Полный текст (1 978 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
مُحَمَّد بن حَمْزَة نقيب الْأَشْرَاف فَأخذ عَنهُ من المعارف مَا تنافست عَلَيْهِ بِهِ الآراء ثمَّ هاحر إِلَى مَكَّة وَأَبوهُ ثمَّة فِي الْأَحْيَاء فجاور بهَا مُدَّة ثمَّ دخل الْيمن أَيَّام الإِمَام أَحْمد بن الْحسن فَعرف حَقه من الْفضل وراجت عِنْده بضاعته ومدحه بِهَذِهِ القصيدة
(خليلي عود إِلَى فيا حبذا المطل ... إِذا كَانَ يُرْجَى فِي عواقبه الْوَصْل)
(خليلي عودا وأسعد إِنِّي فأنتما ... أَحَق من الأهلين بل أَنْتُمَا الْأَهْل)
(فقد طَال سيري واضمحلت جوارحي ... وَقد سئمت فرط السرى العيس وَالْإِبِل)
(فعادا وَقَالا صَحَّ مَا بك من جوى ... وَفِي بعض مَا لاقيته شَاهد عدل)
(وَلَكِن طول السّير لَيْسَ بضائر ... وغايته كنز الندى أَحْمد الشبل)
مِنْهَا
(أبانت بِهِ الْأَيَّام كل عَجِيبَة ... يسير بهَا الركب الْيَمَانِيّ والقفل)
(فنيران بَأْس فِي بحار مَكَارِم ... وَمن فعله وصل وَفِي قَوْله فصل)
(أرانا عيَانًا ضعف أَضْعَاف سمعنَا ... وَعَن جودة قد صَحَّ بِالنّظرِ النَّقْل)
وَمِنْهَا
(أَقُول وَقد طفت الْبِلَاد وَأَهْلهَا ... بلوتهم قولا يصدقهُ الْفِعْل)
(إِذا مَا جرى ذكر الْبِلَاد وحسنها ... فَتلك فروع وَالْغِرَاس هِيَ الأَصْل)
(وَإِن عد ذُو فضل ومجد مؤثل ... فَأَحْمَد من بَين الْأَنَام لَهُ الْفضل)
(فَلَا غروان قصرت طول مدائحي ... فَفِي الْبعد قصر الْفَرْض جَاءَ بِهِ النَّقْل)
(إِلَيْك صفي الدّين مني خريدة ... فريدة حسن لَا يصاب لَهَا مثل)
(وَأعظم مَا ترجو الْقبُول فَإِنَّمَا ... قبُول الثنا بَاب يتم بِهِ السُّؤَال)
(فحقق رجاها واحل عاطل جيدها ... بِمَا أَنْت يَا نجل الْكِرَام لَهُ أهل)
ثمَّ فَارق الْيمن وَدخل الْهِنْد فوصل إِلَى حيدر آباد وصاحبها يَوْمئِذٍ الْملك أَبُو الْحسن فاتخذه نديم مَجْلِسه وَأَقْبل عَلَيْهِ بكليته وَهَذَا الْملك كَمَا بَلغنِي فِي هَذَا الْعَصْر الْأَخير من أَفْرَاد الدُّنْيَا وفور كرم وميلا للأدب وَأَهله فَأَقَامَ عِنْده فِي بلهنية عَيْش وصفاء عشرَة حَتَّى طرقت أَبَا الْحسن النكباء من طرف سُلْطَان الْهِنْد الْأَعْظَم السُّلْطَان محيي الدّين مُحَمَّد الشهير بأورنك زيب وَقبض عَلَيْهِ وحبسه وأحسب أَنه الْآن لم يزل مَحْبُوسًا هُنَاكَ فَانْقَلَبَ الدَّهْر على السَّيِّد جمال الدّين فبقى مُدَّة فِي حيدر آباد وَقد ذهب أَنه إِلَى أَن مَاتَ بهَا فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَألف كَمَا أَخْبرنِي بذلك أَخُوهُ روح الْأَدَب السَّيِّد عَليّ بِمَكَّة المشرفة حرسها الله تَعَالَى
стр. 492
الْأَمِير جَوْهَر سحرتي لبرهان نظام شاه الْمُوفق سُلْطَان الْهِنْد أحد أُمَرَاء الديار الْهِنْدِيَّة الْمَشْهُورين بِحسن السِّيرَة جلب إِلَى الْهِنْد وَهُوَ صَغِير هُوَ وَأَخ لَهُ فاشتراهما السُّلْطَان الْعَادِل برهَان نظام شاه وَسلم جوهرا لمن يُعلمهُ الْقُرْآن فتعلمه وَحفظه وَحفظ غَيره ثمَّ تعلم الفروسية واللعب بِالسَّيْفِ وَالرمْح والسهام إِلَى أَن مهر فِي ذَلِك ثمَّ ترقى إِلَى أَن صَار أَمِيرا على مِائَتي فَارس وَكَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب سمع من جمَاعَة وَقَرَأَ كتبا كَثِيرَة وَصَحب الْمَشَايِخ وَلزِمَ الشَّيْخ الإِمَام شيخ بن عبد الله العيدروس وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة ذكره الشلي وَقَالَ اجْتمعت بِهِ فِي رحلتي إِلَى الْهِنْد وَعرفت فَضله ودرجته فِي الْعلم وَقَرَأَ عَليّ فِي الْفِقْه والنحو والْحَدِيث فأقمت بُرْهَة أرتع فِي رياض فَضله وَكَانَ لَهُ من الْعِبَادَة شَيْء كثير لَا يفتر سَاعَة عَن تِلَاوَة أَو ذكر أَو صَلَاة على النَّبِي
وَكَانَ لَهُ مطالعة فِي كتب الدقائق وسير الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء وَكَانَ كثير الِاعْتِقَاد فِيمَن يثبت عِنْده صَلَاحه وَكَانَت لَهُ بشاشة وَجه وَكَانَ شجاعاً شهماً ذَا سياسة للرعايا كثير الْغَزْو وَالْجهَاد لقِتَال أهل الْكفْر ثمَّ رَمَاه الدَّهْر بسهمه فَفَارَقَ مَحل مَمْلَكَته وَتوجه إِلَى بيجافور فَمَاتَ بهَا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة السَّادة وَالْعرب تَحت مَدِينَة بيجافور من أَرض الْهِنْد واعتنى السَّادة بتجهيزه وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم وَخلف وَلدين صغيرين فأقيما مقَامه رَحمَه الله تَعَالَى
(حرف الْحَاء الْمُهْملَة)
السَّيِّد حَاتِم بن أَحْمد بن مُوسَى بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَحْمد بن عمر بن أَحْمد بن عمر الأهدل اليمني الْحُسَيْنِي ذكره الشلي فِي تَارِيخه وَالسَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي سلافته وتلميذه الشَّيْخ شيخ بن عبد الله العيدروس وصنف وَلَده الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْن شيخ تَرْجَمته فِي الدّرّ الباسم من روض السَّيِّد حَاتِم وأثنوا عَلَيْهِ ثَنَاء لَيْسَ وَرَاءه غَايَة وَهُوَ وَاحِد الدَّهْر فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعُلُوم والمعارف وَالنّظم والنثر رَحل إِلَى كثير من الْبلدَانِ وَأقَام بالحرمين ثمَّ توطن المخا وَحصل لَهُ بهَا شَأْن عَظِيم وَعم نَفعه بهَا وَفِيه يَقُول بَعضهم
(تاهت بكم أَرض المخا وتجملت ... فالبندر المحروس زهواً يرفل)
(لما طلعت بأفقه متهللاً ... أَمْسَى وظل بنوره يَتَهَلَّل)
وَكَانَ يدْخل المخا فِي أَيَّامه مراكب عديدة وكل من حل عَلَيْهِ نظره تبدلت أَحْوَاله
стр. 493
السَّيئَة بِصِفَات محمودة وَحكى أَنه قَالَ ولاّني النَّبِي
هَذِه الْبَلدة أَو هَذَا الْقطر ثمَّ قَصده النَّاس فَتخرج بِهِ جمع كثير وَكَانَ لَهُ يَد طولى فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والفنون الْعَرَبيَّة لَكِن غلب عَلَيْهِ التصوف وَكَانَ الشَّيْخ عمر بن عبد الله العيدروس إِذا جَاءَتْهُ مسئلة فِي التصوف أرسلها إِلَيْهِ ليجيب عَنْهَا فيجيب بِأَحْسَن جَوَاب وَكَانَت الْعُلُوم نصب عَيْنَيْهِ وَكَانَ متقناً لعلم الْأَسْمَاء والحروف ودوائر الْأَوْلِيَاء ومقامات الموقنين وَعلم الْأَسْرَار ومدد الْأَذْكَار حَتَّى قيل إِنَّه يعرف الِاسْم الْأَعْظَم وَالْحجر المكرم وَكَانَ زاهداً فِي الدُّنْيَا وَكَانَت الوزراء والأمراء يطْلبُونَ الِاجْتِمَاع بِهِ فَيمْتَنع من زهده أَنه لم يتَعَلَّق فِي الدُّنْيَا بِسَبَب من أَسبَابهَا وَمَات وَلم يخلف شَيْئا وَبلغ من جَمِيع الصِّفَات الْكَامِلَة مَا لم يبلغهُ أحد وَكَانَ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى السَّيِّد أَبُو بكر الْمَعْرُوف بصائم الدَّهْر يعظمه ويزوره إِلَى بَيته وَكَانَ يرى النَّبِي
وَقَالَ رَأَيْت النَّبِي
كَأَنِّي أَنا وَالسَّيِّد عَليّ بِأَسْعَد بَين يَدَيْهِ فألبس النَّبِي
بِيَدِهِ الْمُبَارَكَة الشَّرِيفَة السَّيِّد عَليّ بِأَسْعَد طاقية وَأمره أَن يلبسني فألبسني إِيَّاهَا بِأَمْر النَّبِي
وَكَانَ لَهُ تصرف فِي الموجودات وَظَهَرت لَهُ كرامات مِنْهَا أَنه أخبر بعض أَصْحَابه بكائنة تحدث فِي سنة أَربع فَوَقع الْأَمر بعد أَن أخبر كَمَا ذكر وَأخْبر بواقعة الشَّيْخ الصّديق الْخَاص وَأَنه يقتل فَقتل الشَّيْخ الصّديق بعد انْتِقَال السَّيِّد حَاتِم بأعوام وصادر بعض الوزراء الظلمَة بعض السَّادة الْأَشْرَاف وَطلب مِنْهُ مَالا فَذكر ذَلِك للسَّيِّد حَاتِم فَقَالَ لَهُ أعْطه فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَخذه فَلَمَّا أعطَاهُ وتناوله ذَلِك الظَّالِم آلمه ألماً شَدِيدا فصاح وَتَركه وَذهب وَحكى أَنه كَانَ جَالِسا فِي الْحرم الْمَكِّيّ وَعِنْده بعض مريديه فَجرى على خاطره أَن القطب يكون بِمَكَّة وَأَن يكون الْآن فَالْتَفت إِلَيْهِ السَّيِّد حَاتِم وَقَالَ لَهُ هُوَ الْآن على الْمِنْبَر فَقَامَ المريد إِلَى الْمِنْبَر فَوجدَ عَلَيْهِ تركياً طَوِيل الشَّوَارِب على هَيْئَة الجندي فَرجع إِلَى شَيْخه وَأخْبرهُ فَقَالَ أَتُرِيدُ أَن يَأْتِيك على صورته وَيَقُول لَك أَنا القطب فَرجع إِلَى الْمِنْبَر فَلم يجد أحدا وَمِنْهَا أَنه أَرَادَ السمر فَأمر بإحضار البخور والماورد فَقيل لَهُ فرغ الْعود فَأخْرج من تَحت الْبسَاط عوداً فاخر فَقَالَ تِلْمِيذه عَليّ الجازاني هَذَا الْعود من معدنه وَمِنْهَا أَن خادمه قَالَ لَهُ يَوْمًا لَيْسَ عندنَا مَا نشتري بِهِ الْقُوت فَأخْرج لَهُ دَرَاهِم من المنديل فَقَالَ لَهُ عهدي بالمنديل فَارغًا فَقَالَ لنا رخصَة فِي التَّصَرُّف بِقدر الْحَاجة مِمَّا يُبَاح لنا أَخذه وَحكى
стр. 494
أَن السُّلْطَان فِي بعض السنين جدد السِّكَّة وَكَانَ بعض السَّادة من أهل زبيد رَأس مَاله كُله من الدَّرَاهِم الْقَدِيمَة فتضرر لذَلِك وَحكى حَاله للسَّيِّد حَاتِم فدله على بعض الْأَوْلِيَاء فِي زبيد فَذهب إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ السَّيِّد حَاتِم أقدر مني على قَضَاء حَاجَتك وَلَكِن اذْهَبْ إِلَى الْمَسْجِد الْفُلَانِيّ تَجِد فِيهِ شخصا يدلك فَذهب فَوجدَ الشَّخْص فَقَالَ لَهُ ادخل مَحل كَذَا حَيْثُ تَجِد رجلا يخرز النِّعَال الْقَدِيمَة فَدخل فَوَجَدَهُ كَذَلِك وَعِنْده إِنَاء فِيهِ مَاء متغير الرَّائِحَة من النِّعَال الَّتِي يخرزها فَجعل يدْخل النِّعَال فِي المَاء بِقُوَّة ليصيبه الرشاش فينفر عَنهُ فَأدْخل الرجل يَده فِي المَاء ورش على بدنه فَعرف الخراز أَنه لَا بُد لَهُ مِنْهُ فَأخذ الجراب الَّذِي فِيهِ الدَّرَاهِم وَجلسَ عَلَيْهِ سَاعَة ثمَّ أعطَاهُ إِيَّاه فَإِذا الدَّرَاهِم على السِّكَّة الجديدة ثمَّ قَالَ لَهُ الرجل الَّذِي لَقيته فِي الْمَسْجِد هُوَ الْخضر ﵇ وَجعل يَقُول فضحوني وَمَات بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَمن كراماته اللطيفة أَنه وشى بِهِ إِلَى من يُحِبهُ بعض الوشاة فَلَمَّا علم بذلك قَالَ فِي موشح لَهُ على طَريقَة أهل الْيمن ياورنيسان يَا بهجة الدن والدان من علمك نقض العهود يبْلى بثعبان يلْدغ لِسَانه يَا فتان حَتَّى يصير فِي اللحود فسعت تِلْكَ اللَّيْلَة حَيَّة إِلَى لِسَان ذَلِك الواشي ولذعته ونفثت فِي فِيهِ سمها فَمَاتَ وَله كَلَام عَال فِي الْحَقَائِق والتصوف قَالَ بعض العارفين مَا رَأَيْت فِي شُيُوخنَا من اجْتمع لَهُ علم وَحَال غير حَاتِم إِذا رَأَيْت علمه رجحته على عمله وَإِذا رَأَيْت عمله رجحته على علمه وَله كتابات على أَبْيَات الْعَفِيف التلمساني الَّتِي أَولهَا قَوْله
(إِذا كنت بعد الصحو فِي المحو سيدا ... أما مَا مثنى النَّعْت بِالذَّاتِ مُفردا)
وَله كتابات على أَبْيَات الْعَفِيف الَّتِي أَولهَا
(منعتها الصِّفَات والأسماء ... أَن ترى دون برقع أَسمَاء)
وعَلى الأبيات الَّتِي أَولهَا
(إِذا كنت فِي توحيدك الْمُطلق الْوَصْف ... على ثِقَة من عَالم الذَّوْق والكشف)
وَمن نثره الْبَهِي قَوْله فِي بعض رسائله يقصر عَن جسم معاليك قَمِيص الثَّنَاء فَيفوت الرصاف وترفل زهواً إِذا فصلت لمعانيك حلل الْأَوْصَاف ويعترف بِالْعَجزِ سحبان إِذا سحبت ذيول الْبَيَان ويقر المعري بالتعري عَن لفظك الحريري الْمُشْتَمل على الْجَوَاهِر الحسان وَيلْحق القَاضِي الْفَاضِل النَّقْص فِي هَذَا الْمِيزَان ويزوي الْبَيَانِي عِنْد طُلُوع شمس معانيك البديعة التِّبْيَان وَمن شعره قَوْله مشطراً
стр. 495
فائية ابْن الفارض
(قلبِي يحدثني بأنك متلفي ... عجل بِهِ وَلَك البقا وَتصرف)
(قد قلت حِين جهلتني وعرفتني ... روحي فدَاك عرفت أم لم تعرف)
(أَنْت الْقَتِيل بِأَيّ من أحببته ... فلك السَّعَادَة فِي الشَّهَادَة يَا وَفِي)
(وَلَقَد وصفت لَك الغرام وَأَهله ... فاختر لنَفسك فِي الْهوى من تصطفي)
وَقَوله مخمساً لقصيدة ابْن النبيه
(رقم العذول زخارفاً وتصنعاً ... وأشاع نقض الْعَهْد عَنْك وشنعا)
(فأجبته وَالنَّفس تقطر أدمعاً ... أفديه إِن حفظ الْهوى أَو ضيعا)
(ملك الْفُؤَاد فَمَا عَسى أَن أصنعا ... )
(حكم الغرام فلذبه وبحكمه ... واثبت على مَفْرُوض وَاجِب رسمه)
(واخضع لعدل الْحبّ فِيهِ وظلمه ... من لم يذقْ ظلم الحبيب وظلمه)
(حلواً فقد جهل الْمحبَّة وَادّعى ... )
(يَا من بلطف جماله قلبِي اقتنص ... صبري على الأعقاب من جلدي نكص)
(وثبات حملي حِين زمزمتم رقص ... يَا صَاحب الْوَجْه الْجَمِيل تدارك الصَّبْر)
(الْجَمِيل فقد عَفا وتضعضعا ... )
(وفرت من نبل اللواحظ أسهمي ... وَكلمت أحشائي وَلم أَتكَلّم)
(وهجرتني ظلما وَلم أتظلم ... مَا فِي فُؤَادك رَحْمَة لمتيم)
(ضمت جوانحه فؤاداً موجعا ... )
(قلبِي إِلَيْك مسائر لَك سَائِر ... كلي عَلَيْك مسامع ومناظر)
(وَإِذا شَككت بِأَصْل مَا أَنا ذَاكر ... فتش حشاي فَأَنت فِيهِ حَاضر)
(تَجِد الحسود بضد مَا فِيهِ سعى ... )
(إِنِّي اعْترفت بزلتي وجنايتي ... ورضاك مقصودي وَغَايَة غايتي)
(يَا من ضلالي فِيهِ عين هدايتي ... هَل من سَبِيل أَن أبث شكايتي)
(أَو أشتكي بلواي أَو أتضرعا ... )
(لي فِي حماك مسارح ومطامح ... كم بت للغزلان فِيهِ أطارح)
(يَا قلب أما الْيَوْم طيبك نازح ... يَا عين عذرك فِي حَبِيبك وَاضح)
(سحى لفرقته دَمًا أَو أدمعا ... )
стр. 496
وَله نظم كثير جمع مِنْهُ بعض أَصْحَابه ديواناً حافلاً وَهُوَ متداول بني النَّاس وَكَانَ يَقُول وَقت الْوَارِد كتبُوا عني مَا أَقُول فيملى عَلَيْهِم وهم يَكْتُبُونَ وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْأَحَد سَابِع عشر الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وَألف ببندر المخا وَدفن ببيته وَكَانَت مُدَّة إِقَامَته بالمخا سبعا وَثَلَاثِينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
حَافظ الدّين بن مُحَمَّد الْمَقْدِسِي الْمَعْرُوف بالسروري من ولد غَانِم الْعَالم الْعلم الْأَفْضَل الأمجد كَانَ ذَا فضل باهر وشيم مرضية وَكَانَ عَلامَة فِي المنقولات خُصُوصا الْأُصُول فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِ غَايَة لَا تدْرك وَكَانَ كَأَنَّهُ امتزج بِلَحْمِهِ وَدَمه قَرَأَ بِبَلَدِهِ وَضبط ثمَّ رَحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ عَن الشَّيْخ الإِمَام مُحَمَّد المحبي والشهاب أَحْمد أبي الْمَوَاهِب الشناوي وَأَجَازَهُ فِي الحَدِيث وَرجع إِلَى الْقُدس وَاسْتقر بهَا وانتفع بِهِ وَلَده مُحَمَّد الْآتِي ذكره وَغَيره من عُلَمَاء الْقُدس الْمُتَأَخِّرين وَغلب عَلَيْهِ فِي آخر أمره التصوف وَلزِمَ الِانْفِرَاد مَعَ الإفادة فِي بعض الْأَحَايِين لبَعض تلامذته وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بِبَاب الرَّحْمَة ظَاهر الْقُدس رَحمَه الله تَعَالَى
حبيب بن مَحْمُود النخجواني الأَصْل نزيل صالحية دمشق أحد الْكتاب الْمَشْهُورين بجودة الْخط وَكَانَ كل مَا يَكْتُبهُ قد استوفى أَقسَام الْحسن وَجمع أدوات الإجادة وَكَانَ يعرف اللُّغَات الثَّلَاث الْعَرَبيَّة والفارسية والتركية وأصل وَالِده من نخجوان ورد دمشق فِي فتْنَة قزلباش لما استولى على بِلَاد الْعَجم وَنزل صالحية دمشق عِنْد جسرها الْأَبْيَض وَأَعْطَاهُ السُّلْطَان سُلَيْمَان زعامة والزعامة عبارَة عَن قرى يقطعهَا من أَعْطَاهَا وتخمن على الْأَقَل بِعشْرين ألف عثماني فِي كل سنة وَتزَوج بالصالحية وَولد لَهُ ولدان أَحدهمَا حبيب هَذَا وَالثَّانِي فروخ فَأَما حبيب هَذَا فَإِنَّهُ وصل مَعَ الزعامة إِلَى أَن صَار جاويش السُّلْطَان وَعلا أمره وَلما جَاءَ الْوَزير الْأَعْظَم مُرَاد باشا بعساكر الرّوم إِلَى حلب لإِزَالَة عَليّ بن جانبولاذ سَافر حبيب فِي ضمن العساكر الشامية فَمَاتَ بأنطاكية وَدفن عِنْد حَضْرَة حبيب النجار فَقَالَ النَّاس مَاتَ حبيب وَدفن عِنْد حبيب وَكَانَ ذَلِك فِي شهر رَجَب الْفَرد من سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
حبيب الله الشِّيرَازِيّ ثمَّ الْبَغْدَادِيّ ثمَّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي القادري قَالَ العرضي الْكَبِير فِي تَرْجَمته خرج من شيراز فَارًّا بِدِينِهِ مِمَّا كَانَ يطْرق سَمعه من سبّ أكَابِر
стр. 497
الصَّحَابَة على رُؤُوس الأشهاد فحج ثمَّ قطن بِمصْر بِجَامِع الْأَزْهَر ملازماً درس شيخ الْإِسْلَام الشَّمْس الرَّمْلِيّ وتلميذه النُّور الزيَادي ففهم الْفِقْه مَعَ مُشَاركَة فِي الْعُلُوم كالنحو وَالْكَلَام والمعاني والمنطق ثمَّ لزم الطَّرِيقَة القادرية وجاور فِي مشْهد الشَّيْخ عبد الْقَادِر بِبَغْدَاد بعد مُفَارقَة مصر وَمر بحلب فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا قَليلَة ثمَّ ارتحل إِلَى الْبَصْرَة لعدم رَاحَته فِي بَغْدَاد لِكَثْرَة الروافض فِيهَا وَقُوَّة شوكتهم فقطنها وَأعْطى بهَا جَزِيرَة كثر مِنْهَا رزقه وَأقَام ملازماً لِلْعِبَادَةِ وَالتَّقوى وَقِرَاءَة الدُّعَاء السيفي الْمُسَمّى بالحرز الْيَمَانِيّ وإكرام الضيفان وجبر خاطر القادمين عَلَيْهِ من الْفُقَرَاء والغرباء وَإِقَامَة حَلقَة الذّكر وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وملازمة الْجَمَاعَة وصيانة اللِّسَان والانتماء إِلَى الشَّيْخ عبد الْقَادِر ﵁ إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة أَربع عشرَة وَألف بِالْبَصْرَةِ رَحمَه الله تَعَالَى حبيب الدرويش الرُّومِي الْحَنَفِيّ المجاور بالخانقاه السميساطية بجوار الْجَامِع الموي الأقطع ذكره الْغَزِّي وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ طَوِيل الصمت لطيف الذَّات نظيف الأثواب متواضعاً صوفياً لَهُ ذوق فِي المعارف والحقائق وَله آدَاب وَكَانَ يمتهن نَفسه فِي الْخدمَة وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَ عَلَيْهِ نورانية ظَاهِرَة قَالَ وَأَخْبرنِي بعض أَصْحَابه أَنه كَانَ قلندري المشرب وَلم أر مِنْهُ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ ملازماً لِلْمَسْجِدِ الْجَامِع فِي أَوْقَات الصَّلَاة وَكَانَ إِذا فتح عَلَيْهِ بنفيس الطَّعَام أكل وَإِذا تيَسّر لَهُ خشن الْخبز وَقَلِيل الْأدم قنع وَأقَام بِدِمَشْق أَكثر من عشْرين سنة وَلم أر شَيْئا انتقده عَلَيْهِ لِأَنِّي كنت أخالطه كثيرا مَاتَ يَوْم الْجُمُعَة عَاشر شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى حسام الدّين المنتشي الْحَنَفِيّ أحد عُلَمَاء الرّوم ذكره ابْن نَوْعي فِي طبقَة عُلَمَاء دولة السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّالِث وَقَالَ فِي تَرْجَمته أَصله من بَلْدَة منتشى وَهِي بَلْدَة من نواحي قرمان وإليها ينْسب من الْعلمَاء الشاهدي صَاحب الْكتاب الْمَشْهُور ولازم ودرس فِي مَدِينَة أدرنة بمدرسة طاشلق بالجامع الْعَتِيق وَكَانَ فَاضلا صَاحب تحريرات مَقْبُولَة ألّف حَاشِيَة على صدر الشَّرِيعَة وَلما توجه السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى سفر أكرى عرضهَا على الْمولى سعد الدّين معلم السُّلْطَان الْمَذْكُور فقبلها وَأَجَازَهُ عَلَيْهَا وَكَانَت وَفَاته فِي ربيع الآخر سنة عشر بعد الْألف
حسام الدّين الرُّومِي مدرس السليمانية ومفتي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق كَانَ فَقِيها عَالما
стр. 498
حسن الاستحضار وَكَانَ لَهُ بالطب إِلْمَام تَامّ وَكَانَ متكيفا إِلَّا أَنه حسن الْأَخْلَاق لطيف الذَّات يعرف قدر الْعلمَاء ويودهم وَتُوفِّي بِدِمَشْق يَوْم السبت سادس عشرى رَجَب سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس ﵀
الْحسن بن أبي بكر بن سَالم بن عبد الله بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف اليمني الْحَضَر موتِي الْوَلِيّ الصَّالح المربي المرشد كَانَ فَرد زَمَانه وَوَاحِد قطره ولد بعينات وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن إخوانه الْكِبَار وَأدْركَ أَبَاهُ وَهُوَ صَغِير واشتغل بالعلوم والمعارف وعني بالفقه والتصوف وَولي قَضَاء بَلَده وحمدت سيرته وانتفع بِهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ وَكَانَ شَدِيد المجاهدة متواضعا قانعا باليسير كريم النَّفس كلما ملكه أنفقهُ محبوبا عِنْد النَّاس وَكَانَ عَظِيم المكاشفات والكرامات وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ بركَة من بَرَكَات عصره وَكَانَت وَفَاته بِمَدِينَة عينات فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تمّ الْجُزْء الأول من خُلَاصَة الْأَثر ويليه الْجُزْء الثَّانِي أَوله الشريف حسن بن أبي نمى
стр. 499
الشريف حسن بن أبي نمي مُحَمَّد بن بَرَكَات بن مُحَمَّد وَتقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة ابْنه الشريف أبي طَالب ذكره الشهَاب فِي كِتَابيه وَأطَال الثَّنَاء فِي تَرْجَمته وَذكره الشلي فِي تَارِيخه وَقَالَ ولد لسبع فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَأمه فَاطِمَة بنت سباط بن عنقًا بن وثير بن مُحَمَّد بن عاطف بن أبي نمي بن أبي سعيد ابْن عَليّ بن قَتَادَة حملت بِهِ سنة وَفَاة جده بَرَكَات وَنَشَأ فِي كَفَالَة وَالِده سعياً رَئِيسا حميدا وَلبس الخلعة الثَّانِيَة بعد وَفَاة أَخِيه أَحْمد وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ فوّض إِلَيْهِ وَالِده الْأَمر فَلبس الخلعة الْكُبْرَى الَّتِي لصَاحب مَكَّة وَلبس أَخُوهُ ثقبة الخلعة الثَّانِيَة وَاسْتمرّ مشاركاً لوالده فِي الإمرة إِلَى أَن انْتقل وَالِده يَوْم تاسوعاء سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فاستقل بسلطنة الْحجاز وَقَامَ بهَا أحسن قيام وَضبط الْأُمُور وَالْأَحْكَام على أحسن نظام وَأمنت الْبِلَاد واطمأنت الْعباد وَقطع دابر أهل الْفساد فَكَانَت القوافل والأحمال تسير بِكَثْرَة الْأَمْوَال مَعَ آحَاد
стр. 500
الرِّجَال ولوفي المخاوف والمهالك وخافه كل مِقْدَام فاتك وَكَانَ عَظِيم الْقدر مفرط السخاء بَصيرًا بفصل الْأُمُور شجاعا مقداما حاذقا صَاحب فراسة عَجِيبَة حكى أَنه سرقت الفرضة السُّلْطَانِيَّة بجدة وَضاع مِنْهَا قماش لَهُ صُورَة وأموال كَثِيرَة وَلم يكسر بَابهَا وَلَا نقب جدارها وَلَا أثر يُحَال عَلَيْهِ معرفَة الْمَطْلُوب والطالب بل حَبل مسدول من بعض الجوانب فَلَمَّا عرض عَلَيْهِ طلب الْحَبل ثمَّ شمه ثمَّ قَالَ هَذَا حَبل عطار ثمَّ دَفعه إِلَى ثِقَة من خُدَّامه وَأمره أَن يَدُور على العطارين فَعرفهُ بَعضهم وَقَالَ هَذَا حَبل كَانَ عِنْدِي اشْتَرَاهُ مني فلَان ثمَّ نقل من رجل إِلَى رجل إِلَى أَن وصل لشخص من جمَاعَة أَمِير جدة ثمَّ وجدت السّرقَة بِعَينهَا فِي الْمحل الَّذِي ظَنّهَا فِيهِ وَمَعَ مَا كَانَ فِيهِ من هَذِه الصِّفَات كَانَ كل صَاحب فضل باهر وأدب غض ومحاضرة فائقة واستحضار غَرِيب حكى البديعي فِي كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي حيثية المتنبي وَسَماهُ الصُّبْح المنبي عَن حيثية المتنبي عَن بعض عُلَمَاء الْقَاهِرَة وَأَظنهُ احْمَد الفيومي قَالَ كنت فِي حرم الْبَيْت المنيف فدعاني إِلَى بعض الْأَمَاكِن الشَّرِيفَة حسن الشريف وَسمع بِتِلْكَ الدعْوَة أحد بني عَمه الْكِرَام فسارع إِلَيْنَا مسارعة الْقطر من الْغَمَام وَاتفقَ أَن سقط من يَده الْكَرِيمَة خَاتم بِهِ حجر ثمين الْقيمَة فَقَالَ لَهُ لم لَا تقف على طلب ذَلِك الْخَاتم الثمين فَقَالَ لَهُ أَلَسْت من أَبنَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ فلمح الشريف إِلَى قَول أبي الطّيب شعر
(بليت بلَى الأطلال أَن لم أَقف بهَا ... وقُوف شحيح ضَاعَ فِي الترب خَاتمه)
ولمح ابْن عَمه إِلَى قَول المتنبي أَيْضا
(كَذَا الفاطميون الندى فِي أكفهم ... أعز انمحاء من خطوط الرواجب)
وَالْبَيْت الأول من قصيد للمتنبي كَثِيرَة الْعُيُوب وَذكر البديعي الْمَذْكُور عِنْد الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت نُكْتَة أَو ردهَا وَلم يتَنَبَّه لمحذورها وَهِي سَأَلَ بَعضهم كم قدر مَا يقف الشحيح على طلب الْخَاتم فَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ قيل لَهُ وَمن أَيْن علمت ذَلِك قَالَ من سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ فَإِنَّهُ وقف على طلب الْخَاتم أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقيل لَهُ وَمن أَيْن علمت أَنه بخيل قَالَ من قَوْله تَعَالَى هَب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَن يهب الله لِعِبَادِهِ أَضْعَاف ملكه انْتهى وَهَذَا كَلَام كَمَا ترَاهُ صادر عَن قلَّة التدبر فَإِن الْأَنْبِيَاء ﵈ ينزه مقامهم عَن الْبُخْل المخل بنبوتهم وَمَا يتَوَهَّم فِيهِ من إِسْنَاد الْبُخْل إِلَى سُلَيْمَان قد دَفعه أَئِمَّة التَّفْسِير بأجوبة كَثِيرَة مِنْهَا أَن المُرَاد
стр. 501
بقوله لَا يَنْبَغِي لأحد أَي أَن يسلبه مني فِي حَياتِي كَمَا فعل الشَّيْطَان الَّذِي لبس خَاتمه وَجلسَ على كرسيه وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى علم أَنه لَا يقوم غَيره من عباده بمصالح ذَلِك الْملك واقتضت حكمته تَخْصِيصه بِهِ فألهمه طلب تَخْصِيصه بِهِ وَمِنْهَا أَنه أَرَادَ بذلك ملكا عَظِيما فَعبر عَنهُ بِتِلْكَ الْعبارَة وَلم يقْصد بذلك الْأَعْظَم الْملك وسعته كَمَا تَقول لفُلَان مَا لَيْسَ لأحد من الْفضل أَو من المَال وتريد بذلك عظم فَضله أَو مَاله وَإِن كَانَ فِي النَّاس أَمْثَاله وَهَذَا كَلَام وَقع فِي الْبَين وقصدت إِيرَاده تطرية للسامع فَإِن الإنتقال من أسلوب إِلَى أسلوب آخر يحسن عِنْد ذَوي الآراء السليمة عودا إِلَى تَتِمَّة خبر الشريف حسن وَحكى بعض أهل الْأَدَب فِي مَجْمُوع ذكر فِيهِ بعض محاضرات أدبية أَن بعض بني عَم الشريف حسن ورد نَادِيه وَهُوَ يجر ذيلي التيه وَالْحمية الهاشمية فتصدر عَلَيْهِ بعض من حضر ذَلِك الْمجْلس فتجعدت أساريره وَظَهَرت حِدة طبعه فَلَمَّا فطن الشريف حسن لذَلِك قَالَ إِنَّه ليقودني للعجب ويهزمن عطف أريحيتي ساعد الطَّرب قصيدة أبي الطّيب الَّتِي أَولهَا شعر
(فُؤَاده مَا يسليه المدام ... وَعمر مثل مَا يهب اللئام)
فتسلى بذلك وَتَبَسم وَجهه بعد القطوب لِأَنَّهُ علم تلميحه إِلَى قَوْله فِيهَا شعر
(وَلَو أَن الْمقَام لَهُ علو ... تَعَالَى الْجَيْش وانحط القتام)
وَفِي سنة ثَمَان بعد الْألف أَمر أُمَرَاء الْحجَّاج أَن يلبسوا الخلعة الْكُبْرَى وَلَده أَبَا طَالب وَهُوَ يَوْمئِذٍ أكبر أَوْلَاده وَولي عَهده فِي بِلَاده والخلعة الثَّانِيَة لوَلَده عبد الْمطلب فلبسها أَيَّامًا ثمَّ جهز تَابعه بهْرَام بهدية سنية إِلَى السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد وَالْتمس مِنْهُ تقريراً لوَلَده أبي طَالب فَرجع بهْرَام بِجَمِيعِ مَا التمسه الشريف وَلم يزل ينفذ الْأَحْكَام إِلَى أَن رمي بِسَهْم الْحمام شعر
(وَمَا هُوَ شخص قضى نحبه ... وَلكنه أمة قد خلت)
على أَنه لم يمت من بقيت مآثره ونشرت من بعد طوى مفاخره فَكيف بِمن خلف ذكرا حسنا من أَوْلَاد كرام وذرية فحام فأولاده الذُّكُور حُسَيْن وَأَبُو طَالب وباز وَسَالم وَأَبُو الْقَاسِم ومسعود وَعبد الْمطلب وَعبد الْكَرِيم وَإِدْرِيس وَعقيل وَعبد الله وَعبد المحسن وَعبد الْمُنعم وعدنان وفهيد وشبير والمرتضى وهزاع وَعبد الْعَزِيز وجود الله وَعبيد الله وبركات وَمُحَمّد الْحَارِث وقايتباي وآدَم وَالْبَنَات سَبْعَة عشر وَقد أفرد ذكره بِبَاب مُسْتَقل السَّيِّد الإِمَام الْعَلامَة عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ
стр. 502
من أرجوزته الْمُسَمَّاة بِحسن السِّيرَة وَشَرحهَا الْمُسَمّى بِحسن السريرة فَقَالَ
(الْحسن الْملك الشريف بن أبي ... نمي بن بَرَكَات من حبي)
(بنسبه إِلَى النَّبِي الْعَرَبِيّ ... وَالشَّرْح يعطيك تَمام النّسَب)
وسرد نسبه فِي الشَّرْح على طبق مَا قدمْنَاهُ فِي تَرْجَمَة أبي طَالب شعر
(هُوَ الشريف من كلا جديه ... من صفوة الْملك انْتَهَت إِلَيْهِ)
(وَأمه بنت سباط فَاطِمَة ... أدنى الْإِلَه نَحْوهَا مراحمه)
(وَكَانَ عَام حمله فِي ظلا ... على حِسَاب أبجد قد حلا)
(أظهره الرَّحْمَن فِي ربيع ... يظل سوح الْحرم المنيع)
أَشَارَ إِلَى أَنه شرِيف من أمه أَيْضا كَمَا قدمْنَاهُ وَأَنَّهَا حملت بِهِ فِي عَام إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَهُوَ حِسَاب ظلا الَّذِي ذكره شعر
(فَلم يزل يصعد فِي الْمَعَالِي ... ويرتقي بصعدة العوالي)
(حَتَّى أَتَتْهُ صفوة الْخلَافَة ... منقادة طَوْعًا بِلَا خِلَافه)
(فِي عَام إِحْدَى بعد سِتِّينَ مَضَت ... من قبلهَا تسع مئين حفظت)
(فشارك الْوَالِد فِي الْملك إِلَى ... أَن أم بَدْء عَام حتف نزلا)
أَشَارَ بقوله إِلَى أَن أم إِلَى انْتِقَال وَالِده عَام اثْنَيْنِ وَتِسْعين كَمَا تقدم واستقلاله بعده بِجَمِيعِ الْأُمُور
(وذب عَن بَيت الْإِلَه بالاسل ... منزها عَن التواني والكسل)
(وأمّن السبل جَمِيعًا وَحمى ... كل المخاليف فأضحت حرما)
(فطالما قد شدّت الرّحال ... موقرة من فَوْقهَا الْأَمْوَال)
(من مَكَّة لبصرة وَنَحْوهَا ... قَاطِعَة لقفرها وبدوها)
(وَلم يكن مَعهَا سوى حاديها ... من حاضري الْبَلدة أَو باديها)
(فتصل الْمَقْصد وَهِي سَالِمَة ... ثمَّ تعود مثل ذَاك غانمة)
( ... وشاع هَذَا الْأَمر مِنْهُ واشتهر) معطراً بَاقِي الممالك الْأُخَر ...
