← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَاءَ بِرِقَّتِهِ مَعَ دِقَّةِ الْخَاتَمِ يَصِلُ إلَى مَا تَحْتَهُ مِنْ الْبَشَرَةِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَحْرِيكِهِ فَعَلَى هَذَا لَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ فِيمَنْ يُلْصِقُ بِذِرَاعَيْهِ قَدْرَ الْخَيْطِ مِنْ الْعَجِينِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَهُ فَيُصَلِّي بِذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يَلْزَمُهُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِهِ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بُدَّ مِنْ التَّخْلِيلِ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَأَمَّا أَصَابِعُ الرِّجْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهَا وَذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ تَعَلَّقَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا تَوَضَّأْت فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ إمْرَارُ الْيَدَيْنِ عَلَى مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ عَلَى أَنَّ حَكَّ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ فِي الْيَدَيْنِ يُجْزِي عَنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ التَّخْلِيلَ أَفْضَلُ وَأَمَّا عَفْوُهُمْ عَنْ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ فِي جَوَازِ تَرْكِ إمْرَارِ الْيَدِ عَلَى أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ فِي الْوُضُوءِ. وَقَدْ أَشَارَ مَالِكٌ إلَى إبْدَاءِ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ أَصَابِعَ الرِّجْلَيْنِ مُلْتَصِقَةٌ لَا يَظْهَرُ مَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِي لِحْيَتِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ وَهُوَ مِثْلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَيُؤَكِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَإِنْ تَرَكَهُ فِي ذَلِكَ فِي غُسْلِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ أَوْ تَرَكَ تَخْلِيلَ لِحْيَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَقَدْ نَصُّوا عَلَى وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى مَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْبَشَرَةِ الَّتِي تَحْتَ اللِّحْيَةِ أَنَّ مَا بَيْنَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ مَسْتُورٌ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَبَشَرَةُ الْوَجْهِ سَاتِرُهَا طَارِئٌ فَانْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَيْهِ. [بَابُ بَيَان حَدِّ الرَّأْسِ] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ يُرِيدُ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ فَقَالَ قَوْمٌ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِقْبَالَ هُوَ إلَى قَفَاهُ وَالْإِدْبَارَ إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُد مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّهُ بَدَأَ بِنَاصِيَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ بِيَدَيْهِ إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ أَدْبَرَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى نَاصِيَتِهِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ فَيَصِيرُ الْإِقْبَالُ مُتَبَعِّضًا وَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ وَسَطِ رَأْسِهِ حَتَّى انْتَهَى إلَى وَجْهِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ سُنَّةَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَنْ يَبْدَأَ بِطَرَفِهَا فَيَجِبُ أَنْ يُجْرَى الرَّأْسُ مَجْرَاهَا فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ إنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي رُتْبَةً وَإِنَّهُ قَدَّمَ الْإِقْبَالَ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ مُؤَخَّرٌ فِي الْعَمَلِ وَهَذَا أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ. (فَصْلٌ) : وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ يَقْتَضِي ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ حَدَّهُ وَإِيصَالَ الْمَاءِ إلَيْهِ وَاسْتِيعَابَهُ. (بَابُ بَيَانِ حَدِّ الرَّأْسِ) . أَمَّا حَدُّهُ فَهُوَ مَنَابِتُ شَعْرِهِ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ إلَى آخِرِ مَنَابِتِ شَعْرِهِ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَفِي الْعَرْضِ مَا بَيْنَ الصُّدْغَيْنِ وَهُوَ حَدُّ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُضَافِ إلَى الرَّأْسِ مِمَّا يَلِيهِمَا. وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّ شَعْرَ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ يَدْخُلُ فِي الْمَسْحِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي مَا فَوْقَ الْعَظْمِ مِنْ حَيْثُ يَعْرُضُ الصُّدْغُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَحْلِقُهُ الْمُحْرِمُ وَأَمَّا مَا دُونَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ شَعْرُ الْعَارِضَيْنِ مِنْ الْخِفَّةِ بِحَيْثُ لَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ لَزِمَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] هَذَا يَقْتَضِي عِنْدَهُ أَنَّ الْعَارِضَ مِنْ الْوَجْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي مِنْ مَوْضِعِ الْعَظْمِ وَحَيْثُ يَبْتَدِئُ نَبَاتُ الشَّعْرِ بِعَرْضٍ مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ. [بَابُ كَيْفِيَّةِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الرَّأْسِ فِي الْوُضُوء إلَيْهِ] ١

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بَابُ كَيْفِيَّةِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ) . وَأَمَّا إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فَهُوَ أَنْ يَنْقُلَ بَلَلَ الْمَاءِ بِيَدِهِ وَلَا يُجْزِيهِ أَنْ يُمِرَّ يَدَيْهِ جَافَّتَيْنِ عَلَى بَلَلِ رَأْسِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَسْحٍ بِالْمَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مَسْحٌ بِيَدٍ حَكَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَاَلَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالْمَطَرِ يَنْصِبُ يَدَيْهِ لِلْمَطَرِ فَيَمْسَحُ بِالْبَلَلِ رَأْسَهُ وَأَمَّا الْغُسْلُ فَيُجْزِئُهُ فِيهِ أَنْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى جَسَدِهِ بِمَا صَارَ فِيهِ مِنْ مَاءِ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَسْحَ يَسِيرٌ فَإِذَا كَانَ عَلَى الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ لَمْ يَكُنْ الْمَاسِحُ مَاسِحًا بِالْمَاءِ وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي الْيَدِ كَانَ مَاسِحًا بِالْمَاءِ وَأَمَّا الْغَسْلُ يَتَعَلَّقُ بِالْيَدِ وَيَنْصَرِفُ مَعَهَا عَلَى أَعْضَاءِ الْغَسْلِ كَانَ فِي الْيَدِ مَاءٌ أَوْ لَا لِكَثْرَتِهِ فَيَكُونُ غَاسِلًا بِالْمَاءِ وَمُبَاشَرَةُ الْمَمْسُوحِ بِالْمَاءِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْمَسْحِ فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْغَسْلِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ يُجْزِيهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْخُفَّيْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ وَزِيَادَةٍ مَمْنُوعَةٍ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَرَّرَ مَسْحَ الرَّأْسِ. [بَابُ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ مَسْحًا] ١ وَأَمَّا اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ فَهُوَ الْفَرْضُ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ يُجْزِي مَسْحُ أَكْثَرِهِ فَإِنْ تَرَكَ الثُّلُثَ أَجْزَأَهُ وَحَكَى الْعُتْبِيُّ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ مَنْ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ الثُّلُثِ أَجْزَاهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَاجِبُ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَقَالَ أَيْضًا قَدْرُ النَّاصِيَةِ وَهُوَ رُبُعُ الرَّأْسِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْفَرْضُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَلِأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّ اسْمَ الرَّأْسِ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَنْطَلِقُ إلَّا عَلَى ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَمَا زَادَ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَهَذَا يَقْتَضِي مَسْحَ الرَّأْسِ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إنَّمَا يَقَعُ حَقِيقَةً عَلَى جَمِيعِهِ دُونَ بَعْضِهِ وَقَدْ أُمِرَ بِمَسْحِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ فَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَثَّرَتْ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا بِصُوفٍ أَوْ شَعْرٍ لَمْ يُجْزِ أَنْ تَمْسَحَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى شَعْرِهَا مِنْ أَجْلِهِ وَإِنْ وَصَلَ فَإِنَّمَا يَصِلُ إلَى بَعْضِهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمُسْتَرْسِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْرَارُ الْيَدَيْنِ أَمْ لَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ لَا يُمْسَحُ مِنْهُ إلَّا مَا حَاذَى الْمَمْسُوحَ مِنْ الرَّأْسِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُمْسَحُ جَمِيعُهُ إلَى أَطْرَافِ الشَّعْرِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ شَعْرٌ نَابِتٌ عَلَى مَحَلٍّ تَجِبُ مُبَاشَرَتُهُ بِالْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ فَوَجَبَ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَيْهِ كَشَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَسُنَّةُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ دُونَ تَكْرَارِهِ ثَلَاثًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ يَقِلُّ الْمَاءُ فَيَكُونُ مَرَّتَيْنِ وَيَكْثُرُ فَيَكُونُ مَرَّةً وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّكْرَارِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ اسْتِئْنَافِ أَخْذِ الْمَاءِ لِمَا بَقِيَ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُكَرَّرُ مَسْحُ الرَّأْسِ ثَلَاثًا كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّ عُدُولَهُ فِيهِ عَنْ التَّكْرَارِ الَّذِي فَعَلَهُ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْحُكْمَيْنِ وَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ أَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ فَلَيْسَ مِمَّا اخْتَلَفَا فِيهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَكْرَارُ مَسْحٍ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي تَكْرَارِ مَسْحِ مَا قَدْ مُسِحَ مِنْهُ بِمَاءٍ قَدْ يُسْتَأْنَفُ اغْتِرَافُهُ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْجَلَّابِ إنَّ قَوْلَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ لَا تَكْرَارَ فِيهِ وَلَكِنْ ذَهَبَ بِهِمَا أَوَّلًا وَاضِعًا يَدَيْهِ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ رَافِعًا كَفَّيْهِ عَنْ فَوْدَيْهِ ثُمَّ رَدَّهُمَا رَافِعًا يَدَيْهِ عَنْ وَسَطِ رَأْسِهِ وَوَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَوْدَيْهِ لِيَتِمَّ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ فِي الْمَرَّتَيْنِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مَمْسُوحٌ فِي الطَّهَارَةِ فَلَمْ يُسَنَّ فِيهِ التَّكْرَارُ كَالتَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : مَسْحُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ وَلَيْسَ بِبَدَلٍ فَمَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَلَقَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ خِلَافًا لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ مِنْ الْأَصْلِ فَكَانَ أَصْلًا فِي الطَّهَارَةِ كَالْبَشَرَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «غَسَلَ رِجْلَيْهِ» يَقْتَضِي وُجُوبَ غَسْلِهِمَا لِأَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ وَبِهَذَا قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَدَاوُد إنَّ الْفَرْضَ التَّخْيِيرُ فِي الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيِّ وَعَاصِمٍ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ إنَّهُ إذَا وَجَبَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ وَجَبَ مَسْحُهَا لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالْجَرِّ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ مِنْ التَّخْيِيرِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَفِي الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ نَهْيٌ عَنْ الْمَسْحِ كَمَا أَنَّ فِي الْأَمْرِ بِالْمَسْحِ نَهْيًا عَنْ الْغَسْلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ بِهِمَا يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْأَمْرَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَيُصْرَفُ تَعَيُّنُهُ إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ فَكِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَدَّعُونَهُ مِنْ التَّخْيِيرِ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْقِرَاءَتَيْنِ جَمِيعًا يَنْفِي التَّخْيِيرَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيَ عَنْهُ إذَا وَرَدَا عَلَى وَجْهٍ فَلَمْ يُعْلَمْ الْآخَرُ مِنْ الْأَوَّلِ فَيُحْمَلُ أَنَّهُ نَاسِخٌ لَهُ حَمْلًا عَلَى التَّخْيِيرِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ بَلْ إذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ عُلِمَ الْآخَرُ مِنْهُمَا أَوْ لَمْ يُعْلَمْ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى التَّارِيخِ أَوْ إلَى أَنْ يُنْظَرَ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ إنْ جُهِلَ أَمْرُهُ عَلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مَتَى تَمَكَّنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَلْ تُحْمَلُ قِرَاءَةُ الْجَرِّ عَلَى الْجِوَارِ وَهُوَ كَثِيرٌ سَائِغٌ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣] وَالْحُورُ الْعِينُ لَا يُطَافُ بِهِنَّ وَلَكِنْ يَطُفْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ كَالْوِلْدَانِ. وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ حَفِيفُ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيدٍ مُعَجَّلِ وَقَالَ النَّابِغَةُ لَمْ يَبْقَ إلَّا أَسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ... أَوْ مُوثَقٍ فِي حِبَالِ الْقِدِّ مَسْلُوبِ فَخَفَضَ أَوْ مُوثَقٍ عَلَى الْجِوَارِ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا يَلْزَمُكُمْ أَيْضًا فَإِنَّ قِرَاءَةَ النَّصْبِ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْعَطْفُ عَلَى مَوْضِعِ الرَّأْسِ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ النَّصْبُ وَذَلِكَ مَشْهُورٌ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَالَ الشَّاعِرُ مُعَاوِي إنَّنَا بَشَرٌ فَاسْجَحْ ... فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ لَا يَجُوزُ لَكُمْ إيرَادُهُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الْغَسْلِ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الْمَوْضِعِ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ جَرٍّ وَفِي مَعْنَى مَا يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ كَقَوْلِك مَرَرْت بِزَيْدٍ وَعَمْرًا فَمَعْنَاهُ لَقِيَتْ زَيْدًا وَعَمْرًا وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إلَّا بِحَرْفِ جَرٍّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى مَوْضِعِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ. وَجَوَابٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الْمَوْضِعِ لَا يَجُوزُ إلَّا حَيْثُ لَا يُشْكِلُ وَذَلِكَ يُجَوِّزُ أَنْ تَقُولَ مَرَرْت بِزَيْدٍ وَعَمْرًا لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَا يَصِحُّ أَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ عَلَى اللَّفْظِ

стр. 39

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْثِرْهُ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» ) . ــ [المنتقى] وَلَوْ قُلْت رَأَيْت زَيْدًا وَمَرَرْت بِعَمْرٍو وَخَالِدًا وَأَنْتَ تُرِيدُ الْعَطْفَ عَلَى مَوْضِعِ عَمْرٍو لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حِينَئِذٍ عَلَى أَيِّهِمَا تُرِيدُ عَطْفَهُ وَوَجْهٌ آخَرُ فِي الْعَطْفِ وَهُوَ أَنَّ الْغَسْلَ قَدْ يُسَمَّى مَسْحًا لِأَنَّ الْمَسْحَ خَفِيفُ الْغَسْلِ حَكَى ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ قَالَ وَلِذَلِكَ يُقَالُ تَمَسَّحْت لِلصَّلَاةِ بِمَعْنَى تَوَضَّأْت فَيَجُوزُ لِذَلِكَ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى الرَّأْسِ فَيَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْغَسْلَ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ وَالْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ مَتَى اشْتَرَكَا فِي لَفْظِ مَا يُعْطَفُ بِهِ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ جَازَ الْعَطْفُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَعْنَى يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي لَفْظِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مِنْ الْبَارِي تَعَالَى بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو كَامِلٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ قَالَ أَبُو كَامِلٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ «تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا وَنَادَى وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ عُضْوٌ مَنْصُوصٌ عَلَى حِدَةٍ فَكَانَ فَرْضُهُ فِي الْوُضُوءِ الْغَسْلَ كَالْيَدَيْنِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ تَرْفَعُ الْحَدَثَ فَكَانَ فَرْضُ الرِّجْلَيْنِ فِيهَا الْغَسْلَ كَالطَّهَارَةِ الْكُبْرَى أَمَّا هُمْ فَاحْتَجَّ مَنْ نَصَّ قَوْلَهُمْ بِمَا رَوَاهُ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى كِظَامَةَ قَوْمٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ» وَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الصَّحِيحِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِلَّةٌ إلَّا اجْتِمَاعَ الرُّوَاةِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ فِيهِ لَقَالُوا وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَجَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِأَنَّ مَنْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ خُفًّا فِيهِ رِجْلُهُ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ ضَرَبَ رِجْلَهُ وَيُقَالُ أَخَذْت بِعَضُدِ زَيْدٍ وَإِنَّمَا أَخَذْت بِثَوْبِهِ مِنْ فَوْقِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْغَسْلَ وَسَمَّاهُ مَسْحًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَنَحْمِلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَنَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ رِجْلَيْهِ لَجَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ لِعِلَّةٍ مَانِعَةٍ مِنْ الْغَسْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْكَعْبَيْنِ اللَّذَيْنِ إلَيْهِمَا حَدُّ الْغَسْلِ فِي الْوُضُوءِ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فِي ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُمَا النَّاتِئَانِ فِي جَانِبَيْ السَّاقَيْنِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْ مَالِكٍ وَهِيَ الْأَظْهَرُ. (ش) : وَقَوْلُهُ «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ يُرِيدُ الْمَاءَ» وَكَذَلِكَ هُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ هُوَ وَضْعُ الْمَاءِ فِي الْأَنْفِ وَجَذْبُهُ بِالنَّفَسِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي ذَلِكَ مُسْتَحَبَّةٌ لِغَيْرِ الصَّائِمِ وَأَمَّا الصَّائِمُ فَمَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِصَوْمِهِ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ «ثُمَّ لِيَنْثِرْهُ» مَعْنَاهُ يُنْزِلْ الْمَاءَ مِنْ أَنْفِهِ يَدْفَعُهُ بِنَفَسِهِ وَمِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنْفِهِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الَّذِي يَسْتَنْثِرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ أَنَّهُ أَنْكَرَهُ وَقَالَ هَكَذَا يَفْعَلُ الْحِمَارُ. [بَابُ حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ] ١ (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ فَرَوَى سَحْنُونٌ فِي التَّفْسِيرِ قَالَ قَالَ لَنَا عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ قُلْت لِمَالِكٍ كَيْفَ الْوِتْرُ فِي الِاسْتِجْمَارِ فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَآخُذُ الْعُودَ فَأَكْسِرُهُ ثَلَاثَ كِسَرٍ وَأَسْتَجْمِرُ بِكُلِّ كِسْرَةٍ مِنْهُنَّ فَإِنْ كَانَ الْعُودُ مَدْقُوقًا أَخَذْت مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ عَلِيٌّ فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَنَا شَاهِدٌ فَقَالَ إنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ مِنْ

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْغَائِطِ اسْتِجْمَارًا فَرَجَعَ إلَى ذَلِكَ مَالِكٌ قَالَ عَلِيٌّ وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ سَحْنُونٌ الْقَوْلُ مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ هُوَ الِاسْتِنْجَاءُ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَاهُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْجَارِ وَهِيَ الْجِمَارُ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ اسْتَجْمَرَ الرَّجُلُ إذَا تَمَسَّحَ بِالْجِمَارِ وَالْجِمَارُ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ وَبِهِ سُمِّيَتْ جِمَارُ مَكَّةَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أُخِذَ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ بِالْبَخُورِ الَّذِي تَطِيبُ بِهِ الرَّائِحَةُ وَهَذَا يُزِيلُ الرَّائِحَةَ الْقَبِيحَةَ وَهَذَا الْفَصْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا: وُجُوبُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَالثَّانِي: تَمْيِيزُ النَّجَاسَاتِ مِنْ غَيْرِهَا. وَالثَّالِثُ: فِي اخْتِلَافِ أَحْكَامِهَا لِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا. (بَابُ حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ) فَأَمَّا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا الْعِرَاقِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِيمَا حَكَوْا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمَعُونَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: أَنَّ إزَالَتَهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ فَمَنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا ذَاكِرًا أَعَادَ أَبَدًا وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو طَاهِرٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا أَثِمَ وَلَمْ يُعِدْ إلَّا فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى إزَالَتِهَا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إلَى أَنَّنَا إنْ قُلْنَا إنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا مَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا وَإِذَا قُلْنَا إنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا مَنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا، وَمَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ مُضْطَرًّا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِثْلَ هَذَا فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَقَالَ فِي تَلْقِينِ الْمُبْتَدِئِ إنَّهَا وَاجِبَةٌ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِزَالَةِ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي إنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَتْ هَاهُنَا طَهَارَةٌ وَاجِبَةٌ لِلثِّيَابِ غَيْرَ طَهَارَتِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ. فَإِنْ قِيلَ إنَّ الثِّيَابَ هَاهُنَا الْقَلْبُ وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ تَطْهِيرُهُ مِنْ الشِّرْكِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ إنَّمَا شُرِعَ لِلصَّلَاةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ اسْمَ الثِّيَابِ أَظْهَرُ فِي ثِيَابِ اللِّبَاسِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا هُوَ أَظْهَرُ فِيهِ أَوْ يُحْمَلَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا لِاحْتِمَالِهِ لَهُمَا إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إخْرَاجِ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ مِنْ الْجُمْلَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْقَلْبُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَفُرِضَ عَلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ لِأُمَّتِهِ. وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اتَّبَعَ فِي الصَّلَاةِ شَرْعَ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ النَّبِيِّينَ فَوَجَبَ ذَلِكَ بِاتِّبَاعِهِمْ وَتَأَخَّرَ الْأَمْرُ بِهِ بِنَصِّ شَرْعِنَا عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُمِرَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ لِلصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ نَصُّ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْته قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» . (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَوَجْهُ قَوْلِنَا إنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الَّذِي يُنَاظِرُ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ يَسِيرِهِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ مَعَ كَثِيرِهِ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنْ قِيلَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْكَثِيرِ بِالْيَسِيرِ لِأَنَّ دَمَ

стр. 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْبَرَاغِيثِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهِ وَأَمَّا مَا كَثُرَ مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَلَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ بِهِ كَالْحَدَثِ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا قُلْتُمُوهُ مِنْ أَنَّ يَسِيرَ الدَّمِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَلِذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ بِهِ كَالْمُحْدِثِ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى أَصْلِكُمْ لِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِمَنْ لَهُ جُرْحٌ يَنْفَجِرُ دَمًا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ عِنْدَكُمْ إعَادَةَ الصَّلَاةِ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَطَهَارَةِ الْحَدَثِ عَلَى أُصُولِنَا أَنَّ هَذِهِ لَا تَجِبُ بِالشَّكِّ وَطَهَارَةَ الْحَدَثِ تَجِبُ بِالشَّكِّ فَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ دُونَ هَذِهِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ تَجِبُ لِلصَّلَاةِ فَكَانَتْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَهَلْ تَكُونُ شَرْطًا مَعَ النِّسْيَانِ وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إلَى أَنَّهَا شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ ذَلِكَ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَاءِ نِعَالِكُمْ قَالُوا رَأَيْنَاك أَلْقَيْت نَعْلَيْك فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا وَقَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلِهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ النِّسْيَانَ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ كَعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَدَّرَ أَنَّهُ لَوْ عَدِمَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ لِعَدَمِ الْمَاءِ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ فَكَذَلِكَ إذَا نَسِيَ وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ تَجِبُ لِلصَّلَاةِ فَكَانَ عَدَمُهَا وَنِسْيَانُهَا سَوَاءً فِي إبْطَالِ الصَّلَاةِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ رَأَى نَجَاسَةً مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ فِي جَسَدِهِ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ كَانَ وَرَاءَ الْإِمَامِ وَيَبْتَدِئُهَا بَعْدَ إزَالَةِ ذَلِكَ وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ فِي حَاوِيهِ إنْ اسْتَطَاعَ إزَالَتَهَا تَمَادَى فِي صَلَاتِهِ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ ثَوْبٌ نَجِسٌ فَسَقَطَ عَنْهُ مَكَانَهُ قَالَ سَحْنُونٌ أَرَى أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاةً وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ وَمَنْ رَآهَا بَعْدَ أَنْ كَمُلَتْ صَلَاتُهُ فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي تَحْدِيدِ آخِرِ الْوَقْتِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ وَقْتَ صَلَاتَيْ النَّهَارِ فِي ذَلِكَ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَنَّ وَقْتَهَا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهَذَا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَاضِحٌ لِأَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَقْتَ اخْتِيَارِ الصَّلَاةِ تُشَارِكُهَا فِي الْوَقْتِ كَانَ وَقْتًا لِاسْتِدْرَاكِ فَضِيلَتِهَا فَعَلَى هَذَا لِلظُّهْرِ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ اخْتِيَارٍ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ وَوَقْتُ اسْتِدْرَاكِ فَضِيلَتِهِ وَهُوَ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ وَهُوَ إلَى أَنْ يَبْقَى قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَدْرُ مَا تَخْتَصُّ بِهِ الْعَصْرُ أَوْ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى فَإِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِلَى أَنْ يَمْضِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَيَمْضِيَ نِصْفُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَوَقْتُ اسْتِدْرَاكِ فَضِيلَةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَوَقْتُ مَغِيبِ الشَّفَقِ إلَى انْقِضَاءِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَأَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَوَقْتُهَا عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ فَإِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَإِنْ قُلْنَا لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ فَإِلَى آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ الْإِسْفَارُ وَلَيْسَ لَهَا

