Полный текст (2 236 стр.). Показаны 2206–2236 · переход к 2211.
стр. 2206
مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ وَإِجَارَةِ الْحَجَّامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» ) .
ــ
[المنتقى]
الرَّجُلِ قَبْلَ ذَلِكَ مِمَّا احْتَرَقَ أَهْلُهُ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ يُلْقِيهِ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْمُتَفَائِلِ عِنْدَ سَمَاعِ الْفَأْلِ مِنْ السُّرُورِ بِالشَّيْءِ وَقُوَّةِ رَجَائِهِ فِيهِ أَوْ التَّوَجُّعِ مِنْ الشَّيْءِ وَشِدَّةِ حَذَرِهِ مِنْهُ يَظُنُّ ذَلِكَ وَيُلْقِيهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِهِ، وَقَدْ وَافَقَ ذَلِكَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَكُونُ بَعْضُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مُوَافَقَةً مِنْ بَعْضٍ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «يَكُونُ مُحَدِّثُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوحَى إلَيْهِمْ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ فَعُمَرُ» .
[مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ وَإِجَارَةِ الْحَجَّامِ]
(ش) : قَوْلُهُ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاحْتِجَامِ وَقَوْلُهُ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ وَاسْمُهُ نَافِعٌ وَقِيلَ دِينَارٌ وَقِيلَ مَيْسَرَةُ مَوْلَى مُحَيِّصَةُ وَقَوْلُهُ «فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ» عَلَى مَعْنَى الْإِجَارَةِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ» وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَهَلْ يُحْلَقُ مَوْضِعُ الْمَحَاجِمِ مِنْ الْقَفَا وَوَسَطِ الرَّأْسِ فَقَالَ: إنِّي لَأَكْرَهَهُ وَمَا أَرَاهُ حَرَامًا وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْخِطْمِيُّ وَيَحْتَجِمَ وَفِي كِتَابِ الْحَجِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهِيَةَ إنَّمَا تَنْصَرِفُ إلَى حَلْقِ الْقَفَا وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ يَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ زِيِّ النَّاسِ وَكَانَ مَالِكٌ يَعْتَمِدُ فِي الزِّيِّ وَالْهَيْئَةِ عَلَى مَا أَدْرَكَ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْ سَلَفِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَفِي الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَفِيهِ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ دَاخِلَةٌ فِي الزِّيِّ وَاللِّبَاسِ فَهُمْ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْبِلَادِ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا فَرُبَّمَا تَعَلَّقُوا بِبَعْضِ زِيِّهِمْ وَرُبَّمَا أَخَرَجَ إلَى ذَلِكَ اخْتِلَافُ هَوَاءٍ فِي الْبِلَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنْ كَانَ دَوَاءٌ يَبْلُغُ الدَّاءَ فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إنْ كَانَ دَوَاءٌ يَبْلُغُ الدَّاءَ فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ» عَلَى مَعْنَى التَّحْقِيقِ لِلتَّدَاوِي بِهَا وَذَلِكَ فِي دَاءٍ مَخْصُوصٍ يَكُونُ سَبَبُهُ كَثْرَةَ الدَّمِ.
وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ» .
وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «عَنْ ابْنِ مُحَيِّصَةُ الْأَنْصَارِيِّ أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي إجَارَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قَالَ اعْلِفْهُ نُضَّاحَكَ يَعْنِي رَقِيقَك» ) .
(ش) : مَا رُوِيَ أَنَّهُ «اسْتَأْذَنَ ابْنُ مُحَيِّصَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي إجَارَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا» يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إبَاحَتِهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَتَكَرَّمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْضَى تِلْكَ الْكَرَاهِيَةَ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ سُؤَالِ مُحَيِّصَةُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنَعَ مِنْهُ لِمَعْنًى كَانَ فِيهِ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَنْعُ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَإِنْ كَانَ طَعَامًا لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَيَقِّنَ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ مَا كَانُوا يُعْطُونَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فِي الْأُجْرَةِ طَعَامًا وَرُبَّمَا نَالَتْهُ نَجَاسَةٌ أَوْ شَكٌّ فِي نَجَاسَتِهِ بِمَا يُحَاوِلُهُ مِنْ الدَّمِ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَارْتَابَ السَّيِّدُ فِي سَلَامَتِهِ مِنْ ذَلِكَ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَأَمَّا أُجْرَةُ الْحَجَّامِ فَبَاحَ أَكْلُهَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ سَأَلْت رَبِيعَةَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَقَالَ
стр. 2207
مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ إلَى الْمَشْرِقِ يَقُولُ: هَا إنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا إنَّ الْفِتْنَةَ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» ) .
ــ
[المنتقى]
لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَ لِلْحَجَّامِينَ سُوقٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ وَلَوْلَا أَنْ يَأْنَفَ رِجَالٌ لَأَخْبَرْتُك بِآبَائِهِمْ كَانُوا حَجَّامِينَ قَالَ اللَّيْثُ وَسَأَلْت يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ فَقَالَ: رَأَيْت النَّاسَ فِيمَا مَضَى يَأْكُلُونَهُ بِكُلِّ أَرْضٍ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا نَهَتْهُ الْأَئِمَّةُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يَكْرَهْهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَإِنَّمَا يَعَافُهُ مَنْ تَنَزَّهَ عَلَى وَجْهِ التَّكَرُّمِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَتَنَزَّهُ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُحَيِّصَةُ إنَّمَا كَرَّرَ السُّؤَالَ عَنْهُ اتِّقَاءَ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ أَنْ يَلْحَقَهُ بِذَلِكَ وَصْمَةٌ أَوْ مَعْنَى تَثَلُّمِ مُرُوءَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى كَرَاهِيَةِ أَجْرِ الْحَجَّامِ وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَاحْتُجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مَا يَحِلُّ لِلْعَبْدِ أَكْلُهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِلْأَحْرَارِ كَأُجْرَةِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ كَسْبِهِ أَوْ بَعْضُهُ ثَمَنَ الدَّمِ وَبِأَنَّ بَيْعَ دَمِ مَا يَفْصِدُهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ كَالْعَبْدِ يَبِيعُهُ إنْ كَانَ كَافِرًا يَسْتَحِلُّ ذَلِكَ وَسَيِّدُهُ مُسْلِمٌ فَنُهِيَ عَنْ كَسْبِهِ إذَا لَمْ يُتَيَقَّنْ سَلَامَةُ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ نَهْيٌ عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَأُجْرَةُ الْحَجَّامِ لَيْسَتْ بِثَمَنٍ لِلدَّمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً قَبْلَ الْعَمَلِ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ غَالِبًا بِأَجْرٍ مَجْهُولٍ وَهَذَا أَيْضًا لَا تَعَلُّقَ فِيهِ إلَّا بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ الصَّانِعُ إلَّا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ مُسَمًّى وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَمَلِ بِالْقِيمَةِ فَقَالَ لَا أُحِبُّهُ وَلَا يَصْلُحُ فِي جُعْلٍ وَلَا إجَارَةٍ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ يُرِيدُ أَنْ يُعْقَدَ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ عَقْدُ إجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ فَأَمَّا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَلَا بَأْسَ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْخَيَّاطِ الْمُخَالِطِ لِي لَا يَكَادُ يُخَالِفُنِي أَسَتَخِيطُهُ الثَّوْبَ فَإِذَا فَرَغَ رَاضَيْته عَلَى أُجْرَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِمُشَارَطَةِ الْحَجَّامِ عَلَى الْحِجَامَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ يُرِيدُ أَنَّ مُحَيِّصَةُ كَرَّرَ سُؤَالَهُ وَاسْتِئْذَانَهُ لَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مَا يَأْخُذُ إلَّا مَا كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ ثُمَّ لَا يَتَيَقَّنُ تَوَقِّيَهُ فَهُوَ لَا يَعْلَمُ سَلَامَتَهُ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَعْلِفَهُ نَاضِحَهُ.
وَقَالَ الْخَلِيلُ النَّاضِحُ الْجَمَلُ الَّذِي يُسْقَى الْمَاءَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ النَّاضِحُ الرَّقِيقُ وَيَكُونُ فِي الْإِبِلِ وَحَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى الرَّقِيقِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَا جَازَ لِلْعَبِيدِ أَكْلُهُ جَازَ لِلْأَحْرَارِ أَكْلُهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «وَهُوَ يُشِيرُ إلَى الْمَشْرِقِ: هَا إنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هُنَاكَ يَكُونُ مُعْظَمُهَا وَابْتِدَاؤُهَا أَوْ يُشِيرُ إلَى فِتْنَةٍ مَخْصُوصَةٍ يُحَذِّرُ مِنْهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ حِزْبَهُ وَأَهْلَ وَقْتِهِ وَزَمَنِهِ وَالْقَرْنُ مِنْ النَّاسِ أَهْلُ زَمَانٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قُوَّتَهُ وَسِلَاحَهُ وَعَوْنَهُ عَلَى الْفِتْنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْعِرَاقِ فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ لَا تَخْرُجْ إلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ بِهَا تِسْعَةَ أَعْشَارِ السِّحْرِ وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ) .
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ فِي الْعِرَاقِ تِسْعَةَ أَعْشَارِ السِّحْرِ يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ السِّحْرَ كَانَ مُعْظَمُهُ بِبَابِلَ وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ فَأَخْبَرَ أَنَّ مُعْظَمَهُ هُنَاكَ وَقَوْلُهُ وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَجَدَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الَّتِي قَرَأَهَا فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ وَقَوْلُهُ وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ
стр. 2208
مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَمَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ» مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَائِبَةَ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ إلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ» )
ــ
[المنتقى]
يُرِيدُ الَّذِي يُعْيِي الْأَطِبَّاءَ أَمْرُهُ وَهَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ مُحَاوَلَتُهُ مِنْ أَمْرِ دِينٍ أَوْ دُنْيَا.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ مَالِكٍ الدَّاءُ الْعُضَالُ الْهَلَاكُ فِي الدِّينِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ هِيَ الْبِدَعُ فِي الْإِسْلَامِ وَمَعْنَى هَذَا إنْ صَحَّ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَقَدْ سَكَنَ الْكُوفَةَ أَفَاضِلُ الصَّحَابَةِ وَمِنْ الْعَشَرَةِ كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْبَدْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ - وَلَوْ كَانَ هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ وَمَنْعِ كَعْبٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى الْعِرَاقِ لَأَخْلَاهَا عُمَرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَأَشْفَقَ عَلَى تَغَيُّرِ أَدْيَانِهِمْ، وَلَكِنَّ عُمَرَ ﵁ إنْ كَانَ صَحَّ قَوْلُ كَعْبٍ لَهُ فَقَدْ تَأَوَّلَهُ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ أَنَّهُمْ سَأَلُوا مَالِكًا عَنْ تَفْسِيرِ الدَّاءِ الْعُضَالِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ ضَلَّلَ النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ بِالْإِرْجَاءِ وَبِنَقْضِ السُّنَنِ بِالرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّاوُدِيُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ سَلِمَ مِنْ الْغَلَطِ وَثَبَتَ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ فِي وَقْتِ حَرَجٍ اضْطَرَّهُ لِشَيْءٍ ذُكِرَ لَهُ عَنْهُ مِمَّا أَنْكَرَهُ فَضَاقَ بِهِ صَدْرُهُ فَقَالَ ذَلِكَ، وَالْعَالِمُ قَدْ يَحْضُرُهُ ضِيقُ صَدْرٍ فَيَتَقَوَّلُ مَا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْهُ بَعْدَ وَقْتٍ إذَا زَالَ غَضَبُهُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا ﵁ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ عَقْلِهِ وَعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ وَدِينِهِ وَإِمْسَاكِهِ عَنْ الْقَوْلِ فِي النَّاسِ إلَّا بِمَا يَصِحُّ عِنْدَهُ وَثَبَتَ لَمْ يَكُنْ لِيُطْلِقَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ وَمِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ شُهِرَ إكْرَامُ مَالِكٍ لَهُ وَتَفْضِيلُهُ إيَّاهُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَالِكًا ذَكَرَ أَبَا حَنِيفَةَ بِالْعِلْمِ بِالْمَسَائِلِ وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْهُ أَحَادِيثَ وَأَخَذَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُوَطَّأَ وَهُوَ مِمَّا أَرْوِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَبْدِ بْنِ أَحْمَدَ ﵁، وَقَدْ شُهِرَ تَنَاهِي أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعِبَادَةِ وَزُهْدُهُ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ اُمْتُحِنَ وَضُرِبَ بِالسَّوْطِ عَلَى أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ فَامْتَنَعَ، وَمَا كَانَ مَالِكٌ لِيَتَكَلَّمَ فِي مِثْلِهِ إلَّا بِمَا يَلِيقُ بِفَضْلِهِ وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ مَالِكًا تَكَلَّمَ فِي أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ قَوْمًا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُيُوبٌ فَبَحَثُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ فَذَكَرَ النَّاسُ لَهُمْ عُيُوبًا وَأَدْرَكْت بِهَا قَوْمًا كَانَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ سَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ فَسَكَتَ النَّاسُ عَنْ عُيُوبِهِمْ فَمَالِكٌ يُزَهِّدُ النَّاسَ عَنْ الْعُيُوبِ وَمِنْ أَيْنَ يَبْحَثُ فِي عُيُوبِ النَّاسِ وَكَيْفَ يَذْكُرُ الْأَئِمَّةَ بِمَا لَا يَلِيقُ بِفَضْلِهِ، وَقَدْ ذَكَرْت فِي كِتَابِ فِرَقِ الْفُقَهَاءِ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنْتُ وُجُوهَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَمَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ]
(ش) : «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ» حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِحَيَّاتِ الْبُيُوتِ دُونَ غَيْرِهَا، قَالَ مَالِكٌ لَا تُنْذَرُ فِي الصَّحَارَى وَلَا تُنْذَرُ إلَّا فِي الْبُيُوتِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَحُكْمُ حَيَّاتِ الْجُدُرِ حُكْمُ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤْخَذَ بِذَلِكَ فِي بُيُوتِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَةَ الْبُيُوتِ مِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَيَكُونُ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْبُيُوتِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعَهْدِ وَلَا خِلَافَ إنْ كَانَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بُيُوتُ
стр. 2209
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَيْفِيٍّ مَوْلَى بَنِي أَفْلَحَ عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «دَخَلْت عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَوَجَدْته يُصَلِّي فَجَلَسْت أَنْتَظِرُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ فَسَمِعْت تَحْرِيكًا تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِهِ فَإِذَا حَيَّةٌ فَقُمْت لِأَقْتُلَهَا فَأَشَارَ إلَيَّ أَبُو سَعِيدٍ أَنْ اجْلِسْ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ فَقُلْت نَعَمْ قَالَ إنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ فَتًى حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْخَنْدَقِ فَبَيْنَمَا هُوَ بِهِ إذْ أَتَاهُ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أُحْدِثُ بِأَهْلِي عَهْدًا فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ خُذْ عَلَيْك سِلَاحَك فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْك بَنِي قُرَيْظَةَ فَانْطَلَقَ الْفَتَى إلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَائِمَةً بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَأَهْوَى إلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا وَأَدْرَكَتْهُ غَيْرَةٌ فَقَالَتْ لَا تَعْجَلْ حَتَّى تَدْخُلَ وَتَنْظُرَ مَا فِي بَيْتِك فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِحَيَّةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى فِرَاشِهِ فَرَكَزَ فِيهَا رُمْحَهُ ثُمَّ خَرَجَ بِهَا فَنَصَبَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ الْحَيَّةُ فِي رَأْسِ الرُّمْحِ وَخَرَّ الْفَتَى مَيِّتًا فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْفَتَى أَمْ الْحَيَّةُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
الْمَدِينَةِ لَكِنَّ مَالِكًا ﵀ حَمَلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَهُ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ فِي بُيُوتِ الْمَدِينَةِ أَوْجَبَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَا تُنْذَرُ الْحَيَّاتُ إلَّا بِالْمَدِينَةِ خَاصَّةً عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهَا عِنْدَهُ لِلْعَهْدِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَاللَّفْظُ عَامٌّ فِي الْحَيَّاتِ لِإِضَافَتِهَا إلَى الْبُيُوتِ فَهُوَ عَامٌّ فِي حَيَّاتِ تِلْكَ الْبُيُوتِ عَلَى الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «إلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ» وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ وَهُوَ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهِ خَطَّانِ مِثْلَ الطُّفْيَتَيْنِ وَهُوَ الْخُوصَتَانِ رَوَاهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَمَّا الْأَبْتَرُ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ هُوَ الْأَفْعَى.
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْأَبْتَرُ مِنْ الْحَيَّاتِ صِنْفٌ أَزْرَقُ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ لَا تَنْظُرُ إلَيْهِ حَامِلٌ إلَّا أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ دُونَ الْإِنْذَارِ إلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يُقْتَلَانِ فِي الْبُيُوتِ دُونَ إنْذَارٍ كَمَا يُقْتَلُ حَيَّاتُ الصَّحَارَى دُونَ إنْذَارٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ ذَلِكَ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ لَا يَتَصَوَّرُ فِي صُوَرِهِنَّ لِأَذَاهُنَّ بِنَفْسِ الرُّؤْيَةِ لَهُنَّ وَإِنَّمَا يَتَصَوَّرُ مُؤْمِنُو الْجِنِّ فِي صُورَةِ مَنْ لَا تَضُرُّ رُؤْيَتُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «نَهْيٌ عَنْ قَتْلِ جِنَانِ الْبُيُوتِ» فَإِنَّهَا تَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ قَالَ عِيسَى يُرِيدُ عَمَارَ الْبُيُوتِ، وَقَالَ نِفْطَوَيْهِ الْجِنَانُ الْحَيَّاتُ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الْجِنَانُ مَسْخُ الْجِنِّ كَمَا مُسِخَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ قِرَدَةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَتْلُ النَّمْلِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الدُّودِ وَالنَّمْلِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لِلْحَلَالِ وَسُئِلَ عَنْ النَّمْلِ يُؤْذِي فِي السَّقْفِ فَقَالَ إنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تُمْسِكُوا عَنْهَا فَافْعَلُوا، وَإِنْ أَضَرَّتْ بِكُمْ وَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَى تَرْكِهَا فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَنْ قَتَلَهَا فِي سَعَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَتْلُ الضَّفَادِعِ فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَتْلُ الْوَزَغِ فَكَذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَتْلُ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ بِالنَّارِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ ذَلِكَ قَالَ وَهَذَا مِثْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَيْفِيٍّ مَوْلَى بَنِي أَفْلَحَ عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «دَخَلْت عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَوَجَدْته يُصَلِّي فَجَلَسْت أَنْتَظِرُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ فَسَمِعْت تَحْرِيكًا تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِهِ فَإِذَا حَيَّةٌ فَقُمْت لِأَقْتُلَهَا فَأَشَارَ إلَيَّ أَبُو سَعِيدٍ أَنْ اجْلِسْ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ فَقُلْت نَعَمْ قَالَ إنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ فَتًى حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْخَنْدَقِ فَبَيْنَمَا هُوَ بِهِ إذْ أَتَاهُ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أُحْدِثُ بِأَهْلِي عَهْدًا فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ خُذْ عَلَيْك سِلَاحَك فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْك بَنِي قُرَيْظَةَ فَانْطَلَقَ الْفَتَى إلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَائِمَةً بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَأَهْوَى إلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا وَأَدْرَكَتْهُ غَيْرَةٌ فَقَالَتْ لَا تَعْجَلْ حَتَّى تَدْخُلَ وَتَنْظُرَ مَا فِي بَيْتِك فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِحَيَّةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى فِرَاشِهِ فَرَكَزَ فِيهَا رُمْحَهُ ثُمَّ خَرَجَ بِهَا فَنَصَبَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ الْحَيَّةُ فِي رَأْسِ الرُّمْحِ وَخَرَّ الْفَتَى مَيِّتًا فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْفَتَى أَمْ الْحَيَّةُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» ) .
(ش) : قَوْلُ الْفَتَى «يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أُحْدِثُ بِأَهْلِي عَهْدًا» يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ امْتِثَالًا لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] وَأَرَادَ الْفَتَى أَنْ يُحْدِثَ بِأَهْلِهِ عَهْدًا لِيُطَالِعَ أَمْرَهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ
стр. 2210
مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ الْكَلَامِ فِي السَّفَرِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَمِنْ كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَمِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْمَالِ
ــ
[المنتقى]
نَظَرٍ فِي مَعِيشَةٍ وَفِي إصْلَاحِ ضَيْعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَحَذَّرَهُ مِنْ يَهُودِ قُرَيْظَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى نَفْسِهِ سِلَاحَهُ لِئَلَّا يَغْتَالُوهُ فِي طَرِيقِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَأَهْوَى إلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا وَأَدْرَكَتْهُ غَيْرَةٌ يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحِجَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْحِجَابِ وَلَكِنَّهُ وَجَدَهَا مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَالٍ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَتُهُ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِأَنَّ أَشَدَّ مَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ غَيْرَةً حَالَ شَبَابِهِ بِأَثَرِ عُرْسِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ إذَا كَبِرَ الرَّجُلُ ذَهَبَ حُسَامُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ لَا تَعْجَلْ حَتَّى تَدْخُلَ وَتَنْظُرَ مَا فِي بَيْتِك عَلَى مَعْنَى إظْهَارِ عُذْرِهَا فِيمَا أَتَتْهُ فَدَخَلَ الْفَتَى فَوَجَدَ الْحَيَّةَ فَرَكَّزَ فِيهَا رُمْحَهُ ثُمَّ نَصَبَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ الْحَيَّةُ وَخَرَّ الْفَتَى مَيِّتًا فَجَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ مَقْتُولًا مِنْ أَجْلِ الْحَيَّةِ وَقَوِيَ هَذَا التَّجْوِيزُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ «إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا» فَظَاهِرُ هَذَا تَجْوِيزُهُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْحَيَّةُ مِنْهُمْ وَخُصَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إمَّا لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُمْ الَّذِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا مِنْ بَنِي آدَمَ فَأَعْلَمَهُمْ بِحُكْمِهِمْ مَعَ جِنٍّ قَدْ أَسْلَمُوا وَأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ بَنُو آدَمَ مِنْ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ فَسَيَكُونُ حُكْمُهُ مَعَ مُسْلِمِي الْجِنِّ مِثْلَ ذَلِكَ وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّهُ لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنْ الْجِنِّ غَيْرَ جِنِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ جِنُّ سَائِرِ الْبِلَادِ فَسَيَكُونُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ هَذَا الْحُكْمَ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فَإِنَّمَا خَصَّ الْمَدِينَةَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَقْصُورٌ عَلَيْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يُرَوْنَ فِي صُوَرِ الْحَيَّاتِ فَيَلْزَمُ أَنْ يُؤْذَنُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ أَرَى أَنْ يُنْذَرُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يُنْظَرُ إلَى ظُهُورِهَا، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي الْيَوْمِ مِرَارًا يُرِيدُ أَنْ يُنْذَرُوا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا يُتَحَرَّى بِإِنْذَارِهِمْ ثَلَاثَ مِرَارٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَالَ مَالِكٌ يُجْزِي مِنْ الْإِنْذَارِ أَنْ يَقُولَ اُخْرُجْ عَلَيْك بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَبْدُوَ لَنَا أَوْ لِذُرِّيَّتِنَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا» يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا حُكْمُ الْمَدِينَةِ فِي الْبُيُوتِ وَغَيْرِهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ بِحَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَيَّاتِ «مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ عَادَيْنَاهُنَّ وَمَنْ يَتْرُكُهُنَّ خَوْفَ شَرِّهِنَّ فَلَيْسَ مِنَّا» وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ مَعْنَى ذَلِكَ الْعَدَاوَةُ حِينَ أُخْرِجَ آدَم مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْحَيَّاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُتَصَوِّرَةٍ مِنْ الْجِنِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُتَصَوِّرَةَ مِنْ الْجِنِّ مِمَّا لَمْ يُؤْمِنْ أَوْ مَنْ هُوَ مِنْ الشَّيَاطِينِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ الشَّيَاطِينَ جِنْسٌ مِنْ الْجِنِّ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» يُحْتَمَلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي قَتْلِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إلَى الِانْتِصَارِ مِنْكُمْ.
стр. 2211
وَالْأَهْلِ» مَالِكٌ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ فَإِنَّهُ لَنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ» .
مَا جَاءَ فِي الْوَحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» قَالَ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ»
ــ
[المنتقى]
[مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ الْكَلَامِ فِي السَّفَرِ]
(ش) : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْغَرْزَ مِنْ الرَّحْلِ بِمَنْزِلَةِ الرِّكَابِ مِنْ السَّرْجِ وَقَوْلُهُ ﷺ «بِسْمِ اللَّهِ» ابْتِدَاءٌ فِي دُعَائِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَيُسْتَفْتَحُ ذَلِكَ بِالتَّسْمِيَةِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِفْتَاحَ السَّفَرِ فَقَدْ يُسْتَفْتَحُ الْأَعْمَالُ بِالتَّسْمِيَةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَوْلُهُ ﷺ «أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ» بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مَكَانٌ مِنْ أَمْرِهِ وَحُكْمِهِ فَيَصْحَبُ الْمُسَافِرَ فِي سَفَرِهِ بِأَنْ يُسَلِّمَهُ وَيَرْزُقَهُ وَيُعِينَهُ وَيُوَفِّقَهُ وَيُخْلِفَهُ فِي أَهْلِهِ بِأَنْ يَرْزُقَهُمْ سَعَةً فَلَا حُكْمَ لِأَحَدٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ غَيْرُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» فَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْ دُعَائِهِ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَعْتَقِدُهُ وَيَدْعُوهُ لِجَمِيعِهِ وَبِأَنْ تُزْوَى لَهُ الْأَرْضُ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يَقْبِضُهَا وَيَجْمَعُهَا فَتَقْرَبُ عَلَيْهِ مَسَافَةُ مَا يُرِيدُ قَطْعَهُ مِنْهَا وَذَلِكَ بِعَوْنِهِ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ ﷺ «وَقَرِّبْ لَنَا الْبُعْدَ» مِنْ هَذَا الْمَعْنَى «وَسَهِّلْ عَلَيْنَا الْوَعْدَ» بِمَعْنَى أَنْ يُعِينَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْهُلَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّا نَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى هُوَ النَّصَبُ وَقَوْلُهُ «وَمِنْ كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ» يُرِيدُ أَنْ يَنْقَلِبَ إلَى مَا يَقْتَضِي كَآبَةً مِنْ فَوَاتِ مَا يُرِيدُ أَوْ وُقُوعِ مَا يَحْذَرُ وَالْكَآبَةُ ظُهُورُ الْحُزْنِ وَقَوْلُهُ ﷺ «وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَا يَسُوءُهُ النَّظَرُ إلَيْهِ يُقَالُ مَنْظَرٌ حَسَنٌ وَمَنْظَرٌ قَبِيحٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْسِيرِ غَيْرَ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْمَنْزِلِ نَعُوذُ مِنْ شَرِّ مَا خُلِقَ فِيهِ وَشَرِّ مَا فِيهِ وَالتَّعَوُّذُ مَشْرُوعٌ عِنْدَ اسْتِفْتَاحِ الْمَعَانِي مِنْ نُزُولٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَفِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوَّلِ النَّهَارِ قَالَ ﷺ «فَإِنَّهُ لَنْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ تَعَوُّذَهُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْوَحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - حُكْمُهُ حُكْمُ الشَّيْطَانِ وَفِعْلُهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ فِي انْفِرَادِهِ عَنْ الْأُنْسِ وَتَرْكِهِ الْأُنْسَ بِهِمْ وَبُعْدِهِ عَنْ الِارْتِفَاقِ بِمُجَاوَرَتِهِمْ وَمُرَافَقَتِهِمْ وَتَرْكِهِ الْجَمَاعَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا وَكَذَلِكَ الِاثْنَانِ حُكْمُهُمَا ذَلِكَ وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَرَكْبٌ وَجَمْعٌ قَدْ خَرَجُوا عَنْ حُكْمِ الشَّيَاطِينِ إلَى حُكْمِ الِاجْتِمَاعِ بِالْأُنْسِ وَالِارْتِفَاقِ بِمُرَافَقَتِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ يَفِرُّونَ مِنْ النَّاسِ وَيَسْتَتِرُونَ مِنْهُمْ وَيَخَافُونَ لِقِلَّتِهِمْ وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ رَكْبٌ يَأْمَنُونَ وَيَأْنَسُونَ بِالنَّاسِ وَيُؤْنَسُ بِهِمْ وَهَذَا عَامٌّ.
وَقَدْ «أَنْفَدَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عُتْبَةَ الْخُزَاعِيَّ وَحْدَهُ وَأَرْسَلَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَامّ وَحْدَهُ» فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ أَوْ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزْنِيَةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي سَفَرِ الْقَصْرِ
стр. 2212
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا» .
مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ الْعَمَلِ فِي السَّفَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ يَرْفَعُهُ قَالَ «إنَّ اللَّهَ ﵎ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ فَإِذَا رَكِبْتُمْ هَذَا الدَّوَابَّ الْعُجْمَ فَأَنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ جَدْبَةً فَانْجُوَا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا وَعَلَيْكُمْ بِسَيْرِ اللَّيْلِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْحَيَّاتِ»
ــ
[المنتقى]
فَأَمَّا مَا قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْفَرِدَ الْوَاحِدُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَهَذَا إذَا حَمَلْنَا قَوْلَهُ ﷺ الرَّاكِبُ وَالرَّاكِبَانِ عَلَى الْجِنْسِ، وَإِنْ حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى الْعَهْدِ جَازَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى وَاحِدٍ وَإِلَى اثْنَيْنِ وَصَفَهُمَا بِصِفَةِ الشَّيَاطِينِ وَأَشَارَ إلَى جَمَاعَةٍ نَفَى عَنْهُمْ هَذِهِ الصِّفَةَ وَوَصَفَهُمْ بِصِفَةِ الْإِنْسِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ» يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يَهُمُّ بِاغْتِيَالِهِمَا وَالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يَهُمَّ بِالظُّهُورِ إلَيْهِمَا وَالتَّرْوِيعِ لَهُمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يَهُمُّ بِفِتْنَتِهِمْ وَصَرْفِهِمْ عَنْ الْحَقِّ وَإِغْوَائِهِمْ بِالْبَاطِلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ الْمُنْفَرِدَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ فِي السَّفَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُنْفَرِدَ بِالرَّأْيِ وَالْمَذْهَبِ وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ أَبْعَدُ مِنْ الْخَطَأِ مِنْ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا» .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» بِمَعْنَى التَّغْلِيظِ يُرِيدُ أَنَّ مُخَالَفَةَ هَذَا لَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَيَخَافُ عُقُوبَتَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِتْنَةٌ وَانْفِرَادَهَا سَبَبٌ لِلْمَحْظُورِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَجِدُ السَّبِيلَ بِانْفِرَادِهَا فَيُغْرِي بِهَا وَيَدْعُو إلَيْهَا وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﷺ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا تُسَافِرَ هَذِهِ الْمَسَافَةَ مَعَ إنْسَانٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا مَحْرَمٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَيْهَا وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ لَا تَنْفَرِدَ فِي مِثْلِ هَذَا السَّفَرِ دُونَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُهَا وَيَجْرِي إلَى صِيَانَتِهَا لِمَا رُكِّبَ فِي طِبَاعِ أَكْثَرِ النَّاسِ مِنْ الْغَيْرَةِ عَلَى ذَوِي مَحَارِمِهِمْ وَالْحِمَايَةِ لَهُمْ، وَقَدْ رَخَّصَ مَالِكٌ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ فِي الرُّفْقَةِ الْعَظِيمَةِ يَكُونُ فِيهَا النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ إلَى الْحَجِّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ الْمُتَجَالَّةِ تَخْرُجُ إلَى مَكَّةَ مَعَ غَيْرِ وَلِيٍّ إنْ كَانَتْ فِي جَمَاعَةٍ وَنَاسٍ مَأْمُونِينَ لَا تَخَافُهُمْ عَلَى نَفْسِهَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ إنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ سَفَرُهَا فِي غَيْرِ الْفَرِيضَةِ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْسَرَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَرُوِيَ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ، وَقَدْ تُعُلِّقَ بِهَذَا وَجُعِلَ حَدًّا فِي سَفَرِ الْقَصْرِ وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ عَلَى هَذَا اخْتِلَافٌ، وَلَوْ بَدَا فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَاقْتَضَى ذَلِكَ مَنْعَهُ فِي يَوْمَيْنِ وَفِي ثَلَاثَةٍ فَإِذَا وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْعُهُ فِي يَوْمَيْنِ وَفِي ثَلَاثَةٍ فَلَيْسَ بِخِلَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ بَلْ هِيَ تَأْكِيدٌ لَهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ الْعَمَلِ فِي السَّفَرِ]
(ش) : قَوْلُهُ «إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِيمَا يُحَاوِلُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ فَإِنَّ الرِّفْقَ عَوْنٌ عَلَى الْمُرَادِ وَلَا يَبْلُغُ حَدَّ الْعَجْزِ فَإِنَّهُ أَيْضًا مَانِعٌ مِنْ الْمُرَادِ وَخَيْرُ الْأَشْيَاءِ أَوْسَطُهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ «وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ» وَهُوَ الْإِفْرَاطُ.
وَقَدْ رُوِيَ «شَرُّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ إنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِسُرْعَةِ السَّيْرِ فِي الْحَجِّ عَلَى الدَّابَّةِ وَأَكْرَهُ الْمَهَامِيزَ وَلَا يُصْلِحُ
стр. 2213
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وُجْهَتِهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ» .