(فَكل من حج إِلَى الْبَيْت الْحَرَام ... وَشَاهد الْأَمْن استخار فِي الْمقَام)
أَشَارَ بذلك إِلَى أَنه لم يزل حامياً حوزة الْبَيْت الْمُعظم وذابا عَن سوحة المطهر المفخم حَتَّى أَنه من مزِيد أَمنه اخْتَلَط فِيهِ الْعَرَب والعجم ورعى الذِّئْب مَعَ الْغنم وَأمن السبل الحجازية ومهد الطّرق الحرمية فَكَانَت تشد الرّحال فِي سَائِر جهاته
стр. 503
وَلَيْسَ مَعهَا خفير سوى الْأَجِير لَا يفقد مِنْهَا صواع وَلَا يختلس مِنْهَا وَلَا قدر صَاع وَرُبمَا ترك الْمَتَاع أَو الْمُنْقَطع فِي القفر السَّبَب ليؤتى لَهُ بِمَا يحمل عَلَيْهِ أَو يركب فيوجد سالما من الْآفَات وَلَو طَالَتْ الْأَوْقَات مَعَ كَثْرَة الطارقين لتِلْك الْمعَاهد والسالكين لهَذِهِ المواطن والمقاصد وَلم يعْهَد هَذَا إِلَّا فِي زمن هَذَا الْملك الْعَادِل وَلم ينْقل مثله عَن مثله من الْمُلُوك الْأَوَائِل فَلَقَد كَانَت هَذِه الطّرق فِي مبدأ ولَايَته مخوفه والمخاليف كلهَا غير مألوفة حَتَّى من أَرَادَ أَن يعزم من مَكَّة إِلَى التَّنْعِيم للاعتمار لَا بُد لَهُ أَن يَأْخُذ خفيرا من أَرْبَاب الدول الْكِبَار وَأَن لم يفعل ذَلِك يعطب فِي نَفسه وَمَاله وَلَا يرثي فِي أَخذ الثأر لحاله ولطالما نهبت الْأَمْوَال مَا بَين مَكَّة وعرفة لَيْلَة الصعُود إِلَيْهَا وسفكت الدِّمَاء فِي تِلْكَ المشاعر وجدلت الأجساد لَدَيْهَا وَإِذا سرق مَتَاع قل أَن يظفر بِهِ وَرُبمَا قتل صَاحبه عِنْد طلبه بسبسه وكل ذَلِك من الْعَرَب المحيطين بأطراف الْبِلَاد الساعين فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ فنبسط الله بِسَاط الْأمان بولايته ألزمهم بحراسة هَذِه المواطن وَغرم مَا يذهب للنَّاس فِي هَذِه الْأَمَاكِن وعاملهم بصنوف الْعقَاب وأنواع الْعَذَاب من الصلب وَقطع الْأَيْدِي وتكليف أحدهم بِالْقَتْلِ أَن لم يَدي إِلَى غير ذَلِك من أَصْنَاف الاجتهادات السياسية والآراء السُّلْطَانِيَّة المرضية حَتَّى صلح حَال الْعَالم غَايَة الْإِصْلَاح ونادى مُنَادِي الْأَمْن بالبشر والفلاح فاطمأنت النُّفُوس بِإِقَامَة هَذَا الناموس واعتدلت أَحْوَال الرعايا واتصل ذَلِك إِلَى علم الْمُلُوك البقايا فَشكر كل سَعْيه فِي هَذِه المآثر الحميدة وَحمد الله تَعَالَى فِي هَذِه المعدلة الظَّاهِرَة المجيدة وَكثر حجاج بَيت الله الْعَتِيق وضربوا إِلَيْهِ آباط الْإِبِل من كل فج عميق فيرون مَا كَانُوا يسمعُونَ بِهِ عيَانًا فيستخيرون الله فِي أَن تكون بَلَده لَهُم مسكنا وَأَهْلهَا إخْوَانًا شعر
(فَمن هُنَا مَكَّة صَارَت مصرا ... محشودة بالعالمين طرا)
(وَقبل هَذَا الْعَهْد لم يقم بهَا ... إِلَّا أنَاس شغفوا بحبها)
(نَحْو ذَوي الْبيُوت مِمَّن قطنوا ... دهراً بهَا واستوطنوا وَسَكنُوا)
(لذا انْتَهَت إِلَيْهِم الرياسة ... بطيبهم مناصب النفاسة)
(والغير يَدْعُو بمنادى الْملك ... يامن قصى حرَامه من نسك)
(ارجل إِلَى بلادك الْأَصْلِيَّة ... من يمن أوجهة شامية)
(فان هَذَا الْبَلَد الحراما ... وادبلا زرع يرى ولاما)
стр. 504
(فيرحلون مَا عدا من ذكرا ... من أَهلهَا خلص من قد أمرا)
(فَإِنَّهُم شوكته القوية ... وخادمو حَضرته الْعلية)
(فَلم يزَالُوا هَكَذَا أَبَا بأب ... مقترين من أعالي ذَا النّسَب)
أَشَارَ إِلَى الْقَوَاعِد الْقَدِيمَة لولاة مَكَّة الْكَرِيمَة أَن يُنَادى بعد لتَمام الْحَج يَا أهل الشَّام شامكم وَيَا أهل الْيمن يمنكم فيرحل كل إِلَى بَلَده وَلَا يُقيم بِمَكَّة الأخواص أَهلهَا من ذَوي الْبيُوت الْقَدِيمَة فَلَمَّا تولى مَكَّة وشاع ذكره رغب كل أحد فِي الْمُجَاورَة بهَا وَصَارَت مصر من الْأَمْصَار
(فَعِنْدَ مَا قد أفضت الْخلَافَة ... لحسن وجاورت خلَافَة)
(ومهد المسالك المخو فَهُوَ ... وشيد الْمعَاهد المألوفة)
(وَكَثُرت بعدله الأرزاق ... وعمرت بأمنه الْأَسْوَاق)
(وفجر الله عُيُون الأَرْض ... بصيته الْبَاقِي ليَوْم الْعرض)
(أَقَامَ كل بفنا الْبَيْت الْعَتِيق ... وأملوه من ورا الْفَج العميق)
(ونال كل مِنْهُ مَا قد أمله ... لما أناه قَاصِدا وَأم لَهُ)
(وَالنَّاس فِي عَيْش بعدله خصيب ... وَقد حوى بفضله كل نصيب)
(أما أولو الْعلم ففازوا بِالنعَم ... ونشروا على رُؤْسهمْ علم)
(وتوجوا لَدَيْهِ بالوقار ... فَمَا رَآهُمْ قطّ باحتقار)
(لَا سِيمَا من مِنْهُم ينتسب ... إِلَيْهِ بالإخلاص وَهُوَ السَّبَب)
(ويخدم الخزانة المعمورة ... بِكُل آيَة لَهُ مسطورة)
(من كل تأليف عَظِيم المنقبة ... بِهِ اسْتحق نيل تِلْكَ الْمرتبَة)
(وهم لعمري فرقة كَبِيرَة ... وَمِنْهُم نالهم هذي السِّيرَة)
(فَإِنَّهُ فِي كل عَام شمسى ... يبدع تأليفا بديع الْأنس)
(الأصداف ... أسسها فِي ذرْوَة الْأَوْصَاف)
(كذاعبون لمسائل حوى ... من الْعُلُوم أَرْبَعِينَ بالسوا)
(وَشَرحه القصيدة الْمَقْصُورَة ... لِابْنِ دُرَيْد نِسْبَة شهيرة)
(وَشَرحه أَيْضا لحسن السِّيرَة ... بِمَالِه من حسن السريره)
(وغيرذا من غرر القصائد ... وكل نثرزينة الفرائد)
أَشَارَ إِلَى احتفاله بِالْعلمِ وَأَهله حَتَّى ألفوا لَهُ التصانيف اللطيفة
стр. 505
(وَكم بِشعر فائق النّظم امتدح ... من كل قطر أمّ قصدا وامتنح)
(وكل هَذَا خدمَة للسَّيِّد ... الْحسن الشريف عالى المحتد)
(فَهُوَ الْحقيق دَائِما أَن يخدما ... وَأَن يكون مَالِكًا للعلما)
(لبرّه اليهم وَعطفه ... عَلَيْهِم ببشره ولطفه)
(يُجِيز بِالْألف على التَّأْلِيف ... وينصف الشَّخْص على التصنيف)
(ثمَّ إِذا قدّم تأليف لَهُ ... طالعه غالبه أَو كُله)
(وَأظْهر الرَّغْبَة فِيهِ جدّا ... وبالدعا لرَبه أمدا)
(وَزَاد فِي رفعته وَقدره ... ليعلم الْعَالم شَأْن فخره)
(قصد التَّرْغِيب الورى فِي الْعلم ... مشحذاً لفكرهم والفهم)
(وكل ذَا ابْتِغَاء وَجه الله ... من غير مَا شكّ وَلَا اشْتِبَاه)
(فَمن هُنَا تبادر النَّاس إِلَى ... درس الْعُلُوم بعد درس وبلى)
(فأنتجت مَكَّة بعد العقم ... أفاضلاً شَتَّى كأبنا أمّ)
(ملتحمين فِي الْعُلُوم وَالْأَدب ... كلحمة فِي سَبَب أَو فِي نسب)
(نالوا علو مَا جمة مرتبه ... علوا بهَا على الشُّيُوخ مرتبه)
(مَا ذَاك إِلَّا حَيْثُ كَانَ السَّيِّد ... ملتفتاً لما بنوا وشيدوا)
(وَلم يضع صنيعهم لَهُ سدى ... لَا زَالَ متصفاً بِحَق أيدا)
أَشَارَ إِلَى أَن الأفاضل كَانَت تتقرب إِلَى خدمته وَمِنْهُم الْعَلامَة خضر بن عَطاء الله الْموصِلِي ألف لَهُ الْإِسْعَاف فِي شرح شَوَاهِد القَاضِي والكشاف وَمِنْهُم النَّاظِم خدمَة بكتب مِنْهَا شرح القصيدة الدريدية وَأَجَازَهُ عَلَيْهَا بِأَلف دِينَار وَاتفقَ أَنه حكم تَارِيخه قَوْله
(أرخني مُؤَلَّفِي ... بِبَيْت شعر مَا ذهب)
(أَحْمد جود ماجد ... أجازني ألف ذهب)
فَلَمَّا قَرَأَ الْبَيْتَيْنِ قَالَ لَهُ وَالله إِن هَذَا لنزر جدا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا التَّأْلِيف وَلَكِن حَيْثُ وَقع الِاقْتِصَار عيله فعلى الرَّأْس وَالْعين وَأَعْطَاهُ ذَلِك
(وَمَا أرى ذَا الْأَمر إِلَّا أثرا ... لطالع السَّيِّد حَيْثُ أثرا)
(فِي أهل عصره السعيد الأبدي ... فَإِنَّهُ آلَة فعل الْأَحَد)
(وَلَيْسَ بدعا فَلهَذَا السَّيِّد ... طالع سعد فالق للجلمد)
(فَمَا رَأَيْنَاهُ أناب أحدا ... إِلَّا وَكَانَ كَامِلا مسدّدا)
стр. 506
(يَنْمُو كَمَا تنمو الثِّمَار بالعلل ... وَلم يزل دهراً مُجَانب الْعِلَل)
(ويرزق الْقبُول والمحبة ... فَكل من خالطه أحبه)
(وَلم يكن يبغض شخصا إِلَّا ... كَانَ لَدَى الْأَنَام رذلاً نذلا)
(يذبل دهراً ثمَّ يضمحل ... وَعِنْدنَا لكل قسم مثل)
(وَحِكْمَة التَّأْثِير عِنْد الْعَالم ... إِن المليك مثل قلب الْعَالم)
(فَلم يزل مؤثراً للبسط ... وَالْقَبْض شبه آلَة للرّبط)
يَنْبَغِي أَن يعلم أَن مَا تقدم من صَلَاح الزَّمَان وَأَهله فَهُوَ طالعه قَالَ الأبوصيري رَحمَه الله تَعَالَى
(وَإِذا سخر الْإِلَه أُنَاسًا ... لسَعِيد فَإِنَّهُم سعداء)
والمثل مَشْهُور فلأجل عين ألف عين تكرم وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى خطابا للنَّبِي
﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ وَقد اتّفق الْعُقَلَاء من أهل التنجيم أَن للطالع تَأْثِيرا وكل ذَلِك بِمَنْزِلَة الشَّرْط والآلة وَإِلَّا فالتصرف للْفَاعِل الْمُخْتَار لَا لَهُ وَقد منحه الله بِأَنَّهُ مَا توجه لأحد بِالرِّضَا إِلَّا ونما فَمن ذَلِك الْمولى خضر بن عَطاء الله الْمَذْكُور فَإِنَّهُ ورد إِلَى الديار المكية بِحَالَة من الْفقر لَا تذكر فَحل عَلَيْهِ نظره فتقلب فِي النعم إِلَى أَن جنت يَده عَلَيْهِ ورمت بسهام الْغدر إِلَيْهِ وَورد من الْبَصْرَة رجل من أهل الْعلم يُسمى نجم الدّين حصلت لَهُ عِنْده حظوة فنال مِنْهُ خيرا عَظِيما حَتَّى وَقعت مِنْهُ زلَّة قدم ردته إِلَى الحضيض وَكَذَلِكَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن ظهيرة فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَايَة من الإجلال وَنِهَايَة من الرِّعَايَة حَتَّى تجرأ بِسوء أدبه فعامله بمتعلقات السحر فِي نَفسه الجليلة وَأثر ذَلِك عِنْده مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى أطلعه الله ببركة طالعه على هَذَا الْعَمَل فتفحص عَنهُ وَسَأَلَ فَوقف على أَنه الصَّانِع لذَلِك فأدبه بِالضَّرْبِ ثمَّ تَركه وحاله ونبذه ظهريا إِذْ كَانَ بعواقب الْأُمُور غبيا وَبِهَذَا الْقدر يَكْتَفِي اللبيب الْعَاقِل وَلَا بدع فِيمَا ذكر فالملك ظلّ الله على عباده وَقد حكى أَن بعض الْمُلُوك توجه بِجمع قَلِيل على بعض الْبُغَاة وهم طَائِفَة كَبِيرَة فذرأوه وَأَسْلمُوا لَهُ الْبَلَد وَلم يقاتله مِنْهُم أحد فَقيل لَهُم فِي ذَلِك فَقَالُوا رَأينَا بَين يَدَيْهِ شَخْصَيْنِ امتلأنا مِنْهُمَا رعْبًا فَسئلَ بعض الْأَوْلِيَاء عَن ذَلِك فَقَالَ هَذَانِ الْخضر والقطب مَا زَالا يؤيدان كل ملك يقيمه الله ويختاره على عباده وناهيك أَن قلب الْملك بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن يقلبه كَيفَ يَشَاء وَهُوَ بِمَنْزِلَة الْقلب للْعَالم فبسطه يسري إِلَيْهِم وَقَبضه ينشر عَلَيْهِم
(هَذَا وَمَا عَادَاهُ قطّ أحد ... إِلَّا وخاب خيبة لَا تجحد)
стр. 507
(فكم نوى جَانِبه بالأسوا ... جمَاعَة فامتحنوا بالبلوى)
(وهلكوا فِي مُدَّة يسيرَة ... فليعتبر ذَا من لَهُ بَصِيرَة)
(وَعنهُ كَانَ كل من وَالَاهُ ... وكف عَنهُ كل من عَادَاهُ)
(فقد جرى لجدّه النبيّ ... هَذَا الولا وأبه عليّ)
وَمن كَمَال سعده أَنه مَا عَاده أحد إِلَّا وَعَاد بالخيبة وقبح الأوبة وَلَا نَوَاه أحد بِسوء إِلَّا ودارت عَلَيْهِ دائرته فَمن ذَلِك أَن الْوَزير الْأَعْظَم مصطفى باشا قَصده بالأذى وجهز العساكر الرومية إِلَى مَكَّة وصمم على إِيذَاء هَذِه الذُّرِّيَّة فَمَا زَالَ كل من فِي قلبه ذرة إِسْلَام يثبطه عَن هَذَا الْعَزْم فَلم يجد فِيهِ نفعا فَاجْتمع جمَاعَة من أهل الْخَيْر وقرؤوا الْفَاتِحَة وَقَالُوا إِن هَؤُلَاءِ أَوْلَاد النَّبِي
