← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ورحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن النَّجْم الغيطي وَغَيره وَكَانَ يعرف الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا وَله شعر أَكْثَره منحول من أشعار الْمُتَقَدِّمين مَعَ تَغْيِير يسير بِمَا أخل بِالْوَزْنِ وَكَانَ لَهُ بقْعَة بالجامع الْأمَوِي وَولي تدريس الأتابكيه عَن الْمُحدث الْكَبِير مُحَمَّد بن دَاوُد الْمَقْدِسِي نزيل دمشق الْآتِي ذكره فِي حَيَاته ثمَّ أُعِيدَت إِلَى الدَّاودِيّ ودرس بالعادلية الْكُبْرَى بطرِيق الْفَرَاغ من حسن البوريني لما درس بِالْمَدْرَسَةِ الناصرية الجوانية وخطب مُدَّة طَوِيلَة بِجَامِع سيبائي خَارج دمشق بِقرب بَاب الْجَابِيَة وَكَانَ يعسر عَلَيْهِ تأدية الْخطْبَة ويطيل فِيهَا وَكَانَ فِيهِ دعابة ومزاح ويغلب عَلَيْهِ التغفل قَالَ النَّجْم فِي ذيله قَرَأت بِخَطِّهِ نقلا عَن خطّ وَالِده أَن مولده لَيْلَة السبت خَامِس عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة أَربع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ختام ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان بعد الْألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير قبالة الْمدرسَة الصابوينه الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الأحدب الزبداني الأَصْل الْمُحدث الفرضي الشَّافِعِي الْمَذْهَب الرحلة المعمر نزيل صالحية دمشق قدم دمشق وَنزل بصالحيتها وَأخذ الْفَرَائِض والحساب عَن الْعَلامَة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم النجدي الَّذِي كَانَ مُقيما بِالْمَدْرَسَةِ العمرية بصالحية دمشق وَكَانَ يلْحق بِابْن الهائم فِي هذَيْن الفنين وَأخذ الحَدِيث عَن الْبَدْر الْغَزِّي وَالشَّمْس مُحَمَّد بن طولون الْحَنَفِيّ إِمَام السليمية والشرف مُوسَى الحجاوي الْحَنْبَلِيّ والشهاب أَحْمد الطَّيِّبِيّ وَالشَّيْخ مَنْصُور بن إِبْرَاهِيم بن محب الدّين والبرهان النسيلي الشَّافِعِي والشهاب أَحْمد بن حجر الْمَكِّيّ السَّعْدِيّ وَصَارَ معلما للأطفال فِي مكتب قبالة الْمدرسَة العمرية ثمَّ لَازم آخر أمره السليمية يقرى النَّاس فِي الْفُنُون وانتفع بِهِ خلق كثير من أَجلهم الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَيُّوب بن أَحْمد الخلوتي الصَّالِحِي والعلامة عَليّ بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بقبردي وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع لبَعض العصريين أَنه كَانَ ينظم الشّعْر وَأنْشد لَهُ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما (يَا سادتي أهل الوفا ... من عزكم أَرْجُو وفاه) (إِن غبت عَنْكُم سَاعَة ... عدمت نَفسِي والحياة) وَكَانَت وَفَاته سنة عشرَة بعد الْألف هَكَذَا رَأَيْته فِي تَارِيخ البوريني ثمَّ راجعت ذيل النَّجْم فرأيته ذكر أَن وَفَاته كَانَت فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف وترجح عِنْدِي هَذَا أَولا ثمَّ رَأَيْت بعض تراجم بِخَط الشَّيْخ مُحَمَّد المرزناتي الصَّالِحِي الأدهمي وَهُوَ من معاصري ابْن الأحدب ذكر أَن وَفَاته كَانَت نَهَار الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر شهر رَجَب سنة

стр. 37

عشرَة بعد الْألف وَذكر يَعْنِي المترجم أَن وِلَادَته فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَتِسْعمِائَة والزبداني بِفَتْح الزَّاي وَالْمُوَحَّدَة وَالدَّال الْمُهْملَة ثمَّ ألف بعد هانون وياء نِسْبَة إِلَى نَاحيَة من نواحي دمشق سميت باسم أحد قراها وَمِنْهَا خرج صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ أَهله بهَا من مشاهير تِلْكَ الدائرة وَهَذِه النَّاحِيَة مَشْهُورَة بِطيب الْهَوَاء والتربة مِنْهَا يجلب التفاح الزبداني وَمن أَمْثَال المولدين من عَاشر الزبداني فاحت عَلَيْهِ روائحه يعنون تفاحها أَو أَهلهَا وَالْإِضَافَة لأدنى مُلَابسَة وَالله تَعَالَى أعلم الأديب إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن مشعل العبدني السالمي الأديب الشَّاعِر برهَان الدّين الْمَكِّيّ كَانَ شَاعِرًا ماهرا حسن النّظم لطيف الطَّبْع رَقِيق الجلباب لَهُ القصائد الطَّوِيلَة يمتدح بهَا الشريف حسن بن أبي نمى شرِيف مَكَّة وَغَيره من الْأَشْرَاف الحسنيين وَغَيرهم ورزق قبولا وَمن شعره قَوْله فِي النسيب (كم مهجة بالغرام منسبيه ... وَمَا لمن يقتل الغرام ديه) (فليحذر الْحبّ كل محترش ... بِهِ فَفِيهِ الحتوف منطويه) (وَفِي رَبًّا شعب عَامر رشأ ... لَهُ عُيُون بِالسحرِ ممتليه) (فِي حسنه وَالْجمال منتهياً ... وعشقتي فِيهِ غير منتهيه) (كم شمس حسن عَلَيْهِ مشرقة ... مِنْهَا بدور الْجمال مختفيه) (إِذا بدا مُقبلا ولاح ليه ... جعلت مِنْهُ الجبين قبلتيه) (مَا قلت فِيهِ انتهب صبابتيه ... إِلَّا وعادت إِلَى مبتديه) (لي مهجة غرها بغرته ... آهاله من صياد غرتيه) (وَمَا هَدَانِي بصبح طلعته ... إِلَّا بلَيْل الشُّعُور ضلنيه) (فحبذا ذَلِك الضلال بِهِ ... لمهجة بالضلال مهتديه) (أهم بالإنثناء عَنهُ إِلَى ... أَن تبدلي معطفاه منثنيه) (فيرج الوجد لي بأجمعه ... أضلّ فِي صبوتي وحيرتيه) (وأغيد ذبت من محبته ... وَنَفسه بالجمال ملتهية) (محسن الْخلق أحور ترف ... خلقته بالكمال مستويه) (عيونه بالحلى مكحلة ... وذاته بالجمال مكتسيه) (قد اغتني بالبها وروحي عَن ... وصاله الحلو غير مغتنيه) (لِلْحسنِ فِي وجنتيه كل حلا ... مَاء ونار أحار فكرتيه)

стр. 38

(فَلم أنل مَاء ورد وجنته ... وَمن لظاها حشاي ملتظيه) (لَا تعجبوا إِن فنيت فِيهِ الْهوى ... فذاته بالغرام مقتضيه) (ووجنة بالبهاء زاهرة ... بنرجس المقلتين محتمية) (وَرب خدر طرقت بيضته ... وَاللَّيْل ظلماه غير منجلية) (وحولها من حماتها أَسد ... على اضطرام الحروب مجترية) (فانتبهت من لذيذ نومتها ... تَقول من ذَا يحل حوزتيه) (فَقلت صب أذبت مهجته ... بالْحسنِ يَا بغيتي ومنيتيه) (قَالَت لقد رمت مطلبا خطرا ... من دونه الْمَوْت يَا متيميه) (أما رَأَيْت الْأسود رابضة ... أما رَأَيْت السوف منتصيه) (فَقلت إِن الْمُحب مهجته ... بِالْمَوْتِ فِيمَن يحب مرتضيه) (وحبذا يَا ابْنة الْكِرَام إِذا ... بلغت فِي منيتي منيتيه) (فيا حَيَاة النُّفُوس إِنِّي من ... أعشق بالغانيات ميتتيه) (فَقَالَت أَهلا ومرحبا بفتى ... يعشق للْمَوْت فِي محبتيه) (وأرشفتني رحيق ريقتها ... وَالنَّفس مني لذاك مشتهية) (فرحت نشوان من مقبلها ... وريقها مَا ألذ سكرتيه) (وَفِي ثنايا نقي مبسمها ... شهد عَلَيْهِ النُّفُوس مجتويه) (وَمَا أجتني الشهد قطّ من برد ... غَيْرِي فيا مَا ألذ جنيتيه) (فَعِنْدَ ذَا أَنْعَمت وَمَا بخلت ... بوصلها وَهِي غير مستحية) وَله هَذِه الأبيات وَهِي من أَجود شعره (لَا أرق الله من بِالسقمِ أرقني ... وَلَا شفى السقم لحظ مِنْهُ أسقمني) (وَلَا طفا جمر خد مِنْهُ ملتهبا ... وَإِن يكن بالجفا والصد أحرقني) (وَزَاد فِي ضيق خصر مِنْهُ ضقت بِي ... ذرعا وأنحله إِذْ كَانَ أنحلني) (وَلَا عدا اللعس هاتيك الشفاه لمى ... وَإِن حمى رشفها عني وأعطشني) (وَلَا اختفت من ثناياه بوارقها ... وَإِن بَكَيْت لَهَا بالعارض الهتن) (وَشد أقواس تِلْكَ الحاجبين وَإِن ... غَدَتْ بنبل الْعُيُون السود ترشقني) (وَلم تزل شمس ذَاك الْحسن مشرقة ... فِي وَجهه لَو بدمع الْعين شرقني) (ودام أهيف ذَاك الْقد فِي ميد ... وَلَو أطار الحشا إِذْ صَار كالغصن)

стр. 39

(وضاعف الله ذَاك الْحسن أجمعه ... وَلَو رماني بِضعْف الضّر فِي بدني) (ابقاه فِي دولة بالْحسنِ زاهرة ... وَلَو جميل أصطباري عَن لقاه فني) (وَزَاد ذَاك الْمحيا بهجة وسنا ... وَإِن حمى عَن جفوني لَذَّة ألوسن) (يَا من جَمِيع مَعَانِيه فتنت بهَا ... لَا أَحْمد الله مَا تبدي من الْفِتَن) (أحسن بِوَجْهِك فالإحسان أجمعه ... يَلِيق لَا غَيره من وَجهك الْحسن) وَله قَوْله (شمس الطلا بَدْرِي غَدا ... لم يَصح من تعليلها) (فالراح قتلة قاتلي ... وَأَنا قَتِيل قتيلها) وَمثله قَول مُحَمَّد الْبونِي الْمَكِّيّ وسبكه فِي قالب آخر وأجاد (يالقومي إِنِّي قَتِيل ببدر ... هُوَ أضحى قَتِيل شمس الْعقار) (علم الله أَن قَتْلَى حرَام ... فاشغلنه بهَا لتاخذ ثاري) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بِالطَّائِف فِي سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَقد جَاوز السّبْعين رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم جعمان حد إِبْرَاهِيم الْمُقدم ذكره اليمني مفتي زبيد على مَذْهَب الشَّافِعِي كَانَ على جَانب عَظِيم من نشر الْعلم والتدريس وإكرام الدرسة والوافدين وَكَانَ حَافظ للْمَذْهَب مُحدثا نقادا يكَاد يتوقد ذكاء وَكَانَت إِلَيْهِ رياسة مَدِينَة زبيد وَكَانَ مسموع الْكَلِمَة مَقْبُول الشَّفَاعَة عديم النظير فِي زَمَانه أَخذ عَن شُيُوخ كثيرين وَعنهُ السَّيِّد أَبُو بكر بن أبي الْقَاسِم الأهدل وَأَخُوهُ سُلَيْمَان وَمُحَمّد بن عمر حشيبير وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن الطَّاهِر بن بَحر والفقيه مُحَمَّد بن مُحَمَّد الطوى وَكم من نجباء انتفعوا بِهِ وَكَانَ هُوَ الْعُمْدَة فِي عصره فِي الْفَتْوَى بزبيد والمعول عَلَيْهِ فِي حل المشكلات وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب سِهَام وبموته حصل النَّقْص بِمَدِينَة زبيد وَخرب أَكْثَرهَا الأديب إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي الْمَعْرُوف بالأكرمي الأديب الشَّاعِر الْمَشْهُور فَرد وقته فِي رقة الْكَلَام وجزالته وعذوبة اللَّفْظ وسهولته ذكره البديعي فِي ذكرى حبيب وَقَالَ فِي وَصفه فَاضل كثير المزايا كريم الشيم والسجايا رَيَّان من مَاء الطلاقة نشوان من صهباء اللباقة لَهُ محاضرة تَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب كَأَنَّمَا اقتبس ألفاظها من ريق الْجنُوب وديوان شعره سَمَّاهُ مقَام إِبْرَاهِيم أَكْثَره فِي وصف المدامة والنديم وخمرياته تجْعَل الزَّاهِد عَاصِيا وغزلياته تصير العاطل

стр. 40

من الوجد حاليا وَقد أَكثر فِيهِ قَوْله آه فَسئلَ عَن السَّبَب فَقَالَ أَن إِبْرَاهِيم لَا واه قلت وَهُوَ مِمَّن أَخذ الْأَدَب عَن أبي الْمَعَالِي الطالوي وَعبد الْحق الْحِجَازِي وَعَلَيْهِمَا تخرج وَبِهِمَا برع وَهُوَ وآباؤه خدام بَاب الشَّيْخ الْأَكْبَر ﵁ وكل مَا هُوَ فِيهِ من الرونق الَّذِي على شعره مستمد من رونق ذَلِك الْبَاب وغايته فِي الشّعْر قل من يضاهيه فِيهَا وَفِيمَا أوردهُ لَك من كَلَامه كِفَايَة عَن الإطراء فِي وَصفه فَمن جيده قَوْله من الخمريات (اسقنيها قبل ارْتِفَاع النَّهَار ... إِن طيب المدام فِي الأسحار) (هِيَ بكر فَاشْرَبْ ويومك بكر ... لم بشبه الْأَنَام بالأكدار) (الصبوح الصبوح فِي جدة الْيَوْم ... فَإِن الصبوح روح الْعقار) (يَا فدتك النُّفُوس هِيَ قَلِيل ... من نديم سهل الطباع مداري) مِنْهَا فِي وصف الرياض (ذَات أَرض توشمت بربيع ... ذهبت وشمها يَد الأزهار) (يستفيق المخمور إِن مر فِيهَا ... من هَوَاء صَاف وَمَاء جاري) مَأْخُوذ من قَول الْوَاو الدِّمَشْقِي (سقى الله لَيْلًا طَابَ إِذْ زار طيفه ... فأفنيته حَتَّى الصَّباح عنَاقًا) (بِطيب نسيم فِيهِ يستجلب الْكرَى ... فَلَو رقد المخمور فِيهَا أَفَاق) فِي الْبَيْت الثَّانِي مَا يُوهم التَّنَاقُض وَالْوَاو أَخذه من الْفَتْح بن خاقَان فِي وصف جَارِيَة لَهُ وَهُوَ مَا نقل ابْن حمدون قَالَ كَانَ الْفَتْح بن خاقَان يأنس بِي فَقَالَ لي مرّة شَعرت يَا أَبَا عبد الله أَنِّي انصرفت البارحة من مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا دخلت منزلي استقبلتني فُلَانَة فَلم أتمالك أَن أقبلها فَوجدت فِيمَا بَين شفتيها هَوَاء لَو رقد المخمور فِيهِ لصحا وَمِنْه قَول شرف الدّين القابوسي (قابلني لَيْلَة قبلته ... ظَبْيًا من الْبَدْر غَدا أملحا) (طيب نسيم بَين أَسْنَانه ... لَو رقد المخمور فِيهِ صَحا) وللأكرمي من خمرية (وَيَوْم فاختي الْجور طب ... يكَاد من الفضاره أَن يسيلا) (نعمت بِهِ وندماني أديب ... وقور فِي تعاطيه الشمولا) (قَطعنَا صبحه وَالظّهْر شربا ... وجاوزنا العشية والأصيلا)

стр. 41

(لَدَى روض عميم النبت يزهى ... يَا زهار زهت عرضا وطولاً) (يَدُور بِهِ سوار الرَّوْض طوراً ... كَمَا يتعانق الْخلّ الخليلاً) قَوْله وَيَوْم فاختى الجو يظْهر مَعْنَاهُ قَول ابْن المعتز (يَوْم كَانَ سماءه ... حجبت بأجنحة الفواخت) (وَكَانَ قطر نثاره ... در على الأغصان نابت) (يَوْم يطيب بِهِ الصبوح ... وَقد نأت عَنهُ الشوامت) (فاربع بِهِ وبمثله ... لأتأسفن لقوت فَائت) وَله أَبْيَات عَارض بهَا ابْن الْحجَّاج وَهِي قَوْله (كم جلونا فِي لَيْلَة الْفطر والأضحى ... على قاسيون بنت الدنان) (وشربنا فِي ليل النّصْف من شعْبَان ... صرفا وَفِي دجى رَمَضَان) (ونهار الْخَمِيس عصرا وَفِي الْجُمُعَة ... قبل الصَّلَاة بعد الآذان) (وَسَقَانَا ظَبْي غزير وغني ... ظَبْي أنس يسبيك بالألحان) (وسبحنا فِي غمرة اللَّهْو والقصف ... على طَاعَة الْهوى والأماني) (ولعمري لقد سئمنا من الغي ... وعفنا من كَثْرَة الْعِصْيَان) (لم نَدع مُدَّة الصِّبَا والتصابي ... من طَرِيق مهجورة أَو مَكَان) (قد قَطعنَا غي الشَّبَاب بِجَهْل ... فَاعْفُ عَنَّا يَا وَاسع الغفران) وقصيدة ابْن الْحجَّاج مطْلعهَا من دواعي الصبوح والمهرجان قَول فِيهَا (اسقياني بَين الدنان إِلَى أَن ... ترياني كبعض تِلْكَ الدنان) (اسقياني فَقدر رَأَيْت بعيني ... فِي قَرَار الْجَحِيم أَيْن مَكَاني) وَهِي مَشْهُورَة وَكلهَا على هَذَا النسق وَكَانَ الأكرمي كثير الْمُرَاجَعَة لشعر بن الْحجَّاج هَذَا وَفِيه يَقُول وَكتب بهَا على المجلدة الثَّالِثَة من ديوانه (قَالَ لي ناظم هَذَا ... ولسان الْحَال مبدي) (أَنا فِي شعري سَفِيه ... وخبيث متعدي) (كَيفَ لَا أَخبث وَالْحجاج ... حاوي الْخبث جدي) قَالَ وَكنت أَشك فِي هَذَا حَتَّى رَأَيْت فِي قافية الْفَاء مِنْهَا قَوْله (هَذَا لِأَن الْحجَّاج جدي ... أَخبث من جَاءَ من ثَقِيف) وَله فِي الْغَزل قَوْله

стр. 42

(مهلا لقد أسرعت فِي مقتلي ... إِن كَانَ لَا بُد فَلَا تعجل) (أنجزت اتلافي بِلَا عِلّة ... الله فِي حمل دم المثقل) (لم يبْق لي فِيك سوى مهجة ... بِاللَّه فِي استدراكها أجمل) (إِن كنت لَا بُد جوى قاتلي ... فاستخر الله وَلَا تفعل) (رفقا بِمَا أبقيت من مدنف ... لَيْسَ لَهُ دُونك من معقل) (يكَاد من رقته جِسْمه ... يسيل من مدمعه المسبل) (مَالك فِي اتلافه طائل ... فارع لَهُ الْعَهْد وَلَا تهمل) (كم من قَتِيل فِي سَبِيل الْهوى ... مثلي بِلَا ذَنْب جنى فَابْتلى) (أول مقتول جوى لم أكن ... قَاتله جَار وَلم يعدل) (يَا مانعي الصَّبْر وَطيب الْكرَى ... عَن حالتي بعْدك لَا تسْأَل) (قد صرت من أَجلك حيران لَا ... أعلم مَاذَا بِي وَلم أَجْهَل) (أغص من دمعي ادكاراً لما ... فارقته من ريقك السلسل) وَله (سقى الله ليلاتي على السفح باللوى ... وعهد الصِّبَا مَا كَانَ احلاه من عهد) (فواها لَهُ بل آه مِمَّا تصرمت ... وَلَو أَن آهى بعْدهَا أبدا تجدى) (زمَان لنا بالصالحية كُله ... ربيع وَأَيَّام لنا فِيهِ كالورد) وَله غير ذَلِك (من كل معنى تكَاد البهم تفهمه ... حسنا ويعشقه القرطاس والقلم) وَكَانَ شعره جمع بَين جزالة الْأَلْفَاظ وعذوبة الْمعَانِي وَفِيمَا أعتقده أَنه أحسن شعراء هَذَا التَّارِيخ لطول بَاعه فِي فنون الشّعْر بأجمعها وَحسن انسجام كَلِمَاته ورونقها وَهَذَا مَا ظهر لي بِحَسب رَأْي السقيم وَأَرْجُو أَن يوافقني عَلَيْهِ من عرف مقَام إِبْرَاهِيم وَكَانَت وَفَاته فِي شعْبَان سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بسفح قاسيون الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي الْحرم بن أَحْمد الصبيبي الْمدنِي وَاحِد الْمَدِينَة المنورة فِي زَمَانه علما وبراعة وَكَانَ يعرف فنوناً تفرد بهَا وَكَانَ سالكاً طَرِيق من سلف حسن الشكل لين الْجَانِب كثير الْإِحْسَان للطلبة معلما ناصحاً ومفيداً صَالحا يقرب الضَّعِيف من الإخوان ويحرص على إِيصَال الْفَائِدَة للبليد المستهان وَكَانَ رُبمَا ذكر عِنْده المبتدى الْفَائِدَة المطروقة فيصغى إِلَيْهَا كَأَنَّهُ لم يسْمعهَا جبرا لخاطره وَكَانَ جمالِيًّا فِي سَائِر شئونه يحب الْجمال بالطبع وَكَانَ مثابراً على إِيصَال الْبر وَالْخَبَر لكل مُحْتَاج ولد بِالْمَدِينَةِ وَأخذ عَن وَالِده وَعَن شُيُوخ وَلزِمَ

стр. 43

التدريس وَأخذ عَنهُ جمع وَكَانَ ينظم الشّعْر السهل اللَّطِيف وَمن شعره قَوْله فِيمَن لبس بَيَاضًا (لما بدا مبيضاً ... وَالْقلب مشتاق إِلَيْهِ) (ناديت هَذَا قاتلي ... والراية البيضا عَلَيْهِ) وَقَوله (صادفته يجلو فاحشوه ... شهد وَورد وعتيق المدام) (فَقلت يَا مولَايَ هَل مشرب ... من ريقك العذب الْحر الغرام) (فَقَالَ جور مِنْك أَنْت الَّذِي ... تدعى بإبراهيم طول الدَّوَام) (وَالنَّار بردا وَسلَامًا غَدَتْ ... عَلَيْك يَا ذَا الْحر قلت السَّلَام) وَقَوله (جَاءَ يسْعَى إِلَى الصَّلَاة مليح ... يخجل الْبَدْر فِي ليَالِي السُّعُود) (فتمنيت أَن وَجْهي أَرض ... حِين أومى بِوَجْهِهِ للسُّجُود) قلت تذكرت هُنَا مَا يحْكى عَن بعض الظرفاء أَنه مر بِغُلَام جميل فَعَثَرَتْ فرس فِي طين أصَاب وَجه الْغُلَام مِنْهُ نزر فَقَالَ الظريف يَا لَيْتَني كنت تُرَابا فَقَالَ بعض المارين للغلام مَا يَقُول هَذَا فَقَالَ وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا وَقد ذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي سلافته فَقَالَ فِي حَقه فَاضل ملْء أهابه عَارِف بإيجاز الْأَدَب واطنا بِهِ إِلَى وقار ورجاحة وصفاء سريرة اقْتضى لآمله نجاحه وَهُوَ للفضل خَلِيل وَمحله فِي الْعلم جليل نَص عرائس المحاسن وحلاها وَلبس أَثوَاب الْعُمر حَتَّى أبلاها وَله نظم حسن أبان بِهِ عَن بلاغة ولسن فنه قَوْله فِي تَارِيخ الْمَدِينَة للسمهودي الْمُسَمّى بخلاصة الوفا (من رام يستقصي معالم طيبَة ... ويشاهد الْمَعْدُوم بالموجود) (فَعَلَيهِ باستقصاء تَارِيخ الوفا ... تأليف عَالم طيبَة السمهودي) والسمهودي هَذَا على نور الدّين أَبُو الْحسن بن عبد الله السمهودي كَانَ عَالم الْمَدِينَة توفّي آخر سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف وَقَالَ السَّيِّد مُحَمَّد كبريت فِي نصر من الله وَفتح قريب فِي معرض كَلَام جرت عَادَة الفعال لما يُرِيد فِي خلقه أَن كل بَلْدَة فِي الْغَالِب تكون عوناً لغريبها حَتَّى على ساكنها على الْخُصُوص الْمَدِينَة المنورة وَكَانَ المرحوم الْعَلامَة الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن أبي الْحرم يَقُول لَيْسَ من الرَّأْي تَعْظِيم الْوَارِد إِلَى هَذِه الدَّار إِلَّا بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْحَال فَإِنَّهُ بتعظيمه يطَأ غَيره ثمَّ يتمرد على معظمه فيطؤه كَذَلِك وَتَكون إساءته عَلَيْهِ أَكثر وعَلى الْخُصُوص من لفظته الْقرى وَألف النوال والقرى وَقد اتّفق لي شَيْء من ذَلِك فَكتب إِلَى بعض أَصْحَابِي من

стр. 44

خُصُوص هَذَا الْمَعْنى (يَا أهل طيبَة لَا زَالَت شمايلكم ... بلطفها فِي الورى مَأْمُونَة العتب) (لَكِن رعايتكم للغرب تحملهم ... على تجاوزهم للحد فِي الْأَدَب) فَكَانَ الْجَواب عَن ذَلِك بِلِسَان الْحَال (مولَايَ إِن صروف الدَّهْر قد حكمت ... وأعوزت أَن يدل الرَّأْس للذنب) (كم من مقبل كف لَو تمكن من ... قطع لَهَا كَانَ مِمَّن فَازَ بالأرب) وَكَانَت وَفَاة ابْن أبي الْحرم رَحمَه الله تَعَالَى يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشر صفر سنة سِتّ وَخمسين وَألف بِالْمَدِينَةِ وَدفن بِالبَقِيعِ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد السُّوسِي الأنسي الْمَالِكِي من أكَابِر الأفاضل جَامع للفنون والعلوم الرياضية وَله معرفَة بِعلم الاوفاق والزايرجا والرمل وَله فِي فن الدعْوَة والاسماء براعة وَقُوَّة نظم رِسَالَة الْمرْجَانِي فِي الوفق الخماسي الخالى الْوسط وَشَرحهَا شرحا عجيبا اشْتغل بِبِلَاد سوس من الْمغرب الاقصى ثمَّ تنقل فِي بِلَاد الغرب فَرَحل إِلَى مراكش واخذ عَن مفتها مُحَمَّد بن سعيد وَغَيره من علمائها وَدخل فاس وَأخذ بهَا عَن جمع وَأقَام بالزاوية من أَرض الدلاء مديدة وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة مِنْهُم سَيِّدي مُحَمَّد المرابط ومشايخه الَّذين أَخذ عَنْهُم لَا يُحصونَ جمع مِنْهُم من اسْمه مُحَمَّد فبلغوا نَحْو سبعين شَيخا وَدخل مصر فِي سنة خمس وَسبعين ولف وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة ثمَّ وصل إِلَى مَكَّة وَأقَام بهَا إِلَى أَن مَاتَ وَله نظم ونثر فِي غَايَة الرقة والانسجام فَمن شعره قَوْله (يَا من رماني بِسَهْم اللحظ فِي مضى ... أوحشتني وحشوت الْقلب نَار غضا) (كسرت جفني بتكسير الجفون كَمَا ... نصبت حَالي لاسهام الجفا غَرضا) (فكم نصبت لَك الأشراك فِي حلم ... لَعَلَّ طيفك وَهنا فِي الْكرَى عرضا) (وأضرم النَّار بالذكرى على علم ... من مهجتي يَهْتَدِي للنار حَيْثُ أضا) (إِن قست قدك بالبدر الْمُنِير على ... غُصْن على كثب الجرعاء ذَات أضا) (لله ظبى حَشا بِالسحرِ مقلته ... فكم جليت بِهِ أستاره حرضا) (فِي فِيهِ عين وَعين فِيهِ جَوْهَرَة ... من الْحَيَاة وبرق للمنى ومضا) وَبَينه وَبَين صاحبنا الْفَاضِل الأديب مصطفى بن فتح الله الشَّامي نزيل مَكَّة مَوَدَّة أكيدة ومراسلات عديدة مدحه صاحبنا الْمَذْكُور بِأَبْيَات فَكتب لَهُ بهَا رِسَالَة

стр. 45

نَحْو كراسة سَمَّاهَا الرَّائِحَة الوطفا فِي راحية مصطفى مُشْتَمِلَة على قصيدة عَجِيبَة ونثر حسن وَمن شعره أَيْضا قَوْله (لَا غرو إِن كنت تجفو الْأنس يَا رشأ ... فَمن خِصَال الظبا أَن تنفر البشرا) (يَا لَيْتَني كنت وحشياً أردد فِي ... مفتون وَجهك فِي سقط اللوى نظرا) وَكتب إِلَيْهِ بعض الأدباء وَهُوَ بالزاوية من أَرض الدلاء يَقُول (يَا أَبَا إِسْحَاق قل لي موجزا ... أَي شَيْء مبرد حر النَّوَى) (قد أَبَت الإسهادا مقلتي ... وانسكاب الدمع شوقاً للوي) فَأَجَابَهُ بقوله (زار فِي روض بهي سحرًا ... جَامع بَين رواء وروى) (تتهادى فِي الحشا نفحته ... طلبت مني دوا دَاء النَّوَى) (قلت عَن طب وَمَا يعزى لمن ... جرب الْأَمر عليم بالدوا) (عرق وصل ونبات الدّرّ من ... مَاء ثغر أشنب كل سوا) (فاسحقنها فِي مهاريس اللوى ... واشربنها بكؤوس من هوى) (فَهُوَ درياق لأمراض النَّوَى ... مطفىء بَين الحشا جمر الجوى) وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَسبعين وَألف وَدفن بالمعلاة ﵀ تعال الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْمصْرِيّ الشَّافِعِي الملقب برهَان الدّين الْمَيْمُونِيّ الإِمَام الْعَلامَة الفهامة الْمُحَقق المدقق خَاتِمَة الأساتذة المتبحرين كَانَ آيَة ظَاهِرَة فِي عُلُوم التَّفْسِير والعربية أعجوبة باهرة فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية حَافِظًا متفنناً متضلعاً من الْفُنُون مَشْهُورا خُصُوصا عِنْد الْقُضَاة وأرباب الدولة وأبلغ مَا كَانَ مَشْهُورا فِيهِ علم الْمعَانِي وَالْبَيَان حَتَّى قل من يناظره فيهمَا وَسُئِلَ بعض أهل التَّحْقِيق من قُضَاة مصر عَنهُ فَقَالَ هُوَ رجل لَو سُئِلَ عَن مسئلة فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان لأملي عَلَيْهَا كرريس عديدة وَكَانَ مترفهاً فِي عيشه كريم النَّفس رَقِيق الطَّبْع حسن الْخلق فصيح اللِّسَان وجيهاً مجللاً عِنْد عَامَّة النَّاس وخاصتهم مسموع الْكَلِمَة وَإِذا حضر مَجْلِسا فِيهِ عُلَمَاء يكون هُوَ الْمُتَكَلّم من بَينهم والمشار إِلَيْهِ فيهم وَاجْتمعَ فِيهِ حسن التَّقْرِير وتحبير التَّأْلِيف والتحرير لَازم وَالِده سِنِين وَكَانَ يحضر مَعَه وَهُوَ صَغِير درس الشَّمْس الرَّمْلِيّ وَأَجَازَ بمروياته وَأخذ عَن أبي بكر الشنواني وَمَنْصُور الطبلاوي وَأحمد الغنيمي وَغَيرهم من عُلَمَاء عصره وَأَجَازَهُ جلّ شُيُوخه عَنهُ أَخذ أَحْمد بن أَحْمد العجمي عبد الْقَادِر الْبَغْدَادِيّ وشاهين الْحَنَفِيّ وَكَانَ لَهُ ولد برع بالتلقي عَنهُ وَمَات قبل

стр. 46

أَبِيه بِنَحْوِ ثَلَاثَة أشهر فَحزن عَلَيْهِ حزنا شَدِيدا وَلما عزي بِهِ أنْشد بَيت المتنبي (لَوْلَا مُفَارقَة الأحباب مَا وجدت ... لَهَا المنايا إِلَى أَرْوَاحنَا سبلا) وَاجْتمعَ بِهِ وَالِدي فِي مُنْصَرفه إِلَى الْقَاهِرَة وَذكره فِي رحلته وَأَطْنَبَ فِي وَصفه جدا وَذكر عراقته وتبحره فِي الْعُلُوم بأسرها وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ مِمَّا اتّفقت كلمة الْكل على تفرده فِي عصره وتوحده فِي وقته وتصانيفه كَثِيرَة مِنْهَا حَاشِيَة على الْمُخْتَصر وحاشية على الْمَوَاهِب اللدنية وحاشية على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَله مِعْرَاج فِي مُجَلد ضخم وَبَعض تعليقات على شرح التَّلْخِيص للْمولى عِصَام الدّين الْمُسَمّى بالأطول وتحريرات على حَاشِيَة الجامي لَهُ أَيْضا وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي عشر شهر رَمَضَان سنة تسع وَسبعين وَألف وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم وَدفن بتربة المجاورين ذكر هَذَا أَحْمد العجمي الْمَذْكُور فِي ثبته والميموني نِسْبَة للميمون من الصَّعِيد وَسَيَأْتِي أَبوهُ مُحَمَّد بن عِيسَى القَاضِي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي بكر الصَّالِحِي الْمَعْرُوف بالغزال الأديب الشَّاعِر ولد وَنَشَأ بصالحية دمشق وَقَرَأَ ودأب وَأخذ الحَدِيث عَن الشهَاب أَحْمد الوفائي وتأدب بالشيخ أَيُّوب الخلوتي قَرَأَ عَلَيْهِ ديوَان ابْن الفارض وَأخذ عَن غَيرهمَا وتعانى كِتَابَة الصكوك فِي محكمَة الصالحية ثمَّ ترك الْكِتَابَة وناب فِي الْقَضَاء بمحكمة الصالحية والعونية والميدان وَكَانَ شَاعِرًا حسن المطارحة لذيذ المصاحبة كثير المجون والمداعبة صَاحب نَوَادِر عَجِيبَة وحكايات مطربة وَلم يكن فِي عصره أَكثر رِوَايَة مِنْهُ للشعر وَلَا أحفظ مِنْهُ للوقائع وَقد وَصفته فَقلت فِي حَقه فَتى مداعبة ومجون طبعه بالخلاعة معجون إِذا تكلم ينت شفة فَهِيَ فِي حَقه سفه لَا يستفزه قيل وَقَالَ وكل عَثْرَة مِنْهُ تقال وَله جامعية بنان وَبَيَان هُوَ فِيهَا سفينة نوح أَو جَامع سُفْيَان إِلَّا أَنه كَانَ فِي شعره متكلفاً وَعَن أهل طبقته مُتَخَلِّفًا لِأَنَّهُ ينبو عَن السهل الْقَرِيب وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا المتنافر الْغَرِيب وَرُبمَا ندرت لَهُ أَبْيَات فِي مدام فَكَانَت كرمية من غير رام أسْتَغْفر الله نعم هُوَ فِي هجائه مجيد وَلَو بازدراء حجائه لعوب حَتَّى بيأسه ورجائه يطلع هزله جدّاً ويرهف حديدته حدّاً فمما استخرجته من حلوه وحامضه وألمعت فِيهِ بِأَمْر واضحه وغامضه قَوْله (أضحى التصبر حبله مَقْطُوعًا ... لما رَأَيْت معذبي مَمْنُوعًا) (وَحَدِيث وجدي مُسْندًا ومعنعناً ... أضحى لَدَيْهِ مُعَللا مَوْضُوعا)

стр. 47

(وفقدت قلبِي عِنْده وَأَظنهُ ... لبليتي قد سَاءَ فِيهِ صنيعا) (فَغَدَوْت أنْشد واللهيب بمهجتي ... والبين جرّعني الأسى تجريعا) (بِاللَّه يَا أهل الْهوى وبحقه ... لَا زَالَ قدركم بِهِ مَرْفُوعا) (قُولُوا لمن سلب الْفُؤَاد مصحمحاً ... يمنن عليّ بردّه مصدوعا) وَقَوله من الرباعيات (يَا من ملكوا جوانحي مَعَ لبي ... مَا اعْتدت شكاية فحالي ينبي) (لَا زلت مشاهداً بحالي تلفا ... إِن كَانَ سواكم ثوى فِي قلبِي) وَقَوله أَيْضا (الْقلب إِلَى سواكم مَا مَالا ... والدمع لغير بعدكم مَا سالا) (إِن كَانَ حسودنا أَتَاكُم ووشى ... بِاللَّه بلطفكم دعوا مَا قَالَا) وَمن أهاجيه الَّتِي هِيَ فروع أفاعيه قَوْله فِي إِسْمَاعِيل بن الجرشِي (بِاللَّه قل لغليظ الطَّبْع مني مَا ... أنكرته من فلَان كي ترى عجبا) (فَلم تَجِد غير أَنِّي لم أنكه لما ... قد عفته مِنْهُ قدماً كَانَ ذَا سَببا) (وَلَو أجشمه أيري وأمنحه ... إِيَّاه مَا عدّ لي ذَنبا وَمَا رفبا) (لكنني الْآن أكوي قرح فقحته ... بِنَار أيري وأرقى عِنْده الرتبا) (أكلف النَّفس تغييراً لمذهبها ... قبلي كثير لهَذَا الْأَمر قد ذَهَبا) (لَا سامح الله مأبوناً يكلفني ... بِغَيْر طبعي ويبغي غاسقاً وقبا) (يَا أير قُمْ وادّرع وادخل حشاشته ... غازٍ وهات لنا أمعاءه سلبا) (أوسعه رهزاً وإرجافاً بباطنه ... وَإِن عجزت فعوّض غَيْرك الخشبا) (وَاحْذَرْ يفاجيك من جعص لَهُ بخر ... والطخه فِي وَجهه إِن دَار وانقلبا) (فَعَنْهُ قد حدّثونا أَن عَادَته ... يخرى على الأير لَا حييى وَلَا ندبا) وَأنْشد لَهُ بعض الأدباء قَوْله فِي إِسْمَاعِيل هَذَا (يزْعم أَنِّي بالهجو أذكرهُ ... تعصباً مِنْهُ سَاعَة الْغَضَب) (لكنني وَالطَّلَاق يلْزَمنِي ... مَا ملت فِيهِ يَوْمًا إِلَى اكذب) (نكت ابْنه وَأُخْته وخالته ... ونكت قدماً أَخَاهُ وَهُوَ صبي) (ناك أبي أمه وجدّته ... وعمتيه لله درّ أبي) (فَنحْن فِي بَيت على دعة ... النيك مَا بَيْننَا إِلَى الركب) ثمَّ ظَفرت بِهَذِهِ الأبيات فِي مَجْمُوع منسوبة لِابْنِ أبي الْأصْبع وَالظَّاهِر أَن الْغَزالِيّ كَانَ

стр. 48

يتَمَثَّل بهَا فنسبوها إِلَيْهِ وَقَالَ يهجو إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور وَكَانَ مُؤذنًا (إِن الْجمال الجرشِي ... مثل الْمُغنِي الْقرشِي) (يودّ من يسمعهُ ... لَو ابتلى بالطرش) الْمُغنِي الْقرشِي مَعْرُوف يضْرب بِهِ الْمثل فِي رداءة الصَّوْت وَفِيه يَقُول المهلبي (إِذا غناني الْقرشِي ... دَعَوْت الله بالطرش) (وان أَبْصرت طلعته ... فيالهفي على العمش) وَلابْن العميد فِيهِ (اذا غناني الْقرشِي يَوْمًا ... وعناني بِرُؤْيَتِهِ وضربه) (وددت لَو أَن أُذُنِي مثل عَيْني ... هُنَاكَ وَأَنِّي عَيْني مثل قلبه) ولبعضهم فِي مُؤذن اسْمه قَاسم قَبِيح الصَّوْت هُوَ معنى جيد (إِذا مَا صَاح قَاسم فِي الْمنَار ... بِصَوْت مُنكر شبه الْحمار) (فكم سبابة فِي كل أذن ... وَكم سبابة فِي كل دَار) وَكَانَت ولادَة الْغَزالِيّ فِي سنة ثَمَان بعد الْألف وَتُوفِّي فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بالسفح الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن مُسلم بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن خَلِيل بن عَليّ بن عِيسَى بن أَحْمد بن صَالح ابْن خَمِيس بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن دَاوُد بن مُسلم القادري الشَّافِعِي الْمَذْهَب الْمَعْرُوف بالصمادي السَّيِّد الْأَجَل الحوراني الأَصْل الدِّمَشْقِي بَقِيَّة السّلف الْبركَة المعمر الْوَلِيّ الْمُجَاهِد كَانَ من سَادَات الصُّوفِيَّة بِدِمَشْق وكبرائهم جمع من كل فن من علم وَعمل وزهد وورع وَعبادَة وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق لطيف الذَّات وَالصِّفَات وافر الْأَدَب وَالْعقل دَائِم الْبشر مخفوض الْجنَاح كثير الْحيَاء متمسكاً بآداب الشَّرِيعَة وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم نَشأ بِدِمَشْق واشتغل فِي مبدأ أمره بهَا على الشَّيْخ الإِمَام الشهَاب أَحْمد العيثاوي بِفقه الشَّافِعِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمِنْهَاج بِتَمَامِهِ واجازه أَبوهُ مُسلم بطريقتهم وَلما مَاتَ أَخُوهُ عِيسَى جلس مَكَانَهُ على سجادة الذّكر بزاويتهم الْمَعْرُوفَة بهم دَاخل بَاب الشاغور أحد أَبْوَاب دمشق وبناها بعد مدّة بِنَاء حينا وسافر إِلَى الرّوم مرّات عديدة وناله من أَعْيَان الدولة وعلمائها إنعامات طائلة وَحج فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين ألف ورزق قبولاً عَظِيما وَاتفقَ النَّاس على تجليله واعتقاده وَكَانَ يَدْعُو الله تَعَالَى أَن يرزقه أَرْبَعَة أَوْلَاد ليَكُون كل وَاحِد مِنْهُم على مَذْهَب من الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فولد لَهُ أَرْبَعَة أَوْلَاد وهم مُسلم وَكَانَ مالكياً وَعبد الله وَكَانَ حنبلياً ومُوسَى

стр. 49

وَكَانَ شافعياً وَمُحَمّد وَكَانَ حنفياً وَكَانَت تصدر عَنهُ كرامات وأحوال عَجِيبَة وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وَقيل فِي تَارِيخ مَوته ﵀ مَاتَ قطب العارفين الأمجد وَلِهَذَا السَّيِّد قريب معاصر لَهُ اسْمه كاسمه إِبْرَاهِيم وَيعرف كَمَا يعرف هُوَ بالصمادي إِلَّا أَن اسْم أَبِيه أَحْمد بن دَاوُد بن مُسلم بن مُحَمَّد ويتميز عَن هَذَا بِإِطْلَاق لفظ الْوَاعِظ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ذكرته هُنَا دفعا لهَذَا الِاشْتِبَاه من أوّل وهلة وَلِأَن الشُّهْرَة للمذكور هُنَا دون ذَاك وَكَانَ إِمَام الْجَامِع الْأمَوِي بالمقصورة على مَذْهَب الشَّافِعِي وَكَانَ عَالما فَقِيها واعظاً ناصحاً وَكَانَ وعظه مؤثراً يَفِ الْقُلُوب يخشع لَهُ السَّامع وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره قَرَأَ على الشَّمْس الميداني وَكَانَ يلازم دروسه وَلما مَاتَ الشَّمْس لزم النَّجْم الْغَزِّي وروى عَنْهُمَا الحَدِيث وَالْفِقْه وَأَجَازَهُ النَّجْم بالإفتاء فَكَانَ يُفْتِي وَقَامَ فِي النَّفْع مُدَّة وَأخذ عَنهُ كثير مِمَّن لحقه وَكَانَ صَالحا جدا وَله مَنَاقِب سامية مِنْهَا مَا حَكَاهُ الشَّيْخ مُحَمَّد الميداني نزيل الخانقاه السميساطية وَهُوَ قريب الْعَهْد وَكَانَ من أصلح خلق الله أَنه كَانَ يقْرَأ على الصمادي الْمَذْكُور فِي الْمِنْهَاج وَكَانَ غُلَام وسيم الْوَجْه يقْرَأ عَلَيْهِ أَيْضا فِي الْفِقْه وعَلى الميداني فِي التجويد قَالَ فَرَأَيْت الصمادي يَوْمًا فِي الْجَامِع صَادف الْغُلَام فعبث بخدّه فأنكرت عَلَيْهِ وانقطعت عَن درسه فرأيته فِي الْمَنَام قد أحاطت بِهِ جمَاعَة من الْعلمَاء كَثِيرُونَ وَهُوَ رَاكب فدنوت لأقبل يَده فَقَالَ لي عد عَن اعتراضك على أَوْلِيَاء الله تَعَالَى فَفِي ثَانِي يَوْم تَوَجَّهت إِلَيْهِ فَأول مَا قابلني بشّ فِي وَجْهي وَقَالَ لَعَلَّك تركت الِاعْتِرَاض وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من عباد الله الأخيار وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير والصمادي بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة ثمَّ مِيم بعْدهَا ألف ثمَّ دَال مُهْملَة نِسْبَة إِلَى صماد قَرْيَة من قرى حوران بهَا أجدادهم وَلَهُم نِسْبَة سيادة من جِهَة الْأَب أظهروها فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَذكروا أَنَّهَا كَانَت عِنْد بعض بَنَات عمهم بِمَدِينَة نابلس وَأَنَّهُمْ لم يطلعوا عَلَيْهَا إِلَّا بعد وفاتها وأثبتوا نسبهم بِدِمَشْق على بعض قضاتها وَوَضَعُوا الْعَلامَة الخضراء على رؤوسهم وَبَعْضهمْ لبس العمائم الْخضر وَكَانَ قَرِيبا مِنْهُم وَأثبت نسبهم بَنو الدسوقي فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ذكر ذَلِك الشَّمْس الدَّاودِيّ الْمَقْدِسِي نزيل دمشق وَشَيخ محدثيها فِي أوراق ظَفرت فِيهَا بِخَطِّهِ ذكر فِيهَا وقائع كَثِيرَة وَقعت بِالشَّام وأمما نِسْبَة

стр. 50

الصماديين من جِهَة الْأُم إِلَى سعيد بن جُبَير فمستفيضة وَمِنْهُم مُسلم الْكَبِير مَذْكُور فِي نسبهم وَهُوَ صَاحب الطبل المستقر عِنْدهم من نُحَاس أصفر كَانَ مَعَه فِي فتح عكة يضْربُونَ بِهِ عِنْد سماعهم ووجدهم وَقد سُئِلَ كثير من الْعلمَاء عَنهُ فَأفْتى الْبَدْر الْغَزِّي وَالشَّمْس بن حَامِد وَالتَّقوى بن قَاضِي عجلون بإباحته فِي الْمَسْجِد وَغَيره قِيَاسا على طبول الْجِهَاد والحجيج لِأَنَّهَا محركة للقلوب إِلَى الرَّغْبَة فِي سلوك الطَّرِيق وَهِي بعيدَة الأسلوب عَن طَريقَة أهل الْفسق وَالشرب والصوفية معروفون وَكَثِيرًا مَا كَانَ يختلج فِي صَدْرِي السُّؤَال عَن لفظ الصُّوفِي لماذا ينْسب حَتَّى رَأَيْت رِسَالَة للسنباطي الْخَطِيب الشَّافِعِي المَسْعُودِيّ ذكر فِيهَا نقلا عَن ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه تفليس إِبْلِيس أَن أوّل من انْفَرد بِخِدْمَة الله تَعَالَى عِنْد الْبَيْت الْحَرَام رجل يُقَال لَهُ صوفة واسْمه الْغَوْث بن مر فنسبوا إِلَيْهِ لمشابهتهم إِيَّاه فِي الِانْقِطَاع إِلَى الله تَعَالَى وروى بِسَنَدِهِ إِلَى أبي مُحَمَّد عبد الْغَنِيّ بن سعيد الْحَافِظ قَالَ سَأَلت وليد بن قَاسم إِلَى أَي شَيْء ينْسب الصُّوفِيَّة فَقَالَ كَانَ قوم فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهُم صوفة انقطوا إِلَى الله تَعَالَى وقطنوا عِنْد الْكَعْبَة فَمن تشبه بهم فَهُوَ الصُّوفِي وَقيل على الأول إِنَّمَا سمى لغوث بن مر صوفة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يعِيش لأمه ولد فنذرت لَئِن عَاشَ لتعلقنه بِرَأْسِهِ ولتجعلنه ربيطاً بِالْكَعْبَةِ فَفعلت فَقيل لَهُ صوفة ولولده من بعده ثمَّ رَأَيْت الشهَاب الخفاجي قد تعرض للصوفية فَزَاد وُجُوهًا فِي النِّسْبَة استطردتها فنقلتها حَيْثُ قَالَ والمتصوفة والصوفية واحدهم صوفي وَيُقَال تصوف إِذا انْقَطع لله تَعَالَى كَمَا يُقَال قيسي إِذا انتسب إِلَى قيس وَهَذَا لفظ مولد واصطلاح حدث بعد الْقرن الأول فَقَالَ بَعضهم الصُّوفِي هُوَ الْمُنْقَطع بهمته إِلَى ربه وهم مقتدون بِأَهْل الصّفة وَهِي سَقِيفَة اتخذها ضعفاء الصَّحَابَة فِي مَسْجِد النَّبِي وَكَانَ قبل الْإِسْلَام حيّ يُقَال لَهُم صوفة يخدمون الْكَعْبَة فَقيل الصُّوفِي نِسْبَة لَهُم وَقيل أَنهم تجمعُوا كَمَا يتجمع الصُّوف وَقيل إِنَّهُم لخشوعهم كصوفة مطروحة على الأَرْض أَو هم منسوبون للصوفة للينهم وسهولة أَخْلَاقهم أَو للبسهم الصُّوف لاختيارهم الْفقر وَهَذَا أظهر الْوُجُوه لفظا وَمعنى وَقيل منسوبون لصفة وَقيل الأَصْل صفي فأبدل أحد حرفي التَّضْعِيف لينًا وَقيل إِنَّه من صفاء فَفِيهِ قلب وَصحح هَذَا بَعضهم لقَوْل البستي (تخَالف النَّاس فِي الصُّوفِي وَاخْتلفُوا ... جهلا فظنوه مشتقاً من الصُّوف)

стр. 51

(وَلست أنحل هَذَا الِاسْم غير فَتى ... صافى فصوفي حَتَّى سمى الصُّوفِي) وَلَا شَاهد فِيهِ لِأَنَّهُ على مَذْهَب الشُّعَرَاء وَقد بَين المُصَنّف معنى الصُّوفِي انْتهى الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن مصطفى الرُّومِي زَاده الْمَعْرُوف بلوح خوان أَصله من بَلْدَة برغمة وَأَبوهُ من خلفاء الشَّيْخ بُسْتَان اشْتغل فِي أَوَائِله حَتَّى فاق وَدخل قسطنطينية فَصَارَ معيد الدَّرْس الْمولى أبي اللَّيْث وَهُوَ مدرس أيا صوفية ثمَّ لَازم مِنْهُ ودرس بعدة مدارس فِي قسطنطينية وأدرنة ثمَّ نقل آخر إِلَى مدرسة السُّلْطَان مُرَاد ببلدة مغنيسا وَولي فِيهَا قَضَاء بورسة فِي جُلُوس السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّالِث فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَلَاث بعد الْألف ثمَّ بعْدهَا عَزله مِنْهَا وَأعْطى دَار الحَدِيث الَّتِي بناها سِنَان باشا فاستمر بهَا عشر سِنِين يدرس ويفيد إِلَى أَن توفّي وَله من التآليف نظم الفرائد فِي سلك مجمع العقائد وَهُوَ متن فِي علم الْكَلَام ثمَّ شَرحه شرحاً جيدا وَله على التَّفْسِير رسائل وتعليقات كَثِيرَة تدل على تبحره وعَلى الْجُمْلَة فقد كَانَ بحراً زاخراً عَالما بالتفسير والْحَدِيث وَالْكَلَام وَغَيرهَا متورعاً عابداً عفيفاً نزهاً صلباً لَهُ صدق وَصَلَاح وَفِيه فوز وفلاح وَكَانَت وَفَاته فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع عشرَة بعد الْألف الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن مَنْصُور الْمَعْرُوف بالفتال الدِّمَشْقِي شَيخنَا الْعَالم الْعلم الباهر الماهر الْمُحَقق المدقق هُوَ كَمَا قلته فِي وَصفه أستاذ الأساتذة ومعترفهم وبحر الْعلمَاء ومغترفهم أما الْعلم فَمِنْهُ وَإِلَيْهِ ومعول أَرْبَاب الصَّنْعَة عَلَيْهِ وَأما الْأَدَب فنقطة من حَوْضه وزهرة من زهرات روضه وَله الْمنطق الَّذِي يقوم شَاهدا بِفضل لِسَان الْعَرَب وَيفتح على البلغاء أَبْوَاب الْعَجز ويسد عَلَيْهِم صُدُور الْخطب فَإِن أوجز أعجز وَإِن أَطَالَ كاثر الْغَيْث الهطال مَعَ مطارحة تذْهب الاستفادة مَذْهَب الحكم وأخلاق تحدث عَن لطف الزهر غب الديم وَمَا أَنا فِي ترنمي بِذكرِهِ وتعطري بنشر حَمده وشكره إِلَّا النسيم نم بمسراه على الحدائق وَالصُّبْح بشر بِنور الشَّمْس الشارق (ولي فِيهِ مَا لم يقل شَاعِر ... وَمَا لم يسر قمر حَيْثُ سارا) (وَهن إِذا سرن من مقولي ... وَثَبت الْجبَال وخضن البحارا) على أَن ذَلِك دون اسْتِحْقَاقه بِالنِّسْبَةِ لما منحني بِهِ من كرم أخلاقه فَإِنَّهُ الَّذِي روج بضاعتي المزجاه وشملني بالحب والأناة ونوه بِي وأشاع أدبي وَكَانَ لي مَكَان أبي وَلم أترو من زلال الْمعرفَة إِلَّا بر شحات أقلامه وَلم أملأ سَمْعِي در الأصداف إِلَّا

стр. 52

بتقرطي ببدائع كَلَامه وَكَانَ يتحفني بِبَعْض أَقْوَاله ويشنف سَمْعِي بمجرباته وأحوال فيغنيني بحلاوة تَقْرِيره عَن الْمُشَاهدَة والعيان وتنتهي عِنْدِي مِنْهُ دقائق الْمعَانِي وَالْبَيَان وَكَانَ ﵀ من الْفضل فِي مَحل ذروته وَمن الْحلم فِي مرتبَة سنامه وَكَانَ وقوراً حسن الْهَيْئَة مطبوع الْعشْرَة لطيف النادرة وَله حذق وفراسة يقْضِي مِنْهَا بالعجب وَكَانَ فِي أول أمره فقثراً ثمَّ أثرى وَنَشَأ فِي جد واجتهاد وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره مِنْهُم الملا مَحْمُود الْكرْدِي وَأخذ عَن عبد الْوَهَّاب الفرفوري وَأحمد بن مُحَمَّد القلعي وَحضر دروس النَّجْم الْغَزِّي وتصدر اللاقراء فِي ابْتِدَاء أمره واشتهر بِحسن التأدية والتفهم فأكبت عَلَيْهِ الطّلبَة وَلَزِمتهُ وانتفع بِهِ من الْفُضَلَاء مَالا يُحْصى وَجَمِيع من نعرفه الْآن بِدِمَشْق المتعينين بِالْفَضْلِ الْمشَار إِلَيْهِم من الجلة تلاميذه يباهون بِهِ ويشكرون صَنِيعه وَمَا أَظن أحد اتلمذ لَهُ إِلَّا أحبه محبَّة أَب لِابْنِهِ وأمثل من أَخذ عَنهُ وتفوق وبرع مَوْلَانَا أَبُو الصفاء وَأَخُوهُ أَبُو الأسعاد ابْنا أَيُّوب والمرحوم فضل الله الْعِمَادِيّ وَابْن عَمه سيدنَا عَليّ وَأَخُوهُ مُحَمَّد والمرحوم الشَّيْخ عبد الْقَادِر بن عبد الْهَادِي وَشَيخنَا عُثْمَان المعيد وَشَيخنَا اسماعيل بن الحائك وَشَيخنَا وقريبنا وبركتنا الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ النابلسي وَأَخُوهُ الشَّيْخ يُوسُف وَالشَّيْخ أَبُو الْمَوَاهِب الْحَنْبَلِيّ وَالشَّيْخ درويش الْحلْوانِي والمرحوم الشَّيْخ أَبُو السُّعُود بن تَاج الدّين وَغَيرهم مِمَّن يطول سردهم وَأَنا مِمَّن تشرفت بالتلمذة لَهُ وَقد لَزِمته من سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف إِلَى أَن انْتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وغفرانه فَقَرَأت عَلَيْهِ مَوَاطِن من التَّفْسِير وَأخذت عَنهُ الحَدِيث وَالْفِقْه والنحو والمعاني وَالْبَيَان والمنطق والأصلين وشيئاً من التصوف وَالْأَدب وَأول مَا أَدْرَكته يعْقد حَلقَة التديس بَين الْمَقْصُورَة وَبَاب الخطابة من الْجَامِع الْأمَوِي ثمَّ تحول إِلَى دَار الحَدِيث الأحمدية بالمشهد الشَّرْقِي وَكَانَ أَيَّام الصَّيف يدرس فِي الرواق الشَّرْقِي مِمَّا يَلِي بَاب جيرون ثمَّ لزم دَاره بالكلاسة غَالِبا ودرس من الدُّرُوس فِي مُغنِي اللبيب وَتَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَالْبُخَارِيّ وَالْهِدَايَة وَشرح الْأَرْبَعين لِابْنِ حجر وَشرح الطوالع للأصبهاني ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الإقبالية تدريس وَظِيفَة وَكَانَ عَلَيْهِ وظائف قَليلَة جدا فَلهَذَا كَانَ يقْتَصر على بعض تِجَارَة واشتهر فِي آخر أمره وطِئت حَصَاة فَضله وَأَقْبَلت عَلَيْهِ النَّاس وَكَانَ يحب الْعُزْلَة إِلَّا أَنه لَا يتَمَكَّن مِنْهَا وَله تعليقات تشهد بدقة نظره مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الْقطر للفاكهي وَله تحريرات على مَوَاطِن من التَّفْسِير وَكَانَ ينظم الشّعْر فَمَا رويت لَهُ قَوْله يتوسل

стр. 53

بِصَاحِب الشَّفَاعَة مُحَمَّد ويمدحه (كلنا سَيِّدي إِلَيْك نؤوب ... مَا لنا لَا نعي اللقا ونتوب) (إِن عمر الشَّبَاب ولى وَأبقى ... مَا جناه فِيهِ وَذَاكَ ذنُوب) (فَإلَى كم هَذَا التواني وَقد جَاءَ ... نَذِير الْحمام وَهُوَ المشيب) (ندعي الْحبّ فِرْيَة إِنَّمَا الْحبّ ... حرى بِأَن يطاع الحبيب) (لَيْسَ هَذَا دأب المحبين لَكِن ... قد نحاه مشتت مَحْجُوب) (إِن أعداءنا توالت علينا ... نفسنا والهوى وعقل مريب) (كَيفَ يَرْجُو الْخَلَاص مِنْهُم معنى ... فِي عماه مكبل مجبوب) (من يُرْجَى لدفع دَاء عضال ... غير خير الورى وَذَاكَ الطَّبِيب) (سيد الْمُرْسلين خيرني ... شَافِع الْخلق يَوْم تتلى الْعُيُوب) (مبدأ الْكَوْن ختم كل نَبِي ... قد حباه الحيا قريب مُجيب) (عله أَن يَقُول فِي الْحَشْر عني ... إِن هَذَا لجاهنا مَنْسُوب) (وَله عندنَا وداد قديم ... وعلينا يَوْم الندا مَحْسُوب) (من لهَذَا الحقير غَيْرِي نصير ... أَو شَفِيع دعاءه يستجيب) (أَنا عون لَهُ ويكفيه عوناً ... من سواي ولي فنَاء رحيب) (يُلَبِّي الْهدى وغوث البرايا ... ووحيداً وَلَيْسَ فِي ذَا عَجِيب) (خصك الله بالمراحم جمعا ... ويعي ذَاك عَاقل ولبيب) (كل فضل مصباحه أَنْت حَقًا ... إِن هَذَا فِي المكرمات غَرِيب) (كل من لم ير اقتراض هواكم ... فَهُوَ فِي النَّار حَقه التعذيب) وَمن مقاطيعه قَوْله (مَا نلْت شَيْئا إِذا كنت المقصر فِي ... تَحْصِيل أَسبَاب توفيقي وإسعادي) (إِلَّا ضيَاع نجاتي وَهِي نافعتي ... يَا رب هَل لي يَوْم الْحَشْر إنجادي) وَله (إِن كَانَ ذَنبي فِي الشدائد موقعي ... وَبِه لقد لاقيت مَا أَنا فِيهِ) (فالعفو مِنْك يزِيل ذَاك تكرما ... كَالشَّمْسِ إِن أَتَت الدجى تجليه) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته نَهَار السبت سَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف وَقد ناهز السّبْعين وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى الأديب إِبْرَاهِيم بن يُوسُف الْمَعْرُوف بالمهتار الْمَكِّيّ الأديب الشَّاعِر الْمَشْهُور فِي الْحجاز

стр. 54

ذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي تَرْجَمته شويعر بِذِي اللِّسَان كثير لاساءة قَلِيل الْإِحْسَان شعر وَمَا شعر فهذر وَلم يذر سمينه غث وجديده رث لَا يلتقي من مختاره طرفاه وَلَا يسمع رويته سامع إِلَّا قَالَ فض الله فَاه لم يزل يقذف الْأَعْرَاض بهجوه ويلفظ فوه بِمثل مَا تلفظ وجفاؤه من نجوه حَتَّى ألبسهُ الردى رِدَاءَهُ وطهر الله الْوُجُود من تِلْكَ الخباثة والرداءة وَلما هلك بَقِي يَوْمَيْنِ فِي بَيته لَا يعلم أحد بِمَوْتِهِ حَتَّى دلّ عَلَيْهِ نَتن رِيحه وَهُوَ جيفة فِي ضريحه وَلَقَد تصفحت ديوانه الَّذِي جمعه وليت من واراه التُّرَاب وَأرَاهُ مَعَه فَلم أر فِيهِ إِلَّا مَا تمجه الأسماع وتحقر أَلْفَاظه ومعانيه عَن السماع إِلَّا كَلِمَات كَادَت أَن تصفو من الشوائب وَمَعَ الخواطىء سهم صائب فَمِنْهُ قَوْله من قصيدة (قف بالمعاهد من بشاء ملحوب ... شقي كاظمة فالجذع فاللوب) (واستملح الْبَرْق أَن تخفى لوامعه ... على النقا إِن سقى حَيّ الأعاريب) (يَا حبذا إِذْ بدا يفتر مُبْتَسِمًا ... أَعلَى التَّثْنِيَة من شم الشناخيب) (والجو مضطرم الأحشاء تحسبه ... بردا أُصِيبَت حَوَاشِيه بألهوب) (يَا بارقاً لَاحَ وَهنا من دِيَارهمْ ... كَأَنَّهُ حِين يلهو قلب مرعوب) (أذكرتني معهداً كُنَّا بجيرته ... نستقصر الدَّهْر من حسن وَمن طيب) (لم أنس بالنلعات الجون موقفنا ... وألحى مَا بَين تقويض وتطنييب) (وَقد بدا الْعُيُون الصحب سرب ظبا ... حفت بظبى ببيض الْهِنْد مَحْجُوب) (لم تبد تِلْكَ الدمى إِلَّا لسفك دمي ... وَلَا الْعَذَاب اللمى إِلَّا لتعذيبي) وَقَوله من أُخْرَى (أذكى بقلبي لاعج الأشجان ... برق أَضَاء على ربى نعْمَان) (أجْرى مدامع مقلتي أورى زناد ... صبابتي أشجى فُؤَادِي العاني) (مَا شاقتي إِلَّا لكَون وميضه ... بربى الْهوى ومعاهد الخلان) (يَا برق جد بالدمع فِي أطلالهم ... عني فسح الدمع قد أعياني) (لم أسأَل الأجفان سقى ربوعهم ... إِلَّا وجادت لي بأحمر قاني) (واهالأيام العذيب إِذْ اللوى ... وطني وسكان الْحَيّ جيراني) (اذ كنت طَوْعًا للهوى واللهوفى ... ظلّ الشبيبة ساحب الأردان) (تشجيني الورقاء إِن صدحت على ... تِلْكَ الغصون بنغمة الألحان)

стр. 55

(ويشوقني بِأَن النقا وحلول واديه ... وَحسن الدَّار بالسكان) وخمرياته مِنْهَا قَوْله (أرح فُؤَادِي من الْعَذَاب ... بِالرَّاحِ والخرد الْعَذَاب) (وعاطنيها عروس دن ... كالنار والعسجد الْمُذَاب) (من كف لمياء إِن تبدت ... تَوَارَتْ الشَّمْس بالحجاب) (دعجاء بلجاء ذَات حسن ... لكل أهل الْعُقُول سابى) (على رياض مدبجات ... حاكت رداها يَد السَّحَاب) (بهَا القمارى مغردات ... على الأفانين والروابي) (فبادر الْأنس يَا نديمي ... وقم إِلَى اللَّهْو والتصابي) (أعْط رمان الشَّبَاب حظا ... فلذة الْعَيْش فِي الشَّبَاب) (واجسر وَلَا تيأسن يَوْمًا ... من رَحْمَة الله فِي الْحساب) وَقَوله (قُم إِلَى بنت الكروم ... واسقنيها يَا نديمي) (مَا ترى اللَّيْل تولى ... وانطفى ضوء النُّجُوم) (وأضاء الصُّبْح مَا بَين ... تصاريف الغيوم) (وبدا الطل على الأغصان ... كالعقد النظيم) (وشدت قمرية الايك ... على الْغُصْن القويم) (وسرت ريح الخزامى ... من ربى ظَبْي الصريم) (فأدرها خمرة تنبي ... عَن الْعَصْر الْقَدِيم) (واسقنيها لنزيل الْيَوْم ... عَن قلبِي همومي) (هَاتِهَا إِلَى قهوة من ... عهد لُقْمَان الْحَكِيم) (واملأ الكاسات إِنِّي ... فِي الصِّبَا غير ملوم) (أَيهَا النَّفس تصابى ... ثمَّ فِي الْعِصْيَان هيمي) (وَعَن الذل تولى ... ولى الْعِزّ أقيمى) (واكثري الذَّنب فربي ... غَافِر الذَّنب الْعَظِيم) وَله موجهاً بأسماء الْأَنْغَام (سَلام الله من صب مشوق ... جريح الْقلب باكي المقلتين) (على من حل قلبِي السويدا ... لعزته وَحل سَواد عَيْني)

стр. 56

(نأى بِالصبرِ لما بَان عني ... وخلفني سمير الفرقدين) (فليت الركب قد وقفُوا قَلِيلا ... على العشاق يَوْم نوى الْحُسَيْن) وَله من مقطوعاته قَوْله (طِفْل من الْعَرَب أحوى ... خدن الصِّبَا والبطالة) (بدا بِوَجْه كبدر ... فِي جيده الطوق هاله) وَله مقتبسا فِي مليح فَقير الْحَال (تصد وَكم تصدى مِنْك كف ... لمن لم يدر قدرك يَا مفدى) (وصدك عَن أولى أدب وَأما ... من اسْتغنى فَأَنت لَهُ تصدى) وَله قَوْله (أسأَل الرَّحْمَن ذَا الْفضل ... لَهُ الْعَرْش رَبِّي) (حسن نظم الأرجاني ... ثمَّ حَظّ المتنبي) وَقَالَ مؤرخا أَيَّام ولَايَة الشريف نامي بن عبد الْمطلب (تَأمل لدنياك الَّتِي بصروفها ... أبادت على ملك توطد سامي) (بدا فأضا ثمَّ اعْتدى الْحق فانقضي ... فمده نامي مثل مُدَّة نامي) قلت ونامي هَذَا ولي شرافة مَكَّة بالتغلب وَلم يقم إِلَّا مِقْدَار عدد حُرُوف اسْمه مائَة يَوْم وَيَوْم وشنق عصر يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس من ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَسَتَأْتِي تَرْجَمته وواقعته مفصلة وَله (أَلا لَا تصحبن لمن تَعَالَى ... وَلَا تبد الوداد لمن جفاكا) (وَلَا تَرَ للرِّجَال عَلَيْك حَقًا ... إِذا هم لم يرَوا لَك مثل ذاكا) وَله (كم ذَا أغمض عَيْني ثمَّ أفتحها ... والدهر مَا زَالَ وَالدُّنْيَا بحالتها) (فليت شعري مَا معنى مقالتهم ... مَا بَين غمضة عين وانتباهتها) وَله مضمنا (وظبي رماني عَن قسى حواجب ... بأسهم لحظ جرحها فِي الْهوى غنم) (على نَفسه فليبك من ضَاعَ عمره ... وَلَيْسَ لَهُ مِنْهَا نصيب وَلَا سهم) قلت وشعره كَمَا رَأَيْت إِلَى الْإِحْسَان أقرب فَمَا أدرى أَي شَيْء أبعده وَلَيْسَ الدَّاعِي إِلَى مَا قَالَه ابْن مَعْصُوم إِلَّا التحامل وَالْغَرَض وَنحن نَنْظُر إِلَى الْجَوْهَر ونترك الْعرض وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ أَكثر المكيين شعرًا وَكَانَ مطلعا على أَمْثَال وأخبار كَثِيرَة وَرَأَيْت بِخَطِّهِ مجاميع كَثِيرَة تدل على وفرة معلوماته وَكَانَ أدباء الْحجاز دَائِما يداعبونه ويمازحونه وَسبب خمول قدره فِيمَا بَينهم كَون أَبِيه مَمْلُوكا وَمِمَّا يستظرف فِي هَذَا المعرض

стр. 57

مَا حكى إِنَّه كَانَ فِي بعض الْمجَالِس فَدخل بعض الشُّعَرَاء الْكِبَار فَقَالَ المهتار جَاءَ امْرُؤ الْقَيْس بن حجر الْكِنْدِيّ فَقَالَ ذَلِك الشَّاعِر بديهة يلثم أَيدي طرفَة بن العَبْد وَمِمَّا رَأَيْته بِخَطِّهِ وَقد نسبه إِلَى نَفسه فِي تَشْبِيه الْحجر الْأسود قَوْله (الْحجر الْأسود شبهته ... خالاً نجد الْبَيْت زَاد سناه) (أَو أَنه بعض موَالِي بني الْعَبَّاس ... بواب لباب الْإِلَه) وَله فِي قناديل المطاف (تراءت قناديل المطاف لنا ظرى ... على الْبعد والظلماء ذَات تناهى) (كدائرة من خَالص التبر وَسطهَا ... فتيتة مسك وَهِي بَيت الهي) وَله فِي المناير فِي ليَالِي رَمَضَان (كَأَن المناير إِذْ أسرجت ... قناديلها فِي دياجي الظلام) (عرائس قَامَت عَلَيْهَا الحلى ... لتنظر بَيت إِلَه الْأَنَام) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بعد الْأَرْبَعين وَألف بِقَلِيل وَالله تَعَالَى أعلم إِبْرَاهِيم باشا الْمَعْرُوف بدالي إِبْرَاهِيم أحد وزراء دولة السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث ذكره الْحسن البوريني فِي تَارِيخه فَقَالَ فِي تَرْجَمته هُوَ على مَا بَلغنِي فِي الأَصْل من طَائِفَة الأرمن وَدخل هُوَ وَأَخُوهُ وَأُخْته إِلَى دَار السلطنة فخدموا وَأَخُوهُ اسْمه مَحْمُود وَلم يزل إِبْرَاهِيم من لدن دُخُوله فِي خدمَة السلطنة يتقلب فِي الولايات حَتَّى صَار أَمِير الْأُمَرَاء فِي ديار بكر بأسرها ففتك فِيهَا وظلم أَهلهَا وَأظْهر من أَنْوَاع الظُّلم أَشْيَاء مستكرهة جدا مِنْهَا أَنه كلما سمع بِامْرَأَة حسناء اجْتهد على الِاجْتِمَاع بهَا بِأَيّ طَرِيق أمكن وَكَانَ لَهُ فِي ديار بكر رجل يُقَال لَهُ رَجَب وَكَانَ من التُّجَّار كثير الْأَمْوَال إِلَى الْغَايَة فَجعله أَبَاهُ وَهُوَ ابْنه فَبَيْنَمَا رَجَب فِي بَيته إِذْ بقائل يَقُول لَهُ إِبْرَاهِيم باشا على الْبَاب يُرِيد الدُّخُول وَكَانَ ذَلِك لَيْلًا فارتعدت فرائصه لذَلِك فَخرج إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ قد اقتحم الْبَيْت فبهت رَجَب لذَلِك فَقَالَ يَا أَبَت أُرِيد أَن أنظر أخواتي يَعْنِي بَنَاته وَأُرِيد أَن تجْعَل لي حِصَّة من مَالك كَمَا جعلت لبَقيَّة إخوتي فَلم يزل يلاطفه حَتَّى أرضاه بِنَحْوِ خَمْسَة آلَاف من الذَّهَب الْأَحْمَر وَلم يزل بِهِ بعد ذَلِك حَتَّى قَتله وقطعه أَربع قطع وَفعل فِي ديار بكر الأفاعيل الْعَظِيمَة فَذهب غَالب أعيانها واشتكوا عَلَيْهِ للسُّلْطَان مُرَاد فَأمر أَن يُؤْتى بِهِ مُقَيّدا فَأتوا بِهِ كَذَلِك وَلما حضر إِلَى السدّة السُّلْطَانِيَّة أَمر السُّلْطَان أخصامه أَن يقفوا مَعَه فِي مجْلِس الشَّرْع فَمَا أطَاق أحد

стр. 58

أَن يشْهد عَلَيْهِ وَلَا قدر القَاضِي أَن يدقق عَلَيْهِ فِي سَماع الدَّعْوَى لأنّ أُخْته كَانَت عِنْد السُّلْطَان مُرَاد مَقْبُولَة جدّاً وَانْصَرف خصماؤه وَقَررهُ السُّلْطَان فِي ديار بكر فَذهب إِلَيْهَا نَاوِيا على إهلاك كل من اشْتَكَى عَلَيْهِ وَمِنْهُم ملك أَحْمد باشا وعماد الدّين بيك فَإِنَّهُ أهلكهما تَحت الْعَذَاب وَوصل إِلَى أَن ثار عَلَيْهِ أهل الْبَلَد وَقَامُوا عَلَيْهِ قومة رجل وَاحِد فتحصن فِي القلعة وَصَارَ يضْرب على أهل الْمَدِينَة المدافع الْكِبَار حَتَّى قتل مِنْهُم خلقا كثيرا وَكَانَ إِذْ ذَاك السُّلْطَان مُحَمَّد بن السُّلْطَان مُرَاد ولي عهد أَبِيه مُقيما فِي بَلْدَة مغنيسا فَأرْسل إِلَى إِبْرَاهِيم باشا يستشفع عِنْده فِي الرعايا عُمُوما وَفِي ملك أَحْمد باشا الْمَذْكُور خُصُوصا فَقَالَ أما الْآن مَاله حكم مَعَ وجود وَالِده وَإِذا صَار سُلْطَانا يفعل بِي مَا أَرَادَ فَنَذر السُّلْطَان مُحَمَّد قَتله يَوْم يصير سُلْطَانا فَلَمَّا منّ الله تَعَالَى عَلَيْهِ بالسلطنة وَحضر إِلَى مقرّ تخته سَأَلَ عَن إِبْرَاهِيم باشا الْمَذْكُور فَقيل لَهُ إِنَّه مَحْبُوس بِحَبْس والدك فَأمر بقتْله فَقتل صبرا من غير تَأْخِير قَالَ البوريني وَأَخْبرنِي بعض من شَاهد قَتله أَنه كَانَ جَالِسا فِي الْحَبْس بعد صَلَاة الْعشَاء فَدخل عَلَيْهِ كَبِير من خَواص خدم الدِّيوَان وَمَعَهُ جمَاعَة من الجلادين مغيرين صورهم حَتَّى لَا يرتاب مِنْهُم وَجلسَ ذَلِك الْكَبِير يصاحبه فِي أُمُور مموّهة وأقدم عَلَيْهِ الجلادون من خَلفه وَوَضَعُوا فِي عُنُقه حبلاً وَقَالُوا أَمر بذلك السُّلْطَان قَالَ فرأيته رفع مسبحته مُشِيرا بِالشَّهَادَةِ فَلَمَّا مَاتَ ألقوه فِي الْبَحْر ثمَّ شفعت فِيهِ أُخْته فدفنوه وَصَارَ عِبْرَة للمعتبرين انْتهى مَا قَالَه البوريني فِي تَرْجَمته وَرَأَيْت فِي التراجم الَّتِي أَنْشَأَهَا منشيء الرّوم عبد الْكَرِيم بن سِنَان قَاضِي الْقُضَاة بِمصْر ذكر إِبْرَاهِيم باشا الْمَذْكُور فَأَحْبَبْت ذكر مَا قَالَه لتوشية الْكتاب بذلك النسيج قَالَ لما تلألأت أنوار السلطنة المحمدية من هَالة سريرها وأصبحت الدُّنْيَا بِتِلْكَ الْأَنْوَار مشرقة بحذافيرها بَدَأَ أحسن الله مبدأه وختامه وأغمد فِي رِقَاب الحاسدين حسامه بقتل إِبْرَاهِيم باشا مَنْ عَمّ المعالم ظلمه وَفَشَا عرف بأخوّة مُدبرَة الْحرم السلطاني لَا زَالَ مخدوماً بالأمان والأماني وَهُوَ الَّذِي سعى فِي أَرض الله بِالْفَسَادِ وَخرب الْبِلَاد وأباد الْعباد مَا من بلد تولاه إِلَّا وأمست بيوته خاوية واشتعلت فِيهِ من الْمَظَالِم نَار حامية لم يتول مصرا من الْأَمْصَار إِلَّا وَأصْبح فِيهَا إعصار فِيهِ نَار تسابقت فِي حلبة الْجور أَفْرَاس مظالمه وجرّد سيف الحتف على محاربه ومسالمه أورى زناد الْفساد وشب نَار الْمَظَالِم وَلَقَد كَانَ أعدى مُعْتَد وأظلم ظَالِم وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ انْفَرد بقبائح لَا يُوجد لَهُ فِيهَا عديل وَأظْهر

стр. 59

سَنَام اعوجاج من الظُّلم لَا يُمكن لَهُ تَقْوِيم وَلَا تَعْدِيل عَاد وَلم يحمد عود ولَايَته إِلَى ديار بكر فصوّب نَحْو أَهلهَا أسنة الْقَهْر وَالْمَكْر وَأخذ يشتت شَمل أَحْوَالهم بِأخذ مَا لَهُم من مَالهم لم يُغَادر لَهُم نَقْدا وَلَا بضَاعَة وَقد صَافح مَالهم بيد الإضاعة فَصَرفهُ فِي وُجُوه الْفساد وأضاعه فتح بَاب المصادرة كي يصل إِلَى مَطْلُوبه وَأصْبح جَامعا للشرور ومنار الْجور يَعْلُو بِهِ وَالْحَال أَن مَا أبقاه لَهُم جوره المقدّم كفضلة صَبر فِي فؤاد متيم وَلم يقنع مِنْهُم بِأخذ الْأَمْوَال والأملاك بل أوقعهم بعد إذاقة الضَّرْب فِي شباك الْهَلَاك فَلَمَّا غصت شوارع دَار السلطنة بشكاته وَكثر الباكون من موافاة آفاته حَبسه سُلَيْمَان الزَّمَان إِذْ ذَاك كَمَا تحبس المردة وَأحرقهُ بِنَار كمد موقده فاستمرّ فِي الْحَبْس إِلَى أَن تشرف سَرِير السلطنة بسُلْطَان الْعَالم الْمُفْرد الْجَامِع لكَمَال بني آدم فَلَمَّا رأى أَنه حبس مرَارًا واستوطن الْحَبْس دَارا وَكَانَ يَقُول إِذا تكرّر الدَّوَاء لَا ينفع وَإِذا طَال مكث السَّيْف فِي غمده لَا يقطع أَزَال أبقاه الله بِإِزَالَة هَذَا الْكَلْب غمَّة عَن الْمُسلمين وَأظْهر بقتْله همة تظل تملي صحف محامدها إِلَى يَوْم الدّين ألفاه نجس الْعين فقذفه فِي اليم ولعمري أَنه لَا يطهر وَلَو بالبحر الخضم فاستقرّ جِسْمه فِي المَاء وروحه فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَقد أصبح قَرَار الْبَحْر لجثمانه مَحل الْقَرار وأرسله إِلَى نَار هِيَ أعظم من نَار إِبْرَاهِيم وصير المَاء خير رَفِيق وحميم وَكَانَ عدوّاً لعلماء الْملَّة الغراء والشريعة الشَّرِيفَة الزهراء حَتَّى أَنه لما كَانَ بديار بكر هجم أَتْبَاعه بأَمْره على قاضيها وَالْمولى لاحكام أَحْكَام الشَّرِيعَة فِيهَا فسحبوه عَارِيا من ثِيَابه كالسيف المجرّد من قرَابه إهانة للشَّرْع وَصَاحبه واستخفافاً بالطراز الْمَذْهَب من مذاهبه وَلم أقصد بِذكر هَذِه المعايب وتسطير هَذِه القبائح والمثالب بغض مُسلم فَاتَ واقتنصته يَد الْآفَات وحاشا أَن أكون مِمَّن يصدر ذَلِك من فِيهِ وَلَكِن عملا بقَوْلهمْ أذكر الْفَاسِق بِمَا فِيهِ (وَمَا ذمّ أهل الظُّلم شَيْء قصدته ... وَلكنه من يزحم اليم يغرق) قلت وَكَانَت قتلته فِي سنة ثَلَاث بعد الْألف وَالله أعلم إِبْرَاهِيم باشا الْوَزير الْأَعْظَم أحد وزراء السُّلْطَان مُرَاد بن سليم من أَصْحَاب الشَّأْن العالي والرأي السديد وَكَانَ ذَا حلم وَاسع وأناة ونهض بِهِ الْحَظ كَمَا قَالَ فِيهِ منشيء الرّوم المارّ ذكره وَقد ذكره ساعدته الْأَيَّام والليالي فغدا مقدما فِي الْعِزّ وَغَيره التَّالِي رمقته عين الْعِزَّة فَأصْبح عَزِيزًا بِالْقَاهِرَةِ المعزية فطفحت كأس

стр. 60

أمانيه وَهِي من الأقذاء صَفِيَّة تزينت حلل تِلْكَ الْبِلَاد بوشي أَحْكَامه وتفيأت أَهلهَا فِي ظلال بنوده وأعلامه ثمَّ خلعت السلطنة المرادية عَلَيْهِ خلعة الصهاره وفاز مرّة بعد أُخْرَى بِخَتْم الوزارة آلت إِلَيْهِ رِسَالَة الْكَتَائِب الإسلامية وقطف ثمار رُؤْس الْأَعْدَاء من رياض الفتوحات الجنية فغدا جيده حالياً بهَا عدَّة سِنِين وَفتح ثغراً فابتسم بِهِ الدّين الْمُبين وَكَانَ يعْقد عرائس المناصب من غير كفاءة لكل خَاطب ويفرّقها بعد اسْتِيفَاء مدّتها ويزفها لآخرين دون انْقِضَاء عدتهَا وَكَانَ أَكثر مواعيده منجزة بسيول هباته لَكِنَّهَا وساوس تنشأ من خطراته حَتَّى غَدَتْ عِنْده أكياس الدَّرَاهِم أخلى من قدر الْبَخِيل ومعدة الصَّائِم (أفنى ندى كفيه أَمْوَاله ... كَأَنَّمَا الأكياس أكفان) وَقد عَامل النَّاس بلين الْجَانِب من الأخصاء والأجانب وَلَا يدرى مَا فِي قُلُوبهم لَهُ من النِّيَّة كَمَا كمن فِي حدّ الحسام الْمنية واستمرّ حَاله بِتِلْكَ القلادة حالياً إِلَى أَن صوّبت الْمنية نَحوه أسهماً وعوالياً فأحدقت بِهِ دَائِرَة السقام حَتَّى ذاق من كاس الْمَرَض جرعة الْحمام (أَلا إِنَّمَا الْأَحْيَاء شرب وَبينهمْ ... كؤس المنايا لَا تزَال تَدور) (فَمنهمْ سريع السكر فِي الْحَال ينتشي ... وَمِنْهُم على الشّرْب الْكثير قدير) وَذكره البوريني فَقَالَ كَانَ أوّلاً من جمَاعَة الْحرم السلطاني فِي عهد السُّلْطَان مُرَاد وَلما ظهر مِنْهُ صَار ضَابِط الْجند الْجَدِيد بقسطنطينية وضبطهم احسن ضبط واستمرّ حَاكما عَلَيْهِم مدّة طَوِيلَة ثمَّ إِن السُّلْطَان مُرَاد أَرَادَ أَن يزوّجه ابْنَته فَأرْسلهُ إِلَى بِلَاد مصر حَاكما وَكَانَ كَرِيمًا حسن الْخلق إِلَى الْغَايَة وَأَرَادَ أَن يهدم بِنَاء الأهرام الَّذِي بِمصْر لما بلغه أَن فِيهَا دفائن للسلاطين المتقدّمين فحذروه من ذَلِك وَقَالُوا لَهُ أَن الْمَأْمُون العباسي أَرَادَ هدمها فَمَا قدر على ذَلِك وَقَالُوا رُبمَا يكون الأهرام طلسماً للرمل ولبعض مَنَافِع فَإِنَّهَا مَا وضعت إِلَّا بطرِيق الْحِكْمَة فَعدل عَن هدمها ثمَّ إِنَّه أَقَامَ بِمصْر أَمِيرا يحكم فِيهَا عوضا عَنهُ وَأخذ مِنْهُ أَمْوَالًا كَثِيرَة ثمَّ خرج من مصر بأموال عَظِيمَة وتحف كَثِيرَة مِنْهَا أَنه جعل للسُّلْطَان مُرَاد تختاً من الذَّهَب مرصعاً بالجواهر الْعَظِيمَة وَرجع وَمَعَهُ عَسَاكِر مصر وَجمع عَسَاكِر الشَّام وحاكمها إِذْ ذَاك أويس باشا وكبس جبل الشوف من ضواحي دمشق على طرف الْبَحْر من الْجَانِب الغربي وَبِه قوم من الدروز الباطنية وهم لَا يدينون بِملَّة وَلَا يرجعُونَ إِلَى عقيدة يرَوْنَ للشرائع

стр. 61

بَاطِنا غير مَا هُوَ ظَاهر فَقتل وَنهب وَأخذ مِنْهُم أَمْوَالًا جمة وحاصرهم محاصرة عَظِيمَة حَتَّى أَن أَمِيرهمْ قرقماس بن معن مَاتَ قهرا ثمَّ سَار إِلَى قسطنطينية من طَرِيق الْبَحْر فِي المراكب الْعَظِيمَة وَدخل على ابْنة السُّلْطَان وَأعْطى الوزارة الْعُظْمَى ثمَّ عينه السُّلْطَان لمقاتلة النَّصَارَى فِي دَاخل بِلَاد الرّوم وَوَقع بَينه وَبينهمْ مقتلة عَظِيمَة وَثَبت ثباتاً عَظِيما وانتصر عَلَيْهِم بعد أَن كَادَت النَّصَارَى تكسر عَسَاكِر الْإِسْلَام فَلم يزل هُوَ وَعَسْكَره يقتلُون فِي النَّصَارَى حَتَّى أفنوهم قتلا وأسراً وفتحوا ثغراً من ثغورهم الْمَعْرُوفَة وَكَانَ للْمُسلمين رَئِيس عَسْكَر آخر يُقَال لَهُ مَحْمُود باشا فانتصر هُوَ أَيْضا وَخذ الله الْمُشْركين قَالَه الْحسن البوريني ثمَّ ورد الْخَبَر بِمَوْت إِبْرَاهِيم باشا الْمَذْكُور فِي الْمحرم سنة عشرَة بعد الْألف وَأَنه مَاتَ وَهُوَ مرابط زَاد المنشى ونقلت جنَازَته إِلَى قسطنطينية وَدفن بهَا فِي مدفن خَاص بِهِ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم القسطموني نزيل الْمَدِينَة المنورة أحد الْعباد الزهاد ذكره ابْن نَوْعي فِي ذيل الشقائق وَقَالَ فِي حَقه كَانَ من الْفقر وَالرِّضَا والكفاف فِي منزلَة الْأَفْرَاد أَخذ عَن الشَّيْخ الْبركَة حسن شيخ زَاوِيَة مصطفى باشا وأكمل عَلَيْهِ آدَاب الطَّرِيق ثمَّ حج وجاور بِالْمَدِينَةِ المنورة وَكَانَ عابداً زاهداً مرتاضاً مُجَاهدًا مُنْقَطِعًا إِلَى الله تَعَالَى عَفا عَمَّا فِي أَيدي النَّاس حكى عَنهُ أَنه كَانَ فِي أثْنَاء مجاورته لَا يقبل من أحد صَدَقَة وَلَا هَدِيَّة سوى أَن شَيْخه الْمَذْكُور كَانَ يُرْسل لَهُ فِي كل ثَلَاث سِنِين قَمِيصًا وَاحِدًا فَكَانَ لِبَاسه منحصراً فِيهِ وَمَعَ هَذَا فقد كَانَت صلَاته للْفُقَرَاء وعوائده للأرامل واليتامى مُتَّصِلَة وَفِي يَوْم مَوته شوهد حَالَة عَجِيبَة من الْفُقَرَاء وَكَانُوا حول نعشه بِكَثْرَة وهم يصيحون يَا أَبَا الْفُقَرَاء يَا ملْجأ الضُّعَفَاء فَسئلَ مِنْهُم عَن سَبَب ذَلِك فَقَالُوا كَانَ يُعْطِينَا فِي كل سنة مِقْدَار كفايتنا وَكَانَ وَجه معاشناً وَنَفَقَة عيالنا مِنْهُ وَهَذَا مَعَ مَا ذكر من صفته لَيْسَ إِلَّا إنفاقاً من الْغَيْب وَكَانَت وَفَاته رَحمَه الله تَعَالَى فِي سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف وَدفن بِالبَقِيعِ بِالْقربِ من قبَّة الْعَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِبْرَاهِيم باشا الْوَزير نَائِب مصر ذكره النَّجْم وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ لَهُ مُشَاركَة فِي الْعلم وسلك أَولا مَسْلَك الْقُضَاة ثمَّ صَار دفترداراً بِالشَّام ثمَّ عزل وَرجع إِلَى الرّوم فسلك طَرِيق الْأُمَرَاء الْكِبَار ثمَّ صَار وزيراً ولي مصر وَكَانَ ممدوح السِّيرَة فِي ولَايَته وَله حسن معاشرة إِلَّا أَنه امتحن بِقصَّة الْأُسْتَاذ زين العابدين الْبكْرِيّ دخل إِلَيْهِ بقلعة الْجَبَل بِالْقَاهِرَةِ ثمَّ خرج من عِنْده مَيتا وأشاع أَنه مَاتَ فَجْأَة ثمَّ ترجح أَنه خنقه أَو سمّه

