← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

القَاضِي صَالح بن عمر بن القَاضِي سعد الدّين بن الْعلم أَخُو الشَّيْخ مُحَمَّد العلمي الصُّوفِي الْمَشْهُور الْآتِي ذكره كَانَ قدم إِلَى دمشق وَولي بهَا نِيَابَة قَضَاء الْمَالِكِيَّة بمحكمة الميدان حِين كَانَ عَمه القَاضِي فَخر الدّين عُثْمَان بِدِمَشْق متخلياً عَن نِيَابَة الحكم بمحكمة الْبَاب وَشرع فِي طَرِيق الزعماء فسعى لِابْنِ أَخِيه الْمَذْكُور فِي نِيَابَة الْمَالِكِيَّة بمحكمة السويقة الْمَذْكُورَة وَكَانَ لَهُم تعلقات بالقدس فَلم يقدر على الْإِقَامَة بِدِمَشْق فَكَانَ يتوطن بالقدس وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى الشَّام لزيارة أَخِيه الشَّيْخ مُحَمَّد وخاله الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَليّ مدرس الشبلية الْآتِي ذكرهمَا وَكَانَ بَينه وَبَين الشَّيْخ عَليّ بن مُحَمَّد القلعي الْقُدسِي نزاع بِسَبَب وقف سَيِّدي أَحْمد الثَّوْريّ فاتفق أَن مَاتَ ذَاك فِي شعْبَان غَرِيبا فِي قَرْيَة من قرى سَيِّدي عَليّ بن عليل وَمَات هَذَا فِي رَابِع عشر شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف غَرِيبا فِي الرملة صَالح بن مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد الْخَطِيب ابْن مُحَمَّد الْخَطِيب ابْن مُحَمَّد الْخَطِيب ابْن إِبْرَاهِيم الْخَطِيب التُّمُرْتَاشِيّ الْغَزِّي الْحَنَفِيّ ابْن الإِمَام الْكَبِير صَاحب التَّنْوِير فِي الْفِقْه الْآتِي ذكره الإِمَام ابْن الإِمَام كَانَ فَاضلا متبحراً بحاثاً وَله إحاطة بِفُرُوع الْمَذْهَب أَخذ عَن وَالِده ورحل إِلَى مصر وَأخذ عَن علمائها وتصدر فِي ذَلِك الْقطر بعد وَفَاة أَبِيه ونفع النَّاس فِي الْفَتَاوَى وَألف التآليف النافعة فِي الْفِقْه وَغَيره مِنْهَا حَاشِيَة على الْأَشْبَاه والنظائر الَّتِي سَمَّاهَا زواهر الْجَوَاهِر وَله منظومة فِي الْفِقْه وَشرح تحفة الْمُلُوك وَشرح ألفية وَلَده مُحَمَّد الْآتِي ذكره فِي النَّحْو الَّتِي أَولهَا (قَالَ مُحَمَّد هُوَ ابْن صَالح ... أَحْمد رَبِّي الله خير فاتح) وَله شرح النقاية سَمَّاهُ الْعِنَايَة وَشرح تَارِيخ شيخ الْإِسْلَام سعدي المحشى وَله رسائل كَثِيرَة مِنْهَا رِسَالَة فِي سيدنَا مُحَمَّد وأخيه هَارُون ﵉ ورسالة فِي علم الْوَضع وترسلاته وأشعاره وافرة مطبوعة وقفت لَهُ على هَذِه الأبيات كتب بهَا إِلَى الْخَيْر الرَّمْلِيّ فِي صدر رِسَالَة وَقد استحسنتها فأثبتها لَهُ وَهِي قَوْله (إِن جزت عَن رَملَة لي ثمَّ إِنْسَان ... حبر همام لَهُ علم وإحسان) (فِي الْعلم نعمانه فِي الْجُود حاتمه ... وَمَاله فيهمَا ضد وأفران) (وَالْخَيْر أَوله وَالْخَيْر شيمته ... وَالدّين قيد لَهُ فِي الْعلم إِمْكَان) (قَالُوا هُوَ الْبَحْر قلت الْبَحْر ذُو غرق ... قَالُوا هُوَ الْبَدْر لَا يعروه نُقْصَان) (قَالُوا هُوَ اللَّيْث قلت اللَّيْث ذُو حمق ... قَالُوا هُوَ الشَّمْس قلت الشَّمْس ميزَان)

стр. 737

(قَالُوا هُوَ السَّيْف قلت السَّيْف ذُو كلل ... وَرُبمَا جَاءَ مِنْهُ صَاح عدوات) (قَالُوا فَمَا هُوَ قل لي قلت قد جمعت ... فِيهِ الْخِصَال وزادت فِيهِ عرفان) (أَخُوهُ شمس بِهِ ضاءت مَنَازِله ... وصدره بعلوم الله رَيَّان) (ليثان حبران فِي آجام معرفَة ... يروي بانداهما للْعلم ظمآن) ( ... قد جَاءَ للرملة البيضا وَقد درست ... فِيهَا الْعُلُوم وفيهَا لَاحَ طغيان) (فجدد الْعلم فِيهَا واستنار بِهِ ... عرش الْعُلُوم وفيهَا زَاد إِيمَان) وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من أجلاء الْعلمَاء وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي سنة خمس وَخمسين بعد الْألف صَالح بن مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ بن يس الدجاني الْمَقْدِسِي كَانَ من أهل الْفضل وَالْأَدب وبيتهم بالقدس بَيت علم وتصوف خرج مِنْهَا نامر كثير من الْمَشَاهِير وجدهم أَحْمد بن عَليّ أحد أَصْحَاب سَيِّدي عَليّ بن مَيْمُون وَصَاحب سَيِّدي مُحَمَّد بن عراق وَكَانَ من كبار الصُّوفِيَّة فِي زَمَنه وَله تَرْجَمَة وَاسِعَة فِي الْكَوَاكِب السائرة للنجم الْغَزِّي ذكر فِيهَا أَشْيَاء من مناقبه وأحواله وَصَالح هَذَا ولد بالقدس وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على أَبِيه مُحَمَّد الْآتِي ذكره فِي أَنْوَاع الْعُلُوم ونظم ونثر وَكَانَ مَقْبُول الشيمة لطيف الطَّبْع حسن الْعشْرَة خلوقا متوددا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس وَخمسين وَألف صَالح بن نصر الله وَيعرف بِابْن سلوم بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد اللَّام الْحلَبِي رَئِيس أطباء الدولة العثمانية ونديم السُّلْطَان مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم سيد الْأَطِبَّاء والحكماء وَوَاحِد الظرفاء والندماء أظهر فِي فنون الطِّبّ كل معنى غَرِيب وركها بمقدمات حسه كل تركيب عَجِيب فأنتج اسْتِخْرَاج الْأَمْرَاض من أوكارها وَكَانَ كل طَبِيب يعجز عَن إظهارها كَانَ للطفة إِذا جس نبضا يُعْطِيهِ روح الْأَرْوَاح وَيفْعل لرقته فِي النُّفُوس ماذ تَفْعَلهُ الراح وَهَذَا التَّعْرِيف لغيري احتجته فَفِي مَحَله أدرجته ولد بحلب وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن أكَابِر شيوخها واشتغل بالعلوم الْعَقْلِيَّة وجد فِي تَحْصِيلهَا حَتَّى برع وَغلب عَلَيْهِ علم الطِّبّ وَكَانَ حسن الصَّوْت عَارِفًا بالموسيقى صارفا أوقاته فِي الملاذ ومسالمة أَبنَاء الْوَقْت ثمَّ تولى مشيخة الْأَطِبَّاء بحلب وَلم يزل على تِلْكَ الْحَالة حَتَّى رَحل إِلَى الرّوم واختلظ بكبرائها واشتهر أمره بَينهم ونما حَظه حَتَّى وصل خَبره إِلَى السُّلْطَان فاستدعاه وَأَعْجَبهُ لطف طبعه فصيره رَئِيس الْأَطِبَّاء وَأَعْطَاهُ رُتْبَة قَضَاء قسطنطينية وقربه وَأَدْنَاهُ وَبلغ من الإقبال

стр. 738

ونفوذ الْكَلِمَة مبلغا رفيعا وَكَانَ فِي حد ذَاته أعجب من رؤى وَسمع فِي لطف البداهة والنكتة والنادرة وَله رِوَايَة فِي الشّعْر وَالْأَخْبَار وَاسِعَة وَكَانَ ينظم الشّعْر وَلم أر لَهُ الا هَذَا الْمَقْطُوع وَقد جَاءَ فِيهِ بمضمون لطيف وَهُوَ (سقاني من أَهْوى كلون خدوده ... مدا مَا يرى سر الْقُلُوب مذاعا) (ومذ شَبَّبَ الإبريق فِي كأس حاننا ... أَقَامَت دراويش الْحباب سَمَاعا) وَألف فِي الطِّبّ تأليفا لطيفا سَمَّاهُ برْء سَاعَة وسمت همته فِي اقتناص شوارد المكرمات حَتَّى نفع بجاهه كثيرا من أهل دائرته ومدحه شعراء الْعَصْر وَأحسن مَا رَأَيْت من مدائحه قصيدة مدحه بهَا صاحبنا المرحوم عبد الْبَاقِي بن أَحْمد السمان الدِّمَشْقِي مستهلها (بذكرك بعد الله يستفتح الذّكر ... فَمَا لسواك الْآن نهى وَلَا أَمر) (وباسمك يسترقى السقيم فيشتفى ... بِهِ ويسح الْغَيْث أَو يبطل السحر) (وَلَو لقن الشَّيْخ المريد حُرُوفه ... تجلت لَهُ الْأَنْوَار وانكشف السّتْر) (ولور قموافي راية الْجَيْش رسمه ... لجاء على آثارها الْفَتْح والنصر) (وَمَا الْمجد إِلَّا صُورَة أَنْت روحها ... كَمَا أَنْت معنى لَفظه الْكَوْن والدهر) (وَمَا الْخَيْر إِلَّا مِنْك أوفيك أَو لَدَى ... جنابك أَو من شِئْت واليمن واليسر) (جنابك مَسْعُود وبابك كعبة ... تَطوف بهَا الآمال تسبيحها الشُّكْر) (تكَاد ترى خلق الفعال حَقِيقَة ... إِذا عدت ذَا سقم فعادلة الْعُمر) (إِذا جدت بالدنيا جَمِيعًا لآمل ... تَقول لَهُ عد ثَانِيًا وَلَك الْعذر) (إِذا مَا تَلا أوصافك الغر مادح ... يُقَال أفيمن همه الْحَمد وَالْأَجْر) (وَقد حزت مجدا يحسر الطّرف دونه ... وتعنو لَهُ الأفلاك أَو تسْجد الزهر) (وسعدا مكينا الوحوى الْبَدْر بعضه ... تنْزع عَن نقص وَلم يكسف الْبَدْر) (وَأُوتِيت مَا لم يُؤْت لُقْمَان بعضه ... فَأَنت بِجمع الْفضل بَين الورى وتر) (وجودا يكَاد الْبَحْر يشبه فيضه ... وهيهات أَن يحْكى مواهبك الْبَحْر) مِنْهَا (أمولاي إقبالا لعبد تَوَجَّهت ... إِلَيْك بِهِ الآمال وصلته الشُّكْر) (إِذا مَا جرى ذكراك فِي مجْلِس غَدا ... يمِيل كَمَا النشوان مَالَتْ بِهِ الْخمر) (وَيبْخَل بالتصريح بِاسْمِك غيرَة ... وحبا وإجلالا وَإِن علم الْأَمر) (وَهل تختفي الشَّمْس المنيرة فِي الضُّحَى ... ويكتم نور الْبَدْر أَو يستر الْفجْر)

стр. 739

وَكَانَت وَفَاته بينكي شهر وَهُوَ فِي خدمَة السُّلْطَان فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف صَالح الرُّومِي الْمَعْرُوف بدرس عَام القسطنطيني الْمُحَقق الشهير أحد من أَدْرَكته فَرَأَيْت الْفضل مُشْتَمِلًا بِهِ وَهُوَ أحد نَوَادِر الدَّهْر فِي الْفضل والإتقان وَتَحْقِيق الْعُلُوم والفضلاء الرّوم تهافت بَالغ على الْوُصُول إِلَيْهِ والإقتباس مِمَّا لَدَيْهِ وَهُوَ فِي نفس الْأَمر عَجِيب الصَّنْعَة فِي تَقْرِيره وتفهيمه جَار على طَريقَة محققي الْعَجم والأكراد فِي مُرَاعَاة آدَاب الْبَحْث وَكَانَت لَهُ فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة مهارة كُلية بِحَيْثُ لَا يشق فِيهَا غباره وَقد ولد بقسطنطينية وَبَلغنِي أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره مزيناً ثمَّ حبب إِلَيْهِ الطّلب فجد واجتهد وَصرف شطرا عَظِيما من عمره فِي الِاشْتِغَال حَتَّى بهر وَمهر وَجلسَ مجْلِس التدريس فأكبت عَلَيْهِ الطّلبَة وَمَا برحوا فِي زِيَادَة واعتناء بِهِ ثمَّ سلك طَرِيق الموَالِي فدرس بعدة مدارس وَلما قدمت قسطنطينية من أدرنة فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ صادفته مدرساً بِإِحْدَى مدرستي زَكَرِيَّاء برتبة موصلة الصُّحُف وَكَانَ إِذْ ذَاك يقرى كتاب مُغنِي اللبيب لِابْنِ هِشَام فيحضره جمع كثير من الأفاضل ثمَّ انْتقل إِلَى إِحْدَى الْمدَارِس الثمان فدرس فِيهَا شرح المواقف على مُقْتَضى شَرط واقفها وَكَانَ لَهُ فِي بَيته دروس خَاصَّة وَتُوفِّي وَهُوَ مدرس إِحْدَى الثمان وَكَانَت وَفَاته يَوْم الاربعاء رَابِع عشر رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف صَالح باشا الموستاري نَائِب الشَّام كَانَ فِي الأَصْل من خدمَة الْوَزير مصطفى باشا الْمَعْرُوف بالفراري ورد فِي خدمته إِلَى دمشق وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى مصر حَاكما بهَا ثمَّ بعد أَن عزل مخدومه عَن مصر صَحبه إِلَى الرّوم وَصَارَ ضَابِط الْجند الشَّامي وَورد إِلَى دمشق فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَلم يحصل لَهُ حَظّ تَامّ لوُجُود صولة الْجند فِي ذَلِك الْوَقْت ثمَّ بعد زَوَال بَعضهم نفذت كَلمته وَلما ولي الْوَزير أَحْمد باشا الْفَاضِل نِيَابَة الشَّام جعله قَائِما مقَامه إِلَى أَن قدم إِلَيْهَا فصيره كتنداه وَلما ولي الوزارة الْعُظْمَى جعله أَمِيرا خور السُّلْطَان ثمَّ جعله ضَابِط الْجند بقسطنطينية وسافر فِي خدمَة الْوَزير إِلَى سفر إيران فاتفق أَنه اسْتشْهد نَائِب الشَّام الْوَزير مصطفى باشا القليلي فَوجه إِلَيْهِ مَكَانَهُ وَأرْسل متسلماً من قبله وَأقَام هُوَ فِي السّفر السلطاني وَأمر بعمارة خَان حسية ووكل فِي الْعِمَارَة وَالصرْف جمَاعَة من أهل دمشق فعمروه ووسعوه ثمَّ أَمر بعمارة خَان السبك فعمروه عمَارَة لَطِيفَة وقلدوا فِي بُنْيَانه ببنيان عمَارَة

стр. 740

القطيفة من السُّوق وَالْجَامِع وَالْحمام والعمارة وَوَقع هَذَا الخان فِي موقعه وَاتفقَ لَهُ تواريخ عديدة بِالْعَرَبِيَّةِ والتركية وأجودها التَّارِيخ الَّذِي صنعه الْأَمِير المنجكي رَحمَه الله تَعَالَى وَذَلِكَ قَوْله (صَالح للخير لما أَن بني ... مخلصا خَانا بِفعل متقن) (وَهُوَ وَالِي الشَّام من أضحى لَهُ ... حسن ذكر فِي جَمِيع الألسن) (قَالَ دَاعِي الْبر بشرى أَرخُوا ... فِي سَبِيل الله خَان قد بنى) وَكَانَ ذَلِك فِي سنة خمس وَسبعين وَألف ثمَّ عمر واله بأَمْره الْحمام خَارج بَاب الْجَابِيَة بِملَّة القماحين ورتب عشرَة أَجزَاء بالجامع الْأمَوِي تجاه رَوْضَة سيدنَا يحيى ﵇ وَشرط نظارة وَفقه لمفتي دمشق وَكَانَ يحب الْعلمَاء ويجالس الصلحاء وَكَانَت وَفَاته بِمَدِينَة صوفية فِي سنة سِتّ وَسبعين وَألف والموستاري بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَالسِّين الْمُهْملَة وَبعدهَا تَاء مثناة من فَوق وَألف وَرَاء نِسْبَة إِلَى بَلْدَة مَشْهُورَة فِي دَائِرَة بوسنة السَّيِّد صبغة الله بن روح الله بن جمال الله البروجي الشريف الْحُسَيْنِي النقشبندي نزيل الْمَدِينَة المنورة الْأُسْتَاذ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى كَانَ أحد أَفْرَاد الزَّمَان فِي المعارف الإلهية وَله الْيَد الطُّولى فِي أَنْوَاع الْفُنُون وَله الْحَاشِيَة الْمَشْهُورَة على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَهِي مَشْهُورَة فِي بِلَاد الرّوم وَله مصنفات غَيرهَا مِنْهَا كتاب بَاب الْوحدَة ورسالة إراءة الدقائق فِي شرح مرْآة الْحَقَائِق ورسالتان فِي الصَّنْعَة الجابرية ورسالة فِي الجفر وَمَا لَا يسع المريد تَركه كل يَوْم من سنَن الْقَوْم وتعريب جَوَاهِر الْغَوْث ولد بِمَدِينَة بروج بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْوَاو ثمَّ جِيم مَدِينَة بِالْهِنْدِ وَأَصله من أصفهان انْتقل جده مِنْهَا إِلَى الْهِنْد وَسكن بِالْمَدِينَةِ الْمَذْكُورَة وَأخذ فِي الْهِنْد عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى وجيه الدّين الْعلوِي الْهِنْدِيّ تلميذ الشَّيْخ مُحَمَّد الْغَوْث البسطامي وتأدب بِهِ وأكمل عِنْده الطَّرِيق وَأَجَازَهُ للإرشاد فَأقبل عَلَيْهِ النَّاس وَبعد صيته وَعظم أمره عِنْد مُلُوك الْهِنْد إِلَى الْغَايَة لما شاهدوه من غزير علمه وزهده وورعه مَعَ عدم تردده إِلَى أحد من أعيانها وَعدم قبُوله الْعَطاء من السُّلْطَان وَغَيره إِلَّا نَادرا ثمَّ رَحل إِلَى الْحجاز وَحج فِي سنة خمس بعد الْألف وَأقَام بِالْمَدِينَةِ يدرس للطلبة ويربي المريدين وانتفع بِهِ الجم الْغَفِير أَجلهم السَّيِّد الأمجد ميرزا توفّي بِالْمَدِينَةِ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن

стр. 741

بِالبَقِيعِ وَالسَّيِّد أسعد الْبَلْخِي وَالشَّيْخ أَحْمد الشناوي الْمُقدم ذكرهمَا وَالشَّيْخ إِبْرَاهِيم الْهِنْدِيّ توفّي بِالْهِنْدِ وَالشَّيْخ محيي الدّين الْمصْرِيّ والملا شيخ بن الياس الْكرْدِي نزيل الْمَدِينَة والملا نظام الدّين السندي نزيل دمشق وَجَمَاعَة لَا يُمكن ضبطهم وَكَانَ مشتغلا بالتدريس والتحرير ويلازم الصَّلَوَات الْخمس بِالْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ عِنْد الشباك الشَّرْقِي من الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة وَكَانَ لَهُ شهامة وسخاء مفرط فَرُبمَا أرسل إِلَيْهِ من أقاصي الْبِلَاد وأدانيها فِي دور السّنة مِقْدَار مائَة ألف قِرْش فَلَا يبْقى مِنْهَا شَيْئا ويصرفها على الْفُقَرَاء وَكَانَ لَهُ أَحْوَال وخوارق فِي بَاب الْولَايَة عَجِيبَة جدا حكى عَنهُ تِلْمِيذه الملا نظام الدّين الْمَذْكُور قَالَ لما كنت فِي خدمته تذكرت لَيْلَة وطني وَأَهلي فغلبني الْبكاء والنحيب فَفطن بِي الْأُسْتَاذ فَقَالَ لي مَا يبكيك فَقلت قد طَالَتْ شقة النَّوَى وَزَاد بِي الشوق إِلَى الوطن والأهل وَكَانَ ذَلِك بعد صَلَاة الْعشَاء بهنيئة فَقَالَ لي ادن مني فدنوت من السجادة الَّتِي يجلس عَلَيْهَا فَرَفعهَا فتراءت لي بلدتي وسكني ثمَّ لم أشعر إِلَّا وَأَنا ثمَّة وَالنَّاس قد خَرجُوا من صَلَاة الْعشَاء فَسلمت وَدخلت إِلَى دَاري وَاجْتمعت بأهلي تِلْكَ اللَّيْلَة وأقمت عِنْدهم إِلَى أَن صليت مَعَهم الصُّبْح ثمَّ وجدت نَفسِي بَين يَدي الْأُسْتَاذ انْتهى ويروى عَنهُ أَحْوَال غير هَذِه وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كَبِير الشَّأْن سامي الْقدر مَشْهُور بِالْولَايَةِ وَكَانَت وَفَاته فِي سادس عشري جُمَادَى الأولى سنة خمس عشرَة بعد الْألف وَدفن ببقيع الْغَرْقَد وقبره ظَاهر يزار ويتبرك بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى الملاصفي الدّين بن مُحَمَّد الكيلاني نزيل مَكَّة المشرفة الشَّافِعِي الأديب الطَّبِيب فريد عصره كَانَ أعجوبة فِي الذكاء والفهم اشْتغل بِالطَّلَبِ حَتَّى أتقن الْعُلُوم الْعَرَبيَّة والمنطق ثمَّ تعانى الطِّبّ حَتَّى رَأس فِيهِ وَأخذ بِمَكَّة عَن عبد الرؤوف الْمَكِّيّ عدَّة عُلُوم وروى عَنهُ كثيرا وَله مؤلفات عديدة فِي الطِّبّ وَغَيره وَشرح القصيدة الخمرية لِابْنِ الفارض شرحاً حسنا وَجعله باسم الشريف حسن بن أبي نمي وَأَجَازَهُ عَلَيْهِ إجَازَة عَظِيمَة وَكَانَ يحسن إِلَيْهِ وانتفع بِهِ جمَاعَة فِي الطِّبّ وَغَيره ويحكى عَنهُ فِي الطِّبّ غرائب مِنْهَا أَنه مر عَلَيْهِ بِجنَازَة بعض الطرحاء الْفُقَرَاء فَدَعَا بِهِ وَأخذ من دكان بعض العطارين شَيْئا نفخه فِي أنف الطريح فَجَلَسَ وعاش مُدَّة فتعجب النَّاس من ذَلِك وَسَأَلَهُ بعض أَصْحَابه عَن ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت أقدامه واقفة فَعلمت أَنه حَيّ وَمِنْهَا أَن بعض التُّجَّار كَانَ يطعن فِيهِ وَيتَكَلَّم عَلَيْهِ فَلَمَّا بلغه أرسل بعض

стр. 742

الْفُقَرَاء بِغُصْن من نَبَات لَهُ رَائِحَة طيبَة فَلَمَّا شمه التَّاجِر انتفخ بَطْنه وَعجز الْأَطِبَّاء الموجودون عَن علاجه فاضطر إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة فَأرْسل إِلَيْهِ واستعطفه فَأعْطَاهُ سفوفاً من ذَلِك النَّبَات فَعُوفِيَ مِمَّا بِهِ وَنَظِير ذَلِك مَا وَقع لِابْنِ البيطار الْمَشْهُور أَن بعض معاصريه امتحنه عِنْد السُّلْطَان فجَاء للسُّلْطَان بنبات وَقَالَ إِذا طلع إِلَيْك ابْن البيطار مره أَن يشم من هَذَا الْمحل يتَبَيَّن لَك مَعْرفَته وجهله فَلَمَّا طلع إِلَيْهِ أمره أَن يشمه من الْمحل الْمعِين فشمه مِنْهُ فرعف لوقته رعافاً شَدِيدا فقلبه وَشمه من الْجَانِب الآخر فسكن رعافه لوقته ثمَّ قَالَ للسُّلْطَان مر الَّذِي جَاءَ بِهِ أَن يشمه من الْموضع الأول فَإِن عرف أَن فِيهِ الْفَائِدَة الْأُخْرَى فَهُوَ طَبِيب وَإِلَّا فَهُوَ متشيع بِمَا لم يُعْط فَلَمَّا طلع أمره بشمه من الْموضع فرعف رعافاً شَدِيدا فَقَالَ لَهُ اقطعه فعجز وحار فِي أمره وَكَاد أَن يهْلك فَأمره أَن يقلبه ويشمه فَفعل فَانْقَطع رعافه فَمن يَوْمئِذٍ زَادَت مكانة ابْن البيطار عِنْد السُّلْطَان وَمِنْهَا أَن بعض أَوْلَاد الشريف حسن أَصَابَته عِلّة فَأمر صفي الدّين أَن يعْمل لَهُ كوفية من العنبر فَفعل لَهُ فَزَالَتْ الْعلَّة وأصابت تِلْكَ الْعلَّة بعض الرّعية فَفعل لَهُ كوفية من ضفع الْبَقر فَعُوفِيَ فَقيل لَهُ أَلَيْسَ عِلّة الرجلَيْن وَاحِدَة فَقَالَ نعم وَلَكِن ولد الشريف نَشأ على الرَّائِحَة الطّيبَة فَلَو عملت لَهُ من الضفع لزادت علته وَالْآخر بعكسه فداوينا كلا بِمَا يُنَاسِبه وَكَانَ يَأْمر من مرض أَن يخرج من مَكَّة ولوالي المنحنى لِأَن هَوَاء مَكَّة فِي غَايَة الِاعْتِدَال لَكِن رَائِحَة البالوعات تفسده وَلِهَذَا بنى بَيْتا بالمحصب يسكنهُ من بِهِ مرض وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من أَعَاجِيب الدُّنْيَا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة عشر بعد الْألف السَّيِّد صَلَاح بن أَحْمد بن عز الدّين بن الْحُسَيْن بن عز الدّين بن الإِمَام الْحسن ابْن الإِمَام عز الدّين بن الْحسن بن عَليّ بن الْمُؤَيد بن جِبْرِيل بن الْمُؤَيد بن أَحْمد بن يحيى ابْن أَحْمد بن يحيى بن يحيى بن النَّاصِر بن الْحسن بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن النَّاصِر بن أَحْمد بن الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ ابْن أبي الرِّجَال نَشأ هَذَا السَّيِّد على الْأَدَب والبلاغة وَكَانَ صَدرا فِي مجَالِس الكبراء مقدّماً حسن التَّعْبِير مولده فِي خَامِس شهر ربيع الأول سنة خمس عشرَة وَألف بدار الإِمَام شرف الدّين بِصَنْعَاء الْيمن الْمُسَمّى بدار الْعلف عِنْد مَسْجِد مَحْمُود لِأَنَّهُ قد كَانَ ملكه السَّادة من أَخْوَاله الْأُمَرَاء آل المؤيدي وَله من الْأَشْعَار فِي كل معنى مِنْهَا قَوْله

стр. 743

يمدح السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام الْقَاسِم (بنفسي وَمَالِي خير ملك من الورى ... وأقومهم بِالْحَقِّ فِي كل موقف) (رأى حزن يَعْقُوب يساور مهجتي ... فَأعْطى لَهُ من حسنه حسن يُوسُف) (فَإِن منحته شكر دَاوُد همتي ... فَمَا منحت من وَاجِب فعل منصف) (فَمن حلم إِبْرَاهِيم حلم مُحَمَّد ... وَمن طبع إِسْمَاعِيل علم أَن يَفِي) (صبور كأيوب خطيب كَأَنَّهُ ... شُعَيْب أَخُو القَوْل الْبَهِي المفوق) (كريم كيحيى لم يهم بريبة ... طَبِيب كعيسى كم بِهِ مدنف شفي) (كإدريس صدّيق عَزِيز كصالح ... برهط كرام دافعي كل مُسْرِف) (فيا رب ذِي الْخلق الْعَظِيم مُحَمَّد ... بِهِ وبهم نج المليك وَشرف) (وزد فِي بَقَاء عمر نوح وأوله ... كملك سُلَيْمَان لجان ومعتفي) (وصل على من قد ذَكرْنَاهُ أَنهم ... هم خير هاد فِي البرايا ومقتفي) وَرَأَيْت فِي بعض أَخْبَار عُلَمَاء الْيمن أَن لصَاحب التَّرْجَمَة مؤلفات مفيدة وأجوبة شهيرة مِنْهَا شرح الْفُصُول فِي علم الْأُصُول للسَّيِّد الْعَلامَة صارم الدّين إِبْرَاهِيم بن الْوَزير وَهُوَ من أَقَاربه يَعْنِي أَن صَاحب التَّرْجَمَة من أَقَاربه قَالَ القَاضِي الْحُسَيْن المهلا فِي وَصفه أَنه من أصدقاء وَالِدي وَأهل مودته وَأرْسل وَهُوَ بجبل رازح من أَعمال صعدة كتابا إِلَى صَاحب لَهُ بِأبي عَرِيش يُسمى بصديق ابْن مُحَمَّد وافتتحه بقول أبي مُحَمَّد بن سارة (يَا من تعرض دونه شحط النَّوَى ... فاستشرفت لحديثه أسماعي) (لم تطوك الْأَيَّام عني إِنَّمَا ... نقلتك من عَيْني إِلَى أضلاعي) فَأَجَابَهُ وَالِدي النَّاصِر نِيَابَة عَن صديق بقوله (وافى المشرف رائق الإبداع ... من سيد ندب كريم مساعي) (أضحى لأشتات الْفَضَائِل جَامعا ... حَتَّى اجْتَمعْنَ لَدَيْهِ بِالْإِجْمَاع) (يجْرِي بميدان الطروس أَعِنَّة الأقلام ... بالتكميل للإبداع) (أيلم بِي سقم الْفِرَاق وَكتبه ... فِيهَا نسيم الْبُرْء للأوجاع) (وَصديقه صدّيق ابْن مُحَمَّد ... يكبو إِذا مَا همّ بالإسراع) (مَا ابْن اللَّبُون يصول صولة بازل ... فِيهِ قُصُور عَن طَوِيل الباع) (فانعم وَدم مُتَمَكنًا متملكاً ... لشوارد الْأَشْعَار والأسجاع)

стр. 744

(من ذَاك للود الْقَدِيم وَحفظه ... كصلاح الشهم الْجَلِيل يُرَاعِي) (لَا زلت فِي غرف العلى متوئا ... مِنْهَا على أَمَاكِن وبقاع) (تهدي إِلَى الْأَبْصَار أَزْهَر خطكم ... وجواهر الْأَلْفَاظ للإسماع) فَأَجَابَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بقوله (أسرعت فِي نيل الصَّوَاب وَلم تزل ... مذ لَاحَ شخصك فِيهِ ذَا إسراع) (وسبقت أهل الشّعْر لما قُمْت فِي ... حصل السباق بِهِ طَوِيل الباع) (وبهرت أَرْبَاب القريض فَصَارَ كالتمتام ... من فِي النُّطْق كالقعقاع) (وكشفت من سر البلاغة أوجها ... كَانَت من قبيل لقاك خلف قناع) (وأجبت شعرًا قلته متمثلا ... بجوابك الشافي لَا إِلَّا قناعي) (أودعته نكت البديع فحارت ... الأفكار فِي الإبداع والإيداع) (صدّقت أَرْبَاب البلاغة إِذْ أَتَت ... وحفظت إِذْ نسيب وَكنت الواعي) (وجمعت يَا صدّيق كل لَطِيفَة ... حَتَّى لطفت وفزت بِالْإِجْمَاع) (وَنزلت من أهل الْفَضَائِل كلهم ... بمنازل الْأَبْصَار والإسماع) (هَذَا لديك النَّاصِر الأواه وَالْهَادِي ... بن عُثْمَان أَبُو الإسجاع) (قد أرصداً من سحر شعرهما لمن ... يهواك كل براعة ويراع) (فَإذْ حباك الدّرّ بِالْوَزْنِ امْرُؤ ... كالوا لَهُ عَن درّهم بالصاع) (وَإِذا دنا شبْرًا إِلَيْك مواصل ... منحوه من لقياك ألف ذِرَاع) (فضلا حباك بِهِ الْإِلَه ونعمة ... وَالله يحبو من يشا ويراعي) (وإليكما عَمَّن يوزع قلبه ... البرحا فَخُذُوا سمع عَن الْأَوْزَاعِيّ) (قد كنت عقت الشّعْر ثمَّ أَتَيْته ... وأجبته إِذْ كنت أَنْت الدَّاعِي) (ليلوح عنْدك صدق قولي إِنَّمَا ... نقلتك من عَيْني إِلَى أضلاعي) فَأَجَابَهُ النَّاصِر الْمَذْكُور عَنْهَا بقوله (انطق فعندك للقريض دواعي ... قد جَاءَ من شعر الْهمام دواعي) (وسعى صَلَاح فِي صَلَاح قريحتي ... وجزى بِعشر الصَّاع ألف صَاع) (قد كَانَ بِي ألم لنصف اسْمِي فمذ ... وافي أَتَى بالضدّ من أوجاعي) (أَعنِي الْكتاب مطرزاً بجواهر ... يقْضِي على الْأَيَّام بالإقلاع) (لافض فَور جلّ جليل قَالَهَا ... لفتى قَلِيل بضَاعَة ومتاع)

стр. 745

(مَا كَانَ من ثدى الفصاحة راضعاً ... لَكِن تعاطاها بِغَيْر رضَاع) (فَلِذَا يرى وَقت السباق مقصراً ... فاعذر فَتى فِيهَا قصير الباع) (قد شاع سابغ نعْمَة الله الَّتِي ... أسدى لكم فِي الْآل والأشياع) (ونظمت يَا بَحر الغلوم فرائداً ... نظمت لكم سحبان فِي الأتباع) (واستعبد الْملك ابْن حجر شعركم ... لَو عَاشَ لم يقدر على مصراع) (واقرّ كتاب الْأَنَام بأهم ... رق لرق رائق الأسجاع) (من آل أَحْمد لم يزل يوليهم ... الْخيرَات فِي جبل سما وبقاع) (فلذاك عز الدّين وانتشر الْهدى ... إِذْ كَانَ عز الدّين أكْرم ساعي) (أبدى صلاحاً لَاحَ من أثوابه ... نور بدا فِي عَارض هماع) (أَحْيَا بِهِ الأرباء والأدبا مَعًا ... من كل دَان أَو بعيد بقاع) (لَا سِيمَا الْهَادِي الْأَجَل وَمن لَهُ ... ود أكيد والمحب الدَّاعِي) (فَأَبُو عَرِيش فاق بلدان الورى ... إِذْ صرت راقماً اسْمه برقاعي) (شرفتموه إِذْ مدحتم أَهله ... بمدائح عَن خاطر مطواع) (ونعتم صدّيقه بصديقكم ... عطفا وتأكيداً بِغَيْر نزاع) (من لم يكن عَن ودّكم بدل لَهُ ... فلرفعه قد صَار بِالْإِجْمَاع) (يَكْفِيهِ فجرا مَا جرى من مدح من ... فاق الورى لطفاً وَحسن طباع) (لَا منّ أَن أَحْبَبْت آل مُحَمَّد ... فهم الْأمان لنا من الأفزاع) وَمِمَّا قَالَه صَاحب التَّرْجَمَة يُخَاطب القَاضِي الْعَلامَة مطهر بن عَليّ الضمدي وَقد طلب عَارِية كتاب إِيثَار الْحق على الْخلق (آثرونا يَا صَاح بالإيثار ... كي يكون الْبلُوغ للأوطار) (عجلوا عجلوا جزيتم بِخَير ... فَلهَذَا الْكتاب طَال انتظاري) وَهِي من أَبْيَات وَأجَاب القَاضِي عَنْهَا بِأَبْيَات رائقة مطْلعهَا (قسما بالعقول والإنظار ... وَبِمَا ضمنت من الْأَسْرَار) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر سنة سبعين وَألف القَاضِي صَلَاح الدّين بن زين العابدين القَاضِي الصَّالح الباعوني كَانَ من الْفُضَلَاء المعروفين والكملاء الموصوفين وَكَانَ صَاحب أَخْلَاق حَسَنَة وشمائل رائقة وَكَانَ مُقيما بصالحية دمشق وَولي نيابتها مدّة مستطيلة وَكَانَ وَالِده زين

стр. 746

العابدين الْمَذْكُور جمانا فِي المحكمة عِنْده وَكَانَ لَهُ حديقة بالصالحية يُقيم فِيهَا ويجتمع عِنْده شعراء ذَلِك الْعَصْر ويتذاكرون الْأَدَب مِنْهُم إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الأكرمي الْمُقدم ذكره فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَنْفَكّ عَنهُ وَله فِيهِ مدائح مِنْهَا قَوْله وَقد نظم هَذِه الأبيات فِي حديقته الْمَذْكُورَة وَهِي قَوْله (لم أنس مجمع أنسنا ... فِي رَوْضَة القَاضِي الصّلاح) (رب العوارف واللطائف ... والمكارم والسماح) (مولى طليق الْوَجْه عِنْد الْعَالمين ... سموح رَاح) (لله حسن مقامنا ... إِذْ نَحن فِي الْبسط السراح) (تتفاوض السحر الْحَلَال ... ونعتفي جد المزاح) (ونفوسنا سكرى التنعم ... وَالسُّرُور بِغَيْر رَاح) (فِي ظلّ روض عَمه ... نفح الازاهر والأقاح) (حَيْثُ النسيم الرطب قد ... أرسى على المَاء الفراح) (وَالطير تشدو فِي الغصون ... بِطيب ألحان صِحَاح) (وفواكة الأغصان تنثر فِيهِ ... من كل النواحي) (حييت يَا يَوْم الجنينة ... كل غادية وَرَاح) (من يَوْم أنس لم يكدر ... صَفوه واش ولاحي) (مَا أنسى لَا أنسى اجتماعي ... فِيك بالغر الصَّباح) (تَغْدُو علينا الطَّيِّبَات من ... الغدو إِلَى الرواح) (لَا زَالَ صاحبنا الصّلاح ... يؤم فِي حَال الصّلاح) (وَبَقِي مدى الْأَيَّام فِي ... حرز السَّلامَة والنجاح) (مَا غردت ورق الحمائم ... فِي الْمسَاء وَفِي الصَّباح) وَكَانَت وَفَاة القَاضِي صَلَاح الدّين فِي ثَالِث عشر محرم سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بسفح قاسيون السَّيِّد صَلَاح الدّين بن عبد الْخَالِق بن يحيى بن الْمهْدي بن إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي الحجاف القاسمي الحسني الحبوري الإِمَام الْعَلامَة الْجَلِيل الشَّأْن كَانَ مفننا فِي عُلُوم كَثِيرَة وَله تآليف مَشْهُورَة مِنْهَا شرح تَكْمِلَة الْأَحْكَام فِي علم الطَّرِيقَة وأجوبة مسَائِل مَشْهُورَة ونظمه أَسِير من مثل فِي بِلَاد الْيمن وَله ديوَان شعر مدون

стр. 747

تلقيت خَبره من مَجْمُوع الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله سلمه الله تَعَالَى وَأنْشد لَهُ من شعره قَوْله يمدح الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد بن عَليّ (بأفعاله يسمو الْكَرِيم ويشرف ... وَيذكر مَا بَين الْأَنَام وَيعرف) (وَقد يسْعد الله امْرأ مَعَ هَذِه ... بأسلاف صدق بالمكارم تُوصَف) (فيجتمع الْمجد التليد وطارف ... فَلَا الأَصْل مَذْمُوم وَلَا الْفَرْع مقرف) (ألم تَرَ أَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ... بنى شرفا يحظى بِنَبِيِّهِ ويزلف) (فَلم يكنف الْمولى الْمُؤَيد بِالَّذِي ... بنى بل بنى مجدا يزِيد ويضعف) (أَلَيْسَ لَهُ أَيَّام وَالِده من المواقف ... مَا لم يحكها قطّ موقف) (بِهن اسْتَفَادَ الدّين رونق وَجهه ... وَكَانَ تبدي وَجهه وَهُوَ أكاف) (عَشِيَّة جلّ الْخطب وَالْأَرْض أظلمت ... وأضحت قُلُوب النَّاس وَهِي ترجف) (وخان الرِّجَال الصَّادِقين ثِيَابهمْ ... وَقل امْرُؤ من وصمة الذل يأنف) (وأرعشت الْأَيْدِي فَلم يغن صارم ... وَلم ينك قطّ السمهري المثقف) (وَقد شَمل النَّاس الْبلَاء فلاحق ... بِأَرْض ومستدن لما يتخوف) (ومدت إِلَى الله الأكف عواتق ... لطمن خدودا والمدامع ذرف) (هُنَالك رد الله فِي الدّين روحه ... بِهِ وتلافاه وَقد كَاد يتْلف) (وأرسى بِهِ الدُّنْيَا وَمَا فَوق ظهرهَا ... وَكَانَت بِمن فِيهَا تميد وترجف) (إِلَى غير هَذَا من مواقفه الَّتِي ... بهَا الدّين أضحى شَمله يتألف) (وَقَامَ بِأَمْر الْمُسلمين فَأحْسن ... الْخلَافَة إِذْ لَا مثله قطّ يخلف) (فَبَايعهُ مِمَّن يشار إِلَيْهِم ... يحار إِذا استنزفتها لَيْسَ تنزف) (نحارير لَو شاؤا وَقد شَاءَ بَعضهم ... لقد ألفوا فِي كل فن وصنفوا) (فَمَا فاتنا من قَاسم غير وَجهه ... وَلم يفتنا نائل وَتعطف) (ورفق وبر وانطلاق وَرَحْمَة ... وَبشر وتقريب لنا وتلطف) (وَعلم وإنصاف وحلم على أَذَى ... ممض يخلي عِنْده الْحلم أحنف) (ثمال الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين لم يزل ... أبالهم يحنو عَلَيْهِم ويرأف) (لَهُم قطرت غلظ لَهُ من صَنِيعه ... إِلَيْهِم وَشعر فِي الرؤس مسرهف) (مجالسه عاف يفاد وعالم ... يُفِيد وَسيف فِي القراب ومصحف)

стр. 748

(ونهمته استنباط حكم دَلِيله ... قَضِيَّة عقل أَو قِيَاس مؤلف) (أَو السّمع لَا التَّقْلِيد أذذاك منهو ... وَكَانَ بنيق بَين قطريه تفنف) (وَمَا زَالَ للعافي غياثاً وملجأ ... ومنتجعاً يؤوي إِلَيْهِ ويؤلف) (أمولاي يَا من وَصفه فَاتَ قدرتي ... وَقصر عَنهُ ذَا النظام المؤف) (أهنيك بالعيد الْأَغَر الَّذِي لَهُ ... خَصَائِص لَا تحصي بهَا أَنْت أعرف) (وفيت بِمَا وَفِي الْخَلِيل بهَا لمن ... براك فَأَنت المخبت المتحنف) (وأحييت مَعْلُومَات شهرك بِالَّذِي ... يسن ومعدوداته لَا تكلّف) (وَصليت قربت النسائك خَالِصا ... لمولاك لَا تزهى وَلَا تتغطوف) (فشاركت إِذْ وفيت للعيد حَقه ... رجَالًا أهلوا محرمين وعرّفوا) (يباهي بهم رب السَّمَاء جمَاعَة الملائك ... بعد الْعَصْر سَاعَة وقفُوا) (لَهُم دعوات لَا تردّ وَرَنَّة ... مذكرة بالنحل حِين يرفرف) (سَأَلت الْعَظِيم الأيد وَالْملك الَّذِي ... لَهُ قطعُوا عرض الفلاة وأوجفوا) (بِمن فيهم من صَالح وَبِمَا دعوا ... وَمَا مسحوا الْأَركان تِلْكَ وطوّفوا) (يهينك مَا أولاك تنفك سالما ... إِلَيْك خطوب الدَّهْر لَا تتطرف) (ويحميك مَا هَب النسيم وغردت ... أصيلاً حمامات على الأيك هتف) (وَإِنِّي وأصحابي مَعًا بعد هَذِه ... سيجمعنا ذَاك الجناب المشرف) (نوافي إِلَيْهِ بعد لأي كأننا ... رذايا عقيب الواردات تخلف) (وننشدك الْبَيْتَيْنِ لَا ناظرين فِي ... عوامل علم النَّحْو كَيفَ تصرف) (وَلَكِن لما قد جَاءَ أخوة يُوسُف ... إِلَيْهِ فَأَنت الْيَوْم لَا شكّ يُوسُف) (إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ رمت بِنَا ... خطوب المنى والهرجل المتعسف) (ومض زمَان يَا ابْن مَرْوَان لم يدع ... من المَال إِلَّا مسحة أَو مخلف) (وهاك نظاما زانه وصفك الَّذِي ... يكرم شعرًا حازه ويشرف) (يميزه الذَّوْق السَّلِيم وَحسنه ... يدق على فهم الغبي ويلطف) (فكم ناقد للشعر مبلغ علمه ... هُوَ الْوَزْن وَاللَّفْظ الْكثير المرصف) (وَلم يدر مَا الْمَعْنى البليغ لجهله ... وَلَا الْمَقْصد الغث الركيك المزيف) (وَمَا السِّرّ إِلَّا فِي معَان مصونة ... عليهنّ ستر لم يزحزحه مغدف) (وَمثل أَمِير الْمُؤمنِينَ مُمَيّز ... مطل على تِلْكَ الْمَقَاصِد مشرف)

стр. 749

(فَيعرف للعلق النفيس فَضِيلَة ... بهَا يزدري القَوْل اللَّطِيف الملفلف) (فدونك يَا مولَايَ مَا هُوَ خَالِد ... وَمَا دونه فَإِن من المَال متْلف) (يسير مسير الْبَدْر والبدر قَاصِر ... وينقله بَحر ورعن وصفصف) (ويسطر بالأقلام فِي كل دفتر ... بِهِ يتحف السمار لَيْلًا ويطرف) (مقَال امرىء مَا قَالَ فِي غير قَاسم ... ونجليه مدحاً والأمور تكشف) (وَمَا قلت فِي سُلْطَان جور قصيدة ... أَبى الله ينهاني التقى وَالتَّعَفُّف) (وَقد صان وَجْهي الله عَن قصد غَيرهم ... إِذا سَأَلَ السُّؤَال يَوْمًا فألحفوا) وَهَذَا آخرهَا وَكَانَت وَفَاة السَّيِّد صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف بجبرو من أَرض الْيمن رَحمَه الله تَعَالَى القَاضِي صَلَاح الدّين الْمَعْرُوف بالكوراني الْحلَبِي مولداً وتربة شيخ الْأَدَب ومركز دائرته بقطر الشَّهْبَاء وَكَانَ رَئِيس الْكتاب بمحكمة قَاضِي قضاتها وَله أَخ اسْمه تَاج الدّين كَانَ يتَوَلَّى النِّيَابَة بهَا وَالْقَاضِي صَلَاح الدّين هَذَا من مشاهير الأدباء لَهُ شعر مطبوع ونظم مَصْنُوع مَعَ مُشَاركَة فِي فنون عديدة وخبرة بمفاهيم عَجِيبَة وَهُوَ من المكثرين فِي الشّعْر فَلَيْسَ لأحد من أَبنَاء عصره عشر مَاله من الشّعْر وناهيك بِمن لم يخل بَيَاض يَوْم وَلَا سَواد لَيْلَة من تبييض وتسويد وَلم يبْق أحد يتوسم فِيهِ النجابة إِلَّا مدحه أَو راسله أَو طارحه إِلَى أَن صعد درج الثَّمَانِينَ ورقى التسعين وَذكره البديعي فَقَالَ فِي وَصفه شَاعِر إِن ذكر المجيدون فَهُوَ الْوَاحِد الْكَامِل ونائران وصف المنتمون إِلَى الْآدَاب فَهُوَ القَاضِي الْفَاضِل وَمن محَاسِن إنشائه مَا كتبه إِلَى السَّيِّد أَحْمد بن النَّقِيب الْحلَبِي الْمُقدم ذكره ملغزا فِي اسْم عندليب وَهُوَ أَيهَا الشريف الْفَاضِل واللطيف الْكَامِل قد تمسكت الأحباء بأرج أعتابك وَتمسك الألباء بأهداب آدابك وخلصت المشكلات بالتلخيص ولخصت المعضلات بالتخليص وملكت الاستعارات فأعرت مَا ملكت وسبكت الْكِنَايَات فأنكيت بِمَا سبكت وانعقدت على عفتك الخناصر وَقيل للخائن إِلَى الخناصر وَكَيف تَنْصَرِف عَن سَلامَة الطَّبْع وَالصّفة وفيك اجْتمع الْوَزْن والمعرفة وَقد ارْتَاحَ الصّلاح إِلَى خفض الْجنَاح لديك وعول عَلَيْك وَطلب أَن يعْذر وَيُقَال فِيمَا أَطَالَ وَقَالَ مَا اسْم بالظرف مَوْصُوف على أَنه بعض الأحيان مظروف وَإِن قلت ظرف مَكَان فَهُوَ فِي حيّز الْإِمْكَان ويضاف إِلَيْهِ ظرف الزَّمَان على أَنه

стр. 750

من وصف الآرام اللَّاتِي هم المرام أَو على أَنه أنالك كَمَا لي أَن أعرف كمالك وتصحيف شطره الأول وَالثَّانِي جيد لَا غيد وَإِن قلت أَسد فَهُوَ للإيضاح لَيْث أَسد وَإِن شِئْت قلت مَوضِع لبث القلائد من الصُّدُور أَو مَا اسْترق من رمل الصخور وَإِن أردْت الْمجَاز فالخمر من صروفه وَإِن أردْت الْحَقِيقَة فظرفه من مظروفه وَكَيف يخفى وأوله اسْم سَنَام الْأَنْعَام وثانيه حَيَوَان فِي الْبَحْر الْعَام وثالثه اسْم امْرَأَة ذَات سمن من ورابعه شجر ذوفين وخامسه اسْم نَاحيَة من نواحي الْبِقَاع وسادسه اسْم رجل كثير الوقاع على أَن أَوله وَالثَّالِث وَالرَّابِع ينبي عَن قلب سقط الزند الْوَاقِع وَالثَّانِي وَالثَّالِث عَن أطيب الْعرف نافت وَهُوَ نديم الْمُلُوك فِي الْقُصُور وخديم ربات الشنوف فِي الْخُدُور حقير المقدرا جليل الِاعْتِبَار وأقواله مُؤثرَة فِي مثل قلب عنتر مَعَ أَنه صَغِير ضَعِيف الجثمانية مغتر فَهَل يخفى بعد شرح هَذِه الْأُمُور وَلَكِن الخفاء فِي شدَّة الظُّهُور فجد مجيباً مجيداً لَا بَرحت مُفِيدا سعيداً فَأَجَابَهُ ملغزاله فِي بازي بقوله راسلتني لأبرح عِنْد عندليب الفصاحة صادحاً على رياض مراسلتك وقمر البراغة لائحاً من أفق أفلاك عبارتك وَحمى الْفضل محمياً بسمهري أقلامك وجيد الْأَدَب محلى بدر وعقود نظامك وَإِن لي قريحة قريحة بصروف حوادث الزَّمن وفكرة جريحة من معاناة خطوب هَذِه المحن وأدرت على سَمْعِي من سلاف ألفاظك مَا هُوَ عِنْدِي أرق من نسيم الصِّبَا وَأهْديت إِلَى فكرتي من نفائس صنائعك مَا ذَكرتني بِهِ زمَان اللَّهْو وَالصبَا وأتحفتني ببدائع مَا احمر الْورْد إِلَّا خجلاً من بهجتها وَلَا اصْفَرَّتْ الصَّهْبَاء إِلَّا حسداً لما شاهدته من استيلائها على الْعقل وسطوتها لَا غرو أَنَّهَا صدرت من قس الفصاحة وقاضيها الْفَاضِل وَأَتَتْ من رَئِيس هَذِه الصِّنَاعَة وأمامها الْمشَار إِلَيْهِ بالأنامل فادخرتها تحفة للوارد والصادر ورقتا بقلم الْفِكر على لوحة الخاطر فأماطت النقاب وأزالت الْحجاب عَن اسْم مطرب مَا زَالَ يغرد فِي الرياض بَين الأفنان ويحرك بِصَوْتِهِ الشجي مَا سكن فِي خاطر الولهان ويتعشق الْوُرُود لشبهها بخدود الملاح ويراقبها مراقبة المهجور فِي الاغتياق والاصطباح طالما جنى عَلَيْهِ لِسَانه فحبسوه وضيقوا عَلَيْهِ وَمن عجب أمره أَنه لم يحبس إِلَّا لزِيَادَة حبه وَشدَّة الْميل إِلَيْهِ صحف النّصْف الأول مِنْهُ تَجدهُ عبدا عَن الْخدمَة لَا يحول وَإِذا شِئْت قلت عيد بالمسرة والهناء مَوْصُول

стр. 751

وَرُبمَا أظهر لَك غيداء ممنعة الْحجاب وَأبْدى لَك بقلب بعضه عذب الرضاب واحذف ثلثا مِنْهُ نجده عِنْدِي مَوْجُودا كَمَا أَن ذَلِك الثُّلُث الْمَحْذُوف مَا زَالَ مني فِي هوى الحسان مفقوداً وَإِن صحفت ثلثه وقلبته قلب كل أرتك لديعاً بعقرب السالف أَو قلبتها قلب بعض أبدت لَك اسْم شَاعِر من شعراء الزَّمن السالف وَإِن صحفت نصفه الْأَخير قلت ليته من هَذَا التَّصْحِيف خَالص فَإِنَّهُ يظْهر لَك ليثاً ترتعد مِنْهُ الفرائص وَرُبمَا ظهر لَك بأوله ورابعه وخامسه أَنه على الْمقَام وبثانيه وثالثه وخامسه ندى عرف يحسن مِنْهُ الختام فأجبر جَابر هَذِه كسر هَذَا الْجَواب وألق عَلَيْهِ من أكسير قبولك مَا يرفع بِهِ عِنْد بني الْآدَاب وَلَقَد عَن لي أَن أعول على جنابك وأسأل من شرِيف أعتابك عَن اسْم يعرف بالشجاعة تقر لَهُ أَبنَاء جنسه بِالطَّاعَةِ تخدمه الْمُلُوك والأعيان وتتبعه فِي المهامه الفرسان وموضوع وَهُوَ مَحْمُول وعزيز مَعَ أَنه مُقَيّد مغلول طالما سَطَا على عدوه فَأوردهُ الْحمام ونال من أراقة دَمه المرام وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ يُؤثر بِمَا لَدَيْهِ وَهُوَ جَائِع وَيفْعل وَلَا يَقُول وَهَذَا من اشرف الطبائع رباعي مَعَ أَن نصفه حرف من حُرُوف الهجاء وَإِن صحف كَانَ حرفا يسْتَعْمل عِنْد الطّلب والرجاء وَإِن حذفت أخيره وصحفت الْبَاقِي ظهر لَك أَنه أحد العناصر وبتصحيف آخر من غير حذف يَبْدُو لَك أحد أَسمَاء الْقَادِر القاهر مظلوم مَعَ أَنه إِن لوحظ نصفه الْأَخير كَانَ فِي زِيّ ظَالِم وَرُبمَا أشعر بتصحيفه وَحذف ثَانِيه أَنه برىء من جَمِيع الْمَظَالِم فبالذي شيد بك دعائم الْأَدَب والكمال وجلى بفكرك فنهب كل اشكال إِلَّا مَا أوضحت مشكله وبينت خفيه ومقفله لَا بَرحت بَنو الْآدَاب ترد حِيَاض آدابك الدافقة ويجنون من أزاهر رياض فضائلك الفائقة مَا ترنم عندليب على فنن وحرك بشجوه من كل مغرم مَا سكن انْتهى قَالَ السَّيِّد أَحْمد بن النَّقِيب الْمَذْكُور فِي تَرْجَمَة صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ بِالْقربِ من ضريح المرحوم يَعْنِي وَالِده السَّيِّد مُحَمَّد عدَّة أَشجَار من الْعنَّاب فشاهدت يَوْمًا أَغْصَانهَا المخضرة تزهو بثمارها المحمرة فأتبعت الْحَسْرَة بالحسرة وَلم أملك سوابق الْعبْرَة وجادت الطبيعة بِأَبْيَات على البديهة وَهِي (وقائلة والدمع فِي صحن خدها ... يفِيض كهطال من السحب قد همى) (أرى شجر الْعنَّاب فِي الْبقْعَة الَّتِي ... بهَا جدث ضم الشريف المعظما) (لَهُ خضرَة المرتاح حَتَّى كَأَنَّهُ ... على فَقده مَا إِن أحس تألما)

стр. 752

(وأغصانه فِيهَا ثمار كَأَنَّهَا ... بحمرتها تبدي السرُور تلوما) (وَلَو أنصفت كَانَت لعظم مصابه ... ذوت واكفهرت حيرة وتندما) (فَقلت لَهَا مَا كَانَ ذَاك تهاونا ... بِمَا نالنا من رزئه وتهضما) (وَلكنهَا لما وَضعنَا بِأَصْلِهِ ... غديراً بأنواع الْفَضَائِل مفعما) (بَدَت خضرَة مِنْهُ تروق وحزنه ... كمين فَلَا تستفظعيه توهما) (وَمَا احْمَرَّتْ الأثمار إِلَّا لأننا ... سقيناه دمعاً كَانَ أَكْثَره دَمًا) فَوقف الكوراني على ذَلِك فَقَالَ أبياتاً مِنْهَا (فيا شجر الْعنَّاب مَالك مثمر ... سُرُورًا وَلم تجزع على سيد الْحمى) (على رمسه أورقت تهتز فرحة ... وتدلى إِلَيْهِ كل غُصْن تمنما) (أهذي أَمَارَات المسرة قد بَدَت ... أما لحزن قد أبكاك من دونه دَمًا) وَمِنْهَا على لِسَان الْعنَّاب (نعم فرحتي أَنِّي مجاور سيد ... نما حسبا فِي عصره وتكرما) (وحضرته روض من الْجنَّة الَّتِي ... زهت بضجيع كَانَ بِالْعلمِ مغرما) (أتعجب بِي إِذْ كنت فِي جنب رَوْضَة ... وحقي فِيهَا أَن أقيم والزما) (كعادة أَشجَار الرياض فَإِنَّهَا ... تمكن فِيهَا الأَصْل وَالْفرع قد نما) (وَقد قيل فِي الأسماع إِن كنت سَامِعًا ... خُذ الْجَار قبل الدَّار إِذْ كنت مُسلما) (أما سَار من دَار الفناء إِلَى البقا ... وَأبقى ثَنَاء بالجميل مُعظما) (وَمن كَانَ بعد الْمَوْت يذكر بالعلى ... فبالذكر يحيا ثَانِيًا حَيْثُ يمما) (فَقلت لَهُ يهنيك طيب جوره ... وحياك وسمى الْغَمَام إِذا همى) (لتسقط أثماراً على جنب قَبره ... ليلقطها من زَارَهُ وترحما) (فواعجباً حَتَّى النَّبَات زها بِهِ ... فَحق لنا عَن فَضله أَن نترجما) (فَلَا زَالَت الأنواء مغدقة على ... ثرى قَبره مَا ناح طير وزمزما) وَمِمَّا اشْتهر لَهُ قَوْله فِي دُخان التبغ (لقد عنفونا بالدخان وشربه ... فَقلت دعوا التعنيف فَالْأَمْر أحوجا) (أَلا إِن صل الْغم فِي غَار صدرنا ... عصانا قد خنا عَلَيْهِ ليخرجا) الصل الْحَيَّة السَّوْدَاء وَمن شَأْنهَا أَنَّهَا إِذا عصيت فِي وَكرها دخن عَلَيْهَا التخرج وللصلاح أَيْضا وَفِيه وَهُوَ معنى حسن

стр. 753

(لَو لم تكن أَيدي إِلَّا كارم لجة ... مَا كَانَ فِي أطرافها الغليون) والغليون أطلق على سفينة معهودة بَين الْعَوام وعَلى آلَة يوضع فِيهَا ورق التبغ وَيشْرب وَكِلَاهُمَا غير لغَوِيّ وَهُوَ فِي اللُّغَة اسْم للقدر وَفِيه يَقُول عبد الْبر الفيومي صَاحب المنتزه مَعَ احْتِمَال الغليون للمعنى اللّغَوِيّ (غليوننا لقد غلا ... مَا فِيهِ وَالْمَاء يفور) (فِي مهجتي ومقلتي ... دخانه أضحى يَدُور) وللصلاح معمي باسم أَحْمد وَهُوَ قَوْله (فُؤَادِي محا عَن لوح خاطره الْهوى ... فأثبته صدغ لَهُ قد تسلسلا) وَله باسم عمر (تساقط در من سَحَاب مسيره ... إِلَى تَاج روض قل وَمَا كَانَ مُنْقَطع) وَله باسم يُوسُف (إِذا صَحَّ تَقْبِيل على خَال خدّه ... أحاول شَيْئا مِنْهُ فِي دَاخل الشفه) وَمن غرامياته قَوْله (أَيْن فصل الرّبيع أَيْن الشَّبَاب ... يئست من رُجُوعه الأحباب) (غادرته مواقع أعدمته ... فشارب الرّبيع رغماً سراب) (خرس العندليب فِيهِ وأضحى ... صَاحب النُّطْق فِي رباه الْغُرَاب) (لَو علمنَا أَن الزَّمَان خؤون ... فِيهِ تنأى عَن اللقا الْأَصْحَاب) (لشفينا من اللِّقَاء قلوباً ... لم يرعها من الزَّمَان انقلاب) (لَكِن الْمَرْء لَا يزَال غفولاً ... بَين هَذَا وَبَين ذَاك حجاب) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بحلب فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف صنع الله بن جَعْفَر شيخ الْإِسْلَام ومفتي التخت العثماني فِي عهد السُّلْطَان مُحَمَّد وَولده السُّلْطَان أَحْمد الإِمَام الْكَبِير الْفَقِيه الْحجَّة الْخَيْر كَانَ فِي وقته إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي الْفِقْه والإطلاع على مسَائِله وأصوله وفتاواه مدونه شهيرة خُصُوصا فِي بِلَاد الرّوم يعتمدون عَلَيْهَا ويراجعون مسائها فِي الوقائع وَكلهمْ متفقون على ديانته وتوثيقه واحترامه وَقد درس بالمدارس الْعلية حَتَّى انْتهى أمره إِلَى أَن صَار قَاضِي قسطنطينية فِي رَجَب سنة ألف وَنقل بعد أَيَّام قَليلَة فِي الشَّهْر الْمَذْكُور إِلَى قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي وَبَقِي فِيهِ إِلَى شَوَّال سنة إِحْدَى وَألف فَنقل إِلَى قَضَاء

стр. 754

روم إيلي ثمَّ فِي أثنا جُلُوس السُّلْطَان مُحَمَّد تقاعد بوظيفة أَمْثَاله وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث بعد الْألف ثمَّ ولي الْإِفْتَاء بعد وَفَاة الْمولى سعد الدّين بن حسن جَان فِي ربيع الأول سنة ثَمَان وَألف وعزل فِي صفة سنة عشر وَألف ثمَّ أُعِيد ثَانِيًا فِي ثَانِي عشري رَجَب سنة إِحْدَى عشرَة وعزل بعد إِحْدَى وَثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ أُعِيد ثَالِثا فِي عَاشر الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وعزل فِي ربيع الآخر سنة خمس عشرَة ثمَّ أُعِيد رَابِعا فِي رَجَب من هَذِه السّنة وعزل فِي صفر سنة سبع عشرَة وَاتفقَ لَهُ فِي إِحْدَى هَاتين الْأَخِيرَتَيْنِ أَن وَالِدَة السُّلْطَان كَانَت رجت من ابْنهَا تَوْجِيه الْفتيا للْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين فَأخذ الْقَلَم وَكتب التَّوْجِيه وَدفعه إِلَيْهَا فرأته كتب مَكَان الِاسْم صنع الله فراجعته ثَلَاث مَرَّات وَفِي الْجَمِيع يجْرِي الْقَلَم بصنع الله وَهُوَ يعْتَذر عَن ذَلِك بِأَنَّهُ عَن غير قصد فَفِي الثَّالِثَة قَالَت لَهُ اعْتمد على مَا كتبت وَليكن الموجه إِلَيْهِ صنع الله فَأرْسل الْخط الشريف إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة وصيره مفتياً وَهَذِه الاتفاقية غَرِيبَة جدّاً وَحكى أَنه مرّة وجهت الْفَتْوَى إِلَى رجل أَبَاهُ الْقَوْم فأشاروا إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة بِأَن يطْلبهَا لنَفسِهِ فَقَالَ كَيفَ يكون ذَلِك فَقَالُوا تبْعَث إِلَى السُّلْطَان تطلب مِنْهُ ذَلِك فَقَالَ لَا حَاجَة بِنَا إِلَى أَن نرسل أحدا ونطلب ذَلِك بالواسطة ونطلب وَنحن مستقرون فِي مَكَاننَا فَلم تمض هنيئة إِلَّا وسلحدار السُّلْطَان جَاءَهُ بالتقليد وَلما عزل فِي الْمرة الْأَخِيرَة أَرَادَ الْحَج فورد الشَّام يَوْم الْأَرْبَعَاء مستهل شهر رَمَضَان سنة تسع عشرَة وَكَانَ منزوياً قل أَن يجْتَمع بِأحد وَكَانَ إِمَام الْمَقْصُورَة الشَّافِعِي يُصَلِّي الْعشَاء فِي أول الْوَقْت وَيُصلي بعده الإِمَام الْحَنَفِيّ فَقَالَ يُصَلِّي الْحَنَفِيّ أَولا لِأَنَّهُ على مَذْهَب السُّلْطَان وروجع فِي ذَلِك فَلم يفعل فصلى إِمَام الْحَنَفِيَّة أَولا ثمَّ إِمَام الشَّافِعِيَّة فِي لَيْلَة الْجُمُعَة لَيْلَة عيد الْفطر وَكَانَ قدم مَعَه صهره زوج ابْنَته قَاضِي الْقُضَاة بِالشَّام نوح بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ فأبرم ذَلِك وَبَقِي الْأَمر على ذَلِك مُدَّة ثمَّ بَطل الشَّافِعِي الْمُرَتّب من صَلَاة الْعشَاء وَبَقِي الْحَنَفِيّ وَحده وَأهل جيلنا لم يدركوا إِلَّا الْحَنَفِيّ وَحده وَكَانَ أَحْمد بن شاهين مدح صَاحب التَّرْجَمَة بقصيدة تقدم طرف من خَبَرهَا فِي تَرْجَمَة البوريني وَذكرنَا مطْلعهَا وَهُوَ (حيّ الْمنَازل بالنقافز رَود ... فالرقمتين فعهدنا الْمَعْهُود) فَعَن لي أَن أثبت مِنْهَا هُنَا بعض أبياتها لحسنها وَبعد المطلع (وَأنزل فَإِن ثرى معافرة الْهوى ... ليجل عَن وَطْء المهاري الْقود)

стр. 755

(واحبس مطيك دون منعرج اللوى ... سطراً صَحِيفَته بَيَاض البيد) (وأفض فديتك فِي الحَدِيث كَأَنَّهُ ... نظم الْعُقُود فَأَنت جيد عقيد) (واستفت غادية الصِّبَا هَل صافحت ... حوذان أفنية المهاة الرود) (وتحرشت بالأقحوان يَنُوب عَن ... برد بفيها كالخباب برود) (وتلطفت حَتَّى انبرت بخبائها ... وَهنا تسر لبانة المعمود) (وسرت بلَيْل بَين أتراب لَهَا ... كَالْعَيْنِ من سرب الظباء الغيد) (فتناوشت طرزاً وبثت عنبراً ... وتلاعبت بذوائب وقدود) (من كل سَاحِرَة الْعُيُون لحاظها ... يسبين كل متيم مجهود) (أسفرن بَين ذوائب أسبلنها ... كالزهر تشرق فِي اللَّيَالِي السود) (لم أُنْسُهَا من بَينهُنَّ وَقد أَتَت ... سدراء فِي حلى لَهَا وبرود) (تختال من شرخ الشبيبة وَالصبَا ... زهواً كخود البانة الأملود) (ونضت كَمَا شَاءَت وَشاء لي الْهوى ... عَن رَوْضَة من نرجس وورود) (فَنَهَضت مسلوب الحشاشة مقسمًا ... إِلَّا وطِئت محاجري وخدودي) (بتنا وأثلثنا العفاف وبيننا ... عتب كمبسمها ونظم عقودي) (سامرتها وَاللَّيْل شَاب عذاره ... كبياض خطّ شيب بالتسويد) (تَشْكُو صبابتها وأشكو صبوتي ... شكوى العميد من الْهوى لعميد) (حَتَّى بدا فلق الصَّباح كَأَنَّهُ ... من وَجه صنع الله بَحر الْجُود) (مفتي الْأَنَام وَسيد الْعلمَاء من ... أَلْقَت إِلَيْهِ أزمة التَّقْلِيد) (الْمُفْرد الْعلم الَّذِي أَوْصَافه ... جلت عَن التَّعْرِيف والتحديد) (باهت دمشق الرّوم مُنْذُ تشرفت ... بورود هَذَا الطالع المسعود) (كل الموَالِي ثمَّ كالأيام إِذْ ... أضحى هُنَا مِنْهَا كَيَوْم الْعِيد) (مولى الموَالِي دَعْوَة من خَادِم ... دَاع لعز علاك بالتخليد) (أجريت فِي مسراك بحراً زاخراً ... غصت بفائضه عراص البيد) (وحملت نوحًا فِي سفينة شَرعه ... حَتَّى اسْتَوَت بِدِمَشْق فَوق الجودي) (فجلا ظلام الظُّلم عَنْهَا واكتست ... أنوار صبح الْعدْل والتوحيد) من جُمْلَتهَا (مَاذَا أَقُول وَأَنت صنع الله من ... قد خص فِي الآراء بالتسديد) (إِن الَّذِي يَرْجُو لفضلك غَايَة ... ليروم شَيْئا لَيْسَ بالموجود)

стр. 756

(وَلَئِن مدحتك بِالَّذِي هُوَ مُمكن ... من طَاقَة الْمَخْلُوق يَا ذَا الْجُود) (فَلَقَد رسفت بفكرة قد أوشكت ... تثنى عَلَيْك لشاعر مَعْدُود) (وإليكها عذراء مل يَد المنى ... تصف البراعة وَهِي بكر قصيد) مِنْهَا (فِي كل بَيت من بديع بَيَانهَا ... غرر لديك على الحسود شُهُود) (إِن يصدح الْبَازِي على عذباتها ... فخراً فَبِي لَا عَن أبي وجدودي) (هِيَ جنَّة المأوى بمدحك سَيِّدي ... تزدان لَا بشقائقٍ وورود) (لَا زلت قطب مدَار أفلاك العلى ... فِي أنعم ومسرة وسعود) (مَا حبرت وشياً يراعة بارعٍ ... وجنى ثمار الْمَدْح فكر مجيد) ثمَّ حج وَرجع من طَرِيق الشَّام أَيْضا إِلَى الرّوم وَأقَام بهَا وَلم يل منصباً إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود سنة إِحْدَى وَعشْرين وَألف بعلة البرسام رَحمَه الله تَعَالَى صنع الله بن محب الله بن مُحَمَّد محب الدّين بن أبي بكر تَقِيّ الدّين بن دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الْخَالِق بن عبد الرَّحْمَن المحبي الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ عمي شَقِيق وَالِدي وَكَانَ لي مَكَان وَالِدي فَإِن أبي سَافر إِلَى بِلَاد الرّوم وعمري إِحْدَى عشرَة سنة فتقيد بِي ورباني وأقدمني على الطّلب وَجعل أهم أمره أَمْرِي وَكَانَ جزاه الله تَعَالَى عني خيرا برا بِي شفوقاً عَليّ مرِيدا لي كل خير عَاجل وآجل وَمَا عَاهَدت مِنْهُ لَحْظَة مَا إساءة أَو مقتاً بل كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى يألم لما آلم مِنْهُ وينشرح لما أنشرح لَهُ بل يغْضب لغضبي ويرضى لرضائي وعَلى كثير من مناهجه فِي التودد نهجت وعَلى آدابه وَحسن طويته درجت وَكَانَ بل الله ثراه بوابل الغفران لطيف الطَّبْع حمولاً فَاضلا كَامِلا طارحاً للتكلف حسن الْعشْرَة متودداً وَكَانَ أَبوهُ فيحياته يُحِبهُ كثيرا فربى عَزِيزًا مكرماً وَلما مَاتَ أَبوهُ كَانَ عمره عشر سِنِين فرباه أبي وتقيد بِهِ وَكَانَ لَهُ إِلَيْهِ محبَّة لم أرها من أحد وَلم أسمع بِمِثْلِهَا وَكَانَ هُوَ كَذَلِك وَكَثِيرًا مَا كنت أسمعهُ يَقُول أَرْجُو الله تَعَالَى أَن لَا يريني يَوْم موت أخي وأكون أَنا السَّابِق عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ حَتَّى قدر الله أَنه مَا رأى يَوْم مَوته لَكِن لَا لمَوْته قبله بل لِأَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا فِي بِلَاد الرّوم وَقد اشْتغل بِالْعلمِ كثيرا فِي مباديه فَقَرَأَ على الشَّيْخ أَحْمد القلعي وعَلى شَيخنَا النَّجْم الفرضي وعَلى غَيرهمَا وناب فِي الْقَضَاء بمحاكم دمشق كالكبرى وَالْقِسْمَة والميدان والعونية وَصَارَ نَائِبا بالقدس فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف ثمَّ إِنَّه سَافر إِلَى الرّوم وَصَارَ قَاضِيا بحمص وَرجع إِلَى الشَّام وَكَانَ بِالشَّام إِذْ ذَاك شيخ

стр. 757

الْإِسْلَام مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم البرسوي وَقد رَجَعَ من الْحَج فَجَاءَهُ قَضَاء الْقُدس فَتوجه مَعَه وخدمه فِي نِيَابَة غَزَّة ثمَّ قدم فِي خدمته إِلَى الشَّام بعد أَن عزل وَكَانَ أَمر بالتوجه إِلَى وَطنه بروسه فصحبه إِلَى الرّوم وسافرت أَنا مَعَهم ودخلنا بروسة فِي خدمَة الْمولى الْمَذْكُور ثمَّ فارقناه وتوجهنا بحراً إِلَى نَاحيَة أدرنة والدولة إِذْ ذَاك بهَا فوصلناها وأقمنا بهَا مُدَّة ثمَّ لما توجه السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى قسطنطينية جِئْت أَنا وإياه إِلَيْهَا فولي بهَا قَضَاء معرة المصريين وَتوجه إِلَيْهَا وضبطها وَرجع إِلَى الرّوم وَأَنا مُقيم بهَا ثمَّ أعْطى قَضَاء معرة المصريين ثَانِيًا وسافر إِلَيْهَا فصحبته فِي الطَّرِيق إِلَى أَن وصلنا إِلَى أنطاكية ثمَّ افترقنا وَلم يقدر الله تَعَالَى بعد ذَلِك اجتماعاً فَإِنِّي قدمت إِلَى دمشق وألقيت بهَا عَصا الترحال وَوصل هُوَ إِلَى قَضَائِهِ وَضبط المنصب وعزل عَنهُ ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم وَولي قَضَاء سرمين وَوصل إِلَيْهَا فَتوفي بهَا وَهُوَ قَاض وَكَانَت وَفَاته فِي ثامن شهر رَمَضَان سنة سبع وَتِسْعين وَألف عَن سِتِّينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى (حرف الضَّاد الْمُعْجَمَة خَالِي) (حرف الطَّاء الْمُهْملَة المشالة) طعيمة الصعيدي الْمصْرِيّ الصُّوفِي الْكَبِير كَانَ مؤدب الْأَطْفَال بأشمون الصَّعِيد نظر فِي الْعُلُوم وَتكلم فِي الْكَلَام واشتغل بِمذهب الشَّافِعِي على جهابذة الْعلمَاء وَطَاف الْبِلَاد وَغلب عَلَيْهِ الْحَال وَعَكَفَ على التصوف وَلَقي من الْقَوْم رجَالًا وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الْأَعْيَان ونوه بِذكرِهِ بعض عُلَمَاء وقته وَصَارَ كالشيخ مُحَمَّد بن الترجمان الْآتِي ذكره فِي طَائِفَة من معتقديه ومتبعيه وَمن كراماته مَا ذكره بَعضهم أَنه كَانَ يتهجد بِالْقُرْآنِ وَيمْكث اللَّيَالِي وَالْأَيَّام يَأْكُل وَيشْرب وَلَا يحْتَاج للتوجه للبراز وَلم يزل على هَذَا الْحَال إِلَى أَن توجه لزيارة الْقُدس فَقتله بعض أَرْبَاب الْحَال وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس بعد الْألف قلت كثيرا مَا يذكر المؤرخون أَن فلَانا قتل بِالْحَال وَشبهه وَفِي سُؤال مَشْهُور فِي كتب الشَّافِعِيَّة أَنه هَل يجوز الْقَتْل بِالْحَال وَهل فِيهِ قصاص أم لَا فِي التُّحْفَة لِابْنِ حجر تَفْصِيله وَأما عُلَمَاؤُنَا الْحَنَفِيَّة فَلم أر لَهُم فِيهِ شَيْئا وَالله أعلم طه بن صَالح بن يحيى بن قَاضِي الْقُضَاة وَشَيخ الْإِسْلَام نجم الدّين أبي البركات مُحَمَّد المكنى بِأبي الرِّضَا الديري الْمَقْدِسِي الْحَنَفِيّ أَخذ الْعلم عَن مَشَايِخ عدَّة أَجلهم الشَّيْخ رَضِي الدّين اللطفي مُفَسّر الْقُرْآن وَكَانَ معيداً لدرسه التَّفْسِير بِالْبَابِ القبلي فِي الصَّخْرَة وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي علم الْأُصُول والنحو وَالتَّفْسِير وَولي نِيَابَة الحكم وَكِتَابَة الصكوك بالقدس من سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَحج

стр. 758

وَولي نِيَابَة الحكم بِمَكَّة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَأخذ الحَدِيث بِمَكَّة عَن مُحَمَّد بن عَلان الْبكْرِيّ الصديقي الشَّافِعِي وَكتب لَهُ إجَازَة مؤرخة بأواخر شهر رَمَضَان سنة أَربع وَأَرْبَعين ثمَّ عَاد إِلَى الْقُدس وانعكف بِمحل سكنه الْمدرسَة الفارسية بِطرف الْمَسْجِد الْأَقْصَى من الْجِهَة الشمالية يُفِيد السَّائِلين وَيقْرَأ الدُّرُوس بِالْمَدْرَسَةِ الفارسية كالهداية وَغَيرهَا من كتب الْفِقْه وأقرأ آخر أمره البُخَارِيّ فِي كل يَوْم بالصخرة الشَّرِيفَة بعد صَلَاة الْعَصْر نَحوا من سبع سِنِين وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْأَرْبَعَاء بعد صَلَاة الْعشَاء حادي عشر شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وَدفن بتربة مأمن الله مُقَابلا لقبر الإِمَام الْكَمَال بن أبي شرِيف وَكَانَ لَهُ مشْهد حافل رَحمَه الله تَعَالَى (حرف الظَّاء الْمُعْجَمَة) طَاهِر الشَّافِعِي مفتي عانة والخرث من أَرض الْعرَاق كَانَ فَقِيها مشاركا فِي عدَّة فنون ورد دمشق وَحج مِنْهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاده فَتوفي بهَا وَكَانَت وَفَاته فِي بضع عشرَة بعد الْألف ظهير الدّين الْحلَبِي القَاضِي الأديب الشَّاعِر الْفَائِق قَالَ البديعي فِي وَصفه أديب فَضله ظهير وفاضل مورد أدبه نمير تردد مرَارًا إِلَى الرّوم ونثل كَائِن المنثور والمنظوم وَاجْتمعَ بِهِ الشهَاب الخفاجي وَهُوَ بالروم وَذكر أَنه أنْشدهُ قَوْله من قصيدة نبوية (نسيم الصِّبَا من لعلع ونواحيه ... سرت فأزالت صَبرنَا من صياصيه) (وَمن بارق شام المتيم بارقا ... بدا فتداعى شوقه من أقاصيه) (وَمن ذكر أَيَّام العذيب تكدرت ... مشارب صب قل عَنهُ مناجيه) (إِذا قفل الْحجَّاج زَاد ولوعه ... وَأرْسل دمعا قانيا من مآقيه) (وَبِي من غَدا يختال فِيهَا بعجبه ... وطلعته سَكرَان من خمرة التيه) (وَفِي الْقرب أخشاه وَفِي الْبعد قاتلي ... فوا حَربًا من بعده وتدانيه) (يفوق من جفنيه للحرب أسهما ... بأوهنها يَرْمِي الكمى فيصميه) (بذلت لَهُ روحي فَأَعْرض معجبا ... وَقَالَ أملكي عَاد ملكك تهديه) (وبالشعب من وَادي النقا خير جيرة ... غَدَتْ بغيتي وَالله من غير تمويه) (إِذا ذكرُوا يرتاح قلبِي كَأَنَّمَا ... أَتَت نَحوه تنقاد قسرا أمانيه)

стр. 759

وَأنْشد لَهُ التقى الفارسكوري فِي كِتَابه المدائح قصيدة مدح بهَا شيخ الْإِسْلَام يحيى ابْن زَكَرِيَّا ومطلعها (أيا عَالما فَضله كَامِل ... وإحسانه للورى شَامِل) (وَمن هُوَ للْعلم فِي ذرْوَة ... يقصر عَن نيلها الْفَاضِل) (أُعِيذك من أَن يرى فَاضل ... بدولتكم ذكره خامل) وَكَانَ قَاضِيا من قُضَاة القصبات بِبِلَاد أناطولي وَولي مناصب عديدة ونسبته ومولده ووفاته لم أطلع عَلَيْهَا مَعَ السُّؤَال إِلَّا أَن هَذِه القصيدة الْأَخِيرَة تدل على أَنه كَانَ مَوْجُودا فِي سنة ثَلَاث عشرَة بعد الْألف فَإِنَّهُ ترجى فِيهَا منصبا من ممدوحه الْمَذْكُور وَهُوَ قَاضِي أناطولي فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور (حرف الْعين الْمُهْملَة) عَامر بن شرف الدّين الْمَعْرُوف بالشبراوي الشَّافِعِي الْمصْرِيّ الإِمَام الْهمام الْعَالم الْكَبِير الرحلة كَانَ فِي عصره من الْمشَار إِلَيْهِم بِالْفَضْلِ التَّام وَله بَين عُلَمَاء الْأَزْهَر الْموقع الْعَظِيم لَا يزَال مُحْتَرما موقراً جليل الشَّأْن وَهُوَ من جِهَة وَالِده عريق فِي الْفضل وَمن جِهَة والدته أصيل فِي الْولَايَة فَإِن والدته فَاطِمَة بنت خَدِيجَة بنت الشَّيْخ القطب مُحَمَّد الشناوي أَتَت بِهِ وَهُوَ صَغِير إِلَى الْأُسْتَاذ الْكَبِير عبد الْوَهَّاب الشعراني وَقَالَت لَهُ ادْع لَهُ فَدَعَا لَهُ وَغسل لَهُ يَدَيْهِ بِنَفسِهِ نفع الله تَعَالَى بِهِ روى الْفِقْه عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ والنور الزيَادي وَسَالم الشبشيري وَأخذ الحَدِيث عَن أبي النجا سَالم السنهوري وَسمع عَلَيْهِ الْكتب السِّتَّة كملاً وَكَانَ يفتخر بذلك على أقرانه من مَشَايِخ مصر ولازم فِي عُلُوم الْعَرَبيَّة أَبَا بكر الشنواني فِي نَحْو عشْرين سنة وَهُوَ من أجل تلامذته وَأَجَازَهُ شُيُوخه وبرع فِي كثير من الْعُلُوم وَصَارَ أوحد وقته فِي الْفتيا والمرجع فِي القضايا المشكلة وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح واستجابة الدُّعَاء وَكَانَ كثير الْعِبَادَة ملازماً للسيرة النَّبَوِيَّة مواظباً على الدُّرُوس والإفتاء وَكَانَ غَايَة فِي الْحِفْظ والاستحضار والإتقان وروى عَنهُ أَنه قَالَ أحفظ أَرْبَعَة عشر ألفية فِي فنون الْعُلُوم وكف بَصَره آخر عمره وَاسْتمرّ على بَث الْعلم ونشره وَاجْتمعَ بِهِ وَالِدي فِي رحلته إِلَى مصر وترجمه بالشيخ الْكَامِل والعالم الْفَاضِل حائز للعلوم والعرفان وفائز بالقدح الْمُعَلَّى من التَّحْقِيق والإتقان علم الْعلم وَالْهَدْي ومنار الْفضل والتقى بِيَدِهِ عنان الفواضل فيمنح بهَا كل مُحْتَاج وَمَالك أزمة الْفَضَائِل فينشرها

стр. 760

على كل لائذ وراج زبدة الْعلمَاء الراسخين الأخيار وعمدة الجهابذة المتورعين الْأَبْرَار وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بتربة المجاورين هَكَذَا رَأَيْته بِخَط بعض الأفاضل ثمَّ رَأَيْت بِخَط صاحبنا الْفَاضِل إِبْرَاهِيم الجنيني أَن وَفَاته كَانَت فِي غرَّة الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ ثمَّ تحرر عِنْدِي من تَارِيخ الشلي ووفيات الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله أَنه توفّي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ فاعتمدت عَلَيْهِ لكَون من تحرر عَنْهُمَا أمس النَّاس بأحوال وفيات عُلَمَاء مصر وَالله أعلم عَامر بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الرشيد بن أَحْمد بن الْأَمِير الْحُسَيْن بن الْأَمِير عَليّ بن يحيى الْعَالم الْبر بن مُحَمَّد الْعَالم التقي بن يُوسُف الأشل بن الدَّاعِي الإِمَام يُوسُف الْأَكْبَر ابْن الإِمَام الْمَنْصُور يحيى ابْن الإِمَام النَّاصِر أَحْمد وَبَقِيَّة النّسَب مَذْكُورَة فِي تَرْجَمَة الإِمَام إِسْمَاعِيل المتَوَكل صَاحب الْيمن ذكره القَاضِي أَحْمد بن صَالح بن أبي الرِّجَال فِي تَارِيخه مطلع البدور وَمجمع البحور فَقَالَ السَّيِّد الشَّهِيد الْعَالم الفريد الْأَمِير الْكَبِير كَانَ فَاضلا رَئِيسا سرياً عالي الهمة عَارِفًا نَهَضَ مَعَ ابْن أَخِيه الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد فنازل الْمُلُوك وطارح الْكِبَار وفل الشَّوْكَة وَعلا صيته وَكَانَت لَهُ مشَاهد عَظِيمَة مَعَ الْأُمَرَاء أهل كوكبان وجنود الأروام وأفضى أمره إِلَى السَّعَادَة على نهج سلفه الْكِرَام غير أَنه زَاد بالمثلة فَإِنَّهُ سلخ جلده وذر عَلَيْهِ الْملح وَلم يزل كل يَوْم يُؤْخَذ مِنْهُ شَيْء حَتَّى انْتهى وقبره بِخَمْر وَكَانَ مَا وصفناه من الْمثلَة بحمومة من أَعمال خمر وَيُقَال إِن رَأسه بِصَنْعَاء وَقد بنى عَلَيْهِ وَلَده عبد الله قبَّة وَله تَرْجَمَة وَضعهَا شَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن سعد الدّين وترجمه بعض أحفاده فَذكر شَيْئا من جميل حَاله وَقَالَ مولده سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ على السِّيَادَة وَالطَّهَارَة وَطلب الْعلم وَقَرَأَ على القَاضِي الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بمحرفة هَكَذَا قَالَ عبد الرَّحْمَن وَلم يكن مر بسمعي فَائِدَة فَائِدَة أُخْرَى وَقَرَأَ كتب النَّحْو وَالْأَدب والكشاف على السَّيِّد الْفَاضِل عُثْمَان بن عَليّ ابْن الإِمَام شرف الدّين بشبام قبل دَعْوَة الإِمَام الْقَاسِم وَسكن بأَهْله هُنَاكَ يطْلب الْعلم وَلما دَعَا الإِمَام بِبِلَاد قاره كتب إِلَيْهِ فوصل إِلَى شوذة شظب وَتوجه بجُنُوده فَافْتتحَ من بلَاء الْأُمَرَاء آل شمس الدّين كثيرا وَكَانُوا أعضاد الْوَزير الْحسن والكتخدا سِنَان فَمَا زَالَ كَذَلِك من سنة سِتّ وَألف إِلَى سنة ثَمَان وَألف ثمَّ عَابَ فِيهِ جمَاعَة من أهل قاعة وَكَانَ قد تزوج امْرَأَة هُنَالك وتفرّق

стр. 761

عَنهُ أَصْحَابه وَلم يبْق إِلَّا هُوَ وقصده جمَاعَة من الأتراك فأحاطوا بِهِ ثمَّ أسروه وأدخلوه شبام فطافوا بِهِ فِي كوكبان وشبام وأمير كوكبان يَوْمئِذٍ عَليّ بن شمس الدّين ثمَّ إِن عليا بن شمس الدّين أرسل بِهِ مَعَ جمَاعَة من التّرْك إِلَى حمومة من بني صويم إِلَى الكتخدا سِنَان فَأمر أَن يمثل بِهِ فسلخ جلده قَالَ الإِمَام الْقَاسِم وصبر فَلم يسمع لَهُ أَنِين وَلَا شكوى إِلَّا قِرَاءَة قل هُوَ الله أحد وَكَانَ سلخ جلده يَوْم الْأَحَد الْخَامِس عشر من رَجَب سنة ثَمَان بعد الْألف ثمَّ إِن سِنَان مَلأ جلده تبناً وَأرْسل بِهِ على جمل إِلَى صنعاء إِلَى الْوَزير حسن فشهر جلده على الدهابر على ميمنة بَاب الْيمن مِمَّا يَلِي الشرق وَسَائِر جسده دفن فحمومة ثمَّ نقل إِلَى خمر بِأَمْر الإِمَام الْقَاسِم وقبره مَشْهُور مزور لَهُ التعظيمات وَالنُّذُور ثمَّ احتال بعض النَّاس فِي الْجلد فأسقطه إِلَى تَحت الداير وَدَفنه على خُفْيَة وَعَلِيهِ ضريح وقبة على يسَار الْخَارِج من بَاب الْيمن وَقد ترْجم لَهُ الإِمَام الْقَاسِم تَرْجَمَة بِخَطِّهِ فِي نُسْخَة الْبَحْر الَّتِي للْإِمَام وَترْجم لَهُ السَّيِّد الْعَلامَة صدر الْعلمَاء أَحْمد بن مُحَمَّد الشرفي وَالْقَاضِي الْعَلامَة أَحْمد بن سعد الدّين ورثاه بقصيدة مِنْهَا (أزائر هَذَا الْقَبْر حييت زَائِرًا ... ونلت بِهِ سَهْما من الْأجر قامرا) (وأدّيت حق الْمُصْطَفى ووصيه ... فهنيت لما زرت فِي الله عَامِرًا) (سليل الْكِرَام الشم من آل أَحْمد ... وَمن كَانَ للدّين الحنيفي عَامِرًا) (وَعم الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ... إِمَام الْهدى من قَامَ لله ناصرا) (وَمن شدّ أزراً مِنْهُ حِين دَعَا إِلَى ... رضى ربه أكْرم بذلك آزرا) (فقلده الْمَنْصُور سَيْفا مهنداً ... وَكَانَ لَهُ فِي وَجه أعداه شاهرا) (وَكَانَ لَهُ من موقف شهِدت لَهُ ... أعاديه أَن فاق الْأَوَائِل آخرا) عَامر بن مُحَمَّد الصباحي نِسْبَة إِلَى بيضًا صباح قَرْيَة مَشْهُورَة فِي مشارف الْيمن تغرب من قرن الْمَنْسُوب إِلَيْهَا أَو بس الْقَرنِي على نَحْو مرحلَتَيْنِ ذكره ابْن أبي الرِّجَال أَيْضا فِي تَارِيخه الْمَذْكُور فَقَالَ القَاضِي الْعَلامَة المذاكر شيخ الْأَئِمَّة ولسان الْفِقْه وإنسان عينه كَانَ وحيد وقته فريد عصره إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي تَحْقِيق الفروغ ينْقل عَنهُ النَّاس ويقررون عَنهُ قَوَاعِد الْمَذْهَب رَحل فِي مبادى أمره إِلَى ذمار وَلَقي شيوخها الْمُحَقِّقين وَحصل على قشف فِي الْعَيْش وَشدَّة فِي الْأَمر يرْوى عَنهُ أَنه كَانَ لَا يملك غير فرو من جُلُود الضَّأْن وَكَانَ إِذا احْتَلَمَ غسله للتطهير ثمَّ يلْبسهُ أَخْضَر

стр. 762

لِأَنَّهُ لَا يجد غَيره وَكَانَ مواظباً على الْعلم أَشد الْمُوَاظبَة أَيَّام هَذِه الشدَّة الْمَذْكُورَة وَكَانَ أَبوهُ من أهل الثروة وَالْمَال لكنه حبس وأوذي فِي الله تَعَالَى من قبل الأتراك لموالاته أهل الْبَيْت ثمَّ رَحل القَاضِي إِلَى صنعاء وَأقَام بهَا ودرس ورحل إِلَى شيخ الزيدية إِمَام الْفُرُوع وَالْأُصُول إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود الْحِمْيَرِي إِلَى الظهرين وَكَانَ إِذْ ذَاك بَقِيَّة الْعلمَاء وَله بالتذكرة خُصُوصا فرط الْفِقْه فَطلب القَاضِي عَامر أَن يقرئه فِيهَا فَأَجَابَهُ وَلم يستعد لتدريسه لظَنّه أَنه من عَامَّة الطّلبَة فَلَمَّا اجْتمعَا للْقِرَاءَة رأى فِي القَاضِي عَامر حضارة وحافظية وَمَعْرِفَة كَامِلَة فَقَالَ لَهُ يَا وَلَدي لست بصاحبك الْيَوْم فاترك الْقِرَاءَة فَتَركهَا ثمَّ استعد لَهَا فاستخرج ببحثه من جَوَاهِر علم القَاضِي نفائس وذخائر وعلق بِهِ ثمَّ إِنَّه عاوده بالرحلة إِلَيْهِ للزيارة فَأكْرمه الْفَقِيه صارم الدّين وَأمر النَّاس بإكرامه ورحل إِلَيْهِ من صنعاء لمسئلة وَاحِدَة أشكلت عَلَيْهِ غَابَتْ عني مَعَ معرفتي لَهَا لَوْلَا طول الْعَهْد رُوِيَ أَنَّهَا أشكلت عَلَيْهِ فَلم يبت إِلَّا فِي الطَّرِيق قَاصِدا إِلَى حجه ورحل القَاضِي إِلَى صعدة فَقَرَأَ الحَدِيث على شَيْخه الْوَجِيه عبد الْعَزِيز الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف ببهران وَلَقي الإِمَام الْحسن وَصَحبه وَمَا زَالَ حلفا للصالحات مواظباً على الْخيرَات وَلما دَعَا الإِمَام الْقَاسِم الْمَنْصُور بِاللَّه وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِصَنْعَاء فَخرج إِلَيْهِ وَصَحبه وَقَرَأَ عَلَيْهِ الإِمَام كتاب الشِّفَاء ثمَّ ولي الْقَضَاء بِولَايَة يعز نظيرها فَإِنَّهُ كَانَ من الْحلم والأناة وَالْوَفَاء بِمحل لَا يلْحق وَكَانَ وحيداً فِي الْعلم وصادقاً فِي كل عَزِيمَة قولية أَو فعلية فزاده الله تَعَالَى الْجَلالَة والمهابة فِي المصدور إِذا برز فِي الْجَامِع خضع النَّاس شاخصين إِلَيْهِ مَعَ كَمَال صورته وَطول قامته وَكَانَ لذَلِك الْجلَال الرحماني لَا يحْتَاج للأعوان بل يبرز للْقَضَاء وَإِذا أَرَادَ حبس أحد من أجلاء الرِّجَال وأعيان الدولة الْتفت إِلَى أقرب النَّاس إِلَيْهِ كَائِنا من كَانَ فَأمره بِالْمَسِيرِ بِهِ إِلَى الْحَبْس فَلَا يَسْتَطِيع أحد الِامْتِنَاع عَن أمره وَهُوَ الَّذِي قوى أعضاد الدولة المؤيدية وَكَانَ الصَّدْر يَوْمئِذٍ غير مدافع وَاسْتقر بِحَضْرَة الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُدَّة ثمَّ نَهَضَ إِلَى جِهَة خولان الْعَالِيَة فاستوطن وَادي عَاشر وابتنى بهَا دَارا عَظِيمَة من أحسن الْمنَازل تولى بناءها وَلَده الْعَلامَة الْأَمِير شرف الدّين الْحسن بن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَحْمد بن عَامر فهيأها للضيوف على قدر ههمته وَكَانَ مضيافاً كَرِيمًا وَلما اسْتَقر القَاضِي بعاشر انْتفع بِهِ الْعَامَّة والخاصة ورحل إِلَيْهِ الْفُضَلَاء للْقِرَاءَة كَالْقَاضِي الْمُحَقق مُحَمَّد بن نَاصِر بن دعيش وَكَانَ أحد رُوَاة أخباره قَالَ وَكَانَ لَا يتْرك الْأَشْرَاف على التَّذْكِرَة فِي الْفِقْه كل يَوْم

стр. 763

يطالع فِيهَا وَمن رُوَاة أخباره تِلْمِيذه أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم بن مُحَمَّد فَإِنَّهُ الَّذِي تولى تهذيبه وَكَانَ مُولَعا بِهِ ويخصصه بمزايا حَتَّى إِنَّه كَانَ لَا يقبل فِي مجْلِس الْقِرَاءَة أُمُور يعتادها الطّلبَة إِلَّا من الامام فَكَانَ يقبلهَا مِنْهُ لِكَثْرَة محبته إِلَيْهِ وتنويره وَكَانَ يتَوَلَّى عظائم الْأُمُور ورحل إِلَى صنعاء لعقد عقده بَين الأروام وَالْإِمَام واستنهض الإِمَام لِحَرْب الأروام وَلما كثرت كتب خولان الْعَالِيَة والحدا وَمن قابلهم من قبائل الزيدية إِلَى القَاضِي عَامر يستنهضونه لاستنهاض الإِمَام لِلْخُرُوجِ على التّرْك وَكَانَ الإِمَام قد فعل لكنه احْتَاجَ إِلَى الكتم حَتَّى من القَاضِي على جلالته فَدخل يَوْمًا إِلَيْهِ وعنف الإِمَام فَأخْبرهُ بِأَن أخوته قد خَرجُوا مِنْهُم من جَاءَ من الْمغرب وَهُوَ الْحُسَيْن وَمِنْهُم من جَاءَ من الْمشرق وَهُوَ الْحسن وَمِنْهُم الْمُتَوَسّط بَينهمَا وَهُوَ أَحْمد قَامَ القَاضِي على وقاره وَكبر سنه فحجل كَمَا فعل جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ وَهُوَ أحد السّنَن المأثورة وَلم يكن بَين وَفَاته وَبَين وَفَاة وَلَده أَحْمد إِلَّا أَيَّام قَليلَة وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن ينْقل وَإِن كَانَ بترجمة وَلَده أَحْمد أليق لكنه اقْتضى الْحَال كِتَابَته هُنَا وَهُوَ أَن أَحْمد بن عَامر لما تمّ لَهُ الْحُضُور مَعَ أَبنَاء الإِمَام فِي حروب زبيد اسْتَأْذن الْحسن بن الْقَاسِم فِي زِيَارَة وَالِده فَقَالَ لَهُ ابْن الإِمَام قد عزمنا على الطُّلُوع جَمِيعًا فَتَأَخر لَهُ يويمات فَرَأى القَاضِي أَحْمد فِي الْمَنَام رجلَيْنِ يَقُول أَحدهمَا للْآخر اقبض روحه فَيَقُول الآخر لَا أَقبض روحه فَإِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا قد سَأَلَ الله تَعَالَى أَن يرِيه إِيَّاه فَلَا أَقبض روحه حَتَّى يصل إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَقر هَذَا فِي ذهنه دخل إِلَى الْحسن وألح عَلَيْهِ فِي الْفَسْخ وَلَعَلَّه أسره بذلك فَأذن لَهُ فطلع حَتَّى وصل إِلَى ذمار وَكَانَ هُنَالك صفي الدّين أَحْمد ابْن الإِمَام فَأكْرمه وعظمه وعول عَلَيْهِ فِي الْإِقَامَة عِنْده أَيَّامًا ليتصحح وَيَزُول عَنهُ وعثاء السّفر وَكثر عَلَيْهِ فِي ذَلِك فَرَأى القَاضِي الرجلَيْن الْأَوَّلين يَقُول أَحدهمَا لصَاحبه اقبض روحه فَإِنَّهُ أَبْطَأَ وتراخى وَلم يبْق لَهُ فِي الْأَجَل سَعَة فَأَجَابَهُ الآخر بِمَا أَجَابَهُ بِهِ أَولا فتيقظ القَاضِي لنَفسِهِ وعزم على الْمُبَادرَة فَلَمَّا وصل إِلَى هِجْرَة مشوكان وَهِي بِالْقربِ من وَادي عَاشر مسكن وَالِده فوصل إِلَيْهِ الْقَبَائِل والشيوخ فَإِنَّهُ كَانَ صدر آمن الصُّدُور فصدوه عَن زِيَارَة وَالِده فَرَأى الرجلَيْن فَقَالَ أَحدهمَا مَا قَالَ أَولا وَذكر أَن القَاضِي ترَاخى فَأَجَابَهُ الآخر أجَاب ثمَّ قَالَ يكون لَهُ مهلة حَتَّى يزور وَالِده وَيبقى خَمْسَة أَيَّام ثمَّ نقبض روحه فَتوجه القَاضِي مبادراً إِلَى حَضْرَة وَالِده فَتَلقاهُ

стр. 764

وَحصل بِهِ الْأنس ثمَّ أوصى وَصِيَّة عَظِيمَة وَهُوَ كَامِل الْحَواس وَلما كَانَ الْيَوْم الْخَامِس أشعر وَالِده وودعه ثمَّ قبض الله تَعَالَى روحه فَتَوَلّى وَالِده أَعماله وَدَفنه بَقِيَّة هُنَاكَ وَقَامَ كالخطيب فِي النَّاس ووعظهم وَذكرهمْ حَتَّى بَكَى الْحَاضِرُونَ وَكَانَ القَاضِي عَامر لَا يتْرك كل يَوْم وَلَيْلَة ثَلَاثَة أَجزَاء من الْقُرْآن على الإستمرار وَيَدْعُو بِدُعَاء الصَّحِيفَة وَيَقُول أَنا أستحي من الدُّعَاء بِهِ لما فِيهِ من التذلل وَذكر الْبكاء والنحول ولسنا كذالك بتصاغر كَمَا جرت عَادَة الْفُضَلَاء وروى عَنهُ أَنه كَانَ لَهُ راتب لَا سم من أَسمَاء الله تَعَالَى الْحسنى فَحَضَرَ عِنْده خَادِم الأسم فَقَالَ مَا تُرِيدُ مني فَقَالَ مَا أُرِيد مِنْك شَيْئا فَقَالَ هَذَا الْعدَد الَّذِي صرت ترتبه من هَذَا الإسم يَسْتَدْعِي حضوري فَإِن كنت لَا تُرِيدُ إِلَّا الذّكر فزد على هَذَا الْعدَد أَو انقص وَكَانَت وَفَاته فِي حادي عشر شهر رَمَضَان سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف وقبر فِي الْقبَّة الَّتِي قبر فِيهَا عبد الْقَادِر التهامي وقبر فِيهَا وَلَده أَحْمد بن عَامر من أَعمال عَاشر من جِهَة خولان الْعَالِيَة الشاه عَبَّاس بن سُلْطَان مُحَمَّد خدابنده ابْن طهماسب بن شاه اسمعيل بن سُلْطَان حيدر بن سُلْطَان شيخ جُنَيْد بن سُلْطَان شيخ صدر الدّين إِبْرَاهِيم بن سُلْطَان خواجه عَليّ بن شيخ صدر الدّين مُوسَى بن سُلْطَان شيخ صفي الدّين أبي إِسْحَق بن شيخ أَمِين الدّين جِبْرِيل بن السَّيِّد صَالح بن السَّيِّد قطب الدّين أَحْمد بن السَّيِّد صَلَاح الدّين رشيد بن السَّيِّد مُحَمَّد الْحَافِظ كَلَام الله بن السَّيِّد عوض الْخَواص بن السَّيِّد فَيْرُوز شاه درين كلاه بن مُحَمَّد شرف شاه بن مُحَمَّد بن أبي حسن بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن جَعْفَر ابْن مُحَمَّد بن إِسْمَعِيل بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْعِرَاقِيّ بن مُحَمَّد قَاسم بن أبي الْقسم حَمْزَة بن الإِمَام مُوسَى الكاظم بن الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق بن الإِمَام مُحَمَّد الباقر ببن الإِمَام عَليّ زين العابدين بن الإِمَام الْحُسَيْن ابْن الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم هَذَا نسب سلاطين الْعَجم الَّذين مِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة وَأول من بَالغ فِي التَّشَيُّع وأظهره سُلْطَان حيدر وَكَانَ ذَلِك فِي سنة سِتّ وَتِسْعمِائَة وَقيل فِي تَارِيخه مَذْهَبنَا حق ويروي أَن بعض أهل السّنة سمع هَذَا التَّارِيخ فَقَالَ مَذْهَب نَا حق على النَّفْي فَإِن نَا فِي الْفَارِسِي أَدَاة نفي وَمن ذَلِك الْعَهْد هَاجر كثير من أهل السّنة الَّذين فِي بِلَادهمْ إِلَى كثير من الْبِلَاد وتغلبت سلاطين بِلَادنَا العثامنة على مُلُوكهمْ من عهد السُّلْطَان سليم الأول فَإِنَّهُ ركب على شاه إِسْمَعِيل وَأخذ مِنْهُ بِلَاد أوقهرة وَكَذَلِكَ فعل السُّلْطَان سليم الثَّانِي فَأَنَّهُ جهز عَلَيْهِم جَيْشًا فَأخذُوا مِنْهُم تبريز وشروان وكيلان

стр. 765

وروان وَكَثِيرًا من القصبات والولايات واستمروا مغلوبين إِلَى أَن ظهر شاه عَبَّاس صَاحب التَّرْجَمَة فولى السلطنة بخراسان فِي سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة مَكَان وَالِده فِي حَيَاته وَكَانَ جُلُوسه بقزوين لكَون وَالِده كَانَ أعمى وَقد استولت فِي أَيَّامه أُمَرَاء قزلباش على الدولة واتخذوها حصصاً فسفك فيهم واستقل بِالْأَمر وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره يدارى طرف آل عُثْمَان وَيُرْسل ابْن أَخِيه حيدر بالهدايا والتحف إِلَى أَن مَاتَ ملك الأوزبك أوزبك خَان وَولده عبد الْمُؤمن فِي سنة عشر بعد الْألف وَكَانَ مُلُوك الأوزبك أخذُوا من خُرَاسَان بلاداً فاستخلصها وَاحِدَة بعد وَاحِدَة ثمَّ قصد جِدَال عُثْمَان لما كَانَ وَقع من الاختلال بِسَبَب الجلالية الَّذين ظَهَرُوا فِي زمن السُّلْطَان أَحْمد وَنقض الْعَهْد الَّذِي بَينه وَبينهمْ وحاصر مملكة تبريز وروان وَاسْتولى عَلَيْهِمَا ثمَّ أَخذ قندهار من بِلَاد الْهِنْد وَاسْتولى على خوارزم وكيلان وسجستان ثَلَاثَة وَأَرْبَعين سنة وَكَانَ سُلْطَانا صَاحب جاش وَقُوَّة مكر غداراً محتالاً فاسترد بعض الْبِلَاد وتقوى فِي الْعَسْكَر وَالْعدة فَأخذ بَغْدَاد من يَد آل عُثْمَان وَقد قدمنَا سَبَب أَخذه لَهَا وَإنَّهُ كَانَ الْفَاعِل لذَلِك بكر كَبِير عسكرها وَإِن الشاه دَخلهَا بمخامرة مِنْهُ وَمن ابْنه مُحَمَّد وَفعل مَا فعل فِيهَا وَفِي أَهلهَا وَكَانَ أَخذه لَهَا فِي ثَالِث شهر ربيع الثَّانِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف واستمرت فِي يَده إِلَى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين فَأَخذهَا من يَده السُّلْطَان مُرَاد وَسَنذكر خبر أَخذهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان مُرَاد الْمَذْكُور وَمن ذَلِك الْعَهْد لزم شاه عَبَّاس حَدهمْ الْأَصْلِيّ الَّذِي كَانَ فِي زمن الشاه اسماعيل وَلم يتجاوزه لَا هُوَ وَلَا أبناؤه إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَطَالَ عمره فِي السلطنة وَبلغ من الْعِزَّة وَالْحُرْمَة نِهَايَة أمانيه وخدمه أجلاء الْعلمَاء فِي مناصبه مِنْهُم الشَّيْخ الاستاذ مُحَمَّد بهاء الدّين بن حُسَيْن الْحَارِثِيّ الْهَمدَانِي الشَّامي فَإِنَّهُ كَانَ مفتيه ومشيد أَرْكَان دولته وباسمه ألف كثيرا من كتبه ورسائله ونوه بِهِ وَقد رَأَيْت فِي بعض كتبه غَرِيبَة حَكَاهَا فِي سِيَاق ذكره قَالَ إِن سُلْطَان زَمَاننَا خلد الله ملكه وأجرى فِي بحار التَّأْبِيد فلكه عرض لَهُ يَوْمًا فِي مصيده خِنْزِير عَظِيم الجثة طَوِيل السن الْخَارِج فَضَربهُ بِالسَّيْفِ ضربه نصفه بهَا نِصْفَيْنِ ثمَّ أَمر بقلع سنه والاتيان بهَا إِلَيْهِ فَوجدَ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا لفظ الْجَلالَة بِخَط بَين مُثبت ناتىء مِنْهَا فَحصل لَهُ وَلنَا وَلمن حضر المصيدة من الْعَسْكَر الْمَنْصُور نِهَايَة الْعجب فَإِن ذَلِك من أغرب الغرائب وَلما أرانيها أدام الله نَصره وتأييده قَالَ لي كَيفَ يجْتَمع هَذَا مَعَ نَجَاسَة

стр. 766

الْخِنْزِير فَقلت لَهُ إِن السَّيِّد المرتضى قَائِل بِطَهَارَة مَا لَا تحله الْحَيَاة من نجس الْعين وَوُجُود هَذَا الْخط على هَذَا السن رُبمَا يُؤَيّد كَلَامه طَابَ ثراه فَإِن السن مِمَّا لَا تحله الْحَيَاة انْتهى وَمن المقربين إِلَيْهِ من الحذاق الْحَكِيم شفائي وَكَانَ حكيمه وطبيبه ونديمه الْخَاص وَكَانَ شَاعِرًا مطبوعاً مليح التخيل وَكَانَ عِنْد الشاه فِي المكانة المكينة ثمَّ غضب عَلَيْهِ فحمى ميلًا حديداً وكحله بِهِ فأعماه وأبعده عَن مَجْلِسه وأحواله وأموره غَرِيبَة جدا وَمِمَّا يحْكى عَنهُ فِي بَاب اللطائف والنكات مِمَّا يستظرف وأبدعها مَا كَانَ يَقع لَهُ مَعَ الرَّسُول الْمُرْسل إِلَيْهِ من طرف سلطاننا السُّلْطَان مُرَاد الْمُسَمّى بإنجيلي جاويش وَكَانَ طلق اللِّسَان حَاضر الْجَواب نِهَايَة فِي اللطائف والأعاجيب وَكَانَ الشاه يبتدره بمخترع من الْفِعْل أَو القَوْل ويقصد بذلك الأزراء بِجَانِب سلطاننا فَيُجِيبهُ عَنهُ بِأَحْسَن جَوَاب يدْفع بِهِ ذَلِك الأزراء وَرُبمَا قلت عيانه فأزرى بِطرف الشاه وَكَانَ الشاه يعجب من تيقظه وينتقل مَعَه انتقالات عَجِيبَة خَارِجَة عَن هَذَا الأزراء وَمن جُمْلَتهَا أَنه جلس الشاه يَوْمًا على حرف جبل فِي الصَّحرَاء والجاويش الْمَذْكُور عِنْده فَقَالَ لَهُ الشاه أتحبني فَقَالَ لَهُ نعم فَقَالَ إِن كنت تحبني فارم بِنَفْسِك من هَذَا الْجَبَل إِلَى تَحت فَقَامَ وَمَشى مَسَافَة بعيدَة إِلَى ظهر الْجَبَل ثمَّ رَجَعَ وَهُوَ يرْكض حد الركض حَتَّى انْتهى إِلَى طرف الْجَبَل ثمَّ وقف فَقَالَ لَهُ الشاه مَالك فَقَالَ محبتي لَك انْتَهَت إِلَى هَذَا الْمحل وأراها لَا تتجاوز وَله من هَذَا الْقَبِيل أَشْيَاء أخر وللشاه عَبَّاس فِي سياسة الرّعية وَالرِّعَايَة لجانبهم والذب عَنْهُم وإكرام التُّجَّار الواردين إِلَى بِلَاده من أهل السّنة أَحْوَال مستفيضة شائعة وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يَجِيء من سلسلتهم مثله وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف بدار ملكه مَدِينَة أصفهان وَدفن بأردبيل فِي تربة الشَّيْخ صفي الدّين وَكَانَ عمره ينيف عَن السّبْعين عبد الْأَحَد الشَّيْخ الْبركَة نزل قسطنطينية هُوَ رومي الأَصْل وَلَا أَدْرِي نسبته إِلَى أَي بَلْدَة وَكَانَ خلوتي الطَّرِيقَة وَهُوَ وَالشَّيْخ عبد الْمجِيد السيواسي رَفِيقًا عنان فِي الصّلاح والزهد والمعرفة والإتقان وَكَانَ عبد الْوَاحِد من أَفْرَاد الْعباد مُعْتَقدًا مُعظما مبجلاً وَكَانَ لَهُ مريدون وأذكار وَوعظ ونصيحة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من خِيَار الْخِيَار وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَألف بِمَدِينَة قسطنطينية عبد الْبَارِي بن مُحَمَّد بن عمر بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن حسن بن عمر بن

стр. 767

مُحَمَّد بن أَحْمد بن عمر بن أَحْمد بن عمر بن الشَّيْخ عَليّ الأهدل اليمني السَّيِّد الْجَلِيل الْوَلِيّ كَانَ من الكملاء الْمَشْهُورين جواداً مبذول النِّعْمَة وافر السخاء وَله فَضَائِل عديدة وأفعال حميدة وَصيته بِبِلَاد الْيمن شَائِع ذائع بِالْفَضْلِ وَالْكَرم وَكَانَت وَفَاته فِي حادي عشري ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف بقرية المراوعة وَدفن بهَا عِنْد أجداده بن الأهدل وَحصل عَلَيْهِ الأسف الْعَظِيم رَحمَه الله تَعَالَى عبد الْبَاقِي بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن السمان الدِّمَشْقِي نزيل قسطنطينية صاحبنا الْفَاضِل الأديب الألمعي البارع كَانَ مفرط الذكاء قوي الحافظة وَله الِاطِّلَاع التَّام على أشعار الْعَرَب الخلص وأيامهم وأمثالهم وَكَانَ يحفظ مِنْهَا شَيْئا كثيرا وَقد عاينته مَرَّات وَهُوَ يسْرد من أشعارهم ألف بَيت أَو أَكثر من غير أَن يزِيغ عَن نهجه أَو يشرق بريقه وَكَانَت فكرته جَيِّدَة فِي النَّقْد والغوص على الْمعَانِي وَحسن التَّأْدِيب وَله تصانيف كَثِيرَة لم يكمل مِنْهَا إِلَّا شرح الْأَسْمَاء الْحسنى وَشرح شَوَاهِد الجامي ومختصر التَّهْذِيب فِي الْمنطق وَكَانَ شرع فِي كتاب سَمَّاهُ سرقات الشُّعَرَاء كتب مِنْهُ حِصَّة يسيرَة وَلَو تمّ لجاء كتابا عجيباً وَجمع سَبْعَة مجاميع بِخَطِّهِ تحتوي على كل تَحْقِيق وأدب وَشرع قريب مَوته فِي الْجَمِيع بَين الصَّحِيحَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم وَمَات وَلم يكمله وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ فِي التآليف وَاقِفًا تَحت قَول المتنبي (وَلَيْسَ بِأول ذِي همة ... دَعَتْهُ لما لَيْسَ بالنائل) وَكَانَ فِي أول أمره قَرَأَ النَّحْو وَالْفِقْه بِدِمَشْق على الْفَقِيه الْمَشْهُور أَحْمد القلعي ثمَّ فَارق دمشق وَهُوَ غض الحداثة مقتبل الشبيبة وَدخل الْقَاهِرَة فِي حُدُود سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف واشتغل بهَا على الشَّيْخ عبد الْبَاقِي بن غَانِم الْمَقْدِسِي الْآتِي ذكره وعَلى السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَمَوِيّ الْمصْرِيّ وَعَلِيهِ تخرج فِي الْأَدَب وبرع ثمَّ خرج مِنْهَا إِلَى الرّوم وتصرفت بِهِ أَحْوَال كَثِيرَة وأسفار عديدة وَلم يبْق بَلْدَة من أُمَّهَات بِلَاد الرّوم حَتَّى دَخلهَا وَوصل إِلَى جَزِيرَة كريد والوزير الْفَاضِل منازلها فمدحه بقصيدة ومطلعها (أخف النَّوَى مَا سهلته الرسائل ... وَأحلى الْهوى مَا كررته العواذل) يَقُول فِيهَا (يعيرني قومِي بقومي ومحتدي ... كَمَا عيب بالعضب الصَّقِيل الحمائل) (أجل حسدوني حَيْثُ فضلت دونهم ... وَكم حسدت فِي النَّاس قبلي الأفاضل)

стр. 768

(وَمَا الْفَخر بالأجسام وَالْمَال والعلى ... وَلَكِن بأنواع الْكَمَال التَّفَاضُل) (وَمن يَك أعمى الْقلب يلْزم بقوله ... كَمَا يحذر الْأَعْمَى الْعَصَا إِذْ يُقَاتل) (وَمَا يصنع الْإِنْسَان يَوْمًا بنوره ... إِذا عادلت فِيهِ النُّجُوم الجنادل) (وفيم نضيع الْعُمر فِي غير طائل ... إِذا مَا اسْتَوَى فِي النَّاس قس وباقل) (وأصعب مَا حاولت تثقيف أَعْوَج ... وأثقل شَيْء جَاهِل متعاقل) (إِذا جَاءَ نقاد الرِّجَال من الوغى ... تميز عَن أهل الْكَمَال الأراذل) (عنيت الْوَزير بن الْوَزير الَّذِي بِهِ ... تذل وتعنوا للشعوب الْقَبَائِل) ومدح أَخَاهُ الْفَاضِل مصطفى بقصيدة أُخْرَى مطْلعهَا (بِالنَّفسِ يسمح من أَرَادَ نفيسا ... وَالْحب أول مَا يكون رسيسا) وكلا القصيدتين قد ذكرتهما فِي تَرْجَمته فِي كتابي النفحة فَلَا نطيل هُنَا الْكَلَام بهما فَأَنا نذْكر لَهُ هُنَا غَيرهمَا وكل جَدِيد لَهُ لَذَّة وأجيز على هَاتين جَائِزَة سنية وَوصل من الجزيرة الْمَذْكُورَة إِلَى سلانيك ويكى شهر وَالسُّلْطَان مُحَمَّد ثمَّة فَكَانَ خَاتِمَة مطافه أَن بلغ خَبره السُّلْطَان فاتخذه نديماً وفاز مُدَّة بعطاياه الطائلة وَلم يطلّ أمره فِي المنادمة فَأعْطى مدرسة بقسطنطينية وَأبْعد عَن الدولة إِلَيْهَا فَألْقى رَحْله بهَا واتخذها دَار قراره وَمجمع أَسبَابه وأحبه كبراؤها ومالوا إِلَيْهِ خُصُوصا المرحوم الْأُسْتَاذ عزتي قَاضِي الْعَسْكَر فَإِنَّهُ أقبل عَلَيْهِ بكليته وَكَانَ يمده بعطاياه وافرة وَلما دخلت قسطنطينية فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف رَأَيْته وَهُوَ مدرس الفتحية برتبة مَوْصُولَة الصحن فاتحدت مَعهَا اتحاداً لم يتَّفق لي مَعَ أحد غَيره لما كنت أشاهد مِنْهُ من الْمحبَّة والصدق الَّذِي لَا مزِيد عَلَيْهِ وَأَنا مُنْذُ توفّي إِلَى الْآن أذكر صنائعه من الْمَعْرُوف معي فَلَا أعرف نهايتها وأقصر عَن أَدَاء حَقّهَا بيد أَنِّي أَرْجُو الله أَن يجْزِيه عَن حسن محبته لي أحسن جَزَاء وأعظمه وَاتفقَ لي مَعَه محاورات ومخاطبات كَثِيرَة فَمن ذَلِك أَنِّي أنشدته يَوْمًا قولي (ومقرطق ترف الْأَدِيم تخاله ... كالغصن قد لعب النسيم بقده) (ويكاد أَن شرب المدامة أَن يرى ... مَا مر مِنْهَا تَحت أَحْمَر خَدّه) فأنشدني مرتجلاً قَوْله (ومهفهف لَوْلَا جفون عيونه ... خلنا دم الوجنات من ألحاظه) (وتكاد تقْرَأ من صفاء خدوده ... مَا مر خلف الخد من أَلْفَاظه)

стр. 769

وَسَأَلته عَن نُكْتَة تَخْصِيص الْمُؤمن فِي قَوْله ﵇ اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله فَأجَاب مرتجلاً (الْجِسْم بَيت وقنديل الْفُؤَاد بِهِ ... والقبة الرَّأْس فِيهَا المقلة الْجَام) (فَإِن غَدا فِيهِ نور الْحق متقداً ... أَضَاء أَرْكَانه والجام نمام) (فالعارفون بِنور الله إِذْ نظرُوا ... صحت فراستهم وَالنَّاس أَقسَام) وَركبت مَعَه الْبَحْر يَوْمًا فِي زورق وتوجهنا إِلَى الْمَكَان الْمَعْرُوف ببشكطاش فَأَنْشَدته بالمناسبة قَول ابْن ملطية (وزورق أبصرته عائماً ... وَقد تمطى ظهر دأماء) (كَأَنَّهُ فِي شكله طَائِر ... مدّ جناحيه على المَاء) ثمَّ انجرت المصاحبة إِلَى تعداد أَنْوَاع السفن وأسمائها حَتَّى ذكر الْغُرَاب وَهُوَ الْمركب الطَّوِيل الَّذِي يسير بالمجاديف فَأَنْشد فِيهِ قَول ابْن الساعاتي (وَلَقَد ركبت الْبَحْر وَهُوَ كحلبة ... وَالْمَوْت تحسبه جياداً تركض) (كم من غراب للقطيعة أسود ... فِيهِ يطير بِهِ جنَاح أَبيض) ثمَّ ذكر لي أَن بعض النَّاس توهم أَن تَسْمِيَة هَذَا النَّوْع من السفن بالغراب مترجم عَن اسْمه بالتركية لِأَن اسْمهَا عِنْدهم تادرغة فظنها قارغة وَهُوَ بالتركية الْغُرَاب قَالَ وَأقَام المتوهم النكير على المترجم من كَونه وهم لتقارب الْأَلْفَاظ اتِّفَاقًا وَلم يدر أَن مَا قَالَه هُوَ الْوَهم بل وَجه الْمُنَاسبَة فِي التَّسْمِيَة أَنَّهَا شبهت بالغراب لسوادها وَشبه المجاديف بالأجنحة وَهُوَ حسن ثمَّ رَأَيْت هَذَا الْكَلَام لِلشِّهَابِ الخفاجي فِي كِتَابه طراز الْمجَالِس فَرَاجعه إِن شِئْت وَكتب إليّ هَذِه الأبيات مداعباً فِي أَيَّام برد الْعَجُوز (بفض بكر وَبشر الْعَجُوز ... يدْفع بعض النَّاس برد الْعَجُوز) (وَنحن قوم مَا لنا ثروة ... وَلَا نرى فِي الشَّرْع مَا لَا يجوز) (قهوتنا قهوة بن زكتْ ... تعيد أَيَّام الصِّبَا للعجوز) (وَعِنْدنَا كانون جمر لقد ... أعَاد فِي كانون قيظا تموز) (وصحبة طوع يدا للهولا ... تفرقهم أَن خلطوا بالعنوز) (فانهض إِلَيْنَا نغتنم صُحْبَة ... فالزمن الْجَانِي سريع النُّشُوز) (وَأعرف النَّاس بِهِ عَاقل ... بلذة قبل التقضي يفوز)

стр. 770

(لَا يرتضي الْعَاقِل عَن فرْصَة ... من فرص الدَّهْر بملء الْكُنُوز) (لَو لم يجنّ الدَّهْر مَا علقت ... عَلَيْهِ فِي رَأس الْهلَال الحروز) (من غير مَأْمُور وَدم سالما ... لدفع خطب ولحل الرموز) فَحَضَرت إِلَيْهِ وَكَانَ بمجلسه أحد أَبنَاء الرّوم مِمَّن يَدعِي الْأَدَب فَأخذ فِي بحث أَيَّام الْعَجُوز وَلم سميت بِهَذَا الِاسْم حَتَّى تحرر لنا وَجه التَّسْمِيَة من كتاب لِابْنِ قَاضِي شُهْبَة سَمَّاهُ تطريف الْمجَالِس بِذكر الْفَوَائِد والنفائس وَمُلَخَّص مَا قَالَ فيهم أَنهم زَعَمُوا أَن عجوزاً دهرية كاهنة من الْعَرَب كَانَت تخبر قَومهَا بِبرد يَقع فِي آخر الشتَاء يسوء أَثَره على الْمَوَاشِي فَلم يكترثوا بقولِهَا وجزوا أغنامهم واثقين بإقبال الرّبيع فَإِذا هم بِبرد شَدِيد أهلك الزَّرْع والضرع فَقيل أَيَّام الْعَجُوز وَبرد الْعَجُوز وَقيل هِيَ عَجُوز كَانَ لَهَا سبع بَنِينَ وسألتهم أَن يزوجوها وألحت فَقَالُوا ابرزي للهواء سبع لَيَال حَتَّى نُزَوِّجك فَفعلت وَالزَّمَان شتاء فَمَاتَتْ فِي السَّابِعَة فنسبت إِلَيْهَا الْأَيَّام وَقيل هِيَ الْأَيَّام السَّبْعَة الَّتِي أهلكت فِيهَا عَاد وَلَكِن تِلْكَ ثَمَانِيَة بِنَصّ الْكتاب وَقيل أَيَّام الْعَجز وَهِي آخر الشتَاء وَالله أعلم وكتبت إِلَيْهِ بعد أَيَّام أَدْعُوهُ إِلَى متنزه فِي يَوْم النوروز وأشير إِلَى مَضْمُون أبياته (أنقذتنا مواسم النوروز ... من عَذَاب الشتا وَبرد الْعَجُوز) (ألبس الأَرْض من غلائله الْخضر ... فجرت ذيولها فِي الخزوز) (وَإِذا أشرقت ذكاء حَسبنَا الأَرْض ... أبدت مَا تحتهَا من كنوز) (فاتركاني من ضرب زيد لعَمْرو ... وَبَيَان الْمَقْصُور والمهموز) (وَقفا بِي على الرياض قَلِيلا ... لنرى قدرَة الْحَكِيم الْعَزِيز) (فَكَأَن الْحباب وَالْمَاء فِيهَا ... فضَّة تَحت لُؤْلُؤ مغروز) (أَيهَا الْفَاضِل الَّذِي يفصل الْبَحْث ... وَلَو طَال بالْكلَام الْوَجِيز) (لَو جهلناه مَا علمنَا يَقِينا ... محكمات التَّحْرِيم والتجويز) (أَو رَآهُ الزُّهْرِيّ وَابْن معِين ... أسْند الْعلم عَنهُ كالمستجيز) (جد بإنجاز مَا وعدت فَلَيْسَ المطل ... عِنْد الْكِرَام كالتنجيز) (فلدينا من يسحر اللب وَالْعقل ... إِذا مَا شدا من النيريز) (فاتر الطّرف لَو رَأَتْهُ زليخا ... نسيت ذكر يُوسُف والعزيز) (حسدت منزلي عَلَيْهِ بقاع الأَرْض ... من جلق إِلَى تبريز)

стр. 771

(لَا تكلّف فكري بَيَانا فَلَا ... يُمكن وصف الْجمال بالأرجوز) (فتعجل فالوقت كالسيف والعاقل ... يدْرِي مَا تَحت ذيل الرموز) وَلما كنت بأدرنة ورد مِنْهُ كتاب لبَعض أخدانه وَأمره بتبليغ السَّلَام إليّ بِاللِّسَانِ وَاعْتذر عَن عدم إرْسَال كتاب مُسْتَقل إِلَيّ فَكتبت إِلَيْهِ قصيدة طَوِيلَة مِنْهَا (بنفسي من خدره الْمغرب ... هِلَال عَن الْقلب لَا يغرب) (وَمَا أَنا فِي حبه ثَابت ... تباخل بالكتب أَو يكْتب) (وَمن لَو وزنت بعشاقه ... رحجتهم والهوى مُتْعب) (وقيدني الْجُود فِي وده ... فَمَالِي عَن حبه مَذْهَب) (أَرْجَى لِقَاء رَجَاء الْحَيَاة ... والنجم من قربه أقرب) (وَيَا من تعجب من رقتي ... حَيَاة قَتِيل النَّوَى أعجب) (لقد ودعوني فَسَار السرُور ... وَمَا لذلي بعدهمْ مشرب) (وَلم أر من بعد أنوارهم ... نَهَارا وَلَو أقلع الغيهب) (وَمَا كنت أَحسب صبري يخون ... ويخدعني برقه الْحَلب) (وَلَو كنت أملك قلبِي صنعت ... كَمَا صَنَعُوا والهوى أغلب) وأنشدني يَوْمًا قصيدة غزلية نظمها لم يعلق مِنْهَا فِي خاطري إِلَّا بَيت المطلع وَهُوَ هَذَا (غُصْن رنحه سكر الدَّلال ... ينثني رَيَّان من مَاء الْجمال) واقترح عَليّ أَن أنظم على وَزنهَا ورويها قصيدة فنظمت هَذِه القصيدة وعرضتها عَلَيْهِ وَهِي قولي (شاقني غُصْن نقا تَحت هِلَال ... ينثني نشوان من خمر الدَّلال) (كل لحظ مِنْهُ نهاب النهى ... يسحر الْأَلْبَاب بِالسحرِ الْحَلَال) (ترتع الأحداق من طلعته ... فِي رياض بَين حسن وجمال) (خَدّه كالورد غشاه الحيا ... عرقا كالدر يزرى بالغوالي) (من عذيري من خَلِيل غادر ... الْجِسْم من سلوته رق الْخلال) (يعد الْوَصْل وبقضيني الجفا ... ويمنيني ويرضى بالمحال) (حمل الْقلب من الأعباء مَا ... لَو أقلت صدعت صم الْجبَال) (يَا بقومي قامة مِنْهُ وَيَا ... خجلة الأغصان مِنْهَا والعوالي) (ومحيا يفتك النساك حسنا ... ويستعبد ربات الحجال)

стр. 772

(ولحاظ دونهَا فتك الظبا ... تنهب الْأَعْمَار من غَيره قتال) (وقسى تصدع اللب إِذا ... فوّقت انفذ من زرق النصال) (ولمى يفتر عَنهُ مبسم ... من عقيق فَوق درّ كاللآلى) (ترق الْجِسْم يكَاد القدّ ينقدّ ... أَن رنحه سكر الدَّلال) (وشجاني صادح فِي فنن ... كلما أشكوله الشوق شكالي) (يَا لَك الله كِلَانَا وَاحِد ... يشتكي بعد حبيب وطلال) (كلنا يبكي على غُصْن لَهُ ... نازح الأحباب منبت الحبال) (يَا خليليّ وسلطان الْهوى ... يَقْتَضِي حكم الموَالِي فِي الموَالِي) (لَا تلوماني على جهد البلا ... فالهوى ضرب من الدَّاء العضال) (يبْعَث الْعَاقِل للحسين القضا ... ويغص الْمَرْء بِالْمَاءِ الزلَال) (أَي خليّ الْقلب عني أنني ... لست بالمختار فِي هَذَا النكال) (لَو يكن فِي الْحبّ رأى لم تَجِد ... أَسد الغابة فِي أسر الغزال) (خل إرشادي وذق طعم الْهوى ... أنني قد بِعْت رشدي بالضلال) (لَا تلم من ذل فِي نيل المنى ... أَن عز الْحبّ فِي ذل السُّؤَال) (كم أداري مهجة ذَابَتْ أسى ... بَين أطماع ووعد ومطال) (تلفت روحي وَمَا من عجب ... تلف الْأَرْوَاح من دون الْوِصَال) (مَا الَّذِي ضرّ جميل الْوَجْه لَو ... كَانَ أفديه جميلاً فِي الفعال) (آثر الْجور على الْعدْل وَلم ... يدر أَن الْجور من شَرّ الْخِصَال) (يَا أحباي وَفِي آثَاركُم ... فرج الْقلب وَحل من عقال) (عللوا روحي بأرواح الصِّبَا ... وابعثوا أخباركم لي فِي الشمَال) (واسعفوا المضني بتنجيز المنى ... أَن تتجيز المنى خير النوال) (وَإِذا لم تنعموا لي باللقا ... فاحسنوا إِلَى إِذْ أذنتم بالخيال) (لَيْت شعري والهوى كم فِيهِ من ... عجب والصب مُغْرِي بالجدال) (أقصير اللَّيْل يدْرِي حالتي ... فِي ليَالِي هجره السود الطوَال) (يشتكي من قصر اللَّيْل إِذا ... مَا اشْتَكَى الخالون من طول الليال) وَأهْدى أَلِي مرّة شاشا فَكتبت إِلَيْهِ (روحي فدَاء لَا غرّ سما ... بسودد كالشامخ الراسي)

стр. 773

(ذُو خلق يَحْكِي شذا رَوْضَة ... قد أحدقت بالورد والآسى) (فالربيع الطلق وشى الربى ... بردا وَمَا السلسل فِي الكماس) (ألطف من نسمَة أخلاقه ... عرفتها من طيب أنفاس) (نزلت فِي دوحته معدما ... فَلم يدع برئي وإيناسي) (يَا سيدا أنطقني فَضله ... بشكره من بعد إخراسي) (أَرَاك رَأس النَّاس لامرية ... لذاك تهدى حلَّة الراس) وجمعني وإياه مجْلِس لأحد الْكِبَار فلعب بالشطرنج وَكَانَ إِذا لعب ظهر مِنْهُ بعض الطيش وَالدَّعْوَى وَكَانَ بِالْمَجْلِسِ بعض الْعلمَاء فأبدى التَّعَجُّب من أطواره فَأَنْشد بديهاً (لَئِن أمسيت أدنى الْقَوْم سنا ... فعد فضائلي لَا يُسْتَطَاع) (كشطرنج ترى الْأَلْبَاب فِيهِ ... حيارى وَهُوَ رقعته ذِرَاع) قلت وَكَانَ مُفردا فِي لعب الشطرنج وَله فِيهِ محنة زَائِدَة وتفرغ أَيَّامًا لحساب حَبَّة الْقَمْح الَّتِي اقترحها وَاضع الشطرنج وَهُوَ صصه بن داهر الْهِنْدِيّ على الْملك الَّذِي وَضعه باسمه وَهُوَ شهرام وَأَرَادَ أَن يسْتَخْرج الْعدَد وصنع جد وَلَا عَظِيما وَأَظنهُ استخرجه وَأَنا قد رَأَيْت بعض الْحساب اعتنى بذلك وَضَبطه ضبطاً قَوِيا وَجعله فِي مصراع من بَيت وَهُوَ قَوْله (إِن رمت تَضْعِيف شطرنج فجملته ... هَا واه طعجز مدز ودوحا) وَجُمْلَة ذَلِك ثَمَانِيَة عشر ألف ألف ألف ألف ألف ألف سِتّ مَرَّات وَأَرْبَعمِائَة وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ ألف ألف ألف ألف ألف خمس مَرَّات وَسَبْعمائة وَأَرْبَعُونَ ألف ألف ألف ألف أَربع مَرَّات وَثَلَاثَة وَسَبْعُونَ ألف ألف ألف ثَلَاث مَرَّات وَسَبْعمائة وَتِسْعَة آلَاف ألف ألف مرَّتَيْنِ وَخَمْسمِائة وَاحِد وَخَمْسُونَ ألف وسِتمِائَة وَخَمْسَة عشر وأقلع آخر عَن صبوته فَترك مَحْض أشعاره فِي الْغَزل وقص قوادمها وخوافيها بأشعار فِي الزّهْد وَالْحكم وأبلغ مَا أَنْشدني فِي ذَلِك المعرض هَذِه القصيدة الغراء عَارض بهَا معلقَة امرىء الْقَيْس وقصيدته تلِيق أَن تعلق تَمِيمَة فِي جيد الزَّمَان لما اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْأَمْثَال وَالْحكم والسلاسة وَقد أوردتها برمتها حرصاً على كَثْرَة فائدتها وتعرضت لبَعض إبضاحاتها وَهِي (توكل على الرَّحْمَن حق التَّوَكُّل ... فَلَيْسَ لما فِي علمه من مبدل) (لعمر مَا يدْرِي المنجم مَا غَدا ... يكون وَعلم الْحَال عِنْد المحول)

стр. 774

(وَأَنا فَلَا تعجب لفي غَفلَة بِمَا ... يُرَاد بِنَا فِي عَاجل أَو مُؤَجل) (نسير وَلَا نَدْرِي كركب سفينة ... وَعمر الْفَتى كالفيء جم التنقل) (ويرشقنا قَوس الخطوب بأسهم ... على أسْهم كالطل يتبعهُ الْوَلِيّ) (وَنحن نَبَات والزما حصادنا ... أَلَيْسَ بوافي كل شهر بمنجل) تَشْبِيه الْهلَال بالمنجل مُسْتَعْمل فِي أشعار الْعَرَب كثيرا وَمن أحسن مَا مر لي فِيهِ قَول الشهَاب (رَأَيْت هِلَال الشَّهْر منجل حاصد ... لَا عمارنا وَهِي الهشيم المحطم) (وَمَا سلخت تِلْكَ الشُّهُور وَإِنَّمَا ... دياجي الْأَمَانِي الْجلد والشفق الدَّم) (وآمالنا تزداد فِي كل سَاعَة ... وَمن أضيع الْأَشْيَاء عمر المؤمل) (إِلَى الله نشكو مَا بِنَا من جَهَالَة ... وَمن تتعبده المطامع يجهل) (وَمن لم يكن فِي أمره ذَا بَصِيرَة ... يكن هدفاً للنائبات وَيقتل) (وهم الورى كل على قدر عقله ... وَمَا فَازَ باللذات غير الْمُغَفَّل) (وَلَا عجب أَن فاوت الْحَظ بَيْننَا ... فَمن رامح نجم السَّمَاء وأعزل) (ألم تَرَ أَن الطير يرتع شَرها ... وَيحبس فِي أقفاصه كل بلبل) (وَإِنِّي من الْقَوْم الْكِرَام أولى الوفا ... إِذا بخلت مزن السما لم تبخل) (وَإِن نَدع عِنْد الجدب نسمح بجهدنا ... وَإِن نَدع يَوْم الْبَأْس لم نتعلل) (ونرحل بعد النَّاس من كل منزل ... ونصدر قبل النَّاس من كل منهل) (ويمنعنا فرط الْحيَاء عَن الْخَنَا ... وَإِن كَانَ فينارقة المتغزل) (ووهابة الأحزان نهابة النهى ... منعمة الْأَطْرَاف عذب الْمقبل) (رقيقَة خصر لَا ترق لمغرم ... قسية قلب لَا تلين لمبتلى) (يرى وَجهه فِي وَجههَا من يضمها ... كمرآة هندي براحة صيقل) (تخادع أَرْبَاب النهى عَن عُقُولهمْ ... وتسحر لب الناسك المتبتل) (إِذا التفتت نَحْو الخلى بطرفها ... سرى حبها كَالْخمرِ فِي كل مفصل) (تحوم رماح الْخط حول خبائها ... كَمَا حاطت الْأَهْدَاب مقلة اكحل) (فكم فِي حماها من سليم مسهد ... وحول خباها من صريع مجندل) (صرفت الْهوى عَنْهُن لَا خشيَة الردى ... وَذُو الرَّأْي مهما يَأْمر الْقلب يفعل) (وَربع وقفت العيس فِيهِ فَلم أجد ... بأرجائه غير الْغُرَاب المكبل)

стр. 775

(عهِدت بِهِ الْبيض الدمى فَوَجَدته ... من الْأَهْل كالجيد الْأَغَر الْمُعَطل) (وَبَات سميري فِيهِ ضار غضنفر ... لَهُ منظر وعر وناب كمعول) (وعينان كلما وتين توقدا ... ظلاماً فَلم نحتج إِلَى ضوء مشتعل) (وسَاق شَدِيد الْبَطْش عبل مفتل ... كحبل الْجَوَارِي الْمُنْشَآت المجدل) (كَأَن عِظَام الْوَحْش حول عرينه ... بقايا بِنَاء ألقيت حول هيكل) (أَتَانِي فَلم يبصر فؤاداً مروّعاً ... فَقَامَ مقَام السَّائِل المتطفل) (فَقلت لَهُ عذرا أُسَامَة إِنَّنِي ... أرى جمل زادي قادحاً فِي التَّوَكُّل) (أقِم فَلَعَلَّ الله يرزقنا مَعًا ... فَإِن لنا رزقا على المتَوَكل) (فعنّ لَهُ سرب كأنّ نعاجه ... غوان تهادى فِي الحلى حول جدول) (فثار فَلَمَّا أبصرته تلاحقت ... كَمَا انْسَلَّ در من نظام مفصل) (فناديته صبرا وللضيف حُرْمَة ... فَلَا تتكلف هم قوت ومأكل) (وَقمت إِلَيْهَا طَالبا فَوق ضامر ... كَمَا انقض صقر أجدل فَوق أجدل) (وفوّقت سَهْما مصمياً نَحْو بَعْضهَا ... وَمن وعد الضَّيْف الْقرى فليعجل) (وقاسمته زادي وَبَات مقابلي ... كَمَا قَابل المقرور نَارا ليصطلي) (وأوسعني شكرا وَمَا كَانَ ناطقاً ... وَلَكِن لِسَان الْحَال أصدق مقول) (وسرت وسرا الصُّبْح فِي خاطر الدجى ... وَنجم السما يرنو بمقلة أَحول) (وَإِنِّي مُقيم للصديق على الوفا ... سريع إِذا سَاءَ الْجوَار ترحلي) (وَلَيْسَ ارتحالي عَن ملالٍ وَإِنَّمَا ... رَأَيْت مَكَان الذل أَسْوَأ منزل) (وَمن كَانَ ذَا صَبر على الْجور والجفا ... فَإِنِّي مجدّ فِي خلاف السمندل) (أَلا فِي سَبِيل الله ود صرفته ... لمن خَان ميثاقي وأشمت عذلي) (جَزَاء سنمار جزاني على الْهوى ... وَكَانَ يمنيني وَفَاء السموأل) سنمار رجل رومي بنى الخورنق الَّذِي بِظهْر الْكُوفَة للنعمان بن امرىء الْقَيْس فَلَمَّا فرغ مِنْهُ أَلْقَاهُ من أَعْلَاهُ فخرّ مَيتا وَإِنَّمَا فعل ذَلِك لِئَلَّا يبْنى مثله لغيره فَضربت الْعَرَب بِهِ الْمثل لمن يجزى بِالْإِحْسَانِ الْإِسَاءَة قَالَ الشَّاعِر (جزتنا بَنو سعد بِحسن فعالنا ... جَزَاء سنمار وَمَا كَانَ ذَا ذَنْب) وَيُقَال هُوَ الَّذِي بنى أطماً لأحيحة بن الجلاح فَلَمَّا فرغ مِنْهُ قَالَ لَهُ أحيحة لقد أحكمته فَقَالَ إِنِّي لأعرف فِيهِ حجرا لَو نزع لتقوّض من آخِره فَسَأَلَهُ عَن الْحجر فَأرَاهُ
следующие страницы →