فنسأل الله بِحرْمَة جدهم وحرمتهم أَن يرينا فِي الْوَزير مَا يكون بِهِ عِبْرَة لمن اعْتبر فَمَا فارقوا مجلسهم إِلَّا وجاءهم خبر أَنه أُصِيب بالقولنج وَمَات لوقته فأوصلوا الْخَبَر للسُّلْطَان وقصوا عَلَيْهِ الْقِصَّة فَرجع عَن ذَلِك واستغفر الله وَمن ذَلِك أَن الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن المرشدي قصد السّفر إِلَى الْيمن فاستأذنه فَلم يَأْذَن لَهُ فَكَانَ مَنعه لَهُ عَن السّفر عين الْمصلحَة والنجاح فَإِن الْأَمر بعد ذَلِك أَسْفر عَن تغير قطر الْيمن وَانْقِطَاع سبله وَكَثْرَة الْخَوْف فِي طرقه بِمُوجب بعض الْفِتَن فَإِنَّهُ قَامَ ثمَّة قَائِم من أهل الْبَيْت يُسمى بالقاسم وَادّعى الْإِمَامَة وَظهر شَأْنه وقويت فِي الْجبَال دون تهَامَة شوكته وَالنَّاس إِذْ ذَاك فِي أَمر مريج وَقد عزم جمَاعَة إِلَى تِلْكَ الديار فعادوا مبادرين للفرار وَأَرَادَ الله للمذكور الرَّاحَة حَيْثُ اسْتَقر بِمَكَّة
(من أَنه ابْن مستجاب الدعْوَة ... وَمَا لَهُ فِي عمره من صبوة)
(وَكَيف لَا وَقد حمى الْبَيْت الْحَرَام ... بِنَفسِهِ خمْسا وَأَرْبَعين عَام)
(مؤيدا شرائع الْإِسْلَام ... مشيداً شَعَائِر الْإِحْرَام)
(مَعَ أَنه فِي زمن أيّ زمن ... مَظَنَّة لكل قَول وَفتن)
(وَقد حكى بعض الورى عَن السّلف ... وَذَاكَ مَحْفُوظ لَهُم عَن الْخلف)
(إنّ ولي مَكَّة يصير فِي ... مرتبَة القطب يَقِينا فاعرفِ)
(فأظهر الصّلاح فِي الرعايا ... وَفِي مُلُوك الدول البقايا)
قد اشْتهر عَنهُ أَنه مجاب الدعْوَة مِنْهَا أَنه كَانَ فِي عَام أَربع بعد الْألف فِي مَحل يُقَال لَهُ غَدِير وشحا فَأصَاب النَّاس غَايَة التَّعَب من الظما فورد إِلَيْهِ رعاء إبِله وتفاوضوا
стр. 508
مَعَه فِي وُرُودهَا وَمن أَي مَحل ترد فعددت أَمَاكِن بعيدَة عَن منزلهم هَذَا فَمَا ارتضى ذَلِك وَتوجه إِلَى الله تَعَالَى قَائِلا اللَّهُمَّ اسقها فَمَا كَانَ بَينه وَبَين السقيا إِلَّا ليلتهم تِلْكَ فانهلت عَلَيْهِم السَّمَاء كأفواه الْقرب ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى إِن الْإِبِل صدرت منتهلة من مباركها واستمروا مُدَّة لَا يردون إِلَّا من مآثر دَعوته الْمُبَارَكَة وَمِنْهَا أَن النَّاس أرجفوا فِي سنة ثَلَاث وَألف بوصول عَزِيز أَحْمد باشا إِلَى مَكَّة فِي عدَّة من العساكر وَكَذَلِكَ وَزِير الْيمن حسن باشا فانزعجت لذَلِك الرّعية إِذْ صَحَّ عزمها لجِهَة مَكَّة فَتوجه بخاطره إِلَى الله تَعَالَى فصرف أُولَئِكَ عَن الْعَزْم وأشغلهم بِمَوْت السُّلْطَان مُرَاد بن سليم رَحمَه الله تَعَالَى
(وَقد حبى بِصَالح الذُّرِّيَّة ... ممتعاً بعيشة مرضية)
(أما البنون فهم عشرُون مَعَ ... أَرْبَعَة فخذهم مِمَّن جمع)
(لَاقَى الْإِلَه مِنْهُم ثَمَانِيَة ... إِذْ علمُوا الدُّنْيَا يَقِينا فانيه)
(من بعد أَن قد كملوا وسادوا ... وللمعالي أسسوا وشادوا)
(ثمَّ الْبَنَات وَبَنُو الْأَوْلَاد ... كثرتهم تنمو على التعداد)
(كَذَا الْأَقَارِب الَّذين وصلوا ... إِلَيْهِ أدلاهم جدود أول)
تقدم ذكر أَوْلَاده وَقد مَاتَ قبله مِنْهُم ثَمَانِيَة أَبُو الْقَاسِم وَالْحُسَيْن ومسعود وباز وَعقيل وهزاع وَعبد الْعَزِيز وَأَبُو طَالب
(إِن ركبُوا فِي موكب فَإِنَّهُم ... كواكب الجوزاء وَهُوَ بدرهم)
(لَا سِيمَا إِذْ يلبس التشريفا ... ثوبا سينياً فاخراً شريفا)
(يَأْتِيهِ من سلطنة الرّوم الْعِظَام ... فِي غَايَة من الْبَهَاء والنظام)
(مَا نَالَ من أسلافه مَا ناله ... من التشاريف ذَوي الْجَلالَة)
(فَإِنَّهُ قَارن فِي ذِي المدّة ... من الْمُلُوك الأكرمين عدّه)
(مِنْهُم سُلَيْمَان مليك الرّوم ... ثمَّ سليم صَاحب التكريم)
(ثمَّ مُرَاد ثمَّ ملك الْعَصْر ... مُحَمَّد لَا زَالَ رب النَّصْر)
(وَهُوَ لعمري قمن جدير ... بِكُل مَا قد صرح المنشور)
(فَمَا سمعناه مثل نشره الْأمان ... قاطبة وَلَا فِي سَابق الزَّمَان)
(وَمن رأى تَارِيخ مَكَّة أقرّ ... بِذَاكَ فَهِيَ الْآن أولى مستقرّ)
(يعين من يُقيم بِالْإِحْسَانِ ... فضلا بِلَا منّ وَلَا تواني)
(مَا أحد من الْمُلُوك صنعا ... صَنِيعه فَإِنَّهُ تبرّعا)
стр. 509
(بِمَال بَيت المَال تقريراً لمن ... يحْتَاج طبق مَا مضى من الزَّمن)
(ومنذ دهر لم يقم ذَا الْوَاجِب ... وَلم يكن لبيت مَال راتب)
(حَتَّى أَتَى الله بمولانا الامام ... غيث بنى الآمال بل غوث الْأَنَام)
(فرتب المَال لذِي الْحَاجَات ... والعلما وخالصي النيات)
(منزهاً لنَفسِهِ عَن مَالهم ... وموصلاً لَهُم إِلَى آمالهم)
(أكْرم بهَا منقبة عظيمه ... ورتبة فاخرة فخيمه)
(مَا أحد يقْصد فِي أَرض الْحجاز ... حَقِيقَة سواهُ من غير مجَاز)
(لَهُ الكرامات الَّتِي لَا تحصر ... وَالْكَرم الَّذِي دهوراً يذكر)
(وَمَا غزا الأوفاز بالظفر ... وافتتح الْبلدَانِ فتحا اسْتمرّ)
(لَهُ مغاز فِي الْأَنَام عده ... حكى بهَا فِيهَا أبه وجده)
(أما سراياه فزادت كثره ... وَكلهَا مقرونة بالنصره)
(وَلم يكن مؤمراً فِيهَا سوى ... أَوْلَاده الْكِرَام أَرْبَاب اللوى)
(وَقل مَا أَمر غَيرهم على ... بعوثه وَالْكل مِنْهُم ذُو علا)
(وَحَاصِل الْأَمر بِأَن النصرا ... خادمه دهراً طَويلا عمرا)
(لم يتَّفق وربنا المشكور ... لَهُ إنكسار بل هُوَ الْمَنْصُور)
(كَأَنَّمَا ملائك الرَّحْمَن ... جُنُوده فِي سَائِر الْأَزْمَان)
(وَلَيْسَ بدعافهم فِي بدر ... كَانُوا جنود جده الْأَغَر)
سراياه كَثِيرَة شهيرة لم يُؤمر فِيهَا إِلَّا أَوْلَاده النجباء وَمِمَّنْ بَعثه مِنْهُم وَلَده الْحُسَيْن وَمِنْهُم أَبُو طَالب فقد أرْسلهُ غَيره مرّة وَمِنْهُم مَسْعُود عقيل وَمِنْهُم عقيل وَمِنْهُم عبد الْمطلب وَمِنْهُم عبد الله فَكَانَ بعزمه إصْلَاح جِهَات الْيمن
(فاق الْمُلُوك بالنهى والحدس ... كَمَا بِهِ يشْهد عدل الْحس)
(وَكم لَهُ قَضِيَّة شهيرة ... بَين الورى كَالشَّمْسِ فِي الظهيرة)
قد فاق الْمُلُوك بمزيد الفطنة وَله فِي ذَلِك قضايا مَشْهُورَة مِنْهَا أَنه اخْتصم عِنْده رجلَانِ مصري ويماني فِي جَارِيَة فَادّعى كل مِنْهُمَا أَنَّهَا لَهُ وَأقَام بذلك بَيته فأجال فكرته الوقادة وَطلب قَلِيلا من الْحبّ وَقَالَ لَهَا مَا اسْم هَذَا فِي بِلَاد كم فَقَالَت بر فَحكم بهَا لليمني فَظهر بعد ذَلِك أَنَّهَا ملكه وَمن ذَلِك أَنه اخْتصم لَدَيْهِ رجلَانِ شَامي ومصري فِي جمل وَادّعى كل مِنْهُمَا أَنه لَهُ وَأقَام بذلك حجَّة ثمَّ قَالَ لَهما أَنِّي سأحكم بِحكم فَإِن
стр. 510
ظهر لي أَن الْحق بيد أحد كَمَا غرمت الآخر ثمن الْجمل فَأمر بِذبح الْجمل فذبح وَأمر باستخراج مخه فاستخرج فَتَأَمّله وَقضى بالجمل للشامي وَأمر الْمصْرِيّ بِتَسْلِيم الْقيمَة فَقيل لَهُ فِي ذَلِك رَأَيْت مخه منعقدا فاستدليت بذلك فَإِن أهل الشَّام يعلفون دوابهم الكرسنة وَهِي تعقد المخ وَأهل مصر يعلفون الفول وَهُوَ يعْقد الشَّحْم دون المخ فَظهر بعد ذَلِك أَن الْحق كَمَا قَالَ وَمن ذَلِك أَن شخصا دفن مَالا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ شخص يرقبه فَلَمَّا قصد لنفر مِنْهَا إِلَى منى وجد المَال قد حفر عَنهُ وَأخذ وَلم يظفر بأثر من آثَار الْغَرِيم إِلَّا بعصا ملقاة فَأَخذهَا وَرفع شكواه إِلَيْهِ وَذكر لَهُ الْقِصَّة فَسَأَلَهُ هَل وجد من أثر فَقَالَ نعم وجدت عَصا ملقاة فطلبها مِنْهُ فأحضرها ثمَّ تأملها فَأمر بإحضار جمَاعَة مخصوصين من الْعَرَب فَحَضَرُوا فأشرفهم على الْعَصَا وسألهم هَل يعْرفُونَ صَاحبهَا فَقَالُوا نعم هِيَ عَصا فلَان فَأحْضرهُ وَسَأَلَهُ فَأنْكر فَشدد عَلَيْهِ فَأقر بِالْمَالِ وَمن ذَلِك أَن شخصا من سَادَات الْيمن وصل إِلَى مَكَّة بِجَارِيَة حسنا مِنْهَا نَحْو الْعشْر سنوات فتعصب عَلَيْهِ طَائِفَة نم الجبرت وَادّعى بَعضهم أَنَّهَا حرَّة الأَصْل وَأَنَّهَا بنت فلَان وَشهد مِنْهُم شاهدات من طلبة الْعلم بذلك واستخلصوها من يَد ذَلِك السَّيِّد قهرا فَرفع الْقَضِيَّة لَهُ فَطلب الشَّاهِدين وَأخذ يستدرجهما بمدحهما وأنهما من مشاهير من جاور بِمَكَّة من مُدَّة طَوِيلَة وَأَن شَهَادَتهمَا مَقْبُولَة ثمَّ سَأَلَهُمَا عَن الشَّهَادَة فأدياها كَمَا سبق وَأَنَّهَا بنت فلَان الجبرتي ولدت بِبَلَدِهِ وَنحن بهَا قبل وصولنا إِلَى مَكَّة فَقبل شَهَادَتهمَا ثمَّ سَأَلَهُمَا عَن مُدَّة أقامتهما بِمَكَّة وَهل خرجا بعد دخولهما فَذكر أَن الْمدَّة تنوف على ثَلَاثِينَ سنة وأنهما مَا خرجا مِنْهَا إِلَى بلدهما بعد أَن دخلا فشاغلهما بالْكلَام سَاعَة ثمَّ سَأَلَهُمَا عَن سنّ الْجَارِيَة فَقَالَا لَهُ نَحْو عشر سِنِين فَأخذ يسبهما وَيتَكَلَّم عَلَيْهِمَا حَيْثُ شهد بولادتها وهما ببلدها وَقصد اتلافهما وَأعَاد الْجَارِيَة إِلَى سَيِّدهَا وَكَانَت هَذِه الْحُكُومَة مِنْهُ حِكْمَة بَالِغَة فَإِنَّهُ قَصم بهَا طَائِفَة الجبرت عَن مثل ذَلِك فَإِنَّهُم سلكوا هَذَا المسلك مُدَّة واستخلصوا بِهِ أرقاء النَّاس من أَيْديهم
(هَذَا ومولانا رفيع الْعلم ... مِمَّن حظى بِسَيْفِهِ والقلم)
(فَإِنَّهُ إِن بالمداد رقا ... فَكل مَا أبداه كَانَ حكما)
(لَهُ الْكَلَام الْجَامِع الْمُهَذّب ... فِي فهمه لكل شخص مَذْهَب)
(وَكم لَهُ من حسن المحاضرة ... مَا فَاتَ الْعَرَب بِهِ والحاضرة)
стр. 511
(قد ذقت من حَدِيثه حُلْو السمر ... كم لَيْلَة لذبها طول السهر)
(فلفظه الدَّار إِذا مَا نثرا ... على بِسَاط السّمع من غير مرا)
(كَأَنَّهُ من نفس النُّبُوَّة ... أجل لما فِيهِ من النُّبُوَّة)
(فطالما أوقرت مِنْهُ سمعا ... قد جمع الْحِكْمَة فِيهِ جمعا)
(وكل مَا فِيهِ أَنا من نعم ... فَأَنَّهُ آثَار تِلْكَ الحكم)
(فَالله يبقيها وَيبقى مددى ... مِنْهَا ويغنيني بهذ السيدا)
(دهرا طَويلا سالما من الْغَيْر ... وَلنْ يشوب صَفوه شوب الكدر)
(ممتعاله خُصُوصا بِالْقَوِيّ ... وناشرا لنصره ذَاك اللوا)
(وكافينه كل مَا أهمه ... من عين كل حَاسِد ملمه)
(يبيد بِالْقُدْرَةِ من عَادَاهُ ... بطالع السعد الَّذِي حواه)
(وَمن تولى نَصره الله فَمن ... يَخْذُلهُ وَذَاكَ مَوْلَانَا الْحسن)
(وَإِلَى عَلَيْهِ رَبنَا مكارمه ... مَوْصُولَة مِنْهُ بِحسن الخاتمة)
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس لثلاث خلت من جُمَادَى الْآخِرَة سنة عشرَة بعد الْألف فِي مَكَان يُقَال لَهُ الرفاعية بعد أَن توعك نَحْو يَوْمَيْنِ وَحمل إِلَى مَكَّة على محفة البغال وجهز فِي ليلته وَصلى عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فِي محفل جمع من الْعلمَاء والأشراف والعامة وَدفن بالمعلاة وَبني عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة وَله من الْعُمر نَحْو تسع وَسبعين سنة واستقل بعده ابْنه الشريف أَبُو طَالب كَمَا ذكرتا فِي تَرْجَمته سَابِقًا وَأول من ولي مَكَّة من أجداده الشريف قَتَادَة بن الشريف إِدْرِيس أَخذهَا من مُلُوكهَا الهواشم فِي سنة سبع أَو ثَمَان أَو تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَاسْتمرّ ملكهم إِلَى هَذَا الْحِين أدامه الله تَعَالَى وَقد جمع الإِمَام مُحَمَّد الشلي بأعلوي الْحُسَيْنِي رِسَالَة فِيمَن ملك مِنْهُم من قَتَادَة إِلَى ملك زَمَانه وَالله تَعَالَى أعلم
