Полный текст (1 978 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ابْن أبي الْعَرَب عَن المنجور والقصار وَأخذ الْقَنْطَرِي عَن أبي المحاسن الفاسي وَأبي النَّعيم رضوَان والمنجور وَأخذ المركني عَن ابْن مجبر وَالْمَجْبُور والسراج والْحميدِي والقدومي وَأبي الْقَاسِم بن عبد الْجَبَّار وَأبي الْقَاسِم بن سَوْدَة وَأما ابْن أبي النَّعيم فمولده فِي رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي خَامِس ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَأخذ عَن ابْن مجبر وَعَن السراج والْحميدِي والمنجور والقدومي وَقد تقدمُوا وَعَن الْفَقِيه الْمُحدث أبي الْعَبَّاس أَحْمد بَابا ابْن أَحْمد بن أَحْمد ابْن عمر بن اقيت السوداني وَتُوفِّي فِي سَابِع شعْبَان سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف وَأخذ عَن وَالِده عَن جمَاعَة مشارقة ومغاربة وَتُوفِّي وَالِده فِي سَابِع عشر شعْبَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ومولده فِي الْمحرم سنة تسع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَأما الْمقري فَتوفي بِمصْر فِي منتصف رَجَب أَو شعْبَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف وَرُوِيَ عَن الْقصار وَقَبله عَن عَمه الْمُفْتِي أبي عُثْمَان سعيد بن أَحْمد عَن الزقاق والونشريشي وَابْن جلال وسُفْيَان وَابْن هَارُون وخروف وَسَعِيد المانوي وَغَيرهم وَأما الْجنان فمولده سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي آخر ذِي الْحجَّة سنة خمسين وَألف وَأخذ عَن ابْن مجير والقدومي والبدري والسراج والْحميدِي والمنجور وَقد تقدمُوا عَن أبي عبد الله الحضري وَتُوفِّي سنة خمس عشرَة وَألف وَهُوَ عَن الخروبي وَقد تقدم وَأما ابْن عَاشر فَعَن الْقصار وَابْن أبي النَّعيم وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَزِيز التجِيبِي وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن شقرون بن القَاضِي وَأبي عبد الله مُحَمَّد الهراوي وبالمشرق عَن سَالم السنهوري وَعبد الله الدنوشري وبركات الْحطاب والصفي الْعزي وَغَيرهم وَتُوفِّي ابْن عَاشر ثَالِث الْحجَّة سنة أَرْبَعِينَ وَألف وَابْن عَزِيز سنة ثَلَاث وَعشْرين ومولده سنة أَربع وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَهُوَ يروي عَن القدومي والمنجور والْحميدِي والسراج وَأبي إِسْحَاق ابْن عبد الْجَبَّار الفحبي وَمُحَمّد بن عَليّ الشَّامي فَالْأول عَن ابْن غَازِي وَالثَّانِي عَن سُفْيَان وَأما ابْن الزبير فَعَن الشَّيْخ الْوَرع الصَّالح النَّحْوِيّ أبي يزِيد عبد الرَّحْمَن بن قَاسم بن مُحَمَّد بن عبد الله إِعْرَاب المكناسي وَولد سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي بعد الْألف وَتُوفِّي ابْن الزبير سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَأما أَبُو الْحسن بن القَاضِي فَتوفي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف عَن خمس وَأَرْبَعين سنة وَأخذ عَن أَبِيه وَعَن ابْن عَمه أبي الْعَبَّاس بن شقرون وَقد تقدما وَعَن عَمه أبي مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن القَاضِي وَتُوفِّي سنة سِتّ وَألف ومولده بعد الْخمسين
стр. 947
وَتِسْعمِائَة وَأخذ أَبوهُ وَعَمه وَابْن عَمه جَمِيعًا عَن جدنا أبي المحاسن يُوسُف بن مُحَمَّد وَأخذ أَبُو الْحسن أَيْضا عَن أبي الْعَبَّاس أَحْمد حبيب عَن الشَّيْخ أبي المحاسن أَيْضا وَأخذ أَبُو الْحسن أَيْضا عَن الْفَقِيه الْمُحدث أبي الْحسن عَليّ الشريشي وَتُوفِّي تَاسِع عشر ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَعشْرين وَألف عَن أبي النَّعيم رضوَان بن عبد الله وَتُوفِّي سنة إجدى وَتِسْعين من الْعَاشِرَة ومولده سنة اثْنَتَيْ عشرَة مِنْهَا وَأخذ عَن سُفْيَان وَغَيره وَأخذ أَبُو الْحسن المري عَن أَبِيه الْمُفْتِي أبي عبد الله مُحَمَّد وَعَن الْحميدِي والسراج وَابْن أبي النَّعيم والمقري وَقد تقدمُوا وَعَن القَاضِي أبي الْحسن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن عمرَان وَتُوفِّي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَأخذ عَن الْأُسْتَاذ الْفَقِيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الزموري وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَألف عَن الونشريشي والزقاق وَأبي الْقسم بن إِبْرَاهِيم وَغَيرهم وَلم يُمكن بسط أسانيدهم وَقد بسطناها فِي غير هَذَا وَلما أكمل الْقِرَاءَة شَيخنَا اقْتصر على شَيْخه أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن عَم أَبِيه بِقصد التربية مظْهرا بالحقاق الربانية وَلم ينتسب إِلَّا إِلَيْهِ إِلَى أَن ربطه بعده بالشيخ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَكَانَ لَقِي قبله رجَالًا من أهل الله مِنْهُم الشَّيْخ سَيِّدي أَبُو الْقَاسِم ابْن الزبير المصباحي وَكَثِيرًا مَا تردد إِلَيْهِ بِالْقصرِ قبل رحلته إِلَى فاس وَكَانَ جليل الْقدر محافظاً على رسوم الشَّرِيعَة مَعَ تغفل فِي دُنْيَاهُ وغيبة لَا يُنكر فِيهَا من أَحْوَاله شَيْء وَله منازلات ومكاشفات توفّي فِي مستهل الْمحرم سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَأخذ عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْحسن بن عِيسَى المصباحي من أكَابِر أَصْحَاب الغزواني وَعَن وَالِده أبي مُحَمَّد عِيسَى بن الْحسن عَن وَالِده وَعَن أبي عبد الله الطَّالِب وَارِث الغزواني وَأخذُوا وَالِده أَيْضا عَن أبي عسرية المصباحي وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُوسَى الشريعي الفجاج وَكَانَ جليل الْقدر كثير المكاشفات وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَأخذ عَن أبي عبد الله الصّباغ القصري عَن أبي الْحسن فندرير عَن أبي الْعَبَّاس الحساني عَن أبي الْحسن عَليّ صَالح عَن التباع وَأخذ أَيْضا عَن سَيِّدي أبي شتاغي عَن سَيِّدي الغزواني وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الصرصري وَتُوفِّي سنة سبع وَعشْرين وَألف وَأخذ عَن أبي مهْدي عِيسَى بن الْحسن وَعَن أَبِيه الْمَذْكُورين وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن أَيُّوب الخلطي وَأخذ عَنْهُمَا أَيْضا فِيمَا أَظن وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد القجيري القصري وَكَانَ صَاحبه حَال عَظِيم توفّي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَأخذ عَن الشَّيْخ الْفَقِيه الصَّالح أبي مُحَمَّد عبد الله
стр. 948
ابْن حسون السلائي دفن بسلا وَتُوفِّي سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وَهُوَ عَن سَيِّدي عبد الله الهيطي وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف عَن سَيِّدي الغزوانني وَتُوفِّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ عَن التياع وَتُوفِّي سنة أَربع عشرَة كلهم من الْعَاشِرَة وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ المصمدي وَتُوفِّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَأخذ عَن أبي الْحسن الجعيدي وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف عَن الشَّيْخ أبي الْحجَّاج يُوسُف التليدي أحد وارثي الغزواني وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة واختص بعده بتلميذه سَيِّدي مَنْصُور بن عبد الْمُنعم وَمِنْهُم الشَّيْخ سَيِّدي عبد الرَّحْمَن الشريف وَغَيرهم وَنَشَأ مُنْذُ صباه مُسْتَقِيم النَّفس على التَّزْكِيَة بالطاعات فيسر الله لَهُ التَّعَلُّم حَتَّى كَانَ يحفظ دون كثير قِرَاءَة فحدثنا من كَانَ يقْرَأ مَعَه فِي الصغر أَنه كَانَ ينظر فِي اللَّوْح ويحرك شَفَتَيْه من غير أَن يسمع لَهُ صَوت ثمَّ يعرض لوحه كَمَا يَنْبَغِي وَدخل فِي طَرِيق الْقَوْم وَكَانَ يحضر حزب أَخِيه أبي عسرية وَغَيره ثمَّ دخل فاس فلازم عَم أَبِيه قِرَاءَة وَطلب مِنْهُ الدُّخُول فِي حزب أَصْحَابه مَعَ جمَاعَة مِمَّن يقْرَأ مَعَه فَأَشَارَ بِالْقبُولِ وَلَكِن شَرط عَلَيْهِم حلق الشّعْر وَكَانَ للشَّيْخ شنتوف إِذْ ذَاك فبادر إِلَى حلقه وأغفل غَيره احتقاراً للشّرط فَلَمَّا أكمل الْقِرَاءَة طُولِبَ بِالرُّجُوعِ إِلَى وَطنه بعد كتبه الْإِجَازَة عَن شَيْخه أبي النَّعيم وأستاذه عَم أَبِيه وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ لَو كنت وَحدك مَا أطلقتك وَلَكِن سر فَلَمَّا وصل بعث إِلَيْهِ بالعوذ ليَأْتِيه فاختص بِهِ وَكَانَ يطالعه سَائِر يَوْمه وَرُبمَا خرج لَيْلًا بِحَسب مَا يحدث لَهُ من حَال يبثه أَو علم ينشره وَلم يزل يلازمه إِلَى وَفَاته مَعَ مَا كَانَ يُنَوّه بِهِ ويثني عَلَيْهِ وَيُشِير إِلَيْهِ بالخصوصية ثمَّ ظهر بعده الشَّيْخ الْعَارِف الشَّيْخ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله معَان الأندلسي بِإِخْرَاج الْجَمَاعَة لَهُ فاستخرجوه جمعا لأمرهم وضبطاً لحالهم فصادفوا الْإِذْن لَهُ فِي ذَلِك فأظهر مَا كَانَ خَفِي ولاحت أنواره وَنزل لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة فخدمه إِلَى وَفَاته جمعا للآراء وَلم يزل الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَزْبُور يتيمن بِعلم المترجم وَيُشِير إِلَى توفيقه واختصاصه من بَين أَهله بِمَا هُوَ أقوى من التَّصْرِيح بتقديمه بعده فهمه وعرفه من سلم من شين الْحَسَد وَأخذ غَيره بعموقات لَا تفِيد شَيْئا لقَوْله الْوَقْت غال وَلَيْسَ هَذَا وَقت فقر إِنَّمَا نطلب أَن نموت مُسلمين وَمَا علم أَن هَذَا قَالَه الشَّيْخ المجذوب قبله وَقَالَهُ من الْمُتَقَدِّمين كثير بل وَالشَّيْخ وأشياخنا كَانُوا ينفون المشيخة عَنْهُم وَعَن أهل وقتهم ثمَّ قَالَ وَكَانَ أعلم أهل زَمَانه وأثبتهم وأضبطهم وَأَكْثَرهم تحريراً وَكَانَ يحفظ
стр. 949
مَا يسمع وَلَا يَعْتَرِيه نِسْيَان مُنْذُ زمن قِرَاءَته وَكَانَ لَا يدع مُشكلا فِي علم يسْأَل عَنهُ وَلَا يتَكَلَّم مَعَه فِي نازلة إِلَّا ويفكها وَلَا يتَكَلَّم مَعَه فِي علم إِلَّا ويفيد ثَمَرَته عَن روية لَا بتكلف مطالعة وَلَا ترددّ بِعِبَارَة سهلة لَا يتَكَلَّف لَهَا تأنقاً وَلَا يلْتَزم لَهَا خُرُوجًا عَن لِسَان الْوَقْت بل كَانَ تدريسه على ذَلِك تَارَة بِعِبَارَة الْوَقْت وَتارَة بِالْعَرَبِيَّةِ الْمَحْضَة فَإِذا كتب ظَهرت الفصاحة والبلاغة على الْوَجْه الَّذِي يبلغ من استحسانه كل مبلغ وَمَا رَأينَا تحصيلاً أتمّ من تَحْصِيله مَعَ التبحر فِي الْعُلُوم وَالْجمع لأدوات الِاجْتِهَاد وَكَانَ يمِيل إِلَيْهِ إِلَّا أَنه يوفق بَين رَأْيه ورأي أهل الْمذَاهب حَتَّى يصيره قولا جَارِيا على مَشْهُور الْمذَاهب وَلَا يقنع فِي أجوبته بِمَا يرَاهُ بنظره بل يَسْتَخْرِجهُ من النُّصُوص وَيَردهُ إِلَى مفهومها وَكَانَ لَهُ التَّمْكِين الْعَظِيم مَعَ قُوَّة التضلع فِي التَّفْسِير والْحَدِيث ومعاني الْكتاب وَالسّنة وَله فِي التصوف الْيَد الْبَيْضَاء وَأما الْعَرَبيَّة فَهُوَ أَبُو عذرها حَتَّى كَانَ يَقُول تِلْمِيذه الإِمَام الْعَلامَة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن جلال كل من يحسن النَّحْو بفاس وَيَزْعُم أَنه أَخذه عَن غير سَيِّدي عبد الْقَادِر فَهُوَ كَذَّاب وَأما الْأُصُول والمنطق وَالْبَيَان فَكَانَ يَقُول تِلْمِيذه الْمَذْكُور مارسنا الْعلمَاء فَكَانَ إِذا أشكل علينا فِي الْمحلى أَو السعد أَو غَيرهمَا شَيْء أَتَيْنَا شَيخنَا أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن عمرَان وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ مَعَه فِي ذَلِك فَسَأَلْنَاهُ فَيَأْخُذ الْكتب من أَيْدِينَا فيتأملها ثمَّ يجيبنا وَإِذا أَتَيْنَا سَيِّدي عبد الْقَادِر وسألناه أجابنا على البديهة دون تَأمل كتاب وَقد نفقت بضَاعَة سَائِر الْعُلُوم فِي عصره ببركته فتضلع بهَا تلامذته وتلامذة تلامذته حَتَّى صَارُوا يلقون من يَأْتِي بِشَيْء مِنْهَا مسارعين وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أكمل أهل زَمَانه وَكَانَت وَفَاته فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف
عبد الْقَادِر بن عمر الْبَغْدَادِيّ نزيل الْقَاهِرَة الأديب المُصَنّف الرّحال الباهر الطَّرِيقَة فِي الْإِحَاطَة بالمعارف والتضلع من الذَّخَائِر العلمية وَكَانَ فَاضلا بارعاً مطلعاً على أَقسَام كَلَام الْعَرَب النّظم والنثر رَاوِيا لوقائعها وحروبها وأيامها وَكَانَ يحفظ مقامات الحريري وَكَثِيرًا من دواوين الْعَرَب على اخْتِلَاف طبقاتهم وَهُوَ أحسن الْمُتَأَخِّرين معرفَة باللغة والأشعار والحكايات البديعة مَعَ التثبت فِي النَّقْل وَزِيَادَة الْفضل والانتقاد الْحسن ومناسبة إِيرَاد كل شَيْء مِنْهَا فِي مَوْضِعه مَعَ اللطافة وَقُوَّة المذاكرة وَحسن المنادمة وَحفظ اللُّغَة الفارسية والتركية وإتقانهما كل الإتقان وَمَعْرِفَة الْأَشْعَار الْحَسَنَة مِنْهُمَا وأخبار الْفرس خرج من
стр. 950
بَغْدَاد وَهُوَ متقن لهَذِهِ اللُّغَات الثَّلَاث وَورد دمشق وَقَرَأَ بهَا على الْعَلامَة السَّيِّد مُحَمَّد بن كَمَال الدّين نقيب الشَّام وعَلى شَيخنَا النَّجْم مُحَمَّد بن يحيى الفرضي فِي الْعَرَبيَّة وَأقَام بِدِمَشْق فِي مَسْجِد قبالة دَار النَّقِيب الْمَذْكُور مِقْدَار سنة ثمَّ رَحل إِلَى مصر فَدَخلَهَا فِي سنة خمسين وَألف بعد فتح بَغْدَاد بعامين وَأخذ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وآلاتها النقلية والعقلية عَن جمع من مَشَايِخ الْأَزْهَر أَجلهم الشهَاب الخفاجي وَالسري الدروري والبرهان المأموني والنور الشبراملسي وَالشَّيْخ يس الْحِمصِي وَغَيرهم وَأكْثر لُزُومه كَانَ للخفاجي قَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا من التَّفْسِير والْحَدِيث والآداب وَأَجَازَهُ بذلك وبمؤلفاته وَكَانَ الخفاجي مَعَ جلالته وعظمته يُرَاجِعهُ فِي الْمسَائِل الغريبة لمعرفته مظانها وسعة اطِّلَاعه وَطول بَاعه حكى صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله قَالَ قلت لَهُ لما رَأَيْته من سَعَة حفظه واستحضاره مَا أَظن هَذَا الْعَصْر سمح بِرَجُل مثلك فَقَالَ لي جَمِيع مَا حفظته قَطْرَة من غَدِير الشهَاب وَمَا استغدت هَذِه الْعُلُوم الأدبية إِلَّا مِنْهُ وَلما مَاتَ الشهَاب تملك أَكثر كتبه وَجمع كتبا كَثِيرَة غَيرهَا وَأَخْبرنِي عَنهُ بعض من لَقيته أَنه كَانَ عِنْده ألف ديوَان من دواوين الْعَرَب العاربة وَألف المؤلفات الفائقة مِنْهَا شرح شَوَاهِد شرح الكافية للرضي الاسترابادي فِي ثَمَان مجلدات جمع فِيهِ عُلُوم الْأَدَب واللغة ومتعلقاتها بأسرها إِلَّا الْقَلِيل وملكته بالروم وانتفعت بِهِ ونقلت مِنْهُ فِي مجاميع لي نفائس أبحاث يعز وجودهَا فِي غَيره وَله أَيْضا شرح شَوَاهِد شرح الشافية للرضي أَيْضا والحاشية على شرح بَانَتْ سعاد لِابْنِ هِشَام وَقد رَأَيْتهَا وانتقيت مِنْهَا مبَاحث ونوادر كَثِيرَة من جُمْلَتهَا الناسب يجوز لَهُ أَن يذكر مَا تقدم وَأَن يفرغ مجهوده فِيمَا يدل على الصبابة وإفراط الوجد واللوعة والانحلال وَعدم الصَّبْر وَمَا أشبه ذَلِك من التذلل والتوله وَيجب أَن يجْتَنب مَا يدل على الإباء والعزة والتخشن والجلادة كَقَوْل إِسْحَاق الْأَعْرَج
(فَلَمَّا بدا لي مَا رَابَنِي ... نزعت نزوع الأبيّ الْكَرِيم)
فَإِنَّهُ وصف نَفسه بِالْجلدِ والإقناع والتسلي وَهَذَا نقض للغرض وَقد عَابَ عَلَيْهِ بَعضهم فَقَالَ قبحه الله مَا أحبها سَاعَة قطّ وكقول عبد الرَّحْمَن
(إِن تنأ دَارك لَا أمل تذكرا ... وَعَلَيْك مني رَحْمَة وَسَلام)
فَهَذَا وَإِن كَانَ معنى صَحِيحا لكنه أثقل من رضوى لَيْسَ فِيهِ لطف وَلَا عذوبة وَهُوَ
стр. 951
بالرثاء أشبه مِنْهُ بالنسيب ثمَّ إِن مثله إِنَّمَا يُخَاطب بِهِ الأماثل من الرِّجَال وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يُخَاطب بِهِ النسوان وربات الحجال إِذْ لَيْسَ فِيهِ من الصنبوة والخلاعة مَا يجلب بِهِ مودتهن وَمن المخاشنة قَول طرفَة
(وَإِذا تلسنني ألسنها ... إِنَّنِي لست بموهون فقر)
وَمن النِّهَايَة فِي المخاشنة قَول الآخر
(سَلام لَيْت لِسَانا تنطقين بِهِ ... قبل الَّذِي نالني من صَوته قطعا)
فَهَذَا قَول عَدو مكاشر لَا محب مكاسر وأقبح من هَذَا قَول عبد بني الحسحاس فِي الدُّعَاء على محبوبته
(وراهن رَبِّي مثل مَا قدورينني ... وأحمي على اكبادهن المكاويا)
وَمثله قَول جَنَازَة
(من حبها أَتَمَنَّى أَن يلاقيني ... من نَحْو بلدتها ناع فينعاها)
(لكَي يكون فِرَاق لَا لِقَاء لَهُ ... وتضمر النَّفس يأسا ثمَّ تسلاها)
انْتهى وَله من التآليف أَيْضا شرح الشاهدي الْجَامِع بَين الْفَارِسِي والتركي وَغير ذَلِك مِمَّا لم يصل إِلَيّ خَبره وكل تآليفه مفيدة نافعة وَكَانَ مَعَ تبحره فِي الْآدَاب وَمَعْرِفَة الشّعْر لم يتَّفق لَهُ نظم حَتَّى طلبت من بعض المختصين بِهِ شَيْئا من شعره لأثبته فِي تَرْجَمته فَذكر لي فِيمَا زعم أَنه لم يتفوه بِشَيْء مِنْهُ ترفعا عَنهُ ثمَّ رَأَيْت الشلي ذكر لَهُ فِي تَرْجَمته هَذِه الأبيات فِي هجاء طَبِيب يَهُودِيّ يعرف بِابْن جَمِيع
(يَا ابْن جَمِيع أَصبَحت تمتحن النَّحْو ... ودعواك فِيهِ منحولة)
(أمك مَا بالها فقد ذهبت ... مَرْفُوعَة السَّاق وَهِي مفعولة)
(فاعلها الا يرو وَهُوَ منتصب ... مسَائِل قد أتتك مَجْهُولَة)
(وَالْعين عطل وَعين عصعصها ... بِنُقْطَة الخصيتين مشكولة)
وَدخل دمشق فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَكَانَ فِي صُحْبَة الْوَزير إِبْرَاهِيم باشا الْمَعْرُوف بكتخذا الْوَزير منصرفا من حُكُومَة مصر وسافر مَعَه إِلَى أردنة راجيا أَن يحل من الزَّمَان مَحل الفريدة من العقد فَدخل إِلَى مجْلِس الْوَزير الْأَعْظَم أَحْمد باشا الْفَاضِل واستمكن مِنْهُ واختص بِهِ وَلما حللت أدرنة فِي ذَلِك الْعَهْد زرته مرّة فِي معهده وَكَانَ بَينه وَبَين وَالِدي حُقُوق ومودة قديمَة فَرَحَّبَ بِي وَأَقْبل عَليّ وَكَانَ إِذْ ذَاك فِي غَايَة من إقبال الكبراء عَلَيْهِ فَلم يلبث حَتَّى هجمت عَلَيْهِ على فأسى مِنْهَا آلاما شَدِيدَة وَلم يبْق طَبِيب حَتَّى بَاشر معالجته وَكَانَ أمره فِي نيل أمانيه مأخوذا على التَّرَاخِي
стр. 952
فعاجله الملال والسآمة وضاق بِهِ الْأَمر فَذهب إِلَى معرة مصر وَعَاد مرّة ثَانِيَة وَأَنا بالروم فَابْتلى برمد فِي عَيْنَيْهِ حَتَّى قَارب أَن يكف فسافر من طَرِيق الْبَحْر إِلَى مصر فوصلها وَلم تطل مدَّته بِهِ حَتَّى توفّي وَكَانَت وِلَادَته بِبَغْدَاد فِي سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي فِي أحد الربعين من سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن سوار الدِّمَشْقِي العاتكي شيخ الْمحيا بِالشَّام وَأحد الكبراء الصلحاء أَصْحَاب الشان كَانَ فِي مبدأ أمره يُسَافر إِلَى الْقَاهِرَة للتِّجَارَة فَحَضَرَ مجْلِس النَّبِي
وَشَيْخه أذذاك الشَّيْخ شهَاب الدّين البُلْقِينِيّ فَوَقع عمله فِي خاطره ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق فابتدأ بِعَمَل الْمحيا فِي لَيْلَة الْجُمُعَة بِجَامِع الْبزورِي بمحلة قبر عَاتِكَة فِي رَجَب سنة سبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ يحضر مَعَه رجلَانِ أَو ثَلَاثَة من جِيرَانه أَنه لَا يزِيدُونَ فحضرهم ذَات لَيْلَة الشهَاب بن الْبَدْر الْغَزِّي فَاسْتحْسن فعلهم وَكَانَ يعاودهم كثيرا واعتنى بهم جدا وَمن لطائفه مَا قَالَه فِي مدح الْمحيا
(أَمَانَة تفسي فِي مطالعة الأحيا ... وَأَحْيَاء روحي فِي مُشَاهدَة الْمحيا)
(فيارب هَذَا دأب عَبدك دَائِما ... وديدنه مَا دَامَ فِي هَذِه الدِّينَا)
وَلما طَال تردده إِلَيْهِم ذكر ذَلِك لوالده الْبَدْر فَاسْتَحْسَنَهُ وَأمره أَن يَأْتِي بالشيخ عبد الْقَادِر إِلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ أَشَارَ لَهُ بِعَمَل الْمحيا فِي الْجَامِع الْأمَوِي بالمشهد الْمَعْرُوف بزين العابدين فامتثل أمره وقوى قلبه وابتدأه فِي الْمحرم سنة إِحْدَى وَسبعين لرؤيا رَآهَا هُوَ وَرجل يُقَال لَهُ بَرَكَات العقرباني موافقين لإشارة الْبَدْر وَحدث الشَّيْخ عبد الْقَادِر أَنه فِي أَوَائِل عمل المحياد دخل عَلَيْهِ الشَّيْخ صَالح خير الدّين الْمصْرِيّ الْحَنَفِيّ فَقَالَ رَأَيْت رَسُول الله
وَمَعَهُ الشَّيْخ عَليّ الشوني وَهُوَ أول من عمل مجْلِس الصَّلَاة على رَسُول الله
بِمصْر وَالشَّيْخ شهَاب الدّين البُلْقِينِيّ وَهُوَ خَلِيفَته فِي الْمجْلس فَقَالَ لي رَسُول الله
تعرف الشَّيْخ عبد الْقَادِر إِمَام الْجَامِع الْبزورِي فَقلت لَهُ نعم فَقَالَ اذْهَبْ إِلَيْهِ وَقل لَهُ يعْمل الْمحيا على طَريقَة الشَّيْخَيْنِ وَأَشَارَ إِلَى الشوني والبلقيني ثمَّ رأى الشَّيْخ عبد الْقَادِر نَفسه رَسُول الله
فِي النّوم فَقَالَ لَهُ اسْتَعِنْ عَن مجلسي بِأَصْحَابِك ثمَّ التمس بعد مُدَّة من الرُّؤْيَا من أَصْحَابه مساعدته فَلم يطعه مِنْهُم أحد وَقَالُوا لَا قدرَة لنا على سهر اللَّيْل فَرَأى رَسُول الله
مرّة ثَانِيَة فَقَالَ لَهُ أما قلت لَك اسْتَعِنْ على الْمجْلس بِأَصْحَابِك قَالَ فَقلت لَهُ مَا أَطَاعَنِي أحد فَقَالَ لَهُ أرسل إِلَيْك
стр. 953
جمَاعَة يعاونونك قَالَ فَبعد أَن رَأَيْت ذَلِك يسر الله لي جمَاعَة وَكَانَ يرى النَّبِي
فِي الْمَنَام كثيرا وَيحدث عَن رُؤْيَاهُ فَرُبمَا وَقع بعض النَّاس الضُّعَفَاء فِيهِ حَتَّى اتّفق للشَّيْخ الْفَاضِل الْبَدْر حسن بن عبد الْقَادِر محيي الدّين الْبكْرِيّ الصديقي وَكَانَ مِمَّن يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ فَرَأى فِي مَنَامه أَن الْجَامِع الْأمَوِي ملآن من النَّاس وهم ينتظرون قَالَ فَقلت مَا تنتظرون قَالُوا نَنْتَظِر رَسُول الله
فَبعد ذَلِك دخل النَّبِي
فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يقبلُونَ يَدَيْهِ وَكنت مِمَّن قبل يَده وَقلت لَهُ من أَنْت يَا سَيِّدي قَالَ أَنا رَسُول الله
الَّذِي يَقُول الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْن سوار كثيرا أَنه يراني فِي مَنَامه وَقد جِئْت لحضور مَجْلِسه فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ تَابَ عَن الْإِنْكَار وَصَارَ يلازم مجْلِس ابْن سوار ويعتقده وَيقبل يَده وَكَانَ للشَّيْخ عبد الْقَادِر فَضِيلَة وَكَانَ يقْرَأ الْقُرْآن مجوداً وَكَانَ من أحسن النَّاس قِرَاءَة وَله رِوَايَة عَن الْبَدْر الْغَزِّي وَالشَّيْخ أبي الْحسن الْبكْرِيّ والشهاب أَحْمد الطَّيِّبِيّ الْكَبِير قَالَ النَّجْم وَرَأَيْت فِي تَارِيخ ابْن طولون بِخَطِّهِ هَذِه الأبيات منسوبة للشَّيْخ عبد الْقَادِر بن سوار وَهِي هَذِه
(لَوْلَا ثَلَاث لم أرد عيشة ... أعيش فِيهَا مدّة الْعُمر)
(محيا رَسُول الله ذخر الورى ... من نوره أَسْنَى من الْبَدْر)
(وصحبة الإخوان لي دَائِما ... بِالصّدقِ وَالْإِخْلَاص وَالذكر)
(وتوبة تمحو الَّذِي قد مضى ... فِي الزَّمن الْمَاضِي من الْوزر)
(فأسأل الرَّحْمَن تيسيرها ... فَهُوَ إلهي مَالك الْأَمر)
وَكنت أستبعد أَن تكون لَهُ فَقلت لَهُ رَأَيْت بِخَط ابْن طولون هَذِه الأبيات منسوبة لكم فَهَل أَنْتُم قُلْتُمُوهَا فَقَالَ لي وَإِنَّمَا هِيَ لأخيك الشَّيْخ شهَاب الدّين وَكنت أتفرس ذَلِك حَتَّى أَخْبرنِي الشَّيْخ عبد الْقَادِر أَنه كَانَ يتَمَثَّل بهَا فَظن الشَّيْخ شمس الدّين بن طولون أَنَّهَا نظمه ونقلها النَّاس من خطّ ابْن طولون منسوبة إِلَى الشَّيْخ عبد الْقَادِر حَتَّى رَأَيْتهَا بِخَط الدَّاودِيّ وَغَيره وَكَانَت ولادَة ابْن سوار لَيْلَة دُخُول السُّلْطَان سليم إِلَى دمشق وَهِي لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي سحر لَيْلَة الْأَحَد ثامن عشر جُمَادَى الأولى سنة أَربع عشرَة بعد الْألف عَن أحد وَتِسْعين سنة وَسِتَّة أشهر وَعشْرين يَوْمًا وَصلى عَلَيْهِ فِي التوريزية وَدفن بمقبرة الدقاقين شرقيها من جِهَة الْقبْلَة بمحلة قبر عَاتِكَة وَقيل فِي تَارِيخ مَوته
стр. 954
(قَالُوا قضى قطب الورى نحبه ... وَذَاكَ عبد الْقَادِر المرتضى)
(فَهَل قضى الله لَهُ بِالرِّضَا ... فَقلت فِي تَارِيخه قد قضى)
عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن زين الفيومي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي الإِمَام الْكَبِير الْمَعْرُوف وَهُوَ وَالِد عبد الْبر صَاحب المنتزه الْمُقدم ذكره لزم الشَّمْس الرَّمْلِيّ مُدَّة سِنِين وتفقه بِهِ وَأخذ عَن الشهَاب أَحْمد بن أَحْمد بن عبد الْحق السنباطي وَعَن شيخ الْقُرَّاء الشَّيْخ شحاذة اليمني وَأبي النجا سَالم السنهوري وَالشَّمْس مُحَمَّد البنوفري وَالشَّيْخ صَالح البُلْقِينِيّ وَمن مشايخه أَيْضا النُّور الزيَادي وتلقى الرياضيات عَن السَّيِّد الشريف الطَّحَّان وفَاق فِي الْفُنُون فَجمع بَين الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَكَانَ فَقِيها مُحدثا فرضياً صوفياً وَيعرف الْحساب والهيئة والميقات والموسيقى وَغَيرهَا وتصدّر للإفتاء والتدريس وانتفع بِهِ كثير من الطّلبَة واشتهر فَضله والف تآليف كَثِيرَة مِنْهَا شَرحه الْكَبِير لمنهاج النَّوَوِيّ جمع فِيهِ بَين شرحي شَيْخه الرَّمْلِيّ وشرحي الْخَطِيب وَابْن حجر وَهُوَ عُمْدَة فِي مَذْهَبهم وَله شرح عَلَيْهِ مُخْتَصر من هَذَا سَمَّاهُ الرَّوْض الْمُهَذّب فِي تَحْرِير مَا لخصته من فروع الْمَذْهَب وَكتب على شرح الْمنْهَج وَشرح الْبَهْجَة وَشرح النزهة فِي الْحساب وَمتْن اللمع وَشرح متن الْمقنع فِي الْجَبْر والمقابلة وَشرح الْمَنْظُومَة الشهيرة بالرحبية فِي الْفَرَائِض وَله نظم يتَعَلَّق بالتصوف والعقائد وَمن شعره مَا رثى بِهِ شَيْخه الشمسي الرَّمْلِيّ الْمَذْكُور
(واحر قلبِي على حبر قضى وَمضى ... لَو كَانَ يفدى فدته الْعين بالبصر)
(فالعين تَدْمَع وَالْقلب الحزين غَدا ... بجمرة أوقدت باللهب والشرر)
(لفقد شمس لدين الله سيدنَا ... وَمن هدى النَّاس من بَدو وَمن حضر)
(مُحَمَّد الْعَالم المفضال من سطعت ... بِهِ الْفَضَائِل فِي العلياء كَالْقَمَرِ)
وَكَانَ لَهُ رُتْبَة علية بَين الْأَوْلِيَاء وَكَانَ يصدر عَنهُ كرامات وأحوال باهرة مِنْهَا أَنه مرض لَهُ ولد فزار الإِمَام الشَّافِعِي فَاجْتمع بزين العابدين الْمَنَاوِيّ فَقَالَ لَهُ مصلحتك عِنْد ذَاك الرجل وَأَشَارَ بِهِ إِلَى رجل جَالس فِي طاق من بَيت فَذهب إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ بعض أَصْحَابه من الْعلمَاء فَذكر لَهُ فَدَعَا لوَلَده فَعُوفِيَ وَمِنْهَا أَنه رأى منا مَا عِيسَى بن مَرْيَم ﵊ فِي طَرِيق مطهرة الْجَامِع الْأَزْهَر فَسَأَلَهُ الدُّعَاء فَقَالَ لَهُ بَقِي من عمرك ثَلَاثَة أَيَّام فَذهب إِلَى الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد البنوفري فَقص عَلَيْهِ الْمَنَام فَقَالَ لَهُ من عمرك الَّذِي مَعَ الْمَشَقَّة والكدر فَكَانَ كَذَلِك فَعَاشَ بعد
стр. 955
ذَلِك مَا ينوف على ثَلَاثِينَ سنة وَسُئِلَ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى صَالح البُلْقِينِيّ عَن القطب فَقَالَ من أَرَادَ أَن يرى القطب فَلْينْظر إِلَى عبد الْقَادِر إِلَى غير ذَلِك من كراماته الْمَشْهُورَة بَين عُلَمَاء جَامع الْأَزْهَر وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَكَانَ هيأ قَبره قبل مَوته بِمدَّة جوَار الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد بن الترجمان الْمَشْهُور تجاه مقَام السُّلْطَان قايتباي بصحراء مصر
عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن يحيى بن مكرم بن محب الدّين بن رَضِي الدّين بن محب الدّين ابْن شهَاب الدّين بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أبي بكر بن عَليّ بن فَارس بن يُوسُف بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الْوَاحِد بن مُوسَى ابْن إِبْرَاهِيم بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْحُسَيْنِي الطَّبَرِيّ الْمَكِّيّ الشَّافِعِي إِمَام أَئِمَّة الْحجاز قد ترْجم نَفسه فِي بعض كتبه فَقَالَ بعد أَن ذكر نسبه هَكَذَا سرد نسبه هَذَا أَئِمَّة التَّارِيخ وَالْعُلَمَاء الأكابر وَهُوَ متلق لَهُ كَابِرًا عَن كَابر فَإِن الْحَافِظ الْعُمْدَة سراج الدّين عمر بن فَهد مؤرخ مَكَّة ترْجم أَبَا بكر بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ وَنسبه فِي كتاب التَّبْيِين فِي تراجم الطبريين بِهَذَا النّسَب وَوجد ذَلِك بِخَط الْحَافِظ الْعُمْدَة الْمُحدث أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْوَادي آشي وبخط الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن فَهد وَذكر أَنه وجده بِخَط الإِمَام رَضِي الدّين بن الْمُحب الطَّبَرِيّ وسرده كَذَلِك السراج الفهدي فِي مُعْجَمه وذيله على تَارِيخ الفاسي الْمُسَمّى بالدر الكمين بذيل العقد الثمين عِنْد تَرْجَمَة الإِمَام محب الدّين الطَّبَرِيّ وَذكره فِي تَرْجَمَة الْمَذْكُور أَيْضا الشَّيْخ الْعَلامَة عز الدّين بن فَهد فِي مُعْجَمه وَفِي كِتَابه الْمُسَمّى نزهة ذَوي الأحلام بأخبار الخطباء وَالْأَئِمَّة وقضاة بلد الله الْحَرَام وَسَاقه أَيْضا الشَّيْخ الرحلة جَار الله بن فَهد فِي مُعْجَمه الْمُسَمّى نوافج النفح المسكي بمعجم جَار الله بن فَهد الْمَكِّيّ عِنْد تَرْجَمَة شَيْخه الإِمَام محيي الدّين الطَّبَرِيّ وَفِي كِتَابه الْمُسَمّى القَوْل المؤتلف فِي الْخَمْسَة الْبيُوت المنسوبين للشرف وَصَاحب هَذِه التَّرْجَمَة ولد وَنَشَأ بِمَكَّة وترعرع فِي حجر أَبَوَيْهِ وأكمل حفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَصلى بِهِ التَّرَاوِيح فِي مقَام إِبْرَاهِيم ﵇ وَهُوَ فِي هَذَا السن وَحفظ عدَّة متون مِنْهَا الْأَرْبَعين النووية فِي الحَدِيث والإشارات عَلَيْهَا والعقائد النسفية وألفية ابْن مَالك فِي النَّحْو وَثلث الْمنْهَج لشيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا فِي الْفِقْه وَعرض جُمْلَتهَا على عدَّة مَشَايِخ فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة مِنْهُم شَافِعِيّ عصره الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ الْمصْرِيّ
стр. 956
الشَّافِعِي والعلامة المفنن شمس الدّين مُحَمَّد النحراوي الْحَنَفِيّ والقدوة الْمُفِيد عبد الرَّحْمَن الشربيني الْخَطِيب وَالشَّيْخ الإِمَام الْعُمْدَة عَليّ بن جَار الله بن ظهيرة الْحَنَفِيّ وَالشَّيْخ الصَّالح الْعَالم يحيى بن مُحَمَّد الْحطاب الْمَالِكِي وَجَمَاعَة كَثِيرُونَ وأجازوه بمحفوظاته إجَازَة رِوَايَة وَكَتَبُوا لَهُ مَا يكْتب مثله فِي الْعَادة من الْإِجَازَة وَشرع من هَذَا الْعَام فِي الِاشْتِغَال وَحل الْمُتُون على الْمَشَايِخ فلازم دروس الرَّمْلِيّ فِي مجاورته تِلْكَ السّنة بِمَكَّة تبركاً وَشرع فِي حل الْمنْهَج على الشربيني وانْتهى فِيهِ إِلَى شُرُوط الصَّلَاة ولازم دروس الشَّيْخ الْجَلِيل المتقن المفنن عبد الرَّحِيم بن أبي بكر ابْن حسان الْحَنَفِيّ وَأخذ عَنهُ النَّحْو وَالصرْف وَأخذ النَّحْو وَالْعرُوض عَن الأديب الألمعي جمال الدّين بن إِسْمَاعِيل العصامي والمنطق عَن أخي الْمَذْكُور على العصامي وَحضر عِنْده قِرَاءَة شرح آدَاب الْبَحْث لمنلا حَنَفِيّ وَقطعَة من أَوَائِل الْمُغنِي لِابْنِ هِشَام وَقطعَة من شرح الجامي على الكافية وَحضر قِرَاءَة جَانب من شرح الْمنْهَج على الشَّيْخ الْقدْوَة أبي الْبَقَاء الغمري وَحضر عِنْده أَيْضا قِرَاءَة شرح الورقات للمحلى وَقَرَأَ قِطْعَة من أَوَائِل شرح الْمنْهَج على الشَّيْخ الصَّالح نصر الله بن مُحَمَّد وجانباً مِنْهُ أَيْضا على الشَّيْخ الْمُفِيد مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الزمزمي وَقَرَأَ جانباً من متن الْمِنْهَاج على الشَّيْخ الْجَامِع المطلع مُحَمَّد البهنسي وَقَرَأَ جانباً من متن الشاطبية بعد حفظ نصفهَا على الشَّيْخ المفنن عَليّ الْهَرَوِيّ وَجمع عَلَيْهِ للقراء السَّبْعَة سُورَة الْبَقَرَة بكمالها وَقَرَأَ جانباً من تَهْذِيب الْمنطق للْقَاضِي زَكَرِيَّا عَليّ الشَّيْخ عَليّ بن ظهيرة ولازم ودأب وأعانه فهمه الثاقب فتصرف فِي النّظم والإنشاء وإنشاء الرسائل البديعة واطلع على الْعُلُوم الْعَرَبيَّة الأدبية فانقادت لَهُ طَائِعَة ثمَّ ترقى إِلَى مَا هُوَ أصعب مَسْلَك فاهتم بِقِرَاءَة جَانب من شرح الجغميني فِي الْهَيْئَة وَقطعَة من أَوَائِل شرح التَّجْرِيد للمنلا عَليّ القوشجي على الْعَلامَة الْجَلِيل نصير الدّين بن مُحَمَّد غياث الدّين مَنْصُور وَقَرَأَ عَلَيْهِ قِطْعَة من رِسَالَة الإسطرلاب وَقَرَأَ جانباً من كليات شرح الموجز فِي الطِّبّ للنفيسي على الْفَاضِل الْكَامِل يُوسُف الكيلاني وَقَرَأَ جانباً من شرح هِدَايَة الْحِكْمَة لمير قَاضِي حُسَيْن على السَّيِّد الْجَلِيل غضنفر ثمَّ صنف وأجاد كتبا عديدة مِنْهَا مقامة سَمَّاهَا درة الأصداف السّنيَّة فِي ذرْوَة الْأَوْصَاف الحسنية وَكتاب مُشْتَمل على زبدة أَرْبَعِينَ علما سَمَّاهُ عُيُون الْمسَائِل من أَعْيَان الرسائل وَشرح على الدريدية سَمَّاهُ الْآيَات الْمَقْصُورَة على الأبيات الْمَقْصُورَة وَشرح على سيرته الَّتِي
стр. 957
نظمها سَمَّاهُ حسن السريرة فِي حسن السِّيرَة وَشَرحه على قِطْعَة من ديوَان المتنبي سَمَّاهُ الْكَلم الطّيب على كَلَام أبي الطّيب وعلو الْحجَّة بِتَأْخِير أبي بكر بن حجَّة وَله رسائل علمية مِنْهَا قِطْعَة على أَوَائِل صَحِيح البُخَارِيّ سَمَّاهَا إفحام المجاري فِي إفهام البُخَارِيّ ورسالة سل السَّيْف على حل كَيفَ ورسالة فسر بهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ سَمَّاهَا عرائس الْأَبْكَار وغرائس الأفكار وَمِنْهَا شرح على كتاب الْكَافِي فِي علمي الْعرُوض والقوافي سَمَّاهُ كشف الخافي من كتاب الْكَافِي وَلم يزل منهمكاً على الْعلم مباحثاً فِيهِ مَعْرُوفا بِهِ وَله الْأَشْعَار الرائقة الحلوة فَمن ذَلِك قَوْله يمدح الشريف حسن بن أبي نمي
(بَدَت تجر ذيول التيه والخيلا ... فِي رَوْضَة الْعجب حَتَّى قلت حيّ على)
(خود تجرّد بيضًا من لواحظها ... فَتتْرك الْأسد فِي ساحاتها قَتْلَى)
(وتنثني بقوام زانه هيف ... فتجعل الْغُصْن تعديلاً كَذَا ميلًا)
(مَا أطلعت لي هلالاً من مبرقعها ... إِلَّا وعاينته بَدْرًا فَلَا أَفلا)
(وَلَا رنت لي بلحظ فَتْرَة كسلا ... إِلَّا وَقد بعثت جَوف الحشا رسلًا)
(يَا حسنها من فتاة حل مبسمها ... ظلم يفوق على لذاته العسلا)
(ورصعته لآل حول منبتها ... زمزّد الوشم يَا لله من فعلا)
(ناديتها ورماح الْحَيّ معلنة ... يَا ظَبْيَة الْحَيّ هَل مَا يبلغ الأملا)
(لوالهٍ عبثت أَيدي الغرام بِهِ ... أما ترى شَأْنه أَن يبدع الغزلا)
(قَالَت صدقت وَلَكِن ذَاك تَوْطِئَة ... لمدح أفضل من فِي الأَرْض قد عدلا)
(السَّيِّد الْحسن الْملك الْهمام وَمن ... ترَاهُ بِالْحَقِّ للجوزاء منتعلا)
(سُلْطَان مَكَّة حامي الْبَيْت من شهِدت ... بعد لَهُ الأَرْض لما مهد السبلا)
(مؤيد الدّين بالفهم الَّذِي اقترنت ... بِهِ السعادات فِي حالاته جملا)
(لَيْث الكتيبة مروى المشرفية من ... دم العدا منهلاً إِذا أرعف الأسلا)
(صَاد الصناديد يَوْم الْحَرْب مَا بَطل ... رأى عجائبه إِلَّا وَقد بطلا)
(كم ذَا أبانت عَن العلياء همته ... وَكم أبادت معالي عزمه رجلا)
(وَكم محا سَيْفه أهل الْفساد وأرباب ... العناد فجارى سَيْفه الأجلا)
(فَأَصْبحُوا لَا ترى إِلَّا مساكنهم ... بلاقعاً قد كساها الذل ثوب بلَى)
(وَلَيْسَ بدعاً فَهَذَا شَأْن وَالِده ... على المرتضى السَّامِي بِفضل وَلَا)
стр. 958
(فسل حنيناً وسل بَدْرًا وسل أحدا ... والنهروان وسل صفّين والجملا)
(فيا ابْن طه عَلَوْت النَّاس مرتبَة ... وَجل قدرك أَن تحكي لَهُ مثلا)
(هَل أَنْت ملك عَظِيم الْخلق أم ملك ... أبن فأمرك هَذَا حير العقلا)
(جمعت كل صِفَات الْحسن أعظمها ... جبر الخواطر للعاني وَمن وصلا)
(لَا سِيمَا من عبيد غرس نعمتكم ... أَبَا وجدا فَمن ذَا أَصْبحُوا أصلا)
(لذا حثثت مطايا الْعَزْم مسرعة ... إِلَى فنائك كَيْمَا أبلغ الأملا)
مِنْهَا
(مَا ينفذ حكم الشَّرْع دَامَ سوى ... ذَات الشريف وَمَا عَنهُ نرى حولا)
(أدامه الله فِي سعد يسر بِهِ ... وَذَا دُعَاء لكل الْخلق قد شملا)
(ثمَّ الصَّلَاة على الْمُخْتَار من مُضر ... والآل والصحب مَا مدح الشريف حلا)
وَلما وقف على قَول الْبَدْر الدماميني
(يَا سَاكِني مَكَّة لَا زلتم ... أنسا لنا أَنِّي لم أنسكم)
(مَا فِيكُم عيب سوى قَوْلكُم ... عِنْد اللقا أوحشنا إنسكم)
قَالَ مجيباً
(مَا عيبنا هَذَا وَلكنه ... من سوء فهم جَاءَ من حدسكم)
(لم نعن بالإيحاش عِنْد اللقا ... بل مَا مضى فابكوا على نفسكم)
وحذا حذوه وَلَده زين العابدين الْمُقدم ذكره فَقَالَ
(يَا مظهر الْعَيْب على قَوْلنَا ... عِنْد اللقا أوحشنا أنسكم)
(مَا قصدنا مَا قد جنحتم لَهُ ... من خطأ قد جَاءَ فِي فهمكم)
(فقولنا الْمَذْكُور جَار على ... حذف مُضَاف غَابَ من حدسكم)
(وَالْقَصْد فقد الْأنس فِيمَا مضى ... لَا ضِدّه الْوَاقِع فِي وهمكم)
(فالأنس لم يوحش بلَى فَقده ... هُوَ الَّذِي يوحش من مثلكُمْ)
(وَبعد أَن بَان لكم فاجزموا ... بِنِسْبَة الْعَيْب إِلَى نفسكم)
وَحين وقف على مَا قَالَه الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرؤف قَالَ مجيباً ومعتذراً عَن الدماميني
(صونا موَالِي الْفضل بَين الورى ... للبدر إِن تُدْرِكهُ شمسكم)
(وجللوه بعباء الإخا ... فَإِنَّهُ الْأَنْسَب من قدسيكم)
(فَإِنَّهُ الْكَنْز وبنيانه ... مؤسس قد مَا على أسكم)
(كَأَنَّهُ أضمر أَن شانكم ... صناعَة الْإِيهَام فِي لفظكم)
(فَاسْتعْمل النَّوْع الَّذِي أَنْتُم ... أَدْرِي بِهِ كي يجتني غرسكم)
стр. 959
(وَلم يَسعهُ كَونه مُنْكرا ... لمثل هَذَا الحذق من مثلكُمْ)
(فَإِن هَذَا سَائِغ شَائِع ... برهانه أوحشنا أنسكم)
وَكَانَت ولادَة صَاحب التَّرْجَمَة آخر نَهَار السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة بِمَكَّة وَتُوفِّي فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَتُوفِّي وَالِده الإِمَام مُحَمَّد ابْن يحيى سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَسبب موت صَاحب التَّرْجَمَة أَنه لما كَانَ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سلح شهر رَمَضَان أَمر حيدر باشا مُتَوَلِّي الْيمن أَن لَا يخْطب الْعِيد فِي هَذَا الْعَام إِلَّا خطيب حَنَفِيّ وَكَانَت النّوبَة لصَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ قد تهَيَّأ للخطبة وَأخذ جَمِيع مَا يَحْتَاجهُ من السماط والحلوى على عَادَة خطيب الْعِيد بِمَكَّة فراجع حيدر باشا فِي ذَلِك فَلم يفعل وشدد فِي مَنعه مُبَاشرَة خطْبَة الْعِيد فتعب لذَلِك تعباً شَدِيدا فَمَاتَ فَجْأَة وَصلى عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْعِيد من يَوْمه والطبريون بَيت علم وَشرف مَشْهُورُونَ فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وهم أقدم ذَوي الْبيُوت بِمَكَّة فَإِن الشَّيْخ نجم الدّين عمر بن فَهد ذكر ذَلِك فِي كِتَابه التَّبْيِين بتراجم الطبريين وَقَالَ إِن أول من قدم مَكَّة مِنْهُم الشَّيْخ رَضِي الدّين أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَليّ بن فَارس الْحُسَيْنِي الطَّبَرِيّ قيل سنة سبعين وَخَمْسمِائة أوفى الَّتِي بعْدهَا وَانْقطع بهَا وزار النَّبِي
وَسَأَلَ الله تَعَالَى عِنْده أَوْلَادًا عُلَمَاء هداة مرضيين فولد لَهُ سَبْعَة أَوْلَاد وهم مُحَمَّد وَأحمد وَعلي وَإِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَكَانُوا كلهم فُقَهَاء عُلَمَاء مدرسين وَكَانَ دُخُول الْقَضَاء وإمامة مقَام إِبْرَاهِيم فِي بَيتهمْ سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة كَمَا ذكره النَّجْم بن فَهد فِي تَارِيخه إتحاف الورى بأخبار أم الْقرى وَذكره الفاسي فِي تَارِيخه العقد الثمين فِي تَارِيخ بلد الله الْأمين وَلم تزل إِمَامَة الْمقَام الْمَذْكُور مَخْصُوصَة بهم لَا مدْخل مَعَهم فِي ذَلِك الْأَجْنَبِيّ وكل من كمل مِنْهُم للمباشرة يُبَاشر وَلَا يحْتَاج إِلَى إِذن جَدِيد لوُقُوع الْإِذْن الْمُطلق لَهُم من زمن السلاطين السَّابِقين والأشراف الْمُتَقَدِّمين وَاتفقَ فِي عَام إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف أَن إنْسَانا رام الدُّخُول مَعَهم فِي ذَلِك وَقع كَلَام طَوِيل فِي ذَلِك ثمَّ مَنعه الشريف عبد الله بن الْحسن ثمَّ ورد أَمر من وَزِير مصر حِينَئِذٍ مُحَمَّد باشا بِمَنْع الْمَذْكُور أَيْضا وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى الْآن وَمَا زَالَت المناصب الْعلية فِي أَيْديهم يتلقونها كَابِرًا عَن كَابر ويعقدون عَلَيْهَا فِي مقَام الافتخار بالخناصر من الْقَضَاء وَالْفَتْوَى والتدريس والإمامة والخطابة بِبَلَد الله النفيس وَكَانَ منصب الخطابة قَدِيما
стр. 960
ينْتَقل بِمَكَّة فِي ثَلَاثَة بيُوت الطبريين والظهيريين والنويريين وَبَيت الطَّبَرِيّ أقدمهم فِي ذَلِك كَمَا يعلم من كتب التواريخ الْقَدِيمَة وَمن خطباء الطبيين الْمُحب الطَّبَرِيّ والبهاء الطَّبَرِيّ ثمَّ إِنَّه فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَألف جدد خطيب مالكي ثمَّ حنبلي ثمَّ آخر حنبلي فِي عَام ثَلَاث وَأَرْبَعين وَكَانَ منصب الخطابة مَحْفُوظًا عَن أَحْدَاث النَّاس فَلَا يقلده إِلَّا الْعَظِيم علما أَو نسبا وَاتفقَ فِي عَام إِحْدَى وَأَرْبَعين أَن بَاشر الخطابة الشَّيْخ مُحَمَّد المنوفي فورد أَمر من وَزِير مصر مُخَاطبا بِهِ صَاحب مَكَّة وقاضيها وَشَيخ حرمهَا بِمَنْعه من ذَلِك فَلَمَّا جَاءَت نوبَته امْتنع قَاضِي مَكَّة إِذْ ذَاك شكر الله أَفَنْدِي من الصَّلَاة خَلفه فَأرْسل إِلَى الشريف زيد وَكَانَ بمصلاه بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَقد صعد الْمِنْبَر وخطب فَأرْسل إِلَيْهِ الشريف وَمنعه من الصَّلَاة وَأَشَارَ إِلَى غَيره فصلى بِالنَّاسِ ثمَّ الخطباء فِي زَمَاننَا بغاية الْكَثْرَة بِحَيْثُ أَنه لم يصل الْوَاحِد مِنْهُم إِلَى نوبَته إِلَّا بعد مُضِيّ سنة ولنبي الطَّبَرِيّ مزِيد التَّقْوَى والورع وَالصَّلَاح وَتُوفِّي أَسبَاب الْخَيْر والفلاح وَزِيَادَة الألفة بَينهم وَبَين وُلَاة مَكَّة المشرفة والتراسل بَينهم بالأشعار الْحَسَنَة اللطيفة مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي التواريخ الْمَذْكُورَة وَغَيرهَا حَتَّى أَن تِلْكَ الألفة بَينهم اقْتَضَت المواصلة بالمصاهرة وأكملت مَا هُوَ من أَسبَاب الْمُفَاخَرَة فقد نقل الفاسي أَن زَيْنَب بنت قَاضِي مَكَّة الشهَاب أَحْمد بن قاضيها أَيْضا الْجمال مُحَمَّد الطَّبَرِيّ كَانَت زَوْجَة للشريف عجلَان صَاحب مَكَّة سنة سبعين وَسَبْعمائة ثمَّ اخْتلعت مِنْهُ لتسريه عَلَيْهَا وَمن طالع العقد الثمين علم مَا لَهُم من المناقب وَمَا اشتملوا عَلَيْهِ من المناصب وناهيك بالمقامة الَّتِي أَنْشَأَهَا الْحَافِظ جلال الدّين السُّيُوطِيّ مهنئاً الْمُحب الطَّبَرِيّ الْمُتَأَخر لما عزل أَبَا السعادات وَأَبا البركات ابْني ظهيرة عَن خطة الْقَضَاء وَولي ذَلِك بمفرده مَعَ مَا أضيف إِلَيْهِ من المناصب بسعاية الشريف أبي الْقَاسِم بن حسن بن عجلَان صَاحب مَكَّة وَمن جملَة المقامة
(إِن الْقُضَاة بِمَكَّة لثَلَاثَة ... طبقًا لما قد جَاءَ فِي الْأَخْبَار)
(شيخ الْمقَام وَقد مضى فِي جنَّة ... والقاضيان كِلَاهُمَا فِي النَّار)
وَذكر الْحَافِظ نجم الدّين عمر بن فَهد فِي تَذكرته الْمُسَمَّاة نور الْعُيُون بِمَا تفرق من الْفُنُون قَالَ لما كنت بِالْقَاهِرَةِ المحروسة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة ورد إِلَيْهَا القَاضِي أَبُو البركات بن عَليّ بن ظهيرة ساعياً لِأَخِيهِ أبي السعادات فِي عوده لمنصبه قَضَاء الشَّافِعِيَّة وصحبة سؤالان مَعْنَاهُمَا أَن رجلَيْنِ من طلبة الْعلم الشريف بهَا
стр. 961
تنَازعا فِي مسئلة فَرضِيَّة فقصد أَحدهمَا بالسؤال عَنْهَا أَخَاهُ أَبَا السعادات وَامْتنع الآخر فَحلف الأول بِالطَّلَاق الثَّلَاث أَنه لَيْسَ بِمَكَّة وأعمالها أحد أعلم مِنْهُ فَهَل يَقع على الْحَالِف حنث أم لَا وَهل بِالْبَلَدِ من يُسَاوِي الْمشَار إِلَيْهِ فِي الْعلم أَو يفوقه فَأجَاب شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ الشهَاب أَحْمد بن حجر الْعَسْقَلَانِي الْكِنَانِي وَالْإِمَام السنباطي بِعَدَمِ الْحِنْث وَأطلق الأول بِانْفِرَادِهِ فِي وقته وَعدم مساواته فضلا عَن أَن يفوقه أحد فِي بَلَده وَقيد الثَّانِي بِأَنَّهُ إِذا سُئِلَ فِي الْفِقْه أجَاب فِي الْحَال من الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أَو فِي الْأُصُول فَمن ابْن الْحَاجِب والبيضاوي وَكَذَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير كَمَا شَاهده مِنْهُ فِي مجاورته بِبَلَدِهِ فَلَمَّا اطلع على السؤالين وجوابهما الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي الْمُحب الطَّبَرِيّ كتب فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة قصيدة لامية من نظمه إِلَى الْحَافِظ ابْن حجر مضمونها الْإِنْكَار عَلَيْهِ وعَلى السنباطي فِي الْفتيا وَهِي هَذِه
(يقبل الأَرْض عبد قد أحبكم ... طفْلا وَفِي كبرٍ فِي الْحبّ مَا عدلا)
(وَيسْأل الله أَن يحظى برؤيتكم ... على الصَّفَا فَعَسَى أَن يبلغ الأملا)
(يَا وَاحِد الْعَصْر خُذ منا مراسلة ... تَشْكُو لما قد حكى عَنْكُم وَمَا حصلا)
(من مَكَّة صدرت تَشْكُو لخالقها ... أَيْضا وتروى لكم عَن ألسن الفضلا)
(مَا بَال سيدنَا زلت أنامله ... وَالله تِلْكَ لعمري زلَّة العقلا)
(جَاءَت لمَكَّة فتيا قد جزمت بهَا ... بِأَن أفضلهَا هَذَا الَّذِي خذلا)
(وَقلت هَذَا طَلَاق لم يَقع وَلَقَد ... قَالَ المحق طَلَاق الأحمق اتصلا)
(إِن كَانَ أعملها من قد ذكرت فقد ... صَارَت بِلَا عَالم وَالْعلم قد هزلا)
(رام الترقي إِلَى الْعليا فأنزله ... ذَا الدَّهْر من طيشه لَا زَالَ مستفلا)
(قد أوقع الحبر فِيمَا لَيْسَ شيمته ... كَانَ الإِمَام عَن التحريف منعزلا)
(ارْجع هداك الَّذِي أَعْطَاك منزلَة ... عَن ذِي الْمقَالة وَالْأَمر الَّذِي نقلا)
(مَا يحمد الله فِي الدّين والهوى وَلَقَد ... ذمّ الَّذِي بالهوى قد كَانَ مشتغلا)
(هلا كتبتم أدام الله دولتكم ... مثل السباطي إِذْ من أَكلَة وحلا)
(خُذ زادك الله حرصاً ذكر سيرته ... عَن وَاحِد لم يزدْ فِيهَا وَلَا جهلا)
(أَبُو السعادات هَذَا من شبيبته ... وَفِي كهولته مَا حَاز قطّ علا)
(لم يَأْخُذ الْعلم عَن شيخ يعرفهُ ... وَجه الصَّوَاب وَلَا أصغى وَلَا قبلا)
(يُفْتِي من الْكتب إِن أخطا فعادته ... وَإِن أصَاب فَوجه الذَّم مَا جهلا)
стр. 962
(والنحو لم يدر فِيهِ قطّ مسئلة ... مثل الْحمار إِذا مَا فِيهِ قد سئلا)
(كَذَا الْأُصُول إِذا مَا قلت مبحثه ... ينشى الرياسة إِذْ كَانَت لَهُ شغلا)
(علم الْفَرَائِض لم يحسن لمسئلة ... مِنْهُ وَلَا لحساب الأَصْل قد عملا)
(قد ضيع الْعُمر حسداً للملا وَله ... عجب وَكبر وحقد بئْسَمَا فعلا)
(أضحى بِمَكَّة يُؤْذِي الْخلق من حمق ... وَلَيْسَ فِي النَّاس شخص من أَذَاهُ خلا)
(لَهُ مثالب أُخْرَى غير مَا ذكرت ... إِنِّي عقلت لساني عَنهُ فانعقلا)
(جَمِيع جيران بَيت الله يَعْقِلهَا ... إِن اتهمت فسل عَن ذَاك من عقلا)
(فَكيف ينْسب من هَذَا لَهُ صفة ... بِأَنَّهُ عَالم وَالْحَال مَا نقلا)
(فَكُن رعاك الْإِلَه الْيَوْم معتذراً ... عَمَّا جنيت وَقل وَالله قد جهلا)
(الله يبْقى لنا هَذَا المليك لقد ... أراح مَكَّة من أَحْكَام من عزلا)
(كَانَت ولَايَته للْحكم نازلة ... وَالْحَمْد لله عَنَّا زَالَ مَا نزلا)
(أسْتَغْفر الله فِي تَقْصِيرهَا فَلَقَد ... جَاءَت بذب لما بِالنَّاسِ قد حصلا)
(وصل رب على الْمُخْتَار من مُضر ... وَآله وأجب يَا خير من سئلا)
(كَذَلِك الصحب والأتباع مَا طلعت ... شمس ولاح ضِيَاء الْأُفق أَو أَفلا)
وَقد أطلقنا عنان الْقَلَم فِي ميدان المداد وَإِن كَانَ لَيْسَ من شَرط المُرَاد إِذْ الحَدِيث شجون وَالْكَلَام يجر بعضه بَعْضًا هَذَا وَقد قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي الْمَذْكُور فِي بعض كتبه أَن قَول الأقران بَعضهم فِي بعض غير مَقْبُول قَالَ وَمَا علمت عصراً سلم أَهله من ذَلِك غير عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ انْتهى كَلَامه قلت وَفِي قَوْله غير عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ تَأمل إِذْ لم يسلمُوا أَيْضا من ذَلِك كَمَا يعرفهُ من طالع سيرهم فَالظَّاهِر الْعُمُوم وَلَعَلَّ كَلَامه مَبْنِيّ على الْأَكْثَر وَالْغَالِب لقلته فيهم بِالنِّسْبَةِ لمن بعدهمْ وَالله تَعَالَى أعلم
عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد أبي الغيض السَّيِّد الْأَفْضَل أَبُو مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن قضيب البان يتَّصل نسبه بِأبي عبد الله الْحُسَيْن قضيب البان الْموصِلِي من أَوْلَاد مُوسَى الجون بن عبد الله الْمَحْض بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ابْن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ وَالْحُسَيْن قضيب البان الْمَذْكُور صَاحب الكرامات الْمَشْهُورَة ذكره كثير من النسابة والمؤرخين وَهُوَ الَّذِي كَانَ صحب الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني قدّس سره وَزوج الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْنَته الْمُسَمَّاة
стр. 963
بخديجة السمينة لأبي المحاسن على ولد الشَّيْخ قضيب البان الْمَذْكُور وَكَانَت قبل تَحت ولد الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الطنشونجي فَمَاتَ عَنْهَا جده وَتَزَوجهَا بعده أَبُو المحاسن عَليّ الْمَذْكُور واستولدها ذكر ذَلِك عبد الله بن سعد اليافعي وَشَيخ الشّرف فِي كِتَابَيْهِمَا فَيكون نسب السَّيِّد عبد الْقَادِر صَاحب التَّرْجَمَة مُتَّصِلا بِحَضْرَة الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني من ابْنَته خَدِيجَة السمينة وبحضرة الشَّيْخ قضيب البان من وَلَده أبي المحاسن على المسطور وَهَذَا السَّيِّد هُوَ أكبر أهل وقته وفريد أقرانه ولد بحماه وَهَاجَر بِهِ أَبوهُ إِلَى حلب وتوطن بهَا إِلَى سنة ألف وفيهَا حج إِلَى بَيت الله الْحَرَام وجاور بِمَكَّة إِلَى حُدُود سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف وَمِنْهَا توجه إِلَى الْقَاهِرَة بِإِشَارَة القطب وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّا قَاضِيا بِمصْر فزاره وَكَانَ مُعْتَقدًا على الْمَشَايِخ والأولياء فبشره بمشيخة الْإِسْلَام وَبَايَعَهُ على الطّرق الثَّلَاثَة النقشبندية والقادرية والخلوتية ثمَّ أقره على طَرِيق النقشبندية وَأمره بالاشتغال بِالذكر القلبي وَله مَعَه كرامات ومكاشفات وَلما ولي الْإِفْتَاء وَجه إِلَيْهِ نقابة حلب وديار بكر وَمَا والاهما مَعَ قَضَاء حماه بطرِيق التَّأْبِيد برتبة مَكَّة المكرمة فَلم يقبل الْقَضَاء والرتبة وَاعْتذر عَن عدم قبُوله وَقبل النقابة لكَونهَا خدمَة آل الرَّسُول
وَاسْتمرّ نَقِيبًا بحلب إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ لَهُ كرامات شهيرة وأحوال باهرة وَألف التآليف الْحَسَنَة الْوَضع الدَّالَّة على رسوخ قدمه فِي التصوف والمعارف الإلهية من جُمْلَتهَا الفتوحات المدنية ألفها على وتيرة الفتوحات المكية والمدنية للشَّيْخ الْأَكْبَر ابْن عَرَبِيّ وفيهَا يَقُول شيخ الْإِسْلَام ابْن زَكَرِيَّا الْمَذْكُور مقرظاً عَلَيْهَا بقوله
(فتوحات شَيْخي غادة مَدَنِيَّة ... كستها نفيسات الْعُلُوم ملابسا)
(فَلَا عجب لَو تشتهيها نفوسنا ... وأبحاثها أبدت إِلَيْنَا نفائسا)
(فَللَّه در الشَّيْخ أكبر عصره ... بأنفاسه لَا زَالَ يحيي المجالسا)
وَله كتاب نهج السَّعَادَة فِي التصوف وناقوس الطباع فِي أسرار السماع وَشرح أَسمَاء الله الْحسنى ورسالة فِي أسرار الْحُرُوف وَكتاب مَقَاصِد القصائد ونفحة البان وحديقة اللآل فِي وصف الْآل وَكتاب المواقف الإلهية وعقيدة أَرْبَاب الْخَواص وَغير ذَلِك مَا ينوف على أَرْبَعِينَ تأليفاً وَله ديوَان شعر كُله فِي لِسَان الْقَوْم وَله تائية عَارض بهَا تائية ابْن الفارض وَقد شرحها الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن المنلا الْمُقدم ذكره شرحاً لطيفاً وَمن لطائف شعره قَوْله
стр. 964
(أرى للقلب نحوكم انجذابا ... لأسْمع من جنابكم خطابا)
(فكم ليل بقربكم تقضى ... إِلَى سحر سُجُود أَو اقترابا)
(وَكم من نشوة وَردت نَهَارا ... فَلَا خطأ وعيت وَلَا صَوَابا)
(وَكم سحت علينا من نداكم ... غيوث لَا تفارقنا انسكابا)
(وَكم نفحات أنس أسكرتنا ... بهَا حضر الصَّفَا وَالْقَبْض غابا)
(توافقت الْقُلُوب على التداني ... فَلم نشْهد بِهِ مِنْكُم حِجَابا)
(لقد حَاز الْوَلِيّ بِكُل حَال ... من الرَّحْمَن فيضاً مستطابا)
(ترَاهُ بَين أهل الأَرْض أضحى ... لداعي الْحبّ أسرعهم جَوَابا)
(وَغير الله لَيْسَ لَهُ مُرَاد ... وَغير حماه لَا يَرْجُو انتسابا)
وَمن رَقِيقه قَوْله
(سقاني الْحبّ من خمر العيان ... فتهت بسكرتي بَين الدنان)
(وَقلت لرفقتي رفقا بقلبي ... وخاطبت الحبيب بِلَا لِسَان)
(شربت لحبه خمرًا سقاني ... كصحبي فانتشى مِنْهَا جناني)
(شطحت بشربها بَين الندامى ... ورشدي ضَاعَ مِمَّا قد دهاني)
(فأكرمني وتوجني بتاج ... يقوم بسره قطب الزَّمَان)
(وَأَمرَنِي على الأقطاب حَتَّى ... سرى أَمْرِي بهم فِي كل شان)
(وأطلعني على سر خفيّ ... وَقَالَ السّتْر من سر الْمعَانِي)
(فهام أولو النهى من بعد سكري ... وغابوا فِي الشُّهُود عَن الْمَكَان)
(مريدي لَا تخف واشطح بسري ... فقد أذن الحبيب بِمَا حباني)
وَقَوله
(نظرت إِلَيْك بِعَين الطّلب ... ومنك إِذن طلبي وَالسَّبَب)
(رَأَيْتُك فِي كل شَيْء بدا ... وَلَيْسَ سواك لعَيْنِي حجب)
(فَأَنت هُوَ الظَّاهِر المرتجى ... وَأَنت هُوَ الْبَاطِن المرتقب)
(وَأَنت الْوُجُود لأهل الشُّهُود ... وَأَنت الَّذِي كل شَيْء وهب)
(وعيني بِعَيْنِك قد أَبْصرت ... لعينك فِي كل تِلْكَ النّسَب)
وَمن مقاطيعه قَوْله
(وَلَقَد شكوتك فِي الضَّمِير إِلَى الْهوى ... وعتبت من حنق عَلَيْك تجننا)
(منيت نَفسِي فِي هَوَاك فَلم أجد ... إِلَّا الْمنية عِنْد مَا هجم المنا)
стр. 965
وَقَوله
(إِذا امتدّ كف للأنام بحاجة ... فقوّتها من عَادَة الهمة السُّفْلى)
(وَمن يَك يَسْتَغْنِي عَن الْخلق جملَة ... فيغنيه رب الْخلق من فَضله الْأَعْلَى)
وَقَوله
(إِذا أَسَأْت فَأحْسن ... واستغفر الله تنجو)
(وَتب على الْفَوْر وارجع ... وَرَحْمَة الله فارجو)
وَله غير ذَلِك من لطائف القَوْل وَكَانَت وِلَادَته بحماه فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي حُدُود سنة أَرْبَعِينَ وَألف بحلب
عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن عمر العلمي الْمَقْدِسِي بن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ مُحَمَّد العلمي وَقد تقدم ذكر تَتِمَّة نسبه كَانَ عبد الْقَادِر هَذَا من الصلحاء الأجلاء وَكَانَ من محَاسِن وقته ونوادره فِي لطف الطَّبْع والتواضع والمعرفة وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح وَإِلَيْهِ كتب الإِمَام خير الدّين الرَّمْلِيّ فِي صدر كتاب قَوْله
(لحضرة القطب وَابْن القطب سيدنَا ... مختارنا العلمي دَامَت فضائله)
(مني سَلاما كعد الْقطر أخصره ... وَذَاكَ نزر إِذا نصت شمائله)
وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْأَحَد وَدفن نَهَار الْإِثْنَيْنِ ثَانِي جُمَادَى الأولى سنة تسع وَسبعين وَألف بِمَدِينَة لدّ بِضَم اللَّام وَتَشْديد الدَّال وَهِي الْقرْيَة الْمَشْهُورَة قرب مَدِينَة الرملة من نواحي الْبَيْت المقدّس فِيهَا يقتل الدَّجَّال فِيمَا يَزْعمُونَ
عبد الْقَادِر بن مصطفى الصفوري الأَصْل الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الْمُحَقق الْكَبِير كَانَ من أساطين أفاضل عصره مَشْهُور الذّكر بعيد الصيت اتّفق أهل عصرنا على جلالته وَعظم شَأْنه وَدينه وورعه وصيانته وأمانته كَانَ فَقِيها مُفَسرًا محدّثاً أصولياً نحوياً وَعِنْده فنون كَثِيرَة غَيرهَا وَكَانَ مُنْقَطِعًا عَن النَّاس كثير الْبلوى والأمراض أَخذ بِدِمَشْق عَن الشَّمْس الميداني وَغَيره ثمَّ رَحل فِي صباه إِلَى مصر وَأخذ بهَا عَن الْبُرْهَان اللَّقَّانِيّ وَأبي الْعَبَّاس الْمقري وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن النَّقِيب الْبَيْرُوتِي نزيل دمياط وَجمع لنَفسِهِ مشيخة رَأَيْتهَا وَعَلَيْهَا خطه وَأكْثر الرِّوَايَة فِيهَا عَن ابْن النَّقِيب الْمَذْكُور ثمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّام ودرس بهَا وَأفَاد وانتفع بِهِ جمَاعَة ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم وَمكث بهَا زَمَانا وَلم يحصل على أمانيه فورد دمشق وَأعْطى بعد ذَلِك الْمدرسَة البلخية وَدَار الحَدِيث الأشرفية فسكنهما ودرس بهما مُدَّة حَيَاته وَكَانَ يدرس بالجامع الْأمَوِي فيحضره أَعْيَان الطّلبَة الشَّافِعِيَّة وَأجل من انْتفع بِهِ وَحصل ودأب مَوْلَانَا الشَّيْخ
стр. 966
الْعَالم الصَّالح الْوَرع تَقِيّ الدّين بن شمس الدّين السَّيِّد الحصني نفع الله بِهِ فَإِنَّهُ لَازمه سِنِين وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ صاحبنا الْفَاضِل أَحْمد بن مُحَمَّد الصَّفَدِي إِمَام الدرويشية الْمُقدم ذكره وصاحبنا الأديب الْفَاضِل زين الدّين بن أَحْمد البصراوي وَغَيرهم وَله تحريرات ورسائل كَثِيرَة ووقفت لَهُ على تَحْرِير علقه على عبارَة الْغَزالِيّ الْمَشْهُورَة فَذَكرتهَا هُنَا لما فِيهَا من الْفَائِدَة والعبارة هِيَ قَوْله لَيْسَ فِي الْإِمْكَان أبدع مِمَّا كَانَ وَكَانَ بعض الطّلبَة سَأَلَهُ عَنْهَا فَأجَاب بِمَا نَصه اعْلَم أَيهَا الْأَخ أَن الْمحَال على قسمَيْنِ أَحدهمَا محَال لذاته وَالثَّانِي محَال لغيره فَإِن الْمُمكن قد يصير محالاً لغيره أَو وَاجِبا لغيره مِثَاله بعث الْمَوْتَى من قُبُورهم مُمكن فِي حد ذَاته لِأَنَّهُ إِذا خلى الْعقل وَنَفسه حكم بِجَوَازِهِ لَكِن لما أخبر سُبْحَانَهُ صَار وَاجِب الْوُقُوع بِالنّظرِ إِلَى خبر الله تَعَالَى لَا يتَخَلَّف عَدمه وَصَارَ محالاً لغيره بِهَذَا الِاعْتِبَار إِذا تقرر لَك هَذَا علمت أَن مَا قَالَه حجَّة الْإِسْلَام حق وإيضاحه إِنَّمَا هُوَ بعد أَن تعلم أَن علم الله تَعَالَى قديم وَأَنه تعلق فِي الْأَزَل بِأَن الْمُمكن الَّذِي وجد يُوجد فِي أَي زمَان وَفِي أَي مَكَان وعَلى أَي صفة وَحِينَئِذٍ فوقوعه على خلاف مَا تعلق بِهِ الْعلم محَال لغيره لِأَنَّهُ لَو وَقع على خلاف ذَلِك لزم انقلاب الْعلم جهلا وَأَنه محَال فِي حق الْحَكِيم الْخَبِير الْعَلِيم الْقَدِيم والإرادة وَالْقُدْرَة تعلقهما بالممكن إِنَّمَا يكون على وفْق تعلق الْعلم الْقَدِيم بِهِ وحينئذٍ تعلم أَن عدم إِمْكَان أبدع مِمَّا كَانَ لَيْسَ فِيهِ نِسْبَة الْجَهْل وَلَا نِسْبَة الْعَجز إِلَى الْملك الديَّان كَيفَ يظنّ ذَلِك بِحجَّة الْإِسْلَام الَّتِي مَلَأت معلوماته الدُّنْيَا بل عدم إِمْكَانه إِنَّمَا هُوَ لعدم تعلق الْإِرَادَة وَالْقُدْرَة بِهِ لما يلْزم عَلَيْهِ من الْمحَال فَتدبر ذَلِك ينْدَفع عَنْك خيال أَوْهَام من لم يعلمُوا مواقع الْكَلَام وَلم يَذُوقُوا دقائق الْعُلُوم بل مطمح أنظارهم اعْتِرَاض أكَابِر الْعلمَاء والطعن على وَرَثَة الْأَنْبِيَاء كَأَنَّهُمْ صَارُوا لَهُم ضدّا فصرف الله تَعَالَى أذهانهم عَن الْوُصُول إِلَى غوامض الْمعَانِي وتمسكوا بظواهر المباني وَمن أجَاب بِأَن مَا مَوْصُولَة لم يُصَادف محلا لِأَن الْمَنْقُول عَن الإِمَام أَنه قَالَ لَيْسَ فِي الْإِمْكَان إِلَى آخِره وَجَوَاب هَذَا الْمُجيب مَبْنِيّ على أَن كَلَام الْحجَّة مَا فِي الْإِمْكَان إِلَى آخِره وَلَيْسَ هُوَ إِلَّا لَيْسَ كَمَا نَقله عَنهُ بعض الْمُتَأَخِّرين وَتكلم عَلَيْهِ بِكَلَام طَوِيل أَيْضا وقفت عَلَيْهِ بعد كتابتي مَا تقدم ورأيته نقل كَلَام الْحجَّة وَمن جملَة مَا نَقله أَن الْبذر الزَّرْكَشِيّ تكلم على هَذِه الْكَلِمَة فِي تَذكرته وَنقل كَلَام بعض من تقدمه فِيهَا هَذَا آخر مَا حَرَّره بفكره وَله ذيل نَقله عَن الإِمَام الْغَزالِيّ وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا التَّحْرِير لِكَثْرَة تداول النَّاس هَذِه الْعبارَة وَبِاللَّهِ
стр. 967
التَّوْفِيق وَكَانَت ولادَة الصفوري فِي سنة عشرَة بعد الْألف وَتُوفِّي فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير
عبد الْقَادِر بن الْمَعْرُوف بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن مُوسَى المشرع بن عَليّ بن أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد أخي سَيِّدي الْفَقِيه أَحْمد بن مُوسَى بن مُوسَى المشرع الصُّوفِي العجيل أحد الصُّوفِيَّة السالكين طَريقَة الأسلاف المتمكنين فِي الْمعرفَة الملازمين لِلْعِبَادَةِ وَكَانَ مِمَّن كمله الله فِي خلقه وخلقه وكرم طبعه وَحسن طَرِيقَته وَكَانَت لَهُ مهابة فِي الْقُلُوب مَعَ خلق جميل وأدب وبراعة وإحسان وَكَانَ المنكرون عَلَيْهِ إِذا سَقَطت عينهم عَلَيْهِ يفرون مِنْهُ فرار الوحوش من الْأسد وَلَا يسْلك مَعَهم إِذا بلغه ذَلِك إِلَّا الْفِعْل الْأسد وَله ثبات على ظُهُور المقربات وَيَد طولي فِي على المقامات وتواترت مِنْهُ الكرامات الَّتِي اشتهرت ووضحت وَكَانَ متواضعاً حسن الْمُعَامَلَة للْمُسلمين وَلَا ينزل نَفسه منزلتها وَله عناية بكتب الصُّوفِيَّة وميل لعلوم الشَّرِيعَة وَكَانَ قَائِما بِخِدْمَة منصب آبَائِهِ وَله فِي بَيت جده الْفَقِيه أَحْمد بن مُوسَى العجيل ظُهُور تَامّ ومنزلة علية ونفوذ كلمة عِنْد الْأُمَرَاء والحكام وَكَانَ من الْكَرم فِي ذروته الْعَالِيَة وتلتمس بركته من الأقطار وَكَانَ من الملازمين للصَّلَاة على النَّبِي
فِي خلواته وجلواته على طَريقَة جده فَإِن لَهُ فِيهَا طَرِيقا راسخة وَكَانَت وَفَاته نفع الله تَعَالَى بِهِ فِي نَيف وَسِتِّينَ وَألف بِبَلَدِهِ بَيت الْفَقِيه ابْن عجيل وَدفن فِي قبَّة آبَائِهِ وَخَلفه فِي منصبه الشَّيْخ عبد الرَّزَّاق العجيل
عبد الْقَادِر بن ميمي الْبَصْرِيّ الْحَنَفِيّ الأديب الْفَاضِل الشَّاعِر عرفني بِهِ المرحوم السَّيِّد عبد الله بن حجازي الْحلَبِي روح الله تَعَالَى روحه وَكنت رَأَيْت تَرْجَمته الَّذِي تَرْجمهُ بهَا فِي التَّأْلِيف الَّذِي أَرَادَ أَن يذيل بِهِ على الريحانة وَقد أثنى عَلَيْهِ وَوَصفه بالأدب وَالْفضل وَرَأَيْت خَبره فِي تعاليق الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله فَقَالَ فِي حَقه كَانَ إِمَامًا عَالما فَاضلا أَخذ عَن عُلَمَاء بَلَده وَقَرَأَ على المنلا إِبْرَاهِيم بن حسن الْكرْدِي نزيل الْمَدِينَة المنورة وَله تآليف مِنْهَا سالة فِي الْمنطق وَأُخْرَى فِي الْعرُوض وَأُخْرَى فِي التصريف وحاشية على تلويح السعد وَكَانَت وَفَاته بِالْبَصْرَةِ فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف ﵀
السَّيِّد عبد الْقَادِر بن النَّاصِر بن عبد الرب بن عَليّ بن شمس الدّين ابْن الإِمَام يحيى شرف الدّين صَاحب كوكبان أحد أَفْرَاد الزَّمَان الْمجمع على جلالته مولده
стр. 968
كوكبان وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ الْقُرْآن وَأخذ بهَا عَن أكَابِر الْعلمَاء الْأَعْيَان وَلم يزل يكْتَسب الْفَضَائِل ويجد فِي تَحْصِيل دَقِيق الْمسَائِل حَتَّى نَالَ مَا ناله ثمَّ تولى بعد وَالِده ملك كوكبان وَمَا والاها من الْبِلَاد وَعلا شَأْنه وَقصد وحطت عِنْده رحال أهل الآمال وَكَانَت حَضرته مجمع الأدباء وحلبة الشُّعَرَاء وهمته مَقْصُورَة على مجد يشيده وأنعام يجدده وَفضل يصطنعه وخامل وَضعه الدَّهْر فيصنعه وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ فاق فِي عصره بِالْيمن على الأقران وساد الْأَعْيَان فَلَا يدانيه مدان مَعَ مَا يُضَاف إِلَى ذَلِك من منظر وسيم ومخبر كريم وخلائق رقت وراقت وطرائق علت وفاقت وفضائل ضفت مدارها وشمائل صفت مشارعها وسودد تثنى بِهِ عُقُود الخناصر ويثنى عَلَيْهِ طيب العناصر وللفقيه الْعَارِف صَالح ابْن الصّديق النمازي الخزرجي أرجوزة سرد فِيهَا نسب جد صَاحب التَّرْجَمَة الإِمَام المتَوَكل على الله يحيى شرف الدّين بن شمس الدّين وأضاف القَاضِي الْفَاضِل الْعَلامَة أَبُو الْفضل عماد الدّين يحيى بن الْحسن الحيمي نسب صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الإِمَام شرف الدّين فلنذكر أَولا أَبْيَات الحيمى ثمَّ نعقبها بِأَبْيَات النمازي فمطلع الأولى هُوَ قَوْله
(أَقُول بعد الْحَمد فِي مقالي ... وَالشُّكْر للخالق ذِي الْجلَال)
(وَبعد أَن أهْدى الصَّلَاة سرمدا ... ثمَّ السَّلَام قَاصِدا مُحَمَّدًا)
إِلَى أَن يَقُول
(معطي الجزيل ذِي النوال الغامر ... مولَايَ عبد الْقَادِر بن النَّاصِر)
(سليل عبد الْبر ذِي المكارم ... نل على صفوة الأكارم)
(سليل شمس الدّين ذِي الْكَمَال ... رَافع بَيت الْمجد والمعالي)
(ابْن الإِمَام الحبر ذِي الْعُلُوم ... كَهْف اللهيف كافل الْيَتِيم)
(يحيى بن شمس الدّين من سَاد الورى ... وَمن حَدِيث مجده لن يفترى)
(هَيْهَات أَن تحصى لَهُ مَكَارِم ... أَو أَن تكون مثله الأكارم)
(دَعَا إِلَى الله بعزم صَادِق ... وَقَامَ بِالْفَرْضِ وَحقّ الْخَالِق)
(ومهد الأقطار والبلادا ... وَأصْلح الله بِهِ العبادا)
(أَحْيَا من الْعلم بدرس مَا درس ... وَاتبع النَّاس هدى ذَا القبس)
(وهاك مَا أوردت فِي إيجازي ... متمماً مَا نظم النمازي)
(فِي نظمه سلسلة الإبريز ... وسردها فِي النّسَب الْعَزِيز)
стр. 969
(الْحَمد لله الْعلي الْأَحَد ... الْقَادِر الْفَرد الْعَزِيز الصَّمد)
(ذِي الطول والإجلال وَالْإِكْرَام ... وَالْفضل وَالْإِحْسَان والأنعام)
(أَحْمَده على توالي النعم ... وأستمده صنوف الحكم)
(وَبعده فأفضل السَّلَام ... على النَّبِي سيد الْأَنَام)
(مُحَمَّد وَآله الْكِرَام ... سفن النجَاة أنجم الظلام)
(وَهَذِه أرجوزة شريفة ... نظمت فِيهَا نسب الْخَلِيفَة)
(الْجَوْهَر الْمُفْرد فِي الْكَمَال ... لما حوى من أكمل الْخِصَال)
(فِي ذَاته الْعُظْمَى وَفِي الْأُصُول ... وَفِي حَوَاشِيه وَفِي الْفُصُول)
(فَمَاله فِي النَّاس من نَظِير ... شَهَادَة من عَارِف خَبِير)
(ألبسهُ الله حلى الخلافه ... فصانها بِالْعَدْلِ والعفافه)
(كعبة أهل الْفضل والعلوم ... وَحجَّة الله على الْعُمُوم)
(أَحْيَا بِهِ الله أموراً جمه ... من دَرَجَات الْآل والأئمه)
(وَكم لَهُ من آيَة وحجه ... دَعَا بهَا النَّاس إِلَى المحجه)
(ليهتدوا فَمن أجَاب الدَّاعِي ... فَهُوَ على الْحق بِلَا اندفاع)
(وَفقه الرَّحْمَن للإجابه ... ولقبول الْحق والإنابه)
(وَمن عَصَاهُ فِي شقاء سرمدي ... فِي هَذِه الدُّنْيَا وَفِي يَوْم غَد)
(مَا بَين مقتول ومستهان ... وَبَين مطرود مدى الزَّمَان)
(وَهَذِه من أعظم الْآيَات ... عِنْد جَمِيع العلما الْأَثْبَات)
(فِي كل حِين مِنْهُ يُسْتَفَاد ... علم بِهِ يَتَّضِح الرشاد)
(راياته محفوفة بالسعد ... يحيى بن شمس الدّين نجل الْمهْدي)
(أَحْمد أَعنِي نجل يحيى الحجه ... نجل الإِمَام المرتضى المحجه)
(ابْن الْجواد أَحْمد بن المرتضى ... ابْن مفضل بن مَنْصُور الرِّضَا)
(ابْن مفضل بن حجاج العلى ... لله من قوم أولي فضل جلى)
(ابْن عَليّ نجل يحيى الْكَامِل ... وَذَاكَ نجل الْقَاسِم الحلاحل)
(نجل الإِمَام يُوسُف الدَّاعِي إِلَى ... هدى الْإِلَه نجل يحيى ذِي العلى)
(ابْن الإِمَام النَّاصِر بن الْهَادِي ... يحيى إِمَام الْحق والرشاد)
(ابْن الْحُسَيْن بن الإِمَام الْقَاسِم ... سليل إِبْرَاهِيم ذِي المكارم)
стр. 970
(سليل إِسْمَاعِيل ذِي الذّكر الْحسن ... سليل إِبْرَاهِيم أَعنِي بن الْحسن)
(هُوَ الْمثنى نجل سبط الْمُصْطَفى ... ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المقتفى)
(أَعنِي سليل الدرة البتول ... بنت النَّبِي الْمُصْطَفى الرَّسُول)
(مُحَمَّد خير الْأَنَام طرّا ... أكْرم بِهِ من نسب أغرّا)
(وسمته سلسلة الإبريز ... والجوهر الْمُرْتَفع الْعَزِيز)
(ورقية لكل دَاء معضل ... فِي الدّين وَالدُّنْيَا فَخذهَا تعتلي)
(وَقد سَأَلت الله بِالْجَمِيعِ ... وبالنبي الْمُصْطَفى الشَّفِيع)
(سُؤال من يستيقن الإجابه ... ويرتجي فِي ذَلِك الإثابه)
(الْعَفو وَالْقَبُول والإنابه ... والفهم والتوفيق والإصابه)
(وجملاً مضمرة فِي النَّفس ... مقدورة قطعا بِغَيْر لبس)
(وَالله ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام ... يعلمهَا وَيعلم اعتصامي)
(بهؤلاء السَّادة الْأَعْلَام ... أول البها والنيل والأحلام)
(حاشا جلال الله أَن يردّا ... يداي صفراً بعد أَن تمدّا)
وَشرح هَذِه الأرجوزة شرحاً وجيزاً لطيفاً السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد ابْن إِبْرَاهِيم الْوَزير جمع فِيهِ سير الْمَذْكُورين فِيهَا وَبَعض فضائلهم وَقد استوفى أَخْبَار الإِمَام شرف الدّين السَّيِّد عِيسَى بن لطف الله بن المطهر بن الإِمَام شرف الدّين فِي تَارِيخ لطيف سَمَّاهُ روح الرّوح وَذكر وقائعه مَعَ التّرْك وماجرياته رَجَعَ إِلَى ذكر المترجم وَمن شعره قَوْله
(قد طَار قلبِي إِلَى من لَا أُسَمِّيهِ ... وَإِن تناسى الوفا فَالله يحميه)
(مهفهف ماد من تيه وَمن جذل ... فكاد قدّ قضيب البان يحكيه)
(بدر تكَاد بدور التم تشبهه ... والظبي حاكاه لَكِن مَا يُسَاوِيه)
(ذُو مقلة يعرف السحر الْحَلَال بهَا ... قلبِي بهَا يتقلى فِي تلظيه)
(كم أكتم الْحبّ فِي قلبِي وأضمره ... لَكِن مدامع عَيْني لَيْسَ تخفيه)
(أَبيت أرعى نُجُوم اللَّيْل منزعجاً ... ألتاع شوقاً وَفِي قلبِي الَّذِي فِيهِ)
(لي نَار وجد وأشواق أكابدها ... لله قلبِي فِيهِ كم يقاسيه)
(الْبَرْق يذهله وَالرِّيح تدهشه ... والشوق ينشره حينا ويطويه)
وَكَانَت وَفَاته فِي الْمحرم سنة سبع وَتِسْعين وَألف بكوكبان وَكَانَ مَرضه ثَلَاثَة أَيَّام
стр. 971
السَّيِّد عبد الْقَادِر القيصري نقيب الْأَشْرَاف بالممالك العثمانية من بَيت مَعْرُوف بِصِحَّة النّسَب فِي مَدِينَة قيصرية دخل دَار السلطنة فِي ابْتِدَاء أمره وجدّ واشتغل ثمَّ لَازم من الْمولى بهاء الدّين زَاده وسلك طَرِيق الْقَضَاء فولي قَضَاء بلدته قيصرية وَمَا انْعَزل عَنْهَا بقريب حَتَّى طلب من طرف السلطنة وَأعْطى نقابة الْأَشْرَاف بالممالك وَكَانَ النَّقِيب إِذْ ذَاك السَّيِّد يحيى قد مَاتَ وَكَانَ ذَلِك فِي شهر ربيع الآخر سنة ثَمَان بعد الْألف فاستمر نَقِيبًا إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ فَاضلا أديباً شَاعِرًا ومخلصه على قاعدتهم قدري ذكره ابْن نَوْعي فِي ذيله وَقَالَ كَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وَولي النقابة بعده السَّيِّد ياوز الْمَعْرُوف بياوز أَمِير
عبد الْقَادِر قَاضِي الْعَسْكَر الشهير بقدري وَهُوَ صَاحب الْفَتَاوَى الْمَشْهُورَة بفتاويه قدري وَيُطلق عَلَيْهَا لفظ الْمَجْمُوعَة وَهِي الْآن عُمْدَة الْحُكَّام فِي أحكامهم والمفتين فِي فتاويهم وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهَا مَجْمُوعَة نفيسة أَكثر مسائلها وقائع وَكَانَت تقع أَيَّام الْمُفْتِي يحيى بن زَكَرِيَّا وَكَانَ هُوَ فِي خدمَة الْمُفْتِي الْمشَار إِلَيْهِ موزع الْفَتْوَى وموزع الْفَتْوَى عِنْدهم عبارَة عَن رجل يجمع الْفَتَاوَى الَّتِي كتبت أجوبتها ويدعها إِلَى يَوْم الثُّلَاثَاء من كل أُسْبُوع فَهَذَا يَوْم التَّوْزِيع فيقف فِي مَكَان من دَار الْمُفْتِي الْمعِين وينادي بأسماء أَصْحَاب الْفَتَاوَى وأسماؤهم مَكْتُوبَة على ظهر قرطاس الْفَتْوَى فَهَذِهِ خدمَة الموزع وَأمين الْفَتْوَى هُوَ الَّذِي يُرَاجع الْمسَائِل من محالها وَينزل عَلَيْهَا الوقائع وَاسْتمرّ عِنْد ابْن زَكَرِيَّا بِهَذِهِ الْخدمَة زَمَانا طَويلا وَكَانَ من ذَلِك الْعَهْد مَوْصُوفا بالتقى والإقبال على أَمر الْآخِرَة وَفِيه صَلَاح وإنابة وَمن هُنَا يحْكى أَن الْمُفْتِي الْمَذْكُور كَانَ أعرف أهل زَمَانه وَاجْتمعَ عِنْده من الحفدة أَرْبَاب الْمعرفَة مَا لم يجْتَمع عِنْد غَيره فَكَانَ إِذا أَرَادَ الْمُفَاوضَة مَعَ أحد فِي أَمر الدُّنْيَا والدولة وأحوال النَّاس قدم الْمولى مُحَمَّد بن عبد الْحَلِيم البورسوي الَّذِي صَار آخرا مفتياً الْآتِي ذكره وَكَانَ عِنْده أَمِين الْفَتْوَى وَأقرب المقربين فيتفاوض مَعَه فِي هَذِه الْأُمُور لكَمَال فطنته ودربته ومعرفته بأحوال النَّاس وَإِذا أَرَادَ المذاكرة فِي مشكلات الْفِقْه والمسائل اخْتَار الْمولى أوزون حسن أَي الطَّوِيل وَكَانَ من خواصه وَإِذا أَرَادَ المباحثة فِي أَنْوَاع الْفُنُون الْعَقْلِيَّة رجح الْمولى مصطفى البولوي الَّذِي صَار آخرا مفتياً وَكَانَ من حَوَاشِيه وَإِذا أَرَادَ المناقشة فِي الْأَدَب وَالشعر ميز الْمولى مُحَمَّد بن فضل الله الشهير بعصمتي الَّذِي صَار آخرا قَاضِي العساكر وَكَانَ من ندمائه وَإِذا أَرَادَ المفاكرة
стр. 972
فِي أَمر الْآخِرَة وأحوال الْمعَاد وَالْجنَّة وَالنَّار استدعى صَاحب التَّرْجَمَة وعَلى كل حَال فَهُوَ من خِيَار الموَالِي الْعِظَام ولي قَضَاء قسطنطينية وَقَضَاء العسكرين مَرَّات وَكَانَ عَالما فَاضلا وقوراً عَلَيْهِ مهابة الْعلم وَالصَّلَاح وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف بقسطنطينية وَدفن خَارج بَاب أدرنه
عبد الْكَرِيم بن الْعَالم الْوَلِيّ أبي بكر الشهير بالمصنف ابْن السَّيِّد هِدَايَة الله الْحُسَيْنِي الكوراني الشاهوي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْمُفِيد أَخذ عَن وَالِده ثمَّ رَحل إِلَى الْفَاضِل المنلا أَحْمد الْكرْدِي المجلى بِضَم الْمِيم ثمَّ جِيم مَفْتُوحَة على وزن صرد قَبيلَة من الأكراد قَالَه بَعضهم وَقَالَ آخر إِنَّه نِسْبَة إِلَى مجلان قَرْيَة تلميذ المنلا حبيب الله الشهير بميرزاجان الشِّيرَازِيّ تِلْمِيذه جمال الدّين مَحْمُود الشِّيرَازِيّ تلميذ جلال الدّين مُحَمَّد الدواني فَقَرَأَ عَلَيْهِ إِثْبَات الْوَاجِب وَشرح حِكْمَة الْعين وَشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب للْقَاضِي عضد الدّين ثمَّ عَاد وَأَبوهُ مَوْجُود وَأقَام على بَث الْعلم ونشره وَله من التصانيف تَفْسِير الْقُرْآن وصل فِيهِ إِلَى سُورَة النَّحْل فِي ثَلَاث مجلدات وَكتاب فِي المواعظ وَعنهُ أَخذ عَلامَة الْوُجُود الإِمَام الْكَبِير المنلا إِبْرَاهِيم بن حسن الْكرْدِي الكوراني نزيل الْمَدِينَة المنورة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمسين بعد الْألف
عبد الْكَرِيم بن أكمل الدّين بن عبد الْكَرِيم بن محب الدّين بن أبي عِيسَى عَلَاء الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن قاضيخان وَهَذَا قاضيخان غير صَاحب الْفَتَاوَى بن بهاء الدّين يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن الْقَاسِم ابْن الْفَقِيه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الْعَدنِي ثمَّ البيجابوري ثمَّ النهرواني الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بالقطبي وَسَيَأْتِي جده عبد الْكَرِيم قَرِيبا كَانَ هَذَا من أَعْيَان الْفُضَلَاء بِمَكَّة وَمن أجلاء الصُّوفِيَّة المجللين ولد بِمَكَّة وَأخذ عَن وَالِده وَغَيره وَأخذ الطَّرِيق عَن الشهَاب أَحْمد الشناوي ولازم بعده تِلْمِيذه السَّيِّد الْجَلِيل سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ وَفتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ بفتوحات وَتحقّق بِمَعْرِِفَة الْوحدَة الوجودية وَله شرح على فصوص القونوي واعتراه فِي آخِره أمره جذب كَانَ يغيب فِيهِ أَحْيَانًا عَن وجوده مَعَ حفظ الْمَرَاتِب الشَّرْعِيَّة وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْأَرْبَعَاء بَين العشاءين عَاشر شهر ربيع الأول سنة خمس وَخمسين وَألف بِمَكَّة وَدفن صَبِيحَة يَوْمه بالمعلاة
المنلا عبد الْكَرِيم بن المنلا سُلَيْمَان بن مصطفى بن حسن القَاضِي بديورنه وَسَنَده ابْن عبد الْوَهَّاب الْكرْدِي الشَّامي الخالدي الشَّافِعِي نزيل دمشق الْعَالم
стр. 973
الْكَبِير الزَّاهِد العابد كَانَ من أمره أَنه قَرَأَ ببلاده واجتهد وَأخذ عَن كبار الْمُحَقِّقين ومشايخه كَثِيرُونَ فَمن أَخذ عَنهُ الحَدِيث عَمه مُحَمَّد عَن ميرزا مُحَمَّد الكوراني وَهُوَ عَن أَبِيه عبد اللَّطِيف عَن المنلا إلْيَاس من كلاط من كوران صَاحب التسهيل على العوامل وَهُوَ أَخذ عَن الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي بأسانيده الْمَشْهُورَة وَأخذ الْفِقْه عَن المنلا أَحْمد الْعُمر ابادي وَهُوَ أَخذ عَن المنلا إلْيَاس الثَّانِي البروزي وَهُوَ أَخذ عَن المنلا إلْيَاس الْمُتَقَدّم بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدّم وَالتَّفْسِير عَن المنلا يُوسُف الكوراني عَن الشَّيْخ عبد الْكَرِيم الشهرزوري الكركدري عَن المنلا إلْيَاس الْمَذْكُور بِسَنَدِهِ وَأخذ تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ عَن المنلا محسن بن المنلا سُلَيْمَان الدشاني قِرَاءَة لبعضه وسماعاً لباقيه فِي الرَّوْضَة الشَّرِيفَة وَهُوَ أَخذه عَن السَّيِّد ميرزا إِبْرَاهِيم الهمذاني وَعَن المنلا أَحْمد المنجلي تلميذ ميرزاجان وَأخذ الْفَرَائِض عَن القَاضِي شكر الله الشقري عَن الشَّيْخ بدر الدّين الطَّائِي عَن الْمولى إلْيَاس الْمَذْكُور بِهَذَا السَّنَد والنحو عَن المنلا عبد الصَّمد الموجشي نِسْبَة إِلَى قَرْيَة موجش من قرى كوران وَله رِوَايَات غير هَذِه وَتمكن فِي الْعُلُوم والمعارف كل التَّمَكُّن وَورد دمشق وَأقَام بهَا وَأخذ عَنهُ بهَا غَالب فضلائها الَّذين بهروا واشتهروا مِنْهُم الْعَلامَة السَّيِّد مُحَمَّد بن كَمَال الدّين النَّقِيب وَالشَّيْخ مُحَمَّد العيثي وَشَيخنَا إِبْرَاهِيم الفتال وَالسَّيِّد الْعَالم شمس الدّين مُحَمَّد الحصني وَكَانَ صَاحب قدم راسخة فِي الْولَايَة وصدرت عَنهُ كرامات ومكاشفات كَثِيرَة مِنْهَا أَنه صَار يَوْمًا إِلَى ربوة دمشق وَمَعَهُ تلامذته المذكورون وَكَانَ الشَّمْس العيثي احْتَلَمَ فِي ليلته تِلْكَ وغفل عَن الِاغْتِسَال فَلَمَّا قَامُوا لصَلَاة الظّهْر تَوَضَّأ وَأَرَادَ الشُّرُوع فِي الصَّلَاة فَجَذَبَهُ المنلا عبد الْكَرِيم من كتفه وَقَالَ لَهُ امْضِ اغْتسل ثمَّ صل فَذهب واغتسل ثمَّ عَاد وَصلى وَله من هَذَا الْقَبِيل أَشْيَاء وَكَانَت وَفَاته رَحمَه الله تَعَالَى تمّ الْجُزْء الثَّانِي ويليه الْجُزْء الثَّالِث وأوله عبد الْكَرِيم بن سِنَان المنشي
стр. 974
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
عبد الْكَرِيم بن سِنَان أحد موالى الرّوم ومنشى الدوران وَأحسن أهل الرّوم لهجة فى النثر العجيب المدهش وأوفرهم اطلاعا على فنون الادب وأعرفهم باللغة الْعَرَبيَّة قَرَأَ على الْمولى على بن سِنَان المحشى ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة فى حُدُود التسعين وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ بهَا على النُّور على بن غَانِم المقدسى الحنفى وَصَحب مُدَّة اقامتة بهَا القاضى بدر الدّين القرافى المالكى وَبَينهمَا مفاوضات وأناشيد كَثِيرَة ثمَّ رَجَعَ الى الرّوم وسلك طَرِيق الموالى فدرس ثمَّ صَار قاضى حلب فى سنة ثَمَان وَعشْرين وَله مَعَ أدبائها مكالمات ومخاطبات ثمَّ عزل عَنْهَا وَولى قَضَاء الْقَاهِرَة وَذَلِكَ يَوْم السبت رَابِع عشرى جُمَادَى الاولى سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَكَانَت مُدَّة قَضَائِهِ بهَا خَمْسَة أشهر وَأَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا وَله مَعَ أَبى الْعَبَّاس المقرى صُحْبَة ومودة وَكَانَ المقرى عرض عَلَيْهِ كِتَابه فتح المتعال فى وصف النِّعَال وَطلب مِنْهُ أَن يقرظ لَهُ عَلَيْهِ فَكتب تقريظا لم يسْبق الى مثله لَكِن فِيهِ طول وَمن جملَته قَوْله فى وصف الْمُؤلف صَاحب الذِّهْن
стр. 975
المتوقد فى فهم المشكلات وَحل رموزها وصائب الْفِكر المتوهج فى فك طلاسمها وَفتح كنوزها
(يحل رموزا لَا يرى من يحلهَا ... وَمَا شَذَّ فهما من كَلَام الاوائل)
طرز حلل الْعُلُوم بوشى أرقامه وَرمى أغراض الْفُنُون بسهام أقلامه
(سِهَام اذا مَا راشها ببنانه ... أُصِيب بهَا قلب البلاغة والنحر)
صفت عَن قذى الْخَطَأ منا هَل أنظاره وَصحت من غمام الأوهام آفَاق افكاره وَشرح ببراعة يراعته صُدُور المهارق وأتى من معجزات البلاغة بالخوارق ان نظم أزرى بِعقد الثريا أَو نثر أخجل زهر الرَّوْض الباسم الْمحيا اذا نطق يطلع نور الْفضل من أفق بَيَانه أَو كتب يجرى زلال الادب من ميزاب قلمه ببنانه
(قلم أَقَامَ وَلَفظه متداول ... مَا بَين مشرق شمسها وَالْمغْرب)
الى أَن قَالَ ألْقى عَلَيْهِ الشّرف رِدَاءَهُ وَالْمجد سرباله فاستسعد بِخِدْمَة نعل النبى عَلَيْهِ سَلام الله مَا هبت الصِّبَا فطوبى لَهُ وناهيك بنعلين لَو أَن الفرقدين حازا أملا لَهما أَن يَكُونَا مِنْهُمَا بَدَلا يَا لَهُ من مَجْمُوع جمع أنواعا وأجناسا من المحاسن وَجرى مَاء البلاغة فى جداول سطوره غير آسن نفث فى عقد الْعُقُول بسحره وسبى أَفْئِدَة البلغاء بنظمه ونثره شفت ظروف حُرُوف مبانيه فَنمت على سلافة لطافة مَعَانِيه كَمَا نم الزّجاج على الرَّحِيق والنسيم على شذى الرَّوْض الانيق
(انى لَا قسم لَو تجسم لَفظه ... أنفت نحور الغانيات الجوهرا)
فَكَانَ البلاغة قَالَت لَا أعصى لَك أمرا وبحور الشّعْر أَطَاعَته فاستخرج مِنْهَا جوهرا ودرا فرشحات تِلْكَ الاقلام نافثات الْمسك ندها
(والعنبر الرطب غَدا قَائِلا ... لَا تدعنى الا بياعبدها)
وَلما استكشفت وُجُوه عرائس مَعَانِيه المخبأة تَحت براقع أسجاعه وقوافيه لمحت ربات جمال قد حسرت لثامها عَن منظر متهلل باسم فتمسكت بِشعر الاديب الناثر النَّاظِم أَبى الْفَتْح كشاجم
(شخص الانام الى صليعك فاستعذ ... من شَرّ أَعينهم بِعَين الْوَاحِد)
فتيقنت ان ارادة التقريظ باجالة جواد الْقَلَم فى ذَلِك المجال لَيْسَ الا للاستعاذة من شرعين الْكَمَال فَمَا أحقنى بقول من قَالَ
(جعلت تقريظى لَهُ عوذة ... تقيه من شَرّ أَذَى الْعين)
стр. 976
انْتهى وَمن بدائعه الفائقة تراجم أَنْشَأَهَا وَترْجم بهَا بعض الوزراء ومشايخ الاسلام وَبَعض الموالى وَالْكتاب وَالْعُلَمَاء وَكلهَا لَا تنوف على الْعشْرين تَرْجَمَة بِكَثِير وهى مَجْمُوعَة عندى فى دفتر من أَمَاكِن مُتَفَرِّقَة وَقد ذكرت مِنْهَا فى محالها بَعْضًا وسأذكر الْبَعْض الآخر ان شَاءَ الله تَعَالَى فانها من نفائس القَوْل وأعجبها التَّرْجَمَة الوهابية ترْجم بهَا أَحْوَال القاضى عبد الْوَهَّاب قاضى الْقُضَاة بِالشَّام كَانَ وَقد ذكر الخفاجى قِطْعَة مِنْهَا عِنْد مَا تَرْجمهُ فى كِتَابه الريحانه وَهَذِه هى برمتها بعد ذكر اسْم المترجم ضَاعَت أوقاته وغلبت على حَسَنَاته سيئاته تمحض للفحص عَن أَحْوَال النَّاس وأخبارهم وتفرغ لنبش خباياهم وأسرارهم يسْأَل من يدْخل عَلَيْهِ عَن الوقائع والحوادث ويشرع فى الْبَحْث عَن النَّاس وَفِيه مبَاحث شعر
(وَلَو نظر العياب فى عيب نَفسه ... لَكَانَ لَهُ شغل عَن النَّاس شاغل)
لَعَلَّه لم يعلم أَن من غربل النَّاس نخلوه وَأَن من أظهر لَهُم الصعوبة ذللوه فيا لهفى على اضاعة بضَاعَة أوقاته بَين حَدِيث غث وَكَلَام رث تمجه نفس السَّامع وتتلوث بِهِ المسامع وَبَين تَدْبِير الاكل وَالشرب وَالْحَالة انه يكفى الانسان لقْمَة تقيم الصلب
(أَظُنك من بَقِيَّة قوم مُوسَى ... فهم لَا يصبرون على طَعَام)
وَلَقَد رَأَيْته وَهُوَ يُكَرر ابتلاع الجوارش وَلَاء وَذَلِكَ لدفع التُّخمَة احْتِيَاطًا وان اسْتَحَالَ أَن تحس تِلْكَ الْمعدة امتلاء لعمرى لَو أكل لُقْمَان العادى ذَلِك الْقدر مِنْهُ لقضى نحبه من التخم ولألقى رَحْله الى حَيْثُ أَلْقَت رَحلهَا أم قشعم وليت شعرى مَا يلْزمه عنيف اكل حَتَّى تشبث فى هضمه بأذيال الجوارشات وَكَانَ قد وَجب عَلَيْهِ حَيْثُ انه مغرم بالاكل أَن يتحاشى اكثاره لَان الْعَامَّة تَقول رب اكلة تمنع اكلات
(وَلَيْسَ الاكل بالقنطار لَكِن ... على مِقْدَار مَا تسع الْبُطُون)
وَلَو رَأَيْته اذا حضر عِنْده الطَّعَام لرأيته حوتى الالتقام خطا فى الاختطاف ثعبانى الجذبات غضنفرى الوثبات وَكَانَ الْحَيَاة على زَعمه لَيست مخلوقة الا للشُّرْب والاكل وان الانسانية فى اعْتِقَاده مَا هى الا عبارَة عَن الْهَيْئَة والشكل وان سَاعَات اللَّيْل وَالْيَوْم مَا وضعت الا للسّنة وَالنَّوْم فيا ضَيْعَة الاعمار تمضى سَبَهْلَلا من زَارَهُ زار شَيخا ملآن الحشا متتابع التمطى والجشا وارحمتا لمجالسيه من الروائح الَّتِى تهب من فِيهِ وَكَانَ يواظب على مَجْلِسه فى خوانه أتراك بَلَده وَمَا يَليهَا من أخدانه واخوانه
стр. 977
(وَأنس القرين الى شكله ... كأنس الخنافس بالعقرب)
من كل من اذا وَقع الْخطاب الْعَام لَا يصلح للخطاب وَمن باكأذيبه تنعطف الْقُلُوب على مُسَيْلمَة الْكذَّاب فيتخذون تِلْكَ الدَّار دَار الندوه ويعدون للصوارم نبوه وللجياد كبوه يتجاذبون لُحُوم أَصْحَاب الاعراض فَلَا بدع فانهم كلاب بل ذئاب على اجسادها ثِيَاب وَمن ذَلِك الحزب الخاسر لئيمهم يلقب بجثى جحود الْحَشْر والبعث قد بلغنى عَنهُ لَا بلغه الله الامل وَلَا زَالَ فى النَّدَم الْمُقِيم المقعد من مجازاة سوء الْعَمَل
(جزى ربه عَنى عدى بن حَاتِم ... جَزَاء الْكلاب العاويات وَقد فعل)
أَنه يروم تَفْضِيل نَفسه بتنقيص الافاضل ويؤمل بِهَذَا السَّبَب تنويه ذكره وَهُوَ فى النَّاس خامل وهيهات واين الثريا من يَد المتناول فتصاممت وَقلت الجانى حمَار وجرح العجماء جَبَّار من ذَا يعَض الْكَلْب ان عضا وحسبت مقاله طنين الذُّبَاب أَو صرير الْبَاب أذن الْكَرِيم عَن الْفَحْشَاء صماء وَقد مَا قيل لَا يضر السَّحَاب نباح الْكلاب وتمثلت بقول أَبى اسحاق الصابى
(لَا تؤمل أَنى أَقُول لَك اخْسَأْ ... لست أسخو بهَا لكل الْكلاب)
وَلَا عتب عَلَيْهِ فان المسعود مَحْسُود وَهل تلام الثعالب بحسد الاسود ونزهت نفسى عَن مجاراة مثله مَتى كَانَت الآساد مثل الثعالب وَبعد هَذَا خض الله تَعَالَى فَاه وَلَا زَالَت ترد وُفُود الصفع على قَفاهُ لم يزل يُدِير على كاسات الاذى مترعة بالقذى
(قد أَصبَحت أم الشرور تدعى ... على ذَنبا كُله لم أصنع)
حَتَّى كَأَنَّهُ اتخذ ثلبى وردم يتَقرَّب الى الشَّيْطَان بِهِ والى الْآن لم أَقف على سَببه كم تحملت مِنْهُ الاذى وَهُوَ البادى وَكم شربت على القذى وَأَنا الصادى وَلما طَال تماديه فى الْبَاطِل بتجانبه عَن الْحق واعراضه لَا غر وحركا أظفار الاقلام فى تخديش صفحات أعراضه فوَاللَّه لانت الظَّالِم لنَفسك فى هَذَا الامر والجانى عَلَيْهَا فى نفخ هَذَا الْجَمْر وَلست الا كَالْكَلْبِ يكْسب لَهُ نباحه الضَّرْب وَمَا مثلك الا مثل كلب غادا فَمه لَهُ ظلوما اذ جنى على استه بِأَكْل الْعِظَام كلوما فانى قد كنت طويت عَن مثالب النَّاس كشحا وَضربت دون ذكر مناقبهم صفحا وأمسيت غضيض الطّرف عَن أَحْوَالهم فَلم أر لَهُم محاسنا ومساويا فَلَا رَحِمك الله ذكرتنى الطعْن وَكنت نَاسِيا عمرى لقد زاحمت الْبَحْر الخضم وتلاعبت بأنياب الاسود والارقم وَمَا أَنْت الا أذلّ من النَّقْد كمبتغى الصَّيْد فى عريسة الاسد أَو مَا خشيت من
стр. 978
اليراعة الَّتِى لعاب الافاعى القاتلات لُعَابهَا أَو مَا خفت من البراعة الَّتِى لَا ينْفق سوق الادب الا بهَا اَوْ مَا قلت ان أَمَامِي مَالا أسامى أتتحكك بأنياب الاسود وبراثن الاسد أَو تراجم جندلا أَو تهادى أجدلا لقد سخنت عَيْنك وحان حينك وَقد قيل اذا جَاءَ أجل الْبَعِير حام حول البير
(يَا سالكا بَين الاسنة والقنا ... انى أَشمّ عَلَيْك رَائِحَة الدَّم)
ولعلك تمسكت بقول الهمدانى من انقادت لعذوبة بَيَانه الْمعَانى
(يَا خَائِف الهجو على نَفسه ... كن فى أَمَان الله من مَسّه)
(أَنْت بِهَذَا الْعرض بَين الورى ... مثل الخرا يمْنَع عَن نَفسه)
نعم الامر كَذَلِك لَكِن الْعبْرَة بقول أَبى الطّيب رقرق على تربه من سِجَال الغفران الصيب وفى عنق الْحَسْنَاء يستحسن العقد وَلَقَد أحسن هَذَا الْمَعْنى الاديب ابْن االزقاق الاندلسى من بأدبه فضل الْمُتَقَدّم قد نسى
(زَادَت على كحل الْعُيُون تكحلا ... ويسم نصل السَّيْف وَهُوَ قتول)
الام تجس المعايب وتطعن فى النَّاس أكليب خُذْهَا من يدى جساس يَا أقذر من آلَة الاحتقان مَتى فست بك فقحة الزَّمَان يَا أنتن من مبال الطواشى وَيَا أنجس من شعير رَوْث المواشى يَا ضمادا الْجرْح وَقد مَضَت عَلَيْهِ عدَّة لَيَال يَا قِطْعَة البلغم فى رئة المسلول وَلم يُخرجهَا السعال يَا تنفس من بِهِ ضيق النَّفس وَيَا اراقة بَوْل قد احْتبسَ يَا طول شعر العانه وَيَا قار مرّة مقروح المثانه يَا لعاب فَم المجذوم وَيَا جشاء من أكل الثوم يَا مَحِيض النِّسَاء وَيَا فسَاء الخنفساء يَا أنجس من سُؤْر الْكَلْب وَيَا أقذر من سَرَاوِيل من بِهِ الجرب الرطب يَا منديل المسلول وَقد لزقت بِهِ قطعات البلغم يَا ريح فَم المخمور المتقيء قبل ان يغسل الْفَم يَا من أغنت عَن المسهلات طلعته يَا من تكفل عمل المغيبات رُؤْيَته يَا من يُكرمهُ النَّاس فى الْمجَالِس والمجامع اكرام الْكَلْب المبتسل اذا دخل الْجَامِع يَا من تحار فى فهم كَلِمَاته الْعَارِية عَن الْمَعْنى والتناسب عقول الافاضل وتذكر فى تِلْكَ الْجمل قَول صَاحب التَّحْقِيق تمثيلا دَرَجَات الْحمل ثَلَاثُونَ وفى عين الذُّبَاب جحوظ وجالينوس ماهر فى الطِّبّ والقرد شَبيه بالآدمى وَكم الامير فى غَايَة الطول يَا من أربى على أَبى جهل فى الضلاله يَا من أتعب بترهاته الْجمال النقاله يَا كَاف وَجه الايام يَا قرحَة عين الاسلام يَا افلاس العاشق يَا تعفف الْفَاسِق يَا صباح المخمور يَا ليل الْغَرِيب يَا سُقُوط نبض الْمَرِيض وَيَا يأس
стр. 979
الطَّبِيب يَا خيبة من رَجَعَ رَاضِيا من الْغَنِيمَة بالاياب وندامة رستم بعد قتل ابْنه سهراب يَا من نتج عِنْده من الْخبث طريفه وتلاده وَيَا من تصلح معايبه مِثَالا لكلى لَا تتناهى أَفْرَاده يَا من جمع من القبائح أنواعا وأجناسا فى قالب وَاحِد وَيَا من عناه ابْن الرومى بقوله
(وَلَو لم تكن فى صلب آدم نُطْفَة ... لخر لَهُ ابليس أول ساجد)
يَا أكره من حَدِيث معاد وَيَا أعبس من وَجه التَّاجِر فى أَيَّام الكساد يَا خجل الْعَرُوس عِنْد أَهلهَا قد فض خَتمهَا غير بَعْلهَا يَا قذارة من يستنجى بِالْمَاءِ الْقَلِيل وَيَا عقدَة تكة أَبَت الْحل وَالْبَوْل يكَاد يحرق الاحليل يَا مسبار الْحجام يَا بَيت حلاقة الْعَانَة فى الْحمام يَا سجادة الزَّانِيَة وَيَا منديل مسح اللائط بعد أَن يرتكب الْحَرَام يَا شَعْرَة رَأس الْقَلَم حِين شُرُوع الْكَاتِب فى الرقم يَا قِطْعَة البلعم فى حلق المغنى عِنْد بَدْء النغم يَا وَاسع الْمَذْهَب وَيَا ضيق الصَّدْر يَا وسخ الْعرض يَا نظيف الْقدر يَا من ألزم كَاتب الْيَسَار كل حِين كِتَابه وَيَا من لَا يَأْثَم عِنْد الله من اغتابه يَا من أدْمى أنامل حِسَاب قبائحه ومعايبه يَا من أحفى أَقْلَام كتاب مساويه ومثالبه
(مسَاوٍ لَو قسمن على الغوانى ... لما أمهرن الا بِالطَّلَاق)
فاليكها وتفكه قبل أَن يقدم لَك الطَّعَام بِهَذَا الحنظل فانى سَوف ألقمك الخرا بالخردل وَلم أزل أذيقك من هَذِه الْفُصُول الموجعة للقلب سياطا الى أَن لَا تتمالك استك الْوَاسِع ضراطا فَترد عَن نَفسك اذ ذَاك وتطفى فى قَلْبك هَذَا الْجَمْر كماردها يَوْمًا بسوأته عَمْرو وَمَا أَنْت الا كالحبارى لَيْسَ سلاحها فى مدافعة السقر الا سلاحها لعمرى لقد أدخلتك هَذِه الاسجاع فى حجر ضَب خرب أَو فى است كلب جرب فأبشرفان بَقِيَّة عمرك القذر تمضى فى ذَلِك الْمنزل الرحب العذب مَاؤُهُ الطّيب هواؤه وَكَانَ وَجب على ذمَّة الحمية الابية مجازاتك فأدينا اليك الْكَيْل صَاعا بِصَاع وأحرقناك شواظ من النَّار الَّتِى هى عبارَة عَن هَذِه الاسجاع كلا وشتان بَينهمَا فان هَذِه لَا تقاس بدواجن كلماتك وَنهى كَمَا تعرفها لَا تخرج من دَارك وَلَا يتعهدها من بجوارك وَأما تِلْكَ الْفُصُول فستسير مسرى الصِّبَا وَالْقَبُول وتصادف من النَّاس مواقع الْقبُول فَلَا غر وأوجبنا عَلَيْك ان نشافهك بِمَا اتصفت بِهِ من المعايب والمثالب وَلَا عتب علينا لَان مَا لَا يتم الْوَاجِب الابه فَهُوَ وَاجِب وَوَاللَّه ان تِلْكَ الالفاظ لتأنف مِنْك وانى أستغفره تَعَالَى فى تعذيبها بك وايذائها بخطابك
стр. 980
كَيفَ لَا وانك لعذرة ملْء اهابك وَمِمَّا بلغنى عَنْك أَن لِسَان الدَّهْر لما أسمعك بعض أسجاعنا الذى تخضع لَهُ رِقَاب القوافى ويميس من حلل البلاغة فى البرود الضوافى بادرت الى مطالعة فقر المقامات لَعَلَّك تجدها فِيهَا أَو فى كتاب آخر يضاهها وتفضل علينا بتصحيح صلَاتهَا وَجعلهَا أنموذج فضلك الغزير فهاتها ونسأل الله السَّلامَة من الوصمة والامداد بالتوفيق والعصمة والارشاد الى سلوك سَبِيل التَّقْوَى والتمسك فى كل حَال بِسَبَبِهَا الاقوى انْتهى وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة فى عشر الاربعين وَالله أعلم
عبد الْكَرِيم بن محب الدّين بن أَبى عِيسَى عَلَاء الدّين وَتقدم تَمام النّسَب فى تَرْجَمَة حفيده القطبى الحنفى مفتى مَكَّة المشرفة الامام الْعَلامَة الملقب بهاء الدّين كَانَ اماما فَاضلا لَهُ اشْتِغَال تَامّ بِالْعلمِ وَخط حسن وَنسخ بِخَطِّهِ كتبا وَله حفظ جيد ومذاكرة قَوِيَّة وَكَانَ عَارِفًا بالفقه خَبِيرا بأحكامه وقواعده مطلعا على نصوصه مَعَ طلاقة الْوَجْه وَكَثْرَة السّكُون وَأما الادب فَكَانَ فِيهِ فريداً يفهم نكته ويكشف غوامضه ويستحضر من الاخبار والوقائع وأحوال الْعلمَاء جملَة كَثِيرَة وَكَانَ من أذكياء الْعَالم ذَا انصاف فى الْبَحْث لَازم عَمه وأستاذه الْعَلامَة قطب الدّين الحنفى مفتى مَكَّة وَبِه تفقه وَعَلِيهِ تخرج وَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الله السندى والعلامة الشهَاب أَحْمد بن ججر الهيتمى روى عَنهُ صَحِيح البخارى وَمِمَّنْ أَخذ عَن المترجم السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَتَوَلَّى افتاء مَكَّة سنة ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَولى ايضا الْمدرسَة السُّلْطَانِيَّة المرادية بِمَكَّة وَألف مؤلفات لَطِيفَة مِنْهَا شرح على البخارى ممزوج لم يكمله سَمَّاهُ النَّهر الجارى على البخارى وتاريخ سَمَّاهُ اعلام الْعلمَاء الاعلام بِبِنَاء الْمَسْجِد الْحَرَام وَهُوَ مُخْتَصر تَارِيخ عَمه الْمَذْكُور زَاد فِيهِ أَشْيَاء حَسَنَة مهمة مِمَّا يحْتَاج اليه وَمَا حدث بعد تألفيه منبهاً عَلَيْهِ وَحكى الامام على الطبرى أَن صَاحب التَّرْجَمَة شَارك فى حُدُود التسعين وَتِسْعمِائَة أَئِمَّة الْمقَام فى امامته وهم السَّادة البخاريون فانهم أقدمهم ثمَّ بَيت الشَّيْخ أَبى سَلمَة وَكَانُوا لَا يزِيدُونَ على أَرْبَعَة أَنْفَار غَالِبا فَكَانَ حَافِظًا للمقام وصائنا لَهُ عَن تطرق مشارك فى الامامة بِحَيْثُ انه ورد سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وَظِيفَة امامة مستجدة للملامكى بن فروخ فَمَنعه صَاحب التَّرْجَمَة بِمَا بِيَدِهِ من الاحكام السُّلْطَانِيَّة لانه كَانَ قد استخرج خُطُوطًا سلطانية بِعرْض صَاحب مَكَّة ان لَا تتجدد وَظِيفَة بالْمقَام الْمَذْكُور فتشفع فروخ والدمكى بِبَعْض أكَابِر الاروام فَبلغ
стр. 981
صَاحب التَّرْجَمَة ذَلِك فَبين الْحَال للمتشفع فامتع من الرَّجَاء فى ذَلِك حِينَئِذٍ فَلَمَّا توفى صَاحب التَّرْجَمَة قَامَ بِهَذَا الشان وَلَده اكمل الدّين وَحفظ النظام ثمَّ جرى عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْقدر فَمَاتَ شَهِيدا فى سنة عشْرين وَألف بعد قصَّة طَوِيلَة فَحِينَئِذٍ انْفَتح الْبَاب فى الامامة فَلم يزل التزايد الى أَن بلغُوا فى زَمَاننَا أَرْبَعَة عشر اماما انْتهى كَلَامه قلت وَقد بلغُوا الْآن نَحْو أَرْبَعِينَ وَصَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الذى سعى فى احداث مَعْلُوم من بندر جده يكون فى مُقَابلَة خدمَة افتاء الْحَنَفِيَّة بِمَكَّة وَأجِيب الى ذَلِك وَجعلت لَهُ خلعة تحمل مَعَ الركب المصرى يلبسهَا فى يَوْم العرضة ثمَّ أحدث لَهُ فى مُقَابلَة ذَلِك أَيْضا صوفان من الديار الرومية وفى ضمنهما مائَة دِينَار وَاسْتمرّ ذَلِك لمفتى مَكَّة الى الْآن وَكَانَت وِلَادَته ضحى يَوْم الِاثْنَيْنِ تَاسِع عشر شَوَّال سنة احدى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة بِأَحْمَد آباد من بِلَاد الْهِنْد وكنى بأبى الْفَضَائِل وَهُوَ تَارِيخ وِلَادَته وَقدم مَكَّة مَعَ وَالِده وَبهَا نَشأ وَتوفى بهَا قبل غرُوب شمس يَوْم الاربعاء خَامِس عشر ذى الْحجَّة سنة أَربع عشرَة بعد الالف وَدفن بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى
عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالعبادى الدمشقى الحنفى الاديب الْفَاضِل الذكى كَانَ لَهُ مُشَاركَة تَامَّة فى الْفُنُون وخبرة فى نقد الشّعْر وَله فى المعميات وحلها الْيَد الطُّولى قَرَأَ بِدِمَشْق على الشَّيْخ عمر القارى وَعبد الرَّحْمَن العمادى والشرف الدمشقى وَعبد اللَّطِيف الجالقى وَغَيرهم وَأخذ طَرِيق الرفاعية عَن الشَّيْخ مُحَمَّد العلمى القدسى وَحج فى بعض السنين وينقل لحجة سَبَب عَجِيب وَهُوَ انه كَانَ لَهُ بعض اخوان مِمَّن اخْتَلَط بهم وامتزج فتوجهوا قَاصِدين الْحَج فَسَار لوداعهم وَكَانَ الْفَصْل فصل الصَّيف وَعَلِيهِ الصُّوف وعَلى رَأسه الْعِمَامَة الْكَبِيرَة فَلَمَّا وصلوا الى بَاب الله أبرموا عَلَيْهِ ان يسير مَعَهم الى الْكسْوَة وَمَا برحوا يلحون عَلَيْهِ الحاحا بعد الحاح الى ان أَخَذُوهُ مَعَهم بنية الْمسير الى المزيريب وفى لَيْلَة الْمسير أبرموا عَلَيْهِ بِأَن يتَوَجَّه مَعَهم الى الْحَج فَلم يخالفهم وَتوجه مَعَهم وكل مِنْهُم أعطَاهُ مَا يحْتَاج اليه فحج حجَّة وَمَا زَالَ مُدَّة عمره يذكر مَا وَقع لَهُ فِيهَا من الاكرام والانبساط ثمَّ عَاد الى دمشق ولازم بعد مُدَّة من الْمولى عبد الْعَزِيز بن قره حلبى الْمُقدم ذكره وناب فى الْقَضَاء بمحكمة الميدان ثمَّ سَافر الى الرّوم فى سنة احدى وَخمسين وَألف وسلك طَرِيق الْقَضَاء فولى قَضَاء بيروت ثمَّ سَافر الى الرّوم مرّة ثَانِيَة وانتقل الى اقليم مصر فَصَارَ قاضى أبيار ثمَّ أَتَى الى دمشق وَصَارَ بهَا مُتَوَلِّيًا على أوقاف الْجَامِع الاموى مُدَّة
стр. 982
وعزل لاختلال وَقع فى الْوَقْف وَولى قسْمَة الْعَسْكَر ثمَّ سَافر الى الرّوم مرّة ثَالِثَة وَصَارَ قاضى بنى سويف وَتوجه اليها فَمَاتَ بهَا وَكَانَ فى أَوَائِل عمره مائلا لجَانب الصّلاح ثمَّ اخْتلف وَكَانَ مفرط السخاء احسن المعاشرة والمحاورة وَكَانَ بَينه وَبَين مُحَمَّد وأخيه أكمل الكريميين مَوَدَّة وصحبة وَجرى بَينهم مفاكهات ومطارحات كَثِيرَة فَمن ذَلِك مَا اتّفق لَهُم وَقد ضمهم مجْلِس فابتدر مُحَمَّد على طَرِيق المساجلة فَقَالَ
(هواى عذرى وَلَا أعذر ... هَذَا على أهل النهى يُنكر)
(يعذلنى اللؤام فى صبوتى ... جهلا وَمَجْنُون الْهوى يعْذر)
(وجدى بِمن تخجل شمس الضُّحَى ... اذا تبدى وَجههَا الانور)
(قد سل من أجفانها أَبيض ... وهز من أعطافها أسمر)
وَقَالَ أَخُوهُ أكمل
(يُرِيك أَن مَاس قِنَا قدها ... غصنا بنوار البها يُثمر)
(ظَبْيَة أنس كم سبت جؤذرا ... وان سبا ريم الفلا الجؤذر)
(تريش من أجفانها أسهما ... يرْمى بهَا حاجبها الموتر)
(لم يقنى من حربها جوشن ... كلا وَلَا درع وَلَا مغفر)
(ينهانى اللائم فى حبها ... هَل أنْتَهى وَالْحسن لى يَأْمر)
وَقَالَ عبد الْكَرِيم صَاحب التَّرْجَمَة
(غادة دلّ أختشى غدرها ... يَا من رأى الغادة لَا تغدر)
(رحت عَلَيْهَا فى الجفا صَابِرًا ... لَكِن عَنْهَا قطّ لَا أَصْبِر)
(ورد الحيا يقطف من خدها ... وماؤه من وَجههَا يقطر)
وَقَالَ أكمل أَيْضا
(دموع عينى فى الْهوى ترسل ... عَمَّا يعانيه الحشا تخبر)
(نمام دمع الصب عاداته ... لكل مَا يطوى الحشا ينشر)
وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى فى سنة سبعين وَألف وَبَنُو العبادى فِيمَا يَزْعمُونَ ينتسبون الى سعد بن عبَادَة سيد الْخَزْرَج الصحابى الْجَلِيل فَعَلَيهِ يكون العبادى بِضَم الْعين والعامة تكسرها فَهُوَ غلط مَشْهُور
عبد الْكَرِيم بن مَحْمُود بن أَحْمد الْمَعْرُوف بالطارانى الميقاتى البعلى الاصل الدمشقى المولد وَالدَّار والوفاة الْكَاتِب الشَّاعِر المؤرخ الملقب كريم الدّين أحد كتاب محكمَة
стр. 983
القسام بِدِمَشْق كَانَ من أَفْرَاد الزَّمَان ومحاسن الايام انْتَهَت اليه الْمعرفَة بِأُمُور الْكِتَابَة والتوريق والانشاء والحساب مَعَ مُشَاركَة تَامَّة فى فنون الادب وَغَيرهَا وَله النّظم الْجيد جَالس جدى القاضى محب الدّين وَقَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا وعَلى غَيره كالحسن البورينى وتأدب بالشمس مُحَمَّد الصالحى الهلالى الشَّاعِر الْمَشْهُور وَكَانَ مليح الْعبارَة فى انشاء الوثائق جيد الفكرة لطيف المحاورة وَكتب الْكثير وَكَانَ كثير المحفوظات عَجِيب الايراد وَله تشيع وَكتب النَّاس عَنهُ كثيرا من نظمه ونثره وقرأت فى بعض مجاميعه بِخَطِّهِ قَالَ جرى لى يَوْمًا فى بعض الاندية أَنه ذكر أشج بنى مَرْوَان عمر ابْن عبد الْعَزِيز وَمَا فعله وَهُوَ خَليفَة من أمره بالكف عَن لعن أَمِير الْمُؤمنِينَ على ابْن أَبى طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على المنابر مُدَّة تزيد على سبعين عَاما كَمَا هُوَ مَشْهُور وتلاوة قَوْله تَعَالَى ان الله يَأْمر بِالْعَدْلِ والاحسان الى آخر الْآيَة عقيب انْتِهَاء خطْبَة يَوْم الْجُمُعَة وَصَارَ هَذَا دأب الخطباء فى جَمِيع الامصار وانجر الْكَلَام من بعض من حضر الى مَا نظمه الشريف الرضى الموسوى فى هَذَا الْمَعْنى بقوله من أَبْيَات يُخَاطب بهَا عمر بن عبد الْعَزِيز
(يَا ابْن عبد الْعَزِيز لَو بَكت ... الْعين فَتى من أُميَّة لبكيتك)
الى آخر الابيات فنظمت هَذِه الابيات وهى من أحسن الشّعْر وأجوده
(أشج بنى مَرْوَان لله دره ... لقد كف عَن سبّ الامام الْمفضل)
(خَليفَة خير النَّاس والاول الذى ... دَعَاهُ رَسُول الله فى كل معضل)
(على أَمِير الْمُؤمنِينَ وصنوه ... وناصره فى يَوْم زحف ومحفل)
(لقد خصّه فى فتح مَكَّة بالاخا ... وبالراية الْعُظْمَى وناهيك من على)
(غَدَاة دَعَاهُ مر حب يَوْم خَيْبَر ... فجلله بِالسَّيْفِ وَالْحَرب تصطلى)
(وفى يَوْم أحزاب أَتَى بفضيلة ... بقتل ابْن ود العامرى المضلل)
(وفى الْحَرْب يَوْم النهروان لقد شفى ... غليلا وحرقوص يجول بمفصل)
(فَأَلْقَاهُ مطروحا صَرِيعًا مجدلا ... كاصحابه النائين عَن نهج مُرْسل)
(أَتَاهُم فلاقاهم رجَالًا خوارجا ... فأرداهم طرا بِغَيْر تمهل)
(وَلم ينج من صماصمه غير سَبْعَة ... وَكلهمْ باؤا باثم معجل)
(كأشقى مُرَاد نَالَ خزيا وذلة ... بقتل امام عَارِف متبتل)
(عَلَيْهِ من الله الْمُهَيْمِن لعنة ... مدى الدَّهْر مَا هبت نسيمات شمأل)
стр. 984
(فَلم تبك شخصا من أُميَّة أعين ... بَكت مِنْهُم عين الاشج بمسيل)
(عَظِيم بنى مَرْوَان خير خَليفَة ... وَخير ذويه من أكول وأحول)
(لقد نزه الماضين عَن لعن سيد ... يكنى أَبَا السبطين فى كل منزل)
(وَعوض ان الله يَأْمر فافتهم ... لما جَاءَ فى نَص الْكتاب الْمنزل)
(فروى ضريحا ضمه صوب رَحْمَة ... وجازاه ربى بالثواب الْمُعَجل)
(وانى لراج أَن أنال بحبه ... من الله فى الفردوس كل مُؤَمل)
(فيا رب بوئنى بحقك جنَّة ... وَأحسن الهى فى الْقِيَامَة موئلى)
قلت وَالْمرَاد من أشج بنى مَرْوَان عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان وَأمه أم عَاصِم بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب وَكَانَ ابْن الْخطاب رضى الله عَنهُ يَقُول ان من ولدى رجلا بِوَجْهِهِ أثر يمْلَأ الارض عدلا كَمَا ملئت جوراً وَلما نفحه حمَار بِرجلِهِ فَأصَاب جَبهته وَأثر بهَا قَالَ أَخُوهُ اصبع الله أكبر هَذَا أشج بنى أُميَّة يملك ويملأ الارض عدلا انْتهى وَلَا يرد عَلَيْهِ عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب فانه وان كَانَ أشج أَيْضا وَهُوَ من أَوْلَاد عمر الا انه لم يل حكما وبشجته ضرب الْمثل لمستهجن يزِيد بِهِ صَاحبه حسنا فانه كَانَ من أجمل أهل زَمَانه وأصابته شجه فزادته حسنا قَالَه فى ربيع الابرار وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة أَخ اسْمه مُحَمَّد وَكَانَ أحد الْمَشْهُورين بجودة الْخط الى الْغَايَة وَكَانَ يكْتب أَنْوَاع الخطوط بأجمعها ويقلد أقسامها على اخْتِلَاف أجناسها وَرُبمَا قلد الْعَلامَة السُّلْطَانِيَّة وَكَانَ سَافر الى مصر فاتفق انه حصلت لَهُ كائنة أدَّت الى وُصُول خَبره الى حَاكم مصر بتقليده الطغرا فَاسْتَحْضرهُ وألح عَلَيْهِ بالاعتراف بذلك فاعترف فَقطعت يَمِينه وَكَانَ بعد ذَلِك أَيْضا يلف على يَده خرقَة ويمسك بهَا الْقَلَم وَيكْتب وَقد وقفت لاخيه عبد الْكَرِيم على أَبْيَات أرسلها اليه بعد حُصُول هَذِه الكائنة لَهُ وَذكر فى أَولهَا مَا هَذَا نَصه من مراسلات كَاتب الْحُرُوف الى اخيه شقيقه وَهُوَ بالديار المصرية مُشِيرا الى حادثته الَّتِى أبكت الْعُيُون وأورثت الْقُلُوب الشجون ومتشوقا اليه
(سَلام كنشر الرَّوْض باكره الْقطر ... على ساكنى قلبى ومنزلهم مصر)
(سَلام عَلَيْهِم من كئيب متيم ... توالى على خديه مدمعه الْغمر)
(وان لَاحَ برق حن شوقا اليهم ... حنين أخى الاشجان قد خانه الصَّبْر)
(وَبعد فانى يَا أخى لما جرى ... أَخُو عِبْرَة تنهر اذ فدح الامر)
стр. 985
(وَلم يَنْقَطِع ذكرى لايامنا الَّتِى ... تقضت بِأَرْض الشأم وهى بكم غر)
(وَكَيف وَقد كُنَّا جَمِيعًا بألفة ... وحاسدنا من غمَّة شفه الْقَهْر)
(واخواننا فى خفض عَيْش وكلنَا ... لفرط ائتلاف لَا يروعنا الذعر)
(وَلَكِن قضى هَذَا الزَّمَان بصدعنا ... وتشتيتنا صبرا على مَا قضى الدَّهْر)
(فَللَّه منا الْحَمد وَالشُّكْر دَائِما ... على المنن اللاتى يجل لَهَا الْحصْر)
(وَلَا زلت ترقى ذرْوَة الْعِزّ مَا شدا ... حمام على غُصْن وَمَا اكتمل الْبَدْر)
(وحن الى الاوطان كل مغرب ... مشوقا الى أهليه وانسكب الْقطر)
وقرأت بِخَطِّهِ مِمَّا نظمته ارتجالا وَقد جلس الى جانبى مليح من ملاح الشأم فى مَكَان مُرْتَفع وَكَانَ الْقَمَر فى تِلْكَ اللَّيْلَة فى حَالَة الابدار وَهُوَ مطل علينا فَقَالَ لى انْظُر الْبَدْر أمامك فَقلت لَهُ الْبَدْر أمامى على أى حَالَة فَخَجِلَ فَقلت منشدا
(وذى قوام رَشِيق ... دنا لبدر التَّمام)
(فَقَالَ والثغر مِنْهُ ... حَال بِحسن ابتسام)
(غَدا أمامك بدر ... فَقلت بدرى أمامى)
وأشعاره وأخباره كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته فى ثامن شعْبَان سنة احدى وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقابر الشِّيعَة فى بَاب الصَّغِير والطارانى نِسْبَة الى طارية وهى قَرْيَة من قرى بعلبك قدم مِنْهَا وَالِده الى دمشق ورأيته فى بعض مجاميعه ينتسب بالطيرانى بِالْيَاءِ ولعلها نِسْبَة على خلاف قِيَاس وَالله أعلم
عبد الْكَرِيم الواردارى مفتى الْحَنَفِيَّة بالشأم ومدرس السليمانية بهَا كَانَ من أهل الْعلم وَالدّين قدم الى دمشق صُحْبَة نائبها الْوَزير سِنَان باشا حِين وَليهَا بعد انْفِصَاله عَن الوزارة الْعُظْمَى فَرفع مرتبته حَتَّى صيره مفتيا فَأَقَامَ بِدِمَشْق سِنِين وَتزَوج بنت الشَّيْخ برهَان الدّين بن أدهم بن عبد الصَّمد وَكَانَ معلما لسنان باشا المومى اليه وَكَانَ كثير الصمت حسن السمت عَلَيْهِ مهابة الْعلم وسكينة الْفضل وَوَقع بَينه وَبَين الشَّمْس ابْن المنقار بِسَبَب مسئلة تحَالفا فِيهَا وَكَانَ ابْن المنقار يتبجح بِهَذِهِ الْقِصَّة وينشد
(أَنا صَخْرَة الوادى اذا هى زوحمت ... واذا نطقت فاننى الجوزاء)
فَكتب لَهُ عبد الْكَرِيم رِسَالَة لَطِيفَة قَالَ فِيهَا بلغنَا انكم حِينَئِذٍ تفخرون وتنشدون أَنا صَخْرَة الوادى وفى الحَدِيث الْمُؤمن هَين لين وَحج من دمشق ثمَّ عَاد اليها وَترك شعر رَأسه بعد حلق النّسك فَلم يحلقه ثمَّ صَار يضفره وَكَانَ مَقْبُولًا ثمَّ عزل عَن فَتْوَى
следующие страницы →