين أريقا)
وَله فِي الرثاء
(قد ضمه الْبَحْر فِي لج مَخَافَة أَن ... يُؤْذِي التُّرَاب لجسم فِيهِ بيليه)
(فالماء خر لى رَأس لفرقته ... والموج يلطم والأطيار تبكيه)
وَلآخر
(غريق كَأَن الْمَوْت رق لحسنه ... فلَان فِي صفحة المَاء جَانِبه)
(أَبى الله أَن يسلوه قلبِي فَإِنَّهُ ... توفاة فِي المَاء الَّذِي أَنا شَاربه)
وَلآخر
(وَلما لم تسعه الأَرْض جمعا ... تضمن جِسْمه الْبَحْر الْمُحِيط)
وَله فِي ثقيل
(ازمنا قد ثقيل فَهَل ... لَهُ على الْأَرْوَاح مناديون)
(تكرههُ الألحاظ منا لذا ... تلوذ بالأجفان منا الْعُيُون)
جعل الْعُيُون لائذة بالأجفان كِتَابَة حَسَنَة عَن تغميض الْعُيُون وَأَصله قَول ابْن الرُّومِي
(لنا صديق كلا صديق ... غث على أَنه سمين)
(إِذا بدا وَجهه لقوم ... لاذت بأجفانها الْعُيُون)
стр. 341
(كَأَنَّهُ عِنْدهم غَرِيم ... حلت عَلَيْهِم بِهِ دُيُون)
وَله
(الْعرف قرض لمن تزكو مروءته ... يهوى الْأَدَاء لَهُ فِي حَال مقدرته)
(وَذَاكَ قيد لَهُ إِن لم يؤد فَلَا ... يفك إِلَّا بشكر أَو مكافأته)
أَصله قَول ابْن المعتز الْمَعْرُوف على الْخَيْر غل لَا يفكه إِلَّا شكر أَو مُكَافَأَة وَله غير ذَلِك مِمَّا إِذا تتبعته جَاءَ فِي مجلدة ضخمة والعنوان يدل على الطرس وَكَانَت وَفَاته رَحمَه الله تَعَالَى يَوْم الثُّلَاثَاء لثنتي عشرَة خلت من شهر رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَقد أناف على التسعين وَكَانَ توفّي قبله بِثَلَاثَة أشهر الْفَقِيه الْكَبِير مُحَمَّد بن أَحْمد الشَّوْبَرِيّ الملقب بالشافعي الصَّغِير فَقَالَ فيهمَا السَّيِّد الأديب أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَمَوِيّ الْمصْرِيّ يرثيهما وَكَانَ قَرَأَ عَلَيْهِمَا
(مضى الإمامان فِي فقه وَفِي أدب ... الشَّوْبَرِيّ والخفاجي زِينَة الْعَرَب)
(وَكنت أبْكِي لفقد الْفِقْه مُنْفَردا ... فصرت أبْكِي لفقد الْفِقْه وَالْأَدب)
قلت الْبَيْت الْأَخير مضمن من قَول جحظة الْبَرْمَكِي فِي رثاء أبي بكر بن دُرَيْد اللّغَوِيّ مَعَ تَغْيِير يسير وَذَلِكَ قَوْله
(فقدت يَا ابْن دُرَيْد كل فَائِدَة ... لما غَدا ثَالِث الْأَحْجَار والترب)
(وَكنت أبْكِي لفقد الْجُود مُنْفَردا ... فصرت أبْكِي لفقد الْجُود وَالْأَدب)
والخفاجي نِسْبَة إِلَى أَبِيه خفاجي وَلَا أَدْرِي مَعْنَاهُ وأصل وَالِده من سرياقوس من قَرْيَة من قرى الخانقاه وَالله تَعَالَى أعلم
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن البتروني الْحلَبِي وَتقدم تَتِمَّة نسبه فِي تَرْجَمَة ابْن عَمه إِبْرَاهِيم بن أبي الْيمن وَسَيَأْتِي أَبوهُ مُحَمَّد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف بِابْن مفتي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ أحد كبراء حلب وَأحد رؤسائها وَكَانَ من أسخياء الْعَالم ذَا مُرُوءَة وهمة عالية وشهامة باهرة ولي الْقَضَاء مُدَّة مديدة ثمَّ تقاعد عَن رُتْبَة قَضَاء الشَّام وتصدر بحلب وانقاد إِلَيْهِ أَهلهَا ونفذت فِيمَا بَينهم كَلمته وجلت حرمته حصل أَمْوَالًا كَثِيرَة وجاها وافرا إِلَّا أَن بضاعته كَانَت كبضاعة أَبِيه مزجاة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف
السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُونُس الْمَدْعُو عبد النَّبِي بن أَحْمد بن السَّيِّد عَلَاء الدّين عَليّ ابْن السَّيِّد الحسيب النسيب يُوسُف بن حسن بن يس البدري نِسْبَة إِلَى السَّيِّد بدر الْوَلِيّ الْمَشْهُور المدفون بزاويته بوادي النُّور ظَاهر الْقُدس الشريف وَله ذُرِّيَّة
стр. 342
لَا يُحصونَ كَثْرَة قَالَ صَاحب الْإِنْس الْجَلِيل بتاريخ الْقُدس والخليل ومناقبهم لَا تحصى وَذكر مِنْهُم جمَاعَة وسَاق نسب السَّيِّد بدر فَقَالَ بدر بن مُحَمَّد بن يُوسُف ابْن بدر بن يَعْقُوب بن مظفر بن سَالم بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن زيد بن عَليّ بن الْحسن بن العريض الْأَكْبَر بن زيد بن زين العابدين بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ إِلَّا أَن الشَّيْخ أَحْمد كَانَ يخفي نسبه اكْتِفَاء بِنسَب التَّقْوَى المفضي للتنصل من أَسبَاب الْفَخر والجاه فِي الدُّنْيَا فتبعته على ذَلِك ذُريَّته وَكَانَت وَالِدَة الشَّيْخ مُحَمَّد الْمدنِي من ذُرِّيَّة سيدنَا تَمِيم الدَّارِيّ ﵁ وهم كَثِيرُونَ بِبَيْت الْمُقَدّس ووالدة صَاحب التَّرْجَمَة من بَيت الْأنْصَارِيّ وَلِهَذَا كَانَ يكْتب بِخَطِّهِ أَحْمد الْمدنِي الْأنْصَارِيّ وَتارَة سبط الْأَنْصَار ورباه وَالِده وَأَقَرَّاهُ بعض الْمُقدمَات الْفِقْهِيَّة على مَذْهَب الإِمَام مَالك لِأَن وَالِده تمذهب بِمذهب شَيْخه الشَّيْخ مُحَمَّد بن عِيسَى التلمساني وَكَانَ من كبراء الْعلمَاء والأولياء بِالْمَدِينَةِ ورحل بِهِ وَالِده إِلَى الْيمن فِي سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف فَأخذ عَن أَكثر علمائه وأوليائه خُصُوصا شُيُوخ وَالِده الْمَوْجُودين إِذْ ذَاك كالشيخ الْأمين بن الصّديق المراوحي وَالسَّيِّد مُحَمَّد الغرب وَالشَّيْخ أَحْمد السطيحة الزَّيْلَعِيّ وَالسَّيِّد عَليّ القبع وَالشَّيْخ عَليّ مطير وَمكث عِنْد وَالِده مُدَّة ثمَّ حدث لَهُ وَارِد مزعج فَخرج سائحاً من الْيمن حَتَّى وصل إِلَى مَكَّة وَمكث بهَا مُدَّة وَصَحب جمَاعَة كالسيد أبي الْغَيْث شجر وَالشَّيْخ سُلْطَان المجذوب وَعَاد إِلَى الْمَدِينَة وَصَحب بهَا الشَّيْخ أَحْمد بن الْفضل بن عبد النافع ابْن الشَّيْخ الْكَبِير مُحَمَّد بن عراق وَالشَّيْخ الْوَلِيّ عمر بن القطب بدر الدّين العادلي وَالشَّيْخ شهَاب الدّين الملكاني وَغَيرهم ثمَّ لزم الشَّيْخ الْكَبِير أَحْمد بن عَليّ الشناوي الشهير بالخامي وتمذهب بمذهبه وسلك طَرِيقَته وَقَرَأَ كتبا فِي مشربه وَأخذ عَنهُ الحَدِيث وَغَيره وَلَا زَالَ ملازماً لَهُ حَتَّى اخْتصَّ بِهِ وزوجه ابْنَته واستخلفه ثمَّ أَخذ عَن رَفِيق شَيْخه فِي الْإِرَادَة السَّيِّد أسعد الْبَلْخِي ولازمه حَتَّى مَاتَ وَورث أَحْوَاله ثمَّ صحب خلقا يطول تعداد أسمائهم وَكَانَ جملَة من أَخذ عَنْهُم فِي طَرِيق الله تَعَالَى نَحْو مائَة شيخ مِنْهُم الشَّيْخ عبد الْحَكِيم خَاتِمَة أَصْحَاب الْغَوْث مؤلف الْجَوَاهِر الْخمس وَمِنْهُم الْعَلامَة المنلا شيخ الْكرْدِي قَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا وَلم يزل على قُوَّة حَاله حَتَّى انْتفع بِهِ النَّاس على اخْتِلَاف طبقاتهم وانتشر صيته وَكَثُرت أَتْبَاعه فِي أقطار الأَرْض وَشهد لَهُ أَوْلِيَاء وقته بِأَنَّهُ الإِمَام الْمُفْرد كالشيخ أَيُّوب الدِّمَشْقِي فَإِنَّهُ كتب إِلَيْهِ كتبا يَقُول فِي بَعْضهَا إِنِّي لأعْلم
стр. 343
أَن لكل وَقت صَمد وَأَنَّك وَالله صَمد هَذَا الْوَقْت وَمِنْهُم الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مَقْبُول المحجب الزَّيْلَعِيّ وَالسَّيِّد عبد الله بن شيخ العيدروس بِحَيْثُ أَنه أَخذ عَنهُ فِي أَيَّام زيارته الْمَدِينَة وَمِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة الْوَلِيّ بَرَكَات التّونسِيّ وَالسَّيِّد عبد الْخَالِق الْهِنْدِيّ بل أَخذ عَنهُ كبار الشُّيُوخ كالسيد الْعَارِف بِاللَّه عبد الرَّحْمَن المغربي الإدريسي وَالشَّيْخ عِيسَى المغربي الْجَعْفَرِي وَالشَّيْخ مهنا بن عوض بامزروع وَالسَّيِّد عبد الله بافقيه وَجَمَاعَة من عُلَمَاء السَّادة بني علوي وَمن فُقَهَاء الْيمن من جعمان وَغَيرهم وَمِنْهُم نتيجة النتائج خَلِيفَته الروحاني إِبْرَاهِيم بن حسن الكوراني السهراني فَإِنَّهُ بِهِ تخرج وبعلومه انْتفع لَازمه مُدَّة حَيَاته وَصَارَ خَلِيفَته فِي التربية والإرشاد بعد مماته وَله مؤلفات كَثِيرَة الْمَوْجُود مِنْهَا نَحْو خمسين مؤلفاً مِنْهَا حَاشِيَة على الْمَوَاهِب وحاشية على الْإِنْسَان الْكَامِل للجيلي وحاشية على الكمالات الإلهية لَهُ وَشرح حكم ابْن عَطاء الله فِي مُجَلد ضخم وَشرح عقيدة ابْن عفيف وَكتاب النُّصُوص والكنز الْأَسْنَى فِي الصَّلَاة وَالسَّلَام على الذَّات المكملة الْحسنى وعقيدة منظومة فِي غَايَة الْحسن والاختصار وَكَانَ إِمَام الْقَائِلين بوحدة الْوُجُود حَافِظًا للمراتب الشَّرْعِيَّة متضلعاً من أذواق السّنة كثير النَّوَافِل وَالصِّيَام كَامِل الْعقل وَالْوَقار وَوصل إِلَى مقَام الختمة فِي عصره فقد قَالَ فِيمَا وجد بِخَطِّهِ على هَامِش رِسَالَة الْعَارِف بِاللَّه سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ باعلوي الْمُسَمَّاة بشق الجيب فِي معرفَة رجال الْغَيْب عِنْد قَوْله والختم وَهُوَ وَاحِد فِي كل زمَان يخْتم الله بِهِ الْولَايَة الْخَاصَّة وَهُوَ الشَّيْخ الْأَكْبَر انْتهى مَا نَصه الَّذِي يتَحَقَّق وجدانه أَن الختمة الْخَاصَّة مرتبَة إلهية ينزل بهَا كل أحد لَهَا حسب وقته وزمانه غيرم منقطعه أَبَد الآباد إِلَى أَن لَا يبْقى على وَجه الأَرْض من يَقُول الله الله لعدم خلو الْمَرَاتِب الإلهية عَن القائمين بهَا حَتَّى يصير الْقَائِم بهَا كالصفر الْحَافِظ لمرتبة الْعدَد فميا قبله وَبعده بأنفاسه تتمّ الصَّالِحَات وتقضى الْحَاجَات وَقد تحققنا بذلك حَقًا ونزلنا منازلة وصدقاً وَمِمَّنْ رَأَيْته من مشايخي من أهل الختمة الْمَذْكُورَة سنداً مُتَّصِلا مِنْهُم إِلَيْنَا من غير انْقِطَاع بِإِذن الله تَعَالَى خَمْسَة أنفس سادسهم كلبهم لَا رجماً بِالْغَيْبِ وربه ثمَّ قَالَ بعْدهَا قَالَه عبد الْجَمِيع أَحْمد بن مُحَمَّد الْمدنِي وَمثله لَا يتَكَلَّم بِمثل هَذَا الْكَلَام إِلَّا عَن إِذن إلهي وَنَفث روعي وَله ديوَان شعر مِنْهُ قَوْله
(أَضَاءَت لنا بالرقمتين على نجد ... لوامع أنوار فهيجن لي وجدي)
стр. 344
(وذكرنني الْعَهْد الْقَدِيم ورامة ... وأوقات أنس مَا برحب بهَا أشدي)
(وكأس مدام أدهقته كَرِيمَة ... تسمت بأسماها الربَاب مَعًا هِنْد)
(فَلَمَّا تحسى الْقَوْم كأس غرامها ... غدوا لَهَا يشدون بِالْعلمِ الْفَرد)
(فهم فتية صرف الغرام قُلُوبهم ... بمشهدها الْأَعْلَى لَدَى صفوة الْجند)
(فَسَارُوا بهَا نَحْو الإضاءة يَبْتَغُوا ... خلاصاً إِلَيْهَا والبنود لَهُم تهدي)
(أذلا لسلطان المليحة صبوة ... وذل الْهوى مستعذب الصَّدْر والورد)
(فَلَمَّا اجتلوا للاسم جال بوسمه ... فأبدى مُسَمَّاهُ بِزَيْنَب والدّعد)
وَقَوله أَيْضا
(يَا قُرَّة الْعين إِن الْعين فِيك جلت ... مَحْض العيان بمسموع ومبصور)
(فامتع قراك على علم بِذَاكَ فَذَاك ... الْغَيْب شاهدنا فِي كل مَنْظُور)
وَله
(هذي صلات الَّذِي دَامَت صلَاتهم ... مذ حَافظُوا بدوام النفح فِي الصُّور)
وَقَوله
(وَفِي مهجتي من نَار وَجدك فارض ... يقسم مِيرَاث الصبابة للْكُلّ)