الشَّيْخ حسن بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم أَبَا شُعَيْب الْحَضْرَمِيّ الوَاسِطِيّ الشَّافِعِي الإِمَام الْمُؤلف الزَّاهِد العابد أَخذ عَن الشَّيْخ أبي بكر بن سَالم وَتخرج بِهِ وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين واشتغل بالعلوم الشَّرْعِيَّة حَتَّى حصل مِنْهَا طرفا صَالحا وَحج وَأخذ بالحرمين عَن غير وَاحِد مِنْهُم الشَّيْخ أَبُو بكر الشبامي أَخذ عَنهُ الْفِقْه وَغَيره وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْعُلُوم والمعارف فِي بَلَده الْوَاسِطَة من أَعمال حضر موت وَكَانَ قدوة فِي القَوْل وَالْعَمَل وَأخذ عَنهُ جمع كثير مِنْهُم الشَّيْخ زين العابدين العيدروس
стр. 512
وَأَخُوهُ شيخ وَابْن أَخِيه سقاف وسيدي مُحَمَّد بن علوي وَأَبُو بكر الشلي والدا الْجمال المؤرخ وَعبد الرَّحْمَن الْمعلم وصنف كتبا كَثِيرَة مفيدة مِنْهَا كتاب سرُور السرائر وفسحة الْأَرْوَاح وراحة الْقُلُوب وَهُوَ كتاب مُفِيد جدا وَكتاب حَقِيقَة زبدة لبن الشَّرِيعَة بحركة مخض سلوك الطَّرِيقَة وَكتاب عَافِيَة الْبَاطِن وسلامة الدّين والصدق الصَّحِيح بِنَفْي كل مين ورين وَهُوَ شرح لأبياته وأوله الْحَمد لله الَّذِي كَون الْكَوْن وقط لَا يُشبههُ كَون وقصيدة السودي الَّتِي أَولهَا
(أغريب قد مطرَت بلادك ... )
وقصيدته الَّتِي أَولهَا
(شَاهد جمال محيا غَايَة الطّلب ... )
وَكَانَ حُلْو الْعبارَة لطيف الْإِشَارَة توفّي سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بقريته الْوَاسِطَة وقبره بهَا مَعْرُوف يزار رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حسن بن أَحْمد الدِّمَشْقِي المعروق بِابْن الحجار السَّيِّد الْأَجَل من أهل الْعلم والورع وأسلافه كلهم تجار وَكَانَ هُوَ فِي مبدأ أمره يعاني التِّجَارَة وَعدل عَنْهَا إِلَى طلب الْعلم فتفقه بالشمس مُحَمَّد الميداني وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة على المنلا حسن الْكرْدِي وتصدر للتدريس بِجَامِع بني أُميَّة ثمَّ بعد مُدَّة مَال إِلَى الظُّهُور فَتوجه إِلَى آمد لعرض أَحْوَال أهل دمشق وَمَا هم عَلَيْهِ من الحيف وَالظُّلم إِلَى الْوَزير الْأَعْظَم قره مصطفى باشا لما عَاد من بَغْدَاد وَكَانَ مَعَه الشَّيْخ الْعَلامَة رَمَضَان بن عبد الْحق العكاري خطيب جَامع السنانية بِدِمَشْق وَحصل لَهُ من الْوَزير الْمَذْكُور إقبال تَامّ وَأخذ الْمدرسَة الشامية الجوانية عَن الشَّمْس مُحَمَّد بن عَليّ بن عمر الْقَارئ الْآتِي ذكره وَادّعى أَنَّهَا مَشْرُوطَة لأعْلم عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة وَأَن ابْن الْقَارئ صَار حنفيا فوجهت إِلَيْهِ وَتصرف بهَا مُدَّة ثمَّ قررت على ابْن الْقَارئ وَتوجه السَّيِّد حسن إِلَى الرّوم لأجل عرض مَادَّة الْعَوَارِض السُّلْطَانِيَّة بِدِمَشْق فَلَمَّا عرض ذَلِك على الْوَزير الْمَذْكُور آنِفا كَانَ ثَمَرَة ذَلِك أَنه عين مِنْهَا فِي كل سنة خمْسا وَعشْرين ألفا إِلَى خزينة السُّلْطَان وَلم يكن سبق ذَلِك وَأخذ مدرسة دَار الحَدِيث الأحمدية الكائنة بالمشهد الشَّرْقِي بِجَامِع بني أُميَّة عَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن تَاج الدّين الْمُقدم ذكره وَبعد مُدَّة قررت عَليّ ابْن تَاج الدّين وَبَقِي السَّيِّد حسن بِلَا مدرسة إِلَّا أَن توفّي فِي حادي عشر الْمحرم سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ الخالدية قبالة ضريح سَيِّدي الشَّيْخ أرسلان قدس الله سره وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة هَكَذَا رَأَيْته فِي بعض التَّعَالِيق فأدرجته كَمَا رَأَيْته وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 513
الْأَمِير حسن باشا بن أَحْمد بن رضوَان بن مصطفى وَتقدم ذكر أَبِيه الْغَزِّي المولد الْأَمِير الْكَبِير حَاكم غَزَّة وَكَانَ حسن السِّيرَة جواد ممدحا عَظِيم الْقدر وَكَانَ مغرما بِالنسَاء وَله فِي النِّكَاح حَظّ وافر وَجمع من الْخَطَايَا عددا كثيرا ورزق مِنْهُنَّ أَبنَاء كَثِيرَة نَحْو الْخَمْسَة وَثَمَانِينَ ولدا وينقل عَنهُ انه كَانَ إِذا حضر أحدهم لَدَيْهِ يسْأَله عَن اسْمه وَاتفقَ أَنه مَاتَ أحدهم فَلم يعرفهُ حَتَّى عرفوه لَهُ بوالدته وَقَالُوا لَهُ هَذَا ابْن فُلَانَة وَكَانَ عطاردى الطَّبْع يحسن غَالب الصَّنَائِع وجبب إِلَيْهِ الإنعزال عَن النَّاس فَكَانَ ينْفق أوقاته فِي أرغد عَيْش وأهناه وركبتة دُيُون كَثِيرَة لتبذير كَانَ فِيهِ وَعمر مَكَانا بغزة وتأنق فِيهِ جدا حَتَّى صيره أحسن منتزه فِي تِلْكَ الدائرة وَمَات وَلم يكمله وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ ممتعا فِي دُنْيَاهُ وَتُوفِّي سنة أَربع وَخمسين وَألف
حسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الأسطواني الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ رَئِيس الْكتاب بمحكمة الْبَاب وَتقدم أَبوهُ أَحْمد فِي حرف الْهمزَة وَكَانَ حسن هَذَا فَقِيها كَامِلا حسن الْحَظ وَفِيه مُرُوءَة وسخاء نَشأ وَحصل ثمَّ صَار كَاتبا بمحكمة الْبَاب ثمَّ بعد مُدَّة ولى رياستها وعلت همته ونفذت كَلمته وَكَانَ قُضَاة الْقُضَاة يعتمدون عَلَيْهِ ويفوضون إِلَيْهِ أُمُورهم وَمَا زَالَ يزْدَاد فِي الترقي حَتَّى ولي نِيَابَة الحكم بِدِمَشْق مرَّتَيْنِ وحظي من دنياة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ مَأْمُون الغائلة وَفِيه لطف طبع وَحسن سلوك وَاتفقَ أَنه زوج أبنا لَهُ وختن آخر فَبَالغ فِي الكلفة بِحَيْثُ اتّفق أهل دمشق على انه لم يتَّفق مَا فعله من التبسط وَالْمُبَالغَة فِي الضيافات لَا حد قبله وَمَات بعد ذَلِك بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَذَلِكَ اتّفق لوالده أَنه مَاتَ بعد ضِيَافَة عرس ابْنه حسن الْمَذْكُور بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَهَذَا من الإتفاق العجيب وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْخَمِيس ثَالِث عشرى جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحْمَة الله تَعَالَى
الْحسن بن أَحْمد اليمني الْمَعْرُوف بالحيمي تَرْجَمَة الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله فِي مَجْمُوع لَهُ فَقَالَ فِي حَقه فائق أقرانه وسابق ميدانه وَأحد الْأَعْيَان الأفاضل الَّذين بداسنا الأقبال فِي سِيمَاهُمْ وأعرب مُبْتَدأ عمرهم عَن منتهاهم وَمِمَّنْ غَدا نجم سعادته سَابِقًا لائحا وَرَاح مسك شذاه عابقا فائحا كَانَ كَمَا أحبر بِهِ تِلْمِيذه الْعَلامَة صَالح بن الْمُهْتَدي المقيلي أما مَا فِي الْفِقْه مشاركاً فِيهِ مُشَاركَة تَامَّة وَكَانَ كَذَلِك فِي غَيره من الْعُلُوم صَاحب تَدْبِير ورياسة وَمَعْرِفَة فِي الْأُمُور المهمة مُعظما عِنْد
стр. 514
الدولة مشارا إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ أرْسلهُ الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم رَسُولا إِلَى الْحَبَشَة فِي أغراض مهمة قضيت بنظرة على أحسن حَال وَألف رِسَالَة فِي الْحَبَشَة لَطِيفَة وَهُوَ وَالِد القَاضِي مُحَمَّد وَيحيى الآتى ذكرهمَا وَله شعر حسن مِنْهُ قَوْله
(فؤاد على هجر الْأَحِبَّة لَا يقوى ... وَكَيف وَربع العامرية قد أقوى)
(وصبروا وَلَكِن غاله الهجر والنوى ... فَلَا نفع للمهجور وَفِيه وَلَا جدوى)
(ولكنني قد ذبت فِي الْوَصْل بالرجا وَكم ذِي لبانات تمتّع بالرجوى ... )
(فيايها الْخلّ الَّذِي أَنا صبه ... عَلَيْك بآداب الحَدِيث الَّذِي يرْوى)
(ومنّ علينا بالترسل أنني ... رَأَيْت حَدِيث المنّ أحلى من السلوى)
وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد حسن بن أَحْمد الْجلَال اليمني الإِمَام الْعَلامَة الَّذِي بهر بتحقيقه واعترف الْفُضَلَاء بتدقيقه لَهُ المؤلفات الشهيرة والمحاسن السائرة المنيرة وَمن مصنفاته تَكْمِلَة الْكَشْف على الْكَشَّاف وَشرح على التَّهْذِيب والشمسية فِي الْمنطق وَشرح على الْفُصُول فِي الْأُصُول للسَّيِّد إِبْرَاهِيم بن الْوَزير وَشرح على الكافية فِي النَّحْو وَشرح على مُنْتَهى الشؤل لِابْنِ الْحَاجِب وَله مُخْتَصر فِي علم الْأُصُول شَرحه شرحا يدل على فَضله وَاخْتَارَ إختيارات مُخَالفَة لعلماء الْأُصُول وَله بديعية وَشَرحهَا شرحاً لطيفاً وَله شعر طيب النَّفس فِي فنون كَثِيرَة وَمن شعره قصيدته البائية وَله عَلَيْهَا شرح مُبين لمقاصدها وأولها
(الْعلم علم مُحَمَّد وصحابه ... يَا هائماً بقياسه وَكتابه)
(ولآله مِنْهُ الْخُلَاصَة كلهَا ... إِرْثا تنوسخ عَن هدى أصلابه)
(علمُوا بمحكم كل آي كِتَابهمْ ... فجنوا بِهِ الْإِيمَان بالمتشابه)
(مَا ضرّهم وَالْعلم كل فنونه ... لله غنيتهم بآمنا بِهِ)
(بلغ الْوُقُوف على طَرِيقَته بهم ... عين الْيَقِين فأسكروا بشرابه)
(وَرَأَوا حَقِيقَة أَمر آمُرهُم بِهِ ... فتجاهلوا ذلاً لعز جنابه)
(وتجنبوا فِي الدّين دَاء جدالهم ... حذرا لما علموه من أوصابه)
(وتبادر والأعمال حِين تيقنوا ... أَن النفيس أهم مَا يعْنى بِهِ)
(إِن أبهم الْقُرْآن حكما أبهموا ... حذر ابتداعٍ خوّفوا بعقابه)
(وبقوا على حكم الْأُصُول لفقده ... وكذاك مَا يجْرِي على آدابه)
стр. 515
(قد كَانَ لَا أَدْرِي لَهُم فِي علمهمْ ... ثُلثَيْهِ أَو كَانَت عَمُود نصابه)
(بل آثروا حب الْكتاب لَهُم على ... ترك السُّؤَال تخوّفاً مِمَّا بِهِ)
(فالمرء يلْزم غير حكم نَفسه ... فَيكون حكما لاصقاً بثيابه)
(قد أبدع الرهبان رَهْبَانِيَّة ... باؤوا بشؤم بديعها ومصابه)
(وَأَبُو حنيفَة إِذْ رأى الْإِيجَاب فِي ... نفل فباشر من هُنَا أفتى بِهِ)
(تالله مَا عجزوا وَلَا من دونهم ... أَن يكتبوا إِلَّا لكتب خطابه)
(أَو يدعوا نقض النُّصُوص ليحبطوا ... فِي كل وسواس أَتَى بعجابه)
(فيفرّقوا دينا لأمة أحمدٍ ... كمذاهبٍ أشفت على إذهابه)
وَمِنْهَا
(وَعَن الحَدِيث نهى الْعَتِيق وَحمله ... كتبا محرّمها حذار كذابه)
(وَعَن ابْن مسعودٍ مقَالَة مقسط ... وَيطول بسط القَوْل فِي أطنابه)
(بِالِاجْتِهَادِ قضوا وَلَكِن رخصَة ... لمكلف يدريه عَن أَسبَابه)
وَهِي طَوِيلَة يَقُول فِيهَا
(يَا رَاكِبًا يهوى لقبر محمدٍ ... عرّج بِهِ متمسكاً بترابه)
(واقرَ السلامَ عَلَيْهِ من صبٍّ بِهِ ... يبلغ إِلَيْهِ الْقُدس فِي محرابه)
(وَقل ابْنك الْحسن الْجلَال مجانباً ... من قد غلا فِي الدّين من تلعابه)
(لَا عَاجِزا عَن مثل أَقْوَال الورى ... أَو خَائفًا فِي علمهمْ لصعابه)
(فالمشكلات شَوَاهِد لي أنني ... أشرقت كل مدقق بلعابه)
(لَوْلَا محبَّة قدوتي بِمُحَمد ... زاحمت رسطاليس فِي أبوابه)
(يَا سيد الرُّسُل الْكِرَام دُعَاء من ... أودى بِهِ الهجران من أحبابه)
(وَلَك الشَّفَاعَة والكرامة عِنْده ... فاشفع بجاهك مَا لَهُ منجا بِهِ)
(سل لي وراثة كنز علمك فالفتى ... يَبْغِي نَفِيس الْكَنْز فِي أعقابه)
(وَقد انْفَرَدت عَن الرِّجَال ومؤنسي ... قرب إِلَيْك أَعُود حلْس جنابه)
وَله غير ذَلِك من الْآثَار المرغوبة فِي بِلَادهمْ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أَفْرَاد الْيمن وفور فضل وأدب وَكَثْرَة تأليف وتصنيف وَكَانَت وَفَاته فِي منزله بالخراف من أَعمال صنعاء سنة تسع وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ حسن بن أَحْمد الرُّومِي الْمَشْهُور بأمي سِنَان زَاده القسطنطيني الخلوتي الشَّيْخ الْبركَة المعتقد كَانَ فَرد وقته فِي المعارف الإلهية وَلأَهل الرّوم فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم
стр. 516
وَهُوَ مَحَله أَخْبرنِي بعض مر يَدَيْهِ أَنه ولد بقسطنطينية وَنَشَأ لَا يَأْكُل إِلَّا من كسب يَمِينه وَكَانَ يصنع الصابون المطيب ويبيعه ويتقوت بِثمنِهِ وَلم يتَّفق لَهُ أَنه تغوط خَارج دَاره وَلم ينم مُدَّة عمره إِلَّا هنيئة بَين صَلَاتي الْإِشْرَاق والضخى ويحكى أَن والدته كَانَت تَقول لم أرضعه إِلَّا على طَهَارَة كَامِلَة وَظَهَرت لَهُ خوارق ومكاشفات مِنْهَا أَن شخصا يعرف بشيخ زَاده وَكَانَ حسن الصَّوْت جدا عَارِفًا بالموسيقى والأغاني والضروب وَالنَّاس يتهافتون على سَماع صَوته وأغانيه فَأَرَادَ أَخذ الطَّرِيق عَن الشَّيْخ صَاحب التَّرْجَمَة فَشرط عَلَيْهِ أَن يَدْعُو الله بِأَن ينْزع مِنْهُ حسن الصَّوْت حَتَّى لَا يسْتَعْمل الْغناء فاستمر خمس عشرَة سنة بعد ذَلِك الدُّعَاء لَا يخرج لَهُ صَوت ثمَّ بعد أَن بلغ رشده دَعَا الله لَهُ فَانْطَلق صَوته وَحكى لَهُ مريده الْمَذْكُور وَلَا أَشك فِي صدقه أَنه فِي ابْتِدَاء تلمذته لَهُ كَانَ تولع بِغُلَام وَأَرَادَ أَن يعْمل بِهِ الْفَاحِشَة فَلَمَّا أَرَادَ الْمُبَاشرَة رَأْي الشَّيْخ وَاقِفًا أَمَامه وَهُوَ يوبخه ويلومه فأقلع وَلم يعد بعْدهَا إِلَى شَيْء من ذَلِك وَكَانَ لَهُ حَلقَة ذكر بتكيته بمحلة كور كجي باشي بِالْقربِ من طوب قبوسي وَكَانَ قَلِيل الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ وَلما توفّي الشَّيْخ مَحْمُود الْمَعْرُوف بغفوري خَليفَة الشَّيْخ مَحْمُود الأسكدراي وَكَانَ واعظا بِجَامِع السُّلْطَان مُحَمَّد فَوجه إِلَيْهِ الْوَعْظ مَكَانَهُ واشتهر أمره بعد ذَلِك وانكبت عَلَيْهِ النَّاس ثمَّ استدعاه السُّلْطَان مُحَمَّد سُلْطَان زَمَاننَا إِلَى أدرنة ليجتمع بِهِ فَتوجه إِلَيْهِ فَلَمَّا وَقع بَصَره عَلَيْهِ طلب السُّلْطَان الرُّجُوع إِلَى قسطنطينية وَكَانَ النَّاس قد أيسوا من ذكره إِيَّاهَا فضلا عَن التَّوَجُّه إِلَيْهَا فعدد ذَلِك من كرامات الشَّيْخ صَاحب التَّرْجَمَة وشاع أَنه لما خرج من قسطنطينية تفوه بِأَنَّهُ يجلب السُّلْطَان إِلَيْهَا وَأَخْبرنِي بعض الإخوان أَنه لما توجه السُّلْطَان إِلَى أدرنة فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف كَانَ ذَلِك بوفق صدر من رجل يُقَال لَهُ صاجلوشج مُحَمَّد وَأَن أهل أدرنة كَانُوا شكوا إِلَيْهِ حَالهم وَمَا هم فِيهِ من ضنك الْمَعيشَة وصنع لَهُم وفقا لمجيء السُّلْطَان ثمَّ قَالَ حكم هَذَا الوفق يَمْتَد إِلَى ثَمَان عشرَة سنة ثمَّ يَأْتِي رجل اسْمه حسن فَيكون سَببا لأبطاله وَأقَام بأدرنة ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ اسْتَأْذن فِي الرُّجُوع وَخرج وَلما دَخَلتهَا فِي ذَلِك الْأَثْنَاء رَأَيْته وَهُوَ يعظ النَّاس فِي جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد وَكَانَ حُلْو الْعبارَة متواضعا جدا أشاخص الْبَصَر إِلَى فَوق حَتَّى لَا يرى أحدا وَكَانَ هَذَا دأبه بِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ بَقِيَّة السّلف وَكَانَت وَفَاته فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع السُّلْطَان مُحَمَّد وَكَانَت جنَازَته حافلة جدا قل أَن يَقع مثلهَا
стр. 517
وَدفن بتكمينة ونسبته لامي سِنَان من جِهَة والدته وأظن أَنه قيل لي أَنه جدها لأَبِيهَا وَكَانَ أمى سِنَان الْمَذْكُور من صُدُور ومشايخ دولة السُّلْطَان سُلَيْمَان وَقد ذكره ابْن نوعى فِي ذيل الشقائق وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر أَن لَهُ من الرسائل رِسَالَة فِي ذكر سلسلة مَشَايِخ السَّادة الخلوتية ورسالة فِي الدوران وَالسَّمَاع ذكر فِي تِلْكَ الرسَالَة أَن وَالِده حكى عَن أَبِيه الشَّيْخ الْأَجَل يَعْقُوب أَن الشيح الْأَجَل سنبل سِنَان كَانَ من أهل السماع وَكَانَ إِذا دخل إِلَى السماع فِي الْجَامِع ترْتَفع قبَّة الْجَامِع إِلَى الْهَوَاء حَتَّى يرى دوران الْمَلَائِكَة وَكَانَ فِي زَمَنه الْمولى عرب وَهُوَ من كبار عُلَمَاء الظَّاهِر فَأطَال لِسَانه فِي حَقه وَأكْثر الوقيعة بِهِ فافترق الْعلمَاء أذذاك فرْقَتَيْن لَكِن الْفرْقَة الْكَثِيرَة كَانَت فِي طرف الشَّيْخ سنبل سِنَان فَاجْتمعُوا يَوْمًا فِي جَامع السُّلْطَان مُحَمَّد ودعوا الشَّيْخ إِلَيْهِم فَحَضَرَ هُوَ واتباعه وَتقدم حَتَّى جلس فِي الْمِحْرَاب وَنظر عَن جانبيه ثمَّ قَالَ مَا أحسن جمعتكم مَا كَانَ الذاعي إِلَيْهَا فَأَجَابَهُ الْمولى صارى كرز وَكَانَ قَاضِي قسطنطينية أذذاك وَفِيه غلاظة أَن أتباعك يذكرُونَ الله بالدوران وَالسَّمَاع فَمَا دَلِيل جَوَاز ذَلِك يبنوه لنا وَإِلَّا فامتنعوا من ذَلِك فَقَالَ الشَّيْخ إِذا لم يكن الْمَرْء صَاحب اخْتِيَار مَاذَا يحكم عَلَيْهِ شرعا فَقَالَ القَاضِي أتزعم أَن هَؤُلَاءِ يسلبون الأختيار إِذا ذكرُوا فَقَالَ فيهم من هُوَ كَذَلِك فَقَالَ القَاضِي إِذا فرضناهم كَذَلِك فَمن سلب إختياره أتراه يسلب عقله أَو يجذب فَقَط فَقَالَ الشَّيْخ هَؤُلَاءِ عقلهم كَامِل فَقَالَ القَاضِي يَا الله الْعجب يسلب إختيارهم وتبعتى عُقُولهمْ هَذَا الْكَلَام من أَي مقولة هُوَ وفقال الشَّيْخ هلا أخذتك الْحمى قَالَ بلَى فَقَالَ لأي شَيْء كنت ترتعد أَتَرَى عقلك لم يكن فِي رَأسك فسلب الِاخْتِيَار لَا يُوجب زَوَال الْعقل فتفطن إِن كنت عَاقِلا فأفحم القَاضِي ثمَّ الْتفت إِلَى الْجَمَاعَة وخاطب كلاًّ بِمَا أبهته فَلم يَجدوا بعْدهَا جَوَابا وَختم الْمجْلس بقوله هَذِه أغراض نفسانية لَا مُحَصل لَهَا ثمَّ صعد الْمِنْبَر وَأبْدى فِي الْحَقَائِق أَشْيَاء تحير الأذهان وَوَقع اعْتِقَاده فِي صُدُور غَالب الْقَوْم وَأخذُوا عَنهُ الطَّرِيق فِي ذَلِك الْوَقْت وأذعنوا لَهُ وَمِمَّا يرْوى من مناقبه أَنه كَانَ وَقع بَينه وَبَين الْمولى أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ صَاحب التَّفْسِير فِي مسئلة فحنق عَلَيْهِ الْمولى أَبُو السُّعُود وَحلف أَنه إِن مَاتَ الشَّيْخ سِنَان قبله لَا يحضر للصَّلَاة عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ خفض عَلَيْك لَا يُصَلِّي عليّ إِمَامًا إِلَّا أَنْت وَلَيْسَ لَك محيد عَن ذَلِك فاتفق أَنه يَوْم موت الشَّيْخ سِنَان توفيت ابْنة السُّلْطَان سُلَيْمَان وأحضرت الْجِنَازَة فِي الْجَامِع ودعي أَبُو السُّعُود
стр. 518
للصَّلَاة عَلَيْهِمَا وَكَانَ لم يبلغهُ وَفَاة الشَّيْخ فَقدم للصَّلَاة على الجنازتين وَلما أتم الصَّلَاة سَأَلَ فَقيل لَهُ هَذَا الشَّيْخ سنبل سِنَان فَكفر عَن يَمِينه وَكَانَ بعد ذَلِك إِذا طَرَأَ ذكره يعظمه وَيذكر أَحْوَاله والنما ذكرته وَلَيْسَ على شَرط كتابي ليعلم نِسْبَة الشَّيْخ صَاحب التَّرْجَمَة وَلما فِي ذكر هَؤُلَاءِ السَّادة من الْفَائِدَة التَّامَّة رَحِمهم الله تَعَالَى
الشَّيْخ حسن بن زَاهِر الْمَقْدِسِي العاروري الْأنْصَارِيّ الشَّيْخ الصَّالح الْجواد المربي كَانَ من خِيَار النَّاس وَله صَلَاح وانعكاف على الْعِبَادَة وَلأَهل دائرته فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من عباد الله الصَّالِحين وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْخَمِيس بعد الظّهْر سادس عشر صفر سنة تسع وَسبعين وَألف وَصلى عَلَيْهِ فِي الْيَوْم الْمَذْكُور بعد الْعَصْر وَدفن بمدفنه الَّذِي عمره دَاخل جَامعه الَّذِي بناه بقرية السيلة من أَعمال اللجون وَحضر جنَازَته غَالب أهالي الْقرى الَّتِي حولهَا وَجَمَاعَة من أهل جينين والعاروري نِسْبَة إِلَى عارورا بَلْدَة بضواحي بَيت الْمُقَدّس وَسِيلَة بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة قَرْيَة من عمل اللجون وَفِي نَاحيَة نابلس سيلة أُخْرَى غير هَذِه وَالله أعلم
حسن بن زين الدّين الشَّهِيد العاملي الشهير بالشامي نزيل مصر من حَسَنَات الزَّمَان وأفراده ذكره الخفاجي فِي ريحانته وَقَالَ فِي وَصفه مَا جد صِيغ من مَعْدن السماح وابتسمت فِي جَبينه غرَّة الصَّباح إِلَى آخر مَا قَالَه وَذكر من شعر قَوْله
(مصر تفوق على الْبِلَاد بحسنها ... وبنيلها الزاهي ورقة ناسها)
(من كَانَ يُنكر فالتحكم بَيْننَا ... فِي رَوْضَة وَالْجمع فِي مقياسها)
وَهُوَ يقرب من قَول الْقَائِل
(أَن مصرا لَا طيب الأَرْض عِنْدِي ... لَيْسَ فِي حسنها البديع قِيَاس)
(فأذاقتها بِأَرْض سوااها ... كَانَ بيني وَبَيْنك المقياس)
وَذكره ابْن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي وَصفه شيخ الْمَشَايِخ الجلة وَرَئِيس الْمَذْهَب وَالْملَّة الْوَاضِح الطَّرِيق وَالسّنَن الموضح الْفُرُوض وَالسّنَن يم الْعلم الَّذِي يُفِيد وَيفِيض وخضم الْفضل الَّذِي لَا ينضب وَلَا يغيض الْمُحَقق الَّذِي لَا يراع لَهُ يراع والمدقق الَّذِي راق فَضله وراع المتفنن فِي جَمِيع الْفُنُون والمفتخر بِهِ الْآبَاء والبنون قَامَ مقَام وَالِده فِي تمهيد قَوَاعِد الشَّرَائِع وَشرح الصُّدُور بتصنيفه الرَّائِق وتأليفه الرائع فنشر للفضائل حلا مطرزة الأكمام واماط عَن مباسم أزهار الْعُلُوم لثام
стр. 519
الأكمام وشنف الإسماع بفرائد الْفَوَائِد وَعَاد على الطلاب بالصلات والعوائد وَأما الْأَدَب فَهُوَ روضه الأريض وَمَالك زِمَام السجع مِنْهُ والقريض والناظم لقلائده وعقوده والمميز عروضه من نقوده وسأثبت مِنْهُ مَا يزدهيك احسانه وتصيبك خرائده وحسانه وَمن مصنفاته كتاب منتقى الجمان فِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح والحسان وَكتاب المعالم والأثني عشرِيَّة ومنسك الْحَج وَغير ذَلِك وَمن شعره قَوْله
(طول اغترابي بفرط الشوق وأضناني ... والبين فِي غَمَرَات الوجد ألقاني)
(يَا بارقا من نواحي الْحَيّ عارضني ... إِلَيْك عني فقد هيجت أشجاني)
(فَمَا رَأَيْتُك فِي الْآفَاق مُعْتَرضًا ... أَلا وذكرتني أَهلِي وأوطاني)
(وَلَا سَمِعت شجا الورقاء نائحة ... فِي الأيك أَلا وشبت مِنْهُ نيراني)
(كم لَيْلَة من ليَالِي الْبَين بت بهَا ... أرعى النُّجُوم بطرفي وَهِي ترعاني)
(كَانَ أَيدي خطوب الدَّهْر مُنْذُ نأوا ... عَن ناظري كحلت بالسهد أجفاني)
(وَيَا نسيما سرى من حيهم سحرًا ... فِي طيه نشر ذَاك الرند والبان)
(أَحييت مَيتا بِأَرْض الشَّام مهجته ... وَفِي الْعرَاق لَهُ تخييل جثمان)
(وَكم حييت وَكم قدمت من شجن ... مَا ذَاك أول إحْيَاء وَلَا الثَّانِي)
(شابت نواصي من وجدي فوا أسفي ... على الشَّبَاب فشيبي قبل أباني)
(يالائمى كم بِهَذَا اللوم تزعجني ... ) دَعْنِي فلومك قد وَالله أغراني ...
(لَا يسكن الوجد مَا دَامَ الشَّبَاب وَلَا ... تصفو المشارب لي إِلَّا بلبنان)
(فِي ربع أنسى الَّذِي حل الشَّبَاب بِهِ ... تما ئمى وَبِه صحبي وخلاني)
(كم قد عهِدت بهاتيك الْمعَاهد من ... أَخَوان صدق لعمري أَي إخْوَان)
(وَكم تقضت لنا بالحي آونة ... على المسرة فِي كرم وبستان)
(لم أدر حَال النَّوَى حَتَّى علقت بِهِ ... فغمرتني من وقوعي قبل عرفاني)
(حتام دهري على ذَا الْهون تمسكني ... هلا جنحت لتسريح بِإِحْسَان)
(أَقْسَمت لَوْلَا رَجَاء الْقرب يسعفني ... فَكلما مت بالأشواق أحياني)
(لكدت أَقْْضِي بهَا نحبي وَلَا عجب ... كم اهلك الوجد من شيب وشبان)
(يَا جيرة الْحَيّ قلبِي بعد بعد كم ... فِي حيرة بَين أوصاب وأحزان)
(يمْضِي الزَّمَان عَلَيْهِ وَهُوَ مُلْتَزم ... بحبكم لم يدنسه بسلوان)
(بَاقٍ على الْعَهْد رَاع للذمام فَمَا ... يشوب عهدكم يَوْمًا بنيسان)
стр. 520
(فَإِن براني سقامي أَو نأى رشدي ... فلاعج الشوق أوهاني وألهاني)
(وَإِن بَكت مقلتي بعد الْفِرَاق دَمًا ... فَمن تذكركم يَا خير جيران)
وَقَوله وَهِي من محَاسِن شعره
(فُؤَادِي ذِي ظاعن أثر النياق ... وجسمي قاطن أَرض الْعرَاق)
(وَمن عجب الزَّمَان حَيَاة شخص ... ترحل بعضه وَالْبَعْض بَاقِي)
(وَحل السقم فِي بدني وَأمسى ... لَهُ ليل النَّوَى ليل المحاق)
(وصبري راحل عَمَّا قَلِيل ... لشدَّة لوعتي ولظى اشتياقي)
(وفرط الشوق أصبح بِي خليعا ... وَلما يتوفى فِي الدُّنْيَا فراقي)
(وتعبث ناره فِي الرّوح حينا ... فيوشك أَن تبلغها التراقي)
(وأظماني النَّوَى وأراق دمعي ... فَلَا أروى وَلَا دمعي براقي)
(وقيدني على حَال شَدِيد فَمَا حرز الرقي مِنْهُ براقي ... )
(أَبى الله الْمُهَيْمِن أَن تراني ... عُيُون الْخلق محلول الوثاق)
(أَبيت مدى الزَّمَان بِنَار وجدي ... على جمر يزِيد بِهِ احتراقي)
(وَمَا عَيْش امْرِئ فِي بَحر غم ... يضاهي كربه كرب السِّيَاق)
(يود من الزَّمَان صفاء يَوْم ... يلوذ بظله مِمَّا يلاقي)
(سقتني نائبات الدَّهْر كأسا مريرا من أَبَارِيق الْفِرَاق ... )
(وَلم يخْطر ببالي قبل هَذَا لفرط الْجَهْل إِن الدَّهْر ساقي ... )
(وفاض الكأس بعد الْبَين حَتَّى ... لعمري قد جرت مِنْهُ سواقي)
(فَلَيْسَ لداء مَا ألْقى دَوَاء ... يؤمل نَفعه إِلَّا التلاقي)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة أَربع وَخمسين وَتِسْعمِائَة تَقْرِيبًا فَإِنِّي رَأَيْت فِي تَارِيخ الشلي إِن وَالِده مَاتَ فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك اثْنَتَيْ عشرَة سنة فَيكون مولده على هَذَا فِي سنة أَربع وَخمسين كَمَا ذكرته وَتُوفِّي فِي سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف وَالله تَعَالَى أعلم
السَّيِّد حسن بن شدقم الْمدنِي الْحُسَيْنِي الْفَاضِل الأديب الْكَامِل ذكره ابْن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي حَقه وَاحِد السَّادة وأوحد الساسة وَثَانِي الوسادة فِي دست الرياسة الْقدر عَليّ والحسيني والخلق كالأسم حسن وَالنّسب حسيني جمع إِلَى شرف الْعلم وَعز الجاه ونال من خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مرتجاه
стр. 521
وَكَانَ قد دخل الديار الْهِنْدِيَّة فِي عنفوان شبابه فصدره الشّرف فِي مجْلِس أَهله وأربابه وَمَا زَالَ يورق فِي رياض الإقبال عوده حَتَّى أسفرت فِي سَمَاء الأسعاد سعوده فأملكه أحد ملوكه ابْنَته وَرفع فِي مَرَاتِب العلياء مرتبته فاجتلى عرائس آماله فِي منصات تيلها واستطلع أقمار سعده فِي نواشي لَيْلهَا واقتعد الرُّتْبَة القعا وَأصْبح وَهُوَ رَئِيس الرؤسا وَكَانَ من أحسن مَا قدر من عزمه وَدبره وحرره فِي صفحات غرسه وحبره إرْسَاله فِي كل عَام إِلَى بَلْدَة جملَة وافرة من طريف مَاله وتلده فاصفيت لَهُ بِهِ الحدائق الزاهية وشيدت لَهُ الْقُصُور الْعَالِيَة وَلما هلك الْملك أَبُو زوجه وَهوى قرحياته من أوجه انْقَلب بأَهْله إِلَى وَطنه مَسْرُورا وتقلت فِي تِلْكَ الحدائق والقصور بهجة وسرورا أَلا أَن الرياسة الَّتِي انتشى فِي تِلْكَ الرياض بكؤسها والمكانة الَّتِي تميز بعلوها بَين رئيسها ومرؤسها لم يجد عَنْهُمَا فِي وَطنه خلفا وَلم ترض أنفته أَن يرى فِي وَجه جلالته كلفا فأنثنى عاطفا عنانه وثانيه وَدخل الديار الْهِنْدِيَّة مرّة ثَانِيَة فَعَاد إِلَى أبهة عَظمته الفاخرة وَبهَا انْتقل من دَار الدُّنْيَا إِلَى دَار الْآخِرَة وَله شعر بديع فائق كَأَنَّمَا اقتطفه من أزهار تِلْكَ الحدائق فَمِنْهُ قَوْله حِين أنف من مقَامه فِي وَطنه بَين أَهله وأقوامه بِعَدَد عوده من الديار الْهِنْدِيَّة والإنتقال من ظلال عزه الندية
(وَلَيْسَ غَرِيبا من نأى عَن دياره ... إِذا كَانَ ذَا مَال وينسب للفضل)
د
(وَأَنِّي غَرِيب بَين سكان طيبَة ... وَإِن كنت ذَا مَال وَعلم وَفِي أَهلِي)
وَهُوَ من قَول البستي ﵀
(وَإِنِّي غَرِيب بَين بست وَأَهْلهَا ... وَإِن كَانَ فِيهَا جيرتي وَبهَا أَهلِي)
(وَلَيْسَ ذهَاب الرّوح يَوْمًا منية ... وَلَكِن ذهَاب الرّوح فِي عدم الشكل)
(وَمَا غربَة الْإِنْسَان فِي شقة النَّوَى ... وَلكنهَا وَالله فِي عدم الشكل)
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
(لَا بدّ للْإنْسَان من صَاحب ... يُبْدِي لَهُ الْمكنون من سربّه)
(فاصحب كريم الأَصْل ذاعفة ... تأمن وَإِن عاداك من شرّه)
وَله غَيْرك ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي شَوَّال سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف رَحْمَة الله تَعَالَى
حسن باشا بن عبد الله الْأمين الْكَبِير الْمَعْرُوف بشورة حسن أحد صُدُور دمشق وأعيانها الَّذِي كَانَ يرجع إِلَيْهِم فِي الْمُهِمَّات ويعول عَلَيْهِم فِي الْأُمُور وَكَانَ
стр. 522
كَامِل الْعقل حسن التَّدْبِير صافي المزاح وَكَانَ يعْتَمد الْعلمَاء والصلحاء ويتردد إِلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم فيكرمهم ويعظمهم وتقلبت بهَا الدُّنْيَا بَين نعيم وبؤس حَتَّى اسْتَقر فِي مركزه وَبلغ من الْعِزّ والجاه مبلغا لَيْسَ وَرَاءه غَايَة واحتوى على أَمْلَاك وعقارات كَثِيرَة وَعمر الخان الْمَعْرُوف بسوق جقمق وَوَقفه مَعَ جملَة من عقاراته على ذُريَّته وَكَانَ فِي مبدأ أمره من آحَاد جند الشَّام ثمَّ ترقى حَتَّى صَار كتخد أهم وَضرب وَاحِدًا مِنْهُم حَتَّى هلك فَقَامُوا عَلَيْهِ وَأَجْمعُوا على قَتله فخلص مِنْهُم وصولحوا بعزله فَاخْتَارَ فريقة التيمار حَتَّى صَار جاويش السُّلْطَان وسافر إِلَى قسطنطينية مرَارًا وَكَانَ إِذا سَافر إِلَيْهَا استنهضه النَّاس فِي قَضَاء مهامهم فيقضيها على أحسن وَجه ويسامح غالبهم بِمَا يذهب عَلَيْهَا من الخرج وَيَأْتِي كل نوبَة بحسنة إِلَى بعض الْمُسْتَحقّين من الْعلمَاء والصلحاء إِمَّا وَظِيفَة وَإِمَّا صَدَقَة وَكَانَ يحنو على الْأَيْتَام وحضن كثيرا مِنْهُم مِمَّن لَا ولي لَهُ ونمى أَمْوَالهم وَكَانَ منتميا إِلَى الْوَزير الْأَعْظَم سياغوش باشا فَدفع إِلَيْهِ مَالا وَأمره أَن يَبْنِي لَهُ مَسْجِدا بِدِمَشْق ويرتب فِيهِ من يقوم بشعائره فَبنى الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بالسياغوشية بِالْقربِ من دَاره بحارة القصاعين دَاخل بَاب الْجَابِيَة وَأحسن بناءها وَكَذَلِكَ فعل مَعَه الْوَزير الْأَعْظَم مُرَاد باشا فعمر لَهُ سوق المرادية بِبَاب الْبَرِيد والخان وسوق الذِّرَاع وَجعله وَقفا على الْحَرَمَيْنِ وَولى وقف البيمارستان النوري فَأَقَامَ شعائره بعد أَن كَانَت اضمحلت وَعمر أوقافه وأتى فِيهِ من حسن التنمية بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فاستدعاه الْمولى مصطفى الْمَعْرُوف بكوجك قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق لولاية البيمارستان القيمرى فَأبى حَتَّى أبرم عَلَيْهِ هُوَ وَرَئِيس الْأَطِبَّاء بِدِمَشْق الشَّيْخ شرف الدّين لاضمحلال حَاله ثمَّ قبله على شريطة أَن لَا يتَنَاوَل فِيهِ رَئِيس الْأَطِبَّاء بعض أَشْيَاء عينهَا وَلَا يخالطه من أُمُوره بسوي قبض الْقدر الْفُلَانِيّ من علوفته فَأَنَّهُ بِسَبَب تجاوزه وَتجَاوز أَمْثَاله خرب الْوَقْف فَقبل القَاضِي والرئيس شَرطه وعمره ونمى وَقفه وَولى تَوْلِيَة الْجَامِع الْأمَوِي بعد أَن كَانَ وَقفه يذهب فبذل جهده فِي ضَبطه وتنميته وَقد تقدم طرف من خبر تَوليته فِي تَرْجَمَة إِسْمَاعِيل بن عبد الْوَهَّاب العجمي فَارْجِع إِلَيْهِ هُنَاكَ وَعمر حمام البزورية وقف دَار الحَدِيث النورية بِأَمْر الْوَزير أَحْمد باشا الْحَافِظ وَصرف من مَاله مبلغا واستوفاه من أجوره ثمَّ سلمه لمتوليه بعد الِاسْتِيفَاء وترقى فِي المناصب بعد ذَلِك حَتَّى تقاعد عَن حُكُومَة قرمان وَكَانَ أَكثر قُضَاة الشَّام إِذا ولوا دمشق فَوضُوا إِلَيْهِ أُمُورهم حَتَّى يحضروا وَولي
стр. 523
مُحَافظَة الشَّام فَقتل طَائِفَة من المناحيس وَلم تطل مُدَّة محافظته وَصَارَ مُسْتَوفى دمشق فاجتهد فِي تَحْصِيل الْأَمْوَال السُّلْطَانِيَّة وشدد على كتاب الخزينة والأمناء فاضمر بعض الْكتاب لَهُ السوء فَلَمَّا عزل أخرجُوا عَلَيْهِ أَشْيَاء انتقدوها عَلَيْهِ ووشوا بِهِ إِلَى الْوَزير الْحَافِظ الْمَذْكُور فكلفه مَا خرج عَلَيْهِ من المَال فَقبض مِنْهُ الْبَعْض وَسكت عَن الْبَعْض لما رأى من انقياده إِلَيْهِ وَلما قدم مُحَمَّد باشا السلحدار حَاكما بِالشَّام انتقد عَلَيْهِ مَا سكت عَنهُ الْحَافِظ وَعرض فِيهِ إِلَى بَاب السلطنة فَجَاءَت فِيهِ مناشير سلطانية وحوالة وَأخذ مِنْهُ مَا بَقِي عَلَيْهِ وَكَانَت دخلت عَلَيْهِ أَوْهَام من الْوَزير الْأَعْظَم نصوح باشا وَغَيره فلحقته الْأَمْرَاض والأسقام وَآل أمره إِلَى أَن يدافيه الفالح فأسرع فِي بعض أَعْضَائِهِ ثمَّ لما قدم مُحَمَّد باشا جوقدار السُّلْطَان أَحْمد قدم إِلَيْهِ سرادقاً عَظِيما وخدمة بِخِدْمَة عَظِيمَة فَالْتَفت إِلَيْهِ وقربه من مَجْلِسه وَلم تطل مدَّته بعد ذَلِك حَتَّى مَاتَ فِي زَمَنه وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من صُدُور أَعْيَان عصره وَكَانَ لَهُ محَاسِن ومساوئ إِلَّا أَن محاسنه كَانَت أَكثر وتراكمت عَلَيْهِ المحن فِي آخر أمره إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة السبت ثامن عشر ربيع الثَّانِي سنة سبع وَعشْرين وَألف وَقَالَ النَّجْم الْغَزِّي يرثيه وَذكرهَا فِي ذيله
(عجبت والدهر أعيتني أعاجيبه ... من عجمة لم تبن عَنْهَا تعاريبه)
(أما رَأَيْت رحاه وَهِي دَائِرَة ... فِي النَّاس قد لعبت فيهم دواليبه)
(وَالْمَوْت مَا زَالَ أخاذ الَّذِي نفس ... لَكِن قد اخْتلفت فيهم أساليبه)
(مَا خَاصم الْخصم إِلَّا وَهُوَ خاصمه ... غلب الرِّجَال وَإِن جلت مغاليبه)
(أما نظرت إِلَى شوربزهم حسن ... وَكَانَ كالسبع أدهتهم أراعيبه)
(لَهُ محَاسِن لَا تحصى لكثرتها ... فطالما هطلت خيرا شآبيبه)
(يحب تعمير أوقاف الْمَسَاجِد لَا ... يألو وَقد حسنت فِيهَا تراتيبه)
(وَكَانَ يحسن للأيتام يحضنهم ... تجْرِي على مستوى فيهم أنابيبه)
(لكنه كَانَ ذَا جاه وَذَا جرد ... وجرأة عظمت مِنْهَا تراهيبه)
(عنت دمشق وَمن فِيهَا لَهُ وَغدا ... تجرهم غير آبَاء مجاذبية)
(وَرُبمَا مس مِنْهُ الظُّلم بَعضهم ... وعاث فِي النَّاس تؤذيهم يعاسيبه)
(يُبَادر النَّاس بالترهاب يوهمهم ... مِمَّا يبلغهُ عَنْهُم دياديبه)
(أخلت منيته مِنْهُ الديار فقد ... أمست خلاء وتبكيه شناحيبه)
стр. 524
(من بعد مَا أفلجت مِنْهُ مفاصله ... وَمَا نفت عَنهُ أسقا مَا تقاربيه)
(كَانَت تسوّم فِي عرض مراكبه ... فَصَارَ للْأَرْض وانفكت تراكيبه)
(فليعتبر كل جَبَّار بميتته ... مَا خيله خلدت كلا وَلَا نيبه)
(يَا طالما أبْصر الْآيَات ظَاهِرَة وَالْقلب مَا فعلت فِيهِ تقاليبه ... )
(وَمَا اعْتبرنَا بِمَا التاطت وَمَا نشبت ... فِي ذَا الزَّمَان باهليه مخاليبه)
(نجرّب الدَّهْر تارات فتعرف مَا ... يجر بِهِ لم تلونا عَنهُ تجاريبه)
(طُوبَى لمن لم يكن بالدهر مخدعاً وَلم تمله عَن التَّقْوَى محاببه ... )
(بِالْخَيرِ يذكر أَو بالشرّ كل فَتى ... قضى فَلَا ليثه يخْشَى وَلَا ذيبه)
حسن بن عُثْمَان الرُّومِي الْحَنَفِيّ نزيل دمشق الْمَعْرُوف باوزون حسن أَي الطَّوِيل قدم فِي شيبته إِلَى قسطنطينية وخدم شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا بن بيرام مفتي التخت العثماني ولازم مِنْهُ ثمَّ لما توفّي الْمُفْتِي الْمَذْكُور بَقِي هُوَ فِي خدمَة ابْن استاذه شيخ الْإِسْلَام يحيى وَورد بخدمته إِلَى حلب ودمشق والقاهرة لما ولي قضاءها وَلما عزل عَن مصر وَدخل دمشق رَاجعا مِنْهَا كَانَ مَعَه أَيْضا فاستقر بِدِمَشْق وَتزَوج واقتنى دَار تجاه دَار الحَدِيث الأشرفية بِالْقربِ من بَاب القلعة قلت وَهُوَ الْآن بيد بني الْأَصْفَر ودرس بِالْمَدْرَسَةِ القصاعية الْحَنَفِيَّة والدرويشية وَولى تَوْلِيَة الْجَامِع الْأمَوِي ونظارته وتولية الدرويشية وَكَانَ الموَالِي قُضَاة الشَّام يرسلون يستنبيونه فِي قَضَائهَا مُدَّة إِلَى حِين وصولهم وَكَذَلِكَ قُضَاة العاكر يفوضون إِلَيْهِ الْقِسْمَة العسكرية وَصَارَ أحد كبراء دمشق وانعقدت عَلَيْهِ صدارتها وَكَانَ مهابا موقرا مُعظما سالكا مَسْلَك السّلف مُخْتَصرا فِي أُمُوره وَله عفة ونزاهة ومدحه الأديب ابراهيم الأكرمي الصَّالِحِي الْمُقدم ذكره بقصيده مطْلعهَا
(مَا راقه بعد رامة وَطن ... وَكَيف وَهِي الغرام والشجن)
وَهِي مَذْكُورَة فِي ديوَان الأكرمي فَلَا نطيل بذكرها وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس
الْمولى حسن بن عَليّ بن أَمر الله وَقيل اسرافيل القسطنطيني المولد الْمَعْرُوف بِابْن الحنائي صَاحب التَّذْكِرَة الَّتِي ألفها فِي شعراء الرّوم وَهِي لَهُم كدمية الْقصر للباخرزي تحتوي على لطائف المنثور ومنتخبات الْأَشْعَار وَذكر فِيهَا مُعظم شعرائهم من ابْتِدَاء الدولة العثمانية سلاطين زَمَاننَا إِلَى زَمَانه وَألف حَاشِيَة على
