← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(إِذْ أعين الغيد لَا تنفك ظامئة ... لورد مَاء شَبَابِي دون أندادي) (فيا زمَان الصِّبَا حييت من زمن ... أوقاته لم نرع فِيهَا بإنكاد) (وَيَا أحبتنا روى معاهدكم ... من العهاد هتون رائح غاد) (معاهد كنّ مصطافي ومرتبعي ... وَكم بهَا طَال بل كم طَابَ تردادي) (يَا راحلين وقلبي إِثْر ظعنهم ... ونازحين وهم ذكري وأورادي) (إِن تَطْلُبُوا شرح مَا أَيدي النَّوَى صنعت ... بمغرم حلف إيحاش وإيحاد) (فقابلوا الرّيح إِن هبت شآمية ... تروي حَدِيثي لكم مَوْصُول إِسْنَاد) (والهف نَفسِي على مغنى بِهِ سلفت ... سَاعَات أنس لنا كَانَت كأعياد) (كَأَنَّهَا وأدام الله مشبهها ... أَيَّام دولة صدر الدست والنادي) (ذُو الْجُود مَسْعُود المسعود طالعه ... لَا زَالَ فِي برج إقبال وإسعاد) (عَادَتْ بدولته الْأَيَّام مشرقة ... تهز مختالة أعطاف مياد) (وقلد الْملك لما أَن تقلده ... فخراً على مرّ أزمان وآباد) (وَقَامَ بِاللَّه فِي تَدْبيره فغدا ... موفقاً حَال إصدار وإيراد) (حق لَهُ الْحَمد بعد الله مفترض ... فِي كل آونة من كل حَمَّاد) (أنقذتهم من يَد الْأَعْدَاء متخذاً ... عِنْد الْإِلَه يدا فيهم بإنجاد) (داركتهم سهداً رمقي فعادلهم ... غمضٌ لجفن وأرواح لأجساد) (بِشِرَاك يَا دهر حَاز الْملك كافله ... بِشِرَاك يَا دهر أُخْرَى بشرها باد) (عَادَتْ نُجُوم بني الزهراء لَا أفلت ... بعودة الدولة الزهرا لمعتاد) (واخضل روض الْأَمَانِي حِين أَصبَحت الأجواد ... عقدا على أجياد أجياد) (وَأصْبح الدّين وَالدُّنْيَا وأهلهما ... فِي ظلّ ملك لظل الْعدْل مدّاد) (يُبِيح هام الأعادي من صوارمه ... مَا استحصدت بالتعاصي من كل حصاد) (فهم أيادي أعاديه ونائله ... على الورى أَصبَحت أطواق أجياد) (يُفْضِي ميمم جدوى راحتيه إِلَى ... طلق الْمحيا كريم الْكَفّ جواد) (بذل الرغائب لَا يعتده كرماً ... مَا لم يكن غير مَسْبُوق بميعاد) (وَالْعَفو عَن قدرَة أشهى لمهجته ... صينت وأشفى من اسْتِيفَاء إيعاد) (مآثر كالدراري رفْعَة وسناً ... وَكَثْرَة فَهِيَ لَا تحصى بإعداد) (فَأَنت من معشر إِن غَارة عرضت ... خفوا إِلَيْهَا وَفِي النادي كأطواد)

стр. 457

(كم هجمة لَك والأبطال محجمة ... ووقفة أوقفت لَيْث الشرى العادي) (بِكُل مُجْتَمع الْأَطْرَاف معتدل ... لدن لعرق نجيع الْقرن فصاد) (فَخر الْمُلُوك الألى تزهو مناقبهم ... دم حائزاً ملك آبَاء وأجداد) (وليهن حلته إِذْ رَاح يلبسهَا ... فَأَصْبَحت خير أَثوَاب وأبراد) (واستجل أبكار أفكار مخدرة ... قد طَال تعنيسها من فقد أنداد) (كم ردّ خطابها حَتَّى رأتك وَقد ... أمّتك خاطبة يَا نسل أمجاد) (أفرغت فِي قالب الْأَلْفَاظ جوهرها ... سكباً بذهن وريّ الزند وقاد) (وصاغها فِي معاليكم وأخلصها ... ود ضميرك فِيهِ عَادل اشهاد) (يَحْدُو بهَا العيس حاديها إِذا رزمت ... من طول وخد وإرقال وآساد) (كَأَنَّهَا الراح بالألباب لاعبة ... إِذا شدا بَين سمار بهَا شادي) (بفضلها فضلاء الْعَصْر شاهدة ... وَالْفضل مَا كَانَ عَن تَسْلِيم أضداد) (فَلَو غَدَتْ من حبيب فِي مسامعه ... أَو الصفي استحلا بغض حساد) (واستنزلا عَن مطايا الْقَوْم رحلهما ... واستوقفا العيس لَا يَحْدُو بهَا الْحَادِي) (وحسبها فِي التسامي والتقدم فِي ... عد المفاخر إِذْ تعدو لتعداد) (تقريضها عِنْدَمَا جَاءَت مُعَارضَة ... عوجا قَلِيلا كَذَا عَن أَيمن الْوَادي) وَهِي عرُوض قصيدة الأديب الْفَاضِل أَحْمد بن عِيسَى المرشدي الْمُقدم ذكره ومطلعها الَّذِي ذكره عوجا قَلِيلا وَقد ذكرتها برمتها فِي تَرْجَمَة المرشدي الْمُقدم ذكره وَمن فَوَائده أَنه سُئِلَ عَن قَول الصفي الْحلِيّ (فلئن سطت أَيدي الْفِرَاق وأبعدت ... بَدْرًا تحجب نصفه بنصيف) (فَلَقَد نعمت بوصله فِي منزل ... قد طَابَ فِيهِ مربعي ومصيفي) فَأجَاب بقوله لَا يخفى أَن النصيف هُوَ الْخمار فَكَانَ الشَّاعِر تخيل أَن الجبين بدر تَامّ كَامِل الاستدارة ستر الْخمار نصفه الْأَعْلَى فَلَمَّا تخيل ذَلِك قَالَ بَدْرًا تحجب نصفه بنصيف ثمَّ ضمنه بقوله (أفدى الَّتِي جلب الغرام جبينها ... تَحت الْخمار لقلبي المشغوف) (فصبا لَهُ لما تحقق أَنه ... بدر تحجب نصفه بنصيف) وَقد سُئِلَ عَنهُ الإِمَام زين العابدين الطَّبَرِيّ الْحُسَيْنِي إِمَام الْمقَام فَأجَاب بِمَا لَفظه النصيف الْخمار وكل مَا يُغطي بِهِ الرَّأْس وَالْوَجْه هُوَ الْبَدْر فِي التَّشْبِيه فمراد الشَّاعِر

стр. 458

أَنَّهَا تلثمت بِبَعْض النصيف الَّذِي على رَأسهَا فَصَارَت بذلك ساترة لنصف وَجههَا الْأَسْفَل الْمُشبه بالبد فَصَارَ نصيفاً ونقاباً والنقاب مَا تنقبت بِهِ الْمَرْأَة كَمَا فِي الْقَامُوس وَهُوَ شَامِل لما كَانَ مُسْتقِلّا وَبَعض شَيْء آخر كَمَا يُقَال مثله أَيْضا فِي النصيف فَهُوَ نصيف وَإِن غطى رَأس الرَّأْس مَعَ الرَّأْس وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ عَادَة غَالب النِّسَاء الحسان فِي قطر الْعَرَب فَإِن الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ تنتقب بفاضل خمارها فتفتن الْعُقُول بِمَا ظهر من لواحظها وأسحارها انْتهى وَكتب القَاضِي تَاج الدّين إِلَى القَاضِي أَحْمد بن عِيسَى المرشدي معتذراً عَن وُصُوله إِلَيْهِ بعد وعده لَهُ بِهِ لعروض مَانع عرض لَهُ بقوله بديها (أَيهَا المعشر الَّذين إِلَيْهِم ... وَاجِب أَن يكون سعياً براسي) (لَا تظنوا تركي الْوُصُول إِلَيْكُم ... لملالي ودادكم أَو تناسي) (أَو تراخ عَنْكُم وَإِن كَانَ عُذْري ... هُوَ أَنِّي ندبت خير اناس) فَأَجَابَهُ بقوله (قد أَتَانِي اعتذاركم بعد أَنِّي ... بت من هجرك الْأَلِيم أقاسي) (فتلقيته بصدر رحيب ... ولصقت الْكتاب عزا براسي) (غير أَنِّي لَا أرتضيه إِذا لم ... تنعموا بالوصال والإيناس) (وأقلني العثار فِي النّظم أَنِّي ... قلته والفؤاد فِي وسواس) وَكتب إِلَى شَيْخه عبد الْملك العصامي مسائلاً بقوله (مَاذَا يَقُول إِمَام الْعَصْر سيدنَا ... وَمن لَدَيْهِ ينَال الْقَصْد طَالبه) (فِي الدَّار هَل جَائِز تذكير عائدها ... فِي قَوْلنَا مثلا فِي الدَّار صَاحبه) (وَمن إبانة همز ابْن أَرَادَ فَهَل ... يكون موصوفه سما يُطَالِبهُ) (أم كَونه علما كَاف وَلَو لقبا ... أَو كنية إِن أَرَادَ الْحَذف كَاتبه) (أفد فَمَا قد رَأينَا الْحق منخفضاً ... إِلَّا وَأَنت على التَّمْيِيز ناصبه) فَأَجَابَهُ بقوله (يَا فَاضلا لم يزل يهدي الفرائد من ... علومه وتروّينا سحائبه) (تأنيثك الدَّار حتم لَا سَبِيل إِلَى التَّذْكِير ... فامنع إِذا فِي الدَّار صَاحبه) (وَالِابْن موصوفه عمم فَإِن لقبا ... أَو كنية فارتكاب الْحَذف واجبه) (هَذَا جوابي فاعذر أَن ترى خللاً ... فمصدر الْعَجز وَالتَّقْصِير كَاتبه) (لَا زلت تاجاً لهامات الْهدى علما ... فِي الْعلم يحوي بك التَّحْقِيق طَالبه)

стр. 459

وَمن شعر التَّاج قَوْله (غنيت بحليه حسنها ... عَن لبس أَصْنَاف الْحلِيّ) (وبذت بهيكلها البديع ... تَقول شَاهد واجتلى) (تَجِد المحاسن كلهَا ... قد جمعت فِي هيكلي) وَلما وقف عَلَيْهَا السَّيِّد أَحْمد بن مَسْعُود شيد كل بَيت من أبياته قصرا وابتز ذَلِك الْمَعْنى باستحقاقه قسرا فَقَالَ (لله ظَبْي سربه ... يزهو بِهِ فِي المحفل) (قنص الْأسود بغالب ... قيد إِلَّا وأبد هيكلي) (وَله الْجَوَارِي الْمُنْشَآت ... جوى الحشاشة للخلى) (قد قَالَ فِي ظلمائه ... يَا أَيهَا اللَّيْل انجلى) وحذا حذرهما القَاضِي أَحْمد المرشدي الْمَذْكُور فَقَالَ (يَا ربة الْحسن الْجَلِيّ ... لمؤمل المستأمل) (صَدْرِي ووجهي منية ... للمجتني والمجتلى) (فالحظ بديع محاسني ... من تَحت أَنْوَاع الحلى) (تَجِد الهياكل والحلي ... جمَالهَا من هيكلي) وَكتب إِلَى بعض أصدقائه قَوْله (من كَانَ بالوادي الَّذِي هُوَ غير ذِي ... زرع وَعز عَلَيْهِ مَا يهديه) (فليهدين أَلْفَاظه الغر الَّتِي ... تحلوفوا كهها لكل نبيه) وَله مليحة اسْمهَا غربية (خَالَفت أهل الْعِشْق لما شرقوا ... فَجعلت نَحْو الغرب وحدي مذهبي) (قَالُوا عدلت عَن الصَّوَاب وأنشدوا ... شتان بَين مشرق ومغرب) (فأجبتهم هَذَا دليلي فانظروا ... للشمس هَل تسعي لغير الْمغرب) وَكتب إِلَى صاحبين لَهُ استدعياه فَتعذر عَلَيْهِ الذّهاب إِلَيْهِمَا فَقَالَ (يَا خليلي دمتما فِي سرُور ... ونعيم وَلَذَّة وتصافي) (لم يكن تركي الْإِجَابَة لما ... أَن أَتَانِي رَسُولكُم عَن تجافي) (كَيفَ والشوق فِي الحشاشة يقْضِي ... إِنَّنِي نحوكم أجوب الفيافي) (غير أَن الزَّمَان للحظ مني ... لم يزل مُولَعا بِحكم خلافي)

стр. 460

(عَارض الْمُقْتَضى من شوق بالمانع ... وَالْحكم عَنْكُم لَيْسَ خافي) (فسلام عَلَيْكُم وعَلى من ... فزتما من ثماره باقتطاف) وَله فِي الْمُفَاخَرَة بَين الإبرة المقص (فاخرت إبرة مقصا فَقَالَت ... لي فضل عَلَيْك باد مُسلم) (شَأْنك الْقطع يَا مقص وشأني ... وصل قطع شتان إِن كنت تعلم) وَأَصله قَول بَعضهم (إِن شَأْن المقص قطع وصال ... فَلهَذَا يضيع بَين الْجُلُوس) (وَترى الإبرة الَّتِي توصل الْقطع ... بعز مغروسة فِي الرؤس) وَكتب إِلَى الْفَاضِل مُحَمَّد بن درار يستدعيه (رق النسميم وذيل الْغَيْم منسدل ... على الْوُجُود وطرف الدَّهْر قد طرفا) (فاغنم معاقرة الْآدَاب واغن بهَا ... عَن المدام وَخذ من صفوها طرفا) (وانزع إِلَيْنَا لتجني من خمائلها ... وردا ونجذب من مرط الوفا طرفا) وَله أَيْضا يصف بركَة مَاء (أَلا فانظروا هَذَا الصفاء لبركة ... تَقول لمن قد غَابَ عَنْهَا من الصحب) (لَئِن غبت عَن عَيْني وكدرت مشربي ... تَأمل تَجِد تِمْثَال شخصك فِي قلبِي) وَمثله قَول الإِمَام عَليّ الطَّبَرِيّ (وبركة مَاء قد صفا سلسبيلها ... وَمن حولهَا روض تكلل بالزهر) (تخال إِذا مَا لَاحَ رونق حسنها ... كبدر سَمَاء حف بالأنجم الزهر) وَله فِي الفوارة (وفوارة من مروة قَامَ مَاؤُهَا ... كبزبوز إبريق وَلَيْسَ لَهُ عروه) (بدالي لما أَن وَردت صفاؤها ... وَلَا غرو أَن يَبْدُو الصفاء من المروه) وَمثله قَول الْفَخر الخاتوني الْآتِي ذكره (أَلا مل إِلَى روض بِهِ بركَة زهت ... بفوارة فِيهَا كفص مَا الماس) (إِذا مَا أَتَاهَا زائر قَامَ مَاؤُهَا ... فأجلسه مِنْهَا على الْعين والراس) وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَول ابْن المعتز (وقاذفه للْمَاء فِي وسط جنَّة ... قد التحفت كَمَا من الطل سجسجا) (إِذا انبعثت بِالْمَاءِ ردته منصلا ... وعَلى عَلَيْهَا ذَلِك النصل هودجا)

стр. 461

(تحاول إِدْرَاك النُّجُوم بقذفها ... كَأَن لَهَا قلبا على الجو محرجا) (لَدَى رَوْضَة جاد السَّحَاب ربوعها ... فزخرفها بَين الرياض ودبجا) (على نرجس غض يُلَاحظ سوسنا ... وآس ربيعي يناغي بنفسجا) (كَانَ غصون الأقحوان زمرد ... تعمم بالكافور ثمَّ تتوجا) (ونوار نسرين كَانَ شميمه ... من الْمسك فِي جو السَّمَاء تأرجا) وَكَانَت وَفَاة التَّاج بِمَكَّة ثامن شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وأرخ وَفَاته الشَّيْخ محب الدّين بن منلا جامي بقوله (لتاج الدّين أصبح كل حر ... حَزِين الْقلب باكي الطّرف أَواه) (أَقَامَ يسوح بَاب الله حَتَّى ... دَعَاهُ إِلَيْهِ أقبل ثمَّ لباه) (فتاريخ اللقا لما أناه ... جنان الْخلد منزلَة ومأواه) الشَّيْخ تَاج الدّين بن زَكَرِيَّا بن سُلْطَان العثماني النقشبندي الْهِنْدِيّ شيخ الطَّرِيقَة النقشبندية ورابطة الْإِرْشَاد إِلَى الْمنَازل للسالكين فِي السلوك وواسطة الْإِمْدَاد للمواهب الرحمانية من ملك الْمُلُوك كَانَ شَيخا كَبِيرا مهابا حسن التربية وَالدّلَالَة على الْوُصُول إِلَى الله تَعَالَى صَحبه خلق كثير من المريدين وَمِمَّنْ صَحبه ولازمه الْأُسْتَاذ أَحْمد أَبُو الْوَفَاء الْعجل العجيل الْمُقدم ذكره وَولد أَحْمد الْمَذْكُور الشَّيْخ مُوسَى وَالشَّيْخ مُحَمَّد ميرزا والأمير يحيى بن عَليّ باشا وَغَيرهم وَألف كتبا مِنْهَا تعريب النفحات للعارف عبد الرَّحْمَن الجامي وتعريب الرشحات ورسالة فِي طَرِيق السَّادة النقشبندية جمع فِيهَا الْكَلِمَات القدسية المآثورة المروية عَن حَضْرَة الخوجه عبد الْخَالِق الغجدواني المبنى عَلَيْهَا الطَّرِيق وَشَرحهَا بِأَحْسَن بَيَان والصراط الْمُسْتَقيم والنفخات الإلهية فِي موعظة النَّفس الزكية وجامع الْفَوَائِد وَقد افرد تَرْجَمته تلميذة السَّيِّد مَحْمُود بن أسرف الحسني فِي رِسَالَة سَمَّاهَا تحفة السالكين فِي ذكر تَاج العارفين وَقَالَ فِيهَا سمعته يَقُول أَنه قبل أَن يصل إِلَى الشَّيْخ إِلَه بخش فِي بداية أمره فِي غَلَبَة الجذبات بعد توفيق التَّوْبَة بِوَاسِطَة الْخضر ﵇ كَانَ إشتغاله غَالِبا بالسياحة فِي طلب الشَّيْخ وَكَانَ ألزم نَفسه الْأُمُور المقررة فِي كتب الْمَشَايِخ أَنه يَنْبَغِي للمريد أَن يَجْعَلهَا على نَفسه قبل وُصُوله إِلَى الشَّيْخ ثمَّ بعد وُصُوله إِلَيْهِ لَا يخْتَار إِلَّا مَا احتاره وَكَانَ تحضر لَهُ أَرْوَاح الْمَشَايِخ وَحصل لَهُ الْكَشْف فَلَمَّا وصل إِلَى بَلْدَة أجمير الَّتِي فِيهَا قبر قطب وقته الشَّيْخ معِين الدّين الجشني

стр. 462

حضرت لَهُ روحه وَعلمه طَرِيق النَّفْي والاثبات على كَيْفيَّة مَخْصُوصَة فِي طَرِيق الجشتية يسمونها حفظ الأنفاس وَأمره أَن يجلس وَيسْتَعْمل الذّكر بِهَذِهِ الطَّرِيقَة فِي بَلْدَة باكور الَّتِي فِيهَا قبر الشَّيْخ حميد الدّين الباكوري وَهُوَ من أجل أَصْحَابه وَقَالَ أَنِّي مَا جِئْت إِلَّا الْيَوْم بعد مُدَّة مديدة لِأَجلِك وَإِلَّا فَأَنا بِمَكَّة لِكَثْرَة الْبدع الَّتِي يعملونها على قَبره فسافر بِمُوجب أمره إِلَى باكور وَجلسَ بهَا يشْتَغل بِالذكر الْمَذْكُور ويزور أَحْيَانًا قبر الشَّيْخ حميد الدّين ويعلمه آدَاب الطَّرِيق فَكَانَ تظهر عَلَيْهِ الْأَنْوَار والتجليات وَالْأَحْوَال على طبق سلوك الجشتية وَقَالَ إِنِّي فِي تِلْكَ السّنة كنت أَدخل فِي خلْوَة كَانَت دَاخل ثَلَاث بيُوت فِي لَيْلَة مظْلمَة وأصك الْأَبْوَاب كلهَا فَكَانَ يظْهر لي نور مثل الشَّمْس ثمَّ يزِيد ثمَّ يُحِيط بِالْبَيْتِ وَيصير ضوءه مثل ضوء النَّهَار فَكنت أَقرَأ الْقُرْآن فِي ذَلِك الضَّوْء فَحصل لي الْأنس بذلك النُّور حَتَّى أَنِّي يَوْمًا من الْأَيَّام كنت أَمر بِبَعْض الطّرق فَإِذا رجل عِنْده رِسَالَة مَكْتُوب فِيهَا أَن بعض النَّاس يحصل لَهُم فِي أَوَان الذّكر نور فيغترون بِهِ وَأخذ الرسَالَة وَغَابَ وَمَا رَأَيْته بعد فانتبهت وَزَاد تعلقي بِهِ ثمَّ يَوْمًا كنت جَالِسا عِنْد قبر الشَّيْخ حميد الدّين فَحَضَرت روحه وَأَرَادَ أَن يعطيني خرقَة الْإِجَازَة وَكَانَ مُرَاده أَن يَأْمر فِي النّوم والواقعة لبَعض من كَانُوا على سَنَده من الْخُلَفَاء ليعطيني الْخِرْقَة فَقلت لَا أُرِيد أَن تُعْطِينِي إِلَّا بِيَدِك فَقَالَ الشَّيْخ هَذَا خلاف سنة الله فاطلب مِنْهُ فاستأذنت مِنْهُ وَخرجت فِي طلب الشَّيْخ وَكنت أسيح فِي الْجبَال والبراري والأغوار والأنجاد وَكنت أصل إِلَى الْمَشَايِخ كثيرا فَلم يحصل إِلَى الِاعْتِقَاد لأحد مِنْهُم وَكَانَ وصل فِي هَذِه الْمدَّة إِلَى الشَّيْخ نظام الدّين الباكوري وَكَانَ من الْمَشَايِخ الجشتية فَأَرَادَ الشَّيْخ كثيرا أَن يجلس عِنْده فَمَا جلس عِنْده وَرَأى كثيرا من مَشَايِخ الْوَقْت حَتَّى وصل إِلَى الشَّيْخ اله بخش فَلَمَّا رَآهُ حصل لَهُ فِيهِ أقْصَى مَا يكون من الِاعْتِقَاد وَالشَّيْخ ﵁ تَلقاهُ بِحسن الْقبُول وَأظْهر لَهُ أَنه كَانَ منتظرا لَهُ وَكَانَ من طَريقَة الشَّيْخ أَن لَا يلقن أحدا إِلَّا بعد إِدْخَاله فِي الخدمات والرياضيات الشاقة الَّتِي تنكسر بهَا النَّفس وَتحصل بهَا التَّزْكِيَة فن التَّزْكِيَة مُقَدّمَة على التصفية عِنْد أَكثر الْمَشَايِخ بِخِلَاف النقشبندية فَإِن طريقتهم على الْعَكْس قَالُوا بَعْدَمَا يتَوَجَّه الانسان إِلَى التصفية والتوجه الْحق بِالصّدقِ فَيحصل لَهُ من التَّزْكِيَة بإمداد جذبة من جذبات الرَّحْمَن فِي سَاعَة مَا لَا يحصل لغيره من الرياضات والسياسات

стр. 463

فِي سِنِين بِنَاء على تقدم الجذبة عِنْدهم على السلوك فَإِن سلوكهم مستدير لَا مستطيل وَأَن أول قدمهم فِي الْحيرَة والفناء كَمَا قَالَه الخوجة بهاء الدّين النقشبندي بدايتنا نِهَايَة الطّرق الآخر وَقَالَ أَيْضا معرفَة الْحق حرَام على بهاء الدّين إِن لم تكن بدايته نِهَايَة أبي يزِيد البسطامي وَقَالَ الخوجة عبيد الله أَحْرَار أَن اعْتِقَاد السّلف قد يذهب بِالْبَعْضِ إِلَى إِنْكَار هَذَا الْكَلَام مَعَ أَنه لَا يُنَافِي أمرا من أُمُور الشَّرْع بل حَدِيث مثل امتي مثل الْمَطَر لَا يدْرِي أَوله خير أم آخِره يدل على خلاف ذَلِك رَجَعَ إِلَى تَتِمَّة الْكَلَام السَّابِق قَالَ تِلْمِيذه فِي رسَالَته فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ اله بخش فِي الْوَاقِعَة يَا شيخ تَاج طريقنا أَن لَا نلقن الذّكر أحدا حَتَّى يحمل الْحَطب وَالْمَاء فاشتغل أَنْت بِحمْل المَاء إِلَى المطبخ ثَلَاثَة أَيَّام قَالَ فَكَانَ يحمل فَوق طاقته وَكَانَ تظهر مِنْهُ الخوارق فِي تِلْكَ الْأَيَّام وأخبرت أَن أهل تِلْكَ الْبَلدة يَقُولُونَ أَن الشَّيْخ حِين كَانَ يحمل الجرة على رَأسه وَيَمْشي كُنَّا نرى الجرة مُنْفَصِلَة عَن رَأسه مِقْدَار ذِرَاع إِلَّا أنني سمعته يَقُول مَالِي علم بِهَذَا الْأَمر فبعدما تمّ لَهُ ثَلَاثَة أشهر قَالَ لَهُ الشَّيْخ آله بخش الْيَوْم قد تمّ أَمرك بِسم الله اشْتغل بِالذكر وَكَانَ أمره بِالْخدمَةِ الْمَذْكُورَة بالباطن وَقَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَام بِالظَّاهِرِ فلقنه ذكر العشقية فاشتغل بهَا وَلَا زَالَ فِي خدمته حَتَّى وصل إِلَى الْكَمَال والتكميل ثمَّ قَالَ إِن سَيِّدي الشَّيْخ تَاج خدم سَيِّدي الشَّيْخ آله بخش عشر سِنِين خدمَة خَارِجَة عَن طوق الْبشر وَأَجَازَهُ بإرشاد المريدين وَمَا كَانَ يُنَادِيه إِلَّا بقوله يَا تَاج الدّين قَالَ سَيِّدي الشَّيْخ تَاج الدّين وَحصل لي مَا كَانَ بشرني بِهِ الشَّيْخ آله بخش إِلَّا أَن حُصُوله بالتدريج وَبعد أُمُور منتظرة قَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين وَكَانَ خدمته أَنْفَع لي من الذّكر وَإِنِّي كلما وجدته من الْأَحْوَال وجدته من الْخدمَة ثمَّ قَالَ فصل فِي ذكر نبذة من خوارقه ومعارفه سَمِعت من غير وَاحِد من أَصْحَاب الشَّيْخ أَن سَيِّدي الشَّيْخ كَانَ جَالِسا يَوْمًا فِي بلدنا أمروهه بالمراقب فَرفع رَأسه فانفصل مِنْهُ نور وَقع على شَجَرَة زمَان فَبعد ذَلِك الْيَوْم كَانَت تِلْكَ الشَّجَرَة كلهَا ثَمَرهَا وورقها وخشبها درياقا مجربا للنَّاس يستشفون بِهِ وَكَانَت هَذِه الْكَرَامَة ظَاهِرَة حَتَّى فنيت تِلْكَ الشَّجَرَة وَسمعت أَيْضا مِنْهُم أَن الشَّيْخ دخل يَوْمًا فِي بَيت وَقت القيلولة فرقد على سَرِيره وَخرج الْأَصْحَاب ثمَّ رجعُوا وَلم يَجدوا الشَّيْخ مَكَانَهُ فتحيروا ثمَّ ظهر الشَّيْخ مَكَانَهُ على السرير وَقَامَ واشتغل بِالصَّلَاةِ وَمَا اسْتَطَاعَ أحد أَن يسْأَله عَن ذَلِك وَسمعت أَيْضا أَن بِنْتا صَغِيرَة للشَّيْخ كَانَت مَرِيضَة وَكَانَ

стр. 464

الشَّيْخ يتَوَضَّأ فألهمها الله أَن شربت من غسالة رجلَيْهِ عِنْد الْوضُوء فشفيت بِإِذن الله وَسمعت أَيْضا وَاحِدًا من أَصْحَابنَا الصَّالِحين يذكر أَن الشَّيْخ كَانَ يَوْمًا جَالِسا فِي مَكَان يتَكَلَّم فِي المعارف والحقائق وَفِي أثْنَاء ذَلِك الْكَلَام يمزح مَعَ أَصْحَابه ويضحك فخطر لبَعْضهِم أَن مقَام المشيخة لَا يُنَاسب المزاح أَو نَحْو ذَلِك فَاطلع على خاطره وَقَالَ أَن المزاح من سنة سيد الْمُرْسلين فَإِنَّهُ كَانَ يمزح مَعَ أَصْحَابه وَلَا يَقُول إِلَّا حَقًا وَذكر قصَّة وُقُوع ابْن أم مَكْتُوم فِي حَضرته وَضحك الْأَصْحَاب فِي الصَّلَاة وَمِنْهَا أَن وَاحِدًا من المكاشفين كَانَ بشر بعض أَصْحَاب سَيِّدي الشَّيْخ بأَشْيَاء فَلَمَّا وصل إِلَى مَكَّة كَانَ مَعَ الشَّيْخ فخطر لَهُ أَن الْأُمُور الَّتِي كَانَ بشره بهَا ذَلِك المكاشف مَا ظَهرت أَسبَابهَا وَكَانَ يختلج فِي سره أَن لَيْسَ لقَوْل ذَلِك المكاشف أثر وَإِلَّا كَيفَ الْحَال ثمَّ توجه إِلَى نَحْو الشَّيْخ فَقَالَ لَهُ قبل أَن يظْهر شَيْئا أَن أحدا من أَوْلِيَاء الله لَو بشر أحدا بِشَيْء لَا بُد أَن يظْهر وَلَو بعد عشر سِنِين أَو اثْنَتَيْ عشرَة سنة ففهم وَحصل لَهُ السّكُون وَسمعت من الشَّيْخ أَنه خرج إِلَى سفر وَوصل إِلَى بَلْدَة وَكَانَ جَالِسا فِيهَا مَعَ أَصْحَابه بالمراقبة فَحَضَرَ فِي حلقته رجل لَا يعرفهُ فَقرب الرجل وَقبل يَده وَرجله وَقَالَ أَنِّي من الْجِنّ وَهَذَا مَكَان سكنانا وَأَنا بَعْدَمَا رَأينَا طريقتكم أحببناكم فَأُرِيد أَن آخذ مِنْكُم الطَّرِيق فلقنه الطَّرِيقَة النقشبندية وَكَانَ يحضر عِنْده فِي الْحلقَة وَكَانَ يرَاهُ وَلَا يرَاهُ أحد غَيره وَقَالَ للشَّيْخ كل وَقت أردتم أَن أحضر عنْدكُمْ فَاكْتُبُوا اسْمِي على ورقة وضعوها تَحت أَرْجُلكُم أحضر عنْدكُمْ تِلْكَ السَّاعَة وَسمعت أَيْضا مِنْهُ أَنه حِين سَافر إِلَى كشمير حضر عِنْده وَاحِد من الْجِنّ وَأخذ عَنهُ الطَّرِيقَة وَأَرَادَ أَن يعرض على الشَّيْخ كثيرا من خَواص النباتات فَلم يقبل الشَّيْخ مِنْهُ ذَلِك وَكَانَ يلازم صُحْبَة الشَّيْخ إِلَّا أَن الشَّيْخ قَالَ أَنه كَانَ يحصل لي النفرة من صحبته فَإِن الْجُزْء الناري غَالب على مزاجهم فَيحصل من صحبتهم الْأَوْصَاف الْغَيْر المرضية الَّتِي نشأت من الْجُزْء الناري من الْغَضَب وَالْكبر فَأَرَدْت أَن أفعل بِهِ حِيلَة تنفره مني فَسَأَلته أَن يزوجني بِوَاحِدَة مِنْهُم فَقَالَ إِن لي أُخْتا بديعة الْجمال عديمة الْمِثَال إِلَّا أَنِّي أعرض عَلَيْكُم أَولا حِكَايَة ثمَّ الرَّأْي رَأْيكُمْ فَإِن الألفة والأنس بَين الجني والإنسي متعسر فَإِن الْجِنّ يصدر مِنْهُم كَثِيره من الحركات الَّتِي لَا تعرف الانس حَقِيقَتهَا فَلَا يَسْتَطِيع الصَّبْر عَلَيْهَا قَالَ إِنَّه كَانَ هُنَا وَاحِد من الصَّالِحين زوجناه وَاحِدَة منا فولد لَهَا مِنْهُ ولد وَكَانَ يُوقد نَارا فرمت الجنية وَلَدهَا فِي النَّار فَصَبر الرجل

стр. 465

ثمَّ ولد لَهَا ولد فَأَعْطَتْهُ الكلبة فأكلته فَصَبر الرجل ونسيت الثَّالِثَة فتعب الرجل وَمَا اسْتَطَاعَ الصَّبْر وَغَضب عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا أهلكت الْأَوْلَاد الثَّلَاثَة فأحضرت الثَّلَاثَة وَقَالَت كنت أَعطيتهم للتربية لإِخْوَانِنَا فَخذ أولادك من بعد الْيَوْم وَلَا أَجْلِس عنْدك وطارت من عِنْده ثمَّ سَافر الشَّيْخ من تِلْكَ الْبَلدة وَسمعت أَن الشَّيْخ كَانَ فِي أمروهة فمرضت امْرَأَة صَالِحَة من الْمشرق وَكَانَت معتقدة لَهُ فالتجأت إِلَيْهِ فَذهب إِلَيْهَا الشَّيْخ يعودها فَلَمَّا رأى حَالهَا أَخَذته الشَّفَقَة عَلَيْهَا وَالرَّحْمَة لَهَا وَكَانَت قد أشرفت على الْمَوْت فَأَخذهَا فِي ضمنه فبرأت كَأَن لم يكن بهَا شَيْء فَإِن الْأَخْذ فِي الضمن شَيْء مُقَرر عِنْد الأكابر النقشبندية إِلَّا أَنه لَا يتَصَوَّر إِلَّا قبل نزُول ملك الْمَوْت فَبعد نُزُوله لَا بُد من بدل كم أَن الخوجة الخاموش قدس الله سره كَانَ أَخذ وَاحِدًا من الْعلمَاء فِي ضمنه فشفي ساعتئذ وَقَالَ إِنِّي دَعَوْت الله سُبْحَانَهُ فِي وَقت لَا يرد بِثَلَاثَة أَشْيَاء وَقد استحببت أولاها أَن لَا يصل إِلَى أحد ضَرَر مني وَإِن غضِبت بِمُقْتَضى البشرية وَالثَّانِي أَن يَزُول مني الْكَشْف وَالثَّالِث أَن كل من اخذ الطَّرِيق مني تكون خاتمته خيرا أَو يَجعله الله مُنْكرا عَليّ ومعرضا عني ثمَّ يفعل الله بِهِ مَا يَشَاء انْتهى وَاعْلَم أَنه وَإِن دَعَا بِزَوَال الْكَشْف وَكَذَلِكَ يظْهر من كَلَامه فَإِنَّهُ يَقُول كثيرا للأصحاب أَن الشَّيْخ إِمَّا أَن يكون صَاحب كشف فَلَا يَنْبَغِي للمريد أَن يعرض عَلَيْهِ حَاله بل الْعرض عَلَيْهِ حِينَئِذٍ سوء أدب أَولا يكون صَاحب كشف فَيَنْبَغِي أَن يعرض عَلَيْهِ فيهم بسؤال احوال المريدين فيفهم مِنْهُ أَن يظْهر أَنه لَيْسَ يصاحب كشف إِلَّا أَن الظَّاهِر أَن لَهُ اطلاعا تَاما وإشراقا عَظِيما على الخواطر وَالْأَحْوَال فقد جرى لنا مَعَه أَحْوَال وَأُمُور كَثِيرَة وَكَانَ هَذَا من قسم الفراسة الَّتِي هِيَ أقوى وَأَرْفَع منزلَة من الْكَشْف وانْتهى وَاعْلَم أَنه قَرَأَ فِي فنون الْعلم كتبا كَثِيرَة كالكافية وَنَحْوهَا ثمَّ غلب عَلَيْهِ الجذب حَتَّى لم يبْق مِنْهُ أثر والآن لَيْسَ فن من فنون الْعلم إِلَّا وَهُوَ وَاقِف على دقائقه الَّتِي يتحير أَرْبَاب ذَلِك الْفَنّ فِي ادراكها وَلَيْسَ قسم من أَقسَام المدركات إِلَّا أدْركهُ على الْوَجْه الأتم والألطف وَله رِسَالَة فِي أَنْوَاع الْأَطْعِمَة وَكَيْفِيَّة طبخها ورسالة فِي كَيْفيَّة غرس الْأَشْجَار وَأُخْرَى فِي أَنْوَاع الطِّبّ وَدخل تَامّ فِي معرفَة أوضاع الْكِتَابَة وَغير ذَلِك وَدخل إِلَيْهِ أحد الأفاضل وَكَانَ لَهُ وقُوف تَامّ فِي الطِّبّ فَتكلم مَعَه بدقائق الْمنطق وَغَيره من الْعُلُوم حَتَّى صَار متحيرا وَكَانَ ذَلِك سَبَب سعادته ودخوله فِي الطَّرِيق وَمن مشايخه السَّيِّد عَليّ بن قوام الْهِنْدِيّ النقشبندي مولده ومسكنه ومدفنه

стр. 466

جانبور من بِلَاد الْهِنْد شَرْقي دهلي على مسيرَة شهر مِنْهُ كَانَ من أكَابِر أَوْلِيَاء الله تَعَالَى صَاحب تَصَرُّفَات عَجِيبَة وجذب قوي قَالَ بعض الصَّالِحين مَا ظهر فِي الْأمة المحمدية على نبيها أفضل الصَّلَاة وَأتم السَّلَام من أحد بعد القطب الرباني الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني ﵁ من الخوارق والكرامات والتصرفات مثل مَا ظهر مِنْهُ حَدثنَا شَيخنَا قَالَ حَدثنِي رجل أَنه كَانَ من طَريقَة السَّيِّد أَن لَا يدْخل عَلَيْهِ أحد إِلَى وَقت الضُّحَى وَكَانَ فِي هَذَا الْوَقْت يغلب عَلَيْهِ الجذب وَالنَّاس كلهم قد عرفُوا هَذَا الْأَمر فَمَا كَانَ يدْخل عَلَيْهِ فِي هَذَا الْوَقْت أحد فجَاء وَاحِد من الْأَعْرَاب كَأَنَّهُ كَانَ من أَوْلَاد شيخ السَّيِّد قدس الله سره فَمَنعه الْخَادِم من الدُّخُول عَلَيْهِ فَلم يقبل قَوْله وَأَرَادَ أَن يدْخل فَلَمَّا قرب وَسمع السَّيِّد صَوته قَالَ من أَنْت قَالَ أَنا فلَان قَالَ اهرب إِلَى وَرَاء الشَّجَرَة وَكَانَ هُنَاكَ شَجَرَة كَبِيرَة وَإِلَّا احترقت فهرب الرجل واستتر بِالشَّجَرَةِ فَخرجت نَار من بَاطِن السَّيِّد أخذت الشَّجَرَة كلهَا فأحرقتها وَبَقِي أَصْلهَا وَسلم الرجل وَكفى بِهَذِهِ إِشَارَة إِلَى كَمَال تَصَرُّفَاته ثمَّ قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة اعْلَم أَن شَيخنَا مجَاز من الشَّيْخ اله بخش بالطريقة العشقية وبالطريقة القادرية وبالجشية والدارية وَله بِحَسب الْبَاطِن اجازة من رَئِيس كل طَرِيق وَكَذَلِكَ سَمِعت مِنْهُ أَنه سلك طَرِيق الكبروية من روحانية الشَّيْخ نجم الدّين الْكُبْرَى فِي ربع النَّهَار وَأَجَازَهُ وَله رِسَالَة فِي بَيَان سلوكهم ذكر فِيهَا أَن سلوكهم يتم بِتمَام الأطوار السَّبْعَة فِي كل طور يطوى عشرَة آلَاف حجاب حَتَّى يطوي فِي تَمام الأطوار السَّبْعَة تَمام السّبْعين ويصل إِلَى الله تَعَالَى وَلِهَذَا تَفْصِيل إِلَّا أَنه لَيْسَ مُقَيّدا إِلَّا بالتسليك بسلوك النقشبندية فَإِنِّي رَأَيْت فِي مَكْتُوب لَهُ إِلَى بعض أَصْحَابه ينصحه أَن الأكابر النقشبندية هم أَرْبَاب الْغيرَة ثمَّ ذكر أَنِّي بعد مَا أجازني الخوجة وَرخّص لي واشتغلت بالتربية على طَرِيق الأكابر النقشبندية لَو كَانَ يأتيني طَالب يُرِيد الطَّرِيقَة العشقية أَو غَيرهَا ألقنه فِيهَا وأربيه حَتَّى أَن يَوْمًا حضرت روحانية الْغَوْث الْأَعْظَم الخوجة عبيد الله أَحْرَار للخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي وَقَالَ لَهُ أَن الشَّيْخ تَاج يَأْكُل من مطبخنا ويشكر غَيرنَا فأخرجناه من النِّسْبَة فَقَالَ الخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي اعْفُ عَنهُ هَذِه الْمرة حَتَّى أخبرهُ فَكتب إِلَى الخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي هَذِه الْوَاقِعَة فَتركت كل مَا كَانَ غير هَذِه السلسلة وحصرت التربية والتلقين فِيهَا انْتهى كَلَامه فَلهُ طَرِيق النقشبندية من الخوجة مُحَمَّد الْبَاقِي وَله من الخوجة إِلَّا ملتكن وَله من مَوْلَانَا درويش مُحَمَّد وَله من مَوْلَانَا مُحَمَّد زاهد وَله من الْغَوْث الاعظم عبيد الله أَحْرَار وَله من الشَّيْخ يَعْقُوب الجرخي وَله من حَضْرَة الخوجة الْكَبِير بهاء الْحق وَالدّين الْمَعْرُوف بنقشبند وَله من أَمِير سيد كلال وَله من الخوجة عبد الْخَالِق الغجد وَإِنِّي وَله من قطب الاقطاب الخوجة مُحَمَّد بَابا السماسي وَله من حَضْرَة الخوجة على الرامتيني وَله من حَضْرَة الخوجة مُحَمَّد الجرنفوري وَله من الخوجة عَارِف ويوكري وَله من الشَّيْخ يَعْقُوب بن أَيُّوب الْهَمدَانِي وَله من الشَّيْخ أبي على الفارمدي وَله من الشَّيْخ أبي الْحسن الخرقاني وَمن سُلْطَان العارفين أبي يزِيد البسطامي وَله من الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق وَله من قَاسم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق ﵁ وَمن سلمَان الْفَارِسِي وَمن أبي بكر الصّديق ﵁ وَمن سيد الكائنات ﷺ وَالنِّسْبَة إِلَى الإِمَام جَعْفَر عَن أَبِيه إِلَى عَليّ كرم الله وَجهه وَكَانَت وَفَاته قبل غرُوب يَوْم الاربعاء ثامن عشر جُمَادَى الأولى سنة خمسين وَألف وَدفن صبح يَوْم الْخَمِيس فِي تربته الَّتِي أعدهَا لَهُ فِي حَيَاته فِي سفح جبل قعيقان وضريحه ظَاهر يقْصد للزيارة وقعيقان كزعيفران جبل بِمَكَّة وَجهه إِلَى أبي قبيس لِأَن جرهم كَانَت تضع فِيهِ أسلحتها فتقعقع فِيهِ أَو لأَنهم لما تَحَارَبُوا قعقعوا بِالسِّلَاحِ وَالله تَعَالَى أعلم الشَّيْخ تَاج العارفين بن أَحْمد بن أَمِين الدّين بن عبد العال الْحَنَفِيّ الْمصْرِيّ الْعَلامَة الْمُفِيد الْمجِيد كَانَ بِمصْر صدر المدرسين رَئِيسا نبيلا روى عَن وَالِده ووالده روى عَن وَالِده وَهُوَ عَن وَالِده وَهُوَ عَن الْحَافِظ بن حجر الْعَسْقَلَانِي وَأَجَازَهُ شُيُوخ عصره بالافتاء والتدريس وتصدر للاقراء بِجَامِع الْأَزْهَر وَأفَاد الطّلبَة وأجاد وَألف مؤلفات عديدة ورسائل شهيرة فِي فقه الْحَنَفِيَّة وَلما سقط من الْبَيْت الشريف الْجِدَار الشَّامي بوجهيه وانجبذ مَعَه من الْجِدَار الشَّرْقِي إِلَى حد الْبَاب الشَّامي وَلم يبْقى سواهُ وَعَلِيهِ قوام الْبَاب من الْجِدَار الغربي من الْوَجْهَيْنِ نَحْو السُّدس وَمن الْوَجْه الظَّاهِر سقط مِنْهُ نَحْو الثُّلثَيْنِ وَبَعض السّقف وَهُوَ محاذ للجدار الشَّامي وَسَقَطت دَرَجَة السَّطْح وَكَانَ سُقُوطه كَذَلِك بعد عصر الْخَمِيس لعشرين من شعْبَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَنقل مَا فِيهَا من الْقَنَادِيل إِلَى بَيت السادن وعلق بَاقِي أخشاب سقفه خوفًا عَلَيْهِ من السُّقُوط جمع الشريف مَكَّة الشريف مَسْعُود عُلَمَاء الْبَلَد الْحَرَام وسألهم عَن حكم عمَارَة السَّاقِط وَلمن هِيَ وَمن أَي مَال تكون فَوَقع الْجَواب مِنْهُم بِأَنَّهَا تكون فرض كِفَايَة على سَائِر الْمُسلمين ولشريف الْبِلَاد النَّائِب عَن السُّلْطَان

стр. 467

الْأَعْظَم ذَلِك وَأَنه يعمرها بِمَال حَلَال وَمِنْه مَال الْقَنَادِيل الَّتِي بهَا مِمَّا لم يعلم أَنَّهَا عينت من واقفها لغير الْعِمَارَة وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَلان الْمَكِّيّ وَأفْتى بِهِ وَألف رسائل حافلة فِي شَأْن ذَلِك ثمَّ ورد السُّؤَال من الديار المكية إِلَى الديار المصرية عَن ذَلِك وَعَلِيهِ خطوط السَّادة المكيين بِالْجَوَابِ عَن ذَلِك ليعرض على حَضْرَة السُّلْطَان ينظر قَاضِي مصر إِذْ ذَاك الْمولى أَحْمد المعيد الْمُقدم ذكره فَسَأَلَهُ أَن يكْتب أَيْضا رِسَالَة فِي شَأْن ذَلِك لتعرض مَعَ أجوبة المكيين تَقْوِيَة لَهُم فَأَجَابَهُ لذَلِك وَألف رِسَالَة سَمَّاهَا الزلف والقربه فِي تعمير مَا سقط من الْكَعْبَة وَقد أحسن فِيهَا كل الاحسان وأجاد كل الإجادة وَكَانَ ينظم الشّعْر فَمن شعره مَا كتبه إِلَى الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي مفتي مَكَّة (أذكرت ربعا من أُمَيْمَة أقفرا ... فأسلت دمعا ذَا شُعَاع أحمرا) (أم شاقك الغادون عَنْك بسحرة ... لما سروا وتيمموا أم الْقرى) (زموا الْمطِي وأعنقوا فِي سيرهم ... لله دمعي خَلفهم ياما جرى) (مَا قطرت للسير أجمال لَهُم ... إِلَّا ودمعي فِي الركاب تقطرا) (فَكَانَ ظهر الْبيض بطن صحيفَة ... وقطارها فِيهِ يحاكي الأسطرا) (وَكَأَنَّهَا بهوادج قد رفعت ... سفن ودمع الصب يَحْكِي الأبحرا) (رحلوا وَمَا عَادوا على مضناهم ... واها لحظي لَيْت كنت مُؤَخرا) (أَن كَانَ جسمي فِي الديار مخلفا ... فالقلب مِنْهُم حَيْثُ قَالُوا اهجرا) (أظهرت صبري عَنْهُم متجلدا ... وكتمت وجدي فيهم متسترا) (وَغدا العذول يَقُول لي من بعدهمْ ... باد هَوَاك صبرت أم لم تصبرا) (أَقْسَمت أَن جاد الزَّمَان بمطلبي ... وسلكت ربعا بالمناسك عمرا) (وَشهِدت بدر الْحَيّ بعد أفوله ... مذلاح من أفق السَّعَادَة مقمرا) (أدبت خدمَة سيد سَنَد غَدا ... مفتي الْأَنَام وراثة بَين الورى) (هُوَ عَابِد الرَّحْمَن وَاحِد عصره ... فاسأل بذلك إِن شَككت مخبرا) (هَذَا إِمَام عرفه فِينَا حكى ... عرف الرياض إِذا سرى متعطرا) (ذُو همة تسمو على نسر السما ... فيشيف منهاها وَيَا متحدرا) (وسكينة تَلقاهُ فِيهَا مُفردا ... مَعَ لطف جسم بالفضائل عمرا) (وقريحة منقادة وقادة ... شبت كنار ثمَّ سَالَتْ أنهرا)

стр. 468

(كم حلبة فِي الْبَحْث أظلم نقعها ... يمشي جواد الْفِكر فِيهَا الْقَهْقَرَى) (آيَات فضلك مثل مجدك أحكمت ... وسنا سنائك نَفعه قد نورا) (وجياد فكرك كالرياح كواعب ... وضيا كمالك نور قد أزهرا) (من كنت أَنْت لَهُ ملاذا كَيفَ لَا ... يزهو بمدحك رفْعَة وتكبرا) (فَاسْلَمْ وَدم فِي ظلّ عَيْش أرغد ... مَا اهتز غُصْن فِي الرياض ونورا) وَكتب إِلَيْهِ فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف كتابا صورته (الْيَوْم مثل الدَّهْر حَتَّى أرى ... وَجهك والساعة كالشهر) إِن أبهى مَا تجملت بِهِ السطور والطروس وأشهى مَا استعذبته الألسن وطلبته النُّفُوس دُعَاء على ممر والدهور لَا يَنْقَضِي وابتهال بأكف الضراعة للإجابة مُقْتَضى أَن يديم على صفحات خدود الْوُجُود شامة دهرها وَوَاحِد وَقتهَا وعالم عصرها خَاتِمَة الْعلمَاء المتنوهين مَالك أزمة البراعة بفضله المتين شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين المستجمع لمكارم الْأَخْلَاق والشيم وَالْمُنْفَرد بمزاياها عِنْد الْخلق والأمم المشتهر عِنْد الْعَرَب والعجم بِأَنَّهُ ملك من الْعلم زمامه وَجعل العكوف عَلَيْهِ لزامه فانقاد إِلَيْهِ انقياد الْجواد وَجرى فِي ميدانه بِحسن السَّبق والفكر الْوَقَّاد عَالم الغرب والشرق ومزيل مَا تعَارض من الْمسَائِل بِحسن الحمع وَالْفرق الْجَامِع بَين رياستي الْعلم وَالْعَمَل وَالْمَانِع بإخلاص السريرة من لُحُوق عوارض الْعِلَل كنز الْعُلُوم والكشف بَحر الْهِدَايَة الَّذِي ارتوى مِنْهُ بالعب والرشف صرد الشَّرِيعَة الغرا وَشَيخ حرم الله بالإفتاء والأقرا من لَا يُمكن حصر وَصفه بالتفصيل فَإِن الْأَطْنَاب فِيهِ طَوِيل وَإِنَّمَا أُحِيل على مَا قيل (أَنْت الَّذِي يقف الثَّنَاء بسوقه ... وَجرى الندى بعروقه قبل الدَّم) فَالله سُبْحَانَهُ يمتع الْمُسلمين بِهَذِهِ الْأَخْلَاق ويديم فخار أهل الْجُود بِبَقَاء صَاحب هَذَا الِاسْتِحْقَاق وَلَا زَالَ مَذْهَب النُّعْمَان متحليا بعقوده متوشحا بطارفه وبروده هَذَا وَإِن الْتفت خاطره لتذكار ودوده والمخلص فِي دُعَائِهِ حَال رُكُوعه وَسُجُوده فَهُوَ بِخَير وعافية ونعمة وافرة وافيه نرجو من الله دوامها بدوام دعائكم إِذْ لَا شكّ أَنا من جملَة منسوبيكم وأنسابكم فَإنَّك الأَصْل فِي زكاء هَذَا الْفَرْع ونموه وَالسَّبَب الدَّاعِي إِلَى اعتلائه وسموه بامور يشْهد بهَا الخاطر فَتشهد بِالْإِقْرَارِ بنعم الله فِي الْبَاطِن وَالظَّاهِر غير أَن الخاطر كُله عنْدكُمْ وَفِي التألم لبعدكم وَمَا حصل لَهُ الْعَام من فقدكم

стр. 469

(رَوْضَة الْعلم قطبي بعد ضحك ... والبسي من بنفسج جلبابا) (وهبي النائحات منثور دمع ... فشقيق النُّعْمَان بَان وغابا) فَالله يجزل لكم الثَّوَاب ويعوضكم خيرا فِيمَا بقى من الأحباب وَالسَّلَام وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف (ملكت سُورَة الرحيل عناني ... وأهاجت سواكن الأشجان) (أَتَمَنَّى أسرى وَهل يملك السّير ... طريح الندى أَسِير التداني) (يَا خليلي وَقْفَة بالمصلى ... عِنْد حمد السرى ودرك الْأَمَانِي) (فاعطفا وانزلا وبثا سلامي ... لوجيه الْعلَا فريد الْمعَانِي) (مرشد الْفضل وَابْنه من يضاهي ... عَالم الدّين عَابِد الرَّحْمَن) (أناما بَين لوعة علم الله ... وشوق لَهُ بطول الزَّمَان) (لَو تطِيق النياق شوقي لما ... جَفتْ خضوعا من تربها أجفاني) (وبقلبي من الوجيب إِلَيْهِ ... مثل مَا بالنياق من ثهلان) (فوعيش الصِّبَا وعهد التصابي ... وليالي الرِّضَا وَأنس التداني) (إِن قصدي لقياك لَكِن قيادي ... بيد لَيْسَ لي بهَا من يدان) فَرَاجعه (يَا خليلي بالصفا أسعداني ... وبوصل من الْإِيَاس عداني) بقوله (واحملا بعض مَا أُلَاقِي وبثا ... حَال صب متيم الْقلب عاني) (جِسْمه فِي جِيَاد وَالْقلب مِنْهُ ... فِي قرى مصر دَائِم الخفقان) (لم يزل شيقا ولوعا دواما ... شاخص الطّرف ساهر الأجفان) (يرقب النَّجْم ليله وَإِذا ... أصبح أضحى مناشد الركْبَان) (هَل رَأَيْتُمْ وَهل سَمِعْتُمْ حَدِيثا ... عَن قديم الأخا عَظِيم الْمعَانِي) (هُوَ تَاج للعارفين الَّذِي قد ... نَالَ ارثا عوارف الْعرْفَان) (من غَدا مُفردا بِمصْر بل الْعَصْر ... فَلَا يسمح الزَّمَان بثاني) (خص بِالْعلمِ والرياسة والود ... وهذي مواهب الرَّحْمَن) (فَهُوَ كنز وجامع لعلوم ... قد حواها بغاية الإتقان) (دَامَ فِينَا مبلغا مَا يُرْجَى ... من مُرَاد ورفعة وأماني) (مَا تغنى على الرياض هزار ... وأجابته أَلفه بالأغاني) وَله غير ذَلِك من الْآثَار وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود الْأَرْبَعين بعد الْألف

стр. 470

السَّيِّد تَاج العارفين بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي القادري أحد صُدُور المشايح ورؤساء المحافل بِدِمَشْق وَكَانَ شَيخا موقرا عالي الهمة مَبْسُوط الْكَفّ حمولا صبورا مداوما على الْعِبَادَة لَا يفتر عَنْهَا وَلزِمَ مُدَّة حَيَاته التَّرَدُّد إِلَى الْجَامِع الْأمَوِي فِي السحر وَله نوبَة مَعَ أَخَوَيْهِ الاستاذ الْكَبِير الشَّيْخ صَالح والعالم الْعلم الشَّيْخ سلمَان فِي خدمَة مَزَار سَيِّدي الشَّيْخ أرسلان قدس الله سره وَكَانَ هُوَ الْقَائِم بأعباء أُمُور أَخِيه ومتعلقاتهم وَله تصرف عَجِيب وعقل وافر وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من الرؤساء الأخيار وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف ووفاته فِي منتصف شهر ربيع الأول سنة تسع وَتِسْعين وَألف وَدفن بزاويتهم عِنْد أَبِيه وجده ﵀ الشَّيْخ تَاج العارفين بن مُحَمَّد بن عَليّ أَبُو الْوَفَاء الْمصْرِيّ الشَّافِعِي أكبر أَوْلَاد الْأُسْتَاذ مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي سبط آل الْحسن كَانَ أَكْثَرهم مَالا وأوفرهم نعْمَة ذكره الْبكْرِيّ فِي تَارِيخه الَّذِي أَلفه فِي وُلَاة مصر فَقَالَ اشغل على أَبِيه وَغَيره من جَمَاهِير الْعلمَاء وتبحر فِي الْعَرَبيَّة وَالتَّفْسِير وَالْأُصُول حَتَّى ألف تَفْسِير الْقُرْآن فِي أَربع مجلدات لم تبيض وَتَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام فِي مجلدين وَتَفْسِير سُورَة الْكَهْف فِي مُجَلد كَبِير وَتَفْسِير سُورَة الْفَتْح فِي مُجَلد مثله وَله رسائل عديدة وَشعر وَكَانَ فَاضلا كَامِلا وَله الْقدَم الراسخ فِي التصوف وَهُوَ أول من لقب بإفتاء السلطنة بِالْقَاهِرَةِ وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة فِي ذيل النَّجْم قَالَ عِنْدَمَا ذكره رَأَيْته بِمَكَّة سنة سبع وَألف فَرَأَيْت ملكا وحاله حَالَة الْمُلُوك لَا حَالَة الشُّيُوخ وسمته سمت الْأُمَرَاء لَا سمت الْعلمَاء وَإِن كَانَ فِي زيهم ومنخرطا فِي سلكهم فَإِنِّي رَأَيْته فِي حجرَة ينزلها أَهله عِنْد بَاب إِبْرَاهِيم وَرَأَيْت جدرانها مستورة بالرخوت المفضضة المطلية بِالذَّهَب وَالسُّيُوف المحلاة والتروس المكلفة وَرَأَيْت غلمانه الْحَبَش وَالتّرْك وكل وَاحِد عَلَيْهِ مَا يُسَاوِي المئات من الدَّنَانِير من لِبَاس الْحَرِير وَغَيره وَبَلغنِي أَن دائرته الَّتِي مَعَه فِي سفرته مائَة بعير وَمَا عَلَيْهَا ملكه غير الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير وَكَانَ مَعَه أَخُوهُ أَبُو الْمَوَاهِب وَهُوَ يُقَارِبه فِي سمته وَأَخُوهُ عبد الرَّحِيم وَهُوَ رجل مجذوب مَاتَ بِمَكَّة فِي تِلْكَ السّنة قَالَ وَرجع تَاج العارفين من سفرته تِلْكَ فَأَدْرَكته الْمنية قبل وُصُول الْحَاج الْمصْرِيّ إِلَى مصر بيومين وَحمل إِلَى الْقَاهِرَة مَيتا فِي أَوَائِل صفر سنة ثَمَان وَألف هَكَذَا ذكره النَّجْم والبكري ذكر أَن وَفَاته لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثامن شهر ربيع الثَّانِي سنة سبع وَألف عَن

стр. 471

سِتّ وَثَلَاثِينَ وَالله تَعَالَى أعلم أَي الْقَوْلَيْنِ الصَّوَاب القَاضِي تَقِيّ الدّين بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي الْمَعْرُوف بِالْقَاضِي التقى أصل وَالِده من مَدِينَة حمص وَولد هُوَ وَنَشَأ بصالحية دمشق وَكَانَ من ذَوي المروآت والفضائل كَامِل الإداة سخي النَّفس دمث الْأَخْلَاق حسن المطارحة لَهُ حسن أدب ومداراة لزم فِي مبدأ أمره أَبَا الْبَقَاء الصَّالِحِي الْمُقدم ذكره ثمَّ صَار من طلبة حسام الدّين مفتي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وسافر إِلَى الْحَج فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَلم يَتَيَسَّر لَهُ الْحَج بل أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ المنورة ثمَّ صَار شيخ الطَّعَام بالعمارة السُّلْطَانِيَّة السليمانية وَكَانَ لَهُ خدمَة بالسليمية أَيْضا وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى الْأَعْيَان ويتعهدهم بالهدية وَولي النِّيَابَة بالصالحية زَمَانا طَويلا ثمَّ سلك طَرِيق عُلَمَاء الرّوم ولازم ودرس بِأَرْبَعِينَ عثمانيا على قاعدتهم وَحج فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين ثمَّ ولي قَضَاء الركب الشَّامي وَسَار إِلَى الْحَج فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَصَارَ قسام الْعَسْكَر بِدِمَشْق وناب فِي الْقَضَاء بمحكمة الْبَاب وبالمحكمة الْكُبْرَى والميدان وَصَارَ محاسب الْأَوْقَاف وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من أَعْيَان أهل عصره وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع بعد الْألف وَتُوفِّي نَهَار الْأَرْبَعَاء ثامن شهر ربيع الأول سنة تسع وَخمسين وَألف وَدفن بسفح قاسيون وَكَانَ سَبَب مَوته التُّخمَة صَحبه قَاضِي دمشق الْمولى مصطفى بن جشمي قبل مَوته بِيَوْم إِلَى المنتزه الْمَعْرُوف بالسهرابية بالشرف القبلي من الْوَادي الْأَخْضَر فثقل من الطَّعَام وَفِي غَد ذَلِك الْيَوْم دخل إِلَى حمام الْمُقدم بالصالحية فَمَاتَ فِي دَاخله رَحمَه الله تَعَالَى تَقِيّ الدّين بن يحيى بن اسماعيل بن عبد الرَّحْمَن بن مصطفى السنجاري الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ الْفَاضِل الأديب النَّبِيل النبيه تَرْجَمَة السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي سلافته فَقَالَ فِي وَصفه أديب قَامَ بِهِ أدبه المكتسب إِذْ قعد بِهِ موروث الْحسب وَالنّسب فَهُوَ ابْن نَفسه العصامية إِذْ عدت الْآبَاء والجدود والمنشد لِسَان حَاله عِنْد افتخار السَّيِّد على المسود (مَا بقومي شرفت بل شرفوا بِي ... وبنفسي فخرت لَا بجدودي) سمع قَول بعض الأدباء (كن ابْن من شِئْت واكتسب أدبا ... يُغْنِيك مرورثه عَن الْحسب) فأجهد نَفسه فِي تَحْصِيل الْأَدَب واكتسابه وغنى عَن شرف النّسَب بانتمائه إِلَيْهِ

стр. 472

وانتسابه فتمثل فحرا على كل معرق غبي (إِن الْفَتى من يَقُول هَا أَنا ذَا ... لَيْسَ الْفَتى من يَقُول كَانَ أبي) قلت وَهَذِه التَّرْجَمَة كَانَت أعظم أَسبَاب التَّعَرُّض لسب السلافة وصاحبها فَإِن حفيد صَاحب التَّرْجَمَة صاحبنا الْفَاضِل الأديب عَليّ بن تَاج الدّين السنجاري لما رَآهَا استشاط غيظا وَعمل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما (هَات اقر لي رَيْحَانَة ابْن خفاجة ... لأعطر بعد عروس لفظ مُحكم) (واترك سلافة رَافِضِي مبعد ... إِن السلافة لَا تحل لمُسلم) وَقَالَ أَيْضا (قولا لنجل ابْن مَعْصُوم إِذا نظرت ... إِلَيْهِ عيناكما عني وَلَا تخفا) (المزر أحسن من هذي السلافة إِذْ ... تديرها الْحَبَش فِي حيشانها غرفا) (مَا زِدْت عَن إِن أفدت النَّاس قاطبة ... يَا رَافِضِي بِمَا أضمرت للخلفا) وَقَالَ أَيْضا (مَا أحسن الْحق حِين يَبْدُو ... رغما على من يرى خِلَافه) (فَإِن للاسم والمسمى ... تنَاسبا عِنْد ذِي الظرافه) (مَجْمُوعَة ابْن النظام لما ... حوت من الرجس كل آفه) (وضمنت مدح قوم سوء ... روافض جاحدي الخلافه) (مَا سهل الله أَن تسمى ... لما حوته غير السلافه) وَمن ذَلِك كثر فِيهَا اللاغي والقادح وأهملت عَن الاعتناء بشأنها مَعَ أَنَّهَا أَحْرَى من كل حرى بِالْقبُولِ وَأَنت إِن اختبرتها عرفت لمؤلفها أغراضا قديمَة أَرَادَ بِهَذَا التَّأْلِيف تقييدها وَمن جملَة أغراضه أَنه إِذا ترْجم شِيعِيًّا يغالي فِي مدحه ويبالغ فِي تَعْظِيمه وَالْإِشَارَة إِلَيْهِ وَإِذ إِذْ كرسنيا لَا يُعْطِيهِ حَقه بل ينكت عَلَيْهِ حَتَّى أَنه لما ترْجم السَّيِّد الْجَلِيل الْمجمع على جلالته وَكَمَال علمه عمر بن عبد الرَّحِيم الْبَصْرِيّ رَمَاه بسنان لِسَانه وَتكلم عَلَيْهِ بزوره وبهتانه وَبِالْجُمْلَةِ فَالله يسامحه على مَا ارْتَكَبهُ من الازدراء والامتهان فِيمَن تَرْجمهُ من الْفُضَلَاء والأعيان عود الْخَبَر صَاحب التَّرْجَمَة وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة فِي مَجْمُوع بِخَط الْأَخ الْفَاضِل الأديب مصطفى بن فتح الله وأغلب الِاحْتِمَال أَنَّهَا لَهُ قَالَ فِيهَا سَابق فرسَان الْإِحْسَان وَعين أَعْيَان الْبَيَان والتبيان رفع للعلوم رايه وَجمع فِيهَا بَين الرِّوَايَة والدراية وغاص فِي بَحر الْأَدَب فاستخرج درره وسما إِلَى مطالعه فاستجلى غرره فنظم اللآلئ والدراري ونثر وجدد مَا درس من مغاني الْمعَانِي ودثر ثمَّ أنْشد لَهُ من شعره قَوْله ملغزا فِي نَخْلَة وَكتب بهَا إِلَى القَاضِي

стр. 473

تَاج الدّين الْمَالِكِي الْمُقدم ذكره (أَيهَا المصقع الَّذِي شرف ... الدَّهْر وَأَحْيَا دوارس الْآدَاب) (والهمام الَّذِي تسامى فخارا ... وتناهى فِي الْعلم والأحساب) (والخطيب الَّذِي إِذا قَالَ أما ... بعد أشفى بوعظه المستطاب) (وَالْإِمَام الَّذِي تهذب طفْلا ... وذكا فِي الْعُلُوم والأنساب) (جِئْت أَرْجُو كشفا لشَيْء تناهى ... فِي العلى وَاكْتفى عَن الْحجاب) (إِن تصحفه كَانَ فِيهِ شِفَاء ... وَبِه النَّص جَاءَنَا فِي الْكتاب) (وَلَك الْفضل إِن تصحفه أَيْضا ... بالعطا لَا بَرحت سامي الرحاب) (مُفْرد إِن حذفت مِنْهُ أخيرا ... صَار جمعاجنسا بِغَيْر ارتياب) (أَو وصلت الْأَخير مِنْهُ بصدر ... كَانَ عدا بِرَأْي أهل الْحساب) (أَو بثان إِن ضم تال إِلَيْهِ ... فَهُوَ خل من أعظم الْأَصْحَاب) (وَإِذا مَا صحفته لذ للنَّفس ... مذاقا فِي مطعم وشراب) (خل نصفا يحل عَنهُ وبادر ... قلع عين مَا إِن لَهَا من حِسَاب) (قلع الله عين شانيك يَا من ... قدره قد سما عَن الأسهاب) (وابق فِي نعْمَة وَعز منيع ... مَا حدا بالحجاز حادي الركاب) فَأَجَابَهُ بقوله (يَا إِمَامًا صلي وَسلم كل ... خَلفه من أَئِمَّة الْآدَاب) (وخطيبا رقي فضمخ طيبا ... مِنْبَر الْوَعْظ مِنْهُ فصل الْخطاب) (لم ينافس لدي التَّقَدُّم إِلَّا ... قَالَ محرابه هُوَ الأحرى بِي) (أشرقت شمس فَضله لَا تَوَارَتْ ... عينهَا عَن عياننا بحجاب) (وأتى روض فكره بعروس ... قد أمدت أنهارها من عباب) (تَقْتَضِي مني الْجَواب وعذرى ... فِي جوابي حوشيت أَن الجوى بِي) (شبه فِي حشاي فقد فتاة ... رحلت تمتطي متون الرّقاب) (وانطوت بعد بَينهَا بسط بسطي ... وَانْقَضَت دولة الصِّبَا والتصابي) (لَيْت شعري بِمن أهيم وشمسي ... مَا لَهَا فِي أفولها من أياب) (كَيفَ أصبو ووردة كَانَ روض الْأنس ... يزهو بهَا ثوث فِي التُّرَاب) (لَا وعيش مضى بهَا فِي نعيم ... لست أصبو من بعْدهَا لكعاب) (هَات قل لي يَا ملعب السرب مَالِي ... لَا أرى فِيك ظَبْيَة الأتراب)

стр. 474

(قَالَ سل حاسب الْكَوَاكِب عَمَّا ... حَار فِي دَفعه أولو الْأَلْبَاب) (أَصبَحت من بَنَات نعش وَكَانَت ... بدر تمّ فَهَل ترى من جَوَاب) (فابسط الْعذر يَا أَخا الْفضل فضلا ... أَن تجدني أَخْطَأت صوب الصَّوَاب) (أتصيب الصَّوَاب فكرة صب ... يحتسي كأس فرقة الأحباب) (وتطول وأسبل السّتْر صفحا ... فَهُوَ شَأْن الْخلّ الْمُحب المحابي) (فِي جَوَاب عَن نَخْلَة قد أتتنا ... بجني النَّحْل فِي سطور الْكتاب) (أتحفتنا باللغز فِي اسْم لاخت ... لَا بَينا خصت بذا الانتساب) (وَكَسَاهَا الْمَرْوِيّ من شبه الْمُؤمن ... فضلا فِي سَائِر الأحقاب) (وَهِي ترقي من غير سوء فطورا ... يسْتَحق الْجَانِي أَلِيم الْعَذَاب) (ثمَّ طورا وَهُوَ الْكثير يرى ... الْجَانِي عَلَيْهَا من أفضل الْأَصْحَاب) (وَلها أَن تشأ تصاحيف مِنْهَا ... مُفْرد فِيهِ غَايَة الأغراب) (جَاءَ قلب اسْم جنسه وَهُوَ لحن ... لَا تنافيه صَنْعَة الْأَعْرَاب) (ومسمى التَّصْحِيف هَذَا إِلَيْهِ الله ... أوحى سُبْحَانَهُ فِي الْكتاب) (وهوذ شَوْكَة وجند عَظِيم ... خلف يعسو بِهِ بِغَيْر حِسَاب) (ذُو دوِي فِي جحفل يمْلَأ الجو ... كرعد فِي مكفهر السَّحَاب) (حَيَوَان وَإِن يصحف جماد ... مفصح عَن مُرَاد سامي الجناب) (يَا خليلي بل يَا أَنا فِي اتِّحَاد ... بك عَيْني بدا بِغَيْر ارتياب) (إِن صنعي فِي حلي اللغز ... باللغز بديع فَلَا تفه بعتابي) (وابق فِي نعْمَة وَفِي جمع شَمل ... ببنيك الأفاضل الإنجاب) (مَا سرت نفحة الأزاهر تروي ... ضحك الرَّوْض من بكاء السَّحَاب) وأعقب ذَلِك بنثر صورته الْمولى الَّذِي إِذا أَخذ الْقَلَم وشي وَأرى غباره أَرْبَاب البلاغة والإنشا لَا يرى من رَمَاه الدَّهْر بسهمه ولعبت صوالج الأحزان بكرَة فهمه فمزج الْمَدْح بالرثاء وقابل النَّضر بالغثاء فقد بَان عذره واتضح فعل الزَّمَان بِهِ وغدره وَقد كنت قبل إدراج هَذَا الرثاء فِي اثناء الْجَواب أرقت ذَات لَيْلَة من تجرع صاب ذَلِك الْمُصَاب فنفثت القريحة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي كَاد أَن لَا يكون لَهَا صَبِيحَة (لقد كَانَ روض الْأنس يزهو بوردة ... شذا كل عطر بعد نفحة طيبها)

стр. 475

(فَمد إِلَيْهَا الْبَين كف اقتطافه ... وأمحل ذَاك الرَّوْض بعد مغيبها) (وَلم يصف لي من بعْدهَا كأس لَذَّة ... وَكَيف تلذ النَّفس بعد حبيبها) (فروى ثراها يَا سحائب أدمعي ... وَمن لي بِأَن تروى بسح صبيبها) فقصدت أَن أثبتها فِي ذيل الْجَواب وأخرياته لما عَسى أَن تكون من محفوظات مَوْلَانَا ومروياته وَقد طَال هَذَا إلهذا وطغى الْقَلَم بِمَا هُوَ للعين قذا فلنحبس عنانه ونرح سمع الْمولى وعيانه وَكَانَت ولادَة صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة عشر بعد الْألف بِمَكَّة وَتُوفِّي بهَا فِي سنة سبع وَخمسين وَألف وَدفن بالمعلاة والسنجاري بِكَسْر السِّين نِسْبَة إِلَى الْبَلدة الْمَعْرُوفَة القَاضِي تَقِيّ الدّين التَّمِيمِي الْغَزِّي الْحَنَفِيّ صَاحب الطَّبَقَات الْعَالم الْعلم الْفَاضِل الأديب لجم الْفَائِدَة المفنن أَخذ عَن عُلَمَاء كثيرين وجال فِي الْبِلَاد وَدخل الرّوم وَألف وصنف وَأحسن مَاله من التآليف طَبَقَات الْحَنَفِيَّة وقفت على حِصَّة مِنْهَا وَقد جمع فِيهَا جملَة من عُلَمَاء الرّوم وعظمائها وأكابر سارتها ورؤسائها وَذكره الخفاجي فِي ريحانته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر أَنه كَانَ فِي مبدأ أمره وإقبال طلائع عمره حرفته الزهاده وحانوته السجادة ثمَّ سَاقه الْقدر والقضا فَرضِي بِمَا قدره الله وَقضى بَعْدَمَا كَانَ يَقُول (من تمنى القضا فَلَا تعطينه ... وَاجعَل الْمَوْت سَابِقًا للْقَضَاء) وَقد قَالُوا أَن من تولى الْقَضَاء وَلم يفْتَقر فَهُوَ لص والآن قد افْتَقَرت اللُّصُوص لما سرقت الْأُمَرَاء من الْخَوَاتِم الفصوص وَالسَّارِق إِذا سرق من سَارِق فقد عَامله بِرَأْس مَاله وَقَالَ الرِّبْح والفائدة السَّلامَة من خسران وباله وَمَا يسلب قَاطع الطَّرِيق الْعُرْيَان بل يهديه للسبيل وَيُعْطِيه الْأمان وَأورد من شعره قَوْله وَقد لبس من الْقَضَاء خلع المذلة وحاكت لَهُ الأطماع من نصب المناصب حلّه (أحبابنا نوب الزَّمَان كَثِيرَة ... وَأمر مِنْهَا رفْعَة السُّفَهَاء) (فَمَتَى يفِيق الدَّهْر من سكراته ... وَأرى الْيَهُود بذلة الْفُقَهَاء) وَله أَيْضا (مَا أَبْصرت عين امْرِئ ... فِي الدَّهْر يَوْمًا مثلنَا) (عشق وحرمان بِهِ ... أبدا تَرَانَا فِي عَنَّا) (الدون لَا نرضى بِهِ ... والعال لَا يرضى بِنَا) والعال بِمَعْنى العالي إِلَّا أَنَّهَا عامية مبتذلة وَقيل لِابْنِ المقفع لم لَا تَقول الشّعْر فَقَالَ

стр. 476

لَا يَجِيء مَا نرضاه وَمَا نرضاه لَا يحيء وَله أَيْضا (إِذا أَكثر العَبْد الذُّنُوب وَلم يكن ... لَهُ شَافِع من حسنه يُوجب العذرا) (وأبصرت مَعَ مَوْلَاهُ الذَّنب ممهلا ... عَلَيْهِ فحقق أَن بَينهمَا أمرا) وَله (وَإِذا أَسَاءَ إِلَيْك خَادِم سيد ... وَأقرهُ فارحل وَلَا تتَوَقَّف) (وَاعْلَم بأنك قد ثقلت وَأَنه ... أَعْطَاك إِذْنا بالرحيل فَخفف) وَله (لنا صديق لَهُ بالغانيات هوى ... وابره لَا يزَال الدَّهْر طراقا) (كَأَنَّمَا هُوَ حرباء الهجير ضحى ... لَا يُرْسل السَّاق لَا ممسكا ساقا) وَقد سبقه لهَذَا ابْن الْأَنْبَارِي الْمصْرِيّ فَقَالَ (لَا يشغلنك شَيْء فِي زَمَانك عَن ... وصل الملاح وحاذر كل مَا عاقا) (وَكن كَمَا قيل فِي الحرباء من فطن ... لَا يُرْسل السَّاق إِلَّا ممسكا ساقا) وَهُوَ تضمين من قَول بعض شعراء الْجَاهِلِيَّة (إِنِّي يتيح لَهُ حرباء تنضبة ... لَا يُرْسل السَّاق إِلَّا ممسكا ساقا) والساق فِيهِ غُصْن الشَّجَرَة وَمن الْإِنْسَان مَعْرُوف وَبِه قَامَت التورية وضربه بعض الْعَرَب مثلا بألد الْخِصَام الَّذِي كلما انْقَضتْ حجَّة أَقَامَ لَهُ أُخْرَى والحرباء دويبة تسمى أم حبيرة تتلون ألوانا مَعَ الشَّمْس وتكنى أباقرة وَيُقَال حرباء تنضب كَمَا يُقَال ذِئْب غضا وَهُوَ شجر تتَّخذ مِنْهُ السِّهَام جمع تنضبة ويف الْمثل أحزم من حرباء لِأَنَّهُ مَعَ تقلبه مَعَ الشَّمْس لَا يُرْسل يَده من غُصْن حَتَّى يمسك آخر وَهُوَ الَّذِي عناه الشَّاعِر وضربه ابْن الرُّومِي مثلا للقبح فِي كَثْرَة التقلب انْتهى وَكَانَت وَفَاة التَّمِيمِي بِمصْر يَوْم السبت خَامِس جُمَادَى الْآخِرَة سنة عشر وَألف وَهُوَ فِي سنّ الكهولة رَحمَه الله تَعَالَى المنلا توفيق بن مُحَمَّد الكيلاني نزيل قسطنطينية وَأحد الْمُحَقِّقين الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ الباهر والحذق التَّام والمعرفة فِي الْفُنُون الغربية كالحكميات والإلهيات والرياضيات حصل ودأب ببلاده ثمَّ قدم إِلَى آمد وَأقَام بهَا مُدَّة يدرس ويفيد فِي الْعُلُوم وَكَانَ إِذْ ذَاك المنلا عماد الْآمِدِيّ بهَا وَكَانَ يَقع بَينهمَا مناظرات ومحاورات وَلما ولي حسن باشا بن مُحَمَّد باشا حُكُومَة الشَّام سَافر فِي صحبته إِلَيْهَا وَأَقَامَا بهَا مُدَّة ثمَّ رَحل المنلا توفيق إِلَى الرّوم وانحاز إِلَى الْمولى سعد الدّين بن حسن جَان معلم السُّلْطَان فعينه معلما لأولاده واتخذه نديما ومصاحبا وبسببه طَنَّتْ صحاة فَضله واشتهر وَأعْطى مدرسة حرزي قَاسم باشا الَّتِي بِأَيُّوب على طَرِيق التقاعد

стр. 477

هَكَذَا ذكر ابْن نوعى خَبره فِي ذيله التركي وَذكره البوريني فِي تَارِيخه وَأثْنى عَلَيْهِ قَالَ فِي تَرْجَمته كَانَت لَهُ مُعَارضَة مَعَ الْعِمَاد الْحَنَفِيّ السَّمرقَنْدِي الباياسوني النعماني وَكَانَ أهل النّظر لَا يرونه أَهلا لمعارضة الْعِمَاد وطالت بَينهمَا الْمُعَارضَة والمحاورة حَتَّى أَنَّهُمَا لم يجتمعا فِي مجْلِس لَكِن كَانَت السفار بَينهمَا غير مندفعة حَتَّى أَن المنلا توفيق لقب الْعِمَاد بقوله هُوَ كَيفَ الدّين لِأَنَّهُ كَانَ يتَنَاوَل شَيْئا من الأفيون فَأرْسل الْعِمَاد إِلَيْهِ قَائِلا الدّين مَاله كَيفَ بل لَهُ زائر وضيف فَأَنت يَا توفيق ضيف الدّين وَذَلِكَ لِأَنَّك كنت كيلانيا وَأهل كيلان زيديون وهم قسم من الشِّيعَة يرَوْنَ الْإِمَامَة لزيد بن الْحسن فَكَأَنَّهُ لما ترك تِلْكَ الْبِلَاد وَصَارَ حنفيا فِي بِلَاد آمد صَار ضيفا للدّين لِأَنَّهُ نزيل أهل السّنة وشاعت بَينهمَا أَمْثَال هَذِه الْأَقَاوِيل ثمَّ رَحل الْعِمَاد إِلَى دمشق ورحل توفيق إِلَى الرّوم فَتوفي بهَا فِي سنة عشر وَألف (حرف الْجِيم) جَار الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْقُدسِي الْمَعْرُوف بِابْن أبي اللطف الحصكفي الأَصْل مفتي الْحَنَفِيَّة ومدرس الْمدرسَة العثمانية بالقدس تولاها بعد موت عَمه عمر وَتوجه إِلَى الرّوم بعد موت عَمه الْمَذْكُور وتقرر فِي هَذِه المناصب وَله رحْلَة سَابِقَة إِلَى مصر أَخذ بهَا الْعَرَبيَّة وَالْفِقْه عَن عُلَمَاء ذَلِك الْعَصْر وَأخذ عَن عَمه شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد وَكَانَ يُحِبهُ جدا حَتَّى أَنه زوجه ابْنَته قَالَ الْحسن البوريني حكى لي ولد مُحَمَّد الْمَذْكُور وَهُوَ الشَّيْخ كَمَال الدّين مُحَمَّد بن أبي اللطف الْآتِي ذكره أَن وَالِده كَانَ قد زعم أَن يُزَوّج ابْنَته الْمَذْكُورَة بِابْن أَخ آخر لَهُ فرأت امْرَأَة صَالِحَة فِي دَارهم وَالِد الشَّيْخ مُحَمَّد وَهُوَ شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد شمس الدّين وَهُوَ يَقُول هَذِه الْبِنْت لَا يُعْطِيهَا مُحَمَّد لفُلَان بل يُعْطِيهَا لِجَار الله وَهَكَذَا رأى هَذَا الْمَنَام بِعَيْنِه رجل صَالح ضَاعَ عني اسْمه فَلَزِمَ أَنه أَعْطَاهَا لِجَار الله كَمَا حكم وَالِده فِي الرُّؤْيَا وَأصَاب فِي ذَلِك فَإِن ابْن أَخِيه الآخر مَاتَ سَرِيعا وَلم ينْتج وأنتج جَار الله وَكَانَ عَالما فَاضلا سخيا طلق الْكَفّ طلق الْوَجْه مبذول الْقرى قَرَأت بِخَط الْعَلامَة مُحَمَّد بن نعْمَان الأيجي الدِّمَشْقِي فِي مَجْمُوع لَهُ ذكر فِيهِ بعض وفيات قَالَ توفّي جَار الله مفتي الْقُدس فِي أَوَائِل شعْبَان سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف وَورد خبر مَوته إِلَى دمشق فِي أواسط شعْبَان وَكَانَت وَفَاته فَجْأَة من غير عِلّة وَسَيَأْتِي وَلَده على

стр. 478

مفتي الْقُدس رَحمَه الله تَعَالَى جَعْفَر الصادقبن بن عَليّ بن زين العابدين بن عبد الله بن شيخ بن عبيد الله بن شيخ ابْن الشَّيْخ عبد الله العيدروس اليمني الشَّافِعِي الشريف الْفَائِق الْأَجَل الْمولى الْعلي الْقدر ولد بِمَدِينَة تريم وَصَحب أَبَاهُ ولازمه مُدَّة فِي فنون عديدة وَحفظ الْقُرْآن وجوده وَحفظ الْإِرْشَاد والمحلة والقطر وَغَيرهَا وَأخذ عَن ابْن عَمه عبد الرَّحْمَن السقاف ابْن مُحَمَّد العيدروس وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب وَالشَّيْخ زين بن حُسَيْن بَافضل وَأبي بكر الشلي باعلوي وبرع فِي التَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث والتصوف والعربية والحساب والفلك والفرائض وَكَانَ ناضر الْعَيْش رخى البال وأتحفه الله بِحسن الْفَهم وجمال الصُّورَة وَكَمَال الْخلقَة ورزقه قبولا تَاما وَكَانَ بيغا فِي نظمه وإنشائه ثمَّ حج وَأخذ بالحرمين عَن جمَاعَة ثمَّ عَاد إِلَى تريم وَلم يدْخل إِلَى بلد إِلَّا وأكرمه واليها غَايَة الْإِكْرَام وَلما قرب من تريم خرج النَّاس للقائه وَدخل فِي جَمِيع لم يتَّفق لأحد من أهل بَيته وَكَثُرت مزاحمة الرِّجَال وأرباب الدفوف والشبابات بَين يَدَيْهِ والمداح تمدحه وَتثني عَلَيْهِ وَسبب ذَلِك أَن أَبَاهُ كَانَ مُتَوَلِّيًا أَمر الإشراف وَكَانَ لَهُ إِلَيْهِ محبَّة زَائِدَة وَأقَام بتريم مُدَّة ثمَّ رَحل إِلَى الْهِنْد لطلب الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة فَدخل بندر سورت للأخذ عَن عَمه الشريف مُحَمَّد ثمَّ قصد إقليم الدكن فاتصل ثمَّة بالوزير الْأَعْظَم الْملك عنبر فنظمه فِي سلك ندمائه وناظر الْعلمَاء بِحَضْرَتِهِ فَظهر عيهم ثمَّ تصدر للتدريس واعتنى بِلِسَان الْفرس فحصله فِي مُدَّة يسيرَة وَلما رأى بعض الْعَجم العقد النَّبَوِيّ لجده الامام شيخ بن عبد الله طلب مِنْهُ أَن يترجمه لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ فترجمه بِأَحْسَن عبارَة وَلم يزل حَتَّى مَاتَ الْملك عنبر وأقيم وَلَده فتخ خَان مقَامه فَزَاد فِي إجلال صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى أَن قدر الله تَعَالَى على تِلْكَ الدولة مَا قدر من نفادها وتشتت أَرْبَابهَا فَعَاد الصَّادِق إِلَى بندر سورت وَقرر على مَا كَانَ عَلَيْهِ عَمه مُحَمَّد العيدروس من الْمَعْلُوم والغلال وزادوه كثيرا من الْأَرَاضِي فَكَانَ ينفقها على الْوَارِد وَألقى بالبندر عَصَاهُ واشتهر أمره وطنت حصاته وَكَانَ لَهُ من الْولَايَة نصيب وافر وَله كرامات ومكاشفات مِنْهَا مَا حدث بِهِ بعض الثِّقَات من أهل مَكَّة قَالَ أردْت السّفر لى وطني وَأَنا ببندر سورت فَدخلت عَلَيْهِ أودعهُ وأسأله الدُّعَاء بالوصول إِلَيْهَا سالما فَقَالَ لي تسْعَى بَين الصَّفَا والمروة فِي الْيَوْم الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ من هَذَا الْيَوْم قَالَ فَلَمَّا وصلتها بَيْنَمَا أَنا أسعى إِذْ سَأَلَني رجل عَن السَّيِّد الْمَذْكُور فتذكرت قَوْله لي وحسبت الْأَيَّام

стр. 479

فَإِذا الْأَمر كَمَا قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من خِيَار الْقَوْم وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن فِي مشْهد عَمه مُحَمَّد العبدروس وقبره مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى جَعْفَر أَبُو الْبَحْر بن مُحَمَّد بن حسن بن عَليّ بن نَاصِر بن عبد الإِمَام الشهير بالخطي البحراني الْعَبْدي أحد بني عبد الْقَيْس بن شقّ بن قصي بن دعمة بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان ذكره فِي السلافة فَقَالَ فِي وَصفه ناهج طرق البلاغة والفصاحة الزاخر الباحة الرحيب الساحة البديع الْأَثر والعيان الْحَكِيم الشّعْر السَّاحر الْبَيَان ثقف بالبراعة قداحه وأدار على المسامع كؤسه وأقداحه فَأتى بِكُل مُبْتَدع مطرب ومخترع فِي جنسه مغرب وَمَعَ قرب عَهده قد بلغ ديوَان شعره من الشُّهْرَة الدى وَسَار بِهِ من لَا يسير مشمرا أَو غنى بِهِ من لَا يُغني مغردا وَكَانَ قد دخل الديار العجمية فقطن مِنْهَا بِفَارِس وَلم يزل وَهُوَ لرياض الْأَدَب جَان وغارس حَتَّى اختطفته أَيدي الْمنون فعرس بِفنَاء الفناء وخلد عرائس الْفُنُون وَلما دخل أَصْبَهَان اجْتمع بالشيخ بهاء الدّين مُحَمَّد العاملي وَعرض عَلَيْهِ أدبه فاقترح عَلَيْهِ مُعَارضَة قصيدته الَّتِي أَولهَا قَوْله (سرى الْبَرْق من جد فهيج تذكاري ... عهودا بجدوى والعذيب وَذي قار) فعارضه بقصيدة مطْلعهَا (هِيَ الدَّار تستسقيك مد مَعَك الْجَارِي ... فسقيا وَخير الدمع مَا كَانَ للدَّار) (وَلَا تستضع دمعا تريق مصونه ... لعزته مَا بَين نور أَحْجَار) (فَأَنت امْرُؤ بالْأَمْس قد كنت جارها ... وللجار حق قد علمت على الْجَار) (عشوت على اللَّذَّات فِيهَا على سنا ... سناء شموس مَا يغبن وأبكار) (فَأَصْبَحت قد أنفقت أطيب مَا مضى ... من الْعُمر فِيهَا بَين عون وأقمار) (نواصع بيض لَو أفضن على الدجى ... سناهن لاستغنى عَن الْكَوْكَب الساري) (خرائد يبصرن الْأُصُول بأوجه ... تغص بأمواه النضارة أَحْرَار) (معاطير لم تغمس يَد فِي لطيمة ... لَهُنَّ وَلَا استعبقن جونة عطار) (أبحنك مَمْنُوع الْوِصَال نواز لَا ... على حكم ناه كَيفَ شَاءَ وأمار) (أذابت تستقي الثغور مدامة ... أتتك فحيتك الخدود بأزهار) (أموسم لذاتي وسوق مآربي ... ومجني لباناتي ومنهب أوطاري)

стр. 480

(سقتك برغم الْمحل أخلاف مزنة ... تلف إِذا جَاشَتْ سهولا بأوعار) (وفج كَمَا شَاءَ المجال خشوبه ... بعزمة عواد على الهول كرار) (تمرس بالأسفار حَتَّى تركنه ... لدقته كالقدح أرهفه الْبَارِي) (إِلَى ماجد يعزي إِذا انتسب الورى ... إِلَى معشر بيض أماجد أخيار) (ومضطلع بِالْفَضْلِ زر قمصه ... على كنز آثَار وعيبة أسرار) (سمى النَّبِي الْمُصْطَفى وأمينه ... على الدّين فِي إِيرَاد حكم وإصدار) (بِهِ قَامَ بعد الْميل وانتصبت بِهِ ... دعائم قد كَانَت على جرف هار) (فَلَمَّا أناخت بِي على بَاب دَاره ... مطاياي لم أذمم مغبة أسفاري) (نزلت بمغمتي الرواقين دَاره ... مثابة طواف وكعبة زوار) (فَكَانَ نزولي إِذْ نزلت بمغدق ... على الْمجد فضل الْبر عَار من الْعَار) (أساغ على رغم الحواسد مشربي ... وأعذب ورد الْعَيْش لي بعد امرار) (وأنقذني من قَبْضَة الدَّهْر بَعْدَمَا ... ألح بأنياب عَليّ وأظفار) (جهلت على مَعْرُوف فضلى فَلم يكن ... سواهُ من الأقوام يعرف مقداري) وَلما انْتهى إِلَى هَذَا الْبَيْت فِي الإنشاد قَالَ وَأَشَارَ إِلَى جمَاعَة من سادة البحريين وَهَؤُلَاء يعْرفُونَ مقدارك إِن شَاءَ الله تَعَالَى (على أَنه لم يبْق فِيمَا أَظُنهُ ... من الأَرْض شبر لم تطبقه أخباري) (وَلَا غرو فالأكسير أكبر شهرة ... وَمَا زَالَ من جهل بِهِ تَحت أَسْتَار) (مَتى بل لي كف فلست بآسف ... على دِرْهَم إِن لم ينله ودينار) (فيا ابْن الالى أثنى الْوَصِيّ عَلَيْهِم ... بِمَا لَيْسَ تثنى وَجهه يَد انكار) (بصفين إِذْ لم يلفه من أوليائه ... وَقد عض نَاب للورى غير فرار) (وَأبْصر مِنْهُم جن حَرْب تهافتوا ... على الْمَوْت اسراع الْفراش على النَّار) (سرَاعًا إِلَى دَعْوَى الْمنون يرونها ... على شربهَا الْأَعْمَار مورد أَعمار) (أطاروا غمود الْبيض واتكلوا على ... مفارق قوم فارقوا الْحق كفار) (وأرسوا وَقد لاثوا على الركب الجنى ... بروكا كهدى أبركوه لجزار) (فَقَالَ وَقد طابت هُنَالك نَفسه ... رضَا وأقروا عينه أَي إِقْرَار) (فَلَو كنت بوابا على بَاب جنَّة ... كَمَا أفصحت عَنهُ صحيحات أَخْبَار) يُشِير إِلَى هَمدَان وَهِي قَبيلَة من الْيمن يَنْتَهِي إِلَيْهِم نسب الممدوح وَكَانُوا قد أبلوا يَوْم

стр. 481

صفّين بلَاء حسنا فروى أَنهم فِي بعض أَيَّامهَا حِين استجر الْقَتْل وَرَأَوا فرار النَّاس عَمدُوا إِلَى غمود سيوفهم فكسروها وعقلوا أنفسهم بعمائمهم وجثوا اللركب وبركوا للْقَتْل فَقَالَ فيهم أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ كرم الله وَجهه وَرَضي عَنهُ (لهمدان أَخْلَاق وَدين يزينها ... وبأس إِذْ لاقوا وَحسن كَلَام) (فَلَو كنت بوابا على بَاب جنَّة ... لَقلت لهمدان ادخُلُوا بِسَلام) وَقَالَ فيهم يَوْم الْجمل لَو تمت عدتهمْ ألفا لعبد الله حق عِبَادَته وَكَانَ إِذا رَآهُمْ تمثل بقول الشَّاعِر (ناديت هَمدَان والأبواب مغلقة ... وَمثل هَمدَان سني فَتْحة الْبَاب) (كالهندواني لم تقلل مضار بِهِ ... وَجه جميل وقلب غير وجاب) ذكره ابْن عبد ربه فِي العقد وهمدان بِسُكُون الْمِيم وَبعدهَا ذال مُهْملَة وَأما همذان بِفَتْح الْمِيم والذل الْمُعْجَمَة فبلد من بِلَاد الْعَجم وَهِي أول عراق الْعَجم وإليها ينْسب بديع الْجمال الهمذاني صَاحب المقامات الَّذِي اقتفى الحريري أَثَره فِيهَا وَتَمام القصيدة مَوْجُود فِي ديوَان صَاحب التَّرْجَمَة وَقد قرظ لَهُ عَلَيْهَا الشَّيْخ بهاء الدّين تقريظا حسنا ذكره فِي السلافة وَذكر لَهُ بعض أشعار أوردت مِنْهَا قِطْعَة فِي النفخة الَّتِي ذيلت بهَا على الريحانة ومطلعها (عاطنيها قبل ابتسام الصَّباح) وَكَانَت وَفَاته سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى جَعْفَر باشا الْوَزير الخطير صَاحب الْيمن ذكره الإِمَام الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخه وَقَالَ سَمِعت من لفظ وَالِدي قَالَ تباحثت أَنا وإياه فِي خَمْسَة عُلُوم التَّفْسِير والْحَدِيث والمعاني وَالْبَيَان والقراآت فَوَجَدته فِي كل مِنْهَا كَامِلا وَذكر مُحَمَّد بن كاني الرُّومِي فِي تَارِيخه أَنه كَانَ حَاكم بِلَاد الْحَبَشَة فأنعم عَلَيْهِ السُّلْطَان بِبِلَاد الْيمن فوصل إِلَى بندر الصليف من حُدُود الْيمن فِي تَاسِع عشر شهر ربيع الآخر سنة سِتّ عشرَة وَألف وَدخل مَدِينَة صنعاء فِي رَابِع عشرى شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ جَامعا بَين محَاسِن الْخِصَال ومراتب الْكَمَال وَكَانَ عَالما عَاملا وَفِيه من الدّيانَة والتهجد مَا هُوَ كثير على امثاله وَكَانَ خليقا بِكُل وصف حسن إِلَّا أَنه كَانَ يحب الْفَخر وَفِيه من التبه شَيْء لطيف وَمن نظر إِلَيْهِ فِي بعض مجَالِس أنسه وَكَثْرَة انبساطه ظن أَنه يَعْتَرِيه الجذب وَلَو أَمن من سفك الدِّمَاء فِي آخر مَجِيئه إِلَى الْيمن لَكَانَ مِمَّن ملك الْقُلُوب وَهُوَ مَعْذُور فِي هَذَا الْأَمر فَإِنَّهُ لما دخل صنعاء تصفح أَحْوَال الْبِلَاد فَرَأى أَن تقوى الإِمَام الْقَاسِم بمساعدة عبد الرَّحِيم بن المطهر وَذَلِكَ بِسَبَب عزم سِنَان باشا

стр. 482

فَاسْتحْسن مصالحة الإِمَام فَصَالحه يَوْم الْإِثْنَيْنِ حادي عشري ذِي الْحجَّة سنة سِتّ عشرَة وَألف على جِهَات مَعْلُومَة وَهِي بِلَاد الأهتوم وبلاد عَدو والقصمات ووادعة وبلاد برض وَشرط الإِمَام خُرُوج أَوْلَاده ومكالفه وَأَصْحَابه من حصن كوكبان فَأَطْلَقَهُمْ الْوَزير الْمَذْكُور وَأحسن إِلَيْهِم إِلَى وَلَده السَّيِّد مُحَمَّد وتوجهت العساكر على عبد الرَّحِيم فَأسرهُ وأرسله إِلَى العتبة السُّلْطَانِيَّة فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان عشرَة وَألف وواجهه أَخُوهُ الْأَمِير أَحْمد والأمير مُحَمَّد فأكرمهما بصنجقين وسلطانيين وَفتح بِلَاد حجَّة والشرف وبلاده وحصونه وَفتح بِلَاد نبوه وصاب وَشرع فِي نظام الْبِلَاد وَسَار سيرة مرضية فوصلت الْأَخْبَار إِلَى الْيمن أَنَّهَا تَوَجَّهت إِلَى ضَابِط الْجند الْوَزير إِبْرَاهِيم فَخرج الْوَزير جَعْفَر قَاصِدا إِلَى الْأَبْوَاب فِي حادي عشر ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَوصل الْوَزير إِبْرَاهِيم إِلَى بندر الصليف فِي سلخ صفر وَخرج إِلَى الْبر غرَّة شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين فطلع من الْيمن مُتَوَجها إِلَى صنعاء فَمَال إِلَيْهِ الْأَمِير عبد الله كتخدا الْوَزير جَعْفَر وانضم إِلَيْهِ وَلم يرع لوَلِيّ نعْمَته حُرْمَة وَلَا راقب فِيهِ ذمَّة فعين الْوَزير إِبْرَاهِيم مَعَه عسكراً جراراً وعينه عَلَيْهِم وعَلى من بصنعا من العساكر أمره بالتقدم قبله إِلَى صنعاء فَتقدم ونهض الْوَزير إِبْرَاهِيم إِلَيْهَا فوصل إِلَى زمار وَهُوَ مَرِيض ثمَّ نَهَضَ مِنْهَا فَلَمَّا وصل إِلَى منقذة وَهِي على مرحلة من زمارٍ مَاتَ وَفِي سَبَب مَوته أقاويل وَذَلِكَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ خَامِس عشري جُمَادَى الأولى من السّنة وَقد كَانَ الْوَزير جَعْفَر وصل إِلَى زبيد وَاسْتقر بهَا لأجل تَكْمِيل مهمات يحْتَاج إِلَيْهَا فِي الطَّرِيق فوصلت إِلَيْهِ الْأَخْبَار بِمَوْت خَلفه فَرجع قَاصِدا صنعاء لما أرسل إِلَيْهِ أَعْيَان الْبِلَاد المجتمعون فِي مَدِينَة زمار خَارِجا عَمَّن كَانَ مَعَ الْأَمِير عبد الله لِأَنَّهُ كَانَ وَزِير السُّلْطَان وَأولى النَّاس بِالْولَايَةِ لأجل الْحِفْظ حَتَّى يرى السُّلْطَان فِي ذَلِك بِرَأْيهِ فَلَمَّا بلغ الْأَمِير عبد الله رُجُوع الْوَزير جَعْفَر ضَاقَتْ نَفسه لجراءته وأحاطت بِهِ الأوهام فَاجْتمع الَّذين أساؤوا إِلَيْهِ من الْأُمَرَاء والجند فتشاجروا وتحاوروا على الْخلاف وَكَانَ الْأَمِير عبد الله يعدهم ويمنيهم بِالَّذِي يُوَافق أهويتهم فساعده بَقِيَّة الْعَسْكَر وَكَانَ فيهم من يُنكر فعلهم وَأظْهر الِاسْتِقْلَال بِالْأَمر الْأَمِير عبد الله وَلما وصل الْوَزير جَعْفَر إِلَى زمار أرسل إِلَيْهِ كتابا بالصفح وَالْعَفو فَتعذر بالعسكر الَّذين نصبوه كرها وحذره من الْوُصُول فَلَمَّا ترددت الرُّسُل مَا زَاد هُوَ وَمن مَعَه إِلَّا عُدْوانًا فعين الْوَزير كتخداه الْأَمِير حيدر سرداراً على الْعَسْكَر وأرسلهم فَلَمَّا تراآى

стр. 483

الْجَمْعَانِ انْخَذَلَ بعض الْعَسْكَر وَجَاء إِلَى جَانب السردار وَثَبت بَعضهم لِلْقِتَالِ فَتقدم بِمن مَعَه عَلَيْهِم فَهَزَمَهُمْ وَلما بلغ عبد الله هزيمَة أعوانه تحصن فِي حصن صنعاء وَوصل السردار وَحط بِحَمْرَاء علب قرب صنعاء فَأرْسل إِلَى الْأُمَرَاء ووانسهم فطلبوا الْأمان فَأرْسل لَهُم بالأمان فَخَرجُوا إِلَى حَمْرَاء علب وتقدموا إِلَيْهِ فَمَا وسع الْأَمِير عبد الله إِلَّا النُّزُول إِلَيْهِ فَلَمَّا وصل شَاهد السردار أشقياء الْعَسْكَر يتزايدون ويتناقضون فِي الْكَلَام فحسم مواد الْفِتَن بِقطع رَأسه وخمدت نيران الْفِتْنَة وَذَلِكَ فِي أَوَائِل شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَوصل الْوَزير جَعْفَر إِلَى صنعاء وَكَانَ نُزُوله فِي الْبُسْتَان قبال بَاب السَّبي وَهُوَ أحد أَبْوَاب صنعاء فِي الْيَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر وَصَامَ شهر رَمَضَان فِي قصر صنعاء وتتبع من كَانَ سَببا للفتن وساعد الْأَمِير عبد الله فَقطع دابرهم وَعَفا عَن بَعضهم وَكَانَ الإِمَام الْقَاسِم قد اغتنم الفرصة مُدَّة هَذِه الْفِتْنَة فَبسط يَده على أَكثر بِلَاد الْقبْلَة والمغارب وتقوت شوكته فَجمع الْوَزير جَعْفَر جَيْشًا وَعين كتخداه حيدر سرداراً عَلَيْهِم فَتوجه فظفر بالسيد الْحسن بن الْقَاسِم فِي عرة الأشمور فَقبض عَلَيْهِ وأرسله إِلَى الْوَزير ثمَّ كَانَت الْحَرْب بعد ذَلِك سجالاً وَفِي آخر الْأَمر حصل الْحَرْب الأكيد فَقتل من الْجَانِبَيْنِ عَالم كثير فِي أَمَاكِن مُتعَدِّدَة وبينت عَن قتل السَّيِّد عَليّ بن الْقَاسِم فَكَانَ سَببا لإطفاء نيران الْحَرْب من الطَّرفَيْنِ وَفِي خلال ذَلِك وصلت الْأَخْبَار بِأَن ولَايَة الْيمن قد تَوَجَّهت إِلَى الْوَزير حاجي مُحَمَّد باشا فَاخْتَارَ الصُّلْح لاشتغالهما بأنفسهما فانعقد الصُّلْح بَين الْوَزير جَعْفَر وَبَين الإِمَام الْقَاسِم بِأَن لكل مِنْهُمَا مَا تَحت يَده من الْبِلَاد وَالْخيَار لمُحَمد باشا بعد وُصُوله إِلَى صنعاء فِي تَمام الصُّلْح وَعَدَمه وَخرج الْوَزير جَعْفَر من صنعاء مُتَوَجها إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة يَوْم تَاسِع عشري شعْبَان سنة خمس وَعشْرين وَألف وَكَانَ أول دولته حَرْب وَنصر وأوسطها سلم وراحة وَآخِرهَا حَرْب وفتنة ومحنة وحقد انْتهى وَقد ذكر تَتِمَّة خَبره من هُنَا النَّجْم الْغَزِّي فِي ذيله فَقَالَ دخل دمشق مُنْفَصِلا عَن الْيمن يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة سبع وَعشْرين وَألف وَكَانَ دخل مصر وَأقَام بهَا مُدَّة قَالَ وَاجْتمعت بِهِ فِي الميدان الْأَخْضَر فَوَجَدته من أَفْرَاد الدَّهْر ينْطق بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيّ الفصيح وَهُوَ عَالم مُتَمَكن فِي الْعَرَبيَّة وَالتَّفْسِير إِمَام فِي علم الْكَلَام وَمَعْرِفَة مَذَاهِب الْفرق وَيحسن الرَّد عَلَيْهِم بالأدلة الْعَقْلِيَّة عَارِف بِالْخِلَافِ بَين الْمذَاهب شَدِيد التعصب على الْمُعْتَزلَة وَالرَّوَافِض

стр. 484

والزيدية لَا يمل من الْبَحْث وَلَا يفتر عَنهُ حاذق الفكرة جيد الذكاء ثمَّ سَافر من دمشق هُوَ وقاضي قُضَاة مصر السَّيِّد مُحَمَّد الشريف فِي يَوْم السبت حادي عشر أَو ثَانِي عشر رَجَب ثمَّ عَاد من الرّوم إِلَى الشَّام فِي أَوَاخِر سنة سبع وَعشْرين وَألف مُتَوَلِّيًا نِيَابَة مصر قَالَ وَاجْتمعت بِهِ فرأيته على حَالَته لم يتَغَيَّر عَنْهَا ثمَّ سَافر إِلَى مصر وعزل عَنْهَا وَتُوفِّي بهَا مطعوناً فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف انْتهى وَوجدت فِي تَارِيخ الْبكْرِيّ الَّذِي أَلفه فِي الْخُلَفَاء والسلاطين وذيله بنواب مصر وقضاتها عِنْد ذكر جَعْفَر باشا أَنه كَانَت تَوليته لمصر فِي نَهَار الْأَرْبَعَاء تَاسِع ربيع الأول سنة ثَمَان وَعشْرين وعزل يَوْم الْأَحَد ثَالِث عشري شعْبَان من هَذِه السّنة فَكَانَت مُدَّة استيلائه خَمْسَة أشهر وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا قَالَ وَكَانَ من أجلاء الْعلمَاء لَهُ الْيَد الطُّولى فِي غَالب الْعُلُوم خُصُوصا التَّفْسِير وَوَقع فِي زَمَنه الفناء الْعَظِيم فَكل من مَاتَ فِي زَمَنه وَله ولد أعْطى علوفته لوَلَده أَو أَبِيه فَإِن لم يكن لَهُ ولد وَلَا أَب أعْطى ذَلِك لأقاربه مَعَ البشاشة وَكَانَ ابْتِدَاء الفناء فِي أَوَاخِر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَعشْرين وانتهاؤه فِي أَوَاخِر جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ غَالب من يَمُوت فِيهِ عمره مَا بَين الْخَمْسَة عشر سنة إِلَى خمس وَعشْرين سنة وَحصر من توفّي مضبوطاً من الحوانيت يَوْمًا بِيَوْم فَكَانَ من ابْتِدَائه إِلَى انتهائه مائَة ألف وخمساً وَثَلَاثِينَ ألفا هَذَا مَا أخرج من الحوانيت وَمَا عدا ذَلِك فَهُوَ كثير وَتُوفِّي جَعْفَر باشا فِي آخِره انْتهى قلت وَقد ولي الشَّام فِي جيلنا سميه الْوَزير جَعْفَر باشا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَوَقع فِي زَمَنه طاعون بِالشَّام لم يعْهَد مثله فِي الْكَثْرَة وَبلغ عدد الْجَنَائِز بِدِمَشْق يَوْمًا بِيَوْم ألفا وينوف وَاسْتمرّ سِتَّة أشهر وَإِنَّمَا ذكرت ذَلِك لمناسبة اسْم هذَيْن الوزيرين مَعَ أَن تَرْجَمَة هَذَا الثَّانِي مِمَّا يتَعَيَّن لكني لم أظفر بِخَبَر وَفَاته فَلهَذَا ذكرته بِهَذِهِ الْمُنَاسبَة واكتفيت بذلك عَن تَرْجَمته الشَّيْخ جلال بن أدهم بن عبد الصَّمد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن أدهم وَلَيْسَ هُوَ إِبْرَاهِيم بن أدهم السُّلْطَان الْوَلِيّ الْمَشْهُور وَإِن كَانَ نسب جلال مُتَّصِلا بِهِ لَكِن لم أَقف على تَتِمَّة نسبه وأصل آبَائِهِ من التركمان وَسَكنُوا مَدِينَة عكار وَكَانَ لَهُم بهَا أَمْلَاك دارة ومريدون وزاوية ورد مِنْهُم عبد الصَّمد إِلَى دمشق قبل الْأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وتوطنها وَكَانَ مَعَه حكم سلطاني بإفتاء الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وتدريس التقوية فنفذ حكمه قَاضِي الْقُضَاة ولي الدّين بن الفرفور وصيره مفتياً ومدرساً بِالْمَدْرَسَةِ

стр. 485

الْمَذْكُورَة وَكَانَ فَقِيها شَدِيد الْوَرع وَكَانَ يتَرَدَّد فِي السُّكْنَى بَين مدرستين فيسكن فِي الشتَاء بِالْمَدْرَسَةِ العادلية الْمُقَابلَة للظاهرية وَفِي الصَّيف بِالْمَدْرَسَةِ الجمالية بسفح قاسيون وطالت مدَّته وَهُوَ يُفْتِي إِلَى أَن مَاتَ نَهَار الْإِثْنَيْنِ ثامن رَجَب سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَخَلفه ابْنه أدهم فدرس بالعادلية وَكَانَ صَالحا غير متكلف يلْبسهُ ومعيشته على أسلوب التركمان واتصل بالوزير الإعظم سِنَان باشا وَصَارَ لَهُ معلما ونال مِنْهُ خيرا كثيرا وَله مَعَه مكاشفات ووقائع سَيَأْتِي مِنْهَا شَيْء فِي تَرْجَمَة سِنَان باشا وَكَانَ بعد وَفَاته ولي سِنَان باشا حُكُومَة الشَّام بعد الوزارة الْعُظْمَى فصير ابْنه جلالا مُعْتَمدًا على جَامعه الَّذِي عمره خَارج بَاب الْجَابِيَة فاقتنى من ذَلِك أملاكا عَظِيمَة وأموالا جزيلا وَبنى بَيْتا خلف حمام العقيقي كَانَ حَماما مَوْقُوفا على أَمَاكِن كَثِيرَة مِنْهَا حِصَّة مَوْقُوفَة على أَئِمَّة الْجَامِع الْأمَوِي وَلم يهنأ عيشه بِهِ وَلَا اطْمَأَن خاطره فِيهِ وَبنى بالصالحية بَيْتا وقصرا وغرس بستانا لطيفا على نهر يزِيد قلت وَهُوَ الْقصر الْمَعْرُوف الْآن ببني عماد الدّين وَكَانَ جلال فَاضلا حسن الْعشْرَة وقصة توليهه بمملوكه مستفيضة وافتتانه فِيهِ شهيرة وَقد ذكرهَا البوريني فِي تَرْجَمته فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى إيرادها وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْأَحَد ثامن رَجَب سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ جمال الدّين بن شمس الدّين مُحَمَّد الْمَشْهُور وَالِده بالعجمي الْقُدسِي الْوَاعِظ وَهُوَ وَالِد عبد الْغفار مفتي الْقُدس وأخيه الْحَافِظ القَاضِي الشَّاعِر الْآتِي ذكرهمَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى كَانَ وَالِده مُحَمَّد رجلا واعظا ذكيا حضر مَعَ السُّلْطَان سُلَيْمَان بن عُثْمَان فتح رودس وَحصل لَهُ مِنْهُ إكرام ثمَّ قدم الْقُدس وَاسْتمرّ بهَا يعظ النَّاس إِلَى أَن توفّي وَدفن بماملا بقبته الَّتِي أَنْشَأَهَا بجوار البسطامية شمَالي الكبكبية وَلم تكمل الْقبَّة بل مَاتَ قبل إكمالها وَنَشَأ وَلَده جمال الدّين هَذَا ورحل إِلَى مصر وَصَحب الزين المرصفي ثمَّ عَاد إِلَى الْقُدس فِي حُدُود سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة تَقْرِيبًا وَلزِمَ شيخ الصلاحية الشَّيْخ عفيف الدّين بن جمَاعَة ثمَّ تقرر فِي قِرَاءَة المولد والمعراج بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عَن الشَّيْخ أبي الْفَتْح بن فتيَان إِمَام الصَّخْرَة ثمَّ قرر فِي تدريس دَار الحَدِيث الَّتِي تجاه دَار الْقُرْآن السلامية وَشر فِي الْمدرسَة الظافرية وَكَانَت متهدمة فعمر بهَا عمَارَة وَجمع مجموعا لَهُ فِي الْوَعْظ رَأَيْت بِخَط الإِمَام الْمُحدث الشَّمْس مُحَمَّد الدَّاودِيّ الْمَقْدِسِي ثمَّ الدِّمَشْقِي فِي أوراق كتب فِيهَا تراجم

стр. 486

بعض معاصريه وألحقها بِبَعْض وقائع قَالَ ذكر لنا وَلَده عبد الْغفار وَلما قدم إِلَى دمشق بعد وَفَاته أَنه يشْتَمل على ألف مجْلِس وَتُوفِّي فِي لَيْلَة الْأَحَد ثَانِي عشر جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَألف وَكَانَ سنة ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَسنة وَخلف ثَلَاثَة أَوْلَاد ذُكُور وبنتين رحم الله الْجَمِيع برحمته وَالله أعلم جمال الدّين بن مجب الدّين الْمَعْرُوف بالجنيد الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي وشهرة أَهله ببني الكوكية وَيَنْتَهِي نسبهم إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵁ وَكَانُوا بِدِمَشْق من انتحار المياسير وَلَهُم مآثر وخيرات وَلَهُم أقَارِب بِمَكَّة وهم أَيْضا أَصْحَاب إدرارات وشهرة وجمال الدّين هَذَا خرج من بَينهم كَامِل الأدوات حسن الْآدَاب لطيف المطارحة حُلْو الحَدِيث صَاحب نكات ونوادر وَرِوَايَة وَاسِعَة فِي الْأَخْبَار والأشعار وَالْأَحَادِيث وَعمر كثيرا وَلَقي أساطين الْعلمَاء وَجَالسهمْ والنقط من فوائدهم وروى عَنْهُم ولازم الذّكر والأوراد من ابْتِدَاء عمره واشتغل بِالْعبَادَة وَلذَلِك لقب بالجنيد وَفِيه يَقُول الأديب الباهر مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمي (أَنْت يَا شيخ الطَّرِيقَة ... فِيك وَالله حقيقه) (لم يفتها من مزايا ... جامعي الْفضل دقيقة) (أَنْت وَالله جُنَيْد الْوَقْت ... فِي كل حقيقه) (أَنْت من يرشد أَرْبَاب النهى ... خير طَرِيقه) (لَك أَخْلَاق بتقريض ... المجيدين خليقه) (لَو غَدا للفضل شخص ... فِي الورى كنت شقيقه) (إِنَّمَا أَنْت بأخلاقك ... روض أَو حديقة) (فلعمري أَنْت بدر ... فازمن كنت رَفِيقه) وَكَانَ يَحْكِي عَن نَفسه إِنَّه لم يتَّفق لَهُ مُدَّة عمره صَلَاة من قعُود وَكَانَ مواظبا على السّنَن والرواتب وَله صدقَات سَرِيَّة وَكتب الْكثير من الْكتب بِخَطِّهِ وَكَانَ خطه حسنا وَضَبطه بَينا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من مُفْرَدَات وقته وحسنات عصره وَذكره وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى فِي تَارِيخه وترجمته هُوَ شويخ نسر لُقْمَان عِنْده فريخ عمر إِلَى أَن فَاتَ حد الماية وَلَقي الْقرن بعد الْقرن والغاية بعد الْغَايَة وعاشر الوزراء ونادم الكبراء وَتردد إِلَى الْأَعْيَان وهام فِي الغيد الحسان حَتَّى صَار شيخ الغرام ونقيب الوجد والهيام فَهُوَ صَغِير كَبِير وكبير صَغِير إِذا خالط الْكِبَار يكبر

стр. 487

وَإِذا خالط الصغار يصغر مَحْبُوب قُلُوب الْأَنَام لَهُ فِيهَا التَّصَرُّف التَّام لَا يرَاهُ أحد من النَّاس إِلَّا وَيَوَد أَن يكون لَهُ من الندماء والجلاس يحب التلاق وبكره الْفِرَاق لَا يودع مُسَافِرًا وَلَا يعود مَرِيضا وَلَا يشيع جَنَازَة إِلَّا نَادرا وَكَانَت أوقاته مستغرقة فِي النزهات وَكَانَ لَهُ بعض ثروة وَيتَعَاطَى صَنْعَة القماش وَحج مرَّتَيْنِ متتابعتين وسافر إِلَى الْقُدس وحلب وَكَانَ يُورد قصصا وحكايات كَثِيرَة وَرُبمَا شَاهد غالبها بِالْعينِ وَكَانَ فِي ذَلِك تَارِيخا برحلين وَكَانَ مُفْرد وقته فِي لعب الشطرنج وَلم يكن فِي عصره مثله فِي مَعْرفَته وَالنَّاس يضْربُونَ بِهِ الْمثل فَيَقُولُونَ لمن يحسن لعبه فلَان يلْعَب مثل الْجُنَيْد وَرُبمَا كَانَ يمازحه بَعضهم بِأَنَّهُ أدْرك وَاضعه لكبر سنه ومهارته فِيهِ وَمِمَّا قيل فِيهِ وَكَانَ كَمَا وصف أصفر اللِّحْيَة (رب شخص بلحية نارنجي ... قَدمته نضيلة الشطرنج) وَكَانَ يكتم سنه فَإِذا ألح عَلَيْهِ فِي السُّؤَال ملح لم يزده على أَن سني عظم ويتمثل كثيرا بقول أبي الْعَلَاء الْبَغْدَادِيّ (احفظ لسَانك لَا تبح بِثَلَاثَة ... سنّ وَمَال مَا اسْتَطَعْت وَمذهب) (فعلى الثَّلَاثَة تبتلى بِثَلَاثَة ... بمكفر وبفاضح ومكذب) وَكَانَ يجْرِي لأدباء دمشق مَعَه مداعبات ومطارحات من أنفس مَا يسامر بِهِ فَمن ذَلِك مَا قَالَه فِيهِ الأديب إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الأكرمي الْمُقدم ذكره وَكَانَ لَهُ رَفِيق يلقب بالقطب (الشَّام أضحت أحوالها عجبا ... فِي دَهْرنَا والأمور أَسبَاب) (القطب فِيهَا بالعشق مشتهر ... لَا يستحي والجنيد دباب) وَقَالَ فِيهِ أَيْضا هَذِه الأبيات وفيهَا إِشَارَة إِلَى مَا كَانَ فِيهِ من الشره فِي الْأكل وَيخرج مِنْهَا لفظ جُنَيْد بطرِيق النعمية (وَذي شَره مغرم بِالطَّعَامِ ... يسير على بَطْنه أَي سير) (ترَاهُ إِذا مد زاهي الطَّعَام ... وصف بأنواع لطف وَخير) (يمد يداجن من قبلهَا ... ويخلط كل الطَّعَام بِغَيْر) وَنقل عَنهُ أَنه حضر فِي ضِيَافَة عِنْد أحد الْأَعْيَان بِدِمَشْق فخلط فِي الطَّعَام على عَادَته فَأنْكر فعله بعض من كَانَ فِي الْمجْلس فَلَمَّا تنبه لإنكاره أنْشدهُ قَول الحريري (سامح أَخَاك إِذا خلط ... ) فذيل لَهُ الْمُنكر هَذَا المصراع بقوله فِي الرز والزردا فَقَط والرز لُغَة فِي الْأرز وَيُقَال رز وأرز مثل كتب وزرنز وَحكى لي وَالِدي المرحوم أَنه

стр. 488

حضر سماطا وإمامه الْجُنَيْد فَبَالغ فِي النهمة وَكَانَ فِي الْمجْلس بعض الأدباء فَأَنْشد قَول أبي مُحَمَّد الْقزْوِينِي الضَّرِير فِي رجل أكول (وَصَاحب لي بَطْنه كالهاوية ... كَانَ فِي أمعائه مُعَاوِيَة) قَالَ لي الْوَالِد وَهَذَا الْبَيْت قد ذكره الثعالبي فِي اليتيمية وإستجاد وجازه لَفظه وَوُقُوع الأمعاء إِلَى حنب مُعَاوِيَة لمزية ثَالِثَة وَهِي كَون الَّذِي أنْشد فِيهِ من نسل مُعَاوِيَة وَحضر لَيْلَة فِي دَعْوَة كَانَ فِيهَا حَافظ الْمغرب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمقري وَأحمد بن شاهين الْمُقدم ذكرهمَا فَلَمَّا قدم الطَّعَام قَامَ الْجُنَيْد وَتَوَضَّأ وَصلى بعض رَكْعَات فَقَالَ الْمقري مستجيزا (قَامَ الْجُنَيْد يُصَلِّي ... وَنحن نَأْكُل عَنهُ) فَأَجَابَهُ ابْن شاهين (تقبل الله منا ... وَلَا تقبل مِنْهُ) وقصيدة مُحَمَّد الكريمي الَّتِي قَالَهَا فِي هجائه مَشْهُورَة وَهِي طَوِيلَة فَنَذْكُر بَعْضًا مِنْهَا فَإِنَّهَا من رائق الْكَلَام وَسبب انشائها أَن بعض أدباء دمشق وَمِنْهُم الْجُنَيْد كَانُوا مُجْتَمعين فِي مَحل وَبَين يديهم رمان يَأْكُلُون فطلع عَلَيْهِم الكريمي فَقَامَ الْقَوْم كلهم إِلَّا الْجُنَيْد فَأَنْشَأَ الكريمي هَذِه القصيدة ومطلعها (تزهو بشاشك أَو بِمَالك ... وَكِلَاهُمَا من حَظّ مَالك) (فَم كم تنام وَفِي الْهوى ... مِنْهَا لكايا سوء حالك) (كَيفَ الْقيام لناسك ... إِنِّي لَا عجب من محالك) مِنْهَا (إِن الْمُعظم نَفسه ... يَا شيخ فِي بَحر المهالك) (يَا عير قَامَ الْقَوْم لي ... إِلَّا حمارا من مثالك) (لَكِن عذرك وَاضح ... فالأكل من أقوى اشتغالك) (هَذَا عتاب لاهجا ... وعظيم أَنْفك مَعَ سبالك) (حررته مُسْتَغْفِرًا ... إِذْ كدت أَدخل فِي وبالك) (هَذَا وَمَا عهد الْقيام ... من الجماد فدم بحالك) وَمِنْهَا (صدقت استاذي الْعِمَادِيّ ... فِي شَهَادَته بذلك) (بقصيدة الْكرْدِي والأغنام ... فاجعلها ببالك) (فاشكر صنيعي إِن عقلت ... وَإِن ترم خُذْهَا بفالك) (إِنِّي رَأَيْتُك قد مقت ... بعيد زهوك واختيالك) (واغتضت بالدنيا عَن الْأُخْرَى ... فراقب نَار مَالك)

стр. 489

(ارْفُقْ بِنَفْسِك قد كَبرت ... وَزَاد هولك عَن مجالك) (وَأعد صَلَاتك مَا اسنطعت ... وعد عَن ماضى دلالك) (فَأَرَاك لَا تفرق ريالك ... فِي النَّجَاسَة من مبابك) (وَالْحق أَنَّك جَاهِل ... وتعد نقصك من كمالك) وَقَوله بقصيدة الْكرْدِي والأغنام إِشَارَة إِلَى أَن الأبيات الَّتِي نظمها فِيهِ الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي والشاهيني وَعبد اللَّطِيف بن المنقار من بَاب المساجلة بَينهم ومطلع هَذِه القصيدة (عذرتك يَا حلا حل بالجنيد ... وَقلت لَهُ سماعك بالمعيدي) وحلا حل هَذَا كَانَ رجلا كثير المجون واسْمه عَليّ وَسَيَأْتِي ذكره وَكَانَ كثير الْحَط على الْجُنَيْد شَدِيد الإزراء بِهِ وَله مَعَه نكايات ووقائع شَتَّى وَكَانَ الْجُنَيْد بِمُجَرَّد ذكره يتألم ويحنق لما كَانَ يلْحقهُ مِنْهُ من الأذية خُصُوصا فِي مجَالِس الْكِبَار والأعيان من الْعلمَاء وَغَيرهم وتتمة الأبيات (لَهُ شال بشابه عارضيه ... صفارا فَوق وَجه كالقريد) (ببادر للمآكل حِين يدعى ... ويشتم الروائح من بعيد) (ترَاهُ يمصمص الأعظام جوعا ... كَانَ أَبَاهُ بغدادي زبيدي) (ينكش سنه من شرب مَاء ... بإصبعه وطورا بالعويد) (وَيُصْبِح هائشا يَبْغِي طَعَاما ... يطوف على الْمنَازل كالجعيدي) (على الطَّحَّان يعتب كل آن ... وَيضْرب باليماني الهنيدمي) (وَمثل النَّحْل بِأَكْل كل شَيْء ... ويجني اللسع مَعَ عدم الشَّهِيد) (وتشكو ثقل فستقة حشاه ... ويزلط كل خرفان الكريدي) (وينكح بنت شَهْوَته طَعَاما ... وَيُعْطى مهرهَا نحل النقيد) (ويلبس فَرْوَة من جلد نمر ... يَقُول لبستها خوف الْبَرِيد) (بِمَوْت قد تلقب فِي البرايا ... وَبَين النَّاس يدعى بالصميدي) (على الْأَصْحَاب يطْرَح كل شاش ... بأَرْبعَة من الذَّهَب النقيدي) (بِرَأْس المَال يُخْبِرهُمْ كذوبا ... ويفترس الْأَنَام كَمَا الفهيد) (وَلما جِئْت مَا أهديت شَيْئا ... بعثت إِلَيْك هجوا من عنيدي) (وَإِن تنكر قوافيها فسامح ... فَإِن الشّعْر من ملامجيد) وملامجيد الْمَذْكُور كَانَ روميا نزل دمشق وقطن بهَا وَكَانَ ينظم أشعارا على

стр. 490

على طَرِيق المجون وَكَانَ أدباء دمشق كالمولى أَحْمد بن زين الدّين المنطقي وَابْن شاهين والأمير المنجكي ينظمون الْأَشْعَار الهزلية على لِسَانه وينسبونها إِلَيْهِ من نَوَادِر الْجُنَيْد أَنه لما وَصله خير الأبيات من الكريمي اجْتمع بِهِ واستنشده أياها فَلَمَّا أتم قرَاءَتهَا نظر إِلَيْهِ ينظر المستهزئ بِهِ وَلم يزده على أَن قَالَ لَهُ أَيْن الْأُم المشفقة الَّتِي تبْكي عَلَيْك وَهَذِه كِتَابَة عَن سوء حَاله فَإِن الكريمي ورث من أَبِيه مَالا كثيرا فأتلفه فِي مُدَّة جزئية وساء حَاله بعد ذَلِك وَحكى عَن الكريمي أَنه قابلني بِكَلِمَة لَو صرفت عمري فِي هجوه مَا وفيت بهَا وللجنيد نكات مَقْبُولَة ومقولات رائقة فَمن ذَلِك قَوْله لَا تسمع غناء الْأَمْن فَم تشْتَهي أَن تقبله وَمن لطائفه تَسْمِيَة فرع الْأَمْرَد بعريشة الْحسن وَقد نظمها الْأَخ الْفَاضِل إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد السّفر جلاني أبقاه الله تَعَالَى فِي مَقْطُوع فأجاد حَيْثُ قَالَ (قَالَ صف فرعي الَّذِي قد تدلى ... فَوق خدي إِن كنت من واصفيه) (قلت مَاذَا أَقُول فِي وصف روض ... قد تدلت عريشة الْحسن فِيهِ) وَمن غرائب وقائعه الَّتِي تسند إِلَى حسن عشرته وتحمله وَتَقْدِيم النشاط على غَيره أَنه مَاتَ لَهُ ولدان وَجِيء إِلَيْهِ بخبرهما وَهُوَ مَعَ جمَاعَة فِي بُسْتَان بالصالحية يلْعَب بالشطرنج فَلم يشْعر أحدا وَقَامَ وَأعْطى الْمخبر دَرَاهِم وفوض إِلَيْهِ أَمر يجهيزهما وَعَاد إِلَى مَا كَانَ يه وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من نَوَادِر الزَّمن وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْأَرْبَعَاء ثامن عشرى ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى وَقد أرخ بَعضهم وَفَاته بقوله (مَا الدَّهْر دهر جَدِيد ... كَذَا تكون العبيد) (وَمَا سوى الله فَإِن ... وَأَيْنَ من لَا يبيد) (وَعمر هَذَا قصبر ... وَعمر هَذَا مديد) (وللفريقين يَوْم ... لَا بُد يَأْتِي شَدِيد) (أما سَمِعت المنايا ... تَقول مَاذَا يُفِيد) (طير الفنا أَن تؤرخ ... صَحَّ مَاتَ مَاتَ الْجُنَيْد) السَّيِّد جمال الدّين بن نور الدّين بن أبي الْحسن الْحُسَيْنِي الدِّمَشْقِي الأديب الشَّاعِر الذيق كَانَ ألطف أَبنَاء وقته دماثه خلق وَخلق حسن معاشر لطيف الصُّحْبَة سهي النُّكْتَة والنادرة قَرَأَ بِدِمَشْق وَحصل وَحضر مجَالِس الْعَلامَة السَّيِّد

стр. 491

مُحَمَّد بن حَمْزَة نقيب الْأَشْرَاف فَأخذ عَنهُ من المعارف مَا تنافست عَلَيْهِ بِهِ الآراء ثمَّ هاحر إِلَى مَكَّة وَأَبوهُ ثمَّة فِي الْأَحْيَاء فجاور بهَا مُدَّة ثمَّ دخل الْيمن أَيَّام الإِمَام أَحْمد بن الْحسن فَعرف حَقه من الْفضل وراجت عِنْده بضاعته ومدحه بِهَذِهِ القصيدة (خليلي عود إِلَى فيا حبذا المطل ... إِذا كَانَ يُرْجَى فِي عواقبه الْوَصْل) (خليلي عودا وأسعد إِنِّي فأنتما ... أَحَق من الأهلين بل أَنْتُمَا الْأَهْل) (فقد طَال سيري واضمحلت جوارحي ... وَقد سئمت فرط السرى العيس وَالْإِبِل) (فعادا وَقَالا صَحَّ مَا بك من جوى ... وَفِي بعض مَا لاقيته شَاهد عدل) (وَلَكِن طول السّير لَيْسَ بضائر ... وغايته كنز الندى أَحْمد الشبل) مِنْهَا (أبانت بِهِ الْأَيَّام كل عَجِيبَة ... يسير بهَا الركب الْيَمَانِيّ والقفل) (فنيران بَأْس فِي بحار مَكَارِم ... وَمن فعله وصل وَفِي قَوْله فصل) (أرانا عيَانًا ضعف أَضْعَاف سمعنَا ... وَعَن جودة قد صَحَّ بِالنّظرِ النَّقْل) وَمِنْهَا (أَقُول وَقد طفت الْبِلَاد وَأَهْلهَا ... بلوتهم قولا يصدقهُ الْفِعْل) (إِذا مَا جرى ذكر الْبِلَاد وحسنها ... فَتلك فروع وَالْغِرَاس هِيَ الأَصْل) (وَإِن عد ذُو فضل ومجد مؤثل ... فَأَحْمَد من بَين الْأَنَام لَهُ الْفضل) (فَلَا غروان قصرت طول مدائحي ... فَفِي الْبعد قصر الْفَرْض جَاءَ بِهِ النَّقْل) (إِلَيْك صفي الدّين مني خريدة ... فريدة حسن لَا يصاب لَهَا مثل) (وَأعظم مَا ترجو الْقبُول فَإِنَّمَا ... قبُول الثنا بَاب يتم بِهِ السُّؤَال) (فحقق رجاها واحل عاطل جيدها ... بِمَا أَنْت يَا نجل الْكِرَام لَهُ أهل) ثمَّ فَارق الْيمن وَدخل الْهِنْد فوصل إِلَى حيدر آباد وصاحبها يَوْمئِذٍ الْملك أَبُو الْحسن فاتخذه نديم مَجْلِسه وَأَقْبل عَلَيْهِ بكليته وَهَذَا الْملك كَمَا بَلغنِي فِي هَذَا الْعَصْر الْأَخير من أَفْرَاد الدُّنْيَا وفور كرم وميلا للأدب وَأَهله فَأَقَامَ عِنْده فِي بلهنية عَيْش وصفاء عشرَة حَتَّى طرقت أَبَا الْحسن النكباء من طرف سُلْطَان الْهِنْد الْأَعْظَم السُّلْطَان محيي الدّين مُحَمَّد الشهير بأورنك زيب وَقبض عَلَيْهِ وحبسه وأحسب أَنه الْآن لم يزل مَحْبُوسًا هُنَاكَ فَانْقَلَبَ الدَّهْر على السَّيِّد جمال الدّين فبقى مُدَّة فِي حيدر آباد وَقد ذهب أَنه إِلَى أَن مَاتَ بهَا فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف كَمَا أَخْبرنِي بذلك أَخُوهُ روح الْأَدَب السَّيِّد عَليّ بِمَكَّة المشرفة حرسها الله تَعَالَى

стр. 492

الْأَمِير جَوْهَر سحرتي لبرهان نظام شاه الْمُوفق سُلْطَان الْهِنْد أحد أُمَرَاء الديار الْهِنْدِيَّة الْمَشْهُورين بِحسن السِّيرَة جلب إِلَى الْهِنْد وَهُوَ صَغِير هُوَ وَأَخ لَهُ فاشتراهما السُّلْطَان الْعَادِل برهَان نظام شاه وَسلم جوهرا لمن يُعلمهُ الْقُرْآن فتعلمه وَحفظه وَحفظ غَيره ثمَّ تعلم الفروسية واللعب بِالسَّيْفِ وَالرمْح والسهام إِلَى أَن مهر فِي ذَلِك ثمَّ ترقى إِلَى أَن صَار أَمِيرا على مِائَتي فَارس وَكَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب سمع من جمَاعَة وَقَرَأَ كتبا كَثِيرَة وَصَحب الْمَشَايِخ وَلزِمَ الشَّيْخ الإِمَام شيخ بن عبد الله العيدروس وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة ذكره الشلي وَقَالَ اجْتمعت بِهِ فِي رحلتي إِلَى الْهِنْد وَعرفت فَضله ودرجته فِي الْعلم وَقَرَأَ عَليّ فِي الْفِقْه والنحو والْحَدِيث فأقمت بُرْهَة أرتع فِي رياض فَضله وَكَانَ لَهُ من الْعِبَادَة شَيْء كثير لَا يفتر سَاعَة عَن تِلَاوَة أَو ذكر أَو صَلَاة على النَّبِي وَكَانَ لَهُ مطالعة فِي كتب الدقائق وسير الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء وَكَانَ كثير الِاعْتِقَاد فِيمَن يثبت عِنْده صَلَاحه وَكَانَت لَهُ بشاشة وَجه وَكَانَ شجاعاً شهماً ذَا سياسة للرعايا كثير الْغَزْو وَالْجهَاد لقِتَال أهل الْكفْر ثمَّ رَمَاه الدَّهْر بسهمه فَفَارَقَ مَحل مَمْلَكَته وَتوجه إِلَى بيجافور فَمَاتَ بهَا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة السَّادة وَالْعرب تَحت مَدِينَة بيجافور من أَرض الْهِنْد واعتنى السَّادة بتجهيزه وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم وَخلف وَلدين صغيرين فأقيما مقَامه رَحمَه الله تَعَالَى (حرف الْحَاء الْمُهْملَة) السَّيِّد حَاتِم بن أَحْمد بن مُوسَى بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَحْمد بن عمر بن أَحْمد بن عمر الأهدل اليمني الْحُسَيْنِي ذكره الشلي فِي تَارِيخه وَالسَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي سلافته وتلميذه الشَّيْخ شيخ بن عبد الله العيدروس وصنف وَلَده الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْن شيخ تَرْجَمته فِي الدّرّ الباسم من روض السَّيِّد حَاتِم وأثنوا عَلَيْهِ ثَنَاء لَيْسَ وَرَاءه غَايَة وَهُوَ وَاحِد الدَّهْر فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعُلُوم والمعارف وَالنّظم والنثر رَحل إِلَى كثير من الْبلدَانِ وَأقَام بالحرمين ثمَّ توطن المخا وَحصل لَهُ بهَا شَأْن عَظِيم وَعم نَفعه بهَا وَفِيه يَقُول بَعضهم (تاهت بكم أَرض المخا وتجملت ... فالبندر المحروس زهواً يرفل) (لما طلعت بأفقه متهللاً ... أَمْسَى وظل بنوره يَتَهَلَّل) وَكَانَ يدْخل المخا فِي أَيَّامه مراكب عديدة وكل من حل عَلَيْهِ نظره تبدلت أَحْوَاله

стр. 493

السَّيئَة بِصِفَات محمودة وَحكى أَنه قَالَ ولاّني النَّبِي هَذِه الْبَلدة أَو هَذَا الْقطر ثمَّ قَصده النَّاس فَتخرج بِهِ جمع كثير وَكَانَ لَهُ يَد طولى فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والفنون الْعَرَبيَّة لَكِن غلب عَلَيْهِ التصوف وَكَانَ الشَّيْخ عمر بن عبد الله العيدروس إِذا جَاءَتْهُ مسئلة فِي التصوف أرسلها إِلَيْهِ ليجيب عَنْهَا فيجيب بِأَحْسَن جَوَاب وَكَانَت الْعُلُوم نصب عَيْنَيْهِ وَكَانَ متقناً لعلم الْأَسْمَاء والحروف ودوائر الْأَوْلِيَاء ومقامات الموقنين وَعلم الْأَسْرَار ومدد الْأَذْكَار حَتَّى قيل إِنَّه يعرف الِاسْم الْأَعْظَم وَالْحجر المكرم وَكَانَ زاهداً فِي الدُّنْيَا وَكَانَت الوزراء والأمراء يطْلبُونَ الِاجْتِمَاع بِهِ فَيمْتَنع من زهده أَنه لم يتَعَلَّق فِي الدُّنْيَا بِسَبَب من أَسبَابهَا وَمَات وَلم يخلف شَيْئا وَبلغ من جَمِيع الصِّفَات الْكَامِلَة مَا لم يبلغهُ أحد وَكَانَ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى السَّيِّد أَبُو بكر الْمَعْرُوف بصائم الدَّهْر يعظمه ويزوره إِلَى بَيته وَكَانَ يرى النَّبِي وَقَالَ رَأَيْت النَّبِي كَأَنِّي أَنا وَالسَّيِّد عَليّ بِأَسْعَد بَين يَدَيْهِ فألبس النَّبِي بِيَدِهِ الْمُبَارَكَة الشَّرِيفَة السَّيِّد عَليّ بِأَسْعَد طاقية وَأمره أَن يلبسني فألبسني إِيَّاهَا بِأَمْر النَّبِي وَكَانَ لَهُ تصرف فِي الموجودات وَظَهَرت لَهُ كرامات مِنْهَا أَنه أخبر بعض أَصْحَابه بكائنة تحدث فِي سنة أَربع فَوَقع الْأَمر بعد أَن أخبر كَمَا ذكر وَأخْبر بواقعة الشَّيْخ الصّديق الْخَاص وَأَنه يقتل فَقتل الشَّيْخ الصّديق بعد انْتِقَال السَّيِّد حَاتِم بأعوام وصادر بعض الوزراء الظلمَة بعض السَّادة الْأَشْرَاف وَطلب مِنْهُ مَالا فَذكر ذَلِك للسَّيِّد حَاتِم فَقَالَ لَهُ أعْطه فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَخذه فَلَمَّا أعطَاهُ وتناوله ذَلِك الظَّالِم آلمه ألماً شَدِيدا فصاح وَتَركه وَذهب وَحكى أَنه كَانَ جَالِسا فِي الْحرم الْمَكِّيّ وَعِنْده بعض مريديه فَجرى على خاطره أَن القطب يكون بِمَكَّة وَأَن يكون الْآن فَالْتَفت إِلَيْهِ السَّيِّد حَاتِم وَقَالَ لَهُ هُوَ الْآن على الْمِنْبَر فَقَامَ المريد إِلَى الْمِنْبَر فَوجدَ عَلَيْهِ تركياً طَوِيل الشَّوَارِب على هَيْئَة الجندي فَرجع إِلَى شَيْخه وَأخْبرهُ فَقَالَ أَتُرِيدُ أَن يَأْتِيك على صورته وَيَقُول لَك أَنا القطب فَرجع إِلَى الْمِنْبَر فَلم يجد أحدا وَمِنْهَا أَنه أَرَادَ السمر فَأمر بإحضار البخور والماورد فَقيل لَهُ فرغ الْعود فَأخْرج من تَحت الْبسَاط عوداً فاخر فَقَالَ تِلْمِيذه عَليّ الجازاني هَذَا الْعود من معدنه وَمِنْهَا أَن خادمه قَالَ لَهُ يَوْمًا لَيْسَ عندنَا مَا نشتري بِهِ الْقُوت فَأخْرج لَهُ دَرَاهِم من المنديل فَقَالَ لَهُ عهدي بالمنديل فَارغًا فَقَالَ لنا رخصَة فِي التَّصَرُّف بِقدر الْحَاجة مِمَّا يُبَاح لنا أَخذه وَحكى

стр. 494

أَن السُّلْطَان فِي بعض السنين جدد السِّكَّة وَكَانَ بعض السَّادة من أهل زبيد رَأس مَاله كُله من الدَّرَاهِم الْقَدِيمَة فتضرر لذَلِك وَحكى حَاله للسَّيِّد حَاتِم فدله على بعض الْأَوْلِيَاء فِي زبيد فَذهب إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ السَّيِّد حَاتِم أقدر مني على قَضَاء حَاجَتك وَلَكِن اذْهَبْ إِلَى الْمَسْجِد الْفُلَانِيّ تَجِد فِيهِ شخصا يدلك فَذهب فَوجدَ الشَّخْص فَقَالَ لَهُ ادخل مَحل كَذَا حَيْثُ تَجِد رجلا يخرز النِّعَال الْقَدِيمَة فَدخل فَوَجَدَهُ كَذَلِك وَعِنْده إِنَاء فِيهِ مَاء متغير الرَّائِحَة من النِّعَال الَّتِي يخرزها فَجعل يدْخل النِّعَال فِي المَاء بِقُوَّة ليصيبه الرشاش فينفر عَنهُ فَأدْخل الرجل يَده فِي المَاء ورش على بدنه فَعرف الخراز أَنه لَا بُد لَهُ مِنْهُ فَأخذ الجراب الَّذِي فِيهِ الدَّرَاهِم وَجلسَ عَلَيْهِ سَاعَة ثمَّ أعطَاهُ إِيَّاه فَإِذا الدَّرَاهِم على السِّكَّة الجديدة ثمَّ قَالَ لَهُ الرجل الَّذِي لَقيته فِي الْمَسْجِد هُوَ الْخضر ﵇ وَجعل يَقُول فضحوني وَمَات بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَمن كراماته اللطيفة أَنه وشى بِهِ إِلَى من يُحِبهُ بعض الوشاة فَلَمَّا علم بذلك قَالَ فِي موشح لَهُ على طَريقَة أهل الْيمن ياورنيسان يَا بهجة الدن والدان من علمك نقض العهود يبْلى بثعبان يلْدغ لِسَانه يَا فتان حَتَّى يصير فِي اللحود فسعت تِلْكَ اللَّيْلَة حَيَّة إِلَى لِسَان ذَلِك الواشي ولذعته ونفثت فِي فِيهِ سمها فَمَاتَ وَله كَلَام عَال فِي الْحَقَائِق والتصوف قَالَ بعض العارفين مَا رَأَيْت فِي شُيُوخنَا من اجْتمع لَهُ علم وَحَال غير حَاتِم إِذا رَأَيْت علمه رجحته على عمله وَإِذا رَأَيْت عمله رجحته على علمه وَله كتابات على أَبْيَات الْعَفِيف التلمساني الَّتِي أَولهَا قَوْله (إِذا كنت بعد الصحو فِي المحو سيدا ... أما مَا مثنى النَّعْت بِالذَّاتِ مُفردا) وَله كتابات على أَبْيَات الْعَفِيف الَّتِي أَولهَا (منعتها الصِّفَات والأسماء ... أَن ترى دون برقع أَسمَاء) وعَلى الأبيات الَّتِي أَولهَا (إِذا كنت فِي توحيدك الْمُطلق الْوَصْف ... على ثِقَة من عَالم الذَّوْق والكشف) وَمن نثره الْبَهِي قَوْله فِي بعض رسائله يقصر عَن جسم معاليك قَمِيص الثَّنَاء فَيفوت الرصاف وترفل زهواً إِذا فصلت لمعانيك حلل الْأَوْصَاف ويعترف بِالْعَجزِ سحبان إِذا سحبت ذيول الْبَيَان ويقر المعري بالتعري عَن لفظك الحريري الْمُشْتَمل على الْجَوَاهِر الحسان وَيلْحق القَاضِي الْفَاضِل النَّقْص فِي هَذَا الْمِيزَان ويزوي الْبَيَانِي عِنْد طُلُوع شمس معانيك البديعة التِّبْيَان وَمن شعره قَوْله مشطراً

стр. 495

فائية ابْن الفارض (قلبِي يحدثني بأنك متلفي ... عجل بِهِ وَلَك البقا وَتصرف) (قد قلت حِين جهلتني وعرفتني ... روحي فدَاك عرفت أم لم تعرف) (أَنْت الْقَتِيل بِأَيّ من أحببته ... فلك السَّعَادَة فِي الشَّهَادَة يَا وَفِي) (وَلَقَد وصفت لَك الغرام وَأَهله ... فاختر لنَفسك فِي الْهوى من تصطفي) وَقَوله مخمساً لقصيدة ابْن النبيه (رقم العذول زخارفاً وتصنعاً ... وأشاع نقض الْعَهْد عَنْك وشنعا) (فأجبته وَالنَّفس تقطر أدمعاً ... أفديه إِن حفظ الْهوى أَو ضيعا) (ملك الْفُؤَاد فَمَا عَسى أَن أصنعا ... ) (حكم الغرام فلذبه وبحكمه ... واثبت على مَفْرُوض وَاجِب رسمه) (واخضع لعدل الْحبّ فِيهِ وظلمه ... من لم يذقْ ظلم الحبيب وظلمه) (حلواً فقد جهل الْمحبَّة وَادّعى ... ) (يَا من بلطف جماله قلبِي اقتنص ... صبري على الأعقاب من جلدي نكص) (وثبات حملي حِين زمزمتم رقص ... يَا صَاحب الْوَجْه الْجَمِيل تدارك الصَّبْر) (الْجَمِيل فقد عَفا وتضعضعا ... ) (وفرت من نبل اللواحظ أسهمي ... وَكلمت أحشائي وَلم أَتكَلّم) (وهجرتني ظلما وَلم أتظلم ... مَا فِي فُؤَادك رَحْمَة لمتيم) (ضمت جوانحه فؤاداً موجعا ... ) (قلبِي إِلَيْك مسائر لَك سَائِر ... كلي عَلَيْك مسامع ومناظر) (وَإِذا شَككت بِأَصْل مَا أَنا ذَاكر ... فتش حشاي فَأَنت فِيهِ حَاضر) (تَجِد الحسود بضد مَا فِيهِ سعى ... ) (إِنِّي اعْترفت بزلتي وجنايتي ... ورضاك مقصودي وَغَايَة غايتي) (يَا من ضلالي فِيهِ عين هدايتي ... هَل من سَبِيل أَن أبث شكايتي) (أَو أشتكي بلواي أَو أتضرعا ... ) (لي فِي حماك مسارح ومطامح ... كم بت للغزلان فِيهِ أطارح) (يَا قلب أما الْيَوْم طيبك نازح ... يَا عين عذرك فِي حَبِيبك وَاضح) (سحى لفرقته دَمًا أَو أدمعا ... )
следующие страницы →