Полный текст (1 978 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
(لَا تكلّف فكري بَيَانا فَلَا ... يُمكن وصف الْجمال بالأرجوز)
(فتعجل فالوقت كالسيف والعاقل ... يدْرِي مَا تَحت ذيل الرموز)
وَلما كنت بأدرنة ورد مِنْهُ كتاب لبَعض أخدانه وَأمره بتبليغ السَّلَام إليّ بِاللِّسَانِ وَاعْتذر عَن عدم إرْسَال كتاب مُسْتَقل إِلَيّ فَكتبت إِلَيْهِ قصيدة طَوِيلَة مِنْهَا
(بنفسي من خدره الْمغرب ... هِلَال عَن الْقلب لَا يغرب)
(وَمَا أَنا فِي حبه ثَابت ... تباخل بالكتب أَو يكْتب)
(وَمن لَو وزنت بعشاقه ... رحجتهم والهوى مُتْعب)
(وقيدني الْجُود فِي وده ... فَمَالِي عَن حبه مَذْهَب)
(أَرْجَى لِقَاء رَجَاء الْحَيَاة ... والنجم من قربه أقرب)
(وَيَا من تعجب من رقتي ... حَيَاة قَتِيل النَّوَى أعجب)
(لقد ودعوني فَسَار السرُور ... وَمَا لذلي بعدهمْ مشرب)
(وَلم أر من بعد أنوارهم ... نَهَارا وَلَو أقلع الغيهب)
(وَمَا كنت أَحسب صبري يخون ... ويخدعني برقه الْحَلب)
(وَلَو كنت أملك قلبِي صنعت ... كَمَا صَنَعُوا والهوى أغلب)
وأنشدني يَوْمًا قصيدة غزلية نظمها لم يعلق مِنْهَا فِي خاطري إِلَّا بَيت المطلع وَهُوَ هَذَا
(غُصْن رنحه سكر الدَّلال ... ينثني رَيَّان من مَاء الْجمال)
واقترح عَليّ أَن أنظم على وَزنهَا ورويها قصيدة فنظمت هَذِه القصيدة وعرضتها عَلَيْهِ وَهِي قولي
(شاقني غُصْن نقا تَحت هِلَال ... ينثني نشوان من خمر الدَّلال)
(كل لحظ مِنْهُ نهاب النهى ... يسحر الْأَلْبَاب بِالسحرِ الْحَلَال)
(ترتع الأحداق من طلعته ... فِي رياض بَين حسن وجمال)
(خَدّه كالورد غشاه الحيا ... عرقا كالدر يزرى بالغوالي)
(من عذيري من خَلِيل غادر ... الْجِسْم من سلوته رق الْخلال)
(يعد الْوَصْل وبقضيني الجفا ... ويمنيني ويرضى بالمحال)
(حمل الْقلب من الأعباء مَا ... لَو أقلت صدعت صم الْجبَال)
(يَا بقومي قامة مِنْهُ وَيَا ... خجلة الأغصان مِنْهَا والعوالي)
(ومحيا يفتك النساك حسنا ... ويستعبد ربات الحجال)
стр. 772
(ولحاظ دونهَا فتك الظبا ... تنهب الْأَعْمَار من غَيره قتال)
(وقسى تصدع اللب إِذا ... فوّقت انفذ من زرق النصال)
(ولمى يفتر عَنهُ مبسم ... من عقيق فَوق درّ كاللآلى)
(ترق الْجِسْم يكَاد القدّ ينقدّ ... أَن رنحه سكر الدَّلال)
(وشجاني صادح فِي فنن ... كلما أشكوله الشوق شكالي)
(يَا لَك الله كِلَانَا وَاحِد ... يشتكي بعد حبيب وطلال)
(كلنا يبكي على غُصْن لَهُ ... نازح الأحباب منبت الحبال)
(يَا خليليّ وسلطان الْهوى ... يَقْتَضِي حكم الموَالِي فِي الموَالِي)
(لَا تلوماني على جهد البلا ... فالهوى ضرب من الدَّاء العضال)
(يبْعَث الْعَاقِل للحسين القضا ... ويغص الْمَرْء بِالْمَاءِ الزلَال)
(أَي خليّ الْقلب عني أنني ... لست بالمختار فِي هَذَا النكال)
(لَو يكن فِي الْحبّ رأى لم تَجِد ... أَسد الغابة فِي أسر الغزال)
(خل إرشادي وذق طعم الْهوى ... أنني قد بِعْت رشدي بالضلال)
(لَا تلم من ذل فِي نيل المنى ... أَن عز الْحبّ فِي ذل السُّؤَال)
(كم أداري مهجة ذَابَتْ أسى ... بَين أطماع ووعد ومطال)
(تلفت روحي وَمَا من عجب ... تلف الْأَرْوَاح من دون الْوِصَال)
(مَا الَّذِي ضرّ جميل الْوَجْه لَو ... كَانَ أفديه جميلاً فِي الفعال)
(آثر الْجور على الْعدْل وَلم ... يدر أَن الْجور من شَرّ الْخِصَال)
(يَا أحباي وَفِي آثَاركُم ... فرج الْقلب وَحل من عقال)
(عللوا روحي بأرواح الصِّبَا ... وابعثوا أخباركم لي فِي الشمَال)
(واسعفوا المضني بتنجيز المنى ... أَن تتجيز المنى خير النوال)
(وَإِذا لم تنعموا لي باللقا ... فاحسنوا إِلَى إِذْ أذنتم بالخيال)
(لَيْت شعري والهوى كم فِيهِ من ... عجب والصب مُغْرِي بالجدال)
(أقصير اللَّيْل يدْرِي حالتي ... فِي ليَالِي هجره السود الطوَال)
(يشتكي من قصر اللَّيْل إِذا ... مَا اشْتَكَى الخالون من طول الليال)
وَأهْدى أَلِي مرّة شاشا فَكتبت إِلَيْهِ
(روحي فدَاء لَا غرّ سما ... بسودد كالشامخ الراسي)
стр. 773
(ذُو خلق يَحْكِي شذا رَوْضَة ... قد أحدقت بالورد والآسى)
(فالربيع الطلق وشى الربى ... بردا وَمَا السلسل فِي الكماس)
(ألطف من نسمَة أخلاقه ... عرفتها من طيب أنفاس)
(نزلت فِي دوحته معدما ... فَلم يدع برئي وإيناسي)
(يَا سيدا أنطقني فَضله ... بشكره من بعد إخراسي)
(أَرَاك رَأس النَّاس لامرية ... لذاك تهدى حلَّة الراس)
وجمعني وإياه مجْلِس لأحد الْكِبَار فلعب بالشطرنج وَكَانَ إِذا لعب ظهر مِنْهُ بعض الطيش وَالدَّعْوَى وَكَانَ بِالْمَجْلِسِ بعض الْعلمَاء فأبدى التَّعَجُّب من أطواره فَأَنْشد بديهاً
(لَئِن أمسيت أدنى الْقَوْم سنا ... فعد فضائلي لَا يُسْتَطَاع)
(كشطرنج ترى الْأَلْبَاب فِيهِ ... حيارى وَهُوَ رقعته ذِرَاع)
قلت وَكَانَ مُفردا فِي لعب الشطرنج وَله فِيهِ محنة زَائِدَة وتفرغ أَيَّامًا لحساب حَبَّة الْقَمْح الَّتِي اقترحها وَاضع الشطرنج وَهُوَ صصه بن داهر الْهِنْدِيّ على الْملك الَّذِي وَضعه باسمه وَهُوَ شهرام وَأَرَادَ أَن يسْتَخْرج الْعدَد وصنع جد وَلَا عَظِيما وَأَظنهُ استخرجه وَأَنا قد رَأَيْت بعض الْحساب اعتنى بذلك وَضَبطه ضبطاً قَوِيا وَجعله فِي مصراع من بَيت وَهُوَ قَوْله
(إِن رمت تَضْعِيف شطرنج فجملته ... هَا واه طعجز مدز ودوحا)
وَجُمْلَة ذَلِك ثَمَانِيَة عشر ألف ألف ألف ألف ألف ألف سِتّ مَرَّات وَأَرْبَعمِائَة وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ ألف ألف ألف ألف ألف خمس مَرَّات وَسَبْعمائة وَأَرْبَعُونَ ألف ألف ألف ألف أَربع مَرَّات وَثَلَاثَة وَسَبْعُونَ ألف ألف ألف ثَلَاث مَرَّات وَسَبْعمائة وَتِسْعَة آلَاف ألف ألف مرَّتَيْنِ وَخَمْسمِائة وَاحِد وَخَمْسُونَ ألف وسِتمِائَة وَخَمْسَة عشر وأقلع آخر عَن صبوته فَترك مَحْض أشعاره فِي الْغَزل وقص قوادمها وخوافيها بأشعار فِي الزّهْد وَالْحكم وأبلغ مَا أَنْشدني فِي ذَلِك المعرض هَذِه القصيدة الغراء عَارض بهَا معلقَة امرىء الْقَيْس وقصيدته تلِيق أَن تعلق تَمِيمَة فِي جيد الزَّمَان لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْأَمْثَال وَالْحكم والسلاسة وَقد أوردتها برمتها حرصاً على كَثْرَة فائدتها وتعرضت لبَعض إبضاحاتها وَهِي
(توكل على الرَّحْمَن حق التَّوَكُّل ... فَلَيْسَ لما فِي علمه من مبدل)
(لعمر مَا يدْرِي المنجم مَا غَدا ... يكون وَعلم الْحَال عِنْد المحول)
стр. 774
(وَأَنا فَلَا تعجب لفي غَفلَة بِمَا ... يُرَاد بِنَا فِي عَاجل أَو مُؤَجل)
(نسير وَلَا نَدْرِي كركب سفينة ... وَعمر الْفَتى كالفيء جم التنقل)
(ويرشقنا قَوس الخطوب بأسهم ... على أسْهم كالطل يتبعهُ الْوَلِيّ)
(وَنحن نَبَات والزما حصادنا ... أَلَيْسَ بوافي كل شهر بمنجل)
تَشْبِيه الْهلَال بالمنجل مُسْتَعْمل فِي أشعار الْعَرَب كثيرا وَمن أحسن مَا مر لي فِيهِ قَول الشهَاب
(رَأَيْت هِلَال الشَّهْر منجل حاصد ... لَا عمارنا وَهِي الهشيم المحطم)
(وَمَا سلخت تِلْكَ الشُّهُور وَإِنَّمَا ... دياجي الْأَمَانِي الْجلد والشفق الدَّم)
(وآمالنا تزداد فِي كل سَاعَة ... وَمن أضيع الْأَشْيَاء عمر المؤمل)
(إِلَى الله نشكو مَا بِنَا من جَهَالَة ... وَمن تتعبده المطامع يجهل)
(وَمن لم يكن فِي أمره ذَا بَصِيرَة ... يكن هدفاً للنائبات وَيقتل)
(وهم الورى كل على قدر عقله ... وَمَا فَازَ باللذات غير الْمُغَفَّل)
(وَلَا عجب أَن فاوت الْحَظ بَيْننَا ... فَمن رامح نجم السَّمَاء وأعزل)
(ألم تَرَ أَن الطير يرتع شَرها ... وَيحبس فِي أقفاصه كل بلبل)
(وَإِنِّي من الْقَوْم الْكِرَام أولى الوفا ... إِذا بخلت مزن السما لم تبخل)
(وَإِن نَدع عِنْد الجدب نسمح بجهدنا ... وَإِن نَدع يَوْم الْبَأْس لم نتعلل)
(ونرحل بعد النَّاس من كل منزل ... ونصدر قبل النَّاس من كل منهل)
(ويمنعنا فرط الْحيَاء عَن الْخَنَا ... وَإِن كَانَ فينارقة المتغزل)
(ووهابة الأحزان نهابة النهى ... منعمة الْأَطْرَاف عذب الْمقبل)
(رقيقَة خصر لَا ترق لمغرم ... قسية قلب لَا تلين لمبتلى)
(يرى وَجهه فِي وَجههَا من يضمها ... كمرآة هندي براحة صيقل)
(تخادع أَرْبَاب النهى عَن عُقُولهمْ ... وتسحر لب الناسك المتبتل)
(إِذا التفتت نَحْو الخلى بطرفها ... سرى حبها كَالْخمرِ فِي كل مفصل)
(تحوم رماح الْخط حول خبائها ... كَمَا حاطت الْأَهْدَاب مقلة اكحل)
(فكم فِي حماها من سليم مسهد ... وحول خباها من صريع مجندل)
(صرفت الْهوى عَنْهُن لَا خشيَة الردى ... وَذُو الرَّأْي مهما يَأْمر الْقلب يفعل)
(وَربع وقفت العيس فِيهِ فَلم أجد ... بأرجائه غير الْغُرَاب المكبل)
стр. 775
(عهِدت بِهِ الْبيض الدمى فَوَجَدته ... من الْأَهْل كالجيد الْأَغَر الْمُعَطل)
(وَبَات سميري فِيهِ ضار غضنفر ... لَهُ منظر وعر وناب كمعول)
(وعينان كلما وتين توقدا ... ظلاماً فَلم نحتج إِلَى ضوء مشتعل)
(وسَاق شَدِيد الْبَطْش عبل مفتل ... كحبل الْجَوَارِي الْمُنْشَآت المجدل)
(كَأَن عِظَام الْوَحْش حول عرينه ... بقايا بِنَاء ألقيت حول هيكل)
(أَتَانِي فَلم يبصر فؤاداً مروّعاً ... فَقَامَ مقَام السَّائِل المتطفل)
(فَقلت لَهُ عذرا أُسَامَة إِنَّنِي ... أرى جمل زادي قادحاً فِي التَّوَكُّل)
(أقِم فَلَعَلَّ الله يرزقنا مَعًا ... فَإِن لنا رزقا على المتَوَكل)
(فعنّ لَهُ سرب كأنّ نعاجه ... غوان تهادى فِي الحلى حول جدول)
(فثار فَلَمَّا أبصرته تلاحقت ... كَمَا انْسَلَّ در من نظام مفصل)
(فناديته صبرا وللضيف حُرْمَة ... فَلَا تتكلف هم قوت ومأكل)
(وَقمت إِلَيْهَا طَالبا فَوق ضامر ... كَمَا انقض صقر أجدل فَوق أجدل)
(وفوّقت سَهْما مصمياً نَحْو بَعْضهَا ... وَمن وعد الضَّيْف الْقرى فليعجل)
(وقاسمته زادي وَبَات مقابلي ... كَمَا قَابل المقرور نَارا ليصطلي)
(وأوسعني شكرا وَمَا كَانَ ناطقاً ... وَلَكِن لِسَان الْحَال أصدق مقول)
(وسرت وسرا الصُّبْح فِي خاطر الدجى ... وَنجم السما يرنو بمقلة أَحول)
(وَإِنِّي مُقيم للصديق على الوفا ... سريع إِذا سَاءَ الْجوَار ترحلي)
(وَلَيْسَ ارتحالي عَن ملالٍ وَإِنَّمَا ... رَأَيْت مَكَان الذل أَسْوَأ منزل)
(وَمن كَانَ ذَا صَبر على الْجور والجفا ... فَإِنِّي مجدّ فِي خلاف السمندل)
(أَلا فِي سَبِيل الله ود صرفته ... لمن خَان ميثاقي وأشمت عذلي)
(جَزَاء سنمار جزاني على الْهوى ... وَكَانَ يمنيني وَفَاء السموأل)
سنمار رجل رومي بنى الخورنق الَّذِي بِظهْر الْكُوفَة للنعمان بن امرىء الْقَيْس فَلَمَّا فرغ مِنْهُ أَلْقَاهُ من أَعْلَاهُ فخرّ مَيتا وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لِئَلَّا يبْنى مثله لغيره فَضربت الْعَرَب بِهِ الْمثل لمن يجزى بِالْإِحْسَانِ الْإِسَاءَة قَالَ الشَّاعِر
(جزتنا بَنو سعد بِحسن فعالنا ... جَزَاء سنمار وَمَا كَانَ ذَا ذَنْب)
وَيُقَال هُوَ الَّذِي بنى أطماً لأحيحة بن الجلاح فَلَمَّا فرغ مِنْهُ قَالَ لَهُ أحيحة لقد أحكمته فَقَالَ إِنِّي لأعرف فِيهِ حجرا لَو نزع لتقوّض من آخِره فَسَأَلَهُ عَن الْحجر فَأرَاهُ
стр. 776
مَوْضِعه فَدفعهُ أحيحة من الأطم فَخر مَيتا والسموأل بِفَتْح السِّين وَالْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَبعدهَا همزَة ثمَّ لَام ابْن حَيَّان بن عاديا الْيَهُودِيّ كَانَ من وفائه أَن امْرأ الْقَيْس لما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى قَيْصر استودع السموأل دروعاً وأحيحة بن الجلاح أَيْضا دروعاً فَلَمَّا مَاتَ امْرُؤ الْقَيْس غزاه ملك من مُلُوك الشَّام فتحرز مِنْهُ السموأل فَأخذ الْملك ابْنا لَهُ وَكَانَ خَارِجا من الْحصن فصاح الْملك بالسموأل فَأَشْرَف فَقَالَ هَذَا ابْنك فِي يَدي وَقد علمت أَن امْرأ الْقَيْس ابْن عمي وَمن عشيرتي وَأَنا أَحَق بميراثه فَإِن دفعت إليّ الدروع وَإِلَّا ذبحت ابْنك فَقَالَ أجلني فَأَجله فَجمع أهل بَيته ونساءه فشاورهم فَكل أَشَارَ عَلَيْهِ أَن يدْفع الدروع ويستنقذ ابْنه فَلَمَّا أصبح أشرف عَلَيْهِ فَقَالَ لَيْسَ إِلَى دفع الدروع سَبِيل فَاصْنَعْ مَا أَنْت صانع فذبح الْملك ابْنه وَهُوَ مشرف ينظر إِلَيْهِ ثمَّ انْصَرف الْملك بالخيبة
(فَمن مبلغ الإخوان عني رِسَالَة ... عليّ يُدِير القَوْل من خير مُرْسل)