стр. 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَقْتُ اسْتِدْرَاكِ فَضِيلَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَهَا صَلَاةٌ تُشَارِكُهَا فِي وَقْتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [بَابُ تَمْيِيزِ النَّجَاسَةِ] ِ وَأَمَّا تَمْيِيزُ النَّجَاسَاتِ مِنْ غَيْرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَمْيِيزُ جِنْسِهَا. وَالثَّانِي: تَمْيِيزُ الْكَثِيرِ الْمَمْنُوعِ مِنْ الْيَسِيرِ الْمُرَخَّصِ فِيهِ. فَأَمَّا تَمْيِيزُ جِنْسِهَا فَإِنَّ أَبْوَالَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِتَحْرِيمِهِ مُحَرَّمَةٌ وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِكَرَاهِيَتِهِ مَكْرُوهَةٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ مَسْحِهِ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَبْوَالَ وَالْأَرْوَاثَ تَابِعَةٌ لِأَجْنَاسِ اللُّحُومِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَعَرَقُ الدَّوَابِّ كُلِّهَا طَاهِرٌ وَأَمَّا الْخَمْرُ وَالْمُسْكِرُ فَنَجِسٌ تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ كَمَا تُعَادُ مِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَبْيِينُ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ مِنْ كَثِيرِهَا فَتَحْقِيقُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَاتِ كُلِّهَا وَكَثِيرَهَا سَوَاءٌ إلَّا الدَّمَ فَإِنَّ قَلِيلَهُ مُخَالِفٌ لِكَثِيرِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ قَلِيلُ النَّجَاسَاتِ كُلِّهَا وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَدْرُ الدِّرْهَمِ مِنْ النَّجَاسَاتِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَمَأْمُورٌ بِإِزَالَتِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمُ وَفِيهِ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ نَجَاسَةٌ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا فَوَجَبَتْ إزَالَتُهَا كَالزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَالِاسْتِدْلَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ أَنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ وَمُوجِبٌ لِغَسْلِ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ وَمُبِيحٌ لِتَرْكِ كَثِيرِهَا ذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ إنَّ النَّجَاسَةَ إذَا كَانَتْ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ وَكَانَتْ مُتَرَاكِمَةً بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ بِحَيْثُ لَوْ بُسِطَتْ لَعَمَّتْ جَمِيعَ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا وَإِذَا كَانَتْ أَوْسَعَ مِنْ الدِّرْهَمِ وَلَمْ تَكُنْ مُتَرَاكِمَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا إذَا كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الْأُولَى أَمَّا هُمْ فَاحْتَجَّ مَنْ نَصَّ قَوْلَهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ نَجَاسَةٌ لَا تُجَاوِزُ قَدْرَ الدِّرْهَمِ فَلَمْ تَجِبْ إزَالَتُهَا كَأَثَرِ الْحَدَثِ عَلَى مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ بِمَوْضِعِ الْحَدَثِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّجَاسَةَ فِي مَوْضِعِ الْحَدَثِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ مِنْ الْمَرْأَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَقَدْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَلَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ النَّجَاسَةَ فِي مَوْضِعِ النَّجْوِ مُتَكَرِّرَةٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ وَلَا مَعَ وُجُودِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيمَا عَادَ إلَى مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ مُتَكَرِّرًا تَكَرُّرًا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَوَجَبَ إزَالَتُهَا كَاَلَّذِي يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ هَذِهِ نَجَاسَةٌ فَلَمْ يَجِبْ إزَالَةُ يَسِيرِهَا كَالدَّمِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الدَّمَ مُتَكَرِّرٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَلَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ يَسِيرَهَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَوَجَبَ كَالْكَثِيرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْ يَسِيرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ غَسْلُ دَمِ الْبُرْغُوثِ الْوَاحِدِ مِنْ ثَوْبِهِ وَلَا مَا يَسِيلُ مِنْ الْبَثْرَةِ مِنْ جَسَدِهِ لِأَنَّهُ لَا تَخْلُو الْأَجْسَامُ وَالثِّيَابُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَا قَلَّ مِنْ الدَّمِ أَوْ كَثُرَ يُغْسَلُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ ﵀ إنَّ مَالِكًا ﵀ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْيَسِيرَ جِدًّا لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ لَا يُغْسَلُ دَمُ الْبَرَاغِيثِ إلَّا أَنْ يَنْتَشِرَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْيَسِيرَ جِدًّا لَيْسَ عَلَى الْمُكَلَّفِ غَسْلُهُ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدِّمَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ يَسِيرٌ جِدًّا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَضَرْبٌ أَكْثَرُ مِنْهُ يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ كَقَدْرِ الْأُنْمُلَةِ وَالدِّرْهَمِ وَضَرْبٌ ثَالِثٌ كَثِيرٌ جِدًّا يَجِبُ غَسْلُهُ وَيَمْنَعُ الصَّلَاةَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالدِّمَاءُ عِنْدَ مَالِكٍ كُلُّهَا سَوَاءٌ دَمُ الْحُوتِ وَغَيْرِهِ إلَّا دَمَ الْحَيْضَةِ فَعَنْهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ سَوَاءٌ تَجِبُ إزَالَتُهُ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ الدَّمُ كُلُّهُ وَاحِدٌ. فَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ دَمٌ فَوَجَبَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ

стр. 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَكَثِيرِهِ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ مَائِعٌ خَرَجَ مِنْ الْقُبُلِ فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالْبَوْلِ وَرَوَى أَبُو الطَّاهِرِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ مَنْ صَلَّى بِدَمِ حَيْضَةٍ أَوْ دَمِ مَيْتَةٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ رَجِيعٍ أَوْ احْتِلَامٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ دَمَ الْمَيْتَةِ كَدَمِ الْمُذَكَّى وَدَمِ الْإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ وَالْحُوتِ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إلَّا مِنْ كَثِيرِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ إنَّ دَمَ الْحُوتِ طَاهِرٌ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ مَائِعٌ يُجَاوِرُ الْمَيْتَةَ وَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُغْسَلَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَكَمْ مِقْدَارُ الْيَسِيرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مِنْ الدَّمِ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ قَدْرَ الدِّرْهَمِ مِنْ الدَّمِ لَا تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ وَلَكِنْ الْفَاشِيَ الْكَثِيرَ الْمُنْتَشِرَ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَرَآهُ كَثِيرًا وَرَأَى قَدْرَ الْخِنْصَرِ قَلِيلًا فَوَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيٍّ أَنَّهَا نَجَاسَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْ يَسِيرِهَا فَوَجَبَ أَنْ تَتَقَدَّرَ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ كَمَوْضِعِ النَّجْوِ. (فَرْعٌ) وَمَعْنَى ذَلِكَ فِي الدَّمِ دُونَ أَثَرِهِ فَإِنَّ مَا فَوْقَ الدِّرْهَمِ مِنْهُ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ لَمْ يَغْسِلْ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ مِنْ الدَّمِ حَتَّى صَلَّى لَمْ يُعِدْ وَمِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ تَجَفَّفَ مِنْ غُسْلٍ فِي ثَوْبٍ فِيهِ دَمٌ يَسِيرٌ لَا يَخْرُجُ بِالتَّجْفِيفِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا يَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ بِبَلَلِ التَّجْفِيفِ فَلْيَغْسِلْ جِلْدَهُ. [بَابُ اخْتِلَافِ النَّجَاسَةِ بِاخْتِلَافِ مَحَلِّهَا] وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَحْكَامِ النَّجَاسَاتِ لِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا فَهُوَ أَنَّ النَّجَاسَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَنْدُرُ وَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ فِي غَيْرِ مَخْرَجَيْهِمَا وَكَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ فِي الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَكَالدَّمِ الْكَثِيرِ فِيهِمَا فَهَذَا تَجِبُ إزَالَةُ عَيْنِهِ وَأَثَرِهِ وَضَرْبٌ مُتَكَرِّرٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي مَخْرَجَيْهِمَا وَمَا يَتَطَايَرُ مِنْ بَعْضِ النَّجَاسَاتِ فِي الطُّرُقَاتِ عَلَى الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَالْخُفِّ وَنَجَاسَةِ الدَّمِ عَلَى السَّيْفِ فَهَذَا تَجِبُ إزَالَةُ عَيْنِهِ دُونَ أَثَرِهِ فَأَمَّا وُجُوبُ إزَالَةِ عَيْنِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَأَثَرِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: فَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ مِنْهَا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَمِنْهَا مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فَأَثَرُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي مَخْرَجَيْهِمَا فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ كَثِيرَةٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إلَى التَّصَرُّفِ فِي السَّفَرِ فِي مَوَاضِعَ تَقِلُّ فِيهَا الْمِيَاهُ وَخُرُوجُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ أَمْرٌ مُعْتَادٌ لَا يُمْكِنُ مُدَافَعَتُهُ فَلَوْ كُلِّفَ النَّاسُ إزَالَةَ أَثَرِهِ بِالْمَاءِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَنْعًا مِنْ أَكْثَرِ الْأَسْفَارِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَمُعْظَمِ الْعِبَادَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَخْرَجِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَهَذَا الَّذِي يَحْكِيهِ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَحُكْمُ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الَّذِي يُرِيدُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَازِمٍ وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِي الْعِبَارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَتَطْهِيرُ الْمَحَلَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُزِيلَ الْعَيْنَ بِالْجِمَارِ وَالْأَثَرَ بِالْمَاءِ وَهَذَا أَفْضَلُهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يُزِيلَ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ بِالْمَاءِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُزِيلَ الْعَيْنَ بِالْجِمَارِ وَيَبْقَى الْأَثَرُ وَهُوَ أَضْعَفُهَا لِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلْعَيْنِ خَاصَّةً دُونَ الْأَثَرِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَالسَّبِيلَيْنِ وَالِاسْتِنْجَاءُ مَشْرُوعٌ فِيهِ وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا مِنْ طَاهِرٍ كَالرِّيحِ فَلَا اسْتِنْجَاءَ فِيهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُسْتَنْجَى مِنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَجْوٌ لَمْ يُشْرَعْ الِاسْتِنْجَاءُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا خُرُوجُ الْحَصَى وَالدُّودِ دُونَ شَيْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ فَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ إنْ أَمْكَنَ الرَّدُّ مَعَ بُعْدِهِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ طَاهِرٌ فَلَمْ يَجِبْ مِنْهُ الِاسْتِنْجَاءُ كَالرِّيحِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَا يَتَطَايَرُ مِنْ نَجَاسَاتِ الطُّرُقَاتِ عَلَى الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَالْخُفِّ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا:

стр. 44

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ إنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ) . ــ [المنتقى] مَا تَخْفَى عَيْنُهُ وَيُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ لِكَثْرَتِهِ فِي الطُّرُقَاتِ وَتَكَرُّرِهِ بِهَا فَهَذَا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ خُفٍّ وَلَا ثَوْبٍ وَلَا جَسَدٍ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَكَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ وَثَانِيهِمَا مَا ظَهَرَتْ عَيْنُهُ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُحَرَّمٍ وَمَكْرُوهٍ وَالْمُحَرَّمُ كَبَوْلِ بَنِي آدَمَ وَعَذِرَتِهِمْ وَالدِّمَاءِ وَبَوْلِ مَا حَرُمَ لَحْمُهُ وَمَا يَأْكُلُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ فَهَذَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الثَّوْبِ وَالْخُفِّ وَالْجَسَدِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَا يَتَكَرَّرُ وَلَا تَخْفَى عَيْنُهُ وَلَا يَكْثُرُ كَثْرَةً تَمْنَعُ الِاحْتِرَازَ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَكَرَوْثِ الدَّوَابِّ وَبَوْلِهَا وَمَا يُكْرَهُ أَكْلُ لَحْمِهِ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِ الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَسْلِهِ مَشَقَّةٌ دَاعِيَةٌ لَأَنْ يَتْرُكَ الْمُتَوَقِّي مِنْهُ عِبَادَاتٍ يُضْطَرُّ إلَى ذَلِكَ فِيهَا كَالْمُجَاهِدِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ يُمْسِكُ فَرَسَهُ وَلَا يَكَادُ يَنْجُو مِنْ بَوْلِهِ فَهَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ وَأَمَّا فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَتَوَقَّى جُهْدَهُ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوَقِّي إلَى مَنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ مِنْ مَعِيشَتِهِ فِي السَّفَرِ بِالدَّوَابِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي غَسْلِ الْخُفِّ مِنْهُ فَقَالَ مَرَّةً يَغْسِلُ وَقَالَ مَرَّةً يُجْزِي الْمَسْحُ فَوَجْهُ الْغَسْلِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِ الثَّوْبِ مِنْهُ فَكَانَ مَأْمُورًا بِغَسْلِ الْخُفِّ مِنْهُ كَبَوْلِ مَا حَرُمَ لَحْمُهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَصْلِهِ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ لُحُومَ الْحُمُرِ مُحَرَّمَةٌ فَإِنَّ هَذَا مُتَكَرِّرٌ فِي الطُّرُقَاتِ لَا يُمْكِنُ حِفْظُ الْخُفِّ مِنْهُ وَيُمْكِنُ حِفْظُ الثِّيَابِ وَيُخَالِفُ هَذَا الْعَذِرَةُ وَبَوْلُ النَّاسِ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي وَسَطِ الطُّرُقِ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا الْمُسْتَرَاحُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ لُحُومَ الْحُمُرِ مَكْرُوهَةٌ فَلِأَنَّ أَرْوَاثَهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَةٌ وَلَا يُمْكِنُ حِفْظُ الْخِفَافِ مِنْهَا مَعَ أَنَّ الْخُفَّ يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي الْخُفِّ فَهَلْ يُجْزِئُ ذَلِكَ فِي النَّعْلِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ وَرَوَى عِيسَى أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ فَرَّقَ بَيْنَ الْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَسْحَ يُجْزِئُ فِيهِمَا فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ لَا تَلْحَقُ بِنَزْعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْغَسْلَ يُفْسِدُ النَّعْلَيْنِ كَالْخُفِّ. (مَسْأَلَةٌ) : أَمَّا الرِّجْلُ فَلَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمَسْحَ يُجْزِئُ فِيهَا بَعْدَ إزَالَةِ الْعَيْنِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُبِيحَةَ لِمَسْحِ الْخُفِّ تَكَرُّرٌ لِهَذِهِ الْعَيْنِ وَعَدَمُ خُلُوِّ الطُّرُقَاتِ مِنْهَا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْقَدَمِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِغَسْلِ الْقَدَمِ لِأَنَّ الْغَسْلَ لَا يُفْسِدُهَا وَبِمَسْحِ الْخُفِّ لِأَنَّ الْغَسْلَ يُفْسِدُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الدَّمُ عَلَى السَّيْفِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَمْسَحُ وَيُصَلِّي بِهِ وَقَدْ عَلَّلَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ذَلِكَ بِصِقَالَتِهِ وَأَنَّ النَّجَاسَةَ تَزُولُ عَيْنُهَا وَأَثَرُهَا بِمَسْحِهِ لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ إنَّ الَّذِي يَبْقَى مِنْهُ فِيهِ يَسِيرٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَأَثَرِ الْمَحَاجِمِ وَهَذَا آكِدٌ لِأَنَّ السَّيْفَ يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ وَالْحَاجَةُ إلَى مُبَاشَرَةِ الدِّمَاءِ مُتَكَرِّرَةٌ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِمَا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ يُرِيدُ أَنَّ الْفَاعِلَ لِذَلِكَ لَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ الْمُبَاحَةَ وَلَا يَخْرُجُ وَإِنْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ وَقَوْلُهُ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَفْعَلَ الْمَضْمَضَةَ كُلَّهَا وَالِاسْتِنْثَارَ كُلَّهُ مِنْ غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَجْمَعَ كُلَّ مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْثَارَةٍ فِي غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَأْتِي بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ فِي ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ تَفْرِيقَ ذَلِكَ أَوْلَى عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْثَارَةٍ فِي غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَأْتِيَ بِهِمَا فِي ثَانِيَةٍ ثُمَّ فِي ثَالِثَةٍ فَيَفْعَلَ ذَلِكَ فِي ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَضْمَضَةِ عَلَى النَّسَقِ فِي ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ثُمَّ يَأْتِيَ بِالِاسْتِنْشَاقِ عَلَى نَسَقٍ فِي ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ فَيَأْتِيَ

стр. 45

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلَاءَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ وُضُوءًا لِمَا تَحْتَ إزَارِهِ) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ يَتَوَضَّأُ فَنَسِيَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ أَوْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ فَقَالَ أَمَّا الَّذِي غَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فَلْيُمَضْمِضْ وَلَا يُعِدْ غَسْلَ وَجْهِهِ وَأَمَّا الَّذِي غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ فَلْيَغْسِلْ وَجْهَهُ ثُمَّ لِيُعِدْ غَسْلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَكُونَ غَسْلُهُمَا بَعْدَ وَجْهِهِ إذَا كَانَ فِي مَكَانِهِ أَوْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] بِهِمَا فِي سِتِّ غَرَفَاتٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ أَفْضَلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ رِوَايَةُ وُهَيْبٍ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَفِيهِ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَيْنِ عُضْوَانِ مُنْفَصِلَانِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا فِي الطَّهَارَةِ كَالْيَدَيْنِ. (ش) : قَوْلُ «عَائِشَةَ ﵂ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ» عَلَى وَجْهِ التَّنْبِيهِ لَهُ عَلَى إكْمَالِ وَاسْتِيعَابِ أَعْضَائِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ تَلَقَّنَتْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ عَلَى الْوَعِيدِ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ بِالْوُضُوءِ أَعْقَابَهُ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ ﷺ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَعْقَابَ الَّتِي لَا يَنَالُهَا الْوُضُوءُ وَيَبْعُدُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْجِنْسَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَعِيدًا لِمَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِ الْوُضُوءِ. (ش) : مَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ يُرِيدُ أَنَّهُ سَمِعَ وَقْعَ الْمَاءِ وَحَرَكَةَ يَدَيْهِ وَقَوْلَهُ وُضُوءًا لِمَا تَحْتَ إزَارِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَقَدْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَقُولُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إنَّمَا ذَلِكَ وُضُوءُ النِّسَاءِ فَبَيَّنَ مَالِكٌ ﵀ وَجْهَ إبَاحَتِهِ بِالْعَمَلِ الْجَارِي بِهِ مَعَ مَا يُعَضِّدُهُ مِنْ النَّظَرِ فِي مُبَالَغَةِ التَّطْهِيرِ بِهِ وَقَوْلُهُ لِمَا تَحْتَ إزَارِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامَ بِمَعْنَى فِي وَكَنَّى عَنْ مَوْضِعِ الْحَدَثِ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَوْ أُطْلِقَ لَكَانَ الْأَظْهَرُ حَمْلَهُ عَلَى الْوُضُوءِ الرَّافِعِ لِلْحَدَثِ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاسْتِنْجَاءُ. يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ النَّاسِيَ لِأَنَّهُ لَا عَتْبَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ وَلَا إنْكَارَ بِتَرْكِ التَّرْتِيبِ الْمُسْتَحَبِّ فِي الطَّهَارَةِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ فَهُوَ أَبْيَنُ لِأَنَّ حُكْمَ النَّاسِي عِنْدَهُ غَيْرُ حُكْمِ الْعَامِدِ وَالْجَاهِلِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّرْتِيبَ مَشْرُوعٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَبَيْنَ غَسْلِ الْوَجْهِ فِي التَّرْتِيبِ لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَغَسْلُ الْوَجْهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَحُكْمُ التَّرْتِيبِ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْفَرَائِضِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَمَّا ابْنُ حَبِيبٍ فَقَالَ مَنْ نَكَّسَ طَهَارَتَهُ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا نَظَرْت فَإِنْ خَالَفَ بَيْنَ مَفْرُوضٍ وَمَسْنُونٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَفْرُوضَيْنِ أَخَّرَ مَا قَدَّمَ وَأَتَى بِمَا بَعْدَهُ مِنْ مَفْرُوضٍ وَمَسْنُونٍ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرَوَى ابْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ مَسْحِ رَأْسِهِ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لِأَنَّ الْمَسْحَ خَفِيفٌ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الَّذِي غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ فَلْيَغْسِلْ وَجْهَهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْ ذِرَاعَيْهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدُ أَنَّهُ يَغْسِلُ وَجْهَهُ فَهَذَا إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ غَسَلَ وَجْهَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَسَلَهُ بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ ثُمَّ أَتَى بِبَاقِي وُضُوئِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ غَسَلَ وَجْهَهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ غَسْلِ وَجْهِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ يَدَيْهِ لِيَكُونَ غَسْلُهُمَا بَعْدَ وَجْهِهِ

стр. 46

(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ أَوْ يَسْتَنْثِرَ حَتَّى صَلَّى قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ وَلْيَتَمَضْمَضْ وَلْيَسْتَنْثِرْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ) . وُضُوءُ النَّائِمِ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ــ [المنتقى] فَيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُتِمَّ وُضُوءَهُ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا حُكْمُ مَنْ أَتَى بِالْوُضُوءِ كُلِّهِ غَيْرَ غَسْلِ وَجْهِهِ ثُمَّ ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ ثُمَّ يُعِيدُ غَسْلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يُتِمُّ وُضُوءَهُ فَيَحْصُلُ لَهُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ فِي مَكَانِهِ أَوْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا بَدَأَ بِغَسْلِ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ لِيَحْصُلَ لَهُ التَّرْتِيبُ الْمُسْتَحَبُّ إذَا أَدْرَكَ الْمُوَالَاةَ الْمُسْتَحَقَّةَ وَإِنْ ذَكَرَ غَسْلَ وَجْهِهِ بَعْدَ أَنْ طَالَ وَزَالَ عَنْ مَكَانِهِ غَسَلَ وَجْهَهُ خَاصَّةً وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ إعَادَةُ غَسْلِ يَدَيْهِ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ الْمُسْتَحَقَّةَ قَدْ فَاتَتْهُ فَسَقَطَ حُكْمُ التَّرْتِيبِ الْمُلَازِمِ لَهَا وَفِي الْمَبْسُوطِ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الْمُوَطَّأِ هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا كَانَ فِي مَكَانِهِ أَوْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ وَيَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْمُوَالَاةِ لِأَنَّ جَبْرَ التَّرْتِيبِ يَحْصُلُ لَهُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ وَسَائِرِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ بَعْدَ وَجْهِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَقَضَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ فَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ وَلَمَّا كَانَ لِهَذَا الْغَسْلِ الْآخَرِ حَظٌّ مِنْ الْوُضُوءِ بِتَرْتِيبِهِ شُرِعَتْ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مَا لَمْ يَجِفَّ الْوُضُوءُ وَلَمْ تَفُتْ الْمُوَالَاةُ فَإِذَا جَفَّ الْوُضُوءُ فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ فَلَمْ يُشْرَعْ الْإِتْيَانُ بِبَاقِي الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ إلَّا الْمُوَالَاةُ وَقَدْ فَاتَ حُكْمُهَا وَإِنَّمَا تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ النِّسْيَانِ وَفِي الْمَبْسُوطِ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ يُعِيدُ غَسْلَ ذِرَاعَيْهِ بَعْدَ وَجْهِهِ إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ وَإِنْ تَطَاوَلَ اسْتَأْنَفَ وُضُوءَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَرَّقَ وُضُوءَهُ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ طَوِيلَ النِّسْيَانِ يُبْطِلُ الْمُوَالَاةَ وَعَلَى أَنَّ الْمُوَالَاةَ مُسْتَحَقَّةٌ وَالتَّرْتِيبَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى وَجْهٍ مَا وَفَرَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ مَسْأَلَةِ التَّنْكِيسِ وَمَسْأَلَةِ النِّسْيَان لِبَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَجَعَلَهُ يَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ فِي مَسْأَلَةِ النِّسْيَانِ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ. (فَرْعٌ) وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فَعَطَفَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ وَالْوَاوُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَقْتَضِي الْجَمْعَ دُونَ التَّرْتِيبِ فَإِنْ قَالُوا فَإِنَّهُ قَالَ فَاغْسِلُوا فَتَلَقَّى الْأَمْرَ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَاغْسِلُوا وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَإِذَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ فِي الْوَجْهِ وَالْبُدَاءَةِ وَجَبَ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَإِنَّمَا هِيَ لِجَوَابِ الشَّرْطِ وَإِنَّمَا تَكُونُ لِلتَّرْتِيبِ فِي الْعَطْفِ خَاصَّةً وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ لَمَا لَزِمَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَطَفَ الْأَعْضَاءَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ الَّتِي تَقْتَضِي الْجَمْعَ فَكَأَنَّهُ قَالَ إذَا قُمْتُمْ لِلصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا هَذِهِ الْأَعْضَاءَ وَهَذَا يَمْنَعُ التَّرْتِيبَ. (ش) : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لَيْسَا مِنْ فَرْضِ الْوُضُوءِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ نَسِيَهَا أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ إذَا أَتَى بِالْوَاجِبِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ لِيُكْمِلَ نَفْلَ طَهَارَتِهِ وَفَرْضَهَا فَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُصَلِّيَ فَلَا يُمَضْمِضُ وَلَا يَسْتَنْثِرُ لِأَنَّ وَقْتَ ذَلِكَ قَدْ ذَهَبَ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةُ عِبَادَةٌ لَا تُرَادُ لِنَفْسِهَا وَإِنَّمَا تُرَادُ لِغَيْرِهَا.

стр. 47

«إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ إذَا نَامَ أَحَدُكُمْ مُضْطَجِعًا فَلْيَتَوَضَّأْ) ــ [المنتقى] [وُضُوءُ النَّائِمِ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ] (ش) : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَبَبِ غَسْلِ الْيَدِ لِمَنْ قَامَ مِنْ النَّوْمِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ إنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِمَا لَعَلَّهُ أَنْ يَنَالَ بِهِ مَا قَدْ يَبِسَ مِنْ نَجَاسَةٍ خَرَجَتْ مِنْهُ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَوْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ مِمَّا يُتَقَذَّرُ وَقِيلَ أَيْضًا إنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانَ يَسْتَجْمِرُ بِالْحِجَارَةِ فَقَدْ يَمَسُّ بِيَدَيْهِ أَثَرَ النَّجَاسَةِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ لَيْسَتْ بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّ النَّجَاسَاتِ لَا تَخْرُجُ مِنْ الْجَسَدِ فِي الْغَالِبِ إلَّا بِعِلْمِ مَنْ تَخْرُجُ مِنْهُ وَمَا لَا يَعْلَمُ بِهِ فَلَا حُكْمَ لَهُ وَكَذَلِكَ مَوْضِعُ الِاسْتِجْمَارِ لَا تَنَالُهُ يَدُ النَّائِمِ إلَّا مَعَ الْقَصْدِ لِذَلِكَ وَلَوْ كَانَ غَسْلُ الْيَدِ بِتَجْوِيزِ ذَلِكَ لَأَمَرَ بِغَسْلِ الثِّيَابِ الَّتِي يَنَامُ فِيهَا لِجَوَازِ أَنْ تَخْرُجَ النَّجَاسَةُ مِنْهُ فِي نَوْمِهِ فَتَنَالَ ثَوْبَهُ أَوْ لِجَوَازِ أَنْ يَمَسَّ ثَوْبُهُ مَوْضِعَ الِاسْتِجْمَارِ وَهَذَا بَاطِلٌ وَالْأَظْهَرُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ النَّائِمَ لَا يَكَادُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ حَكِّ جَسَدِهِ وَمَوْضِعِ بَثْرَةٍ فِي بَدَنِهِ وَمَسِّ رَفْغِهِ وَإِبِطِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَغَابِنِ جَسَدِهِ وَمَوَاضِعِ عَرَقِهِ فَاسْتُحِبَّ لَهُ غَسْلُ يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ عَلَى مَعْنَى التَّنَطُّفِ وَالتَّنَزُّهِ وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي إنَائِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا لَمَا أَثِمَ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي قَوْلِهِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ وَاجِبٌ إذَا قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ دُونَ نَوْمِ النَّهَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ عَقِيبَ نَوْمٍ فَاسْتُحِبَّ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَهَا أَصْلُ ذَلِكَ الطَّهَارَةُ عَقِيبَ نَوْمِ اللَّيْلِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبَ فَإِنَّهُ قَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّدْبُ دُونَ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ قَالَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ فَعَلَّلَ بِالشَّكِّ وَلَوْ شَكَّ هَلْ مَسَّتْ يَدُهُ نَجَسًا أَمْ لَا لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ يَدِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَتَعْلِيقُ هَذَا الْحُكْمِ بِنَوْمِ اللَّيْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ لِأَنَّ النَّائِمَ إنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ فَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ إلَى وُضُوءٍ مِنْ بَائِلٍ أَوْ مُتَغَوِّطٍ أَوْ مُحْدِثٍ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُ يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي إنَائِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمُسْتَيْقِظَ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْ مَسِّ رَفْغِهِ وَنَتْفِ إبِطِهِ وَفَتْلِ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ وَقَتْلِ بُرْغُوثٍ وَعَصْرِ بَثْرٍ وَحَكِّ مَوْضِعِ عَرَقٍ وَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي شُرِعَ لَهُ غَسْلُ الْيَدِ مَوْجُودًا فِي الْمُسْتَيْقِظِ لَزِمَهُ ذَلِكَ الْحُكْمُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ عُلِّقَ فِي الشَّرْعِ عَلَى النَّائِمِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَهُ عَلَى نَوْمِ الْمَبِيتِ وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى نَوْمِ النَّهَارِ لَمَّا تَسَاوَيَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : مَنْ غَسَلَ يَدَهُ قَبْلَ وُضُوئِهِ ثُمَّ شَرَعَ فِي وُضُوئِهِ فَأَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ وُضُوئِهِ وَلَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ فَهَلْ عَلَيْهِ غَسْلُ يَدِهِ ثَانِيَةً فِي اسْتِفْتَاحِ وُضُوئِهِ أَمْ لَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ يُعِيدُ غَسْلَ يَدَيْهِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَيْضًا رِوَايَةً أُخْرَى لَا يُعِيدُ غَسْلَ يَدَيْهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَشْهَبَ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الطَّهَارَةَ مَتَى شُرِعَتْ لِلنَّظَافَةِ ثُمَّ دَخَلَهَا أَحْكَامُ الْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ لِتَأَكُّدِهَا غَلَبَ عَلَيْهَا حُكْمُ الْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ لَمْ يُرَاعَ فِيهَا وَيَعُودُ سَبَبُهَا كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ أَصْلُهُ إزَالَةُ الرَّائِحَةِ فَلَمَّا دَخَلَتْ أَحْكَامُ الْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَإِنْ عُدِمَتْ الرَّائِحَةُ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا لَمَّا دَخَلَهُ مَا يَخْتَصُّ بِالْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَدَدِ لَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سَبَبُهَا. (ش) : وُجُوبُ الْوُضُوءِ عَلَى النَّائِمِ الْمُضْطَجِعِ مِنْ بَابِ نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ لَا خِلَافَ فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ ذَهَابُ عَقْلٍ وَخَارِجٌ وَمُلَامَسَةٌ فَأَمَّا ذَهَابُ الْعَقْلِ فَهُوَ النَّوْمُ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ وَالْجُنُونِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ فِي الْجُمْلَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ وَهَذَا قَائِمٌ إلَى الصَّلَاةِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى

стр. 48

وَحَدَثَنِي عَن مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] إنَّ ذَلِكَ إذَا قُمْتُمْ مِنْ الْمَضَاجِعِ يَعْنِي النَّوْمَ. ــ [المنتقى] أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ النَّوْمِ مَعَ الِاسْتِثْقَالِ خُرُوجُ الْحَدَثِ لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ فَأُجْرِيَ جَمِيعُهُ مَجْرَى غَالِبِهِ. (فَرْعٌ) وَلَيْسَ النَّوْمُ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ لِمَا رَوَى «ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْت عِنْدَ يَسَارِهِ فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ إذَا نَامَ نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» . (فَرْعٌ) وَحُكْمُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِهِ أَنَّ مَنْ اسْتَغْرَقَ فِي النَّوْمِ وَطَالَ أَمْرُهُ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ نَامَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ فَالْوُضُوءُ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ نَامَ جَالِسًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ هَذَا مُسْتَغْرِقُ النَّوْمِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ أَصْلُ ذَلِكَ الْمُضْطَجِعُ. (فَرْعٌ) وَلَا وُضُوءَ لِيَسِيرِ النَّوْمِ خِلَافًا لِأَبِي إبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيّ فِي قَوْلِهِ إنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِقَلِيلِ النَّوْمِ وَكَثِيرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ لِمَا يَخْفَى عَنْهُ وُقُوعُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْحَدَثِ الَّذِي يَكُونُ الْغَالِبُ خُرُوجَهُ وَأَمَّا يَسِيرُ النَّوْمِ فَإِنَّهُ يَخْلُو مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَجْرِي لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَحْوَالَ الْإِنْسَانِ تَخْتَلِفُ فِي النَّوْمِ بِاخْتِلَافِ هَيْئَتِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكْثُرُ مِنْهُ الْحَدَثُ وَيَتَهَيَّأُ خُرُوجُهُ. وَالثَّانِي: لَا يُمْكِنُ مَعَهُ فِي الْغَالِبِ وَهُوَ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَتَهَيَّأُ مَعَهُ الِاسْتِغْرَاقُ فِي النَّوْمِ كَحَالَةِ الرُّكُوعِ. وَالثَّانِي لَا يَتَهَيَّأُ مَعَهُ خُرُوجُ الْحَدَثِ كَحَالِ الْجُلُوسِ فَإِذَا تَهَيَّأَ أَنْ يَتَّفِقَ الْمَعْنَيَانِ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِغْرَاقُ النَّوْمِ وَلَا يَتَهَيَّأُ خُرُوجُ الْحَدَثِ فَلَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَهِيَ هَيْئَةُ الِاحْتِبَاءِ وَإِنْ انْفَرَدَتْ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ رَاعَى الْهَيْئَةَ الَّتِي لَا يُمْكِنُ مَعَهَا خُرُوجُ الْحَدَثِ فَيَقُولُ لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ جَالِسًا مَا لَمْ يُطِلْ ذَلِكَ وَلَا يُرَاعِي الْهَيْئَةَ الْأُخْرَى فَيُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ رَاكِعًا وَابْنُ حَبِيبٍ يُرَاعِي هَذِهِ الْهَيْئَةَ وَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ. (ش) : ذَهَبَ زَيْدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَى أَنَّ الْقِيَامَ إنَّمَا هُوَ الْقِيَامُ مِنْ النَّوْمِ خَاصَّةً وَذَهَبَ إلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْآيَةَ قَدْ وَرَدَ فِيهَا ذِكْرُ سَائِرِ الْأَحْدَاثِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ فَيَجِبُ حَمْلُ أَوَّلِهَا عَلَى الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ لِيَجْتَمِعَ فِي الْآيَةِ أَنْوَاعُ الْأَحْدَاثِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ وَذَهَبَ غَيْرُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ إلَى أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعُمَّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ جَمِيعَ الْأَحْدَاثِ ثُمَّ يَخُصَّ بَعْضَهَا بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذَلِكَ. [بَابُ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ مِنْ الطَّهَارَةِ] ١ (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مَعْنَاهُ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لِلصَّلَاةِ قَالَ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى» وَهَذَا مَا لَمْ يَنْوِ الْوُضُوءَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاس أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ يُنْوَى مَحَلُّ مُوجِبِهَا مِنْ جِسْمِ الْمُكَلَّفِ فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ أَصْلُ ذَلِكَ التَّيَمُّمُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي تَبْيِينِ مَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ مِنْ الطَّهَارَةِ. وَالْبَابُ الثَّانِي: فِي إيضَاحِ مَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ مِنْ النِّيَّاتِ. وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي مَحَلِّ النِّيَّةِ مِنْ الطَّهَارَةِ. (بَابُ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ مِنْ الطَّهَارَةِ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ

стр. 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْغُسْلَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ لِمَا يَكُونُ بِالْإِنْسَانِ مِنْ الْعَرَقِ وَالصُّنَانِ الَّذِي يَلْزَمُ إزَالَتُهُ لِلصَّلَاةِ الَّتِي شُرِعَ لَهَا النَّظَافَةُ وَالتَّجَمُّلُ فَإِنَّهُ قَدْ اعْتَبَرَ فِيهَا مِنْ الْعَدَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ كَالْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْعِبَادَةِ فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ وَلِأَنَّهَا أَيْضًا تَتَعَدَّى مَحَلَّ مُوجِبِهَا لِأَنَّهَا تَلْزَمُ مَنْ لَا عَرَقَ لَهُ وَلَا صُنَانَ وَتَتَعَلَّقُ مِنْ الْأَعْضَاءِ بِمَا يُعْدَمُ فِيهِ ذَلِكَ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَأَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِإِزَالَةٍ مَعْنًى فَاعْتُبِرَتْ إزَالَتُهُ دُونَ النِّيَّةِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ فَإِنَّ افْتِقَارَهُ إلَى النِّيَّةِ يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ كَابْنِ الْقَاسِم اعْتَبَرَ فِيهِ النِّيَّةَ وَمَنْ رَأَى غَسْلَهُمَا عَلَى سَبِيلِ النَّظَافَةِ كَأَشْهَبَ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَلَا يَعْتَبِرُ فِي ذَلِكَ نِيَّةً وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مَا يَقْتَضِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا غَسْلُ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ فَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَتَعَدَّى مَحَلَّ وُجُوبِهَا وَأَمَّا مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا فَأَرَادَ أَنْ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ أَوْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْنِ أَسْفَلَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَقَدْ انْفَصَلَتْ مِنْ جُمْلَتِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لَهَا وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ غَسْلَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ جَفَّ وُضُوءُهُ وَطَالَ أَمْرُهُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ فِي غَسْلِهِ مِنْ النِّيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ بِيَدِهِ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ قَبْلَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عِنْدَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [بَابٌ فِي إيضَاحِ مَا يُجْزِئُ مِنْ النِّيَّةِ] ١ ِ وَأَمَّا الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يُجْزِئُ مِنْ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَا يَتَنَاوَلُ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ. وَالثَّانِي: بِمَا يَتَنَاوَلُ مِنْ الْعِبَادَاتِ. فَإِذَا تَسَاوَتْ الطَّهَارَتَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَفِيمَا تَتَنَاوَلُهُ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ وَفِيمَا تَمْنَعُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ نِيَّةَ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ تَنُوبُ عَنْ الْأُخْرَى وَإِنْ تَسَاوَتَا فِي الْغُسْلِ وَاخْتَلَفَتَا فِي أَنَّ إحْدَاهُمَا عَنْ حَدَثٍ وَالْأُخْرَى سَبَبُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْغُسْلِ لِلرَّوَاحِ لِلْجُمُعَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ وَلَمْ يَنْوِ الْجَنَابَةَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِيهِ نِيَّةُ الْغُسْلِ لِلرَّوَاحِ عَنْ نِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ نَافِعٍ تُجْزِيهِ وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَا تُجْزِيهِ نِيَّةٌ عَنْ نِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ تُجْزِئَ نِيَّتُهُ عَنْ نِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كَمَنْ تَوَضَّأَ لِنَافِلَةٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهَا فَرِيضَةً. (فَرْعٌ) وَإِنْ نَوَى الْجَنَابَةَ فَهَلْ يُجْزِيهِ عَنْ نِيَّةِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَشْهَبُ يُجْزِيهِ وَجْهُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ وَلَا يَنْتَقِضُ بِالْحَدَثِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَشْهَبَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَإِنْ نَوَى الطَّهَارَتَيْنِ مَعًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تُجْزِيهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَا تُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجَنَابَةِ وَيُجْزِيهِ ذَلِكَ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَلَى وُضُوءٍ يَتَوَضَّأُ مُجَدِّدًا لِلطَّهَارَةِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ فَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ

стр. 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ قَصَدَ النَّافِلَةَ وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْفَرْضِ فِي تَكْرَارِ الْوُضُوءِ يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ لِتَنُوبَ الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ عَمَّا نَقَصَ مِنْ الْأُولَى فَإِنْ أَتَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بِنِيَّةِ الْفَصْلِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي تَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: إنَّهُ لَا يَكُونُ التَّكْرَارُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَإِنَّمَا يُؤْتَى بِهِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ بِمَنْزِلَةِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّ النَّفَلَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْفَرْضِ فَتَتِمَّ بِهِ فَضِيلَتُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاةَ فَرْضٍ فَذًّا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَهَا فِي جَمَاعَةٍ لِلْفَضِيلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهَا إلَّا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ وَلَوْ صَلَّاهَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ لَمَا كَمَلَتْ بِهَا فَضِيلَةُ الْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ جَنَابَةً فَاغْتَسَلَ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَتْ بِهِ جَنَابَةٌ فَهَذَا الْغُسْلُ يَرْفَعُ حُكْمَهَا ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ جَنَابَةً فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِيهِ. وَقَالَ عِيسَى يُجْزِيهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ قَالَ مَنْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ أَجْزَاهُ قَالَ عِيسَى فَكَيْفَ بِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الْوُجُوبِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَتَقْسِيمٍ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَغْتَسِلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَخْلُو أَنْ يَشُكَّ هَلْ أَجْنَبَ بَعْدَ غُسْلِهِ أَوْ أُرِيَ شَيْئًا فَشَكَّ أَهُوَ جَنَابَةٌ أَوْ غَيْرُهَا أَوْ لَمْ يَشُكَّ بَلْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ عَلَى طَهَارَةٍ فَإِنْ شَكَّ فِي الْجَنَابَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ فَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَهَذَا الشَّكُّ عِنْدَهُ يَقُومُ مَقَامَ تَيَقُّنِ الْجَنَابَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِيهِ وَلَا أَنْ يُشَبِّهَهُ بِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الطَّهَارَةَ مَعَ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الشَّكِّ مُسْتَحَبَّةٌ وَأَمَّا مَنْ رَأَى بَلَلًا فَشَكَّ فِيهِ فَإِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ الْغُسْلَ يَلْزَمُهُ وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَلْزَمُهُ وَأَمَّا مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ فَاغْتَسَلَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِظْهَارًا مُجَدِّدًا لِغُسْلِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَوَضَّأَ مُجَدِّدًا لِوُضُوئِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا تَسَاوَتْ الطَّهَارَتَانِ عَنْ حَدَثٍ وَاخْتَلَفَتْ مَوَانِعُهُمَا كَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ فَإِنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَلَا تَمْنَعُهُ الْجَنَابَةُ فَإِنْ اغْتَسَلَتْ الْحَائِضُ تَنْوِي الْجَنَابَةَ دُونَ الْحَيْضِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ لَا يُجْزِئُ وَفِي كِتَابِ الْحَاوِي لِلْقَاضِي أَبِي الْفَرَجِ يُجْزِي. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ مِمَّا لَا تَمْنَعُ مِنْهُ الْجَنَابَةُ وَإِذَا رَفَعَ مُوجِبَ الْجَنَابَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ جَمِيعُ مُوجِبِ الْحَيْضِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِيَهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ هَذَيْنِ حَدَثَانِ مُوجِبُهُمَا وَاحِدٌ فَوَجَبَ أَنْ تَنُوبَ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنْ نِيَّةِ الْآخَرِ كَالْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ وَالْبَوْلِ وَاخْتِلَافُ مَوَانِعِهِمَا لَا يُوجِبُ التَّنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْحَائِضَ لَوْ نَوَتْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ خَاصَّةً لَأَجْزَأَهَا ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ مَوَانِعِ الْحَيْضِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلِهَذَا اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ يَنْوِي مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ وَجَوَّزَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ نَوَتْ بِغُسْلِهَا الْحَيْضَ دُونَ الْجَنَابَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُجْزِيهَا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَهَذَا مُطَّرِدٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَا يَرَى لِلْحَائِضِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَعَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَا يَرَى لَهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ جُمْلَةً وَأَمَّا مَنْ حَمَلَ قَوْلَ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ عَلَى تَجْوِيزِ الْقِرَاءَةِ لَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ نِيَّةَ الْحَيْضِ لَا تُجْزِي عَنْ نِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا تَخْتَلِفُ مُوجِبَاتُهُ وَمَوَانِعُهُ كَالْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَإِنَّ نِيَّةَ الْأَعَمِّ مِنْهُ تَنُوبُ عَنْ نِيَّةِ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ فَتَنُوبُ نِيَّةُ الْجَنَابَةِ عَنْ نِيَّةِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَلَا تُجْزِئُ نِيَّةُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ عَنْ نِيَّةِ الْأَكْبَرِ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَأَمَّا فِي التَّيَمُّمِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِاخْتِلَافِ مَوَانِعِهِمَا وَاتِّفَاقِ مُوجِبِهِمَا.

стр. 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَأَمَّا تَنَاوُلُ النِّيَّةِ لِلْعِبَادَاتِ وَالْأَفْعَالِ فَإِنْ نَوَى بِالطَّهَارَةِ اسْتِبَاحَةَ جَمِيعِ مَا يَمْنَعُهُ حَدَثُهَا أَجْزَأَ ذَلِكَ وَهُوَ أَعَمُّ وُجُوهِهَا فَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فِعْلٍ بِعَيْنِهِ فَإِنَّ الْأَفْعَالَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا تَكُونُ الطَّهَارَةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ. وَالثَّانِي: مَا شُرِعَتْ فِيهِ الطَّهَارَةُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ. وَالثَّالِثُ: مَا لَمْ تُشْرَعْ فِيهِ طَهَارَةٌ بِوَجْهٍ. فَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فِعْلٍ شُرِعَتْ الطَّهَارَةُ فِي صِحَّتِهِ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُجْزِي وَيُسْتَبَاحُ بِهَا ذَلِكَ الْفِعْلُ مِثْلُ أَنْ يَنْوِيَ الْجُنُبُ الصَّلَاةَ أَوْ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ يُجْرَى مَجْرَى ذَلِكَ أَنْ يَنْوِيَ الْجُنُبُ دُخُولَ الْمَسْجِدِ أَوْ يَنْوِيَ الْمُحْدِثُ صَلَاةَ نَافِلَةٍ. (فَرْعٌ) وَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَ بِهِ سَائِرَ مَوَانِعِ ذَلِكَ الْحَدَثِ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ نَوَى صَلَاةً بِعَيْنِهَا أَوْ مَسَّ مُصْحَفٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ بِهِ كُلَّ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ ذَلِكَ الْحَدَثُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ فِيمَنْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ اسْتِبَاحَةَ صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا دُونَ غَيْرِهَا إنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ فِي رَفْعِ نِيَّةِ الطَّهَارَةِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الطَّهَارَةَ لَا تُرْفَعُ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا نَوَى وَغَيْرَهَا وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا تُرْفَعُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرَهَا لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى رَفْضَ طَهَارَتِهِ بَعْدَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ شَيْئًا بَعْدَهَا وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا وَبَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا دُونَ غَيْرِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بِطَهَارَتِهِ فِعْلًا شُرِعَتْ فِيهِ اسْتِحْبَابًا مِثْلُ أَنْ يَتَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ النَّوْمِ فَقَدْ حَكَى أَبُو الْفَرَجِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِوُضُوئِهِ ذَلِكَ وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُخْتَصَرِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ لِيَكُونَ عَلَى طُهْرٍ. وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ لِلنَّوْمِ وَمِثْلُ هَذَا يَلْزَمُ فِي الْوُضُوءِ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ أَوْ السَّعْيِ أَوْ الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ وَدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَأَلْحَقَ ابْنُ حَبِيبٍ بِذَلِكَ مَنْ تَوَضَّأَ لِيَدْخُلَ عَلَى الْأَمِيرِ وَرَوَاهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بِوُضُوئِهِ اسْتِبَاحَةَ مَا لَمْ تُشْرَعْ فِيهِ الطَّهَارَةُ أَصْلًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ صَلَاةً وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ وَمَنْ تَوَضَّأَ لِيُعَلِّمَ الْوُضُوءَ أَوْ لِيَتَعَلَّمَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُصَلِّي بِهِ وَفِي النَّوَادِرِ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا مُكْرَهًا لَمْ يُجْزِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ الْجُنُبَ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْوِيَ بِطَهَارَتِهِ الْجَنَابَةَ أَوْ مَا يُغْسَلُ مِنْهُ جَمِيعُ الْجَسَدِ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ جَمِيعِ مَوَانِعِهَا وَبَعْضِهَا. وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الطَّهَارَةِ مِنْ مَعْنًى تَجِبُ مِنْهُ أَوْ شُرِعَتْ فِيهِ اسْتِحْبَابًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَعْيِينُ الْحَدَثِ وَنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الْمَوَانِعِ وَبَعْضِهَا فَإِنْ اغْتَسَلَ وَلَمْ يُعَيِّنْ حَدَثًا فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ مَنْ اغْتَسَلَ يَنْوِي التَّطْهِيرَ وَلَا يَنْوِي الْجَنَابَةَ قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً لَا يُجْزِيهِ. وَقَالَ مَرَّةً يُجْزِيهِ وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَيَلْزَمُ فِي التَّيَمُّمِ تَعْيِينُ الْفِعْلِ الَّذِي يُسْتَبَاحُ بِهِ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابٌ فِي مَحَلِّ النِّيَّةِ مِنْ الطَّهَارَةِ] ١ ِ وَمَحَلُّ النِّيَّةِ مِنْ الطَّهَارَةِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ فِي أَوَّلِهَا عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِهَا وَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّهَا عِنْدَ ابْتِدَائِهِ بِفَرْضِ الطَّهَارَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَوَجَّهَ إلَى الْبَحْرِ أَوْ الْحَمَّامِ يَنْوِي غُسْلَ الْجَنَابَةِ فَلَمَّا أَخَذَ فِي الطُّهْرِ نَسِيَ الْجَنَابَةَ أَنَّهُ يُجْزِيهِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ يُجْزِيهِ فِي الْبَحْرِ وَلَا يُجْزِيهِ فِي الْحَمَّامِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْزِلَةُ ذَلِكَ مَنْزِلَةُ مَنْ يُوضَعُ لَهُ الْمَاءُ وَهُوَ يَقْصِدُ الِاغْتِسَالَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَنَسِيَ حَتَّى فَرَغَ فَإِنَّ ذَلِكَ

стр. 52

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ مِنْ رُعَافٍ وَلَا مِنْ دَمٍ وَلَا مِنْ قَيْحٍ يَسِيلُ مِنْ الْجَسَدِ وَلَا يَتَوَضَّأُ إلَّا مِنْ حَدَثٍ يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ دُبُرٍ أَوْ نَوْمٍ. ــ [المنتقى] يُجْزِئُ عَنْهُ لِأَنَّهُ عَلَى نِيَّتِهِ مَا دَامَ مُشْتَغِلًا بِالْعَمَلِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ النِّسْيَانُ وَفَرَّقَ سَحْنُونٌ بَيْنَ الْبَحْرِ وَالْحَمَّامِ بِأَنَّ الْبَحْرَ لَا يَقْصِدُهُ فِي الْغَالِبِ إلَّا لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَأَمَّا الْحَمَّامُ فَيَقْصِدُهُ لِيَغْتَسِلَ فِيهِ تَنَظُّفًا وَهَذَا التَّعْلِيلُ صَحِيحٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَيْرَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ إنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ حُكْمِ نِيَّاتِ الْعِبَادَةِ أَنْ تُقَارِنَ افْتِتَاحَهَا إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ كَمَا يَمْنَعُ مِنْ الصَّوْمِ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ الصَّوْمَ فِي غُرَّةٍ أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ لَيْلَتِهِ وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَإِنَّهَا تُفْتَتَحُ بِنَوَافِلِهَا فَلَوْ قَارَنَتْ النِّيَّةُ الْفَرْضَ لَعَرَا غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ عَنْ النِّيَّةِ فَجَازَ لَهُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْمَشْيِ إلَى مَوْضِعِ الْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْوُضُوءُ مَعَ اتِّصَالِ الْعَمَلِ بِهِ إلَى الشُّرُوعِ فِي الْوُضُوءِ وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تُفْتَتَحُ بِفَرْضٍ مِنْ فُرُوضِهَا وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُكَلَّفِ الدُّخُولُ فِيهَا لِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ فَوَجَبَ أَنْ تُقَارِنَ النِّيَّةُ افْتِتَاحَهَا وَكَذَلِكَ الْحَجُّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَغُسْلِ الْكِتَابِيَّةِ إذَا انْقَطَعَ عَنْهَا دَمُ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَمَنْ وَضَّأَ غَيْرَهُ لِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ قَالَ النِّيَّةُ عَلَى الْمُوَضَّأِ لَا عَلَى الْغَاسِلِ. (فَصْلٌ) : ذَكَرَ ابْنُ الْجَهْمِ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَكَانَ الطُّهْرُ بِمَكَّةَ مِنْ النَّوَادِرِ وَهَذَا أَمْرٌ لَوْ صَحَّ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ الْوُضُوءُ بِمَكَّةَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَوَارِدًا مِنْ قَبْلِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْوُجُوبِ لَكِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ الْقُرْآنُ إلَّا بِالْمَدِينَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فَذَكَرَ الْمُلَامَسَةَ وَالْمَجِيءَ مِنْ الْغَائِطِ مَعَ النَّوْمِ وَهِيَ أُصُولُ أَسْبَابِ الطَّهَارَةِ إلَّا أَنَّ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهَا عَلَى التَّحْقِيقِ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا قَالَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ. (ش) : قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُنَا إنَّ الْأَحْدَاثَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا فِي الْمَذْهَبِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: ذَهَابُ الْعَقْلِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ. وَالثَّانِي: مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ حُكْمَهُ الْآنَ. وَالثَّالِثُ: الْمُلَامَسَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنْ الْجَسَدِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ خَارِجٍ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَخَارِجٍ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ عَلَى وُجُوهٍ سَنُبَيِّنُهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجِسًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّ نَجَاسَةٍ سَالَتْ مِنْ الْجَسَدِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ خَرَجَتْ مِنْهُ فَالْوُضُوءُ يَجِبُ بِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ قَلِيلُهُ فَلَمْ يَنْقُضْهَا كَثِيرُهُ كَالْبُصَاقِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُون مُعْتَادًا أَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ فَإِنْ كَانَ مُعْتَادًا فَإِنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْوَدْيِ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ مَاءٌ أَبْيَضُ خَاثِرٌ يَخْرُجُ بِإِثْرِ الْبَوْلِ يَكُونُ مِنْ الْجِمَاعِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَكُونُ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِحَمَّامٍ أَوْ إبْرِدَةٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَقِيلَ بِدَالٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ وَكُلٌّ قَدْ حُكِيَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَدْ اُسْتُوْعِبَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَهَذِهِ الْمَعَانِي

стр. 53

وَحَدَثَنِي عَن مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَنَامُ جَالِسًا ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ) . الطَّهُورُ لِلْوُضُوءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ بَنِي الْأَزْرَقِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ ــ [المنتقى] الثَّلَاثَةُ يَجِبُ بِهَا الْوُضُوءُ خَاصَّةً وَالْمَذْيُ هُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الِالْتِذَاذِ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ التَّذْكَارِ فَإِنَّ فِيهِ الْوُضُوءَ وَهَلْ يَجِبُ فِيهِ غَسْلُ الذَّكَرِ أَمْ لَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا الْمَنِيُّ فَإِنَّهُ تَجِبُ بِهِ الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى. (فَرْعٌ) وَهَذَا كُلُّهُ إذَا تَيَقَّنَ خُرُوجَهُ فَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: إنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ أَحْدَثَ وَلَا يَدْرِي أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ الْوُضُوءِ أَوْ بَعْدَهُ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ. وَالثَّانِي: إنْ تَيَقَّنَ الْوُضُوءَ وَشَكَّ أَحْدَثَ بَعْدَهُ أَمْ لَا فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَرَوَى عَنْهُ لَا يُعِيدُهُ وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ إلَى أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا إيجَابُ إعَادَةِ الْوُضُوءِ وَالثَّانِيَةُ نَفْيُهُ وَذَهَبَ الْمَغَارِبَةُ إلَى أَنَّهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدِي لِأَنَّ مَالِكًا قَاسَهُ عَلَى مَنْ شَكَّ أَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَقَالَ عَلَيْهِ إتْمَامُ مَا شَكَّ فِيهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ الْيَقِينُ إلَّا بِاسْتِئْنَافِ الطَّهَارَةِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ لِلشَّكِّ فِي بَقَاءِ الطَّهَارَةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ فَإِنْ شَكَّ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَهَذَا حُكْمُهُ وَإِنْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: يَقْطَعُ وَيَتَوَضَّأُ. وَالثَّانِيَةُ: إنْ شَكَّ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَإِنْ شَكَّ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: أَنَّ هَذَا شَكٌّ فِي الطَّهَارَةِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ كَاَلَّذِي يَشُكُّ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: مَا رُوِيَ «عَنْهُ ﷺ فِي الَّذِي يُخَيَّلُ إلَيْهِ الشَّيْءُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُتَلَبِّسَ بِالصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ وَإِذَا وَجَدَهُ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِهَا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ فَهُوَ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ أَمْرٌ يَشُكُّ هَلْ هُوَ حَدَثٌ أَمْ لَا مِثْلُ أَنْ يَتَخَيَّلَ لَهُ رِيحًا وُجِدَتْ مِنْهُ أَوْ يَجِدَ بَلَلًا فَلَا يَدْرِي فَهَذَا قَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْمُتَخَيِّلِ لَا طَهَارَةَ عَلَيْهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي يَشُكُّ بَعْدَ الطَّهَارَةِ فِي الْحَدَثِ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَجِدُ الْبَلَلَ فَلَا يَدْرِي مَا هُوَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ عَرَقٌ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ وَجَدَ الْبَلَلَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ قَالَ وَإِنْ وَجَدَهُ خَارِجَ الصَّلَاة فَشَكَّ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعْتَادِ فَهُوَ كَالْحَصَى وَالدَّمِ وَالدُّودِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ وُضُوءٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ خَارِجٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْوُضُوءُ كَدَمِ الْفِصَادَةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَوَجَبَ بِهِ الْوُضُوءُ كَالْمُعْتَادِ. (ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ نَوْمَهُ كَانَ يَسِيرًا يَعْلَمُ مَعَهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ مُسْتَوَى جُلُوسِهِ وَهَذَا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ رَأَى فِي ذَلِكَ رَأْيَ الْمُخَالِفِ.

стр. 54

الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ) . ــ [المنتقى] [الطَّهُورُ لِلْوُضُوءِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَا يَرْكَبُونَهُ لَا يَحْمِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَيَكُونُ اقْتِصَارُهُمْ عَلَى قَلِيلِ الْمَاءِ لِهَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ وَيَكُونُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِلضَّرُورَةِ قَوْلُهُ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَطَشَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي تَرْكِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُعَدِّ لِلشُّرْبِ وَلِذَلِكَ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى التَّعَلُّقِ بِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ هُوَ الطَّهُورُ يَعْنِي الَّذِي يَتَكَرَّرُ التَّطْهِيرُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى طَهُورٍ طَاهِرًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوهُ هَلْ هُوَ طَاهِرٌ وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ هَلْ هُوَ مُطَهِّرٌ فَأَجَابَهُمْ بِأَنَّهُ طَهُورٌ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَ طَهُورٍ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى مُطَهِّرٍ وَلَا يَكُونُ مُطَهِّرًا حَتَّى يَكُونَ مَاءً طَاهِرًا وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِمَاءِ الْبَحْرِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا لِأَحَدٍ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَهُوَ نَصٌّ فِي الْحُكْمِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَالْمِيَاهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُطْلَقٌ وَمُضَافٌ فَالْمُطْلَقُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِقَرَارٍ لَهُ وَيَنْفَكُّ الْمَاءُ عَنْهُ غَالِبًا كَمَاءِ السَّمَاءِ وَالْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ وَالْبَحْرِ وَهَذَا هُوَ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ وَكَذَلِكَ مَا تَغَيَّرَ مِنْ الْمِيَاهِ وَالتُّرَابِ وَالْحَمْأَةِ الَّذِي هُوَ قَرَارٌ لَهَا وَكَذَلِكَ مَا جَرَى مِنْ الْمِيَاهِ عَلَى كُحْلٍ أَوْ نُورَةٍ أَوْ شَبٍّ أَوْ كِبْرِيتٍ أَوْ زَاجٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ يُغَيِّرُ صِفَاتِهِ وَعَلَى ذَلِكَ عَمَلُ النَّاسِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَكَذَلِكَ مَا تَغَيَّرَ بِالطُّحْلُبِ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكَّ الْمَاءُ عَنْهُ غَالِبًا وَأَمَّا إذَا سَقَطَ وَرَقُ الشَّجَرِ أَوْ الْحَشِيشُ فِي الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ فَإِنَّ مَذْهَبَ شُيُوخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْوُضُوءُ بِهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيُّ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ الْمَاءُ عَنْهُ غَالِبًا وَلَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ وَيَشُقُّ تَرْكُ اسْتِعْمَالِهِ كَالطُّحْلُبِ. وَقَدْ رَوَى فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ غَانِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي غُدُرٍ تَرِدُهَا الْمَاشِيَةُ فَتَبُولُ فِيهَا وَتَرُوثُ فَتُغَيِّرُ طَعْمَ الْمَاءِ وَلَوْنَهُ لَا يُعْجِبُنِي الْوُضُوءُ بِهِ وَلَا أُحَرِّمُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْفَكُّ الْمَاءُ عَنْهُ غَالِبًا وَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ مِنْهُ وَأَمَّا مُخَالَطَةُ الْمِلْحِ الْمَاءَ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْمِلْحُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ فَإِذَا غُيِّرَ الْمَاءُ يُمْنَعُ الْوُضُوءُ بِهِ. وَقَدْ رَأَيْت الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ وَأَبَا الْحَسَنِ اخْتَلَفَا فِي مَسْأَلَةِ الْمِلْحِ يُخَالِطُ الْمَاءَ فَأَجَازَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ بِهِ وَمَنَعَهُ الْآخَرُ وَلَمْ يَفْصِلَا وَيُحْتَمَلُ كَلَامُ شُيُوخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ الْمِلْحَ الْمَعْدِنِيَّ هُوَ الَّذِي حُكْمُهُ حُكْمُ التُّرَابِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَأَمَّا مَا يَجْمُدُ لِصَنْعَةِ آدَمِيٍّ فَقَدْ دَخَلَتْهُ الصِّنَاعَةُ الْمُعْتَادَةُ فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِنْ غُيِّرَ الْمَاءُ بِمُخَالَطَتِهِ مُنِعَ الْوُضُوءُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمُضَافُ مِنْ الْمِيَاهِ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَا خَالَطَهُ غَيْرُهُ وَكَانَ مُضَافًا إلَيْهِ وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَلَا سِيَّمَا الْمَالِكِيِّينَ وَاقِعٌ عَلَى مَا تَغَيَّرَتْ صِفَاتُهُ بِمَا أُضِيفَ إلَيْهِ فَأَمَّا مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَاتُهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُخَالِطَهُ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ فَإِنْ خَالَطَهُ طَاهِرٌ كَالْيَسِيرِ مِنْ الْخَلِّ وَالْعَسَلِ وَالْمَذْيِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ الطَّهَارَةُ بِهِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ لَا يُطَهِّرُ وَإِذَا تَوَضَّأَ مُكَلَّفٌ بِالْمَاءِ وَأَزَالَ بِهِ حُكْمَ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ تُعَادَ بِهِ طَهَارَةٌ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَوَضَّأَ بِهِ وَأَجْزَأَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا أَصْبَغَ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ تَأْوِيلًا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وَطَهُورٌ عَلَى مِثَالِ شَكُورٍ وَصَبُورٍ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَكْثُرُ مِنْهُ الْفِعْلُ وَهَذَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ مَرَّةً لَا يَمْنَعُ مِنْ رَفْعِهِ بِهِ ثَانِيَةً كَرَفْعِهِ مِنْ آخِرِ الْعُضْوِ بَعْدَ تَطْهِيرِ أَوَّلِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ -

стр. 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عَنْهُ وَقَوْلُ أَصْبَغَ عِنْدِي مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ يَسِيرَ الطَّاهِرِ يَسْلُبُ الْمَاءَ حُكْمَ التَّطْهِيرِ وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَلَى جَسَدِ الْإِنْسَانِ أَثَرٌ يَسِيرٌ مِنْ عِرْقٍ أَوْ غُبَارٍ أَوْ غَيْرِهِ فَخَالَطَ الْمَاءَ فَيُسْلَبُ حُكْمَ التَّطْهِيرِ وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَصْبَغَ فَإِنَّ هَذَا الْمَاءَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَجِسٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَاءٌ طَاهِرٌ لَاقَى أَعْضَاءً طَاهِرَةً فَلَمْ يَنْجُسْ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِهِ تَبَرُّدًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ الْمُخَالِطُ لِمَاءٍ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ نَجِسًا فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا فَاَلَّذِي رَوَاهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُطْلِقُ عَلَيْهِ اسْمَ النَّجَاسَةِ فِي رِوَايَتِهِ وَقَوْلِهِ وَيَرَى عَلَى مَنْ تَوَضَّأَ بِهِ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ يَعُودُ إلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ الَّذِي حَكَاهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْهُ وَأَمَّا الْخِلَافُ فَفِي الْعِبَارَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلَّمَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَإِنَّهُ نَجِسٌ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَنْجُسْ مِنْهُ غَيْرُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا نَجِسَ جَمِيعُهُ وَالْكَثِيرُ عِنْدَهُ الْغَدِيرُ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحَرُّكِ الْآخَرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نَجِسٌ وَالْقُلَّةُ عِنْدَهُ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحٍ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ تُطْرَحُ فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَاءٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِقَرَارِهِ وَيَنْفَكُّ الْمَاءُ عَنْهُ غَالِبًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا مُطَهِّرًا كَمَا لَوْ زَادَ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِخَوْفِ الْخِلَافِ فِيهِ وَهَذَا الْمَاءُ يُسَمِّيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ نَجِسًا وَيَحْكُمُ لَهُ بِحُكْمِ الْمَاءِ الْمَكْرُوهِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ بِهِ بِحُكْمِ الْمَاءِ النَّجِسِ فِي غَسْلِ الثَّوْبِ وَالْجِسْمِ مِنْهُ وَتَبِعَهُ عَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَعْرِفُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ ثُمَّ اغْتَسَلَ فِي الْبَحْرِ تَبَرُّدًا أَنَّهُ يُجْزِيهِ مِنْ طَهَارَةِ أَعْضَائِهِ يَعْنِي مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ وَيَصِحُّ وُضُوءُهُ بِالْمَاءِ النَّجِسِ قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَجِسًا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ كَاَلَّذِي تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ فَلَا يُجْزِيهِ حَتَّى يُعِيدَ الْوُضُوءَ بِنِيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ هُوَ مَاءٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي سُؤْرِ الْكَلْبِ وَأَمَّا سُؤْرُ النَّصْرَانِيِّ وَفَضْلُ وُضُوئِهِ فَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَتَوَضَّأُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهِ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِ وُضُوئِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ لِأَنَّهُ لَا يَتَدَيَّنُ بِالتَّوَقِّي مِنْهَا لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَأْكُلُ النَّجَاسَةَ مِنْ الدَّجَاجِ الْمُخْلَاةِ وَغَيْرِهَا الَّتِي يُمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِهَا. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ إذَا أَمِنَتْ أَنْ يَأْكُلَ مَيْتَةً أَوْ يَشْرَبَ خَمْرًا فَلَا بَأْسَ بِسُؤْرِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَأَمَّا الْبِئْرُ تَقَعُ فِيهَا فَأْرَةٌ أَوْ دَجَاجَةُ أَوْ هِرَّةٌ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبِئْرِ تَقَعُ فِيهَا الْهِرَّةُ فَتَمُوتُ فَيُنْزَحُ مِنْهَا قَدْرُ مَا يُطَيِّبُهَا وَأَشَارَ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي بِئْرٍ وَقَعَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ فَتَمَعَّطَتْ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ إنْ سَالَ فِي الْبِئْرِ مِنْ فَرْثِهَا أَوْ دَمِهَا شَيْءٌ نُزِحَتْ إلَى أَنْ يَغْلِبَ الْمَاءُ وَإِنْ لَمْ تَتَفَسَّخْ نُزِحَ مِنْهَا شَيْءٌ وَفَرَّقَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بَيْنَ أَنْ تَقَعَ فِيهَا مَيِّتَةً وَبَيْنَ أَنْ تَقَعَ فِيهَا حَيَّةً فَتَمُوتَ فِيهَا فَقَالَ إنْ وَقَعَتْ مَيِّتَةً لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْمَاءَ وَإِنْ تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ وَلَمْ يُؤْمَرْ أَهْلُ الْبِئْرِ أَنْ يُنَحُّوا مِنْهَا شَيْئًا وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا نُزِحَ مِنْهَا قَدْرُ مَا يُطَيِّبُهَا وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ

стр. 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ وَحَكَى عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ كِلَا الْوَجْهَيْنِ يُفْسِدُ الْمَاءَ وَيُوجِبُ عَدَمَ إبَاحَتِهَا وَاَلَّتِي تَقَعُ فِيهَا مَيِّتَةً أَشَدُّ إفْسَادًا وَفِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِ ذَلِكَ الْمَاءِ الْمَحْكُومِ بِالْمَنْعِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ. وَالثَّانِي: فِي صِفَةِ تَطْهِيرِ الْمَحَلِّ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا الْقَلِيلِ وَبَيْنَ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يُفْسِدُ إلَّا بِالتَّغْيِيرِ. [بَابٌ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْمَمْنُوعِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ] يُمْنَعُ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْمَاءُ الطَّاهِرُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونُ يُجْمَعُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ لِأَنَّهُ مَاءٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَتَيَمَّمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْوُضُوءِ بِهِ فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَهُوَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجَسُ إلَّا بِالتَّغْيِيرِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ لِلْخِلَافِ الظَّاهِرِ فِيهِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ مَاءٌ مَشْكُوكٌ فِي طَهَارَتِهِ فَإِنْ كَانَ مَاءً طَاهِرًا فَقَدْ تَوَضَّأَ بِهِ وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَقَدْ تَيَمَّمَ وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ يَسِيرَ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ التَّيَمُّمَ يَلْزَمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الْمَكْرُوهِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَهَذَا أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ مَنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى يُعِيدُ الصَّلَاةَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَلَا يُعِيدُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ فَإِنَّ ابْنَ سَحْنُونٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ وَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ بَدَأَ بِالْوُضُوءِ وَكَانَ الْمَاءُ نَجِسًا تَنَجَّسَتْ أَعْضَاؤُهُ وَثِيَابُهُ وَإِنْ أَخَّرَ الْوُضُوءَ صَلَّى وَقَدْ نُجِّسَتْ أَعْضَاؤُهُ أَيْضًا فَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلًا وَأَعْضَاؤُهُ طَاهِرَةٌ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِالتَّيَمُّمِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا تَوَضَّأَ بَعْدَ ذَلِكَ وَصَلَّى وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَهُوَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَقَدْ رَأَيْت لِسَحْنُونٍ يُهْرِيقُ الْمَاءَ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ تَوَضَّأَ بِهَذَا الْمَاءِ وَصَلَّى فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَلَا يُعِيدُ بَعْدَهُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ تَوَضَّأَ بِهِ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ غَيْرَ عَالِمٍ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ حَبِيبٍ فِيمَنْ تَرَكَ الْمَسْنُونَ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي عَشَرَتِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِمَاءٍ وَقَعَتْ بِهِ دَجَاجَةٌ فَتَزَلَّعَتْ ثُمَّ صَلَّى وَهُوَ مِمَّا لَوْ عُجِنَ بِهِ لَطُرِحَ ذَلِكَ الطَّعَامُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ إلَّا فِي الْوَقْتِ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى هُوَ كَمَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ أَوْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَبَدًا وَقَوْلُ يَحْيَى مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ كَالْمُتَغَيِّرِ وَمِثْلُ هَذَا يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ لِمَنْ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى دُونَ تَيَمُّمٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ أَدَاءً لِلصَّلَاةِ حِينَ تَوَضَّأَ لَهَا بِمَاءٍ لَا يَعْلَمُ هَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَمْ لَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا امْتَزَجَ بِهَذَا الْمَاءِ مِنْ عَجِينٍ أَوْ حِنْطَةٍ تُبَلُّ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الْخُبْزُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي وَجْهَيْنِ التَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهِيَةُ فَأَمَّا مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَوْمًا سَأَلُوهُ وَقَدْ عَجَنُوا بِهِ خُبْزًا بِمِئِينَ مِنْ دَرَاهِمَ ثُمَّ أَعْلَمُوهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُمْ بِطَرْحِهِ أَوْ عَلْفِهِ الدَّوَابَّ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَكْلِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّحْرِيمِ لَمَا أَمَرَهُمْ بِطَرْحِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إهَانَةِ أَرْفَعِ الْأَقْوَاتِ وَالشَّرْعُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ الْكَثِيرِ وَأَمَّا مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ فَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ مَا عُجِنَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ الْمُتَغَيِّرِ لَا يُطْعَمُ الدَّجَاجَ وَهُوَ كَالْمَيْتَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُمْ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ بِإِطْعَامِهِ الدَّوَابَّ وَالْإِبِلَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نَجِسًا وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ أَنَّ مَا عُجِنَ مِنْ الْخُبْزِ بِمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ مِنْ

стр. 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَحَكَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ لَا يُطْعِمُهُمْ إيَّاهُ وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ فَلَا يُطْعَمُ مَا عُجِنَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانِ وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَة أَنَّ الْعَسَلَ النَّجِسَ يَعْلِفُهُ النَّحْلُ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْحَرَامَ النَّجِسَ يَعْلِفُهُ الْحَيَوَانُ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ ابْنِ حَبِيبٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ النَّحْلَ تَأْكُلُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَسَلَ يُغْتَذَى بِهِ وَيُجْتَنَى عَسَلًا آخَرَ مِنْ النُّوَّارِ وَيَحْكُمُ لَهُ فِي نَفْسِهِ بِحُكْمِ الطَّهَارَةِ لِتَغَيُّبِهِ عَنَّا وَوُرُودِهِ الْمِيَاهَ كَالْهِرَّةِ تَتَنَاوَلُ الْمَيْتَةَ ثُمَّ تَغِيبُ عَنَّا. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ سَقَى الدَّوَابَّ ذَوَاتِ اللَّبَنِ وَالْأَشْجَارَ ذَوَاتِ الثَّمَرِ هَذَا الْمَاءَ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ فَيَنْجُسُ بَوْلُ الْحَيَوَانِ وَلَا يَنْجُسُ لَبَنُهُ وَلَا ثَمَرُ الشَّجَرِ وَأَمَّا مَا طُبِخَ مِنْ اللَّحْمِ بِهَذَا الْمَاءِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُغْسَلُ ذَلِكَ وَيُؤْكَلُ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ مَا فِي اللَّحْمِ مِنْ الْمَائِيَّةِ تَقْوَى بِالنَّارِ فَمَنَعَ الْمَاءُ الْمَكْرُوهَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَاطِنِهِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِظَاهِرِهِ وَالْمَاءُ يُزِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَائِيَّةَ اللَّحْمِ تَمْتَزِجُ بِهَذَا الْمَاءِ الْمَكْرُوهِ فَيَحْصُلُ لَهُ حُكْمُهُ وَلَا سَبِيلَ إلَى إزَالَةِ ذَلِكَ مِنْ بَاطِنِ اللَّحْمِ بِالْغُسْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابٌ فِي صِفَةِ التَّطْهِيرِ مِنْ الْمَاءِ الْمَمْنُوعِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ] (بَابٌ فِي صِفَةِ التَّطْهِيرِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ) . وَأَمَّا تَطْهِيرُ الْمَحَلِّ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُطَهِّرَ مُسْتَقَرَّهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يُطَهِّرَ مَا أَصَابَهُ فَأَمَّا تَطْهِيرُ مُسْتَقَرِّهِ. فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكُ إنْ مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ أَخْرَجَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا يُطَيِّبُهَا وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَ وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنْ تَفَسَّخَتْ فِي الْبِئْرِ نُزِعَتْ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ الْمَاءُ وَإِذَا لَمْ تَتَفَسَّخْ نُزِعَ مِنْهَا شَيْءٌ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ بِقَدْرِ مَا يُطَيِّبُهَا وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ عَنْ أَصْبَغَ قَوْلًا هُوَ عِنْدِي أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُرَاعَى فِي قَدْرِ مَا يَنْزِعُ مِنْ الْبِئْرِ قَدْرُهَا وَقَدْرُ مَاءِ الْبِئْرِ وَطُولُ إقَامَتِهَا فِي الْمَاءِ وَدُرُوجِهَا فِيهِ قَالَ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَرَى أَنَّهُ جَاوَزَهَا وَأَصَابَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَطْهِيرُ مَا أَصَابَ هَذَا الْمَاءُ مِنْ جِسْمٍ أَوْ ثَوْبٍ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُغْسَلُ مِنْهُ الثَّوْبُ وَالْجَسَدُ وَقَدْ قَالَ أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعِيدُ الْمُتَوَضِّئَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ الرَّفِيعُ الَّذِي يُفْسِدُهُ الْغُسْلُ وَلَهُ بَيْعُهُ كَذَلِكَ وَالصَّلَاةُ فِيهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْسِلَ غَيْرَهُ مِنْ الثِّيَابِ وَجَسَدَهُ وَقَدْ قَالَ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي طَهَارَتِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إعَادَةَ الْمُتَوَضِّئِ مِنْهُ الصَّلَاةَ أَبَدًا وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ يُنْضَحُ مِنْهُ الثَّوْبُ. [بَابٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ مِنْ الْمَاءِ الْمَمْنُوعِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ] ١ (بَابٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ مِنْهُ) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْمَاءِ وَبَيْنَ الْكَثِيرِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إلَّا التَّغْيِيرُ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ. وَالثَّانِي: الْبَقَاءُ وَالتَّجَدُّدُ فَأَمَّا الْكَثْرَةُ وَالْقِلَّةُ فَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ أَنَّ الْآبَارَ الصِّغَارَ مِثْلُ آبَارِ الدُّورِ تَفْسُدُ بِمَا مَاتَ فِيهَا مِنْ شَاةٍ أَوْ دَجَاجَةٍ وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ وَلَا تَفْسُدُ بِمَا وَقَعَ فِيهَا مَيِّتًا حَتَّى تَتَغَيَّرَ. وَأَمَّا آبَارُ الزَّرَانِيقِ وَالسَّوَانِي فَلَا يُفْسِدُهَا مَا مَاتَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبِرَكُ الْعِظَامُ جِدًّا وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي جُبٍّ فِيهِ مَاءُ السَّمَاءِ فَتَنْشَقُّ فِيهِ وَتَتَفَسَّخُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ الْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ إلَّا مَا قَرُبَ مِنْهَا إنَّهَا تُخْرَجُ وَيُنْزَعُ مِنْهَا مَا يُذْهِبُ دَسَمَ الْمَيْتَةِ وَالرَّائِحَةَ وَاللَّوْنَ فَتَطِيبُ بِذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَأَنْكَرَ هَذَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَجِبُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَجَدِّدَ وَالدَّائِمَ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْكَثْرَةِ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْمَاءَ الدَّائِمَ خِلَافُ الْمُتَجَدِّدِ فِي هَذَا الْحُكْمِ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ الدَّائِمُ جِدًّا

стр. 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَيَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ فَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قِلَّةُ النَّجَاسَةِ. وَالثَّانِي: تَخْفِيفُ حُكْمِهَا. فَأَمَّا قِلَّتُهَا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إنَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ قَطْرَةٌ مِنْ بَوْلٍ أَوْ دَمٍ إنْ كَانَ مِثْلَ الْجِرَارِ لَمْ تُفْسِدْهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ إنَاءِ الْوُضُوءِ أَفْسَدَتْهُ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْسِدُ مَاءَ بِئْرِ الدَّارِ. وَأَمَّا تَخْفِيفُ حُكْمِهَا فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ إنَاءَ الْوُضُوءِ يُفْسِدُهُ رَوْثُ الدَّابَّةِ وَإِنْ وَجَدَهُ طَافِيًا فِي الْحُبِّ لَمْ يُفْسِدْهُ وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي نَجَاسَتِهِ وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ فِي الْحُبِّ تَجِدُ فِيهِ الرَّوْثَ طَافِيًا رَطْبًا أَوْ يَابِسًا لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ بِنَجَاسَةِ أَرْوَاثِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي غَسْلِ الْخُفِّ مِنْهَا فَقَالَ مَرَّةً يُغْسَلُ وَقَالَ مَرَّةً لَا يُغْسَلُ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا وَالثَّانِيَةُ لِلِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهَا. ١ - (فَصْلٌ) : ثُمَّ نَعُودُ إلَى أَصْلِ التَّقْسِيمِ وَقَدْ قَضَيْنَا الْكَلَامَ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُضَافُ فَهُوَ الَّذِي تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِقَرَارٍ لَهُ وَيَنْفَكُّ عَنْهُ الْمَاءُ غَالِبًا وَتَغَيُّرُهُ يَكُونُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا اعْتِبَارَ فِي تَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِتَغَيُّرِ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمُضَافُ مَا تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِقَرَارٍ لَهُ وَيَنْفَكُّ عَنْهُ الْمَاءُ غَالِبًا فَمَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ خَالَطَتْهُ فَلَا خِلَافَ فِي نَجَاسَتِهِ وَمَا تَغَيَّرَ بِطَاهِرٍ كَالزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فَشَرَطَ عَدَمَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً وَأَبُو حَنِيفَةَ يَجْعَلُ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً وَهُوَ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مَاءٌ قَدْ تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِقَرَارٍ لَهُ وَيَنْفَكُّ الْمَاءُ عَنْهُ غَالِبًا فَلَمْ يَكُنْ مُطَهِّرًا كَمَاءِ الْبَاقِلَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ وَجَدَ مُرِيدُ الطَّهَارَةِ الْمَاءَ مُتَغَيِّرًا وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ أَمِنْ مَعْنًى يَمْنَعُ التَّطْهِيرَ بِهِ أَمْ مَعْنًى لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى ظَاهِرِ أَمْرِهِ فَيَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَاهِرٌ وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ حُمِلَ عَلَى الطَّهَارَةِ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ ظَاهِرٌ فَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي بِئْرٍ فِي دَارٍ تَغَيَّرَتْ وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَغَيَّرَتْ قَالَ يَنْزِفُ يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً فَإِنْ طَابَتْ وَإِلَّا لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْهَا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَخَافُ أَنْ تَسْقِيَهُ قَنَاةُ مِرْحَاضٍ وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ مِنْ أَمْرِهَا لِقُرْبِ الْمَرَاحِيضِ مِنْ آبَارِ الدُّورِ وَرَخَاوَةِ الْأَرْضِ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ رُبَّ بِئْرٍ فِي الصَّفَا وَالْحَجَرِ لَا يَصِلُ إلَيْهَا شَيْءٌ وَرُبَّ أَرْضٍ رَخْوَةٍ يَصِلُ مِنْهَا فَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُرَاعَى فِي مِثْلِ هَذَا. وَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ فِي الْبِئْرِ يَمْتَلِئُ مِنْ النِّيلِ إذَا زَادَ ثُمَّ تُقِيمُ بَعْدَ زَوَالِهِ شَهْرًا لَا يَسْتَقِي مِنْهَا فَتَتَغَيَّرُ رَائِحَتُهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْهَا. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي خَلِيجِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة الَّذِي تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ فَإِذَا جَاءَ النِّيلُ صَفَا مَاؤُهُ وَابْيَضَّ وَإِذَا ذَهَبَ النِّيلُ رَكَدَ وَتَغَيَّرَ وَالْمَرَاحِيضُ إلَيْهِ خَارِجَةٌ قَالَ لَا يُعْجِبُنِي إذَا خَرَجَتْ إلَيْهِ الْمَرَاحِيضُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَقَالَ بِأَثَرِ هَذَا اجْعَلْ بَيْنَك وَبَيْنَ الْحَرَامِ سِتْرًا مِنْ الْحَلَالِ لَا تُحَرِّمْهُ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ كَرَاهِيَةً وَاسْتِظْهَارًا لَا الْحُكْمَ بِنَجَاسَتِهِ لِأَنَّهُ تَجْرِي الْمَرَاحِيضُ إلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِيَاهٌ مَاءٌ فَأَكْثَرُ فَعَلِمَ نَجَاسَةَ أَحَدِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُ فَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَغَيَّرَ أَحَدُهَا بِنَجَاسَةٍ وَسَائِرُهَا بِمَا لَا يَمْنَعُ الطَّهَارَةَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ سَقَطَ فِي أَحَدِهَا نَجَاسَةٌ يَسِيرَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ. إلَّا أَنَّهُ يُمْنَعُ التَّطْهِيرُ بِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَحَكَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُهَا وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ وَيُرْوَى عَنْهُ يَتَوَضَّأُ بِأَحَدِهَا وَيُصَلِّي ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِالْآخَرِ وَيُصَلِّي وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ يَتَوَضَّأُ بِأَحَدِهَا وَيُصَلِّي ثُمَّ يَغْسِلُ مِنْ الْآخَرِ

стр. 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مَوَاضِعَ الطَّهَارَةِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيُصَلِّي وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ يَتَحَرَّى أَحَدَهَا فَيَتَوَضَّأُ بِهِ وَيُصَلِّي بِهِ وَيُجْزِئُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنْ كَانَ عَدَدُ الْمِيَاهِ قَلِيلًا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ إنَاءٍ مِنْهَا وَيُصَلِّي بِطَهَارَتِهِ فَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً يُؤَدِّي اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ إلَى الْمَشَقَّةِ جَازَ لَهُ التَّحَرِّي وَجْهُ مَنْعِ التَّحَرِّي أَنَّهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَلَهُ طَرِيقٌ يُوَصِّلُهُ إلَى الْيَقِينِ فِيهِ فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً وَاحِدَةً لَا يَدْرِي أَيَّ صَلَاةٍ هِيَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ صَلَاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَرِّي وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ بِأَحَدِهَا لَمْ يُؤَدِّ الصَّلَاةَ بِيَقِينٍ وَإِذَا تَوَضَّأَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَصَلَّى لَزِمَهُ صَلَاتَانِ لِلظُّهْرِ وَهُوَ خِلَافُ الْأُصُولِ فَوَجَبَ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذَا أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَى هَذَا مَنْ نَسِيَ صَلَاةً وَجَهِلَ عَيْنَهَا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ بِالتَّحَرِّي أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ تُؤَدَّى تَارَةً بِيَقِينٍ وَتَارَةً بِظَاهِرٍ فَجَازَ دُخُولُ التَّحَرِّي فِيهَا عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ مُعَايَنَتِهَا وَالظَّاهِرُ مَعَ عَدَمِ الْمُعَايَنَةِ وَالْيَقِينِ فِي الْوُصُولِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ الْبَحْرِ وَالنِّيلِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ مُتَغَيِّرٍ لَا يَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ غَيَّرَهُ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْوُضُوءِ بِكُلِّ إنَاءٍ فَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي تَرْكِهِ غَسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْإِنَاءِ الثَّانِي قَبْلَ الْوُضُوءِ بِهِ أَنَّ الْمَاءَ الثَّانِيَ إذَا غَلَبَ عَلَى آثَارِ الْمَاءِ الْأَوَّلِ فِي الْأَعْضَاءِ صَارَ لَهُ حُكْمٌ فِي نَفْسِهِ فَإِمْرَارُ الْيَدِ مَعَهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يُجْزِي مِنْ الْوُضُوءِ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ نَقْلُهُ إلَى الْعُضْوِ لِرَفْعِ الْحَدَثِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْمَطَرُ فَأَمَرَّ يَدَهُ مَعَهُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْعُضْوِ مِنْ النَّجَاسَةِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ غَسْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْوُضُوءِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ لَمْ يَغْسِلْ ذِرَاعَيْهِ جَازَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَقِّقٍ وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. وَقَدْ رَأَيْت لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ مِثْلَ مَا قَدَّمْته فِيمَنْ كَانَتْ فِي ذِرَاعَيْهِ نَجَاسَةٌ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُنَقِّهَا أَنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي التَّحَرِّي فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ تَسَاوِي الْمَحْظُورِ وَالْمُبَاحِ مَعَ كَوْنِ الْمَحْظُورِ أَكْثَرَ وَهَذَا حُكْمُ الثِّيَابِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ فِي الثِّيَابِ وَمَنَعَ ذَلِكَ فِي الْمِيَاهِ وَقَالَ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهَا إلَّا إذَا كَانَ عَدَدُ الْمُبَاحِ أَكْثَرَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا جِنْسٌ يَجُوزُ فِيهِ التَّحَرِّي إذَا كَانَ عَدَدُ الْمُبَاحِ أَكْثَرَ فَجَازَ فِيهِ التَّحَرِّي وَإِنْ تَسَاوَيَا أَوْ كَانَ عَدَدُ الْمَحْظُورِ أَكْثَرَ كَالثِّيَابِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ يُرِيدُ مَا مَاتَ مِنْ حَيَوَانِهِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَالْحَيَوَانُ جِنْسَانِ بَحْرِيٌّ وَبَرِّيٌّ أَمَّا الْبَحْرِيُّ فَنَوْعَانِ نَوْعٌ لَا تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ كَالْحُوتِ وَنَوْعٌ تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ كَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ وَالسُّلَحْفَاةِ فَأَمَّا الْحُوتُ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مُبَاحٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَاتَتْ نَفْسُهُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا مَاتَ مِنْهُ حَتْفَ أَنْفِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُبَاحٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ صَيْدُهُ مَا صِدْته وَطَعَامُهُ مَا رَمَى بِهِ وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ ﷺ فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَاسْمُ الْمَيْتَةِ إذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا فَاتَتْ نَفْسُهُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا تَدُومُ حَيَاتُهُ كَالضُّفْدَعِ وَالسُّلَحْفَاةِ فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ طَاهِرٌ حَلَالٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ هُوَ حَرَامٌ نَجِسٌ إنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا مِنْ دَوَابِّ الْمَاءِ فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ذَكَاةٍ كَالْحُوتِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ حَيَوَانٌ تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ كَالطَّيْرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا حَيَوَانُ الْبَرِّ فَعَلَى نَوْعَيْنِ أَيْضًا مَالُهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَالطَّيْرِ وَالْفَأْرَةِ وَالْحَيَّةِ وَالْوَزَغَةِ

стр. 60

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ فَرْوَةَ عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ قَالَتْ كَبْشَةُ فَرَآنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ فَقَالَ أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي قَالَتْ فَقُلْت نَعَمْ فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ» ) ــ [المنتقى] وَشَحْمَةِ الْأَرْضِ وَزَادَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالْبَرَاغِيثِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْبَرَاغِيثِ يَحْتَاجُ إلَى تَحْقِيقٍ لِأَنَّ مِنْ هَذَا الْخَشَاشِ مَا يَكُونُ فِيهِ دَمٌ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَ لَهُ دَمٌ مِنْ ذَاتِهِ كَالْبَرَاغِيثِ وَالْبَعُوضِ. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي بُرْغُوثٍ وَقَعَ فِي ثَرِيدٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤْكَلَ وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ مَا لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَلَا دَمٌ سَائِلٌ كَالْخُنْفُسَاءِ وَالنَّمْلِ وَالدُّودِ وَالْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَنْ احْتَاجَ شَيْئًا مِنْهَا لِلدَّوَاءِ وَغَيْرِهِ فَلْيُذَكِّهِ بِمَا يُذَكِّي الْجَرَادَ فَجَعَلَ الْبَعُوضَ مِنْ صِنْفِ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ وَفِيهِ دَمٌ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يُرَاعَى فِي الدَّمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَفْسِ الْحَيَوَانِ فَيَكُونَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ دَمٌ قَوْلٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَمَا لَهُ دَمٌ قَوْلٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَفِيمَا فِيهِ دَمٌ وَلَيْسَ لَهُ دَمٌ الْقَوْلَانِ يَنْجُسُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ وَلَا يَنْجُسُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَمَالِكٍ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبُرْغُوثُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ إذَا كَانَ فِيهِ الدَّمُ وَلَا يَنْجُسُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَمٌ وَذِكْرُ اللَّحْمِ فِيمَا يُعْتَبَرُ بِهِ مَعَ الدَّمِ والحلزوم لَحْمٌ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَرَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا فَأْرَةُ الْمِسْكِ فَقَدْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ هِيَ مَيْتَةٌ وَيُصَلِّي بِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهَا كَخُرَّاجٍ يَحْدُثُ بِالْحَيَوَانِ يَجْتَمِعُ فِيهِ مِدَادٌ ثُمَّ يَسْتَحِيلُ مِسْكًا وَمَعْنَى كَوْنِهَا مَيْتَةً أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ حَالَ الْحَيَاةِ أَوْ بِذَكَاةِ مَنْ لَا تَصِحُّ تَذْكِيَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْهِنْدِ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَإِنَّمَا حُكِمَ لَهَا بِالطَّهَارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَحَالَتْ عَنْ جَمِيعِ صِفَاتِ الدَّمِ وَخَرَجَتْ عَنْ اسْمِهِ إلَى صِفَاتٍ وَاسْمٍ يَخْتَصُّ بِهَا فَطَهُرَتْ بِذَلِكَ كَمَا يَسْتَحِيلُ الدَّمُ وَسَائِرُ مَا يَتَغَذَّى بِهِ الْحَيَوَانُ مِنْ النَّجَاسَاتِ إلَى اللَّحْمِ فَيَكُونُ طَاهِرًا وَيَسْتَحِيلُ الْخَمْرُ إلَى الْخَلِّ فَيَكُونُ طَاهِرًا وَكَمَا يَسْتَحِيلُ مَا يُدْمَنُ بِهِ مِنْ الْعَذَرَةِ وَالنَّجَاسَةِ تَمْرًا أَوْ بَقْلًا فَيَكُونُ طَاهِرًا. وَإِنَّمَا لَمْ تَنْجُسْ فَأْرَةُ الْمِسْكِ بِالْمَوْتِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ وَلَا جُزْءٍ مِنْهُ فَتَنْجُسُ بِعَدَمِ الذَّكَاةِ وَإِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ يَحْدُثُ فِي الْحَيَوَانِ كَمَا يَحْدُثُ الْبَيْضُ فِي الطَّيْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَهُوَ أَقْوَى فِي إثْبَاتِ طَهَارَتِهِ مِنْ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِمَّا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَعْنًى تَبَيَّنَ بِهِ وَجْهُ حُكْمِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَالنَّوْعُ الثَّانِي مَا لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَبَنَاتِ وَرْدَانِ وَالصِّرَارِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالذُّبَابِ وَالْحَشَرَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً» وَأَنَّهُ يُؤَخِّرُ الدَّوَاءَ وَيُقَدِّمُ الدَّاءَ فَلَوْ كَانَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَيَنْجُسُ مَا مَاتَ فِيهِ لَمَا أُمِرْنَا أَنْ نُفْسِدَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ بِغَمْسِهِ فِيهِ فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يَمُوتُ فِي الْغَالِبِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَلَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ كَالْجَرَادِ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا يُرِيدُ دَخَلَ عَلَيْهَا مَنْزِلَهَا وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ وَقَوْلُهُ فَكَسَبَتْ وَضُوءًا عَلَى مَعْنَى إكْرَامِ الْحَمْ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ ذَا مَحْرَمٍ مِنْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مَنِّهِ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ يُرِيدُ أَنَّهُ أَمَالَهُ لَهَا يُمَكِّنُهَا مِنْ الشُّرْبِ ابْتِغَاءَ الْأَجْرِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا مِنْ ذِي الْكَبِدِ الرَّطْبَةِ قَالَتْ كَبْشَةُ فَرَآنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ نَظَرُهَا إلَيْهِ تَعَجُّبًا مِنْ أَنْ مَكَّنَهَا مِنْ أَنْ تَشْرَبَ مِنْ وَضُوئِهِ وَقَدْ شُرِعَتْ فِيهِ الطَّهَارَةُ مَعَ مَا عُلِمَ أَنَّ الْهِرَّةَ تَتَنَاوَلُ مِنْ

стр. 61

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَرَى فِي فَمِهَا نَجَاسَةً) . . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضًا فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِصَاحِبِ الْحَوْضِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ هَلْ تَرِدُ حَوْضَك السِّبَاعُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا) . ــ [المنتقى] الْمَيْتَةِ وَقَوْلُهُ أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى التَّحْقِيقِ لِمَا ظَنَّهُ مِنْ تَعَجُّبِهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَظَرُهَا إلَيْهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمَّا قَالَتْ نَعَمْ قَالَ لَهَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ وَهَذَا اللَّفْظُ يَنْفِي نَجَاسَةَ الْعَيْنِ فَكُلُّ حَيٍّ طَاهِرٌ فَالْهِرَّةُ عِنْدَ مَالِكٍ طَاهِرَةُ الْعَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ نَجِسَةُ الْعَيْنِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا عَفَا عَنْ سُؤْرِهَا وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ يَنْفِي نَجَاسَةَ الْعَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَأَمَّا نَجَاسَةُ الْمُجَاوَرَةِ فَهُوَ أَمْرٌ طَارٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَإِذَا ظَهَرَتْ النَّجَاسَةُ فِي فِيهَا أَوْ عُلِمَتْ بِتَنَاوُلِهَا الْمَيْتَةَ فَهِيَ نَجِسَةٌ بِالْمُجَاوَرَةِ وَإِذَا شَرِبْت فِي إنَاءِ مَاءٍ فَغَلَبَ الْمَاءُ النَّجَاسَةَ طَهُرَ فَمُهَا وَكَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ تَنْبِيهٌ عَلَى تَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا وَإِشَارَةٌ إلَى تَأَكُّدِ طَهَارَتِهَا لِعِلَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ فِيهَا وَقَوْلُهُ أَوْ الطَّوَّافَاتِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى الشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ قَالَ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الذُّكُورِ الطَّوَّافِينَ أَوْ الْإِنَاثِ الطَّوَّافَاتِ. (ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ سُؤْرِهَا إلَّا أَنْ يَرَى فِي فِيهَا نَجَاسَةً وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنْ وَجَدْت عَنْهُ غِنًى فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَمَعْنَى ذَلِكَ التَّوَقِّي مِمَّا يَحْصُلُ فِي الْمَاءِ مِنْ رِيقِهَا وَرُبَّمَا غَلَبَ عَلَيْهِ وَهَذَا عَلَى مَعْنَى الِاخْتِيَارِ وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. (ش) : قَوْلُهُ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضًا الْوُرُودُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الشُّرْبِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الطَّهَارَةَ وَالْحَوْضُ مُجْتَمَعُ الْمَاءِ. وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ هَذَا الْحَوْضَ مِجَنَّةٌ وَقَوْلُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هَلْ تَرِدُ حَوْضَك السِّبَاعُ اسْتِخْبَارٌ لَهُمْ عَنْ حَالِ الْمَاءِ إذْ كَانَ يَخْتَلِفُ عِنْدَهُ مَا تَرِدهُ السِّبَاعُ وَمَا لَا تَرِدُهُ وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا إنْكَارٌ لِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَإِخْبَارٌ أَنَّ وُرُودَ السِّبَاعِ عَلَى الْمِيَاهِ لَا تُغَيِّرُ حُكْمَهَا وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَصْدُ تَبْيِينِ عِلَّةِ مَنْعِ الِاعْتِبَارِ بِوُرُودِهَا لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ وُرُودَ السِّبَاعِ عَلَيْنَا وَوُرُودَنَا عَلَيْهَا مُبَاحٌ لَنَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ يَقْتَضِي أَنَّ أَسْآرَ السِّبَاعِ طَاهِرَةٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ طَاهِرَةٌ إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ نَجِسَةٌ وَاسْتَثْنَى سُؤْرَ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَكَذَلِكَ سُؤْرُ الْهَوَامِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا سَبُعٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا كَالْهِرِّ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ أَسْآرَ السِّبَاعِ طَاهِرَةٌ فَإِنَّهَا قَدْ تُكْرَهُ لِمَعَانٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ يَسِيرًا يُخَافُ مِنْ غَلَبَةِ رِيقِهَا عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ رِيقِ الْكَلْبِ وَمَا جَانَسَهُ مِنْهَا وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَا وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ لَمْ يُعِدْ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْكَلْبُ كَالسِّبَاعِ لَا يُتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهَا إلَّا الْهِرَّ وَهِيَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَقْتَضِي الْكَرَاهِيَةَ قَالَ سَحْنُونٌ إلَّا أَنَّ الْهِرَّ فِي ذَلِكَ أَيْسَرُ مِنْ الْكَلْبِ وَالْكَلْبُ أَيْسَرُ حَالًا مِنْ السِّبَاعِ وَذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ طَهَارَتَهَا بِتَطْوَافِهَا عَلَيْنَا وَفِي الْمُخْتَصَرِ لَا بَأْسَ بِفَضْلِ جَمِيعِ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ يُصِيبُ فِيهِ الْأَذَى وَلَا بَأْسَ بِسُؤْرِ الْهِرِّ مَا لَمْ يَكُنْ بِخَطْمِهِ أَذًى فَبَيَّنَ أَنَّ حُكْمَ سَائِرِ الْحَيَوَانِ أَشَدُّ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ

стр. 62

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إنْ كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيَتَوَضَّئُونَ جَمِيعًا) . مَا لَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ «عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ إنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ» ) . ــ [المنتقى] تَمَكُّنُهُ مِنْ الْأَذَى وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْهِرِّ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْأَذَى فِي خَطْمِهِ. (فَرْعٌ) وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ أَسْآرَ الدَّوَابِّ الَّتِي تَأْكُلُ أَرْوَاثَهَا وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُرَ ذَلِكَ فِي أَفْوَاهِهَا عِنْدَ شُرْبِهَا إلَّا أَنَّ أَكْثَرَهَا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَأَمَّا الْجَلَّالَةُ الَّتِي تَأْكُلُ الْقَذَرَ فَلَا يَتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهَا وَلْيَتَيَمَّمْ فَجَعَلَ الدَّوَابَّ لَمَّا كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا عَامَّةً وَكَانَ أَكْلُهَا أَرْوَاثَهَا فِيهَا شَائِعًا بِمَنْزِلَةِ الْهِرَّةِ الَّتِي تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا وَجَمِيعُهَا تَأْكُلُ الْمَيْتَةَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ بِسُؤْرِ الْبِرْذَوْنِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا سُؤْرُ الْخِنْزِيرِ فَيُكْرَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي حِيَاضِ الرِّيفِ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ وَالشُّرْبِ مِنْهَا وَإِنْ وَلَغَتْ فِيهَا الْكِلَابُ فَإِنْ وَلَغَتْ فِيهَا الْخَنَازِيرُ فَلَا يُتَوَضَّأُ وَلَا يُشْرَبُ مِنْهَا وَذَلِكَ إنَّ كَرَاهِيَتَهَا أَشَدُّ مِنْ كَرَاهِيَةِ الْكِلَابِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا بِوَجْهٍ. وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ الْخِنْزِيرَ طَاهِرٌ حَالَ حَيَاتِهِ وَهَذَا حَقِيقَةُ الْمَذْهَبِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَمَمْنُوعٌ مِنْ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لِمَا يُخَافُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَالْمِقْدَارُ الَّذِي لَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي وَلَغَتْ فِيهِ السِّبَاعِ كَالْحَوْضِ وَنَحْوِهِ قَالَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمِقْدَارِ لَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ رِيقُهَا وَلَا تُغَيِّرُهُ أَفْوَاهُهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسِّبَاعِ هَاهُنَا غَيْرَ الْخِنْزِيرِ وَيُرِيدَ بِرِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْخِنْزِيرَ خَاصَّةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْكَرَاهِيَةِ وَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ فِي حَدِّ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ يَتَوَضَّئُونَ جَمِيعًا يَعْنِي مُجْتَمَعِينَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ هَذَا أَظْهَرُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ الْإِخْبَارُ عَنْ جَمِيعِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى إبَاحَةِ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ وَيَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يَغْتَسِلُ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّهَا قَالَتْ أَجْنَبْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ فَاغْتَسَلْت مِنْ جَفْنَةٍ وَفَضَلَتْ مِنْهَا فَضْلَةٌ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا فَقُلْت لَهُ قَدْ اغْتَسَلْت مِنْهَا قَالَتْ فَاغْتَسَلَ مِنْهَا وَقَالَ إنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَيْنِ شَخْصَيْنِ فَجَازَ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَحَدُهُمَا بِفَضْلِ الْآخِرِ كَالْمَرْأَةِ تَغْتَسِلُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ. [مَا لَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ] (ش) : قَوْلُهُ إنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تُطِيلُ ثَوْبَهَا الَّذِي تَلْبَسُهُ لِيَسْتُرَ قَدَمَيْهَا فِي مَشْيِهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ نِسَاؤُهُمْ يَلْبَسْنَ الْخِفَافَ فَكُنَّ يُطِلْنَ الذَّيْلَ لِلسَّتْرِ وَرَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا أَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ تُرِيدُ أَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا تَرْكُ الْمَشْيِ فِيهِ لِأَنَّ الْمُتَصَرِّفَ الْمَاشِيَ يَمْشِي عَلَى مَوْضِعٍ قَذِرٍ وَغَيْرِ قَذِرٍ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَا يَخْلُو فِي الْأَغْلَبِ مِنْ هَذَا وَتَرْكُ الْمَشْيِ فِي مِثْلِ هَذَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ جُمْلَةً وَالْمَرْأَةُ تَحْتَاجُ مِنْ إرْخَاءِ ذَيْلِهَا وَسَتْرِ قَدَمَيْهَا فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ إلَى مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي غَيْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ أَفْتَتْهَا بِالْحَدِيثِ وَأَخْبَرَتْهَا

стр. 63

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ رَأَى رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقْلِسُ مِرَارًا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَنْصَرِفُ وَلَا يَتَوَضَّأُ حَتَّى يُصَلِّيَ) . ــ [المنتقى] بِمَا عِنْدَهَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ لِيَجْتَمِعَ لِأُمِّ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ وَنَقْلُ الْحَدِيثِ الْمُوجِبِ لَهُ وَهَذَا لِمَا رَأَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ حِفْظِهَا وَضَبْطِهَا وَأَنَّهَا مِمَّنْ تَصْلُحُ لِنَقْلِ الْعِلْمِ وَفَهْمِهِ وَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمَ الْعَالِمِ إذَا سَأَلَهُ مَنْ يَفْهَمُ وَيَصْلُحُ لِلتَّعْلِيمِ عَنْ مَسْأَلَةٍ بَيَّنَهَا لَهُ وَذَكَرَ أَدِلَّتَهَا وَفُرُوعَهَا مَا أَمْكَنَهُ وَبِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ وَيَصْلُحُ لَهُ وَإِذَا سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا يَصْلُحُ لِنَقْلِهِ أَجَابَهُ بِحُكْمِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْهُ خَاصَّةً وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَتَفْسِيرِ الْمَوْضِعِ الْقَذِرِ الَّذِي يُطَهِّرُ الذَّيْلَ مَا بَعْدَهُ فَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَوْضِعِ الْيَابِسِ الَّذِي لَا يَعْلَقُ بِالثَّوْبِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ فِي الْمَرْأَةِ مِنْ جَرِّ ذَيْلِهَا أَنَّ الدِّرْع يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ أَنَّهَا تَسْحَبُ ذَيْلَهَا عَلَى الْأَرْضِ نَدِيَّةً نَجِسَةً وَقَدْ رُخِّصَ لَهَا أَنْ تُرْخِيَهُ وَهِيَ تَجُرُّهُ بَعْدَ تِلْكَ الْأَرْضِ عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ فَذَلِكَ لَهُ طَهُورٌ قَالَ الدَّاوُدِيُّ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَرَوَوْهُ فِي الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ فِي الْقَشْبِ الْيَابِسِ فَإِنَّ الْقَشْبَ الْيَابِسَ لَا يُنْجِسُ الثَّوْبَ مُجَاوَرَتُهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَطْهِيرِهِ فَكَذَلِكَ إذَا مَرَّ الثَّوْبُ عَلَى أَرْضٍ يَابِسَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَطْهِيرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِمُرُورِهِ ذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَأَمَّا مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي فِي الطُّرُقَات لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا مَعَ التَّصَرُّفِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ لِلنَّاسِ فَخُفِّفَ أَمْرُهَا إذَا خَفِيَ عَيْنُهَا فَإِذَا مَرَّ الذَّيْلُ عَلَى مَوْضِعٍ نَجِسٍ ثُمَّ مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ أَخْفَى عَيْنَ النَّجَاسَةِ فَأَسْقَطَ عَنْ اللَّابِسِ حُكْمَ التَّطْهِيرِ وَلَوْ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مَوْضِعٍ يُطَهِّرُهُ بِإِخْفَاءِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ لَظَهَرَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَلَوَجَبَ تَطْهِيرُهَا وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا لَمْ تَظْهَرْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَإِنْ جَوَّزْنَا وُجُودَ نَجَاسَةٍ خَفِيَتْ عَيْنُهَا بِهِ وَهَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الطُّرُقَاتِ مِنْ الطِّينِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْ الْعَذِرَةِ وَالْأَبْوَالِ وَأَرْوَاثِ الدَّوَابِّ فَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهَا الطِّينُ وَأَخْفَى عَيْنَهَا لَمْ يَجِبْ غَسْلُ الثَّوْبِ مِنْهَا فَكَانَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهَا وَلَوْ ظَهَرَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فَإِنْ رَأَتْهَا لَمْ يُطَهِّرْهُ إلَّا الْغُسْلُ وَإِنَّمَا مَعْنَى يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ أَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ بِالنَّجَاسَةِ وَإِنَّمَا تَخَافُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهَا قَدْ أَصَابَ مَا لَا تَخْلُو الطُّرُقَاتُ مِنْهُ فَقِيلَ لَهَا أَنَّ خَفَاءَ عَيْنِ النَّجَاسَةِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّوْبِ مِنْ الطِّينِ وَالتُّرَابِ يَمْنَعُك مِنْ مُشَاهَدَةِ الْعَيْنِ وَتَحَقُّقِ وُصُولِهَا إلَيْهَا فَيَسْقُطُ عَنْك فَرْضُ تَطْهِيرِ ثَوْبِك وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَطْهِيرِهِ وَلَوْ مَرَّ رَجُلٌ بِطِينٍ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَطَارَتْ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلِمَ بِهَا ثُمَّ تَطَايَرَ عَلَيْهَا طِينٌ وَأَخْفَى عَيْنَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ غَسْلِهَا وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ غَسْلُهَا إذَا لَمْ يَرَ عَيْنَهَا فِي ثَوْبِهِ وَلَا عَلِمَ بِوُصُولِهَا إلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ سُؤَالَ الْمَرْأَةِ إنَّمَا كَانَ عَلَى مَا يُتَوَقَّعُ مِنْ النَّجَاسَاتِ لِمَشْيِهَا فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ وَلَا تَعْلَمُ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِثَوْبِهَا مِنْهُ نَجَاسَةٌ أَمْ لَا وَلَمْ تَسْأَلْ عَنْ مَشْيِهَا عَلَى نَجَاسَةٍ مَعْلُومَةٍ مُشَاهَدَةٍ بِتَيَقُّنِ تَعَلُّقِهَا بِذَيْلِهَا وَإِنَّ تِلْكَ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا. (ش) : وَهَذَا مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَلَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ نَجِسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَالْقَلْسُ مَاءٌ أَوْ طَعَامٌ يَسِيرٌ يَخْرُجُ إلَى الْفَمِ فَلَا يُوجِبُ وَضُوءًا وَلَيْسَ بِنَجَسٍ فَوَجَبَ غَسْلُ الْفَمِ وَلَكِنْ إنْ قَلَسَ طَعَامًا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَنْظِيفُ فَمِهِ مِنْهُ بِالْغَسْلِ لِأَنَّ تَنْظِيفَ الْفَمِ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ كَالسِّوَاكِ وَإِنَّمَا كَانَ رَبِيعَةُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُصَلِّيَ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْلِسُ وَذَلِكَ أَمْرٌ خَفِيفٌ يَذْهَبُ بِالْبَصَرِ وَأَمَّا الطَّعَامُ فَإِنَّهُ يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فَيُسْتَحَبُّ الْمَضْمَضَةُ مِنْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقَلْسُ أَوَّلُ الْقَيْءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَا يَنْصَرِفُ وَلَا يَتَوَضَّأُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وُضُوءَ الْحَدَثِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَتَمَضْمَضُ وَهَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ يَحْيَى وَأَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَرَوَاهُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ

стр. 64

(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ قَلَسَ طَعَامًا هَلْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ وَلْيَتَمَضْمَضْ مِنْ ذَلِكَ وَلْيَغْسِلْ فَاهُ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَنَّطَ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) . (ص) : (قَالَ يَحْيَى وَسُئِلَ مَالِكٌ هَلْ مِنْ الْقَيْءِ وُضُوءٌ قَالَ لَا وَلَكِنْ لِيَتَمَضْمَضْ مِنْ ذَلِكَ وَلْيَغْسِلْ فَاهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ) . تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ) . ــ [المنتقى] عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْت أَرَى رَبِيعَةَ كَثِيرًا مَا يَقْلِسُ فِي صَلَاتِهِ فَيَمْضِي وَلَا يَنْصَرِفُ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءُ حَدَثٍ وَلَيْسَتْ الْمَضْمَضَةُ عَلَيْهِ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ مِنْ ذَلِكَ وَيَغْسِلَ فَمَهُ لِأَنَّ الْقَلْسَ لَا يَكُونُ طَعَامًا مُتَغَيِّرًا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ تَنْظِيفُ الْفَمِ وَإِزَالَةُ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ رَائِحَةِ الطَّعَامِ. (ش) : لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ حَنَّطَ مَيِّتًا لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» فَلَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ إنْ كَانَ مُحْدِثًا لِيَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ فَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَعَ الْمُصَلِّينَ. (ش) : وَهَذَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالْقَيْءِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَقَوْلُهُ لِيَتَمَضْمَضْ مِنْ ذَلِكَ وَلْيَغْسِلْ فَاهُ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْقَيْءُ مُتَغَيِّرًا أَوْ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَغَسْلُ الْفَمِ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ لِإِزَالَةِ رَائِحَتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ تَغَيَّرَ فَهُوَ نَجِسٌ وَغَسْلُ الْفَمِ مِنْهُ وَاجِبٌ. [تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ] (ش) : قَوْلُهُ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ مَطْبُوخٌ إلَّا أَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ حَالِهِ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ كَذَكَاةِ الشَّاةِ وَعَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ فِي زَمَانِنَا وَإِنَّمَا كَانَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثُمَّ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَرْكِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِأَسَانِيدَ لَا بَأْسَ بِهَا أَنَّهُ قَالَ «تَوَضَّئُوا مِمَّا أَنْضَجَتْ النَّارُ» وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ الْوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتْ النَّارُ وَاجِبًا وَإِنَّمَا كَانَ مَعْنَاهُ الْمَضْمَضَةَ وَغَسْلَ الْفَمِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ قَدْ كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ وَتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ» وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنَّ شُعَيْبَ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ اخْتَصَرَ حَدِيثَ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا فَغَيَّرَ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَقَدْ أُلْحِقَ بِنَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ مَعَانٍ نُبَيِّنُ مِنْهَا مَا يَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ فَمِنْهَا أَكْلُ لُحُومِ الْإِبِلِ قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْقُضُ ذَلِكَ الطَّهَارَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا لَحْمٌ فَلَمْ يَجِبْ بِأَكْلِهِ وُضُوءٌ كَلَحْمِ الضَّأْنِ. ١ - (فَرْعٌ) الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ لَا تَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُهَا دَاخِلَهَا كَالْكَلَامِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ. (فَرْعٌ) وَرَفْضُ الطَّهَارَةِ يَنْقُضُهَا فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ مَنْ تَصَنَّعَ لِلنَّوْمِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَإِنْ لَمْ يَنَمْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَفْضَ الْوُضُوءِ يَصِحُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُخَالِفُ فِي هَذَا وَيَقُولُ هُوَ كَالْحَجِّ لَا يَصِحُّ رَفْضُهُ مِنْ مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَصَحَّ رَفْضُهَا.

стр. 65

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ «عَنْ سُوَيْد بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ وَهِيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إلَّا بِالسَّوِيقِ فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْنَا مَعَهُ ثُمَّ قَامَ إلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ) (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا لَا يَتَوَضَّآنِ مِمَّا مَسَّتُهُ النَّارُ. مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُصِيبُ طَعَامًا قَدْ ــ [المنتقى] كَالصَّلَاةِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ فَلَمْ تَبْطُلْ بِالرَّفْضِ كَالطَّهَارَةِ الْكُبْرَى. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ ثُمَّ تَابَ وَرَاجَعَ الْإِسْلَامَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْتَنِفَ الْوُضُوءَ قَالَ يَحْيَى ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشِّرْكَ أَحْبَطَ عَمَلَهُ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ فَلَمْ تُبْطِلْهَا الرِّدَّةُ كَالطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَوَجْهُ قَوْلِ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ عَمَلٍ إلَّا مَا خَصَّصَهُ الدَّلِيلُ. (ش) : قَوْلُهُ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ يُرِيدُ فَتْحَ خَيْبَرَ وَقَوْلُهُ بِالصَّهْبَاءِ وَهِيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ يُرِيدُ أَنَّهَا أَدْنَى مِنْ أَعْمَالِ خَيْبَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَقَوْلُهُ فَأَمَرَ بِالْأَزْوَادِ يُرِيدُ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِهَا عَلَى التَّوَاسِي فِيهَا لَمَّا ضَاقَتْ الْأَزْوَادُ وَخَافَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ لَا زَادَ لَهُ مِثْلُ مَا رَوَى أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ وَقَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي الْأَسْفَارِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يُوجَدُ فِيهَا الطَّعَامُ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي جَيْشِ الْخَبْطِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَهَذَا مَا لِلْإِمَامِ فِعْلُهُ لَا سِيَّمَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِزَادِ مَنْ يَخُصُّهُ وَمِنْ يَعْلَمُ مُسَارَعَتَهُ إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِخَلْطِ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ الزَّادِ لِيُطْعِمَ أَصْحَابَهُ وَأَهْلَ الْفَقْرِ وَمَنْ قَرُبَ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَمَضْمَضَ يُرِيدُ لِإِزَالَةِ ذَفَرِ السَّمْنِ وَالسَّوِيقِ لِلتَّنْطِيفِ لِلصَّلَاةِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَمَضْمَضَ مِنْهُ وَقَالَ إنَّ لَهُ دَسَمًا» وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ لِمَنْ أَكَلَ طَعَامًا مَسَّتْهُ النَّارُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَهُوَ مِنْ الْفَاكِهَةِ أَخَفُّ وَالصَّلَاةُ بِأَثَرِ الْأَكْلِ أَشَدُّ لِأَنَّهُ إذَا طَالَ ذَلِكَ أَزَالَ الرِّيقُ الرَّائِحَةَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ يُرِيدُ وُضُوءَ الْحَدَثِ وَهُوَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنْ لَا وُضُوءَ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ وَإِنَّ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ مَنْسُوخًا فَلَمْ يُشَاهِدْهُ وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَحْضُرْ التَّوَجُّهَ إلَى خَيْبَرَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ أَنَّهُ تَعَشَّى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) . (ش) : ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَعَشَّى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يَذْكُرْ إنْ كَانَ مَا تَعَشَّى بِهِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَمْرًا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إلَّا أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ أَحْوَالِ الطَّعَامِ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِدُّ بِمَا مَسَّتُهُ النَّارُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدِ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) . (ش) : قَوْلُهُ ثُمَّ مَضْمَضَ يُرِيدُ لِإِزَالَةِ رَائِحَةِ الطَّعَامِ مِنْ الْفَمِ عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَوْلُهُ وَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ مَسَحَهُ بِبَلَلِ يَدَيْهِ لِيُزِيلَ عَنْهُ الشَّعَثَ وَقَوْلُهُ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ بَابِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كُلُّ مَا مَسَّتُهُ النَّارُ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا لَا يَتَوَضَّآنِ مِمَّا مَسَّتُهُ النَّارُ. مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُصِيبُ طَعَامًا

стр. 66

مَسَّتُهُ النَّارُ أَيَتَوَضَّأُ فَقَالَ رَأَيْت أَبِي يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَتَوَضَّأُ) . جَامِعُ الْوُضُوءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ فَقَالَ أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ» ) . ــ [المنتقى] قَدْ مَسَّتُهُ النَّارُ أَيَتَوَضَّأُ فَقَالَ رَأَيْت أَبِي يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَتَوَضَّأُ) . (ش) : سَأَلَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ عَنْ مَا عِنْدَهُ فِي الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتُهُ النَّارُ فَأَجَابَهُ بِعَمَلِ أَبِيهِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي هَذَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَخْذِهِ بِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَجَابَهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَكَلَ اللَّحْمَ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) . (ش) : وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ مَالِكٌ ﵀ فِي هَذِهِ الْآثَارِ كُلِّهَا وَفِعْلُ الصَّحَابَةِ وَفَتْوَى التَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ بِخِلَافِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِكَ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِ شِهَابٍ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ مَالِكٌ ﵀ فِيمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَعَمَلِ الْأَئِمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دُعِيَ لِطَعَامٍ فَقُرِّبَ إلَيْهِ خُبْزٌ وَلَحْمٌ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ أُتِيَ بِفَضْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ) . (ش) : وُضُوءُهُ ﷺ بَعْدَ أَنْ أَكَلَ مِنْ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الطَّعَامِ الَّذِي مَسَّتُهُ النَّارُ ثُمَّ يَكُونُ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ نَاسِخًا لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وُضُوءُهُ أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ بَيَّنَ بِتَرْكِهِ الْوُضُوءَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ مَا فَعَلَهُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ لِمَا مَسَّتُهُ النَّارُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَدِمَ مِنْ الْعِرَاقِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقَرَّبَ لَهُمَا طَعَامًا قَدْ مَسَّتُهُ النَّارُ فَأَكَلُوا مِنْهُ فَقَامَ أَنَسٌ فَتَوَضَّأَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مَا هَذَا يَا أَنَسُ أَعِرَاقِيَّةٌ فَقَالَ أَنَسٌ لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ وَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَصَلَّيَا وَلَمْ يَتَوَضَّآ) . (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَدِمَ مِنْ الْعِرَاقِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ هَذِهِ سُنَّةٌ فِي زِيَارَةِ الْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ وَقَوْلُ أَبِي طَلْحَةَ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ مَا هَذَا يَا أَنَسُ أَعِرَاقِيَّةٌ إنْكَارٌ مِنْهُمَا لِوُضُوئِهِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ وَنَسَبَا ذَلِكَ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الَّتِي تُسْتَفَادُ بِالْمَدِينَةِ وَتُتَعَلَّمُ مِنْ أَهْلِهَا بِمَعْنَى أَنَّ هَذَا مِمَّا أَخَذْته مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَوْ رَأَيْته مِنْ بَعْضِ أَهْلِهَا وَقَوْلُ أَنَسٍ لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ انْقِيَادٌ مِنْهُ لِقَوْلِهِمَا وَرُجُوعٌ لِرَأْيِهِمَا وَمُوَافَقَتِهِمَا وَنَبْذٌ لِمَا فَعَلَهُ مِنْ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ فَعَلَ ذَلِكَ تَجْدِيدًا لِلْوُضُوءِ لَا لِاعْتِقَادِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ عِنْدَهُمَا فِي ذَلِكَ وَإِنْ وَافَقَهُمْ فِي الصُّورَةِ دُونَ الْمَعْنَى فَقَالَ أَنَسٌ لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ مُوَافَقَتِهِ مِنْ غَيْرِ الصَّوَابِ فِي الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ فَيَجِبُ تَرْكُ النَّوَافِلِ الَّتِي تُدَّعَى فِيهَا الْفَرَائِضُ وَيَكْثُرُ فِي ذَلِكَ الْخِلَافُ حَتَّى يُخَافَ عَلَيْهِ مِنْهُ اعْتِقَادُ الْخَطَأِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ. [جَامِعُ الْوُضُوءِ] (ش) : الِاسْتِطَابَةُ هِيَ الِاسْتِجْمَارُ بِالْأَحْجَارِ مَأْخُوذٌ مِنْ الطِّيبِ فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ «قَالَ ﷺ أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ» يُرِيدُ بِذَلِكَ تَسْهِيلَ الْأَمْرِ وَتَيْسِيرَهُ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ لَا يَكَادُ يَعْدَمُ مِثْلَ هَذَا وَعَلَّقَهُ بِالثَّلَاثَةِ مِنْ الْأَحْجَارِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَقَعُ بِهِ الْإِنْقَاءُ فِي الْغَالِبِ وَإِنَّمَا قُصِرَ عَلَى الْأَحْجَارِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِطَابَةِ وَتَتَهَيَّأُ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ بِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ الِاسْتِطَابَةُ بِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ لَفْظُ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخِرَقِ وَالْقَشْبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا جَازَ خِلَافًا لِزَيْدٍ

стр. 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فِي قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ مُنْفَصِلٌ مُنَقٍّ لَا حُرْمَةَ لَهُ فَجَازَ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ كَالْأَحْجَارِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الِاسْتِجْمَارُ بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ وَالْحَمْأَةِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ. وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَمْأَةِ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ قَالَ مَا سَمِعْت فِي الْعَظْمِ وَالرَّوْثِ نَهْيًا عَامًا وَأَمَّا أَنَا فِي عِلْمِي فَمَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِذَلِكَ يُجْزِئُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّهَا زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» وَمَا مُنِعَ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ لِحَقِّ الْغَيْرِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِجْمَارِ كَمَنْ تَمَسَّحَ بِثَوْبٍ لِغَيْرِهِ أَوْ اسْتَجْمَرَ بِحِجَارَةٍ لِغَيْرِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيُمْنَعُ الِاسْتِجْمَارُ بِمَا كَانَ نَجِسًا أَوْ مَكْرُوهًا وَبِكُلِّ شَيْءٍ مَأْكُولٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصًّا لِمَالِكٍ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَعِنْدِي أَنَّهُ قِيَاسًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَنْ اسْتَنْجَى بِيَمِينِهِ. وَقَالَ أَصْبَغُ يُعِيدُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ أَيْ الْمَفْرُوضَةِ وَقَوْلُنَا فِي الْقِيَاسِ الْمُتَقَدِّمِ لَا حُرْمَةَ لَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يُجْزِي لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ رَأَيْت الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ يَشْتَرِطُ الطَّهَارَةَ فِيمَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ نَجِسُ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ فَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِهِ فَقَدْ طَرَأَتْ عَلَى الْمَحَلِّ نَجَاسَةٌ بِنَجَاسَةِ مَا اسْتَجْمَرَ بِهِ وَزَوَالُ مَا أَرَادَ إزَالَتَهَا وَلَا تَرْتَفِعُ هَذِهِ النَّجَاسَةُ إلَّا بِالْغَسْلِ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ وَارِدَةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الِاسْتِجْمَارُ وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي إزَالَتِهَا وَتَطْهِيرِ الْمَحَلِّ مِنْهَا الْمَاءُ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ وَإِنْ كَانَ مَا اسْتَجْمَرَ بِهِ نَجِسًا بِالْمُجَاوَرَةِ كَالْحَجَرِ فَإِنْ بَاشَرَ الِاسْتِجْمَارَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ النَّجَاسَةُ فَحُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ بَاشَرَ الِاسْتِجْمَارَ بِمَوْضِعٍ طَاهِرٍ مِنْهُ كَالْحَجَرِ الْوَاحِدِ مِنْهُ فِي أَحَدِ جِهَاتِهِ نَجَاسَةٌ فَيَسْتَجْمِرُ هُوَ بِجِهَةٍ طَاهِرَةٍ فَإِنَّ الِاسْتِجْمَارَ بِهِ يَصِحُّ وَلَا يَضُرُّهُ وُجُودُ النَّجَاسَةِ فِي جِهَةٍ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي بَاشَرَ الِاسْتِجْمَارَ بِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ» اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَدِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى الِاعْتِبَارِ بِالْإِنْقَاءِ دُونَ الْعَدَدِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الِاعْتِبَارُ بِالْعَدَدِ مَعَ الْإِنْقَاءِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» وَالْوَتْرُ يَكُونُ وَاحِدًا وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا الْعَدَدُ كَالْغُسْلِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي الْفَرَجِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ «وَنَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ وَوَقَعَ الْإِنْقَاءُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُكْمِلَ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَيُحْمَلُ حَدِيثُ سَلْمَانَ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ إلَى ذِكْرِ مَا لَا يَقَعُ الْإِنْقَاءُ غَالِبًا بِأَقَلَّ مِنْهُ وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي الْفَرَجِ فَقَدْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يُجْزِيهِ حَجَرٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُرُوفٍ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَجَرِ الْوَاحِدِ خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ يُجْزِئُ وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُ حَجَرٌ لَا يُجْزِئُ فِي الْجِمَارِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَلَمْ يَجُزْ فِي الِاسْتِجْمَارِ عَنْهَا كَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا حَرْفٌ وَاحِدٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ بَالَ أَوْ تَغَوَّطَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَعْتَبِرُ الْعَدَدَ أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَحْجَارٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ لِكُلِّ مَخْرَجٍ مَعَ الْإِنْقَاءِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِنْقَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا حَتَّى يُوجَدَ الْإِنْقَاءُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَصِفَةُ الِاسْتِجْمَارِ أَنْ يَبْدَأَ بِمَخْرَجِ الْبَوْلِ فَيَمْسَحَهُ حَتَّى يَجِفَّ أَثَرُ الْبَوْلِ مِنْهُ وَالْبُدَاءَةُ بِمَا فَضَلَ لِئَلَّا يَقْطُرُ عَلَى يَدِهِ مِنْهُ ثُمَّ يَمْسَحَ مَخْرَجَ الْغَائِطِ وَصْفَةُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَعُمَّ بِكُلِّ حَجَرٍ مَوْضِعَ النَّجْوِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ فَيَمْسَحُ بِأَحَدِهَا إحْدَى الصَّفْحَتَيْنِ وَيَمْسَحُ بِالثَّانِي الثَّانِيَةَ وَيَمْسَحُ

стр. 68

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْت أَنِّي قَدْ رَأَيْت إخْوَانَنَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِك فَقَالَ بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَك مِنْ أُمَّتِك فَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ فَلَيُذَادَنَّ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ إنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَك فَأَقُولُ فَسُحْقًا فَسُحْقًا فَسُحْقًا» ) . ــ [المنتقى] بِالثَّالِثِ عَلَيْهِمَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَحْوَطُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلَبِسَ ثَوْبًا فَعَرِقَ فِيهِ فَأَصَابَ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ يُنْجِسُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَصَلَ أَثَرُ النَّجْوِ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْجَسَدِ غَيْرِ الْمَخْرَجِ فَإِنَّهُ لَا يُطَهِّرُهُ إلَّا الْمَاءُ فَكَذَلِكَ إذَا نَالَ الثَّوْبَ وَتَعَلَّقَ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْأَثَرِ فَإِنَّهُ لَا يُطَهِّرهُ إلَّا الْمَاءُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَتَلْحَقُ بِهِ الْمَشَقَّةُ كَمَوْضِعِ النَّجْوِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ نَسِيَ الِاسْتِجْمَارَ وَصَلَّى فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَرْجُو أَنْ لَا تَكُونَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَرَاهُ يُرِيدُ إذَا مَسَحَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ مَنْ تَغَوَّطَ أَوْ بَالَ فَلَمْ يَغْسِلْهُ وَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى صَلَّى يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّهُ كَسَائِرِ الْجَسَدِ إلَّا أَنَّهُ يُجْزِي فِيهِ الْمَسْحُ بِالْأَحْجَارِ وَلَا يُجْزِئُ فِي سَائِرِ الْجَسَدِ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلَى الْمَقْبَرَةِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ خَرَجَ إلَى الْمَقْبَرَةِ يَقْتَضِي قَصَدَ إلَيْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمَقْبَرَةَ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْكُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ أَهْلُهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَيُّوا فَيَسْمَعُوا سَلَامَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَمْوَاتًا وَهُوَ أَظْهَرُ لِامْتِثَالِ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ لِذَلِكَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ أَفْعَلُ غَدًا شَيْئًا إلَّا أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَعَلَى ذَلِكَ قَالَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ مَعَ الْقَطْعِ عَلَى اللِّحَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولُ ذَلِكَ غَيْرَ قَاطِعٍ عَلَى اللِّحَاق بِهِمْ إذْ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِمْ فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَيَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِهِ وَلَا بِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ «أَمَّا هُوَ وَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَمَا أَدْرِي وَاَللَّهِ وَإِنَّى رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي ثُمَّ أُعْلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ ﷺ بِمَا أُعِدَّ لَهُ وَمَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ» وَرَوَى الدَّاوُدِيُّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا شَاءَ اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ مَعْنَاهُ لَا نُبَدِّلُ وَلَا نُغَيِّرُ نَمُوتُ عَلَى مَا مُتُّمْ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلٌ مُحْتَمَلٌ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إخْوَانَنَا تَمَنٍّ مِنْهُ ﷺ لِرُؤْيَةِ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ أُمَّتِهِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَرَاهُمْ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُعَلَّقَ التَّمَنِّي بِالْمَوْتِ وَإِنَّمَا تَعْلِيقُهُ بِمَا يَرْضَاهُ الْإِنْسَانُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إخْوَانُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فَقَالُوا يَعْنِي أَصْحَابُهُ أَلَسْنَا

стр. 69

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمْدَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ جَلَسَ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَآذَنُهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثَتْكُمُوهُ ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَا مِنْ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الْآخِرَةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا» قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ أَرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] . ــ [المنتقى] بِإِخْوَانِك فَقَالَ بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي يُرِيدُ أَنَّ لَهُمْ مَزِيَّةً عَلَى إخْوَانِهِ وَاخْتِصَاصًا لِصُحْبَتِهِ وَلَمْ يَنْفِ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا إخْوَانَهُ وَإِنَّمَا مَنَعَ أَنْ يُسَمَّوْا بِذَلِكَ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ إنَّمَا هِيَ عَلَى سَبِيلِ الثَّنَاءِ عَلَى الْمُسَمَّى وَالْمَدْحِ وَالتَّرْفِيعِ مِنْ حَالِهِ فَيَجِبُ أَنْ يُسَمَّى بِأَرْفَعِ حَالَاتِهِ وَيُوصَفَ بِأَفْضَلِ صِفَاتِهِ وَلِلصَّحَابَةِ بِصُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ دَرَجَةٌ لَا يَلْحَقُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ فَيَجِبُ أَنْ يُوصَفُوا بِهَا وَاَلَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا أَتَوْا بَعْدُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُمْ دَرَجَةُ الصُّحْبَةِ فَلِذَلِكَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ إخْوَانُهُ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ بِرَحْمَتِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَقَدَّمُهُمْ إلَيْهِ وَيَجِدُونَهُ عِنْدَهُ رَوَاهُ حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ يُقَالُ فَرَطْتُ الْقَوْمَ إذَا تَقَدَّمْتَهُمْ لِتَرْتَادَ لَهُمْ الْمَاءَ وَتُهَيِّئَ لَهُمْ الْمَاءَ وَالرِّشَاءَ وَافْتَرَطَ فُلَانٌ ابْنًا لَهُ أَيْ تَقَدَّمَهُ ابْنٌ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُمْ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَك مِنْ أُمَّتِك يَعْنُونَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَعْرِفُهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ ﷺ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ يُرِيدُ ﷺ أَنَّهُ يَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ كَمَا يَعْرِفُ ذُو الْخَيْلِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلَةِ خَيْلَهُ فِي جُمْلَةِ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ وَالْغُرَّةُ بَيَاضٌ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ وَالتَّحْجِيلُ بَيَاضٌ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَهَذِهِ سِيمَاءُ ظَاهِرَةٌ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهَا وَلَا خَفَاؤُهَا ثُمَّ قَالَ ﷺ فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ وَهَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ لَا تَكُونُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَلِذَلِكَ يَعْرِفُ الْغُرَّ الْمُحَجَّلِينَ مِنْهُمْ وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ إلَى أَنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ كَانَتْ لَا تَتَوَضَّأُ وَأَنَّ الْوُضُوءَ اخْتَصَّتْ بِهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلِذَلِكَ يَعْرِفُ أُمَّتَهُ بِآثَارِ الْوُضُوءِ وَهَذَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ الْأُمَمِ كَانَتْ تَتَوَضَّأُ وُضُوءَنَا هَذَا أَوْ غَيْرَهُ وَلَا يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ مَا جُعِلَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فَضِيلَةً خُصَّتْ بِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَا يُذَادَنَّ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ مُطَرِّفُ وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ فَلَيُذَادَنَّ وَتَابَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَأَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ قَالَ ابْنُ وَضَاحٍ وَمَعْنَى فَلَا يُذَادَنَّ لَا يَفْعَلَنَّ رَجُلٌ فِعْلًا يُذَادُ بِهِ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ يُرِيدُ الَّذِي لَا رَبَّ لَهُ فَيَسْقِيهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مَعْنَاهُ يُطْرَدَنَّ وَقَوْلُهُ ﷺ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ يَحْتَمِلُ هَذَا أَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ وَكُلَّ مَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ يُحْشَرُ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ وَلِذَلِكَ يَدْعُوهُمْ النَّبِيُّ ﷺ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سِيمَاهُمْ سِيمَا الْمُسْلِمِينَ لَمَا دَعَاهُمْ وَيَعْرِفُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ يَرِدُ حَوْضَهُ وَإِنَّمَا يَدْعُوهُمْ لِمَا يَرَى بِهِمْ مِنْ سِيمَا أُمَّتِهِ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا بَعْدَهُ قَالَ فَسُحْقًا أَيْ بُعْدًا لَهُمْ قِيلَ مَعْنَى بَدَّلُوا غَيَّرُوا سُنَّتَك وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فَبَدَّلَ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُخْتَمُ بِهِ لِلْمُذَادِينَ عَنْهُ بِدُخُولِ النَّارِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُذَادُوا وَقْتًا فَتَلْحَقَهُمْ شِدَّةٌ ثُمَّ يَتَوَفَّاهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَيَقُولُ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ سُحْقًا ثُمَّ يَشْفَعُ فِيهِمْ وَهَذَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ جَلَسَ عَلَى الْمَقَاعِدِ وَهُوَ مَوْضِعٌ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ

стр. 70

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءٍ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَتَمَضْمَضَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ قَالَ ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ» ) . ــ [المنتقى] بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مَالِكٌ الْمَقَاعِدُ الدَّكَاكِينُ عِنْدَ دَارِ عُثْمَانَ وَقَالَ الدَّوُادِيُّ هُوَ الْمُدْرَجُ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَآذَنَهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ يُرِيدُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ يُؤَذِّنَهُ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بَعْدَ الْأَذَانِ لِشُغْلِهِ بِأُمُورِ النَّاسِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ لَوْلَا أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْر وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ ثُمَّ ذَكَرَ مَالِكٌ مَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ فَقَالَ أَرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَصِحُّ رِوَايَةُ يَحْيَى وَرِوَايَةُ ابْنِ بُكَيْر فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ لَوْلَا أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَوْلَا أَنَّ مَعْنَى مَا أُورِدُهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ لِئَلَّا تَتَّكِلُوا وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي مُصْعَبٍ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ لَمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ لِئَلَّا تَتَّكِلُوا وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ يُرِيدُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا تَصِحُّ رِوَايَةُ يَحْيَى وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا رَوَى أَبُو مُصْعَبٍ وَمَنْ تَابَعَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَمْنَعُ مِنْ كِتْمَانِ شَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ لَمَا أَخْبَرْتُكُمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ مَا مِنْ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءُهُ يَعْنِي يَأْتِي بِهِ عَلَى أَكْمَلِ الْهَيْئَاتِ وَالْفَضَائِلِ، وَتَقْدِيرُهُ فَيُحْسِنُ فِي وُضُوئِهِ وَقَوْلِهِ إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا وَمَعْنَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ ثَوَابَ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْوُضُوءِ الَّذِي أَحْسَنَ فِيهِ وَالصَّلَاةِ بَعْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ إثْمِ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْمَعَاصِي بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ﵀ أَرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] . (ش) : قَوْلُهُ إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ فِيمَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْمَضْمَضَةِ كَفَّارَةً لِمَا يَخُصُّ الْفَمَ مِنْ الْخَطَايَا فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِخُرُوجِهَا مِنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَعْفُوَ تَعَالَى عَنْ عِقَابِ ذَلِكَ الْعُضْوِ بِالذُّنُوبِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا الْإِنْسَانُ وَإِنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ الْعُضْوِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ جَعَلَ الْعَيْنَيْنِ مَخْرَجًا لِخَطَايَا الْوَجْهِ دُونَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ يَخْتَصَّانِ بِطَهَارَةٍ مَشْرُوعَةٍ فِي الْوُضُوءِ دُونَ الْعَيْنَيْنِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمَا مَخْرَجًا لِخَطَايَاهُ كَمَا جَعَلَ الْعَيْنَيْنِ مَخْرَجًا لِخَطَايَا الْوَجْهِ وَالْأَظْفَارَ مَخْرَجًا لِخَطَايَا الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إلَّا أَنَّهُمَا يَنْفَرِدَانِ لِأَخْذِ الْمَاءِ لَهُمَا كَمَا يَنْفَرِدُ الْفَمُ وَالْأَنْفُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَالْفَمِ وَالْأَنْفِ فِي أَنَّهُ جَعَلَ الْأُذُنَيْنِ مَخْرَجًا لِخَطَايَا الرَّأْسِ مَعَ إفْرَادِهِمَا بِالْمَاءِ وَلَمْ يَجْعَلْ الْفَمَ وَالْأَنْفَ مَخْرَجًا لِخَطَايَا الْوَجْهِ لِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ مُقَدَّمَانِ عَلَى الْوَجْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا حُكْمُ التَّبَعِ وَخَرَجَتْ

стр. 71

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَالْتَمَسَ النَّاسُ وَضُوءًا فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فِي إنَاءٍ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ يَتَوَضَّئُونَ مِنْهُ قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْت الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءُهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ بِإِحْدَى خُطْوَتَيْهِ حَسَنَةٌ وَتُمْحَى عَنْهُ بِالْأُخْرَى سَيِّئَةٌ فَإِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ الْإِقَامَةَ فَلَا يَسْعَ فَإِنَّ أَعْظَمَكُمْ أَجْرًا أَبْعَدُكُمْ دَارًا قَالُوا لِمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ مِنْ أَجْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا) . ــ [المنتقى] خَطَايَاهُمَا مِنْهُمَا قَبْلَ خُرُوجِهَا مِنْ الْوَجْهِ، وَالْأُذُنَانِ مُؤَخَّرَانِ عَلَى الرَّأْسِ فَكَانَ لَهُمَا حُكْمُ التَّبَعِ وَخَرَجَتْ خَطَايَاهُمَا مِنْهُمَا قَبْلَ خُرُوجِهِمَا مِنْ الْوَجْهِ، وَالْأُذُنَانِ مُؤَخَّرَانِ عَلَى الرَّأْسِ فَكَانَ لَهُمَا حُكْمُ التَّبَعِ فَتَخْرُجُ خَطَايَا الرَّأْسِ مِنْهُمَا. ١ - (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْوُضُوءَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا وَيُطَهِّرُ أَعْضَاءَهُ كُلَّهَا مِنْ الْخَطَايَا وَذَلِكَ يُوجِبُ طَهَارَةَ جَمِيعِ جَسَدِهِ مِنْ الْحَدَثِ ثُمَّ يَكُونُ مَشْيُهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةً نَافِلَةً لَهُ يُرِيدُ زِيَادَةً لَهُ مِنْ الْأَجْرِ عَلَى مَا يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ وَالنَّافِلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الزِّيَادَةُ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ إنَّ صَلَاتَهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ تُكَفِّرُ عَنْهُ مُسْتَقْبَلَ ذُنُوبِهِ وَمُسْتَقْبَلَ ذُنُوبِهِ إلَى الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا لِأَنَّ بِوُضُوئِهِ خَاصَّةً يُكَفَّرُ عَنْهُ مَاضِي ذُنُوبِهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ش قَوْلُهُ إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ تَخْصِيصٌ لَهُ بِهَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُكَفِّرُ مَعَ الْكُفْرِ ذَنْبًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَقَوْلُهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ مَعْنَى خُرُوجِ الْخَطَايَا مِنْ الْعُضْوِ تَكْفِيرُ مَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ الْخَطَايَا وَقَوْلُهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ أَوْ نَحْوِ هَذَا الشَّكُّ مِنْ الرَّاوِي مَعَ تَقَارُبِ الْمَعْنَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ تَكْمُلُ الطَّهَارَةُ لِسَائِرِ الْجَسَدِ مِنْهَا وَهَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ غَيْرَ ابْنِ وَهْبٍ فَإِنَّهُ زَادَ فِيهِ ذِكْرَ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ الْوَجْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ فَالْتَمَسَ النَّاسُ وَضُوءًا الْوَضُوءُ اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فِي إنَاءٍ فَوَضَعَ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِوَحْيٍ يَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ إذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ نَبَعَ الْمَاءُ حَتَّى يَعُمَّ أَصْحَابَهُ الْوَضُوءُ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُعْجِزَات وَأَبْيَنِ الدَّلَالَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ وَعَلَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَحْيٌ لِأَنَّ إخْرَاجَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَخَلْقِهِ هُنَاكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ ﵎ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُصَدِّقُ لِرِسَالَةِ نَبِيِّهِ. وَقَدْ رَوَى حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْإِنَاءَ كَانَ مُخَضَّبًا صَغُرَ عَنْ أَنْ يَضَعَ فِيهِ يَدَهُ وَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا وَأَزْيَدُ. (ش) : قَوْلُهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الصَّلَاةِ يُرِيدُ أَنْ يَقْصِدَهَا دُونَ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ يُرِيدُ أَنَّ أَجْرَهُ أَجْرُ

стр. 72

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْغَائِطِ بِالْمَاءِ فَقَالَ سَعِيدٌ إنَّمَا ذَلِكَ وُضُوءُ النِّسَاءِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ مِنْ إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ) . ــ [المنتقى] الْمُصَلِّي مَا دَامَ يَقْصِدُ إلَى الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ تُكْتَبُ لَهُ بِإِحْدَى خُطْوَتَيْهِ حَسَنَةٌ وَتُمْحَى عَنْهُ بِالْأُخْرَى سَيِّئَةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ لِخُطَاهُ حُكْمَيْنِ فَيُكْتَبُ لَهُ بِبَعْضِهَا الْحَسَنَاتُ وَتُمْحَى عَنْهُ بِبَعْضِهَا السَّيِّئَاتُ وَإِنَّ حُكْمَ الْحَسَنَاتِ غَيْرَ حُكْمِ مَحْوِ السَّيِّئَاتِ وَهَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ ذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ وَاحِدٌ وَإِنَّ كَتْبَ الْحَسَنَاتِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَحْوُ السَّيِّئَاتِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ الْإِقَامَةَ فَلَا يَسْعَ فَإِنَّ أَعْظَمَكُمْ أَجْرًا أَبْعَدُكُمْ دَارًا قَالَ مَالِكٌ لَا يَخُبُّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ فِي مَشْيِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجْرِي وَالسَّعْيُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْإِسْرَاعُ فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ الْمَشْيِ وَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَقِلُّ بِهِ الْخُطَا وَكَثْرَةُ الْخُطَا مُرَغَّبٌ فِيهَا مَرْجُوٌّ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَتْبِ الْحَسَنَاتِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ وَلِذَلِكَ قَالَ وَإِنَّ أَعْظَمَكُمْ أَجْرًا أَبْعَدُكُمْ دَارًا وَفَسَّرْت أَنَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْوَقَارِ الْمَشْرُوعِ فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ. (ش) : قَالَ ابْنُ نَافِعِ يُرِيدُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ يُجْزِي الرَّجُلَ وَإِنَّمَا يَكُونُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لِلنِّسَاءِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ يَحْتَمِلُ عِنْدِي وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّسَاءِ مِنْ جِهَةِ الْعَادَةِ وَالْعَمَلِ وَإِنَّ عَمَلَ الرِّجَالِ الِاسْتِجْمَارُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ عَيْبَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ كَمَا قَالَ ﷺ إنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ وَهَذَا لَا يَرَاهُ مَالِكٌ وَلَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاسْتِنْجَاءُ عِنْدَهُمْ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ وَجَمِيعُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ يُجْزِي مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ الِاسْتِجْمَارُ يُجْزِي إلَّا مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ وَجْهَ الِاسْتِحْبَابِ وَإِلَّا فَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ. (ش) : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ فَمَرَّةً حَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَمَرَّةً حَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ فَوَجْهُ الْوُجُوبِ أَمْرُهُ ﷺ بِغَسْلِهِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَوَجْهُ النَّدْبِ أَنَّهُ حَيَوَانٌ فَلَمْ يَجِبْ غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ أَصْلُ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْكَلْبِ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي الْجَهْمِ رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ فِي الْكَلْبِ الْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ فِي جَمِيعِ الْكِلَابِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ وَالْمَنْعِ مِنْ اتِّخَاذِهَا وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا بِالْمُبَاحِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عُمُومُ الْخَبَرِ وَلَمْ يَخُصَّ كَلْبًا دُونَ كَلْبٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وَجَبَ غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهَا لَمْ يَتَّخِذْ مِنْهَا إلَّا مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَالْحَاجَةُ الْوَكِيدَةُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّ إنَاءَ الْمَاءِ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي غَسْلِ إنَاءِ الطَّعَامِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ نَفْيَ غَسْلِهِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ إثْبَاتَ غَسْلِهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغٍ لِكَلْبٍ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ فِي اتِّخَاذِ الْكَلْبِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِغَسْلِ إنَاءِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تَصِلَ إلَيْهِ الْكِلَابُ وَأَمَّا إنَاءُ الطَّعَامِ فَلَا تَصِلُ إلَيْهِ لِقِلَّتِهِ وَكَثْرَةِ التَّوَقِّي فِيهِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا إنَاءٌ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ فَشُرِعَ غَسْلُهُ كَإِنَاءِ الْمَاءِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْعَدَدِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَفِيهِ أَمْرُهُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعَ مَرَّاتِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي

стр. 73

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصَوْا وَاعْمَلُوا وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ وَلَا يُحَافَظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ» ) . مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ) . ــ [المنتقى] الْوُجُوبَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ عِبَادَةٌ لَا لِنَجَاسَةٍ وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى أَنَّهُ لِلنَّجَاسَةِ وَلِلشَّكِّ فِي النَّجَاسَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُغْسَلُ لِلنَّجَاسَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَكَانَ طَاهِرًا كَالْأَنْعَامِ. (ش) : قَوْلُهُ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ مَعْنَاهُ وَلَنْ تُحْصُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ وَلَا يُمْكِنُكُمْ الِاسْتِقَامَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ مَعْنَاهُ عِنْدِي لَا يُمْكِنُكُمْ اسْتِيعَابُ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وَقَالَ مُطَرِّفٌ مَعْنَاهُ وَلَنْ تُحْصُوا مَا لَكُمْ مِنْ الْأَجْرِ إنْ اسْتَقَمْتُمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَاعْمَلُوا وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ يُرِيدُ أَنَّهَا أَكْثَرُ أَعْمَالِكُمْ أَجْرًا. وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فَقَالَ الصَّلَاةُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا يُحَافَظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدِيمُ فِعْلَهُ بِالْمَكَارِهِ وَغَيْرِهَا مُنَافِقٌ وَلَا يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مُؤْمِنٌ. [مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ] (ش) : وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْبِضُ أَصَابِعَهُ مِنْ كِلْتَيْ يَدَيْهِ وَيَمُدُّ أُصْبُعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَيْنِ أُصْبُعًا مِنْ كُلِّ يَدٍ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ قَالَ وَهُوَ حَسَنٌ مِنْ الْفِعْلِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِيسَى مُحْتَمَلٌ وَهُوَ حَسَنٌ فِي صِفَةِ تَنَاوُلِ الْمَاءِ لِمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَأَمَّا تَنَاوُلُهُ لِلْغَسْلِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُدْخِلُ يَدَيْهِ جَمِيعًا فِي الْإِنَاءِ فَيَأْخُذُ بِهِمَا الْمَاءَ وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مِسْحِ الرَّأْسِ يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ بِيُمْنَاهُ وَيُفْرِغُهُ عَلَى يُسْرَاهُ وَكَذَلِكَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي جَمِيعِ الْوُضُوءِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِيُمْنَاهُ ثُمَّ يَجْعَلَ بَعْضَهُ فِي يُسْرَاهُ فَيَنْقُلَهُ بِهِمَا إلَى وَجْهِهِ وَخَيَّرَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الطَّهَارَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْغَسْلُ بِالْيَدَيْنِ كَانَ تَنَاوَلَ الْمَاءَ بِهِمَا وَمَتَى كَانَ بِالْيُمْنَى خَاصَّةً كَانَ تَنَاوُلُ الْمَاءِ بِهَا وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ هَذَا عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الطَّهَارَةِ لِلْوَجْهِ فَكَانَ حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ بِالْيَدَيْنِ كَإِمْرَارِهِمَا مَعَ الْمَاءِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا أَضَافَهَا إلَى يَدِهِ الْأُخْرَى ثُمَّ غَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا تَنَاوُلُ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِالْيُمْنَى أَصْلُهُ إذَا غَرَفَ بِيُمْنَاهُ لِيَغْسِلَ يُسْرَاهُ وَوَجْهُ التَّخْيِيرِ تَسَاوِي الدَّلِيلَيْنِ وَهَكَذَا الْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَأَمَّا غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَلَا يَتَهَيَّأُ إلَّا أَنْ يَغْرِفَ الْمَاءَ بِالْيُمْنَى وَيَغْسِلَ بِالْيُسْرَى غَيْرَ غَسْلِ يَدِهِ الْيُسْرَى فَإِنَّهُ يَعْرِفُ بِالْيُمْنَى فَيُفْرِغُ بِهَا عَلَى الْيُسْرَى ثُمَّ يَغْسِلُ بِالْيُمْنَى. ١ - (فَصْلٌ) وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ تَجْدِيدَ الْمَاءِ لِلْأُذُنَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ كُلِّ يَدٍ فَيَمْسَحُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ بَاطِنَ الْأُذُنَيْنِ يُمْسَحُ بِالسَّبَّابَةِ وَظَاهِرَهُمَا بِالْإِبْهَامِ وَهَذِهِ طَهَارَةُ الْأُذُنَيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يُغْسَلَانِ مَعَ الْوَجْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُغْسَلُ

стр. 74

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ لَا حَتَّى يَمْسَحَ الشَّعْرَ بِالْمَاءِ) . ــ [المنتقى] بَاطِنُهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَظَاهِرُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرُهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ وَبَاطِنُهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَصِفَةُ مَسْحِهِمَا أَنْ يَمْسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا قَالَ مَالِكُ فِي الْمُخْتَصَرِ يُدْخِلُ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِ لَا يَتْبَعُ غُضُونَهُمَا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ يُمْسَحَانِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ إلَى أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ فَرْضًا وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ نَفْلًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا عُضْوَانِ جُعِلَا فِي الشَّرْعِ مَخْرَجًا لِخَطَايَا عُضْوٍ فَكَانَ حُكْمُهُمَا فِي الْوُضُوءِ حُكْمَهُ كَالْعَيْنَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَالْأَظْفَارِ مَعَ الْيَدَيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُمَا عُضْوَانِ سُنَّ لَهُمَا تَجْدِيدُ الْمَاءِ فَلَمْ يَكُونَا مَعَ الرَّأْسِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ بِأُصْبُعَيْهِ وَيَقْتَضِي اسْتِئْنَافَ الْمَاءِ لَهُمَا وَلِذَلِكَ أَخَذَ الْمَاءَ لَهُمَا دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَعْضَاءِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الْمَاءِ لَهُمَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ لَمْ يُجَدِّدْ لَهُمَا مَاءً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَمْسَحْهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إنْ شَاءَ جَدَّدَ لَهُمَا الْمَاءَ وَإِنْ شَاءَ مَسَحَهُمَا بِمَا فَضَلَ بِيَدِهِ مِنْ مَسْحِ رَأْسِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ لَا يُسْتَأْنَفُ لَهُمَا الْمَاءُ وَدَلِيلُنَا عَلَى اسْتِئْنَافِ الْمَاءِ لَهُمَا أَنَّ الْمَغْسُولَاتِ نَفْلًا لَمَّا انْفَصَلَتْ مِنْ الْمَغْسُولَاتِ فَرْضًا فَكَذَلِكَ الْمَمْسُوحَاتُ نَفْلًا يَجِبُ أَنْ تَنْفَصِلَ عَنْ الْمَمْسُوحَاتِ فَرْضًا وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ إنْ شَاءَ مَسَحَهُمَا بِمَا فَضَلَ بِيَدِهِ مِنْ مَسْحِ رَأْسِهِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُمَا مَوْضِعٌ مِنْ الرَّأْسِ فَحُكْمُهُمَا حُكْمُهُ فِي تَجْدِيدِ الْمَاءِ غَيْرَ أَنَّهُمَا آخِرُ الْعُضْوِ فَيُخْتَمُ مَسْحُهُ بِمِسْحِهِمَا. (ش) : قَوْلُهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ قَالَ لَا حَتَّى يَمْسَحَ الشَّعْرَ بِالْمَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ لَا يُجْزِي وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد يُجْزِي الْمَسْحُ عَلَى عَمَائِمِ الْعَرَبِ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فَمَنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ وَلَا امْتَثَلَ الْأَمْرَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا عُضْوٌ مُفْتَرَضٌ مَسْحُهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ دُونَهُ مَعَ السَّلَامَةِ كَالْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَتَّى يُمْسَحُ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ يَقْتَضِي مَسْحَ جَمِيعِهِ لِأَنَّ لَفْظَ يُمْسَحُ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْحَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَا فِي يَدَيْهِ وَلَوْ مَسَحَهُ بِمَا عَلَى رَأْسِهِ مِنْ بَلَلٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ وَإِنَّمَا مَسَحَ شَعْرًا مَبْلُولًا بِيَدٍ جَافَّةٍ وَلَوْ مَسَحَهُ بِمَا فَضَلَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ بَلَلِ ذِرَاعَيْهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ ذِرَاعَيْهِ أَوْ لِحْيَتِهِ وَصَلَّى أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ وَلَيْسَ هَذَا بِمَسْحٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَاءٌ فَلَا يَمْسَحُهُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْبَلَلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَاءٌ فَلْيَمْسَحْ بِهِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ فَقَوْلُ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُ أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْيَدَيْنِ مِنْ الْبَلَلِ مِنْ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ أَوْ بَلَلِ اللِّحْيَةِ يَسِيرٌ لَا يَتَأَتَّى الْمَسْحُ بِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِمَسْحٍ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَمْسَحَ بِهِ لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأُحْكَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ كَانَ يَنْزِعُ الْعِمَامَةَ وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ رَأَى صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَنْزِعُ خِمَارَهَا وَتَمْسَحُ رَأْسَهَا بِالْمَاءِ وَنَافِعٌ يَوْمئِذٍ صَغِيرٌ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ فَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى عِمَامَةٍ وَلَا خِمَارٍ وَلْيَمْسَحَا عَلَى رُؤْسِهِمَا) . (ش) : هَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ يَجِبُ مُبَاشَرَةُ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ

стр. 75

(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ فَنَسِيَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى جَفَّ وُضُوءُهُ قَالَ أَرَى أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى يُعِيدُ الصَّلَاةَ) . مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ وَهُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ الْمُغِيرَةُ فَذَهَبْت مَعَهُ بِمَاءٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَكَبْت عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيْ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ومَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ وَقَدْ صَلَّى لَهُمْ رَكْعَةً فَصَلَّى لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ فَفَزِعَ النَّاسُ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ [المنتقى] وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ دُونَ الرَّأْسِ وَإِنَّ حُكْمَ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الرَّجُلِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَنَافِعٌ يَوْمئِذٍ صَغِيرٌ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ رَآهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ صَغِيرًا سِنُّهُ بِحَيْثُ لَا تَحْتَجِبُ مِنْهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مِثْلِ هَذَا مِنْ حَالِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ وَذَلِكَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ حَالُ صِغَرٍ وَهِيَ حَالٌ لَا تُؤْمَرُ فِيهَا بِالِاسْتِتَارِ ثُمَّ حَالُ شَبَابٍ وَهِيَ حَالٌ تُؤْمَرُ فِيهَا بِالِاسْتِتَارِ ثُمَّ حَالُ هَرَمٍ وَهِيَ حَالٌ تُؤْمَرُ فِيهَا بِبَعْضِ الِاسْتِتَارِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ وَنَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْوَضُوءِ أَوْ مَا يُقَارِبُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْوَضُوءِ أَوْ قُرْبِهِ مَسَحَ رَأْسَهُ وَمَا بَعْدَهُ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ الْمَشْرُوعُ فِي الطَّهَارَةِ وَإِنْ كَانَ مَا نَسِيَ مَغْسُولًا كَرَّرَ فِيهِ الْغَسْلَ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلهُ فِي نَفْسِ الطَّهَارَةِ وَلَا يُكَرِّرُ الْغَسْلَ فِيمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَهُ لِمَعْنَى التَّرْتِيبِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ تَفْرِيقَ الْوُضُوءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ يُبْطِلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُبْطِلُهُ وَقَدْ تَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَكَانَتْ الْمُوَالَاةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهَا الْمُوَالَاةُ كَطَهَارَةِ النَّجَاسَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَفْرِيقُ الطَّهَارَةِ لِعُذْرٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: النِّسْيَانِ. وَالثَّانِي: الْعَجْزُ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ. فَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلَا يُفْسِدُ الطَّهَارَةَ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ كَانَ مَا أَخَّرَ مَغْسُولًا أَوْ مَمْسُوحًا طَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطُلْ وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ مُطَّرِفٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَمْسُوحِ وَالْمَسْنُونِ مِنْ الْمَغْسُولِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ إذَا كَانَ الْمَمْسُوحُ رَأْسًا دُونَ خُفٍّ وَأَمَّا الْمَغْسُولُ مِنْ الْمَفْرُوضِ فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ يُفْسِدُ الطَّهَارَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَخَّرَهُ مِنْ نِسْيَانِ أَوْ غَيْرِهِ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْمَغْسُولَ أَحَدُ نَوْعَيْ الطَّهَارَةِ فَلَمْ يُفْسِدْهَا تَأْخِيرُهُ نَاسِيًا كَالْمَمْسُوحِ. وَأَنْكَرَ حَبِيبُ بْنُ الرَّبِيعِ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ عَنْ مَالِكٍ عَلَى ابْنِ حَبِيبِ وَقَالَ هِيَ سَهْوٌ عَلَى مَنْ نَقَلَهَا وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ حَبِيبٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَبُو زَيْدٍ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَاحْتَجَّ لَهَا بِأَنَّ شَأْنَ الْمَسْحِ أَخَفُّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا عَجْزُ الْمَاءِ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ تَفْرِيقُهُ لَهُ مِنْ أَجْلِهِ إذَا طَالَ وَلَا يُبْطِلُهُ فِيمَا قَرُبَ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْنِي فِي عَجْزِ الْمَاءِ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ وَإِنْ جَفَّ وَفِي الطُّولِ الْمُعْتَبَرِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَبْنِي مَا لَمْ يَجِفَّ. وَالثَّانِي: الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ اجْتِهَادُ الْمُتَطَهِّرِ دُونَ الْجُفُوفِ كَالْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →