Полный текст (1 978 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
مُؤْنَته كل يَوْم من ملبوس ومطعوم ترادفت عَلَيْهِ الفتوحات الظَّاهِرَة والباطنة ثمَّ قطن بِمَدِينَة دولة آباد وَصَارَ بهَا ملْجأ للوافدين وَلم يزل بهَا إِلَى أَن مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وقبره هُنَاكَ مَعْرُوف يزار
السَّيِّد أَبُو بكر بن أَحْمد بن أبي بكر بن عبد الله بن أبي بكر بن علوي بن عبد الله ابْن عَليّ بن الشَّيْخ الإِمَام عبد الله بن عَليّ بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه مُحَمَّد الْمُقدم ابْن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن علوي بن مُحَمَّد بن علوي بن عبيد الله بالتصغر ابْن أَحْمد بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ العريضي ابْن جَعْفَر الصَّادِق ابْن مُحَمَّد الباقر ابْن عَليّ زين العابدين بن الْحُسَيْن السبط ابْن عَليّ بن أبي طَالب باعلوي الشلي السَّيِّد الْأَجَل الشَّافِعِي الْمَذْهَب قَالَ وَلَده مُحَمَّد فِي مشرعه الروى سَيِّدي الْوَالِد حاوي الْفَضَائِل الخالد مِنْهَا والتالد المتدرع جِلْبَاب الْهدى والتقى المتورع الَّذِي حل مَحل النَّجْم وارتقى إِلَى آخر مَا قَالَ وَبسط الْمقَال ثمَّ قَالَ ولد بتريم فِي سنة تسعين وَتِسْعمِائَة وَحفظ الْقُرْآن على الْمعلم الآديب عمر بن عبد الله الْخَطِيب ورباه وَالِده وأدبه معلمه بِأَحْسَن تربية وَمَات أَبوهُ وهودون الأحتلام فَقَامَ بتربيته شَيْخه شيخ الْإِسْلَام عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين ثمَّ اشْتغل بتحصيل الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فَقَرَأَ الْفِقْه على شَيْخه الْمَذْكُور وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير والتصوف والعربية وَأخذ ذَلِك عَن غَيره مِنْهُم السَّيِّد الْجَلِيل عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عقيل السقاف والعارف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو بكر بن عَليّ الْمعلم وَأدْركَ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد بن عقيل مديحج وَصَحب الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس ولازمه فِي دروسه وَألبسهُ الْخِرْقَة كل هَؤُلَاءِ وأذنوا لَهُ فِي ألباسها ثمَّ سَافر إِلَى الواديين وَادي دوعن ووادي عمد الْمَشْهُورين وَأخذ بهما عَن جمَاعَة من العارفين ثمَّ أشيع فِي تريم بِأَنَّهُ يُرِيد الْحَج فِي ذَلِك الْعَام وكتبت لَهُ والدته وَبَعض مشايخه يعتبونه فِي عدم استشارتهم فَعلم أَنه نُودي حَيْثُ لم يخْطر بِهِ الْحَج فحج على قدم التَّجْرِيد وزار جده سيد الْمُرْسلين وجاور بِالْمَدِينَةِ أَربع سِنِين وَأخذ بالحرمين عَن جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم وَأحمد بن عَلان وَالشَّيْخ أَحْمد الْخَطِيب وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ وَالشَّيْخ مُحَمَّد المنوفي وَالشَّيْخ أَبُو الْفَتْح بن حجر وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن عبد الْملك العصامي ودأب فِي تَحْصِيل الْفَضَائِل إِلَى أَن أحَاط علما بالمهم من الْفُرُوع وَالْأُصُول ثمَّ ساح فوصل إِلَى بندر عدن وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ أَحْمد بن عمر العيدروس ولازم صُحْبَة
стр. 72
كثيرا ثمَّ نوى الرحلة إِلَى الديار الْهِنْدِيَّة فَلَمَّا اسْتَشَارَ شَيْخه صرفه عَن هَذِه النِّيَّة وَأخذ لَهُ من نَائِب الْيمن مَرَاسِيل إِلَى وَإِلَى مَدِينَة تريم فِي أُمُور تتَعَلَّق بخويصة نَفسه فتمت لَهُ وَلما وصل إِلَى بَلَده وَذَلِكَ سنة أَربع عشرَة وَألف تزوج ولازم الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَكثر من مائَة كتاب من الْكتب الْمَشْهُورَة وَهِي فِي مُعْجَمه مَذْكُورَة مِنْهَا الْأُمَّهَات السِّت ومحاسن أسفار التصوف وَلما مَاتَ شَيْخه أَبُو بكر على الْمعلم أمره جمَاعَة من الْمَشَايِخ بِالْجُلُوسِ للدرس فِي مَحَله فِي مَسْجِد آل با علوي الدَّرْس الْعَام بعد الْعشَاء فتوقف لكَون هَذَا الدَّرْس يحضرهُ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء وكثيرون من الأدباء والفضلاء إِلَى أَن رأى الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الشَّيْخ الْوَلِيّ عبد الله با علوي يَأْمُرهُ بِالْجُلُوسِ فانشرح صَدره وَلما درس حَضَره الإجلاء وَكَانَ من أحسن أهل زَمَانه قِرَاءَة وبيانا وَفتح الله تَعَالَى مَا استغلق على كثير ولازمه جمَاعَة فِي منزله لقِرَاءَة بعض الْفُنُون وَكَانَ فِي الْغَالِب من السنين يخْتم إحْيَاء عُلُوم الدّين وَأخذ عَنهُ خلق ولبسوا مِنْهُ الْخِرْقَة وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ السَّيِّد الْجَلِيل عبد الله بن عقيل بن عبد الله بن عقيل مديحج وَابْن عَمه السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الله بن عقيل وَالشَّيْخ جَعْفَر الصَّادِق ابْن زين الدّين العيدروس قبل رحلته إِلَى الْهِنْد وَالسَّيِّد عبد الله بن حُسَيْن بافقيه صَاحب كنور قبل سَفَره من تريم وَبَينه وَبَين هَذَا الْأَخيرينِ مكاتبات وَكَانَ لَهُ مَعَ أدباء عصره مجَالِس وتنزهات وَيُقَال أَن بعض أَصْحَابه جمعهَا فِي ديوَان وَكَانَ فائقا فِي الظّرْف وَالْملح حَافِظًا للسيرة النَّبَوِيَّة وتراجم السّلف وَالصَّالِحِينَ وتواريخ الْمُتَقَدِّمين متقنا لما يعرفهُ ثبتا فِيمَا يَنْقُلهُ لَهُ يَد طولى فِي علم الْأَدَب وصنف عدَّة كتب ورسائل ومختصرات مِنْهَا كتاب فِي فضل رَمَضَان وَالصِّيَام وَكَانَ يقْرَأ مِنْهُ كل لَيْلَة من ليَالِي رَمَضَان بعد التَّرَاوِيح وَاخْتصرَ كتاب الْغرَر للسَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ خرد وَله تعليقات على الْأَحْيَاء والعوارف ورسائل ابْن عباد وَله فِي أَلْفَاظ غَرِيبَة فِي اللُّغَة على تَرْتِيب نِهَايَة ابْن الْأَثِير وَله مَجْمُوع جمع فِيهِ مقروآته ومسموعاته ومشايخه وتاريخ وفيات الْأَعْيَان من أهل الزَّمَان وَشرع فِي جمع تَارِيخ عَام لأهل عصره وَمَا جريات دهره وَلكنه لم يتم وَله نظم حسن لكنه قَلِيل بل قيل أَنه بله قبل مَوته وَكَانَ كثير المطالعة للكتب لَهُ جلد عَظِيم على قرَاءَتهَا فَرُبمَا استوعب المجلد الضخم فِي يَوْم أَو لَيْلَة وَيُقَال أَنه قَرَأَ الْأَحْيَاء فِي عشرَة أَيَّام وَهَذَا أَمر عَجِيب بِالنِّسْبَةِ إِلَى أهل هَذَا الزَّمن وَأَنه كَانَ حكى
стр. 73
عَن بعض الْحفاظ مَا هُوَ أعظم من هَذَا فقد قَرَأَ مجد الدّين الفيروز أبادي صَحِيح مُسلم فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَذكر الْقُسْطَلَانِيّ أَنه قَرَأَ البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مجَالِس وَبَعض مجْلِس وَذكر الذَّهَبِيّ أَن الْحَافِظ أَبَا بكر الْخَطِيب قَرَأَ البُخَارِيّ فِي ثَلَاثَة مجَالِس قَالَ وَهَذَا شَيْء لَا أعلم أحدا فِي زَمَاننَا يستطيعه وَالَّذِي فِي تَرْجَمته أَنه قَرَأَهُ فِي خَمْسَة أَيَّام وَأَظنهُ الصَّوَاب انْتهى وَذكر السخاروي أَن شَيْخه الْحَافِظ ابْن حجر قَرَأَ سنَن ابْن مَاجَه فِي أَرْبَعَة مجَالِس وصحيح مُسلم فِي أَرْبَعَة مجَالِس وَكتاب النساي الْكَبِير فِي عشرَة مجَالِس كل مجْلِس نَحْو أَربع سَاعَات وَمجمع الطَّبَرَانِيّ الصَّغِير فِي مجْلِس وَاحِد بَين الظّهْر وَالْعصر وَهَذَا أسْرع مَا وَقع لَهُ وَفِي تَارِيخ الْخَطِيب أَن إِسْمَاعِيل ابْن أَحْمد النَّيْسَابُورِي قَرَأَ البُخَارِيّ فِي ثَلَاثَة مجَالِس يبتدي من الْمغرب وَيقطع القرأءة وَقت الْفجْر وَمن الضُّحَى إِلَى الْمغرب وَالثَّالِث من الْمغرب إِلَى الْفجْر وَحكى أَن حَافظ الْمغرب العبدوسي قَرَأَ البُخَارِيّ بِلَفْظِهِ أَيَّام الإستسقاء فِي يَوْم وَاحِد قَالَ وَكَانَ الْوَالِد يجمع جمَاعَة يسبحون ألف تَسْبِيحَة يهديها لبَعض الْأَمْوَات ويهللون سبعين ألف تَهْلِيلَة يهديها لبَعْضهِم وَكَانَ أهل تريم يعتنون بِهَذَا ويوصي بَعضهم بِمَال لذَلِك وَكَانَ هُوَ المتصدي لذَلِك والقائم بِهِ وَهَذَا الْمَذْكُور تداوله الصُّوفِيَّة قَدِيما وحديثا وَأوصى بَعضهم بالمحافظة عَلَيْهِ وَذكروا الله تَعَالَى يعْتق بِهِ رَقَبَة من أهْدى لَهُ وَأَنه ورد فِي الحَدِيث وَذكر الإِمَام الرَّافِعِيّ أَن شَابًّا كَانَ من أهل الْكَشْف مَاتَت أمه فَبكى وَصَاح فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ أَن أُمِّي ذَهَبُوا بهَا إِلَى النَّار وَكَانَ بعض الإخوان حَاضرا فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قد هللت سبعين ألف تَهْلِيلَة وَإِنِّي أشهدك إِنِّي قد أَهْدَيْتهَا الْأُم هَذَا الشَّاب فَقَالَ أخرجُوا أُمِّي من النَّار وأدخلوها الْجنَّة قَالَ الْمهْدي الْمَذْكُور فَحصل لي صدق الْخَبَر وَصدق كشف الشَّاب وَلَكِن قَالَ ابْن حجر أَن الْخَبَر الْمَذْكُور وَهُوَ من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله سبعين ألفا فقد اشْترى نَفسه من النَّار بَاطِل مَوْضُوع قَالَ الْحَافِظ النَّجْم الغيطي لَكِن يَنْبَغِي للشَّخْص أَن يفعل ذَلِك اقْتِدَاء بالسادة الصُّوفِيَّة وامتثالا لأقوال من أوصى بِهِ وتبركا بأفعالهم وَقد ذكره الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي مُحَمَّد بن عراق فِي بعض رسائله قَالَ وَكَانَ شَيْخه يَأْمر بِهِ وَإِن بعض إخوانه يهلل السّبْعين ألف مَا بَين الْفجْر وطلوع الشَّمْس قَالَ وَهَذِه كَرَامَة من الله تَعَالَى وَأما التَّسْبِيح فَلهُ أصل فقد أخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط والخرائطي عَن ابْن عَبَّاس أَنه
قَالَ من قَالَ إِذا أصبح سُبْحَانَ الله
стр. 74
وَبِحَمْدِهِ ألف مرّة فقد اشْترى نَفسه من الله وَكَانَ آخر يَوْمه عَتيق الله قَالَ النَّجْم الغيطي وَهَذِه فَائِدَة عَظِيمَة فَيَنْبَغِي أَن يحافظ عَلَيْهَا قَالَ وَكَانَ الْوَالِد لَهُ اعتناء تَامّ بِالذكر لَا سِيمَا راءة الْقُرْآن وَكَانَ يتهجد وَيُصلي الْوتر مَعَ مقدمته كل لَيْلَة ثَلَاث عشرَة رَكْعَة وَكَانَ يحث أَصْحَابه على التَّهَجُّد وَكَانَ يَقُول تعود الْقيام آخر اللَّيْل وَلَو أَنَّك تلعب وَكَانَ يعسر عَلَيْهِ الصَّوْم فَلَا يَصُوم إِلَّا رَمَضَان وَرُبمَا صَامَ سِتا من شَوَّال قَالَ بعض الْعلمَاء وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا لحدة ذهنه فَكَانَ لَا يُطيق الصَّوْم وَكَانَ يجتزي باليسير من الْغذَاء وَمن الملبس وَمن الملاذ الدُّنْيَوِيَّة كثير التقشف طارحاً للتكلف كثير الِاحْتِمَال وَكَانَ يُؤثر الْعُزْلَة على الِاجْتِمَاع وَكَانَ كثير الشَّفَقَة على أَصْحَابه كثير الاعتناء بأقاربه مبالغاً فِي تَعْظِيم الْعلمَاء والأولياء وَكَانَ يكره الْمَدْح فِي المراسلات والمكاتبات وَكَانَ لَا يحب إِظْهَار الكرامات ويتأذى من خرق الْعَادَات وَكَانَ إِذا دَعَا لأحد بِشَيْء اسْتَجَابَ الله دعاءه وَإِذا توسل بِهِ أحد مِمَّن يَعْتَقِدهُ إِلَى الله تَعَالَى حصل لَهُ مُرَاده وَمَا عَادَاهُ أحد إِلَّا رَجَعَ وَاعْتذر إِلَيْهِ وَمَا مكر بِهِ أحد إِلَّا رَجَعَ مكره عَلَيْهِ قَالَ وَلَده وَمِمَّا وَقع لي مَعَه أَنِّي كنت أرى أَنه يطلع على مَا يصدر مني حَال غيبتي عَنهُ فَإِذا اشتغلت بِطَاعَة قابلني بِوَجْه مسرور وَإِذا اشتغلت بلعب قابلني بضد الْمَذْكُور وَلما شاورته فِي السّفر إِلَى الْهِنْد قَالَ أرى أَن الْمدَّة قرب انقضاؤها وَكنت أود أَنَّك تحضر وفاتي فَقلت أَتَخَلَّف عَن السّفر فَقَالَ سَافر فَأَنت فِي وَدِيعَة الله تَعَالَى وَمَا أَرَادَهُ سَيكون وَكَانَ الْأَمر كَمَا ذكر فَكَانَ انْتِقَاله لخمس بَقينَ من صفر سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وَقبض وَهُوَ جَالس محتب بالحبوة فِي دهليز ذاره الَّتِي بِالْقربِ من مَسْجِد بني علوي من غير مرض ظَاهر بل كَانَ يشتكي صَدره فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه مِمَّن لَهُ اعتناء بالطب دواك كَذَا وَكَذَا فَقَالَ لَهُ هَذَا دَاء عضال مشْعر بالارتحال وانتقل قبل الْعَصْر وَشَكوا فِي مَوته فبيتوه فِي دَاره وَبَات النَّاس يقرؤن عَلَيْهِ وصلوا صبح ثَانِي يَوْم فِي الْجَبانَة وَدفن بمقبرة زنبل فِي الْقَبْر الملاصق لوالده رَحمَه الله تَعَالَى وَآل باعلوي منسوبون إِلَى علوي وَهَذِه النِّسْبَة وَإِن لم تكن من وضع الْعَرَبيَّة لَكِنَّهَا مَعْرُوفَة لأهل الديار الحضرموتية فَإِنَّهُم يلزمون الكنية الْألف بِكُل حَال على لُغَة الْقصر فَيَقُولُونَ لبني علوي باعلوي ولبني حسن باحسن ولبني حُسَيْن باحسين وعلوي هُوَ ابْن عبيد الله بن أَحْمد بن عِيسَى فَإِنَّهُ جدهم الْأَكْبَر الْجَامِع لنسبهم ونسبهم مجمع عَلَيْهِ أهل التَّحْقِيق وَقد اعتنى ببيانه جمع كثير من الْعلمَاء
стр. 75
وَذكر بَعضهم أَن السَّادة بني علوي لما اسْتَقر وابحضرموت أَرَادَ بعض أَئِمَّة ذَلِك الزَّمَان أَن يُؤَكد تِلْكَ النِّسْبَة المحمدية فَطلب مِنْهُم تَصْحِيح نسبهم بِحجَّة شَرْعِيَّة فسافر الإِمَام الْحَافِظ الْمُجْتَهد أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن جَدِيد إِلَى الْعرَاق وَأثبت نسبهم وَأشْهد على ذَلِك نَحْو مائَة عدل مِمَّن يُرِيد الْحَج ثمَّ أثبت ذَلِك بِمَكَّة وَأشْهد على ذَلِك جَمِيع من حج من أهل حَضرمَوْت فَقدم هَؤُلَاءِ الشُّهُود فِي يَوْم مشهود وشهدوا بِثُبُوت نسبهم فَعِنْدَ ذَلِك انقشعت سحب الأوهام وتبلجت غرَّة الشّرف وأميط عَنْهَا عَنْهَا اللثام وَلَقَد أحسن من قَالَ
(وجحود من جحد الصَّباح إِذا بدا ... من بعد مَا انتشرت لَهُ الأضواء)
(مَا ذَاك أَن الشَّمْس لَيْسَ بطالع ... بل أَن عَنَّا أنْكرت عمياء)
وجديد الْمَذْكُور بِفَتْح الْجِيم ودالين مهملتين بَينهمَا تحتية أَخُو علوي الْمَذْكُور وَله أَخ آخر شَقِيق اسْمه بصرى كَانَا إمامين عَالمين أفرد ترجمتهما بالتأليف وَلَهُمَا ذُرِّيَّة اشْتهر مِنْهُم جمَاعَة بالعلوم وَتُوفِّي الثَّلَاثَة بقرية سمل بِضَم الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَهِي على نَحْو سِتَّة أَمْيَال من مَدِينَة تريم سميت باسم الَّذِي اختطها وَلَا يعرف الْآن إِلَّا قبر علوي وَقيل إِن جَدِيدا انْتقل بِبَيْت جُبَير وَكَانَت رياسة الْعلم وَالْفضل لبني بصرى ثمَّ انقرضوا فِي أثْنَاء الْقرن السَّادِس وانتقلت الرياسة لبني جَدِيد بن عبد الله ثمَّ انقرضوا على رَأس السَّادِسَة واختص الذّكر المخلد ببني علوي فطبقوا الأَرْض وَعم نفعهم الطول وَالْعرض ذكرهم بَاقٍ على صفحات الزَّمَان مَعْلُوم عِنْد القاصي والدان وتوطنهم حَضرمَوْت إِن الله تَعَالَى لما أَرَادَ بِأَهْلِهَا خير أهْدى إِلَيْهِم السَّيِّد الْمَذْكُور فاستقر بهَا هُوَ وَأَهله ومواليه قاطبة وتدبرها وَكَانَ سَبَب هِجْرَة جدهم أَحْمد بن عِيسَى من الْبَصْرَة وَمَا والاها من الْبِلَاد مَا حصل بهَا من الْفِتَن والأهوال حَتَّى وَجَبت الْهِجْرَة مِنْهَا فَهَاجَرَ مِنْهَا سنة سبع عشرَة وثلثمائة وسافر مَعَه وَلَده عبد الله لصغره وتخلف وَلَده مُحَمَّد على أَمْوَاله وَاسْتمرّ مُحَمَّد بِالْبَصْرَةِ إِلَى أَن توفّي بهَا وارتحل مَعَ الإِمَام أَحْمد من بني عَمه اثْنَان أَحدهمَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبيد بن عِيسَى ابْن علوي بن مُحَمَّد حمحام بن عون بن مُوسَى الكاظم جد السَّادة بني الأهدل وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِم وَالثَّانِي جد السَّادة بني قديم بِضَم الْقَاف مُصَغرًا وَسَيَأْتِي ذكر جمَاعَة مِنْهُم وتوطن جد السَّادة المهادلة السَّيِّد الْكَبِير جد بني قديم بوادي سردد بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَضم الدَّال الْمُهْملَة المكررة وَهَذَانِ الواديان مشهوران بِالْيمن خرج
стр. 76
مِنْهَا كَثِيرُونَ اشتهروا بِالْفَضْلِ وَالْولَايَة وَقد ألف الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد بن أبي بكر الأشحر رِسَالَة سَمَّاهَا در السمطين فِيمَن بوادي سردد من ذُرِّيَّة السبطين فَقَالَ جملَة آيَات ثمَّ قدم يَعْنِي أَحْمد بن عِيسَى الْمَدِينَة وَأقَام بهَا ذَلِك الْعَام وَفِي هَذِه السّنة دخل أَبُو طَاهِر بن أبي سعيد القرمطي مَكَّة بعسكره يَوْم التَّرويَة وَالنَّاس حول الْكَعْبَة مَا بَين مصل وطائف ومشاهد فَدخل الْمَسْجِد الْحَرَام بفرسه وركض بِسَيْفِهِ وَهُوَ سَكرَان وَوضع هُوَ وجماعته السَّيْف وَقتلُوا فِي المطاف ألفا وَسَبْعمائة ورموا بهم فِي بِئْر زَمْزَم وَقتلُوا خَارج الْمَسْجِد أَكثر من ثَلَاثِينَ ألفا وملؤا بهم الْآبَار والحفر ونهبوا الديار وَسبوا الصغار وَأخذُوا خزانَة الْكَعْبَة وَمَا فِيهَا من الْقَنَادِيل وَالْكِسْوَة وَالْبَاب وَقسم ذَلِك بَين أَصْحَابه وطلع على الْبَاب وَأنْشد
(أَنا بِاللَّه وَبِاللَّهِ أَنا ... يخلق الْخلق وأفنيهم أَنا)
وَلم يسلم إِلَّا من اختفى فِي الْجبَال وَلم يقف بِعَرَفَة ذَلِك الْعَام إِلَّا قَلِيل وَأمر بقلع الْمِيزَاب فطلع الْكَعْبَة رجل فأصيب بِسَهْم من أبي قبيس فَخر مَيتا وطلع آخر فَسقط مَيتا فهابوا فَقَالَ أَبُو طَاهِر اتركوه حَتَّى يَأْتِي صَاحبه يَعْنِي الْمهْدي الَّذِي يزْعم أَنه مِنْهُم وَأَرَادَ أَخذ الْمقَام فَلم يظفر بِهِ لِأَن سدنته غيبوه ف يبعض الشعاب وَصَارَ بزندقته يَقُول
(فَلَو كَانَ هَذَا الْبَيْت لله رَبنَا ... لصب علينا من النَّار من فَوْقنَا صبا)
(لانا حجَجنَا حجَّة جَاهِلِيَّة ... مُجَللَة لم تبْق شرقاً وَلَا غربا)
(وَإِنَّا تركنَا بَين زَمْزَم والصفا ... جنائز لَا تبغي سوى رَبهَا رَبًّا)
وَيُقَال إِن عسكره سَبْعمِائة نفس فَلم يطق أحد رده خذلاناً من الله تَعَالَى وَحمل الْحجر الْأسود مَعَه يُرِيد أَن يحول الْحَج إِلَى بَيت بناه فِي هجر وخطب لعبد الله الْمهْدي أول الْخُلَفَاء العبيديين الفاطميين وَكَانَ أول ظُهُوره وَكتب بذلك إِلَى عبد الله فَكتب جَوَابه أَن أعجب الْعجب إرسالك بكتبك إِلَيْنَا ممتناً بِمَا ارتكبت فِي بلد الله الْأمين من انتهاك حُرْمَة بَيت الله الْحَرَام الَّذِي لم يزل مُحْتَرما فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وسفكت فِيهَا دِمَاء الْمُسلمين وفتكت بالحجاج والمعتمرين وتجرأت على بَيت الله تَعَالَى وقلعت الْجَرّ الْأسود الَّذِي هُوَ يَمِين الله فِي أرضه يُصَافح بِهِ عباده وَحَمَلته إِلَى مَنْزِلك ورجوت أَن أشكرك على ذَلِك فلعنك الله ثمَّ لعنك الله وَالسَّلَام على من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده وَقدم فِي يَوْمه مَا ينجو بِهِ فِي غده فَلَمَّا وصل إِلَى القرمطي انحرف عَن طَاعَته وَبعد عود القرمطي إِلَى هجر رَمَاه الله فِي جسده بداء حَتَّى
стр. 77
تقطعت أوصاله وتناثر الدُّود من لَحْمه وَطَالَ عَذَابه وَاسْتمرّ الْحجر عِنْدهم نَحْو عشْرين سنة طَمَعا أَن يتَحَوَّل الْحَج إِلَى بلدهم وبذل لَهُم يحكم التركي مُدبر الْخلَافَة خمسين ألف دِينَار فِي ردّ الْحجر فَأَبَوا وَكَذَلِكَ أرسل الْمَنْصُور بن الْقَائِم بن الْمهْدي العبيدي إِلَى أَحْمد بن سعيد أخي طَاهِر بِخَمْسِينَ ألف دِينَار ليَرُدهُ فَلم يفعل وَلما أَيِست القرامطة من تَحْويل الْحَج إِلَى بلدهم ردُّوهُ وَحَمَلُوهُ على جمل هزيل فسمن وَلما ذَهَبُوا بِهِ إِلَى بلدهم مَاتَ تَحْتَهُ أَرْبَعُونَ جملا وَقَالُوا أخذناه بِأَمْر ورددناه بِأَمْر وَقد طَال الْكَلَام وَهُوَ وَإِن كَانَ خَارِجا عَن الْمَقْصُود فَفِيهِ عِبْرَة لمن اعْتبر واتعاظ بِحَال من مضى وغبر ولنعد لما نَحن بصدده وَفِي سنة ثَمَانِي عشرَة وثلثمائة حج الإِمَام أَحْمد بن عِيسَى وَمن مَعَه من بني عَمه ومواليه وَلم يَتَيَسَّر لَهُم التوطن بِأحد الْحَرَمَيْنِ وسألوا الله أَن يخْتَار لَهُم مَا يرضاه من الْبِلَاد ثمَّ رَأَوْا أَن إقليم الْيمن سَالم من المحن والفتن فِي ذَلِك الزَّمن مَعَ مَا ورد فِيهِ من الْأَحَادِيث كَقَوْلِه
عَلَيْكُم بِالْيمن إِذا هَاجَتْ الْفِتَن فَإِن قومه رَجَاء وأرضه مباركة وللعبادة فِيهِ أجر كَبِير
وَأول مَدِينَة أَقَامَ بهَا مَدِينَة الهجرين وَهِي من مَدِينَة تريم على نَحْو مرحلَتَيْنِ ثمَّ سكن قارة بني جشير بِضَم الْجِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ثمَّ يَاء تحتية ثمَّ رَاء تَصْغِير جشر بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الرجل الْغَرِيب وَلم تطب لَهُ فَرَحل عَنْهَا الى الحسيسة بِضَم الْحَاء وَفتح السينين الْمُهْمَلَتَيْنِ بَينهمَا تحتية مُشَدّدَة مَكْسُورَة وَهِي قَرْيَة على نصف مرحلة من تريم واستوطنها وَأقَام بنصرة السّنة حَتَّى استقامت بعد الاضمحلال وطلعت شمسها بعد الزَّوَال وَأظْهر أُمَامَة الامام الشَّافِعِي بنشر مذْهبه وأقعد النّسَب الْهَاشِمِي فِي أَعلَى رتبه وَتَابَ على يَدَيْهِ خلق كثير وَرجع عَن الْبِدْعَة إِلَى السّنة جمع غفير وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَاتَ بالحسيسة ثمَّ خربَتْ الحسيسة واستوطن أَوْلَاده سمل واشتروا بهَا أَمْوَالًا ثمَّ بعد بُرْهَة من الزَّمَان ارتحلوا عَنْهَا وَسَكنُوا بَيت جُبَير بجيم مَضْمُومَة فموحدة مَفْتُوحَة فمهملة تَصْغِير جبر ثمَّ توطنوا مَدِينَة تريم وَكَانَ جلوسهم بهَا سنة إِحْدَى وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَأول من سكنها مِنْهُم السَّيِّد عَليّ بن علوي الشهير بخالع قسم وَأَخُوهُ سَالم وَمن فِي طبقتهما من بني بصرى وجديد وَهِي بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة فراء فتحتية وَآخِرهَا مِيم بِوَزْن عَظِيم سميت باسم الْملك الَّذِي اختطها وَهُوَ تريم بن حَضرمَوْت وَقيل إِن الَّذِي اختطها الْكَامِل وَمن أسمائها الْغناء بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالنُّون الْمُشَدّدَة سميت بذلك لِكَثْرَة أشجارها وأنهارها وَتسَمى مَدِينَة الصّديق ﵁ لِأَن عَامله زِيَاد بن لبيد الْأنْصَارِيّ لما عَاد لبيعة
стр. 78
الصّديق أول من أَجَابَهُ أهل تريم وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ أحد مِنْهُم وَبعث للصديق بذلك فَدَعَا الله بِثَلَاث دعوات أَن تكون معمورة وَأَن يُبَارك فِي مَائِهَا وَأَن يكثر فِيهَا الصالحون وَلِهَذَا كَانَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي بكر باعباد يَقُول إِن الصّديق يشفع لأهل تريم خَاصَّة وَكَانَ إِذا ذكرت عِنْده يَقُول سعد أَهلهَا وَأعظم خَصَائِص هَذِه الْمَدِينَة الْعَظِيمَة هِيَ الذُّرِّيَّة السّنيَّة الْكَرِيمَة فَلَقَد شرفت بهم وسمت واتسمت من الْفَضَائِل بِمَا اتسمت فَهِيَ بهم كالعروس تتهادى بَين أقمار وشموس وَمن ثمَّ قَالَ بعض الصُّوفِيَّة أَنهم المعنيون بقوله
أَنِّي لأجد نفس الرَّحْمَن من قبل الْيمن فَأكْرم بهَا من بَلْدَة زكتْ بأطيب النِّعَال وشرفت بِأَهْل الْكَمَال مَا مدحت الديار إِلَّا لكَونهَا محلا للأخيار وَقد تكلم على جَمِيع مَا يتَعَلَّق بهَا مُحَمَّد الشلي بن أبي بكر صَاحب التَّرْجَمَة فِي كِتَابه المشرع الْمَرْوِيّ وَبَين أَخْبَارهَا كل الْبَيَان وَأحسن كل الْإِحْسَان فليراجعه من أَرَادَ الْوُقُوف على ذَلِك
أَبُو بكر بن أَحْمد قعُود النَّسَفِيّ الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ الرِّفَاعِي الطَّرِيقَة المنجم الْمَشْهُور وَصَاحب الأوفاق والأعمال العجيبة كَانَ من أكَابِر عُلَمَاء الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَله فِي علم الْحَرْف والجفر والأسماء الملكة التَّامَّة وَكَانَ مَشْهُور الْبركَة بِمصْر فِي التمائم والعزائم وأشباهها وَله معرفَة تَامَّة فِي علم الأوفاق وَكَانَت الوزراء والأمراء بِمصْر يأْتونَ إِلَيْهِ للتبرك بِهِ وجلالته أشهر من أَن تذكر ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى الشَّمْس الرَّمْلِيّ والنور الزيَادي وعَلى بن غَانِم الْمَقْدِسِي وَمن فِي طبقتهم وجاور بالحرمين ثَمَانِيَة وَعشْرين سنة وَأخذ بهَا عُلُوم الطَّرِيق عَن السَّيِّد صبغة الله السندي وعَلى تِلْمِيذه أَحْمد الشناوي الخامي وَأَجَازَهُ كِتَابَة ولفظاً وَكَانَ بَينه وَبَين السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد بن الشَّيْخ أبي بكر بن سَالم صَاحب عينات محبَّة أكيدة بِحَيْثُ لَا يُفَارق كل مِنْهُمَا الآخر فِي غَالب الْأَوْقَات وَأخذ كل مِنْهُمَا عَن الآخر ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر وَأقَام بهَا وَقدم إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَأخذ بهَا طَرِيق الرفاعية عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد العلمي وَدخل دمشق مَرَّات وسافر إِلَى قسطنطينية وَكَانَ آخر دخلاته إِلَى دمشق فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وَكَانَ الْوَزير مُحَمَّد باشا سبط رستم باشا الْوَزير الْأَعْظَم محافظاً بهَا وَبَالغ فِي إكرامه وَكَانَ وَهُوَ بالروم بشره بالوزارة الْعُظْمَى ومجيء الْخَتْم السلطاني لَهُ إِلَى دمشق وَعين الْيَوْم الَّذِي يَجِيء فِيهِ فَلَمَّا جَاءَهُ خبر ذَلِك استحضره وَقَالَ لَهُ جَاءَنَا خبر من طرف السلطنة بِالْعودِ إِلَى مُحَافظَة
стр. 79
مصر فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثمَّ قَالَ لَهُ ختم الوزارة دخل إِلَى حُدُود دمشق فصادف مَجِيئه فِي ثَانِي يَوْم وسافر الْوَزير وَأقَام هُوَ بِدِمَشْق ثمَّ سَار أَثَره إِلَى اروم فَأكْرمه وَحصل لَهُ من جَانِبه مَال طائل وَجعل لَهُ من الجرايات بِمصْر مَا يقوم بِهِ وَكَانَ لَهُ من هَذَا الْقَبِيل أَشْيَاء كَثِيرَة مِنْهَا أَنه كَانَ فِي مجْلِس بعض الوزراء بِمصْر فمسك لَهُ كتابا كَبِيرا وقسمه شطرين وَقَالَ لَهُ مَا مِقْدَار كل وَاحِد من الشطرين فاستخرجه فِي الْحَال وَذكر فِي بعض محاضراته أَن ثَلَاثَة أشخاص من المهرة فِي علم الْحَرْف قصدُوا مَكَّة وحداناً فنفد مَا مَعَهم من المَاء والزاد وهم فِي بَريَّة قفراء فَقَالَ أحدهم أَنا نخدم هَذَا الْعلم هَذِه السنين وَهَذَا مَحل اتلاف النُّفُوس فليعمل كل منا وفقاً لأجل المَاء والمأكل والمركب فَنزل كل مِنْهُم وفقاً فَلم تمض هنيهة إِلَّا وَقد ظهر لَهُم فِي الْمَكَان الَّذِي كَانُوا نزولاً فِيهِ عين مَاء عذبة وجمال يَقُود ثَلَاثَة جمال وَرَأَوا فِي بعض ذَلِك الْجَبَل قَرْيَة عامرة لم يَكُونُوا رأوها قبل ذَلِك فحمدوا الله تَعَالَى بجميل أَسْمَائِهِ وأثنوا على جزيل نعمائه قَالَ وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى وَقد اجْتمعت بِهِ فِي دمشق والقاهرة وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف بِمصْر وَدفن بتربة المجاورين
الشَّيْخ أَبُو بكر بن إِسْمَاعِيل ابْن القطب الرباني شهَاب الدّين الشنواني وجده الْأَعْلَى ابْن عَم سَيِّدي على وَفَاء الشريف الوفائي التّونسِيّ امام الْعَلامَة الْأُسْتَاذ عَلامَة عصره فِي جَمِيع الْفُنُون كَانَ فِي عصره إِمَام النُّحَاة تشد إِلَيْهِ الرّحال للأخذ عَنهُ والتلقي مِنْهُ مولده شنوان وَهِي بَلْدَة بالمنوفية وَتخرج فِي الْقَاهِرَة بِابْن قَاسم الْعَبَّادِيّ وَمُحَمّد الخفاجي وَالِد الشهَاب وَأخذ عَن الشهَاب أَحْمد بن حجر الْمَكِّيّ وجمال الدّين يُوسُف ابْن زَكَرِيَّا وَإِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العلقمي وَالشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ وتفوق وَكَانَ كثير الِاطِّلَاع على اللُّغَة ومعاني الْأَشْعَار حَافِظًا لمذاهب النُّحَاة والشواهد كثير الْعِنَايَة بهَا حسن الضَّبْط أَخذ النَّاس عَنهُ كثيرا وَعَلِيهِ تخْرجُوا وانتهت إِلَيْهِ الرياسة العلمية ولازمه بعد الشهَاب ابْن قَاسم جلّ تلامذته وَمِمَّنْ لَازمه وَتخرج بِهِ الشهَاب أَحْمد الغنيمي وَعلي الْحلَبِي وَابْن أُخْته الشهَاب الخفاجي وعامر الشبراوي وسري الدّين الدروري يُوسُف الفيشي وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن الْحَمَوِيّ وَالشَّمْس البابلي وَإِبْرَاهِيم الْمَيْمُونِيّ وَغَيرهم من أكَابِر الْعلمَاء وابتلى بالفالج فَمَكثَ فِيهِ سِنِين وَهُوَ لَا يقوم من مَجْلِسه إِلَّا بمساعد وَكَانَت تذْهب الأفاضل إِلَى بَيته وَلَا تَنْصَرِف عَن نَادِيه وَألف المؤلفات المقبولة مِنْهَا حَاشِيَة على متن التَّوْضِيح فِي مجلدات لم تكمل وحاشية على
стр. 80
شرح الْقطر للفاكهي لم تكمل وَله حَاشِيَة أُخْرَى على شرح الْقطر للمؤلف لم تكمل وحاشية على شرح الشذور للْمُصَنف أَيْضا وحاشية على شرح الأزهرية للشَّيْخ خَالِد وَأُخْرَى على شرح الْقَوَاعِد لَهُ وَله حَاشِيَة على الْبَسْمَلَة والحمدلة للشَّيْخ عميرَة وَله شرح على الْبَسْمَلَة والحمدلة للْقَاضِي زَكَرِيَّا وَشرح على الأجرومية مطول جمع فِيهِ نفائس الْفَوَائِد وَله حاشيتان على شرح الشَّيْخ خَالِد الْأَزْهَرِي على الأجرومية وَشرح على ديباجة مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل للناصر اللَّقَّانِيّ الْمَالِكِي وَشرح الأسئلة السَّبع للشَّيْخ حَلَال الدّين السُّيُوطِيّ الَّتِي أوردهَا على عُلَمَاء عصره حَيْثُ قَالَ مَا تَقول عُلَمَاء الْعَصْر المدعون للْعلم والفهم فِي هَذِه الأسئلة الْمُتَعَلّقَة بِأَلف با تا ثا إِلَى آخرهَا مَا هَذِه الْأَسْمَاء وَمَا مسمياتها وَهل هِيَ أَسمَاء أَجنَاس أَو أَسمَاء أَعْلَام فَإِن كَانَ الأول فَمن أَي أَنْوَاع الاجناس هِيَ وان كَانَ الثَّانِي فَهِيَ شخصية أَو جنسية فان كَانَ الاول فَهَل هِيَ منقولة أَو مرتجلة فَإِن كَانَ الأول فمم نقلت أَمن حُرُوف أم أَفعَال أم أَسمَاء أَعْيَان أم مصَادر أم صِفَات وَإِن كَانَت جنسية فَهَل هِيَ من اعلام الْأَعْيَان أَو الْمعَانِي إِلَى آخر مَا قَالَ وَكَانَ أبلغ شَرحه لملك الْمغرب مولَايَ أَحْمد المنصورين مولَايَ مُحَمَّد الشَّيْخ فَأرْسل لَهُ عَطِيَّة جزيلة وَرَجا مِنْهُ إرْسَال نُسْخَة مِنْهُ وَهَذَا الشَّرْح فِي مصر مَعْدُوم على مَا سَمِعت وَيُقَال أَنه لَا يُوجد إِلَّا بِأَرْض الْمغرب فَإِن نسخته غَار عَلَيْهَا بعض المغاربة فَذهب بهَا مَعَه إِلَى الْمغرب وَذكره ابْن أُخْته الخفاجي وَعبد الْبر الفيومي وأطالا فِي تَرْجَمته وَأنْشد لَهُ الخفاجي قَوْله وَذَلِكَ مَا كتبه إِلَيْهِ فِي صدر كتاب
(سَلام شذاه يمْلَأ الأَرْض نكهة ... تبلغة مني إِلَيْك يَد الصِّبَا)
(وتحمله هوج الرِّيَاح إِلَى الْعلَا ... وتنشره فِي الْأُفق شرقا ومغربا)
(وَسَقَى ديار الرّوم والجو عايس ... رذاذ كَمَال حل فِيهَا وطنا)
(ورد عَلَيْهِ الْغَيْم لُؤْلُؤ طله ... ففضض هامات النَّبَات وذهبا)
(لَئِن كَانَ عَن مصر تواري شهابها ... فقد لَاحَ فِي دَار الْخلَافَة كوكبا)
(وَمَا كَانَ فِي تأخيري جوابك عَن سدى ... وَلَكِن ضعْفي للقريحة شيبا)
(وشرقني دمع الأسى وأهانني ... على أَن قلبِي من فراقك غربا)
(نأت بك يَا قس الفصاحة بَلْدَة ... وخلفتني بعد الْفِرَاق معذبا)
(فليت الَّذِي شقّ قُلُوب يرمها ... وليت الَّذِي سَاق لقطيعه قربا)
وَكَانَ كثيرا مَا يتَمَثَّل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
стр. 81
(وقائلة أَرَاك بِغَيْر مَال ... وَأَنت مهذب علم إِمَام)
(فَقلت لِأَن مَا لَا قلب لَام ... وَمَا دخلت على الْأَعْلَام لَام)
قَالَ مَدين القوصوني وَكَانَت وَفَاته عقب طُلُوع الشَّمْس من يَوْم الْأَحَد ثَالِث ذِي الْحجَّة سنة تسع عشرَة بعد الْألف وَبلغ من الْعُمر نَحْو السِّتين وَدفن بمقبرة المجاورين وَلما بلغ ابْن أُخْته الخفاجي مَوته قَالَ مضمنا لبيت الشواهد المستشهد بِهِ على التَّرْخِيم فِي غير النداء
(رحم الله أوحد الدَّهْر من قد ... كَانَ من حلية الْفَضَائِل حَالي)
(ذَاك خَالِي وسلوتي أذنعوه ... لَيْسَ حَيّ على الْمنون بخالي)
وَقَالَ أَيْضا يرثيه بِهَذِهِ الأبيات وفيهَا لُزُوم مَا لَا يلْزم وَهِي
(تَبًّا لقلب عَلَيْك الْيَوْم مَا احترقا ... وناظر دمعه فِي ذَا الْمُصَاب رقا)
(وغصة وشجي فِي الْقلب سوغها ... دمع بِهِ نَاظر المحزون قد شرقا)
(وَفرْقَة أمنتنا كل حَادِثَة ... من الزَّمَان وَلم تتْرك لنا فرقا)
(رَضِيع ثدى الندى خدن الْعلَا حسبا ... من مهده لمقر اللَّحْد مَا افْتَرقَا)
(جاؤابه فَوق أَعْنَاق مطوقة ... نداه قد جللت من دوحها وَرقا)
(قوم بِنَار الجوى تشوى قُلُوبهم ... قد صيروها قرى هم لَهُم طرقا)
(فطيبوه بِطيب الْحَمد مشتزرا ... رِدَاء حمد على الْأَيَّام مَا خرقا)
(والدمع جَار عَلَيْهِ قد طفا وطغى ... لَوْلَا سفينة تَابُوت لَهُ غرقا)
الشَّيْخ أَبُو بكر بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن حُسَيْن بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس الضَّرِير اليمني نزيل مَكَّة المكرمة السَّيِّد الْكَبِير الْعلم صَاحب الْأَحْوَال والمناقب ولد بتريم سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَحفظ الْقُرْآن وكف بَصَره وَحفظ بعض الْمُتُون واشتغل وَسمع بِقِرَاءَة أَخِيه علوي وَغَيره على مَشَايِخ عصره وَصَحب أَبَاهُ وأعمامه وَلبس الْخِرْقَة الشَّرِيفَة من كثيرين وبرع فِي الحَدِيث وَالْفِقْه والتصوف وَهُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ وَأَخذه عَن جمع كثيرين ثمَّ رَحل إِلَى مَكَّة المشرفة فحج وزار جده النَّبِي
وَعَاد إِلَى مَكَّة وَلَقي بالحرمين جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم الْبَصْرِيّ وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَغَيرهمَا من أكَابِر الْعلمَاء وَأخذ عَنهُ جمَاعَة ولبسوا مِنْهُ الْخِرْقَة ثمَّ جلس للتدريس وانتفع بِهِ جمَاعَة من الْعلمَاء قَالَ السَّيِّد مُحَمَّد الشبلي وَكنت مِمَّن أَخذ عَنهُ وَصَحبه نَحْو عشر سِنِين وَكَانَ من أكمل الْمُتَأَخِّرين
стр. 82
وَكَانَ لَهُ خلق لطيف مَعَ الْوَقار والهيبة عفوا عَمَّن هفا محسنا إِلَى من أَسَاءَ وَكَانَ أَكثر كَلَامه فِي الْوَعْظ والنصيحة بِأَلْفَاظ حَسَنَة فصيحة وَلم يزل بِمَكَّة مَحْمُود السِّيرَة إِلَى أَن انْقَضتْ مُدَّة عمره فَتوفي بهَا وَكَانَت وَفَاته لتسْع خلون من صفر سنة ثَمَان وَسِتِّينَ بعد الْألف وَدفن بالمعلاة بالحوطة الَّتِي فِيهَا قبورا آل باعلوي وقبره مَعْرُوف يزار
الشَّيْخ أَبُو بكر بن حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أَحْمد ابْن عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْمُقدم صَاحب بيجافور السَّيِّد الْوَلِيّ الْعَارِف السخي ولد بِمَدِينَة تريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وَصَحب العارفين من أهل زَمَانه مِنْهُم الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَلَده زين العابدين وَالسَّيِّد القَاضِي عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَأخذ عَن أَخِيه القَاضِي أَحْمد بن حُسَيْن وَغلب عَلَيْهِ علم التصوف ثمَّ رَحل إِلَى الْيمن فقصد السَّيِّد الْعَارِف الْوَلِيّ الشَّيْخ عبد الله بن عَليّ بالوهط وَصَحبه مُدَّة وَأخذ عَنهُ وَألبسهُ خرقَة التصوف ثمَّ رَحل إِلَى الْهِنْد وَأخذ عَن شمس الشموس الشيح مُحَمَّد بن عبد الله العيدروس ببند سورت ولازمه مُلَازمَة تَامَّة وَألبسهُ الْخِرْقَة وَأذن لَهُ بالإلباس ثمَّ بعد انْتِقَال شَيْخه ساح فِي تِلْكَ الْبِلَاد واخذ عَن جمَاعَة وَاجْتمعَ بِالْملكِ عنبر وَكَانَت حَضرته مجمع الْعلمَاء والأدباء ثمَّ بعد موت الْملك عنبر رَحل إِلَى بيجافور واتصل بسلطانها السُّلْطَان مَحْمُود بن السُّلْطَان إِبْرَاهِيم الشهير بعادل شاه فَجعله من خَاصَّة أحبائه وخواص جُلَسَائِهِ فتدير بيجافور وَاسْتقر بهَا وَصَارَ ملْجأ للوافدين وَكَانَ كَرِيمًا طلق الْوَجْه فَعم صيته تِلْكَ الأقطار وطار ذكره فِيهَا وكف بَصَره فِي آخر عمره وابتلى بداء عضال إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته سنة أَربع وَسبعين والف بِمَدِينَة بيجافور وَدفن بمقبرة السَّادة قَرِيبا من السُّور رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد أَبُو بكر بن سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ بن عَليّ بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله عبود بن عَليّ بن مُحَمَّد مولى الدويلة ابْن عَليّ بن علوي بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْمُقدم مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن علوي بن عبيد الله بن أَحْمد بن عِيسَى بن مُحَمَّد على العريض ابْن جَعْفَر الصَّادِق ابْن مُحَمَّد الباقر ابْن زين العابدين بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رضوَان الله عَلَيْهِم هَذَا نسب آل شَيْخَانِ سَادَات مَكَّة المشرفة كثر الله تَعَالَى مِنْهُم وَأَبُو بكر هَذَا من أبرع أهل بَيته سيدا فائقا وَكَانَ شهما سريا فَاضلا أديبا ولد بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وتربى تَحت حجر وَالِده وَصَحبه وَلزِمَ الْعلم وَالْعِبَادَة
стр. 83
وسلك طَرِيق أجداده وعني بطرِيق الصُّوفِيَّة وَأخذ عَن الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد بن مُحَمَّد الْمدنِي الشهير بالقشاشي وَعَن السَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن عمر الحبشي وَحضر دروس الشَّيْخ مُحَمَّد بن عَلَاء الدّين البابلي حِين مجاورته بِمَكَّة وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين مِنْهُم السَّيِّد الْجَلِيل علوي بن عقيل وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ بلفقيه الشهير كسلفه بِمَكَّة العيدروس وأكب على كسب الْعُلُوم وجد حَتَّى فاق أقرانه وَقَامَ مقَام أَبِيه بعد مَوته وَأخذ عَن وَالِده أَيْضا الْخِرْقَة الصُّوفِيَّة بِجَمِيعِ طرقها وَكَذَلِكَ طَرِيق النقشبندية وَاجْتمعَ إِلَيْهِ أَصْحَاب وَالِده وَاسْتمرّ سِنِين على ذَلِك ثمَّ ترك وَأَقْبل على الطَّاعَات وَسَار أحسن سيرة وَكَانَ لطيف الْخلق والخلق حسن الْعشْرَة وَألف وَمن مؤلفاته شرح كَبِير على منسك الْحَج للخطيب الشربيني وَكَانَ ينظم وينثر فَمن نظمه مَا أجَاب بِهِ الأديب مُحَمَّد الدراء الدِّمَشْقِي عَن قصيدة مدحه ومدح بهَا أَخَاهُ السَّيِّد عمر فسح الله تَعَالَى فِي أَجله ومطلع قصيدته ابْن الدراء قَوْله
(قل لصنوي أصل المفاخر ... وَالْمجد رضيعي لبان ثدى الْمَعَالِي)
وَجَوَاب هَذَا قَوْله
(شامخ المرتقى حميد الْخِصَال ... شمس علم حلت ببرج الْمَعَالِي)
(فرع أصل زكا لذا أَفَاق لما ... أَن تغذى لبان ثدى الْكَمَال)
(جهبذا لفضل مَاله من نَظِير ... فِي إجتماع الفخار والأفضال)
(سَيِّدي الأوحد الَّذِي شنف السّمع ... بِحسن المفاد والإدلال)
(قل لشيخ القريض وَالْأَدب ... الغض بِصدق وترجمان الْمقَال)
(مِنْك زفت عروس بكر إِلَيْنَا ... حِين غزت فِي حسنها عَن مِثَال)
(فِي حلي من البديع ومنظوم ... معَان تزري عُقُود اللآلي)
(أعربت عَن وداد خل وَفِي ... واعتذار عَن معرض التسئال)
(فِي اجْتِمَاع بسوح بَيت صديق ... بجوار لكعبة الآمال)
(هاك بكرا زففتها لإعتذار ... وَقبُول لعذرك المفضال)
وَمِنْهَا
(حَيْثُ لاثم مقتضيه سوى أَن ... لطفكم دَائِما لَهُ ذُو احْتِمَال)
(فعلَيْهَا كن مسبلا بالتغاضي ... ستر عذر على كلا الْأَحْوَال)
(وابق فِي نعْمَة مدى الدَّهْر فِي طالع ... سعد بغرة كالهلال)
وَكَانَت وِلَادَته عصر يَوْم الثُّلَاثَاء عَاشر جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَعشْرين وَألف
стр. 84
وَتُوفِّي يَوْم الْأَحَد سادس صفر سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف بِمَكَّة وَدفن بالمعلاة بالحوطة الشهيرة فِي قبر وَالِده وجده وجد أَبِيه رَحِمهم الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَبُو بكر بن سعيد بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن علوي بن أبي بكر ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْمُقدم اشْتهر جده عبد الرَّحْمَن بالجفري بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْفَاء الناسك العابد الْوَرع الزَّاهِد ولد بقرية قسم وَنَشَأ وتربى فِي حجر وَالِده ثمَّ رَحل إِلَى مَدِينَة تريم فَحَضَرَ مجَالِس الْعلم والعرفان وَصَحب مَشَايِخ عصره وَأكْثر الْأَخْذ فَمن مشايخه بتريم الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَولده الْجَلِيل زين العابدين وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف ابْن مُحَمَّد العيدوس وَالْقَاضِي أَحْمد بن حسن بلفقيه والعلامة أَبُو بكر بن شهَاب الدّين والشيح الْجَلِيل أَحْمد بن عبد الله بِأَفْضَل الشهير بالسودي وَالشَّيْخ الْكَبِير زين الدّين بن حُسَيْن بِأَفْضَل وَصَحب بعينات أَوْلَاد الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي بكر بن سَالم مِنْهُم الْحُسَيْن وَالْحسن والمحضار والحامد وَأخذ عَن المعارف بِاللَّه تَعَالَى حسن بن أَحْمد با شُعَيْب ثمَّ دخل بندر الشّجر وأخدنه عَن السَّيِّد حسن با عَمْرو وَعَن السَّيِّد ناصف الدّين بن أَحْمد وَدخل بندر عدن وَأخذ عَن جمَاعَة من بني العيدروس ثمَّ رَحل للوهط للسَّيِّد عبد الله ابْن عَليّ فاخذ عَنهُ وَصَحبه ولازمه مُدَّة ثمَّ رَحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وجاور بهما وَأخذ عَن جمَاعَة فيهمَا فَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَابْن أَخِيه مُحَمَّد عَليّ وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن عمر الحبشي وَالسَّيِّد سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ وَالسَّيِّد أَحْمد بن عبد الْهَادِي وَالشَّيْخ تَاج الدّين الْهِنْدِيّ وَالشَّيْخ عبد الْهَادِي باليل وَكَانَ يحضر تدريس الشَّمْس مُحَمَّد بن عَلَاء الدّين البابلي وَصَحب الشَّيْخ الْعَارِف السَّيِّد مُحَمَّد بن علوي وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن الصفي أَحْمد بن مُحَمَّد القشاشي وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخياري والعارف السَّيِّد زين بن عبد الله بِأَحْسَن وَغَيرهم ورحل إِلَى الْهِنْد وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة وَهُوَ أوسع إِلَى أقرانه رحْلَة وَألبسهُ الْخِرْقَة أَكثر مشايخه وحكموه وصافحوه وأحازوه بِجَمِيعِ مروياتهم وَجَمِيع مؤلفاتهم وَكَانَ متقيا زاهدا فِي الدُّنْيَا وَكَانَ يحجّ كل عَام ويلازم على النَّوَافِل والأذكار وَالْقِيَام ملازما للْجَمَاعَة فِي الصَّفّ الأول وزيارة قبر الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم ثمَّ انْقَطع بِمَدِينَة تريم وَلزِمَ درس السَّيِّد عبد الله بن علوي الْحداد قانعا من الدُّنْيَا باليسير مَعَ مزِيد التَّوَاضُع والتقشف وَكَانَ لَهُ كرم وإيثار وَأُصِيب آخر أمره فِي أَنفه بداء عجز عَن دوائه حذاق الْأَطِبَّاء وَلم يزل بِهِ حَتَّى مَاتَ
стр. 85
وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف بتريم وَدفن بمقبرة زنبل رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَبُو بكر بن صَالح الكثامي الشَّافِعِي الإِمَام الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى كَانَ من أجلاء الشُّيُوخ وأكابر الْعلمَاء العاملين وَمن الْمَشْهُورين بِمصْر فِي عُلُوم الْهَيْئَة والميقات والفلك وَكَانَ فِي علم الأوفاق والزايرجا آيَة من آيَات الله تَعَالَى الباهرة وَكَانَ لَهُ يَد طولى فِي وضع كل أفق أَرَادَ كالوفق المئيني وَغَيره وَكَانَ مُنْقَطِعًا نخلوه فِي جَامع الطباخ قَرِيبا من البرمشية وَبَاب اللوق وَله مجربات مَشْهُورَة فِي الْعُلُوم الحرفية ومؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا كتاب سَمَّاهُ الْمنْهَج الحنيف فِي معنى اسْمه تَعَالَى لطيف ذكر فِيهِ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بالإسم الشريف من الشُّرُوط والدعوات وتقسيم الْأَعْدَاد نَحْو أَرْبَعَة عشر قسما وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من الْخَواص وَله غير ذَلِك من التحريرات وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي الطَّاعُون الْوَاقِع زمن الْوَزير مَقْصُود باشا سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف وَدفن بالقرافة ﵀
الشَّيْخ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن السقاف الشهير كأبيه وَأَهله بِابْن الشهَاب الْمُحدث الْكَبِير المتفرد فِي زَمَنه بعلو الْإِسْنَاد ولد بتريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وعدة متون كالجزرية والأجرومية والقطر وَغَيرهَا وتفقه بالشيخ الْجَلِيل الْفَقِيه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل ولازم وَالِده فِي دروسه وَأخذ عَنهُ علوما كَثِيرَة من فقه وَحَدِيث وأصول وَتَفْسِير وتصوف وَكَذَلِكَ عَن أَخِيه الْهَادِي ابْن عبد الرَّحْمَن وَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الله العيدروس ورحل إِلَى الْيمن والحرمين وَسمع بهَا من كثيرين وجاور بالحرمين واشتغل على السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم الْبَصْرِيّ وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَالشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي وبرع فِي فنون كَثِيرَة كالتفسير والْحَدِيث والتصوف والمعاني وَالْبَيَان وَغَيرهَا من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعقلية وَأكْثر الْأَخْذ ثمَّ قَصده النَّاس للإستمتاع والإستفادة فتصدى للتدريس والإقراء وانتفع بِهِ جمَاعَة وسمعوا مِنْهُ طبقَة بعد طبقَة وَمِمَّنْ تخرج بِهِ الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد إِمَام السقاف وَالسَّيِّد عبد الله بن شيخ العيدروس وَالسَّيِّد أَحْمد بافقيه وَأَخُوهُ عبد الله وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَتيق وصنو مُحَمَّد الشلي أَحْمد بن أبي بكر قَالَ الشلي وَأَمرَنِي الْوَالِد بالإشتغال عَلَيْهِ فَقَرَأت عَلَيْهِ الْكثير وَأخذت عَنهُ الْعَرَبيَّة والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَكَانَ متين التَّحْقِيق حسن الْفِكر متأنيا فِي التَّقْرِير نظارا فِي تحريرة وكتابته أمتن من تقريرة وَكَانَ فصيح الْعبارَة كَامِل الأدوات مشارا إِلَيْهِ
стр. 86
بالتحقيق والسبق فِي مضمار الْبَيَان مهابا فِي الْعُيُون مُعظما موقرا حَافِظًا للمسائل صَحِيح النَّقْل وَكَانَ مَعَ كبر سنة وتبحره فِي الْعُلُوم حَرِيصًا على طلب الْفَوَائِد وَكَانَ سَيِّدي الْوَالِد يَقُول مَا رَأَيْت عَاشِقًا للْعلم أَي نوع كَانَ مثله وَمن جميل سيرته أَنه مَا استصغر أحدا حَتَّى يسمع كَلَامه ساذجا كَانَ أَو متناهيا فَإِن أصَاب اسْتَفَادَ مِنْهُ صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا وَلَا يستنكف أَن تعزى الْفَائِدَة إِلَى قَائِلهَا وَكَانَ لَا يكْتب الْفَتْوَى إِلَّا فِي الْمسَائِل العزيزة النَّقْل وَإِذا سُئِلَ لَا يُجيب على البديهة بل يَقُول افْتَحْ كتاب كَذَا وعد من الصفحة الْفُلَانِيَّة كَذَا تَجِد المسئلة لِأَنَّهُ قل نظره آخرا وَإِذا سُئِلَ عَمَّا لم يعلم يَقُول الله أعلم ويتعجب مِمَّن يتجرى على الْفتيا ويبادر إِلَيْهَا ويتكلف الْجَواب عَمَّا لَا يدريه وَكَانَ غَايَة فِي العفاف معرضًا عَن المناصب الدُّنْيَوِيَّة وَلما بنى السَّيِّد الْجَلِيل النبيه مُحَمَّد بن عمر بافقيه مدرسته الَّتِي بتريم فوض إِلَيْهِ تدريسها فدرس فِيهَا أَيَّامًا احتسابا ثمَّ ترك ذَلِك وَكَانَ لَا يٍ سَأَلَ فِي أُمُوره إِلَّا الله وَلَا يعول فِي قَضَاء حَوَائِجه على سواهُ وَلَا يخرج من دَاره إِلَّا لجمعة أَو جمَاعَة أَو زِيَارَة صديق وَنَحْوه لَا يتَرَدَّد إِلَى أحد من الْأَعْيَان ملازما للطاعات بِحَيْثُ لَا يُوجد فِي غير عبَادَة لَحْظَة وَكَانَ لَهُ خلق عَظِيم وَكَانَ يشْرَح كَلَام الصُّوفِيَّة وَأهل الْحَقِيقَة بِأَحْسَن بَيَان وَلبس الْخِرْقَة من مشايخه وحكموه وأذنوا لَهُ فِي ذَلِك فَكَانَ يلبس الْخِرْقَة ويلقن الذّكر وَيحكم وَكَانَ غَايَة فِي التَّوَاضُع وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ بركَة الْيمن وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَألف بِمَدِينَة تريم وَدفن بمقبرة زنبل
المنلا أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف أَبوهُ بمنلا جامي الشَّافِعِي الْكرْدِي الحريري نزيل دمشق الْمَعْرُوف بمعلم الْوَزير الْمُحَقق البارع كَانَ إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي الْعُلُوم وَالتَّحْقِيق وَكَانَ فِيهِ ورع وانعزال عَن النَّاس وكف عَن مُخَالطَة الْحُكَّام مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الحظوة التَّامَّة عِنْد الْوَزير الْأَعْظَم الْفَاضِل أَحْمد باشا وَأول وُرُوده إِلَى دمشق كَانَ مَعَه وَذَلِكَ لما ولي حكومتها فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وَكَانَ إِمَامه وَقَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا فِي أَنْوَاع الْعُلُوم وَهُوَ مِمَّن أَخذ عَن الصَّدْر الْعَالم الْمُحَقق عبد الرَّحْمَن الصهري كَمَا قَرَأَ أَنه بِخَطِّهِ فِي إجَازَة كتبهَا للعلاء الحصفكي مفتي الشَّام وَلما عزل الْوَزير عَن الشَّام صَحبه إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَكَانَ قد رغب فِي توطن دمشق وَطلب من الْوَزير بعض جِهَات تقوم بِهِ وَاتفقَ إِذْ ذَاك وَفَاة الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد الأسطواني الْآتِي ذكره وَكَانَ مدرس السليمية فوجهها إِلَيْهِ وأضاف إِلَيْهَا قَضَاء صيدا وَبَعض جوالي فَقدم دمشق
стр. 87
وتديرها وَكَانَ مداوما على الإفادة ودرس بالجامع الْأمَوِي فِي التَّفْسِير وَكَانَ فضلاء الأكراد أذذاك يحْضرُون درسه ويتأدبون مَعَه جدا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ آخر من أدركناهم بِدِمَشْق من محققي الأكراد وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس الْمَعْرُوفَة بمرج الدحداح ﵀
الشَّيْخ أَبُو بكر بن عبد الْقَادِر محيي الدّين الْبكْرِيّ الصديقي الشَّافِعِي الدِّمَشْقِي المولد والوفاة الْفَاضِل الْمُبَارك المجذوب ذكره النَّجْم فِي ذيله وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره من أذكياء النَّاس طلب الْعلم وَحصل ملكة فِي الْعَرَبيَّة وَكَانَ لَا يفتر عَن الِاشْتِغَال وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى الشَّيْخ تَاج الدّين القرعوني وَغَيرهمَا ثمَّ انجذب قيل بِسَبَب مُلَازمَة الْأَسْمَاء وَقيل لغيرذلك وَكَانَ فِي جذبه يحب الْعُزْلَة ويلازم جَامع السَّقِيفَة خَارج بَاب توما وَلِلنَّاسِ فِيهِ مزِيد اعْتِقَاد وَكَانَ لَهُ كشف وَاضح وَكَانَ النَّاس يعطونه الدَّرَاهِم عَن طيب نفس ويفرحون بقبوله مِنْهُم وَلَا شكّ فِي ولَايَته وَأخْبر بِمَوْتِهِ قبل وُقُوعه بسنين وَوجد ذَلِك على جِدَار بَيته وَكَانَت وَفَاته يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي رَجَب سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن عِنْد أَبِيه وَحده بتربة الشَّيْخ أرسلان قدس الله روحه
الشَّيْخ أَبُو بكر بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الأخرم على صِيغَة أفعل من الخرم بِالْخَاءِ وَالرَّاء النابلسي الشَّافِعِي الْعَالم الْعلم الْمُحدث الْفَقِيه المعمر الْمُؤلف رَحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّيْخ عَامر الشبراوي وَرجع إِلَى بلدته وَأفْتى بهَا ونفع النَّاس كثيرا وَألف مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا حَاشِيَة على الْجَامِع الصَّغِير فِي الحَدِيث وَشَرحه أَيْضا فِي مجلدين شرحا منقحا جمع فِيهِ بَين شرح العلقمي وَالشَّرْح الصَّغِير للمناوي وَله شرح على ألفيه ابْن مَالك وَغير ذَلِك من حواش وَكتب فِي الْفِقْه والنحو والتوحيد والتصوف وَأخذ عَنهُ جمَاعَة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ من خِيَار الْعلمَاء أَرْبَاب المعلومات وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة إِحْدَى بعد الْألف وَتُوفِّي فِي شعْبَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف
أَبُو بكر بن عدي المنعوت تَقِيّ الدّين الْمَعْرُوف بِابْن شُعَيْب الْحَنَفِيّ الصَّالِحِي خَادِم مَزَار القطب الرباني الشَّيْخ أبي بكر بن قوام تفقه بالجد القَاضِي محب الدّين وخطب بِجَامِع الأفرم وَكَانَ ينشئ خطبا ويطرئ فِي الثَّنَاء عَلَيْهَا وَلما عمر الْوَزير سِنَان باشا جَامِعَة خَارج بَاب الْجَابِيَة بِدِمَشْق نقل الشَّيْخ فَخر الدّين السيوفي خطيب الدرويشية إِلَيْهِ فتفرغ عَن خطابة الدرويشية لأبي بكر الْمَذْكُور فسكن دمشق بَعْدَمَا كَانَ سكنه وَسكن أَهله بالصالحية وَاسْتمرّ خَطِيبًا بالدرويشية إِلَى أَن مَاتَ وَضعف بَصَره آخر
стр. 88
عمره بِمَا انتقدت عَلَيْهِ أُمُور وَكَانَ ينظم الشّعْر فَمن شعره قَوْله وَقد كتب بِهِ لبَعض أحبابه
(وَمَا زَالَت الركْبَان تخبر عَنْكُم ... أَحَادِيث كالمسك الَّذِي بلامين)
(إِلَى أَن تلاقينا فَكَانَ الَّذِي وعت ... من القَوْل إذني دون مَا أَبْصرت عَيْني)
وَهَذَا معنى مطروق تداوله أَكثر الشُّعَرَاء وَمن أحسن مَا سمع فِيهِ قَول أبي تَمام
(كَانَت مسائلة الركْبَان تُخبرنِي ... عَن أَحْمد بن سعيد أطيب الْخَبَر)
(حَتَّى الْتَقَيْنَا وَالله مَا سَمِعت ... أُذُنِي بِأَحْسَن مِمَّا قد رأى بَصرِي)
وَكَانَت وَفَاته فِي ذِي الْقعدَة سنة سبع وَعشْرين وَألف وَدفن عِنْد ضريح ابْن قوام بالصالحية رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَبُو بكر بن عَليّ نور الدّين ابْن أبي بكر بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالجمال الْمصْرِيّ ابْن أبي بكر بن عَليّ بن يُوسُف بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن ضرغام ابْن ظعان ابْن حميد الْأنْصَارِيّ الخزرجي الشَّافِعِي الْمَكِّيّ الشَّيْخ الفطن الأريب ذُو السمت الْبَهِي والذكاء العجيب وَالْأَدب الظَّاهِر وَالْحِفْظ الباهر والفطنة النقادة والقريحة المنقادة تَرْجمهُ على وَالِده الْآتِي ذكره فَقَالَ ولد سنة إِحْدَى وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَحفظ الشاطبية والجزرية وَالْأَرْبَعِينَ النووية وألفية ابْن الهائم فِي الْفَرَائِض وألفية ابْن مَالك ومنظومة ابْن غَازِي فِي الْحساب وَحفظ متن الْبَهْجَة وَكَثِيرًا من متن المهج قَرَأَهُ على الشَّمْس الرَّمْلِيّ وَأَجَازَهُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ وَأخذ عَن القَاضِي جَار الله بن أَمِين بن ظهيرة الْحَنَفِيّ وَولده على وَالشَّيْخ يحيى الْحطاب الْمَالِكِي ووالده مُحَمَّد الْحطاب مؤلف المتممة وشارح مُخْتَصر خَلِيل وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن فَهد الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ وَالشَّيْخ رَضِي الدّين القازاني الشَّافِعِي وَمُحَمّد بن عبد الْحق الْمَالِكِي وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَادِر بن فَهد الْهَاشِمِي الشَّافِعِي وَأَجَازَهُ جَمِيع الْمَذْكُورين واشتغل بالفقه على الشَّيْخ بدر الدّين البرنبالي اشتغالاً تَاما ولازمه ودرس وَأفْتى وانتفع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بيري وَالشَّيْخ على طحينه وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الرسام وَغَيرهم وَألف الْحَوَاشِي المفيدة على كثير من الْكتب فِي كثير من الْفُنُون وأكثرها فِي فن الْحساب والفرائض والجبر والمقابلة وأعمال المناسخات بِالصَّحِيحِ والكسور والحل وَكَانَ لَهُ يَد طولي فِي هَذِه الْمَذْكُورَات ومشاركة تَامَّة فِي غَيرهَا كفني الْمعَانِي وَالْبَيَان النَّحْو وَالصرْف والقراآت وَالْفِقْه وَكَانَ حسن الْخط صَحِيحه
стр. 89
يكْتب كل يَوْم كراساً بِقطع النّصْف مَعَ الِاشْتِغَال بالدرس والتأليف وَكَانَ يرى فِي ليله من يُخبرهُ بِمَا سيقع فِي غده لَهُ مِنْهَا أَنه أخبر بِأَنَّهُ يَأْتِيهِ رجل بفلفل يُرِيد بَيْعه مِنْهُ وَهُوَ سَرقَة وحذره أَن يَأْخُذهُ فَلَمَّا أصبح أَتَاهُ رجل بِمَا أخبر وَتبين انه سَرقه وَمِنْهَا أَن جمَاعَة أَرَادوا بِهِ حِيلَة فَأخْبر فِي مَنَامه بِأَسْمَائِهِمْ ومرادهم ولقنه الْحجَّة فَلَمَّا أصبح أَتَاهُ رجل بحيلتهم فحجهم وانتصر عَلَيْهِم وَكَانَ ذَلِك قبل أَن يتَزَوَّج فَلَمَّا تزوج انْقَطع عَنهُ ذَلِك وَله نظم بديع وقصائد عَظِيمَة مِنْهَا قصيدتان تائية وهمزية مَكْسُورَة فِي مدح النَّبِي
وَمِنْهَا فِي شرِيف مَكَّة حسن بن أبي نمى على لِسَان غَيره كثير وَفِي غَيره أَكثر وَكَانَ إِذا حضر السماع تواجد وَغَابَ عَن حسه فَكَانَ لَا يحضرهُ وَله عقيدة تَامَّة فِي الصَّالِحين والأولياء والعارفين وَكَانَت وَفَاته ضحى يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشر شهر رَمَضَان سنة سِتّ بعد الْألف بِمَكَّة وَدفن بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد أَبُو بكر بن عَليّ بن السَّيِّد الْمُحدث مُحَمَّد بن عَليّ بن علوي بن خرد بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء وبالدال الْمُهْملَة اشْتهر جده بِالْعلمِ الإِمَام الْمُقدم سيد زَمَانه وعالمه كَانَ شَدِيد الزّهْد والورع مديد الباع إِذا قَامَ فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة وَشرع ولد بتريم فحفظ الْقُرْآن ولازم تقوى الله تَعَالَى وَمَشى على طَرِيق السَّلامَة والنجاة من الْأَفْعَال البارة والأعمال السارة ومصاحبة أهل الْخَيْر والفلاح ومواظبة الطَّرِيقَة الحميدة واتصف بِالصِّفَاتِ المستحسنة وتجنب الْأُمُور المستهجنة واشتغل بتحصيل الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وعلوم الصُّوفِيَّة وَأخذ عَن شهَاب الدّين أَحْمد باخجدب وَأخذ الْفِقْه وَغَيره عَن جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي السَّيِّد مُحَمَّد بن حسن وَالسَّيِّد عَليّ بن عبد الرَّحْمَن السقاف وَولده مُحَمَّد وَأَوْلَاد الْفَقِيه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بلحاج بِأَفْضَل وَأدْركَ جده الْمُحدث مُحَمَّد بن عَليّ وَحكمه كَثِيرُونَ من مشايخه الْمَذْكُورين وألبسوه خرقَة التصوف وأدنوا لَهُ فِي التَّحْكِيم والالباس وأجازوه فِي الإقراء ونفع النَّاس فَجَلَسَ للتدريس الْعَام فِي مَسْجِد الْقَوْم بعد الْعشَاء الْأَخِيرَة وَقَرَأَ فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وحضره خلق كثير وانتفع بِهِ الْخَاص وَالْعَام النَّفْع الْمُفِيد لَهُ تدريس خَاص بِجَمَاعَة وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْفُضَلَاء نالوا بِهِ الرتب الْعَالِيَة وَمِمَّنْ تخرج بِهِ أَبُو بكر الشلي وَالسَّيِّد الْجَلِيل عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عقيل وشمس الشموس السَّيِّد عبد الله شيخ العيدروس وَصَاحب الْعرْفَان السَّيِّد عبد الله بن عمر الهندوان وَالسَّيِّد أَبُو بكر بن شهَاب وَكَانَ لطيف الشمايل حسن الْأَخْلَاق ثمَّ غلب عَلَيْهِ الْعُزْلَة
стр. 90
وَعدم الِاجْتِمَاع بِالنَّاسِ إِلَّا عَن حَاجَة وَكَانَ ملازماً للطيلسان مواظباً على تِلَاوَة الْقُرْآن معرضًا عَن اعراض الدُّنْيَا قانعاً بالكفاف وَكَانَت فَصَاحَته تفوق فصاحة سحبان وَائِل فَإِذا تكلم فَالْعُلَمَاء الأفاضل تسمع لَهُ فَلَيْسَ أحد مِنْهُم بمتفوه وَلَا قَائِل وَله كرامات باهرة وأنفاس طَاهِرَة وَكَانَ تِلْمِيذه الشَّيْخ عبد الله بن أَحْمد العيدروس يَقُول إِنَّه يشفع فِي اهل زَمَانه وَلم يزل ملازماً للتقوى إِلَى أَن قضى نحبه وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع بعد الْألف بتريم وَدفن بمقبرة زنبل هَكَذَا ذكر تَرْجَمته الشلي فِي مشروعه الْمَرْوِيّ
الْأَمِير أَبُو بكر بن عَليّ الإحسائي ثمَّ الْمدنِي الْأَمِير الْكَبِير الْجَلِيل الْقدر أحد أسخياء الْعَالم رَأَيْت فِي بعض التَّعَالِيق تَرْجَمته وَذكر مترجمه أَن وِلَادَته بِمَدِينَة الأحساء فِي حُدُود الْألف وَنَشَأ على الِاشْتِغَال بِالْعلمِ ثمَّ رَحل صُحْبَة وَالِده إِلَى الْمَدِينَة وتوطنها وَكَانَ بهَا ملازماً لِلْعِبَادَةِ مواظباً لقِيَام اللَّيْل حَتَّى إِنَّه كَانَ يَجِيء إِلَى الْمَسْجِد النَّبَوِيّ فيقف بِبَابِهِ نَحْو سَاعَة حَتَّى يَفْتَحهُ الخدّام إِلَى أَن أدْركهُ أَجله يَوْم عَرَفَة بهَا وَهُوَ محرم فَحمل فِي محفة إِلَى مَكَّة وَدفن بالمعلاة وَذَلِكَ سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَتُوفِّي وَالِده عَليّ باشا بِالْمَدِينَةِ فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف وَله ديوَان شعر فِي مجلدين وَمن شعره قَوْله مادحاً الشريف زيد بن محسن صَاحب مَكَّة
(زفت لعز مقامك العلياء ... وَعَلَيْك فضت راحها الجوزاء)
(فالبدر كاس والشموس عقارها ... فَاشْرَبْ بكاس شمسه الصَّهْبَاء)
(وحبا بهَا نجم السَّمَاء فَكَأَنَّهَا ... ذَات وَذَاكَ بشكله الْأَسْمَاء)
(وأتتك بكرا قبل فض ختامها ... يقتادها راووقها وذكاء)
(خضعت لعزك فاستقم فِي عرشها ... يَا ظَاهرا لَا يَعْتَرِيه خَفَاء)
(وانصب لِوَاء الْعدْل منتشر الثنا ... قد ضوّعت بعبيره الأرجاء)
(يسْعَى بِظِل أَمَانه بَين الورى ... ذُو الْبَأْس والأمجاد والضعفاء)
(فالدهر سَيْفك فاتخذه مجرّداً ... متوشحاً بالنصر وَهُوَ رِدَاء)
(والسعد قد توجته فلك الهنا ... وَكَذَا السَّعَادَة برجها السُّعَدَاء)
(وعلاك قد شهد الحسود بفضله ... وَالْفضل مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء)
(وحماك أَمن الْخَائِفِينَ نؤمه ... شم الأنوف القادة الْأَكفاء)
(وَلَقَد حظيت من الْإِلَه بنصره ... ردَّتْ مُرِيد الكيد وَهُوَ هباء)
стр. 91
(وحبيت مِنْهُ بِمَا تقاعس دونه ... همم الْمُلُوك الصَّيْد والعظماء)
(فَالله أظهر ذَا الجناب بنصه ... فالخلق أَرض والجناب سَمَاء)
(لَو قيل لي من ذَا أردْت أَجَبْتهم ... هَل غير زيد تمدح الشُّعَرَاء)
(وَإِذا أدير حَدِيثه فِي محفل ... فلمسمعي من طيب ذَاك غذَاء)
(ملك إِذا وعد الْجَمِيل وَفِي بِهِ ... وَإِذا توعد شَأْنه الإغضاء)
(ملك إِذا كتمت رعود سمائنا ... فعلى انسكاب ندى يَدَيْهِ نِدَاء)
(ملك إِذا مَا الفرن أوقد ناره ... فسيوفه لخمودها أنواء)
(ملك إِذا جَار الزَّمَان على امرىء ... فجنابه السَّامِي الرفيع وقاء)
(فبسعده أهْدى الزَّمَان إِلَى الورى ... كأساً هَنِيئًا لَيْسَ فِيهِ عناء)
(فَالله يبْقى ملكه السَّامِي الَّذِي ... قد كللته بنورها الزهراء)
(ويديمه فِي الدولة الغرّا الَّتِي ... ظَهرت بهَا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء)
(فاليك بكر قريحة بكرية ... زفت إِلَيْك تحفها الأضواء)
(كَلِمَات حق شرّفت بمديحكم ... ومديحكم تسمو بِهِ الْفُضَلَاء)
وَكتب إِلَى الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد الْجَعْفَرِي الثعالبي ثمَّ الْمَكِّيّ مادحاً بقوله
(يَا من سما فَوق السماك مقَامه ... وَلَقَد يراك الْكل أَنْت إِمَامه)
(حزت الْفَضَائِل والكمال بأسره ... وعلوت قدرا فِيك تمّ نظامه)
(لَو قيل من حَاز الْعُلُوم جَمِيعهَا ... لأقول أَنْت الْمسك فض ختامه)
(كم صغت من بكر الْعُلُوم خرائداً ... عَن غير كُفْء لم يجب إكرامه)
(فَاعْلَم بِأَنِّي غير كفو لَائِق ... إِن لم يكن ذَا الْفضل مِنْك تَمَامه)
ثمَّ أتبعه بنثر صورته لما أَضَاء نور الْمحبَّة فِي قناديل الْقُلُوب صفت مرْآة الْحَقِيقَة فَظهر الْمَطْلُوب فاتضحت الرسوم الطامسة وَبَانَتْ الطّرق الدارسة فاكتحلت عين القريحة فسالت فِي أنهر النُّطْق فأثمرت بالمسطور وَهُوَ الْمَقْدُور وَأما الْمقَام فَهُوَ أبهى من ذَلِك وَأجل وَلَيْسَ يدرى ذَلِك إِلَّا من وصل وَأما العَبْد فَهُوَ مقرّ أَنه قصرت بِهِ الركاب عَن بُلُوغ ذَلِك وعاقته عقبات الْأَسْبَاب عَن سلوك هَذِه المسالك لَكِن حَيْثُ أَن ثِيَاب السّتْر من فَضلكُمْ على أَمْثَاله مسبولة فَيكون أَنه يدْخل فِي ضمن الْأَمْثَال مَطْلُوبه ومأموله فَأَجَابَهُ الشَّيْخ عِيسَى بقوله
(لله دَرك يَا فريد محاسناً ... أربى على الْبَدْر التَّمام تَمَامه)
стр. 92
(قد صغت من سرّ البلاغة مُفردا ... فاق الفرائد نثره ونظامه)
(وَكسوته من جزل لفظك سابغاً ... وشيت بِكُل لَطِيفَة أكمامه)
(وجلوته يختال تيها آمنا ... من أَن يشابه فِي الْوُجُود قوامه)
(أعربت فِيهِ عَن اعْتِقَاد خَالص ... ومكين ود أحكمت أَحْكَامه)
(وحبوت ذَا شكر بِبَيْت قصيدة ... وبفض خَاتمه الْعلَا أسوامه)
(أَهلا بِهِ فَردا أَنِّي من مُفْرد ... وحبابه ضيفا يجل مقَامه)
(حتما على ولازما تبجيله ... فَوْرًا وَحقا وَاجِبا اكرامه)
(لَكِن على قدري فلست بكفو من ... وطِئت على هام الْعلَا أقدامه)
(وإليكها عذرا على مهل أَتَت ... خجلا لمنزلك الْعَزِيز مرامه)
(فاصفح بِفَضْلِك عَن صحيفَة نَقصهَا ... فالفضل مؤتم وَأَنت امامه)
(واسحب رِدَاء الْمجد غير مدافع ... فَلَانَتْ عنصره وَأَنت ختامه)
ثمَّ أتبعه بنثر صورته هَذِه دَامَ جدك فِي سعود ومجدك فِي صعُود عجرفة أبرزها فاتر الْفِكر الْأَعْرَج وقاصر الذِّهْن البهرج تتعثر فِي مروط الخجل والوجل وتتعارج لما بهَا من الْخَطَأ والخطل أَتَت سوح حضرتك الرحراحة الأرجاء وأملت أَن تفوز من كَمَال صفحك عَن زيفها بتحقق الرَّجَاء فقابل إقبالها بِالْقبُولِ والأغضا وألحظها غير مَأْمُور بِعَين التَّقْرِيب وَالرِّضَا فَإنَّك مأوى الْفضل ومخيمه ومفتتحه ومختتمه وَلَوْلَا نَافِذ أَمرك المطاع وواجب تعظيمك المتمكن فِي الأفئدة والإسماع لما تراآى لراء عجرها وَلَا بجرها وَلَا استبان لسامع خَبَرهَا وَلَا مخبرها وَلَكِن عِنْد الأكابر تلتمس وُجُوه المعاذير ولدى أَعْيَان الأفاضل يرتجي الصفح عَن التَّقْصِير وَالسَّلَام
الشَّيْخ أَبُو بكر بن عِيسَى بن أبي بكر بن عِيسَى ابْن الْأُسْتَاذ أَحْمد بن عمر الزَّيْلَعِيّ كَانَ مُرَاد الله تَعَالَى فِي حركاته وسكناته كثير الأستغراق قَلِيل الصحو كَبِير الْحَال لَهُ إشارات غَرِيبَة ومقالات عَجِيبَة وَكَانَ إِذا غلب عَلَيْهِ الْحَال يخْشَى أَهله سطوته على النَّاس وَيَخَافُونَ على أنفسهم مِنْهُ فيحلون إزَاره الَّذِي يتزر بِهِ فَلَا يقدر على ربطه وَلَا يَسْتَطِيع الْقيام من مَكَانَهُ وَلَا يخرج من مَكَانَهُ حَتَّى يصحو من غيبوبته وَكَانَ يخبر بالمغيبات وَيرجع إِلَيْهِ فِي المعضلات وَكَانَ أهل الْجلاب إِذا سافروا فِي الْبَحْر وَحصل لَهُم شدَّة يذكرُونَهُ وينذرون لَهُ بِشَيْء فيروه عِنْدهم عيَانًا وينجيهم الله تَعَالَى ببركته وَإِذا جاؤا إِلَى اللِّحْيَة طالبهم بِالَّذِي نذروه لَهُ وَكَانَ كثير الخمول مغلظا القَوْل على الدولة
стр. 93
فَلَا يَسْتَطِيعُونَ الانتقام مِنْهُ وَيطْلب مِنْهُم الَّذِي يُرِيد وَلَا يمنعونه وَإِذا أَخذ مِنْهُم شَيْئا ذهب بِهِ إِلَى نسَاء وَرِجَال منقطعين وَكَانَت وَفَاته فِي حَيَاة أَبِيه وَهُوَ شَاب ناهز الثَّلَاثِينَ فِي نَيف وَسبعين وَألف باللحية وَدفن بِقَبْر جده وَمن كراماته أَن وَالِده جَاءَ إِلَى بعض أَصْحَابه بعد مَوته يشكو مَا حل بِهِ بعده من ضيق ذَات يَده وَإنَّهُ كَانَ فِي زَمَنه موسع الرزق من بَيته فَأَجَابَهُ صَاحبه بقوله إِن بركته إِن شَاءَ الله تَعَالَى حَاصِلَة حَيا وَمَيتًا وَقَامَ من عِنْده فَمَا مَضَت سَاعَة حَتَّى أَتَاهُ رجل يسْأَله عَن وَلَده فَأخْبرهُ بِمَوْتِهِ وَكَانَ نذر لَهُ بِشَيْء كثير من المَال فَدفعهُ لوالده وَأخْبر بعض الثِّقَات أَنهم لما مَشوا بجنازته أظلها طيور لَا تحصى وَسمع أصوات أَعْلَام كَثِيرَة وَحصل للنَّاس خشوع رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَبُو بكر بن مُحَمَّد باجثاث بجيم فمثلثتين بَينهم ألف أحد الصُّوفِيَّة الْمَشْهُورين وَالْعُلَمَاء الصَّالِحين صَاحب المعارف والعوارف والمناقب الشهيرة واللطائف ذكره السَّيِّد شيخ بن عبد الله العيدروس فِي كِتَابه السلسلة وَقَالَ كَانَ من الْمَشَايِخ العارفين الْكِبَار أهل الْأَحْوَال صَاحب كرامات خارقة وفراسات صَادِقَة ولد بتريم وَصَحب أكَابِر السَّادة وَتمسك بالعروة الوثقى فَجمع بَين الْعلم وَالْعَمَل ولازم تَاج العارفين وَإِمَام الْمُتَأَخِّرين السَّيِّد أَحْمد بن علوي باخجدب ورزق التَّوْفِيق حَتَّى أذعن لَهُ أهل الطَّرِيق وأشرقت شمس جماله وأزهر بدر كَمَاله وأذعنت السالكون لهيبة جَلَاله وَلبس الْخِرْقَة من جمَاعَة كثيرين ولبسها مِنْهُ جمَاعَة من العارفين صُحْبَة خلق كَثِيرُونَ وَتخرج بِهِ سالكون كاملون مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة أَبُو بكر بن أَحْمد الشلي وَالسَّيِّد شيخ الْمَذْكُور وَجَمَاعَة آخَرُونَ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس بعد الْألف وَدفن بمقبرة الفربط الشهيرة بحضرموت
أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن الطّيب باعلوي الْمجمع على كَمَاله المنوه بفضله ولد ببندر الشحر الْمُسَمّى سمعون وسلك الطَّرِيق وَحَازَ من الْفضل فنونا شَتَّى ورحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَإِلَى عدَّة بلدان وَأخذ عَن جمَاعَة من أولي الْعلم وَكَانَ فِي الثغر الْمَذْكُور مرجعاً للأعيان ومجمعاً لفضلاء الزَّمَان يشار إِلَيْهِ بالبنان مكرماً للضيفان مَشْهُورا بِالْولَايَةِ التَّامَّة وَكَانَ يلبس الملابس الفاخرة ويسكن الْبيُوت المشيدة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف وَدفن بِهِ
أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد تَقِيّ الدّين بن صفي الدّين الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بالزهيري الأديب البارع الْفَاضِل كَانَ جيد الْمُشَاركَة فِي فنون الْأَدَب وَله محاضرة
стр. 94
فائقة وأشعار شائقة اشْتغل فِي مبدأ أمره على الْعَلامَة مُحَمَّد الْحِجَازِي وَولده عبد الْحق وَبِهِمَا تفقه ثمَّ خالط الأفاضل الْكِبَار وَحضر دروس جدي القَاضِي محب الدّين فِي التَّفْسِير وَتَوَلَّى قَضَاء الشَّافِعِيَّة بمحكمة الْبَاب عوضا عَن القَاضِي محب ابْن جانيك الْمَعْرُوف بالكلنجي فحمدت سيرته ودرس بالجامع الْأمَوِي والمدرسة الجوزية قَالَ البوريني وَأخذ الْمدرسَة عَنهُ رجل رومي اللِّسَان أعجمي التِّبْيَان يُقَال لَهُ مُوسَى فاستدعى التقى من أهل الْبَلدة أَن يكتبوا محضراً فِي أَحْوَال مُوسَى الْمَذْكُور وَهل هُوَ أهل للدرس أم هُوَ جَاهِل بِكُل مسطور فَكتب الْعلمَاء فِيهِ وأطالوا وجالوا فِي ميدان ذمه وصالوا وَمَا تركُوا لَهُ أديماً صَحِيحا وشرحوا عرضه بالْقَوْل تشريحاً حَتَّى أَن الْعَلامَة القَاضِي محب الدّين أنْشد فِيمَا كتب
(تصدر للتدريس كل مهوس ... بليد تسمى بالفقيه الْمدرس)
(فَحق لأهل الْعلم أَن يتمثلوا ... بِبَيْت قديم شاع فِي كل مجْلِس)
(لقد هزلت حَتَّى بدا من هزالها ... كلاها وَحَتَّى سامها كل مُفلس)
قَالَ وكتبت فِي أثْنَاء مَا رقمت
(مدارس آيَات خلت عَن تِلَاوَة ... ومنزل وحى مقفر العرصات)
قلت والأبيات الَّتِي أنشدها جدي للحسين بن سعد أبي عَليّ الْآمِدِيّ وَكَانَت وَفَاة التقي المترجم نَهَار الْأَرْبَعَاء ثامن جمادي الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف عَن بضع وَأَرْبَعين سنة وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير
الشَّيْخ أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن عبد الله بن الإِمَام مُحَمَّد مولى عيديد الشهير كسلفه ببا فَقِيه صَاحب قيدون الإِمَام المفنن الْفَقِيه الْأَجَل ولد بتريم وَحفظ الْإِرْشَاد وَغَيره من الْمُتُون ورسائل كَثِيرَة وَكَانَ عَجِيب الْحِفْظ غَرِيب الْفَهم اشْتغل بِطَلَب الْعلم من صغره ولازمه وتفقه على شيخ الْجَمَاعَة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بِأَفْضَل وَأكْثر انتفاعه بِهِ لملازمته لَهُ حَتَّى تخرج بِهِ وَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَعَن الإِمَام زين بن حُسَيْن بِأَفْضَل وَغَيرهم واعتنى بالارشاد وَفتح الْجواد وَكَانَ لَهُ بِهِ اعتناء تَامّ فَكَانَ يستحضر عِبَارَته بالحرف قَالَ الشلي وَلَقَد أَخْبرنِي بعض تلامذته الثِّقَات أَنه كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ الْفَتْح قَالَ فَكُنَّا نرى أَنه يحفظه عَن ظهر قلب وَكَانَ يَنْقُلهُ بِالْفَاءِ وَالْوَاو وَكُنَّا ندأب فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَنَجِيء إِلَيْهِ فنجده يستحضر من كَلَام الْمُتَكَلِّمين عَلَيْهِ من استشكال وَجَوَاب مَا لم يطلع عَلَيْهِ أحد منا مَعَ مطالعتنا
стр. 95
لشروحه ومبالغتنا فِي ذَلِك وَكَانَ آيَة فِي استحضار مَذْهَب الشَّافِعِي وغرائب مسَائِله وَكَانَ هُوَ وَالشَّيْخ القَاضِي أَحْمد بن حُسَيْن بافقيه متصاحبين وَكَانَا كفرسي رهان وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة جَامعا لكثير من الْفُنُون ثمَّ ارتحل إِلَى دوعن فَأخذ بِهِ عَن جمَاعَة وَأقَام بِهِ مُدَّة ثمَّ قطن بِمَدِينَة قيدون وقصده الْفُضَلَاء وتصدى بهَا لنشر الْعلم والإفادة وَالْفَتْوَى وأسمع النَّاس العالي والنازل وَصَارَت الرحلة إِلَيْهِ واشتهر بِحسن التَّعْلِيم وَأَحْيَا الله تَعَالَى بِهِ كثيرا من الْفُنُون واشتهرت فَتَاوِيهِ فِي كثير من الأقطار مَعَ الْعبارَة الفائقة وَلم تجمع لَهُ فَتَاوَى وَكَانَ لَهُ يَد طولي فِي علم التصوف مَعَ الْمُوَاظبَة على الطَّرِيقَة المحمدية والديانة والشفقة منعزلاً عَن أَبنَاء الدُّنْيَا والملوك إِلَّا فِي فعل سنة أَو شَفَاعَة أَو قَضَاء حَاجَة لأحد من السَّادة وَمَعَ كَمَال التَّوَاضُع والتودد للنَّاس والنصيحة وَالْكَرم والخلق الْعَظِيم والزهد ثمَّ فِي آخر عمره انْعَزل فِي دَاره وَلم يجْتَمع بِأحد إِلَّا آحَاد النَّاس لدقع ضَرُورَة إِلَى أَن مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس وَألف بِمَدِينَة قيدون
الشَّيْخ أَبُو بكر ابْن مُحَمَّد بن سِرين بن المقبول بن عُثْمَان بن أَحْمد بن مُوسَى بن أبي بكر ابْن مُحَمَّد ابْن عِيسَى بن القطب صفي الدّين أَحْمد بن عمر الزَّيْلَعِيّ الْعقيلِيّ صَاحب اللِّحْيَة كَانَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى الكاملين وأصفيائه المرجوع إِلَيْهِم فِي المآرب كثير الْعِبَادَة يقطع لَيْلَة فِي الصَّلَاة ونهاره فِي الصّيام حَرِيصًا على فعل الْخَيْر دَاعيا إِلَى الْبر لَا تفي عبارَة بنعته وَصفَة كَمَاله فالغاية فِيهِ الِاخْتِصَار حفظ الْقُرْآن وَقَامَ بِمنْصب وَالِده من بعده وَكَانَت الْحُكَّام تخشى سطوته وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ مُتَّفق على جلالته وَكَانَت وِلَادَته باللحية فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف وَتُوفِّي فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف وَدفن بِقَبْر جده الاستاذ الْكَبِير أَحْمد بن عمر الزَّيْلَعِيّ نفع الله تَعَالَى بِهِ وَسَيَأْتِي ذكر أَبِيه مُحَمَّد وَجَمَاعَة من أهل بَيته وَهَذَا الْبَيْت أعنى بِبَيْت الزَّيْلَعِيّ لَهُم فِي الْولَايَة الرُّتْبَة المكينة
أَبُو بكر بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالدلجي الشَّافِعِي الْمصْرِيّ كَانَ متضلعاً من عُلُوم الْعَرَبيَّة وَاحِدًا فِي الْفُنُون الْعَقْلِيَّة رَأَيْت تَرْجَمته بِخَط صاحبنا الْفَاضِل الْكَامِل مصطفى ابْن فتح الله نزيل مَكَّة المكرمة ذكر فِيهَا أَنه ولد فِي حُدُود سنة خمسين وَألف بدلج من أَعمال صَعِيد مصر وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن وجوده وَقدم إِلَى مصر وجاور بالجامع الْأَزْهَر وَحفظ عدَّة متون فِي جملَة فنون مِنْهَا الألفية فِي النَّحْو وَكَانَ يستحضر غَالب شرحها للأشموني ويحفظ أَكثر عباراته عَن ظهر قلب وَأخذ عَن شُيُوخ كثيرين
стр. 96
مِنْهُم الشَّمْس البلبلي وسلطان المزاحي والنور الشبراملسي ولازم مَنْصُور الطوخي فَزَوجهُ ابْنَته واختص بِهِ وَكَانَ مَعَ سَلامَة قريحته وَحسن ذكائه وَصِحَّة تصور فطنته ودهائه مبتلياً بالأمراض والأسقام مُسلما لقَضَاء الله حَتَّى توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي شهر رَمَضَان الْمُبَارك من سنة خمس وَتِسْعين وَألف بِمصْر وَدفن بتربة المجاورين رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو بكر بن مَحْمُود بن يُونُس الملقب تَقِيّ الدّين بن شرف الدّين الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الْحَكِيم وَسَيَأْتِي ذكر وَالِده شرف الدّين خطيب أموي دمشق وَرَئِيس أطبائها ولد تَقِيّ الدّين هَذَا بِدِمَشْق واشتغل وَحصل وَأخذ عَن الْبَدْر الْغَزِّي وَابْنه الشهَاب وَقَرَأَ الطِّبّ على وَالِده واعتنى بِبَقِيَّة الْفُنُون حَتَّى برع فِي العقليات وَكَانَ مفرط الذكاء حسن المطالعة وَكَانَ لَهُ يَد طولي فِي الْعُلُوم الغريبة مثل علم الوفق وَعلم الْحَرْف وَأخذ التصوف عَن الشَّيْخ أَحْمد بن سُلَيْمَان الصُّوفِي وَأخذ عَنهُ الطَّرِيقَة القادرية وسافر إِلَى قسطنطينية فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وانْتهى أمره بهَا إِلَى أَن تصل بالسلطان مُرَاد بن سليم وَصَارَ مصاحباً لَهُ وحظي عِنْده وَحكى البوريني أَن سَبَب اتِّصَاله بِهِ هُوَ مَا اشهر عَن السُّلْطَان مُرَاد هَذَا من أَنه كَانَ يمِيل إِلَى المتصوفة وَيُحب كَلَامهم وشطحاتهم وَرُبمَا كَانَ هُوَ يتَكَلَّم بِشَيْء من اصطلاحاتهم فَكَانَ فِي ابْتِدَاء دُخُوله أَن رجلا من حَوَاشِي السلطنة يُقَال لَهُ ناصف وَكَانَ قَصِيرا جدا وَكَانَ السُّلْطَان يحب هَذَا النَّوْع من أَنْوَاع الحفدة فَدخل يَوْمًا تَقِيّ الدّين إِلَى مقرّ السُّلْطَان فَبَصر بِهِ ناصف الْمَذْكُور فَقَالَ لَهُ عندنَا بعض مرضى من أَوْلَاد الخزينة السُّلْطَانِيَّة وَقد قَالَ بعض النَّاس أَن عنْدكُمْ علما بالطب وعلماً من الْعُلُوم الْمُتَعَلّقَة بالأسرار الالهية فَقَالَ نَحن نداوي بالعقاقير المعنوية فَقَالَ لَهُ هِيَ مرادنا فَكتب لَهُ فِي فنجان بعض كَلِمَات وأسرارا فَكَانَ ذَلِك صَادف وُقُوع الْمَقَادِير بشفاء من سقى من ذَلِك الفنجان فَقَالَ ناصف الْمَذْكُور للسُّلْطَان مُرَاد لَك مطلوبك فَإِن مَوْلَانَا السُّلْطَان من زمَان طَوِيل يطْلب رجلا من أَرْبَاب الْأَحْوَال وَقد قدم الينا رجل من رجال الشَّام وَسَماهُ وذكرانه داوى المرضى الَّذِي عندنَا بِالْكِتَابَةِ والتعويذات فَيُقَال إِن السُّلْطَان طلبه وَرَآهُ وَيُقَال بل كَانَ يراسله وَلم تزل حَاله ترتقي إِلَى أَن تقدم على الموَالِي وَرُبمَا صَار يأنف من التَّوَاضُع لقَضَاء العساكر فحدوه وَكَانَ إِمَام السُّلْطَان قد ضَاقَ ذرعه مِنْهُ وَكَانَ يتظاهر بإنكار الْمُنْكَرَات
стр. 97
فحرشه عَلَيْهِ الموَالِي فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم ذَاهِب إِلَى مقرّ السُّلْطَان أدْركهُ عِنْد الْبَاب فأغرى بِهِ جمَاعَة من الطّلبَة فمزقوا عباءة فرسه وأهانوه ثمَّ رفعوا أمره إِلَى السُّلْطَان وأدخلوا عَلَيْهِ أموراً أوجبت أَن طرد من قسطنطينية إِلَى أَلْوَاح من ضواحي مصر وَكَانَ ذَلِك فِي سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ بعد الْألف ثمَّ اسْتَأْذن بالمكاتبات حَتَّى أذن لَهُ بِدُخُول الْقَاهِرَة ثمَّ ورد الشَّام فِي سنة ثَلَاث بعد الْألف ثمَّ ذهب إِلَى الرّوم وَلم يَتَيَسَّر لَهُ اجْتِمَاع بالسلطان وَلَا أمكنه الْعود إِلَى مَا كَانَ حَتَّى توفّي بِبِلَاد الرّوم وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَبُو بكر بن مَسْعُود المغربي المراكشي الْمَالِكِي مفتي الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق ذكره البوريني وَقَالَ فِي تَرْجَمته أَخْبرنِي من لَفظه أَن مولده بِمَدِينَة مراكش وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن وَقَالَ لي أَن شهرتهم بمراكش بِبَيْت الوردي ورد إِلَى دمشق أَولا من مصر فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر وَأقَام بهَا إِلَى سنة ثَلَاث بعد الْألف ثمَّ قدم إِلَى دمشق وَألقى بهَا عَصا الترحال ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الشرابيشية لِأَنَّهَا مَشْرُوطَة للمالكية قَالَ وَأَخْبرنِي أَنه قَرَأَ بِمصْر الْفِقْه على شيخ الْمَالِكِيَّة الشَّمْس مُحَمَّد البنوفري وعَلى الشَّيْخ طه الْمَالِكِي وَغَيرهمَا وَأخذ الْأُصُول عَن الشَّيْخ حسن الطناني ومعظم قِرَاءَته كَانَت على أبي النجا سَالم السنهوري الْمُحدث الْكَبِير مفتي الْمَالِكِيَّة فِي عصره بِمصْر وَذكره الْغَزِّي فِي لطف السمر وَكَانَ لَهُ مُشَاركَة فِي الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا لكنه كَانَ بعيد الْفَهم وَأخذ بِالشَّام عَن مفتي الْمَالِكِيَّة بهَا عَلَاء الدّين بن مرجل وَأفْتى بعد القَاضِي مُحَمَّد بن المغربي وَولي تدريس الغزالية ثمَّ تفرغ عَنْهَا ليحيى بن أبي الصفاء الْمَعْرُوف بِابْن محَاسِن وَذكر البوريني أَن وِلَادَته كَانَ فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة تَقْرِيبًا قَالَ وَفِي تِلْكَ السّنة مَاتَ مولَايَ مُحَمَّد الشَّيْخ الشريف الحسني سُلْطَان إفريقية ومراكش وفاس والسوس والأقصى ووفاة أبي بكر فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بِبَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَبُو بكر بن المقبول بن عبد الْغفار بن أبي بكر بن المقبول تعيش الصَّائِم رَمَضَان فِي المهد ابْن أبي بكر صَاحب الْحَال الْأَكْبَر ابْن مُحَمَّد بن عِيسَى بن سُلْطَان العارفين أَحْمد بن عمر الزَّيْلَعِيّ الْعقيلِيّ صَاحب اللِّحْيَة كَانَ شَيخا جَلِيلًا كَامِل الْعقل غزير الْفضل شَدِيد الهيبة بعيد الهمة ذَا رَأْي ثاقب محباً للفضائل تَارِكًا للرذائل باذلاً فِي أَمَاكِن الْعَطاء ممسكاً فِي أَمَاكِن الحزم مرجعاً عِنْد الخطوب مفزعاً عِنْد
стр. 98
مَا يَنُوب حَالا للمشكلات بِغَرَائِب الكرامات لَهُ فِي الْعلم وَالْولَايَة يَد متمكنة ولد باللحية وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن وجوده وَأخذ عَن وَالِده وَتخرج بأَخيه الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد السطيحة وجد واجتهد حَتَّى فاق روى أَنه لما قدم قانصوه باشا مُتَوَجها إِلَى الْيمن كَانَ المترجم بِمَكَّة فوشى بِهِ إِلَيْهِ وَإنَّهُ هُوَ صَاحب اللِّحْيَة وسلطان نَوَاحِيهَا وأوحدها بِلَا خلاف وَأَنه لَا يتم لَهُ الْأَمر حَتَّى يقْتله فَأتوا بِهِ وَقت الْعَصْر إِلَيْهِ على حَالَة غير مرضية وَذهب مَعَه تِلْمِيذه الْفَقِيه مَقْبُول بن أَحْمد المحجب فَلَمَّا دخلا عَلَيْهِ تلقاهما وأجلسهما مَكَانَهُ فَلَمَّا أجلسا سكت وَلم يقدر على الْكَلَام والتحرك وَاسْتمرّ مطرقاً وَأَتْبَاعه والجند واقفون والجميع مبهتون حَتَّى دخل وَقت الْمغرب فَقَالَ لَهُ يَا قانصوه قُم صل الْمغرب فَالْتَفت وَقَامَ كالمنتبه من نَومه وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي أَلَك حَاجَة نقضيها لَك فَقَالَ لَهُ لَا حَاجَة لي عنْدك وَقَامَ من عِنْده وزادت جلالته فَلَمَّا ذهب من عِنْده قَالَ للفقيه مَقْبُول لَعَلَّك خفت مِنْهُ فَقَالَ نعم فَقَالَ وَالله مَا دخلت عَلَيْهِ إِلَّا وَأعْطيت التَّصَرُّف فِيهِ وَفِي عسكره جمياً وَلما قَامَ من عِنْده انْقَطَعت سبحته فشرعوا فِي جمعهَا وَجمع قانصوه مَعَهم لما تبدد مِنْهَا فَقَالَ الْفَقِيه مَقْبُول اللَّهُمَّ شتت شَمله وَفرق جمعه كَمَا تَفَرَّقت هَذِه السبحة فَاسْتَجَاب الله تَعَالَى دعاءه فَإِنَّهُ لما وصل إِلَى الْيمن وطغى وبغى وَقتل جمَاعَة من السَّادة والأعيان قَامَت عَلَيْهِ عساكره وَأَرَادُوا قَتله فهرب فِي ليله مِنْهُم وأتى طَائِعا بِنَفسِهِ إِلَى السَّيِّد الْحسن بن الإِمَام الْقَاسِم وَقَالَ لَهُ هَا أَنا بَين يَديك فافعل بِي مَا تشَاء فَقَالَ لَو جئْتُك على هَذَا الْحَال مَا كنت تفعل بِي فَقَالَ لَهُ أَقْتلك شَرّ قتلة فَضَحِك ثمَّ سَأَلَهُ عَمَّا يُرِيد فَقَالَ لَهُ تبلغني إِلَى مَكَّة فَأرْسل من جماعته من بلغه إِلَى مَكَّة ثمَّ توجه مِنْهَا إِلَى الرّوم وتبدد عسكره وَمن خبر قانصوه انه لما دخل إِلَى الْيمن دخل بهيئة عَظِيمَة من كَثْرَة العساكر والجند وَزِيَادَة المَال وَقُوَّة السطوة وَكَانَ بعض السَّادة من بني بَحر بلغه خَبره فَأرْسل جاسوساً من أَتْبَاعه إِلَى اللِّحْيَة وَكَانَ قانصوه بهَا وَقَالَ لَهُ إِذا خرج من اللِّحْيَة فَاتبعهُ إِلَى بَيت الْفَقِيه فِي الزيدية وَانْظُر هَل يذهب لبيت عَطاء لزيارة سَيِّدي أبي الْغَيْث ابْن جميل أم لَا فَتَبِعَهُ حَتَّى توجه من الزيدية إِلَى الضُّحَى وَلم يزره فَرجع إِلَى السَّيِّد وَأخْبرهُ فَقَالَ هَذَا الرجل لَا يتم لَهُ حَال بِالْيمن وَلَا يفتح عَلَيْهِ فَإِن مَفَاتِيح الْيمن بيد سَيِّدي أبي الْغَيْث يُعْطِيهَا لمن شَاءَ كَيفَ شَاءَ بِإِذن الله تَعَالَى فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك ثمَّ إِن قانصوه أَتَى إِلَى هَذَا السَّيِّد وَكَانَ قد زَاد طغيانه فَقَالَ لَهُ اقْربْ إِلَى عَسى أَقرَأ عَلَيْك شَيْئا من الْقُرْآن فيشرح الله بِهِ صدرك فَقَالَ لَهُ أَنا صَدْرِي مشروح
стр. 99
بِوَاسِطَة سَيِّدي أَحْمد البدوي وَلَا يقدر أحد أَن ينْصَرف عَليّ ببركته فَأنى أخذت الْعَهْد على خلفائه وَأَنا من المنسوبين إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سَيِّدي أَحْمد البدوي نعلم أَنه من أكَابِر أهل الله وَلَكِن لَا تصرف لَهُ فِي أَرْضنَا وَحَيْثُ أَنَّك أَبيت ذَلِك فوَاللَّه لَا بُد أَن تَأتي إِلَيّ وتجلس تَحت سَرِيرِي هَذَا وَأَنت بأسوء حَال فَكَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لما أرْسلهُ السَّيِّد الْحسن بن الْقَاسِم إِلَى مَكَّة مر على السَّيِّد وَجَاء إِلَيْهِ معتذراً وَجلسَ تَحت سَرِيره كَمَا قَالَ لَهُ وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة كرامات كَثِيرَة مِنْهَا أَنه مرض بِمَكَّة مَرضا شَدِيدا أشرف فِيهِ على الْمَوْت فَدخل عَلَيْهِ حِينَئِذٍ الْفَقِيه وحزن عَلَيْهِ لما رأى حَاله اشْتَدَّ ومرضه زَاد وَقَالَ فِي نَفسه إِن هَذَا مرض الْمَوْت فبمجرد وُرُود هَذَا الخاطر عَلَيْهِ قَالَ لَهُ يَا مَقْبُول لَا تخف عَليّ فَإِنِّي لَا أَمُوت إِلَّا باللحية فَعُوفِيَ من ذَلِك الْمَرَض وَقدم اللِّحْيَة فَلَمَّا دخل بَيته تباشر أَهله بقدومه وفرحوا وجمعوا النِّسَاء ليفعلوا على عَادَتهم من الفطرفة والغناء وَغير ذَلِك فَنَادَى بَنَاته وَقَالَ لَهُم مَا هَذَا الَّذِي تفعلونه أَنا مَا جِئْت عنْدكُمْ إِلَّا لأموت من قريب فصاحوا لما يعْرفُونَ من حَاله وَكَانَت وَفَاته فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وعمره قريب من تسعين سنة باللحية وَدفن بِقرب تربة جده الشَّيْخ أَحْمد بن عمر الزَّيْلَعِيّ نفع الله تَعَالَى بهم
الأديب أَبُو بكر بن مَنْصُور بن بَرَكَات بن حسن بن عَليّ الْعمريّ الدِّمَشْقِي شيخ الْأَدَب بِالشَّام الأديب الشَّاعِر الْمَشْهُور أحد الأدباء الْمُحْسِنِينَ جمع شعره بَين براعة الْأَلْفَاظ وبداعة الْمعَانِي وملاحة السبك وجودة التَّرْكِيب وَكَانَ ينظم الموشح وَالِد وَبَيت والزجل والمواليا والقوما والكان وَكَانَ وَهُوَ فِي كل فن مِنْهَا سَابق لَا يلْحق ومتقدم لَا يدْرك وَكَانَ فِي عنفوان شبابه كثير الرحلة دَائِم النقلَة فجاب الْبِلَاد وَدخل الرّوم وبلاد الشرق ورحل إِلَى مصر مَرَّات عديدة وَلَقي جَمَاهِير النبلاء وأخباره كَثِيرَة وَوَقَائعه عَجِيبَة وَقد ذكره البديعي فِي ذكرى حبيب وَمَا انصفه فَقَالَ فِي وَصفه تمْتَام تحسن من غَيره كَلَامه يعجم لِسَانه مَا تعربه أقلامه ويستخرج فكره من الشّعْر مَا يضارع الرَّوْض المنمنم فَهُوَ أشعر بني نَوعه مَا لم يتَكَلَّم وَله من الزجل مَا يحمد الغباري غباره وَمن جَمِيع فنون الشّعْر مَا يمدح أَرْبَابهَا فِيهِ آثاره وَكَانَ على طَريقَة يحيى بن أَكْثَم من الْأَعْرَاض عَن الحبيب الْمقنع والميل إِلَى المعمم وَمن غَرِيب خَبره أَنه هام بِغُلَام أَمْرَد كَأَنَّهُ الطاوس فِي مشيته لكنه أركع من هدهد ووشي بِهِ إِلَى الْحَاكِم فَأرْسل إِلَيْهِ جمَاعَة فِي إِحْدَى الحنادس وَكَانَ مجاوراً بحجرة فِي بعض
стр. 100
الْمدَارِس فوجدا على حَالَة يقبح التَّصْرِيح بذكرها الْقَبِيح فَأمر بِهِ فِي غَد تِلْكَ اللَّيْلَة أَن يطوق عُنُقه بساقي ذَلِك الْغُلَام وَيُطَاف بِهِ فِي الْأَسْوَاق بمشهد من الْخَاص وَالْعَام فاغتنمها فرْصَة وَجعل يقبلهما إِلَى الْأَقْدَام انْتهى قلت وَلَقَد فحصت عَن هَذَا الْخَبَر من كل من لَقيته مِمَّن أدْرك الْعمريّ فَلم أر لَهُ عِنْد أحد أثرا وَفِي ظَنِّي الرَّاجِح أَنه مفتري وَالله أعلم بحقيقته نعم إِن الْعمريّ صَاحب طبع ميال للجمال والميل عِنْد من يبري الساحة مَظَنَّة الِاحْتِمَال وَبِالْجُمْلَةِ فَمثل هَذَا الْخَبَر لَا ينْقل الاليوهي وبالخصوص عِنْدِي فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَعْنِي بِذكر وَلَا أَنَّهَا وَحَاصِل القَوْل أَن الْعمريّ من كملاء عصره ونبغاء دهره غير أَنه أخرج نَفسه من طَرِيق الْعلم واحترف فَصَارَ عطاراً ولوتزياً بزِي الْعلمَاء لأدرك مرامه وفَاق أقرانه وَكَانَ كثير النّظم وشعره دائر فِي أَيدي النَّاس وَلَو جمع لَهُ ديوَان لجاء فِي مجلدات وَقد وقفت على قِطْعَة مجلدة مِنْهُ وَقد كَانَ جمعهَا هُوَ بِنَفسِهِ فِي ابْتِدَاء أمره وَذكر بعض وقائع وَقعت لَهُ مِنْهَا مَا حَكَاهُ قَالَ حضرت مرّة مَجْلِسا وَفِيه بعض أفاضل من أهل الْأَدَب فأفضت المحاضرة إِلَى ذكر الْخَيل وعتاقها وسبقها وَمَا وصفتها بذلك الشُّعَرَاء من الْجَاهِلِيَّة والإسلاميين فَأَنْشد بعض الْحَاضِرين أَبْيَات الشَّيْخ صفي الدّين عبد الْعَزِيز بن سرابا الحلى وَهِي مَشْهُورَة فِي وصف جواد الَّتِي من جُمْلَتهَا قَوْله
(إِذا رميت سهامي فَوق صهوته ... مرت بهَا دِيَة وانحطت عَن الكفل)
فغلطه بعض الْحَاضِرين وَقَالَ لَهُ الرِّوَايَة تهاديه بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق لَا بِالْيَاءِ الْوحدَة وَزَاد اخْتِلَاف الْجَمَاعَة فِي ذَلِك فَكتبت إِلَى المرحوم الْحسن البوريني هَذِه الأبيات ليبين للْجَمَاعَة الصَّوَاب وَهِي قولى
(يَا شيخ الْإِسْلَام يَا ذَا الْعلم وَالْعَمَل ... وَقَائِل الْفَصْل فِي الأبحاث والجدل)
(وموضح الْحق بَين الْخلق مظهره ... بِالصّدقِ وَالْقَصْد فِيهِ أوضح السبل)
(مَاذَا تَقول وَلَا زَالَت مَقَالَتك الْعليا ... وقاليك معدوداً من السّفل)
(فِي قَول شاعرها الْمَشْهُور بارعها ... من اعتلى رُتْبَة فِي الأعصر الأول)
(عبد الْعَزِيز صفي الدّين من عمرت ... أبياته بنسيب الشّعْر والغزل)
(فِي وصف طرف يفوت الطّرف حَيْثُ جرى ... ويسبق الرّيح إِن مَا سَار عَن عجل)
(إِذا رميت سهامي فَوق صهوته ... مرت بهاديه وانحطت عَن الكفل)
(بالبا بهاديه أَو بِالتَّاءِ قَالَ أفد ... جَوَاب حبر ببذل الْفضل محتفل)
стр. 101
(وجد بِلَفْظ يحلى السّمع جوهره ... أغْلى من الدّرّ أَو أحلى من الْعَسَل)
(وَهل للفظ تهاديه هُنَا عمل ... يَلِيق أم هُوَ مَنْسُوب إِلَى الْخلَل)
(واشف الصُّدُور كَمَا عودتنا كرما ... بِحل كل عويص مُشكل جلل)
(لَا زلت ترقى إِلَى أَعلَى الطباق علا ... فِي نعْمَة الله مَأْمُوما من الخطل)
(مَا أطلع الله معنى كَانَ محتجبا ... فِي غيهب الْغَيْب حَتَّى صَار كالمثل)
فَكتب إِلَيّ الْحسن حوابا قَوْله
(الْحَمد لله واقينا من الزلل ... رب الْعباد وشافينا من الْعِلَل)
(ثمَّ الصَّلَاة على الْمُخْتَار سيدنَا ... خير الْبَريَّة من حاف ومنتعل)
(مُحَمَّد سيد الأكوان فاطبة ... عين النَّبِيين طه أكمل الرُّسُل)
(وَآله الطيبين الطاهرين أولى الْمجد ... الَّذين مَشوا فِي أقوم السبل)
(وَصَحبه السَّادة الأمجاد من نصحوا ... وَجَاهدُوا بمواضي الْبيض والأسل)
(صديقَة وَكَذَا الْفَارُوق بعد وَذُو النورين ... والمرتضى بَحر الْعُلُوم على)
(والستة الشهب ثمَّ التَّابِعين فهم ... أهل التقى والنقا وَالْعلم وَالْعَمَل)
(وَبعد أَهلا بنظم لذ مشربه ... أشهى من الْمَنّ أَو أحلى من الْعَسَل)
(مهديه لَا بَرحت تنمو فضائله ... وَلم يزل قدره فَوق السماك على)
(أَتَى يسائلنا عَن جهل ذِي لَكِن ... بل قَول ذِي خطأ قد شيب بالخطل)
(لم يدر أَن الهوادي جمع هادية ... للخيل تعزى وَلَا تعزى إِلَى الرجل)
(وَأَنَّهَا عنق الطّرف الَّذِي مرق السِّهَام ... عَنْهَا وَلم تَبْرَح لَدَى الكفل)
(وَمَا للفظ تهاديه هُنَا عمل ... إِذْ المصادر تهديه من الزلل)
(نَعُوذ بِاللَّه من جهل يقارنه ... بحمق فَصَاحب ذَا ينمي إِلَى السّفل)
(وَذَا جَوَاب بَعَثْنَاهُ على عجل ... يسْعَى لخدمتكم فِي غَايَة الخجل)
(هاديتم الرَّد هادينا كم خرزاً ... هذي المهادة قل للجاهل الرذل)
(وَدم مدى الدَّهْر فِي فضل وَفِي نعم ... ماروا ذَوُو الْجَهْل فِي غبن وَفِي بخل)
وَمِنْهَا مَا حَكَاهُ قَالَ دخلت إِلَى الكلاسة الْمعدة لبيع الْكتب وَرَاء الْحَائِط الشمالي من الْجَامِع الْأمَوِي بِدِمَشْق فَرَأَيْت بيد الدَّلال مقامات الحريري وَكتاب لَذَّة السّمع فِي وصف الدمع للصلاح الصَّفَدِي يذكر فِيهِ محَاسِن الْعين ومعايبها فزدت فِي الْكِتَابَيْنِ واشتريتهما من صَاحبهمَا وَهُوَ القَاضِي الشوبكي الْحَنْبَلِيّ وَجَلَست أعد لَهُ الثّمن
стр. 102
إِذْ دخل الشَّيْخ إِسْمَاعِيل النابلسي الشَّافِعِي وَكَانَ شرس الْأَخْلَاق سريع الْغَضَب فَلَمَّا أبْصر الْكِتَابَيْنِ قَالَ بكم صَارا فَقَالَ لَهُ أَن هَذَا الشَّاب اشتراهما بِكَذَا وَوَقع إِيجَاب وَقبُول بَين البَائِع وَالْمُشْتَرِي قَالَ لَهُ عَليّ بِقِطْعَة زَائِدَة فخاف الدَّلال من حنقه وَسكت فَلم يسعني إِلَّا أَنِّي قلت وَقطعَة أُخْرَى فَقَالَ الشخ وثالثة قلب ورابعة إِلَى أَن وصلت زِيَادَتي إِلَى عشرَة فَأَغْلَظ لي الشَّيْخ كلَاما قبيحا فاستخرت الله وَأخذت دراهمي وانصرفت وَعِنْدِي مَا عِنْدِي فَإِنَّهُ شيخ الْإِسْلَام وَذُو جاه عَظِيم عِنْد الْحُكَّام وَلَا أقدر على مقاومته فَاشْترى الْكِتَابَيْنِ الْمَذْكُورين فنظمت تِلْكَ اللَّيْلَة قصيدة وَدخلت عَلَيْهِ بهَا فِي الْيَوْم الثَّانِي وَهُوَ يَوْم السبت الْحَادِي وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة إِلَى قصرة بسوق السيورية والعنبرانيين وَعند صهره الْعَلامَة القَاضِي محب الدّين الْحَنَفِيّ والمرحوم أَبُو الْمَعَالِي درويش الطالوي وَالْقَاضِي شعْبَان قَاضِي بَيت الْمُقَدّس وقدمتها إِلَيْهِ وَهِي قولي
(يَا إِمَامًا علا على النَّاس قدرا ... وهما مَا قد حَاز فضلا وفخرا)
(وأديبا من لَفظه ينظم الدّرّ ... وَفِي شعره يرى السحر نثرا)
(فقت حتما على بني الْعَصْر فِي السّلم ... وَفِي الْجُود فقت حَاتِم ذكرا)
(كفك الْغَيْث فِي الْعَطاء وَأَنت اللَّيْث ... قسرا وَفِي المهابة كسرا)
(جِئْت أَشْكُو إِلَيْك يَا وَاسع الْجُود ... كلَاما أبديته لي نكرا)
(أَن أكن مذنبا فمعظم ذَنبي ... أنني زِدْت فِي المقامات عشرا)
(فَسمِعت الغليظ مِنْكُم وحسبي ... أنني بِالسُّكُوتِ قد نلْت أجرا)
(وثناني الْحيَاء وَهُوَ رِدَاء ... لفتى لم يمل مَعَ النَّفس دهرا)
(فاسمحوا للْفَقِير بالكتب فضلا ... مِنْكُم وَاجْعَلُوا مَعَ الْعسر يسرا)
(أنني مغرم بجمعي للآداب ... لما غَدَوْت بالشعر مغرى)
(لَا تخل أنني من الشّعْر عَار ... حَيْثُ أَنِّي اكْتسبت ثوبا تهرى)
(لي فِي النّظم قُوَّة والمعاني ... لبناني تنقاد طَوْعًا وقهراً)
(أَن تغزلت فِي الجفون وَفِي الأحداق ... تأنس من التغزل سحرًا)
(أَو وصفت الجبين وَالْفرق وَالْفرع ... فَإِنِّي أبدى من اللَّيْل فجراً)
(أَو أدرت المديح فِي أحد الْأَعْيَان ... أظهت من بديعي درا)
(وَكَذَا أَن هجوت أفحشت فِي القَوْل ... لِأَنِّي أحشوه نَهرا وزجرا)
стр. 103
(بِلِسَان كَأَنَّهُ اللولب الدوار ... أَو كالحسام مدا وقصرا)
(ولعمري لقد بنيت من الْفَهم ... بِنَاء مشيدا مشمخرا)
(وقرأت الحَدِيث وَالْفِقْه والمنطق ... حَتَّى غَدَوْت للْعلم صهرا)
(لم أفه بِالَّذِي ذكرت سوى للسَّيِّد ... المحبي الَّذِي طَابَ نجرا)
(فليحسن فِي الظنون فَإِنِّي ... لم أرم بِالَّذِي تبجحت فخرا)
(عش مدى الدَّهْر فِي السَّعَادَة ... والإقبال وَالْخَيْر مَا سقى الْقطر غبرا)
فَلَمَّا قَرَأَهَا تغير لَونه وظنها دسيسة عَلَيْهِ وَإِنِّي لست ناظمها وَقَالَ لي خُذ اقرأها أَنْت فَلَمَّا وصلت إِلَى قولي مِنْهَا بِنَاء مشخمرا قَالَ لي قف فَمَا معنى مشخمرا قلت مرتفعا قَالَ لَيْسَ هَذَا من كَلَام الْعَرَب قلت بلَى من كَلَام الْعَرَب هَذَا بشر بن أبي عوَانَة قَالَه وَغَيره قَالَ أَو تعرف مَا قَالَه بشر بن أبي عوَانَة قلت وأحفظ القصيدة مِنْهَا قَالَ أنشدها إِن كنت صَادِقا فَقلت نقل صَاحب قراضة الذَّهَب أَنه كتب بشر بن أبي عوَانَة الْعَبْدي الجاهلي إِلَى أُخْته فَاطِمَة وَكَانَ قد خرج فِي ابْتِغَاء مهر ابْنة عَمه فَعرض لَهُ أَسد فَقتل الْأسد وَقَالَ
(أفاطم لَو شهِدت بِبَطن خبت ... وَقد لَاقَى الهزبر أَخَاك بشرا)
(إِذا لرأيت ليثا رام ليثا ... هزبرا أغلبا لَاقَى هزبرا)
(تبهنس أَو تقاعس عَنهُ مهري ... محاذرة فَقلت عقرت مهْرا)
(أنل قدمي ظهر الأَرْض إِنِّي ... رَأَيْت الأَرْض أتبت مِنْك ظهرا)
(فحين نزلت مد إِلَيّ طرفا ... تخال الْمَوْت يلمع مِنْهُ شزرا)
(فَقلت لَهُ وَقد أبدى نصالا ... محددة ووجها مكفهرا)
(يدل بمخلب وبحد نَاب ... وباللحظات تحسبهن جمرا)
(وَفِي يمناي ماضي الْحَد أبقى ... بمضربه قراع الدَّهْر أثرا)
(ألم يبلغك مَا فعلت ظباه ... بكاظمة غَدَاة قتلت عمرا)
(خرجت تروم للأشبال قوتا ... ورمت لبِنْت عمي الْيَوْم مهْرا)
(وقلبي مثل قَلْبك لَيْسَ يخْشَى ... مصاولة فَكيف يخَاف ذعرا)
(فَفِيمَ تروم مثلي أَن يُولى ... وَيجْعَل فِي يَديك النَّفس قسرا)
(نَصَحْتُك فالتمس يَا لَيْث غَيْرِي ... طَعَاما إِن لحمي كَانَ مرا)
(محضتك نصح ذِي شفق فحاذر ... مارمي لَا تكن بِالْمَوْتِ غرا)
стр. 104
(فَلَمَّا ظن أَن النصح غش ... فخالفني كَأَنِّي قلت هجرا)
(خطا وخطوت من أسدين راما ... مراما كَانَ إِذْ طلباه أمرا)
(يكفكف غيلَة أحدى يَدَيْهِ ... ويبسط للوثوب على أُخْرَى)
(هززت لَهُ الحسام فخلت إِنِّي ... شققت بِهِ من الظلماء فجرا)
(وأطلقت المهند من يَمِيني ... فقد لَهُ من الأضلاع عشرا)
(وجدت لَهُ يثابة أرته ... بِأَن كَذبته مَا مِنْهُ عذرا)
(بضربة فيصل تركته شفعا ... وَكَانَ كَأَنَّهُ الجلمود وترا)
(فَخر مضرجا بِدَم كَأَنِّي ... هدمت بِهِ بِنَاء مشخمرا)
(فَقلت لَهُ يعز عَليّ أَنِّي ... قتلت مماثلي جلدا ونهرا)
(وَلَكِن رمت أمرا لم يرمه ... سواك فَلم أطق يَا لَيْث صبرا)
(تحاول أَن تعلمني فِرَارًا ... لعمر أبي لقد حاولت نكرا)
(فَلَا تغْضب فقد لاقيت حرا ... يحاذر أَن يعاب فَمَاتَ حرا)
فَكَانَ قراءتي لَهَا أَشد على الشَّيْخ من سَماع قصيدتي إِذْ قصَّة بشر مَعَ الْأسد كقصتي مَعَ الشَّيْخ فَلم يَسعهُ إِلَّا أَن قَالَ لعَبْدِهِ ياقوت الْمَشْهُور هَات الْكِتَابَيْنِ وناولهما لهَذَا الرجل ثمَّ اعتذر إِلَيّ عَفا الله عَنهُ فأخذتهما وانصرفت شاكرا دَاعيا وَمِنْهَا مَا حَكَاهُ قَالَ إِنَّنِي امتدحت المرحوم قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام الْمولى عبد الرَّحِيم الرُّومِي الْحَنَفِيّ سنة ثَان وَألف بقصيدة ميمية وَقد فقدتها من بَين مسوداتي الْآن وَكنت أستكتب فِيهَا المرحوم الشَّيْخ كَمَال الدّين بن بَرَكَات بن الكيال فَلَمَّا قدمتها إِلَيْهِ أجازني بجائزة حَسَنَة فَلَمَّا نمت تِلْكَ اللَّيْلَة رَأَيْت كَأَنِّي جَالس بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يتَأَمَّل القصيدة وَيَقُول يَا شيخ هَذَا نظمك فَقلت وَالله يَا سَيِّدي فَقَالَ لي وخطك فَقلت لَهُ نعم فَتَبَسَّمَ مُنْكرا ثمَّ تنَاول الدواة وَقطع قرطاس وقدمهما إِلَيّ ثمَّ قَالَ لي خُذ انظم نصف بَيت واكتبه فتناولتهما وكتبت
(أقضى قُضَاة الورى عبد الرَّحِيم غَدا ... يَقُول ممتحنا والصدق شيمته)
(انظم لنا نصف بَيت قلت ممتثلا ... هَا قد نظمت وَلَكِن أَيْن قِيمَته)
ثمَّ ناولته القرطاس فاهتز طَربا وَأبْدى عجبا وَقَالَ هَذَا الْخط من جنس قَول الشَّاعِر عَيناهُ فَجعلت وَقلت لَهُ لَعَلَّ مَوْلَانَا يُشِير إِلَى قَوْله
(عَيناهُ قد شهِدت بِأَنِّي مُخطئ ... وَأَتَتْ بِخَط عذاره تذكارا)
стр. 105
(يَا قَاضِي الْحبّ اتئد فِي قصتي ... فالخط زور وَالشُّهُود سكارى)
فَلَمَّا سمع ذَلِك مني ضحك ضحكا عَالِيا وَجعل يضْرب بِيَدِهِ على ركبته وَيَقُول الْآن حكيت فَاسْتَيْقَظت من مَنَامِي وحس الضَّرْب وَآذَانِي وَمِنْهَا مَا قَالَ نَشأ بحلب غُلَام بديع الْجمال من أقَارِب شيخ الْإِسْلَام المرحوم الشَّيْخ زين الدّين عمر العرضي والغلام شرِيف أَنْصَارِي فنظم فِيهِ أدباء حلب مقاطيع كَثِيرَة فِي آخر كل مَقْطُوع مِنْهَا وَالْحسن تَحت عِمَامَة الْأنْصَارِيّ ثمَّ أرْسلُوا إِلَى دمشق يطْلبُونَ من أدبائها مقاطيع على نمط مَا نظموه فنظم أدباء الشَّام مقاطيع كَثِيره وأرسلوها إِلَيْهِم مِنْهَا
(سَأَلُوا عَن الخسن البديع تجاهلا ... وَالْحق لَا يخفى عَن الْأَبْصَار)
(فأجبت مَا هَذَا التجاهل والعمى ... وَالْحسن تَحت عِمَامَة الْأنْصَارِيّ)
وَمن ذَلِك قولي فِيهِ
(قَالُوا أهل اجْتمعت صِفَات الْحسن فِي ... أحد وَلم تحجب عَن الْأَبْصَار)
(قلت الملاحة وَالْجمال بأسره ... وَالْحسن تَحت عِمَامَة الْأنْصَارِيّ)
وَمن ذَلِك قولي فِيهِ أَيْضا
(مَا حلت عَن حلب وَكنت مُهَاجرا ... لِلْحسنِ حَيْثُ السعد من أَنْصَارِي)
(فالسعد لَاحَ بِوَجْهِهِ أنصاريها ... وَالْحسن تَحت عِمَامَة الْأنْصَارِيّ)
وَمِنْهَا قَالَ وَوَقع بحلب نادرة غَرِيبَة حضرتها فِي سنة سِتّ بعد الْألف وَهِي أَن شخصا يُسمى بَدْرًا عشق غُلَاما فتعاتبا يَوْمًا فَقَالَ لَهُ الْغُلَام إِن كنت تحبني فارم بِنَفْسِك فِي الخَنْدَق فَفعل ذَلِك ثمَّ أخرج مِنْهُ بعد أَيَّام وَدفن فنظم فِيهِ أدباء حلب مواليات كَثِيرَة آخر كل مواليا مِنْهَا إِن كنت بتحب وَاصل جرى للخندق إِلَّا أَنهم لم يَأْتُوا بِالْمَقْصُودِ فِيمَا نظموا فَسَأَلَنِي بَعضهم نظم مواليات فَقَالَت
(قَوس الْإِرَادَة على مغرم شجي بندق ... من أجل مَحْبُوب لأَجله النَّاس تتزندق)
(فَقَالَ لَو يَوْم قله بس تتفندق ... إِن كنت بتحب وَاصل جرى للخندق)
وَمن شعره الْمَجْمُوع فِي السّفر الْمَذْكُور قَوْله مخمسا أَبْيَات ابْن الجهم رحمهمَا الله تَعَالَى
(لَا تلح صبابه الْهوى ولعاً ... وَلَو سقَاهُ من كاسه جرعاً)
(وَإِن صغى للغذول أَو سمعا ... دَعه يُدَارِي فَنعم مَا صنعا)
(لَو لم يكن عَاشِقًا لما خضعاً ... )
(كَيفَ وَوصل الحبيب مُمْتَنع ... يهدأ صب أحشاؤه قطع)
стр. 106
(وَلَيْسَ فِيمَا سواهُ منتفع ... وكل من فِي فُؤَاده وجع)
(يطْلب شَيْئا يسكن الوجعا ... )
(أصعب من حرقة على ولد ... بعد أَسِير يبيت فِي صفد)
(مَا هجعت عينه وَمَا هجعوا ... فَارق أحبابه فَمَا انتفعوا)
(بالعيش من بعده وَمَا انتفعا ... )
(أقصوه علن أَهله وتربته ... وقاطعوه من بعد صحبته)
(فَهُوَ يُنَادي لفط كربته ... يَقُول فِي نأيه وغربته)
(عدل من الله كل مَا وَقعا ... )
وَقَوله مخمسا الأبيات الَّتِي يُقَال أَنَّهَا مَكْتُوبَة على سيف بخت نصر وَهِي
(الْجُود مَا اخْتصَّ بِهِ حَاتِم ... وكل سرّ قله كاتم)
(والحرّ لَا يخفضة شاتم ... لله فِي عالمه خَاتم)
(تجْرِي الْمَقَادِير على نقشه ... )
(فَازَ امْرُؤ كَانَ لَهُ مرتقى ... يرقى بِهِ أوج العلى والتقى)
(أكْرم بِهِ أَن زَالَ عَنهُ الشقا ... وَأَنت ان لم ترج أَو تتقى)
(كالميت مَحْمُولا على نعشه ... )
(أياك وَإِلَّا جدر فِي سربه ... فالشرّ كل الشَّرّ فِي قربه)
(وَأَنت لَا تقوى على حربه ... لَا تنبش الشَّرّ فتبلى بِهِ)
(وَاحْذَرْ على نَفسك من نبشه ... )
(أهل الولايات لَهُم مشرع ... بِكُل مَا يُولى الثنا مسرع)
(لَهُم إِلَى نيل الْعلَا مهرع ... ودولة البغى لَهَا مصرع)
(تنزل السُّلْطَان من عَرْشه ... )
(احذر ظلوما أَن طَغى أَو بغى ... وجاهلا فِي عرض حر لَغَا)
(مَا بعد نصح قَتله مبتغي ... أما رَأَيْت الْكَبْش لما طَغى)
(أدرج رَأس الْكَبْش فِي كرشه ... )
стр. 107
وَكتب إِلَى النَّجْم الْغَزِّي ملغزا
(يَا نجم يَا ابْن الْبَدْر يَا شمس الْهدى ... يَا من ضِيَاء وَجهه يجلو الْغَلَس)
(مَا اسْم حُرُوف لَفظه إِن عددت ... فحمسة وَإِن تصحف فَهُوَ بس)
فَأَجَابَهُ رحمهمَا الله
(يَا ملغزا فِي اسْم عَلَيْهِ رَبنَا ... صلى وَأَدْنَاهُ إِلَيْهِ فِي الْغَلَس)
(وَجَاء فِي التَّنْزِيل تَنْزِيل اسْمه ... تَحت سبا وفاطر فَوق عبس)
وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا
(حليفة موت كفنت ثمَّ ألحدت ... بِغَيْر صَلَاة بينوا الحكم تؤجروا)
فَأَجَابَهُ
(يصلى عَلَيْهَا وَهِي فِي اللَّحْد سِيمَا ... وَقد غسلت هَذَا جَوَاب مُحَرر)
وَرَأى لبَعض الْفُقَهَاء هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ملغزا
(مَا آن مُنْفَرد أَن كل مِنْهُمَا ... يجْرِي بِالِاسْتِعْمَالِ فِي التَّطْهِير)
(كل طهُور وَحده حَتَّى إِذا ... جمعا يعود الْكل غير طهُور)
فَأجَاب عَنْهُمَا بقوله
(مَاء تغير فِي الْمَمَر أَو الْمقر ... يجوز زَمَنه الْأَخْذ للتطهير)
(وَإِذا خلطت بِهِ الطّهُور وَقد نما ... التَّغْيِير عَاد الْكل غير طهُور)
وَمن أحاجيه قَوْله محاجيا فِي بلقين
(أَيهَا الْفَاضِل الَّذِي لَو كتبنَا ... بعض فضل لَهُ لعز المداد)
(قل لنا أَي قَرْيَة ذَات طلع ... أطلعت كَامِلا إِلَيْهِ الرشاد)
(لَو أردنَا بهَا نحاجي لقلنا ... أرق المَاء أَيهَا الْحداد)
وَقَوله محاجيا فِي عواصف
(وَكم رمت وَصفا للحبيب فلامني ... عذولي وَلم يعلم بكنه محبتي)
(فَمن لي بحبر فِي الأحاجي يَقُول لي ... إِذا رمت نعتا لائقا نبح انعت)
وَقَوله محاجيا فِي قسام
(لَو ذعى الزَّمَان فقت عَليّ ... كل إِمَام علت معارفه)
(أجب العَبْد منعما وَأَجد ... طرح الْمَوْت مَا يرادفه)
وَقَوله محاجيا فِي أخلاط
(لَئِن كنت رب الحجى ... وَذَا فكرة جائشة)
(فَمَا مثل قَول الْفَتى ... شَقِيق أَتَى الْفَاحِشَة)
وَمن دو بيتانه قَوْله
(إِبْلِيس وجنده أَتَوا مشتدين ... يَا رب لفتتني غدوا معتدين)
стр. 108
(إِن كنت أَطَعْت أَمرهم عَن خطأ ... رب اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدّين)
وَقَوله يخرج مِنْهُ اسْم دِينَار بطرِيق التعمية
(اللوم دَعوه أَيهَا اللوام ... لله حَقًا فِي الورى أَحْكَام)
(الْعِشْق مَوَاطِن الشقا من قدم ... من لَام تحطه بهَا الْأَيَّام)
وَقَوله يخرج مِنْهُ اسْم رَمَضَان
(يَا لقلب أسر قتلتي محبوبي ... يَا دمع سل وَيَا حشاي ذوبي)
(إِن أوجب مَا أسٍ ر يَا حَاجِبه ... كن حَاجِبه بقوسك المجذوب)
وَله الْقطعَة من حمل زجل على وزان يَا غائبين عني مَا ترجعوا من نعشقو بالهجر قلبِي قلا لما قلا وَحين على جمر الفضالي سلا عني سلا وَزَاد على قلبِي العنا والبلا وأمسيت بِلَا جليس أنيس عانى وجودي عدم سَكرَان فِرَاق هاثم نديمي النَّدَم وَقد سقاني الْبَين بكاسه جرع دلَّنِي كَيفَ أصنع والعذول بِي شنع وَامْتنع عني الَّذِي أَهْوى وظهري انقسم حظي مسود فَاحم مَا رَأَيْت لي رَاحِم أَو لفمي آس أهيم فِي النواح ورى فِي النواح فِي جحيم مَا تخمد وَأمسى جفني الرمد من تجني قَاس قلت وَلَو ذكرت مَاله من الْفُنُون السَّبْعَة لطال الْكَلَام غير أَنِّي على ذكر هَذِه الْفُنُون وَرَأَيْت أَن أتعرض للْكَلَام عَلَيْهَا بِمَا يُفِيد مَعْرفَتهَا وَهِي فَائِدَة خلا أَكثر كتب الْأَدَب عَنْهَا وزبدة القَوْل عَنْهَا أَنَّهَا الأريب فِي كَونهَا خَارِجَة من الشّعْر لِأَنَّهُ يُطلق على أَبْيَات كل من القصيد وَالرجز والقريض وَيخْتَص بِمَا قَابل الرجز وَإِنَّمَا هِيَ دَاخِلَة فِي النّظم وَأول من نظم الموشح المغاربة وهذبه القَاضِي الْأَجَل هبة الله ابْن سناء الْملك وتداوله النَّاس إِلَى الْآن وسمى موشحاً لِأَن خرجاته وأغصانه كالوشاح لَهُ وَسبب تقدمه على مَا بعده لإعرابه كالشعر لَكِن يُخَالِفهُ بِكَثْرَة أوزانه وَتارَة يُوَافق أوزان الشّعْر وَتارَة يُخَالِفهُ وَالِد وَبَيت أول من اخترعه الْفرس ونظموه بلغتهم وَمَعْنَاهُ بيتان وَيُقَال لَهُ الرباعي لأربعة مصاريعه وَقد اشْتهر بإعجام داله وَهُوَ تَصْحِيف وَهُوَ ثَلَاثَة أَقسَام يكو بِأَرْبَع قواف كالمواليا وأعرج بِثَلَاث قواف ومردوفاً بِأَرْبَع أَيْضا وَكله على وزن وَاحِد وَتقدم على مَا بعده لإعرابه أَيْضا وَأول من اخترع الزجل رجل اسْمه رَاشد وَقيل أَبُو بكر قزمان المغرساني وَهُوَ فِي اللُّغَة الصَّوْت وسمى زجلاً لِأَنَّهُ يلتذ بِهِ وَيفهم مقاطيع أوزانه وَلُزُوم قوافيه حَتَّى يغنى بِهِ ويصوت وَهُوَ خَمْسَة أَقسَام مَا تضمن الْغَزل والزهر وَالْخمر وحكاية الْحَال يخْتَص
стр. 109
بالزجل وَمَا تضمن الْهزْل والخلاعة يُقَال لَهُ بليق وَمَا تضمن الهجو والنكت يُقَال لَهُ الحماق وَمَا بعض أَلْفَاظه معربة وَبَعضهَا ملحونة قاسمه مزبلح وَمَا تضمن الحكم والمواعظ فاسمه الْمُكَفّر بِكَسْر الْفَاء الْمُشَدّدَة وَالْأول أصعب هَذِه الْخَمْسَة وَقَالَ مخترعه قزمان لقد جردته من الاعراب كَمَا يجرد السَّيْف من القراب وَسبب تقدمه على مَا بعده كَثْرَة أوزانه وصعوبة نظمه وقربه من الموشح فِي أغصانه وخرجانه وَأول من اخترع المواليا أهل وَاسِط وَهُوَ من بَحر الْبَسِيط اقتطعوا مِنْهُ بَيْتَيْنِ وقفُوا شطر كل بَيت بقافية ونظموا يه الْغَزل والمديح وَسَائِر الصَّنَائِع على قَاعِدَة القريض وَكَانَ سهل التَّنَاوُل تعلمه عبيدهم المتسلمون عماوتهم والغلمان وصاروا يغنون بِهِ فِي رُؤْس النّخل وعَلى سقِِي الْمِيَاه وَيَقُولُونَ فِي آخر كل صَوت يَا مواليا إِشَارَة إِلَى ساداتهم فَسُمي بِهَذَا الِاسْم وَلم يزَالُوا على هَذَا الأسلوب حَتَّى اسْتَعْملهُ البغداديون فلطفوه حَتَّى عرف بهم دون مخترعيه ثمَّ شاع وَسبب تقدمه على مَا بعده لِأَنَّهُ من بَحر القريض بِحَيْثُ ينظم معرباً على قَاعِدَته وَأما الْمَكَان وَكَانَ لَهُ نظم وَاحِد وقافية وَاحِدَة وَلَكِن الشّطْر الأول من الْبَيْت أطول من الثَّانِي وَلَا تكون قافيته إِلَّا مردوفة وَأول من اخترعه البغداديون وَسبب تَسْمِيَته بِهَذَا الِاسْم أَنهم لَا ينظمون فِيهِ سوى الحكايات والخرافات فَكَانَ قَائِله يحْكى مَا كَانَ إِلَى أَن ظهر لَهُم مثل الإِمَام الْجَوْزِيّ والواعظ شمس الدّين الْكُوفِي وَغَيرهمَا من فضلاء بَغْدَاد فنظموا فِيهِ المواعظ وَالْحكم وَسبب تقدمه على مَا بعده لِأَنَّهُ ينظم بعض أَلْفَاظه معربة وَأما القوما فَلهُ وزنان اول مركب من أَرْبَعَة أقفال ثَلَاثَة مُتَسَاوِيَة فِي الْوَزْن والقافية وَالرَّابِع أطول مِنْهَا وزنا وَهُوَ مهمل بِغَيْر قافية وَالثَّانِي من ثَلَاثَة أقفال مُخْتَلفَة الْوَزْن متفقة القافية يكون القفل الأول مِنْهَا أقصر من الثَّانِي وَالثَّانِي أقصر من الثَّالِث وَأول من اخترعه البغداديون أَيْضا فِي الدولة العباسية برسم السّحُور فِي رَمَضَان وَسمي بِهَذَا الِاسْم من قَول المغنين بَعضهم لبَعض قوما لنسحر قوما فغلب عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم ثمَّ شاع ونظموا فِيهِ الزُّهْرِيّ والخمري والعتاب وَسَائِر الْأَنْوَاع وَأول من اخترعه أَبُو نقطة للخليفة النَّاصِر وَكَانَ يُعجبهُ ويطرب لَهُ وَجعل لأبي نقطة عَلَيْهِ وَظِيفَة فِي كل سنة فَلَمَّا توفّي أَبُو نقطة كَانَ لَهُ ولد صَغِير ماهر فِي نظم القوما فَأَرَادَ أَن يعرف الْخَلِيفَة بِمَوْت وَالِده ليجريه على مفروضه فَتعذر عَلَيْهِ ذَلِك إِلَى رَمَضَان ثمَّ جمع أَتبَاع وَالِده ووقف أول لَيْلَة مِنْهُ تَحت الطيارة وغنى القوما بِصَوْت رَقِيق فأصغى الْخَلِيفَة وطرب لَهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَن
стр. 110
ينْصَرف قَالَ
(يَا سيد السادات ... لَك بِالْكَرمِ عادات)
(أَنا ابْن أبي نقطة ... تعيش أبي قد مَاتَ)
فأعجب الْخَلِيفَة من هَذَا الِاخْتِصَار فَأحْضرهُ وخلع عَلَيْهِ وَجعل لَهُ ضعف مَا كَانَ لِأَبِيهِ والقوما والكان وَكَانَ لَا يعرفهما سوى أهل الْعرَاق وَرُبمَا تكلّف غَيرهم فنظمهما وكل بَيت من القوما قَائِم بِنَفسِهِ وَأما تَأْخِيره فلعدم إعرابه انْتهى وَقد أطلنا الْمقَال لَكِن مَا خلونا من فَائِدَة تناسب فِي هَذَا المجال وَكَانَت وَفَاة الْعمريّ فِي أَوَاخِر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَقد درج التسعين وَقَالَ عمر بن الصَّغِير شيخ الْأَدَب بعده فِي تَارِيخ وَفَاته
(يَا شيخ دمشق بالناظم الزاهي ... بِشِرَاك بجنة سناها باهي)
(الْهَاتِف من ألهمني تَارِيخا ... لي قَالَ أَبُو بكر عَتيق الله)
والعمري نِسْبَة إِلَى العقيبي الْحَمَوِيّ الَّذِي ورد إِلَى دمشق خَليفَة من جِهَة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ علوان وَكَانَ مَسْكَنه بمحلة العقيبة خَارج دمشق بِالْقربِ من جَامع التَّوْبَة وَكَانَ العقيبي الْمَذْكُور أُمِّيا غير أَنه كَانَ ماهراً فِي الْكَلَام على الخواطر وَله مكاشفات وكرامات شَتَّى ذكره النَّجْم فِي الْكَوَاكِب السائرة وَأطَال فِي تَرْجَمته وَكَانَ مَنْصُور وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة من جماعته الملازمين لَهُ فنسب إِلَيْهِ كَذَا ذكره البوريني فِي تَرْجَمته وَالله تَعَالَى أعلم
السَّيِّد أَبُو بكر بن السَّيِّد هِدَايَة الله الْحُسَيْنِي الكوراني الْكرْدِي الْمَشْهُور بالمصنف ذكره الْأُسْتَاذ الْكَبِير الْعَالم الْعلم إِبْرَاهِيم بن حسن الْكرْدِي نزيل الْمَدِينَة المنورة فِي كِتَابه الْأُمَم لايقاظ الهمم فِي تَرْجَمَة الْمَشَايِخ الَّذين روى عَنْهُم فَقَالَ إِمَام عَلامَة لَهُ مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا شرح الْمُحَرر فِي الْفِقْه فِي ثَلَاث مجلدات انْتفع بِهِ أهل تِلْكَ الْبِلَاد وَله كِتَابَانِ بِالْفَارِسِيَّةِ أَحدهمَا سراج الطَّرِيق يشْتَمل على خمسين بَابا وَالْآخر رياض الخلود ويشتمل على ثَمَانِيَة أَبْوَاب وَكَانَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى كثير الِاجْتِمَاع بالخضر على نَبينَا وَعَلِيهِ السَّلَام وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وَعَلِيهِ تخرج وَلَده المنلا عبد الْكَرِيم شيخ المنلا إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو بكر الْكرْدِي الْعِمَادِيّ الشَّافِعِي نزيل دمشق ذكره النَّجْم فِي الذيل وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ فَاضلا بارعاً قانعاً عفيفاً وَله مَعَ ذَلِك بشاشة وَحسن فهم واستماع حَرِيصًا على الْفَائِدَة وَرُبمَا علق وحشى إِلَّا أَنه خطه كَانَ سقيماً وَذكر مبدأه أَنه ورد
следующие страницы →