(مقَالَة من يجزى على الْفِعْل مثله ... وَلَا يظلم المجزيّ حَبَّة خَرْدَل)
(مقَالَة من تخشى بوادره وَمن ... تساوى لَدَيْهِ طعم شهد وحنظل)
(مقَالَة من لَا يختشي ذمّ جارح ... وَلَا يرتجي فِي النصح حمد المعوّل)
(دعوا الْبَغي أَن الْبَغي يصرع أَهله ... ويوقع فِي دَاء من الْخطب معضل)
(وَلَا تجحدوا حق المحق فَإِنَّهُ ... سيبدو ظُهُور النَّار من فَوق يذبل)
(وَلَا تظهروا شَيْئا وَفِي النَّفس غيرَة ... بِوَجْه ضحوك فَوق قلب كمرجل)
(وَهل يختفي عَن حافظين وَشَاهد ... رَقِيب عَلَيْكُم بالقلوب مُوكل)
(وَمن كَانَ ذَا رَأْي سديد وفطنة ... رأى مَا نأى عَنهُ بِأَدْنَى تأصل)
(أسرّة وَجه الْمَرْء عِنْد كَلَامه ... تفصل من أسراره كل مُجمل)
(وأسرع شَيْء يضمحل وجوده ... تصنع كَذَّاب وصولة مُبْطل)
(وَلَا تنقضوا الْمِيثَاق فَالله سَائل ... عَن الْعَهْد فِي يَوْم الْجَزَاء الْمُؤَجل)
(وَلَا تحقروا كيد الضَّعِيف فَرُبمَا ... يساعده الدَّهْر الْكثير التحوّل)
(وَكم خادمٍ أضحى لمَوْلَاهُ سيداً ... وأسدى إِلَيْهِ مِنْهُ المتفضل)
(أحبتنا رفقا علينا ورقة ... فزينة لب الْمَرْء حسن الترسل)
(تحملت مِنْكُم مَا يذوب بِهِ الصَّفَا ... وَقد يهْلك الْإِنْسَان فرط التَّحَمُّل)
(أَفِي كل يَوْم أختشي سبق جَاهِل ... كجلمود صَخْر حطه السَّيْل من عل)
стр. 777
(إِذا قدموهم ثمَّ أَقبلت أخروا ... وَيبْطل نهر الله جدول معقل)
نهر معقل بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ معقل بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ معقل بن يسَار الْمُزنِيّ الصَّحَابِيّ وينسب إِلَيْهِ التَّمْر المعقلي وَفِي الْمثل إِذا جَاءَ نهر الله بَطل نهر معقل وَالْمرَاد بنهر الله مَا يَقع عِنْد الْمَدّ فَإِنَّهُ يطم على الْأَنْهَار كلهَا
(وَمن قاسني بالحاسدين فَضِيلَة ... كمن قَاس فِي السَّبق المجلى بفسكل)
الفسكل هُوَ من خيل السباق الْعشْرَة وَهُوَ الَّذِي فِي آخر الحلبة آخر الْخَيل وَيُقَال لَهُ القاسور والسكيت أَيْضا هَذَا مَا عَلَيْهِ الْجَوْهَرِي قَالَ ابْن الْحَنْبَلِيّ فِي تَارِيخه بعد كَلَام ذكره وَلم أجد للقاسور ذكرا فِيمَا أنْشدهُ الصَّفَدِي فِي تَارِيخه لِابْنِ مَالك النَّحْوِيّ جَامعا لأسماء خيل السباق الْعشْرَة فِي قَوْله
(خيل السباق مجل يقتفيه مصل ... والمسلى وتال قبل مرتاح)
(وعاطف وخطّي والمؤمل واللطيم ... والفسكل السّكيت يَا صَاح)
وَكَأَنَّهُ تَركه لِأَنَّهُ والفسكل والسكيت وَاحِد كَمَا عَلَيْهِ الْجَوْهَرِي
(سأرتكب الْخطب الْعَظِيم مخاطراً ... وأخلع عَن عطفي برد التجمل)
(وأبذلها إِمَّا على النَّفس أَولهَا ... وَمن يطْلب الغايات للنَّفس يبْذل)
(فَإِن عِشْت أدْركْت الْأَمَانِي وَإِن أمت ... فَتلك سَبِيل لست فِيهَا بأوّل)
(وأنبئت أَن ابْن اللئيمة سبني ... وَلَيْسَ على عهد الدمى من معوّل)
(وَقَالَ لمن أَحْوَاله وَهُوَ صَادِق ... أَلسنا صُدُور النَّاس فِي كل محفل)
(ورثت العلى عَن كابرٍ بعد كَابر ... وسوّدت بالمجد الرفيع المؤثل)
(نعم مَا بنوا من مجدهم قد هدمته ... وأصبحت فيهم وَاو عَمْرو المذيل)
(لَئِن نلْت مَا أملته من حُكُومَة ... لتنشر فِيهَا شرع حَاكم جبل)
جبل بِفَتْح الْجِيم وَضم الْبَاء الْمُشَدّدَة بلد بشاطىء دجلة وقاضي جبل يضْرب بِهِ الْمثل فِي الْجَهْل فَيُقَال أَجْهَل من قَاضِي جبل يُقَال أَنه قضى لخصم جَاءَهُ وَحده ثمَّ نقض حكمه لما جَاءَ الْخصم الآخر وَفِيه يَقُول مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات
(قضى لمخاصم يَوْمًا فَلَمَّا ... أَتَاهُ خَصمه نقض الْقَضَاء)
(دنا مِنْك العدوّ وغبت عَنهُ ... فَقَالَ بِحكمِهِ مَا كَانَ شَاءَ)
وَمن ظريف مَا يحْكى عَنهُ أَن الْمَأْمُون لما خرج إِلَى فَم الصُّلْح للابتناء ببوران إِذا جمَاعَة على الشط وَفِيهِمْ رجل يُنَادي بِأَعْلَى صَوته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نعم القَاضِي قَاضِي
стр. 778
جبل جزاه الله عَنَّا أفضل مَا جزى بِهِ أحدا من الْقُضَاة فَهُوَ الْعَفِيف النَّظِيف الناصح الحبيب الْمَأْمُون الْعَيْب وَكَانَ القَاضِي يحيى بن أَكْثَم يعرف قَاضِي جبل وَهُوَ الَّذِي ولاه وَأَشَارَ بِهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا الَّذِي يُنَادي ويثني على القَاضِي هُوَ القَاضِي نَفسه فاستضحك الْمَأْمُون واستظرفه وَأقرهُ على الْقَضَاء وَقد كَانَ أهل جبل وَقَعُوا عَلَيْهِ وَذكروا أَنه سَفِيه حَدِيد يعَض رُؤُوس الْخُصُوم
(سيندم قوم حاربوني وَإِنَّهُم ... ستطرقهم من جَانِبي أم قسطل)
أم قسطل الداهية
(وَإِن لساني مبضع أَي مبضع ... وَفِي كل عُضْو مِنْهُم عرق أكحل)
(وَأقسم لَوْلَا خشيَة الله والحيا ... نسخت بِهِ ذكرى جرير وجرول)
(بأسهم لفظ كالصواعق أرْسلت ... وأنصل معنى كالقضاء الْمنزل)
(وقافية تزداد حسنا وَجدّة ... وَتبقى بَقَاء الْوَحْي فِي صم جندل)
(قلائد مَا مرت بفكر مرقش ... وَلَا خطرت يَوْمًا ببال المهلهل)
(فَكُن حذرا فالحزم ينفع أَهله ... وَإِن كنت مِمَّن يجهل الْأَمر فاسأل)
وَقد أطلنا تَرْجَمته حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ الْحَال وَحَاصِله أَنه كَانَ فريد زَمَانه ووحيد أَوَانه وَمَا أَدْرِي بِأَيّ عبارَة أصف محاسنه وأذكر صنائعه وَكَانَ قبل مَوته بأيام نَهَضَ حَظه نهضة عَجِيبَة وَذَلِكَ لإقبال الْوَزير الْأَعْظَم مصطفى باشا الْمَقْتُول عَلَيْهِ وأدرّ عَلَيْهِ إدرارات كَثِيرَة وشفع لَهُ عِنْد الْمُفْتِي فولاه إِحْدَى الْمدَارِس الثمان ثمَّ بعد أشهر ولاه مدرسة زَالَ باشا الَّتِي بِأَيُّوب وَفَرح فَرحا شَدِيدا وَاتفقَ لي أَنِّي كنت عِنْده فَجَاءَهُ للتهنئة الْمولى رفقي الْمدرس بمدرسة إِبْرَاهِيم باشا بِمَدِينَة الغلطة فهناه ثمَّ ذكر لَهُ أَن هَذِه الْمدرسَة مَشْهُورَة بِالْيمن وَمن جملَة يمنها أَنه لم يَقع لأحد من مدرسيها أَنه مَاتَ وَهِي عَلَيْهَا فعجبت من هَذَا وَوَقع فِي وهمي أَن يكون مبدأ لمَوْت بعض مدرسيها وانفصل الْمجْلس ثمَّ فِي ثَانِي يَوْم رَأَيْت قرطاساً فِي وسط دواته فتأملت فِيهَا فرأيته قد شرع فِي عمل قصيدة وَكتب قوافيها وَلم يكْتب مِنْهَا إِلَّا المطلع وَهُوَ هَذَا
(ألم تَرَ أَن الْهم قد زَالَ بزالا ... وَأحسن آمالنا وَلنَا ومآلا)
فاستحكمت الطَّيرَة فِي وهمي من لَفْظَة زَالَ وفارقته عَشِيَّة النَّهَار وَهُوَ فِي لب الصِّحَّة فَفِي الصَّباح جَاءَنِي خَادِم لَهُ يدعوني إِلَيْهِ وَذكر لي الْخَادِم بِأَنَّهُ طعن بِاللَّيْلِ فأسرعت إِلَيْهِ فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ رَأَيْته قد انْعَقَد لِسَانه وأشرف على الْمَوْت وَبَقِي
стр. 779
إِلَى اللَّيْلَة الْقَابِلَة فَقضى نحبه وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لليلتين بَقِيَتَا من شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف وَكَانَ عمره أَرْبعا وَثَلَاثِينَ سنة فَإِن مولده على مَا أَخْبرنِي بِهِ فِي سنة خمس وَخمسين وَألف وَدفن خَارج بَاب أدرنة على يمنة الطَّرِيق الْآخِذ إِلَى مَدِينَة أَيُّوب وَقلت أرثيه بِهَذِهِ الأبيات
(كل حَيّ على البسيطة فَانِي ... غير وَجه الْمُهَيْمِن الرَّحْمَن)
(وشراب الْمنون فِي النَّاس يسرى ... سريان الْأَرْوَاح فِي الْأَبدَان)
(عَم حكم الفناء فِي الْخلق حَتَّى ... سَوف يرقى الردى إِلَى كيوان)
(وفناء الأقران شَاهد عدل ... وَدَلِيل على فَنًّا الأقران)
(لَو نجا من يَد الردى ذُو فخار ... خلد الْعدْل صَاحب الإيوان)
(إِن فِي الْمَوْت عِبْرَة للبيب ... لم تعقه علائق الجثمان)
(وَالسَّفِيه السَّفِيه من صرف الْعُمر ... بِشرب الطلا وَقرب الغواني)
(وَالَّذِي يَشْتَرِي جَهَنَّم باللذات ... أولى التُّجَّار بالخسران)
(فاغتنم فرْصَة الْحَيَاة فَمَا التسويف ... إِلَّا مَطِيَّة الحرمان)
(كل نفس تجزى بِمَا قدّمته ... وَجَزَاء الْإِحْسَان بِالْإِحْسَانِ)
(كَيفَ نرجو من الزَّمَان بَقَاء ... والمنايا تحول دون الْأَمَانِي)
(والورى وَالثَّرَى حباب وَمَاء ... ينطفي وَاحِد ويطفو الثَّانِي)
(أَيْن روح الزَّمَان من كنت فِي حِين ... وإياه كحلتي حلوان)
(كَانَ فِينَا كالورد فِي وجنات الغيد ... وَالسحر فِي عُيُون الحسان)
(عَاجل الدَّهْر نير الْفضل بالكسف ... وَبدر الْكَمَال بِالنُّقْصَانِ)
(رَجَعَ الْجَوْهَر النفيس إِلَى الأَصْل ... وأضحى مقره فِي الْجنان)
(لَيْت شعري وَلَيْسَ يجدي أَمن عمدٍ ... رمته الخطوب أم نِسْيَان)
(كَيفَ دكيت أَيهَا الحتف رضوى ... ونقلت الهضاب من ثهلان)
(جَادَتْ السحب قَبره من فَقِيه ... كَانَ فِي الْفِقْه وَارِث النُّعْمَان)
(وَحَكِيم يكَاد ينْطق عَن ... وَحي نَبِي أَو عَن نبا لُقْمَان)
(وأديب يغار من نثره الدّرّ ... وَمن نظمه عُقُود الجمان)
(وجوادٍ كَانَ فِي كَفه عَيْني ... محب أَو ملتقى عمان)
(كَانَ نفعا وَلم يزل وأحق النَّاس ... بِالْحَمْد دَائِم الْإِحْسَان)
стр. 780
(هوّن الدَّهْر بعده كل خطب ... فترانا من حربه فِي أَمَان)
(يَا صديقي تَرَكتنِي لخطوب ... يَنْقَضِي قبلهَا زمَان الزَّمَان)
(لست أرْضى عَلَيْك حكم لبيد ... مذهبي فِي الْوَفَاء حكم ابْن هاني)
(عيل صبري وَإِنَّمَا أتأسى ... بِعُمُوم الْمُصَاب فِي الْأَعْيَان)
(أسعد الصاحبين من مَاتَ من قبل ... وَأبقى الصّديق للأحزان)
(إِنَّمَا هَذِه مراحل تطوى ... والبرايا تساق كالركبان)
(كنت أخْشَى الورى لِرَبِّك خوفًا ... وَلمن خَافَ ربه جنتان)
(وَلَك السَّبق فِي جَمِيع الْمَعَالِي ... فتمتع بِالروحِ وَالريحَان)
عبد الْبَاقِي بن الشَّيْخ الْوَلِيّ الزين المزجاجي التحيتي بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَة إِلَى التحيتة خَارج زبيد الزبيدِيّ الشَّيْخ القطب الْفَرد الْجَامِع الْغَوْث الإلهي الصُّوفِي الْعَارِف بِاللَّه وَالدَّال عَلَيْهِ الإِمَام الْمجمع على تحَققه بالحقائق الغيبية ولد بالتحيتة وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن شُيُوخ كثيرين بِالْيمن وَأخذ طَرِيق النقشبندية عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى تَاج الدّين الْهِنْدِيّ وَبِه تخرج وَصَارَ خَلِيفَته من بعده فِي طَرِيق النقشبندية وَأخذ عَنهُ خلق لَا يُحصونَ مِنْهُم الشَّيْخ أَحْمد الْبَنَّا الدمياطي رَحل إِلَيْهِ ولازمه مُدَّة مديدة وَبِه تخرج وَلم يزل ينفع النَّاس حَتَّى نَقله الله تَعَالَى إِلَى دَار كرامته وَكَانَت وَفَاته فِي شهر ربيع الآخر سنة أَربع وَسبعين وَألف بِبَلَدِهِ التحيتة وَبهَا دفن وَآل المزجاجي قوم صَالِحُونَ لَهُم شهرة وسيادة بِالْيمن والمزجاجي بِكَسْر ثمَّ معجمات نِسْبَة إِلَى المزجاجية مَوضِع يصنع فِيهِ المزجاج بِالْقربِ من زبيد
عبد الْبَاقِي بن عبد الْبَاقِي بن عبد الْقَادِر بن عبد الْبَاقِي بن إِبْرَاهِيم بن عمر بن مُحَمَّد الْحَنْبَلِيّ البعلي الْأَزْهَرِي الدِّمَشْقِي المحدّث الْمقري الأثري الشهير بِابْن الْبَدْر ثمَّ بِابْن فَقِيه فصة وَهِي بفاء مَكْسُورَة ومهملة قَرْيَة ببعلبك من جِهَة دمشق نَحْو فَرسَخ وَكَانَ أحد أجداده يتَوَجَّه ويخطب فِيهَا فَلذَلِك اشْتهر بهَا وأجداده كلهم حنابلة وَقد ولد هُوَ ببعلبك وَقَرَأَ أَولا على وَالِده الْقُرْآن الْعَظِيم ثمَّ ارتحل إِلَى دمشق وَأخذ بهَا الْفِقْه عَن القَاضِي مَحْمُود بن عبد الحميد الْحَنْبَلِيّ خَليفَة الحكم الْعَزِيز بِدِمَشْق حفيد الشَّيْخ مُوسَى الحجاوي صَاحب الْإِقْنَاع وَعَن الشَّيْخ الْعَالم المحدّث أَحْمد بن أبي الوفا المفلحي المقدّم ذكره وَأخذ طَرِيق الصُّوفِيَّة عَن ابْن عَمه الشَّيْخ نور الدّين البعلي خَليفَة الشَّيْخ مُحَمَّد العلمي الْقُدسِي ولقنه الذّكر وَأَجَازَهُ الشَّيْخ العلمي
стр. 781
الْمَذْكُور فِي الْقُدس بالبداءة فِي الأوراد والأذكار والمحيا ورحل إِلَى مصر فِي سنة تسع وَعشْرين وَألف وَأخذ الْفِقْه عَن الشَّيْخ مَنْصُور وَالشَّيْخ مرعي البهوتيين وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر الدنوشري وَالشَّيْخ يُوسُف الفتوحي سبط ابْن النجار وَأخذ القراآت عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن اليمني والْحَدِيث عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَأبي الْعَبَّاس الْمقري والفرائض عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الشمريسي وَالشَّيْخ زين العابدين أبي دري الْمَالِكِي وَالشَّيْخ عبد الْجواد الجنبلاطي وَالْعرُوض عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الْحَمَوِيّ وَحِصَّة من الْمنطق والعربية عَن الشَّيْخ مُحَمَّد البابلي وَحضر دروسه ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وَقَرَأَ على الْعَلامَة عمر القارىء فِي النَّحْو والمعاني والْحَدِيث وَالْأُصُول وَحج فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف وَأَجَازَهُ عُلَمَاء مَكَّة كالشيخ مُحَمَّد بن عَلان الصديقي وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي الْحَنَفِيّ مفتي مَكَّة وَأخذ عَن أهل الْمَدِينَة كالشيخ عبد الرَّحْمَن الخياري وَكَذَلِكَ عَن عُلَمَاء بَيت الْمُقَدّس وَأَعْلَى سَنَد لَهُ فِي الحَدِيث مرويات الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي جَمِيع كتب الحَدِيث عَن الشَّيْخ حجازي الْوَاعِظ عَن ابْن أركماس من أهل غيط الْعدة بِمصْر عَن الْحَافِظ ابْن حجر وَحضر دروس الحَدِيث بالجامع الْأمَوِي عِنْد الشَّمْس الميداني والنجم الْغَزِّي ودروس التَّفْسِير عِنْد الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي وتصدر للإقراء بالجامع الْمَذْكُور فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف بكرَة النَّهَار وَبَين العشاءين فَقَرَأَ الْجَامِع الصَّغِير فِي الحَدِيث مرَّتَيْنِ وَتَفْسِير الجلالين مرَّتَيْنِ وَقَرَأَ صَحِيح البُخَارِيّ بِتَمَامِهِ وَمُسلم والشفا والمواهب وَالتَّرْغِيب والترهيب والتذكرة للقرطبي وَشرح البرءة والمنفرجة والشمايل والإحياء جَمِيع ذَلِك فِيهِ نظر ولازم ذَلِك مُلَازمَة كُلية بمحراب الْحَنَابِلَة أَولا ثمَّ بمحراب الشَّافِعِيَّة وَلم ينْفَصل عَن ذَلِك شتاء وَلَا صيفاً وَلَا لَيْلَة عيد حَتَّى أَنه لما زوج ولديه حضر تِلْكَ اللَّيْلَة وَكَانَ فِيهِ نفع عَظِيم وَأخذ عَنهُ خلق كثير أَجلهم الْأُسْتَاذ الْكَبِير وَاحِد الدُّنْيَا فِي المعارف إِبْرَاهِيم الكوراني نزيل الْمَدِينَة وَالسَّيِّد الْعَالم مُحَمَّد بن عبد الرَّسُول البرزنجي وَمِنْهُم وَلَده الْعَالم الْعلم الدّين الْخَيْر أَبُو الْمَوَاهِب مفتي الْحَنَابِلَة الْآن أبقى الله وجوده ونفع بِهِ وَشَيخنَا المرحوم عبد الْحَيّ العكري الْآتِي ذكره وَغَيرهم وَله مؤلفات مِنْهَا شرح على البُخَارِيّ لم يكمله ودرس بِالْمَدْرَسَةِ العادلية الصُّغْرَى وَصَارَ خَطِيبًا بِجَامِع منجك الَّذِي يعرف بِمَسْجِد الأقصاب خَارج دمشق وَكَانَ شيخ الْقُرَّاء بِدِمَشْق ونظم الشّعْر إِلَّا أَن شعره شعر الْعلمَاء وَلَقَد رَأَيْت من شعره الْكثير فَلم أر فِيهِ
стр. 782
مَا يصلح للإيراد وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي ذكر مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من الْعُلُوم والأوصاف الفائقة مَا يُغني عَن الشّعْر وأشباهه وَكَانَت وِلَادَته لَيْلَة السبت ثامن شهر ربيع الثَّانِي سنة خمس بعد الْألف وَتُوفِّي لَيْلَة الثُّلَاثَاء سَابِع عشري ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وَدفن بتربة الغربا من مَقْبرَة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
عبد الْبَاقِي بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن خَلِيل بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن غَانِم بن عَليّ بن حسن بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْعَزِيز بن سعيد بن سعد ابْن عبَادَة سيد الْخَزْرَج الْمَقْدِسِي الأَصْل الْمصْرِيّ إِمَام الأشرفية بِمصْر هَكَذَا رَأَيْت نسب جده إِمَام الْمُحَقِّقين الْآتِي ذكره فِي غَالب الْيَقِين أَن فِيهِ نقصا كَانَ صَاحب هَذِه التَّرْجَمَة من مشاهير الأفاضل لَهُ انهماك على تَحْصِيل الْعُلُوم وَتَقْيِيد الْفَوَائِد الغريبة وَكَانَ يحفظ مِنْهَا كثيرا وَحصل بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة جدا فِي فنون وَكَانَ ملازماً لِلْعِبَادَةِ والاستفادة مترفعاً عَن الدُّنْيَا وَأَهْلهَا لَا يتَرَدَّد إِلَى أحد إِلَّا فِي خير وَكَانَ نير الْوَجْه جمالِيًّا سمح النَّفس حسن الصِّفَات شرِيف الطباع مَشْهُورا بِقِيَام اللَّيْل وإحياء اللَّيَالِي الفاضلة قَرَأَ فِي الْفِقْه على الشَّمْس مُحَمَّد المحبي وَمُحَمّد الشلبي والشهاب أَحْمد الشَّوْبَرِيّ وَحسن الشُّرُنْبُلَالِيّ الحنفيين وَغَيرهم وَأخذ بَقِيَّة الْعُلُوم عَن كثيرين مِنْهُم الشَّمْس الشَّوْبَرِيّ وَيس الْحِمصِي والنور الشبراملسي وسلطان المزاحي وَمُحَمّد البابلي وَعبد الْجواد الخوانكي وسري الدّين الدروري وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ مِنْهُم صاحبنا المرحوم عبد الْبَاقِي بن أَحْمد السمان وصاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله وَكَانَ صاحبنا الأول يثني عَلَيْهِ ثَنَاء بليغاً ويفضله على جَمِيع من عاصره من عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة وَحكى لي أَنه كَانَ مَعَ مَا اجْتمع فِيهِ من المهابة شَدِيد الْبسط كثير الدعابة والغزل وَطرح التسمت مليح الحَدِيث لَا يمل وَإِن طَال وَله تآليف كَثِيرَة من أجلهَا شَرحه على الْكَنْز فِي الْفِقْه سَمَّاهُ الرَّمْز وَالسُّيُوف الصقال فِي رَقَبَة من يُنكر كرامات الْأَوْلِيَاء بعد الِانْتِقَال وَله تذكرة فِي أَربع مجلدات جمع فِيهَا فأوعى وقفت عَلَيْهَا شكرا لله سَعْيه وَقد سَمَّاهَا رَوْضَة الْآدَاب وفيهَا يَقُول ابْن السمان الْمَذْكُور مادحاً لَهَا ولمؤلفها
(مَا عروس بَدَت بِغَيْر حجاب ... وكؤوس جلت صدا الْأَلْبَاب)
(ورحيق مزاجه سلسبيل ... روّقته السقاة فِي الأكواب)
(وربيب إِذا رَأَتْ وَجهه الشَّمْس ... تَوَارَتْ من وَقتهَا بالحجاب)
стр. 783
(ذُو لحاظ ترمي سِهَام المنيات ... بهَا من كنائن الْأَهْدَاب)
(تَحت فرع كَأَنَّهُ ظلمَة الْبعد ... وَفرق كالوصل والاقتراب)
(فَإِذا مَا شدا بِصَوْت رخيم ... ذكر الناسكين عهد التصابي)
(كثمار من الْفَوَائِد فِي أَغْصَان ... علم بروضة الْآدَاب)
(أبدعتها أَيدي إِمَام الْهدى وَالْعصر ... بَحر الندا مُبين الصعاب)
(عَالم الْوَقْت منبع الشَّرْع وَالدّين ... يفضل النهى وَفصل الْخطاب)
(من بألفاظه لقد شرف الْمِنْبَر ... وازداد رونق الْمِحْرَاب)
(هُوَ كالبحر كل صَاد تروى ... من نداه وَغَيره كالسراب)
(دَامَ فَردا فِي الْفضل جَامع علم ... مَا صبا مغرم لعهد الشَّبَاب)
وَأَخْبرنِي أَنه كَانَ هُوَ وإياه فِي مجْلِس حافل فَدخل عَلَيْهِم رجل وَأنْشد قصيدة فِي مديح الْمَقْدِسِي منحطة الرُّتْبَة وَاعْتذر فِيهَا عَن قصوره قَالَ فأنشدت بديها هَذِه الأبيات على الْوَزْن والقافية
(قصرت فِي مدح الإِمَام الْمَقْدِسِي ... وحوادث الْأَيَّام عذر الْمُفلس)
(عَلامَة الْأَعْلَام والغصن الَّذِي ... بِالْفَضْلِ يعرف فِيهِ طيب المغرس)
(سَعْدا لكَمَال وَسيد الْعلمَاء من ... بِوُجُودِهِ نعفو عَن الزَّمن المسي)
(حبر إِذا اجْتمع الصُّدُور بِمَجْلِس ... يَوْم التفاخر فَهُوَ صدر الْمجْلس)
(شدّت بأوتار النُّجُوم خيامه ... مَضْرُوبَة فَوق الْأَثِير الأطلس)
(أفكاره تجلو الخطوب عَن الورى ... وضياؤه يجلو ظلام الحندس)
(قد مثل الله الْعُلُوم لَهُ كَمَا ... لنَبيه تَمْثِيل بَيت الْمُقَدّس)
(فَإِذا مدحت أولي الْفَضَائِل والنهى ... فالبس من الْآدَاب أَفْخَر ملبس)
(فالمدح بالشعر الضَّعِيف لمثله ... كالهجو تكرههُ كرام الْأَنْفس)
وَحكى لي الْأَخ الشَّيْخ مصطفى أَنه حضر دروسه فِي الْجَامِع الصَّغِير للسيوطي بالأشرفية قَالَ وَاتفقَ أَنِّي دخلت عَلَيْهِ يَوْم عيد فِي بَيته أُعِيدهُ وأعوده وَهُوَ مَرِيض مرض الْمَوْت وَكَانَ لَهُ ولد صَغِير فَلَمَّا خرجت من عِنْده أَعْطيته شَيْئا من الدَّرَاهِم فَرجع إِلَى وَالِده فَأخْبرهُ فناداني وَقَالَ لي فِي الْجنَّة بَاب يدْخل مِنْهُ مفرحو الْأَطْفَال أَرْجُو الله تَعَالَى أَن تكون مِنْهُم قَالَ وَرَأَيْت بِخَطِّهِ من شعره قَوْله
(صادني خشف ربيب ... فاتن بالْحسنِ يسمو)
стр. 784
(ظن عذالي سلوى ... إِن بعض الظَّن إِثْم)
وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
عبد الْبَاقِي بن يُوسُف بن أَحْمد شهَاب الدّين بن مُحَمَّد بن علوان الزّرْقَانِيّ الْمَالِكِي الْعَلامَة الإِمَام الْحجَّة شرف الْعلمَاء ومرجع الْمَالِكِيَّة وَكَانَ عَالما نبيلاً فَقِيها متبحراً لطيف الْعبارَة ولد بِمصْر فِي سنة عشْرين وَألف وَبهَا نَشأ وَلزِمَ النُّور الأَجْهُورِيّ سِنِين عديدة وَشهد لَهُ بِالْفَضْلِ وَأخذ عُلُوم الْعَرَبيَّة عَن الْعَلامَة يس الْحِمصِي والنور الشبراملسي وَحضر الشَّمْس البابلي فِي دروسه الحَدِيث وَأَجَازَهُ جلّ شُيُوخه وتصدر للإقراء بِجَامِع الْأَزْهَر وَألف مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا شرح على مُخْتَصر خَلِيل تشد إِلَيْهِ الرّحال وَشرح على العزية وَغير ذَلِك وَكَانَ رَقِيق الطَّبْع حسن الْخلق جميل المحاورة لطيف التأدية للْكَلَام وَكَانَت وَفَاته ضحى يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشري شهر رَمَضَان سنة تسع وَتِسْعين وَألف بِمصْر وَدفن بتربة المجورين
عبد الْبَاقِي شَاعِر الرّوم وحسانها الأديب الشَّاعِر الْفَائِق الشهير بباقي كَانَ أوحد أهل عصره فِي الْفضل وَالْأَدب وَله الشُّهْرَة الطنانة فِي الشّعْر البليغ وَأهل الرّوم يطلقون عَلَيْهِ سُلْطَان الشُّعَرَاء فِيمَا بَينهم وَذكر مبدأه أَنه كَانَ يتعانى حِرْفَة السُّرُوج ثمَّ تَركهَا وتشبث بأذيال الْعُلُوم واشتغل على كثير من عُلَمَاء وقته وَوصل آخرا إِلَى شيخ الْإِسْلَام أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ فواظب على درسه وفاز مِنْهُ بالملازمة الْعُرْفِيَّة وَمَا زَالَ صيته يسمو بِحسن الشّعْر حَتَّى وصل إِلَى مسامع السُّلْطَان سُلَيْمَان فَالْتَفت إِلَيْهِ وصيره مدرساً وَلم يزل يترقى فِي الْمدَارِس إِلَى أَن وصل إِلَى إِحْدَى الْمدَارِس السليمانية ثمَّ عزل عَنْهَا بِلَا مُوجب وأدركته حِرْفَة الْأَدَب ثمَّ بعد مُدَّة ولي الْمدرسَة السليمية بدار السلطنة وَولي مِنْهَا قَضَاء مَكَّة المشرفة ثمَّ نقل إِلَى قَضَاء الْمَدِينَة المنورة وعزل عَنْهَا فَأَقَامَ معزولاً عدَّة سِنِين ثمَّ استقضى بدار السلطنة ونال بعد ذَلِك قَضَاء العسكرين مرّة بعد مرّة وَقد ذكره الْمولى عبد الْكَرِيم بن سِنَان فِي تراجمه فَقَالَ فِي وَصفه كَانَ ذَا بَيَان عذب ولسان عضب حل عقد الفصاحة بِمَا قَيده وبيض وَجه البلاغة بِمَا سوده نفث فِي عقول الْبَحْر بسحره وطار إِلَى الأقطار هزار شعره لَهُ منظوم أرق من الدمع ومنثور يقتطف ببنان السّمع
(بِكُل لفظ كَأَنَّهُ نفس ... غير مُمل لطول ترديد)
حلى جيد الزَّمَان بفرائد قلائده وَمَا الدَّهْر إِلَّا من رُوَاة قصائده سَارَتْ بأشعاره
стр. 785
الصِّبَا وَالْقَبُول وصادفت من النَّاس مواقع الْقبُول كَأَنَّهَا نفس الريحان وأزهاره تمزجه صبا الأصائل من أنفاس نواره فَكَأَن مداد دواته من غاليه إِذْ أَصبَحت أسعار أشعاره غَالِيَة أَلْفَاظ كَمَا نورت الْأَشْجَار وَمَعَان كَمَا تنفست الأسحار إِذا ألبس قلمه ثوب المداد عرى من الفصاحة قس إياد وَلَو حاراه الْكُمَيْت فِي حلبة البلاغة لَكَانَ قصاراه التَّقْصِير وَلَو ناظره ابْن برد لقيل لَهُ هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير فيا لَهُ من شعر سَار مسير الْأَمْثَال وَبلغ مَا بلغ الصِّبَا وَالشمَال يكَاد يخرج من حدّ الشّعْر إِلَى حد السحر شفت ظروف حُرُوف مبانيه فَنمت على سلافة لطافة مَعَانِيه كَمَا نمّ الزّجاج على الرَّحِيق والنسيم على شذا الرَّوْض الأنيق وَكَانَ ذَا نفس أَبِيه وهمة وحميه يُجَاهر فِي سبّ أَعْيَان زَمَانه من أضرابه وأقرانه بل كَانَ لَا يسلم من عضب لِسَانه أحد وَلَا يدْرك لَهُ غَايَة وَلَا حد فَرُبمَا أصبح كَذَلِك وَهُوَ بِإِحْرَام الحرمان مُشْتَمل أشبعتهم سباً وفازوا بِالْإِبِلِ وَكَانَت صحبته أحلى من قبْلَة الحبيب وغفلة الرَّقِيب انْتهى قلت وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ نادرة الزَّمَان وَوَاحِد الرّوم فِي الشّعْر وَمَعَ كَثْرَة شعره بالتركية والفارسية لم أظفر لَهُ من شعره الْعَرَبِيّ إِلَّا بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ التوأمين وهما قَوْله
(لم يبْق منا غير آثارنا ... وتنمحي من بعد أَخْلَاق)
(وكلنَا مرجعنا للفنا ... وَإِنَّمَا الله هُوَ الْبَاقِي)
ثمَّ وقفت لَهُ على هَذَا الْبَيْت الْفَذ قَالَه فِي هجاء ابْن بُسْتَان الرُّومِي وَهُوَ قَوْله
(وَإِذا أَشرت إِلَى كذوب مفتر ... فَإلَى ابْن بُسْتَان بِكَذَّابٍ أشر)
وَكَانَ يجْرِي لَهُ مَعَ أدباء عصره مطارحات ومنادمات يتداولها إِلَى الْآن أدباء الرّوم فِي مجَالِسهمْ وَيَتَحَدَّثُونَ عَنهُ بنكات كَانَت تصدر عَنهُ من ألطف مَا يكون وَمن أحْسنهَا موقعاً مَا اشْتهر عَنهُ أَنه كَانَ نظم قِطْعَة من الشّعْر فِي غُلَام مَشْهُور بالجمال فَلَمَّا سمع الْغُلَام الْقطعَة أعجبه مَا فِيهَا من التخيل وَأقسم أَنه يقبل رجله إِذا رَآهُ فاتفق أَنه صادفه فِي بعض أسواق قسطنطينية وَبَاقِي رَاكب وجماعته فِي خدمته فَدخل الْغُلَام وَأَرَادَ يقبل رجله فَمَنعه من ذَلِك وَقَالَ مَا حملك على هَذَا أَلَك حَاجَة فَقَالَ لَا وَأخْبرهُ بِالْيَمِينِ الَّذِي حلفه فَقَالَ لَهُ أَنا نظمت الشّعْر بفمي وَلم أنظمه برجلي فَخَجِلَ الْغُلَام وَانْصَرف وَوجدت فِي ديوَان أبي بكر الْعمريّ ذكر هَذِه الْوَاقِعَة وَقد نظمها فِي أَبْيَات ثَلَاثَة وَهِي
стр. 786
(قَالَ لما وَصفته ببديع الْحسن ... ظَبْي يجل عَن وصف مثلي)
(مكن العَبْد أَن يقبل رجلا ... لَك كَيْمَا يُجِيز فضلا بِفضل)
(قلت أنصف فدتك روحي فَإِنِّي ... بفمي قد نظمته لَا برجلي)
وَقَرِيب من هَذَا قَول الصاحب ابْن عباد
(وشادن جماله ... تقصر عَنهُ صِفَتي)
(أَهْوى لتقبيل يَدي ... فَقلت لَا بل شفتي)
وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة من هَذَا النَّوْع لطائف كَثِيرَة والعنوان يدل على مَا فِي الصَّحِيفَة وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة ثَمَان بعد الْألف
عبد الْبَاقِي الْمَعْرُوف بالإسحاقي المنوفي الأديب الشَّاعِر الْفَائِق كَانَ قَاضِيا فَاضلا عَالما مؤرخاً كثير النّظم للشعر صَحِيح الفكرة وَله تَارِيخ لطيف ورسائل كَثِيرَة قَرَأَ بِبَلَدِهِ على شُيُوخ كثيرين وَكَانَ يتردّد إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن أكَابِر علمائها وَمن شعره الغض الْبَهِي قَوْله
(تمشت لنا تخجل الكوكبا ... فناديتها مرْحَبًا مرْحَبًا)
(غزالة أنس لَهَا طلعة ... إِذا خالها الصب حَقًا صبا)
(أدارت بحضرتنا قهوة ... وطافت بكأس الطلا مذهبا)
(رنت ورمتني بألحاظها ... وَقد أذكرتني عهد الصِّبَا)
(فَلَو أنّ نظرتها كالظبا ... لهان وَلَكِن كحدّ الظبا)
(وغنت لنا فطربنا لَهَا ... فيا حسن ذَاك الَّذِي أطربا)
(غزالية آنست صبها ... وَأَنت محبتها زينبا)
(فهمنا فهمنا غراماً بهَا ... وَعَن حالتي حبها أعربا)
(وصبّرت قلباً غَدا هائماً ... وَقد كَاد فِي الْحبّ أَن يذهبا)
(فَفِيهَا مديحي عذب يرى ... وَفِي غَيرهَا الْمَدْح لن يعذبا)
(سأجعل فِي وصفهَا نبذة ... وأركب فِي حبها أشهبا)
(مدحت فقصر قلبِي المديح ... وَكَانَ مرادي أستوعبا)
(وَإِنِّي فِي وَصلهَا سَيِّدي ... تراني بَين الورى أشعبا)
(فبالله يَا نسمَة البان أَن ... حففت على حَيّ ذَاك الرِّبَا)
(وجزت رياضاً بهَا غادتي ... فهات لنا عَن حلاها نبا)
стр. 787
(أيا عاذلي فِي هَواهَا اتئد ... حَدِيثك عِنْدِي مثل الهبا)
(سقى الله روضاً بِهِ سادتي ... من الوبل غيثاً بِهِ صيّبا)
(لِأَنِّي بَاقٍ على عَهدهم ... أرى حبهم مذهبا مذهبا)
وَمن مطرياته هَذِه الخمرية وَهِي قَوْله
(أمل لي كأساً تَمامًا ... واسقني جَاما فجاما)
(وَاجعَل الدرة كأساً ... وَخذ التبر مداما)
(تمم الكاس فَإِن الكاس ... مَا كَانَ تَمامًا)
(واتخذها سلما للهو ... يسمو أَن يساما)
(وتوهم أَنَّهَا الْحل ... وَإِن كَانَت حَرَامًا)
(ثمَّ أزهى مَوضِع فِي الرَّوْض ... فاختره مقَاما)
(وَإِذا مَا شِئْت أَن تسكر ... فاستدع النداما)
(وَليكن خمرك عاديا ... وساقيك غُلَاما)
(يمْلَأ الكاسات والألحان ... برأَ وسقاما)
(يمْلَأ الْقلب سُرُورًا ... وانبساطاً وغراما)
(عابثاً بالغصن أعطافاً ... وبالزهر ابتساما)
(ومحلى بالطلا جيدا ... وبالعارض لاما)
(وَترى مِنْهُ القوام الْغُصْن ... والغصن القواما)
(وَترى الأغصان إجلالاً لَهُ ... هيباً قيَاما)
(وَترى الشَّمْس وَبدر التم ... نَارا ثمَّ راما)
(فَهُوَ الْمَطْلُوب للمجلس رَأْسا ... وَأما مَا)
(اسْقِنِي بالكوب والكاس ... فُرَادَى وتؤاما)
(ثمَّ بالطاس إِلَى أَن ... تتراءى الْهَام هاما)
(ثمَّ بالجرّّة فالجرّة ... حَتَّى أترامى)
(اسْقِنِي حِينَئِذٍ بالزق ... حَتَّى لَا كلَاما)
(ثمَّ بالدن فَتلك الْغَايَة ... القصوى تَمامًا)
(ثمَّ خُذ عني مَا شِئْت ... وَلَا تخش أثاما)
(والتقط مني الجمان ... الْفَرد نثراً ونظاما)
стр. 788
(وَإِذا لم يكن الطافح ... بالكاس هماما)
(فاغد واعذر وَإِذا رام ... خطابا قل سَلاما)
ويستحسن مِنْهُ قَوْله
(أذكرت أيتها الْحَمَامَة غيدا ... ومعاهداً سلفت لنا وعهودا)
(وصدحت فَوق أراكة فتصدّعت ... قلباً وَحين صعدت ذَا الأملودا)
(أذكرت أشجاناً لنا ومعاهداً ... وَصفا تقضّى طارفاً وتليدا)
(هَذَا على أَن الغرام إِذا زكى ... ظلّ الشجى يتَوَقَّع التغريدا)
(لله أَيَّام نعمت بهَا وَقد ... عقد الْغَمَام على الغصون نهودا)
(حَيْثُ الشجى طوراً يخمش كاعباً ... وَمن الجوى طوراً بجمش رودا)
(حَيْثُ الشمَال يُحَرك العذبات إِذْ ... يخطو ويخطر والرياض وبيدا)
(حَيْثُ المثاني والمثالث هَذِه ... ترنو وَذي بشجى تحرّك عودا)
(هَذَا وَمَعَ أَنا وَلَو طفحت كؤوس ... الراح واشتعل المدام وقودا)
(مَا حركت منا المدام سوى الرؤوس ... كَذَا الشمَال تحرّك الأملودا)
(أتؤوب هاتيك اللويلات الَّتِي ... فِيهَا نظمت لآلئاً وعقودا)
(ولرب خل حَاز أَنْوَاع الذكا ... وَلذَا غَدا فِي المكرمات فريدا)
(سامرته وجنوت من أَلْفَاظه ... مَا يخجل الصَّهْبَاء والعنقودا)
(وجلا عليّ عرائساً من فكره ... حسنت طلاً ومعاطفاً وقدودا)
(وأفادني وأفدته والخل يحمد ... أَن يفاد معانياً ويفيدا)
(فالعقل نَام والعفاف بِحَالهِ ... ومجيد فكرتنا استمرّ مجيدا)
(يَا عبد فابق على اصطباحك واغتباقك ... واصحبن الْعَهْد والمعهودا)
وَقد ذكرته فِي كتابي النفحة وَذكرت لَهُ من غزلياته قدرا زَائِدا على هَذَا وَالْحق أَن شعره مَا عَلَيْهِ غُبَار وَكَانَت وَفَاته فِي نَيف وَسِتِّينَ وَألف ببلدة منوف
عبد الْبر بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن زين الفيومي الْعَوْفِيّ الْحَنَفِيّ أحد أدباء الزَّمَان المتفوقين وفضلائه البارعين كَانَ كثير الْفضل جم الْفَائِدَة شَاعِرًا مطبوعاً مقتدراً على الشّعْر قريب المأخذ سهل اللَّفْظ حسن الإبداع للمعاني مخالطاً لكبار الْعلمَاء والأدباء معدوداً من جُمْلَتهمْ أَخذ الْعلم بِمصْر عَن الشَّيْخ أَحْمد الوارثي الصديقي وَالْأَدب عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الْحَمَوِيّ والقراآت عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن اليمني
стр. 789
وَفَارق موطنه فحج أَولا وَأخذ بِمَكَّة عَن ابْن عَلان الصديقي وَكتب لَهُ إجَازَة مؤرخة بأواخر ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف ثمَّ دخل دمشق وحلب فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأخذ بحلب عَن النَّجْم الحلفاوي الْأنْصَارِيّ وَلَزِمَه للْقِرَاءَة عَلَيْهِ فِي شرح الدُّرَر فِي الْفِقْه مَعَ حَاشِيَة الوافي وَشرح ابْن ملك على الْمنَار مَعَ حَوَاشِيه الثَّلَاث عزمي زَاده وقرا كَمَال والرضي بن الْحَنْبَلِيّ الْحلَبِي وَشرح الجامي مَعَ حَاشِيَته لعبد الغفور ومختصر الْمعَانِي مَعَ حَاشِيَته للخطائي ثمَّ خرج إِلَى الرّوم فورد مورد الْعَلامَة أبي السُّعُود الشعراني وَقَرَأَ عِنْده جَامع الْأُصُول للربيع اليمني وَهُوَ فِي تَحْرِير الْأَحَادِيث وَشرح الهمزية لِابْنِ حجر بِتَمَامِهِ وَنصف سيرة الْخَمِيس أَو قَرِيبا مِنْهُ وجانباً من فتاوي قَاضِي خَان وَبَعض فَرَائض السِّرَاجِيَّة وَكَثِيرًا من مبَاحث التَّفْسِير وَأَجَازَهُ وَلزِمَ الشهَاب الخفاجي فَقَرَأَ عَلَيْهِ بعض شرح الْمِفْتَاح للتفتازاني وَبَعض شرح نَفسه على الشفا وَكتب لَهُ خطه على هَامِش الْكِتَابَيْنِ وَلما ولي قَضَاء مصر استصحبه مَعَه إِلَى صلَة رَحمَه واستنابه بَين بَابي الْفَتْح والنصر وصيره معيداً لدرسه فِي حَاشِيَته على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَفِي شرح صَحِيح مُسلم للنووي وَأخذ بالروم عَن الْمولى يُوسُف بن أبي الْفَتْح الدِّمَشْقِي إِمَام السُّلْطَان وَولي من المناصب إِفْتَاء الشَّافِعِيَّة بالقدس مَعَ الْمدرسَة الصلاحية وَدخل دمشق وَأقَام بهَا فِي حجرَة بِجَامِع المرادية نَحْو سنتَيْن وَلم يقدر على الدُّخُول إِلَى الْقُدس خوفًا من الشَّيْخ عمر بن أبي اللطف مفتي الشَّافِعِيَّة قبله ثمَّ لما مَاتَ الشَّيْخ عمر ترحل إِلَيْهَا وَمكث بهَا أَيَّامًا وَلما لم ينل حَظه من أَهلهَا ترك الْفَتْوَى والتدريس وَرَأى الْمصلحَة فِي الرُّجُوع إِلَى الرّوم فانتقل إِلَيْهَا وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ انتظم فِي سلك الموَالِي فولي بعض مناصب وَمَات وَهُوَ مَعْزُول عَن ساقز وَله تآليف كَثِيرَة حَسَنَة الْوَضع أشهرها كِتَابه منتزه الْعُيُون والألباب فِي بعض الْمُتَأَخِّرين من أهل الْآدَاب جعله على طَريقَة الريحانة إِلَّا أَنه رتبه على حُرُوف المعجم وَجمع فِيهِ بَين شعراء الريحانة وشعراء المدائح الَّذِي أَلفه التقي الفارسكوري وَزَاد من عِنْده بعض متقدميه وَبَعض عصريين وَهُوَ مَجْمُوع لطيف وَفِيه يَقُول الأديب يُوسُف البديعي
(كتاب ذِي الْفضل عبد الْبر منتزه الْعُيُون ... أحسن تأليف وَمُنْتَخب)
(حوى محَاسِن أَقوام كَلَامهم ... فِي النّظم والنثر يلفى زبدة الْأَدَب)
(رأى البديعي مَا فِيهِ فحقق أَن ... مَا مثل رونقه فِي سَائِر الْكتب)
стр. 790
وَله حَاشِيَة على شرح الْهمزَة لِابْنِ حجر صَغِيرَة الحجم وَكتاب بُلُوغ الأرب والسول بالتشرف بِذكر نسب الرَّسُول وَكتاب اللطائف المنيفة فِي فضل الْحَرَمَيْنِ وَمَا حولهما من الْأَمَاكِن الشَّرِيفَة وَكتاب حسن الصَّنِيع فِي علم البديع وَله بديعية على حرف النُّون وَشَرحهَا ومطلعها
(لما تذكرت سفح الْخيف والبان ... أهلّ دمعي وروّى رَوْضَة البان)
وَقد عَارض فِيهِ بديعية شَيْخه الْحَمَوِيّ ومطلع قصيدته
(هجري على ولي وصل بأحياني ... أماتني الهجر جَاءَ الْوَصْل أحياني)
وَله رِسَالَة فِي التوشيع سَمَّاهَا إرشاد الْمُطِيع ورسالة سَمَّاهَا مشكاة الاستنارة فِي معنى حَدِيث الاستخارة ورسالة فِي الْقَلَم وَأُخْرَى فِي السَّيْف وَله شعر كثير غالبه مسبوك فِي قالب الإجادة وَعَلِيهِ رونق الانسجام والبلاغة فَمن ذَلِك قَوْله
(تبدّى مليك الْحسن فِي مجْلِس الْبسط ... بقدٍّ كغصن البان أَو ألف الْخط)
(وَأبْدى على شَرط الْمحبَّة حجَّة ... مسلمة أَحْكَامهَا قطّ مَا تخطي)
(وَمن شَرطه فِي الخدّ قبْلَة عاشق ... فَكَانَ مداد الْحسن فِي ذَلِك الشَّرْط)
اختلسه من قَول ابْن حجَّة فِي قصيدته الَّتِي قَالَهَا فِي مدح حماه
(وَقد جَاءَ شَرط الْبَين أَنِّي أغيب عَن ... حماها لقد أدْمى فُؤَادِي بِالشّرطِ)
وَمن تشبيهاته
(رَأَيْت يَوْمًا عجبا ... فيا لَهُ من عجب)
(النُّور مبيضّاً على ... محمر لون القضب)
(كخيمة من فضَّة ... على عَمُود ذهب)
وَمن ذَلِك قَوْله
(انْظُر إِلَى الزهر النَّضِير العسجدي ... يَدْعُو إِلَى لَهو كوجه الأغيد)
(فالورد فِي الروضات محمرّ على ... أغصانه الْخضر الحسان الميد)
(ملاءة من ذهب منشورة ... من تحتهَا قَوَائِم الزبرجد)
وَله فِي الدولاب