(يعشقني فِيهِ إِلَيْهِ بِوَجْهِهِ ... بِوَحْي وتكليف على مِلَّة الرُّسُل)
(وَيَدْعُو إِلَى صرف اللِّقَاء بِمَوْت مَا ... ترا آه وهمي مذ تعين بالشكل)
(فَهَل من سَبِيل والكفاح مُصَرح ... بِوَجْه محيا طالع الْبَدْر فِي نزل)
(فَفِي الْفرق تَعْذِيب عذوبة مَائه ... مجاذبة الْأَسْمَاء فِي شاخص الظل)
(وَأَنِّي أَنا المجذوب وَالْكل جاذب ... وقبلتنا الشّطْر الْحَرَام مَعَ الْكل)
وَقَوله
(لَا تعر عقلك غَيْرك ... فترى من بعد تندّم)
(إِنَّمَا الْعقل ضِيَاء ... يهد للَّتِي هِيَ أقوم)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته ﵀ نَهَار الْإِثْنَيْنِ آخر سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وَدفن بِالبَقِيعِ شَرْقي قبَّة السيدة حليمة السعدية رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْعجل بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن إِبْرَاهِيم ابْن الشَّيْخ القطب الْفَقِيه أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل أَبُو الوفا اليمني الامام الْبَحْر الْعَارِف الاستاذ الشهير بالعجل بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وَالصَّوَاب فتح الْعين وَكسر الحيم كَذَا ضَبطه شَيخنَا عَلامَة الْقطر الْحِجَازِي الْحسن بن عَليّ العجيمي الْحَنَفِيّ فِيمَا كتبه إِلَى من خَبره وذكرانه ولد فِي بلدته الْمَعْرُوفَة بِبَيْت الْفَقِيه ابْن عجيل وَنَشَأ فِي حجر أَبَوَيْهِ فحفظه وَالِده الْقُرْآن وأقرأه فِي الْمِنْهَاج الفقهي وَألقى إِلَيْهِ مَا لَدَيْهِ
стр. 345
من الْمَعْلُوم الظَّاهِرَة والباطنة وَأَجَارَهُ وَحج بِهِ وزار النَّبِي
مَرَّات وَأخذ عَن شُيُوخ الْحَرَمَيْنِ كَالْقَاضِي الْأَجَل عَليّ بن جَار الله بن ظهيرة بِمَكَّة وَالشَّيْخ المعمر حميد السندي بِالْمَدِينَةِ وَتزَوج وَولد لَهُ أَبُو الزين مُوسَى فِي سنة أَربع بعد الْألف وفيهَا دخل إِلَى زبيد وَمكث بهَا نَحْو احدى عشرَة سنة لَا يخرج مِنْهَا إِلَّا لِلْحَجِّ أَو زِيَارَة أَبِيه نَادرا ولازم بهَا الشَّيْخ الْعَلامَة الْوَلِيّ الزين بن المزجاجي فَقَرَأَ عَلَيْهِ كتبا كَثِيرَة مِنْهَا الفتوحات المكية وَأخذ عَن عُلَمَاء زبيد ونواحيها كالشيخ الصّديق الْخَاص وَأَجَازَهُ وَكَذَا أجَاز لَهُ مُسْند الْيمن السَّيِّد الطَّاهِر بن الْحُسَيْن الأهدل خَاتِمَة الآخذين عَن الديبع سَمَاعا وسلك على طَريقَة آبَائِهِ الأكرمين مَعَ الْعِنَايَة بِقِرَاءَة الحَدِيث وَغَيره حَتَّى وَفد إِلَى زبيد الشَّيْخ تَاج الدّين النقشبندي فَأخذ عَنهُ هُوَ ووالده وَأهل بَيته ولازمه ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة وَانْقطع بهَا مجاورا مَعَ وَلَده مُوسَى عِنْد الشَّيْخ تَاج الدّين سنة أَو أَكثر حَتَّى وصل إِلَى رُتْبَة الْخلَافَة وَكَانَ الشَّيْخ تَاج يجله حَتَّى كَانَ يجسله مَعَه على السرير وَسَائِر الْجَمَاعَة تحتهما وَمكث فِي بلدته مَقْصُود للزيارة والارشاد وَالرِّوَايَة وتعمر حَتَّى ألحق الأحفاد بالأجداد فَإِنَّهُ روى عَمَّن ذكر بِالْقِرَاءَةِ وَالسَّمَاع والاجازة وبالاجازة فَقَط عَن الشَّيْخ الامام الْبَدْر بن الرضى الْغَزِّي الدِّمَشْقِي قلت رِوَايَته عَن الْبَدْر الْغَزِّي غير بعيدَة بِأَن يكون أَبوهُ استجازه لَهُ بالمكاتبة وَيكون إِذْ ذَاك سنة سنة وَاحِد فَإِن وَفَاة الْبَدْر فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وولادة صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ومسافة الطَّرِيق سنة فصح مَا قلته وَله رِوَايَة عَن القطب الْمَكِّيّ وَعَن الامام يحيى الطَّبَرِيّ وَالشَّيْخ مُحَمَّد النحراوي الْحَنَفِيّ الْمصْرِيّ وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن فَهد وَغَيرهم وَكَانَ مِمَّن جمع لَهُ بَين الْعُلُوم الظَّاهِرَة والباطنة وَأظْهر على يَدَيْهِ الْأَسْرَار والكرامات الباهرة وَله فَوَائِد ونوادر من جُمْلَتهَا لدفع الْأَعْدَاء فِي كل صباح وَمَسَاء ثَلَاثًا اللَّهُمَّ يَا مخلص الْمَوْلُود من ضيق مَخَاض أمه وَيَا معافي الملدوغ من حمة سمه وَيَا قَادِرًا على كل شَيْء بِعِلْمِهِ أَسأَلك بِمُحَمد واسْمه أَن تكفيني كل ظَالِم يَظْلمه فَإنَّك فكفاه وَكَانَت وَفَاته بعد صَلَاة الْعشَاء من اللَّيْلَة الَّتِي تسفر صبيحتها عَن رَابِع عشر شعْبَان سنة أَربع وَسبعين وَألف وَجَاء تَارِيخ مَوته شيخ أجل مكمل وَدفن خَارج قبَّة وَالِده الْمَشْهُورَة بِبَلَدِهِ وَخَلفه وَلَده الْعَالم الْوَلِيّ أَبُو الزين مُوسَى الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَرْوَان القَاضِي بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد القَاضِي ابْن أبي
стр. 346
مجلى العباسي الْمَالِكِي المغربي التجموعتي السجلماسي الْحَافِظ الإِمَام الْمُحدث الْعَالم من بَيت الرياسة وَالْعلم بسجلماسة وَكَانَ عَلامَة نحويا فَقِيها مقريا شَائِع الصيت ذائع الذّكر توفّي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف وَكَانَ لَهُ ثَلَاث أخوة مُحَمَّد وَعبد الْعَزِيز وَعبد الْملك وَكلهمْ عُلَمَاء أجلاء وأبوهم مُحَمَّد عَالم مُعْتَقد مَعْدُود من أَوْلِيَاء زَمَانه مَاتَ مُحَمَّد سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَعبد الْعَزِيز مَاتَ سنة ثَمَان وَخمسين وَألف وَعبد المملك وَحج وجازر وَقَرَأَ فِي الْحَرَمَيْنِ الحَدِيث والعلوم وَهُوَ الْآن قَاضِي سجلماسة ولعَبْد الْعَزِيز ولد اسْمه أَحْمد عَلامَة كَبِير متبحر فِي الْعُلُوم ثَبت الرِّوَايَة قدم مصر وَحج وزار الْبَيْت الْمُقَدّس وَوجدت بِخَط صاحبنا الْفَاضِل الأديب إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان الجينيني أَن أَحْمد هَذَا أخبر حِين قدم الرملة مُتَوَجها لزيارة الْقُدس وَذَلِكَ نَهَار الثُّلَاثَاء سادس عشرى رَجَب سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف أَنه قَرَأَ كتابا بِمصْر جَاءَ من ملك سنار يُخَاطب بِهِ القَاضِي عمر السُّوسِي المغربي قَاضِي الْمَالِكِيَّة بِمصْر يتَضَمَّن بعد السَّلَام عَلَيْهِ آيَة كبرى وَهِي أَنه يَوْم الِاثْنَيْنِ بعد الْعَصْر الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف سقط حجر ياقوت من السَّمَاء وَوجد يفه مَكْتُوب بقلم الْقُدْرَة لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ثمَّ بعد ذَلِك بأيام وَقع حجر آخر صَغِير مَكْتُوب عَلَيْهِ لَا إِلَه إِلَّا الله وَذكر أَنه أرسل الْحجر السَّاقِط أَولا إِلَى الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة على الْحَال بهَا أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام والتحية انْتهى وَسَأَلت بعد ذَلِك صاحبنا الجينيني عَن هَذَا الْخَبَر فَقَالَ حَدثنَا بِهِ جمَاعَة أَنا فضلاء الرملة وَأَخْبرنِي أَنه أَخذ عَنهُ بهَا جمع من فضلائها وَسَأَلته عَن خَبره بعد ذَلِك فَقَالَ انْقَطع عَنَّا وَالظَّاهِر أَنه فِي الْأَحْيَاء الْآن والتجموعتي بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة وَسُكُون الْجِيم وَضم الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَبعدهَا تَاء مثناة سَاكِنة نِسْبَة إِلَى بَلْدَة بالسوس والسجلماسي بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم وَسُكُون اللَّام وَفتح الْمِيم وَألف وسين ثَانِيَة وهاء نِسْبَة إِلَى ولَايَة مَشْهُورَة وَهِي مَدِينَة تلِي الخضراء الفاصلة بَين بِلَاد الْمغرب وبلاد السودَان وَلَيْسَ فِي جنوبها وغربها عمَارَة وَالله تَعَالَى أعلم
الشريف أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَارِث بن الْحُسَيْن بن أبي نمى السَّيِّد الشريف الْأَفْضَل كَانَ آيَة فِي الْعقل والذكاء مرجعاً للأشراف الحسنيين مُلُوك مَكَّة فِي جَمِيع امورهم وَإِذا حكم بِأَمْر لَا يقدر أحد أَن يسْتَدرك عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئا لحسن أَحْكَامه وَلما وَقع بَين الشريف سعد بن زيد وين حسن باشا صَاحب جدة مَا وَقع وَذهب للمدينة ولي
стр. 347
صَاحب التَّرْجَمَة وَلم يتم لَهُ ذَلِك وَكَانَت وَفَاته تَاسِع رَجَب سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف بِمَكَّة وَدفن فِي قبه جده الشريف حسن إِلَى جنب تابوته مِمَّا يَلِي الشرق وَوضع عَلَيْهِ تَابُوت عَظِيم وَخلف أَوْلَاده أمجادا أكبرهم السَّيِّد مُحَمَّد كريم مَشْهُور وشجاع مخبور لَيْسَ فِي عصره أحد يماثله من الْأَشْرَاف جودا وسخاء وَأَخُوهُ السَّيِّد نَاصِر أحد دهاة الْأَشْرَاف وعقلائهم المرجوع إِلَيْهِم فِي الْمُهِمَّات كَانَ الشريف بَرَكَات يَقُول لَا أَخَاف من أحد من الْأَشْرَاف مَا أَخَاف من نَاصِر
الْأَمِير أَحْمد بن مُحَمَّد معصوب بن نصير الدّين بن إِبْرَاهِيم الملقب نظام الدّين الْأَمِير بن الْأَمِير الصَّدْر العالي الْقدر وَالِد السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم صَاحب السلافة ذكره ابْنه فِي سلافته فَقَالَ فِي تَرْجَمته ناشر علم وَعلم وشاهر سيف وقلم وراقي رَبًّا نجد وسامي وَعلا ومجد إِمَام ابْن إِمَام وَهَمَّام ابْن همام وَكفى شَاهدا على هَذَا المرام قَول بعض أجداده الْكِرَام لَيْسَ فِي نسبنا إِلَّا ذُو فضل وحلم حَتَّى نقف على بَاب مَدِينَة الْعلم وَهَذَا فرع طابق أَصله ومبرز أحرز فَصله طلع فِي الدَّهْر غره فَمَلَأ الْعُيُون قره فَأَلْقَت إِلَيْهِ الرياسة قيادها وأقامت بِهِ السِّيَادَة منآدها فَأصْبح ومرتبته الْعليا وَعَبده الدَّهْر وَأمته الدُّنْيَا إِلَى علم بهرت حجَّته كالبحر زخرت لجته قذف درا فكشف ضرا وناهيك بمعرق أصل ذِي منطق فصل وَأَنا مَتى نعت حَسبه فَإِنَّمَا أَنعَت مجدي وَمَتى وصفت نسبه فَإِنَّمَا أصف جدي بيد أَنِّي أَقُول وَإِن دغم كل أبي
(هَذَا أبي حِين يعزي سيدلاب ... هَيْهَات مَا للورى يَا دهر مثل أبي)
مولده ومنشأه الطَّائِف بالحجاز والقطر الَّذِي هُوَ موطن الشّرف على الْحَقِيقَة وَسَوَاء الْمجَاز سنة سبع وَعشْرين وَألف وربى فِي حجر الْحجر وغذي بدرزمزم فغرد طَائِر يمنه على فتن سعده وزمزم وَلما ضَاعَ أرج ذكره نشر أَو تهلل محيا الْوُجُود بفضله بشرا وغار صيته وأنجد وأذعن لمجده كل همام أمجد عشقت أَوْصَافه الاسماع وتطابع على نبله العيان وَالسَّمَاع فاستهداه مَوْلَانَا السُّلْطَان إِلَى حَضرته الشَّرِيفَة واستدعاه إِلَى سدته المنيفة فَدخل إِلَى الديار الْهِنْدِيَّة عَام خمس وَخمسين وَألف فأملكه من عَامه ابْنَته وَأَسْكَنَهُ من انعامه جنته وَهُنَاكَ امْتَدَّ فِي الدُّنْيَا بَاعه وعمرت بإقباله رباعه وقصده الغادي والرائح وخدمته القرائح بالمدائح فَهُوَ متحلى من محتده الطَّاهِر ومفخره الباهر الظَّاهِر بِفضل تثني عَلَيْهِ الخناصر وتثنى عَلَيْهِ العناصر وأدب تشهد بِهِ الْأَعْلَام ونستمد مِنْهُ السّنة الأقلام قلت وَقد ذكر فِي كِتَابه
стр. 348
الْمَذْكُور كثيرا من مدائح الشُّعَرَاء فِيهِ وَجُمْلَة كَافِيَة من شعره وقطعا بديعة من نثره وَمرَاده بالسلطان الَّذِي استدعاه إِلَيْهِ وزوجه ابْنَته وضمه إِلَيْهِ شاهنشاه عبد الله بن مُحَمَّد قصب شاه ملك حيدر آباد وَمَا والاها من الْبِلَاد وَقد انْتَهَت إِلَيْهِ بِسَبَب تقربه إِلَى السُّلْطَان بِتِلْكَ الأَرْض الرياسة وقصده النَّاس من أقْصَى الْبِلَاد النائية وساس أحسن سياسة حَتَّى أدْرك السُّلْطَان أَجله وظنه أَن يكون ملكا بعده فَم ينم لَهُ مَا أمله وَتَوَلَّى الْملك بعده الميرز أَبُو الْحسن من الْعَجم المقربين إِلَى الْملك الْمَزْبُور فِي قصَّة يطول شرحها فَقبض عَلَيْهِ وسجنه إِلَى أَن وفاه أَجله وَلَقي مَا عمله وَمن شعره قَوْله
(مثير غرام المستهام ووجده ... وميض سرى من غور سلع ونجده)
(وَبَات بأعلا الرقمتين التهابه ... فظل كئيبا من تذكره عَهده)
(يحن إِلَى نَحْو اللوى وطويلع ... وبانات نجد والحجاز ورنده)
(وضال بِذَات الضال مرح غصونه ... تفيأه طبي يميس بِبرْدِهِ)
(يغار إِذا مَا قست بالبدر وَجهه ... ويغضب إِن شبهت وردا نجده)
(كثير التجني ذُو قوام مهفهف ... صبيح الْمحيا لَيْسَ يُوفي بوعده)
(مليح تسامى بالملاحة مُفردا ... كشمس الضُّحَى والبدر فِي برج سعده)
(ثناياه برق والصباح جَبينه ... وَأما الثريا قد أنيطت بعقده)
(فَمن وَصله سُكْنى الْجنان وطيبها ... وَلَكِن لظى النيرَان من نَار صده)
(ترا آي لنا بالجيد كالظبي لفتة ... أُسَارَى الْهوى فِي حكمه بعض جنده)
(روى حسنه أهل الغرام وَكلهمْ ... يتيه إِذا مَا شاهدوا ليل جعده)
(يعنعن علم السحر هاروت لحظه ... ويروي عَن الزَّمَان كاعب نهده)
(مضاء اليمانيات دون لحاظه ... وَفعل الردينيات من دون قده)
(إِذا مَا نضا عَن وَجهه بعض حجبه ... صبا كل ذِي نسك ملازم زهده)
(وَأبْدى محيا قاصرا عَنهُ كل من ... أَرَادَ لَهُ نعتا بتوصيف حَده)
(هُوَ الْحسن بل حسن الورى مِنْهُ مجتدي ... وَكلهمْ يعزي لجوهر فَرده)
(وَمَا تفعل الراح العتيقه بعض مَا ... بمبسمه بالمحتسى صفو وده)
وَقَوله فِي مليح
(يَا جوهرا فَردا علا ... من أَيْن جَاءَك ذَا الْعرض)
اعتل طرفه
(وعلام طرفك ذَا الْمَرِيض ... أعله هَذَا الْمَرَض)
стр. 349
(عهدي بِهِ مِمَّا يُصِيب ... فَكيف صَار هُوَ الْغَرَض)
(هَا قلبِي المعمود نصب ... للتوائب يرتكض)
(فاجعله يَأْكُل المنى ... بَدَلا لما بك أَو عوض)
(فَاسْلَمْ مدى الْأَيَّام يَا ... ذَا الْحسن مَا برق ومض)
(فمذ اعتللت أَخا لَهَا ... فِي الطّرف طرفِي مَا غمض)
(أَنْت المُرَاد وَلَيْسَ لي ... فِي غير وصفك من غَرَض)
وَقَوله
(خلت خَال الخد فِي وجنته ... نفطة العنبر فِي جمر الغضا)
(دَامَت الأفراح لي مذ أَبْصرت ... مقلتي صبح محيا قد أضا)
(يتَمَنَّى الْقلب مِنْهُ لفتة ... وَبِهَذَا اللحظ للعين رضَا)
(جَاهِل رام سلوا عَنهُ إِذْ ... حظر الْوَصْل وأولاه النضا)
(هامت الْعين بِهِ لما رَأَتْ ... حسن وَجه حِين كُنَّا بالأضا)
وَقَوله
(سلوا بطن مرو والغميم وموزعا ... مَتى اصطافها ظِلِّي التقا وتربعا)
فِي الْغَزل
(وَهل حل من شرقيها أَرض عجلة ... وَقد جادها مزن فَسَأَلَ وأمرعا)
(سقى تِلْكَ من نوء السماكين حفل ... سحائب غيث مربعًا ثمَّ مربعًا)
(تظل الصِّبَا تحدو بهَا وَهِي نعم ... وتنزلها سهلا وحزنا وأجرعا)
(فَتلك مغان لَا تزَال تحلها ... مد ملجة السَّاقَيْن مهضومة المعا)
(ربيبة خدر الصون والترف الَّذِي ... يزِيد على بدر اللَّيَالِي تمنعا)
(تروت من الْحسن الْبَهِي خدودها ... وقامتها كالغصن حِين ترعرعا)
وَكتب إِلَى الشَّيْخ مُحَمَّد الشَّامي رقْعَة صورتهَا يَا مَوْلَانَا عمر الله بِالْفَضْلِ زَمَانك وأنار فِي الْعَالم برهانك سمحت للْعَبد قريحته فِي ريم هَذِه صفته بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(نراآي كالظبي خَائِف من حبائل ... يُشِير بِطرف ناعس مِنْهُ فاتر)
(وَقد ملئت عَيناهُ من سحب جفْنه ... كنرجس روض جاده وبل ماطر)
فَإِن رأى الْمولى يجيزهما ويجيرهما من النَّجس فَهُوَ المأمول من خصائل تِلْكَ النَّفس وَإِن رآهما من الغث فليدعهما كأمس وَلَعَلَّ الِاجْتِمَاع لكم فِي هَذَا الْيَوْم بعد الظّهْر وَقبل الْعَصْر لنحسو من كؤوس المحادثة مَا راق بعد الْعَصْر والمملوك كَانَ على جنَاح ركُوب بيد أَنه كتب هَذِه البطاقة وأرسلها إِلَى سوق أدبكم العامرة الَّتِي مَا برح إِلَيْهَا كل خير مجلوب
стр. 350
(فأسبل السّتْر صفحا أَن خلل ... تهتك بِهِ ستر أَعدَاء وحساد)
فَكتب إِلَه بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ بديهة
(ولرب ملتفت يَا جِيَاد المها ... نحوي وأيدي العيس تنفث سمها)
(لم يبك من ألم الْفِرَاق وَإِنَّمَا ... يسْقِي سيوف لحاظه ليسمها)
ثمَّ نظم المعني بِعَيْنِه فَقَالَ
(وَلَقَد يُشِير إِلَيّ عَن حدق المها ... والرعب يخْفق فِي حشاه الضامر)
(غشت نواظره الدُّمُوع كَأَنَّهَا ... مَاء ترقرق فِي متون بواتر)
(رقت شمائله ورق أديمه ... فتكاد نشر بِهِ عُيُون النَّاظر)
وَقَالَ أَحْمد الْجَوْهَر مُعَارضا
(وظبي غرير بالدلال محجب ... يرى أَن ستر الْعين فرض المحاجر)
(رماني بِطرف أسبل الدمع دونه ... لِئَلَّا أرى عَيْنَيْهِ من دون سَاتِر)
وَلما وقفت أدباء الْيمن على بَيْتِي النظام تجاروا فيهمَا بسوابق النظام فَقَالَ السَّيِّد حسن بن المطهر الجرموزي
(وريم فَلَا أصل المحاسن فَرعه ... تبدى كبدر فِي الدجى للنواظر)
(سباني بجفن أدعج ماج مَاؤُهُ ... فطرز شهب الدمع ليل البواتر)
وَقَالَ حسن بن عَليّ باعفيف
(وخشف عَلَيْهِ الْحسن أوقف نَفسه ... لَهُ نَاظر يحميه من كل نَاظر)
(نظرت إِلَيْهِ نَاظرا در دمعه ... فنظام فكري هام فِي در ناثر)
وَقَالَ الشَّيْخ عبد الله الزنْجِي
(وطرف لَهُ فعل السيوف البواتر ... يُصِيب بِهِ مستلئما دون حاسر)
(رمى ورنا فانهل بالدمع جفْنه ... كدر حواه سمط نظم الْجَوَاهِر)
وَقَالَ السَّيِّد عَليّ صَاحب السلافة
(وَللَّه ظَبْي كالهلال جَبينه ... رماني بِسَهْم من جفون فواتر)
(جرت بمآقيه الدُّمُوع كَأَنَّهَا ... سقاء فريد فِي شفار بواتر)
وللنظام غير ذَلِك مِمَّا رق وراق من الْأَشْعَار الفائقة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف بِمَدِينَة حيدر آباد
أَحْمد باشا بن مُحَمَّد باشا الْوَزير الْأَعْظَم الْمَعْرُوف بالفاضل أَحْمد باشا الكوبري الأَصْل
стр. 351
القسطنطيني المولد أحد وزراء الدولة العثمانية بل أوحدهم الَّذِي عزت بِهِ السلطنة وافتخرت الدولة وَكَانَ فِي وقته من مفاخره السامية وأفراده المتعالية وَبِه ظهر رونق الزَّمن وَعلا قدر الْفضل وَكَانَ عصره إِلَى أواسط مدَّته أحسن العصور وقته أَنْضَرُ الْأَوْقَات وَلم يكن فِي الوزراء من يحفظ أَمر الدّين وقانون الشَّرِيعَة مثله صعباً شَدِيدا فِي أُمُور الشَّرْع سهلاً فِي أُمُور الدُّنْيَا وَكَانَ حاذقاً مُدبر للْملك قَائِما بضبطه وَملك من نفائس الْكتب وعجائب الذَّخَائِر مَا لَا يدْخل تَحت الْحصْر وَلَا يضْبط بالاحصاء ولد بقسطنطينية وَنَشَأ بهَا واعتنى أَبوهُ بتهذيبه وأقرأه الْعُلُوم حَتَّى مهر وسمت همته نَحْو معالي الْأُمُور وسلك فِي بداية أمره طَرِيق المدرسين ثمَّ عدل إِلَى طَرِيق وَالِده فَتَوَلّى وَأَبوهُ فِي الصدارة الْعُظْمَى ولَايَة أَرض روم ايلي فظهرت كِفَايَته وحمدت طَرِيقَته ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى حُكُومَة الشَّام وأعطيها برتبة الوزارة وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وقدمها وَكَانَت أمورها مختلة النظام فأصلها وتقيد فِي أُمُور الْأَوْقَاف وأزال مَا بهَا من محدثات الْوَظَائِف وَغَيرهَا وَركب على أَوْلَاد معن وَبني شهَاب وَأقَام بالبقاع العزيزي أَيَّامًا حَتَّى أزالهم عَن بِلَادهمْ وقمع أهل الْفِتَن وَكَانَ قبل وَطْأَة قدمه دمشق ولغت بهَا أَيدي الْقَحْط حَتَّى عَمها وَبَلغت غرارة الْحِنْطَة فِي الثّمن إِلَى ثَمَانِينَ قرشا فنفع النَّاس فِي جلب الحبوبات من مصر وَأمر هُوَ بالبقاع بعمارة قاعة معظمة دَاخل درا الْإِمَارَة بِدِمَشْق فبنيت على أسلوب عَجِيب وَوضع غَرِيب ثمَّ طلب من الْبِقَاع إِلَى الرّوم فَسَار بالسرعة وعزل عَن حُكُومَة دمشق وجاءه أَمر حُكُومَة حلب وَهُوَ ذَاهِب فِي الطَّرِيق وَلم يدخلهَا وَبعد وُصُوله إِلَى قسطنطينية صَار قَائِما مقَام أَبِيه فِيهَا وَكَانَ السُّلْطَان إِذْ ذَاك بأدرنة وَأقَام أَيَّامًا قَليلَة ثمَّ طلب إِلَى أدرنة وَكَانَ وَالِده قد ابتدأه الْمَرَض فَلَمَّا وَصلهَا صَار قَائِما مقَامه فِي حَيَاته وَبعد أَيَّام قَليلَة توفّي وَالِده فَتَوَلّى مَكَانَهُ وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وأرخ بَعضهم تَوليته بقوله دولته نعْمَة الْإِلَه وسلك طَرِيقا فِي وزارته لم يسْبقهُ إِلَيْهَا أحد وَبلغ من الْأَحْكَام ونفوذ القَوْل مبلغا لَيْسَ فِيهِ مستزاد وَلم يبْق للنَّاس سوى التَّمَسُّك بعنايته ومراعاة حَاشِيَته وَكَانَ صائب الرَّأْي كَامِل الفراسة وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهِ من الفطنة أَنه جَاءَهُ يَوْمًا شخص بتوقيع فتفرس فِيهِ أَنه مَصْنُوع فَنَاوَلَهُ لأحد جماعته وَأمره بحفظه وَمضى على ذَلِك سِتّ سنوات فَجَاءَهُ يَوْمًا شخص آخر برقعة فَلَمَّا رَآهَا طلب التوقيع فجيء بِهِ فقابله على الرقعة ثمَّ سَأَلَ صَاحبهَا عَن كاتبها
стр. 352
فَأخْبرهُ بِهِ فَأرْسل إِلَيْهِ فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ أرَاهُ التوقيع وَقَالَ أَلَيْسَ هَذَا بخطك فاعترف بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كتبه فَأمر بِقطع يَمِينه وَعين لَهُ من بَيت المَال مَا يَكْفِيهِ فِي كل يَوْم وقصده الشُّعَرَاء من الْبِلَاد ومدحه جمَاعَة مِنْهُم وَالِدي المرحوم فَإِنَّهُ مدحه بِثَلَاث قصد أحداها الَّتِي أَولهَا
(طيف يمثله الغرام بفكره ... أرجا يحار بطيه وبنشره)
وَهِي قصيدة فائقة فِي بَابهَا وَكتب إِلَيْهِ رسائل عَجِيبَة الْإِنْشَاء وترجمه تَرْجَمَة استوعب الْمَدْح بِجَمِيعِ أفانينه فِيهَا وَكتب إِلَيْهِ الْأَمِير المنجكي فِي صدر رِسَالَة
(يَا سيد الوزراء دَعْوَة مقْعد ... محت الْحَوَادِث رسمه فَعَسَى عَسى)
(فَانْظُر إِلَيْهِ برأفة بل رَحْمَة ... يَكْفِيك من جرح الأسا ياما احتسى)
(قد كَانَ سحبان الزَّمَان فَضِيلَة ... قطعت علوفته فَأصْبح أخرسا)
وَمن الْغَزَوَات الَّتِي وَقعت أَيَّام وزارته وَعين إِلَيْهَا غَزْوَة إيوار عينه السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى فتحهَا فَسَار بِجَمِيعِ العساكر إِلَيْهَا وحاصرها وَوَقع بَينه وَبَين كفار المجر وقْعَة عَظِيمَة ومكروا بعسكره مَرَّات وخلصهم الله تَعَالَى بيمن تَدْبيره ثمَّ افتتحها فِي حادي عشري صفر سنة أَربع وَسبعين وَألف وَهدم مِمَّا يَليهَا قلعة تسمى بالقلعة الجديدة كَانَت الْكفَّار بنوها ليتحصنوا بهَا وَبَعْدَمَا قدم إِلَى مقرّ الدولة وَاسْتقر مُدَّة وَقد قويت شوكته وعظمت مهابته أَمر مخدومه بِالسَّفرِ إِلَى جَزِيرَة كريد لفتح بَلْدَة قندية الَّتِي كَانَت بَقِيَّة فِي هَذِه الجزيرة من بَين بلادها لم تفتح كَمَا شرحنا ذَلِك فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان إِبْرَاهِيم فوصلها فِي خَامِس ذِي الْقعدَة سنة سبع وَسبعين وَألف وَبنى بِالْقربِ مِنْهَا مَكَانا كَانَ متهدماً لتهيئة مهمات الْحصار ثمَّ نزلها بِمن مَعَه من العساكر وَكَانَ أَهلهَا حصنوها بأَشْيَاء لَا يُمكن حصرها وأضافوا لسورها سوراً آخر عمروه من دَاخل السُّور الْقَدِيم وَطَالَ الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ مُدَّة ثمَّ افتتحها صلحا فِي غرَّة جُمَادَى الأولى سنة ثَمَانِينَ وَألف ووردت البشائر إِلَى الْأَطْرَاف بالزينة وَكَثُرت تباشير النَّاس بِفَتْحِهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن أمرهَا كَانَ بلغ الْغَايَة وَطَالَ حَتَّى مل النَّاس من خَبَرهَا وَأَكْثَرت الشُّعَرَاء من التواريخ لهَذَا الْفَتْح وعملت الْقَصْد العجيبة حَتَّى رَأَيْت بعض الْفُضَلَاء أفرد الْأَشْعَار الَّتِي نظمت فِي ذَلِك وَفِي مدح الْوَزير صَاحب التَّرْجَمَة فبلغت شَيْئا كثيرا وَمن نوادرها التَّارِيخ اللَّفْظِيّ الْمَعْنَوِيّ لصاحبنا الشَّيْخ الْفَاضِل أَحْمد الصَّفَدِي وَهُوَ قَوْله فِي عَام ألف وَثَمَانِينَ عَام وَمن التهنئات
стр. 353
قصيدة الْعَلامَة الأديب الْمَشْهُور مصطفى بن عُثْمَان البابي الْحلَبِي قَاضِي الْمَدِينَة المنورة الْآتِي ذكره وَهِي من جيد شعره ومطلعها
(لَك الله من ندب أذاهم صمما ... وطلاع أنجاد إِذا أم تمما)
(نقاب بأعقاب الْأُمُور مُحدث ... كَأَن لَهُ مِنْهَا عَلَيْهَا مسترجما)
(إِذا عرضت فِي جَانب الْملك زيغة ... أَرَاهَا قذى الأجفان أَو تتقوما)
(وَقَامَ بأعباء الوزارة ناصحاً ... ووطأ فاستقصى وشاد فأحكما)
(من النَّضر الغر الألى تركت لَهُم ... عزائمهم فِي غرَّة الدَّهْر مبسما)
(إِذا ظمئت بيض الظبا فِي أكفهم ... تحاشوا لَهَا وردا سوى مصدر الظما)
(لقد قرنوا بالنجدة الْعلم والتقى ... فقد نظموا طعمين شَهدا وعلقما)
(فَفِي الجدب يستسقى بفضلهم احيا ... وَفِي الروع يستسقى ببيضهم الدما)
(فيا أَسد الله الَّذِي إِن يحرم الفريسة ... أقراهم من الْأسد مطعما)
(لِيَهنك فتح بَشرته سعوده ... بإقبال عز يمْلَأ الأَرْض والسما)
(رَأَيْت بِهِ الْإِسْلَام يلتام شعبه ... وَقد كربت أَرْكَانه أَن تهدما)
(فعلت بِجَيْش الْكفْر مَا أَنْت فَاعل ... وجرعته كأساً من الذل علقما)
(فأخرت حَتَّى لم يجد مُتَأَخِّرًا ... وأقدمت حَتَّى لم يجد مُتَقَدما)
(وَمَا اخْتَار موج الْبَحْر إِلَّا لِأَنَّهُ ... رأى موجه من موج سَيْفك أسلما)
(فطوقتها طوق الْحَمَامَة نعْمَة ... وَإِنَّا لنَرْجُو فَوْقهَا لَك أنعما)
(إِلَى أَن تعود الأَرْض بالأمن كعبة ... حَرَامًا وكل الدَّهْر شهرا محرما)
وَبَعْدَمَا مهد أمورها وَبنى مَا كَانَ تهدم أَيَّام الْمُحَاربَة من مساكنها رَجَعَ إِلَى مقرّ حكومته وَكَانَ السُّلْطَان إِذْ ذَاك بأدرنة فَأَقَامَ مُدَّة ثمَّ عينه السُّلْطَان إِلَى محاربة الْقَوْم المعروفين بالليه من النَّصَارَى فَسَار فِي جمع عَظِيم لم يشْهد مثله وافتتح قلعة قمنيجة فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَعَاد إِلَى أدرنة وَأخذ فِي نقض الْأُمُور وإبرامها على الْوَجْه الحميد والرأي السديد ثمَّ تَغَيَّرت أطواره وحببت إِلَيْهِ الْعُزْلَة فَانْقَطع عَن الدِّيوَان وتعاطى الْمصَالح واشتغل باتخاذ الندماء وَكَانَ مَجْلِسه كُله فَوَائِد وَلم ينْسب إِلَيْهِ مَا يشينه سوى بعض التشاغل عَن أُمُور الرّعية وَإِلَّا فقد يُقَال إِن جَمِيع مزايا الْحسن جمعت فِيهِ فحاز من كل وصف كَمَاله وغايته ثمَّ رَحل السُّلْطَان من أدرنة إِلَى قسطنطينية وَذَلِكَ فِي أواسط الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف فَرَحل هُوَ مَعَه فَعِنْدَ وُصُوله ابتدأه
стр. 354
الْمَرَض وَكَانَ ابْتِدَاء مَرضه اليرقان الْأسود وعولج مِقْدَار سِتَّة أشهر فَلم يفد العلاج وَاشْتَدَّ بِهِ إِلَى أَن سَافر السُّلْطَان إِلَى أدرنة فِي شعْبَان من هَذِه السّنة وَخرج هُوَ على أَثَره من الْبَحْر فِي مركب إِلَى بلد سلورية وَوصل من الْبر إِلَى نواحي جور لي فأدركه أَجله فِي قَرْيَة بِالْقربِ مِنْهَا وَغسل بهَا وَأتوا بجنازته إِلَى قسطنطينية فَدفن مِمَّا يَلِي وَالِده بتربته الَّتِي كَانَ أَنْشَأَهَا بدرب الدِّيوَان وَصلى عَلَيْهِ مَكَان دَفنه وَذَلِكَ نَهَار الْأَرْبَعَاء سَابِع عشري شعْبَان سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَكَانَ قبل وَفَاته وقف كتبه ووضعها فِي خزانَة بالتربة الْمَذْكُورَة ورتب لَهَا أَرْبَعَة حفاظ وفيهَا من نفائس الْكتب مَا لَا يُوجد فِي مَكَان وَأَخْبرنِي بعض من أَثِق بِهِ أَنَّهَا خمنت بِأَرْبَعِينَ ألف قِرْش رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَمِين الدّين بن شهَاب بن أبي الْفضل بن عمر بن أَحْمد بن شرف الدّين الْمَعْرُوف بالداراني الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الْوَاعِظ الشَّافِعِي الْمَذْهَب كَانَ فَاضلا دينا خيرا لَهُ صَلَاح وَانْقِطَاع إِلَى الله تَعَالَى وَفِيه سَلامَة طبع وزهد وقناعة قَرَأَ على وَالِده وعَلى الشَّيْخ مُحَمَّد الأسطواني وَأخذ عَن مُحَمَّد البلباني وَمُحَمّد الخباز البطنيني وَعَن الْأُسْتَاذ الْكَبِير إِبْرَاهِيم بن حسن الكوراني نزيل الْمَدِينَة ودرس بِأحد بقع الْمدرسَة العمرية وَكَانَ يعظ بالجامع الْأمَوِي ويدرس بِهِ الْفِقْه وانتفع بِهِ جمَاعَة وَأَنا الْفَقِير من معتقديه ومحبيه فَإِنَّهُ كَانَ فِي جَمِيع أَحْوَاله على حد سَوَاء من الاسْتقَامَة وَالصَّلَاح وَكَانَ النَّاس يعظمونه وَيطْلبُونَ مِنْهُ الدُّعَاء وَهُوَ مَظَنَّة عَظِيمَة للدُّعَاء الصَّالح بل أرى ذَلِك فِيهِ عيَانًا وَكَانَ كثير الْأَمْرَاض نحيف الْبدن قانعاً بضنك الْعَيْش صبوراً وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ خير مَحْض من فرقه إِلَى قدمه وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمسين وَألف تَقْرِيبًا وَتُوفِّي لَيْلَة الْجُمُعَة ثَانِي عشر صفر سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف وَكَانَت جنَازَته حافلة وَدفن بعد صَلَاة الْجُمُعَة بمقبرة بَاب الصَّغِير والداراني بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة ثمَّ ألف وَرَاء نِسْبَة إِلَى داريا بياء مُشَدّدَة قَرْيَة عَظِيمَة بِدِمَشْق وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا على داراني من شواذ النّسَب لِأَنَّهُ على غير قِيَاس إِذْ الْقيَاس أَن تحذف الْألف الْأَخِيرَة لوقوعها سادسة كَمَا قَالُوا فِي قبعثر فبعثرى ثمَّ تحذف الْيَاء الأولى وتقلب الثَّانِيَة واواً كَمَا قَالُوا قصوى نِسْبَة إِلَى قصي فَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال فِي النِّسْبَة إِلَيْهَا داروي وَالله تَعَالَى أعلم
الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الصَّفَدِي
стр. 355
الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي ثمَّ الْحَنَفِيّ إِمَام الدرويشية صاحبنا الشَّيْخ الْأَجَل الأديب الْفَاضِل اللبيب الشَّاعِر كَانَ فِيمَا تحققته من حَاله كثير الْفضل غَايَة فِي حسن الْأَخْلَاق سخي الطَّبْع لطيف المعاشرة ظريف النُّكْتَة والنادرة حمولاً صَدُوقًا صحبته من سنة أَربع وَسبعين إِلَى أَن مَاتَ فَمَا أنْكرت شَيْئا من أخلاقه وَكَانَ كثير الشّعْر ندي الْقَلَم وشعره عَلَيْهِ مسحة من الطلاوة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِمَّن يُنَوّه بِذكرِهِ وَلَا يهمل إِيرَاد شعره ولد بصفد وَقدم إِلَى دمشق وَمَا جَاوز الْعشْرين بِكَثِير فَأَقَامَ بِجَامِع المرادية مشتغلا بِعلم القراآت وَنسخ الْكتب وَكتب كثيرا ثمَّ قَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم الشَّيْخ مَنْصُور السطوحي وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر الصفوري واستجازهما فَأَجَازَهُ بمالهما وَحج فَأخذ عَن عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ ثمَّ تقلبت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أَن صَار شَاهدا بالمحكمة الْكُبْرَى ومحكمة الْبَاب ثمَّ ترك وَصَارَ إِمَامًا بِجَامِع المرحوم درويش باشا وخطيبا بِجَامِع الأغا وسافر إِلَى الرّوم مَرَّات ونال جِهَات ومعاليم ودرس بالعمرية وَوعظ بالجامع فِي يَوْم الاربعاء وَكَانَ يُقيم أَكثر أوقاته بالخلوة بِجَامِع الدرويشية يدرس فِيهَا القراآت والْحَدِيث والعقائد وَالْفِقْه وَالْأَدب وَله من التآليف منظومة فِي العقائد وَكتاب جمع فِيهِ ألف حَدِيث رتبها على حُرُوف المعجم وَجمع من شعره ديوانا فَسرق ثمَّ جمع آخر أَكْثَره من شعره المستجد بعد ذَلِك وظفر فِي مسوداته بِبَعْض الْمَسْرُوق فألحقه وَكنت فِي بعض الْأَحَايِين أداعبه إِذا قَرَأت لَهُ شعرًا من الدِّيوَان الْمَذْكُور فَأَقُول لَهُ أَظن هَذَا من الشّعْر الْمَسْرُوق فيفطن للغرض فيبتسم وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَن الشَّيْخ مصطفى بن سعد الدّين كَانَ دعاءه وَشَيخنَا الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ النابلسي وَعين يَوْمًا للدعوة ثمَّ عرض لَهُ مَانع فَأرْسل يعْتَذر إِلَيْهِمَا وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَلَاث وَسبعين فأرخ شَيخنَا تبطيله الدعْوَة الشَّيْخ قلب وتوارد مَعَه صَاحب التَّرْجَمَة مؤرخاً بقوله قلب الشَّيْخ وَكنت كثيرا مَا استنشده التاريخين وَأَقُول لَهُ أرى الشَّيْخ قلب الشَّيْخ قلب وَمن مستظرفاته مَا كتبه إِلَى شَيخنَا النابلسي الْمَذْكُور يستدعيه إِلَى روض وأرخ الدعْوَة بقوله
(مَجْلِسنَا عبد الْغَنِيّ نزهة ... لناظر خَال عَن الْخَوْض)
(فشرفونا واحضروا عندنَا ... فَنحْن فِي التَّارِيخ فِي روض)
وَوَقع بيني وَبَينه مخاطبات نظماً ونثراً كَثِيرَة فَمن ذَلِك مَا كتبه إِلَيّ وَأَنا بالروم قَوْله
(على الحبر الْأَجَل الْمُسْتَقيم ... طراز الْجُود ذِي الْفضل العميم)
следующие страницы →