Полный текст (2 236 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
بِالْمَرْأَةِ وَقَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا أَخَذَتْ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا وَقَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُبَرِّدَهَا بِالْمَاءِ» مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» ) .
عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا عَادَ الرَّجُلُ الْمَرِيضَ خَاضَ الرَّحْمَةَ حَتَّى إذَا قَعَدَ عِنْدَهُ قَرَّتْ فِيهِ، أَوْ نَحْوَ هَذَا» ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا هَامَ وَلَا صَفَرَ وَلَا يَحُلُّ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ وَلْيَحْلُلْ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ أَذًى» )
ــ
[المنتقى]
[الْغُسْلُ بِالْمَاءِ مِنْ الْحُمَّى]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ أَسْمَاءَ كَانَتْ إذَا أُتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ وَقَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا دَلِيلٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَتَكَرَّرُ مِنْهَا تَبَرُّكًا مِنْ النَّاسِ بِهَا وَرَغْبَةً فِي دُعَائِهَا فَكَانَتْ تُضِيفُ إلَى ذَلِكَ أَنْ تَصُبَّ الْمَاءَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ الْمَحْمُومَةِ وَجَيْبِهَا تَبْرِيدًا لَهَا.
وَقَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ تَأْخُذُ الْمَاءَ فَتَصُبُّهُ فِيمَا بَيْنَ طَوْقِهَا وَجَسَدِهَا حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى جَسَدِهَا تَرْجُو بِذَلِكَ بَرَكَةَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ حُمَّى كَانَتْ مُتَكَرِّرَةً بِالْمَدِينَةِ ذَلِكَ الْوَقْتِ شَدِيدَةَ الْحَرِّ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ أَنْ يُسْتَشْفَى مِنْهَا بِالْإِبْرَادِ وَلِذَلِكَ قَالَ: إنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَالْفَيْحُ سُطُوعُ الْحَرِّ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنْ يَشْفِيَ بَرْدُهُ مِنْ آذَاهُ الْحَرُّ مَرَّةً بِالتَّبْرِيدِ بِهِ وَمَرَّةً بِشُرْبِهِ وَهَذَا كُلُّهُ بِجَرْيِ الْعَادَةِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَدْوِيَةِ إنَّمَا هِيَ أَدْوِيَةٌ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنْ يَشْفِيَ هُوَ ﵎ مَنْ تَنَاوَلَهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَكَذَلِكَ الْأَغْذِيَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا عَادَ الرَّجُلُ الْمَرِيضَ خَاضَ الرَّحْمَةَ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عِظَمَ أَجْرِ الْعِيَادَةِ لِلْمَرِيضِ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَقَوْلُهُ ﷺ حَتَّى إذَا قَعَدَ عِنْدَهُ يُرِيدُ عِنْدَ الْمَرِيضِ قَرَّتْ فِيهِ فَمَعْنَى ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهِيَ ثَوَابُهُ الْجَزِيلُ وَتَجَاوُزُهُ عَنْ الذُّنُوبِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْهَا مَا ثَبَتَ لِلْخَائِضِ فِي الْمَاءِ فَإِذَا قَعَدَ عِنْدَهُ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقَرِّ الثَّابِتِ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْخَائِضِ فِي الْمَاءِ وَقَوْلُهُ ﷺ قَرَّتْ فِيهِ أَوْ نَحْوُ هَذَا إنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَرَّتْ لَهُ كَمَا يَقُولُ فِيهِ رِفْقٌ بِكَذَا وَفِيهِ طَلَاقُهُ أَيْ لَهُ طَلَاقُهُ وَلَهُ رِفْقٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَقْلُوبِ فَيَكُونَ مَعْنَاهُ قَرَّ فِيهَا أَيْ ثَبَتَ فِيمَا غَمَرَهُ مِنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ لَا عَدْوَى قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا أَيْ لَا يَتَحَوَّلُ شَيْءٌ مِنْ الْمَرَضِ إلَى غَيْرِ الَّذِي هُوَ بِهِ قَالَ: وَسَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ وَهْبٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ الصَّحِيحَ إذَا جَاوَرَ الْمَرِيضَ أَعْدَاهُ مَرَضُهُ أَيْ تَعَلَّقَ بِهِ، أَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ قَالَ: الشَّاعِرُ
تُعْدِي الصِّحَاحَ مَبَارِكُ الْجُرْبِ
فَكَذَّبَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﵎.
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ لَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيُجَرِّبُهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ» وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ طُرُقِ الْحِجَاجِ وَالْإِرْشَادِ إلَى الصَّوَابِ وَإِيضَاحِ وَجْهِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ بِأَنَّ الْإِبِلَ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ وَهُوَ مَوْضِعٌ صَالِحٌ لَيْسَ فِيهِ مَا يُمْرِضُهَا فَتَكُونُ فِيهِ كَالظِّبَاءِ حُسْنًا وَسَلَامَةً مِنْ الْجَرَبِ وَغَيْرِهِ فَيَأْتِي بَعِيرٌ أَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيَشْمَلُهَا الْجَرَبُ فَاعْتَقَدَ الْأَعْرَابِيُّ
стр. 2172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَنَّ ذَلِكَ الْبَعِيرَ قَدْ أَعْدَاهَا جَرَبُهُ فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ كَانَ الْجَرَبُ بِالْعَدْوَى لَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ جَرِبًا إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ جَرَبَ هَذِهِ الْإِبِلَ بِغَيْرِ جَرَبٍ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْدِيَهُ غَيْرُهُ أَمَا إنَّ ذَلِكَ دَخَلَ الْبَعِيرَ الَّذِي دَخَلَ بَيْنَهُمَا، أَوْ غَيْرَهُ قَبْلَهُ؟ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الدَّاءُ لَحِقَ الْأَوَّلَ مِنْ غَيْرِ عَدْوَى وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَا شَمِلَ الْإِبِلَ أَيْضًا مِنْ الْجَرَبِ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِقَادِ الْعَدْوَى فَالْوَاجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﵎ لَا خَالِقَ سِوَاهُ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ ابْتِدَاءً وَفِي بَعْضِهَا عِنْدَ مُجَاوَرَةِ الْجَرَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَا هَامَ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ لَا يَتَطَيَّرُ بِالْهَامِ قَالَهُ مَالِكٌ ﵀ وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إذَا وَقَعَتْ هَامَةٌ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ فَعَلَى هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : وَلَا هَامَ النَّهْيُ أَنْ يَتَطَيَّرَ بِذَلِكَ أَحَدٌ وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَقُولُ إذَا قُتِلَ قَتِيلٌ خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ طَائِرٌ فَلَا يَزَالُ يَقُولُ: اسْقُونِي اسْقُونِي حَتَّى يُقْتَلَ قَاتِلُهُ قَالَ: الشَّاعِرُ فِي مِثْلِ هَذَا
يَا عَمْرُو إلَّا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي ... أَضْرِبْك حَتَّى تَقُولَ الْهَامَةُ اسْقُونِي
فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ ﷺ لَا هَامَ تَكْذِيبٌ لِإِخْبَارِهِمْ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَا صَفَرَ قَالَ: مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُحَرِّمُ صَفَرَ عَامًا وَتُؤَخِّرُ إلَيْهِ الْمُحَرَّمَ وَكَانَتْ تُحِلُّهُ عَامًا آخَرَ وَتُقَدِّمُ الْمُحَرَّمَ إلَى وَقْتِهِ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: ابْنُ وَهْبٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إنَّ الصُّفَارَ الَّتِي فِي الْجَوْفِ تَقْتُلُ صَاحِبَهَا وَهِيَ الَّتِي عَدَتْ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ فَرَدَّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكْذَبَهُمْ فِيهِ وَقَالَ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إلَّا بِأَجَلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَا يَحُلُّ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ الْمُمْرِضُ ذُو الْمَاشِيَةِ الْمَرِيضَةِ وَالْمُصِحُّ ذُو الْمَاشِيَةِ الصَّحِيحَةِ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ: النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِإِبِلِهِ، أَوْ غَنَمِهِ الْجَرَبَةَ فَيَحُلَّ بِهَا عَلَى مَاشِيَةٍ صَحِيحَةٍ فَيُؤْذِيَهُ بِذَلِكَ قَالَ: وَلَكِنَّهُ عِنْدِي مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﷺ : لَا عَدْوَى قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لَا عَدْوَى إنْ كَانَ بِمَعْنَى الْخَبَرِ وَالتَّكْذِيبِ بِقَوْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ الْعَدْوَى فَلَا يَكُونُ نَاسِخًا وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى النَّهْيِ يُرِيدُ لَا تَكْرَهُوا دُخُولَ الْبَعِيرِ الْجَرِبِ بَيْنَ إبِلِكُمْ غَيْرَ الْجَرَبَةِ وَلَا تَمْنَعُوا ذَلِكَ وَلَا تَمْتَنِعُوا مِنْهُ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَيَّهُمَا قَالَ: أَوَّلًا وَإِنْ تَعَلَّقْنَا بِالظَّاهِرِ فَقَوْلُهُ ﷺ : لَا عَدْوَى وَرَدَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِمَا وَرَدَ بَعْدَهُ، أَوْ لِمَا لَا يَدْرِي وَرَدَ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ النَّاسِخَ إنَّمَا يَكُونُ نَاسِخًا لِحُكْمٍ قَدْ ثَبَتَ قَبْلَهُ.
وَقَالَ: يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْمُزَنِيَّةِ: سَمِعْت أَنَّ تَفْسِيرَهُ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ بِهِ الْجُذَامُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّهُ الصَّحِيحُ مَعَهُ وَلَا يَنْزِلَ عَلَيْهِ يُؤْذِيَهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْدِي فَالنَّفْسُ تَنْفِرُ مِنْهُ وَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ أَذًى فَهَذَا تَنْبِيهٌ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ لِلْأَذَى لَا لِلْعَدْوَى وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَلْيَنْزِلْ مَحَلَّةَ الْمَرِيضُ إنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَاحْتَمَلَتْهُ نَفْسُهُ قِيلَ لَهُ وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِإِبِلِهِ، أَوْ غَنَمِهِ الْجَرَبَةَ فَيَحِلَّ بِهَا الْمُورَدَةَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَاشِيَةَ قَالَ: لَعَلَّهُ قَدْ قِيلَ ذَلِكَ وَمَا سَمِعْته وَإِنِّي لَأَكْرُهُ لَهُ أَنْ يُؤْذِيَهُ إنْ كَانَ يَجِدُ غِنًى عَنْ ذَلِكَ الْمَوْرِدِ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَكُونُ بِهِ الْمَرَضُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ مُورَدَةَ الْأَصِحَّاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَجِدُ غِنًى عَنْهَا فَيَرِدُهَا.
وَقَدْ رَوَى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 2173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قَالَ: لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ قَالَ: أَبُو سَلَمَةَ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَأَقَامَ عَلَى أَنْ يُورِدَ مُمْرِضٍ عَلَى مُصِحٍّ فَقَالَ: الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رِئَابٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَدْ كُنْت أَسْمَعُك تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثًا آخَرَ تَقُولُ لَا عَدْوَى فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ يَعْرِفَ فِي ذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَطَنَ لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ فَقَالَ: لِلْحَارِثِ أَتَدْرِي مَاذَا قُلْت قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ قُلْت أَتَيْت قَالَ: أَبُو سَلَمَةَ وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدْوَى فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ» قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو سَلَمَةَ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا عَدْوَى وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ قَوْلَهُ ﷺ عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ وَيَصِحُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ عَرَفَ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : لَا عَدْوَى إنَّمَا نَفَى بِهِ أَنْ يَكُونَ لِمُجَاوَرَةِ الْمَرِيضِ تَأْثِيرٌ فِي مَرَضِ الصَّحِيحِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ ابْتِدَاءً كَمَا فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ ابْتِدَاءً وَأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَذَى عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَهَذَا الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ ﵎ قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْبَارِئُ هُوَ الْخَالِقُ لِلْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ فَنَفَى بِقَوْلِهِ ﷺ لَا عَدْوَى اعْتِقَادَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ وَأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مُجَاوَرَةِ الْمَرِيضِ الصَّحِيحَ وَلَيْسَ هَذَا بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّا لَا نَجِدُ ذَلِكَ جَارِيًا عَلَى عَادَةٍ فَقَدْ يُجَاوِرُ الْمَرِيضُ الصَّحِيحَ فَلَا يَمْرَضُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ» وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهِ اسْتِضْرَارًا غَيْرَ التَّكَرُّهِ لِمُجَاوَرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مُجَاوَرَتِهِ فَلَا مَعْنَى لِنَهْيِهِ ﷺ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّك إذَا اسْتَضْرَرْت بِرَائِحَتِهِ وَكَرِهْت مُجَاوَرَتَهُ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ قَالَ: يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي الْقَوْمِ يَكُونُونَ فِي قَرْيَتِهِمْ شُرَكَاءَ فِي أَرْضِهَا وَمَائِهَا وَجَمِيعِ أَمْرِهَا فَيُجْذَمُ بَعْضُهُمْ فَيَرِدُونَ الْمُسْتَقَى بِآنِيَتِهِمْ فَيَتَأَذَّى بِهِمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَيُرِيدُونَ مَنْعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانُوا يَجِدُونَ عَنْ ذَلِكَ الْمَاءِ غِنًى مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِهِمْ، أَوْ يَقْوَوْنَ عَلَى اسْتِنْبَاطِ بِئْرٍ أَوْ إجْرَاءِ عَيْنٍ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِهِمْ وَلَا فَدْحٍ بِهِمْ فَأَرَى أَنْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ وَلَا يُضَارُّوا وَإِنْ كَانَ لَا يَجِدُونَ عَنْ ذَلِكَ غِنًى إلَّا بِمَا يَضُرُّهُمْ، أَوْ يَفْدَحُهُمْ قِيلَ لِمَنْ يَتَأَذَّى بِهِمْ وَيَشْتَكِي ذَلِكَ مِنْهُمْ اسْتَنْبِطْ لَهُمْ بِئْرًا، أَوْ أَجْرِ لَهُمْ عَيْنًا، أَوْ أَقِمْ مَنْ يَسْتَقِي لَهُمْ مِنْ الْبِئْرِ إنْ كَانُوا لَا يَقْوَوْنَ عَلَى اسْتِنْبَاطِ بِئْرٍ، أَوْ إجْرَاءٍ وَيُكْفَوْنَ عَنْ الْوُرُودِ عَلَيْكُمْ وَإِلَّا فَكُلُّ امْرِئٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ وَالضَّرَرُ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأً مِنْ مَالِهِ وَلَا يُقِيمُ لَهُ عِوَضًا مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا جُذِمَ الرَّجُلُ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ إنْ شَاءَتْ ذَلِكَ وَقَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطْءِ رَقِيقِهِ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ.
وَقَالَ: سَحْنُونٌ لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطْءِ إمَائِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الزَّوْجَةِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهَا امْرَأَةٌ يَلْحَقُهَا الضَّرَرُ بِوَطْءِ الْمَجْذُومِ فَوَجَبَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَالزَّوْجَةِ.
وَقَدْ قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ إذَا حَدَثَ ذَلِكَ بِهِ لِأَجْلِ الضَّرَرِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْجُذَامَ فِي الْحُرِّ لَمَّا مَنَعَ الزَّوْجِيَّةَ وَنَقَضَهَا مَنَعَ الْوَطْءَ الْمُسْتَحَقَّ بِهَا وَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ مِلْكَ الْيَمِينِ لَمْ يَمْنَعْ الْوَطْءَ الْمُسْتَحَقَّ بِهِ وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَأْثِيرُ الْجُذَامِ فِي وَطْئِهِ كَتَأْثِيرِهِ فِي عَقْدِهِ كَعَقْدِ النِّكَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يُخْرَجُ الْمَرْضَى مِنْ الْقُرَى وَالْحَوَاضِرِ قَالَ: مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ لَا يُخْرَجُونَ إنْ كَانُوا
стр. 2174
السُّنَّةُ فِي الشَّعْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحَى» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ بِيَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِين اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ» ) .
ــ
[المنتقى]
يَسِيرًا، وَإِنْ كَثُرُوا رَأَيْنَا أَنْ يَتَّخِذُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَوْضِعًا كَمَا صَنَعَ مَرْضَى مَكَّةَ عِنْدَ التَّنْعِيمِ مَنْزِلُهُمْ وَبِهِ جَمَاعَتُهُمْ وَلَا أَرَى أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ الْأَسْوَاقِ لِتِجَارَتِهِمْ وَالتَّطَرُّقِ لِلْمَسْأَلَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ إمَامٌ عَدْلٌ يُجْرِي عَلَيْهِمْ الرِّزْقَ.
وَقَالَ: أَصْبَغُ لَيْسَ عَلَى مَرْضَى الْحَوَاضِرِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا إلَى نَاحِيَةٍ بِقَضَاءٍ يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَكِنْ إنْ أَجْرَى عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ مِنْ الرِّزْقِ مَا يَكْفِيهِمْ مُنِعُوا مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ بِلُزُومِ بُيُوتِهِمْ، أَوْ بِالسَّجْنِ إنْ شَاءَ وَقَالَ: ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِالسَّجْنِ إذَا كَثُرُوا أَحَبُّ إلَيَّ وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُمْنَعُ الْمَجْذُومُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ غَيْرِهَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
[السُّنَّةُ فِي الشَّعْرِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ يُقَالُ أَحْفَى الرَّجُلُ شَارِبَهُ إذَا قَصَّهُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ تَفْسِيرَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إحْفَاءِ الشَّوَارِبِ إنَّمَا هُوَ أَنْ يَبْدُوَ الْإِطَارُ وَهُوَ مَا احْمَرَّ مِنْ طَرَفِ الشَّفَةِ وَالْإِطَارُ جَوَانِبُ الْفَمِ الْمُحْدِقَةُ بِهِ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا الْإِحْفَاءُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ قَصُّ الْإِطَارِ وَهُوَ طَرَفُ الشَّعْرِ وَأَشَارَ إلَى الْإِطَارِ مِنْ الشَّعْرِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَإِحْفَاءُ الشَّوَارِبِ قَصُّهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ إحْفَاءُ الشَّارِبِ حَلْقَهُ وَأَرَى أَنْ يُؤَدَّبَ مَنْ حَلَقَ شَارِبَهُ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ حَلْقُهُ مِنْ الْبِدَعِ.
وَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ حَلْقُ الشَّارِبِ وَاسْتِئْصَالُهُ أَفْضَلُ مِنْ قَصِّهِ وَتَقْصِيرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ» قَالَ: صَاحِبُ الْأَفْعَالِ مَعْنَاهُ قُصُّوهَا قَالَ: مَالِكٌ ﵀ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ فَتَلَ شَارِبَهُ وَلَوْ كَانَ مَحْلُوقًا مَا كَانَ فِيهِ مَا يُفْتَلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَى سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ» وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ» وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إنْهَاكَ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي إزَالَةَ جَمِيعِهِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إزَالَةَ بَعْضِهِ قَالَ: صَاحِبُ الْأَفْعَالِ نَهَكَتْهُ الْحُمَّى نَهْكًا أَثَّرَتْ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَةُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ أَعْفُوا اللِّحَى قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ وَفِّرُوا اللِّحَى لِتَكْثُرَ يُقَالُ مِنْهُ عَفَا بَنُو فُلَانٍ إذَا كَثُرُوا.
قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ أَنْ تُعْفَى اللِّحَى مِنْ الْإِحْفَاءِ؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا أَيْضًا لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِتَرْكِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مَا تَطَايَرَ مِنْ اللِّحْيَةِ وَشَذَّ، قِيلَ لِمَالِكٍ فَإِذَا طَالَتْ جِدًّا قَالَ: أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا وَتُقَصَّ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ مِنْ اللِّحْيَةِ مَا فَضَلَ عَنْ الْقَبْضَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: عَامَ حَجَّ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ مُسْتَوْطِنًا غَيْرَ الْمَدِينَةِ فَرَآهُ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ وَالْقُصَّةُ هِيَ الْجُمَّةُ مِنْ الشَّعْرِ تَجْعَلُهَا الْمَرْأَةُ عَلَى شَعْرِهَا تُرِي أَنَّهَا مِنْ
стр. 2175
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَرَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ» ) .
ــ
[المنتقى]
شَعْرِهَا فَكَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الْخِلْقَةِ وَالتَّدْلِيسِ وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَهُوَ فِي مَعْنَى اتِّخَاذِ قُصَّةِ الشَّعْرِ وَقَالَ: فِيهِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ عَلَى مُوَافَقَتِهِمْ لِقَوْلِهِ إنْ كَانُوا لَمْ يَعْرِفُوا مَنْ اتَّخَذَ ذَلِكَ، أَوْ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ إنْ كَانُوا لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ فَيَقُولُ كَيْفَ فُعِلَ هَذَا عِنْدَكُمْ مَعَ بَقَاءِ عُلَمَائِكُمْ قَالَ: مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا بِشَعْرٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَقَالَ: اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَجُوزُ أَنْ تَصِلَهُ بِالصُّوفِ وَإِنَّمَا كُرِهَ الشَّعْرُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقَلُوهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» وَهَذَا عَامٌّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ صِلَةٌ لِلشَّعْرِ مُغَيِّرَةٌ لِلْخَلْقِ كَالصِّلَةِ بِالشَّعْرِ قَالَ: مَالِكٌ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ تَضَعَ الْجُمَّةَ عَلَى رَأْسِهَا قَالَ: مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالْخِرَقِ تَجْعَلُهَا الْمَرْأَةُ فِي قَفَاهَا وَتُرْبَطُ لِلْوِقَايَةِ وَمَا مِنْ عِلَاجِهِنَّ أَخَفُّ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَنَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَهُوَ أَنْ يَحْلِقَ بَعْضَ الرَّأْسِ وَيُبْقِيَ مَوَاضِعَ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَمِنْ ذَلِكَ الْقُصَّةُ وَالْقَفَا وَهُوَ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الصَّبِيِّ فَيُتْرَكَ مِنْهُ مُقَدَّمُهُ وَشَعْرُ الْقَفَا قَالَ: مَالِكٌ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ فِي الْجَوَارِي وَلَا الْغِلْمَانِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْقَزَعِ.
وَقَالَ: مَالِكٌ وَلْيَحْلِقُوا جَمِيعَهُ، أَوْ يَتْرُكُوا جَمِيعَهُ وَسُئِلَ عَنْ الْقُصَّةِ وَحْدَهَا فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْوَشْمُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَالْوَشْمُ النَّقْشُ فِي الْيَدِ وَالذِّرَاعِ، أَوْ الصَّدْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» .
وَقَالَ: ابْنُ نَافِعٍ الْوَسْمُ فِي اللِّثَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَعْنًى بَاقٍ كَالْخِلْقَةِ وَمِنْ ذَلِكَ التَّفَلُّجُ وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ:: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» ، مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِيمَا يَكُونُ بَاقِيًا وَأَمَّا مَا كَانَ لَا يَبْقَى وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضِعٌ لِلْجَمَالِ يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغْيِيرُ كَالْكُحْلِ فَقَدْ قَالَ: مَالِكٌ ﵀ لَا بَأْسَ بِالْكُحْلِ لِلْمَرْأَةِ الْإِثْمِدِ وَغَيْرِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَأَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ قَالَ: مَالِكٌ ﵀ أَكْرَهُ الْكُحْلَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِلرَّجُلِ إلَّا لِمَنْ بِهِ عِلَّةٌ، وَمَا أَدْرَكْت مَنْ يَكْتَحِلُ نَهَارًا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ لَيْسَ الْكُحْلُ بِالْإِثْمِدِ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَلَا سَمِعْت فِيهِ بِنَهْيٍ يُرِيدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اسْتِحْسَانِ زِيِّ مَنْ مَضَى مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْأَخْذِ بِهَدْيِهِمْ وَأَدَبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَارَهُ النَّبِيُّ ﷺ .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحِنَّاءُ فَقَدْ قَالَ: مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ تُزَيِّنَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا بِالْحِنَّاءِ، أَوْ تُطَرِّفَهُمَا بِغَيْرِ خِضَابٍ وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إمَّا أَنْ تُخَضِّبَ يَدَهَا كُلَّهَا، أَوْ تَدَعَ.
(ش) : قَوْلُهُ سَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إسْدَالُ الْقُصَّةِ يُرِيدُ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْهُ قُصَّةً فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ فَعَلَ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِمُتَابَعَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسْدِلُونَ شُعُورَهُمْ وَكَانَ يُحِبُّ مُتَابَعَتَهُمْ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِمُخَالَفَةٍ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُغَيِّرُوهُ مِنْ شَرِيعَةِ أَنْبِيَائِهِمْ إمَّا بِوَحْيٍ، أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ وَقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ فَكَانَ يَتَّبِعُ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا طَرَأَ النَّسْخُ دَانَ بِمُخَالَفَتِهِمْ وَعَدَلَ إلَى مَا أُمِرَ بِهِ فَلِذَلِكَ فَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ سَدَلَ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُسْدِلُونَ شُعُورَهُمْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُفَرِّقُونَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 2176
(ص) : (قَالَ: مَالِكٌ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إلَى شَعْرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ، أَوْ شَعْرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ بَأْسٌ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْإِخْصَاءَ وَيَقُولُ فِيهِ تَمَامُ الْخَلْقِ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ إذَا اتَّقَى وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ» ) .
إصْلَاحُ الشَّعْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِي جُمَّةً أَفَأُرَجِّلُهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ لِمَا قَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا» مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ أَنْ اُخْرُجْ كَأَنَّهُ يَعْنِي إصْلَاحَ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ فَفَعَلَ الرَّجُلُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِمُخَالَفَةٍ فَسَدَلَ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: مَالِكٌ وَرَأَيْت عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَرَبِيعَةَ وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُفَرِّقُونَ شُعُورَهُمْ قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: مَالِكٌ فَرْقُ الرَّأْسِ لِلرِّجَالِ أَحَبُّ إلَيَّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الذُّؤَابَةُ لِلصَّبِيِّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الذُّؤَابَةَ لِلصَّبِيِّ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَأَنَا لَا أَرَى بِهَا بَأْسًا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ الْقَزَعِ وَهُوَ أَنْ يَحْلِقَ مَوَاضِعَ مِنْ الرَّأْسِ وَيَدَعَ مَوَاضِعَ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْقَزَعِ وَوَجْهُ قَوْلِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى الْقَزَعِ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ غَيْرُ مُتَفَرِّقٌ فِي الرَّأْسِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ كَالشَّعْرِ يَكُونُ فِي جَمِيعِ الرَّأْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُ مَالِكٍ ﵀: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَنْظُرُ إلَى شَعْرِ امْرَأَةِ ابْنِهِ، أَوْ شَعْرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ بَأْسٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ مِنْ نَظَرِهِ إلَى ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا لَمْ يَكُنْ فِي إخْصَائِهِ مَنْفَعَةٌ وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ ﵀ إخْصَاءَ الْخَيْلِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِإِخْصَائِهَا إذَا أُكِلَتْ، وَإِخْصَاءُ بَنِي آدَمَ مُحَرَّمٌ كَقَطْعِ أَعْضَائِهِمْ.
وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ شِرَاءَ الْخَصِيِّ مِنْ الصَّقَالِبَةِ وَقَالَ: وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَوْا مِنْهُمْ لَمْ يَخْصُوهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] قَالَ: هُوَ الْإِخْصَاءُ وَقَالَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ هُوَ الْوَشْمُ وَقَالَ: مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] دِينَ اللَّهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا خِصَاءُ الْغَنَمِ وَمَا يُنْتَفَعُ بِإِخْصَائِهِ لِطِيبِ لَحْمِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : كَافِلُ الْيَتِيمِ هُوَ الَّذِي يَكْفُلُهُ وَيَقُومُ بِأَمْرِهِ وَيَنْظُرُ لَهُ وَقَوْلُهُ ﷺ لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ الْكَافِلُ امْرَأَةً فَتَكْفُلُ الْيَتِيمَ وَهُوَ ابْنُهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الرَّجُلَ يَكْفُلُ يَتِيمًا مِنْ أَقَارِبِهِ؛ لِأَنَّ الْيَتِيمَ فِي بَنِي آدَمَ بِمَوْتِ الْأَبِ دُونَ مَوْتِ الْأُمِّ وَقَوْلُهُ ﷺ : أَوْ لِغَيْرِهِ يُرِيدُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ عَشِيرَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ كَهَاتَيْنِ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ يُرِيدُ السَّبَّابَةَ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يَقُولُ لَا أَفْضُلُهُ فِي الْجَنَّةِ إلَّا بِقَدْرِ فَضْلِ الْوُسْطَى عَلَى الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ.
[إصْلَاحُ الشَّعْرِ]
(ش) : قَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِي جُمَّةً أَفَأُرَجِّلُهَا يُرِيدُ أُمَشِّطُهَا فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 2177
مَا جَاءَ فِي صَبْغِ الشَّعْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَالَ: وَكَانَ جَلِيسًا لَهُمْ وَكَانَ أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ حَمَّرَهُمَا قَالَ: فَقَالَ: لَهُ الْقَوْمُ هَذَا أَحْسَنُ فَقَالَ: إنَّ أُمِّيَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْسَلَتْ إلَيَّ الْبَارِحَةَ جَارَتَهَا نُخَيْلَةَ فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ لَأَصْبِغَنَّ وَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ يَصْبُغُ قَالَ: يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي صَبْغِ الشَّعْرِ بِالسَّوَادِ لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا مَعْلُومًا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصَّبْغِ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ: مَالِكٌ وَتَرْكُ الصَّبْغِ كُلِّهِ وَاسِعٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ
ــ
[المنتقى]
نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إصْلَاحَهَا وَتَجْمِيلَهَا بِالدَّهْنِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ مِمَّا يَحْسُنُ بِهِ الشَّعْرُ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَرَامَتَهُ وَصِيَانَتَهُ مِنْ الشَّعَثِ وَالتُّرَابِ وَالْوَسَخِ وَلِذَلِكَ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ يُوَالِي دَهْنَهَا وَإِصْلَاحَهَا حَتَّى رُبَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ مَا أُحِبُّ نَتْفَهُ وَأَكْرَهُ أَنْ يُقْرَضَ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ عِنْدِي شِبْهُ النَّتْفِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَدَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَهُوَ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَائِمَ الشَّعْرِ ثَائِرَهُ فَأَمَرَهُ، وَقَوْلُهُ: فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ اُخْرُجْ يَعْنِي إصْلَاحَ الشَّعْرِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِإِصْلَاحِ الشَّعْرِ مَأْمُورٌ بِهِ؛ لِأَنَّ إصْلَاحَهُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْعِيثِ الْمَسْجِدِ بِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ الشَّعْرِ وَرُبَّمَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ مَا يُؤْذِي أَهْلَ الْمَسْجِدِ مِنْ الْقَمْلِ لِمَنْ لَا يَتَعَاهَدُ رَأْسَهُ مِنْ التَّرْجِيلِ وَالتَّنْظِيفِ وَحُكْمُ اللِّحْيَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الشَّعْرِ بَلْ آكَدُ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ قَدْ يُغَطَّى وَاللِّحْيَةُ بَادِيَةٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ شَبَّهَ ذَلِكَ بِالشَّيْطَانِ لِقُبْحِ مَنْظَرِهِ وَقُبْحِ مَنْظَرِ الثَّائِرِ الرَّأْسِ وَالتَّرَجُّلُ وَالتَّنَظُّفُ وَحُسْنُ الزِّيِّ وَالتَّطَيُّبُ وَالتَّدَهُّنُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا» وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ رُوَاتُهُ ثِقَاتٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ وَأَحَادِيثُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فِيهَا نَظَرٌ وَلَوْ ثَبَتَ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لِمَنْ يَتَأَذَّى بِإِدْمَانِ ذَلِكَ لِمَرَضٍ، أَوْ شِدَّةِ بَرْدٍ فَنَهَاهُ أَنْ يَتَكَلَّفَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَضُرُّ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَهْيَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَبُو قَتَادَةَ مِنْ دَهْنِهِ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ أَمْرًا لَازِمَا فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ وَأَعْلَمَهُ أَنَّ السُّنَّةَ اللَّازِمَةَ مِنْ ذَلِكَ الْإِغْبَابُ بِهِ لَا سِيَّمَا لِمَنْ مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَشُغْلِهِ وَعَمَلِهِ وَأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أَنَّهُ مُبَاحٌ مُطْلَقٌ مَنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ التَّجَمُّلَ وَالتَّنَظُّفَ مَشْرُوعٌ كَقَصِّ الشَّارِبِ وَالسِّوَاكِ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِلْخَلْقِ مِنْ غُسْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ وَلِذَلِكَ اُسْتُحِبَّ الْغُسْلُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَقَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَمَّامِ إنْ كُنْت تَدْخُلُهُ خَالِيًا، أَوْ مَعَ قَوْمٍ يَسْتَتِرُونَ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَتَحَفَّظُونَ لَمْ أَرَ أَنْ تَدْخُلَهُ وَإِنْ كُنْت أَنْتَ تَتَحَفَّظُ، وَكَانَ ابْنُ وَهْبٍ يَدْخُلُهُ مَعَ الْعَامَّةِ ثُمَّ تَرَكَ فَكَانَ يَدْخُلُهُ خَالِيًا وَهَذَا حُكْمُ الرَّجُلِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَأَكْرَهُ لَهَا دُخُولَ الْحَمَّامِ وَإِنْ كَانَتْ مَرِيضَةً إلَّا أَنْ تَكُونَ مُفْرَدَةً.
(فَرْعٌ) قَالَ: فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَيْسَ لِلْمِئْزَرِ الَّذِي يَدْخُلُ بِهِ الْحَمَّامَ حَدٌّ قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ قَدْرَهُ مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ الَّتِي يَلْزَمُ سَتْرُهَا أَنْ يَسْتُرَهَا فِي حَالِ الْمَشْيِ وَالْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ فَكُلُّ مَا سَتَرَهَا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَجْزَأَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2178
فِي ذَلِكَ ضِيقٌ قَالَ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصْبُغْ وَلَوْ صَبَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَرْسَلَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ) .
مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ التَّعَوُّذِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: بَلَغَنِي «أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إنِّي أُرَوَّعُ فِي مَنَامِي فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي صَبْغِ الشَّعْرِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ كَانَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ يُرِيدُ مِنْ الشَّيْبِ وَقَوْلُهُ فَغَدَا عَلَيْهِمْ وَقَدْ حَمَّرَهُمَا يُرِيدُ خَضَّبَهُمَا بِالْحُمْرَةِ فَاسْتَحْسَنَ الْقَوْمُ ذَلِكَ مِنْهُ وَفَضَّلُوهُ عَلَى الْبَيَاضِ فَأَعْلَمَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَقْسَمَتْ عَلَيْهِ لَيَصْبِغَنَّ وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ يَصْبُغُ وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ خَضَّبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَخْضِبْ وَلَوْ خَضَبَ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِفِعْلِهِ أَبْيَنَ وَأَوْضَحَ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِفِعْلِ أَبِيهَا ﵂ وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ لَهُ عَائِشَةُ فِي ذَلِكَ أَفْضَلَ مَا عَلِمَتْهُ وَنَدَبَتْهُ إلَى اتِّبَاعِهِ.
وَقَدْ قَالَ: مَالِكٌ ﵀ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ لَمْ يَصْبُغْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَلَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلَا أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَلَا السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ وَلَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَلَا ابْنُ شِهَابٍ.
وَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ مُوهَبٍ «رَأَيْت شَعْرَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْرَجَتْهُ إلَيَّ أُمُّ سَلَمَةَ مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ» وَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ «أَكَانَ عَلِيٌّ يَخْضِبُ قَالَ: قَدْ خَضَبَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » فَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَزِيدَ بِهَذِهِ الْآثَارِ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ مِنْ ذَلِكَ فِي شَعْرِهِ بِمَا يُحَسِّنُهُ وَيُلَيِّنُهُ دُونَ أَنْ يَكُونَ شَعْرُهُ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِبَيَاضٍ وَمَعْنَى الْآثَارِ الَّتِي نَفَتْ الْخِضَابَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَعْرُهُ أَبْيَضَ يُغَيِّرُهُ الْخِضَابُ فَلَمْ يَكُنْ يَجْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْخِضَابِ الَّذِي يُغَيِّرُ الْبَيَاضَ، وَقَدْ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَمَّامٍ قُلْت لِأَبِي الدَّرْدَاءِ «أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْضِبُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا بَلَغَ مِنْهُ الشَّيْبُ بِالْخَضْبِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنْهُ هَاهُنَا شَعَرَاتٌ بِيضٌ وَكَانَ يَغْسِلُهَا بِالْحِنَّاءِ وَالسِّدْرِ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ فِي صَبْغِ الشَّعْرِ بِالسَّوَادِ لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا مَعْلُومًا وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا عَلِمْت أَنَّ فِيهِ النَّهْيَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصَّبْغِ أَحَبُّ إلَيَّ يُرِيدُ أَنَّهُ صَبْغٌ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي شَعْرِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فِي أَبِي قُحَافَةَ غَيِّرُوهُ وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» ، وَالْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ رَوَاهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَقَدْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ مِنْ الصَّحَابَةِ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَخَضَبَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَتَرْكُ الصَّبْغِ كُلِّهِ وَاسِعٌ يُرِيدُ أَنَّ الصَّبْغَ لَيْسَ بِأَمْرٍ لَازِمٍ وَقَدْ تَرَكَ الصَّبْغَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَذَلِكَ عِنْدِي يَنْصَرِفُ إلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مُعْتَادًا بِبَلَدِ الْإِنْسَانِ فَيَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الْأَمْرِ الْمُعْتَادِ يُشْهَرُ وَيُسْتَقْبَحُ وَالثَّانِي أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَمِّلُ شَيْبَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَلْيَقَ بِهِ مِنْ الصَّبْغِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُجَمِّلُ شَيْبَهُ وَيُسْتَشْنَعُ مَنْظَرُهُ فَكَانَ الصَّبْغُ أَجْمَلَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ فَقَالَ: مَا عَلِمْتُهُ حَرَامًا وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ مَا أُحِبُّ نَتْفَهُ وَأَكْرَهُ أَنْ يُقْرَضَ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ يُشْبِهُ عِنْدِي النَّتْفَ.
[مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ التَّعَوُّذِ]
ِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: بَلَغَنِي «أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إنِّي أُرَوَّعُ فِي مَنَامِي فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ
стр. 2179
وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَآهُ فَقَالَ: لَهُ جِبْرِيلُ أَفَلَا أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ إذَا قُلْتهنَّ طُفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ لِفِيهِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلَى فَقَالَ: جِبْرِيلُ فَقُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ اللَّاتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَشَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ» )
ــ
[المنتقى]
وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَآهُ فَقَالَ: لَهُ جِبْرِيلُ أَفَلَا أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ إذَا قُلْتهنَّ طُفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ لِفِيهِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَلَى فَقَالَ: جِبْرِيلُ فَقُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ اللَّاتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَشَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ» ) (ش) : قَوْلُهُ ﷺ قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ وَصْفُهَا بِالتَّمَامِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا نَقْصٌ وَإِنْ كَانَ كَلِمَاتُ غَيْرِهِ يَدْخُلُهَا النَّقْصُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْفَاضِلَةَ يُقَالُ فُلَانٌ تَامٌّ وَكَامِلٌ أَيْ فَاضِلٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الثَّابِتَ حُكْمُهَا قَالَ: اللَّهُ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ مِنْ غَضَبِهِ قَالَ: الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ غَضَبُ الْبَارِي تَعَالَى إرَادَتُهُ عُقُوبَةَ مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ ﷺ وَعِقَابُهُ رَاجِعٌ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَقَوْلُهُ ﷺ وَشَرِّ عِبَادِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ شَرَّ عَذَابِهِ مَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَجْهِ الِانْتِقَامِ وَالْغَضَبِ وَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْآلَامِ عَلَى سَبِيلِ التَّكْفِيرِ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ عَذَابَهُ كُلَّهُ مِمَّا يُوصَفُ بِالشَّرِّ وَأَنَّ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْآلَامِ مِمَّا يُكَفَّرُ بِهِ الْخَطَايَا لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَذَابٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ قَالَ: قَوْمٌ مَعْنَاهُ أَنْ تُصِيبنِي بِشَرٍّ وَقَوْلُهُ ﷺ وَأَنْ يَحْضُرُونِ مِنْ قَوْلِهِمْ مَوْضِعٌ مُحْتَضَرٌ يُصَابُ النَّاسُ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ وَأَنْ يَحْضُرُونِ أَنْ يَكُونُوا مَعَ دُعَائِي فِي إبْعَادِهِمْ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَمْنُوعٌ أَيْ بِهِ مَنْ يَمْنَعُهُ وَيَضُرُّ بِمَنْ يَكُونُ فِيهِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ بِهِ لَمَمٌ فَقِيلَ لَهُ إنْ شِئْت أَنْ تَقْتُلَ صَاحِبَك فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَذَا وَهَذَا مِنْ الطِّبِّ قَالَ: وَكَانَ مَعْدِنٌ لَا يَزَالُ يُصَابُ فِيهِ إنْسَانٌ مِنْ قِبَلِ الْجِنِّ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُمْ بِالْأَذَانِ يُؤَذِّنُ كُلُّ إنْسَانٍ وَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ فَفَعَلُوا فَانْقَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ قُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ قَالَ: الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مَعْنَى ذَلِكَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْبَارِي تَعَالَى أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهَا.
وَقَالَ: أَبُو الْحَسَنِ الْمُحَارِبِي أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ وَقَوْلُهُ الْكَرِيمُ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْوَجْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يُجَاوِزُهَا فِي التَّمَامِ أَيْ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَهِي عِلْمُ أَحَدٍ إلَى مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَالْبَرُّ مَنْ كَانَ ذَا بِرٍّ مِنْ الْإِنْسِ وَغَيْرِهِمْ وَالْفَاجِرُ مَنْ كَانَ ذَا فُجُورٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ فَيُصِيبُ أَهْلَ الْأَرْضِ، أَوْ يَعْرُجُ بِهِ إلَيْهَا يُرِيدُ يَعْرُجُ بِسَبَبِهِ فَيُعَاقِبُ أَهْلَ الْأَرْضِ، أَوْ بَعْضَهُمْ مِنْ أَجْلِهِ بِالشَّرِّ وَقَوْلُهُ وَشَرِّ مَا ذَرَأَ مِنْ الْأَرْضِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا خَلَقَهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِمَّا خَلَقَهُ فِي بَاطِنِهَا، ثُمَّ يُخْرِجُهُ مِنْهَا لِيُصِيبَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَقَوْلُهُ: وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الَّتِي تُصِيبُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَوْ تُخْلَقُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْفِتَنَ الَّتِي سَبَبُهَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مِمَّا يَسْتَعِينُ أَهْلُ الْفِتَنِ عَلَيْهَا بِاللَّيْلِ فَيَسْتَتِرُونَ بِهَا وَيَتَوَصَّلُونَ فِيهِ إلَيْهَا وَكَذَلِكَ النَّهَارُ وَقَوْلُهُ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الطَّارِقُ مَا جَاءَك لَيْلًا وَوَصْفَ مَا يَأْتِي بِالنَّهَارِ طَارِقًا عَلَى سَبِيلِ الْإِتْبَاعِ.
стр. 2180
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: مَا نِمْت هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فَقَالَ: لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا أَنَّك لَوْ قُلْت حِينَ أَمْسَيْت أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّك» مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا فَقِيلَ لَهُ: وَمَا هُنَّ فَقَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ) .
مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ تَعَالَى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي» مَالِكٌ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ إمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا
ــ
[المنتقى]
وَلَمَّا كَانَ الطَّارِقُ يَأْتِي بِالشَّرِّ وَيَأْتِي بِالْخَيْرِ اسْتَثْنَى الطَّارِقَ الَّذِي يَأْتِي بِالْخَيْرِ فَإِنَّهُ رَغَّبَ فِي إتْيَانِهِ وَلَمْ يَسْتَعِذْ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ مَالِكٍ وَسُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي التَّعَوُّذِ أَيُقَالُ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَقَالَ: مَا سَمِعْت إلَّا كَذَا وَثَلَاثٌ أَفْضَلُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: مَا نِمْت هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فَقَالَ: لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا أَنَّك لَوْ قُلْت حِينَ أَمْسَيْت أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّك» مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا فَقِيلَ لَهُ: وَمَا هُنَّ فَقَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ) شُ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَوْ قُلْت أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّك يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ اخْتَصَرَ اللَّفْظَ وَجَمَعَ الْمَعْنَى لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَضْبِطْ ذَلِكَ إذَا بَسَطَهُ وَبَسَطَ جِبْرِيلُ ﵇ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْقَوْلَ حِينَ عَلَّمَهُ ذَلِكَ الدُّعَاءَ عَلَى أَوْعَبِ أَلْفَاظِهِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحِفْظِ وَاسْتِعْمَالِ أَكْثَرِ الذِّكْرِ وَأَفْضَلِهِ فَإِنَّ مَا زَادَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكْرِيرٌ لِلدُّعَاءِ وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ كَعْبِ الْأَحْبَارِ لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَبَلَّدَتْنِي وَأَضَلَّتْنِي عَنْ رُشْدِي حَتَّى أَكُونَ كَالْحِمَارِ الَّذِي لَا يَفْقَهُ شَيْئًا وَلَا يَفْهَمُهُ وَبِهِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي الْبَلَادَةِ وَقِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ وَقَوْلُهُ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى يَحْتَمِلُ أَنْ يُشِيرَ إلَى قَوْلِهِ ﵎: " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا " وَقَوْلُهُ: مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ هَذَا إنَّمَا وَرَدَ فِي قَوْلِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ مَا لَا يَعْرِفُهُ هُوَ وَإِنْ عَرَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ فِيهَا مَا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُحْصَى وَيُعْلَمَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ تَعَالَى]
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي الْحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي» مَالِكٌ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ إمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا
стр. 2181
حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ: لِجِبْرِيلَ قَدْ أَحْبَبْت فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ» وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ: مَالِكٌ لَا أَحْسَبُهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» ) (ش) : قَوْلُهُ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ ﵎ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِعَظَمَتِهِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ وَتَحَابُّهُمْ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ أَنْ يُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْآخِرَ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَإِيمَانِهِ بِهِ وَامْتِثَالِهِ أَوَامِرَهُ وَانْتِهَائِهِ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فَهَذَانِ هُمَا الْمُتَحَابَّانِ فِي اللَّهِ ﵎.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ النَّاسَ يَضِجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ الْحَرُّ وَلَا ظِلَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَّا ظِلُّهُ فَمَنْ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَدْ ﵀ وَفَازَ.
وَقَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يَقُولُ أُكِنُّهُ مِنْ الْمَكَارِهِ كُلِّهَا وَأَكْنُفُهُ فِي كَنَفِي وَأُكْرِمُهُ وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا شَيْئًا مِنْ الظِّلِّ وَلَا الشَّمْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إمَامٌ عَادِلٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ إمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْحَاكِمِينَ بِالْعَدْلِ وَقَوْلُهُ ﷺ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ أَقَلُّ ذُنُوبًا وَأَكْثَرُ حَسَنَاتٍ مِمَّنْ نَشَأَ فِي غَيْرِ عِبَادَةِ اللَّهِ ، ثُمَّ عَبَدَهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَعِنْدَ شَيْخِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يَنْوِي الرُّجُوعَ إلَيْهِ وَيَرْتَقِبُ وَقْتَ تَوَجُّهِهِ نَحْوَهُ فَهَذَا مِمَّا يَسْتَدِيمُ الْحَسَنَاتِ؛ لِأَنَّ مَنْ نَوَى حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا وَقَوْلُهُ ﷺ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ: مَالِكٌ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَاجْتِمَاعُهُمَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ بِسَبَبِ تَحَابِّهِمَا فِي اللَّهِ وَيَفْتَرِقَانِ عَلَى ذَلِكَ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ ثُبُوتَ مَحَبَّتِهِمَا حِينَ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لِيَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمَلٍ صَالِحٍ يَكُونُ الِانْفِرَادُ بِهِ أَفْضَلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ الْخَالِيَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَطَلَبِ الذِّكْرِ فَمَا كَانَ فِي حَالِ الْخَلْوَةِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَاسْتِشْعَارِ خَشْيَتِهِ حَتَّى تَفِيضَ عَيْنَاهُ فَإِنَّهُ خَالِصٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَشُوبُهُ غَيْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - دَعَتْهُ إلَى نَفْسِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ وَيَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِمَا يَجِبُ لَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَدْعُوَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحِلُّ فَيَمْتَنِعُ مِنْهُ وَخَصَّ ﷺ ذَاتَ الشَّرَفِ وَالْجَمَالِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِيمَنْ اجْتَمَعَتْ لَهَا هَاتَانِ الصِّفَتَانِ أَرْغَبُ وَعَلَيْهَا أَحْرَصُ فَإِذَا قَالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ كَانَ امْتِنَاعُهُ لِمَخَافَةِ اللَّهِ وَإِيثَارًا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ ﷺ قَالَ: إنِّي أَخَافُ اللَّهَ أَنَّهُ قَالَ لَهَا ذَلِكَ وَرَاجَعَهَا بِهِ وَأَظْهَرَ لَهَا وَجْهَ امْتِنَاعِهِ عَلَيْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ فَمَنَعَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ عَمَّا دَعَتْهُ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ: لِجِبْرِيلَ قَدْ أَحْبَبْت فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ» وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ: مَالِكٌ لَا أَحْسَبُهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ: الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ مَعْنَاهَا أَنْ يُرِيدَ إثَابَتَهُ وَقَوْلُهُ لِجِبْرِيلَ ﵇: قَدْ أَحْبَبْت فُلَانًا فَأَحِبَّهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنْ يَكُونَانِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ فَإِنَّ جِبْرِيلَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَذَلِكَ الرَّجُلُ يُحِبُّ الْمَلَائِكَةَ وَأَهْلَ الطَّاعَةِ أَجْمَعِينَ وَأَهْلُ الْكُفْرِ يُعَادُونَ
стр. 2182
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «دَخَلْت مَسْجِدَ دِمَشْقَ فَإِذَا فَتًى شَابٌّ بَرَّاقُ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوا إلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ قَوْلِهِ فَسَأَلْت عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْت فَوَجَدْته قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْته يُصَلِّي قَالَ: فَانْتَظَرْته حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ، ثُمَّ جِئْته مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْت: وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبّكَ لِلَّهِ فَقَالَ: آللَّهِ فَقُلْت: آللَّهِ فَقَالَ: آللَّهِ فَقُلْت: آللَّهِ فَقَالَ: آللَّهِ فَقُلْت: آللَّهِ قَالَ: فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إلَيْهِ وَقَالَ: أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَالَ: اللَّهُ ﵎ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِي وَالْمُتَجَالِسِينَ فِي وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِي وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِي» ) .
ــ
[المنتقى]
جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ جِبْرِيلَ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ ذَلِكَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا يَقُولُهُ لِجِبْرِيلَ أَوْ يَأْمُرُ مَنْ يُنَادِي فِيهِمْ بِذَلِكَ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ لِذَلِكَ كَمَا يُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ الْعَبْدُ مَعَ أَهْلِ السَّمَاءِ مِنْ الْمُتَحَابِّينَ لِلَّهِ .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ يُرِيدُ الْمَحَبَّةَ فِي النَّاسِ يُقَالُ فُلَانٌ مُنِحَ مِنْ فُلَانٍ قَبُولًا أَيْ رُزِقَ مِنْهُ مَحَبَّةً وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ لِلنَّاسِ وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُدَّ الْمَحَبَّةُ لَكِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَّرَ تِلْكَ الْمَحَبَّةَ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّهَا الْمَحَبَّةُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَمْتَنَّ الْبَارِي تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ: مَالِكٌ لَا أَحْسِبُهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ: الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مَعْنَى بُغْضِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ أَنَّهُ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ وَظَنَّ مَالِكٌ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْبُغْضِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى لِجِبْرِيلَ ﵇ إنِّي أَبْغَضْت فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ فِي الْأَرْضِ الْكَرَاهِيَةُ وَالِاجْتِنَابُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْهُ مَالِكٌ ﵀ تَحَقُّقَهُ لِمَا تَقَدَّمَ فَلِذَلِكَ أَخْبَرَ بِمَا عَلِمَ وَتَوَقَّفَ فِيمَا سِوَاهُ فَاقْتَضَى الْحَدِيثُ أَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى مَحَبَّةِ الرَّجُلِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ مَالَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبُغْضُهُمْ لَهُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ مَنْ عَرَفَهُ مِنْهُمْ دُونَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَلَمْ يَسْمَعْ بِهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «دَخَلْت مَسْجِدَ دِمَشْقَ فَإِذَا فَتًى شَابٌّ بَرَّاقُ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوا إلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ قَوْلِهِ فَسَأَلْت عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْت فَوَجَدْته قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْته يُصَلِّي قَالَ: فَانْتَظَرْته حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ، ثُمَّ جِئْته مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْت: وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبّكَ لِلَّهِ فَقَالَ: آللَّهِ فَقُلْت: آللَّهِ فَقَالَ: آللَّهِ فَقُلْت: آللَّهِ فَقَالَ: آللَّهِ فَقُلْت: آللَّهِ قَالَ: فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إلَيْهِ وَقَالَ: أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَالَ: اللَّهُ ﵎ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِي وَالْمُتَجَالِسِينَ فِي وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِي وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِي» ) ش قَوْلُ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ فَإِذَا فَتًى شَابٌّ بَرَّاقُ الثَّنَايَا قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُرِيدُ أَبْيَضَ الثَّغْرِ حَسَنَهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ كَثِيرُ التَّبَسُّمِ طَلْقُ الْوَجْهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَقَوْلُهُ وَإِذَا النَّاسُ مَعَهُ إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوا إلَيْهِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - رَدُّوا إلَيْهِ النَّظَرَ فِيهِ وَالتَّحْكِيمَ لَهُ فِي تَصْحِيحِهِ مَا رَآهُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَرَدَّ مَا يَرَى رَدَّهُ فَيَصْدُرُونَ عَنْ قَوْلِهِ يُرِيدُ يَصْدُرُونَ عَنْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ إلَى الِاتِّفَاقِ عَلَى اتِّبَاعِ قَوْلِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَسَأَلْت عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ: أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَهَمَ أَبُو حَازِمٍ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَإِنَّمَا هُوَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ سَمِعْت الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ: لَقِيت عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ أَدْرَكْت عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَأَبَا الدَّرْدَاءِ وَشَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ وَفَاتَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَقَدْ قَالَ:
стр. 2183
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْقَصْدُ وَالتُّؤَدَةُ وَحُسْنُ السَّمْتِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ) .
ــ
[المنتقى]
الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَدْرَكَ أَبُو إدْرِيسَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ.
وَقَالَ: جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ وُلِدَ أَبُو إدْرِيسَ عَامَ حُنَيْنٍ وَتُوُفِّيَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ وَكَانَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ خَاصَّةً وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فَاتَنِي مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَاتَتْهُ صُحْبَتُهُ وَلَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ الْكَثِيرَ كَمَا صَحِبَ وَأَخَذَ الْكَثِيرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَهَجَّرْت إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدْته قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْته يُصَلِّي يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ كَانَ مِمَّا يُصَلُّونَ فِيهِ النَّوَافِلَ وَيَقْصِدُونَهُ بِذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ: مَالِكٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ وَقْتٌ يَبْعُدُ عَنْ صَلَاةِ فَرْضٍ قَبْلَهُ وَوَقْتُ نَوْمِ النَّاسِ غَالِبًا كَالْمَسْجِدِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ وَقْتٌ وَلَيْسَ بَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي قَبْلَهُ وَالصَّلَاةِ الَّتِي بَعْدَهُ اشْتِرَاكٌ فِي الْوَقْتِ فَاسْتُحِبَّ فِيهِ التَّنَفُّلُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقُلْت: وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّك لِلَّهِ قَالَ: آللَّهِ فَقُلْت: آللَّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ كَانَتْ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ عَلَى مَعْنَى تَحْقِيقِ الْخَبَرِ وَيُؤَكِّدُ بِتَكْرَارِهَا وَاسْتِدْعَاءِ تَأْكِيدِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي يُرِيدُ بِمَا يَحْتَبِي بِهِ مِنْ الرِّدَاءِ وَهُوَ طَرَفَاهُ وَجَبَذَنِي إلَى نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَى التَّقْرِيبِ لَهُ وَالتَّأْنِيسِ وَإِظْهَارِ الْقَبُولِ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ وَتَبْشِيرِهِ بِمَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَهُ أَبْشِرْ يُرِيدُ بِمَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَالَ: اللَّهُ عَلَى مَعْنَى إضَافَةِ مَا يُبَشِّرُهُ إلَى خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ عَنْ رَبِّهِ ﵎ وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ لِتَحْقِيقِ أَبِي إدْرِيسَ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ وَتَثِقُ نَفْسُهُ بِهِ فَتَتَأَكَّدُ بَصِيرَتُهُ وَمَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي يُرِيدُ ثَبَتَتْ إرَادَتِي لَهُمْ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ لِلْمُتَحَابِّينَ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِي يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ وَالْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ وَبِحِفْظِ شَرَائِعِهِ وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ وَقَوْلُهُ ﵎ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِي يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ زِيَارَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ أَجْلِهِ وَفِي ذَاتِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ مِنْ مَحَبَّةٍ لِوَجْهِهِ أَوْ تَعَاوُنٍ عَلَى طَاعَتِهِ وَقَوْلُهُ ﵎ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِي يُرِيدُ يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ وَيُعْطِيهِ مَالَهُ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ الْقَصْدُ يُرِيدُ الِاقْتِصَادَ فِي الْأَمْرِ وَتَرْكَ الْغُلُوِّ وَالسَّرَفِ فِيهِ وَقَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُرِيدُ الْقَصْدَ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَجَمِيعِ شَأْنِهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ سَمِعْت مَالِكًا يَذْكُرُ الْقَصْدَ وَفَضْلَهُ قَالَ: وَإِيَّاكَ مِنْ الْقَصْدِ مَا يَجِبُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِهِ قِيلَ لَهُ لِمَ قَالَ: تَعَجَّبَ وَتَعَجَّبَ النَّاسُ وَقَوْلُهُ وَالتُّؤَدَةُ يُرِيدُ الرِّفْقَ وَالتَّأَنِّي.
وَقَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ حَتَّى يُحْكِمَ أُمُورَهُ، ثُمَّ يَدْخُلَ فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَقَوْلُهُ: وَحُسْنُ السَّمْتِ يُرِيدُ الطَّرِيقَةَ وَالدِّينَ وَأَصْلُ السَّمْتِ الطَّرِيقُ وَقَوْلُهُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَصِفَاتِهِمْ الَّتِي طُبِعُوا عَلَيْهَا وَأُمِرُوا بِهَا وَجُبِلُوا عَلَى الْتِزَامِهَا وَيُعْتَقَدُ أَنَّ هَذِهِ التَّجْزِئَةَ عَلَى مَا قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَلَا يُدْرَى وَجْهُ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَقَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَنْ كَانَ عَلَى هَذَا وَقَلَّ كَلَامُهُ إلَّا بِمَا يَعْنِيهِ كَانَ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ.
стр. 2184
مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَقُولُ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا وَيَقُولُ لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» )
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَا]
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ) (ش) : قَوْلُهُ ﷺ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ الصَّادِقَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُبَشِّرَةَ وَقَوْلُهُ ﷺ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَصَفَهَا بِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ لِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْإِنْبَاءِ بِمَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ وَيَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ: جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلرُّؤْيَا مَلَكًا وُكِّلَ بِهَا يَرَى الرَّائِي مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا يَكُونُ وَقَوْلُهُ ﷺ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ قِيلَ مَعْنَى هَذِهِ التَّجْزِئَةِ أَنَّ مُدَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ كَانَتْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ كَانَتْ نُبُوَّتُهُ بِالرُّؤْيَا وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ» وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَقِيلَ إنَّهَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ.
وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» وَمِثْلُهُ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا مِنْ الرُّوَاةِ وَحَدِيثُ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَثْبَتُ مِنْ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْتَمِعَ بَيْنَهُمَا فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ ﷺ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا عَلَى الرُّؤْيَا الْجَلِيَّةِ وَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ ﷺ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا عَلَى الرُّؤْيَا الْخَفِيَّةِ.
وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ قَوْلُهُ ﷺ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ ﷺ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ وَقَوْلُهُ ﷺ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ رُؤْيَا الْفَاسِقِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ ﷺ «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» فَخَصَّ بِذَلِكَ رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَيَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْجُزْءَ مِنْ السِّتَّةِ وَالْأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ هِيَ الرُّؤْيَا الْمُبَشِّرَةُ عَلَى مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَطَاءٍ بَعْدَ هَذَا لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِ هَذَا الصِّنْفِ مِنْ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْذَارِ وَالزَّجْرِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَنْوَاعِ يَكُونُ جُزْءًا مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ لِقِلَّةِ تَكَرُّرِهِ وَلِمَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِهِ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ تَحْزِينًا وَتَخْوِيفًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ زُفَرَ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَقُولُ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا وَيَقُولُ لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَرْجُوَ بِذَلِكَ رُؤْيَا مُبَشِّرَةً لَهُ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَيَسْتَدْعِيَ ذَلِكَ مَنْ عِنْدَهُمْ فِيمَا رُبَّمَا تَوَقَّفَ عَنْهُ الْوَحْيُ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَعْلِيمَهُمْ الْعِبَادَةَ وَتَنْبِيهَهُمْ عَلَى فَضْلِهَا وَلِذَلِكَ كَانَ يَقُولُ لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ حَضًّا لَهُمْ عَلَى تَعْلِيمِهَا وَالِاهْتِبَالِ بِهَا لِيَبْقَى لَهُمْ بَعْدَهُ جُزْءٌ مِنْ
стр. 2185
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إذَا اسْتَيْقَظَ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ: أَبُو سَلَمَةَ إنْ كُنْت لَأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنْ الْجَبَلِ فَلَمَّا سَمِعْت هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا كُنْت أُبَالِيهَا» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] قَالَ: هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ) .
ــ
[المنتقى]
النُّبُوَّةِ يُدْخِلُ عَلَيْهِمْ بِهَا مَسَرَّةً وَيَحُضُّهُمْ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَيَزْجُرُهُمْ بِهَا عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا إلَّا مَنْ يُحْسِنُهَا، وَأَمَّا مَنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يُحْسِنُهَا فَلْيَتْرُكْ، وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا لِكُلِّ أَحَدٍ قَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يَلْعَبُ قِيلَ لَهُ أَفَيُعَبِّرُهَا عَلَى الْخَيْرِ وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الشَّرِّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الرُّؤْيَا عَلَى مَا أُوِّلَتْ فَقَالَ: لَا إنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ أَفَيَتَلَاعَبُ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ النُّبُوَّةِ.
وَقَدْ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فِي رُؤْيَا عَائِشَةَ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا وَاحِدٌ مِنْ أَقْمَارِك وَهُوَ خَيْرُهُمْ وَكَرِهَ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَوَّلًا وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْعَابِرِ إنْ رَأَى خَيْرًا أَنْ يَذْكُرَهُ وَإِنْ رَأَى مَكْرُوهًا قَالَ: خَيْرًا أَوْ صَمَتَ وَقَالَ: جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْنَى قَوْلِهِ خَيْرًا أَنْ يَقُولَ خَيْرًا لَنَا وَشَرًّا لِعَدُوِّنَا.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ النُّبُوَّةَ الْكَامِلَةَ قَدْ خُتِمَتْ بِهِ فَإِذَا قُبِضَ قُبِضَ جَمِيعُهَا وَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا وَهِيَ الْمُبَشِّرَاتُ وَذَلِكَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا أَنَّهَا مَا يُبَشَّرُ بِهِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بِمَا يَرَاهُ هُوَ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَرَاهُ غَيْرُهُ لَهُ مِنْ صَلَاحِ بَالٍ وَتَخَلُّصٍ مِنْ شِدَّةٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا مِنْ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ تَتَجَزَّأُ عَلَى غَيْرِ هَذَا التَّجَزِّي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إذَا اسْتَيْقَظَ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ: أَبُو سَلَمَةَ إنْ كُنْت لَأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَثْقَلُ عَلَيَّ مِنْ الْجَبَلِ فَلَمَّا سَمِعْت هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا كُنْت أُبَالِيهَا» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُبَشِّرَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الصَّادِقَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحُلْمُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يُحْزِنُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْكَاذِبَةَ مِنْ الشَّيْطَانِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُخَيَّلُ بِهَا لِيُغَرَّ، أَوْ لِيُحْزَنَ فَالرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: الرُّؤْيَا هِيَ رُؤْيَةُ مَا يَتَأَوَّلُ عَلَى الْخَيْرِ وَالْأَمْرُ الَّذِي يَسُرُّ بِهِ الْحُلْمُ هُوَ الْأَمْرُ الْفَظِيعُ الْمَجْهُولُ يُرِيهِ الشَّيْطَانُ لِلْمُؤْمِنِ لِيُحْزِنَهُ وَلِيُكَدِّرَ عَيْشَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يُخِيفُهُ وَيُحْزِنُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ هَذَا مَا يَدْفَعُ بِهِ مَضَرَّةَ الشَّيْطَانِ وَحُزْنَهُ وَذَلِكَ يَكُونُ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْوَاثِقَ بِفَضْلِ اللَّهِ إذَا فَعَلَ هَذَا زَالَ عَنْهُ شُغْلَ الْبَالِ بِهَا وَرَجَعَ إلَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ قَدْ قَدَّرَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ هَذَا وَتَعَوَّذَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِمَّا رَآهُ فِي مَنَامِهِ وَأَنَّهُ إنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَلَهَا عَنْهُ أَصَابَهُ مَا رَآهُ فِي مَنَامِهِ كَمَا قُدِّرَ أَنَّ الدَّاعِيَ إذَا دَعَا صُرِفَ عَنْهُ الْبَلَاءُ وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْعُ لَنَزَلَ بِهِ ذَلِكَ الْبَلَاءُ قَالَ: عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ إنَّ مَنْ رَأَى ذَلِكَ نَفَثَ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ أَعُوذُ بِمَنْ اسْتَعَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَتُهُ وَرُسُلُهُ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت فِي مَنَامِي هَذَا أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ شَيْءٌ أَكْرَهُهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلَى جَانِبِهِ الْآخَرِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] قَالَ: هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ) .
(ش) : قَوْلُهُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنَّهُ مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوْ يُرَى لَهُ مِنْ الْمَقَامِ الصَّالِحِ يُرِيدُ الْمُبَشَّرِ لَهُ فَهَذَا عِنْدَهُ
стр. 2186
مَا جَاءَ فِي النَّرْدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» .
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: لَا خَيْرَ فِي الشِّطْرَنْجِ وَكَرِهَهَا وَسَمِعْته يَكْرَهُ اللَّعِبَ بِهَا وَيَعُدُّهَا مِنْ الْبَاطِلِ وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] .
ــ
[المنتقى]
مَعْنَى الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِمَنْ عَدِمَ النُّبُوَّةَ، أَوْ مِنْ مُقْتَضَى الْبُشْرَى وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَمَا تَتَلَقَّاهُمْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ شَدَائِدِ الْقِيَامَةِ مِنْ التَّأْنِيسِ لَهُمْ وَالْبِشَارَةِ قَالَ: اللَّهُ ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] .
[مَا جَاءَ فِي النَّرْدِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ» النَّرْدُ نَوْعٌ مِنْ اللَّعِبِ مِثْلُهُ شَاغِلٌ وَقَوْلُهُ ﷺ «فَقَدْ عَصَى اللَّهَ» أَخْبَرَ أَنَّ مَنْ لَعِبَ بِهَا عَاصٍ لِلَّهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ اللَّعِبِ وَهَذَا عَامٌّ فِي اللَّعِبِ بِهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ قِمَارٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ وَلَا بِالشِّطْرَنْجِ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، زَادَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ كَرِهَ مَالِكٌ كُلَّ مَا يُلْعَبُ بِهِ مِنْ النَّرْدِ وَالْأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَكَرِهَ الشِّطْرَنْجَ.
وَقَالَ: هِيَ إلْهَاءُ وَشَرٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى غَالِبًا وَلِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمَيْسِرِ يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِيمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا مِنْ عَمَلِ دِينٍ وَلَا دُنْيَا، وَقَدْ عَلَّقَ الْبَارِي تَعَالَى تَحْرِيمَ الْخَمْرِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] .
وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَالشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ وَأَنَّ الشَّعْبِيَّ كَانَ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلَوْ ثَبَتَ لَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا النَّهْيَ وَأَغْفَلُوا النَّظَرَ وَأَخْطَئُوا فِيهِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابِ إجَازَةُ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَإِنَّمَا هِيَ أَخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا أَهْلُ الْبَطَالَةِ حِرْصًا عَلَى تَخْفِيفِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَاطِلِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ فِي دَارِهَا كَانُوا سُكَّانًا فِيهَا عِنْدَهُمْ نَرْدٌ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِمْ إنْ لَمْ تُخْرِجُوهَا لَأُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ دَارِي وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا وَجَدَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ضَرَبَهُ وَكَسَرَهَا) .
(ش) : قَوْلُهَا إنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ لِسُكَّانِ دَارِهَا لَئِنْ لَمْ تُخْرِجُوا النَّرْدَ لَأُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ دَارِي عَلَى مَعْنَى الْمُبَاعَدَةِ لِلَّاعِبِ بِهَا وَتَطْهِيرِ دَارِهَا عَنْ بَاطِلِهَا، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْلَسَ مَعَ اللَّاعِبِ بِهَا وَيُنْظَرَ إلَيْهَا قَالَ: لِأَنَّ الْجُلُوسَ إلَيْهِمْ وَالنَّظَرَ يَدْعُو إلَى الْمُشَارَكَةِ فِيهَا وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ أَيُسَلَّمُ عَلَى اللَّاعِبِ بِهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الذَّنْبِ الَّذِي يَمْنَعُ السَّلَامَ قَالَ مَالِكٌ هُمْ أَهْلُ السَّلَامِ وَإِذَا بُولِغَ فِي هَذَا ذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَكْرَهُهَا وَيَضْرِبُ مَنْ وَجَدَ مِنْ أَهْلِهِ يَلْعَبُ بِهَا وَأَمَّا كَسْرُهَا فَعَلَى وَجْهِ الْمَنْعِ مِنْ اتِّخَاذِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا وَإِبْقَاؤُهَا دَاعٍ إلَى مُعَاوَدَتِهَا، وَأَمَّا مَنْ ضَرَبَ مَنْ كَانَ يَلْعَبُ بِهَا مِنْ أَهْلِهِ فَعَلَى سَبِيلِ التَّأْدِيبِ وَالزَّجْرِ لَهُمْ عَنْهَا وَيَخُصُّ أَهْلَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ التَّبَسُّطُ مِنْ التَّأْدِيبِ كَمَا يُؤَدِّبُ الرَّجُلُ وَلَدَهُ وَيَمْنَعُهُ لِذَلِكَ مِنْ مَسَاوِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغًا يَجِبُ فِيهَا حَدٌّ وَلَا تَعْزِيرٌ يَسْتَوْفِيهِ حَاكِمٌ.
(ش) : وَأَمَّا كَرَاهِيَةُ اللَّعِبِ بِهَا جُمْلَةً فَلَا خِلَافَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِقِمَارٍ كَانَ أَوْ لِغَيْرِ قِمَارٍ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ اللَّعِبَ بِهَا يُؤَدِّي إلَى الْقِمَارِ أَوْ الْحَلِفِ كَاذِبًا وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ
стр. 2187
الْعَمَلُ فِي السَّلَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَإِذَا سَلَّمَ مِنْ الْقَوْمِ أَحَدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ»
ــ
[المنتقى]
الْإِكْثَارَ مِنْهَا يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهَا يُؤَدِّي غَالِبًا إلَى كَثِيرِهَا فَيَجِبُ حَسْمُ الْبَابِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَعِبَ بِهَا قِمَارًا مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَتْ مَحَاسِنُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَسَاوِيهِ وَلَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ كَبِيرَةٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُ أَنَّ هَذَا قِمَارٌ مُحَرَّمٌ وَعَمَلٌ بَاطِلٌ فَوَجَبَ أَنْ يُسْقِطَ الشَّهَادَةَ كَالْمَيْسِرِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَعِبَ بِهَا عَلَى غَيْرِ الْقِمَارِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ عِنْدَ مَالِكٍ إنْ أَدْمَنَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إدْمَانٌ لِلْبَاطِلِ وَمَا لَا يَخْلُو الْمُدْمِنُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ وَالِاشْتِغَالِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ الصَّلَاةِ بِلَهْوٍ كَاِتِّخَاذِ الْأَغَانِي وَالْقِيَانِ فَأَمَّا مَنْ لَعِبَ بِهِ فِي النَّادِرِ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ وَلَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْمَسْأَلَةُ فِي الشَّهَادَاتِ مَا هُوَ أَوْعَبُ مِنْ هَذَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْعَمَلُ فِي السَّلَامِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي» مَعْنَاهُ يَبْدَؤُهُ بِالسَّلَامِ ثُمَّ يُجِيبُهُ الْآخَرُ فَيَرُدُّ ﵇ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ سُنَّةٌ وَرَدُّهُ وَاجِبٌ فَأَمَّا ابْتِدَاؤُهُ فَمَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْد بْنِ مُقَرِّنٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَنَصْرِ الضَّعِيفِ وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ وَافَشَاءِ السَّلَامِ وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الرَّدُّ فَلِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ فِي السَّلَامِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ حَقُّ الْمُسَلِّمِ عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ بِمَا بَدَأَ بِهِ مِنْ السَّلَامِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ الْمُسَلِّمُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَيَقُولُ الرَّادُّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ كَمَا قِيلَ لَهُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقُولَ الرَّادُّ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْك وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ لِنَفَرٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٍ فَاسْمَعْ مَا يُحَيُّونَك بِهِ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُك وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِك، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ؛ فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللَّهِ» وَهَذَا الَّذِي وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي» يُرِيدُ أَنَّهُ شُرِعَ فِي حَقِّهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ وَذَلِكَ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْمُرُورِ سَلَّمَ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي؛ لِأَنَّهُ أَرْفَعُ حَالًا مِنْهُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا فَتَرْكُهُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ فَضُلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ بَابِ الْكِبْرِ، وَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا جَالِسًا وَالْآخَرُ مَارًّا سَلَّمَ الْمَارُّ عَلَى الْجَالِسِ، وَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الْمُرُورِ وَالِالْتِقَاءِ بَدَأَ بِالسَّلَامِ مَنْ كَانَ حَقُّهُ أَقَلَّ عَلَى مَنْ كَانَ حَقُّهُ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ بَابِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ.
رَوَى ثَابِتٌ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَيُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَإِذَا سَلَّمَ مِنْ الْقَوْمِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ» قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا خِلَافَ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ سُنَّةٌ أَوْ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنْ بَعْضٍ وَأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِنْ سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ، وَإِنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُلْزِمُ جَمِيعَهُمْ الرَّدَّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ، وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَجْزَأَ
стр. 2188
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ زَادَ شَيْئًا مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاك فَعَرَّفُوهُ إيَّاهُ، قَالَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ) .
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يُسَلَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَلَا أَكْرَهُ ذَلِكَ وَأَمَّا الشَّابَّةُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ) .
مَا جَاءَ فِي السَّلَامِ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ الْيَهُودَ إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ فَإِنَّمَا يَقُولُ السَّامُّ عَلَيْكُمْ فَقُلْ عَلَيْك»
ــ
[المنتقى]
عَنْهُمْ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا سَلَامٌ هُوَ شِعَارُ الشَّرْعِ فَنَابَ فِيهِ الْوَاحِدُ عَنْ الْجَمَاعَةِ كَسَلَامِ الْمُبْتَدِئِ بِهِ.
(ص) : (عَنْ مَالِكٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ زَادَ شَيْئًا مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ مَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاك فَعَرَّفُوهُ إيَّاهُ، قَالَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ) .
(ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ إنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هِيَ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا أَجْزَأَهُ وَمَنْ اسْتَوْعَبَهَا فَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: أَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ إلَى الْبَرَكَةِ يُرِيدُ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُغَيَّرَ اللَّفْظُ وَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِابْتِدَاءِ السَّلَامِ أَوْ رَدِّهِ وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَلَا غَايَةَ لَهُ إلَّا الْمُعْتَادُ الَّذِي يَلِيقُ بِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ النَّاسِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمُصَافَحَةُ بِالْيَدِ فَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمُصَافَحَةَ حَسَنَةٌ وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ النَّاسَ لَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَفْعَلُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ فِي الْمَنْعِ بِمَا رُوِيَ أَنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ فَالزِّيَادَةُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مَمْنُوعَةٌ كَالْمُعَانَقَةِ وَأَجَازَهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ قُلْت لِأَنَسٍ أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ نَعَمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ كَرِهَ الْمُعَانَقَةَ وَمَنْ أَجَازَهَا مِنْ قَبْلُ بِمَا يُغْنِي عَنْ تَكْرَارِهِ هَهُنَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : مَعْنَى ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمُتَجَالَّةَ الْهَرِمَةَ لَا فِتْنَةَ فِي كَلَامِهَا وَلَا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلَى مَحْظُورٍ بِخِلَافِ الشَّابَّةِ فَإِنَّ فِي مُكَالَمَتِهَا فِتْنَةً وَيَتَسَبَّبُ بِهِ إلَى الْمَحْظُورِ وَالسَّلَامُ عَلَيْهَا يَقْتَضِي رَدَّهَا وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمُكَالَمَةِ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ السَّلَامَ شِعَارُ الْإِسْلَامِ شُرِعَ إفْشَاؤُهُ عِنْدَ لِقَاءِ كُلِّ مُسْلِمٍ مِمَّنْ عَرَفْت وَمِمَّنْ لَمْ تَعْرِفْ إلَّا أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ مَا يَخَافُ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالتَّعْرِيضِ لِلْفُسُوقِ كَمَا مُنِعَ مِنْ الرُّؤْيَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَأُمِرَ بِالْحِجَابِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا بَأْسَ أَنْ تَجْلِسَ الْمُتَجَالَّةُ عِنْدَ الصَّانِعِ لِبَعْضِ حَوَائِجِهَا وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِلشَّابَّةِ، قَالَ مَالِكٌ وَيَمْنَعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ وَيَضْرِبْهُنَّ عَلَيْهِ.
[مَا جَاءَ فِي السَّلَامِ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ]
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ الْيَهُودَ إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ الْحَدِيثَ، يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ إذَا سَلَّمُوا وَلَا يُبْدَءُوا بِالسَّلَامِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ حُكْمَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي الرَّدِّ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ ابْتِدَائِهِمْ بِالسَّلَامِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
وَقَدْ رَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَإِنَّمَا يَقُولُ السَّامُّ عَلَيْكُمْ» يُرِيدُ أَنَّهُمْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَيَقُولُونَ مَكَانَ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " السَّامُّ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «وَالسَّامُّ الْمَوْتُ» فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ الرَّادُّ عَلَيْهِمْ عَلَيْكُمْ فَيَرُدُّ مَا دَعَوْا بِهِ مِنْ الشَّرِّ عَلَيْهِمْ، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُرَدُّ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى
стр. 2189
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ هَلْ يَسْتَقِيلُهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَا) .
جَامِعُ السَّلَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إذَا أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَلَّمَا فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ، أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوَى إلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ»
ــ
[المنتقى]
فَإِنْ رَدَدْت فَقُلْ عَلَيْك وَهَذَا قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يُرَدَّ ﵈ وَذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ وَالْمَشْرُوعُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ ذِمِّيٌّ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ وَلْيَقُلْ عَلَيْك فَاقْتَضَى هَذَا أَنَّ الرَّدَّ هُوَ رَدُّ السَّلَامِ وَأَنَّ قَوْلَهُ وَعَلَيْك لَيْسَ بِرَدٍّ لِلسَّلَامِ يُرِيدُ وَإِنَّمَا هُوَ رَدٌّ لِقَوْلِهِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فَقَالَ عَطَاءٌ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ مَنَعَ أَنْ يُرَدَّ عَلَى الْيَهُودِ بِأَحْسَنَ مِمَّا حَيُّوا بِهِ وَهُوَ مَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ هِيَ عَامَّةٌ فَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْك فَقَالَ سَلَامٌ عَلَيْك قُلْت عَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَهَذَا أَحْسَنُ مِمَّا قَالَ، وَإِنْ أَرَدْت أَنْ تَرُدَّهَا قُلْت عَلَيْك.
وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: عَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ؛ فَقِيلَ لَهُ تَقُولُ لِيَهُودِيٍّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَلَيْسَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ يَعِيشُ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ الرَّادُّ عَلَيْك السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالسُّنَّةُ وَرَدَتْ بِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَوْلَى وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» .
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ هَلْ يَسْتَقِيلُهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَا) .
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: إنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِ السَّلَامِ فَلَا يَسْتَقِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي هَذِهِ الْإِقَالَةِ وَلَا مَعْنَى لَهَا؛ لِأَنَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ حَسَنَةً فَلَا يَجِبُ الرُّجُوعُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ سَيِّئَةً فَلَيْسَ بِيَدِ الْيَهُودِيِّ تَكْفِيرُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِهِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَقَالَهُ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهُ أَخْطَأَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ حِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ لَهُ وَلِئَلَّا يَعْتَقِدَ ذَلِكَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ يَعْتَقِدُ قَصْدَهُ بِابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَمْنَعُ الْكُفْرُ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَتَمْنَعُ الْبِدْعَةُ مِنْ السَّلَامِ وَقَالَ سَحْنُونٌ يُمْنَعُ مِنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ تَأْدِيبًا لَهُمْ.
[جَامِعُ السَّلَامِ]
(ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ إذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ» يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونُوا أَقْبَلُوا مِنْ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ النَّاحِيَةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ فِيهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُشْرَعَ الرَّكْعَتَانِ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ شُرِعَ ذَلِكَ وَرَكَعُوا وَتَرَكَ الرَّاوِي ذِكْرَ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْكَعُوا وَشَرَعَ لَهُمْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونُوا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ لِيُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ
стр. 2190
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَرَدَّ ﵇ ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ الرَّجُلَ كَيْفَ أَنْتَ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: إلَيْك اللَّهَ، فَقَالَ عُمَرُ ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْت مِنْك) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إلَى السُّوقِ قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إلَى السُّوقِ لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَّاطٍ وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ وَلَا مِسْكِينٍ وَلَا عَبْدٍ إلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ الطُّفَيْلُ فَجِئْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا فَاسْتَتْبَعَنِي إلَى السُّوقِ فَقُلْت لَهُ وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا تَسْأَلُ عَنْ السِّلَعِ وَلَا تَسُومُ بِهَا وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ قَالَ وَأَقُولُ: اجْلِسْ بِنَا هَهُنَا نَتَحَدَّثُ قَالَ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَا أَبَا بَطْنٍ وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ إنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا)
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْوَارِدَ عَلَى الْقَوْمِ يَبْدَؤُهُمْ كَمَا يُسَلِّمُ الْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَقَوْلُهُ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَاهَا فِي مَوْضِعٍ يَتَخَطَّى إلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرَاهَا فِي مَوْضِعٍ لَا يَتَخَطَّى إلَيْهِ فَجَلَسَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ فِيهَا حِرْصًا عَلَى الْقُرْبِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَخْذِ عَنْهُ، وَجَلَسَ الْآخَرُ خَلْفَ الْقَوْمِ حَيَاءً وَأَدْبَرَ الثَّالِثُ ذَاهِبًا زَاهِدًا فِي الْخَيْرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُخْبِرَهُمْ عَنْ مَقَاصِدِهِمْ الَّتِي خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ، فَأَمَّا ظَاهِرُ فِعْلِهِمْ فَقَدْ رَآهُ مَنْ حَضَرَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقْصِدَ الْإِخْبَارَ عَمَّا لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَآوَى إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَآوَاهُ اللَّهُ تَعَالَى يُقَالُ آوَى فُلَانٌ إلَى فُلَانٍ لَجَأَ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ فَآوَاهُ اللَّهُ بِالْمَدِّ مَعْنَاهُ قَبِلَهُ وَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠] يُرِيدُ لَجَئُوا إلَيْهِ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦] أَيْ ضَمَّك إلَى كَنَفِهِ وَفَضْلِهِ، وَقَوْلُهُ ﷺ : وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا أَيْ تَرَكَ الْمُزَاحَمَةَ حَيَاءً فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ أَيْ تَرَكَ عُقُوبَتَهُ عَلَى ذُنُوبِهِ وَزَادَهُ مِمَّا سَأَلَ مِنْ الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزْنِيَةِ الَّذِي آوَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ عِنْدَهُ فَقَدْ آوَى إلَى اللَّهِ ﵎ فَقَبِلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَآوَاهُ، وَأَمَّا الَّذِي اسْتَحْيَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ دُونَ الْمَجْلِسِ فَذَلِكَ الَّذِي اسْتَحْيَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَغَفَرَ لَهُ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إعْرَاضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الَّذِي أَعْرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَسَخِطَ عَلَيْهِ حِينَ أَعْرَضَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَغْبَةً عَنْهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى مِثْلَهُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَرَدَّ ﵇ ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ الرَّجُلَ كَيْفَ أَنْتَ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: إلَيْك اللَّهَ، فَقَالَ عُمَرُ ذَلِكَ الَّذِي أَرَدْت مِنْك) .
(ش) : سُؤَالُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ الرَّجُلَ عَنْ حَالِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ لِمَنْ عَرَفَهُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَحْمَدُ اللَّهَ إلَيْك عَلَى مَا يُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَهُ كُلُّ مَسْئُولٍ عَنْ حَالِهِ فَإِنَّ الْمُنْعِمَ بِصَلَاحِ الْأَحْوَالِ وَتَوَالِي النِّعَمِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا أَحَدَ، وَإِنْ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ إلَّا وَلِلَّهِ عَلَيْهِ نِعَمٌ لَا يُحْصِيهَا قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وَلَا أَبْيَنَ مِنْ نَفَسِهِ الْمُتَرَدِّدِ فَإِنَّهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَيْهِ غَيْرَهُ تَعَالَى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الزُّهَّادِ أَنَّهُ عَدَّدَ أَنْفَاسَهُ فِي يَوْمٍ فَوَجَدَهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ نَفَسٍ وَهَذِهِ نِعَمٌ لَا تُحْصَى وَأَيْنَ تُرَدَّدُ أَنْفَاسُهُ مَعَ سَائِرِ النِّعَمِ عَلَيْهِ مَعَ الْمَرَضِ وَالْفَقْرِ فَكَيْفَ مَعَ الصِّحَّةِ وَالْغِنَى وَمَنْ صَحَّ يَقِينُهُ لَزِمَهُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَإِنَّهُ لَا يُحْمَدُ عَلَى الْمَكْرُوهِ غَيْرُهُ جَلَّ وَعَزَّ فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّفَ أَكْثَرَ مِنْهُ وَهُوَ يُثِيبُ عَلَيْهِ وَيُكَفِّرُ الذُّنُوبَ بِهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إلَى السُّوقِ قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إلَى السُّوقِ لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَّاطٍ وَلَا صَاحِبِ بِيعَةٍ وَلَا مِسْكِينٍ وَلَا عَبْدٍ إلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ الطُّفَيْلُ فَجِئْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا فَاسْتَتْبَعَنِي إلَى السُّوقِ فَقُلْت لَهُ وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَا تَسْأَلُ عَنْ السِّلَعِ وَلَا تَسُومُ بِهَا وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ قَالَ وَأَقُولُ: اجْلِسْ بِنَا هَهُنَا نَتَحَدَّثُ قَالَ فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَا أَبَا بَطْنٍ وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ إنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا) .
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَغْدُو مَعَهُ إلَى السُّوقِ عَلَى مَا يُحْسِنُ بِالْعَالِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِالْمُتَعَلِّمِ لِيَتَعَلَّمَ
стр. 2191
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَالْغَادِيَاتُ وَالرَّائِحَاتُ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَلَيْك أَلْفٌ ثُمَّ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ.
) (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ إذَا دُخِلَ الْبَيْتُ غَيْرُ الْمَسْكُونِ يُقَالُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) .
بَابُ الِاسْتِئْذَانِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ الرَّجُلُ: إنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إنِّي خَادِمُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا»
ــ
[المنتقى]
مِنْهُ مَا يَجْرِي لَهُ وَيَقْتَدِي بِهِ فِي مَشْيِهِ وَسَلَامِهِ وَسَائِرِ تَصَرُّفِهِ وَمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَمُرُّ عَلَى سَقَّاطٍ وَلَا بَيَّاعٍ وَلَا مِسْكِينٍ إلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ فِي ذَلِكَ قُرْبَةً وَلَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ خَبَرُ «أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ وَتَقْرَأَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵁ يَتَوَخَّى فِي السُّوقِ كَثْرَةَ النَّاسِ لِيُكْثِرَ سَلَامَهُ، وَهَذَا فِي زَمَنِ الْحَقِّ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَمَّا فِي زَمَنٍ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِيهِ فَمُلَازَمَةُ الْبُيُوتِ فِيهِ أَفْضَلُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُقْبِلُ الرَّجُلُ حَتَّى يَلْزَمَ بَيْتَهُ وَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ فِتْنَةٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِيهَا بَعْضُ مَا أَرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ تَهَيَّأَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَهَيَّأْ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ فَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَبْوَابُ الْخَيْرِ أَرْزَاقٌ فَرُبَّ إنْسَانٍ يُرْزَقُ مِنْهَا بَابًا وَيُمْنَعُ بَابًا قَدْرَ رِزْقِهِ غَيْرَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: يَا أَبَا بَطْنٍ إنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ عَلَى مَعْنَى الزَّجْرِ وَالِانْتِهَارِ لَهُ حِينَ لَمْ يَفْهَمْ مَقْصِدَهُ فِي خُرُوجِهِ إلَى السُّوقِ، وَقَدْ يَجُوزُ لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا مَعَ تِلْمِيذِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الطُّفَيْلُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا بَلْ قَدْ عَرَفَ بِهَذَا وَدُعِيَ بِهِ كَمَا قِيلَ لِخِرْبَاقٍ ذَا الْيَدَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَالْغَادِيَاتُ وَالرَّائِحَاتُ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَلَيْك أَلْفٌ ثُمَّ كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ.
) (ش) : قَوْلُهُ وَالْغَادِيَاتُ وَالرَّائِحَاتُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ الطَّيْرُ الَّتِي تَغْدُو وَتَرُوحُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ الْمَلَائِكَةَ الْحَفَظَةَ الْغَادِيَةَ الرَّائِحَةَ لِتَكْتُبَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ وَعَلَيْك أَلْفٌ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ أَلْفٌ كَسَلَامِك عَلَى مَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ لِتَعَمُّقِهِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الْبَرَكَةِ فِي السَّلَامِ، ثُمَّ كَرِهَ قَوْلَهُ لِمَا كَانَ فِي مَعْنَى مَا أَنْكَرَهُ رَأْيُ الْإِنْكَارِ لِغَيْرِ هَذَا كَانَ أَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ إذَا دُخِلَ الْبَيْتُ غَيْرُ الْمَسْكُونِ يُقَالُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) .
(ش) : مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ كَمَا يَفْعَلُ فِي التَّشَهُّدِ قَالَ اللَّهُ ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ إذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ فَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: مَعْنَاهُ إذَا دَخَلْت عَلَى أَهْلِك فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ إذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِهِ.
[بَابُ الِاسْتِئْذَانِ]
(ش) : «قَوْلُ الرَّجُلِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَأَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ نَعَمْ» عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ إلَى ذَلِكَ وَالْأَمْرِ بِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الِاسْتِئْذَانُ وَاجِبٌ لَا تَدْخُلْ بَيْتًا فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ ثَلَاثًا فَإِنْ أَذِنَ لَك وَإِلَّا رَجَعْت وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي
стр. 2192
(ص) (مَالِكٌ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ» .
مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ «أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَ فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهِ فَقَالَ مَا لَك لَمْ تَدْخُلْ فَقَالَ أَبُو مُوسَى سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَك فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ، فَقَالَ عُمَرُ وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ بِك كَذَا وَكَذَا فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي الْمَسْجِدِ يُقَالُ لَهُ مَجْلِسُ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إنِّي أَخْبَرْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَك فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَأَفْعَلَنَّ بِك كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَلْيَقُمْ مَعِي، فَقَالُوا لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قُمْ مَعَهُ - وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْغَرَهُمْ - فَقَامَ مَعَهُ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي مُوسَى أَمَّا أَنِّي لَمْ أَتَّهِمْك وَلَكِنْ خَشِيت أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » .
ــ
[المنتقى]
الِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثٌ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] فِيمَا رُوِيَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَرَوَى أَبُو مُوسَى وَأَبُو سَعِيدٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اسْتِئْذَانَهُ لَمْ يُسْمَعْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى أُمِّهِ وَذَوَاتِ مَحَارِمِهِ وَكُلِّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى أُمِّهِ «أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً قَالَ لَا قَالَ فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا» وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا فَقَدْ يَفْجَؤُهَا فَيَرَاهَا عُرْيَانَةً فَأَمَّا الزَّوْجَةُ أَوْ الْأَمَةُ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهَا فَلَهُ الدُّخُولُ عَلَيْهَا دُونَ اسْتِئْذَانٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: إنِّي مَعَهَا فِي بَيْتٍ أَيْ خَادِمُهَا لَمْ يَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي تَرْكِ الِاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ مَعَهُ أَنْ يُفَاجِئَهَا فَيَرَى مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ.
(ص) (مَالِكٌ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَكَ فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ» .
مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ «أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا ثُمَّ رَجَعَ فَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أَثَرِهِ فَقَالَ مَا لَك لَمْ تَدْخُلْ فَقَالَ أَبُو مُوسَى سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَك فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ، فَقَالَ عُمَرُ وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ بِك كَذَا وَكَذَا فَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى جَاءَ مَجْلِسًا فِي الْمَسْجِدِ يُقَالُ لَهُ مَجْلِسُ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إنِّي أَخْبَرْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَك فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا لَأَفْعَلَنَّ بِك كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَلْيَقُمْ مَعِي، فَقَالُوا لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قُمْ مَعَهُ - وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَصْغَرَهُمْ - فَقَامَ مَعَهُ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي مُوسَى أَمَّا أَنِّي لَمْ أَتَّهِمْك وَلَكِنْ خَشِيت أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » .
(ش) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لِأَبِي مُوسَى مَا لَك لَمْ تَدْخُلْ، مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا يَمْنَعُك أَنْ تُوَالِيَ الِاسْتِئْذَانَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَك فَتَدْخُلَ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَمِعَ اسْتِئْذَانَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَشُغِلَ عَنْ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَمْرَهُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِ وَقَالَ لَهُ مَا لَك لَمْ تَدْخُلْ فَمَعْنَاهُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُ أَبُو مُوسَى بِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لِي وَإِنَّمَا أَجَابَهُ بِأَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَك فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ وَهَذَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ وَهَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ سَمِعَ.
قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزْنِيَةِ فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ وَظَنَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ لَا أُحِبُّ أَنْ يُسَلِّمَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوهُ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ وَأَخْذًا بِهِ قَالَ وَلَا بَأْسَ إنْ عَرَفْت أَحَدًا أَنْ تَدْعُوهُ لِيَخْرُجَ إلَيْك أَنْ تُنَادِيَ بِهِ مَا بَدَا لَك.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ تَقُولَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ أَوْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ رَوَاهُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ.
وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ أَنْ تُسَلِّمَ ثَلَاثًا فَإِنْ أُذِنَ لَك وَإِلَّا فَانْصَرِفْ فَإِنْ أُذِنَ لَك عِنْدَ بَابِ الدَّارِ فَلَا تَسْتَأْذِنْ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ، وَقَدْ أُذِنَ لَك مَرَّةً، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ الرَّجُلُ بِالسَّلَامِ فَقِيلَ لَهُ مَنْ هَذَا فَلْيُسَمِّ نَفْسَهُ بِاسْمِهِ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ وَلَا يَقُولُ أَنَا كَمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْكَدِرِ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اسْتَأْذَنْت
стр. 2193
التَّشْمِيتُ فِي الْعُطَاسِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ ثُمَّ إنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ ثُمَّ إنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ ثُمَّ إنْ عَطَسَ فَقُلْ: إنَّك مَضْنُوكٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ»
ــ
[المنتقى]
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقُلْت أَنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَا أَنَا» عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ لِذَلِكَ، وَإِنْ سَمَّى نَفْسَهُ أَوَّلًا فِي الِاسْتِئْذَانِ فَحَسَنٌ.
وَقَدْ رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ جَاءَ أَبُو مُوسَى إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَشْعَرِيُّ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ رُدُّوهُ عَلَيَّ فَرَدُّوهُ فَقَالَ لَهُ مَا رَدَّك كُنَّا فِي شُغْلٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَنْ يَعْرِفُ هَذَا لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُ هَذَا لَأَفْعَلَنَّ بِك كَذَا وَكَذَا عَلَى مَعْنَى الزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ عَنْ التَّسَامُحِ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ أَقِلُّوا الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ قِيلَ مَعْنَاهُ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ فِي الْأَجْرِ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ فِي التَّقْلِيلِ، وَقَوْلُهُ ﵁ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَّا أَنِّي لَمْ أَتَّهِمْك وَلَكِنِّي خَشِيت أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَعِيدُ وَالزَّجْرُ لِغَيْرِهِ إذَا كَانَ هُوَ عِنْدَهُ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَعِيدُ لَهُ حِينَ أَظْهَرَ إلَى الْإِمَامِ أَمْرًا يُتَّهَمُ فِيهِ غَيْرُهُ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْصَلَ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَغَيْرِهِ فَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَنْعَ الْجَمِيعِ كَالْمَنْعِ مِنْ الذَّرَائِعِ.
وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْر بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ لَأُوجِعَنَّ ظَهْرَك وَبَطْنَك أَوْ لَتَأْتِينِي بِمَنْ يَشْهَدُ لَك عَلَى هَذَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقَامَ مَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَأَخْبَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ: لَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّمَا سَمِعْت شَيْئًا فَأَحْبَبْت أَنْ أَتَثَبَّتَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أُبَيٌّ أَرْسَلَ مَعَهُ أَبَا سَعِيدٍ ثُمَّ لَقِيَهُ بَعْدَ وَقْتٍ فَأَخْبَرَهُ أَيْضًا بِذَلِكَ وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَعَّدْ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بَلْ كَانَ يَرُدُّ قَوْلَهُ خَاصَّةً كَالشَّاهِدِ الْوَاحِد؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يُعَلِّلْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُفْرَدٌ وَإِنَّمَا عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ يَخَافُ التَّقَوُّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا يَقْتَضِي قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ يَخَافُ ذَلِكَ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ.
[التَّشْمِيتُ فِي الْعُطَاسِ]
(ش) : هَكَذَا الرِّوَايَةُ وَقَالَ الْخَلِيلُ شَمِّتْهُ وَسَمِّتْهُ وَقَالَ ثَعْلَبٌ التَّشْمِيتُ إبْعَادُ الشَّمَاتَةِ عَنْهُ وَالتَّسْمِيتُ إثْبَاتُ السَّمْتِ الْحَسَنِ لَهُ وَقَوْلُهُ ﷺ «إنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هَذَا الْحَقَّ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمَنْ حَمِدَ اللَّهَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْعَاطِسِ إذَا لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَلَا يُشَمِّتُهُ حَتَّى يَسْمَعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَلْقَةٍ كَبِيرَةٍ فَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَلُونَهُ يُشَمِّتُونَهُ فَشَمِّتْهُ، وَرَوَى سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ فَقِيلَ لَهُ قَالَ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَهَذَا لَمْ يَحْمَدْ» قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ لَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ حَتَّى يَسْمَعَهُ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنْ بَعُدَ مِنْك وَسَمِعْت مَنْ يَلِيهِ يُشَمِّتُهُ فَشَمِّتْهُ يُرِيدُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ لَا يُشَمِّتُهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ عَطَسَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَحْمَدُ اللَّهَ إلَّا فِي نَفْسِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَلَا فِي نَفْسِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُشَمَّتُ
стр. 2194
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ يَرْحَمُك اللَّهُ، قَالَ يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ) .
مَا جَاءَ فِي الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ رَافِعَ بْنَ إِسْحَاقَ مَوْلَى الشِّفَاءِ أَخْبَرَهُ قَالَ «دَخَلْت أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَلْحَةَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ نَعُودُهُ فَقَالَ لَنَا أَبُو سَعِيدٍ: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
ــ
[المنتقى]
لِأَنَّهُ بِصَلَاتِهِ مَشْغُولٌ عَنْ الذِّكْرِ وَالتَّشْمِيتِ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ عَطَسَ أَوْ رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَحَمِدَ اللَّهَ أَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: لَا أَنْهَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إذَنْ أَقُولُ لَهُ لَا تَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا عَطَسَ رَجُلٌ وَحَمِدَ اللَّهَ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ الْوَاحِدُ كَرَدِّ السَّلَامِ،.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ فِي الْمُخْتَصَرِ: إنَّهُ بِخِلَافِ رَدِّ السَّلَامِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ التَّشْمِيتُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ كَرَدِّ السَّلَامِ وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ مُزَيْنٍ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ السَّلَامَ إظْهَارُ شَعِيرَةِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا أَظْهَرَهُ أَحَدُهُمْ وَأَقَرَّهُ الْبَاقُونَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ إظْهَارٌ مِنْ جَمِيعِهِمْ لَهُ وَتَأْنِيسٌ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَالتَّشْمِيتُ إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ لِلْمُشَمِّتِ وَقَضَاءٌ لِحَقٍّ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْضِيَهُ إيَّاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّشْمِيتِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَرَدِّ السَّلَامِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﷺ «إنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ» وَهَذَا أَمْرٌ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، وَرَوَى يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ رَدُّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «ثُمَّ إنْ عَطَسَ فَقُلْ: إنَّك مَضْنُوكٌ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ الْمَضْنُوكُ هُوَ الْمَزْكُومُ، وَقَدْ وَرَدَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ بِذَلِكَ وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ مَالِكٌ أَنْ يَبْلُغَ بِالتَّشْمِيتِ ثَلَاثًا فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُشَمِّتْهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ الْحَدِيثُ بِالشَّكِّ ذَهَبَ إلَى الِاحْتِيَاطِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: وَإِذَا عَطَسَ مِرَارًا مُتَوَالِيَةً سَقَطَ عَمَّنْ سَمِعَهُ تَشْمِيتُهُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ يَرْحَمُك اللَّهُ، قَالَ يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ) .
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا عَطَسَ يُرِيدُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِعِلْمِ السَّامِعِ بِهِ فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ، قَالَ: يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «فَإِذَا قِيلَ لَهُ يَرْحَمُك اللَّهُ فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» وَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ يَرْحَمُك اللَّهُ وَلْيَرُدَّ عَلَيْهِ بِيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ» قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الْعَاطِسُ لِمَنْ يُشَمِّتُهُ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ لَهُ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إنَّ الْخَوَارِجَ كَانَتْ تَقُولُهُ وَلَا يَسْتَغْفِرُونَ لِلنَّاسِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا كَانَ يَقُولُهُ لِلْيَهُودِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّمَا اسْتَحْسَنَّاهُ عَلَى قَوْلِنَا: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ؛ لِأَنَّ الْهِدَايَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَغْفِرَةِ.
стр. 2195
أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهَا تَمَاثِيلُ أَوْ تَصَاوِيرُ شَكَّ إِسْحَاقُ لَا يَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ» .
مَا جَاءَ فِي أَكْلِ الضَّبِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَإِذَا ضِبَابٌ فِيهَا بَيْضٌ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: كُلَا، فَقَالَا: أَوَلَا تَأْكُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إنِّي تَحْضُرُنِي مِنْ اللَّهِ حَاضِرَةٌ قَالَتْ مَيْمُونَةُ: أَنَسْقِيك يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ لَبَنٍ عِنْدَنَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَلَمَّا شَرِبَ قَالَ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَكِ جَارِيَتَك الَّتِي كُنْتَ اسْتَأْمَرْتِينِي فِي عِتْقِهَا أَعْطِيهَا أُخْتَك وَصِلِي بِهَا رَحِمَك تَرْعَى عَلَيْهَا فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَك»
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهَا تَمَاثِيلُ أَوْ تَصَاوِيرُ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي؛ لِأَنَّ التَّمَاثِيلَ هِيَ التَّصَاوِيرُ فَيُشَكُّ فِي اللَّفْظِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ التَّمَاثِيلُ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ مِنْ الصُّوَرِ وَالصُّوَرُ وَاقِعٌ عَلَى مَا قَامَ بِنَفْسِهِ وَعَلَى مَا كَانَ رَقْمًا أَوْ تَزْوِيقًا فِي غَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَتَعَلَّقُ النَّهْيُ بِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ «عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ يَعُودُهُ قَالَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إنْسَانًا فَنَزَعَ نَمَطًا مِنْ تَحْتِهِ فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ لِمَ تَنْزِعُهُ قَالَ: لِأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا مَا قَدْ عَلِمْت فَقَالَ سَهْلٌ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ قَالَ بَلَى وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي» ) .
(ش) : أَمْرُ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ بِإِزَالَةِ النَّمَطِ لِأَجْلِ التَّصَاوِيرِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ لَهُ وَقَوْلُهُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا مَا قَدْ عَلِمْت يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ فِي جُمْلَةِ التَّصَاوِيرِ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الرَّقْمَ فِي الثَّوْبِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ «عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَمَاذَا أَذْنَبْت فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ قَالَتْ اشْتَرَيْتهَا لَك تَقْعُدُ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ثُمَّ قَالَ إنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» .
[مَا جَاءَ فِي أَكْلِ الضَّبِّ]
(ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ بَيْتَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ» ؛ لِأَنَّهَا
стр. 2196
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ فَقِيلَ: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ يَدَهُ فَقُلْت: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدُ فَاجْتَرَرْته فَأَكَلْته وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ» (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي الضَّبِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَسْت بِآكِلِهِ وَلَا بِمُحَرِّمِهِ» .
ــ
[المنتقى]
خَالَتُهُمَا «فَإِذَا ضِبَابٌ فِيهَا بَيْضٌ» وَهِيَ مِمَّا يَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ مِنْهَا فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا» لِيَعْلَمَ هَلْ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْهَدِيَّةِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الصَّدَقَةِ أَوْ مِمَّا قَدْ صَارَ لَهُ مِلْكًا أَوْ لِمَنْ يَكُونُ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ هُوَ مُعَرَّضٌ بَعْدُ لِلْبَيْعِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ ﵂: أَهْدَتْهُ لِي أُخْتِي هُزَيْلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَهِيَ أُمُّ حُمَيْدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَرَأَيْتَكَ جَارِيَتَك الَّتِي كُنْت اسْتَأْمَرْتِينِي فِي عِتْقِهَا» يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَيْمُونَةُ لَمْ تَعْلَمْ أَذَلِكَ أَفْضَلُ لَهَا أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اسْتَأْمَرَتْهُ لَمَّا كَانَتْ جَمِيعَ مَا لَهَا حِينَ الِاسْتِئْمَارِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَا لَهَا وَاعْتَقَدَتْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَبْتَلَّ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَا لِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ لِكَوْنِهِ زَوْجَهَا ﷺ .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «أَعْطِيهَا أُخْتَك وَصِلِي بِهَا رَحِمَك تَرْعَى عَلَيْهَا فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَك» وَيُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمُكَافَأَةَ عَلَى مَا بَدَتْ بِهِ مِنْ هَدِيَّتِهَا وَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ لِمَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ زَائِرًا حَتَّى قَدِمَ بِتُحْفَةِ أَنْ يُكَافِئَهُ عَلَى مُوَاصَلَتِهِ بِمَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَرَآهُ أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِهَا؛ لِأَنَّ الصِّلَةَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْعَتَاقَةِ وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتِ شِدَّةٍ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ الْعِتْقُ ضِرَارًا بِالْمُعْتَقِ فَجَعَلَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا وَأَوْصَلُ لِلرَّحِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ فَقِيلَ: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ يَدَهُ فَقُلْت: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدُ فَاجْتَرَرْته فَأَكَلْته وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ» .
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ مَعْنَاهُ مَشْوِيٌّ فَأَهْوَى إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ يُرِيدُ مَدَّ يَدَهُ إلَيْهِ لِيَتَنَاوَلَهُ وَرَأَى بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي الْبَيْتِ أَنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ مِنْهُ نَظَرًا يَعْلَمُ بِهِ مَا يَأْكُلُ وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْدَ الْمَدِينَةِ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِمَّا يَعَافُونَهُ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: هُوَ ضَبٌّ رَفَعَ يَدَهُ فَسَأَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ أَلِتَحْرِيمِهِ فَقَالَ لَا نَفْيًا لِتَحْرِيمِهِ وَلَكِنْ يَعَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِهِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بِمَكَّةَ وَالْحِجَازِ فَأَكَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى إبَاحَتِهِ وَعَلَى إبَاحَتِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مَكْرُوهٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَنَهَاهُ عَنْهُ وَمَنَعَهُ مِنْهُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي الضَّبِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَسْت بِآكِلِهِ وَلَا بِمُحَرِّمِهِ» .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ لَسْت بِآكِلِهِ وَلَا بِمُحَرِّمِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَعَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدْ أَكْلَهُ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَعَافُهُ الْإِنْسَانُ يَحْرُمُ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ الْخُضَرَ الَّتِي لَهَا رَوَائِحُ، وَقَدْ يَعَافُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الْأَلْبَانَ وَالسَّمْنَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ ثُمَّ بَيَّنَ ﷺ أَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْهُ لَيْسَ لِتَحْرِيمِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَحَشَرَاتُ الْأَرْضِ كُلُّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ هِيَ مُحَرَّمَةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ لَمْ يُنَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَلَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَالضَّبُعِ.
стр. 2197
مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْكِلَابِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ «أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ شَنُوءَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَاسًا مَعَهُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ قَالَ أَنْتَ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ» .
مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبًا ضَارِيًا أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» .
مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْغَنَمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ وَالسَّكِينَةُ فِي
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْكِلَابِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا مَعْنَاهُ اتَّخَذَهُ قَالَ مَالِكٌ إنَّمَا ذَلِكَ بِغَيْرِ شِرَاءٍ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ وَغَيْرُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرَى لِمَا يَجِبُ اتِّخَاذُهُ لَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا» يُرِيدُ يَحْفَظُهُ لَهُ قَالَ مَالِكٌ ﵀: لَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِلْمَوَاشِي كُلِّهَا قِيلَ لَهُ فَالنَّخَّاسُونَ الَّذِينَ يُرْتِعُونَ دَوَابَّهُمْ فَيَتَّخِذُونَ الْكِلَابَ قَالَ هِيَ مِنْ الْمَوَاشِي.
(فَصْلٌ) :
قَالَ مَالِكٌ وَأَرَى الْحَدِيثَ لِزَرْعٍ أَوْ ضَرْعٍ لِمَا يَكُونُ مِنْ الْمَوَاشِي فِي الصَّحَارِيِ وَأَمَّا مَا جُعِلَ فِي الدُّورِ فَلَا يُعْجِبُنِي وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُتَّخَذَ لِخَوْفِ اللُّصُوصِ الَّذِينَ يَفْتَحُونَ الْأَبْوَابَ وَيُخْرِجُونَ الدَّوَابَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسْرَحُ مَعَهَا فِي الْمَرْعَى، قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَّخِذَ الْمُسَافِرُ كَلْبًا يَحْرُسُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» وَالْقِيرَاطُ قَدْرٌ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ أَنَّ عَمَلَهُ بِالْبِرِّ يَنْقُصُ فَلَا يَبْلُغُ مِنْهُ مَا كَانَ يَبْلُغُهُ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى عِصْيَانِهِ بِاِتِّخَاذِ كَلْبٍ لَا يُغْنِي عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ أَذَى النَّاسِ وَتَرْوِيعِهِمْ وَالضَّرْعُ مَعْنَاهُ الْمَاشِيَةُ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ ضَرْعٍ وَيَجْرِي إبَاحَةُ اتِّخَاذِهَا لِلصَّيْدِ مَجْرَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اتِّخَاذِهَا لِلزَّرْعِ وَالضَّرْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إلَّا كَلْبًا ضَارِيًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ لِلصَّيْدِ.
وَقَدْ رَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ فِيهِ «إلَّا كَلْبٌ ضَارٍ لِلصَّيْدِ» وَقَالَ فِيهِ «نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ» فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقِيرَاطُ فِي مَوْضِعٍ مَا كَالْمَوْضِعِ الَّذِي يَقِلُّ الِاسْتِضْرَارُ بِهِ وَالْقِيرَاطَانِ فِي مِثْلِ الْمَدِينَةِ وَالْأَمْصَارِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِضْرَارِ بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقِيرَاطُ فِي كَلْبٍ بِعَيْنِهِ وَصِنْفٍ مِنْ الْكِلَابِ يَقِلُّ الِاسْتِضْرَارُ بِهَا وَالْقِيرَاطَانِ فِي صِنْفٍ مِنْ الْكِلَابِ يَكْثُرُ الِاسْتِضْرَارُ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ» .
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُرِيدُ كُلَّ كَلْبٍ اُتُّخِذَ لِغَيْرِ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ قَالَ مَالِكٌ تُقْتَلُ الْكِلَابُ مَا يُؤْذِي مِنْهَا وَمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا كَالْفُسْطَاطِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْإِحْسَانَ إلَيْهَا حَالَ حَيَاتِهَا وَأَنْ يُحْسِنَ قَتْلَتَهَا وَلَا تُتَّخَذُ غَرَضًا وَلَا تُقْتَلُ جُوعًا وَلَا عَطَشًا.
стр. 2198
أَهْلِ الْغَنَمِ» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرُ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلُ طَعَامُهُ، وَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ فَلَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ» ) .
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي أَمْرِ الْغَنَمِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «رَأْسُ الْكُفْرِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مُعْظَمَهُ وَشِدَّتَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «نَحْوَ الْمَشْرِقِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَارِسَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَهْلَ نَجْدٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ ﷺ «وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ» وَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَهْلَ نَجْدٍ وَأَمَّا الْفَدَّادُونَ فَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْجَفَاءِ، قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ سَأَلْت عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي هُمْ أَهْلُ الْجَفَاءِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَدَّادُ ذُو الْمَالِ الْكَثِيرِ وَوَصْفُ أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ بِاسْمِ أَهْلِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَهْلُ الْخُيَلَاءِ وَالْفَخْرِ وَيُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ فَخْرِهِمْ وَخُيَلَائِهِمْ لِلْغِنَى الْمُطْغِي وَقُوَّةِ أَمْوَالِهِمْ وَكَوْنِهَا عَوْنًا لَهُمْ عَلَى مَنْ نَاوَاهُمْ وَحَارَبَهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ» يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَرُّفِ بِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ سَكِينَتِهِمْ لِضَعْفِهَا وَقِلَّةِ اسْتِعَانَةِ أَهْلِهَا بِهَا فِي مُحَارَبَةِ عَدُوٍّ وَمُنَاوَأَتِهِ فَرَغِبُوا فِي الْمُسَالَمَةِ وَتَخَلَّقُوا بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْأَذَى.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ» شُ قَوْلُهُ ﷺ «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَقْرَبَ ذَلِكَ وَوَصَفَهُ بِالْإِسْلَامِ لَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُخْتَصِّينَ بِخَيْرِ الْآخِرَةِ، وَقَوْلُهُ ﷺ «يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ يُرِيدُ أَعَالِيَهَا وَمَوَاقِعَ الْقَطْرَ يُرِيدُ حَيْثُ الْكَلَأُ» وَالْمَاءُ لِمَاشِيَتِهِ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَقَوْلُهُ ﷺ «يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ» يُرِيدُ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا غَيْرُهُ وَخَصَّ الْغَنَمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي صَاحِبِ غَنَمٍ وَأَمَّا صَاحِبُ الْإِبِلِ أَوْ الْخَيْلِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ فَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَافَّ عَنْ الْفِتْنَةِ وَالْمُعْتَزِلَ لِأَهْلِهَا مُقْتَصِرٌ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْفِتْنَةِ وَلَا عَوْنَ مِنْهُ عَلَيْهَا وَمَا يَكَادُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهَا إلَّا مُتَقَلِّلٌ مِنْ الدُّنْيَا، فَأَرْعَنُ الْفِتْنَةِ مُقْتَصِرٌ عَلَى مَا يُبْعِدُهُ عَنْهَا أَوْ يُضْعِفُهُ عَنْ التَّشَوُّفِ إلَيْهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي جَوَازَ الِاعْتِزَالِ عِنْدَ الْفِتْنَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَعَ مَاشِيَتِهِ يَرْعَاهَا وَيَتْبَعُ بِهَا مَوَاقِعَ الْقَطْرِ لَمْ يُمْكِنْهُ غَيْرُ الِاعْتِزَالِ وَالْبَعْدُ عَنْ الْحَوَاضِرِ وَالْقُرَى، قَالَ بُكَيْر بْنُ الْأَشَجِّ أَمَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ لَزِمُوا بُيُوتَهُمْ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمْ يَخْرُجُوا إلَّا إلَى قُبُورِهِمْ وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ حَتَّى يَلْتَزِمَ بَيْتَهُ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ نَعَمْ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ يَكُفُّ بَصَرَهُ وَنَفْسَهُ وَإِيَّاكُمْ وَمَجَالِسَ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهَا تُلْهِي وَتُلْغِي وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَقَدْ حَلَّتْ الْعُزْلَةُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ قَالَ «لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ» يُرِيدُ غَيْرَهُ «بِغَيْرِ إذْنِهِ» عَلَى وَجْهِ الْمَنْعِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَطِيبِ نَفْسِهِ،.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْحَائِطَ فَيَجِدُ الثَّمَرَ سَاقِطًا قَالَ: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ صَاحِبَهُ طَيِّبُ النَّفْسِ بِهِ أَوْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ يُرِيدُ أَنْ يُعْلَمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَسُرُّهُ وَيَسُوءُهُ أَلَّا يَفْعَلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ طِيبِ
стр. 2199
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَقَدْ رَعَى غَنَمًا قِيلَ لَهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَنَا» ) .
مَا جَاءَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ وَالْبَدْءِ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَرَّبُ إلَيْهِ عَشَاؤُهُ فَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَلَا يَعْجَلُ عَنْ طَعَامِهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ) .
ــ
[المنتقى]
نَفْسِهِ عَلَيْهِ وَثِقَتِهِ بِمُرُوءَتِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ خَرَجْنَا إلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة مُرَابِطِينَ فَمَرَرْنَا بِجِنَانِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فَدَخَلْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْ التَّمْرِ فَلَمَّا رَجَعْت دَعَتْنِي نَفْسِي إلَى أَنْ أَسْتَحِلَّهُ فَقَالَ لِي ابْنُ أَخِي لَقَدْ نَسَكْتَ نُسْكًا أَعْجَمِيًّا أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ الشَّيْءَ التَّافِهَ يَسُرُّهُ بِذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا قَدَّمْنَاهُ مِمَّا يُعْتَقَدُ مِنْ طِيبِ نَفْسِ الصَّدِيقِ وَالثَّانِي: لِضَرُورَةٍ مَعَهُ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ مَنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَمَالًا لِغَيْرِهِ أَكَلَ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ وَضَمِنَهُ وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْقَطْعَ فَيَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي أَلْبَانِ الْمَوَاشِي السَّارِحَةِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي بُرْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَكَانُوا يُصِيبُونَ مِنْ الثِّمَارِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ يَأْكُلُ وَلَا يُفْسِدُ وَلَا يَحْمِلُ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي إنْ لَمْ يَكُنْ بِمَعْنَى أَكْلِ الصَّدِيقِ أَوْ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَائِطَ لِذِمِّيٍّ لِمَا فِي مَالِهِ مِنْ حَقِّ الضِّيَافَةِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَافِرِ يَنْزِلُ بِالذِّمِّيِّ لَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِهِ قِيلَ لِمَالِكٍ أَفَرَأَيْت الضِّيَافَةَ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَالَ كَانَ يَوْمَئِذٍ خُفِّفَ عَنْهُمْ ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْمُسَافِرِ مِمَّا يَمُرُّ بِهِ مِنْ الثِّمَارِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ الْمَشْرُبَةُ الْغُرْفَةُ الَّتِي يُخَزِّنُ فِيهَا الرَّجُلُ طَعَامَهُ وَقُوتَهُ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: الْمَشْرُبَةُ هُوَ الْعَسْكَرُ وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ جَمِيعِ مَا يَطُلُّ مِنْ الْحِيطَانِ مِثْلَ الْخَشَبَةِ فَيَأْتِي أَحَدٌ إلَى تِلْكَ الْمَشْرُبَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا فَيَصْعَدُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَأْتِي خِزَانَتَهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ فَيَكْسِرُهَا وَيَذْهَبُ بِمَا فِيهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَتُكْسَرُ خِزَانَتَهُ فَيُنْتَقَلُ طَعَامُهُ» مَحْضُ الْقِيَاسِ وَتَمْثِيلُ مَا فِي ضَرْعِ الْمَاشِيَةِ مِنْ اللَّبَنِ بِمَا فِي الْخِزَانَةِ مِنْ الطَّعَامِ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ قِيَاسَ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ إنَّمَا يَكُونُ لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الِاخْتِزَانُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَقَدْ رَعَى غَنَمًا قِيلَ لَهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَنَا» جَاءَ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا لِمَا يَحْتَمِلُ مِنْ التَّخْصِيصِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومَ فَبَيَّنَ هُوَ ﷺ قَصْدَ الْعُمُومِ وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ رِعَايَةَ الْأَنْبِيَاءِ الْغَنَمَ إنَّمَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ وَالتَّدْرِيبِ فِي رِعَايَةِ أُمَمِهِمْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِيَأْخُذُوا بِحَظٍّ مِنْ التَّوَاضُعِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي جَعَلَتْ لِأَهْلِ الْغَنَمِ السَّكِينَةَ وَلِذَلِكَ خُصَّ الْأَنْبِيَاءُ بِرَعْيِهَا دُونَ رَعْيِ سَائِرِ الْمَوَاشِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ وَالْبَدْءِ بِالْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵁ كَانَ لَا يَعْجَلُ عَنْ عَشَائِهِ مَعَ سَمَاعِهِ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْلُوَ بَالُهُ لِصَلَاتِهِ فَلَا يُعْجِلُهُ عَنْهَا وَلَا يَشْغَلُهُ فِيهَا حَاجَتُهُ إلَى الطَّعَامِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْحَابٌ قَدْ وَضَعُوا عَشَاءَهُمْ فَيَشْتَغِلُ عَنْهُمْ بِصَلَاتِهِ فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِهِمْ وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي يَذْهَبُ طِيبُهُ وَيَتَغَيَّرُ إذَا بَرَدَ كَالثَّرِيدِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ.
وَرُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ
стр. 2200
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ فَقَالَ: انْزِعُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ» ) .
ــ
[المنتقى]
ﷺ كَانَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَدُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ آكِلًا وَحْدَهُ وَأَمِنَ أَنْ يَشْغَلَهُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ وَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «انْزِعُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ» يَقْتَضِي أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ سَمْنٍ جَامِدٍ وَلَوْ كَانَ ذَائِبًا لَمْ يَتَمَيَّزْ مَا حَوْلَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ جَامِدًا نَجِسَ مَا جَاوَرَهَا بِنَجَاسَتِهَا وَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّهَارَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَكُونُ سَائِرُ ذَلِكَ حَلَالًا طَيِّبًا وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَائِبًا كَالزَّيْتِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَإِنْ أَمِنَ أَنْ يَكُونَ سَالَ مِنْهَا فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَوْتَهَا فِيهِ يُنَجِّسُهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا أُخْرِجَتْ الْفَأْرَةُ مِنْ الزَّيْتِ حِينَ مَاتَتْ فِيهِ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا شَيْءٌ فِيهِ وَلَكِنِّي أَخَافُ فَلَا أُحِبُّ أَنْ آكُلَهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَرَى أَنَّ لِمَوْتِ الْحَيَوَانِ فِي الزَّيْتِ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ مَزِيَّةً فِي تَنْجِيسِهِ وَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ حَكَمَ بِنَجَاسَتِهِ لَمَّا خَافَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ فِي الزَّيْتِ وَالْقَوْلَانِ فِيهِمَا نَظَرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْتَ عَرَضٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي طَهَارَةٍ وَلَا نَجَاسَةٍ وَلَا يُوصَفُ بِهَا وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَيَوَانِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ أَشَدَّ نَجَاسَةً مِنْ الْمَيْتَةِ، وَقَدْ يَحْسُنُ الزَّيْتُ بِمُجَاوَرَتِهِ وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَزَادَ فِيهِ «، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» وَقَالَ فِيهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَعْمَرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ «، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَانْتَفِعُوا بِهِ وَاسْتَصْبِحُوا» فَإِنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ هَذَا الدُّهْنُ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَفِي كِتَابِ السِّيَرِ لِابْنِ سَحْنُونٍ رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْجِبَابِ الَّتِي بِالشَّامِ لِلزَّيْتِ تَمُوتُ فِيهِ الْفَأْرَةُ إنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ الزَّيْتَ وَلَيْسَ الزَّيْتُ كَالْمَاءِ فِي هَذَا وَكَذَلِكَ سَمِعْت.
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي ثَمَانِيَتِهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ أَوْ الدَّجَاجَةُ فِي الْبِئْرِ وَهِيَ مَيْتَةٌ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى الْمَاءِ وَإِلَى مَا سَقَطَتْ فِيهِ زَيْتًا كَانَ أَوْ سَمْنًا أَوْ شَرَابًا فَإِذَا كَانَ كَثِيرًا وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ وَلَا طَعْمُهُ وَلَا رِيحُهُ أُزِيلَ عَنْهُ مَا فِي الْمَيْتَةِ ثُمَّ كَانَ سَائِرُهُ حَلَالًا طَيِّبًا هَذَا إنْ وَقَعَتْ فِيهِ مَيْتَةٌ وَلَوْ مَاتَتْ فِيهِ لَكَانَ نَجِسًا وَإِنْ كَثُرَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ جِبَابِ الزَّيْتِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ فَكَرِهَ ذَلِكَ الزَّيْتَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَائِعَاتِ كُلِّهَا غَيْرَ الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَائِعَاتُ تَحْتَمِلُ النَّجَاسَاتِ وَلَا تُنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ لَوَجَبَ أَنْ تَطْهُرَ بِهَا النَّجَاسَةُ كَالْمَاءِ لَمَّا احْتَمَلَ النَّجَاسَةَ وَلَمْ يُنَجَّسْ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ طَهُرَتْ النَّجَاسَةُ مِنْ الْجَسَدِ أَوْ الثَّوْبِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ لِقِلَّتِهِ أَوْ مَعَ كَثْرَتِهِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فَهَلْ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ فَإِنْ طُبِخَ ثُمَّ ظَهَرَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ قَدْ تَفَسَّخَتْ وَهِيَ مِنْ مَاءِ الْبِئْرِ الَّذِي طُبِخَ بِمَائِهَا فَأَمَرَ مَالِكٌ أَنْ يُغْلَى وَيُتَمَّ طَبْخُهُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ أَجَازَ بَيْعَهُ وَالِادِّهَانَ بِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ أَصْبَغُ فِي الْكَثِيرِ وَرَأَى أَنَّ فِي الْيَسِيرِ لَا ضَرَرَ فِيهِ أَنْ يُطْرَحَ وَيُوقَدَ بِهِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ إنَّمَا خَفَّفَهُ مَالِكٌ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي مَاءِ الْبِئْرِ تَمُوتُ فِيهِ الْفَأْرَةُ وَلَا تُغَيِّرُهُ وَعِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا فِي زَيْتٍ تَمُوتُ فِيهِ الْفَأْرَةُ؛ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ لَمْ تَمُتْ فِي الْبِئْرِ إنَّمَا مَاتَتْ فِي مَاءِ الْبِئْرِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ فَرَّغَ عَشْرَ جِرَارِ سَمْنٍ فِي زِقَاقٍ ثُمَّ وَجَدَ فِي جَرَّةٍ مِنْهَا فَأْرَةً يَابِسَةً وَلَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ الزِّقَاقِ فَرَّغَهَا أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُ جَمِيعِ الزِّقَاقِ وَبَيْعُهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ آخَرُ يَمْنَعُ غَسْلَهُ فَأَمَّا
стр. 2201
مَا يُتَّقَى مِنْ الشُّؤْمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنْ كَانَ فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ يَعْنِي الشُّؤْمَ» مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِمٍ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ وَالْمَالُ وَافِرٌ فَقَلَّ الْعَدَدُ وَذَهَبَ الْمَالُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعُوهَا ذَمِيمَةً» )
ــ
[المنتقى]
اعْتِبَارُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَوْتَهَا فِي الْمَاءِ دُونَ أَلْبَانٍ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُنَجَّسَ الْمَاءُ لِمَوْتِ الْفَأْرَةِ فِيهِ عَلَى تَسْلِيمِ هَذَا لَهُ ثُمَّ تُنَجَّسُ الْأَلْبَانُ بِمُخَالَطَتِهِ إيَّاهُ فَإِذَا جَازَ غَسْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَطْهِيرُهُ بِالطَّبْخِ بِالْمَاءِ فَكَذَلِكَ الزَّيْتُ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ بِغَسْلِهِ أَنَّهُ يَتَمَيَّزُ مِنْ الْمَاءِ فَجَازَ غَسْلُهُ كَالثَّوْبِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَائِعٌ فَلَا يَصِحُّ غَسْلُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ كَالْعَسَلِ وَالْخَلِّ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْت: يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَالِادِّهَانُ بِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ أَوْ كَانَ غَيْرَ مَغْسُولٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي جِبَابِ الزَّيْتِ إذَا وَقَعَتْ بِهِ مَيْتَةٌ لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى غَسْلَهُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الزَّيْتِ النَّجِسِ يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ لِلْمُتَحَفِّظِ مِنْ نَجَاسَتِهِ وَيُعْمَلُ مِنْهُ الصَّابُونُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي شَيْءٍ وَلَوْ طَرَحَهُ فِي الْكِرْبَاسِ يُرِيدُ الِانْتِفَاعَ بِهِ لِكَرَاهِيَتِهِ لَهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِهِ» وَقَالَ إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا فَأَبَاحَ الِانْتِفَاعَ وَمَنَعَ مِنْ الْأَكْلِ مَعَ النَّجَاسَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ «انْزِعُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ» فَأَمَرَ بِطَرْحِ مَا نَجِسَ مِنْ السَّمْنِ وَكَذَلِكَ بِمَنْعِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ «، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ خَفَّفَ مَالِكٌ أَنْ يُدْهَنَ بِهِ النِّعَالُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَتُغْسَلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ يَرَى أَنَّ غَسْلَ الزَّيْتِ يُطَهِّرُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُدْهَنُ النِّعَالُ بِالزَّيْتِ لِتَبْقَى فِيهَا رُطُوبَةٌ، وَإِذَا كَانَ الزَّيْتُ نَجِسًا لَمْ تَطْهُرْ النِّعَالُ مَا دَامَ بَقِيَ فِيهَا بَقِيَّةٌ مِنْ الزَّيْتِ النَّجِسِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ قَدْ طَهُرَتْ بِالْغَسْلِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَوَى ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الزَّيْتِ إذَا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ تُغْسَلُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَعْتَنِي بِذَلِكَ وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْأَلْبَانِ.
وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي فَأْرَةٍ وُجِدَتْ يَابِسَةً فِي زَيْتٍ: إنَّ ذَلِكَ خَفِيفٌ وَيُبْسُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ صَبُّوا عَلَيْهَا الزَّيْتَ وَهِيَ يَابِسَةٌ لَمْ تَمُتْ فِيهِ.
(فَرْعٌ) وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ مَالِكٍ حَالَ نَجَاسَتِهِ مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا نَصْرَانِيٍّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَعَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إلَّا ابْنَ وَهْبٍ فَإِنَّهُ أَجَازَ بَيْعَهُ إذَا بُيِّنَ وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي مَنْعِ بَيْعِ مَا يُنَجَّسُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْخَمْرِ: «إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَطْعُومِ حَرُمَ شُرْبُهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُهُ كَالْخَمْرِ فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ رُدَّ وَلَوْ فَاتَ الزَّيْتُ لَزِمَ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
[مَا يُتَّقَى مِنْ الشُّؤْمِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إنْ كَانَ فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ» وَقَوْلُهُ
стр. 2202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ﷺ يَعْنِي الشُّؤْمَ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إنْ كَانَ النَّاسُ يَعْتَقِدُونَ الشُّؤْمَ فَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ يُرِيدُ أَنَّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَقِيلَ: إنَّ مَعْنَاهُ إنْ كَانَ لِلشُّؤْمِ حُكْمٌ ثَابِتٌ فَإِنَّمَا هُوَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ فَوَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى التَّجْوِيزِ وَوَرَدَ الْحَدِيثُ الثَّانِي عَلَى الْقَطْعِ بِهِ وَالْإِثْبَاتِ لَهُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي يُجْرِي الْعَادَةَ فِي دَارٍ أَنَّ مَنْ سَكَنَهَا مَاتَ وَقَلَّ مَالُهُ وَتَوَالَتْ عَلَيْهِ الرَّزِيَّاتُ وَالْمَصَائِبُ وَأَجْرَى الْعَادَةَ أَيْضًا فِي دَارٍ أُخْرَى بِخِلَافِ ذَلِكَ دُونَ أَنْ يَكُونَ لِلدَّارِ فِي ذَلِكَ صُنْعٌ أَوْ تَأْثِيرٌ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْرِيَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ بِأَنَّ مَنْ تَزَوَّجَهَا تَقْرُبُ وَفَاتُهُ وَيَقِلُّ مَالُهُ وَتَكْثُرُ حَوَائِجُهُ، وَأَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَيْضًا فِي امْرَأَةٍ أُخْرَى بِخِلَافِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ فَذَكَرَ مِثْلَ هَذَا وَتَوَالَى لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ اعْتِقَادِ النَّاسِ لِذَلِكَ.
وَرُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ أَقْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ» أَوْ عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى جَعَلَهُ عَادَةً جَارِيَةً كَمَا أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنَّ مَنْ شَرِبَ السُّمَّ مَاتَ وَمَنْ قُطِعَ رَأْسُهُ مَاتَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ مَا يَكُونُ مِنْ حَالِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ،.
وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ مَالِكٌ فَقَالَ تَفْسِيرُهُ فِيمَا أَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - كَمْ مِنْ دَارٍ قَدْ سَكَنَهَا نَاسٌ فَهَلَكُوا ثُمَّ سَكَنَهَا آخَرُونَ فَهَلَكُوا ثُمَّ سَكَنَهَا آخَرُونَ فَهَلَكُوا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ دَارٌ سَكَنَّاهَا وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ وَالْمَالُ وَافِرٌ فَقَلَّ الْعَدَدُ وَذَهَبَ الْمَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَجُّعِ مِنْ أَمْرِ الدَّارِ وَمَا ثَبَتَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْهَا وَاعْتَقَدُوهُ مِنْ حَالِهَا وَالسُّؤَالُ عَمَّا يَجُوزُ مِنْ اجْتِنَابِهَا إذْ هُوَ أَمْرٌ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِي مِثْلِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَلَّ مَا لَهُمْ بِهَا لِجَدْبِهَا وَقِلَّةِ خِصْبِهَا أَوْ وَخَامَتِهَا وَقِلَّةِ نَمَاءِ مَاشِيَتِهِمْ بِهَا وَقَلَّ عَدَدُهُمْ لِقِلَّةِ مَالِهِمْ أَوْ لِوَخَامَةِ الْبَلَدِ وَقَوْلُهُ ﷺ «دَعُوهَا ذَمِيمَةً» مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ارْحَلُوا عَنْهَا وَاتْرُكُوهَا مَذْمُومَةً وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَذْمُومَةً لِمَا وَصَفُوهَا بِهِ مِنْ التَّشَاؤُمِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ إبَاحَةَ رَحِيلِهِمْ عَنْهَا لِأَجْلِ مَا جَرَى لَهُمْ فِيهَا وَذَمِّهِمْ لَهَا بِذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﵎ وَأَنَّ مَا قَدَّرَهُ نَافِذٌ لَعَلَّهُ قَدْ قَدَّرَ بِانْتِقَالِهِمْ عَنْهَا تَأْخِيرَ آجَالِهِمْ وَبَقَاءَ أَمْوَالِهِمْ كَمَا يَجُوزُ لِلْفَارِّ مِنْ الْأَسَدِ أَنْ يَفِرَّ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا مَنْجَا مِنْ الْقَدْرِ وَلَكِنْ لَعَلَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّرَ السَّلَامَةَ فِي الْفِرَارِ مِنْهُ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الطَّاعُونِ إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ» ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْجُو أَحَدٌ مِنْ الْقَدْرِ وَلَا يُجَاوِزُ الْأَجَلَ وَلَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّرَ السَّلَامَةَ فِي التَّوَقُّفِ عَنْهُ وَمَنَعَ الْمُقِيمَ بِبَلَدِ الطَّاعُونِ أَنْ يَفِرَّ عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالَ وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ» «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ قَالَ لَهُ كُنَّا نَتَطَيَّرُ قَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ» فَمَنَعَ مِنْ التَّطَيُّرِ بِمَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ مِنْ طَائِرٍ أَوْ سَانِحٍ أَوْ بَارِحٍ.
وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ كُنْت عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَمَرَّ طَائِرٌ يَصِيحُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ خَيْرٌ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا عِنْدَ هَذَا خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ، وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ التَّطَيُّرِ وَيَعِيبُونَهُ قَالَ الْمُرَقَّشُ
وَلَقَدْ غَدَوْت وَكُنْت لَا ... أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَائِمِ
فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَا ... مِنْ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمِ
فَعَلَى هَذَا مَا يَجْرِي مِنْ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ مِنْهَا أَمْرٌ ثَابِتٌ فِي عَيْنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ فَإِذَا
стр. 2203
مَا يُكْرَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَلِقْحَةٌ تُحْلَبُ مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا اسْمُك فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ مُرَّةُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا اسْمُك فَقَالَ حَرْبٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا اسْمُك فَقَالَ يَعِيشُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اُحْلُبْ» )
ــ
[المنتقى]
كَثُرَ الضَّرَرُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَبْدُو مِنْ الشُّؤْمِ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ فَلِلْإِنْسَانِ تَرْكُهُ وَالْبُعْدُ عَنْهُ إمَّا لِيُزِيلَ مَا يَقَعُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْبَقَاءِ عَلَيْهِ أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ بِالِاسْتِضْرَارِ فِيهِ فَيَبْعُدُ عَنْ ذَلِكَ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا يَطْرَأُ مِنْ الضَّرَرِ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ غَيْرِ مُتَّصِلٍ مِثْلَ الطَّاعُونِ يَقَعُ بِبَلَدٍ فَهَذَا لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَفِرَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ بِهِ ضَرَرٌ إلَيْهِ وَإِنَّمَا يَخَافُ ضَرَرًا مُسْتَقْبَلًا وَلَا يَقْدُمُ الْخَارِجُ عَنْهُ عَلَيْهِ لِظُهُورِ الضَّرَرِ بِهِ وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ مَا يُتَطَيَّرُ بِهِ مِنْ الطَّيْرِ وَالْغِطَاسِ وَالسَّانِحِ وَالْبَارِحِ وَأَقْوَالِ الْكُهَّانِ فَهَذَا لَا يَجِبُ أَنْ يُعْرَجَ عَلَيْهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ شَيْءٍ وَلَا يَبْعَثُ عَلَى آخَرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الْعَيْنِ تَأْثِيرٌ مُعْتَادٌ وَلَا نَادِرٌ وَلَا أَمْرٌ مُطَّرِدٌ ثَابِتٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْأَيَّامُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي شُؤْمٍ وَلَا سَعَادَةٍ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْحِجَامَةِ وَالِاطِّلَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَيْسَ يَوْمٌ إلَّا وَقَدْ احْتَجَمْتُ فِيهِ وَلَا أَكْرَهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا حِجَامَةً وَلَا اطِّلَاءً وَلَا نِكَاحًا وَلَا سَفَرًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ الْخُرُوجِ وَالسَّفَرِ.
[مَا يُكْرَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ لِلَّذِي أَرَادَ حَلْبَ النَّاقَةِ مَا اسْمُك يَحْتَمِلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يَعْرِفَ اسْمَهُ لِيَدْعُوَهُ بِهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْمُرَهُ أَوْ يَنْهَاهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّفَاؤُلَ فَلَمَّا قَالَ لَهُ حَرْبٌ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا الِاسْمَ وَكَانَ يَكْرَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ مَا قَبُحَ مِنْهَا.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَيَّرَ اسْمَ ابْنَةٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ اسْمُهَا عَاصِيَةً فَسَمَّاهَا جَمِيلَةً» وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ أَبَاهُ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ مَا اسْمُك قَالَ حُزْنٌ قَالَ لَهُ أَنْتَ سَهْلٌ قَالَ لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ﵁ فَمَا زَالَتْ الْحُزُونَةُ فِينَا بَعْدُ» وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الطِّيَرَةِ الْمَمْنُوعَةِ أَنَّ الطِّيَرَةَ لَيْسَ فِي لَفْظِهَا وَلَا فِي مَنْظَرِهَا شَيْءٌ مَكْرُوهٌ وَلَا مُسْتَبْشَعٌ وَإِنَّمَا يُعْتَقَدُ أَنَّ عِنْدَ لِقَائِهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ يَكُونُ الشُّؤْمُ وَيَمْتَنِعُ الْمُرَادُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ فَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ مَكْرُوهَةٌ قَبِيحَةٌ يُسْتَبْشَعُ ذِكْرُهَا وَسَمَاعُهَا وَيُذَكِّرُ بِمَا يُحْذَرُ مِنْ مَعَانِيهَا فَاسْمُ حَرْبٍ يُذَكَّرُ بِمَا يُحْذَرُ مِنْ الْحَرْبِ وَكَذَلِكَ مُرَّةُ فَتَكْرَهُهُ النُّفُوسُ لِذَلِكَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «أُحِبُّ الْفَأْلَ قِيلَ لَهُ وَمَا الْفَأْلُ قَالَ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ» وَهِيَ الَّتِي تُذْكَرُ بِمَا يَرْجُوهُ مِنْ الْخَيْرِ فَتُسَرُّ بِهِ النَّفْسَ وَرُبَّمَا كَانَ بِمَعْنَى الْبِشَارَةِ بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنْ الْخَيْرِ وَلِذَلِكَ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ طَلَعَ سُهَيْلُ بْنُ عُمَرَ، وَقَدْ سُهِّلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ فَكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ » .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمَنْعُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَسْمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَبِيحِ الْأَسْمَاءِ كَحَرْبٍ وَحُزْنٍ وَمُرَّةَ وَالثَّانِي مَا فِيهِ تَزْكِيَةٌ مِنْ بَابِ الدِّينِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ زَيْنَبَ كَانَ اسْمُهَا بُرَّةَ فَقِيلَ تُزَكِّي نَفْسَهَا فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ وَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 2204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
نَهَانِي عَنْ هَذَا الِاسْمِ وَسُمِّيت بُرَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَسَمَّى الرَّجُلُ بِيَاسِينَ وَلَا بِمَهْدِيٍّ وَلَا بِجِبْرِيلَ قِيلَ لَهُ فَالْهَادِي قَالَ هَذَا أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الْهَادِيَ هَادِي الطَّرِيقِ.
وَرُوِيَ عَنْ كُرَيْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسْمُهَا بُرَّةُ فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ» وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بُرَّةَ فَتَعَلَّقَ الْمَنْعُ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْكِيَتِهَا نَفْسَهَا بِمَا تَسَمَّتْ بِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لِهُجْنَةِ اللَّفْظِ فِي قَوْلِهِمْ عَنْهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بُرَّةَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُسَمِّيَ رَقِيقَنَا بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ أَفْلَحَ وَرَبَاحٍ وَيَسَارٍ وَنَافِعٍ» .
وَرُوِيَ عَنْهُ وَلَا نُجَيْحًا مَكَانَ نَافِعٍ، وَقَالَ فَإِنَّك تَقُولُ أَثَمَّ هُوَ فَلَا يَكُونُ ثَمَّ فَيَقُولُ لَا فَأَشَارَ إلَى مَعْنَى التَّفَاؤُلِ بِأَنْ يَقُولَ لَيْسَ هُنَا يَسَارٌ أَوْ لَيْسَ هُنَا أَفْلَحُ أَوْ لَيْسَ هُنَا رَبَاحٌ.
وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى أَنْ يُسَمَّى بِمُقْبِلٍ وَبِبَرَكَةَ وَأَفْلَحَ وَيَسَارٍ وَنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْته سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قُبِضَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ» ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ.
وَقَدْ رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ النَّهْيَ وَإِنَّمَا هُوَ نَهْيٌ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ لِلَّفْظِ وَيُحْتَمَلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ سَمُرَةَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالتَّغْيِيرِ لِاسْمِ مَنْ كَانَ سُمِّيَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا غَيَّرَ مِنْ الْأَسْمَاءِ مَنْ أَرَادَ الْأَخْذَ فِيهِ بِالْأَفْضَلِ دُونَ مَنْ أَرَادَ حَمْلَهُ عَلَى الْجَائِزِ، وَلِذَلِكَ أَقَرَّ حُزْنًا عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ الِاسْتِمْسَاكِ بِاسْمِهِ وَرَضِيَهُ وَكَرِهَ تَغْيِيرَهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا لَمْ يُقِرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَلِذَلِكَ أَقَرَّ حَرْبًا وَمُرَّةَ عَلَى أَسْمَائِهِمَا وَلَمْ يَأْمُرْهُمَا بِتَغْيِيرِهِمَا مَعَ كَرَاهِيَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَدْ تُمْنَعُ التَّسْمِيَةُ مَعَ تَحْرِيمٍ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّعَاظُمِ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوصَفَ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَشْنَعُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ » قَالَ سُفْيَانُ تَفْسِيرُهُ شاهان شاه.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَدْ مُنِعَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَكْتَنِيَ أَحَدٌ بِكُنْيَتِهِ وَرَوَى سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ» وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي» فَنَهَى عَنْ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدٌ أَحَدًا بِأَبِي الْقَاسِمِ وَنَهَى أَنْ يُكْتَنَى أَحَدٌ بِهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «نَادَى رَجُلٌ رَجُلًا بِالْبَقِيعِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَمْ أَعْنِك إنَّمَا دَعَوْت فُلَانًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي» وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ عُدِمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَلِذَلِكَ يَكُنِّي النَّاسُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذِهِ الْكُنْيَةِ فَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ مَعَهُمْ قَالَ مَالِكٌ ﵀ وَمَا عَلِمْت بَأْسًا أَنْ يُسَمَّى مُحَمَّدًا وَيُكَنَّى بِأَبِي الْقَاسِمِ قَالَ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَتَحَدَّثُونَ مَا مِنْ بَيْتٍ فِيهِ اسْمُ مُحَمَّدٍ إلَّا رَأَوْا خَيْرًا وَرُزِقُوا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا اسْمُك فَقَالَ يَعِيشُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اُحْلُبْ» فَهَذَا عَلَى مَعْنَى التَّفَاؤُلِ بِحُسْنِ الِاسْمِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ» وَلَا يَجْرِي هَذَا مَجْرَى الطِّيَرَةِ؛ لِأَنَّ الْفَأْلَ إنَّمَا هُوَ لِاسْتِحْسَانِ اسْمٍ يَتَضَمَّنُ نَجَاحًا أَوْ مَسَرَّةً أَوْ تَسْهِيلًا فَتَطِيبُ النَّفْسُ لِذَلِكَ
стр. 2205
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ مَا اسْمُك قَالَ جَمْرَةُ قَالَ ابْنُ مَنْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ مِمَّنْ قَالَ مِنْ الْحُرَقَةِ قَالَ أَيْنَ مَسْكَنُك قَالَ بِحَرَّةِ النَّارِ قَالَ بِأَيِّهَا قَالَ بِذَاتِ لَظًى فَقَالَ عُمَرُ أَدْرِكْ أَهْلَك فَقَدْ احْتَرَقُوا قَالَ فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) .
ــ
[المنتقى]
وَيَقْوَى الْعَزْمُ عَلَى مَا قَدْ عَزَمَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا يَفْجَأُ مِنْ الْكَلَامِ دُونَ مَا يَتَرَقَّبُ سَمَاعَهُ وَيَقْدَمُ مِنْ أَجْلِهِ عَلَى مَا فَعَلَ أَوْ يَرْجِعُ مِنْ أَجْلِهِ عَنْ أَمْرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ [المائدة: ٣] وَالْأَزْلَامُ قِدَاحٌ كَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَتَّخِذُهَا فِي أَحَدِهَا افْعَلْ وَفِي الثَّانِي لَا تَفْعَلْ فَإِذَا أَرَادَتْ فِعْلَ شَيْءٍ اسْتَقْسَمَتْ بِهَا وَذَلِكَ بِأَنْ تُجِيلَهَا ثُمَّ تُلْقِيَهَا فَإِنْ خَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي فِيهِ افْعَلْ أَقْدَمْت عَلَى الْفِعْلِ، وَإِنْ خَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي فِيهِ لَا تَفْعَلْ امْتَنَعْت مِنْهُ عَلَى حَسْبِ مَا رُوِيَ عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إذْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ فِي سَفَرِ هِجْرَتِهِمَا إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ فَرَفَعْتُهَا يَعْنِي فَرَسَهُ حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ وَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْت عَنْهَا فَقُمْت فَأَهْوَيْت بِيَدِي إلَى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْت مِنْهُ الْأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْت بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَرَكِبْت فَرَسِي وَعَصَيْت الْأَزْلَامَ حَتَّى إذَا سَمِعْت قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتْ الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْت عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتهَا وَاسْتَقْسَمْت بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَنَادَيْتُمْ بِالْأَمَانِ.
(فَرْعٌ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ رِقَاعٌ يُكْتَبُ فِيهَا مِثْلُ ذَلِكَ وَتُطْوَى ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ وَيُقْرَأُ مَا فِيهَا، وَقَدْ كَانَ يُحِبُّ بِحَالٍ فَإِذَا وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ مَا اقْتَضَى الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ، وَإِذَا وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى اقْتَضَى النَّهْيَ عَنْ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْخَطِّ، وَقَدْ يَكُونُ بِكَتِفٍ يُؤْخَذُ مِنْ شَاةٍ فَيُنْظَرُ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِقُرْعَةٍ وَأَنْوَاعُهَا كَثِيرٌ، وَقَدْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ فِي النُّجُومِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ يَكُونُ بِزَجْرِ الطَّيْرِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعُطَاسِ غَيْرَ أَنَّ زَجْرَ الطَّيْرِ وَالْعُطَاسَ قَدْ يَقَعُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَقُّبٍ لَهُ لَكِنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ يَقُومُ مَقَامَ التَّرَقُّبِ لَهُ وَهَذَا كُلُّهُ مَمْنُوعٌ بِالشَّرْعِ وَإِنَّمَا أَبَاحَ الشَّرْعُ عِبَارَةَ الرُّؤْيَا عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَأَمَّا الْخَطُّ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] قَالَ هُوَ الْخَطُّ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ بُعِثَ نَبِيٌّ بِالْخَطِّ وَهَذِهِ كُلُّهَا أُمُورٌ ضِعَافٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا يَصِحُّ فِيهَا أَثَرٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا غَيْرِهِ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا وَأَمَّا مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَرَفَ مَنْ اسْمُهُ مُرَّةُ وَحَرْبٌ عَنْ حَلْبِ الشَّاةِ وَأَمْضَى حَلْبَهَا لِمَنْ اسْمُهُ يَعِيشُ» فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى كَرَاهِيَةِ اسْمٍ وَاسْتِحْسَانِ اسْمٍ وَلَمْ يَتَشَبَّثْ بِذَلِكَ إلَى عِلْمِ مَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ وَلَا إلَى قُوَّةِ الْعَزْمِ عَلَيْهِ وَلَا لِلْإِضْرَابِ عَنْهُ وَإِنَّمَا اخْتَارَ حُسْنَ اسْمٍ كَمَا يُخْتَارُ جَمَالُ الْمَرْأَةِ عَلَى امْرَأَةٍ قَبِيحَةٍ وَيُخْتَارُ نَظِيفُ الثِّيَابِ عَلَى قَبِيحِهَا وَيُخْتَارُ حُسْنُ الزِّيِّ وَطِيبُ الرَّائِحَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ فَاعْلَمْ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُنَافِي التَّجَمُّلَ وَالتَّجَمُّلُ مَشْرُوعٌ فِيهِ وَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي الْأَسْمَاءِ وَغَيْرِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ أَفْضَلِ الْأَسْمَاءِ مَا فِيهِ الْعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ بِغَيْرِهَا فَسَمَّى حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَقَالَ: إنَّهُ سَمَّاهُمَا بِأَسْمَاءِ ابْنَيْ هَارُونَ النَّبِيِّ ﷺ شِبْرٍ وَشُبَيْرٍ» وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ سَمِعْت أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فِيهِ اسْمُ مُحَمَّدٍ إلَّا رُزِقُوا رِزْقَ خَيْرٍ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ مَا اسْمُك قَالَ جَمْرَةُ قَالَ ابْنُ مَنْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ مِمَّنْ قَالَ مِنْ الْحُرَقَةِ قَالَ أَيْنَ مَسْكَنُك قَالَ بِحَرَّةِ النَّارِ قَالَ بِأَيِّهَا قَالَ بِذَاتِ لَظًى فَقَالَ عُمَرُ أَدْرِكْ أَهْلَك فَقَدْ احْتَرَقُوا قَالَ فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) .
(ش) : قَوْلُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لِجَمْرَةَ بْنِ شِهَابٍ لَمَّا قَالَ لَهُ: إنَّهُ مِنْ الْحُرَقَةِ وَإِنَّ مَسْكَنَهُ بِحَرَّةِ النَّارِ وَبِذَاتِ لَظًى مِنْهَا أَدْرِكْ أَهْلَك فَقَدْ احْتَرَقُوا فَكَانَ كَمَا قَالَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ عَلَى مَعْنَى التَّفَاؤُلِ لِسَمَاعِهِ، وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَ هَذَا
стр. 2206
مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ وَإِجَارَةِ الْحَجَّامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» ) .
ــ
[المنتقى]
الرَّجُلِ قَبْلَ ذَلِكَ مِمَّا احْتَرَقَ أَهْلُهُ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ يُلْقِيهِ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْمُتَفَائِلِ عِنْدَ سَمَاعِ الْفَأْلِ مِنْ السُّرُورِ بِالشَّيْءِ وَقُوَّةِ رَجَائِهِ فِيهِ أَوْ التَّوَجُّعِ مِنْ الشَّيْءِ وَشِدَّةِ حَذَرِهِ مِنْهُ يَظُنُّ ذَلِكَ وَيُلْقِيهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِهِ، وَقَدْ وَافَقَ ذَلِكَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَكُونُ بَعْضُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مُوَافَقَةً مِنْ بَعْضٍ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «يَكُونُ مُحَدِّثُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوحَى إلَيْهِمْ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ فَعُمَرُ» .
[مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ وَإِجَارَةِ الْحَجَّامِ]
(ش) : قَوْلُهُ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاحْتِجَامِ وَقَوْلُهُ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ وَاسْمُهُ نَافِعٌ وَقِيلَ دِينَارٌ وَقِيلَ مَيْسَرَةُ مَوْلَى مُحَيِّصَةُ وَقَوْلُهُ «فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ» عَلَى مَعْنَى الْإِجَارَةِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ» وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَهَلْ يُحْلَقُ مَوْضِعُ الْمَحَاجِمِ مِنْ الْقَفَا وَوَسَطِ الرَّأْسِ فَقَالَ: إنِّي لَأَكْرَهَهُ وَمَا أَرَاهُ حَرَامًا وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْخِطْمِيُّ وَيَحْتَجِمَ وَفِي كِتَابِ الْحَجِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهِيَةَ إنَّمَا تَنْصَرِفُ إلَى حَلْقِ الْقَفَا وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ يَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ زِيِّ النَّاسِ وَكَانَ مَالِكٌ يَعْتَمِدُ فِي الزِّيِّ وَالْهَيْئَةِ عَلَى مَا أَدْرَكَ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْ سَلَفِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَفِي الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَفِيهِ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ دَاخِلَةٌ فِي الزِّيِّ وَاللِّبَاسِ فَهُمْ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْبِلَادِ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا فَرُبَّمَا تَعَلَّقُوا بِبَعْضِ زِيِّهِمْ وَرُبَّمَا أَخَرَجَ إلَى ذَلِكَ اخْتِلَافُ هَوَاءٍ فِي الْبِلَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنْ كَانَ دَوَاءٌ يَبْلُغُ الدَّاءَ فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إنْ كَانَ دَوَاءٌ يَبْلُغُ الدَّاءَ فَإِنَّ الْحِجَامَةَ تَبْلُغُهُ» عَلَى مَعْنَى التَّحْقِيقِ لِلتَّدَاوِي بِهَا وَذَلِكَ فِي دَاءٍ مَخْصُوصٍ يَكُونُ سَبَبُهُ كَثْرَةَ الدَّمِ.
وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ» .
وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «عَنْ ابْنِ مُحَيِّصَةُ الْأَنْصَارِيِّ أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي إجَارَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قَالَ اعْلِفْهُ نُضَّاحَكَ يَعْنِي رَقِيقَك» ) .
(ش) : مَا رُوِيَ أَنَّهُ «اسْتَأْذَنَ ابْنُ مُحَيِّصَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي إجَارَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا» يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إبَاحَتِهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَتَكَرَّمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْضَى تِلْكَ الْكَرَاهِيَةَ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ سُؤَالِ مُحَيِّصَةُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنَعَ مِنْهُ لِمَعْنًى كَانَ فِيهِ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَنْعُ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَإِنْ كَانَ طَعَامًا لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَيَقِّنَ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ مَا كَانُوا يُعْطُونَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فِي الْأُجْرَةِ طَعَامًا وَرُبَّمَا نَالَتْهُ نَجَاسَةٌ أَوْ شَكٌّ فِي نَجَاسَتِهِ بِمَا يُحَاوِلُهُ مِنْ الدَّمِ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَارْتَابَ السَّيِّدُ فِي سَلَامَتِهِ مِنْ ذَلِكَ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَأَمَّا أُجْرَةُ الْحَجَّامِ فَبَاحَ أَكْلُهَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ سَأَلْت رَبِيعَةَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَقَالَ
стр. 2207
مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ إلَى الْمَشْرِقِ يَقُولُ: هَا إنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا إنَّ الْفِتْنَةَ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» ) .
ــ
[المنتقى]
لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَ لِلْحَجَّامِينَ سُوقٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁ وَلَوْلَا أَنْ يَأْنَفَ رِجَالٌ لَأَخْبَرْتُك بِآبَائِهِمْ كَانُوا حَجَّامِينَ قَالَ اللَّيْثُ وَسَأَلْت يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ فَقَالَ: رَأَيْت النَّاسَ فِيمَا مَضَى يَأْكُلُونَهُ بِكُلِّ أَرْضٍ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا نَهَتْهُ الْأَئِمَّةُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَمْ يَكْرَهْهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَإِنَّمَا يَعَافُهُ مَنْ تَنَزَّهَ عَلَى وَجْهِ التَّكَرُّمِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَتَنَزَّهُ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُحَيِّصَةُ إنَّمَا كَرَّرَ السُّؤَالَ عَنْهُ اتِّقَاءَ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ أَنْ يَلْحَقَهُ بِذَلِكَ وَصْمَةٌ أَوْ مَعْنَى تَثَلُّمِ مُرُوءَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى كَرَاهِيَةِ أَجْرِ الْحَجَّامِ وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَاحْتُجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مَا يَحِلُّ لِلْعَبْدِ أَكْلُهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِلْأَحْرَارِ كَأُجْرَةِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ كَسْبِهِ أَوْ بَعْضُهُ ثَمَنَ الدَّمِ وَبِأَنَّ بَيْعَ دَمِ مَا يَفْصِدُهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ كَالْعَبْدِ يَبِيعُهُ إنْ كَانَ كَافِرًا يَسْتَحِلُّ ذَلِكَ وَسَيِّدُهُ مُسْلِمٌ فَنُهِيَ عَنْ كَسْبِهِ إذَا لَمْ يُتَيَقَّنْ سَلَامَةُ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ نَهْيٌ عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَأُجْرَةُ الْحَجَّامِ لَيْسَتْ بِثَمَنٍ لِلدَّمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً قَبْلَ الْعَمَلِ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ غَالِبًا بِأَجْرٍ مَجْهُولٍ وَهَذَا أَيْضًا لَا تَعَلُّقَ فِيهِ إلَّا بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ الصَّانِعُ إلَّا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ مُسَمًّى وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَمَلِ بِالْقِيمَةِ فَقَالَ لَا أُحِبُّهُ وَلَا يَصْلُحُ فِي جُعْلٍ وَلَا إجَارَةٍ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ يُرِيدُ أَنْ يُعْقَدَ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ عَقْدُ إجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ فَأَمَّا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَلَا بَأْسَ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْخَيَّاطِ الْمُخَالِطِ لِي لَا يَكَادُ يُخَالِفُنِي أَسَتَخِيطُهُ الثَّوْبَ فَإِذَا فَرَغَ رَاضَيْته عَلَى أُجْرَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِمُشَارَطَةِ الْحَجَّامِ عَلَى الْحِجَامَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ يُرِيدُ أَنَّ مُحَيِّصَةُ كَرَّرَ سُؤَالَهُ وَاسْتِئْذَانَهُ لَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مَا يَأْخُذُ إلَّا مَا كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ ثُمَّ لَا يَتَيَقَّنُ تَوَقِّيَهُ فَهُوَ لَا يَعْلَمُ سَلَامَتَهُ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَعْلِفَهُ نَاضِحَهُ.
وَقَالَ الْخَلِيلُ النَّاضِحُ الْجَمَلُ الَّذِي يُسْقَى الْمَاءَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ النَّاضِحُ الرَّقِيقُ وَيَكُونُ فِي الْإِبِلِ وَحَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى الرَّقِيقِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَا جَازَ لِلْعَبِيدِ أَكْلُهُ جَازَ لِلْأَحْرَارِ أَكْلُهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَا جَاءَ فِي الْمَشْرِقِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «وَهُوَ يُشِيرُ إلَى الْمَشْرِقِ: هَا إنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هُنَاكَ يَكُونُ مُعْظَمُهَا وَابْتِدَاؤُهَا أَوْ يُشِيرُ إلَى فِتْنَةٍ مَخْصُوصَةٍ يُحَذِّرُ مِنْهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ حِزْبَهُ وَأَهْلَ وَقْتِهِ وَزَمَنِهِ وَالْقَرْنُ مِنْ النَّاسِ أَهْلُ زَمَانٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قُوَّتَهُ وَسِلَاحَهُ وَعَوْنَهُ عَلَى الْفِتْنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْعِرَاقِ فَقَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ لَا تَخْرُجْ إلَيْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ بِهَا تِسْعَةَ أَعْشَارِ السِّحْرِ وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ) .
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ فِي الْعِرَاقِ تِسْعَةَ أَعْشَارِ السِّحْرِ يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ السِّحْرَ كَانَ مُعْظَمُهُ بِبَابِلَ وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ فَأَخْبَرَ أَنَّ مُعْظَمَهُ هُنَاكَ وَقَوْلُهُ وَبِهَا فَسَقَةُ الْجِنِّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَجَدَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الَّتِي قَرَأَهَا فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ وَقَوْلُهُ وَبِهَا الدَّاءُ الْعُضَالُ
стр. 2208
مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَمَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ» مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَائِبَةَ مَوْلَاةٍ لِعَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ إلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ» )
ــ
[المنتقى]
يُرِيدُ الَّذِي يُعْيِي الْأَطِبَّاءَ أَمْرُهُ وَهَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ مُحَاوَلَتُهُ مِنْ أَمْرِ دِينٍ أَوْ دُنْيَا.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ مَالِكٍ الدَّاءُ الْعُضَالُ الْهَلَاكُ فِي الدِّينِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ هِيَ الْبِدَعُ فِي الْإِسْلَامِ وَمَعْنَى هَذَا إنْ صَحَّ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَقَدْ سَكَنَ الْكُوفَةَ أَفَاضِلُ الصَّحَابَةِ وَمِنْ الْعَشَرَةِ كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْبَدْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ - وَلَوْ كَانَ هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ وَمَنْعِ كَعْبٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ التَّوَجُّهِ إلَى الْعِرَاقِ لَأَخْلَاهَا عُمَرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَأَشْفَقَ عَلَى تَغَيُّرِ أَدْيَانِهِمْ، وَلَكِنَّ عُمَرَ ﵁ إنْ كَانَ صَحَّ قَوْلُ كَعْبٍ لَهُ فَقَدْ تَأَوَّلَهُ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ أَنَّهُمْ سَأَلُوا مَالِكًا عَنْ تَفْسِيرِ الدَّاءِ الْعُضَالِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ ضَلَّلَ النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ بِالْإِرْجَاءِ وَبِنَقْضِ السُّنَنِ بِالرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّاوُدِيُّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ سَلِمَ مِنْ الْغَلَطِ وَثَبَتَ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ فِي وَقْتِ حَرَجٍ اضْطَرَّهُ لِشَيْءٍ ذُكِرَ لَهُ عَنْهُ مِمَّا أَنْكَرَهُ فَضَاقَ بِهِ صَدْرُهُ فَقَالَ ذَلِكَ، وَالْعَالِمُ قَدْ يَحْضُرُهُ ضِيقُ صَدْرٍ فَيَتَقَوَّلُ مَا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْهُ بَعْدَ وَقْتٍ إذَا زَالَ غَضَبُهُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا ﵁ عَلَى مَا يُعْرَفُ مِنْ عَقْلِهِ وَعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ وَدِينِهِ وَإِمْسَاكِهِ عَنْ الْقَوْلِ فِي النَّاسِ إلَّا بِمَا يَصِحُّ عِنْدَهُ وَثَبَتَ لَمْ يَكُنْ لِيُطْلِقَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ وَمِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ شُهِرَ إكْرَامُ مَالِكٍ لَهُ وَتَفْضِيلُهُ إيَّاهُ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَالِكًا ذَكَرَ أَبَا حَنِيفَةَ بِالْعِلْمِ بِالْمَسَائِلِ وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْهُ أَحَادِيثَ وَأَخَذَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُوَطَّأَ وَهُوَ مِمَّا أَرْوِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَبْدِ بْنِ أَحْمَدَ ﵁، وَقَدْ شُهِرَ تَنَاهِي أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْعِبَادَةِ وَزُهْدُهُ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ اُمْتُحِنَ وَضُرِبَ بِالسَّوْطِ عَلَى أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ فَامْتَنَعَ، وَمَا كَانَ مَالِكٌ لِيَتَكَلَّمَ فِي مِثْلِهِ إلَّا بِمَا يَلِيقُ بِفَضْلِهِ وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ مَالِكًا تَكَلَّمَ فِي أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ قَوْمًا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُيُوبٌ فَبَحَثُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ فَذَكَرَ النَّاسُ لَهُمْ عُيُوبًا وَأَدْرَكْت بِهَا قَوْمًا كَانَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ سَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ فَسَكَتَ النَّاسُ عَنْ عُيُوبِهِمْ فَمَالِكٌ يُزَهِّدُ النَّاسَ عَنْ الْعُيُوبِ وَمِنْ أَيْنَ يَبْحَثُ فِي عُيُوبِ النَّاسِ وَكَيْفَ يَذْكُرُ الْأَئِمَّةَ بِمَا لَا يَلِيقُ بِفَضْلِهِ، وَقَدْ ذَكَرْت فِي كِتَابِ فِرَقِ الْفُقَهَاءِ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنْتُ وُجُوهَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الْحَيَّاتِ وَمَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ]
(ش) : «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ» حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِحَيَّاتِ الْبُيُوتِ دُونَ غَيْرِهَا، قَالَ مَالِكٌ لَا تُنْذَرُ فِي الصَّحَارَى وَلَا تُنْذَرُ إلَّا فِي الْبُيُوتِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَحُكْمُ حَيَّاتِ الْجُدُرِ حُكْمُ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤْخَذَ بِذَلِكَ فِي بُيُوتِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَةَ الْبُيُوتِ مِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَيَكُونُ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْبُيُوتِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعَهْدِ وَلَا خِلَافَ إنْ كَانَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا بُيُوتُ
стр. 2209
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَيْفِيٍّ مَوْلَى بَنِي أَفْلَحَ عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «دَخَلْت عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَوَجَدْته يُصَلِّي فَجَلَسْت أَنْتَظِرُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ فَسَمِعْت تَحْرِيكًا تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِهِ فَإِذَا حَيَّةٌ فَقُمْت لِأَقْتُلَهَا فَأَشَارَ إلَيَّ أَبُو سَعِيدٍ أَنْ اجْلِسْ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ فَقُلْت نَعَمْ قَالَ إنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ فَتًى حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْخَنْدَقِ فَبَيْنَمَا هُوَ بِهِ إذْ أَتَاهُ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أُحْدِثُ بِأَهْلِي عَهْدًا فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ خُذْ عَلَيْك سِلَاحَك فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْك بَنِي قُرَيْظَةَ فَانْطَلَقَ الْفَتَى إلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَائِمَةً بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَأَهْوَى إلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا وَأَدْرَكَتْهُ غَيْرَةٌ فَقَالَتْ لَا تَعْجَلْ حَتَّى تَدْخُلَ وَتَنْظُرَ مَا فِي بَيْتِك فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِحَيَّةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى فِرَاشِهِ فَرَكَزَ فِيهَا رُمْحَهُ ثُمَّ خَرَجَ بِهَا فَنَصَبَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ الْحَيَّةُ فِي رَأْسِ الرُّمْحِ وَخَرَّ الْفَتَى مَيِّتًا فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْفَتَى أَمْ الْحَيَّةُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
الْمَدِينَةِ لَكِنَّ مَالِكًا ﵀ حَمَلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَهُ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ فِي بُيُوتِ الْمَدِينَةِ أَوْجَبَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَا تُنْذَرُ الْحَيَّاتُ إلَّا بِالْمَدِينَةِ خَاصَّةً عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهَا عِنْدَهُ لِلْعَهْدِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَاللَّفْظُ عَامٌّ فِي الْحَيَّاتِ لِإِضَافَتِهَا إلَى الْبُيُوتِ فَهُوَ عَامٌّ فِي حَيَّاتِ تِلْكَ الْبُيُوتِ عَلَى الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «إلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ» وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ وَهُوَ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهِ خَطَّانِ مِثْلَ الطُّفْيَتَيْنِ وَهُوَ الْخُوصَتَانِ رَوَاهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَمَّا الْأَبْتَرُ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ هُوَ الْأَفْعَى.
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الْأَبْتَرُ مِنْ الْحَيَّاتِ صِنْفٌ أَزْرَقُ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ لَا تَنْظُرُ إلَيْهِ حَامِلٌ إلَّا أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ دُونَ الْإِنْذَارِ إلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يُقْتَلَانِ فِي الْبُيُوتِ دُونَ إنْذَارٍ كَمَا يُقْتَلُ حَيَّاتُ الصَّحَارَى دُونَ إنْذَارٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ ذَلِكَ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ لَا يَتَصَوَّرُ فِي صُوَرِهِنَّ لِأَذَاهُنَّ بِنَفْسِ الرُّؤْيَةِ لَهُنَّ وَإِنَّمَا يَتَصَوَّرُ مُؤْمِنُو الْجِنِّ فِي صُورَةِ مَنْ لَا تَضُرُّ رُؤْيَتُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «نَهْيٌ عَنْ قَتْلِ جِنَانِ الْبُيُوتِ» فَإِنَّهَا تَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ قَالَ عِيسَى يُرِيدُ عَمَارَ الْبُيُوتِ، وَقَالَ نِفْطَوَيْهِ الْجِنَانُ الْحَيَّاتُ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الْجِنَانُ مَسْخُ الْجِنِّ كَمَا مُسِخَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ قِرَدَةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَتْلُ النَّمْلِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الدُّودِ وَالنَّمْلِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لِلْحَلَالِ وَسُئِلَ عَنْ النَّمْلِ يُؤْذِي فِي السَّقْفِ فَقَالَ إنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تُمْسِكُوا عَنْهَا فَافْعَلُوا، وَإِنْ أَضَرَّتْ بِكُمْ وَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَى تَرْكِهَا فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَنْ قَتَلَهَا فِي سَعَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَتْلُ الضَّفَادِعِ فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَتْلُ الْوَزَغِ فَكَذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَتْلُ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ بِالنَّارِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ ذَلِكَ قَالَ وَهَذَا مِثْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَيْفِيٍّ مَوْلَى بَنِي أَفْلَحَ عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «دَخَلْت عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَوَجَدْته يُصَلِّي فَجَلَسْت أَنْتَظِرُهُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ فَسَمِعْت تَحْرِيكًا تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِهِ فَإِذَا حَيَّةٌ فَقُمْت لِأَقْتُلَهَا فَأَشَارَ إلَيَّ أَبُو سَعِيدٍ أَنْ اجْلِسْ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ فَقُلْت نَعَمْ قَالَ إنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ فَتًى حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْخَنْدَقِ فَبَيْنَمَا هُوَ بِهِ إذْ أَتَاهُ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أُحْدِثُ بِأَهْلِي عَهْدًا فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ خُذْ عَلَيْك سِلَاحَك فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْك بَنِي قُرَيْظَةَ فَانْطَلَقَ الْفَتَى إلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَائِمَةً بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَأَهْوَى إلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا وَأَدْرَكَتْهُ غَيْرَةٌ فَقَالَتْ لَا تَعْجَلْ حَتَّى تَدْخُلَ وَتَنْظُرَ مَا فِي بَيْتِك فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِحَيَّةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى فِرَاشِهِ فَرَكَزَ فِيهَا رُمْحَهُ ثُمَّ خَرَجَ بِهَا فَنَصَبَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ الْحَيَّةُ فِي رَأْسِ الرُّمْحِ وَخَرَّ الْفَتَى مَيِّتًا فَمَا يُدْرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا الْفَتَى أَمْ الْحَيَّةُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» ) .
(ش) : قَوْلُ الْفَتَى «يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي أُحْدِثُ بِأَهْلِي عَهْدًا» يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ امْتِثَالًا لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] وَأَرَادَ الْفَتَى أَنْ يُحْدِثَ بِأَهْلِهِ عَهْدًا لِيُطَالِعَ أَمْرَهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ
стр. 2210
مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ الْكَلَامِ فِي السَّفَرِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَمِنْ كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَمِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْمَالِ
ــ
[المنتقى]
نَظَرٍ فِي مَعِيشَةٍ وَفِي إصْلَاحِ ضَيْعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَحَذَّرَهُ مِنْ يَهُودِ قُرَيْظَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى نَفْسِهِ سِلَاحَهُ لِئَلَّا يَغْتَالُوهُ فِي طَرِيقِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَأَهْوَى إلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا وَأَدْرَكَتْهُ غَيْرَةٌ يُحْتَمَلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحِجَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْحِجَابِ وَلَكِنَّهُ وَجَدَهَا مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَالٍ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَتُهُ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِأَنَّ أَشَدَّ مَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ غَيْرَةً حَالَ شَبَابِهِ بِأَثَرِ عُرْسِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ إذَا كَبِرَ الرَّجُلُ ذَهَبَ حُسَامُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ لَا تَعْجَلْ حَتَّى تَدْخُلَ وَتَنْظُرَ مَا فِي بَيْتِك عَلَى مَعْنَى إظْهَارِ عُذْرِهَا فِيمَا أَتَتْهُ فَدَخَلَ الْفَتَى فَوَجَدَ الْحَيَّةَ فَرَكَّزَ فِيهَا رُمْحَهُ ثُمَّ نَصَبَهُ فِي الدَّارِ فَاضْطَرَبَتْ الْحَيَّةُ وَخَرَّ الْفَتَى مَيِّتًا فَجَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ مَقْتُولًا مِنْ أَجْلِ الْحَيَّةِ وَقَوِيَ هَذَا التَّجْوِيزُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ «إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا» فَظَاهِرُ هَذَا تَجْوِيزُهُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْحَيَّةُ مِنْهُمْ وَخُصَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إمَّا لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُمْ الَّذِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا مِنْ بَنِي آدَمَ فَأَعْلَمَهُمْ بِحُكْمِهِمْ مَعَ جِنٍّ قَدْ أَسْلَمُوا وَأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ بَنُو آدَمَ مِنْ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ فَسَيَكُونُ حُكْمُهُ مَعَ مُسْلِمِي الْجِنِّ مِثْلَ ذَلِكَ وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّهُ لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنْ الْجِنِّ غَيْرَ جِنِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ جِنُّ سَائِرِ الْبِلَادِ فَسَيَكُونُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ هَذَا الْحُكْمَ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فَإِنَّمَا خَصَّ الْمَدِينَةَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَقْصُورٌ عَلَيْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يُرَوْنَ فِي صُوَرِ الْحَيَّاتِ فَيَلْزَمُ أَنْ يُؤْذَنُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ أَرَى أَنْ يُنْذَرُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يُنْظَرُ إلَى ظُهُورِهَا، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي الْيَوْمِ مِرَارًا يُرِيدُ أَنْ يُنْذَرُوا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا يُتَحَرَّى بِإِنْذَارِهِمْ ثَلَاثَ مِرَارٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَالَ مَالِكٌ يُجْزِي مِنْ الْإِنْذَارِ أَنْ يَقُولَ اُخْرُجْ عَلَيْك بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَبْدُوَ لَنَا أَوْ لِذُرِّيَّتِنَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا» يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا حُكْمُ الْمَدِينَةِ فِي الْبُيُوتِ وَغَيْرِهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ بِحَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَيَّاتِ «مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ عَادَيْنَاهُنَّ وَمَنْ يَتْرُكُهُنَّ خَوْفَ شَرِّهِنَّ فَلَيْسَ مِنَّا» وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ مَعْنَى ذَلِكَ الْعَدَاوَةُ حِينَ أُخْرِجَ آدَم مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْحَيَّاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُتَصَوِّرَةٍ مِنْ الْجِنِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُتَصَوِّرَةَ مِنْ الْجِنِّ مِمَّا لَمْ يُؤْمِنْ أَوْ مَنْ هُوَ مِنْ الشَّيَاطِينِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ الشَّيَاطِينَ جِنْسٌ مِنْ الْجِنِّ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» يُحْتَمَلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي قَتْلِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إلَى الِانْتِصَارِ مِنْكُمْ.
следующие страницы →