← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فِي حَيَاة وَالِده ثمَّ أقبل على الِاشْتِغَال فَقَرَأَ على وَالِده عُلُوم الْعَرَبيَّة وتفقه بالشمس الرَّمْلِيّ وَأخذ التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْأَدب عَن النُّور عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي وَحضر دروس الاستاذ مُحَمَّد الْبكْرِيّ فِي التَّفْسِير والتصوف وَأخذ الحَدِيث عَن النَّجْم الغيطي وَالشَّيْخ قَاسم وَالشَّيْخ حمدَان الْفَقِيه وَالشَّيْخ الطبلاوي لَكِن كَانَ أَكثر اخْتِصَاصه بالشمس الرَّمْلِيّ وَبِه برع وَأخذ التصوف عَن جَمِيع وتلقن الذّكر من قطب زَمَانه الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الشعراوي ثمَّ أَخذ طَرِيق الخلوتية عَن الشَّيْخ مُحَمَّد المناخلي أخى عبد الله وأخلاه مرَارًا ثمَّ عَن الشَّيْخ محرم الرُّومِي حِين قدم مصر بِقصد الْحَج وَطَرِيق البيرامية عَن الشَّيْخ حُسَيْن الرُّومِي المنتشوى وَطَرِيق الشاذلية عَن الشَّيْخ مَنْصُور الغيطي وَطَرِيق النقشبندية عَن السَّيِّد الحسيب النسيب مَسْعُود الطاشكندي وَغَيرهم من مَشَايِخ عصره وتقلد النِّيَابَة الشَّافِعِيَّة بِبَعْض الْمجَالِس فسلك فِيهَا الطَّرِيقَة الحميدة وَكَانَ لَا يتَنَاوَل مِنْهَا شَيْئا ثمَّ رفع نَفسه عَنْهَا وَانْقطع عَن مُخَالطَة النَّاس وانعزل فِي منزله وَأَقْبل على التَّأْلِيف فصنف فِي غَالب الْعُلُوم ثمَّ ولي تدريس الْمدرسَة الصالحية فحسده أهل عصره وَكَانُوا لَا يعْرفُونَ مزية عمله لانزوائه عَنْهُم وَلما حضر الدَّرْس فِيهَا ورد عَلَيْهِ من كل مَذْهَب فضلاؤه منتقدين عَلَيْهِ وَشرع فِي إقراء مُخْتَصر الْمُزنِيّ وَنصب الجدل فِي الْمذَاهب وَأتي فِي تَقْرِيره بِمَا لم يسمع من غَيره فأذعنوا لفضله وَصَارَ إجلاء الْعلمَاء يبادرون لحضوره وَأخذ عَنهُ مِنْهُم خلق كثير مِنْهُم الشَّيْخ سُلَيْمَان البابلي وَالسَّيِّد إِبْرَاهِيم الطاشكندي وَالشَّيْخ عَليّ الأَجْهُورِيّ وَالْوَلِيّ المعتقد أَحْمد الْكَلْبِيّ وَولده الشَّيْخ مُحَمَّد وَغَيرهم وَكَانَ مَعَ ذَلِك لم يخل من طَاعن وحاسد حَتَّى دس عَلَيْهِ السم فتوالي عَلَيْهِ بِسَبَب ذَلِك نقص فِي أَطْرَافه وبدنه من كَثْرَة التَّدَاوِي وَلما عجز صَار وَلَده تَاج الدّين مُحَمَّد يستملي مِنْهُ التآليف ويسطرها وتآليفه كَثِيرَة مِنْهَا تَفْسِيره على سُورَة الْفَاتِحَة وَبَعض سُورَة الْبَقَرَة وَشرح على شرح العقائد للسعد التَّفْتَازَانِيّ سَمَّاهُ غَايَة الْأَمَانِي لم يكمل وَشرح على نظم العقائد لِابْنِ أبي شرِيف وَشرح على الْفَنّ الأول من كتاب النقاية للجلال السُّيُوطِيّ وَكتاب سَمَّاهُ أَعْلَام الْأَعْلَام بأصول فني الْمنطق وَالْكَلَام وَشرح على متن النخبة كَبِير سَمَّاهُ نتيجة الْفِكر وَآخر صَغِير وَشرح على شرح النخبة سَمَّاهُ اليواقيت والدرر وَشرح عَليّ الْجَامِع الصَّغِير ثمَّ اخْتَصَرَهُ فِي أقل من ثلث حجمه وَسَماهُ التَّيْسِير وَشرح قِطْعَة من زَوَائِد الْجَامِع الصَّغِير وَسَماهُ مِفْتَاح السَّعَادَة

стр. 912

بشرح الزياد وَله كتاب جمع فِيهِ ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث وَبَين مَا فِيهِ من الزِّيَادَة على الْجَامِع الْكَبِير وعقب كل حَدِيث بِبَيَان رتبته وَسَماهُ الْجَامِع الْأَزْهَر من حَدِيث النَّبِي الأنور وَكتاب آخر فِي الْأَحَادِيث الْقصار عقب كل حَدِيث بِبَيَان رتبته سَمَّاهُ الْمَجْمُوع الْفَائِق من حَدِيث خَاتِمَة رسل الْخَلَائق وَكتاب انتقاه من لِسَان الْمِيزَان وَبَين فِيهِ الْمَوْضُوع وَالْمُنكر والمتروك والضعيف ورتبه كالجامع الصَّغِير وَكتاب فِي الْأَحَادِيث الْقصار جمع فِيهِ عشرَة آلَاف حَدِيث فِي عشر كراريس كل كراسة ألف حَدِيث كل حَدِيث فِي نصف سطر يقْرَأ طرداً وعكساً سَمَّاهُ كنز الْحَقَائِق فِي حَدِيث خير الْخَلَائق وَشرح على نبذة شيخ الْإِسْلَام الْبكْرِيّ فِي فضل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَكتاب فِي فضل لَيْلَة الْقدر سَمَّاهُ أسفار الْبَدْر عَن لَيْلَة الْقدر وَشرح على الْأَرْبَعين النووية ورتب كتاب الشهَاب الْقُضَاعِي وَشَرحه وَسَماهُ إمعان الطلاب بشرح تَرْتِيب الشهَاب وَله كتاب فِي الْأَحَادِيث القدسية وَشرح الْكتاب الْمَذْكُور وَشرح الْبَاب الأول من الشفا وَشرح الشمايل لِلتِّرْمِذِي شرحين أَحدهمَا مزج وَالْآخر قولات لكنه لم يكمل وَشرح ألفية السِّيرَة لجده الْعِرَاقِيّ شرحين أَحدهمَا قولات وَالْآخر مزج سَمَّاهُ الفتوحات السبحانية فِي شرح نظم الدُّرَر السّنيَّة فِي السِّيرَة الزكية وَشرح الخصائص الصُّغْرَى للجلال السُّيُوطِيّ شرحين صَغِير سَمَّاهُ فتح الرؤف الْمُجيب بشرح خَصَائِص الحبيب وَشرح كَبِير سَمَّاهُ توضيح فتح الرؤف الْمُجيب وَاخْتصرَ شمائل التِّرْمِذِيّ وَزَاد عَلَيْهِ أَكثر من النّصْف وَسَماهُ الرَّوْض الباسم فِي شمايل الْمُصْطَفى أبي الْقَاسِم وَخرج أَحَادِيث القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ وَكتاب الْأَدْعِيَة المأثورة بالأحاديث المأثورة وَكتاب آخر سَمَّاهُ بالمطالب الْعلية فِي الْأَدْعِيَة الزهية وَكتاب فِي اصْطِلَاح الحَدِيث سَمَّاهُ بغية الطالبين لمعْرِفَة اصْطِلَاح الْمُحدثين وَشرح على وَرَقَات إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَآخر على وَرَقَات شيخ الْإِسْلَام ابْن أبي شرِيف وَاخْتصرَ التَّمْهِيد للأسنوي لكنه لم يكمله وَله كتاب فِي الْأَوْقَاف سَمَّاهُ تيسير الْوُقُوف على غوامض احكام الْوُقُوف وَهُوَ كتاب لم يسْبق إِلَى مثله وَشرح زبد ابْن أرسلان الَّتِي نظم فِيهَا أَرْبَعَة عُلُوم أصُول الدّين وأصول الْفِقْه وَالْفِقْه والتصوف وَسَماهُ فتح الرؤف الصَّمد بشرح صفوة الزّبد وَشرح التَّحْرِير لشيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا سَمَّاهُ إِحْسَان التَّقْرِير بشرح التَّحْرِير ثمَّ شرح نظمه للعمريطي بالتماس بعض الْأَوْلِيَاء وَسَماهُ فتح الرؤف

стр. 913

الْخَبِير بشرح كتاب التَّيْسِير نظم التَّحْرِير وصل فِيهِ إِلَى كتاب الْفَرَائِض وكمله ابْنه تَاج الدّين مُحَمَّد وَشرح على عماد الرضي فِي آدَاب الْقَضَاء سَمَّاهُ فتح الرؤف الْقَادِر لعَبْدِهِ هَذَا الْعَاجِز الْقَاصِر وَشرح على الْعباب سَمَّاهُ اتحاف الطلاب بشرح كتاب الْعباب انْتهى فِيهِ إِلَى كتاب النِّكَاح وحاشية عَلَيْهِ لكنه لم يكملها وَشرح على الْمنْهَج انْتهى فِيهِ إِلَى الضَّمَان وحاشية على شرح الْمنْهَج لم تكمل وَكتاب فِي أَحْكَام الْمَسَاجِد سَمَّاهُ تَهْذِيب التسهيل وَكتاب فِي مَنَاسِك الْحَج على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة سَمَّاهُ اتحاف الناسك بِأَحْكَام الْمَنَاسِك وَشرح على الْبَهْجَة الوردية سَمَّاهُ الْفَتْح السماوي بشرح بهجة الطَّحَاوِيّ ثمَّ اخْتَصَرَهُ فِي نَحْو ثلث حجمه وَكِلَاهُمَا لم يكمل وَكتاب فِي أَحْكَام الْحمام الشَّرْعِيَّة والطبية سَمَّاهُ النزهة الزهية فِي أَحْكَام الْحمام الشَّرْعِيَّة والطبية وَشرح على هَدِيَّة الناصح للشَّيْخ أَحْمد الزَّاهِد لكنه لم يكمل وَشرح على تَصْحِيح الْمِنْهَاج سَمَّاهُ الدّرّ المصون فِي تَصْحِيح القَاضِي ابْن عجلون لكنه لم يكمل وَشرح على مُخْتَصر الْمُزنِيّ لم يكمل وَاخْتصرَ الْعباب وَسَماهُ جمع الْجَوَامِع وَلم يكمل وَكتاب فِي الألغاز والحيل سَمَّاهُ بُلُوغ الأمل بِمَعْرِِفَة الألغاز والحيل وَكتاب فِي الْفَرَائِض وَشرح على الشمعة المضية فِي علم الْعَرَبيَّة للسيوطي سَمَّاهُ المحاضر الوضية فِي الشمعة المضية وَكتاب جمع فِيهِ عشرَة عُلُوم أصُول الدّين وأصول الْفِقْه والفرائض والنحو والتشريح والطب والهيئة وَأَحْكَام النُّجُوم والتصوف وَكتاب فِي فضل الْعلم وَأَهله وَكتاب اختصر فِيهِ الْجُزْء الأول من الْمُبَاح فِي علم الْمِنْهَاج للجلدكي وَشرح على الْقَامُوس انْتهى فِيهِ إِلَى حرف الذَّال وَاخْتصرَ الأساس ورتبه كالقاموس وَسَماهُ أَحْكَام الأساس وَكتاب الْأَمْثَال وَكتاب سَمَّاهُ عماد البلاغة وَكتاب فِي أَسمَاء الْبلدَانِ وَكتاب فِي التعاريف سَمَّاهُ التَّوْقِيف على مهمات التعاريف وَكتاب فِي أَسمَاء الْحَيَوَان سَمَّاهُ قُرَّة عين الْإِنْسَان بِذكر أَسمَاء الْحَيَوَان وَكتاب فِي أَحْكَام الْحَيَوَان سَمَّاهُ الْإِحْسَان بِبَيَان أَحْكَام الْحَيَوَان وَكتاب فِي الْأَشْجَار سَمَّاهُ غَايَة الْإِرْشَاد إِلَى معرفَة أَحْكَام الْحَيَوَان والنبات والجماد وَكتاب فِي التَّفْصِيل بَين الْملك وَالْإِنْسَان وَكتاب الْأَنْبِيَاء سَمَّاهُ فردوس الْجنان فِي مَنَاقِب الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين فِي الْقُرْآن وَكتاب الطَّبَقَات الْكُبْرَى سَمَّاهُ الْكَوَاكِب الدرية فِي تراجم السَّادة الصُّوفِيَّة وَكتاب الصفوة بمناقب بَيت آل النُّبُوَّة وأفرد السيدة فَاطِمَة بترجمة وَالْإِمَام الشَّافِعِي بترجمة وَكَذَا

стр. 914

الشَّيْخ عَليّ الْخَواص شيخ الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الشعراني وَله شرح على منَازِل السائرين وَحكم ابْن عَطاء الله وترتيب الحكم للشَّيْخ على التقى سَمَّاهُ فتح الحكم بشرح تَرْتِيب الحكم لكنه لم يكمل وَشرح على رِسَالَة ابْن سينا فِي التصوف سَمَّاهُ إرْسَال أهل التَّعْرِيف وَشرح قصيدة العينية وَله شرح على المواقف التقوية لم يكمل وَشرح على رِسَالَة الشَّيْخ ابْن علوان فِي التصوف وَكتاب منحة الطالبين لمعْرِفَة أسرار الطواعين وَكتاب فِي التشريح وَالروح وَمَا بِهِ من صَلَاح الْإِنْسَان وفساده وَكتاب فِي دَلَائِل خلق الْإِنْسَان وَشرح على ألفية ابْن الوردي فِي المنامات وَشرح على منظومة ابْن الْعِمَاد فِي آدَاب الْأكل سَمَّاهُ فتح الرؤف الْجواد وَهُوَ أول كتاب شَرحه فِي الْآدَاب وَكتاب فِي آدَاب الْمُلُوك سَمَّاهُ الْجَوَاهِر المضية فِي بَيَان الْآدَاب السُّلْطَانِيَّة وَكتاب فِي الطِّبّ سَمَّاهُ بغية الْمُحْتَاج إِلَى معرفَة أصُول الطِّبّ والعلاج وَكتاب سَمَّاهُ الدّرّ المنضود فِي ذمّ الْبُخْل ومدح الْجُود وَكتاب فِي تَارِيخ الْخُلَفَاء وَتَذْكِرَة فِيهَا رسائل عَظِيمَة النَّفْع يَنْبَغِي أَن يفرد كل مِنْهَا بالتأليف وَله مؤلفات أخر غير هَذِه وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أعظم عُلَمَاء هَذَا التَّارِيخ آثارا ومؤلفاته غالبها متداولة كَثِيرَة النَّفْع وَلِلنَّاسِ عَلَيْهَا تهافت زَائِد ويتغالون فِي أثمانها وأشهرها شرحاه على الْجَامِع الصَّغِير وَشرح السِّيرَة الْمَنْظُومَة للعراقي وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي صَبِيحَة يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع الْأَزْهَر يَوْم الْجُمُعَة وَدفن بِجَانِب زاويته الَّتِي أَنْشَأَهَا بِخَط الْمقسم الْمُبَارك فِيمَا بَين زاويتي سَيِّدي الشَّيْخ أَحْمد الزَّاهِد وَالشَّيْخ مَدين الأشموني وَقيل فِي تَارِيخ مَوته مَاتَ شَافِعِيّ الزَّمَان رَحمَه الله تَعَالَى عبد السَّلَام بن إِبْرَاهِيم بن إِبْرَاهِيم اللَّقَّانِيّ الْمصْرِيّ الْمَالِكِي الْحَافِظ المتقن الفهامة شيخ الْمَالِكِيَّة فِي وقته بِالْقَاهِرَةِ كَانَ فِي مبدأ أمره على مَا حكى من أهل الْأَهْوَاء المارقين وَلم يتَّفق أَنه رؤى بِمصْر فِي مَكَان إِلَّا فِي درس وَالِده الْبُرْهَان وَكَانَ إِذا انْتهى الدَّرْس ينفقد فَلَا يُوجد ويمضي لما كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ أَبوهُ فتصدر فِي مَكَانَهُ بِجَامِع الْأَزْهَر للتدريس وَنزع عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي أَيَّام شبابه وَظهر مِنْهُ مَا لَا يخمن فِيهِ من الْعلم وَالتَّحْقِيق وَلَزِمَه غَالب الْجَمَاعَة الَّذين كَانُوا يحْضرُون درس وَالِده وانتفع بِهِ خلق كثير وَكَانَ إِمَامًا كَبِيرا مُحدثا باهرا أصوليا إِلَيْهِ النِّهَايَة وَله تآليف حَسَنَة الْوَضع مِنْهَا شرح الْمَنْظُومَة الجزائرية فِي العقائد وَله ثَلَاثَة

стр. 915

شُرُوح على عقيدة وَالِده الْجَوْهَرَة وَكَانَ ذَا شهامة ونفسانية كثير الْخط على عُلَمَاء عصره وَكَانَت لَهُ شدَّة وهيبة لَا سِيمَا فِي دروسه فَكَانَ لَا يقدر أحد من الْحَاضِرين أَن يسْأَله أَو يرد عَلَيْهِ هَيْبَة لَهُ وَكَانَ كبار الْمَشَايِخ من أهل وقته يحترمون ساحته وينقادون لرأيه وَسمعت بعض الْأَشْيَاخ المصريين يَقُول أَنه لَو كَانَ على وتيرة وَالِده من الأكباب على الإفادة لفاته بمراحل على أَنه كَانَ فِي طبقته فضلا ومهابة وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي نَهَار الْجُمُعَة خَامِس عشرى شَوَّال سنة ثَمَان وَسبعين وَألف وَحكى شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة يحيى الشاوي المغربي روح الله تَعَالَى روحه أَنه رَآهُ بعد مَوته فِي الْمَنَام فأنشده (حَدثنِي ذَا الْمُصْطَفى ... من لَفظه ألف حَدِيث) (وقصده بحفظها ... سيري إِلَيْهِ بالحثيث) عبد السَّلَام بن عبد النَّبِي المرعشي المولد نزيل دمشق وَأحد أَعْيَان الْجند بِالشَّام كَانَ وَالِده فِي الأَصْل من البوابين بالأبواب السُّلْطَانِيَّة قدم إِلَى دمشق وَصَارَ بهَا رَئِيس المحاضر وتديرها وَلما مَاتَ خلف أَوْلَادًا كَثِيرَة وَكَانَ عبد السَّلَام أكبرهم فانحاز إِلَى خدمَة الْأَمِير فروخ أَمِير الْحَاج الشَّامي وَصَارَ كَاتبا عِنْده وَاسْتمرّ فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْأَمِير الْمَذْكُور بِمَكَّة فأقيم مكانة أَمِيرا وَقدم بالركب إِلَى دمشق ثمَّ قطنها وَصَارَ من الْجند واقتنى دَارا بدرب الْوَزير وَكَانَ فِي بعض الْأَحَايِين يتَرَدَّد إِلَى نابلس لعلاقة كَانَت لَهُ بهَا ثمَّ سَافر إِلَى مصر فِي خدمَة حاكمها دالي حُسَيْن باشا وتقرب إِلَيْهِ فَأَحبهُ وَأَدْنَاهُ وَلما عزل أَصْحَبهُ مَعَه إِلَى الرّوم وسافر مَعَه إِلَى روان وبغداد وَعَاد إِلَى دمشق مُتَوَلِّيًا على أوقاف السُّلْطَان سليم وَصَارَ بعد ذَلِك باش جاويش وَتوجه بِهَذِهِ الْخدمَة إِلَى الْحَج عدَّة سِنِين ثمَّ صَار كتخدا الْجند وتنقل فِي مناصبهم كثيرا حَتَّى اسْتَقر آخرا يياباشيا وَكَبرت دولته وَعلا صيته وانعقد على صدارته الْإِجْمَاع وَلم يكن أحد تعين تعينه فَإِنَّهُ انحصرت فِيهِ أُمُور الشَّام بأجمعها وَتصرف تَصرفا فاعجيبا عَاما بِحَيْثُ لم يُخَالف فِي رَأْي يقترحه وَأنْشد فِيهِ بعض الأدباء هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مغيرا لَهما عَن أَصلهمَا وهما (يَا سائلي عَن جلق ... وَمن بهَا من الْأَنَام) (هاك الْجَواب عَاجلا ... عبد السَّلَام وَالسَّلَام) والبيتان أَصلهمَا للشَّيْخ أَحْمد الْمقري قالهما فِي بني الفصين كبراء غَزَّة وَسَيَأْتِي

стр. 916

خبرهما فِي تَرْجَمَة الرئيس مُحَمَّد بن الفصين وَكَانَ عبد السَّلَام لما وجهت نِيَابَة الشَّام لمرتضى باشا الكرحي ثَانِيًا فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف وَتصرف بهَا متسلمه اضْطربَ لذَلِك اضطرابا شَدِيدا لما كَانَ وَقع لَهُ مَعَه من المعاداة فِي تَوليته الأولى فَأخذ يدبر أَشْيَاء لمدافعته ثمَّ أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى أَن جمع جمعا عَظِيما بالجامع الْأمَوِي وأحضر أَكثر أهل الْبَلدة وَذكر لَهُم ظلمه وَأَشَارَ عَلَيْهِم بِأَن لَا يرضوه حَاكما عَلَيْهِم وَكَانَ نَائِب الشَّام السَّابِق الْمَعْرُوف بالسلاحدار لم يخرج بعد من دمشق وَكَانَ مُقيما بالميدان الْأَخْضَر فَذهب الْقَوْم إِلَيْهِ وأبرموا عَلَيْهِ بِأَن يبْقى نَائِبا وَكَتَبُوا فِي هَذَا الشَّأْن عرُوضا ومحاضر وأرسلوها إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة وَخرج متسلم مرتضى باشا هَارِبا وَلما وصل إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الطَّرِيق أرسل إِلَى الْبَاب السلطاني يعلمهُمْ بِمَا وَقع فقرر فِي نِيَابَة الشَّام بِخَط شرِيف فَلم يمكنوه وأظهروا الممانعة وجمعوا جمعا عَظِيما من أوباش الشَّام وعزموا على محاربته وطلعوا إِلَى قَرْيَة دَوْمًا وهم فِي جَيش عَرَمْرَم وَكَانَ مرتضى باشا وصل إِلَى القطيفة فَلَمَّا بلغه خبرهم ولى رَاجعا وَسَار إِلَى أَن وصل إِلَى أدنة وَعَاد الْجمع فِي صَبِيحَة توجههم إِلَى دمشق ثمَّ بعد مُدَّة وجهت نِيَابَة الشَّام إِلَى أَحْمد باشا ابْن الطيار وَأعْطى مرتضى باشا كَفَالَة ديار بكر مَكَانَهُ وَتعين ابْن الطيار إِلَى السّفر السلطاني وَأمر الْعَسْكَر الشَّامي بِالسَّفرِ مَعَه وَكَانَ عبد السَّلَام أحد من تعين للسَّفر فَأرْسل بَدَلا عَنهُ وَلم يُسَافر بِنَفسِهِ خوفًا من إِيقَاع المكيدة بِهِ وانحاز ابْن الطيار إِلَى حسن باشا الْخَارِج على الدولة الْمُقدم ذكره فعزل عَن نِيَابَة الشَّام وَولي مَكَانَهُ عبد الْقَادِر باشا وَقدم إِلَى دمشق وَكَانَ عبد السَّلَام وأحزابه فِي قلق عَظِيم من طرف السلطنة لما فَعَلُوهُ فأرسلوا من جانبهم جمَاعَة لاستعطاف خاطر الدولة عَلَيْهِم وَكَانَ الْأَمر تشدد عَلَيْهِم كثيرا فبرز أَمر السُّلْطَان بقتل عبد السَّلَام ورفيقه عبد الْبَاقِي بن إِسْمَاعِيل كَاتب الْجند وَجَمَاعَة كَثِيرَة من أحزابهما وَورد الْأَمر إِلَى عبد الْقَادِر باشا فَقَتلهُمْ وَضبط جَمِيع أملاكهم وَأَمْوَالهمْ وَكَانَ الَّذِي ضبط شَيْئا كثيرا وخمدت نَار الْفِتْنَة بِقَتْلِهِم وَكَانَ مقتلهم فِي صَبِيحَة السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن عبد السَّلَام وَعبد الْبَاقِي بمقبرة بَاب الصَّغِير وألحقوا بعد مُدَّة أَيَّام بِجَمَاعَة أُخْرَى قتلوا وَالله أعلم عبد الصَّمد بن عبد الله با كثير اليمني خَاتِمَة مفلقي الشُّعَرَاء بِالْيمن ونابغة الْعَصْر وباقعة الزَّمن يَنْتَهِي نسبه إِلَى كِنْدَة وَهُوَ نسب تقف الفصاحة قَدِيما وحديثا

стр. 917

عِنْده وَكَانَ كَاتب الْإِنْشَاء للسُّلْطَان عمر بن بدر ملك الشحر وشاعره الَّذِي تنفث فِي مدائحه سحر الْبَيَان وَبَيَان السحر وَله ترسل وإنشاء تصرف فِي إعجازهما كَيفَ شَاءَ وديوان شعره مَشْهُور تتلو محاسنه ألسن الْأَيَّام والشهور وَلم يزل كَاتبا للسطان الْمَذْكُور فِي عَهده ثمَّ لوَلَده عبد الله بن عمر من بعده حَتَّى انْقَضى أَجله وعمره وَهوى من أفق الْحَيَاة قمره فَمن شعره قَوْله من قصيدة (رعيا لأيام تقضت بالحمى ... فرنا بهَا ووشاتنا غفلاء) (جاد الزَّمَان بهَا وأسعفنا بِمن ... نهوى وَلم تشعر بِنَا الرقباء) (وَمنا دمى يدر على غُصْن على ... حقف لَهُ قلبِي العميد خباء) (عذب الْمقبل عاطر الأنفاس درياق ... النُّفُوس شفاهه اللعساء) (متبسم عَن أشنب شنب لَهُ ... مهما تَبَسم فِي الدجى لألاء) (مَا مسك دارين بأطيب نكهة ... مِنْهُ وَقد ضَاعَت لَهُ رِيَاء) (عبر النسيم يجر فضل رِدَائه ... فحبته من كافورها الأنداء) (فتعطرت من طيب فائح نشره ... أَرْوَاحنَا وسرت لَهُ السَّرَّاء) (فسقى الْإِلَه مراتع الغزلان من ... وَادي النقا وهمت بهَا الأنواء) (وتهللت برياضها سحب الحيا ... وسرت عَلَيْهَا دِيمَة وطفاء) (حَتَّى يَرَاهَا الطّرف ابهج رَوْضَة ... فيروقها الأصباح والأمساء) (وَالطير عاكفة بِكُل حديقة ... فَكَأَنَّهَا بلحونها قراء) (وَالرَّوْض مبتهج الحيا فَكَأَنَّمَا ... وَأرَاهُ من غمر الندى داماء) وَقَوله من أُخْرَى (هذي المرابع والكثيب إِلَّا وعس ... وظبا الْخيام الآنسات الكنس) (قف بِي عَلَيْهَا سَاعَة فَلَعَلَّ أَن ... يَبْدُو لي الخشف الأغن إِلَّا لعس) (فلطالما عفت الْكرَى عَن ناظري ... شوقا إِلَيْهِ ومدمعي يتحبس) (ينهل سَحا مثل منهمر الحيا ... فَوق المحاجر مُطلقًا لَا يحبس) (وأغن ناعس طرفه سلب الْكرَى ... عَنى فطرفي ساهر لَا يَنْعس) (أشتاقه مَا لَاحَ صبح مُسْفِر ... فِي أفقه أَو جن ليل حندس) مِنْهَا (يَا عاذلي دَعْنِي وشأني أَن لي ... قلبا بِغَيْر الْحبّ لَا يسْتَأْنس) (لَك قدرَة أَن لَا تلوم وَلَيْسَ لي ... صَبر بِهِ دون الورى أتلبس)

стр. 918

(كَيفَ السلو عَن الْأَحِبَّة بَعْدَمَا ... دارت عَليّ من الصبابة أكؤس) (نقل الصِّبَا نشر الحبيب وحبذا ... نشربه ريح الصِّبَا تتنفس) (آها وَلَا يجدي التأوه والأسى ... فالصبر أجمل والتحمل أَكيس) وَقَوله أَيْضا (جاد الْغَمَام مراتع الغزلان ... ومرابع الرشا الأغن الغاني) (وسرى عَلَيْهَا كل أسحم هاطل ... غدق يسح بوابل هتان) (يحيى ربوعا طالما لعبت بهَا الغيد ... الحسان نواعس الأجفان) (من كل فاتنة اللحاظ إِذا رنت ... سلبت بِسحر اللحظ كل جنان) (فَكَأَنَّهَا الأقمار تطلع فِي دجى ... ليل من المسترسل الغثيان) (وكأنما تِلْكَ القدود إِذا انْثَنَتْ ... قضب تمايل فِي ربى الكثبان) (وبمهجتي خشف أغن مهفهف ... أصمي فُؤَادِي إذر نافر ماني) (ظَبْي من الْأَعْرَاب فِي وجناته ... قوت الْقُلُوب وسلوة الأحزان) (بِاللَّه مَا طالعت طلعة وَجهه ... إِلَّا ورحت براحة النشوان) (مَاء الشبيبة فَوق ورد خدوده ... يجْرِي على متلهب النيرَان) (ذَابَتْ عَلَيْهِ حشاشتي وجدابه ... وصبابة وجفا الْكرَى أجفان) (لم أنس أَيَّام التواصل واللقا ... والشمل مُجْتَمع بوادي البان) (ومنادمي من قد هويت وبيننا الصّرْف ... الْكُمَيْت تدار فِي الأدنان) (شمس مطالعها سعود كؤسها ... بَين الندامى فِي بروج تهاني) (فِي رَوْضَة مفروشة أرجاؤها ... بالورد والمنثور وَالريحَان) (يتراقص الندماء من طرب بهَا ... بتراجع النغمات والعيدان) (لم لَا يواصلنا السرُور وَنحن فِي ... الفردوس بَين الْحور والولدان) وَقَوله من قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا (أشتاق من سَاكِني ذَاك الْحمى خيما ... لأَجلهَا زَاد شوقي فِي الحشا ونما) (ولاعج الشوق والتبريح من كمد ... أجْرى من الْعين مَعًا يخجل الديما) (مَا جن ليلِي إِلَّا بت من كلف ... أرعى النُّجُوم بِطرف يستهل دَمًا) (لَوْلَا هوى شادن فِي الْقلب مرتعه ... مَا اشْتقت وَادي النقا واليان والعلما) (نَفسِي الْفِدَاء لظبي وَجهه قمر ... وبرجه فِي سما قلبِي العميد سما) (يصمي فُؤَادِي بنبل من لواحظه ... عَن قَوس حَاجِبه مهما رنا وَرمى)

стр. 919

(فِي ثغره الدّرّ منظوماً فيا لَك من ... ثغر شنيب يُرِيك الدّرّ منتظماً) (جلّ الَّذِي صاغه بَدْرًا على غُصْن ... على كثيب بأبداه لنا صنما) (لم يكسه الْحسن ثوبا من مطارفه ... إِلَّا كسا جَسَدِي من عشقه سقماً) وَقَوله من أُخْرَى مستهلها (عاذل فِي الغرام مهلا فقلبي ... حَملته الأحباب مَا لَا يُطيق) (كَيفَ يصغي إِلَى اللوائم صب ... فِي حشاه من الْفِرَاق حريق) (سلبته اللواحظ البابليات ... وأردى بِهِ القوام الرشيق) (وسباه أغن أحوى رداح ... ينشد الْعِشْق حسنه المعشوق) (قد كَفاهُ عَن المهند لحظ ... وَعَن الرمْح قدة الممشوق) (روض خديه جنَّة لَاحَ فِيهَا ... جلنار وسوسن وشقيق) (وَله مبسم يضيء سناه ... عَن شنيب حَكَاهُ درنسيق) وَكَانَت وَفَاته بالشحر فِي سنة خمس وَعشْرين وَألف وَقد عمر طَويلا عبد الصَّمد بن مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد وَتقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة ابْن عَمه أَحْمد بن صَالح العلمي الْقُدسِي ابْن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد العلمي الْأُسْتَاذ الشهير كَانَ مَعَ وَالِده بِدِمَشْق لما كَانَ قاطنا بهَا واستخلفه أَبوهُ بعد الْألف وَكَانَ يجلس فِي حلقه الذّكر وَحده أَو مَعَ أَبِيه وَهُوَ غض الحداثة بارع الْحسن وَعَلِيهِ وقار الْأَشْيَاخ وَلما حج وَالِده فِي سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف حج مَعَه وجاور أَبوهُ وَرجع هُوَ ثمَّ رَجَعَ أَبوهُ فِي السّنة الثَّانِيَة وَلم يلبثا بِدِمَشْق بل رحلا إِلَى بَيت الْمُقَدّس وتوطنا بهَا وَتُوفِّي عبد الصَّمد فِي حَيَاة وَالِده وَكَانَت وَفَاته فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى عبد الْعَزِيز بن حسام الدّين الْمَعْرُوف بقره حَلَبِيّ زَاده الرُّومِي أحد مفتي التخت العثماني وَهُوَ من بَيت كَبِير فِي الرّوم أسلافه كلهم صُدُور أجلاء وَكَانَ هُوَ من كبار الْعلمَاء حسن الأرومة طيب الْعرق عذب الشمايل عالي الْقدر كثير التنعم والترفه وَكَانَ مثريا جدا وَله خيرات ومبرات كَثِيرَة خُصُوصا بِمَدِينَة بروسه وَكَانَ معتنيا بالتآليف وَله من الْآثَار المرغوية كتاب الألغاز فِي فقه الْحَنَفِيَّة وَألف تَارِيخا مُخْتَصرا وَآخر مطبولا فِي الدولة العثمانية كِلَاهُمَا بالتركية يحتويان على ضروب من حسن الْإِنْشَاء والترصيع وجعلهما برسم خزانَة السُّلْطَان مُرَاد وَكَانَ ينظم الشّعْر التركي وَله إنْشَاء مشتعذب وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من مشاهير عُلَمَاء الرّوم نَشأ فِي

стр. 920

كنف أَبِيه ولازم من شيخ الْإِسْلَام صنع الله بن جَعْفَر الْمُفْتِي ثمَّ درس إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة السليمانية وَولي مِنْهَا قَضَاء ينكى شهر فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف ثمَّ ولي قَضَاء مَكَّة المشرفة فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقدم إِلَى دمشق وَبَعْدَمَا عزل وردهَا قَافِلًا وَأقَام بهَا مُدَّة وَتوجه إِلَى الْقُدس لزيارة معاهدها فاعترضه قطاع الطَّرِيق قريب الْمنية وَأخذُوا لَهُ بعض أَسبَاب فَعَاد إِلَى دمشق وَلم يحصل على الزِّيَارَة وَكَانَت مُدَّة إِقَامَته بِدِمَشْق مختلطا بأدبائها مُقبلا عَلَيْهِم وَله لديهم منائج وَلَهُم فِيهِ مدائح فَمنهمْ الشاهيني فَإِنَّهُ مدحه بقصيدة حَسَنَة فِي أسلوبها ومستهلها (اقتضبنا المديح وَهُوَ عَزِيز ... حَيْثُ معنى النسيب لَيْسَ يجوز) (ونظمنا من الْكَلَام عقودا ... در مَعْنَاهُ فِي النهى مكنوز) (ونسجنا من القريض برودا ... طرزها لَا يزينه التطريز) (ورغبنا عَن كل مدح مشوب ... بنسيب فمدحنا إبريز) (واجتبينا من بَين كل الموَالِي ... أوحدا يملك العلى ويحوز) (عَالما كل مَا يحوز لَدَيْهِ ... هُوَ شرع وَغَيره لَا يجوز) (حَاز ضدين فِي الْكَلَام فَمَعْنَى ... مسهب وَاسع وَلَفظ وجيز) (قد أذلّ الصعاب من كل معنى ... فلذاك اسْمه الْكَرِيم الْعَزِيز) (لم يعزز بثالث فِي نداه ... بعزيز لحاتم تعزيز) (لَيْلَة الْقدر لَيْلَة فِي حماه ... قد تقضت ويومه نوروز) (هجر الْمَنْع فِي الْكَلَام فمهما ... رام نطقا فَمَنعه تَنْجِيز) (كل أوصافك الحسان العوالي ... عوذ تحفظ العلى وحروز) (أَي نفس غَدَتْ من الْخَيْر صفرا ... تِلْكَ نفس بطوعكم لَا تفوز) (فإليك الَّتِي تحاول كُفؤًا ... وَلها عَن حمى سواك نشوز) (كل معنى يجْرِي بأبلغ وَجه ... فَهُوَ عقد لمدحكم محروز) (قد نماها من ابْن شاهين باز ... عَلمته صيد القوافي بؤز) وَمِنْهُم مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمي فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ قصيدة جَيِّدَة أَو ردتها برمتها اللطافة نسيجها وسلاسة تغزلها ومطلعها (من لقلب مَا بَين سمر وبيض ... من قوام لدن وطرف مَرِيض) (من لمن صادم الْهوى من نصير ... فإليه إِذا سَطَا تفويضي)

стр. 921

(زارني فِي الدجى فَكَانَ كبدر ... التم قد لَاحَ فِي اللَّيَالِي الْبيض) (شادن لَو يُقَابل الشَّمْس والبدر ... لكانا فِي رُتْبَة المستفيض) (سلب الْعقل والفؤاد وخلاني ... لهجرانه الطَّوِيل العريض) (فنهاري نَهَار منتظر فِيهِ وليلى ... لَا ذقت ليل الْمَرِيض) (عاقني عَن شكايتي مَا أُلَاقِي ... عَن سوى مدحك امْتنَاع القريض) (سنَن النسيب كُنَّا نرَاهَا ... سَقَطت لاشتغالنا بالفروض) (هُوَ مولى سما السماكين فضلا ... وعداه من الثرى فِي حضيض) (وانجلت عِنْد فَضله مشكلات ... للمعاني فمالها من غموض) (قَوْله فِي الْعُلُوم يرْوى صَحِيحا ... وسواه بِصِيغَة التمريض) (جمعت ذَاته المكارم حَتَّى ... مَالهَا غير كَفه من مفيض) (وَاسْتحق الْعليا فَإِن أصف الْغَيْر ... بعليا يكن بِهِ تعريضي) (قعدت حاسدوه عَن شأ وعلياه ... قصورا فمالها من نهوض) (وابتني فِي ذرى العلى غرف الْمجد ... وماذا الْبناء بالمنقوض) (جاد طبعا فَعنده اللوم فِي الْجُود ... كحث عَلَيْهِ أَو تحريض) (رام لَو شاطر العميد لذيذ النّوم ... لَو كَانَ مُمكن التَّبْعِيض) (مَا عَزِيز بِمصْر عنْدك يلفي ... بعزيز بل إِنَّه كالنقيض) (فالعزيز الَّذِي يعز بِهِ الْغَيْر ... كمولاي مِنْهُ عزقر يضي) (غرر فاقت الثريا نظاما ... فَهِيَ تزري بِكُل روض أريض) (وقواف كَأَنَّهَا الشهب لاحت ... فِي سما الْمَدْح من بروج الْعرُوض) (هِيَ لي بنت لَيْلَة وَهِي ترضي ... من قبُول بمهرها الْمَقْبُوض) (مَالهَا غير أَن تبقى رَجَاء ... هَل لصافي الْحَيَاة من تعويض) (خاطري أَو جز المديح ولولاك ... لما جَاءَ برقه بالوميض) (لَك عِنْدِي مدى الزَّمَان ثَنَاء ... وثناء عددته من فروضي) ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ ولي قَضَاء قسطنطينية فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَكَانَ السُّلْطَان مُرَاد سَافر فِي أَيَّام قَضَاءَهُ إِلَى أدرنة فأشيع عَنهُ فِي قَضَائِهِ بعض أُمُور ونما خَبَرهَا إِلَى السُّلْطَان فَعَزله ونفاه إِلَى جزير قبرس وَبَقِي بهَا مُدَّة منطرحا وَذكر وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى أَنه وقف لَهُ على قصيدة بالتركية يتظلم فِيهَا الْوُلَاة الْأَمر

стр. 922

من الزَّمَان وَيطْلب عوده إِلَى موطنه وضمنها الْمثل الْمَشْهُور وَهُوَ قَوْلهم ارحموا عَزِيز قوم ذل فشفع فِيهِ أحد أَرْكَان الدولة فأعبدو بعد مُدَّة صَار لَهُ رُتْبَة قَضَاء العسكرين وَلما وَقع مقتل السُّلْطَان إِبْرَاهِيم أظهر نَفسه فِي ذَلِك الغضون وسعى فَصَارَ قَاضِي الْعَسْكَر بروم إيلي وَأعْطى رُتْبَة الْفَتْوَى وَلم يسمع أَنَّهَا صَارَت لَا حد قبله ثمَّ صَار مفتيا فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَبَقِي مفتيا أَرْبَعَة أشهر ثمَّ عزل فِي ثَانِي عشر شهر رَمَضَان وَنفي إِلَى بروسه وَأعْطِي قَضَاء جَزِيرَة ساقز فَأَقَامَ ببروسه إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبعين وَألف تَقْرِيبًا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن يحيى بهران التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ ثمَّ الصعدي ذكره ابْن أبي الرِّجَال فِي تَارِيخه وَقَالَ فِي حَقه القَاضِي الْعَلامَة كَانَ متضلعا من كل الْعُلُوم قَالَ شَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن يحيى حَابِس أَنه كَانَ يعرف جَمِيع عُلُوم الإجتهاد علم إتقان لكنه لَا يستنبط الْأَحْكَام وَهُوَ شيخ الشيوح فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَمن كراماته أَنه كَانَ فِي آخر عمره لَا يستضيء إِلَّا الْعلم حكى تِلْمِيذه السَّيِّد دَاوُد بن الْهَادِي أَنه كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ فِي الزّبد بصعد فَكَانَ يَوْمئِذٍ ينظر فِي حَوَاشِي فِي الْكتاب لَا يميزها إِلَّا حاد الْبَصَر وَأدْركَ ذَلِك ثمَّ خرجا فَأصَاب جملا يحمل لَحْمًا أَو حطبا فَقَالَ لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ لَهُ مقسمًا مَا ميزته وَله فِي الْفِقْه قدم رامخة وَهُوَ الَّذِي أجْرى القوانين فِي آبار صعدة فِي المساقي وَقدر الأحباب الْمَعْرُوفَة من المَاء وَجعل المغارم تَابِعَة للعروض أَيْضا وَذَلِكَ أَنه عرف جَمِيع الصَّنَائِع تَحْقِيقا وذرع المَاء على الطين ثمَّ أَنه كتب شَيْئا من الْحجَج فمدحه ابْن عمر الضمدي بقوله (لله دَرك يَا عبد الْعَزِيز لقد ... وضعت هَذَا الدوا فِي مَوضِع الوجع) بعد أَن كَانَ ابْن عمر مَنعه من المناظرة وَمِمَّا يروي عَنهُ أَنه تشارع إِلَيْهِ بعض العتاة أهل السطوة فَلَمَّا أَرَادَ الحكم على ذَلِك الطاغي أَشَارَ إِلَيْهِ أَنه سيعيد إِلَيْهِ عنبه إِذا حكم قَالَ القَاضِي أخروا الحكم ثمَّ طلب بعض النَّاس وَبَاعَ مِنْهُ الْعِنَب جَمِيعه وَطلب الْخصم وَحكم عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ الْعِنَب قد بعناه من فلَان لَا تغلظ وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن رَجَب سنة عشرَة وَألف بِمَدِينَة صعدة عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد سعد الدّين بن حسن جَان التبريزي الأَصْل القسطنطيني أحد صُدُور الرّوم وعلمائها وَهُوَ وَالِد مُحَمَّد البهائي الْمُفْتِي الْمَشْهُور الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى كَانَ من كبار رُؤَسَاء الْعلمَاء لَهُ الصدارة والتقدم والشهامة التَّامَّة ولي قَضَاء

стр. 923

قسطنطينية فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة بعد الْألف ثمَّ ولي قَضَاء الْعَسْكَر باناطولي فِي سنة خمس عشرَة ثمَّ قَضَاء الرّوم مرَّتَيْنِ وعزل عَن الْأَخِيرَة فِي شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَعشْرين وَكَانَ فِي صدر الدولة العثمانية كل من دعى أَمِير الْأُمَرَاء يتَقَدَّم فِي الْجُلُوس على قَضَاء العساكر إِلَى أَن ولي الْمولى أَحْمد بن مَحْمُود الشهير بقاضي زَاده وَالْمولى مُحَمَّد بن شيخ مُحَمَّد بن الياس الشهير بجوى زَاده قَضَاء العسكرين فَكَانَا سَببا فِي تَقْدِيم قُضَاة العساكر على أُمَرَاء الْأُمَرَاء فِي الْجُلُوس فَوْقهم مَا عدا أَمِير الْأُمَرَاء بروم أيلي وأناطولي إِلَى أَن ولي صَاحب التَّرْجَمَة قَضَاء روم أيلي فاتفق أَن أَمِير الْأُمَرَاء بروم أيلي كَانَ من أسافل النَّاس يُسمى ماريول حُسَيْن باشا فاستنكف صَاحب التَّرْجَمَة من الْجُلُوس دونه فَعرض ذَلِك إِلَى السُّلْطَان أَحْمد فَخرج خطّ شرِيف بِتَقْدِيم قُضَاة العساكر على مُطلق أُمَرَاء الْأُمَرَاء وَكَانَ ذَلِك فِي سنة سبع عشرَة وَألف وَحج صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة خمس وَعشْرين ثمَّ رَجَعَ وَلم يتَوَلَّى بعد ذَلِك منصبا إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد أَبُو فَارس المغربي الْمَعْرُوف بالفشتالي كَاتب الْملك الْمَنْصُور مولَايَ أَحْمد صَاحب الْمغرب الَّذِي يَقُول فِيهِ أَن الفشتالي نفتخر بِهِ على الْمُلُوك ونباري بِهِ لِسَان الدّين بن الْخَطِيب كَمَا ذكره أَبُو الْعَبَّاس الْمقري فِي كِتَابه نفح الطّيب وناهيك بِمثل هَذَا القَوْل من مثل هَذَا الْملك وَهُوَ شَاهد بِكَمَال فضل الْمَقُول فِيهِ وَأَنه فِي نفس الْأَمر كَمَا قيل فِيهِ وَقد ذكره الخفاجي فَقَالَ فِي وَصفه أديب عذب الْبَيَان ماضي شبا اللِّسَان إِلَى أَن قَالَ جر عَلَيْهِ الدَّهْر ذيول إقباله وفوقه فِي الدولة الأحمدية على أقرانه وَأَمْثَاله فَمَا ارتشفه فَم السّمع من مورده العذب الْبَيَان وتشنف من لآلئه الَّتِي أصدافها الْقُلُوب والآذان قَوْله (حِين أزمعت عِنْد خوف البعاد ... وَعَدتنِي من الْفِرَاق العوادي) (قَالَ صحبي وَقد أطلت التفاتي ... أَي شَيْء تركت قلت فُؤَادِي) وَذكر لَهُ عبد الْبر الفيومي فِي المنتزه هَذِه الأبيات وَقَالَ كتب بهَا الأستاذنا نَا الْمقري (يَا نسمَة عطست بهَا أنف الصِّبَا ... فتضمخت بعبيرها فنن الرِّبَا) (هبي على عرصات أَحْمد واشرخي ... شوقي إِلَى رُؤْيَاهُ شرحاً مطنباً) (وصفي لَهُ بالمنحنى من أضلعي ... قلباً على جمر الغضا متقلباً) (بَان الْأَحِبَّة عَنهُ حب قد توى ... عَنهُ وَآخر قد نأى وتغيباً)

стр. 924

(فعساك تسعد يَا زمَان بقربهم ... فَأَقُول أَهلا باللقاء ومرحبا) ثمَّ قَالَ متعرضا للخفاجي فِي اعتراضه على المطلع أَن اسْتِعَارَة العطاس للنسيم لييست بحسنة مَقْبُولَة وَالْمَعْرُوف عطس الصُّبْح وَالْفَجْر إِلَى آخر مَا قَالَه حَيْثُ أُرِيد التَّشْبِيه صَحَّ التشميت فَإِن الْمعَانِي مُتَسَاوِيَة بَين الْأَنَام لَا خُصُوصِيَّة لَهَا بعصر دون عصر كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَقَول المرزوقي فِي شرح الفصيح وعطس الصُّبْح انفجر على التَّشْبِيه كَقَوْل أبي إِسْحَق الْغَزِّي (كم من بكور إِلَى إِحْرَاز منقبة ... جعلته لعطاس الْفجْر تشميتا) لَيْسَ فِيهِ منع لاستعماله على وَجه التَّشْبِيه فِي غير الصُّبْح بل هُوَ أتم فِي الرّيح مِنْهُ فِي الْفجْر لقَوْل الْمَذْكُور يُقَال عطس إِذا فاجأته صَيْحَة من غير إِرَادَة وهبوب الرّيح فَجْأَة كَذَلِك بِخِلَاف الْفجْر فَإِنَّهُ يلوح شَيْئا فَشَيْئًا انْتهى وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة على مَا أنْشدهُ لَهُ ابْن مَعْصُوم فِي السلافة قَوْله فِي بعض المباني المنصورية (مَعَاني الْحسن تظهر فِي المغاني ... ظُهُور السحر فِي حدق الحسان) (مشابه فِي صِفَات الْحسن أضحت ... تمت بهَا المغاني للغواني) (بِكُل عَمُود صبح من لجين ... تكون فِي استقامة خوط بَان) (مفصلة القدود ممثلات ... مُوَاصلَة العناق من التداني) (تردت سابري الْحسن يزري ... بِحسن السابري الخسرواني) (وتعطو الخيزرانة من دماها ... بسالفة القطيع البرهماني) (لمجدك تنتمي لَكِن نماها ... إِلَى صنعاء مَا صنع اليدان) (يدين لَك ابْن ذِي يزن ويعنو ... لَهَا غمدان فِي الأَصْل الْيَمَانِيّ) (غَدَتْ حرما وَلَكِن حل مِنْهَا ... لوفدكم الْأمان مَعَ الْأَمَانِي) (مبان بالخلافة آهلات ... بهَا يَتْلُو الْهدى السَّبع المثاني) (هِيَ الدُّنْيَا وساكنها إِمَام ... لأهل الأَرْض من قاص ودان) (قُصُور حَالهَا فِي الأَرْض شبه ... وَمَا فِي الأَرْض للمنصور ثَان) قَالَ الْمقري فِي كِتَابه نفح الطبب وَقد بَلغنِي وَفَاته وَأَنا بِمصْر عَام ثَلَاثِينَ وَألف وَذكر الشلي أَن وَفَاته كَانَت فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَلم أدر عَمَّن حَرَّره وَالله أعلم عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن عبد السَّلَام بن مُوسَى بن أبي بكر بن أكبر عَليّ بن احْمَد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن دَاوُد الْبَيْضَاوِيّ

стр. 925

الشِّيرَازِيّ الأَصْل ثمَّ الْمَكِّيّ الزمزمي نِسْبَة لبئر زَمْزَم لِأَن جده عَليّ بن مُحَمَّد قدم مَكَّة فِي سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة عَام قدمهَا الْفِيل من الْعرَاق فِي قصَّة ذكرهَا المؤرخون فباشر عَن الشَّيْخ سَالم بن ياقوت الْمُؤَذّن فِي خدمَة بِئْر زَمْزَم فَلَمَّا ظهر لَهُ خَيره نزل لَهُ عَنْهَا وزوجه بابنته فولد مِنْهَا وَلَده أَحْمد الْمَذْكُور وَغَيره من إخْوَته وَصَارَ لَهُم أَمر الْبِئْر وَكَانَ مَعَه أَيْضا سِقَايَة الْعَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَمَا زَالُوا يتوالدون إِلَى أَن ولد عبد الْعَزِيز صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ عريق فِي الْمجد من الطَّرفَيْنِ فَإِن جده لأمه الشهَاب أَحْمد بن حجر الْمَكِّيّ وَكَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب كأسلافه كلهم وَكَانَ إِمَامًا كَبِير الشَّأْن عَالما رَئِيسا نبيها نَشأ بِمَكَّة وَأخذ عَن أساطين علمائها وجد وبرع فِي الْعُلُوم سيمى الْفِقْه وطار صيته وانتفع بِهِ النَّاس طبقَة بعد طبقَة وانتهت إِلَيْهِ رياسة الشَّافِعِيَّة على الْإِطْلَاق وسارت فَتَاوِيهِ وَعمر حَتَّى صَار الْعلم الْفَرد وَألف وَمن جملَة تأليفاته كتابات على التُّحْفَة تأليف جده ابْن حجر الْمَذْكُور وَهِي تدل على سَعَة اطِّلَاعه وَأخذ عَنهُ الشلي وَذكره فِي تَارِيخه عقد الْجَوَاهِر وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا قَالَ وَكَانَت وِلَادَته بِمَكَّة المشرفة فِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة بعد وَفَاة جده ابْن حجر بِثَلَاث سِنِين كَمَا أَخْبرنِي بذلك مشافهة وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَحَد لثمان بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف قلت وَأَبوهُ مُحَمَّد كَانَ رَئِيس مَكَّة فِي عصره أَخذ عَن وَالِده عبد الْعَزِيز وَعَن ابْن حجر وَأخذ عَنهُ النَّجْم الْغَزِّي الدِّمَشْقِي وَتُوفِّي سنة تسع وَألف وَإِنَّمَا ذكرته هُنَا لِأَنَّهُ لم يصلني من خَبره إِلَّا مَا ذكرته وجده عبد الْعَزِيز لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة فِي الْكَوَاكِب السائرة ذكر الْغَزِّي ابْنه مُحَمَّدًا فِي ضمنهَا فأدرجته أَنا فِي الضمن أَيْضا اقْتِدَاء بِالنَّجْمِ وَأَيّمَا كَانَ فقد حصلت على ذكره وَإِذا جَاءَ مَحل ذكره ذكرت اسْمه وأشرت إِلَى ذكره فِي هَذَا الْموضع عبد عَليّ بن نَاصِر بن رَحْمَة الحويزي الأديب الشَّاعِر الْمَشْهُور كَانَ أوحد زَمَانه فِي الْأَدَب الغض وَالشعر البديع وَقد ذكره ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فِي حَقه فَاضل قَالَ من الْفضل بِظِل وريف وكامل حل من الْكَمَال بَين خصب وريف فالإسماع من زهرات أدبه فِي ربيع وَمن ثَمَرَات فَضله فِي خريف إِن أنشأ ينشئ أبدى من فنون السجع ضَرَائِب أَو طفق ينظم أهْدى الشنوف للإسماع والعقود للترائب ومؤلفاته فِي الْأَدَب أحلى من رشف الضَّرْب بل أجل من نيل الأرب وَمَتى جاراه قوم فِي كَلَام الْعَرَب كَانَ النبع وَكَانَ الغرب واتصل بحكام الْبَصْرَة

стр. 926

وولاتها فوصلته بأسنى أفضالها وأهنى صلَاتهَا وهبت عَلَيْهِ من قبلهم رخاء الإقبال وعاش فِي كنفهم بَين نَضرة الْعَيْش ورخاء البال وَلم يزل بهَا حَتَّى انصرمت من الْحَيَاة أَيَّامه وقوضت من هَذِه الدَّار الفانية خيامه وَمن مؤلفاته الْمعول فِي شرح شَوَاهِد المطول وقطر الْغَمَام فِي شرح كَلَام الْمُلُوك مُلُوك الْكَلَام وَغير ذَلِك وَله ديوَان شعر بِالْعَرَبِيَّةِ وانتخب مِنْهُ نبذة سَمَّاهَا بحلي الأفاضل وَله أشعار بالتركية والفارسية ثمَّ أنْشد لَهُ هَذِه القصيدة يمدح بهَا عَليّ باشا ابْن أفرا سياب حَاكم الْبَصْرَة ويستأذنه فِي الْحَج وزياة النَّبِي ومطلعها (لمع الْبَرْق فِي اكف السقاة ... وبدا الصُّبْح فِي سنا الكاسات) (فالبدار البدار حَيّ على الراح ... وهبوا لأكمل اللذا) (نَار مُوسَى بَدَت فَأَيْنَ كليم الذَّات ... يمحو بهَا حجاب الصِّفَات) (صَاح ديك الصَّباح يَا صَاح بِالرَّاحِ ... فَوَات الأفراح قبل الْفَوات) (واصطبحنا اصطباح من رَاح ... لَا يفرق بَين الشموس والذرات) (تلق فِيهَا الْعُقُول منتقشات ... كانتقاش الْأَشْخَاص فِي الْمرْآة) (فَهِيَ الشربة الَّتِي عثر الْخضر عَلَيْهَا ... فِي عين مَاء الْحَيَاة) (وتقصى الاسكندر الْبَحْث عَنْهَا ... فعداها وتاه فِي الظُّلُمَات) (سكنت من حضائر الْقُدس حانا ... جلّ عَن أَن يُقَاس بالحانات) (نور حق بِنَفسِهِ قَامَ مَا احْتَاجَ ... إِلَى كوَّة وَلَا مشكاة) (قبس أشعلته أَيدي التجلي ... فَأَضَاءَتْ بِهِ جَمِيع الْجِهَات) (حجبت بالزجاج وَهِي عيان ... كاحتجاب البذور بالهالات) (يَا نديمي أجل لي عرائس سر ... بغواشي الكؤس محتجبات) (هَات راحي وناد خُذْهَا فَإِنِّي ... لست أنسى يَوْم اللقا خُذ وهات) (فَلَقَد هد ركن نحسي لما ... سعدت بالحبيب كل جهاتي) (هِيَ شهد الشُّهُود بل رَاحَة الْأَرْوَاح ... بل حسن طلعة الْحَسَنَات) (يَا سقاتي لَا تصرفوا الصّرْف عني ... فحياتي فِي رشفها يَا سقاتي) (غير بدع مِمَّن حساها إِذا ارْتَاحَ ... وَقَالَ الْوُجُود بعض هباتي) (قَامَ زين الْعباد من شربهَا قطبا ... عَلَيْهِ دارت رحى الْبَينَات) (فتلاشى بشعلة فتح الْعَينَيْنِ ... مِنْهَا إِلَى عُيُون الذَّات)

стр. 927

(وخطت بالجنيد لجة بَحر ... غرقت فِيهِ أَكثر الكائنات) (ورمت بالحسين حَتَّى ترقى ... بِأَن الْحق أرفع الدَّرَجَات) (واستمعنا من شيخ بسطَام مَا أعظم ... ذاتي بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات) (وقصارى خلع العذار بهَا نيل ... مقَام يُقَاوم المعجزات) (رب وفر مِنْهَا يُصِيب فَتى الْمجد ... عَليّ العلى سرى السراة) (فَهُوَ فِي سره المنزه سرى ... أَنه لم يهم بجوز الفلاة) (حاد عَن مَذْهَب التقشف ... وانحاز إِلَى مَذْهَب الحماة الكماة) (وتردّى برد البواطن وَالْأَصْل ... خلوص الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ) (فَهُوَ فِي السِّرّ خَادِم الْفقر عاف ... وَهُوَ فِي الْجَهْر ضيغم الْملك عاتي) (وَله فِي مَرَاتِب الْفضل ذهن ... هُوَ مِفْتَاح مقفل المشكلات) (كتمته أولى الدهور وأبدته ... على فَتْرَة من المكرمات) (فأفادت بمجده الْبَصْرَة الفيحاء ... حلى الْمعَاهد العاطلات) (حل من حفظ نَفسه للْمَسَاكِين ... سَنَام الْمَرَاتِب العاليات) (أَسد فِي ملاحم الْحَرْب غيث ... فِي الندى خضرم بِعلم اللُّغَات) (كَفه مقلة العدوّة فَلَا يَنْفَكّ ... كل عَن شِيمَة المرسلات) (وَكَذَا خيله وأفئدة الْأَعْدَاء ... سيان فِي رَحا العاديات) (وَكَذَا مَاله وأرواح من عَادَاهُ ... فِي كونهن فِي النازعات) (أَن يضع وَقت من سواي فَإِنِّي ... لي بعلياه أشرف الْأَوْقَات) (شملتني مِنْهُ الْعِنَايَة حَتَّى ... قد سمت همتي عَن النيرات) (يَا إِمَام الْكِرَام يَا صَادِق الْوَعْد ... إِذا لم يَفِ الورى بالعدات) (وهما مَا تعوّد الْحلم والجود ... وَهَاتَانِ أكْرم الْعَادَات) (نلْت من جودك العميم نوالا ... وَجَبت فِيهِ حجتي وزكاتي) (عرف النَّاس فِي حماك وُقُوفِي ... فأجزني الْوُقُوف فِي عَرَفَات) (ومرادي لَك الثَّوَاب وللرق ... قَضَاء الْمَنَاسِك الْوَاجِبَات) (طوف بَيت الله الْحَرَام وتقبيل ... ثرى قبر سيد الكائنات) (لم أُفَارِق حمى العلى لبيت ... غير بَيت العلى ذِي الدَّرَجَات) (وابق واسلم على الرَّجَاء مليكاً ... طوع مَا يَشْتَهِي الزَّمَان المواتي)

стр. 928

( ... ) قلت أَخْبرنِي بعض المكيين أَن حج وَفِي ذكرى أَنه قَالَ لي جاور وَاتفقَ لَهُ مَعَ أدباء مَكَّة مطارحات ومدائح فَمن قصيدته الَّتِي مدح بهَا الشريف رَاشد ومستهلها (الآم انتظاري للوصال وَلَا وصل ... وحتام لَا تَدْنُو إليّ وَلَا أسلو) (وَبَين ضلوعي زفرَة لَو تبوّأت ... فُؤَادك مَا أيقنت أَن الْهوى سهل) (جميلاً بصب زَاده النأي صبوة ... ورفقاً بقلب مَسّه بعْدك الخبل) (إِذا أطرفت مِنْك الْعُيُون بنظرة ... فأيسر شَيْء عِنْد عاشقك الْقَتْل) (أمنعمة بالزورة الظبية الَّتِي ... بخلخالها حلم وَفِي قُرْطهَا جهل) (وَمن كلما جردتها من ثِيَابهَا ... كساها ثيابًا غَيرهَا الفاجم الجثل) (سقى المزن أَقْوَامًا بو عساء رامة ... لقد قطعت بيني وَبينهمْ السبل) (وَحيا زَمَانا كلما جِئْت طَارِقًا ... سليمى أجابتني إِلَى وَصلهَا جمل) (تود وَلَا أصبو وَتُوفِّي وَلَا أَفِي ... وأنأي وَلَا تنأى وأسلو وَلَا تسلو) (إِذا الْغُصْن غض والشباب بمائه ... وجيد الرِّضَا من كل نائبة عطل) (وَمن خشيَة النَّار الَّتِي فَوق وجنتي ... تقاصر أَن يدنو يعارضي النَّمْل) (بروحي من ودعتها ومدامعي ... كسقط جمان جد من سمطه الْحَبل) (كَانَ قلاص الْمَالِكِيَّة نوخت ... على مدمعي فَارْفض مذ سَارَتْ الأبل) (وَمَا ضربت تِلْكَ الْخيام بعالج ... لقصد سوى أَن لَا يصاحبني الْعقل) (وحدب كَانَ العيس فِيهِ إِذا خطت ... تسابق ظلا أَو يسابقها الظل) (سئمن بِنَا الأمضاء حَتَّى كأننا ... حياري ذجى أَو أَرْضنَا مَعنا قفل) (إِذا عرضت لي من بِلَاد مذلة ... فأيسر شَيْء عِنْدِي الوخد والرحل) (وَلَيْسَ اعتساف البيد عَن مربع الْأَذَى ... بذل وَلَكِن الْمقَام هُوَ الذل) (وَلَا أَنا مِمَّن أَن جهلت خلاله ... أَقَامَت بِهِ القامات والأعين النجل) (فَكل رياض جِئْتهَا إِلَى مرتع ... وكل أنَاس أكرموني هم الْأَهْل) (ولي بإعتماد إِلَّا بلج الْوَجْه رَاشد ... عَن الشّغل فِي آثَار هَذَا الورى شغل) (همام رست للمجد فِي جنب عزمه ... جبال جبال الأَرْض فِي جنبها سهل) (وَلَيْث هياج مَا عرين جفونه ... من الْكحل إِلَّا والعجاج لَهَا كحل) (يقوم مقَام الْجَيْش إِن غَابَ جَيْشه ... ويخلف حد النصل إِن غمد النصل) (زكتْ شرفاً أعراقه وفروعه ... وَطَابَتْ لنا مِنْهُ الْفَضَائِل وَالْفِعْل)

стр. 929

(إِذا لم يكن فعل الْكَرِيم كَأَصْلِهِ ... كَرِيمًا فَمَا تغني الْمُنَاسب وَالْأَصْل) (من النَّفر الغر الَّذين تحالفوا ... مدى الدَّهْر أَن يَأْتِي دِيَارهمْ الْبُخْل) (كرام إِذا راموا فطام وليدهم ... عَن الثدي حطوا الْبُخْل فانفطم النجل) (لُيُوث إِذا صالوا غيوث إِذا هموا ... بحور إِذا جادوا سيوف إِذا سلوا) (وَإِن خطبوا مجدا فَإِن سيوفهم ... مُهُور وأطراف الْقَنَاة لَهُم رسل) (إِذا قَفَلُوا تنأى الْعلَا حَيْثُمَا نأوا ... وَإِن نزلُوا حل الندى أَيْنَمَا حلوا) (توالت على كسب الثَّنَاء طباعهم ... فأعراضهم حرم وَأَمْوَالهمْ حل) (أمولاي أَن يمضوا ففيك سما الْعلَا ... وَقَامَت قناة الدّين وانتشر الْعقل) (وَإِن يَك قد أفْضى الزَّمَان بسالم ... فَإنَّك روض الوبل إِن ذهب الوبل) (إِلَيْك ارتمت فِينَا قلُوص كَأَنَّهَا ... قسى بأسفار كَأَنَّهُمْ نبل) (وَمَا زجرا إِلَّا نضاء سَوْطِي وَإِنَّمَا ... إِلَيْك بِلَا سوق تسابقت الْإِبِل) (يَمِينك لَا أقْصَى الزَّمَان بهَا حَيا ... وكهفك لَا أودى الزَّمَان بِهِ ظلّ) (وكل لحاظ لست أنسانها قذى ... وَلَك بِلَاد لست صيبها مَحل) وَمن مبدعاته خمريته الَّتِي تخلص فِيهَا إِلَى مدح الشريف الْمَذْكُور وأولها (أقرقف فِي الزّجاج أم ذهب ... ولؤلؤ مَا عَلَيْهِ أم حبب) (شمس علا فَوق قرصها شهب ... وَالْعجب الشَّمْس فَوْقهَا الحبب) (حَمْرَاء قد عتقت فَلَو نطقت ... حكت بِخلق السَّمَاء مَا السَّبَب) (إِن لهبوها السقاة فِي غسق ... يمزق اللَّيْل ذَلِك اللهب) (وَإِن حساها النديم مصطبحا ... ألم فِي الْجَيْش همه الطَّرب) (لم أدر من قبل ذوب عسجدها ... أَن بهَا التبر أَصله الْعِنَب) (لله أيامنا بِذِي سلم ... سقتك أَيَّام وصلنا السحب) (وَالرَّوْض بالمزن يَانِع أنق ... والغصن بِالرِّيحِ هزه الطَّرب) (وَالنّهر يحتاكه الصِّبَا زردا ... إِذا نضت من بوارق قضب) (فحاننا الدَّهْر بالفراق وَقد ... رثت جلابيب وصلنا القشب) (عجبت للدهر فِي تصرفه ... وكل أَفعَال دَهْرنَا عجب) (يعاند الدَّهْر كل ذِي أدب ... كَأَنَّمَا ناك أمه الْأَدَب) (يَا عربا باللوى وكاظمه ... لي فِي مقاصير حيكم أرب)

стр. 930

(بأهيف كالقضيب قامته ... تسقيه دَوْمًا جفوني السكب) (كَالشَّمْسِ أنواره وغرته ... فَمَا لَهُ بالظلام ينتسب) (تسفح من سفح مقلته سحب ... إِذْ لَاحَ من فِيهِ بارق شنب) (كَأَنَّمَا فيضها ووابلها ... أَعَارَهُ الْفَيْض رَاشد النّدب) وَكَانَ فِي فن الموسيقى من الْأَفْرَاد وَله أغان متداولة ومقبولة جَارِيَة على الصَّنْعَة البارعة وَأكْثر أغانيه من نظمه المطرب فَمن ذَلِك مَا ابتدعه فِي نَغمَة السيكاه من الثقيل (أما والهوى لَوْلَا العذار المنمنم ... لما اهتاج وجدي ساجع يترنم) (وَلَا اهتجعت عَيْنَايَ من فيض أدمعي ... قضى جريها أَن لَا يفارقها الدَّم) (هُوَ الْحبّ مَا أحلى مقاساة خطبه ... وأعذبه لَو كَانَت الْعين تكْتم) وَله من نَغمَة الْحجاز وَالضَّرْب مخمس (لَا تطلعي فِي قمر أنني ... أَخَاف أَن تغلط أهل السّفر) (أَو طلعت شمس فَلَا تطلعي ... أَخَاف أَن تعمي عُيُون الْبشر) وَله من هَذِه النغمة وَالضَّرْب دارج (لمن العيس عشيا تترامى ... تركتهَا شقق الْبَين سهاما) (كلما برقعها نشر الصِّبَا ... لبست من أَحْمَر الدمع لثاما) (شفها جذب براها للحمى ... فَهِيَ تصمي لرب نجد زماما) (فِي هواكم آل نجد زَاد وجدي ... وَغدا الْقلب ولوعا مستهاما) وَله من الألحان الفارسية الْمَشْهُورَة مسرت آباد فِي نَغمَة الْعرَاق وضربه ثقيل وجام جم فِي نَغمَة الْحُسَيْنِي وضربه خَفِيف وَغير ذَلِك وَأشهر مَاله من الشعرة وَله فِي راقص (وراقص تقضيب الْبَانِي قامته ... تكَاد تذْهب روحي فِي تنقله) (لَا تَسْتَقِر لَهُ فِي رقصه قدم ... كَأَنَّمَا نَار قلبِي تَحت أرجله) وَكثير من أهل الْأَدَب يظنون أَنه مخترع هَذَا الْمَعْنى وَلم يعلمُوا أَنه اختلسه من قَول السرى الرفاء فِي وصف جواد (لَا يسْتَقرّ كَانَ أَرْبَعه ... فرش الثرى من تحتهَا جَمْرَة) وأشعاره وأخباره كَثِيرَة وَكَانَ يُسَمِّي نَفسه كلب عَليّ ويروي لَهُ فِي هَذَا المعرض بَيت هُوَ قَوْله (فتية الْكَهْف نجا كلبهم ... كَيفَ لَا ينجو غَدا كلب عَليّ) وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أديب بِحقِّهِ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف بِالْبَصْرَةِ

стр. 931

عبد الْغفار بن يُوسُف جمال الدّين بن مُحَمَّد شمس الدّين بن مُحَمَّد ظهير الدّين الْقُدسِي الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بالعجمي من أَعْيَان عُلَمَاء عصره وَكَانَ عَالما وجيها متواضعا متلطفا قَرَأَ بِبَلَدِهِ على أَبِيه وَالشَّمْس الخريشي الْحَنْبَلِيّ وَأخذ الحَدِيث عَن السراج عمر اللطفي وَالشَّيْخ مَحْمُود البيلوني الْحلَبِي قدم عَلَيْهِم الْقُدس وَأخذ طَرِيق النقشبندية عَن الْمولى مُحَمَّد صَادِق النقشبندي لما قدم لزيارة الْبَيْت الْمُقَدّس وَطَرِيق العلوانية عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الدجاني وَله رحلتان إِلَى الْقَاهِرَة أولاهما فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين تِسْعمائَة أَخذ بهَا الحَدِيث عَن الْأُسْتَاذ مُحَمَّد الْبكْرِيّ وَالْفِقْه عَن النُّور عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي وَالشَّمْس النحريري والسراج الحانوتي وَالشَّيْخ عمر بن نجيم وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الذِّئْب والفرائض عَن الشَّيْخ عبد الله الشنشوري وَالْأُصُول عَن الشَّيْخ حسن الطناني والقراآت عَن الشهَاب أَحْمد بن عبد الْحق وَالثَّانيَِة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف رَاجعا بحرا من الرّوم وَأخذ عَن الشهَاب عبد الرؤوف الْمَنَاوِيّ وَأخذ بِدِمَشْق عَن الشهَاب العيثاوي وبحلب عَن الشَّيْخ عمر العرضي وسافر إِلَى الرّوم مرَّتَيْنِ وَولي إِفْتَاء الْحَنَفِيَّة بالقدس وتدريس الْمدرسَة العثمانية وتصدر وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم وَلَده هبة الله مفتي الْقُدس وَالشَّمْس مُحَمَّد بن عَليّ المكتبي الدِّمَشْقِي وَغَيرهمَا وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث أَو أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي نَهَار الْخَمِيس غرَّة ذِي الْقعدَة سنة سبع وَخمسين بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى عبد الْغَنِيّ بن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الملقب زين الدّين النابلسي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي وَهُوَ وَالِد إِسْمَاعِيل النابلسي الْمُقدم ذكره وخال جدي وَالِد وَالِدي محب الله كَانَ من الْفُضَلَاء الأعزاء نَشأ فِي كنف أَبِيه شيخ مَشَايِخ الشَّام وكبيرها وعالمها ومرجعها وَلما مَاتَ وَالِده تَوَجَّهت إِلَيْهِ جهاته ومعاليمه مِنْهَا تدريس الشَّافِعِيَّة بِجَامِع المرحوم درويش باشا الْمَشْرُوط لَهُ ولذريته وَآل إِلَيْهِ من مِيرَاث وَالِده أَشْيَاء كَثِيرَة من كتب وأثاث فاختص وتنعم مُدَّة عمره واشتغل بالتحصيل على الشهَاب أَحْمد الوفائي الْحَنْبَلِيّ وَلكنه لم يبلغ فِي الْعلم دَرَجَة يُنَوّه بهَا كَمَا بلغ وَالِده وَولده إِلَّا أَنه كَانَ متأدبا سخيا حسن المعاشرة وَله مذاكرة حلوة ولطف شمايل وَكَانَت وَفَاته فِي أواسط رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن مَعَ وَالِده فِي قَبره فِي المدفن الْمعد لنا وَلَهُم بالصف الْمُقَابل لجامع جراح خَارج

стр. 932

بَاب الشاغور ﵀ عبد الْغَنِيّ بن صَلَاح الدّين الْمَعْرُوف بالخاني الْحَنْبَلِيّ الْحَنَفِيّ الأديب الأريب نزيل الْمَدِينَة المنورة كَانَ فَاضلا أديبا جميل المنظر وافر الْحُرْمَة ولد بحلب وَقَرَأَ بهَا واشتغل ورحل لكثير من الْبلدَانِ للتِّجَارَة فَدخل الشَّام ومصر وَالروم واليمن وَالْعراق وتكرر دُخُوله للحرمين لِلْحَجِّ ثمَّ ترك الْأَسْفَار واشتغل على أَخِيه ومربيه الشَّيْخ قَاسم الخاني بحلب وَبِه تخرج وَقَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا من مؤلفاته وَاتفقَ لَهُ أَنه أمره بمطالعة بعض رسائله ألف مرّة فامتثل أمره ثمَّ جاور بالحرمين مُدَّة مديدة إِلَى أَن توطن طيبَة الطّيبَة وَأقَام فِيهَا وأكب على تَحْصِيل الْعلم وانهمك ولازم شيخ الْعَصْر إِبْرَاهِيم الْكرْدِي الكوراني وَأخذ عَنهُ الطَّرِيق ولحظه باكسير نظره حَتَّى ألف الرسائل اللطيفة وَتَوَلَّى بِالْمَدِينَةِ المناصب الْعلية واشتهر أمره وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله ترسلات رائقة وَقد تلقيت خَبره من صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله فَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَذكر لي أَن بَينه وَبَينه مراسلات كَثِيرَة لَكِنَّهَا فقدت مِنْهُ وَالْحَاصِل أَنه أديب فَاضل وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَتُوفِّي بِالْمَدِينَةِ فِي ثَانِي عشر صفر سنة خمس وَتِسْعين وَألف وَدفن بِالبَقِيعِ عبد الْغَنِيّ بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن مُحَمَّد بن خَلِيل العنبوسي الدِّمَشْقِي الْفَاضِل الْفَقِيه الْمُتَكَلّم الْحَنَفِيّ الْمَذْهَب أَخذ بِدِمَشْق عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الْحِجَازِي وَولده عبد الْحق وَالْقَاضِي أكمل بن مُفْلِح وَأخذ الْفِقْه عَن الشَّيْخ يحيى بن مُحَمَّد البهنسي الْخَطِيب والقراآت عَن الْعَلَاء الطرابلسي ثمَّ لزم الْعَلامَة فضل الله بن عِيسَى البوسنوي نزيل دمشق وانتفع بِهِ فِي كثير من الْفُنُون وَأخذ التصوف وَالْكَلَام عَن الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه مُحَمَّد الأتراوي المغربي نزيل دمشق الْآتِي ذكره وبرع فِي الْفُنُون خُصُوصا الْكَلَام فَإِنَّهُ كَانَ ماهرا فِيهِ وَأَخذه عَنهُ جمَاعَة وَتَوَلَّى الْكِتَابَة بالمحكمة العونية مُدَّة وَكَانَ أَبوهُ بهَا قَاضِيا شافعيا ثمَّ فرغ عَن الْكِتَابَة وَصَارَ خَطِيبًا بِجَامِع يلبغا ومتوليا على أوقافه وَحج فِي سنة تسع وَخمسين وَكَانَ يعرف اللِّسَان التركي وَكَانَ لَهُ معرفَة تَامَّة بأحوال النَّاس وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي نَهَار الثُّلَاثَاء عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من قبر أَوْس بن أَوْس والعنبوسي بِفَتْح الْبَاب الْمُهْملَة وَالنُّون من غير تَشْدِيد ثمَّ بعْدهَا مُوَحدَة وواو وسين مُهْملَة نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من قرى نابلس خرج مِنْهَا

стр. 933

جمَاعَة من الْفُضَلَاء مِنْهُم أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن أبي الْفِدَاء المكتبي الشَّاعِر من أَجود شعره قَوْله (أَنا الْمقل وحبي ... إذاب قلبِي ولوعه) (أبْكِي عَلَيْهِ بجهدي ... حسب الْمقل دُمُوعه) عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن فرج الشَّافِعِي خطيب جدة وعالمها والمقدم فِيهَا بالعلوم الشَّرْعِيَّة والأخلاق النَّبَوِيَّة ولد بجدة وَبهَا نَشأ وَأخذ بِمَكَّة عَن شيخ الْإِسْلَام الشهَاب أَحْمد بن حجر الهيثمي وَغَيره من عُلَمَاء عصره وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الخلي وَله مؤلفات مِنْهَا السِّلَاح وَالْعدة فِي فضل ثغر جدة وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم السبت سَابِع شهر رَمَضَان سنة عشر بعد الْألف بجدة وَبهَا دَفنه رَحمَه الله تَعَالَى عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ الصُّوفِي القادري صدر أَشْيَاخ الشَّام وَصَاحب الْقدَم الراسخة فِي المعارف والكمالات وَكَانَ كَبِير الْقدر سامي الرُّتْبَة جم المناقب حسن الْخلق طليق الْوَجْه مفرط السخاء والتودد نَشأ فِي حجر وَالِده إِلَى أَن بلغ من الْعُمر اثْنَتَيْ عشر سنة فَمَاتَ أَبوهُ وَجلسَ مَكَانَهُ على سجادة المشيخة فِي يَوْم مَوته وَكَانَ لِأَبِيهِ خَليفَة وَهُوَ الشَّيْخ مُحَمَّد المرزناتي الصَّالِحِي فَطلب الْخلَافَة لنَفسِهِ وتعصب مَعَه قوم مِنْهُم الشَّمْس بن المنقار وَكَانَ جدي القَاضِي محب الدّين مِمَّن قَامَ مَعَ عبد الْقَادِر واهتم بأَمْره وَوَقع بِسَبَب ذَلِك أُمُور ومحاربات كَثِيرَة وَمن جُمْلَتهَا فِي المحاورات الخطابية مَا أنْشدهُ الشَّمْس الذُّكُور فِي مجمع حافل بزاويتهم القلجية وَأَرَادَ بذلك الإزراء بالجد وَعبد الْقَادِر وَذَلِكَ الْبَيْت الْمَشْهُور (شَيْئَانِ عجيبان هما أبرد من يخ ... شيخ يتصابى وَصبي يتشايخ) فَأَجَابَهُ الْجد وَكَانَ أَصْغَر مِنْهُ سنا وأكبر مرتبَة بقوله تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا﴾ وَأنْشد معرضًا بِهِ وبالمرزناتي الْمَذْكُور (لَو كَانَ كبر السن محمودة ... فضل إِبْلِيس على آدم) واستمرت هَذِه الشّحْنَة بَين الْجد وَالشَّمْس أَيَّامًا حَتَّى اجْتمعَا يَوْمًا فِي مجْلِس الدُّعَاء للسُّلْطَان بالجامع الْأمَوِي وَكَانَا قبل ذَلِك الْيَوْم إِذا حضرا مَجْلِسا مثل هَذَا يجلس قَاضِي الْبَلَد وَيجْلس وَاحِد مِنْهُمَا عَن الْيَمين وَالْآخر عَن الشمَال فَفِي ذَلِك الْيَوْم جَاءَ الْجد إِلَى الطّرف الَّذِي فِيهِ الشَّمْس وَجلسَ بَينه وَبَين القَاضِي فَلَمَّا تمّ الدُّعَاء قَامَ الشَّمْس مغضبا ونادى بِأَعْلَى صَوته أتجلس فَوقِي وَأَنا مفتي الْبَلدة من مُنْذُ كَذَا

стр. 934

فَأَجَابَهُ الْجد كل هَؤُلَاءِ يعلمُونَ أَن الْمُفْتِي بِالْأَمر السلطاني أَنا وَأما أَنْت فلك أُسْوَة بِمن يُفْتِي مثلك من غير إِذن فرتبة الرحجاني لي فَكل من حضر صدق قَوْله وَكَانَ الْجَمِيع يَغُضُّونَ من الشَّمْس ويكرهونه لسوء أخلاقه فَيُقَال أَنه ذهب من ذَلِك الْمجْلس محموما وَبَقِي أَيَّامًا وَمَات عودا على بَدْء واستقام الْأَمر لعبد الْقَادِر صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْخلَافَة فسلك مَنْهَج وَالِده من إِقَامَة الذّكر بالجامع الْأمَوِي بعد صَلَاة الْجُمُعَة عِنْد بَاب الخطابة وبزاويتهم يَوْم الِاثْنَيْنِ بعد الْعَصْر وَمَا زَالَ يسمو ويرتفع حَتَّى بلغت شهرته الْآفَاق وَكَانَ حكام الشَّام وكبراؤها يقبلُونَ عَلَيْهِ ويترددون إِلَيْهِ وَيطْلبُونَ مدده وَتوجه إِلَى الْقُدس على عَادَة صوفية الشَّام بحشمة وافرة وَحج فِي سنة خمس عشرَة وَألف وسافر إِلَى قسطنطينية أَربع مَرَّات وانحصرت آخرا فِيهِ رياسة الْمَشَايِخ بِدِمَشْق وَكَانَ أَكْثَرهم حَالا وَقَالا وَبلغ من نُفُوذ الْكَلِمَة وشهرة الاعتناء مرتبَة علمية وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ خَاتِمَة أولى النباهة من الرؤساء وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي نَهَار الْخَمِيس سادس جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بزاويتهم إِلَى جَانب وَالِده ورثاه جمَاعَة مِنْهُم الْعَلامَة إِسْمَاعِيل بن عبد الْغَنِيّ الْمُقدم ذكره وَهَذِه أبياته (شيخ شُيُوخ الشَّام يَا مرشد ... من جنَّة الْخلد لَك المرقد) (من للمريدين وَمن يلتجي ... إِلَيْهِ فِي الْمُشكل أَو ينجد) (من للمهماة إِذا أعضلت ... وللمساكين إِذا أجهدوا) (من لعيال وَالِد ماجد ... مَعَ أمّهم فِي سَاعَة يفقد) (أَواه من عظم مصاب بهم ... وَمثل هَذَا الْخطب مَا يعْهَد) (يَا حَاتِم الطَّبْع والمنتمى ... جودك بالموجود لَا يجْحَد) (وحلمك الْمَعْرُوف مَا مثله ... قد كَانَ فِي الدَّهْر وَلَا يُوجد) (من عَام خمس كنت شَيخا لَهُ ... سجادة ديدنه يرشد) (طلق الْمحيا هاضما نَفسه ... وَتارَة يرْكَع أَو يسْجد) (يَا شامة الشَّام وَيَا قطبها ... قد طَابَ مِنْك السِّرّ والمشهد) (أودعك الْأَسْرَار كَهْف الورى ... والدك السَّامِي الذرى أَحْمد) (وَأَنت أودعت الَّذِي حُزْته ... للخلف الصَّالح كي يسْعد) (بهم تسلينا وَمن بعده ... مثلهم يُوجد لَا يفقد)

стр. 935

(أشياخنا السادات أهل التقى ... وَذُو الكرامات الَّتِي تورد) (لَا سِيمَا من كنت أجلسته ... وَهُوَ الْكَبِير الصَّالح المرشد) (ميزته بِالسِّنِّ إِذْ كلهم ... أَعْلَام إرشاد لم يسْعد) (لَا زَالَ هَذَا الْبَيْت ملجاً لَهُ ... سكان ذخر لنا منجد) (وَلم تزل رَحْمَة رَبِّي رَبِّي على ... ضريحك الرَّوْضَة تستخلد) عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن يحيى بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن شعْبَان الْمَعْرُوف بِابْن الغصين الْغَازِي الشَّافِعِي الْعَالم الْعَامِل الْوَلِيّ الصَّالح رَحل إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ عَليّ الْحلَبِي وَأبي الْعَبَّاس الْمقري والبرهان اللَّقَّانِيّ وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن اليمني وَالشَّيْخ حجاز الْوَاعِظ والميناوي والنور الشبراملسي وَالشَّمْس البابلي وَأخذ طَرِيق الرفاعية عَن الْأُسْتَاذ الْكَبِير مُحَمَّد العلمي الْقُدسِي وبرع فِي علمي الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَحفظ عَلَيْهِ الْقُرْآن جماعات لَا يُحصونَ وَأخذ عَنهُ الحَدِيث وَغَيره كثير مِنْهُم صاحبنا الْفَاضِل الْكَامِل المكمل إِبْرَاهِيم الجينيني وَأَخْبرنِي أَنه كَانَ صَاحب كرامات وأحوال باهرة قَالَ وَذكر لنا أَنه من مُنْذُ عرف نَفسه لم يُصَلِّي صَلَاة إِلَّا بِجَمَاعَة وَلم يفته إِلَّا صَلَاة وَاحِدَة وَهِي صَلَاة الصُّبْح وَكَانَ مُسَافِرًا فِي طَرِيق مَكَّة فغلبه النّوم وَلم يفق إِلَّا بعد طُلُوع الشَّمْس وَأخْبرنَا صاحبنا الْمَذْكُور أَن مولده فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وَأَنه رَحل إِلَى مصر لطلب الْعلم سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَقدم غَزَّة فِي الْمحرم سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَأَن وَفَاته كَانَت فِي نَهَار الِاثْنَيْنِ سَابِع عشرى ذِي الْقعدَة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَلم يخلف بعده فِي غَزَّة مثله علما وَعَملا عبد الْقَادِر بن بهاء الدّين بن نَبهَان بن جلال الدّين بن تَقِيّ الدّين أبي بكر الْمَعْرُوف بِابْن عبد الْهَادِي الْعمريّ الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي شَيخنَا الجهبذ الْمُحَقق المدقق الفطن الذيق كَانَ من الغواصين عَن المباحث وَحل غوامضها وتبيين مبهماتها وَله فكرة تتوقد ذكاء وتتلهب فطنة وَكَانَ أغلب معلوماته أصُول الدّين وَالْفِقْه وَبِهِمَا تقوى وَضبط التحقيقات مَعَ الإتقان للعلوم الطبيعية والرياضية وَقَرَأَ الْكثير وَقيد وَضبط واستفاد وَأفَاد وَمن مشايخه الَّذين أَخذ عَنْهُم المنلا مَحْمُود الْكرْدِي والمنلا مَحْمُود أَمِين اللاري وَشَيخنَا إِبْرَاهِيم الفتال وَحضر دروس السَّيِّد مُحَمَّد نقيب الشَّام الْمَعْرُوف بِابْن حَمْزَة فِي التَّفْسِير وَغَيره وَجل انتفاعه بِهِ وتصدر للإقراء

стр. 936

فاشتغل عَلَيْهِ جمع كثير مِنْهُم ابْن عَمه عبد الْجَلِيل ورفيقي فِي الطّلب مُحَمَّد بن مُحَمَّد القَاضِي الْمَالِكِي بالمحكمة الْكُبْرَى وَالْفَقِير قَرَأت أَنا وإياه عَلَيْهِ طرفا من شرح الْعَضُد على مُخْتَصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الْحَاجِب فِي الْأُصُول وَشرح الرسَالَة الوضعية للعصام وَكُنَّا نطالع شَرحه الَّذِي وَضعه على الْمُخْتَصر الْمَذْكُور وحقق فِيهِ التَّحْقِيق الَّذِي مَا وَرَاءه غَايَة وَألف كتبا كَثِيرَة مِنْهَا شَرحه هَذَا وَشرح على عقيدة الْمقري الْمُسَمَّاة بإضاءة الدجنة فِي عقائد أهل السّنة وَاخْتصرَ الهمع للسيوطي فِي النَّحْو وَشَرحه شرحاً نفيساً وَله منظومات فِي عُلُوم مُتَفَرِّقَة ومسائل متنوعة وَله شعر كثير وَكَانَ سَافر إِلَى الرّوم صُحْبَة الْأُسْتَاذ الْعَالم الْكَبِير مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربي السُّوسِي نزيل مَكَّة وتقرب إِلَيْهِ وَأخذ عَنهُ فنوناً كَثِيرَة وبسببه عرف فَضله عِنْد الْوَزير الْأَعْظَم الْفَاضِل وأخيه مصطفى باشا وَابْن عَمهمَا حُسَيْن حَلَبِيّ وَكَانَ وَهُوَ بالروم مَاتَ الشَّيْخ الإِمَام عبد الْقَادِر الصفوري الْآتِي ذكره قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ مدرس دَار الحَدِيث الأشرفية فوجهت لصَاحب التَّرْجَمَة فَقدم دمشق وَأقَام بهَا على الِاشْتِغَال والتحصيل والإفادة والتصنيف وَكَانَ ابتلى بِمَرَض المراقيا وعالجه مُدَّة فَلم يفد علاجه ثمَّ استحكم فِيهِ فَكَانَ سَبَب وَفَاته فَتوفي فِي نَهَار الْخَمِيس ثَانِي صفر سنة مائَة وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس مِمَّا يَلِي عَمه الْأُسْتَاذ مُحَمَّد وَوضع عَلَيْهِمَا تَابُوت من الْخشب عبد الْقَادِر بن حاجي المؤيدي مفتي الرّوم وَصدر الدولة الْمَعْرُوف بشيخي وَهُوَ ابْن أخي الْمولى عبد الرَّحْمَن المؤيدي كَبِير الْعلمَاء بالروم فِي عهد السُّلْطَان بايزيد وَولده السُّلْطَان سليم الفاتح ذكره ابْن نَوْعي فِي ذيل الشقائق وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولد فِي حُدُود سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة وجد واجتهد ثمَّ وصل إِلَى مجْلِس شيخ الْإِسْلَام أبي السُّعُود الْعِمَادِيّ فَقَرَأَ عَلَيْهِ ولازم مِنْهُ وَتَوَلَّى التدريس إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة السليمانية فولي مِنْهَا قَضَاء الشَّام فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة بعد الْمولى عَليّ بن أَمر الله الْمَعْرُوف بِابْن الحنائي الْمَذْكُور ثمَّ تولى قَضَاء بروسة بعد سلفه الْمَذْكُور أَيْضا فِي رَجَب سنة سِتّ وَسبعين ثمَّ ولي قَضَاء قسطنطينية فِي رَجَب سنة سبع وَسبعين وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة من سنة ثَمَان وَسبعين ولي قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي وَفِي الْمحرم سنة تسع وَسبعين ولي قَضَاء روم ايلي وَفِي الْمحرم سنة إِحْدَى

стр. 937

وَثَمَانِينَ تقاعد بوظيفة أَمْثَاله ثمَّ فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَتِسْعين ضمت إِلَيْهِ دَار الحَدِيث وَفِي جُمَادَى الأولى سنة خمس وَتِسْعين صَار مفتياً وَكَانَ صَدرا جَلِيلًا صَاحب قدر عَال جبلا شامخاً من الْفضل وَالتَّقوى مَعْرُوفا بالنباهة مَوْصُوفا بالنزاهة شيخ فن الْفضل وَالْأَدب وَجُمْلَة ملك الْحسب وَالنّسب ثمَّ عزل عَن الْفَتْوَى فِي سنة سبع وَتِسْعين وتقاعد بِخَمْسِينَ عثمانياً وَاسْتمرّ مشتغلاً بِعبَادة الله وتقواه حَتَّى توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف وَدفن بِجنب وَالِده فِي جوَار أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عبد الْقَادِر بن حسن المنعوت محيى الدّين بن بدر الدّين الْبكْرِيّ الصديقي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الإِمَام الْفَقِيه الزَّاهِد العابد الْوَرع كَانَ من اجلاء الْعلمَاء الْكِبَار أَصْحَاب الدّيانَة والصلف وَله الْفضل الباهر والمشاركة التَّامَّة فِي فنون كَثِيرَة أجلهَا الْفِقْه والعربية وَكَانَ مُنْقَطِعًا عَن النَّاس قَلِيل الِاخْتِلَاط بهم ملازماً للاشتغال وَالْعِبَادَة مَوْصُوفا بِحسن الْأَخْلَاق وجلالة الْمِقْدَار وَهُوَ من بَيت عريق مجمع على صِحَة انتسابه للأسرة الصديقية وَلَا يشك فِي نسبهم إِلَّا جَاهِل أَو معاند وناهيك بِنِسْبَة لم يبْق من عُلَمَاء دمشق الْكِبَار الْمَشْهُورين فِي هَذِه لمِائَة وَالَّتِي قبلهَا أحد إِلَّا وَشهد بحقيتها وَمِنْهُم أمس النَّاس بِهَذِهِ النِّسْبَة السادات البكرية بِمصْر ولهذه النِّسْبَة الْعَظِيمَة كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة مُعظما مُحْتَرما وانضاف إِلَيْهِ الْفضل التَّام فَزَاد احترامه وَقد قَرَأت بِخَط الأديب عبد الْكَرِيم الكريمي الطاراني الدِّمَشْقِي قَالَ سَأَلت عَنهُ صاحبنا الإِمَام الْعَلامَة زين الدّين عمر بن مُحَمَّد الْقَارِي الشَّافِعِي فَقَالَ كَانَ ماهراً فِي عُلُوم شَتَّى مِنْهَا الْفَرَائِض والحساب وَالْكَلَام وَالْعرُوض وَأما الْفِقْه والعربية فَكَانَ فيهمَا الْغَايَة القصوى لَا أرى لَهُ ضريباً فِي الْفُنُون الْمَذْكُورَة فَإِنَّهُ تلقاها عَن مَشَايِخ عِظَام ودأب فِي تَحْصِيل الْكَمَال وَذكره النَّجْم فِي الذيل وَقَالَ فِي تَرْجَمته حضر دروس شيخ الْإِسْلَام وَالِدي وَقَرَأَ على أخي الشهَاب شرح الْمحلى مصاحباً لرفيقه التَّاج الفرعوني مَعَ مطالعة حَاشِيَة الْوَالِد الصُّغْرَى عَلَيْهِ وَمَعَ إمْسَاك الشهَاب شرح وَالِده الصَّغِير على الْمِنْهَاج ولازمه فِي غير ذَلِك ولازم النُّور النَّسَفِيّ الْمصْرِيّ نزيل دمشق وَلَعَلَّه أول من قَرَأَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ تزوج بِأم الشَّيْخ محيى الدّين وَسكن عِنْدهم بمحلة بَاب توما وَقَرَأَ أَيْضا على الشَّيْخ اسماعيل النابلسي مرافقاً للشَّيْخ عمر الْقَارِي واصطحبا مُدَّة ثمَّ تقاطعا وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة

стр. 938

فِي الثُّلُث الْأَخير من لَيْلَة الْأَحَد لليلتين بَقِيَتَا من صفر سنة ثَلَاث بعد الْألف وَدفن بمقبرة الشَّيْخ أرسلان رَحمَه الله تَعَالَى عبد الْقَادِر بن شيخ عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس الملقب محيي الدّين الشَّيْخ الإِمَام أَبُو بكر اليمني الحضرموتي الْهِنْدِيّ أحد أكَابِر عُلَمَاء الحضارمة ذكره الشلي فِي تَارِيخه وَقَالَ فِي تَرْجَمته قد ترْجم نَفسه هُوَ فِي تَارِيخه النُّور السافر عَن أَخْبَار الْقرن الْعَاشِر فَقَالَ ولدت فِي عَشِيَّة يَوْم الْخَمِيس لعشرين خلت من شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة بِمَدِينَة أَحْمد أباد من بِلَاد الْهِنْد وَكَانَ وَالِدي رأى فِي الْمَنَام قبل ولادتي بِنَحْوِ نصف شهر جمَاعَة من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى مِنْهُم الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني وَالشَّيْخ أَبُو بكر العيدروس وَكَانَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر يُرِيد حَاجَة من الْوَالِد فَذَلِك هُوَ الَّذِي حمله على تسميتي بِهَذَا الِاسْم وَكَنَّانِي أَيْضا أَبَا بكر ولقبني محيي الدّين وتقرر عِنْده أَنه سَيكون لي شَأْن وَكَانَ قل أَن يسلم لَهُ ولد بِأَرْض الْهِنْد فَمَا عَاشَ لَهُ مِنْهُم غَيْرِي وَكَانَ يحبني جدا وَقَالَ لي مرّة إِذا وَقع زَمَانك افْعَل مَا شِئْت وَحكى بعض الثِّقَات قَالَ جَاءَ بعض الوزراء الْكِبَار إِلَى والدك يطْلب مِنْهُ الدُّعَاء فِي أَمر من الْأُمُور وَكنت إِذْ ذَاك صَغِيرا جدا وَكنت جَالِسا بَين يَدَيْهِ فَقَرَأت فِي الْحَال هَذِه الْآيَة ﴿وَأُخْرَى تحبونها نصر من الله وَفتح قريب﴾ فَقَالَ الشَّيْخ يكفيكم هَذَا الْمقَال هَذَا مثل الْوَحْي قَالَ ثمَّ قضيت تِلْكَ الْحَاجة وَكَانَت أُمِّي أم ولد هندية وهبتها بعض النِّسَاء من بَيت الْملك الْمَشْهُورَة بالصدقات لأبي وأعطتها جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من أثاث وأخدمتها جملَة من الْجَوَارِي وَكَانَت تنظرها مثل ابْنَتهَا وتزورها فِي الشَّهْر مَرَّات وَكَانَت هِيَ إِذْ ذَاك بكرا وَلم تَلد لَهُ من الْأَوْلَاد غَيْرِي وَكَانَت من الصَّالِحَات وقرأت الْقُرْآن حَتَّى ختمته على يَد بعض أَوْلِيَاء الله فِي حَيَاة الْوَالِد ثمَّ اشتغلت بالتحصيل وقرأت عدَّة متون على جمَاعَة من الْعلمَاء وتصديت لنشر الْعلم وشاركت فِي كثير من الْفُنُون وتفرغت لتَحْصِيل الْعُلُوم النافعة وأعملت الهمة فِي اقتناء الْكتب المفيدة وبالغت فِي طلبَهَا من أقطار الْبِلَاد مَعَ مَا صَار إليّ من كتب الْوَالِد فَاجْتمع عِنْدِي جملَة وَلما بَلغنِي أَن سَيِّدي الشَّيْخ عبد الله العيدروس قَالَ من حصل كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين وَجعله فِي أَرْبَعِينَ جلدا ضمنت لَهُ على الله بِالْجنَّةِ فحصلته كَذَلِك بِهَذِهِ النِّيَّة ووفقت لاستماع الْأَحَادِيث وإشغال الْأَوْقَات بهَا وطالعت كثيرا من الْكتب ووقفت على أَشْيَاء غَرِيبَة مَعَ مَا تلقيته عَن الْمَشَايِخ

стр. 939

فَلم تفتني بِحَمْد الله إِشَارَة صوفية أَو مسئلة علمية أَو نُكْتَة أدبية وَلَكِنِّي مَعَ ذَلِك أظهر التجاهل فِي ذَلِك لِأَن الْكَلَام على إشارات التصوف ومقامات الصُّوفِيَّة لَا يَنْبَغِي للشَّخْص أَن يقدم عَلَيْهَا إِلَّا إِن كَانَ متحققاً بهَا وَمَعَ ذَلِك فَلَا يجوز لَهُ أَن يَخُوض فِيهَا مَعَ غير أَهلهَا لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة على المواجيد والأذواق لَا يطلع على بَيَان حَقِيقَتهَا بالألسنة والأوراق ثمَّ من الله عَليّ بمالاً كَانَ لي قطّ فِي حِسَاب حَتَّى سَارَتْ بمصنفاتي الرفاق وَقَالَ بِفضل عُلَمَاء الْآفَاق وَرزقت محبَّة أَرْبَاب الْقُلُوب من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وحظيت بدعواتهم الصَّالِحَة وعظمني الْعلمَاء شرقاً وغرباً وخضع لي الرؤساء طَوْعًا وَكرها وكاتبني مُلُوك الْأَطْرَاف وأرفدوني بصلاتهم الجميلة ووصلت إِلَى المدائح من الْآفَاق كمصر وأقصى الْيمن وَغَيرهمَا وَأخذ عني غير وَاحِد من الْأَعْلَام وَلبس مني خرقَة التصوف جم غفير من الْأَعْيَان وألفت جملَة من الْكتب المقبولة الَّتِي لم أسبق إِلَى مثلهَا ككتاب الفتوحات القدوسية فِي الخرفة العيدروسية وَهُوَ كتاب نَفِيس لم يؤلف قبله أجمع مِنْهُ وَهُوَ مُجَلد ضخم وقرظه جمَاعَة من الْعلمَاء الْأَعْلَام حَتَّى بلغت تقاريظه كراريس وَمن غَرِيب الِاتِّفَاق أَن تَارِيخه جَاءَ مطابقاً لموضوعه وَهُوَ لبس خرقَة وَكتاب الحدائق الخضرة فِي سيرة النَّبِي ﵇ وَأَصْحَابه الْعشْرَة وَهُوَ أول كتاب ألفته وسنى إِذْ ذَاك دون الْعشْرين وَكتاب إتحاف الحضرة العزيزة بعيون السِّيرَة الوجيزة وَهُوَ على نمط الحدائق إِلَّا أَنه أَصْغَر وَكتاب الْمُنْتَخب الْمُصْطَفى فِي أَخْبَار مولد الْمُصْطَفى وَكتاب الْمِنْهَاج إِلَى معرفَة الْمِعْرَاج وَكتاب الأنموذج اللَّطِيف فِي أهل بدر الشريف وَكتاب أَسبَاب النجَاة والنجاح فِي أذكار الْمسَاء والصباح وَكتاب الدّرّ الثمين فِي بَيَان المهم من الدّين وَكتاب الحوشي الرشيقة على العروة الْوَثِيقَة وَكتاب منح الْبَارِي بِخَتْم البُخَارِيّ وَكتاب تَعْرِيف الْأَحْيَاء بفضائل الْأَحْيَاء وباعثه أَن سَيِّدي الشَّيْخ عبد الله العيدروس قَالَ غفر الله لمن يكْتب كَلَامي فِي الْغَزالِيّ فرجوت أَن يتناولني دعاؤه وَأَرَدْت إسعاف وَالِدي بتحقيق رجاه فَإِنِّي سمعته يَقُول إِن أمْهل الزَّمَان جمعت كَلَام الشَّيْخ عبد الله فِي الْغَزالِيّ فِي كتاب وأسميه الْجَوْهَر المتلالي فِي كَلَام الشَّيْخ عبد الله فِي الْغَزالِيّ وَكتاب عقد اللآل بفضائل الْآل وَكتاب خدمَة السَّادة بني علوي بِاخْتِصَار العقد النَّبَوِيّ وَأَرْجُو أَن يوفقني الله لإتمامه وَكتاب بغية المستفيد بشرح تحفة المريد وَهُوَ مُخْتَصر جدا وَكتاب النفحة

стр. 940

العنبرية فِي شرح الْبَيْتَيْنِ العدنية وَكتاب غَايَة الْقرب فِي شرح نِهَايَة الطّلب اعتنى بِهِ النَّاس كثيرا وحصلوا مِنْهُ نسخا عديدة نَحْو الْأَرْبَعين فِيمَا علمت وَشرح على قصيدة الشَّيْخ أبي بكر العيدروس صَاحب عدن النونية وَكتاب إتحاف إخْوَان الصفاء بشرح تحفة الظرفاء بأسماء الْخُلَفَاء وَكتاب صدق الْوَفَاء بِحَق الإخاء وَكتاب النُّور السافر عَن أَخْبَار الْقرن الْعَاشِر وتقريظ على شرح قصيدة البوصيري الَّتِي عَارض بهَا بَانَتْ سعاد لشَيْخِنَا شيخ الْإِسْلَام عبد الْملك بن عبد السَّلَام دعسين الْأمَوِي اليمني الشَّافِعِي وَآخر على رِسَالَة صاحبنا الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْبكْرِيّ فِي تَنْزِيه الإِمَام مَالك عَن تِلْكَ الْمقَالة الشنيعة الَّتِي نَسَبهَا إِلَيْهِ من لَا خلاق لَهُ وَأَجَازَ للفقيه الصَّالح أَحْمد بن الْفَقِيه مُحَمَّد باجابر وديوان شعر اسْمه الرَّوْض الأريض والفيض المستفيض انْتهى كَلَامه فِي حق نَفسه قَالَ الشلي وَمن مؤلفاته الَّتِي لم يذكرهَا الزهر الباسم من روض الْأُسْتَاذ حَاتِم وَهُوَ شرح رِسَالَة من السَّيِّد حَاتِم إِلَيْهِ وَهُوَ مطول نَحْو مجلدين وَكتاب قُرَّة الْعين فِي مَنَاقِب الْوَلِيّ عمر بن مُحَمَّد باحسين قَالَ فِي الزهر الباسم وَشَيخنَا وإمامنا فِي هَذَا الشَّأْن شيخ الْإِسْلَام الْعَالم الرباني المربي شيخ بن عبد الله العيدروس فَإِنَّهُ رباني بنظره وغذاني بسره وصدرني فِي مَكَانَهُ وَشَيخنَا الثَّانِي الشَّيْخ الَّذِي هُوَ الْأَخ وَابْن الْعم الإنساني الْكَامِل والجزء الَّذِي هُوَ الْكل شَامِل أَبُو الْأَرْوَاح وَشَيخ الْأَشْيَاخ حَاتِم بن أَحْمد الأهدل وَهُوَ الَّذِي أسْرع بأسرارنا حَتَّى لحقت وفتق ألسنتنا حَتَّى نطقت وَشَيخنَا الثَّالِث قطب الْوُجُود وَإِمَام أهل الشُّهُود وشمس الشموس الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس صنوي ووالدي فَإِنَّهُ حكمني وألبسني الْخِرْقَة ونصبني شَيخا وَذكر صُورَة إِجَازَته لَهُ وتحكيمه وَشَيخنَا الرَّابِع درويش حُسَيْن الكشميري وَشَيخنَا الْخَامِس مُوسَى بن جَعْفَر الكشميري وَذكر تَرْجَمَة هذَيْن وَأَجَازَهُ الثَّانِي لَهُ وَشَيخنَا السَّادِس الْوَلِيّ الْكَبِير الْقدْوَة الشهير مُحَمَّد بن الشَّيْخ حسن جشني انْتهى وَلم يزل فِي أَحْمد أباد مستمراً على نفع الْعباد إِلَى أَن انْتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف بِمَدِينَة أَحْمد أباد وعمره سِتُّونَ سنة وقبره فِيهَا مَشْهُور مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ عبد الْقَادِر بن عُثْمَان القاهري الْحَنَفِيّ الشهير بالطوري مفتي الْحَنَفِيَّة بِمصْر من بَيت أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة ذَوي حسب وَكَانَ عَالما فَاضلا فَقِيها أديباً وَله وجاهة ونباهة

стр. 941

فِي أَنْوَاع الْعُلُوم وَكَانَ ملازما على الْإِفْتَاء والتدريس بِجَامِع الْأَزْهَر وَله تصانيف مِنْهَا شرح على الْكَنْز فِي الْفِقْه وتكملة الْبَحْر الرَّائِق وَله كتاب فِي الْأَدَب جمعه من نظمه ونثره سَمَّاهُ الفواكة الطورية وَفِي هَذِه التَّسْمِيَة لطف لِأَن بلدته الطّور أَكثر تِلْكَ الدائرة فَاكِهَة ويعجبني مَا كتبه إِلَيْهِ بعض الأدباء فِي طلب كِتَابه هَذَا وَكَانَ وعده بإرساله إِلَيْهِ وَذَلِكَ (يَا إِمَامًا لقد حوى دررا ... بِكُل نظم وكل منثور) (غرست بِالْفَضْلِ رَوْضَة بسقت ... ثمارها من طلائع النُّور) (يشتاق طرفِي لِأَن يشاهدها ... فَتلك عِنْدِي أجل مَنْظُور) (وفؤادي العليل من قدم ... يتَمَنَّى فواكه الطّور) وَذكره الشهَاب فِي الخبايا فَقَالَ فِي تَرْجَمته وَالطور وَكتاب مسطور لَهو صديق لي تجربه الْمَوَدَّة حلل الحبور روض مجد ناضر وبحر أدب وافر لَكِن طبعه أم الضقر مقلات نزور وَلم يورق حَتَّى احْتضرَ وَمضى بِأَمْر عَزِيز مقتدر ثمَّ أنْشد لَهُ قَوْله (تنور منيتي بلطيف صنع ... مَعَاني حسنه أضحت غزيرة) (لَهُ قد رَشِيق ثمَّ جسم ... عَلَيْهِ حِين لَاحَ رَأَيْت نوره) ثمَّ تعقبه بِمَا فِي تَحْرِير التحريف للصفدي يَقُولُونَ تنور الرحل من النورة وَالصَّوَاب اتنور واتنار وَلَا يُقَال تنور إِلَّا إِذا أبْصر الْمنَار ثمَّ قَالَ وَمَا مَنعه صرح بِهِ غَيره من أهل اللُّغَة لَكِن الْمَشْهُور هَذَا قلت وَيشْهد للْأولِ مَا فِي حماسة الطَّائِي قَالَ أَعْرَابِي لابْنَيْهِ وَقد دخلا الْحمام فأحرقتهما النورة (نهيتهما عَن نورة أحرقتهما ... وحمام سوء مَاؤُهُ يتسعر) (أجدكما لم تعلما أَن جارنا ... أَبَا الحسل فِي الصَّحرَاء لَا يتنور) على أَن تنور فِي كَلَام الطوري لَا يتَعَيَّن حمله على تعَاطِي النورة لاحْتِمَال جعل لَهُ نورا وَقَول الشهَاب فِي حَقه لَكِن طبعه أم الصقور إِلَى أَخّرهُ إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ قَلِيل الإفادة والْآثَار وَهُوَ حل لقَوْل النفيه الحماسي (يغاث لطير أَكْثَرهَا فراخا ... وَأم الصَّقْر مقلات نزور) والمقلات بِالْفَتْح نَاقَة تضع وَاحِدًا ثمَّ لَا تحمل والنزور النَّاقة مَاتَ وَلَدهَا وتروم ولدا لَهَا وَقَوله وَيشْهد للْأولِ إِلَى آخِره هَذِه عبارَة الطَّائِي وَقَالَ الشريشي فِي شرح المقامات روى أَن عبيد بن قرط الْأَسدي دخل مَعَ صاحبين لَهُ بَلَدا فِيهِ حمام فَأحب

стр. 942

صَاحِبَاه دُخُوله فَنَهَاهُمَا عبيد فأبيا إِلَّا دُخُوله فَلَمَّا دخلا رَأيا فِيهِ رجلا يتنور أَي يسْتَعْمل النورة فسألا عَنْهَا فأخبرا بإذهابها الشّعْر فاستعملاها فَلم يحسنا فأحرقتهما وأضرت بهما فَقَالَ عبيد (لعمري لقد حذرت قرطا وجاره ... وَلَا ينفع التحذير من لَيْسَ يحذر) (نهيتهما عَن نورة أحرقتهما ... وحمام سوء ناره تتسعر) (فَمَا مِنْهُمَا إِلَّا أَتَانِي موقعاً ... بِهِ أثر من مَسهَا يتقسر) (أجدكما لم تعلما أَن جارنا ... أَبَا الحسل بِالْبَيْدَاءِ لَا يتنور) (وَلم تعلما حمامنا فِي بِلَادنَا ... إِذا جعل الحرباء فِي الحدل يحضر) والنورة قيل إِنَّهَا لَيست عَرَبِيَّة فِي الأَصْل واشتقاقها يشابه اشتقاق الْعَرَبِيّ فَزعم قوم أَنَّهَا سميت بذلك لِأَن أول من عَملهَا امْرَأَة يُقَال لَهَا نورة وَقد استعملتها الْعَرَب فِي الشّعْر الْقَدِيم قَالَ الراجز (يَا رب إِن كَانَ بَنو عميره ... رَهْط الثلب هَؤُلَاءِ مقصوره) (قد أَجمعُوا الخلعة مشهوره ... واجتمعوا كَأَنَّهُمْ قاروره) (فَابْعَثْ عَلَيْهِم سنة قاشوره ... تحتلق المَال احتلاق النوره) انْتهى وَقد تفحصت عَن وَفَاة الطوري كثيرا فَلم أظفر بهَا سوى أَنِّي رَأَيْت فِي مَجْمُوع بِخَط بعض الأفاضل الأدباء وَكَانَ مِمَّن قَرَأَ على الطوري أَنه كَانَ مَوْجُودا فِي سنة سِتّ وَعشْرين ألف عبد الْقَادِر بن عَليّ بن يُوسُف بن مُحَمَّد أَبُو السُّعُود بن أبي الْحسن بن أبي المحاسن المغربي الفاسي الْمَالِكِي الإِمَام الْعَلامَة الْمُحدث الْمُفَسّر الصُّوفِي البارع فِي جَمِيع الْعُلُوم جَمِيع من انتسب إِلَى الْمغرب متفقون على جلالته وتوحده وَإنَّهُ عديم النظير وأوحد الْمَشَايِخ وَالْعُلَمَاء وَشَيخ الشُّيُوخ وسلطان عُلَمَاء الزَّمَان وَقد كَانَ جَامعا بَين الْعلم الظَّاهِر وَالْبَاطِن اشْتهر ذكره من حَال صغره وَكثر الثَّنَاء عَلَيْهِ وَبعد صيته فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وَكثر أَخذ النَّاس عَنهُ بِحَيْثُ أَن تلامذته لَا يُحصونَ وَلم يحرم أحد مِنْهُم من الْعلم السِّرّ فِيهِ وَفِي آبَائِهِ وبركته مَشْهُورَة بِحَيْثُ أَن الطّلبَة تقصده من الْبِلَاد النائية لذَلِك وَقد جرب ذَلِك واشتهر عِنْد أهل الْمغرب وَكَانَ عَظِيم الْحِفْظ عَجِيب الاملاء إِذا قَرَأَ كتابا استوفى مَا فِيهِ فَإِن وجد فِيهِ مسئلة نَاقِصَة تممها أَو شَيْئا مستغلقاً شَرحه أَو طَويلا اخْتَصَرَهُ دون أَن يخل بِشَيْء من مَعَانِيه أَو مسَائِل مختلطة

стр. 943

رتبها أَو وجد فِيهِ خطأ بَينه بغاية الْأَدَب بِحَيْثُ لَا ينتقص مُصَنفه وَكَانَ من الْحلم والبذل وَالصَّبْر بِحَيْثُ فاق أقرانه فِي ذَلِك خُصُوصا مَعَ ندرة ذَلِك فِي أهل الغرب وَكَانَ من الهيبة بِحَيْثُ تخافه الْمُلُوك وتخشى سطوته الْأُمَرَاء وَكَانَت الْعلمَاء والعامة منقادين لأَمره فِيمَا يرومه مَعَ وُقُوفه عِنْد حَده فِي سَائِر شؤونه وأدب نَفسه وَلسَانه إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ من حسن اللِّقَاء وَجَمِيل الْمُعَامَلَة وَالْإِكْرَام لجليسه وَكَانَ لجماله وبداعة وَجهه وَحسن صورته لَا يمْلَأ النَّاس مِنْهُ نظرتهم وَقد أفرد وَلَده عبد الرَّحْمَن لترجمته مجلداً حافلاً سَمَّاهُ تحفة الأكابر بمناقب الشَّيْخ عبد الْقَادِر ذكر فِيهِ بعض أخلاقه وعلومه اللدنية والمكتسبة ومنازلاته وكراماته وأسراره ومعاملاته مَعَ ربه سُبْحَانَهُ وإشاراته مِمَّا ذكره بِلِسَانِهِ أَو كتبه أَو قَرَّرَهُ فِي آيَة من كتاب الله من عِنْد نَفسه أَو من حَاصِل مَا حفظ وَنقل وَمَا تكلم بِهِ فِي بعض الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة أَو فِي بعض الْحَقَائِق المنقولة عَن أحد الصُّوفِيَّة وَبَعض كَلَامه فِي الحكم والحقائق وَمَا قَالَه من الشّعْر أَو قيل فِيهِ مِمَّا يتَضَمَّن ذكر الطَّرِيق وَأَهله إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يتعرف مِنْهُ مبْنى طَرِيقه وتبريزه فِي الْمعرفَة وَالْعلم وتحقيقه فَقَالَ ولد بِالْقصرِ الْكَبِير عِنْد زَوَال يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي شهر رَمَضَان سنة سبع بعد الْألف وَتسَمى هَذِه السّنة بالمغرب سنة الْفِيل وَسبب ذَلِك أَن فِي هَذِه السّنة فِي شهر رَمَضَان مِنْهَا بعث السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس الْمَنْصُور لوَلَده الْمَأْمُون هَدِيَّة من مراكش إِلَى فاس اشْتَمَلت على تحف وَبعث مَعهَا فيلة خَارج أهل فاس كلهم للقائها بِمِائَة ألف أَو يزِيدُونَ فَعظم وقعها وَكثر التَّعَجُّب مِنْهَا وَنَشَأ فِي حجر وَالِده مصوناً عَن عَبث الصّبيان ملازماً لدار جده وَبهَا ولدور بِي محفوفاً بالتدريج الرحماني فَقَرَأَ على وَالِده وَتعلم الْقُرْآن وَحفظه على معلمه غَانِم السفياني ثمَّ لَازم الْقِرَاءَة على أَخِيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد وَقَرَأَ أَيْضا على الْفَقِيه مُحَمَّد الزيات وَمُحَمّد الرفاس وَعبد الْقوي كلهم من فُقَهَاء الْقصر ثمَّ رَحل إِلَى فاس بِقصد الْقِرَاءَة فِي أَوَائِل رَجَب سنة خمس وَعشْرين وَألف فَنزل بِالْمَدْرَسَةِ المصباحية وأكب على الِاجْتِهَاد فَكَانَ كثيرا مَا يجد نَفسه فِي الطَّرِيق سائراً لتَعلق قلبه بمجالس الْعلم وحنينه إِلَى أَمَاكِن الْقِرَاءَة فِي وَقتهَا وَفِي غير وَقتهَا فَانْتَفع فِي أقرب مُدَّة وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْأَشْيَاخ مِنْهُم عَم أَبِيه الْعَارِف بِاللَّه أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد ثمَّ قَرَأَ على غَيره من عُلَمَاء فاس كالشيخ أبي الْقَاسِم بن أبي النَّعيم الغسان وَالْإِمَام الْحَافِظ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الْمقري التلمساني وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الْجنان

стр. 944

الغرناطي وَأبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد بن عَاشر وَأبي الْحسن بن الزبير السلجماسي وَقَرَأَ فِي خلال ذَلِك وَبعده على عَمه الْعَلامَة أبي حَامِد مُحَمَّد الْعَرَبِيّ ولازم فِي أول أمره بفاس أَبَا الْحسن عَليّ بن أبي الْقَاسِم بن القَاضِي فِي كثير من الْأُمَّهَات النحوية والرسمية والعروضية والحسابية وَقَرَأَ أَيْضا فِي الْمنطق وَغَيره على أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمُزنِيّ الشريف التلمساني وجود بفاس الْقُرْآن على الْأُسْتَاذ الْمقري أبي عبد الله مُحَمَّد الخروبي وَأخذ الْعشْر النافع عَن الْفَقِيه أبي مهْدي عِيسَى الشرفي وَعَن الْأُسْتَاذ أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد السُّوسِي وَعَن الْفَقِيه الْأُسْتَاذ أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن أبي الْقَاسِم القَاضِي وَأخذ الشاطبية بمضمنها سَمَاعا عَن ابْن عَاشر الْمَذْكُور فَأَما شَيْخه أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن فمولده فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سَابِع عشري شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف وَقَرَأَ على أَخِيه أبي المحاسن وعَلى الْفَقِيه الْمُفْتِي الْخَطِيب أبي زَكَرِيَّا يحيى بن مُحَمَّد السراج والفقيه القَاضِي الْخَطِيب أبي مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي وَالْإِمَام المتفنن الْأُسْتَاذ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ المنجور وَالْإِمَام الْأُسْتَاذ النَّحْوِيّ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن قَاسم العزومي وَالْإِمَام الْمُحَقق النظار أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقَيْسِي الْقصار وَالْإِمَام الْمقري المجود أبي مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد الدراوي وَغَيرهم وَقد اسْتَوْفَيْنَا مشايخه فِي تَرْجَمته وَأما وَالِده فَعَن وَالِده والسراج والْحميدِي والمنجور والعزومي وَزَاد عَن الْفَقِيه النوازلي أبي رَاشد يَعْقُوب بن يحيى البدري ومولده سنة ثَمَان وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَن أبي الْحسن عَليّ ابْن هَارُون وَأبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن سُفْيَان وهما عَن ابْن غَازِي وَغَيره وَزَاد أَيْضا عَن أبي عبد الله بن مجير المساري وَأبي عبد الله الترغي المساري وَأبي النَّعيم رضوَان ابْن عبد الله الجنوي وَأبي النجد مبارك بن عَليّ المصمودي وَغَيرهم ومولد ابْن مجير فِي أول الْعَاشِرَة وَتُوفِّي فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَن ابْن غَازِي وَغَيره وَتُوفِّي الترعي سنة تسع بعد الْألف وَأخذ عَن أبي عبد الله الخروبي الطرابلسي عَن سَيِّدي زَرُّوق وَغَيره وَعَن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد إِبْرَاهِيم ومولده سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَن ابْن غَازِي وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُوسُف الدقون وَتُوفِّي فِي مستهل شعْبَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وَتِسْعمِائَة عَن أبي عبد الله الْمواق وَتُوفِّي فِي شعْبَان سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة

стр. 945

عَن المستوري بأسانيده الَّتِي فِي فهرسته ولد وَالِد شَيخنَا فِي نصف رَمَضَان سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي عصر الْجُمُعَة السَّادِس عشر من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَله تَرْجَمَة على حِدة اسْتَوْفَيْنَا فِيهَا أَحْوَاله ومشايخه وَأما عَمه الشَّيْخ أَبُو حَامِد فمولده سادس شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي رَابِع عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وَأَخذه عَن وَالِده الشَّيْخ أبي المحاسن ومولده سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَحَد الثَّامِن عشر من شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وَعَن الإِمَام الْقصار ومولده سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي سنة آخر شعْبَان سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَعَن الْفَقِيه المشارك أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي الْعَرَب السفياني وَتُوفِّي سنة ثَمَان عشرَة وَعَن الأديب الْفَقِيه أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن عَليّ الْقَنْطَرِي القصري وَتُوفِّي فِي التَّارِيخ أَيْضا وَعَن القَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد المركني المغراوي وَتُوفِّي سنة أَربع عشرَة وَألف وَعَن عَمه الإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن الْمُتَقَدّم وَعَن شقيقه الْحَافِظ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف ومولده فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَألف وَعَن الإِمَام أبي الطّيب الْحسن بن يُوسُف الزناتي ومولده سنة سِتِّينَ من الْعَاشِرَة وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَأخذ وَالِده عَن البستيني وَابْن جلال وَأبي زيد بن إِبْرَاهِيم وَعبد الْوَهَّاب الرقَاق والخباز وخروف وَابْن مجير والمصمودي وأسانيدهم فِي تَرْجَمته وترجمة أَخِيه أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن وَأخذ الْقصار عَنْهُم مَا عدا الخباز والمصمودي وَزَاد عَن أبي شامة بن إِبْرَاهِيم وَأبي الْحسن الرَّاشِدِي وَأبي عبد الله بن هبة وَأبي النَّعيم رضوَان وَأبي الْعَبَّاس التسولي وبالإجارة عَن أبي الطّيب الْغَزِّي والبدر الْقَرَافِيّ وَأبي زَكَرِيَّا الْحطاب وزين العابدين الْبكْرِيّ وَأبي الْقَاسِم بن عبد الْجَبَّار القيجميجي وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وأسانيدهم مَذْكُورَة فِي غير هَذَا وَأخذ ابْن القَاضِي عَن ابْن مجير وَأبي الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم والقدومي والسراج والْحميدِي والبدري وَغَيرهم وَأخذ المري عَن المنجور وَشَيْخه أبي الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم وَأخذ

стр. 946

ابْن أبي الْعَرَب عَن المنجور والقصار وَأخذ الْقَنْطَرِي عَن أبي المحاسن الفاسي وَأبي النَّعيم رضوَان والمنجور وَأخذ المركني عَن ابْن مجبر وَالْمَجْبُور والسراج والْحميدِي والقدومي وَأبي الْقَاسِم بن عبد الْجَبَّار وَأبي الْقَاسِم بن سَوْدَة وَأما ابْن أبي النَّعيم فمولده فِي رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي خَامِس ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَأخذ عَن ابْن مجبر وَعَن السراج والْحميدِي والمنجور والقدومي وَقد تقدمُوا وَعَن الْفَقِيه الْمُحدث أبي الْعَبَّاس أَحْمد بَابا ابْن أَحْمد بن أَحْمد ابْن عمر بن اقيت السوداني وَتُوفِّي فِي سَابِع شعْبَان سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف وَأخذ عَن وَالِده عَن جمَاعَة مشارقة ومغاربة وَتُوفِّي وَالِده فِي سَابِع عشر شعْبَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ومولده فِي الْمحرم سنة تسع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَأما الْمقري فَتوفي بِمصْر فِي منتصف رَجَب أَو شعْبَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَرُوِيَ عَن الْقصار وَقَبله عَن عَمه الْمُفْتِي أبي عُثْمَان سعيد بن أَحْمد عَن الزقاق والونشريشي وَابْن جلال وسُفْيَان وَابْن هَارُون وخروف وَسَعِيد المانوي وَغَيرهم وَأما الْجنان فمولده سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي آخر ذِي الْحجَّة سنة خمسين وَألف وَأخذ عَن ابْن مجير والقدومي والبدري والسراج والْحميدِي والمنجور وَقد تقدمُوا عَن أبي عبد الله الحضري وَتُوفِّي سنة خمس عشرَة وَألف وَهُوَ عَن الخروبي وَقد تقدم وَأما ابْن عَاشر فَعَن الْقصار وَابْن أبي النَّعيم وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَزِيز التجِيبِي وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن شقرون بن القَاضِي وَأبي عبد الله مُحَمَّد الهراوي وبالمشرق عَن سَالم السنهوري وَعبد الله الدنوشري وبركات الْحطاب والصفي الْعزي وَغَيرهم وَتُوفِّي ابْن عَاشر ثَالِث الْحجَّة سنة أَرْبَعِينَ وَألف وَابْن عَزِيز سنة ثَلَاث وَعشْرين ومولده سنة أَربع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَهُوَ يروي عَن القدومي والمنجور والْحميدِي والسراج وَأبي إِسْحَاق ابْن عبد الْجَبَّار الفحبي وَمُحَمّد بن عَليّ الشَّامي فَالْأول عَن ابْن غَازِي وَالثَّانِي عَن سُفْيَان وَأما ابْن الزبير فَعَن الشَّيْخ الْوَرع الصَّالح النَّحْوِيّ أبي يزِيد عبد الرَّحْمَن بن قَاسم بن مُحَمَّد بن عبد الله إِعْرَاب المكناسي وَولد سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي بعد الْألف وَتُوفِّي ابْن الزبير سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَأما أَبُو الْحسن بن القَاضِي فَتوفي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف عَن خمس وَأَرْبَعين سنة وَأخذ عَن أَبِيه وَعَن ابْن عَمه أبي الْعَبَّاس بن شقرون وَقد تقدما وَعَن عَمه أبي مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن القَاضِي وَتُوفِّي سنة سِتّ وَألف ومولده بعد الْخمسين

стр. 947

وَتِسْعمِائَة وَأخذ أَبوهُ وَعَمه وَابْن عَمه جَمِيعًا عَن جدنا أبي المحاسن يُوسُف بن مُحَمَّد وَأخذ أَبُو الْحسن أَيْضا عَن أبي الْعَبَّاس أَحْمد حبيب عَن الشَّيْخ أبي المحاسن أَيْضا وَأخذ أَبُو الْحسن أَيْضا عَن الْفَقِيه الْمُحدث أبي الْحسن عَليّ الشريشي وَتُوفِّي تَاسِع عشر ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَعشْرين وَألف عَن أبي النَّعيم رضوَان بن عبد الله وَتُوفِّي سنة إجدى وَتِسْعين من الْعَاشِرَة ومولده سنة اثْنَتَيْ عشرَة مِنْهَا وَأخذ عَن سُفْيَان وَغَيره وَأخذ أَبُو الْحسن المري عَن أَبِيه الْمُفْتِي أبي عبد الله مُحَمَّد وَعَن الْحميدِي والسراج وَابْن أبي النَّعيم والمقري وَقد تقدمُوا وَعَن القَاضِي أبي الْحسن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن عمرَان وَتُوفِّي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَأخذ عَن الْأُسْتَاذ الْفَقِيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الزموري وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَألف عَن الونشريشي والزقاق وَأبي الْقسم بن إِبْرَاهِيم وَغَيرهم وَلم يُمكن بسط أسانيدهم وَقد بسطناها فِي غير هَذَا وَلما أكمل الْقِرَاءَة شَيخنَا اقْتصر على شَيْخه أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن عَم أَبِيه بِقصد التربية مظْهرا بالحقاق الربانية وَلم ينتسب إِلَّا إِلَيْهِ إِلَى أَن ربطه بعده بالشيخ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَكَانَ لَقِي قبله رجَالًا من أهل الله مِنْهُم الشَّيْخ سَيِّدي أَبُو الْقَاسِم ابْن الزبير المصباحي وَكَثِيرًا مَا تردد إِلَيْهِ بِالْقصرِ قبل رحلته إِلَى فاس وَكَانَ جليل الْقدر محافظاً على رسوم الشَّرِيعَة مَعَ تغفل فِي دُنْيَاهُ وغيبة لَا يُنكر فِيهَا من أَحْوَاله شَيْء وَله منازلات ومكاشفات توفّي فِي مستهل الْمحرم سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَأخذ عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْحسن بن عِيسَى المصباحي من أكَابِر أَصْحَاب الغزواني وَعَن وَالِده أبي مُحَمَّد عِيسَى بن الْحسن عَن وَالِده وَعَن أبي عبد الله الطَّالِب وَارِث الغزواني وَأخذُوا وَالِده أَيْضا عَن أبي عسرية المصباحي وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُوسَى الشريعي الفجاج وَكَانَ جليل الْقدر كثير المكاشفات وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَأخذ عَن أبي عبد الله الصّباغ القصري عَن أبي الْحسن فندرير عَن أبي الْعَبَّاس الحساني عَن أبي الْحسن عَليّ صَالح عَن التباع وَأخذ أَيْضا عَن سَيِّدي أبي شتاغي عَن سَيِّدي الغزواني وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الصرصري وَتُوفِّي سنة سبع وَعشْرين وَألف وَأخذ عَن أبي مهْدي عِيسَى بن الْحسن وَعَن أَبِيه الْمَذْكُورين وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن أَيُّوب الخلطي وَأخذ عَنْهُمَا أَيْضا فِيمَا أَظن وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد القجيري القصري وَكَانَ صَاحبه حَال عَظِيم توفّي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَأخذ عَن الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح أبي مُحَمَّد عبد الله

стр. 948

ابْن حسون السلائي دفن بسلا وَتُوفِّي سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وَهُوَ عَن سَيِّدي عبد الله الهيطي وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف عَن سَيِّدي الغزوانني وَتُوفِّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ عَن التياع وَتُوفِّي سنة أَربع عشرَة كلهم من الْعَاشِرَة وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ المصمدي وَتُوفِّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَأخذ عَن أبي الْحسن الجعيدي وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف عَن الشَّيْخ أبي الْحجَّاج يُوسُف التليدي أحد وارثي الغزواني وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة واختص بعده بتلميذه سَيِّدي مَنْصُور بن عبد الْمُنعم وَمِنْهُم الشَّيْخ سَيِّدي عبد الرَّحْمَن الشريف وَغَيرهم وَنَشَأ مُنْذُ صباه مُسْتَقِيم النَّفس على التَّزْكِيَة بالطاعات فيسر الله لَهُ التَّعَلُّم حَتَّى كَانَ يحفظ دون كثير قِرَاءَة فحدثنا من كَانَ يقْرَأ مَعَه فِي الصغر أَنه كَانَ ينظر فِي اللَّوْح ويحرك شَفَتَيْه من غير أَن يسمع لَهُ صَوت ثمَّ يعرض لوحه كَمَا يَنْبَغِي وَدخل فِي طَرِيق الْقَوْم وَكَانَ يحضر حزب أَخِيه أبي عسرية وَغَيره ثمَّ دخل فاس فلازم عَم أَبِيه قِرَاءَة وَطلب مِنْهُ الدُّخُول فِي حزب أَصْحَابه مَعَ جمَاعَة مِمَّن يقْرَأ مَعَه فَأَشَارَ بِالْقبُولِ وَلَكِن شَرط عَلَيْهِم حلق الشّعْر وَكَانَ للشَّيْخ شنتوف إِذْ ذَاك فبادر إِلَى حلقه وأغفل غَيره احتقاراً للشّرط فَلَمَّا أكمل الْقِرَاءَة طُولِبَ بِالرُّجُوعِ إِلَى وَطنه بعد كتبه الْإِجَازَة عَن شَيْخه أبي النَّعيم وأستاذه عَم أَبِيه وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ لَو كنت وَحدك مَا أطلقتك وَلَكِن سر فَلَمَّا وصل بعث إِلَيْهِ بالعوذ ليَأْتِيه فاختص بِهِ وَكَانَ يطالعه سَائِر يَوْمه وَرُبمَا خرج لَيْلًا بِحَسب مَا يحدث لَهُ من حَال يبثه أَو علم ينشره وَلم يزل يلازمه إِلَى وَفَاته مَعَ مَا كَانَ يُنَوّه بِهِ ويثني عَلَيْهِ وَيُشِير إِلَيْهِ بالخصوصية ثمَّ ظهر بعده الشَّيْخ الْعَارِف الشَّيْخ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله معَان الأندلسي بِإِخْرَاج الْجَمَاعَة لَهُ فاستخرجوه جمعا لأمرهم وضبطاً لحالهم فصادفوا الْإِذْن لَهُ فِي ذَلِك فأظهر مَا كَانَ خَفِي ولاحت أنواره وَنزل لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة فخدمه إِلَى وَفَاته جمعا للآراء وَلم يزل الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَزْبُور يتيمن بِعلم المترجم وَيُشِير إِلَى توفيقه واختصاصه من بَين أَهله بِمَا هُوَ أقوى من التَّصْرِيح بتقديمه بعده فهمه وعرفه من سلم من شين الْحَسَد وَأخذ غَيره بعموقات لَا تفِيد شَيْئا لقَوْله الْوَقْت غال وَلَيْسَ هَذَا وَقت فقر إِنَّمَا نطلب أَن نموت مُسلمين وَمَا علم أَن هَذَا قَالَه الشَّيْخ المجذوب قبله وَقَالَهُ من الْمُتَقَدِّمين كثير بل وَالشَّيْخ وأشياخنا كَانُوا ينفون المشيخة عَنْهُم وَعَن أهل وقتهم ثمَّ قَالَ وَكَانَ أعلم أهل زَمَانه وأثبتهم وأضبطهم وَأَكْثَرهم تحريراً وَكَانَ يحفظ

стр. 949

مَا يسمع وَلَا يَعْتَرِيه نِسْيَان مُنْذُ زمن قِرَاءَته وَكَانَ لَا يدع مُشكلا فِي علم يسْأَل عَنهُ وَلَا يتَكَلَّم مَعَه فِي نازلة إِلَّا ويفكها وَلَا يتَكَلَّم مَعَه فِي علم إِلَّا ويفيد ثَمَرَته عَن روية لَا بتكلف مطالعة وَلَا ترددّ بِعِبَارَة سهلة لَا يتَكَلَّف لَهَا تأنقاً وَلَا يلْتَزم لَهَا خُرُوجًا عَن لِسَان الْوَقْت بل كَانَ تدريسه على ذَلِك تَارَة بِعِبَارَة الْوَقْت وَتارَة بِالْعَرَبِيَّةِ الْمَحْضَة فَإِذا كتب ظَهرت الفصاحة والبلاغة على الْوَجْه الَّذِي يبلغ من استحسانه كل مبلغ وَمَا رَأينَا تحصيلاً أتمّ من تَحْصِيله مَعَ التبحر فِي الْعُلُوم وَالْجمع لأدوات الِاجْتِهَاد وَكَانَ يمِيل إِلَيْهِ إِلَّا أَنه يوفق بَين رَأْيه ورأي أهل الْمذَاهب حَتَّى يصيره قولا جَارِيا على مَشْهُور الْمذَاهب وَلَا يقنع فِي أجوبته بِمَا يرَاهُ بنظره بل يَسْتَخْرِجهُ من النُّصُوص وَيَردهُ إِلَى مفهومها وَكَانَ لَهُ التَّمْكِين الْعَظِيم مَعَ قُوَّة التضلع فِي التَّفْسِير والْحَدِيث ومعاني الْكتاب وَالسّنة وَله فِي التصوف الْيَد الْبَيْضَاء وَأما الْعَرَبيَّة فَهُوَ أَبُو عذرها حَتَّى كَانَ يَقُول تِلْمِيذه الإِمَام الْعَلامَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن جلال كل من يحسن النَّحْو بفاس وَيَزْعُم أَنه أَخذه عَن غير سَيِّدي عبد الْقَادِر فَهُوَ كَذَّاب وَأما الْأُصُول والمنطق وَالْبَيَان فَكَانَ يَقُول تِلْمِيذه الْمَذْكُور مارسنا الْعلمَاء فَكَانَ إِذا أشكل علينا فِي الْمحلى أَو السعد أَو غَيرهمَا شَيْء أَتَيْنَا شَيخنَا أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن عمرَان وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ مَعَه فِي ذَلِك فَسَأَلْنَاهُ فَيَأْخُذ الْكتب من أَيْدِينَا فيتأملها ثمَّ يجيبنا وَإِذا أَتَيْنَا سَيِّدي عبد الْقَادِر وسألناه أجابنا على البديهة دون تَأمل كتاب وَقد نفقت بضَاعَة سَائِر الْعُلُوم فِي عصره ببركته فتضلع بهَا تلامذته وتلامذة تلامذته حَتَّى صَارُوا يلقون من يَأْتِي بِشَيْء مِنْهَا مسارعين وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أكمل أهل زَمَانه وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف عبد الْقَادِر بن عمر الْبَغْدَادِيّ نزيل الْقَاهِرَة الأديب المُصَنّف الرّحال الباهر الطَّرِيقَة فِي الْإِحَاطَة بالمعارف والتضلع من الذَّخَائِر العلمية وَكَانَ فَاضلا بارعاً مطلعاً على أَقسَام كَلَام الْعَرَب النّظم والنثر رَاوِيا لوقائعها وحروبها وأيامها وَكَانَ يحفظ مقامات الحريري وَكَثِيرًا من دواوين الْعَرَب على اخْتِلَاف طبقاتهم وَهُوَ أحسن الْمُتَأَخِّرين معرفَة باللغة والأشعار والحكايات البديعة مَعَ التثبت فِي النَّقْل وَزِيَادَة الْفضل والانتقاد الْحسن ومناسبة إِيرَاد كل شَيْء مِنْهَا فِي مَوْضِعه مَعَ اللطافة وَقُوَّة المذاكرة وَحسن المنادمة وَحفظ اللُّغَة الفارسية والتركية وإتقانهما كل الإتقان وَمَعْرِفَة الْأَشْعَار الْحَسَنَة مِنْهُمَا وأخبار الْفرس خرج من

стр. 950

بَغْدَاد وَهُوَ متقن لهَذِهِ اللُّغَات الثَّلَاث وَورد دمشق وَقَرَأَ بهَا على الْعَلامَة السَّيِّد مُحَمَّد بن كَمَال الدّين نقيب الشَّام وعَلى شَيخنَا النَّجْم مُحَمَّد بن يحيى الفرضي فِي الْعَرَبيَّة وَأقَام بِدِمَشْق فِي مَسْجِد قبالة دَار النَّقِيب الْمَذْكُور مِقْدَار سنة ثمَّ رَحل إِلَى مصر فَدَخلَهَا فِي سنة خمسين وَألف بعد فتح بَغْدَاد بعامين وَأخذ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وآلاتها النقلية والعقلية عَن جمع من مَشَايِخ الْأَزْهَر أَجلهم الشهَاب الخفاجي وَالسري الدروري والبرهان المأموني والنور الشبراملسي وَالشَّيْخ يس الْحِمصِي وَغَيرهم وَأكْثر لُزُومه كَانَ للخفاجي قَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا من التَّفْسِير والْحَدِيث والآداب وَأَجَازَهُ بذلك وبمؤلفاته وَكَانَ الخفاجي مَعَ جلالته وعظمته يُرَاجِعهُ فِي الْمسَائِل الغريبة لمعرفته مظانها وسعة اطِّلَاعه وَطول بَاعه حكى صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله قَالَ قلت لَهُ لما رَأَيْته من سَعَة حفظه واستحضاره مَا أَظن هَذَا الْعَصْر سمح بِرَجُل مثلك فَقَالَ لي جَمِيع مَا حفظته قَطْرَة من غَدِير الشهَاب وَمَا استغدت هَذِه الْعُلُوم الأدبية إِلَّا مِنْهُ وَلما مَاتَ الشهَاب تملك أَكثر كتبه وَجمع كتبا كَثِيرَة غَيرهَا وَأَخْبرنِي عَنهُ بعض من لَقيته أَنه كَانَ عِنْده ألف ديوَان من دواوين الْعَرَب العاربة وَألف المؤلفات الفائقة مِنْهَا شرح شَوَاهِد شرح الكافية للرضي الاسترابادي فِي ثَمَان مجلدات جمع فِيهِ عُلُوم الْأَدَب واللغة ومتعلقاتها بأسرها إِلَّا الْقَلِيل وملكته بالروم وانتفعت بِهِ ونقلت مِنْهُ فِي مجاميع لي نفائس أبحاث يعز وجودهَا فِي غَيره وَله أَيْضا شرح شَوَاهِد شرح الشافية للرضي أَيْضا والحاشية على شرح بَانَتْ سعاد لِابْنِ هِشَام وَقد رَأَيْتهَا وانتقيت مِنْهَا مبَاحث ونوادر كَثِيرَة من جُمْلَتهَا الناسب يجوز لَهُ أَن يذكر مَا تقدم وَأَن يفرغ مجهوده فِيمَا يدل على الصبابة وإفراط الوجد واللوعة والانحلال وَعدم الصَّبْر وَمَا أشبه ذَلِك من التذلل والتوله وَيجب أَن يجْتَنب مَا يدل على الإباء والعزة والتخشن والجلادة كَقَوْل إِسْحَاق الْأَعْرَج (فَلَمَّا بدا لي مَا رَابَنِي ... نزعت نزوع الأبيّ الْكَرِيم) فَإِنَّهُ وصف نَفسه بِالْجلدِ والإقناع والتسلي وَهَذَا نقض للغرض وَقد عَابَ عَلَيْهِ بَعضهم فَقَالَ قبحه الله مَا أحبها سَاعَة قطّ وكقول عبد الرَّحْمَن (إِن تنأ دَارك لَا أمل تذكرا ... وَعَلَيْك مني رَحْمَة وَسَلام) فَهَذَا وَإِن كَانَ معنى صَحِيحا لكنه أثقل من رضوى لَيْسَ فِيهِ لطف وَلَا عذوبة وَهُوَ
следующие страницы →