(إِنَّمَا الدولاب فِي دوره ... يهيم من شوق وأشجان)
(ينوح حزنا وَيرى باكياً ... بأعين تهمى على البان)
وَقَرِيب مِنْهُ قَول أَحْمد بن عبد السَّلَام الْمصْرِيّ
(وروضة دولابها دائر ... موله من فرط أشجانه)
(فكله من وجده أعين ... تبْكي على فرقة أغصانه)
وَالْأَصْل فِيهِ قَول ابْن تَمِيم
стр. 791
(ودولاب روض كَانَ من قبل أغصنا ... تميس فَلَمَّا غيرتها يَد الدَّهْر)
(تذكر عهدا بالرياض فكله ... عُيُون على أَيَّام عهد الصِّبَا تجْرِي)
ولعَبْد الْبر فِي دولاب الْعِيد الَّذِي يَدُور بالأولاد
(إِنَّمَا الْولدَان فِي عيدهم ... من فَوق دولاب بهم دَارا)
(قد أدركوا الْعِشْق وأحواله ... فالعقل قد دَارا وَمَا دَارا)
وَله فِيهِ أَيْضا
(دولاب عيد دَار بالمنحنى ... لطلعة قامتها ناضرة)
(يروي لنا عَن فلك دائر ... وَالشَّمْس مَا زَالَت بِهِ دَائِرَة)
قَالَ وَلما وَردت بروسة وَرَأَيْت الْحمام الخلقي الَّذِي يُقَال لَهُ قبلجة وَهُوَ مَاء حَار يخرج من تَحت جبل عَال قلت
(وَمَاء لَهُ طبع الْحَرَارَة خلقَة ... من الْجَبَل الصلد الْعَظِيم لقد سلك)
(إِلَى كل حَوْض مستدير موسع ... ترَاهُ مدَار المَاء ملعبه السّمك)
(تَدور بِهِ الْولدَان طالعة وَقد ... تغيب كشأن النيرين من الْفلك)
وَقلت فِيهِ أَيْضا وَهُوَ معنى حسن
(وحوض كَبِير مستدير وماؤه ... حرارته بالطبع للبرد دافعه)
(أحاطت بِهِ الأقمار من كل جَانب ... وَمن أفقه شمس المحاسن طالعه)
وَمن لطائف شعره قَوْله فِي الْغَزل
(لي حبيب قد سالماه ... عذباً وطرفاه سالماه)
(فيا خليلاي عذر صب ... جواداً وَإِلَّا فسالماه)
(فالطرف هام من التَّجَافِي ... طول اللَّيَالِي قد سَالَ ماه)
(وَسَاكن الْقلب مذرآه ... يهيم بالوجد سَالَ مَا هُوَ)
الأول سَاءَ بِالْهَمْزَةِ مَقْصُور للشعر ولمى أَي الرِّيق فَاعل وإساءته مَنعه لوارده وَالثَّانِي مَاض وَالْألف للتثنية وَالثَّالِث أَمر لاثْنَيْنِ وَالرَّابِع من الإسالة وَالْمَاء قصر للضَّرُورَة وَالْخَامِس من السُّؤَال سهلت الْهمزَة ضَرُورَة وَمَا سُؤال على سَبِيل تجاهل الْعَارِف وَقد حذا فِي هَذَا حَذْو أَحْمد النَّسَفِيّ الْمَعْرُوف بقعود وَزَاد عَلَيْهِ بالتصريع وأبيات النَّسَفِيّ هِيَ هَذِه
(يَا صاحبيّ اتركا معنى ... أَو فاعذلاه وعارضاه)
стр. 792
(فَمَا تطيقان رشد غاو ... بِمَا يلاقي وعارضاه)
(سبى حشاه وَالْعقل مِنْهُ ... عينا غزال وعارضاه)
(يَا جمع من صير التصابي ... فِي الْحسن عاراً بالعارضا هَوَاهُ)
وَمن شعر الفيومي قَوْله فِي الْغَزل
(حبيب لَهُ جسمي وقلبي رَاغِب ... ولي مِنْهُ هجر وَهُوَ للوصل رَاهِب)
(لَهُ من غرامي فِي فُؤَادِي أعين ... ولي من جفاه والتباعد حَاجِب)
(نزيل الحشا لم يرع مثوى بِهِ نشا ... وَكَيف انتشى والوجد للصب ناصب)
(وَلم طبعه لم يكْسب الْخَفْض بُرْهَة ... من الجفن والولهان للكسر كاسب)
(لَهُ فِي عيوني من رقيبي حارس ... وَمن خاطري خل وفيّ وَصَاحب)
وَله من فصل فِي
(غُضُون شكاية من الزَّمن ... قد كَانَ الْفضل فِي المراقي)
من نصل عُيُون الدَّهْر هُوَ الراقي والترقي فِي الْأَدَب بِهِ التوقي من النصب والوصب وكل هَذَا ذهب وانحصر الدَّوَاء فِي الْفضة وَالذَّهَب فالمفلحون فِي خبايا النُّقُود قعُود والمفلسون فِي زَوَايَا الخمول رقود فدع فضل الْعلم والحسب وَاسع أَن يكون لَك من المَال خير نشب فقد كَانَ الْأَدَب وَدِيعَة واسترد وَصَارَ الدِّرْهَم مرهماً ولبرء سَاعَة استعد وَمن هَذَا الْقَبِيل قَول زين الدّين بن الْجَزرِي من مقامة لَهُ قد كَانَ شراب الْأُصُول يداوي العليل والآن لَيْسَ فِي غير الديناء شِفَاء للغليل ألم تسمع أَن الدَّرَاهِم لجروح الْعَدَم مراهم وَقد استردّت الْأَيَّام ودائع المكارم والكرام يحسن فِي هَذَا الْمقَام قَول ابْن أبي الْفَتْح الإِمَام السلطاني
(أهل الْعُلُوم ذَهَبُوا ... وَلَيْسَ إِلَّا الذَّاهِب)
ولعَبْد الْبر وَهُوَ معنى مليح
(فكري وعقلي عنْدكُمْ وبكم ... قد صرت فِي شغل وَفِي سكر)
(فاعجب لمن كتبت أنامله ... خطا بِلَا عقل وَلَا فكر)
وَله
(قَالَ لي شخص رَأَيْت العجبا ... صدر الْجُهَّال فَوق الأدبا)
(قلت شَأْن الدَّهْر لَا يهوى فَتى ... فَاضلا حَاز الْهدى والأدبا)
(كَيفَ حَال الصب مَعَ حجاجهم ... حَيْثُ أرْضى عجمهم والعربا)
وَهَذَا الْمَعْنى مطروق من أشهره قَول عبد الرَّحِيم العباسي
(أرى الدَّهْر يمنح جَهَالَة ... فأعظم قدرا بِهِ الْجَاهِل)
стр. 793
(وَانْظُر حظي بِهِ نَاقِصا ... أيحسبني أنني فَاضل)
وَمن شعره قَوْله فِي جناس التَّصْحِيف
(لعقرب صُدْغه حَال عَجِيب ... أديرت فِي حراسة مسك خَاله)
(وَلَكِن أهملته للدغ قلب ... تقلب فِي لظى فاعجب لحاله)
ألطف مِنْهُ قَول ابْن الحنائي الرُّومِي
(أرى من صدغك المعوج دَالا ... وَلَكِن نقطت من مسك خَالك)
(فَأصْبح داله بالنقط ذالاً ... فها أَنا هَالك من أجل ذَلِك)
وَمن شعره قَوْله فِي الحكم
(إِذا مَا رَأَيْت لَهُم شدَّة ... لبست لدهري ثوب النمر)
(وَإِن هم من اللطف فِي حلَّة ... لبست لِبَاس اللَّطِيف السمر)
(فراع الزَّمَان وأحواله ... وَحَال اللَّطِيف وَحَال الأشر)
وَقَوله فِي مِثَال النَّعْل الشريف
(لمثل نعل الْمُصْطَفى شرف ... وفوائد زَادَت على العدّ)
(فكأنّما هُوَ دارتا قمر ... يهدي الْأَنَام وَلَو على بعد)
(قبلتها وَجعلت صورتهَا ... فَوق الجبين عَلامَة السعد)
(لَو كَانَ يحسن أَن أشركها ... جلدي جعلت شراكها خدي)
وَالْبَيْت الْأَخير مضمن من بَيْتَيْنِ لأبي الْعَتَاهِيَة وَقد أهْدى إِلَى الْفضل بن الرّبيع نعلا وكتبهما مَعهَا وهما
(نعل بعثت بهَا لتلبسها ... قدم بهَا تسْعَى إِلَى الْمجد)
لَو كَانَ يحسن إِلَى آخر الْبَيْت وَله مضمناً فِي النَّصِيحَة وَحسن الصُّحْبَة
(صديقك إِن أخْفى عيوباً لنَفسِهِ ... وَأظْهر عَيْبا فِيك وَهُوَ يُصَرح)
(فَخذ غَيره واترك مناهج وده ... فَكل إِنَاء بِالَّذِي فِيهِ ينضح)
أَصله مَا فِي تَارِيخ ابْن خلكان قَالَ الشَّيْخ نصر الله بن مجلى وَكَانَ من ثِقَات أهل السّنة رَأَيْت فِي الْمَنَام عَليّ بن أبي طَالب فَقلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تفتحون مَكَّة فتقولون من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن ثمَّ يتم على ولدك الْحُسَيْن يَوْم الطف مَا تمّ فَقَالَ لي أما سَمِعت أَبْيَات ابْن الصيفي فِي هَذَا فَقلت لَا فَقَالَ اسمعها مِنْهُ ثمَّ استيقظت فبادرت إِلَى دَار حيص بيص فَخرج إِلَيّ فَذكرت لَهُ الرُّؤْيَا فشهق وأجهش بالبكاء
стр. 794
وَحلف بِاللَّه إِن كَانَت خرجت من فمي أَو خطي إِلَى أحد وَإِن كنت نظمتها إِلَّا فِي لَيْلَتي هَذِه ثمَّ أَنْشدني
(ملكنا فَكَانَ الْعَفو منا سجية ... فَلَمَّا ملكتم سَالَ بِالدَّمِ أبطح)
(وحللتم قتل الْأُسَارَى وطالما ... غدونا عَن الأسرى نعف ونصفح)
(وحسبكم هَذَا التَّفَاوُت بَيْننَا ... وكل إِنَاء بِالَّذِي فِيهِ ينضح)
ولعَبْد الْبر وَهُوَ معنى بديع
(قد قيل أَن المَال عقل الْفَتى ... بِهِ لَهُ التصريف فِي النَّقْل)
(فَقلت لَا تعجب فكم فِي الورى ... من عَاقل أضحى بِلَا عقل)
وَله من مَقْصُورَة عَارض بهَا مَقْصُورَة ابْن دُرَيْد الْمَشْهُورَة ومطلع مقصورته
(أيا مهاة قد رعت بالمنحنى ... حشاشة الرَّاعِي بِأَكْنَافِ اللوى)
(هَل وَقْفَة وَلَو قَلِيل بَعْدَمَا ... جرت على الصب تباريح الجوى)
(فَتى كئيب والهوى أَحْكَامه ... عجسة إِن كَانَ سخطًا أَو رضى)
(محاه حب الغيد محواً فانبرى ... وَلَا يرى إِلَّا المنايا فِي المنى)
وَله فِي بعض المحتجبين
(أتيت بَاب كَبِير عِنْد نائبة ... وجدته مغلقاً قلت الْفَتى فطن)
(فَقَالَ لي صَاحِبي الرَّأْي قلت لَهُ ... رأى ابْن عَبدُوس رَأْي كَامِل حسن)
وَلابْن الْخِصَال مثله
(جئْنَاك للْحَاجة الممطول صَاحبهَا ... ) وَأَنت تنعم والإخوان فِي بوس ...
(وَقد وقفنا طَويلا عِنْد بَابَكُمْ ... ثمَّ انصرفنا على رَأْي ابْن عَبدُوس)
ولمحمد بن بدر الدّين القوصوني مثله من فصل الرَّأْي الصَّوَاب فِي التواري بالحجاب
(رأى ابْن عَبدُوس ... وَمَا سواهُ رأى منحوس)
(بل عَذَاب وبوس ... )
وَرَأى ابْن عَبدُوس قَوْله
(لنا قَاض لَهُ خلق ... أقل ذميمة النزق)
(إِذا جئناه يحجبنا ... فنلعنه ونفترق)
وَله فِي الخضوع
(يَا من لَهُ مهجتي رق ولي شرف ... بأنني عَبده جهري وإسراري)
(عتقت قلبِي من زيغ وَمن زلل ... وَعتق ذِي سفه فِيمَا بَقِي ساري)
(مننت باللطف فِي الأولى وَلَا عجب ... أَن تعْتق الْجِسْم فِي الْأُخْرَى من النَّار)
стр. 795
مِنْهُ قَول الْبَدْر الْقَرَافِيّ
(مِنْك الْبدَاءَة بِالْإِحْسَانِ حَاصِلَة ... ملكتني الرّقّ فضلا مِنْك لي ساري)
(ألهمتني بعده عتقا لتكرمني ... فاختم بِخَير بِهِ عتقي من النَّار)
وللحافظ ابْن حجر
(يَا رب أَعْضَاء السُّجُود عتقتها ... من فضلك الوافي وَأَنت الواقي)
(وَالْعِتْق يسري فِي الْفَتى يَا ذَا الْغنى ... فَامْنُنْ على الفاني بِعِتْق الْبَاقِي)
وَالْأَصْل فِيهِ قَول ذِي الرمة قَالَ الشريشي هُوَ آخر شعر قَالَه
(يَا رب قد أسرفت نَفسِي وَقد علمت ... علما يَقِينا لقد أحصيت آثاري)
(يَا مخرج الرّوح من نَفسِي إِذا احتضرت ... وفارج الكرب زحزحني عَن النَّار)
وَله قصيدة ميمية عَارض بهَا ميمية شَيخا الْإِسْلَام أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ الَّتِي مطْلعهَا
(أبعد سليمى مطلب ومرام ... وَغير هَواهَا لوعة وغرام)
ومطلع قصيدته هُوَ هَذَا
(أهيل النقا هَل بالديار مقَام ... وَهل حَيّ سلمى مسكن ومقام)
وَهِي طَوِيلَة تنوف على ثَمَانِينَ بَيْتا وَقد تَضَمَّنت حكما كَثِيرَة وَلَوْلَا طولهَا لذكرتها كلهَا وَقد ختم كِتَابه المنتزه بهَا وَلم يذكر بعْدهَا إِلَّا تَارِيخ ابْتِدَاء إنشائه لهَذَا الْكتاب وَهُوَ يَوْم الْخَمِيس سادس عشر صفر سنة خمس وَخمسين وتاريخ الْفَرَاغ من تبييضه كُله وَهُوَ يَوْم الْأَحَد حادي عشري الْمحرم سنة سِتِّينَ وَألف وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف بقسطنطينية والفيومي نِسْبَة إِلَى الفيوم وَهِي بَلْدَة مَشْهُورَة فِي إقليم مصر وَأَبوهُ عبد الْقَادِر سَيَأْتِي قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
عبد الْبر الأَجْهُورِيّ الشَّافِعِي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْفَقِيه الْحجَّة الفهامة ذُو التصانيف العديدة والفوائد الجزيلة قَرَأَ الْفِقْه على الإِمَام النُّور الزيَادي وَمهر فِيهِ حَتَّى صَار فَقِيه عصره والمشار إِلَيْهِ فِي مصره وَأخذ بَقِيَّة الْعُلُوم عَن شُيُوخ كثيرين من شُيُوخ جَامع الْأَزْهَر وَألف كتبا كَثِيرَة مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الْمِنْهَاج للمحلى وحاشية على شرح الْمنْهَج وحاشية على شرح التَّحْرِير وحاشية على شرح الْغَايَة لِابْنِ قَاسم وَغير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي سنة والأجهوري بِضَم الْهمزَة نِسْبَة لأجهور الْكُبْرَى بساحل الْبَحْر من عمل القليوبية
عبد الْجَامِع بن أبي بكر بارجاء الْحَضْرَمِيّ الزَّاهِد ذكره الشلي فِي تَارِيخه وَقَالَ
стр. 796
فِي وَصفه كَانَ فِي غَايَة التقشف والورع والزهد وميلاده بسيوون وَنَشَأ بهَا ولازم خَاله عبد الرَّحْمَن بأرجاء وَأخذ عَنهُ ورباه أحسن تربية ورحل إِلَى تريم وَأخذ عَن ساداتها وَلَقي بهَا الأكابر مِنْهُم وَالسَّيِّد زين العابدين وَأحمد بن عبد الله وَالسَّيِّد سقاف العبدروسيين وَالسَّيِّد أَبُو بكر بن شهَاب الدّين وَأَخُوهُ الْهَادِي وشهاب الدّين أَحْمد بن حُسَيْن بلفقيه وَغَيرهم وَأخذ عَن السَّيِّد حُسَيْن بن الشَّيْخ أبي بكر ابْن سَالم بعينات وَحصل لَهُ مزِيد عناية وَعَن أَخِيه الْحسن وارتحل إِلَى مَكَّة وَأقَام بهَا ولازم السَّيِّد أَحْمد بن الْهَادِي فِي دروسه وَالسَّيِّد مُحَمَّد با علوي وَألبسهُ الْخِرْقَة ولقنه الذّكر جمَاعَة وَحصل لَهُ مِنْهُم مدد عَظِيم وَلزِمَ الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي فِي درسه الفقهي وَالشَّيْخ مُحَمَّد الطَّائِفِي ودروس الشَّمْس البابلي وَأخذ عَن الوافدين إِلَى مَكَّة من أهل مصر واليمن وَكَانَ ملازماً لِلْعِبَادَةِ وزار الْقَبْر الشريف مرَارًا وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخياري وَصَحب السَّيِّد زين باحسن ولازم صُحْبَة السَّيِّد عيدروس ابْن حُسَيْن الْبَار مُدَّة مديدة وَكَانَ السَّيِّد عيدروس قَائِما بِمَا يَحْتَاجهُ من كسْوَة وَنَفَقَة وَغير ذَلِك ولازمه فِي زياراته كلهَا وَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الله الجبرتي وَلم يتَزَوَّج أبدا وَكَانَ مُعْتَقدًا جدا لَا سِيمَا عِنْد أهل الطَّائِف وَأهل الْهِنْد لَهُم فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَت وَفَاته فِي سادس ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف بِمَكَّة وَدفن بمقبرة الشبيكة تَحت الظلة وَحضر جنَازَته عَالم كثير تركت الدُّرُوس ذَلِك الْيَوْم وَلم يخلف شَيْئا من الدُّنْيَا سوى ثِيَابه الَّتِي كَانَ يلبسهَا وفراشه رَحمَه الله تَعَالَى
عبد الْجَلِيل بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالشامي الدِّمَشْقِي المولد والمنشأ الْحَنَفِيّ كَانَ من أهل الْفضل والمعرفة وَالْأَدب مطبوع الْخلال لطيف الذَّات جميل الشكل حسن الصَّوْت وَفِيه حلم وأناة وَله مطارحة نفيسة وذكاء دأب فِي التَّحْصِيل من طَلِيعَة عمره حَتَّى برع واشتهر فَضله بَين فضلاء وقته وَكَانَ اشْتِغَاله فِي الْفُنُون على الْعِمَادِيّ الْمُفْتِي وعَلى الإِمَام يُوسُف بن أبي الْفَتْح ورمضان بن عبد الْحق العكاري وَعبد اللَّطِيف بن حسن الجالقي الْمَعْرُوف بالقزديري وَمُحَمّد الحزرمي الْبَصِير وَفرغ لَهُ وَالِده عَن إِمَامَة الْجَامِع الْأمَوِي وخطابة الْجَامِع السلطاني السليمي بصالحية دمشق وباشرهما وَهُوَ خَالِي العذار واستكثر عَلَيْهِ ذَلِك وَفِي ذَلِك يَقُول عمر بن الصَّغِير مؤرخاً
(عبد الْجَلِيل ذُو الْكَمَال والعلى ... الْعَالم الأوحد وَالْبَحْر الْعباب)
стр. 797
(أولاه مَوْلَاهُ الْكَرِيم رُتْبَة ... أنضت بأعداه إِلَى حسر الثِّيَاب)
(مَعَ الْعُلُوم الباهرات أَرخُوا ... زَاد الْجَلِيل عَبده فصل الْخطاب)
وَكَانَ ذَلِك فِي سنة أَرْبَعِينَ بعد الْألف وتصدر للتدريس والإفادة وَلَزِمَه جمَاعَة من طلبة وقته وانتفعوا بِهِ فِي بعض الْفُنُون وَلما جَاءَ السُّلْطَان مُرَاد لحلب بنية السّفر إِلَى بَغْدَاد سَافر عبد الْجَلِيل من دمشق إِلَى حلب لأجل الاجتاع بشيخه الفتحي وَكَانَ فِي خدمَة السُّلْطَان وترجى مِنْهُ بعض أَمَان لَهُ فخاب ظَنّه فِيهِ وَرجع من حلب فاحترمته الْمنية فِي منزلَة القطيفة قبل أَي يدْخل إِلَى دمشق وَأدْخل إِلَيْهَا مَيتا وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة الشَّيْخ أرسلان قدس الله سره الْعَزِيز وَكَانَ عمره خمْسا وَعشْرين سنة فَإِن وِلَادَته فِي سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَخلف ولدا رضيعاً اسْمه مُحَمَّد ووجهت لَهُ الْإِمَامَة بالجامع الْأمَوِي ثمَّ بعد مُدَّة استقرغ وَصِيّه عَنْهَا للشَّيْخ زين الدّين بن مُحَمَّد النابلسي خطيب السليمانية بِدِمَشْق وَأخذ الْوَصِيّ مِنْهُ مبلغا من الدَّرَاهِم فِي مُقَابلَة الْفَرَاغ لأجل الْقَاصِر قلت وَهَذَا الْقَاصِر الْآن فِي الْأَحْيَاء وَهُوَ من الْفُضَلَاء البارعين كثر الله تَعَالَى من أَمْثَاله
عبد الْجَلِيل بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن تَقِيّ الدّين أبي بكر الْمَعْرُوف بِابْن عبد الْهَادِي الْعمريّ الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الصُّوفِي الْفَاضِل المتفوق الذيق كَانَ من نبلاء وقته ولطائفه مستعذف الْخَلِيفَة حُلْو المفاكهة وَله فِي أَنْوَاع الْفُنُون خبْرَة تَامَّة وقريحة متوقدة أَخذ العقاد والتصوف عَن وَالِده الاستاذ بركَة الشَّام وَقَرَأَ فنون الْأَدَب والمنطق على شَيخنَا عَلامَة الزَّمَان إِبْرَاهِيم الفتال وَشَيخنَا الْمُحَقق ابْن عَمه عبد الْقَادِر بن بهاء الدّين الْعمريّ وَأخذ الْعُلُوم الرياضية عَن الشَّيْخ رَجَب بن حُسَيْن الْمُقدم ذكره والْحَدِيث عَن الشَّيْخ الْكَبِير مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربي ورحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن النُّور الشبراملسي وتصدر للإقراء بِجَامِع الْأمَوِي مُدَّة وانتفع بِهِ جمَاعَة وَألف تآليف فائقة مِنْهَا شرح الجزرية سَمَّاهُ الدرة السّنيَّة وَشرح رِسَالَة الشَّيْخ أرسلان فِي التصوف وَله الرّبع الْجَامِع فِي الْفلك فِي أَعمال اللَّيْل وَالنَّهَار ورسالة سَمَّاهَا الدّرّ اللامع فِي الْعَمَل بِالربعِ الْجَامِع ورسالة فِي الرّبع المقنطر ورسالة فِي الهندسة ورسالة فِي الرمل سَمَّاهَا الْمُمْتَنع السهل فِي علم الرمل وَمن كَلِمَاته فِي الْحَقِيقَة لَا تزَال فِي ربقة الْأَمَانِي مَا دَامَت فِي ساحة المباني الْبَقَاء مرْآة التحلي والفناء منهل التخلي وَالْجمع منصة التحلي الرّكُوب للْغَيْر قطيعة
стр. 798
فِي السّير الزّهْد فِي الظَّاهِر رَغْبَة فِي الْمظَاهر اتقان الْحَواس وَظِيفَة الإفلاس ورؤية الايناس مَظَنَّة الوسواس حَرَكَة الشوق عَصا السُّوق وَله شعر مستحلى مِنْهُ قَوْله وَفِيه اقتباس واكتفاء وتورية
(يَا لقومي من غزال ... خنس الأعطاف ألمى)
(إِذْ تَلا سُورَة حسن ... وَجهه وَالْحسن عَمَّا)
(سَأَلُوا عَن مُحكم الْأَوْصَاف فِيهِ قَالَ عَمَّا ... )
وَقَوله فِي العذار
(نسج الْفضل عَلَيْهِ ... حلَّة تنمو وقارا)
(فِي المجياحين حلت ... رقم الْحسن عذارا)
وَقَوله فِي الْخَال
(خَال الحبيب بدا فِي الخد مبتهجا ... وَالْقلب من شغف للخال قد جنحا)
(قد عَمه الْحسن يَا من خَاله حسن ... وَالْعم فِي خدمَة للخال مَا برحا)
وَقَوله
(يَا رب إِن فؤاد الصب فِي قلق ... وَالْخَال من ذَا المفدى زَاده قلقا)
(يَبْدُو على الْجيد فِي صفحات منظره ... كحب مسك عَلَاء الْحسن فاتفقا)
وَقَوله
(يَا خَاله لما بدا ... فِي عرش خد واستوى)
(أوحى لصدغ آيَة ... تَدْعُو كرا مَا للهوى)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي يَوْم السبت السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وَخمسين وَألف وَتُوفِّي يَوْم السبت الثَّانِي عشر من الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف بِالْمَدِينَةِ المنورة وَدفن بِالبَقِيعِ
عبد الْجواد بن شُعَيْب بن أَحْمد بن عباد بن شُعَيْب القنائي الأَصْل الخوانكي المولد والمنشأ ثمَّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي الْأنْصَارِيّ القضائي الوفائي من عُلَمَاء مصر وأدبائها صوفي المشرب إِذا حدث أعجب وأبدع وَأغْرب وَكَانَ كثير الْحِفْظ للأشعار ونوادر الْأَخْبَار ذَا نظر فِي الْعلم دَقِيق وَزِيَادَة حذق وَتَحْقِيق وتقوى ظَاهره وَمظَاهر باهره أَخذ عَن النُّور الزيَادي وَمن فِي طبقته وَعنهُ أَخذ جمَاعَة وَله مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا رِسَالَة بديعة فِي الاستعارات سَمَّاهَا القهوة المدارة فِي تَقْسِيم الِاسْتِعَارَة ونظم الورقات والنسيم العاطر فِي تَقْسِيم الخاطر والعظة الوفية فِي يقظة الصُّوفِيَّة وكشف الريب عَن مَاء الْغَيْب شرح الأبيات الثَّلَاثَة وَهِي
стр. 799
(تَوَضَّأ بِمَاء الْغَيْب إِن كنت ذَا سر ... والا تيَمّم بالصعيد وبالصخر)
(وَقدم إِمَامًا كنت أَنْت إِمَامه ... وصل صَلَاة الْعَصْر فِي أول الْفجْر)
(فهذي صَلَاة العارفين برَبهمْ ... فَإِن كنت مِنْهُم فامزج الْبر بالبحر)
وَمن شعره قَوْله فِي ضَابِط همز الْوَصْل وهمز الْقطع
(زد همزَة الْوَصْل لماض كاغندى ... وَالْأَمر والمصدر مِنْهُ وَإِذا)
(أمرت من نَحْو اخش واغز وارم ... وَفِي ابنم وَابْن وَفِي است وَاسم)
(واثنين واثنتين وَايْم وامرىء ... وَامْرَأَة وهمز أل كالنبأ)
(وهمز كرام وَنَحْو اقْطَعْ ... وَفعل ذِي تكلم كادعي)
(وَصفَة قد شبهت وَفِي ندا ... جلالة حَرَّره مُعْتَمدًا)
(عبد الْجواد بن شُعَيْب فَادع لَهُ ... كي يلهم الْجَواب عِنْد المسئلة)
وَله ضَابِط مَا يجوز فِيهِ عود الضَّمِير على مُتَأَخّر لفظا ورتبة
(فِي سنة أخر ضميراً لفظا ... ورتبة واحرص عَلَيْهَا حفظا)
(الْأَمر والشان وَرب وَالْبدل ... نعم وَبئسَ مَعَ تنَازع الْعَمَل)
وَله ضَابِط مَا يعلق بِهِ الْعَامِل
(يعلق فعل الْقلب مَا ثمَّ لَا وان ... لنفي وَلَام الِابْتِدَاء مَعَ الْقسم)
(كَذَلِك الِاسْتِفْهَام بالحرف دَائِما ... أَو الِاسْم فاعرف أَيهَا الْمُفْرد الْعلم)
وَمن غزلياته قَوْله
(مَا اصْطفى قلبِي إِلَّا مصطفى ... هُوَ حسبي من حبيب وَكفى)
(أسعد الله تَعَالَى طالعاً ... حل فِيهِ وَأرَاهُ الشرفا)
(مَا عَلَيْهِ لَو سقاني رِيقه ... إِنَّه الشهد وَفِي الشهد شفا)
(إِن وفى الدَّهْر بِهِ فِي لَيْلَة ... فَهُوَ عِنْدِي دَائِما أهل الوفا)
وَمن مدائحه قَوْله
(حسبي الَّذِي لم يخب من احتسبه ... من الْمَعَالِي إِلَيْهِ منتسبه)
(أكْرم من أكْرم العفاة وَمن ... أسدى إِلَى مرتجيه مطلبه)
(أكمل من تجتني فَوَائده ... أَفْئِدَة الوافدين والطلبه)
(أسمح من يمنح الجزيل وَمَا ... يطْلب شكرا جَزَاء مَا وهبه)
(يبصر من خلف ستر هيكله ... كناظر والزجاج مَا حجبه)
стр. 800
(ينقش فِي لوح سره صوراً ... عَن غَيره فِي الْوُجُود محتجبه)
(فيصدر الْأَمر عَن حَقِيقَته ... متسق الْحسن بادياً حببه)
قدم مَكَّة حَاجا وجاور بهَا سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَأخذ عَنهُ بهَا كثير من فضلائها وَرجع إِلَى بَلَده وَاسْتمرّ بهَا إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف
عبد الْجواد بن مُحَمَّد بن أَحْمد المنوفي الْمَكِّيّ الشَّافِعِي الأديب اللوذعي كَانَ فَاضلا أديباً حسن المذاكرة أَخذ بِمَكَّة عَن علمائها وَولي بهَا مدرسة ورزق بعض مَعْلُوم من الرّوم فتعصب عَلَيْهِ جمَاعَة ومنعوه من ذَلِك فَرَحل إِلَى مصر وَأقَام بهَا وَكَانَ أَبوهُ حَيا وَكَانَ لَهُ فِي مبدأ أمره ثروة وغناء فتضايق وَلم يقر لَهُ بِمصْر قَرَار دون أَن سَافر إِلَى الرّوم فصحبه وَلَده هَذَا ثمَّ رجعا فَمَاتَ وَالِده بِالشَّام فتكدّر حَاله ثمَّ لحق بِالْحرم الْمَكِّيّ فتقدّم عِنْد الشريف وَبلغ رُتْبَة عالية وَقد ذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة فَقَالَ فِي وَصفه جواد علم لَا يكبو وحسام فضل لَا ينبو سبق فِي ميدان الْفضل أقرانه واجتلى من سعد جده ومجده قرانه وَولى الْقَضَاء مرّة بعد أُخْرَى فكسى بمنصبه شرفاً وفخراً ثمَّ تقلد منصب الْفَتْوَى فبرز فِيهَا إِلَى الْغَايَة القصوى مَعَ تحليه بِالْإِمَامَةِ والخطابة والهمة الَّتِي مَلأ بهَا من الثَّنَاء وطابه وَكَانَت لَهُ عِنْد شرِيف مَكَّة الْمنزلَة الْعليا والمكانة الَّتِي لَا تنافسه فِيهَا الدُّنْيَا إِلَى أَن دَعَاهُ ربه فَقضى نحبه قَالَ وَقد وقفت لَهُ على رِسَالَة فِي شرح الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورين وهما
(من قصر اللَّيْل إِذا زرتني ... أَشْكُو وتشكين من الطول)
(عدوّ شانيك وشانيهما ... أصبح مَشْغُولًا بمشغول)
أبدع فِيهَا وَأغْرب ثمَّ أورد لَهُ من شعره قَوْله
(أتزعم أَنَّك الخدن المفدّى ... وَأَنت مصادق أعداي حَقًا)
(إليّ إليّ فَاجْعَلْنِي صديقا ... وصادق من أصادقه محقا)
(وجانب من أعاديه إِذا مَا ... أردْت تكون لي خدناً وَتبقى)
وَهُوَ ينظر إِلَى قَول الآخر
(إِذا صافي صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانفصل الْكَلَام)
وَبَينه وَبَين أهل عصره من المكيين وَغَيرهم مطارحات ومراسلات كَثِيرَة وَله فِي الْأَشْرَاف الحسنيين مُلُوك مَكَّة مدائح خطيرة أَعرَضت عَنْهَا لطولها انْتهى وَذكر عبد الْبر الفيومي فِي المنتزه أَن لَهُ تآليف مِنْهَا شرح على الأجرومية وتحريراته
стр. 801
ومنشآته كَثِيرَة وَله شعر فائق مِنْهُ قَوْله من قصيدة مدح بهَا الْأَمِير مُحَمَّد بن فروخ أَمِير الْحَاج الشَّامي فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف يتشكى من جور الزَّمَان ويلتجي إِلَيْهِ مِمَّا نابه ومطلعها
(لأيّ كَمَال مِنْك مَالك أذكر ... وأيّ جميل من جميلك أشكر)
(جمعت كمالاً فِي سواك مفرّقاً ... وَأَنت بِهِ فَرد وجمعك أَكثر)
وَمِنْهَا وَهُوَ مَحل الشَّاهِد
(فيا أَيهَا الشهم الهزبر الَّذِي إِذا ... دَعَاهُ امْرُؤ أغناه إِذْ هُوَ مفقر)
(إليّ فَمَا لي غير سوحك منجد ... أمس بوجهي بَابه وأغفر)
(وَقد ضَاقَتْ الدُّنْيَا عليّ بأسرها ... وضقت بهَا ذرعاً وقفري مقفر)
(وَأَنت لنا غيث إِذا شح ماطر ... وماسح يرْوى الممطرين ويمطر)
(وَأَنت الَّذِي قد عَم وكف أكفه ... بِوَزْن نضار لَا بمزن يدرّر)
(وسائله نيلاً وسائله تراى ... مَقَاصِد عَمَّن رامها لَيْسَ تقصر)
(إليّ وَفرج مَا انطوى فِي جوانحي ... من الْهم حَتَّى بعد لَا أتأمر)
(فكم لَك فِي يَوْم الوغى من مفارج ... وَمن فرج فرجتها حِين تنصر)
(وَكم لَك فِي الْحجَّاج آي جميلَة ... يقصر عَنْهَا فِي منى الْفضل قَيْصر)
(وَكم لَك فِينَا أهل مَكَّة من يَد ... وَمن حَسَنَات فَضلهَا لَيْسَ يحصر)
(وماذا عَسى أحصى صفاتك والورى ... بأجمعهم عَن وصف فضلك تقصر)
وَكَانَ بَينه وَبَين عبد الْبر الْمَذْكُور مَوَدَّة وصداقة صُحْبَة زمن إِقَامَته بِمصْر وَقد أثنى عَلَيْهِ كثيرا قَالَ وَقد سَأَلَني عَن معنى بَيْتَيْنِ للنواجي وهما
(جثثت القوافي فِي طَرِيق رضائه ... بتأسيس نظم مَا نحاه خَلِيل)
(فأطنب ردف فِي الْخُرُوج بوصله ... وأوجز خصر فِي الْوَفَاء دخيل)
وضمنها قصيدة لَهُ طَوِيلَة يسْأَل فِيهَا عَن مَعْنَاهُمَا مطْلعهَا
(شُرُوح متون الْمَدْح فِيك تطول ... فَكيف مقالي وَالْمقَام طَوِيل)
(وَكَيف اقتفائي فِي الثَّنَاء عروضكم ... وقفر القوافي فِي مَا إِلَيْهِ وُصُول)
(وَكَيف اقتطافي زهر روض مديحكم ... وجسم انتحالي فِي القريض نحيل)
قَالَ فأجبته بقصيدة تَتَضَمَّن مَعْنَاهُمَا مطْلعهَا
(ترفق دليلي فالطريق طَوِيل ... وحادي ركاب الظاعنين مطيل)
стр. 802
(عَسى يقتفي من قد تخلف إثرهم ... وَيهْدِي بهم من للرشاد يمِيل)
(فطبع الموَالِي يكرمون نَزِيلهُمْ ... ويولونه الْإِحْسَان وَهُوَ نزيل)
(وَأَنِّي وَإِن كَانَ الطَّرِيق مجندلاً ... فلي بِاتِّبَاع السَّابِقين وُصُول)
وَذَلِكَ ضمن رِسَالَة مَشْهُورَة سميتها الذكاء المسكي فِي جَوَاب الْفَاضِل الْمَكِّيّ قَالَ وَأرْسلت لَهُ مَكْتُوبًا وَأَنا بالروم إِلَى مَكَّة مَعَ بعض الْحجَّاج عنونته ببيتين وهما
(لم أنس عهدي بكم وَالطير ساجعة ... وَالرَّوْض زاه وَربع الْحَيّ مأنوس)
(وَإِن بعدتم فَإِن الْقلب عنْدكُمْ ... والجسم بالروم دون الْعود مأيوس)
وَكَانَت وَفَاته خَامِس شَوَّال سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف بِالطَّائِف وَدفن بِقرب تربة ابْن عَبَّاس
عبد الْجواد بن نور الدّين الْبُرُلُّسِيّ الْمصْرِيّ خطيب جَامع الْأَزْهَر الإِمَام الْجَلِيل الَّذِي فَضله أعظم من أَن يذكر وَأشهر من أَن يشهر أَخذ عَن وَالِده وَبِه تخرج وبرع وتفنن فِي عُلُوم كَثِيرَة وانتفع بِهِ جمع وَكَانَ لَهُ وجاهة ونباهة ونظم الشّعْر الْفَائِق واشتغل بُرْهَة بعلوم الرَّقَائِق وَكَانَ خَطِيبًا مصقعاً وَمن لطيف شعره قَوْله من رِسَالَة
(أودى إِلَى أعتاب عزتك الْعليا ... سَلاما سعى بالودّ نحوكم سعيا)
(وأنهى إِلَى ذَاك الْوَجِيه مدائحاً ... وأدعية فِي أَزْهَر الْعلم والمحيا)
(وَأبْدى لَهُ وجدي وفرط تشوّقي ... رعى الله عهدا قد تقضى بِهِ رعيا)
(وأنشدكم بِاللَّه عطفا على فَتى ... لبعدكم لم يلف صبرا وَلَا عيا)
(فَأَنت وجيه الدّين غَايَة مقصدي ... لبعدك باشرت المتاعب والإعيا)
(بقيت لنفع النَّاس فِي خير موطن ... تعطر أرجاء الأباطح بالفتيا)
وَمن مدائحه قَوْله مهنئاً بعض قُضَاة مصر بإبلال من مرض
(يَا سيداً بفضله ... يرقى لهامات القمم)
(لَا زلت فِي عافيةٍ ... والضدّ فِي كل وغم)
(فِي صِحَة دائمةٍ ... يَا ذَا الْكَمَال والهمم)
(برؤك يَا كنز الْهدى ... بِهِ السرُور قد ألم)
(تَارِيخه مَعَ عجل ... بَرِئت من كل سقم)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته خَامِس عشري شهر رَمَضَان سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف بِمصْر والبرلسي بِضَم الْمُوَحدَة وَالرَّاء وَاللَّام مَعَ تشديدها نِسْبَة إِلَى البرلس ثغر عَظِيم
стр. 803
من سواحل مصر
عبد الْجواد الْمصْرِيّ الشَّافِعِي الصَّالح المجذوب نزيل دمشق ذكره النَّجْم الْغَزِّي فِي ذيله وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ يعلم الْأَطْفَال بالبقاع وَغَيره من أَعمال دمشق ثمَّ قطن دمشق وَقَرَأَ بهَا وَحفظ بعض الْمسَائِل ثمَّ غلب عَلَيْهِ الوسواس حَتَّى وصل إِلَى أُمُور عَجِيبَة وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الجذب وَكَانَ يكره التَّسْمِيَة بِعَبْد الْجواد وَيَقُول مَا أسمى نَفسِي إِلَّا مُحَمَّد الْمُؤَيد الْمَنْصُور وَيعْتَذر عَن ذَلِك بِأَن الْعَامَّة تشدد الْوَاو فَتكون تَسْمِيَته سَببا لتغيير اسْم الله تَعَالَى وكف بَصَره فِي آخر الْأَمر وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك كشف رَأسه عِنْد الْوضُوء وَكَثْرَة صب المَاء عَلَيْهِ ثمَّ مَاتَ بعلة الاسْتِسْقَاء فِي أَوَاخِر الْمحرم سنة سبع عشرَة بعد الْألف
عبد الحفيظ بن عبد الله المهلا الهدوي الشرفي قَالَ حفيده الْحُسَيْن حرسه الله من الْغَيْن فِي وَصفه كَانَ إِمَامًا فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد لَهُ فَضَائِل أذعنت لَهَا أَرْبَاب التَّحْقِيق فِي كل الْبِلَاد وَكَانَ يملي من التَّحْقِيق فِي جَمِيع الْعُلُوم مَا تَنْشَرِح لَهُ صُدُور الأمجاد ويحفظ فِي جَمِيع الْعُلُوم مؤلفات عديدة مَعَ شروحها بِحَيْثُ كَانَ لَا يمر فِي طَرِيق أَو غَيرهَا إِلَّا وَهُوَ يملي عَليّ من صَحبه من فوائدها وينبه على مباحثها سهل الْإِمْلَاء عَظِيم الِاطِّلَاع لطيف الشَّمَائِل وَكَانَ لَا يمر فِي علم التَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث والنحو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْعرُوض وَسَائِر الْعُلُوم راو إِلَّا وأملى أَحْوَاله وأخباره ونظمه ونثره وَسيرَته ووفاته وَمَا يتَعَلَّق بذلك من جرح وتعديل وَضبط وَحفظ وَلَا بِبَيْت شعر إِلَّا وأملى مَا بعده وَمَا قبله وقائله وأخباره وَسبب نظمه وَكَانَ من الملكة فِي الْأَصْلَيْنِ بِأَعْلَى الْمَرَاتِب وَمن سَائِر الْعُلُوم بِالْمحل الَّذِي لَا يخفى على أحد أَخذ عَن وَالِده وَسمع عَلَيْهِ كتبا كَثِيرَة من كتب الْفُرُوع مِنْهَا الأزهار للْإِمَام الْمهْدي وَشَرحه لِابْنِ مِفْتَاح والتذكرة للفقيه حسن وَالْكَوَاكِب عَلَيْهَا وَالْأَحْكَام للهادي إِلَى الْحق يحيى بن الْحُسَيْن وَشرح القَاضِي زيد إِلَّا الرّبع الْأَخير وَالْبَيَان لِابْنِ مظفر والتبيان لَهُ والبستان وَالْبَحْر الزخار للْإِمَام الْمهْدي وَشَرحه للْإِمَام عز الدّين وَابْن مرسم والأثمار للْإِمَام شرف الدّين وَشرح ابْن بهران عَلَيْهِ وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْبَحْر لَهُ وَغير ذَلِك من كتب الْفِقْه وَسمع كثيرا من أصُول الْفِقْه المعيار وَشَرحه الْمِنْهَاج للْإِمَام الْمهْدي والفصول وحواشيه ومختصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الْحَاجِب وَشَرحه للعضد مَعَ حَاشِيَة التَّفْتَازَانِيّ عَلَيْهِ والرفو للنيسابوري والكافل لِابْنِ بهران وَمن
стр. 804
كتب النَّحْو الكافية لِابْنِ الْحَاجِب وَشَرحهَا للرضي وَابْن تياح والرصاص وحاشية السَّيِّد الْمُفْتِي عَلَيْهَا والخبيصي والطاهرية وشروحها والفصل وشروحها المتداولة وَمن التصريف الشافية وَشَرحهَا للرضي وركن الدّين وَمن الْمعَانِي التَّلْخِيص وشروحه المطول والمختصر ومفتاح السكاكي وَشَرحه للسَّيِّد وَمن كتب اللُّغَة كِفَايَة المتحفظ وضياء الحلوم والقاموس الْمُحِيط وديوان الْأَدَب ونظام الْغَرِيب والمقامات للحريري وَشَرحهَا للمسعودي وَغَيرهَا من كتب الْفَرَائِض الْمِفْتَاح للضنفري والشاطري عَلَيْهَا وَشرح الخالدي إِلَّا الضَّرْب آخِره والوسيط للْقَاضِي أَحْمد بن نسر وَشرح الْأَعْرَج على الْمِفْتَاح وَمن كتب التَّفْسِير الْكَشَّاف والثمرات للفقيه يُوسُف وَتَجْرِيد الْكَشَّاف والاتقان للسيوطي وَشرح الْخَمْسمِائَةِ للتحري وتهذيب الْحَاكِم وَالْبَغوِيّ والبيضاوي وَمن كتب الْمنطق ايساغوجي وَشَرحه للكاتي والشمسية وَشَرحهَا للقطب والتهذيب للسعد وَشَرحه للشيرازي واليزدي وَمن كتب الْعرُوض الْمُخْتَصر الشافي لِابْنِ بهران وَغَيره وَمن كتب الطَّرِيقَة تصفية الامام يحيى والإرشاد للعبسي وكنز الرشاد للْإِمَام عز الدّين وَكتاب الْبركَة للحبيشي وَغَيرهَا وَفِي أصُول الدّين المعيار للنجري والمنهاج للقرشي وَشَرحه للْإِمَام عز الدّين وَشرح الْأُصُول الْخمس للسَّيِّد مانكديم وَشرح قَوَاعِد النَّسَفِيّ للتفتازاني وَسمع عَلَيْهِ سيرة ابْن هِشَام وبهجة العامري وَشَرحهَا لمُحَمد بن أبي بكر الأشخر وتاريخ ابْن خلكان وتاريخ الرّبيع والبائية وَشَرحهَا للرصيف وَمن كتب الحَدِيث أصُول الْأَحْكَام للْإِمَام أَحْمد بن سُلَيْمَان وشفاء الْأَمِير الْحُسَيْن وتتمته للسَّيِّد صَلَاح بن الْحَلَال وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَتَجْرِيد الْأُصُول لهبة الله الْبَارِزِيّ وَغَيرهَا وَأَجَازَ لَهُ سَائِر مسموعاته على كثرتها وأماما سَمعه على غَيره فكثير فَسمع الأساس على مُؤَلفه الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ بداره بحصن شهاره وَأَجَازَهُ بِهِ وبمرورياته وَسمع طرفا من عُلُوم أهل الْبَيْت على الإِمَام مُحَمَّد الْمُؤَيد بن الإِمَام الْقَاسِم وَسمع غَايَة السول على مُؤَلفه السَّيِّد الْحُسَيْن بن الْقَاسِم مَعَ إملاء مَا تيَسّر من شَرحه مَعَ المعاونة بِالنّظرِ فِي المباحث وَسمع المطول والمختصر للسعد على السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَلَاح وعَلى القَاضِي الْعَلامَة الْحسن بن سعيد الفيرري وَسمع ايساغوجي وَشَرحه على السَّيِّد النَّاصِر بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن بنت النَّاصِر بِصَنْعَاء وَأخذ الْعرُوض عَن الْفَقِيه الأديب مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الْعَرُوضِي وَسمع الْقُرْآن لنافع وراوييه على الْفَقِيه
стр. 805
الْمقري الْمهْدي الْبَصِير بِصَنْعَاء وعَلى الْفَقِيه صَلَاح الْوَاسِع كَذَلِك فِي مَسْجِد دَاوُد بِصَنْعَاء وعَلى الْفَقِيه مُحَمَّد بن صَالح الأصابي الْمَكِّيّ وَسمع بزييد صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَالْجَامِع الصَّغِير وذيله للسيوطي وتمييز الطّيب من الْخَبيث فِي علم الحَدِيث للديبع والتيسير الْجَامِع للأمهات السِّت البُخَارِيّ وَمُسلم والموطأ وَسنَن أبي دَاوُد وجامع التِّرْمِذِيّ وَسنَن النَّسَائِيّ على الإِمَام الْعَلامَة الْمُحدث مُحَمَّد بن الصّديق الْخَاص السراج الخنفي سنة تسع وَأَرْبَعين وَبَعضه فِي سنة خمسين وَأَجَازَهُ بمرورياته بِإِجَازَة كتبهَا لَهُ سنة خمسين وَألف وَسمع أَيْضا صَحِيح البُخَارِيّ على الْفَقِيه الْعَلامَة عَليّ بن أَحْمد الحشيبري وَسمع على الْفَقِيه الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن مطير جمع الْجَوَامِع للسبكي وصحيح البُخَارِيّ وَتَفْسِير الْبَغَوِيّ فِي بَيت الْفَقِيه الزيدية وَفِي مَدِينَة زبيد وَسمع صَحِيح البُخَارِيّ أَيْضا على الْفَقِيه الْعَلامَة عبد الْوَهَّاب بن الصّديق الْخَاص الزبيدِيّ وَسمع الْجَامِع الصَّغِير وصحيح مُسلم على الْفَقِيه الْعَلامَة مُحَمَّد بن عمر حشيبر الْحَافِظ الْمُحدث فِي بَيت الْفَقِيه الزيدية وَكَانَ يحضر فِي قِرَاءَة هَذِه الْكتب مَا يتَعَلَّق بهَا من المصنفات فِي عُلُوم الحَدِيث وَرِجَاله وَتَفْسِير غَرِيبَة وَأَجَازَهُ مشايخه المذكورون بِسَائِر مسموعاتهم ومجازاتهم وَذكر لَهُ عدَّة أَسَانِيد أَعرَضت عَنْهَا لطولها وَبِمَا ذكر تعرف جلالة قدره وَطول بَاعه فِي جَمِيع الْعُلُوم وَله أجوبة على مسَائِل كَثِيرَة وَردت عَلَيْهِ من عُلَمَاء ذَلِك الزَّمَان ورسائل بليغة وخطب رائقة وأشعار فائقة وَلما أنْشد بعض من حضر مجْلِس سَمَاعه فِي الحَدِيث بزبيد المحروسة على شَيْخه مُحَمَّد الْخَاص الحني بَيْتِي ابْن حزم الظَّاهِرِيّ وهما
(إِن كنت كَاذِبَة الَّتِي حَدَّثتنِي ... فَعَلَيْك إِثْم أبي حنيفَة أوزفر)
(الواثبين على الْقيَاس تمردا ... والراغبين عَن التَّمَسُّك بالأثر)
أَخذ الشَّيْخ فِي ذمّ ابْن حزم لَا جلهما فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة بديهة
(مَا كَانَ يحسن يَا ابْن حزم ذمّ من ... حَاز الْعُلُوم وفَاق فضلا واشتهر)
(فَأَبُو حنيفَة فَضله متواتر ... وَنَظِيره فِي الْفضل صَاحبه زفر)
(أَن لم تكن قد تبت من هَذَا فَفِي ... ظَنِّي بأنك لَا تبَاعد عَن سفر)
(لَيْسَ الْقيَاس مَعَ وجود أَدِلَّة ... للْحكم من نَص الْكتاب أَو الْخَبَر)
(لكنّ مَعَ عدم تقاس أَدِلَّة ... وبذاك قدوصي معَاذ إِذْ أَمر)
فأعجب الْحَاضِرُونَ بذلك وكتبوه عَنهُ فِي الْحَال وَحضر مجْلِس التدريس فِي بعض
стр. 806
الْأَيَّام وَهُوَ فِي قَمِيص أَزْرَق اللَّوْن وَوَجهه يتلألأ كَالْقَمَرِ فَأَنْشد وَلَده النَّاصِر فِي الْحَال
(أَبَد ربداً فِي لون زرقاء أَخْضَر ... تضوّع من طيبين مسك وَعَنْبَر)
(قد انتعل الْجَوْز مجداً ورفعة ... كَمَا أَنه للجود وَالْحَمْد مُشْتَرِي)
(بني عرشة فَوق السماك علومه ... سرى هديها فِي كل واع ومبصر)
(ويملي لنا من كل فنّ دقائقاً ... يضن بهَا عَن أَن تبَاع بجوهر)
(فَللَّه من قَامُوس علم وبحره ... مُحِيط بأنباء صِحَاح لجوهري)
(وَعلم حَدِيث والأصولين أَنَّهَا ... لمن بعض مَا يملي ويقري وأيسر)
(حقيق بِمَا قد قَالَه خير نَاظر ... خَبِير بأرباب المكارم أشهر)
(فَمَا خلقت إِلَّا لطرس أكفه ... وأقدامه إِلَّا لسرج ومنبر)
وَله من الْفَضَائِل والفواضل وَالتَّحْقِيق فِي الْعُلُوم ولطائف النّظم والنثر مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحصْر وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس سلح شهر ربيع الأول سنة سبع وَسبعين وَألف وَحضر للصَّلَاة عَلَيْهِ عَالم كثير من جَمِيع الْجِهَات وقبره بالإشغاف من عمل الشجعة مَشْهُور ورثاء عُلَمَاء الْعَصْر بمراث بليغة كَثِيرَة مِنْهَا قَول السَّيِّد جمال الدّين مُحَمَّد بن صَلَاح بن الْهَادِي الوشلي قصيدة مِنْهَا
(الله أكبر كل خطب هَين ... الْأَعْلَى عبد الحفيظ فيكبر)
(حبر الْأَنَام وَحجَّة الْإِسْلَام أَن ... أَمر عرى وَالْعَاقِب المتبصر)
(أعْطى الْجِهَاد حُقُوقه وسمت بِهِ ... للِاجْتِهَاد عوارف لَا تنكر)
وَمِنْهُم الْعَلامَة عَليّ بن مُحَمَّد بن سَلامَة عَالم صنعاء رثاه بقصيدة مطْلعهَا
(مادت جبال بالتهائم والشرف ... وذوت غصون للفضائل والشرف)
(وتضعضعت أَرْكَان مجد شامخ ... للفضل فِي الْعلم الشريف لمن عرف)
ورثاء السَّيِّد يحيى بن أَحْمد الشَّرّ فِي نظما ونثرا من ذَلِك قَوْله أول قصيدة
(قَضَاء لَا يرد وَلَا يعاب ... وَحكم من مدبره صَوَاب)
ورثاه القَاضِي حفظ الله بن مُحَمَّد بن سُهَيْل
(هَل قد دحي الْبَحْر الْمُحِيط نضوبه ... أم ذِي الْجبَال الراسيات تسير)
(أوآن مِنْهَا كسفا أم دكت ... الأرضون أَن هذي السما تتفظر)
(أم مَاتَ ذُو الْفضل الشهير وَمن لَهُ ... بَين الْخَلَائق مفخر لَا يُنكر)
(عبد الحفيظ الْعَالم الْعَلامَة النّدب ... الذكي الْعَارِف المتجر)
стр. 807
(ذُو الِاجْتِهَاد وَذُو الْجِهَاد فمنهما ... يحمى العثار بِهِ ويحمى العثير)
ورثاه حفيده القَاضِي حُسَيْن بن النَّاصِر بمراث طَوِيلَة مِنْهَا قصيدة أَولهَا
(الأَرْض ترجف والسحائب تمطر ... لوفاة بحرٍ بالفضائل يزخر)
مِنْهَا
(عضد لأرباب الْأُصُول وَغَايَة ... مِنْهَا الشموس بَدَت لنا والأقمر)
(وبفكره الصافي تحصل للورى ... علم بِهِ تَصْدِيقه يتصوّر)
(وغدت قضاياها موجهة بِمَا ... يدرى بغامض أمرهَا من يبصر)
وَمِنْهَا
(فالمجد مَرْفُوع بِذَاكَ ومرسل ... وَكَأَنَّهُ يَا حبذا مَا يهمر)
(لم يَنْقَطِع عَن فَضله ذُو فطنة ... فَيُقَال مَتْرُوك هُنَاكَ ومنكر)
(لم يبْق للموضوع فِي أَيَّامه ... أصل يشاد وَلَا طَرِيق يظْهر)
عبد الْحق بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْحِمصِي الأَصْل الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الملقب زين الدّين الْحِجَازِي الْفَاضِل الأديب الْمَشْهُور ذكره كثير من المنشئين وَأَصْحَاب التواريخ والمجاميع وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَ معمور الْأَطْرَاف كَامِل الأدوات أديباً مُتَمَكنًا من فنون كَثِيرَة جيد الفكرة لطيف المعاشرة وَكَانَ اشْتِغَاله على وَالِده وغلبت عَلَيْهِ الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة مَعَ إحاطة تَامَّة بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْأُصُول وَصَحب الشَّيْخ مُحَمَّد بن عمر بن فواز الْآتِي ذكره وَكَانَ يَسْتَفِيد مِنْهُ فِي صُورَة المذاكرة وَأكْثر انتفاعه بِهِ وَله مَعَه مطارحات مَقْبُولَة مِنْهَا مَا كتبه الْحِجَازِي إِلَيْهِ وَقد انْقَطع عَنهُ مجافياً
(يَا غَائِبا والذنب ذَنْبك ... متعتباً الله حَسبك)
(لَا تبعدن فَإِنَّمَا ... أملي من الْأَيَّام قربك)
(فلأصبرن وأرضين ... بِمَا قَضَاهُ الله رَبك)
وَكَانَ خرج فِي شبيبته إِلَى حلب مغاضباً لوالده فَبعث إِلَيْهِ من رده وَرجع بِهِ واستمرت الشحناء بَينهمَا مُدَّة حياتهما وَكَانَ يجفو أَبَاهُ ويهجره وَهُوَ يُقَابله بالمحبة وَلم يزل على مجافاته حَتَّى سَافر إِلَى الرّوم فِي سنة أَربع بعد الْألف وَأخذ عَن أَبِيه الْمدرسَة التقوية وَدَار الحَدِيث الأشرفية وبقيتا عَلَيْهِ إِلَى أَن مَاتَ ودرس ببقعة فِي الْجَامِع الْأمَوِي وَكَانَ لَهُ حجرَة بالجامع القلعي فِي سوق جقمق وَكَانَت الطّلبَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ بهَا وَيَأْخُذُونَ عَنهُ وَكَانَ كثير الْفَائِدَة طَوِيل الباع فِي النّظم والنثر وَله شعر كُله نَفِيس حسن التخيل متين التَّرْكِيب فَمن ذَلِك قَوْله من قصيدة مطْلعهَا
(بَين جنبيّ للتفرق نَار ... وبخديّ للبكا أَنهَار)
стр. 808
(وبقلبي لواعج من شجون ... هيجتها الأطلال والْآثَار)
(أَربع كنّ للأوانس مرعى ... فَهِيَ الْآن للكوانس دَار)
(نهبتها أَيدي الروامس نهباً ... مِثْلَمَا تنهب الْعُقُول الْعقار)
(جللتها ثوب العفاء السَّوَارِي ... ومحتها الرِّيَاح والأمطار)
(طلل حلّه الأوابد لما ... نعبت فِيهِ للنوى أطيار)
(كنت والدور بالدمى آهلات ... جزعاً كَيفَ أَنْت وَهِي قفار)
(أدلجوا للسرى وَسَارُوا سرَاعًا ... وخلت أَربع لَهُم وديار)
(أوحشوا ربعهم فليت العوادي ... ساعدتهم وليتهم مَا سَارُوا)
(وتراموا بِكُل خرق مخوف ... صيخد لَا يرى بهَا سفار)
(هُوَ جلّ تتْرك العباهل صرعى ... وَبهَا للردى يخاض غمار)
(وَكَأن الْأَعْلَام إِذْ تتراآى ... شامخات الذرى غُبَار مثار)
(والفيافي كأنهن طروس ... وكأنّ الركائب الأسطار)
(ورياح الجداء فِيهِنَّ تزجى ... سفن عبس لَهَا السراب بحار)
(وكأنّ الأحداج أكمام طلع ... وَلها الْبيض والدمى أزهار)
(قاصرات عين أوانس غيد ... عَن هواهن لَيْسَ لي أقصار)
(بِفُرُوع كأنهن الدياجي ... ووجوه كَأَنَّهَا الأقمار)
(وَلكم راعني لئيم بلؤم ... هُوَ مِنْهُ سفاهة واغترار)
(كَيفَ أسلو عَن منهل طَابَ ريا ... لي مِنْهُ الْإِيرَاد والإصدار)
(وخيال ألم الركب ساه ... وكؤوس الْكرَى عَلَيْهِم تدار)
(قلت لما طوى القفار ووافى ... وأضاءت لزوره الأقطار)
(بدر أفق أنار أم لمع برق ... يتلالى أم كَوْكَب أم نَار)
(أم سليمى إِذْ جنني اللَّيْل زارت ... فغدا وَهُوَ من سناها نَهَار)
(ساورتني الأحزان واقتسمتني ... فِي هَواهَا الهموم والأكدار)
(مثل مَا اجتازت الْحَوَادِث جَاءَت ... وسطت فيّ لَا كَمَا أخْتَار)
(وكذاك الْأَيَّام تسطو بِذِي الْفضل ... وللدهر غفوة واعتذار)
(هَل مجير من حادثات اللَّيَالِي ... لَيْسَ شخص على الخطوب يجار)
(مصلت صارمي عناد وبغي ... زمن لَيْسَ مِنْهُ يدْرك ثار)
стр. 809
(ألبستني لَهُ سوابغ بَأْس ... عَزمَات لم يثنها أضجار)
وَهِي طَوِيلَة وَمَا أوردناه مِنْهَا كَاف فِي الدّلَالَة على حسن انسجامها ومتانة لَفظهَا وَله من قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(أعرت خدود الغيد من مهجتي جمرا ... وعلقن فِي الأجياد من مدمعي درا)
(ومعرك حَرْب فِي فُؤَادِي أثاره ... من الشوق جَيش لَا يُحِيط بِهِ خَبرا)
(على هدف الأحشاء وَقع سهامه ... يفوّقها للقلب فتاكة عذرا)
(وَقَالُوا تصبر قلت شَيْء جهلته ... وَكَيف يُطيق الصَّبْر من يجهل الصبرا)
(خليليّ عوجا بَارك الله فيكما ... وحثا المطايا واقصدا الرند والسدرا)
(فلي فِيهِ خود بالصدود تسربلت ... وَقد تخذت سمر الرماح لَهَا خدرا)
(ربيبة ألوت بعزم تجلدي ... وأذكت على الأحشاء من نأيها جمرا)
(أَبى الْقلب إِلَّا أَن يكون بهَا مغرى ... ومذ أيقنت سوق العدا أخذت حذرا)
(وَكم حذرتني فِي هَواهَا عواذلي ... وَلَا أَحسب التحذير إِلَّا بهَا أغرا)
(أَلا أَيهَا الْقلب الَّذِي لج فِي الْهوى ... إلام الوفا والغيد أزمعت الغدرا)
(وهذي دواعي الشيب تَدْعُو إِلَى الْهدى ... وَقد زجرتني عَن دواعي الصِّبَا زجرا)
(وَقد شَاب كَبِدِي قبل رَأْسِي ولمتي ... فحتام قلبِي لَا يفِيق بهم سكرا)
(وَمَا كَانَ شيبي من تطاول أزمني ... ولكنني لاقيت من دهري النكرا)
أَخذ هَذَا من قَول بَعضهم
(وَمَا شَاب رَأْسِي من سِنِين تَتَابَعَت ... عليّ وَلَكِن شيبتني الوقائع)
وَمن جيد شعره قَوْله
(وَحقّ الْهوى إِن الْهوى فِيك لم يزل ... لنا قسما لَا حنث فِيهِ عَظِيما)
(لقد هجت بالألطاف لي مِنْك لوعة ... وجدّدت وجدا فِي الْفُؤَاد قَدِيما)
(ومزقت صبرا كنت قدماً تخذته ... ظهيراً بِهِ ألْقى الْهوى ورحيما)
(فَأَصْبَحت فِيك الْآن لَا أملك الجوى ... وَلَا أرتضي إِلَّا هَوَاك نديما)
وَكَانَ بَينه وَبَين مُحَمَّد الصَّالِحِي الملقب أَمِين الدّين الْآتِي ذكره مَوَدَّة أكيدة واجتماع كثير ثمَّ انْقَطع أَمِين الدّين عَنهُ فسير إِلَيْهِ يعتبه لانقطاعه عَنهُ قَوْله
(طَالَتْ الأشواق وازداد العنا ... وَتَمَادَى الْبَين فِيمَا بَيْننَا)
(فامنحوا الْقرب محباً مخلصاً ... فَلَعَلَّ الْقرب يشفي مَا سنا)
стр. 810
(لَيْسَ فِي هَذَا عَلَيْكُم كلفة ... إِنَّمَا نطلب شَيْئا هُنَا)
فَكتب إِلَيْهِ من نظمه
(أَنا فِي الْقرب وَفِي الْبعد أَنا ... لَيْسَ فِي الْحَالين لي عَنْكُم غنا)
(أفضل الْأَشْيَاء عِنْدِي حبكم ... وَهُوَ فِي وسط فُؤَادِي مكنا)
(لَكِن الْأَيَّام أشكوها لكم ... جورها قد أورث الْجِسْم الضنا)
فَرَاجعه الْحِجَازِي بقوله
(قد عناني من جفاكم مَا عَنَّا ... إِذْ جعلتم هجركم لي ديدنا)
(لَا أُطِيق الصَّبْر عَنْكُم سَاعَة ... أَنْتُم دون الورى عِنْدِي المنى)
(لَا وَلَا يشفى غليلي قَوْلكُم ... أَنا فِي الْقرب وَفِي الْبعد أَنا)
وَجمعه مجْلِس صُحْبَة أخدان لَهُ فِي بلهنية شبابه فَقَالَ هَذِه الأبيات يمدحهم بهَا
(فديت معاشرا كالزهر أربت ... وُجُوههم على زهر النُّجُوم)
(أحاسن من أكارم صيرتهم ... يَد الْإِحْسَان كالدر النظيم)
(جلونا من محياهم حميا ... تجلى ظلمَة اللَّيْل البهيم)
(جَوَاهِر زينت سلك الْمَعَالِي ... وأعلت راية الْحبّ الْكَرِيم)
(رياض بنفسج وَهنا نفوس ... وكشف كرائب ودجا هموم)
(وألطاف إِذا شملت شجيا ... جلت عَن قلبه كرب الهموم)
(بهم نفس العلى وَالْمجد طابت ... وقرت بالهنا عين الْعُلُوم)
(واصبح عقد جيد الْفضل يزهو ... بدر نظمته يَد الفهوم)
(يعير الْحسن أجياد الغواني ... وَيهْدِي السحر للطرف السقيم)
(ألذ من الصِّبَا لَا خي التصابي ... وألطف من مطارحة النسيم)
وَكتب لبَعض أحبابه فِي صدر رِسَالَة
(أحبتنا مَاذَا نُؤَدِّي رِسَالَة ... وَهل تحصر الأوراق بعض بتاريحي)
(ولكنني أهدي إِلَيْكُم تَحِيَّة ... مَعَ البارق النجدي لَا نسمَة الرّيح)
(فَتلك سراها بالهوينا تعللا ... ولطا لِأَنِّي مُرْسل مَعهَا روحي)
(وَذَلِكَ يهدي لي السَّلَام بلمحة ... فَفرج عَن قلب من الْبَين مَجْرُوح)
وَكَانَ الْحسن البوريني سَافر إِلَى ترابلس الشَّام فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان بعد الْألف فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى دمشق حضر علماؤها للسلام عَلَيْهِ وَتَأَخر صَاحب التَّرْجَمَة لمَرض كَانَ
следующие страницы →