الْأَمْرُ بِالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ» مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَذْهَبُ إلَى الْعَوَالِي كُلَّ يَوْمِ سَبْتٍ فَإِذَا وَجَدَ عَبْدًا فِي عَمَلٍ لَا يُطِيقُهُ وَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ)
ــ
[المنتقى]
الْفَسَادَ، وَإِذَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ خَرَقَهَا.
وَقَدْ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَنْخُسَهَا حَتَّى يُدْمِيَهَا وَقَوْلُهُ «فَإِنْ رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ» قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي بِالدَّوَابِّ الَّتِي تُرْكَبُ مِثْلَ الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ ﷺ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ الْعَجْمَاءُ الْبَهِيمَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ وَكُلُّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ فَهُوَ أَعْجَمُ مُسْتَعْجَمٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَإِذَا رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ فَأَنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا» يُرِيدُ اجْرُوهَا عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهَا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ عَلَيْهَا وَلَا تَقْصِيرٍ عَنْ حَاجَتِكُمْ يُقَالُ: أَنْزَلْت فُلَانًا مَنْزِلَتَهُ أَيْ عَامَلْته بِمَا يَجِبُ فِي أَمْرِهِ وَيَلِيقُ بِحَالِهِ غَيْرَ مُقَصِّرٍ بِهِ وَلَا مُبْلِغٍ لَهُ مَا لَا يَسْتَأْهِلُهُ وَقَوْلُهُ «فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ جَدْبَةً» يُرِيدُ لَا خِصْبَ فِيهَا فَانْجُوَا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فَانْجُوَا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا أَيْ أَسْرِعُوا السَّيْرَ وَيُقَالُ: نَجَوْت أَنْجُو نَجَاءً إذَا أَسْرَعْت، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى فَانْجُوَا عَلَيْهَا أَيْ اسْلَمُوا عَلَيْهَا مَا دَامَتْ بِنِقْيِهَا، قَالَ مَالِكٌ هُوَ شَحْمُهَا وَقُوتُهَا يُقَالُ نَجَا فُلَانٌ يَنْجُو إذَا سَلِمَ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - اُنْجُوا عَلَيْهَا مِنْ أَرْضِ الْجَدْبِ فَإِنَّكُمْ إنْ أَبْطَأْتُمْ بِهَا فِي أَرْضِ الْجَدْبِ ضَعُفَتْ وَهَزَلَتْ فَلَمْ تَنْجُوَا عَنْ أَرْضِ الْجَدْبِ فَجُعِلَ ذَلِكَ مَعْنًى يُبِيحُ الْإِسْرَاعَ وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الْمَخَافَةِ وَإِنَّمَا شُرِعَ الرِّفْقُ مَعَ الْخِصْبِ وَالْأَمَانِ وَعَدَمِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّعْجِيلِ وَالْإِسْرَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وُجْهَتِهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ» .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - تَعَبَهُ وَمَشَقَّتَهُ وَالتَّأَلُّمَ فِيهِ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَطَرِ قَالَ اللَّهُ ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] وَمَنَعَ مَا يُمْنَعُ مِنْ النَّوْمِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اسْتِجَادَتَهُ وَإِصْلَاحَهُ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْهُ السَّفَرُ وَأَمَّا وُجُودُهُ فَلَا يَمْنَعُهُ السَّفَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَإِنْ قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وُجْهَتِهِ» يُرِيدُ بَلَغَ مِنْهَا مُرَادَهُ وَمَا يَكْفِيهِ وَمَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّعْجِيلَ عِنْدَ السَّيْرِ مِنْ تَرْكِ التَّلَوُّمِ وَذَلِكَ نَصٌّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّعْجِيلَ فِي السَّيْرِ إلَى الْأَهْلِ لِحَاجَتِهِمْ إلَى تَقْوِيَتِهِ وَقِيَامِهِ بِأَمْرِهِمْ وَجُعِلَ ذَلِكَ مِمَّا يُبِيحُ التَّعْجِيلَ فِي السَّيْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْأَمْرُ بِالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَالِكِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ بِالْمَعْرُوفِ يُرِيدُ بِمَا يَلِيقُ بِمِثْلِهِ فِي حَالِهِ وَتَصَرُّفِهِ وَنَفَاذِهِ فِي التِّجَارَةِ وَالْعَمَلِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مِنْ مَالِهِ الَّذِي مِنْهُ يَأْكُلُ وَمِنْهُ يَلْبَسُ وَهُوَ يُعْطِي مِنْهُ عَبْدَهُ كِسْوَتَهُ وَطَعَامَهُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ لِمِثْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جِنْسَ مَا يُلْبَسُ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ نَصًّا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا جَاءَ خَادِمُ أَحَدِكُمْ بِطَعَامِهِ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ لِيَأْكُلَ؛ لِأَنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقْعِدْهُ
стр. 2214
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: لَا تُكَلِّفُوا الْمَرْأَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ فَإِنَّكُمْ مَتَى مَا كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ وَعِفُّوا إذَا أَعَفَّكُمْ اللَّهُ وَعَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا) .
مَا جَاءَ فِي الْمَمْلُوكِ وَهَيْئَتِهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْعَبْدُ إذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ»
ــ
[المنتقى]
فَلْيُطْعِمْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ» وَهَذَا يَتَنَاوَلُهُ قَوْلُهُ ﷺ «وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ» ؛ لِأَنَّ مِنْ قَدْ تَكُونُ لِلْجِنْسِ وَتَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ وَسُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يَأْكُلُ السَّيِّدُ مِنْ طَعَامٍ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ الْعَبْدُ وَيَلْبَسُ ثِيَابًا لَا يَلْبَسُهَا الْعَبْدُ؟ قَالَ هُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ قِيلَ لَهُ فَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ قَالَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ هَذَا الْقُوتُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فَلَا يُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَذْهَبُ إلَى الْعَوَالِي يُرِيدُ عَوَالِيَ الْمَدِينَةِ وَحَيْثُ يَعْمَلُ الرَّقِيقُ فِي النَّخِيلِ كُلَّ سَبْتٍ وَلَعَلَّهُ كَانَ يَقْصِدُ بِذَلِكَ مُرَاعَاةَ الرَّقِيقِ أَنْ يَأْتِيَ قُبَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ فَإِنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا وَجَدَ عَبْدًا فِي عَمَلٍ لَا يُطِيقُهُ يُرِيدُ يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيَضْعُفُ عَنْهُ خَفَّفَ عَنْهُ يُرِيدُ وَأَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهُ مَا لَا يَفْدَحُهُ وَلَا يَكُونُ فِيهِ تَقْصِيرٌ عَنْ حَقِّ سَيِّدِهِ، قَالَ مَالِكٌ: وَكَانَ يَزِيدُ فِي رِزْقِ مَنْ قَلَّ رِزْقُهُ، قَالَ مَالِكٌ: وَأَكْرَهُ مَا أَحْدَثُوا مِنْ إجْهَادِ الْعَبِيدِ فِي عَمَلِ الزَّرَانِيقِ قَالَ وَمَنْ لَهُ عَبِيدٌ يَحْصُدُونَ نَهَارًا لَا يَسْتَطْحِنُونَ لَيْلًا وَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي لَا يُتْعِبُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ بِالنَّهَارِ فِي عَمَلٍ مُتْعِبٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ بَيْعُ عَبْدِهِ إذَا اشْتَكَى الْعُزْبَةَ، وَقَالَ قَدْ وَجَدْت مَوْضِعًا أَرْضَاهُ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ بَيْعُ عَبْدِهِ إلَّا أَنْ يَضُرَّ بِهِ، وَإِنْ أَرَادَ شِرَاءَ عَبْدٍ فَسَأَلَهُ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَشْتَرِيَهُ قَالَ مَالِكٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتْرُكَهُ وَإِمَّا أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ فَلَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ يَا سَيِّدِي قَالَ مَالِكٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] قَالَ اللَّهُ ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] وَقِيلَ لَهُ يَقُولُونَ السَّيِّدُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ أَيْنَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ إنَّمَا فِي الْقُرْآنِ رَبُّنَا رَبُّنَا.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: لَا تُكَلِّفُوا الْمَرْأَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ فَإِنَّكُمْ مَتَى مَا كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا وَلَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ وَعِفُّوا إذَا أَعَفَّكُمْ اللَّهُ وَعَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا) .
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ لَا تُكَلِّفُوا الْأَمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ فَتَكْسِبُ بِفَرْجِهَا يُرِيدُ أَنَّهَا إنْ أُلْزِمَتْ خَرَاجًا وَهِيَ لَيْسَتْ بِذَاتِ صَنْعَةٍ تَصْنَعُهَا بِخَرَاجٍ اضْطَرَّاهَا ذَلِكَ إلَى الْكَسْبِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهَا وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى أَنْ تَكْسِبَ بِفَرْجِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور: ٣٣] وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ إذَا كُلِّفَ الْكَسْبَ وَأَنْ يَأْتِيَ بِالْخَرَاجِ وَهُوَ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ رُبَّمَا اضْطَرَّهُ إلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِمَّا لَزِمَهُ مِنْ الْخَرَاجِ بِأَنْ يَسْرِقَ، وَقَوْلُهُ عِفُّوا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عِفُّوا عَنْ الْكَسْبِ الْخَبِيثِ أَيْ اُتْرُكُوهُ وَاصْبِرُوا عَنْهُ إذَا أَعَفَّكُمْ اللَّهُ أَيْ إذَا أَوْجَدَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى السَّبِيلَ إلَى التَّعَفُّفِ بِالْغِنَى.
(فَصْلٌ) :
وَعَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا أَيْ بِمَا حَلَّ وَسَلِمَ مِنْ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهِيَةِ قَالَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وَكَانَ عُثْمَانُ ﵁ يَقُول ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ لِتَعُمَّ مَوْعِظَتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْمَمْلُوكِ وَهَيْئَتِهِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْعَبْدَ إذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» يُرِيدُ حَفِظَهُ وَأَنْمَاهُ وَامْتَثَلَ أَمْرَهُ فِي الطَّاعَةِ وَالْمُبَاحِ وَلَمْ يَخُنْهُ
стр. 2215
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَمَةً كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ فَقَالَ أَلَمْ أَرَ جَارِيَةَ أَخِيك تَجُوسُ النَّاسَ، وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ) .
مَا جَاءَ فِي الْبَيْعَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: «كُنَّا إذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ»
ــ
[المنتقى]
وَأَحْسَنَ مَعَ ذَلِكَ عِبَادَةَ رَبِّهِ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَهُ أَجْرُ عَامِلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَعَامِلٌ بِطَاعَةِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ.
وَقَدْ رَوَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَالْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرُهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ثُمَّ آمَنَ بِي وَالْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَدَّى حَقَّ مَوَالِيهِ وَرَجُلٌ لَهُ جَارِيَةٌ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا» .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَمَةً كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ فَقَالَ أَلَمْ أَرَ جَارِيَةَ أَخِيك تَجُوسُ النَّاسَ، وَقَدْ تَهَيَّأَتْ بِهَيْئَةِ الْحَرَائِرِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ تَجُوسُ النَّاسَ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - تَتَخَطَّى النَّاسَ وَتَخْتَلِفُ عَلَيْهِمْ مُخْتَمِرَةً بِشَكْلِ الْحَرَائِرِ فَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَلَمْ يَكْرَهْ أَنْ تُرَى وَكَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الْإِمَاءَ إذَا رَأَى عَلَيْهِنَّ الْجَلَابِيبَ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُنَّ لَيْسَ فِيهِنَّ خَفَرُ الْحَرَائِرِ وَلَا سِتْرُهُنَّ وَلَا يَلْزَمُهُنَّ ذَلِكَ فَإِذَا لَبِسْنَ ثِيَابَ الْحَرَائِرِ اعْتَقَدَ فِيهِنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَنَّهُنَّ مِنْ مُتَبَرِّجَاتِ الْحَرَائِرِ فَمَنَعَ لِهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْبَيْعَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ كُنَّا إذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْمُبَايَعَةُ تَخْتَصُّ بِمُعَاقَدَةِ الْإِمَامِ قَالَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وَمُبَايَعَةُ الْإِمَامِ إنَّمَا هِيَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يَقُولُ لَهُمْ: فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ» يُرِيدُ مِنْ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦] وَأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْ الْمُكَلَّفِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَرُّزِ مِنْهُ مِنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ قَالَ اللَّهُ ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ «عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيَّة أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ بَايَعْنَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعُك عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا وَلَا نَعْصِيَك فِي مَعْرُوفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ قَالَتْ: فَقُلْنَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا هَلُمَّ نُبَايِعُك يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ إنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مِثْلِ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» .
(ش) : هَذِهِ الْبَيْعَةُ الَّتِي ذَكَرَتْهَا أُمَيْمَةُ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْمُمْتَحَنَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] الْآيَةَ، وَمَا كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِمَكَّةَ مِنْ مُبَايَعَةٍ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَهُنَّ «فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ» وَقَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَرْحَمُ بِنَا مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يُرْفِقُنَا وَيَرْضَى مِنَّا بِمَا بَذَلْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا إكْرَامًا مِنْهُ
стр. 2216
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُبَايِعُهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سَلَامٌ عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَدُ إلَيْك اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَأُقِرُّ لَك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْت) .
مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا سَمِعْت الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ مَعْنَاهُ بِوَلَدٍ تَنْسُبُهُ إلَى الزَّوْجِ يُقَالُ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَقِطُ الْوَلِيدَ فَتَتَبَنَّاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ» يُرِيدُ لَا أُبَاشِرُ أَيْدِيَهُنَّ بِيَدِي يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الِاجْتِنَابَ وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ حُكْمِ مُبَايَعَةِ الرِّجَالِ الْمُصَافَحَةَ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي مُبَايَعَةِ النِّسَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُبَاشَرَتِهِنَّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْمُبَايَعَةِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ فَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالْقَوْلِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَلِذَلِكَ صَحَّتْ مُبَايَعَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْمُكَاتَبَةِ دُونَ الْمُصَافَحَةِ وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي الْمُعَاقَدَةِ وَإِلْزَامِ ذَلِكَ وَالْتِزَامِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُبَايِعُهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سَلَامٌ عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمَدُ إلَيْك اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَأُقِرُّ لَك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْت) .
(ش) : قَوْلُهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى اسْتِفْتَاحِ الْكُتُبِ بِالتَّسْمِيَةِ.
وَقَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] ﴿أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] «وَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى هِرَقْلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ» الْحَدِيثَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَمَّا بَعْدُ أَيْضًا كَانَ مِمَّا يُسْتَفْتَحُ بِهِ الْخِطَابُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إنَّهَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] وَقَوْلُهُ فَإِنِّي أَحْمَدُ إلَيْك اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَى مَعْنَى الْإِعْلَامِ بِحَالِهِ، وَإِنَّمَا حَالُ حَمْدِ اللَّهِ وَشُكْرٍ لِنِعَمِهِ وَقَوْلُهُ وَأُقِرُّ لَك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَلْتَزِمُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لَك عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بِسُرْعَةٍ عَلَى حَسْبِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ وَأَنَّهُ إذَا الْتَزَمَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِشَرْطِ الِاسْتِطَاعَةِ فَبِأَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا لِمَنْ بَايَعَ طَائِعًا وَأَمَّا مَنْ بَايَعَ مُكْرَهًا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي فِيمَا يَلْزَمُ مُبَايَعَتُهُ فَتَلْزَمُ الْمُبَايِعَ طَائِعًا كَانَ أَوْ مُكْرَهًا، قَالَ أَصْبَغُ سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بَايَعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَبَا بَكْرٍ ﵄ وَهُوَ كَارِهٌ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ كَرِهَ وَجْهَ الْمُبَايَعَةِ وَلَمْ يَكْرَهْ الْمُبَايَعَةَ.
[مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْمُزْنِيَةِ مَعْنَاهُ إنْ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ كَافِرًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقُولُ كَذَلِكَ خِيفَ عَلَى الْقَائِلِ أَنْ يَصِيرَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ لِأَخِيهِ كَافِرٌ يُرِيدُ أَنَّهُ يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَهُ بِحَقٍّ مَشْرُوعٍ يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ كَافِرًا وَهَذَا مَعْنَى مَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ «فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» يُرِيدُ بِوِزْرِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا فَوِزْرُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى قَائِلِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ كَافِرًا بِهَذَا الْقَوْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا سَمِعْت الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ
стр. 2217
أَهْلَكُهُمْ» (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَقِيَ خِنْزِيرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُ اُنْفُذْ بِسَلَامٍ فَقِيلَ لَهُ تَقُولُ هَذَا لِخِنْزِيرٍ؟ فَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ أُعَوِّدَ لِسَانِي الْمَنْطِقَ بِالسُّوءِ) .
مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ التَّحَفُّظِ فِي الْكَلَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ
ــ
[المنتقى]
أَهْلَكُهُمْ» .
(ش) : قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ احْتِقَارًا لِلنَّاسِ وَازْدِرَاءً عَلَيْهِمْ فَقَدْ هَلَكَ هُوَ بِقَوْلِهِ هَذَا، وَإِنْ قَالَهُ تَوَجُّعًا عَلَى النَّاسِ وَعَلَى مَنْ هَلَكَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يُؤْجَرَ عَلَى ذَلِكَ وَمَعْنَى فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَعْنَاهُ هُوَ أَفْشَلُهُمْ وَأَرْذَلُهُمْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِمَعْنَى هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - خَيْبَتِي مِنْ حَاجَتِي الَّتِي طَلَبْتهَا فَنَسَبَ الْخَيْبَةَ إلَى الدَّهْرِ وَتَظَلَّمَ مِنْهُ فَنَهَوْا عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا تَظَلَّمْتُمْ مِنْ الْمَانِعِ فَإِنَّمَا يَقَعُ تَظَلُّمُكُمْ مِنْ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَانِعُ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُضِيفُ إلَى الدَّهْرِ مَا يُصِيبُهُ قَالَ ﵎ ﴿مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] فَأَكْذَبَهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» فَقَوْلُهُ تَعَالَى وَأَنَا الدَّهْرُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الدَّهْرُ وَلَا أَنَّ الدَّهْرَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ أَنَّهَا إذَا تَظَلَّمَتْ لِزَيْدٍ جَازَ لِعَمْرٍو أَنْ يَقُولَ: أَنَا زَيْدٌ الَّذِي تَظَلَّمْت مِنْهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ بِي يَصِلُ إلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الْفِعْلَ وَقَعَ مِنِّي لَا مِنْ زَيْدٍ فَيَصِفُ نَفْسَهُ بِزَيْدٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَقِيَ خِنْزِيرًا عَلَى الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُ اُنْفُذْ بِسَلَامٍ فَقِيلَ لَهُ تَقُولُ هَذَا لِخِنْزِيرٍ؟ فَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ أُعَوِّدَ لِسَانِي الْمَنْطِقَ بِالسُّوءِ) .
(ش) : قَوْلُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ لِلْخِنْزِيرِ اُنْفُذْ بِسَلَامٍ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ بِسَلَامَةٍ لَك مِنَّا كَمَا «قَالَ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى فِي الْحَيَّةِ وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بِسَلَامٍ بِتَحِيَّةٍ مِنَّا عَلَيْك وَعَلَى أَنْفُسِنَا إذْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَرُدُّ التَّحِيَّةَ وَهَذَا أَشْبَهُ بِقَوْلِهِمْ تَقُولُ هَذَا لِخِنْزِيرٍ لِهِجْنَتِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ لِتَحْرِيمِهِ قَالَ: أَخَافُ أَنْ أُعَوِّدَ لِسَانِي الْمَنْطِقَ بِالسُّوءِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ لِلْعَوَائِدِ تَأْثِيرًا وَجَرَتْ إلَى مَا جَرَتْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ بِعَمْدٍ أَوْ سَهْوٍ فَأَرَادَ أَنْ يُطَهِّرَ لِسَانَهُ مِنْ مَنْطِقِ سُوءٍ رُبَّمَا سَبَقَ إلَيْهِ مَعَ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَعِظَ بِذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَدْ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ اسْتِعْمَالَ حُسْنِ الْأَلْفَاظِ وَاجْتِنَابَ ذِكْرِ مَا يُكْرَهُ سَمَاعُهُ وَأَنْ يُكَنَّى عَنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَسُئِلَ عَنْ مَسِّ الرُّفْغِ وَالشَّرَجِ وَالْعَانَةِ أَفِي ذَلِكَ وُضُوءٌ فَقَالَ مَا سَمِعْت فِيهِ بِوُضُوءٍ وَأَكْرَهُ أَنْ يُمَسَّ تَقَذُّرًا، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُلُوكِ إذَا أَصَابَ النَّاسَ طَاعُونٌ فَطُعِنَتْ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ فَقِيلَ: طُعِنَتْ تَحْتَ إبْطِهَا فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَسَأَلَهُ أَيْنَ طُعِنَتْ فَقَالَ: تَحْتَ يَدِهَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَذْكُرَ إبْطَهَا قَالَ، وَقَدْ كَانَتْ تَجْتَنِبُ سَيِّئَ الْكَلَامِ وَتَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ فَكَأَنَّهُ رَأَى التَّنْكِيبَ عَنْ ذِكْرِ الْعَانَةِ وَالشَّرَجِ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ.
стр. 2218
أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ) .
مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: «قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا أَوْ إنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ»
ــ
[المنتقى]
[مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ التَّحَفُّظِ فِي الْكَلَامِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ «مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ حَيْثُ بَلَغَتْ» يُرِيدُ لَا يَسْتَطِيعُهَا وَقَوْلُهُ ﷺ «يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ الْكَلِمَةُ عِنْدَ السُّلْطَانِ الظَّالِمِ لِيَرُدَّهُ بِهَا عَنْ ظُلْمِهِ فِي إرَاقَةِ دَمٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ لِيَصْرِفَهُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ أَوْ يُعِينَ ضَعِيفًا لَا يَسْتَطِيعُ بُلُوغَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَرَوَى عَبْدُ الْمُتَعَالِي بْنُ صَالِحٍ قَالَ: قِيلَ لِمَالِكٍ يُدْخَلُ عَلَى السُّلْطَانِ وَهُمْ يَظْلِمُونَ وَيَجُورُونَ قَالَ: يَرْحَمُك اللَّهُ فَأَيْنَ التَّكَلُّمُ بِالْحَقِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى» يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي عَوْنِهِ عَلَى الْجَوْرِ وَالْإِثْمِ وَتَزْيِينِهِ لَهُ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَ يَقُولُ فِي تَفْسِيرِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ يَتَكَلَّمُ بِهَا الرَّجُلُ عِنْدَ ذِي سُلْطَانٍ يُرْضِيهِ بِهَا فِيمَا يُسْخِطُ اللَّهَ وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ هُوَ فِيمَا يُرَى الرَّفَثُ وَالْخَنَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْكَلَامِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ مَنْ جَحَدَ وَلَا كَفَرَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ» يُرِيدُ لَا يَعْبَأُ بِهَا وَيَسْتَخِفُّهَا فَلَا يُعَاجِلُ النَّدَمَ عَلَيْهَا وَالتَّوْبَةَ مِنْهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يُهَالَ عَلَيْهِ وَأَنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ لَقَدْ مَنَعَنِي هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ كَلَامٍ كَثِيرٍ.
[مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى]
(ش) : قَوْلُهُ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِقِ هُمَا عَمْرُو بْنُ الْأَصَمِّ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا ذَمٌّ لِلْبَيَانِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ بِإِدْخَالِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَمِّهِ بِأَنْ جَعَلَهُ جُزْءًا مِنْ السِّحْرِ أَوْ مِنْ جِنْسِ السِّحْرِ وَالسِّحْرُ مَذْمُومٌ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى إنَّ الطَّلِقَ اللِّسَانُ لَا يَزَالُ صَاحِبُهُ يُكَلِّمُهُ حَتَّى يَأْخُذَ بِسَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَبَصَرِهِ كَمَا يَأْخُذُ السَّاحِرُ أَلَا تَرَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ شَرًّا مِنْ طَلَاقَةِ اللِّسَانِ» وَقَالَ قَوْمٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ لِلْبَيَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ عَدَّدَ الْبَيَانَ فِي النِّعَمِ الَّتِي تَفَضَّلَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: ٣] ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَبْلَغِ النَّاسِ وَأَفْضَلِهِمْ بَيَانًا وَبِذَلِكَ وَصَفَهُ اللَّهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ فَقَالَ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل: ٣٩] وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ بِذَلِكَ وَلَا تَذُمُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ ﵀ لَهُ وَجْهٌ إنْ كَانَ الْبَيَانُ بِمَعْنَى الْإِلْبَاسِ وَالتَّمْوِيهِ عَنْ حَقٍّ إلَى بَاطِلٍ فَلَيْسَ يَكُونُ الْبَيَانُ حِينَئِذٍ فِي الْمَعَانِي وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّمْوِيهِ وَالتَّلْبِيسِ فَيُسَمَّى بَيَانًا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَتَى فِي ذَلِكَ بِأَبْلَغَ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِهِ فَيَكُونُ فِي مِثْلِ هَذَا قَدْ سَحَرَهُ وَفَتَنَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَمًّا وَأَمَّا الْبَيَانُ فِي الْمَعَانِي وَإِظْهَارِ الْحَقَائِقِ فَمَمْدُوحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ وُصِفَ بِالسِّحْرِ فَإِنَّمَا يُوصَفُ بِذَلِكَ عَلَى مَعْنَى تَعَلُّقِهِ بِالنَّفْسِ وَتَلَبُّسِهِ بِهَا وَمَيْلِهَا إلَيْهِ وَلَا يُشَكُّ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ﵇ أَبْيَنُ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السَّحَرَةُ وَأَوْضَحُ عَنْ الْحَقِيقَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ
стр. 2219
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ: لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُو قُلُوبُكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تُرْسِلُ إلَى بَعْضِ أَهْلِهَا بَعْدَ الْعَتَمَةِ فَتَقُولُ: أَلَا تُرِيحُونَ الْكُتَّابَ) .
مَا جَاءَ فِي الْغِيبَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَّادٍ أَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُوَيْطِبٍ الْمَخْزُومِيِّ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا الْغِيبَةُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَذْكُرَ مِنْ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قُلْت بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ» .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ أَنْ يَمْدَحَ الْإِنْسَانُ فَيُصَدَّقُ بِهِ حَتَّى يَصْرِفَ الْقُلُوبَ إلَى قَوْلِهِ ثُمَّ يَذُمَّهُ فَيُصَدَّقُ حَتَّى يَصْرِفَ الْقُلُوبَ إلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ فَكَأَنَّهُ سَحَرَ السَّامِعِينَ وَرُوِيَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ «وَرَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفْدٌ فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ الْأَصَمِّ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْثَمِ فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا سَيِّدُ تَمِيمٍ وَالْمُطَاعُ فِيهِمْ وَالْمُجَابُ فِيهِمْ آخِذٌ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ الظُّلْمِ وَهَذَا يَعْلَمُ ذَلِكَ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ الْأَهْثَمِ فَقَالَ عَمْرٌو: إنَّهُ لَشَدِيدُ الْعَارِضَةِ مَانِعٌ لِجَانِبِهِ مُطَاعٌ فِي أَدَانِيهِ، فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إلَّا الْحَسَدُ؛ فَقَالَ عَمْرٌو: أَنَا أَحْسُدُك، فَوَاَللَّهِ إنَّك لَلَئِيمُ الْخَالِ حَدِيثُ الْمَالِ أَحْمَقُ الْوَالِدِ مُبْغَضُ فِي الْعَشِيرِ، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقْت أَوَّلًا وَمَا كَذَبْت آخِرًا وَلَكِنِّي رَجُلٌ رَضِيت فَقُلْت أَحْسَنَ مَا عَلِمْت وَغَضِبْت فَقُلْت أَقْبَحَ مَا وَجَدْت؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ: لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُو قُلُوبُكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تُرْسِلُ إلَى بَعْضِ أَهْلِهَا بَعْدَ الْعَتَمَةِ فَتَقُولُ: أَلَا تُرِيحُونَ الْكُتَّابَ) .
(ش) : قَوْلُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَقْسُو قُلُوبُكُمْ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَكُونُ لَغْوًا، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ الْمُبَاحُ فَقَدْ يَكُونُ مِنْهُ الْمَحْظُورُ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ مَا تَقْسُو بِهِ الْقُلُوبُ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ يُرِيدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ لَا تَنْظُرُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ يُرِيدُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْظُرُ فِي ذُنُوبِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُثِيبُ عَلَى حَسَنِهَا وَلَا يُعَاقِبُ عَلَى سَيِّئِهَا وَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِيهَا رَبُّهُ الَّذِي أَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَيُثِيبُهُ عَلَى حَسَنِهَا وَيُعَاقِبُهُ عَلَى سَيِّئِهَا وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فِي عُيُوبِ نَفْسِهِ لِيُصْلِحَ مِنْهَا مَا فَسَدَ وَيَتُوبُ مِنْهَا عَمَّا فَرَّطَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بِالذُّنُوبِ، وَقَوْلُهُ: وَمُعَافًى، يُرِيدُ مِنْ الذُّنُوبِ وَقَوْلُهُ فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ يُرِيدُ مَنْ اُمْتُحِنَ بِالذُّنُوبِ وَقَوْلُهُ وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ يُرِيدُ مِنْ الذُّنُوبِ فَإِنَّكُمْ بِفَضْلِ اللَّهِ عُصِمْتُمْ مِنْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْحَاجَةِ وَغَيْرِهَا وَالْمُعَافَاةُ مِنْهَا بِالصِّحَّةِ وَالْغِنَى عَنْ النَّاسِ.
[مَا جَاءَ فِي الْغِيبَةِ]
(ش) : سُؤَالُ الرَّجُلِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْغِيبَةِ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ لِمَا سَمِعَ فِيهَا مِنْ النَّهْيِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْغِيبَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لِيَجْتَنِبَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «الْغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ مِنْ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ» يَعْنِي ﷺ مِنْ أَفْعَالِ الْمَرْءِ وَأَقْوَالِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي يَكْرَهُ أَنْ يُوصَفَ بِهَا وَرُبَّمَا ذُمَّ بِهَا فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذَا مِنْ الْغِيبَةِ، وَإِنْ كَانَ يَقُولُ حَقًّا وَهَذَا لِمَنْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْغِيبَةِ
стр. 2220
مَا جَاءَ فِيمَا يُخَافُ مِنْ اللِّسَانِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَتَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تُخْبِرُنَا فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ أَلَا تُخْبِرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا فَقَالَ الرَّجُلُ أَلَا تُخْبِرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ يَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى فَأَسْكَتَهُ رَجُلٌ إلَى جَنْبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ» .
ــ
[المنتقى]
لَا لِيُحَذِّرَ مِنْهَا أَحَدًا فَأَمَّا مَنْ قَالَهُ فِي مُحَدِّثٍ لِئَلَّا يَتَقَوَّلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ وَفِي شَاهِدٍ لِيَرُدَّ بَاطِلَ شَهَادَتِهِ أَوْ فِي مُتَحَيِّلٍ لِيَصْرِفَ كَيْدَهُ وَأَذَاهُ عَنْ النَّاسِ وَيُحَذِّرَ مِنْهُ مَنْ يَغْتَرُّ بِهِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْغِيبَةِ بَلْ هُوَ حَقٌّ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُومَ بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ فِرَقِ الْفُقَهَاءِ وَفِي كِتَابِ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ.
وَقَدْ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا غِيبَةَ فِي ثَلَاثَةٍ: إمَامٌ جَائِرٌ، وَفَاسِقٌ مُعْلِنٌ بِفِسْقِهِ، وَصَاحِبُ بِدْعَةٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إذَا قُلْت بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ» يُرِيدُ أَنَّهُ أَشَدُّ مِنْ الْغِيبَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَاطِلِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ الْبُهْتَانُ الْبَاطِلُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ مِنْ بُطْلَانِهِ يُقَالُ بَهَتَ فُلَانٌ فُلَانًا إذَا كَذَبَ عَلَيْهِ فَبَهَتَ يَبْهُتُ وَبَهِتَ يَبْهَتُ.
[مَا جَاءَ فِيمَا يُخَافُ مِنْ اللِّسَانِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَتَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ» عَلَى مَعْنَى التَّحْذِيرِ لِأُمَّتِهِ مِنْ شَرِّهِمَا وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ اخْتِبَارَهُمَا فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَقَوْلُ الرَّجُلِ لَهُ أَلَا تُخْبِرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى الْقَعْنَبِيُّ أَلَا تُخْبِرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى اسْتِدْعَاءِ خَبَرِهِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَعْنَى رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى حَتَّى إذَا أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَثْقُلَ عَلَيْهِمْ الِاحْتِرَاسُ مِنْهَا وَرَجَا إذَا سَكَتَ أَنْ يُوَفَّقُوا لِلْعَمَلِ بِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ يَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُمْ حَتَّى يَقُولُوا مَا يَظْهَرُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُمْ صَوَابُ هَذَا وَإِسْكَاتُ الرَّجُلِ لَهُ عَنْ إعَادَةِ كَلَامِهِ رَجَاءَ أَنْ يُخْبِرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِصَوَابِ ذَلِكَ وَيُبَيِّنَ لَهُمْ وَجْهَهُ فَيَنْتَهُوا إلَيْهِ وَيَأْخُذُوا بِهِ وَخَوْفَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ جَوَابُ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي تَكَرَّرَ جَوَابُهُ فَسَأَلَ أَنْ لَا يُخْبِرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ» يُرِيدُ فَمَه وَفَرْجَهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ أَكْثَرَ الذُّنُوبِ تَكُونُ عَلَى هَذَيْنِ فَيَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْكَلَامُ وَالسُّكُوتُ وَتَكَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ لِذَلِكَ عَلَى مَعْنَى التَّعْظِيمِ لَهُ وَالتَّأْكِيدِ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَهْ غَفَرَ اللَّهُ لَك فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ) .
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَانَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ خَالِيًا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بِنَفْسِهِ مِنْ جِهَةِ الْعُضْوِ الَّذِي كَانَ يُحْذَرُ مَضَرَّتُهُ عَسَى أَنْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ اسْتِدَامَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَهَذَا مَعَ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَدِينِهِ وَوَرَعِهِ وَلَكِنَّ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ يُتَعَاهَدُ هَذَا مِنْ نَفْسِهِ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْمُؤْمِنُ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ يَجْلِسُ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَالْفَاجِرُ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ وَلِذَلِكَ كَانَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ إذَا وَقَعَ الْأَمْرُ
стр. 2221
مَا جَاءَ فِي مُنَاجَاةِ اثْنَيْنِ دُونَ وَاحِدٍ (ص) : (مَالِكٌ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كُنْت أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بْنِ عُقْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ وَلَيْسَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ الرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَجُلًا آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً فَقَالَ لِي وَلِلرَّجُلِ الَّذِي دَعَا اسْتَأْخِرَا شَيْئًا فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ» مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ» .
مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْذِبُ امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا جُنَاحَ عَلَيْك»
ــ
[المنتقى]
يَكْرَهُونَهُ وَبَّخُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ وَأَقْلَعُوا عَنْهُ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُهُمْ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَصْبَحَ الْعَبْدُ أَصْبَحَتْ الْأَعْضَاءُ تَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ اللِّسَانِ وَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّك إنْ اسْتَقَمْت اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» .
[مَا جَاءَ فِي مُنَاجَاةِ اثْنَيْنِ دُونَ وَاحِدٍ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ لَا يَتَسَارَّا وَيَتْرُكَا صَاحِبَهُمَا وَحْدَهُ قَرِينًا لِلشَّيْطَانِ يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَغْتَابَانِهِ أَوْ يَتَكَلَّمَانِ عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَفِعْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ هَذَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَهُوَ خَادِمُهُ وَوَاثِقٌ بِهِ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ لِيُقْتَدَى بِهِ وَيُنْقَلَ الْحَدِيثُ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى عُمُومِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي السَّفَرِ وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ وَأَمِنَ النَّاسُ زَالَ هَذَا الْحُكْمُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ، وَحَمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْحَضَرِ وَبَعْدَ تَقَرُّرِ الْإِسْلَامِ وَكَثْرَةِ أَهْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَدَبِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزْنِيَةِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ نَهَى أَنْ يُتْرَكَ وَاحِدٌ وَلَا أَرَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانُوا عَشْرَةً أَنْ يَتْرُكُوا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِلْوَاحِدِ وَفِي تَرْكِ الِاثْنَيْنِ لِلْوَاحِدِ سَوَاءٌ وَهُوَ مِمَّا يَقَعُ فِي نَفْسِهِ مِنْ اتِّفَاقِهِمَا جَمِيعًا عَلَى شَيْءٍ إفْرَادُهُ بِسَتْرِهِ عَنْهُ وَإِخْرَاجِهِمَا لَهُ مِنْهُ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ]
(ش) : قَوْلُ الرَّجُلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْذِبُ امْرَأَتِي يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُخْبِرَهَا عَنْ أَمْرٍ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي كَذِبٍ يُنَافِي الشَّرْعَ وَأَمَّا مَا كَانَ لِإِصْلَاحٍ فَقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَلِكَ «كُلُّ الْكَذِبِ يُكْتَبُ عَلَى ابْنِ آدَمَ إلَّا ثَلَاثًا: كَذِبُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ لِيُرْضِيَهَا وَرَجُلٌ كَذَبَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَرَجُلٌ كَذَبَ فِي خَدِيعَةِ حَرْبٍ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْمَعْنَى فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى تَجْوِيزِ الْكَذِبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وَقَوْلُهُ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ فِي سَارَةَ أَنَّهَا أُخْتُهُ وَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ فِي اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ وَضْعِ يُوسُفَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ﷺ ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزْنِيَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَكْذِبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي كُلِّ مَا يَسْتَجِيزُ بِهِ هَوَاهَا وَطَوَاعِيَتَهَا إذَا لَمْ يُذْهِبْ
стр. 2222
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَالْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ وَالْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ صَدَقَ وَبَرَّ وَكَذَبَ وَفَجَرَ) .
ــ
[المنتقى]
بِكَذِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا مِثْلَ أَنْ يُزَيِّنَ لَهَا مَا يُعْطِيهَا وَنَحْوُ هَذَا، وَإِنْ كَذَبَ وَقَوْلُهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَنْ رَأَى رَجُلًا مُسْلِمًا يُقْتَلُ ظُلْمًا وَيَعْرِفُ أَنَّهُ يُنْجِيهِ بِالْكَذِبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ فَيَقُولُ: لَيْسَ هُوَ فِيهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ لَهُ وَقَالَ قَوْمٌ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عَلَى مَعْنَى التَّوْرِيَةِ وَالْأَلْغَازِ لَا عَلَى مَعْنَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَقَصْدِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلُوا مَا حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وُجُوهِ الْأَلْغَازِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يَمْشِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيُنَمِّي خَيْرًا أَوْ يَقُولُهُ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الرَّجُلِ «أَعِدُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَقُولُ لَهَا فَقَالَ: لَا جُنَاحَ عَلَيْك» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَعِدُهَا وَأَنَا أَعْتَقِدُ الْوَفَاءَ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْكَذِبُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَاضِي وَالْخَلَفُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يَكُونُ إلَّا كَذِبًا فَأَمَّا الْمُسْتَقْبَلُ فَقَدْ يُمْكِنُهُ تَصْدِيقُ خَبَرِهِ يَنْصَرِفُ مَذْهَبُهُ إلَى فِعْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْذِبَ ثُمَّ آثَرَ أَنْ يَصْدُقَ فَصَدَقَ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَالْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ وَالْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ صَدَقَ وَبَرَّ وَكَذَبَ وَفَجَرَ) .
(ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْهُ عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ عَلَى مَعْنَى الْإِغْرَاءِ بِهِ وَالْحَضِّ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَى الْعَمَلِ الْخَالِصِ مِنْ الْمَأْثَمِ وَيُوصِلُ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ وَالْبِرُّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ مَعْنَاهُ يُرْشِدُ إلَى سَبِيلِهَا وَيُوصِلُ إلَيْهَا قَالَ: وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ عَلَى مَعْنَى التَّحْذِيرِ مِنْهُ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ الْكَذِبَ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى مَا لَيْسَ هُوَ عَلَيْهِ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَأَصْلُ الْفُجُورِ الْمَيْلُ عَنْ الْقَصْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: ٥] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مَعْنَاهُ أَنْ يَذْهَبَ فِي فُجُورِهِ قَدَمًا قَدَمًا، وَقَالَ غَيْرُهُ يُقَدِّمُ الذَّنْبَ وَيُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ يُكَذِّبُ بِمَا أَمَامَهُ مِنْ الْقِيَامِ وَالْحِسَابِ يُقَالُ لِلْكَاذِبِ فَاجِرٌ كَذَّابٌ وَلِلْمُكَذِّبِ بِالْحَقِّ فَاجِرٌ، وَقَوْلُهُ وَالْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، مَعْنَاهُ يَدْعُو إلَى سَبِيلِهَا وَيُوصِلُ إلَيْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ صَدَقَ وَبَرَّ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْبِرَّ مِمَّا يُؤَكَّدُ بِهِ الصِّدْقُ وَيُوصَفُ بِهِمَا الْفِعْلُ الْوَاحِدُ لِفَاعِلٍ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ الْكَذِبُ وَالْفُجُورُ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا يُقَالُ فِيهِ كَذَبَ وَفَجَرَ فَيُوصَفُ فِيهِ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ مَا بَلَغَ بِك مَا نَرَى يُرِيدُونَ الْفَضْلَ فَقَالَ لُقْمَانُ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي) .
(ش) : قَوْلُهُ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي بِجَمْعِ أَبْوَابِ الْخَيْرِ قَالَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] .
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ رَأَيْت الْأَوْزَاعِيَّ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَنَّةِ فَقُلْت: وَأَيْنَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ؟ فَقِيلَ: رُفِعَ، فَقُلْت بِمَاذَا؟ قَالَ: لِصِدْقِهِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَانَ يُقَالُ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَتُنْكَتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ فَيُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْكَاذِبِينَ مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ: لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ: لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ فَقَالَ: لَا» .
(ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَتَنْكُتُ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ النُّكْتَةُ الْأَثَرُ
стр. 2223
مَا جَاءَ فِي إضَاعَةِ الْمَالِ وَذِي الْوَجْهَيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ ﵎ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ وَيَسْخَطُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ وَكَثْرَةُ السُّؤَالِ» .
ــ
[المنتقى]
الصَّغِيرُ مِنْ أَيِّ لَوْنٍ كَانَ وَوَصْفُهَا بِالسَّوَادِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَلْوَانِ الْكُفْرِ وَبِذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ وُجُوهَ الْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ ﵎ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وَلِذَلِكَ قَالَ ﵁ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ فَيُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْكَاذِبِينَ يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَتَّصِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى تَسْتَوْعِبَ النُّكْتَةُ قَلْبَهُ وَلَا يَزُولُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُبْعِدُ ذَلِكَ عَنْهُ فَيَمْنَعُ التَّوْبَةَ وَلَا يُوَفَّقُ لِشَيْءٍ يُزِيلُ عَنْهُ مَا هُوَ فِيهِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: نَعَمْ» وَكَذَلِكَ فِي الْبَخِيلِ وَقَالَ ﷺ إنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَّابًا.
[مَا جَاءَ فِي إضَاعَةِ الْمَالِ وَذِي الْوَجْهَيْنِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ مَعْنَاهُ بِعَهْدِ اللَّهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ تَعَالَى تَرْكُ الْفُرْقَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَيْكُمْ بِحَبْلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ كِتَابُهُ، قَالَ وَالْحَبْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَنْصَرِفُ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا الْعَهْدُ وَهُوَ الْأَمَانُ قَالَ الشَّاعِرُ
، وَإِذَا تَجَوَّزَهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍ ... أَخَذْت مِنْ الْأُخْرَى إلَيْك حِبَالَهَا
وَالْحَبْلُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُوَاصَلَةُ وَقَوْلُهُ ﷺ «أَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - شَأْنَكُمْ وَهُمْ الْأَئِمَّةُ فَإِنَّ مُنَاصَحَتَهُمْ مُنَاصَحَةُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا» قِيلَ وَقَالَ قَالَ مَالِكٌ هُوَ الْإِكْثَارُ مِنْ الْكَلَامِ وَالْإِرْجَافُ نَحْوُ قَوْلِ النَّاسِ قَالَ فُلَانٌ وَفَعَلَ فُلَانٌ وَالْخَوْضُ فِيمَا لَا يَنْبَغِي، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يُرِيدُ قِيلًا وَقَالًا، وَقَوْلُهُ ﷺ «وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِتَضْيِيعِهِ تَرْكَ تَثْمِيرِهِ وَحِفْظِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إنْفَاقَهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ مِنْ السَّرَفِ وَالْمَعَاصِي.
وَقَالَ مَالِكٌ إضَاعَةُ الْمَالِ أَنْ يَرْزُقَك اللَّهُ رِزْقًا فَتُنْفِقَهُ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك وَقَوْلُهُ ﷺ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ قَالَ مَالِكٌ ﵀: لَا أَدْرِي أَهُوَ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ فَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا أَوْ هُوَ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ» وُصِفَ بِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهِ التَّوَدُّدِ إلَيْهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالرِّضَا عَنْ قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ فَإِذَا زَالَ عَنْهُمْ وَصَارَ مَعَ مُخَالِفِيهِمْ لَقِيَهُمْ بِوَجْهِ مَنْ يَكْرَهُ الْأَوَّلِينَ وَيُسِيءُ الْقَوْلَ فِيهِمْ وَالذَّمَّ لِفِعْلِهِمْ وَقَوْلِهِمْ.
стр. 2224
مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْعَامَّةِ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ إذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: كَانَ يُقَالُ: إنَّ اللَّهَ ﵎ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ وَلَكِنْ إذَا عُمِلَ الْمُنْكَرُ جِهَارًا اسْتَحَلُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ) .
مَا جَاءَ فِي التُّقَى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَخَرَجْت مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا فَسَمِعْته وَهُوَ يَقُولُ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارٌ وَهُوَ فِي جَوْفِ الْحَائِطِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَخٍ بَخٍ وَاَللَّهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ مَالِكٌ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَقُولُ: أَدْرَكْت النَّاسَ وَمَا يُعْجَبُونَ بِالْقَوْلِ قَالَ مَالِكٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْعَمَلَ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى عَمَلِهِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِهِ) .
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْعَامَّةِ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ]
(ش) : قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ بِالصَّالِحِينَ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ الْمُسِيئِينَ الْعَذَابَ وَلَعَلَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] فَتَأَوَّلَتْ فِي كُلِّ قَوْمٍ فِيهِمْ صَالِحٌ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِنَبِيِّنَا ﷺ خَاصًّا وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ أُهْلِكَ قَوْمُهُمْ مَعَ كَوْنِ النَّبِيِّ فِيهِمْ وَيُنْجِي اللَّهُ رُسُلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهَا نَعَمْ فَقَدْ يُهْلِكُ اللَّهُ الْأُمَّةَ فِيهِمْ الصَّالِحُونَ إذَا كَثُرَ الْخَبَثُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصَّةً وَاعْتَقَدَتْ أَنَّهَا لَمَّا لَمْ تُعَذَّبْ مَعَ بَقَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا أَنَّهَا لَا تَهْلِكُ مَا دَامَ فِيهَا صَالِحٌ مِنْ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْلَمَهَا أَنَّهُ لَيْسَ حَالُ الصَّالِحِ مِنْ أُمَّتِهِ فِي ذَلِكَ ﷺ وَأَنَّهُ قَدْ تَهْلِكُ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ فِيهَا صَالِحٌ وَصَالِحُونَ قَالَ اللَّهُ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وَقَوْلُهُ ﷺ «إذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» أَرَادَ إذَا كَانَ الْخَبَثُ كَثِيرًا وَمِنْ الْخَبَثِ الْفُسُوقُ وَالشَّرُّ وَقِيلَ: الْخَبَثُ أَوْلَادُ الزِّنَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُقَالُ: إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ يُرِيدُ قَوْلَ اللَّهِ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَقَوْلُهُ ﵁ وَلَكِنْ إذَا عُمِلَ الْمُنْكَرُ جِهَارًا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْمُجَاهَرَةِ بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَزِيَّةَ مَا لَيْسَ لِلِاسْتِتَارِ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عَاصُونَ مِنْ بَيْنِ عَامِلٍ لِلْمُنْكَرِ وَتَارِكٍ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَالتَّغْيِيرِ عَلَى فَاعِلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنْكِرُ لَهُ مُسْتَضْعَفًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ فَيُنْكِرُهُ بِقَلْبِهِ فَإِنْ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُمْ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَحُشِرَ عَلَى نِيَّتِهِ.
[مَا جَاءَ فِي التُّقَى]
(ش) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَدْ خَلَا بِنَفْسِهِ وَاعْتَقَدَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْمَعُهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَخٍ بَخٍ عَلَى مَعْنَى تَعْظِيمِ هَذِهِ الْحَالِ وَاسْتِشْنَاعِهِ لَهَا وَأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ مِنْ الرِّفْعَةِ فِي الدُّنْيَا إلَى مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَيُعْرِضُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ مُعَظِّمًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ وَذِكْرًا لَهَا بِمَا يَذَّكَّرُ النَّاسُ لَهُ هَذِهِ الْحَالَ وَأَنَّهَا حَالٌ إنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ لَمْ يَنْفَعْهُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ يَغْبِطُهُ بِهَا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَهِيَ حَالٌ لَا تَنْفَعُهُ وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ التُّقَى وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَتَوْبِيخُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَمُحَاسَبَتُهُ لَهَا فِي الْخَلَاءِ مِنْ فِعْلٍ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَمِمَّا يَلِيقُ بِفِعْلِهِ وَعِلْمِهِ وَدِينِهِ
стр. 2225
الْقَوْلُ إذَا سَمِعْت الرَّعْدَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ: إنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ شَدِيدٌ) .
مَا جَاءَ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ ﷺ - (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ لَهُنَّ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ﵁ أَدْرَكْت النَّاسَ يُرِيدُ الصَّحَابَةَ ﵃ مَا يُعْجَبُونَ بِالْقَوْلِ قَالَ مَالِكٌ ﵀: إنَّمَا يَنْظُرُ إلَى عَمَلِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْقَوْلَ مِمَّنْ لَا يَعْمَلُ لَا يُعْجَبُ بِهِ أَهْلُ الْفَضْلِ وَإِنَّمَا يُعْجَبُونَ بِعَمَلِ الْعَالِمِ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] .
[الْقَوْلُ إذَا سَمِعْت الرَّعْدَ]
(ش) : وَقَوْلُهُ إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ إذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ارْتِيَاعًا مِنْهُ وَإِقْبَالًا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّسْبِيحِ وَالْإِخْبَارِ بِأَنَّ الرَّعْدَ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّعْدُ مَلِكًا يَزْجُرُ السَّحَابَ عَلَى مَا قَالَهُ.
[مَا جَاءَ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ ﷺ ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا» نَصٌّ عَلَى الدِّينَارِ لِقِلَّتِهِ وَنَبَّهَ ﷺ بِمَا زَادَ عَلَى الدِّينَارِ كَقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] .
وَقَالَ ﵎ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] عَلَى مَعْنَى التَّنْبِيهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -، وَقَدْ رَوَى هَذَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَغَيْرُهُمْ ﵃ وَاَلَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ هَذَا حُكْمُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ إنَّمَا ذَلِكَ لِنَبِيِّنَا ﷺ خَاصَّةً، وَقَالَتْ الْإِمَامِيَّةُ إنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ يُورَثُونَ وَتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِأَنْوَاعٍ مِنْ التَّخْلِيطِ لَا شُبْهَةَ فِيهَا مَعَ وُرُودِ هَذَا النَّصِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ السَّمْنَانِيُّ شَيْخُنَا ﵁ أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ شَاذَانَ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الشَّأْنِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ عَرَبِيَّةً فَنَاظَرَ يَوْمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعَلِّمِ وَكَانَ إمَامَ الْإِمَامِيَّةِ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَاسْتَدَلَّ أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يُورَثُونَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّا مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً» نُصِبَ عَلَى الْحَالِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُعَلِّمِ مَا ذَكَرْت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» إنَّمَا هُوَ " صَدَقَةً " نُصِبَ عَلَى الْحَالِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ مَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ لَا يُورَثُ عَنْهُ وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ هَذَا وَإِنَّمَا نَمْنَعُ ذَلِكَ فِيمَا تَرَكَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَاعْتُمِدَ عَلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَمَّا عُلِمَ أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ شَاذَانَ لَا يَعْرِفُ
стр. 2226
مَا جَاءَ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ إنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا» مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ أَتَرَوْنَهَا حَمْرَاءُ كَنَارِكُمْ هَذِهِ لَهِيَ أَسْوَدُ مِنْ الْقَارِ وَالْقَارُ الزِّفْتُ)
ــ
[المنتقى]
هَذَا الشَّأْنَ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَالِ وَغَيْرِهَا فَلَمَّا عَادَ الْكَلَامُ إلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ قَالَ لَهُ وَمَا زَعَمْت مِنْ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» إنَّمَا هُوَ " صَدَقَةً " مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَأَنْتَ لَا تَمْنَعُ هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا تَرَكَهُ الْأَنْبِيَاءُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَأَنَا لَا أَعْلَمُ فَرْقًا بَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً بِالنَّصْبِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ بِالرَّفْعِ.
وَلَا أَحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدِي وَعِنْدَك أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ وَأَرْضَاهَا مِنْ أَفْصَحِ الْعَرَبِ وَمِنْ أَعْلَمِهِمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً بِالنَّصْبِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ بِالرَّفْعِ، وَكَذَلِكَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ وَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ لَوْ كَانَ مَوْرُوثًا وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِنْ أَفْصَحِ قُرَيْشٍ وَأَعْلَمِهِمْ بِذَلِكَ، وَقَدْ طَلَبَتْ فَاطِمَةُ ﵂ مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِيهَا ﷺ فَجَاوَبَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى وَجْهٍ فَهِمَتْ مِنْهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهَا فَانْصَرَفَتْ عَنْ الطَّلَبِ وَفَهِمَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ ﵁ وَكَذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَمْ يَعْتَرِضْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ الْمُحْتَجُّ بِهِ وَالْمُتَعَلَّقُ بِهِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ الْعَالِمِينَ بِذَلِكَ لَمْ يُورِدْ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ إلَّا بِمَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ لَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ لِمَا أَوْرَدَهُ وَلَا تَعَلَّقَ بِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالنَّصْبِ يَقْتَضِي مَا يَقُولُهُ فَادِّعَاؤُك فِيمَا قُلْت بَاطِلٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّفْعُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ فَهُوَ الْمَرْوِيُّ وَادِّعَاءُ النَّصْبِ فِيهِ بَاطِلٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ نَفَقَةَ نِسَائِهِ ﷺ ثَابِتَةٌ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِ ﷺ أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ أَزْوَاجِهِ ﵅؛ لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عَلَيْهِ عَنْ النِّكَاحِ قَالَ اللَّهُ ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] لَازِمٌ لَهُنَّ عَلَى حَسْبِ مَا يَجِبُ لِغَيْرِهِنَّ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّفْضِيلِ لَهُنَّ لِعَدَمِ إيمَانِهِنَّ وَهِجْرَتِهِنَّ وَأَمَّا مُؤْنَةُ عَامِلِهِ ﷺ فَهُوَ كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلِيفَةٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَامِلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِأُمَّتِهِ وَقَائِمٌ بِشَرْعِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكْفِيَ مُؤْنَتَهُ وَلَوْ ضَيَّعَ ذَلِكَ لِضَيَاعِ عِيَالِهِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ قَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مُؤْنَتِي وَمُؤْنَةِ عِيَالِي فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَيُعْمَلُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَحْكَمُ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ أَمْوَالَهُ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا يُخْرِجُ مِنْهَا نَفَقَةَ عِيَالِهِ وَمُؤْنَةَ الْعَامِلِ ثُمَّ يَكُونُ مَا بَقِيَ صَدَقَةً.
[مَا جَاءَ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ نَارَ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ» تَخْصِيصٌ لَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَارَ جَهَنَّمَ لَا يُوقِدُهَا بَنُو آدَمَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ حَرَارَتَهَا فَقَالَ ﷺ «إنَّهَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - حَرُّهَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ نَارِ جَهَنَّمَ وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَتَرَوْنَهَا حَمْرَاءَ كَنَارِكُمْ هَذِهِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - كَنَارِ بَنِي آدَمَ ثُمَّ
стр. 2227
التَّرْغِيبُ فِي الصَّدَقَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا طَيِّبًا كَانَ إنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ يُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ»
ــ
[المنتقى]
قَالَ: لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ الْقَارِ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشِدَّةِ أَمْرِهَا فِي الْحَرِّ وَأَخْبَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ شِدَّةِ أَمْرِهَا فِي لَوْنِهَا؛ لِأَنَّ سَوَادَهَا أَشَدُّ فِي الْعَذَابِ فَقَالَ: إنَّهَا أَشَدُّ سَوَادًا مِنْ الْقَارِ وَالْقَارُ وَالْقِيرُ الزِّفْتُ وَمِثْلُ هَذِهِ لَا يَعْلَمُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ» يُرِيدُ حَلَالًا وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الْحَلَالَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْجُورٍ عَلَيْهَا بَلْ هُوَ مَأْثُومٌ فِيهِ حِينَ لَمْ يَرُدَّهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا طَيِّبًا» مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَعْتَدَّ لَهُ بِهَا صَدَقَةً وَيُرِيدَ أَنْ يُثِيبَهُ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ «كَانَ إنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ عِظَمَ إثَابَةِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهَا وَحِفْظَهُ لَهَا، وَكَفُّ الرَّحْمَنِ بِمَعْنَى يَمِينِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ «فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ» يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ يُنَمِّي الصَّدَقَةَ بِتَضْعِيفِ أَجْرِهَا كَمَا يُنَمِّي الْإِنْسَانُ الْفَلُوَّ وَهُوَ أُنْثَى وَلَدِ الْخَيْلِ مِنْ ذُكُورِ الْحُمُرِ أَوْ فَصِيلَهُ وَهُوَ وَلَدُ النَّاقَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِتَنْمِيَتِهِ بِالتَّرْبِيَةِ وَرَجَاءِ زِيَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يَبْلُغُ بِتَنْمِيَةِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُهَا كَالْجَبَلِ قَالَ اللَّهُ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْت قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَبَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْت مَا قُلْت فِيهِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ فِي الْأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ الِاسْتِكْثَارُ مِنْ الْمَالِ الْحَلَالِ وَقَوْلُهُ: وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحَاءَ يَقْتَضِي جَوَازَ حُبِّ الرَّجُلِ الصَّالِحِ لِلْمَالِ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] .
وَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٌ ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: اللَّهُمَّ إنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إلَّا أَنْ نُحِبَّ مَا زَيَّنْت لَنَا فَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ فَيُنْفِقُهُ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لِعَائِشَةَ ﵂: لَا أَحَدَ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى مِنْك وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا مِنْك وَقَرَأْنَا هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ ﵁ بَيْرُحَاءَ بِفَتْحِ الرَّاءِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ وَالْجَمْعِ وَاللَّفْظَتَانِ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ وَلَيْسَتْ بِئْرٌ مُضَافَةٌ إلَى مَوْضِعٍ
стр. 2228
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَعْطُوا السَّائِلَ، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقًا» )
ــ
[المنتقى]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ قَالَ لِي أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ الْحَافِظُ إنَّمَا هِيَ بَيْرُحَاءَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ وَاتَّفَقَ هُوَ وَأَبُو ذَرٍّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْحُفَّاظِ عَلَى أَنَّ مَنْ رَفَعَ الرَّاءَ حَالَ الرَّفْعِ فَقَدْ غَلِطَ وَعَلَى ذَلِكَ كُنَّا نَقْرَؤُهُ عَلَى شُيُوخِ بَلَدِنَا وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَدْرَكْت أَهْلَ الْحِفْظِ وَالْعِلْمِ بِالْمَشْرِقِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ يُعْرَفُ بِقَصْرِ بَنِي حَرْمَلَةَ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِفِنَاءِ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ» يُرِيدُ عَذْبًا وَهَذَا يَقْتَضِي تَبَسُّطَ الرَّجُلِ فِي مَالِ مَنْ يُعْرَفُ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِالدُّخُولِ إلَيْهِ وَيَتَنَاوَلُ مَا يَخَافُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْمِرْهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ قَالَ أَنَسٌ «فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ تَأَوَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أَنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يُنَالُ الْبِرُّ بِصَدَقَةِ مَا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ وَإِنَّ إنْفَاقَ أَحَبِّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ أَقْرَبُ فِي نَيْلِ مَا يُحِبُّ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ جَاءَ بِفَرَسِهِ وَقَالَ هَذَا أَحَبُّ أَمْوَالِي إلَيَّ فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ إذَا سَمِعَ سَائِلًا يَقُولُ: اُعْطُوهُ سُكَّرًا فَإِنَّ الرَّبِيعَ يُحِبُّ السُّكَّرَ.
(فَصْلٌ) :
وَفِي هَذَا أَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِنْفَاقِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] هُوَ الْأَجْرُ وَالذُّخْرُ الَّذِي رَجَاهُ بِمَا تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ أَحَبِّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ أَرْجُو بِرَّهَا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ثَوَابَ بِرِّهَا وَأَرَادَ أَنْ يَضَعَهَا أَيْضًا فِي أَفْضَلِ وُجُوهِ الْإِنْفَاقِ وَاسْتَعَانَ عَلَى ذَلِكَ بِإِرْشَادِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَضَعَهَا حَيْثُ يَرَى فَإِنَّهُ لَا يَرَى لَهُ وَلَا يَخْتَارُ إلَّا الْأَفْضَلَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ، وَقَوْلُهُ هِيَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا حَيْثُ شِئْت وَإِقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمُطْلَقَةَ يَصِحُّ أَنْ تُصْرَفَ إلَى الْوُجُوهِ الَّتِي شَاءَ الْمُتَصَدِّقُ وَالْمُسْتَشَارُ فِي ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ» بِالْيَاءِ مُعْجَمَةً هِيَ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَجَمَاعَةِ الرُّوَاةِ وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إنَّ كُلَّ مَا اُنْتُفِعَ بِهِ بَعْدَهُ فِي الدُّنْيَا رَاحَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ فِي الْآخِرَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ مَالٌ يَرُوحُ عَلَيْهِ ثَوَابُهُ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ رَابِحٌ بِالْبَاءِ مُعْجَمَةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ وَضَعَهُ مَوْضِعَ الرِّبْحِ وَالْغَنِيمَةِ لِثَوَابِهِ وَالِادِّخَارِ لِمُعَادِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَأَرَى أَنْ يَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَقَارِبَهُ وَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَجْهٍ يُصْرَفُ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَتَفْوِيتِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ ﵁ بَيْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَكَانَا مِنْ أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَعْطُوا السَّائِلَ، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقًا» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «أَعْطُوا السَّائِلَ، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ عَلَى فَرَسٍ لَا غِنَى بِهِ عَنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي صَاحِبِ الْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ لَا فَضْلَ فِيهِمَا وَهَذَا فِي الزَّكَاةِ وَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَتُعْطَى لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَقَدْ يَكُونُ السَّائِلُ ابْنَ سَبِيلٍ وَيَكُونُ عَلَى فَرَسٍ فَيَلْزَمُ عَوْنُهُ عَلَى طَرِيقِهِ وَيَكُونُ غَازِيًا فَيَلْزَمُ أَنْ يُعَانَ عَلَى غَزْوِهِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الصَّدَقَةِ أَنْ يُصْرَفَ إلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ جُمْلَةً بَلْ تُعْطَى مَنْ لَهُ الْبُلْغَةُ لِيُبْقِيَ بِهَا أَوْ لِيَبْلُغَ بِهَا حَالَ الْغِنَى عَلَى حَسْبِ مَا تَصَدَّقَ أَبُو طَلْحَةَ بِبَيْرُحَاءَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ
стр. 2229
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مِسْكِينًا سَأَلَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إلَّا رَغِيفٌ فَقَالَتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا أَعْطِيهِ إيَّاهُ فَقَالَتْ لَيْسَ لَك مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أَعْطِيهِ إيَّاهُ قَالَتْ فَفَعَلَتْ قَالَتْ فَلَمَّا أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ أَوْ إنْسَانٌ مَا كَانَ يُهْدِي لَنَا شَاةً وَكَفَنَهَا فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ فَقَالَتْ كُلِي مِنْ هَذَا هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِك) (ص) : (مَالِكٌ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ مِسْكِينًا اسْتَطْعَمَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ يَدَيْهَا عِنَبٌ فَقَالَتْ لِإِنْسَانٍ خُذْ حَبَّةً فَأَعْطِهِ إيَّاهَا فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَيَعْجَبُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَتَعْجَبُ كَمْ تَرَى فِي هَذِهِ الْحَبَّةِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ)
ــ
[المنتقى]
إرَادَةَ غِنَاهُمَا وَقُوَّتِهِمَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ» قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ هَكَذَا قَرَأْته عَلَى جَمِيعِ شُيُوخِنَا بِالْمَشْرِقِ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ بِنَصْبِ النِّسَاءِ وَخَفْضِ الْمُؤْمِنَاتِ وَأَهْلُ بَلَدِنَا يَقْرَءُونَهُ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى مُفْرَدٌ مَرْفُوعٌ وَالْمُؤْمِنَاتُ نَعْتٌ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ النِّسَاءَ أَعَمُّ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] فَأَضَافَ الْبَهِيمَةَ إلَى الْأَنْعَامِ وَالْبَهِيمَةُ أَعَمُّ مِنْ الْأَنْعَامِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقًا» يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَحْقِرُهُ الْمُهْدِيَةُ فَتَمْنَعُ أَنْ يُهْدَى إلَيْهَا الْقَلِيلُ وَهُوَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا تَحْقِرُهُ الْمَهْدِيُّ إلَيْهَا وَلْتَقْبَلْهُ عَلَى قِلَّتِهِ فَهُوَ أَنْفَعُ لَهَا عَلَى قِلَّتِهِ مِنْ مَنْعِهِ وَأَحْسَنُ فِي التَّعَاشُرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مِسْكِينًا سَأَلَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إلَّا رَغِيفٌ فَقَالَتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا أَعْطِيهِ إيَّاهُ فَقَالَتْ لَيْسَ لَك مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أَعْطِيهِ إيَّاهُ قَالَتْ فَفَعَلَتْ قَالَتْ فَلَمَّا أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ أَوْ إنْسَانٌ مَا كَانَ يُهْدِي لَنَا شَاةً وَكَفَنَهَا فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ فَقَالَتْ كُلِي مِنْ هَذَا هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِك) .