стр. 62

بِأَمْر سلطاني وَلم يبْق بعده إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة حَتَّى قتلته عَسَاكِر مصر لما أَرَادَ التفتيش عَلَيْهِم وأظهروا أَنهم قَتَلُوهُ حمية للشَّيْخ زين العابدين وحملوا رَأسه وطافوا بِهِ فِي مصر وَكَانَ ذَلِك فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة بعد الْألف الشَّيْخ إِبْرَاهِيم النبتيتي نزيل الْقَاهِرَة المجذوب صَاحب الكرامات وَالْأَحْوَال الباهرة ذكره الْمَنَاوِيّ فِي طَبَقَات الصُّوفِيَّة وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ أَولا حائكاً فِي نبتيت فأجنب يَوْمًا فَدخل مَكَانا فِيهِ ضريح بعض الْأَوْلِيَاء ليغتسل فِيهِ فَجَذَبَهُ فَخرج هائماً وَترك أَوْلَاده وَأَهله وَقدم مصر فَأَقَامَ بِجَامِع اسكندر باشا بِبَاب الْخرق نَحْو عشْرين سنة وَبَعْضهمْ يسبه وَبَعْضهمْ يستقله وَبَعْضهمْ يُخرجهُ لما يرى مِنْهُ من تقذير الْمَسْجِد ثمَّ تحوّل لمَسْجِد الْمرة بِقرب تَحت الرّبع ثمَّ تحوّل إِلَى بَلَده نبتيت فسكنها إِلَى أَن مَاتَ وَقيل لَهُ لم خرجت من مصر قَالَ لم أدخلها إِلَّا بِإِذن صَاحبهَا إِذْ لم يكن لفقير دُخُول بِدُونِ إِذن أَهلهَا وَمن فعل حل بِهِ العطب فَلَمَّا استقرّيت بهَا قدم زين العابدين الْمَنَاوِيّ فَلم يَأْذَن لي بِالْجُلُوسِ فتركته وَإِيَّاهَا فَمَا كَانَ لفقير يدخلهَا أَو يسكنهَا إِلَّا بِإِذن مِنْهُ خَاص وَكَانَ لَهُ خوارق ومكاشفات أخبر عَنهُ الشَّيْخ الْعُمْدَة عَليّ الحمصاني أَنه كَانَ لِابْنِ أُخْته زَوْجَة وَله مِنْهَا ولد فَقَعَدت يَوْمًا تلاعبه بسطح الْجَامِع وَهُوَ صَحِيح سليم فَقَالَ لَهَا أتحبيه قَالَت لَهُ مَالك وَذَاكَ قَالَ ودّعيه فَإِنَّهُ بعد غَد وَقت الْعَصْر يَمُوت وَكَانَ كَذَلِك وَله من هَذَا الْقَبِيل أَشْيَاء أخر وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف وَدفن بِبَلَدِهِ وَعمل لَهُ أحد وزراء مصر قبَّة عَظِيمَة والنبتيتي بنُون مَفْتُوحَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق وَبعدهَا مثناة من تَحت ثمَّ مثناة من فَوق نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من أَعمال الشرقية بنواحي الخانقاه السرياقوسية إِبْرَاهِيم آغا مُتَوَلِّي جَامع بني أُميَّة بِدِمَشْق وَأحد أعيانها ذكره البوريني وَقَالَ هُوَ من مماليك سلاطين زَمَاننَا آل عُثْمَان وَكَانَ يخْدم فِي دَاخل حرم السُّلْطَان وَكَانَت خدمته هُنَاكَ إقراء المماليك الصغار الَّذين يخدمون فِي دَاخل حرم السلطنة وَكَانَ خدم الْعلم بُرْهَة من الزَّمَان فعلق فِي ذكره شَيْء من الْمسَائِل والدلائل فكثيراً مَا كَانَ يحضر مجَالِس الْعلمَاء فيبحث ويناظر وَلما ورد إِلَى دمشق وصل إِلَيْهَا فِي سنة ألف فسكن فِي جَانب سوق البزورية بزقاق هُنَاكَ وَكَانَ على سمت الصّلاح فَسَار فِي خدمَة الْجَامِع الْأمَوِي أحسن سيرة وَعمر الْحُجْرَة الْمُقَابلَة لحجرة السَّاعَات فِي جِهَة بَاب جيرون وَكَانَت مهجورة لَا يمِيل إِلَيْهَا أحد ويزعمون أَن بهَا حَيَّة عَظِيمَة وَكَانَت بيد رجل

стр. 63

يُقَال لَهُ رَمَضَان المرداوي فَلَمَّا مَاتَ لم يرغب فِي أَخذهَا أحد بعده حَتَّى قدم إِبْرَاهِيم هَذَا فأزال مَا بداخلها من الْبناء فَصَارَ لَهَا صُورَة قَابِلَة للْبِنَاء وقاس المعمار طَرِيق المَاء فَوَجَدَهُ قَابلا لِأَن يدْخل إِلَيْهَا فشرع فِي عمارتها وَأخذ بالعمارة إجَازَة من بعض قُضَاة الشَّام فَلم يزل يتوسع فِي تعميرها حَتَّى صَارَت من ألطف الْأَبْنِيَة وَفتح لَهَا فِي حَائِط الْجَامِع شباكاً وأضاف إِلَيْهَا حانوتاً كَانَ وَرَاءَهَا فِي جِهَة سوق الذهبيين وَجعله فِيهَا مطبخاً وَكَانَ شاع بَين النَّاس أَنه يُرِيد أَن يَجْعَل هُنَاكَ مستراحاً فخمنوا مَوضِع المستراح فوجدوه يَقع تَحت الْمِحْرَاب الْمَنْسُوب إِلَى حَضْرَة الإِمَام زين العابدين ابْن الْحُسَيْن ﵄ فَغَضب لذَلِك نقيب الْأَشْرَاف بِدِمَشْق وَهُوَ زين العابدين ابْن حُسَيْن بن كَمَال الدّين بن حَمْزَة وَذهب مستشيطاً بالغيظ إِلَى الْوَزير السَّيِّد مُحَمَّد الْأَصْفَهَانِي أَمِير الْأُمَرَاء بِدِمَشْق واشتكى من قَاضِي الْقُضَاة الْمولى عبد الرَّحْمَن الْآمِر بذلك فَغَضب الْوَزير لذَلِك ثمَّ كتب ورقة إِلَى القَاضِي يلومه على مَا وَقع مِنْهُ وَأرْسل الورقة مَعَ النَّقِيب وَضم إِلَيْهِ رَسُولا من خدمَة الدِّيوَان فَلَمَّا قَرَأَ الورقة علم أَن الوشاية من النَّقِيب فتألم مِنْهُ ثمَّ قَالَ لَهُ قُم واكشف أَنْت على الْموضع فَذهب إِلَى الْمَكَان فَلم يجد شَيْئا مِمَّا أنهى إِلَى الْوَزير فَرجع إِلَى القَاضِي وَأخْبرهُ فاستشاط القَاضِي مِنْهُ غيظاً وَوَقع لَهُ بِسَبَب ذَلِك حقارة عَظِيمَة وَقيل إِنَّهَا كَانَت سَبَب مَوته كَمَا ستذكره فِي تَرْجَمته واستقرّ إِبْرَاهِيم فِي الْحُجْرَة وَكَانَت سكنه إِلَى أَن توفّي قَالَ الْغَزِّي وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَحَد سادس صفر سنة إِحْدَى وَعشْرين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى الميرزا إِبْرَاهِيم الْهَمدَانِي أحد عُلَمَاء الْعَجم الْكِبَار الَّذين فاقوا وامتازوا وَقد ذكره ابْن مَعْصُوم فِي سلافته قَالَ فِي تَرْجَمته جَامع شَمل الْعُلُوم المقتني بنفائس جوهرها والمجتنى أزاهر بواطنها وظواهرها ملك أَعِنَّة الْفَضَائِل وَتصرف وَبَين غوامض الْمسَائِل فأفهم وَعرف وَكَانَ الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد بهاء الدّين بن حُسَيْن العاملي يشْهد بفضله ويعترف بِمِقْدَار سموّه ونبله وَاتفقَ أَن سُلْطَان الْعَجم عَبَّاس شاه قصد زيارته فَرَأى بَين يَدَيْهِ من الْكتب مَا ينوف على الألوف فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان هَل فِي الْعَالم عَالم يحفظ جَمِيع مَا فِي هَذِه الْكتب فَقَالَ لَهُ لَا وَإِن يكن فَهُوَ الميرزا إِبْرَاهِيم وَمن إنشائه قَوْله نسْأَل الله فتح أَبْوَاب السرُور بِقطع علائق عَالم الزُّور وحسم عوائق دَار الْغرُور وتبديل الأصدقاء الْمُحَاربين بالأخلاء الروحانيين والانزواء فِي زَاوِيَة الْعُزْلَة والانفراد عَن مجَالِس السوء والمذلة وَصرف الْأَوْقَات فِي تلافي مَا فَاتَ وإعداد

стр. 64

الزَّاد ليَوْم الْمعَاد فَإِن ذَلِك أعظم الْمَقَاصِد وأ " علاها وأهم المطالب وأولاها وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَألف الشَّيْخ أَبُو بكر بن أبي الْقَاسِم صَائِم الدَّهْر صَاحب الْقبَّة المنيرة بِبَيْت الْفَقِيه الزيدية يَنْتَهِي نسبه إِلَى إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد النجيب أخي أبي بكر الملقب بالعربادي ابْن عَليّ بن مُحَمَّد النجيب بن حسن بن يُوسُف بن حسن بن يحيى بن سَالم بن عبد الله بن حُسَيْن بن آدم بن إِدْرِيس بن حُسَيْن بن مُحَمَّد النقي الْجواد بن عَليّ الرِّضَا بن مُوسَى الكاظم ابْن جَعْفَر الصَّادِق ابْن مُحَمَّد الباقر ابْن عَليّ زين العابدين ابْن الْحُسَيْن بن عَليّ ابْن أبي طَالب ﵃ أَجْمَعِينَ كَانَ شَيخا من مَشَايِخ الطَّرِيقَة صَاحب كرامات مَشْهُورَة وأحوال مَذْكُورَة روى عَنهُ أَنه قَالَ من رَآنِي ورأيته دخل الْجنَّة وأموت مَتى شِئْت بِإِذن الله تَعَالَى وَإِن شِئْت أكلت الطَّعَام وَإِن شِئْت تركته عصمَة من الله تَعَالَى روى عَنهُ السَّيِّد طَاهِر بن الْبَحْر وَكَانَت وَفَاته فِي سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف الشَّيْخ أَبُو بكر بن أبي الْقَاسِم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أبي بكر بن أبي الْقَاسِم خزانَة الْأَسْرَار بن أبي بكر المعمر بن أبي الْقَاسِم بن عمر بن عَليّ الأهدل بن عمر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبيد بن عِيسَى بن علوي بن حمحام بن عون بن الْحسن بن الْحُسَيْن مُصَغرًا بن عَليّ بن زين العابدين وَفِي مَوضِع آخر وَهُوَ الظَّاهِر عون ابْن مُوسَى الكاظم ابْن جَعْفَر الصَّادِق ابْن مُحَمَّد الباقر ابْن عَليّ زين العابدين ابْن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ كَذَا ذكر نسب بني الأهدل جمَاعَة وجزموا بِهِ مِنْهُم السَّيِّد حُسَيْن بن الصّديق الأهدل وَمُحَمّد بن الطَّاهِر بن حُسَيْن الأهدل فِي كِتَابه بغية الطَّالِب فِي ذكر أَوْلَاد عَليّ بن أبي طَالب حَيْثُ قَالَ بعد ذكر مُوسَى الكاظم وَكَونه خلف من الْوَلَد نَحْو ثَلَاثِينَ مَا بَين ذكر وَأُنْثَى وَمن أَوْلَاده عون وَإِلَيْهِ يرجع نسب سيدنَا الشَّيْخ الْكَبِير صَاحب الكرامات الظَّاهِرَة أبي الْحسن عَليّ الأهدل لِأَنَّهُ عَليّ بن عمر الح صَاحب المراوعة وَأمه خَدِيجَة بنت مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد بن زين العابدين بن مُحَمَّد بن سلميان وَفِي مُحَمَّد هَذَا اجْتمع مَعَ وَالِده السَّيِّد الْجَلِيل الْفَرد صَاحب الْمَرَاتِب الْعلية والعلوم الواسعة والأحلام الراسخة والطباع السليمة والمكارم الفائضة كَانَ فِي عصره مُنْقَطع القرين سَابِقًا فِي عُلُوم الدّين وعَلى جَانب عَظِيم من الْعِبَادَة والورع والزهد وَالْعلم وَالْعَمَل وَكَانَت أوقاته معمورة بِالذكر وَالْعِبَادَة وَنشر الْعلم وتوزيع الْوَقْت على الْأَعْمَال الصَّالِحَة من التدريس وَالْفَتْوَى

стр. 65

وَغير ذَلِك وَكَانَت لوائح الْعلم ظَاهِرَة عَلَيْهِ من صغره حَتَّى إِن عَم والدته السَّيِّد الْوَلِيّ الشهير أَحْمد بن عمر الأهدل كَانَ يلقبه بالفقيه الْعَالم يُشبههُ بجده الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي بكر بن أبي الْقَاسِم وسكنه المحط من أَعمال رمع وَله بهَا الزاوية الْمَشْهُورَة ترْجم نَفسه فِي كِتَابه نفحة المندل فَقَالَ كَانَ مولدِي لنَحْو أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة تَقْرِيبًا بقرية صَغِيرَة بَين المراوعة والحوطة وَغَرْبِيٌّ القطيع تعرف بالحلة بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام وَهِي غير حلَّة بصل بِفَتْح الْمُوَحدَة والمهملة إِذْ هما حلتان هُنَاكَ والمنسوبة لبصل هِيَ اليمانية والمولد بالشامية وَهُنَاكَ قُبُور أجدادي ثمَّ انْتقل بِنَا الْوَالِد مِنْهَا فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة إِلَى قَرْيَة السَّلامَة الْمَعْرُوفَة قبلي التربية فتعلمت بهَا الْقُرْآن الْعَظِيم وحفظت على يَد الشَّيْخ الصَّالح أَحْمد بن إِبْرَاهِيم المزجاجي الْمَعْرُوف بِالْخَيرِ وَلما أكملت تعلم الْقُرْآن أَمرنِي الْوَالِد بتعليم إخوتي فاشتغلت بتعليمهم مَعَ غَيرهم فِي عَرِيش عِنْد مَسْجِدنَا مُدَّة مواظباً على تَرْتِيب قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الْمَسْجِد كل يَوْم بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى الْإِشْرَاق وكل لَيْلَة جُمُعَة أَنا وَمن حضر عِنْدِي بِإِشَارَة الْوَالِد أَيْضا وملاحظته إِذْ كَانَ لَهُ رَغْبَة قَوِيَّة وهمة علية فِي ذَلِك وَغَيره من أَعمال الْبر وَكَثِيرًا مَا كَانَ يجلس فِي حَلقَة الْقِرَاءَة وَالذكر فِي مَسْجِد مَعَ أُميَّة حَتَّى عمل مسبحة ألفية يهلل فِيهَا هُوَ وَمن حضر مِمَّن لَا يقْرَأ لَيْلَة الْجُمُعَة وألهمت كِتَابَة مَا وَقع فِي يَدي من نَحْو الْقَصَص والقصائد حَتَّى اتسقام خطي وَصلح للتحصيل ثمَّ أدخلني وَالِدي مَدِينَة زبيد لطلب الْعلم فَكَانَ أول طلبي فِي الْفِقْه على الْفَقِيه مُحَمَّد ابْن الْعَبَّاس الْمُهَذّب وَفِي النَّحْو على مُحَمَّد بن يحيى المطيب ثمَّ إِن الْوَالِد أَرَادَ تزويجي فَلم يمكني إِلَّا مساعدته مَعَ مَا ذقته من لَذَّة الْعلم فَلَمَّا تزوجت اشْتغل خاطري بِأَمْر الزَّوْجَة ومراعاة حُقُوقهَا الْوَاجِبَة إِذْ لم أكف أمرهَا وَلَا أَمر الْإِقَامَة للطلب بزبيد كَمَا كنت قبل التَّزْوِيج فاشتغلت عَن الطّلب نَحْو سِتّ سِنِين لكني فِي هَذِه الْمدَّة لم أترك التَّحْصِيل وَالتَّعْلِيق والمطالعة ومذاكرة من أَلْقَاهُ من الطّلبَة لما قد تمكن فِي قلبِي من محبَّة الْعلم وَكَانَ تزويجي فِي سنة ألف ثمَّ أخدت بناصيتي إِلَى تَجْدِيد الطّلب بباعث رباني فَقَرَأت على مُحَمَّد بن برهَان الْمحلي ثمَّ قصدت زبيد أَيْضا للْقِرَاءَة فَقَرَأت على عَليّ بن الْعَبَّاس المطيب صنو شَيخنَا الْمُقدم ذكره وعَلى أَحْمد النَّاشِرِيّ وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد جعمان وعَلى الصّديق بن مُحَمَّد الْخَاص الْحَنَفِيّ وَأحمد بن شَيخنَا الْجمال مُحَمَّد المطيب وَعبد الْبَاقِي بن عبد الله الْعَدنِي وَعلي الزين بن الصّديق

стр. 66

المزجاجي ولبست الْخِرْقَة من السَّيِّد عابدين حُسَيْن الْحُسَيْنِي الكشميري وَمن الشَّيْخ زين بن الصّديق المزجاجي وقرأت على السَّيِّد مُحَمَّد بن أبي بكر الأهدل صَاحب الْمَقْصُورَة وعَلى عبد الله بن أَحْمد الضجاعي وَالسَّيِّد المقبول بن الْمَشْهُور الأهدل وَمُحَمّد الْعلوِي وَعبد الرَّحْمَن بن دَاوُد الْهِنْدِيّ وَعبد الفتاح الصَّابُونِي وَآخَرين ذكرهم وَذكر مقروآته عَلَيْهِم وَمِنْهُم الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى تَاج الدّين النقشبندي وَأَجَازَهُ غَالب شُيُوخه كِتَابَة ولفظا وَله إجازات من شُيُوخ الْحَرَمَيْنِ وَحصل بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة وطالع من كتب الْقَوْم مَالا يُمكن حصره وَله تأليف كَثِيرَة مِنْهَا نظم التَّحْرِير فِي الْفِقْه ونظم الورقات ونظم النخبة واصطلاحات الصُّوفِيَّة ومنظومة فِي السِّوَاك وَالتَّعْلِيق المضبوط فِيمَا للْوُضُوء كالغسل من الشُّرُوط وَالْبَيَان والإعلام بمهمات أَحْكَام أَرْكَان الْإِسْلَام وشرحان على قصيدة ابْن بنت الميلق الَّتِي أَولهَا (من ذاق طعم شراب الْقَوْم يدريه ... صَغِير وكبير والأحساب الْعلية فِي الْأَنْسَاب) الأهدلية أرجوزة سَمَّاهَا الدرة الباهرة فِي التحدث بِشَيْء من نعم الله الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة ذكر فِيهَا نبذة من فَوَائِد التصنيف وَكَثِيرًا من مؤلفاته نظما ونثرا وَقد استوفى عدتهَا فِي كِتَابه نفحة المندل وَله أشعار كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله (وَفِي كتب الْعُلُوم الطيف معنى ... أمضى فِي تطلبه حَياتِي) (وأعمل مقلتي ويدي وقلبي ... وأضبطه على الْقَوْم الثِّقَات) (لعَلي أَن أفوز بغفر ذَنبي ... وأظفر بِالَّذِي فِيهِ نجاتي) (وَصلى الله رَبِّي كل حِين ... على أزكى الورى خير الهداة) وَله من أَبْيَات (إِن كنت تطلب فِي الدَّاريْنِ تَفْضِيلًا ... وتبتغي من مليك الْكَوْن تكميلا) (داوم على الْعلم وَالْفِعْل الْجَمِيل تنَلْ ... ذكرا جميلا وتكميلا وتوصيلا) (فاطلبه وادأب على تَحْصِيله أبدا ... وقم بتأليفه إِن حزت تأهيلا) (وَأنْفق الْعُمر فِي تَحْقِيق حَاصله ... واعمر بِهِ الدَّهْر وتدوينا وتحصيلا) وَقَوله (وَكم لله من فضل علينا ... وإفضال يحِيل الْعقل عده) (وَمَا زَالَت إياديه إِلَيْنَا ... تغيض هباتها وتطيب مجده) (فنشكره وَلَا نحصي ثَنَاء ... عَلَيْهِ ونلزم الآناء حَمده) وَكَانَت وَفَاته منتصف نَهَار الْأَحَد ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف

стр. 67

بقرية المحط وَبهَا دفن والأهدل بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْمُهْملَة آخِره لَام كَمَا ضبط بعض ذَلِك اليافعي فِي شرح المحاسن ويكني بِأبي الأشبال وَمعنى الأهدل كَمَا قَالَ بعض العارفين الْأَدْنَى الْأَقْرَب يُقَال هدل الْغُصْن إِذا دنا وَقرب ولان بثمرته وَفِيه يماء إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّيْخ نفع الله تَعَالَى بِهِ من كَمَال التَّوَاضُع لله تَعَالَى ولعباده الناشىء عَن كَمَال مَعْرفَته وَقَالَ بَعضهم لقب بالأهدل لِأَنَّهُ على الْإِلَه دلّ انْتهى وَفِي كتاب نظام الْجَوَاهِر النقية فِي بَيَان اسناب الْعِصَابَة الأهدلية حِكَايَة عَن بعض أهل الْمعرفَة مَا لَفظه أصل هَذِه الْكَلِمَة أَعنِي الأهدل على الاله دلّ كلمتان فَصَارَت لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال كلمة وَاحِدَة كَأَنَّهُ يُقَال على الاله دلّ فاستثقلت الْكَلِمَة الثَّانِيَة وأدرج بَعْضهَا فِي بعض لخفة النُّطْق فَقيل على الأهدل كَمَا قيل فِي النّسَب إِلَى عبد شمس عبشمي وَإِلَى عبد الدَّار عبدري انْتهى بِحُرُوفِهِ وَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة فِي كِتَابه نفحة المندل سَمِعت من بعض فضلاء الْأَهْل أَنه يُقَال فِي سَبَب تلقيب الشَّيْخ بالأهدل أَنه فِي حَال صغره علقت أرجوحة بسدرة فهدلت أَي تدلت عَلَيْهِ أَغْصَانهَا لتقيه من حر الشَّمْس وَنَحْوه انْتهى وسيادة بني الأهدل مَشْهُورَة قَالَ ابْن الأشحر فِي رسَالَته الَّتِي ألفها فِي أَنْسَاب أَشْرَاف وَادي سردد أَقُول طَرِيق الانصاف القَوْل بشرف الأهدليين فقد تَوَاتَرَتْ بذلك المصنفات واشتهر ذكر نسبهم فِي كثير من مؤلفات وعَلى أَلْسِنَة جمَاعَة من الْمُسلمين يُؤمن تواطؤهم على الْكَذِب فقد ذكر بدر الدّين حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الأهدل فِي تحفة الزَّمن والشرجي فِي الطَّبَقَات وَصَاحب العقد الثمين وَصَاحب النفحة العنبرية فَقَالَ بعد أَن ذكر نسب الشريف عبد الرَّحْمَن بن سَالم بن عِيسَى بن أَحْمد بن بدر الدّين بن مُوسَى بن حُسَيْن بن هَارُون ابْن مُحَمَّد الْكَامِل ابْن أَحْمد بن جَعْفَر بن مُوسَى بن جَعْفَر الصَّادِق الْمَشْهُور فِي سلسلة نسب الحسينيين وَمن وَلَده أَيْضا بَنو الأهدل يسكنون بالمراوعة مَشْهُورُونَ بِبَيْت التصوف وَالْفِقْه قيل وَأول من تظاهر مِنْهُم بالتصوف وأخفى اسْم الشّرف عَنهُ مُحَمَّد الْكَامِل ابْن تَقِيّ لأجل قبض الزَّكَاة فَإِن الْعَرَب إِذا سمعُوا بشريف منعُوهُ الزَّكَاة وَلَيْسَ لَهُم مُرُوءَة أُخْرَى وَكَانَ قد خرج من الْعرَاق وَلم أعرف صُورَة اتِّصَال أبي عبد الله مُحَمَّد الأهدل بالشريف أَحْمد بن سَالم انْتهى بِمَعْنَاهُ وَذكر الشرجي فِي الطَّبَقَات أَن سَبَب اخفاء شرفهم أَن جدهم كَانَ إِذا سُئِلَ عَن نسبه انتسب إِلَى الْفِقْه وَنَحْوه فِي تحفة الزَّمن وَأفَاد فِيهَا أَن مِنْهُم بني مطيرة بِضَم الْمِيم وَفتح الْمُهْملَة وَإِنَّمَا

стр. 68

نبهت على ذَلِك لِأَن كثيرا من الأهدليين الَّذين لَا خبْرَة لَهُم يُنكرُونَ نسبهم إِلَى الأهدل وَمِمَّا يدل على شرفهم قَول الْوَلِيّ الشهير الْفَقِيه الْمُحدث الصُّوفِي بدر الدّين حُسَيْن بن الصّديق بن حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الأهدل فِي بعض قصائده (فَإِن غصني من أَغْصَان دوحتكم ... فَالله فِي رحمي فالرحم مَوْصُول) والمراوعة بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْوَاو الْقرْيَة الْمَشْهُورَة على مرحلة قبلي بَيت الْفَقِيه ابْن عجيل وَأول من توطنها مِنْهُم مُحَمَّد بن سُلَيْمَان فَإِنَّهُ قدم من الْعرَاق هُوَ وجد السَّادة آل باعلوي أَحْمد بن عِيسَى فِي حُدُود سنة أَرْبَعِينَ وثلثمائة فأقاما عِنْد يني عَمهمَا من النّسَب أَشْرَاف الحسنية الْبَلدة الَّتِي إِلَى الْيمن على قدم التصوف بوادي سردد بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وبدالين مهملتين الأولى مِنْهُمَا تضم وتفتح وَهُوَ مَشْهُور بِالْيمن ثمَّ بعد ذَلِك انْتقل مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْمَذْكُور إِلَى وَادي سِهَام وتوطن بالمراوعة وَذهب ابْن عَمه أَحْمد بن عِيسَى إِلَى حَضرمَوْت فاستوطنها وَحصل لكل مِنْهُمَا شهرة طنانة وذرية طيبَة وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكتاب من أولادهما جمَاعَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى الأديب أَبُو بكر بن أَحْمد بن عَلَاء الدّين بن مُحَمَّد بن عمر بن نَاصِر الدّين بن عَليّ البهرامبادي الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن الْجَوْهَرِي الأديب الشَّاعِر المطبوع أحد المجيدين فِي صناعَة الشّعْر نَشأ بِدِمَشْق وَكَانَ أَبوهُ مَاتَ وَهُوَ صَغِير فتعاني الإشتغال بالعلوم وَقَرَأَ على مَشَايِخ عصره مِنْهُم الْحسن البوريني أَخذ عَنهُ الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا وَتردد إِلَى مصر كثير للتِّجَارَة وَأخذ عَن علمائها وَكتب كثيرا بِخَطِّهِ وَحفظ وروى وَكَانَ حصل مَالا كثيرا من مِيرَاث آل إِلَيْهِ فصدمه الزَّمَان فِيهِ حَتَّى أتْلفه وَكَانَ ينظم الشّعْر الفصيح وَجمع لَهُ ديوانا رَأَيْته وانتخبت مِنْهُ هَذَا الْقدر الَّذِي أوردته وَمن أحْسنه أبياته الْمَشْهُورَة وفيهَا التَّفْرِيع وَهِي (وَمَا أم أفراخ تمزقن بالفلا ... بسطوة نسر كاسر بالمخالب) (وَقد منعت من أَن تراهن واغتدت ... تنوح وتبكي من صروف النوائب) (بأوجع مني عِنْد وَشك رحيلنا ... وحث المطايا فِي الْعلَا بالحبائب) وَله من قصيدة عَارض بهَا قصيدة الْملك الأمجد بهْرَام شاه الأيوبي الَّتِي مطْلعهَا (عهد الصِّبَا ومعاهد الأحباب ... درست كَمَا درست رسوم كتابي) وأبياته هَذِه

стр. 69

(أَمن النَّوَى أم فرقة الأحباب ... هطلت دموعك مثل هطل سَحَاب) (وَلَقَد وقفت على الربوع مسائلاً ... يَوْمًا فَلم تسمح برد جَوَاب) (عَن جيرةٍ كَانُوا بهَا فَأَجَابَنِي ... هام يناغي ناعقات غراب) (سفها رَجَوْت بِأَن أرد ليالياً ... سلفت لنا أَيَّام عصر شَبَابِي) (فأسلت دمع الْعين من آماقها ... فَجرى كودق الْعَارِض السكاب) (وَذكرت أَيَّام الشَّبَاب وملعبي ... بَين القباب وَمجمع الأتراب) (ومقامنا بالأجرعين وبالنقا ... مثوى الحبائب زَيْنَب ورباب) (فَأجَاب نطق الْحَال عَنْهُم معرباً ... والعمر قد ولى بِحَثِّ ركاب) (تبغي دنو الدَّار بعد بعادها ... هَيْهَات أَن ترتد بعد ذهَاب) وَمن مقاطيعه قَوْله (خيالك فِي عَيْني يلوح وَكلما ... ذكرتك دمع الْعين يجْرِي على الخد) (وَمَا كَانَ ظَنِّي بالتفرق بَيْننَا ... إِذا حكم الْمولى فَمَا حِيلَة العَبْد) وَقَوله أَيْضا (إِن الْغَرِيب إِذا تذكر أَهله ... فاضت مدامعه من الآماق) (لعب الغرام بِقَلْبِه فغدا على ... الجدران يشكو كَثْرَة الأشواق) وَقَوله (يَا منزلا بفراديس الشآم سقى ... ربى مغانيك هطال يروّيها) (فلي بمنزلك السَّامِي أَخُو ثِقَة ... فدته روحي من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وَذكره الخفاجي فِي كِتَابه فَقَالَ فِي حَقه شَاعِر عذب الْكَلِمَات حسن الذَّات والسمات عرائس أفكاره صباح وجوهري نفثاته صِحَاح ورد إِلَى مصر مرتدياً حلل الشَّبَاب المطرزة بطراز املحاسن والآداب وَقد سلم لدهره فِي التِّجَارَة نقد عمره (إِذا كَانَ رَأس المَال عمرك فاحترس ... عَلَيْهِ من الْإِنْفَاق فِي غير وَاجِب) وَأنْشد لَهُ فِي رَقِيب اسْمه عَمْرو ومليح يهواه اسْمه دَاوُد قَوْله (أفدي غزالاً لَهُ خَال بوجنته ... مَعَ عَارض شبه وَاو الْعَطف مَمْدُود) (كَأَنَّمَا الْخَال فَوق الخد يَحْرُسهُ ... حذار سَرقَة عمروٍ وأو دَاوُد) وَمِمَّا قلته فِي معنى مَا قَالَه (وحاسد يرسم فِي صحفه ... فضلى ويخفي الذّكر إِذْ يطرا) (فاسمى لَدَيْهِ وَاو عَمْرو لذا ... تكْتب فِي الْخط وَلَا تقْرَأ)

стр. 70

وَأَصله قَول أبي نواس (أَيهَا الْمُدَّعِي سليما سفاهاً ... لست مِنْهَا وَلَا قلامة ظفر) (إِنَّمَا أَنْت من سليم كواو ... ألحقت فِي الهجاء ظلما بِعَمْرو) وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ من أحاسن زَمَانه وَكَانَت وِلَادَته فِي غرَّة شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي بعد الثَّلَاثِينَ وَألف بِقَلِيل فِيمَا أَظن وَبَنُو الْجَوْهَرِي هَؤُلَاءِ بَيت كَبِير بِدِمَشْق خرج مِنْهُ خلق من النجباء وَكَانَ جدهم الْأَعْلَى على فِي بداية أمره صدر عِنْد أحد مُلُوك الْعَجم والصدر عبارَة عَن قَاضِي الْعَسْكَر وَكَانَ جليل الشَّأْن عليّ الْقدر ثمَّ إِنَّه رمى المنصب وَانْقطع إِلَى الله تَعَالَى مشتغلاً بِالْعبَادَة فِي زَاوِيَة بهْرَام آباد قَرْيَة من قرى أصفهان إِلَى أَن توفّي وَأول من ورد مِنْهُم إِلَى دمشق مُحَمَّد نَاصِر الدّين ابْن عَليّ الْمَذْكُور وَكَانَ قدومه إِلَيْهَا فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ صحب مَعَه جَوَاهِر ومعادن فَمن ثمَّ اشْتهر الْبَيْت كُله بِبَيْت الْجَوْهَرِي وَفِي دمشق محلّة بِالْقربِ من البيمارستان النوري تسمى محلّة حجر الذَّهَب سكها وَعمر بهَا بُيُوتًا كَثِيرَة وتناسلت ذُريَّته إِلَى عَلَاء الدّين جدّ أبي بكر فَنَشَأَ عَلَاء الدّين هَذَا فِي نعْمَة طائلة وتزوّج بابنة الْمولى بدر الدّين حسن بن حسام التبريزي وَيُقَال لَهُ الْجَوْهَرِي أَيْضا الْمَشْهُور فِي دمشق وَهُوَ الَّذِي صنع القمارى الثَّلَاث العظيمات الَّتِي فَوق محراب الْحَنَفِيَّة بمقصورة الْجَامِع الْأمَوِي وَلما دخل السُّلْطَان سليم إِلَى الشَّام استقبله الْجَوْهَرِي الْمَذْكُور وَكَانَت لَهُ عِنْده الرّفْعَة التَّامَّة وللحسن الْمَذْكُور بيُوت بِدِمَشْق وعمارات لَطِيفَة وَمَسْجِد بِالْقربِ من البيمارستان النوري عَلَيْهِ أوقاف دارة وجدت فِي بعض المجاميع أَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الْمولى عبد الرَّحْمَن الجامي ورد دمشق حَاجا فأنزله الْحسن الْمَذْكُور فِي بَيت وأكرمه وَأحمد وَالِد أبي بكر هَذَا من بنت الْحسن الْمَذْكُور وَكَانَ صَاحب كرامات ومكاشفات وأحوال باهرة وَكَانَ موسوماً بِعلم الكيميا فِيمَا يُقَال رَحمَه الله تَعَالَى وَالله تَعَالَى أعلم الشَّيْخ أَبُو بكر بن أَحْمد بن حُسَيْن بن عبد الله بن شيخ بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس صَاحب دولة آباد أحد أجواد الدُّنْيَا الْوَرع العابد الناسك اليمني التريمي ولد بِمَدِينَة تريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وَغَيره من كتب ورسائل وَصَحب أَبَاهُ وحذا حذوه ثمَّ سَافر إِلَى الديار الْهِنْدِيَّة وَأقَام بهَا فِي أَنْضَرُ عَيْش وَاجْتمعَ بأعظم سلاطين تِلْكَ الديار فِي ذَلِك الزَّمَان وَهُوَ الْمُسَمّى بخرم شاهجان فأنعم عَلَيْهِ وَقرر لَهُ

стр. 71

مُؤْنَته كل يَوْم من ملبوس ومطعوم ترادفت عَلَيْهِ الفتوحات الظَّاهِرَة والباطنة ثمَّ قطن بِمَدِينَة دولة آباد وَصَارَ بهَا ملْجأ للوافدين وَلم يزل بهَا إِلَى أَن مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وقبره هُنَاكَ مَعْرُوف يزار السَّيِّد أَبُو بكر بن أَحْمد بن أبي بكر بن عبد الله بن أبي بكر بن علوي بن عبد الله ابْن عَليّ بن الشَّيْخ الإِمَام عبد الله بن عَليّ بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه مُحَمَّد الْمُقدم ابْن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن علوي بن مُحَمَّد بن علوي بن عبيد الله بالتصغر ابْن أَحْمد بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ العريضي ابْن جَعْفَر الصَّادِق ابْن مُحَمَّد الباقر ابْن عَليّ زين العابدين بن الْحُسَيْن السبط ابْن عَليّ بن أبي طَالب باعلوي الشلي السَّيِّد الْأَجَل الشَّافِعِي الْمَذْهَب قَالَ وَلَده مُحَمَّد فِي مشرعه الروى سَيِّدي الْوَالِد حاوي الْفَضَائِل الخالد مِنْهَا والتالد المتدرع جِلْبَاب الْهدى والتقى المتورع الَّذِي حل مَحل النَّجْم وارتقى إِلَى آخر مَا قَالَ وَبسط الْمقَال ثمَّ قَالَ ولد بتريم فِي سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وَحفظ الْقُرْآن على الْمعلم الآديب عمر بن عبد الله الْخَطِيب ورباه وَالِده وأدبه معلمه بِأَحْسَن تربية وَمَات أَبوهُ وهودون الأحتلام فَقَامَ بتربيته شَيْخه شيخ الْإِسْلَام عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين ثمَّ اشْتغل بتحصيل الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فَقَرَأَ الْفِقْه على شَيْخه الْمَذْكُور وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير والتصوف والعربية وَأخذ ذَلِك عَن غَيره مِنْهُم السَّيِّد الْجَلِيل عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عقيل السقاف والعارف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو بكر بن عَليّ الْمعلم وَأدْركَ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد بن عقيل مديحج وَصَحب الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس ولازمه فِي دروسه وَألبسهُ الْخِرْقَة كل هَؤُلَاءِ وأذنوا لَهُ فِي ألباسها ثمَّ سَافر إِلَى الواديين وَادي دوعن ووادي عمد الْمَشْهُورين وَأخذ بهما عَن جمَاعَة من العارفين ثمَّ أشيع فِي تريم بِأَنَّهُ يُرِيد الْحَج فِي ذَلِك الْعَام وكتبت لَهُ والدته وَبَعض مشايخه يعتبونه فِي عدم استشارتهم فَعلم أَنه نُودي حَيْثُ لم يخْطر بِهِ الْحَج فحج على قدم التَّجْرِيد وزار جده سيد الْمُرْسلين وجاور بِالْمَدِينَةِ أَربع سِنِين وَأخذ بالحرمين عَن جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم وَأحمد بن عَلان وَالشَّيْخ أَحْمد الْخَطِيب وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ وَالشَّيْخ مُحَمَّد المنوفي وَالشَّيْخ أَبُو الْفَتْح بن حجر وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن عبد الْملك العصامي ودأب فِي تَحْصِيل الْفَضَائِل إِلَى أَن أحَاط علما بالمهم من الْفُرُوع وَالْأُصُول ثمَّ ساح فوصل إِلَى بندر عدن وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ أَحْمد بن عمر العيدروس ولازم صُحْبَة

стр. 72

كثيرا ثمَّ نوى الرحلة إِلَى الديار الْهِنْدِيَّة فَلَمَّا اسْتَشَارَ شَيْخه صرفه عَن هَذِه النِّيَّة وَأخذ لَهُ من نَائِب الْيمن مَرَاسِيل إِلَى وَإِلَى مَدِينَة تريم فِي أُمُور تتَعَلَّق بخويصة نَفسه فتمت لَهُ وَلما وصل إِلَى بَلَده وَذَلِكَ سنة أَربع عشرَة وَألف تزوج ولازم الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَكثر من مائَة كتاب من الْكتب الْمَشْهُورَة وَهِي فِي مُعْجَمه مَذْكُورَة مِنْهَا الْأُمَّهَات السِّت ومحاسن أسفار التصوف وَلما مَاتَ شَيْخه أَبُو بكر على الْمعلم أمره جمَاعَة من الْمَشَايِخ بِالْجُلُوسِ للدرس فِي مَحَله فِي مَسْجِد آل با علوي الدَّرْس الْعَام بعد الْعشَاء فتوقف لكَون هَذَا الدَّرْس يحضرهُ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء وكثيرون من الأدباء والفضلاء إِلَى أَن رأى الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الشَّيْخ الْوَلِيّ عبد الله با علوي يَأْمُرهُ بِالْجُلُوسِ فانشرح صَدره وَلما درس حَضَره الإجلاء وَكَانَ من أحسن أهل زَمَانه قِرَاءَة وبيانا وَفتح الله تَعَالَى مَا استغلق على كثير ولازمه جمَاعَة فِي منزله لقِرَاءَة بعض الْفُنُون وَكَانَ فِي الْغَالِب من السنين يخْتم إحْيَاء عُلُوم الدّين وَأخذ عَنهُ خلق ولبسوا مِنْهُ الْخِرْقَة وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ السَّيِّد الْجَلِيل عبد الله بن عقيل بن عبد الله بن عقيل مديحج وَابْن عَمه السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الله بن عقيل وَالشَّيْخ جَعْفَر الصَّادِق ابْن زين الدّين العيدروس قبل رحلته إِلَى الْهِنْد وَالسَّيِّد عبد الله بن حُسَيْن بافقيه صَاحب كنور قبل سَفَره من تريم وَبَينه وَبَين هَذَا الْأَخيرينِ مكاتبات وَكَانَ لَهُ مَعَ أدباء عصره مجَالِس وتنزهات وَيُقَال أَن بعض أَصْحَابه جمعهَا فِي ديوَان وَكَانَ فائقا فِي الظّرْف وَالْملح حَافِظًا للسيرة النَّبَوِيَّة وتراجم السّلف وَالصَّالِحِينَ وتواريخ الْمُتَقَدِّمين متقنا لما يعرفهُ ثبتا فِيمَا يَنْقُلهُ لَهُ يَد طولى فِي علم الْأَدَب وصنف عدَّة كتب ورسائل ومختصرات مِنْهَا كتاب فِي فضل رَمَضَان وَالصِّيَام وَكَانَ يقْرَأ مِنْهُ كل لَيْلَة من ليَالِي رَمَضَان بعد التَّرَاوِيح وَاخْتصرَ كتاب الْغرَر للسَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ خرد وَله تعليقات على الْأَحْيَاء والعوارف ورسائل ابْن عباد وَله فِي أَلْفَاظ غَرِيبَة فِي اللُّغَة على تَرْتِيب نِهَايَة ابْن الْأَثِير وَله مَجْمُوع جمع فِيهِ مقروآته ومسموعاته ومشايخه وتاريخ وفيات الْأَعْيَان من أهل الزَّمَان وَشرع فِي جمع تَارِيخ عَام لأهل عصره وَمَا جريات دهره وَلكنه لم يتم وَله نظم حسن لكنه قَلِيل بل قيل أَنه بله قبل مَوته وَكَانَ كثير المطالعة للكتب لَهُ جلد عَظِيم على قرَاءَتهَا فَرُبمَا استوعب المجلد الضخم فِي يَوْم أَو لَيْلَة وَيُقَال أَنه قَرَأَ الْأَحْيَاء فِي عشرَة أَيَّام وَهَذَا أَمر عَجِيب بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل هَذَا الزَّمن وَأَنه كَانَ حكى

стр. 73

عَن بعض الْحفاظ مَا هُوَ أعظم من هَذَا فقد قَرَأَ مجد الدّين الفيروز أبادي صَحِيح مُسلم فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَذكر الْقُسْطَلَانِيّ أَنه قَرَأَ البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مجَالِس وَبَعض مجْلِس وَذكر الذَّهَبِيّ أَن الْحَافِظ أَبَا بكر الْخَطِيب قَرَأَ البُخَارِيّ فِي ثَلَاثَة مجَالِس قَالَ وَهَذَا شَيْء لَا أعلم أحدا فِي زَمَاننَا يستطيعه وَالَّذِي فِي تَرْجَمته أَنه قَرَأَهُ فِي خَمْسَة أَيَّام وَأَظنهُ الصَّوَاب انْتهى وَذكر السخاروي أَن شَيْخه الْحَافِظ ابْن حجر قَرَأَ سنَن ابْن مَاجَه فِي أَرْبَعَة مجَالِس وصحيح مُسلم فِي أَرْبَعَة مجَالِس وَكتاب النساي الْكَبِير فِي عشرَة مجَالِس كل مجْلِس نَحْو أَربع سَاعَات وَمجمع الطَّبَرَانِيّ الصَّغِير فِي مجْلِس وَاحِد بَين الظّهْر وَالْعصر وَهَذَا أسْرع مَا وَقع لَهُ وَفِي تَارِيخ الْخَطِيب أَن إِسْمَاعِيل ابْن أَحْمد النَّيْسَابُورِي قَرَأَ البُخَارِيّ فِي ثَلَاثَة مجَالِس يبتدي من الْمغرب وَيقطع القرأءة وَقت الْفجْر وَمن الضُّحَى إِلَى الْمغرب وَالثَّالِث من الْمغرب إِلَى الْفجْر وَحكى أَن حَافظ الْمغرب العبدوسي قَرَأَ البُخَارِيّ بِلَفْظِهِ أَيَّام الإستسقاء فِي يَوْم وَاحِد قَالَ وَكَانَ الْوَالِد يجمع جمَاعَة يسبحون ألف تَسْبِيحَة يهديها لبَعض الْأَمْوَات ويهللون سبعين ألف تَهْلِيلَة يهديها لبَعْضهِم وَكَانَ أهل تريم يعتنون بِهَذَا ويوصي بَعضهم بِمَال لذَلِك وَكَانَ هُوَ المتصدي لذَلِك والقائم بِهِ وَهَذَا الْمَذْكُور تداوله الصُّوفِيَّة قَدِيما وحديثا وَأوصى بَعضهم بالمحافظة عَلَيْهِ وَذكروا الله تَعَالَى يعْتق بِهِ رَقَبَة من أهْدى لَهُ وَأَنه ورد فِي الحَدِيث وَذكر الإِمَام الرَّافِعِيّ أَن شَابًّا كَانَ من أهل الْكَشْف مَاتَت أمه فَبكى وَصَاح فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ أَن أُمِّي ذَهَبُوا بهَا إِلَى النَّار وَكَانَ بعض الإخوان حَاضرا فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قد هللت سبعين ألف تَهْلِيلَة وَإِنِّي أشهدك إِنِّي قد أَهْدَيْتهَا الْأُم هَذَا الشَّاب فَقَالَ أخرجُوا أُمِّي من النَّار وأدخلوها الْجنَّة قَالَ الْمهْدي الْمَذْكُور فَحصل لي صدق الْخَبَر وَصدق كشف الشَّاب وَلَكِن قَالَ ابْن حجر أَن الْخَبَر الْمَذْكُور وَهُوَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله سبعين ألفا فقد اشْترى نَفسه من النَّار بَاطِل مَوْضُوع قَالَ الْحَافِظ النَّجْم الغيطي لَكِن يَنْبَغِي للشَّخْص أَن يفعل ذَلِك اقْتِدَاء بالسادة الصُّوفِيَّة وامتثالا لأقوال من أوصى بِهِ وتبركا بأفعالهم وَقد ذكره الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي مُحَمَّد بن عراق فِي بعض رسائله قَالَ وَكَانَ شَيْخه يَأْمر بِهِ وَإِن بعض إخوانه يهلل السّبْعين ألف مَا بَين الْفجْر وطلوع الشَّمْس قَالَ وَهَذِه كَرَامَة من الله تَعَالَى وَأما التَّسْبِيح فَلهُ أصل فقد أخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط والخرائطي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ من قَالَ إِذا أصبح سُبْحَانَ الله

стр. 74

وَبِحَمْدِهِ ألف مرّة فقد اشْترى نَفسه من الله وَكَانَ آخر يَوْمه عَتيق الله قَالَ النَّجْم الغيطي وَهَذِه فَائِدَة عَظِيمَة فَيَنْبَغِي أَن يحافظ عَلَيْهَا قَالَ وَكَانَ الْوَالِد لَهُ اعتناء تَامّ بِالذكر لَا سِيمَا راءة الْقُرْآن وَكَانَ يتهجد وَيُصلي الْوتر مَعَ مقدمته كل لَيْلَة ثَلَاث عشرَة رَكْعَة وَكَانَ يحث أَصْحَابه على التَّهَجُّد وَكَانَ يَقُول تعود الْقيام آخر اللَّيْل وَلَو أَنَّك تلعب وَكَانَ يعسر عَلَيْهِ الصَّوْم فَلَا يَصُوم إِلَّا رَمَضَان وَرُبمَا صَامَ سِتا من شَوَّال قَالَ بعض الْعلمَاء وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا لحدة ذهنه فَكَانَ لَا يُطيق الصَّوْم وَكَانَ يجتزي باليسير من الْغذَاء وَمن الملبس وَمن الملاذ الدُّنْيَوِيَّة كثير التقشف طارحاً للتكلف كثير الِاحْتِمَال وَكَانَ يُؤثر الْعُزْلَة على الِاجْتِمَاع وَكَانَ كثير الشَّفَقَة على أَصْحَابه كثير الاعتناء بأقاربه مبالغاً فِي تَعْظِيم الْعلمَاء والأولياء وَكَانَ يكره الْمَدْح فِي المراسلات والمكاتبات وَكَانَ لَا يحب إِظْهَار الكرامات ويتأذى من خرق الْعَادَات وَكَانَ إِذا دَعَا لأحد بِشَيْء اسْتَجَابَ الله دعاءه وَإِذا توسل بِهِ أحد مِمَّن يَعْتَقِدهُ إِلَى الله تَعَالَى حصل لَهُ مُرَاده وَمَا عَادَاهُ أحد إِلَّا رَجَعَ وَاعْتذر إِلَيْهِ وَمَا مكر بِهِ أحد إِلَّا رَجَعَ مكره عَلَيْهِ قَالَ وَلَده وَمِمَّا وَقع لي مَعَه أَنِّي كنت أرى أَنه يطلع على مَا يصدر مني حَال غيبتي عَنهُ فَإِذا اشتغلت بِطَاعَة قابلني بِوَجْه مسرور وَإِذا اشتغلت بلعب قابلني بضد الْمَذْكُور وَلما شاورته فِي السّفر إِلَى الْهِنْد قَالَ أرى أَن الْمدَّة قرب انقضاؤها وَكنت أود أَنَّك تحضر وفاتي فَقلت أَتَخَلَّف عَن السّفر فَقَالَ سَافر فَأَنت فِي وَدِيعَة الله تَعَالَى وَمَا أَرَادَهُ سَيكون وَكَانَ الْأَمر كَمَا ذكر فَكَانَ انْتِقَاله لخمس بَقينَ من صفر سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وَقبض وَهُوَ جَالس محتب بالحبوة فِي دهليز ذاره الَّتِي بِالْقربِ من مَسْجِد بني علوي من غير مرض ظَاهر بل كَانَ يشتكي صَدره فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه مِمَّن لَهُ اعتناء بالطب دواك كَذَا وَكَذَا فَقَالَ لَهُ هَذَا دَاء عضال مشْعر بالارتحال وانتقل قبل الْعَصْر وَشَكوا فِي مَوته فبيتوه فِي دَاره وَبَات النَّاس يقرؤن عَلَيْهِ وصلوا صبح ثَانِي يَوْم فِي الْجَبانَة وَدفن بمقبرة زنبل فِي الْقَبْر الملاصق لوالده رَحمَه الله تَعَالَى وَآل باعلوي منسوبون إِلَى علوي وَهَذِه النِّسْبَة وَإِن لم تكن من وضع الْعَرَبيَّة لَكِنَّهَا مَعْرُوفَة لأهل الديار الحضرموتية فَإِنَّهُم يلزمون الكنية الْألف بِكُل حَال على لُغَة الْقصر فَيَقُولُونَ لبني علوي باعلوي ولبني حسن باحسن ولبني حُسَيْن باحسين وعلوي هُوَ ابْن عبيد الله بن أَحْمد بن عِيسَى فَإِنَّهُ جدهم الْأَكْبَر الْجَامِع لنسبهم ونسبهم مجمع عَلَيْهِ أهل التَّحْقِيق وَقد اعتنى ببيانه جمع كثير من الْعلمَاء

стр. 75

وَذكر بَعضهم أَن السَّادة بني علوي لما اسْتَقر وابحضرموت أَرَادَ بعض أَئِمَّة ذَلِك الزَّمَان أَن يُؤَكد تِلْكَ النِّسْبَة المحمدية فَطلب مِنْهُم تَصْحِيح نسبهم بِحجَّة شَرْعِيَّة فسافر الإِمَام الْحَافِظ الْمُجْتَهد أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن جَدِيد إِلَى الْعرَاق وَأثبت نسبهم وَأشْهد على ذَلِك نَحْو مائَة عدل مِمَّن يُرِيد الْحَج ثمَّ أثبت ذَلِك بِمَكَّة وَأشْهد على ذَلِك جَمِيع من حج من أهل حَضرمَوْت فَقدم هَؤُلَاءِ الشُّهُود فِي يَوْم مشهود وشهدوا بِثُبُوت نسبهم فَعِنْدَ ذَلِك انقشعت سحب الأوهام وتبلجت غرَّة الشّرف وأميط عَنْهَا عَنْهَا اللثام وَلَقَد أحسن من قَالَ (وجحود من جحد الصَّباح إِذا بدا ... من بعد مَا انتشرت لَهُ الأضواء) (مَا ذَاك أَن الشَّمْس لَيْسَ بطالع ... بل أَن عَنَّا أنْكرت عمياء) وجديد الْمَذْكُور بِفَتْح الْجِيم ودالين مهملتين بَينهمَا تحتية أَخُو علوي الْمَذْكُور وَله أَخ آخر شَقِيق اسْمه بصرى كَانَا إمامين عَالمين أفرد ترجمتهما بالتأليف وَلَهُمَا ذُرِّيَّة اشْتهر مِنْهُم جمَاعَة بالعلوم وَتُوفِّي الثَّلَاثَة بقرية سمل بِضَم الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَهِي على نَحْو سِتَّة أَمْيَال من مَدِينَة تريم سميت باسم الَّذِي اختطها وَلَا يعرف الْآن إِلَّا قبر علوي وَقيل إِن جَدِيدا انْتقل بِبَيْت جُبَير وَكَانَت رياسة الْعلم وَالْفضل لبني بصرى ثمَّ انقرضوا فِي أثْنَاء الْقرن السَّادِس وانتقلت الرياسة لبني جَدِيد بن عبد الله ثمَّ انقرضوا على رَأس السَّادِسَة واختص الذّكر المخلد ببني علوي فطبقوا الأَرْض وَعم نفعهم الطول وَالْعرض ذكرهم بَاقٍ على صفحات الزَّمَان مَعْلُوم عِنْد القاصي والدان وتوطنهم حَضرمَوْت إِن الله تَعَالَى لما أَرَادَ بِأَهْلِهَا خير أهْدى إِلَيْهِم السَّيِّد الْمَذْكُور فاستقر بهَا هُوَ وَأَهله ومواليه قاطبة وتدبرها وَكَانَ سَبَب هِجْرَة جدهم أَحْمد بن عِيسَى من الْبَصْرَة وَمَا والاها من الْبِلَاد مَا حصل بهَا من الْفِتَن والأهوال حَتَّى وَجَبت الْهِجْرَة مِنْهَا فَهَاجَرَ مِنْهَا سنة سبع عشرَة وثلثمائة وسافر مَعَه وَلَده عبد الله لصغره وتخلف وَلَده مُحَمَّد على أَمْوَاله وَاسْتمرّ مُحَمَّد بِالْبَصْرَةِ إِلَى أَن توفّي بهَا وارتحل مَعَ الإِمَام أَحْمد من بني عَمه اثْنَان أَحدهمَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبيد بن عِيسَى ابْن علوي بن مُحَمَّد حمحام بن عون بن مُوسَى الكاظم جد السَّادة بني الأهدل وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِم وَالثَّانِي جد السَّادة بني قديم بِضَم الْقَاف مُصَغرًا وَسَيَأْتِي ذكر جمَاعَة مِنْهُم وتوطن جد السَّادة المهادلة السَّيِّد الْكَبِير جد بني قديم بوادي سردد بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَضم الدَّال الْمُهْملَة المكررة وَهَذَانِ الواديان مشهوران بِالْيمن خرج
следующие страницы →