стр. 525
الدُّرَر وَالْغرر مَقْبُولَة وَله غَيرهَا من التصانيف المقبولة بِلِسَان التركي وترسلات شائعة متداولة وَكَانَ جيد الْعبارَة لطيف الطَّبْع صَاحب نَوَادِر وتحف وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أحد أَفْرَاد الدَّهْر ومحاسن الْعَصْر ولد سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ وَالِده إِذْ ذَاك ببروسة مدرس مدرسة حَمْزَة بيك وَأخذ عَن نَاظر زَاده مدرس عَليّ باشا الْجَدِيد وقاضي زَاده الْمَعْزُول عَن قَضَاء حلب ثمَّ وصل إِلَى مقَام شيخ الْإِسْلَام أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ وَصَارَ من طلبته المختصين بِهِ وَحصل ودأب ولازم من الْمولى الْمَذْكُور ثمَّ درس إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة السليمانية وَولى مِنْهَا قَضَاء حلب فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ثمَّ ولى قَضَاء الْقَاهِرَة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَألف ثمَّ ولى قَضَاء أدرنة فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع بعد الْألف ثمَّ ولى مصر ثَانِيًا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَألف ثمَّ قَضَاء بروسة فِي شَوَّال سنة سبع وَألف ثمَّ عزل وَعين لَهُ قَضَاء أيدنجك على وَجه التقاعد ثمَّ أعْطى قَضَاء كليبولي وَنقل مِنْهَا إِلَى قَضَاء أَيُّوب وَفِي صفر سنة إِحْدَى عشرَة وَألف أعْطى قَضَاء اسكى زغرة على طَرِيق التَّأْبِيد فاستولت عَلَيْهِ بهَا أمراض بلغمية منعته من الْحَرَكَة الأنادرا فَطلب قَضَاء رشيد من نواحي مصر فأعطيها بِقَيْد الْحَيَاة وَتوجه إِلَيْهَا وَتُوفِّي بهَا هَكَذَا ذكر ابْن نوعى فِي تَرْجَمته وَرَأَيْت فِي بعض أوراق بِخَط إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف برامي الدِّمَشْقِي أَنه بعد عَزله من أدرنة أَدْرَكته حِرْفَة الْأَدَب وولعت بِهِ فحطه الدَّهْر من علياء قدره بعد الرّفْعَة الْعَظِيمَة وتفرق شَمل حَاله من فقد رياشه وضيق معاشه وَوجدت فِي بعض المجاميع لبَعض فضلاء الرّوم أَنه كَانَ عِنْدَمَا ولع الزَّمَان بِهِ قد أغرى بإنشاد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لَا يجِف لِسَانه من ترديدهما فِي أَكثر أوقاته وأحواله وَلست أَدْرِي انهما لَهُ أَو لغيره وهما قَوْله
(من كَانَ يَرْجُو أَن يعِيش فإنني ... أَصبَحت أَرْجُو أَن أَمُوت فأعتقا)
(فِي الْمَوْت ألف فَضِيلَة لَو أَنَّهَا ... عرفت لَكَانَ سَبيله أَن يعشقا)
ثمَّ رَأَيْت الْبَيْتَيْنِ منسوبين لِأَحْمَد بن أبي بكر الْكَاتِب وَقد اقْتدى فيهمَا بِابْن الرُّومِي فِي قَوْله
(قد قلت مذ مدحوا الْحَيَاة وأسرفوا ... فِي الْمَوْت ألف فَضِيلَة لَا تعرف)
(مِنْهَا أَمَان لِقَائِه بلقائه ... وفراق كل معاند لَا ينصف)
وَهُوَ أول من فتح هَذَا الْبَاب انْتهى قَالَ رامي وَلم يزل صَاحب التَّرْجَمَة يعاني الحرمان كَمَا ذكر حَتَّى ولى قَضَاء رشيد فَتوفي بهَا فِي شَوَّال سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف
стр. 526
الإِمَام حسن بن عَليّ بن دَاوُد بن الْحسن بن عَليّ بن الْمُؤَيد المؤيدي قَامَ بِالْيمن فِي نصف شهر رَمَضَان سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقَامَ مَعَه الشِّيعَة فِي صعدة فَخرج مِنْهَا إِلَى جبل الأهنوم فاشتعلت الأَرْض نَارا وَفتح جملَة قرى وَأرْسل رسله بالرسائل وَكتب إِلَى لطف الله بن المطهر فَلم يجبهُ واضطربت عَلَيْهِ الْبِلَاد وَكتب إِلَى مُحَمَّد بن شمس الدّين بِمثل ذَلِك فَلم يجبهُ أَيْضا وَكتب إِلَى يحيى بن المطهر فكاد أَنه يُجيب وغره أحد إخْوَان الإِمَام فَأجَاب وَسلم إِلَيْهِ بعض الْحُصُون فَوجه لطف الله عبد الله بن أَحْمد بن شمس الدّين والنقيب مرجان فَخَرجُوا إِلَى الْخشب وفتحوا مَا قد خَالف ثمَّ خرج الْأَمِير سِنَان أعانة لَهُم من قبل مُرَاد باشا فهزموا أَصْحَاب الإِمَام وسكنت بِلَاد زمرمر وَعَاد سِنَان إِلَى صنعا ثمَّ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توجه سِنَان الْمَذْكُور لِحَرْب الإِمَام الْحسن إِلَى الأهنوم وَاسْتولى سِنَان على أَكثر بِلَاد الإِمَام وضايقه فِي شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فتح سِنَان جَمِيع بِلَاد الأهنوم وانحصر الإِمَام الْحسن فِي مَحل يُقَال لَهُ الصاب فنجح إِلَى السّلم وَخرج إِلَى يَد الْأَمِير سِنَان فِي سادس عشر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَمن عَجِيب الِاتِّفَاق أَنه دعى بِالْإِمَامَةِ فِي النّصْف من شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأسر فِي النّصْف مِنْهُ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَوصل الإِمَام الْحسن صُحْبَة الْأَمِير سِنَان إِلَى الْوَزير آخر يَوْم من شهر رَمَضَان فأودعه الْحِفْظ وَفِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ خَامِس عشر شَوَّال مِنْهَا وَجه الْوَزير الْأَمِير سِنَان بِالْإِمَامِ الْحسن وبأولاد المطهر لطف الله وَعلي وَيحيى وَحفظ الله وَإِبْرَاهِيم وَعبد الله وَجَمَاعَة آخَرين إِلَى الرّوم فَسَار بهم إِلَى المخا وأركبهم السَّفِينَة وَعَاد فَمَاتَ أَوْلَاد المطهر بالروم وَاحِدًا بعد وَاحِد وَتُوفِّي الإِمَام الْحسن بالروم أَيْضا فِي رَجَب سنة أَربع وَعشْرين وَألف ﵀
حسن بن عَليّ بن حسن بن أَحْمد بن مَحْمُود العاملي الكونيني الشهير بالحانيني من أهل الْفضل وَالْأَدب جم الْفَائِدَة كَانَ شَاعِرًا مطبوعا كثير النّظم لَهُ فِيهِ الباع الطَّوِيل وَكَانَ مُقيما بِبَلَدِهِ بَيت حانيني من ضواحي صفد وَأفْتى مرّة فِي حَيَاة الشهَاب أَحْمد الخالدي الْمُقدم ذكره وَقد وقفت لَهُ على أشعار كَثِيرَة فِي مَجْمُوع جمع صَاحبه فِيهِ المدائح الَّتِي مدح بهَا الْأَمِير فَخر الدّين بن معن فانتقيت بَعْضًا مِنْهَا من ذَلِك قَوْله من قصيدة مدح بهَا الْأَمِير الْمَذْكُور ومطلعها
(لنا فِي هوى ذَات الوشاح مَقَاصِد ... وَفِي خالها للعاشقين مراصد)
стр. 527
(على حبها نحيا ونحشر فِي الْهوى ... وَنحن على ميثاقها نتعاهد)
(يقد قُلُوب الْأسد مائس قدها ... وللصيد مِنْهَا فِي الجفون مصايد)
(أعارت شريد الريم حسن تلفت ... كَمَا قد أعارتها الْعُيُون إِلَّا وأبد)
(موردة الْخَدين دعجاء طفلة ... برهرهة خمصانة الْبَطن ناهد)
(غريرة حسن هام عِنْد جمَالهَا ... وَطيب شذاها مُسْتَقِيم وفاسد)
(تعلمت الْبيض البواتر فتكها ... وَمن لينها سمر الرماج موايد)
(أسَال دم العشاق سيف لحاظها ... على وجنتيها والغرام مساعد)
(أذاب على الْخَدين ورد شقائق ... بأكنافه ذوب الشبيبة جامد)
(مهاة مَتى أَلْقَت عقارب صدغها ... تشكل مِنْهَا فِي الْقُلُوب أساود)
(فتاة كَانَ الصُّبْح فَوق جبينها ... وَبدر الدجى من جيبها متصاعد)
(كَانَ هلالي الصَّوْم وَاضح طوقها ... وَمن خَلفه نظم النُّجُوم قلائد)
(كَانَ خفوق الْبَرْق قلب عشيقها ... إِذا لامه بَين المحافل زاهد)
(كَانَ سنا أوصافها مدح كَامِل ... وَبسط ثناه والأنام شَوَاهِد)
وَهِي طَوِيلَة جدا فلنكتف مِنْهَا بِهَذَا الْمِقْدَار وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف
الْحسن بن عَليّ بن جَابر الهبل اليمني ذكره ابْن أبي الرِّجَال فَقَالَ فِي وَصفه بديع الزَّمَان وقريع الأوان من لَا عيب فِيهِ سوى بعد بِلَاده وَقرب ميلاده فالمندل الرطب فِي أوطانه خشب أما صغر الميلاد فَللَّه در أَبى الطّيب حَيْثُ يَقُول
(لَيْسَ الحداثة من حلم بمانعة ... قد يُوجد فِي الشبَّان والشيب)
وَأما بعد الْبِلَاد فَأمر لَا يعتبره الحذاق وَإِن قَالُوا الْقرب المفرط مَانع لَا دراك الأحداق وَقَالَ بعض النَّاس
(عذيري من عصبَة بالعراق ... قُلُوبهم بالجفا قلب)
(يرَوْنَ العجيب كَلَام الْغَرِيب ... وَأما الْقَرِيب فَلَا يطرب)
(وَعذرهمْ عِنْد توبيخهم ... مغنية الْحَيّ لَا تطرب)
لَكِن الْعَاقِل الْفَاضِل لَا ينجح إِلَى التَّقْلِيد حَتَّى فِي تَفْضِيل الْحَصْبَاء على لآلئ الْجيد وَأَن الْإِنْصَاف من أجمل الْأَوْصَاف ولد بصنعا وَبهَا نَشأ على الْعِبَادَة والزهادة ومودة لعترة الطّيبَة السَّادة واشتغل بالعلوم والآداب حَتَّى برع على الشُّيُوخ
стр. 528
فضلا عَن الأتراب وَله ديوَان شعر فائق وسحر حَلَال رائق فِي كل معنى مليح نهيج مناهج الأدباء وجاراهم فِي رقيقهم وجزلهم وجدهم وهزلهم وَهُوَ مَعَ ذَلِك السَّابِق المجلي وَلَقَد رَأَيْت لَهُ مقاطيع باهرة وقصائد فاخرة وَنَفسه أشبه بِشعر الْحُسَيْن ابْن حجاج غيرانه مصون عَن الإقذاع وَأَنَّهَا هُوَ فِي الفصاحة والنصاعة وجودة السبك والصناعة وَقد كَانَ يُقَال أَن ابْن حجاج نَفسه يشبه نفس امْرِئ الْقَيْس ابْن حجر وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة قَوْله فِي الوعظيات
(أَيْن اسْتَقر السّفر الأول ... عَمَّا قريب بهم ننزل)
(مروا سرَاعًا نَحْو دَار البقا ... وَنحن فِي آثَارهم نرحل)
(مَا هَذِه الدُّنْيَا لنا منزلا ... وَإِنَّمَا الْآخِرَة الْمنزل)
(قد حذرتنا من تصاريفها ... لَو أننا نسْمع أَو نعقل)
(يُطِيل فِيهَا الْمَرْء آماله ... وَالْمَوْت من دون الَّذِي يأمل)
(بحلوله مَا مر من عيشها ... ودونه لَو عقل الحنظل)
(ألهته عَن طَاعَة خلاقه ... وَالله لَا يلهو وَلَا يغْفل)
(يَا صَاح مَا لَذَّة عَيْش بهَا ... وَالْمَوْت مَا تَدْرِي مَتى ينزل)
(يَدْعُو لي الأحباب من بَيْننَا ... يجِيبه الأول فَالْأول)
(يَا جَاهِلا بِجهْد فِي كسبها ... أغرك المشرب والمأكل)
(وَيَا أَخا الْحِرْص على جمعهَا ... مهلا فعنها فِي قد تسئل)
(لَا تتعبن فِيهَا وَلَا تأسفن ... لما مضى فَالْأَمْر مُسْتَقْبل)
(مَا قَوْلنَا بَين يَدي حَاكم ... يعدل فِي الحكم وَلَا يعْزل)
(مَا قَوْلنَا لله فِي موقف ... يخرس فِيهِ المصقع الْمَقُول)
(وَإِن سئلنا فِيهِ عَن كل مَا ... نقُول فِي الدُّنْيَا وَمَا نَفْعل)
(مَا الْفَوْز للْعَالم فِي علمه ... وَإِنَّمَا الْفَوْز لمن يعْمل)
وَقَوله
(لَا تعْتَبر ضعف حَالي وَاعْتبر أدبي ... وغض عَن رث أطماري وأسمالي)
(فَمَا طلابي للدنيا بممتنع ... لَكِن رَأَيْت طلاب الْمجد أسمى لي)
وَقَوله فِي العفاف
(مَا زلت من درن الدنا يَا صائنا ... عرضا غَدا كالجوهر الشفاف)
(وَإِذا جرى مرجا بميدان الصِّبَا ... مهر الْهوى ألحمته بعفاف)
стр. 529
(وأذاهم وصفوا محَاسِن شادن ... مُسْتَكْمل لمحاسن الاوصاف)
(أبديت فِيهِ من النسيب غرائبا ... ووصفت فِيهِ مَا عدا الأرداف)
وَقَوله قَرِيبا من هَذَا الْمَعْنى
(تغزلت حَتَّى قيل أَنِّي أَخُو الْهوى ... وشببت حَتَّى قيل فَاقِد الأوطان)
(وَمَا بِي من عشق وشوق وَإِنَّمَا ... أتيت من الشّعْر البديع بإفنان)
وَقَوله من قصيدة
(حتام عَن جهل تلوم ... مهلا فَإِن اللوم لوم)
(طرفِي الَّذِي يشكو السها ... دو قلبِي المضنى الكليم)
(إِن الشقا فِي الْحبّ عِنْد ... العاشقين هُوَ النَّعيم)
(مَا الْحبّ إِلَّا مقلة ... عبراء أَو جسم سقيم)
(يَا من أكتم حبه ... وَالله بِي وَبِه عليم)
(وبلابل بَين الجوانح ... لَا تنام وَلَا تنيم)
(مَالِي وَمَا للوائمى ... أعليك ذُو عقل يلوم)
(يَا هَل ترَاهُ يعود لي ... بك ذَلِك الزَّمن الْقَدِيم)
(وهنى عَيْش باللوى ... لَو أَن عَيْش هُنَا يَدُوم)
(وبرامة إِذْ نلْت من ... وصل الْأَحِبَّة مَا أروم)
(يَا حبذا تِلْكَ الربوع ... وحبذا تِلْكَ الرسوم)
(يَا تاركين بمهجتي ... شررا يذوب بهَا الْجَحِيم)
(طَال المطال وَلم تهب ... لصدق وَعدكُم نسيم)
(مطل الْغَرِيم غَرِيمه ... حاشا كم خلق ذميم)
وَقَوله أَيْضا
(ملكتم فاعدلوا فِي الصب أَو جوروا ... ذَنْب الْأَحِبَّة فِي العشاق مغْفُور)
(وَقد تقرر فِي قلبِي مقركم ... دون الورى فأقيموا فِيهِ أَو سِيرُوا)
(يَا مخربي ربع صبري بالجفا عَبَثا ... الْحَمد لله ربع الود معمور)
(وَيَا مطول هجراني بِلَا سَبَب ... أما بدالك فِي الهجران تَقْصِير)
(ومنكرا مَا أُلَاقِي من محبته ... حبي كطرفك بَين النَّاس مَشْهُور)
(أَنا الكئيب الْمَعْنى فِي هَوَاك وَإِن ... اظهرت أَنِّي بِمَا أَلْقَاهُ مسرور)
стр. 530
(الْإِخْلَاص لقلبي من صبابته ... فَإِنَّهُ فِي تعَاطِي الْحبّ مغرور)
(كم ذَا أكابد ملوم أيسره بالطوردك لَهُ من ثقله الطّور ... )
(وَكم أرى طاويا كشحى على شجن ... ونار قلبِي لَهَا فِي الْقلب تسعير)
(وَكم أراقب سارى الطّرف يطرقني ... وَإِنَّمَا الطيف تخييل وتزوير)
(يَا للحمى كم على واديه طل دمى ... وكمم فؤاد محب ثمَّ مأسور)
(وَفِي مليك جمال سيف مقلته ... مظفر بقلوب النَّاس مَنْصُور)
(تبى حبي حسن لَهُ من روض وجنته ... جنَّات عدن وَمن ألحاظه حور)
وَقَوله وَفِيه إبداع
(يَا من أَطَالَ التجني ... مِنْك الصدود ومني)
(مولَايَ إِن طَال هَذَا ... عَليّ فَاعْلَم بِأَنِّي)
(أفديك قل لي ... مَاذَا الَّذِي يدالك مني)
(تَرَكتنِي متهاما ... حيران أَقرع سني)
(أَشْكُو إِلَيْك الَّذِي بِي ... وَأَنت تعرض عني)
(وَلم ترق لحالي ... وَلَا رثيت لحزني)
(أصخ لشكيتي وارفق ... بجسم فِيك قد نحلا)
(وَقل لي من أحل دمي ... وَمن ذَا حرم القبلا)
(وَإِن تنكر ضني جَسَدِي ... وَلم تعطف عَليّ وَلَا)
(فَكف النبل من عَيْنَيْك ... يَكْفِي بعض مَا فعلا)
(وَلَا تطلع لنا خداك وردر ياضها الحضلا ... )
وَقَوله وَفِيه الجناس الْكَامِل
(رويدك من كسب الذُّنُوب فَأَنت لَا ... تطِيق على نَار الْجَحِيم وَلَا تقوى)
(أترضى بِأَن تلقى الْمُهَيْمِن فِي غَد ... وَأَنت بِلَا علم لديك وَلَا تقوى)
وَقَوله
(أفزع إِلَى الْبَارِي وَكن ... مِمَّا جنيت على وَجل)
(وأرج الْإِلَه فَلم يخب ... راجي الْإِلَه علا وَجل)
قد سبق إِلَى هَذَا فِي قَول الْقَائِل
(كن من مدبرك الْحَكِيم ... علا وَجل على وَجل)
وَقَوله فِي الثِّقَة بِاللَّه وَفِيه الجناس الْكَامِل
(ثق بِالَّذِي خلق الورى ... ودع الْبَريَّة عَن كمل)
следующие страницы →