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَمَرَتْهَا أَنْ تُعْطِيَ لِلسَّائِلِ رَغِيفًا لَيْسَ عِنْدَهَا غَيْرُهُ وَهِيَ صَائِمَةٌ عَلَى مَعْنَى الْإِيثَارِ عَلَى نَفْسِهَا وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَلَعَلَّهُ قَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ لَمَّا رَأَتْ بِالسَّائِلِ مِنْ جَهْدٍ خَافَتْ عَلَيْهِ وَأَحَسَّتْ فِي نَفْسِهَا قُوَّةً عَلَى الصَّبْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَمَا أَمْسَيْنَا حَتَّى أَهْدَى إلَيْنَا أَهْلُ بَيْتٍ أَوْ إنْسَانٌ مَا كَانَ يُهْدِي لَنَا شَاةً وَكَفَنَهَا قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ مَلْفُوفَةً بِالرُّغُفِ وَقَوْلُهُ مَا كَانَ يُهْدِي لَنَا يُرِيدُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ وَلَمْ تَحْتَسِبْ بِهِ فَتَثِقُ بِهِ وَتَعُولُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَوَّضَهَا مِنْ حَيْثُ لَمْ تَحْتَسِبْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَمَتِهَا هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِك تُرِيدُ أَنْ تُذَكِّرَهَا بِوَجْهِ الصَّوَابِ فِيمَا قَدَّمَتْهُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِالْقُرْصِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا غَيْرُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّضَهَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا شُكْرٌ لِلَّهِ وَثَنَاءٌ عَلَيْهِ عَلَى حُسْنِ بَلَائِهِ وَفَضْلِ مَا عَوَّضَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ مِسْكِينًا اسْتَطْعَمَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ يَدَيْهَا عِنَبٌ فَقَالَتْ لِإِنْسَانٍ خُذْ حَبَّةً فَأَعْطِهِ إيَّاهَا فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَيَعْجَبُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَتَعْجَبُ كَمْ تَرَى فِي هَذِهِ الْحَبَّةِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ) .
(ش) : أَمْرُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُعْطِيَ السَّائِلَ بَيْنَ يَدَيْهَا حَبَّةً عَلَى مَعْنَى الصَّدَقَةِ بِالْيَسِيرِ وَإِيثَارِهِ عَلَى الرَّدِّ وَمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الصَّدَقَةُ تَصَدَّقَ مَرَّةً بِقَلِيلٍ وَمَرَّةً بِكَثِيرٍ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ وَيَرَى مِنْ مَوْضِعِ حَاجَةٍ وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لِلَّذِي تَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ كَمْ تَرَى فِي هَذِهِ الْحَبَّةِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ تُرِيدُ قَوْلَ اللَّهِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْجُزْءَ الْيَسِيرَ مِنْ الْحَبَّةِ إذَا تُصُدِّقَ بِهِ لَمْ يَعْدَمْ الْمُتَصَدِّقُ أَجْرَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي التَّعَفُّفِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ
стр. 2230
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ» ) (ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَطَاءٍ فَرَدَّهُ عُمَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَ رَدَدْته فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَخْبَرْتنَا أَنَّ خَيْرًا لِأَحَدِنَا أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا ذَلِكَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ يَرْزُقُكَهُ اللَّهُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا وَلَا يَأْتِينِي مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ شَيْءٌ إلَّا أَخَذْته»
ــ
[المنتقى]
خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ الِادِّخَارُ الِاكْتِنَازُ وَالرَّفْعُ فِي الْبُيُوتِ وَالذُّخْرُ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ» فَلَنْ أَمْنَعَكُمُوهُ وَأَدَّخِرَهُ لِنَفْسِي قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَوْلُهُ ﷺ «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ» مِنْ الْعَفَافِ يُرِيدُ أَنَّهُ مَنْ يُمْسِكْ عَنْ السُّؤَالِ وَالْإِلْحَاحِ يُعِفَّهُ اللَّهُ أَيْ يَصُنْهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﷺ «وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَنْ يَسْتَعِنْ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْيَسِيرِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ يَمُدَّهُ اللَّهُ بِالْغِنَى مِنْ عِنْدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ يُغْنِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ وَقَوْلُهُ ﷺ «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَنْ يَتَصَدَّ لِلصَّبْرِ وَيُؤْثِرْهُ يُعِنْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَيُوَفِّقْهُ لَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنْ الصَّبْرِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ أَمْرٌ يَدُومُ بِهِ الْغِنَى بِمَا يُعْطَى، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلِأَنَّهُ يَفِي وَرُبَّمَا لَا يَفِي وَامْتَدَّ الْأَمَلُ إلَى أَكْثَرَ مِنْهُ مِمَّنْ عَدِمَ الصَّبْرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ» ) . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَذْكُرُ فَضْلَ الصَّدَقَةِ وَيَعِيبُ الْمَسْأَلَةَ وَيَحُضُّ عَلَى التَّعَفُّفِ عَنْهَا فَقَالَ ﷺ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا أَكْثَرُ ثَوَابًا وَتُسَمَّى يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَرْفَعُ دَرَجَةً وَمَحَلًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهَذَا رَسْمٌ شَرْعِيٌّ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ بِالشَّرْعِ عُرِفَ وَلَمَّا كَانَتْ تَسْمِيَةً لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ فَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ «يَدَ الْمُعْطِي هِيَ الْيَدُ الْعُلْيَا وَأَنَّ الْيَدَ السَّائِلَةَ هِيَ السُّفْلَى» وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ» وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ وَمَدَحَ الْيَدَ الْمُنْفِقَةَ وَذَلِكَ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَهْلِهِ وَيَكُونَ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَى الْأَجَانِبِ مَا فَضَلَ عَنْ أَهْلِهِ وَيَكُونُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَى الْأَجَانِبِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الْأَجَانِبِ مَا فَضَلَ عَنْ أَهْلِهِ فَإِنْ ضَاقَتْ حَالُهُ فَلْيَبْدَأْ بِأَهْلِهِ وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» .
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَطَاءٍ فَرَدَّهُ عُمَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَ رَدَدْته فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَخْبَرْتنَا أَنَّ خَيْرًا لِأَحَدِنَا أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا ذَلِكَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ يَرْزُقُكَهُ اللَّهُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا وَلَا يَأْتِينِي مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ شَيْءٌ إلَّا أَخَذْته» .
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ رَدَّ عَطَاءَهُ إنَّمَا رَدَّهُ لَمَّا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ خَيْرٌ لِأَحَدِكُمْ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَتَأَوَّلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْأَخْذِ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَعَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَأْخُذَ أَحَدٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَلَعَلَّهُ ﷺ قَدْ خَاطَبَ بِذَلِكَ سَائِلًا وَقَوْلُهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ «فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ يَرْزُقُكَهُ اللَّهُ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ابْتَدَأَك بِهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ مِنْك وَمَعْنَاهُ فَلَا تَرُدَّهُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ عَلَى مَعْنَى الِالْتِزَامِ لِمَا يَقُولُهُ لَا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا يُرِيدُ مَنْعَ الْمَسْأَلَةِ وَقَوْلُهُ وَلَا يَأْتِينِي شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ إلَّا أَخَذْته عَلَى مَعْنَى امْتِثَالِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا قَالَهُ وَنَهَى عَنْهُ وَحَضَّ عَلَيْهِ وَهَذَا حُكْمُ الْعَطَاءِ
стр. 2231
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْأَلُهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ» )
ــ
[المنتقى]
وَالْهِبَةِ مِنْ الْوَجْهِ الْمُبَاحِ دُونَ الْوَجْهِ الْمَحْظُورِ وَالْمَالِ الْحَرَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي فِي سُؤَالِ الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْته فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ يَا حَكِيمُ: إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَك أَبَدًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَلَمْ يَأْخُذْ عَطَاءً فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ وَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ» قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ فِي الْعَمَلِ بِهَذَا الْمَالِ أَخْذُهُ وَجْهٌ يَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُ الْحَاجَةَ وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمَالِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ» كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ .
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْأَلُهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «؛ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ» عَلَى مَعْنَى التَّصْرِيحِ بِمُبَاشَرَةِ الِاحْتِطَابِ وَالْأَخْذِ فِي الْأَسْبَابِ وَقَوْلُهُ «خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - خَصَّهُ اللَّهُ بِالْمَالِ وَلَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَسَأَلَهُ هَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ فَضْلِ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ ﵎ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْغِنَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ السُّلْطَانَ وَيَكُونُ مَعْنَى آتَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ جَعَلَ اللَّهُ إلَيْهِ النَّظَرَ فِيهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الِاحْتِطَابَ أَفْضَلَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ وَقَوْلُهُ ﷺ «أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَرُبَّمَا أَعْطَاهُ إذْ سَأَلَهُ وَرُبَّمَا مَنَعَهُ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ عَيْبَ الْمَسْأَلَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَذَلَّةِ وَرُبَّمَا كَانَ مَعَهَا الْمَنْعُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الِاحْتِطَابَ أَفْضَلُ مِنْ السُّؤَالِ مَعَ الْعَطِيَّةِ فَمَعَ الْمَنْعِ أَوْلَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي طَلَبِ مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُ مِثْلُ مَا إذَا سَأَلَ الْغَنِيُّ الْعَوْنَ وَمِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ السُّلْطَانَ غَنِيٌّ عَمَّا يُعْطِيهِ مَنْ لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُ عَطَاءٌ مُرَتَّبٌ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي أَوْ فِي وَقْتٍ ضَيِّقٍ وَأَمَّا سُؤَالُ السُّلْطَانِ مَعَ الْحَاجَةِ فَجَائِزٌ قَالَ اللَّهُ ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] وَأَمَّا سُؤَالُ مَنْ لَهُمْ عَلَيْهِ عَطَاءٌ مُرَتَّبٌ أَوْ عِدَّةٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِسُؤَالٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ طَالِبٌ لِحَقِّهِ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ وَفِي الْعِدَّةِ اسْتِنْجَازٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَطَاؤُهُ لَهُ.
وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُك هَكَذَا وَهَكَذَا فَلَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ لَهُ قِبَلَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَّةٌ فَلْيَأْتِنِي فَأَتَاهُ جَابِرٌ فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِذَلِكَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ إمَّا أَنْ تُعْطِيَ وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَنِّي وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنْ الْبُخْلِ ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ أَقْبِضْ مِنْ الْمَالِ قَبْضَةً فَقَبَضَ فَعَدَّهَا فَوَجَدَهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ ثُمَّ أَعْطَاهُ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً» إنْجَازًا لِوَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَأَمَّا سُؤَالُ الْمُحْتَاجِ فِي وَقْتِ غِنَى السَّائِلِ فَإِنَّمَا هُوَ مُذَكِّرٌ مِنْ مَالٍ لَهُ وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيَعْرِضْ بِنَفْسِهِ لِيَكُونَ.
وَقَدْ «قَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَعْطِنِي فَإِنِّي فَادَيْت نَفْسِي وَفَادَيْت عَقِيلًا» فَإِنَّ الْعَبَّاسَ لَمْ يُضْطَرَّ إلَى السُّؤَالِ وَأَمَّا مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ وَضَعُفَ عَنْ التَّكَسُّبِ وَالِاحْتِطَابِ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ وَلَا يُلْحِفَ قَالَ اللَّهُ ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ
стр. 2232
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَنَّهُ قَالَ نَزَلْت أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَقَالَ لِي أَهْلِي اذْهَبْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْأَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِمْ فَذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدْت عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيك فَتَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ وَهُوَ يَقُولُ: لَعَمْرِي إنَّك لَتُعْطِي مَنْ شِئْت فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَيَّ أَنْ لَا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا قَالَ الْأَسَدِيُّ: فَقُلْت لَلِقْحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ» قَالَ مَالِكٌ وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا «قَالَ فَرَجَعْت وَلَمْ أَسْأَلْهُ فَقُدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَعِيرٍ وَزَبِيبٍ فَقَسَمَ لَنَا مِنْهُ حَتَّى أَغْنَانَا اللَّهُ » ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ عَبْدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي أَيُرْفَعُ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا) .
مَا جَاءَ فِي التَّعَفُّفِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ (ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ ثُمَّ قَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنْ الصَّبْرِ» .
ــ
[المنتقى]
سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا» .
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَنَّهُ قَالَ نَزَلْت أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَقَالَ لِي أَهْلِي اذْهَبْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْأَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِمْ فَذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدْت عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيك فَتَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ وَهُوَ يَقُولُ: لَعَمْرِي إنَّك لَتُعْطِي مَنْ شِئْت فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَيَّ أَنْ لَا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا قَالَ الْأَسَدِيُّ: فَقُلْت لَلِقْحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ» قَالَ مَالِكٌ وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا «قَالَ فَرَجَعْت وَلَمْ أَسْأَلْهُ فَقُدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَعِيرٍ وَزَبِيبٍ فَقَسَمَ لَنَا مِنْهُ حَتَّى أَغْنَانَا اللَّهُ » ) .
(ش) : قَوْلُ الْأَسَدِيِّ: نَزَلْت أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَأَنَّ أَهْلَهُ أَرْسَلُوهُ يَسْأَلُ لَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ وَذَكَرُوا حَاجَتَهُمْ مَعَ كَوْنِهِ ذَا مَالٍ فَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ لَهُ مِنْ نَوْعِ الْمَالِ مَا يَحْتَاجُ مَعَهُ يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ مِثْلَ صَاحِبِ الدَّابَّةِ أَوْ الدَّارِ أَوْ الْخَادِمِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدْت عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيك» إظْهَارًا لِعُذْرِهِ «وَهُوَ يَقُولُ: لَعَمْرِي إنَّك لَتُعْطِي مَنْ شِئْت» هَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْمَمْنُوعِ؛ لِأَنَّ غَضَبَهُ إذَا لَمْ يُعْطِهِ ظُلْمٌ وَتَعَدٍّ وَتَسَخُّطٌ لِلْحَقِّ وَإِنَّمَا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي بِيَدِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا وَزَادَ مِنْ التَّعَدِّي أَنْ قَالَ: إنَّك لَتُعْطِي مَنْ شِئْت وَلَعَلَّهُ كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ أَوْ مِمَّنْ لَا يَسْتَقِرُّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ لَمْ يَتَّهِمْ النَّبِيَّ ﷺ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَيَّ أَنْ لَا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ» إنْكَارٌ مِنْهُ ﷺ لِفِعْلِهِ ثُمَّ ضِيقٌ عَلَيْهِ وَعَلَى مِثْلِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُوسِعًا عَلَيْهِمْ فَقَالَ ﷺ «مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلْحَاحًا يُقَالُ: أَلْحَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَيْ أَلَحَّ فِيهَا وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى أَمْرٍ قَدْ تَقَرَّرَ فِيهِ أَنَّ الْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَمْنُوعٌ فَجَعَلَ مِنْ الْإِلْحَافِ الْمَمْنُوعِ سُؤَالَ مَنْ لَهُ أُوقِيَّةٌ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي السُّؤَالِ دُونَ الْأَخْذِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ يُرِيدُ الزَّكَاةَ مِمَّنْ لَهُ خَمْسَةُ أَوَاقٍ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ زَكَاتُهَا إذَا كَانَ ذَا أَعْيَانٍ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنْته فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ عَبْدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي أَيُرْفَعُ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا) .
(ش) : قَوْلُهُ «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تُنْقِصُ الْمَالَ؛ لِأَنَّ مَا يُنْفَقُ فِي الصَّدَقَةِ فَالْعِوَضُ عَنْهُ مِنْ الْأَجْرِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ سَبَبٌ لِتَنْمِيَةِ الْمَالِ وَحِفْظِهِ وَقَوْلُهُ «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ» يُرِيدُ بِالتَّجَاوُزِ عَنْهُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ مِمَّا لَهُ قِصَاصٌ وَانْتِصَارٌ «إلَّا عِزًّا» يُرِيدُ رِفْعَةً فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَقُوَّةً عَلَى الِانْتِصَارِ قَالَ ﵎ «ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ» وَقَوْلُهُ «وَمَا تَوَاضَعَ عَبْدٌ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» عَلَى حَسَبِ فِي الْعَفْوِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ لَا أَدْرِي أَيُرْفَعُ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا شَكَّ فِي رَفْعِهِ فَأُوقِفُهُ عَلَى مَا لَمْ يُشَكَّ فِيهِ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 2233
مَا يُكْرَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» )
ــ
[المنتقى]
[مَا يُكْرَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا نَدْرِي ذَلِكَ إلَّا فِي الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطُوا مِنْ التَّطَوُّعِ وَمَنْ أَعْطَاهُمْ شَيْئًا مِنْ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ لَمْ تُجْزِهِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصَّدَقَاتِ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ الَّذِي آخُذُ بِهِ وَسَمِعْته عَمَّنْ أَرْضَى أَنَّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصَّدَقَاتِ مِنْ الْأَمْوَالِ النَّاضَّةِ وَالْغَنَمِ وَالْحُبُوبِ وَتَطَوُّعِ النَّاسِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لَفْظَ الصَّدَقَةِ مَصْرُوفٌ إلَى الصَّدَقَةِ الْمَعْهُودَةِ وَهِيَ الَّتِي هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ فَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْهِبَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ لَفْظَ الصَّدَقَةِ عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ حُكْمَ الصَّدَقَةِ غَيْرُ حُكْمِ الْهِبَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَلَا قَبُولٍ وَالْهَدِيَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هِيَ عَطِيَّةٌ وَمُوَاصَلَةٌ فَلِذَلِكَ اُخْتُصَّتْ بِالْمُعَيَّنِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ» يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا فُرِضَ لَهُ فِي الْجِزْيَةِ فَإِنْ لَمْ يُفْرَضْ لَهُ رَجَوْت أَنْ يُصْنَعَ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَهُ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ يَسْتَبِيحُ فِيهِ أَكْلَ الْمَيْتَةِ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ وَقَوْلُهُ ﷺ لِآلِ مُحَمَّدٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي بَنِي هَاشِمٍ بِأَعْيَانِهِمْ دُونَ مَوَالِيهِمْ قَالَهُ مَالِكٌ ﵀ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ صَرِيحُهُمْ وَمَوَالِيهِمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا تُطَهِّرُ أَمْوَالَهُمْ وَتُكَفِّرُ ذُنُوبَهُمْ وَإِنَّمَا يَسُوغُ أَخْذُ الْفُقَرَاءِ لَهَا كَمَا يَسُوغُ لَهُمْ عِنْدَ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الْمَحْظُورُ مِنْ الطَّعَامِ فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُنَزِّهَ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْ مِثْلِ هَذَا وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ الصَّبْرُ أَفْضَلَ مِمَّا لِغَيْرِهِمْ وَأَنْ تَكُونَ أُمَّتُهُ تَدَّعِي آلَهُ بَعْدَهُ ﷺ بِأَنْ يُعْطُوا مِنْ أَفْضَلِ الْمَطَاعِمِ مَعَ أَنَّ الصَّدَقَةَ وَجْهٌ يَخْرُجُ بِهِ الْمَالِ إلَى الْمُعْطَى؛ لِأَنَّهُ إعْطَاءٌ لَا يَقْتَرِنُ بِهِ إكْرَامٌ وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ فَعَلَى وَجْهِ الْإِكْرَامِ تَكُونُ الْهِبَةُ ذَلِكَ مُقْتَضَاهَا وَلِذَلِكَ لَا تَكُونُ لِلْعِوَضِ وَلَا تَكُونُ لِلصَّدَقَةِ لِلْعِوَضِ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ سَأَلَهُ إبِلًا مِنْ الصَّدَقَةِ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ وَكَانَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ أَنْ تَحْمَرَّ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُنِي مَا لَا يَصْلُحُ لِي وَلَا لَهُ فَإِنْ مَنَعْته كَرِهْت الْمَنْعَ، وَإِنْ أَعْطَيْته أَعْطَيْته مَا لَا يَصْلُحُ لِي وَلَا لَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَسْأَلُك مِنْهَا شَيْئًا أَبَدًا» .
(ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ عَلَى الصَّدَقَةِ» يَحْتَمِلُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لَهُ وَهَلْ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ آلِ النَّبِيِّ ﷺ .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَلَمَّا قَدِمَ سَأَلَهُ إبِلًا مِنْ الصَّدَقَةِ» يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ سَأَلَهُ فِي أُجْرَةِ عَمَلِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ زِيَادَةً عَلَى أُجْرَتِهِ مِمَّا غَيْرُهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ أَوْ مِمَّا لَيْسَ هُوَ بِأَهْلٍ لَهُ «فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ» مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ بَلَغَ مِنْهُ الْغَضَبُ إلَى أَنْ أَبْدَاهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ
стр. 2234
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ اُدْلُلْنِي عَلَى بَعِيرٍ مِنْ الْمَطَايَا أَسْتَحْمِلُ عَلَيْهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْت نَعَمْ جَمَلًا مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ أَتُحِبُّ أَنَّ رَجُلًا بَادِنًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ غَسَلَ لَك مَا تَحْتَ إزَارِهِ وَرُفْغَيْهِ ثُمَّ أَعْطَاكَهُ فَشَرِبْته قَالَ فَغَضِبْت وَقُلْت يَغْفِرُ اللَّهُ لَك أَتَقُولُ لِي مِثْلَ هَذَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ: إنَّمَا الصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ يَغْسِلُونَهَا عَنْهُمْ) .
مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ أَوْصَى ابْنَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ جَالِسْ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْك فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ) .
ــ
[المنتقى]
وَأَنْكَرَ عَلَى الرَّجُلِ سُؤَالَهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ «إنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُنِي مَا لَا يَصْلُحُ لِي وَلَا لَهُ» يُرِيدُ ﷺ مَا لَا يَصْلُحُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إيَّاهُ وَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَإِنْ مَنَعْته كَرِهْت الْمَنْعَ» يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَا يَسْأَلُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَنْعَ جُمْلَةً لَكِنَّهُ سُئِلَ مَا لَا يَصْلُحُ مَنْعُهُ لِحَقِّ اللَّهِ مَعَ كَرَاهِيَتِهِ لِلْمَنْعِ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَيُقَالُ: إنَّهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ لَا أَسْأَلُك مِنْهَا شَيْئًا أَبَدًا قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِقْلَاعِ وَالتَّوْبَةِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ اُدْلُلْنِي عَلَى بَعِيرٍ مِنْ الْمَطَايَا أَسْتَحْمِلُ عَلَيْهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْت نَعَمْ جَمَلًا مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ أَتُحِبُّ أَنَّ رَجُلًا بَادِنًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ غَسَلَ لَك مَا تَحْتَ إزَارِهِ وَرُفْغَيْهِ ثُمَّ أَعْطَاكَهُ فَشَرِبْته قَالَ فَغَضِبْت وَقُلْت يَغْفِرُ اللَّهُ لَك أَتَقُولُ لِي مِثْلَ هَذَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ: إنَّمَا الصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ يَغْسِلُونَهَا عَنْهُمْ) .
(ش) : قَوْلُ أَسْلَمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ اُدْلُلْنِي عَلَى بَعِيرٍ مِنْ الْمَطَايَا أَيْ ظَهْرًا مِنْ الْمَطَايَا يُرِيدُ مَا يُمْتَطَى وَيُرْكَبُ لِقُوَّتِهِ وَحُسْنِ مِشْيَتِهِ وَقَوْلُهُ: أَسْتَحْمِلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِجَازَةِ أَنْ يَسْأَلَ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ كَأَنْ يَعْمَلَ بِهِ لِلَّهِ إنَّ صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ وَلِأَنَّهُ احْتَاجَ إلَيْهِ لِرُكُوبِهِ فِيمَا يَخُصُّهُ وَيَتَمَلَّكُ رَقَبَتَهُ وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ بَنُو إسْرَائِيلَ مِنْ الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَالَ لَهُ أَسْلَمُ نَعَمْ جَمَلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ يُرِيدُ الَّذِي يَصْلُحُ لَهُ وَيُوَافِقُ مُرَادَهُ جَمَلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَتُحِبُّ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَادِنًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ غَسَلَ لَك مَا تَحْتَ إزَارِهِ وَرُفْغَيْهِ فَشَرِبْته قَصَدَ إلَى الْبَادِنِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَكْثَرَ عَرَقًا وَوَضَرًا مِنْ النَّحِيفِ وَذَكَرَ الْيَوْمَ الْحَارَّ؛ لِأَنَّ الْعَرَقَ وَوَضَرَ الْبَدَنِ يَكُونُ فِيهِ أَكْثَرَ وَذَكَرَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ وَالرُّفْغَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقْذَرُ مَوْضِعٍ فِي الْجَسَدِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُهُ عَرَقًا وَوَسَخًا مَعَ الْغُسْلِ وَالْإِنْقَاءِ فَكَيْفَ مَعَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ لِعِلْمِهِ أَنَّ مَالَ الصَّدَقَةِ أَقْبَحُ الْأَمْوَالِ وَأَقْذَرُهَا وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يَسْتَعْفِفَ عَنْهُ الْمُسْلِمُ الْغَنِيُّ عَنْهَا وَلِذَلِكَ قَالَ: إنَّمَا الصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ يُرِيدُ أَوْسَاخَ أَمْوَالِهِمْ وَمِمَّا يُتَطَهَّرُ بِهَا وَإِنَّ الْآخِذَ لِمَالِ الصَّدَقَةِ يَحْمِلُ وَسَخَهَا عَنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ الْمُخْرِجِينَ لَهَا وَالْمُطَهِّرِينَ أَمْوَالَهُمْ بِهَا فَمَنْ كَانَ فَقِيرًا أُبِيحَتْ لَهُ لِضَرُورَتِهِ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَقَدْ عَدِمَ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحَةَ لَهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ]
(ش) : قَوْلُ لُقْمَانَ لِابْنِهِ جَالِسْ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْك يُرِيدُ الْقُرْبَ مِنْهُمْ بِمُجَالَسَتِهِ لَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ بِأَيْدِيهِمْ وَيَتَعَلَّمَ مِنْ حِكْمَتِهِمْ وَلَا يَفُوتُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ مَا يَفُوتُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ مُجَالِسًا لَهُمْ وَقَالَ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ بِأَثَرِ قَوْلِهِ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْك فَلَعَلَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فَتُصِيبَك مَعَهُمْ، وَلَا تُجَالِسْ الْفُجَّارَ لِئَلَّا يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ سَخَطُهُ فَيُصِيبَك مَعَهُمْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمُجَالَسَةُ لِلْعُلَمَاءِ إذَا كَانَتْ قُرْبَةً فَإِنَّمَا تَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا لِمَنْ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يُجَالِسُهُمْ تَبَرُّكًا بِمُجَالَسَتِهِمْ وَانْحِيَازًا إلَيْهِمْ وَمَحَبَّةً فِيهِمْ وَرُبَّمَا جَرَى مِنْ أَقْوَالِهِمْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَتَحْمِلُهُ حَاجَتُهُ إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَعِيَهُ وَيَحْفَظَهُ أَوْ يَسْتَثْبِتَ فِيهِ حَتَّى يَفْهَمَهُ وَرُبَّمَا سَأَلَهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِمَّا لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ فَيَأْخُذُهَا عَنْهُمْ وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي قُوَّتِهِ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَرُزِقَ عَوْنًا عَلَيْهِ وَرَغْبَةً فِي تَعَلُّمِهِ فَيُجَالِسُهُمْ لِيَأْخُذَ عَنْهُمْ وَيَتَعَلَّمَ مِنْ عِلْمِهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إحْيَاءَهَا بِالْإِيمَانِ
стр. 2235
مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُسَمَّى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ يَا هُنَيُّ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ وَإِيَّاكَ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عَوْفٍ فَإِنَّهُمَا إنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى الْمَدِينَةِ إلَى زَرْعٍ وَنَخْلٍ وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُ يَأْتِنِي بِبَنِيهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لَا أَبَا لَك فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَاَيْمُ اللَّهِ إنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنْ قَدْ ظَلَمْتهمْ إنَّهَا لَبِلَادُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا) .
ــ
[المنتقى]
وَالْخُشُوعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَيُرِيهَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَانْتِهَاكَ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ نُورَ الْحِكْمَةِ تَغْزُرُ الْقُلُوبَ حَيَاةً بِالطَّاعَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَيْتَةً بِالْمَعْصِيَةِ كَمَا أَنَّ وَابِلَ السَّمَاءِ وَهُوَ غَزِيرٌ قَطْرُهَا يُحْيِي الْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ وَالْمِيَاهِ وَالْخِصْبِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ مَا يَحْدُثُ إلَيْهِ فِي الْقُلُوبِ مِنْ حَيَاتِهَا بِنُورِ الْحِكْمَةِ هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ .
[مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى يَعْنِي أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى حِمَايَتِهِ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَهَذَا الْحِمَى قِيلَ: هُوَ النَّقِيعُ بِالنُّونِ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِهِ» لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فَوَصَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هُنَيًّا فِيمَا اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ فَقَالَ: يَا هُنَيُّ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - كُفَّ عَنْهُمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ» وَقَوْلُهُ وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَالصُّرَيْمَةُ وَالْغُنَيْمَةُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هِيَ الْأَرْبَعُونَ شَاةً وَقَالَ غَيْرُهُ قَوْلُهُ الصُّرَيْمَةُ مِنْ الْغَنَمِ خَطَأٌ وَإِنَّمَا الصُّرَيْمَةُ مِنْ الْإِبِلِ الْعِشْرُونَ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَإِيَّاكَ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عَوْفٍ لِكَوْنِهِمَا مِنْ الْأَغْنِيَاءِ فَلَا يُخَافُ عَلَيْهِمَا الضَّيَاعُ وَلَا الْحَاجَةُ بِذَهَابِ مَاشِيَتِهِمَا؛ لِأَنَّ مَالَهُمَا مِنْ غَيْرِ الْمَاشِيَةِ كَثِيرٌ وَالْفَقِيرُ تَلْحَقُهُ الْحَاجَةُ بِذَهَابِ مَاشِيَتِهِ؛ لِأَنَّهَا جَمِيعُ مَالِهِ فَيَأْتِيهِ بِبَنِيهِ فَيُكَرِّرُ مَسْأَلَتَهُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يُمْكِنُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ تَرْكُهُمْ يَمُوتُونَ جُوعًا لِمَا قَلَّدَهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِهِمْ إنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ فَمَا دَامَتْ مَاشِيَتُهُمْ بَاقِيَةً يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ بِالْمَاءِ وَالْكَلَأِ؛ لِأَنَّ بِرَعْيِ الْكَلَأِ وَشُرْبِ الْمَاءِ تَبْقَى مَاشِيَتُهُمْ فَإِنْ ذَهَبَتْ وَأَتَوْهُ لَمْ يُعِنْهُمْ إلَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيْسَرُ عَلَيْهِ وَأَخَفُّ مُؤْنَةً.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَاَيْمُ اللَّهِ إنَّهُمْ لَيَرَوْنَ يُرِيدُ لَيَظُنُّونَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتهمْ فِي مَنْعِي لَهُمْ رَعْيَهَا وَحِمَايَتَهَا لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ أَنَّهَا لِبِلَادِهِمْ وَمِيَاهِهِمْ يُرِيدُ أَنَّ تِلْكَ الْأَرْضَ الَّتِي نَحْمِيهَا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ لَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ حُقُوقِهِمْ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِهَا دُونَهُمْ إلَّا لِمِثْلِ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي تَعُمُّهُمْ وَتَشْمَلُهُمْ؛ لِأَنَّ إبِلَ الصَّدَقَةِ تُصْرَفُ إلَى فُقَرَائِهِمْ وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا مُسَافِرُهُمْ وَيُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ سُؤَالِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنِّي أَسْمَحُ
стр. 2236
أَسْمَاءُ النَّبِيِّ ﷺ - (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ ﷺ » .
ــ
[المنتقى]
بِهَا فِي بَعْضِ الْوَقْتِ لِفُقَرَائِهِمْ لِئَلَّا يَعُودَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ إنْ ذَهَبَتْ مَاشِيَتُهُمْ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ بِمَعْنَى أَنَّهَا بِلَادٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ لِمَنْفَعَةٍ أُخْرَى وَأَعَمُّ نَفْعًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْفَعَةٍ تَخُصُّهُ وَإِنَّمَا يَحْمِي لِحَقِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ خَلِيفَتِهِ وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِدِينِ نَبِيِّهِ ﷺ .
[أَسْمَاءُ النَّبِيِّ ﷺ ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ أَنَا مُحَمَّدٌ» لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] وَقَوْلُهُ «وَأَنَا أَحْمَدُ» لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وَقَوْلُهُ ﷺ «وَأَنَا الْمَاحِي» وَفَسَّرَ ذَلِكَ هُوَ ﷺ بِأَنَّهُ «الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ» لِمَا وَعَدَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْ يُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ فَيَكُونُ مَا آتَاهُ مِنْهُ هُوَ الظُّهُورُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ عَلَيْهِ لِغَلَبَةِ مَنْ جَاوَرَهُ مِنْهُ وَظُهُورِهِ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَحْوَهُ مِنْ مَكَّةَ وَظُهُورَهُ عَلَى مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْكُفْرِ وَظُهُورَ دِينِهِ فِيهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَأَنَا الْحَاشِرُ» وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ «الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِهِ» .
وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الْقَدَمِ هَهُنَا الدِّينُ يُقَالُ كَانَ هَذَا عَلَى قَدَمِ فُلَانٍ أَيْ عَلَى دِينِهِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا أَنَّ زَمَنَ دِينِهِ آخِرُ الْأَزْمِنَةِ وَأَنَّهُ عَلَيْهَا تَقُومُ السَّاعَةُ وَيَكُونُ الْحَشْرُ لَا تَنْسَخُ شَرِيعَتَهُ نَاسِخَةٌ وَلَا يَسْتَأْصِلُ لِمِلَّتِهِ كُفْرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ عَلَى قَدِمَهُ بِمَعْنَى مُشَاهَدَتِهِ قَائِمًا لِلَّهِ تَعَالَى وَشَاهِدًا عَلَى أُمَّتِهِ وَالْأُمَمِ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] .
وَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٌ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وَقَوْلُهُ ﷺ «وَأَنَا الْعَاقِبُ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ سُفْيَانُ الْعَاقِبُ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُكَنَّى الصَّبِيُّ فَقِيلَ: أَكَنَّيْت ابْنَك أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ أَمَّا أَنَا فَمَا فَعَلْته وَلَكِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يُكَنُّونَهُ فَمَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا