← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَالْتَمَسَ النَّاسُ وَضُوءًا فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فِي إنَاءٍ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ يَتَوَضَّئُونَ مِنْهُ قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْت الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءُهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ بِإِحْدَى خُطْوَتَيْهِ حَسَنَةٌ وَتُمْحَى عَنْهُ بِالْأُخْرَى سَيِّئَةٌ فَإِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ الْإِقَامَةَ فَلَا يَسْعَ فَإِنَّ أَعْظَمَكُمْ أَجْرًا أَبْعَدُكُمْ دَارًا قَالُوا لِمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ مِنْ أَجْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا) . ــ [المنتقى] خَطَايَاهُمَا مِنْهُمَا قَبْلَ خُرُوجِهَا مِنْ الْوَجْهِ، وَالْأُذُنَانِ مُؤَخَّرَانِ عَلَى الرَّأْسِ فَكَانَ لَهُمَا حُكْمُ التَّبَعِ وَخَرَجَتْ خَطَايَاهُمَا مِنْهُمَا قَبْلَ خُرُوجِهِمَا مِنْ الْوَجْهِ، وَالْأُذُنَانِ مُؤَخَّرَانِ عَلَى الرَّأْسِ فَكَانَ لَهُمَا حُكْمُ التَّبَعِ فَتَخْرُجُ خَطَايَا الرَّأْسِ مِنْهُمَا. ١ - (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْوُضُوءَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا وَيُطَهِّرُ أَعْضَاءَهُ كُلَّهَا مِنْ الْخَطَايَا وَذَلِكَ يُوجِبُ طَهَارَةَ جَمِيعِ جَسَدِهِ مِنْ الْحَدَثِ ثُمَّ يَكُونُ مَشْيُهُ إلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةً نَافِلَةً لَهُ يُرِيدُ زِيَادَةً لَهُ مِنْ الْأَجْرِ عَلَى مَا يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ وَالنَّافِلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الزِّيَادَةُ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ إنَّ صَلَاتَهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ تُكَفِّرُ عَنْهُ مُسْتَقْبَلَ ذُنُوبِهِ وَمُسْتَقْبَلَ ذُنُوبِهِ إلَى الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا لِأَنَّ بِوُضُوئِهِ خَاصَّةً يُكَفَّرُ عَنْهُ مَاضِي ذُنُوبِهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ش قَوْلُهُ إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ تَخْصِيصٌ لَهُ بِهَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُكَفِّرُ مَعَ الْكُفْرِ ذَنْبًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَقَوْلُهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ مَعْنَى خُرُوجِ الْخَطَايَا مِنْ الْعُضْوِ تَكْفِيرُ مَا اخْتَصَّ بِهِ مِنْ الْخَطَايَا وَقَوْلُهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ أَوْ نَحْوِ هَذَا الشَّكُّ مِنْ الرَّاوِي مَعَ تَقَارُبِ الْمَعْنَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ تَكْمُلُ الطَّهَارَةُ لِسَائِرِ الْجَسَدِ مِنْهَا وَهَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ غَيْرَ ابْنِ وَهْبٍ فَإِنَّهُ زَادَ فِيهِ ذِكْرَ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ الْوَجْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ فَالْتَمَسَ النَّاسُ وَضُوءًا الْوَضُوءُ اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فِي إنَاءٍ فَوَضَعَ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِوَحْيٍ يَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ إذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ نَبَعَ الْمَاءُ حَتَّى يَعُمَّ أَصْحَابَهُ الْوَضُوءُ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُعْجِزَات وَأَبْيَنِ الدَّلَالَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ وَعَلَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَحْيٌ لِأَنَّ إخْرَاجَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَخَلْقِهِ هُنَاكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ ﵎ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُصَدِّقُ لِرِسَالَةِ نَبِيِّهِ. وَقَدْ رَوَى حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْإِنَاءَ كَانَ مُخَضَّبًا صَغُرَ عَنْ أَنْ يَضَعَ فِيهِ يَدَهُ وَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا وَأَزْيَدُ. (ش) : قَوْلُهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الصَّلَاةِ يُرِيدُ أَنْ يَقْصِدَهَا دُونَ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ يُرِيدُ أَنَّ أَجْرَهُ أَجْرُ

стр. 72

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْغَائِطِ بِالْمَاءِ فَقَالَ سَعِيدٌ إنَّمَا ذَلِكَ وُضُوءُ النِّسَاءِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ مِنْ إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ) . ــ [المنتقى] الْمُصَلِّي مَا دَامَ يَقْصِدُ إلَى الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ تُكْتَبُ لَهُ بِإِحْدَى خُطْوَتَيْهِ حَسَنَةٌ وَتُمْحَى عَنْهُ بِالْأُخْرَى سَيِّئَةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ لِخُطَاهُ حُكْمَيْنِ فَيُكْتَبُ لَهُ بِبَعْضِهَا الْحَسَنَاتُ وَتُمْحَى عَنْهُ بِبَعْضِهَا السَّيِّئَاتُ وَإِنَّ حُكْمَ الْحَسَنَاتِ غَيْرَ حُكْمِ مَحْوِ السَّيِّئَاتِ وَهَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ ذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ وَاحِدٌ وَإِنَّ كَتْبَ الْحَسَنَاتِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَحْوُ السَّيِّئَاتِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ الْإِقَامَةَ فَلَا يَسْعَ فَإِنَّ أَعْظَمَكُمْ أَجْرًا أَبْعَدُكُمْ دَارًا قَالَ مَالِكٌ لَا يَخُبُّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ فِي مَشْيِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجْرِي وَالسَّعْيُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْإِسْرَاعُ فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ الْمَشْيِ وَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَقِلُّ بِهِ الْخُطَا وَكَثْرَةُ الْخُطَا مُرَغَّبٌ فِيهَا مَرْجُوٌّ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَتْبِ الْحَسَنَاتِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ وَلِذَلِكَ قَالَ وَإِنَّ أَعْظَمَكُمْ أَجْرًا أَبْعَدُكُمْ دَارًا وَفَسَّرْت أَنَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْوَقَارِ الْمَشْرُوعِ فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ. (ش) : قَالَ ابْنُ نَافِعِ يُرِيدُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ يُجْزِي الرَّجُلَ وَإِنَّمَا يَكُونُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لِلنِّسَاءِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ يَحْتَمِلُ عِنْدِي وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّسَاءِ مِنْ جِهَةِ الْعَادَةِ وَالْعَمَلِ وَإِنَّ عَمَلَ الرِّجَالِ الِاسْتِجْمَارُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ عَيْبَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ كَمَا قَالَ ﷺ إنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ وَهَذَا لَا يَرَاهُ مَالِكٌ وَلَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاسْتِنْجَاءُ عِنْدَهُمْ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ وَجَمِيعُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ يُجْزِي مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ الِاسْتِجْمَارُ يُجْزِي إلَّا مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ وَجْهَ الِاسْتِحْبَابِ وَإِلَّا فَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ. (ش) : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ فَمَرَّةً حَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَمَرَّةً حَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ فَوَجْهُ الْوُجُوبِ أَمْرُهُ ﷺ بِغَسْلِهِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَوَجْهُ النَّدْبِ أَنَّهُ حَيَوَانٌ فَلَمْ يَجِبْ غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ أَصْلُ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْكَلْبِ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي الْجَهْمِ رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ فِي الْكَلْبِ الْمَنْهِيِّ عَنْ اتِّخَاذِهِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ فِي جَمِيعِ الْكِلَابِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ وَالْمَنْعِ مِنْ اتِّخَاذِهَا وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا بِالْمُبَاحِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عُمُومُ الْخَبَرِ وَلَمْ يَخُصَّ كَلْبًا دُونَ كَلْبٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وَجَبَ غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهَا لَمْ يَتَّخِذْ مِنْهَا إلَّا مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَالْحَاجَةُ الْوَكِيدَةُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَنَّ إنَاءَ الْمَاءِ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي غَسْلِ إنَاءِ الطَّعَامِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ نَفْيَ غَسْلِهِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ إثْبَاتَ غَسْلِهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغٍ لِكَلْبٍ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ فِي اتِّخَاذِ الْكَلْبِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِغَسْلِ إنَاءِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تَصِلَ إلَيْهِ الْكِلَابُ وَأَمَّا إنَاءُ الطَّعَامِ فَلَا تَصِلُ إلَيْهِ لِقِلَّتِهِ وَكَثْرَةِ التَّوَقِّي فِيهِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا إنَاءٌ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ فَشُرِعَ غَسْلُهُ كَإِنَاءِ الْمَاءِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْعَدَدِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَفِيهِ أَمْرُهُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعَ مَرَّاتِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي

стр. 73

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصَوْا وَاعْمَلُوا وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ وَلَا يُحَافَظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ» ) . مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ) . ــ [المنتقى] الْوُجُوبَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ عِبَادَةٌ لَا لِنَجَاسَةٍ وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى أَنَّهُ لِلنَّجَاسَةِ وَلِلشَّكِّ فِي النَّجَاسَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُغْسَلُ لِلنَّجَاسَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَكَانَ طَاهِرًا كَالْأَنْعَامِ. (ش) : قَوْلُهُ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ مَعْنَاهُ وَلَنْ تُحْصُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ وَلَا يُمْكِنُكُمْ الِاسْتِقَامَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ مَعْنَاهُ عِنْدِي لَا يُمْكِنُكُمْ اسْتِيعَابُ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وَقَالَ مُطَرِّفٌ مَعْنَاهُ وَلَنْ تُحْصُوا مَا لَكُمْ مِنْ الْأَجْرِ إنْ اسْتَقَمْتُمْ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَاعْمَلُوا وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ يُرِيدُ أَنَّهَا أَكْثَرُ أَعْمَالِكُمْ أَجْرًا. وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فَقَالَ الصَّلَاةُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا يُحَافَظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدِيمُ فِعْلَهُ بِالْمَكَارِهِ وَغَيْرِهَا مُنَافِقٌ وَلَا يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مُؤْمِنٌ. [مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ] (ش) : وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْبِضُ أَصَابِعَهُ مِنْ كِلْتَيْ يَدَيْهِ وَيَمُدُّ أُصْبُعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَيْنِ أُصْبُعًا مِنْ كُلِّ يَدٍ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ قَالَ وَهُوَ حَسَنٌ مِنْ الْفِعْلِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِيسَى مُحْتَمَلٌ وَهُوَ حَسَنٌ فِي صِفَةِ تَنَاوُلِ الْمَاءِ لِمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَأَمَّا تَنَاوُلُهُ لِلْغَسْلِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُدْخِلُ يَدَيْهِ جَمِيعًا فِي الْإِنَاءِ فَيَأْخُذُ بِهِمَا الْمَاءَ وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مِسْحِ الرَّأْسِ يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ بِيُمْنَاهُ وَيُفْرِغُهُ عَلَى يُسْرَاهُ وَكَذَلِكَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي جَمِيعِ الْوُضُوءِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِيُمْنَاهُ ثُمَّ يَجْعَلَ بَعْضَهُ فِي يُسْرَاهُ فَيَنْقُلَهُ بِهِمَا إلَى وَجْهِهِ وَخَيَّرَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الطَّهَارَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْغَسْلُ بِالْيَدَيْنِ كَانَ تَنَاوَلَ الْمَاءَ بِهِمَا وَمَتَى كَانَ بِالْيُمْنَى خَاصَّةً كَانَ تَنَاوُلُ الْمَاءِ بِهَا وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ هَذَا عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الطَّهَارَةِ لِلْوَجْهِ فَكَانَ حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ بِالْيَدَيْنِ كَإِمْرَارِهِمَا مَعَ الْمَاءِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا أَضَافَهَا إلَى يَدِهِ الْأُخْرَى ثُمَّ غَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا تَنَاوُلُ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِالْيُمْنَى أَصْلُهُ إذَا غَرَفَ بِيُمْنَاهُ لِيَغْسِلَ يُسْرَاهُ وَوَجْهُ التَّخْيِيرِ تَسَاوِي الدَّلِيلَيْنِ وَهَكَذَا الْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَأَمَّا غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَلَا يَتَهَيَّأُ إلَّا أَنْ يَغْرِفَ الْمَاءَ بِالْيُمْنَى وَيَغْسِلَ بِالْيُسْرَى غَيْرَ غَسْلِ يَدِهِ الْيُسْرَى فَإِنَّهُ يَعْرِفُ بِالْيُمْنَى فَيُفْرِغُ بِهَا عَلَى الْيُسْرَى ثُمَّ يَغْسِلُ بِالْيُمْنَى. ١ - (فَصْلٌ) وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ تَجْدِيدَ الْمَاءِ لِلْأُذُنَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ كُلِّ يَدٍ فَيَمْسَحُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ بَاطِنَ الْأُذُنَيْنِ يُمْسَحُ بِالسَّبَّابَةِ وَظَاهِرَهُمَا بِالْإِبْهَامِ وَهَذِهِ طَهَارَةُ الْأُذُنَيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يُغْسَلَانِ مَعَ الْوَجْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُغْسَلُ

стр. 74

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ لَا حَتَّى يَمْسَحَ الشَّعْرَ بِالْمَاءِ) . ــ [المنتقى] بَاطِنُهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَظَاهِرُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرُهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ وَبَاطِنُهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَصِفَةُ مَسْحِهِمَا أَنْ يَمْسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا قَالَ مَالِكُ فِي الْمُخْتَصَرِ يُدْخِلُ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِ لَا يَتْبَعُ غُضُونَهُمَا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ يُمْسَحَانِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ إلَى أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ فَرْضًا وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ نَفْلًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا عُضْوَانِ جُعِلَا فِي الشَّرْعِ مَخْرَجًا لِخَطَايَا عُضْوٍ فَكَانَ حُكْمُهُمَا فِي الْوُضُوءِ حُكْمَهُ كَالْعَيْنَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَالْأَظْفَارِ مَعَ الْيَدَيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُمَا عُضْوَانِ سُنَّ لَهُمَا تَجْدِيدُ الْمَاءِ فَلَمْ يَكُونَا مَعَ الرَّأْسِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ بِأُصْبُعَيْهِ وَيَقْتَضِي اسْتِئْنَافَ الْمَاءِ لَهُمَا وَلِذَلِكَ أَخَذَ الْمَاءَ لَهُمَا دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَعْضَاءِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الْمَاءِ لَهُمَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ لَمْ يُجَدِّدْ لَهُمَا مَاءً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَمْسَحْهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إنْ شَاءَ جَدَّدَ لَهُمَا الْمَاءَ وَإِنْ شَاءَ مَسَحَهُمَا بِمَا فَضَلَ بِيَدِهِ مِنْ مَسْحِ رَأْسِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ لَا يُسْتَأْنَفُ لَهُمَا الْمَاءُ وَدَلِيلُنَا عَلَى اسْتِئْنَافِ الْمَاءِ لَهُمَا أَنَّ الْمَغْسُولَاتِ نَفْلًا لَمَّا انْفَصَلَتْ مِنْ الْمَغْسُولَاتِ فَرْضًا فَكَذَلِكَ الْمَمْسُوحَاتُ نَفْلًا يَجِبُ أَنْ تَنْفَصِلَ عَنْ الْمَمْسُوحَاتِ فَرْضًا وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ إنْ شَاءَ مَسَحَهُمَا بِمَا فَضَلَ بِيَدِهِ مِنْ مَسْحِ رَأْسِهِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُمَا مَوْضِعٌ مِنْ الرَّأْسِ فَحُكْمُهُمَا حُكْمُهُ فِي تَجْدِيدِ الْمَاءِ غَيْرَ أَنَّهُمَا آخِرُ الْعُضْوِ فَيُخْتَمُ مَسْحُهُ بِمِسْحِهِمَا. (ش) : قَوْلُهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ قَالَ لَا حَتَّى يَمْسَحَ الشَّعْرَ بِالْمَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ لَا يُجْزِي وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد يُجْزِي الْمَسْحُ عَلَى عَمَائِمِ الْعَرَبِ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فَمَنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ وَلَا امْتَثَلَ الْأَمْرَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا عُضْوٌ مُفْتَرَضٌ مَسْحُهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ دُونَهُ مَعَ السَّلَامَةِ كَالْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَتَّى يُمْسَحُ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ يَقْتَضِي مَسْحَ جَمِيعِهِ لِأَنَّ لَفْظَ يُمْسَحُ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْحَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَا فِي يَدَيْهِ وَلَوْ مَسَحَهُ بِمَا عَلَى رَأْسِهِ مِنْ بَلَلٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ وَإِنَّمَا مَسَحَ شَعْرًا مَبْلُولًا بِيَدٍ جَافَّةٍ وَلَوْ مَسَحَهُ بِمَا فَضَلَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ بَلَلِ ذِرَاعَيْهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ ذِرَاعَيْهِ أَوْ لِحْيَتِهِ وَصَلَّى أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ وَلَيْسَ هَذَا بِمَسْحٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَاءٌ فَلَا يَمْسَحُهُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْبَلَلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَاءٌ فَلْيَمْسَحْ بِهِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ فَقَوْلُ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُ أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْيَدَيْنِ مِنْ الْبَلَلِ مِنْ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ أَوْ بَلَلِ اللِّحْيَةِ يَسِيرٌ لَا يَتَأَتَّى الْمَسْحُ بِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِمَسْحٍ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَمْسَحَ بِهِ لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأُحْكَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ كَانَ يَنْزِعُ الْعِمَامَةَ وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ رَأَى صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَنْزِعُ خِمَارَهَا وَتَمْسَحُ رَأْسَهَا بِالْمَاءِ وَنَافِعٌ يَوْمئِذٍ صَغِيرٌ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ فَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى عِمَامَةٍ وَلَا خِمَارٍ وَلْيَمْسَحَا عَلَى رُؤْسِهِمَا) . (ش) : هَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ يَجِبُ مُبَاشَرَةُ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ

стр. 75

(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ فَنَسِيَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى جَفَّ وُضُوءُهُ قَالَ أَرَى أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى يُعِيدُ الصَّلَاةَ) . مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ وَهُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ الْمُغِيرَةُ فَذَهَبْت مَعَهُ بِمَاءٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَكَبْت عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيْ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ومَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ وَقَدْ صَلَّى لَهُمْ رَكْعَةً فَصَلَّى لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ فَفَزِعَ النَّاسُ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ [المنتقى] وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ دُونَ الرَّأْسِ وَإِنَّ حُكْمَ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الرَّجُلِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَنَافِعٌ يَوْمئِذٍ صَغِيرٌ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ رَآهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ صَغِيرًا سِنُّهُ بِحَيْثُ لَا تَحْتَجِبُ مِنْهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مِثْلِ هَذَا مِنْ حَالِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ وَذَلِكَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ حَالُ صِغَرٍ وَهِيَ حَالٌ لَا تُؤْمَرُ فِيهَا بِالِاسْتِتَارِ ثُمَّ حَالُ شَبَابٍ وَهِيَ حَالٌ تُؤْمَرُ فِيهَا بِالِاسْتِتَارِ ثُمَّ حَالُ هَرَمٍ وَهِيَ حَالٌ تُؤْمَرُ فِيهَا بِبَعْضِ الِاسْتِتَارِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ وَنَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْوَضُوءِ أَوْ مَا يُقَارِبُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْوَضُوءِ أَوْ قُرْبِهِ مَسَحَ رَأْسَهُ وَمَا بَعْدَهُ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ الْمَشْرُوعُ فِي الطَّهَارَةِ وَإِنْ كَانَ مَا نَسِيَ مَغْسُولًا كَرَّرَ فِيهِ الْغَسْلَ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلهُ فِي نَفْسِ الطَّهَارَةِ وَلَا يُكَرِّرُ الْغَسْلَ فِيمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَهُ لِمَعْنَى التَّرْتِيبِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ تَفْرِيقَ الْوُضُوءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ يُبْطِلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُبْطِلُهُ وَقَدْ تَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَكَانَتْ الْمُوَالَاةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهَا الْمُوَالَاةُ كَطَهَارَةِ النَّجَاسَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا تَفْرِيقُ الطَّهَارَةِ لِعُذْرٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: النِّسْيَانِ. وَالثَّانِي: الْعَجْزُ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ. فَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلَا يُفْسِدُ الطَّهَارَةَ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ كَانَ مَا أَخَّرَ مَغْسُولًا أَوْ مَمْسُوحًا طَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطُلْ وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ مُطَّرِفٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَمْسُوحِ وَالْمَسْنُونِ مِنْ الْمَغْسُولِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ إذَا كَانَ الْمَمْسُوحُ رَأْسًا دُونَ خُفٍّ وَأَمَّا الْمَغْسُولُ مِنْ الْمَفْرُوضِ فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ يُفْسِدُ الطَّهَارَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَخَّرَهُ مِنْ نِسْيَانِ أَوْ غَيْرِهِ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْمَغْسُولَ أَحَدُ نَوْعَيْ الطَّهَارَةِ فَلَمْ يُفْسِدْهَا تَأْخِيرُهُ نَاسِيًا كَالْمَمْسُوحِ. وَأَنْكَرَ حَبِيبُ بْنُ الرَّبِيعِ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ عَنْ مَالِكٍ عَلَى ابْنِ حَبِيبِ وَقَالَ هِيَ سَهْوٌ عَلَى مَنْ نَقَلَهَا وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ حَبِيبٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَبُو زَيْدٍ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَاحْتَجَّ لَهَا بِأَنَّ شَأْنَ الْمَسْحِ أَخَفُّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا عَجْزُ الْمَاءِ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ تَفْرِيقُهُ لَهُ مِنْ أَجْلِهِ إذَا طَالَ وَلَا يُبْطِلُهُ فِيمَا قَرُبَ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْنِي فِي عَجْزِ الْمَاءِ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ وَإِنْ جَفَّ وَفِي الطُّولِ الْمُعْتَبَرِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَبْنِي مَا لَمْ يَجِفَّ. وَالثَّانِي: الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ اجْتِهَادُ الْمُتَطَهِّرِ دُونَ الْجُفُوفِ كَالْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 76

صَلَاتَهُ قَالَ أَحْسَنْتُمْ» ) . ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إخْبَارٌ بِأَنَّ أَحْكَامَ هَذَا الْخَبَرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالسَّفَرِ وَقَوْلُهُ فَذَهَبْت مَعَهُ بِمَاءٍ يُرِيدُ أَنَّهُ ذَهَبَ مَعَهُ إلَى بَعْضِ طَرِيقِهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُ أَوْ يَتَوَارَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَكَبْت عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَخْبَرَ الْمُغِيرَةُ عَنْ الْمَفْرُوضِ فِي الْوُضُوءِ وَتَرَكَ ذِكْرِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسْنُونِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْقَصْدُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ الْجُبَّةِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَهُمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَأَمَّا الْكَفَّانِ فَإِنَّهُمَا كَانَا خَارِجَيْنِ وَبِهِمَا غَسَلَ وَجْهَهُ وَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ إزَارٌ يَسْتُرُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَدَلٌ وَهُوَ مِمَّا تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْجُمْلَةِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا ظَاهِرُهُ الْمَنْعُ مِنْهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إيثَارُ الْغَسْلِ عَلَيْهِ وَحَسْبُك بِمَا أَدْخَلَ فِي مُوَطَّئِهِ وَهُوَ أَصَحُّ مَا نُقِلَ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ وَلَا الْمُقِيمُ فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَوَجْهُهَا أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي يَبْعُدُ لِأَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا أَمْسَحُ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ وَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ آخَرُ مَا فَارَقْته عَلَى الْمَسْحِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَكَأَنَّهُ وَهُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُتَأَخِّرٌ وَأَصْحَابُهُ مُطَّرِفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَنَعَهُ أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ لَمَّا لَمْ يَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَمْسَحُونَ ثُمَّ رَأَى الْآثَارَ فَأَبَاحَ الْمَسْحَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِي السَّفَرِ فَأَمَّا الْمَسْحُ فِي الْحَضَرِ فَعَنْ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الْمَنْعُ. وَالثَّانِيَةُ: الْإِبَاحَةُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» . ١ - (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ. وَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ يَمْسَحُ الْمُحْرِمُ عَلَى خُفٍّ قَطَعَهُ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَيُمِرُّ الْمَاءَ عَلَى مَا بَدَا مِنْ كَعْبَيْهِ وَهَذِهِ رِوَايَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ عَنْ مَالِكٍ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ أَقْوَالِ الْأَوْزَاعِيِّ. وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمِ كَثِيرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهُ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِهِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْمَسْحُ بِمَا أُبِيحَ لَهُ لُبْسُهُ وَحُكْمُ النِّسَاءِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ حُكْمُ الرِّجَالِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ حَالَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَمْنُوعَةٍ مِنْ لُبْسِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ يُرِيدُ أَنَّهُ جَاءَ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ فَأَلْفَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا وَإِنَّ لَهَا فَضِيلَةٌ مُتَأَكِّدَةٌ وَلِذَلِكَ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إذْ تَغَيَّبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَتِهِ مَعَ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَقُرْبِ مَوْضِعِ تَغَيُّبِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ خَوْفَ فَوَاتِ الْوَقْتِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ بَعْدَ تَمَامِ صَلَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَا يُظَنُّ بِهِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ

стр. 77

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدِمَ الْكُوفَةَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ أَمِيرُهَا فَرَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ سَلْ أَبَاك إذَا قَدِمْت عَلَيْهِ فَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ فَنَسِيَ أَنْ يَسْأَلَ أَبَاهُ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ سَعْدُ فَقَالَ أَسَأَلْت أَبَاك فَقَالَ لَا فَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ إذَا أَدْخَلْت رِجْلَيْك فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَإِنْ جَاءَ أَحَدُنَا مِنْ الْغَائِطِ قَالَ عُمَرُ نَعَمْ وَإِنْ جَاءَ أَحَدُكُمْ مِنْ الْغَائِطِ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ يُرِيدُ الرَّكْعَةَ الَّتِي أَدْرَكَهَا مَعَهُمْ وَرُوِيَ أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَقَوْلُهُ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ أَحْسَنْتُمْ يُرِيدُ أَنَّهُ قَضَى مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ بَعْدَ سَلَامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ فَقَالَ لَهُمْ أَحْسَنْتُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ لَهُمْ وَالْإِمْضَاءِ لَفِعْلِهِمْ. (ش) : إنْكَارُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَهُوَ أَمِيرُ الْبَلْدَةِ عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا يَهَابُونَ فِي ذَلِكَ أَمِيرًا وَلَا غَيْرَهُ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ عُلِمَ مِنْ فَضْلِ سَعْدٍ الْمُسَارَعَةُ إلَى مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ الصَّوَابِ وَيَدُلُّ إنْكَارُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَبَاهُ وَلَا أَحَدًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ يَمْسَحُونَ مَعَ تَجْوِيزِهِمْ لَهُ أَخْذًا بِالْأَفْضَلِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إذَا قَدِمْت فَسَلْ أَبَاك يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلِمَ مِنْ عُمَرَ مُوَافَقَتُهُ فِي ذَلِكَ إمَّا بِمُفَاوَضَةٍ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ مَا عِنْدَ عُمَرَ ﵁ فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ فَنَسِيَ أَنْ يَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ سَعْدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ إنَّمَا أَغْفَلَ سُؤَالَ أَبِيهِ لِأَنَّهُ سَكَنَ وَوَثِقَ وَاسْتَغْنَى بِخَبَرِ سَعْدٍ فِي ذَلِكَ وَعَلِمَ فَضَلَهُ وَحِفْظَهُ وَصِدْقَهُ فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدٌ وَأَمَرَهُ بِالسُّؤَالِ سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ إمَّا لِيُعْلِمَ أَبَاهُ بِمَا ظَهَرَ إلَيْهِ وَوَصَلَ إلَيْهِ مِنْ عِلْمِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ وَإِمَّا لِيَطْلُبَ زِيَادَةً إنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَأَخْبَرَهُ عُمَرُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ سَعْدٌ. وَقَالَ لَهُ إذَا أَدْخَلْت رِجْلَيْك فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا فَجَعَلَ طَهَارَةَ الرِّجْلَيْنِ عِنْدَ إدْخَالِهِمَا فِي الْخُفَّيْنِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَإِنْ جَاءَ أَحَدُنَا مِنْ الْغَائِطِ تَثْبِيتًا فِي الْأَمْرِ وَتَقْرِيرًا لَهُ عَلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ دُونَ طَهَارَةِ الْفَضِيلَةِ فَأَجَابَهُ عُمَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ تَطَهَّرَ عَنْ حَدَثٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَيَمَّمَ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَإِنْ لَبِسَهُمَا بَعْدَ أَنْ صَلَّى لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِمَا قَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ لَبِسَهُمَا قَبْلَ الصَّلَاةِ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مَعْنَاهُ. وَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهُ لَبِسَ خُفَّيْهِ بِطَهَارَةٍ يَسْتَبِيحُ بِهَا الصَّلَاةَ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَ بِهَا الْمَاءَ كَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا أَحَدُ حَالَتَيْ التَّيَمُّمِ فَلَمْ يَسْتَبِحْ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَصْلُهُ إذَا لَبِسَهُمَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَاحْتَجَّ مُطَرِّفُ وَصَاحِبَاهُ بِأَنَّ مُنْتَهَى طُهْرِ التَّيَمُّمِ فَرَاغُ تِلْكَ الصَّلَاةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مُدَّةَ الْمَسْحِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ فِي الرِّسَالَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى مَالِكٍ فِي التَّوْقِيتِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ عَنْهُ وَفِيهَا أَحَادِيثُ لَا تَصِحُّ عَنْهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ أَنْ يَمْسَحَا وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مِنْ الْأَيَّامِ. وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ حَدُّهُ لِلْحَاضِرِ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ خَلْعُهَا لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ

стр. 78

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَالَ بِالسُّوقِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ دُعِيَ لِجِنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا) . (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ بَالَ ثُمَّ نَزَعَهُمَا ثُمَّ رَدَّهُمَا فِي رِجْلَيْهِ أَيَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ فَقَالَ لِيَنْزِعْ خُفَّيْهِ ثُمَّ لِيَتَوَضَّأْ وَلِيَغْسِلْ رِجْلَيْهِ وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ بِطُهْرِ ــ [المنتقى] يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْمُقِيمِ وَقْتًا. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ فَلَمْ تَتَوَّقَتْ بِزَمَنٍ مُقَدَّرٍ كَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ انْتِقَالَ الطَّهَارَةِ مِنْ الْغَسْلِ إلَى الْمَسْحِ مُؤَثِّرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ اسْتِدَامَتِهَا كَالتَّيَمُّمِ. (ش) : قَوْلُهُ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ دُعِيَ لِجِنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ نَاسِيًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الْمَسْحَ لَمَّا اعْتَقَدَ تَفْرِيقَ الطَّهَارَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ ذَلِكَ لِعَجْزِ الْمَاءِ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَمْ يَأْخُذْ مَالِكٍ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَأْخِيرِ الْمَسْحِ فَحَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْقَصْدِ إلَى تَأْخِيرِهَا وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ مَسْحَ خُفَّيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيَمْسَحْهُمَا وَيُصَلِّي وَلَا يَخْلَعُ وَهَذَا يَحْتَمِلُ تَجْوِيزَ التَّفْرِيقِ فِي الطَّهَارَةِ أَجْمَعَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَجْوِيزِهَا فِي الْمَسْحِ خَاصَّةً. وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَالَ إنَّ ذَلِكَ إذَا صَارَ إلَى الْمَسْحِ فَهُوَ خَفِيفٌ. ١ - (فَصْلٌ) : وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ دُعِيَ لِجِنَازَةٍ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَسَحَهُمَا بَعْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ اسْتَجَازَ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الْمَاءِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْهُ وَأَمَّا الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي صِحَّتِهِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ وَكَرِهَهُ سَحْنُونٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَجِّ الرِّيقِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا يَتَنَاثَرُ مِنْ الْمَاءِ مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي نَظَافَةِ الْمَسْجِدِ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فِي الْمُزَنِيَّة عَنْ مَالِكٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ غُطِّيَ بِالْحَصْبَاءِ بِخِلَافِ النُّخَامَةِ لِأَنَّ النُّخَامَةَ لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْهَا بُدًّا وَلَا مَضَرَّةً عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ الْمَضْمَضَةِ فِي الْمَسْجِدِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ النُّخَامَةَ تَكْثُرُ وَتَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ الْخُرُوجَ لَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْمَضْمَضَةُ تَنْدُرُ وَتَقِلُّ فَلَا مَضَرَّةَ وَلَا مَشَقَّةَ فِي الْخُرُوجِ لَهَا مِنْ الْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا التَّعْلِيلُ مَرْوِيٌّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ جَاءَ النَّهْيُ أَنْ يَتَطَهَّرَ إلَّا خَارِجًا عَنْهُ فِي رِحَابِهِ وَعَلَى أَبْوَابِهِ فَأَبَاحَ ذَلِكَ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ أَبْوَابِهِ مُتَنَحِّيًا عَنْ طُرُقِ النَّاسِ فِي الدُّخُولِ إلَيْهِ وَالْخُرُوجِ عَنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا يُرِيدُ عَلَى الْجِنَازَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي عَلَيْهَا فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ لِقَوْلِهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا وَثُمَّ تَقْتَضِي الْمُهْلَةَ وَالتَّرَاخِيَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ وَالْجِنَازَةُ خَارِجُ الْمَسْجِدِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى قُبَاءَ فَبَالَ ثُمَّ أُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى) ش قَوْلُهُ ثُمَّ أَتَى قُبَاءَ فَبَالَ إخْبَارٌ مِنْهُ بِتَقَدُّمِ حَدَثِهِ عَلَى الْوُضُوءِ وَأَنَّ مَا حَكَاهُ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَمْ يَكُنْ فِي تَجْدِيدِ طَهَارَةٍ وَإِنَّمَا كَانَ فِي طَهَارَةِ حَدَثٍ لَا تُجْزِي الصَّلَاةُ إلَّا بِهَا وَتَمَّمَ ذَلِكَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَصَلَاتِهِ فِيهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الصَّلَاةَ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَخْتَلِفُ لِذَلِكَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا لَبِسَ خُفَّيْهِ بَعْدَ وُضُوئِهِ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ خَلَعَهُمَا ثُمَّ لَبِسَهُمَا فَقَدْ زَالَ حُكْمُ لُبْسِهِمَا عَلَى الطَّهَارَةِ وَصَارَ لَابِسًا لَهُمَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَإِدْخَالُهُمَا فِي الْخُفِّ طَاهِرَتَيْنِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُفَّيْنِ وَبَيْنَ الْجَبَائِرِ أَنَّ سَبَبَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ مَوْقُوفٌ عَلَى اخْتِيَارِ لَابِسِهِمَا وَسَبَبَ الْجَبَائِرِ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى اخْتِيَارِ مَنْ وُضِعَتْ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلُبْسُ الْخُفَّيْنِ إنَّمَا أُبِيحَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا إذَا لَبِسَهُمَا لِلْوَجْهِ الْمُعْتَادِ مِنْ الْمَشْيِ فِيهِمَا أَوْ التَّدَفِّي بِهِمَا وَأَمَّا مَنْ لَبِسَهُمَا لِيَمْسَحَ عَلَيْهِمَا فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِي وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يُكْرَهُ فَمَنْ فَعَلَهُ أَجْزَأَهُ وَأَجَازَ ذَلِكَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَجْهَ الْمَنْعِ أَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا لِلْحَاجَةِ وَمَشَقَّةِ خَلْعِهِمَا وَلَمْ يُبَحْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا لِمَشَقَّةِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْعَظْمِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ حُكْمُ الْجَبَائِرِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ مَلْبُوسٌ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِضَرُورَةِ اللُّبْسِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذَا لُبِسَ لِلْمَسْحِ عَلَيْهِ كَالْجَبَائِرِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ دَاوُد يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ خَلْعَ الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْمَسْحِ وَيُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ وَقَالَ دَاوُد الطَّهَارَةُ بَاقِيَةٌ لَا تَبْطُلُ إلَّا بِحَدَثٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ إنَّ هَذَا مَسْحٌ عَلَى حَائِلٍ دُونَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَظُهُورُ أَصْلِهِ يُبْطِلُ حِكْمَةَ أَصْلِهِ إذَا مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَالْعَصَائِبِ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا عِنْدَ نَزْعِ الْخُفَّيْنِ بِنَوْعِهِمَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ غَسْلَهُمَا مَكَانَهُ أَجْزَأَهُ وَرَوَى زَيْدُ بْنُ شُعَيْبٍ الْإِسْكَنْدَرِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي غَسْلِ رِجْلَيْهِ بَعْدَ خَلْعِ خُفَّيْهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بَيْنَ حَالَيْ الطَّهَارَةِ مُهْلَةٌ فَلَمْ تُعْدَمْ الْمُوَالَاةُ وَإِنَّمَا تُعْدَمُ الْمُوَالَاةُ بِأَنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ بَيْنَ أَوَّلِ الطَّهَارَةِ وَآخِرِهَا يَعْلَمُ فِيهَا الْمُكَلَّفُ أَنَّهُ غَيْرُ كَامِلِ الطَّهَارَةِ وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلِذَلِكَ جَازَ لِمَنْ نَسِيَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ طَهَارَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ مُدَّةٍ أَنْ يُفْرِدَهُ بِالطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَفِي مَسْأَلَتِنَا أَبْيَنُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَغْسِلُ فَإِنْ غَسْلَهُمَا مَكَانَهُ أَجْزَأَهُ وَإِنْ أَخَذَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِك أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكِ يُجْزِيهِ غَسْلُهُمَا وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ ذَلِكَ وَابْتِدَاءُ الطَّهَارَةِ أَحَبُّ إلَيَّ وَجْهُ الْقَوْلِ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَتُمْنَعُ الْمُوَالَاةُ إنْ تَخَلَّلَهَا مُدَّةٌ يَعْلَمُ فِيهَا أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُوَالَاةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ أَوْ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ تَطْهِيرِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمَحَلِّ بَعْدَ إكْمَالِ الطَّهَارَةِ بِتَطْهِيرِ الْبَوْلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُوَالَاةُ مُسْتَحَبَّةٌ فَإِنَّهُ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ.

стр. 79

الْوُضُوءِ فَأَمَّا مَنْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا غَيْرُ طَاهِرَتَيْنِ بِطُهْرِ الْوُضُوءِ فَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ) . ــ [المنتقى] (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ خُفَّاهُ فَسَهَا عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَتَّى جَفَّ وَضُوءَهُ وَصَلَّى قَالَ لِيَمْسَحْ عَلَى خُفَّيْهِ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ وَلَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ) . (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا نَاقِدَ بَيَّنَّا أَنَّ تَأْخِيرَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَنْ الطَّهَارَةِ نَاسِيًا لَا يُفْسِدُهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَلَمْ يُكْمِلْ الْوُضُوءَ دُونَ ذَلِكَ فَوَجَبَ إعَادَةُ الصَّلَاةِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَدَلًا مِنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَكَانَ ذَلِكَ حُكْمَهُمَا. (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْوَضُوءَ قَالَ لِيَنْزِعْ خُفَّيْهِ ثُمَّ لِيَتَوَضَّأْ وَلِيَغْسِلْ رِجْلَيْهِ) . (ش) : هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَرَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ دُونَ

стр. 80

الْعَمَلُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ رَأَى أَبَاهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ وَكَانَ لَا يَزِيدُ إذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى أَنْ يَمْسَحَ ظُهُورَهُمَا وَلَا يَمْسَحَ بُطُونَهُمَا) . ــ [المنتقى] سَائِرِ أَعْضَاءِ وَضُوئِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا فِي الْخُفَّيْنِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا وَإِنْ نَامَ بَعْدَ أَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَقَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ طَهَارَتَهُ فَالْخِلَافُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى فَصْلَيْنِ: وَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ إلَّا بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ كُلِّهَا وَلَا يَكْمُلُ بِتَطْهِيرِهِ خَاصَّةً فَمَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ لَمْ تَطْهُرْ قَدَمَاهُ بِغَسْلِ قَدَمَيْهِ إنَّمَا يَطْهُرَانِ بِإِكْمَالِ طَهَارَتِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْضَائِهِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ عُضْوٍ تَكْمُلُ طَهَارَتُهُ بِتَطْهِيرِهِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَقَدْ طَهُرَتَا بِالْغَسْلِ فَكَانَ حُكْمُهُ فِي لُبْسِ الْخُفَّيْنِ حُكْمَ مَنْ كَمُلَتْ طَهَارَتُهُ لِأَنَّ قَدَمَيْهِ قَدْ كَمُلَتْ طَهَارَتُهُمَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فَهُوَ إفْرَادُ الْقَدَمَيْنِ بِالْغَسْلِ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ يُسْتَبَاحُ بِهَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ دُونَ الطَّهَارَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ فَلِذَلِكَ قَالَ إنَّهُ إنْ نَامَ قَبْلَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ جُوِّزَ لَهُ الْمَسْحُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَيْسَتْ بِطَهَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَا يُسْتَبَاحُ بِهَا مَسْحٌ وَلَا غَيْرُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ الْوَاحِدَ ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى ثُمَّ لَبِسَ الْآخَرَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ مُطَرِّفٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَجْهُ الرَّاوِيَةِ الْأُولَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ وَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى جَمِيعِهِ كَالصَّلَاةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ حَدَثٌ وَرَدَ عَلَى طُهْرٍ كَامِلٍ فَأَشْبَهَهُ إذَا ابْتَدَأَ اللُّبْسَ بَعْدَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ. [الْعَمَلُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ] (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ لَا يَزِيدُ فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ عَلَى مَسْحِ الظُّهُورِ وَمَعْنَى ذَلِكَ إنَّ ظَهْرَ الْخُفِّ عِنْدَهُ مَحَلُّ وُجُوبِ الْمَسْحِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ مَسَحَ الْأَسْفَلَ دُونَ الْأَعْلَى لَمْ يُجْزِهِ وَيُعِيدُ أَبَدًا قَالَهُ سَحْنُونٌ وَابْنُ حَبِيبٍ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ يُجْزِيهِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ ظَاهِرَ الْخُفِّ لَهُ حُكْمُ الْخُفِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ وَأَسْفَلُ الْخُفِّ لَهُ حُكْمُ النَّعْلِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَسْحُ بِمَا لَهُ حُكْمُ الْخُفِّ دُونَ مَا حُكْمُهُ حُكْمُ النَّعْلِ وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَوْضِعٌ مِنْ الْمَلْبُوسِ فِي الْقَدَمِ لَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ بِلُبْسِهِ فِدْيَةٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْرَدَ بِالْمَسْحِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَمْسُوحَ عِنْدَهُ غَيْرُ مُسْتَوْعَبٍ وَلِذَلِكَ جَوَّزَ الْمَسْحَ بِبَعْضِ الرَّأْسِ وَإِذَا كَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ عِنْدَهُ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ لِأَنَّهُ يُحَاذِي مِنْ الْقَدَمِ مَا هُوَ مَحَلٌّ لِفَرْضِ الْغَسْلِ جَازَ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَيْفَ هُوَ فَأَدْخَلَ ابْنُ شِهَابٍ إحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ الْخُفِّ وَالْأُخْرَى فَوْقَهُ ثُمَّ أَمَرَّهُمَا قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) ش وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ ﵀ جَمَعَ فِي مَسْحِهِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخُفِّ وَبَيْنَ الْفَضِيلَةِ وَهُوَ بَاطِنُ الْخُفِّ فَمَسَحَ جَمِيعَ الْخُفِّ إلَى الْعَقِبِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنَّ مَسْحَ بَاطِنِ الْخُفِّ فَرْضٌ لَا يَخْرِقُ الْإِخْلَالُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مَنْ تَرَكَ مَسْحَ بَاطِنِ الْخُفِّ أَعَادَ أَبَدًا وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الْفَرْضَ مَسْحُ بَاطِنِ الْخُفِّ وَأَنَّهُ إنْ مَسَحَهُ دُونَ ظَاهِرِهِ أَجْزَأَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ مَوْضِعٌ مِنْ الْخُفِّ يُحَاذِي الْمَغْسُولَ مِنْ الْقَدَمِ فَوَجَبَ غَسْلُهُ كَالظَّاهِرِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ بَاطِنِهِ أَعَادَ

стр. 81

مَا جَاءَ فِي الرُّعَافِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا رَعَفَ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى وَلَمْ يَتَكَلَّمْ) . ــ [المنتقى] فِي الْوَقْتِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ لِيُؤَدِّيَ الْفَرْضَ بِاتِّفَاقٍ وَلِيَأْتِيَ بِهِ عَلَى أَكْمَلِ هَيْئَاتِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ عَلَيْهِ اسْتِيعَابُ الْمَمْسُوحِ مِنْ الْخُفِّ بِالْمَسْحِ أَمْ لَا الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَيَقْتَضِي قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لَيْسَ شَأْنُ الْمَسْحِ الِاسْتِيعَابَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَقَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرُ وَجْهُ وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ أَنَّهُ مَسْحٌ أُبْدِلَ مِنْ غَسْلٍ فَكَانَ حُكْمُهُ فِي الِاسْتِيعَابِ كَالْجَبِيرَةِ. (مَسْأَلَةٌ) وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ إذَا كَانَ إلَى الْكَعْبَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَسْتُرَ مَحَلَّ الْغَسْلِ وَيَكُونُ مِنْ الصِّحَّةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ غَالِبًا فَإِنْ كَانَ الْخَرْقُ يَسِيرًا جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ خِلَافًا لِأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يَمْسَحُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الرِّجْلِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَلْبُوسٌ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ غَالِبًا فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالْخِرَقِ تُلَفُّ عَلَى الرِّجْلِ. (فَرْعٌ) وَفَرَّقَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ الْمَسْحَ وَبَيْنَ الْكَثِيرِ الَّذِي يَمْنَعُهُ فَإِنَّ الْقَلِيلَ مَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ مَعَهُ غَالِبًا وَالْكَثِيرُ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ مَعَهُ غَالِبًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ الْخَرْقَ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ الْقَدَمُ مَنَعَ الْمَسْحَ وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ الْقَدَمُ لَمْ يَمْنَعْهُ وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا رُبْعًا وَلَا ثُلُثًا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ إنْ كَانَ الْخَرْقُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ فَأَكْثَرَ مَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنْ أَشْكَلَ الْخَرْقُ فَلَمْ يَدْرِ أَهْوَ مِنْ الْكَثِيرِ الَّذِي يَمْنَعُ الْمَسْحَ أَمْ مِنْ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يَمْنَعُهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى مَا تُيُقِّنَ إجْزَاؤُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقِ فَأَجَازَهُ مَرَّةً وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ مَرَّةً وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ هَذَا خُفٌّ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ غَالِبًا. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ أُبِيحَ لِضَرُورَةِ مَشَقَّةِ خَلْعِهِ وَلُبْسِهِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي الْجُرْمُوقِ كَالنَّعْلِ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ عَلَى مَمْسُوحٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْسَحَ فِي الْوُضُوءِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالْعِمَامَةِ فَاقْتَضَى اسْتِدْلَالُهُ أَنَّ الْجُرْمُوقَ هُوَ خُفٌّ مَلْبُوسٌ عَلَى خُفٍّ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ قَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مَسْحِ خُفٍّ مَلْبُوسٍ عَلَى خُفٍّ فَقَالَ مَرَّةً يُمْسَحُ وَقَالَ مَرَّةً لَا يُمْسَحُ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي شَرْحِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْجُرْمُوقُ هُوَ الْخُفُّ فَوْقَ الْخُفِّ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ خُفٌّ غَلِيظٌ لَا سَاقَ لَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ لَبِسَ مَهَامِيزَ فَوْقَ خُفٍّ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ يَمْسَحُ عَلَى الْمَهَامِيزِ وَوَجْهُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى تَبْعِيضَ الْمَسْحِ بَيِّنٌ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سُومِحَ فِي يَسِيرِ الْخَرْقِ فَبِأَنْ يُسَامَحَ فِي يَسِيرِ الْحَائِلِ الَّذِي تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ أَوْلَى. [مَا جَاءَ فِي الرُّعَافِ] (ش) : قَوْلُهُ انْصَرَفَ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَ بِأَنْ يَرَاهُ قَاطِرًا أَوْ سَائِلًا أَوْ يَرَى أَثَرَهُ فِي أَنَامِلِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ ذَلِكَ فَفِي الْمُدَوَّنَة عَنْ مَالِكٍ فِي مُصَلٍّ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ أَوْ رَعَفَ فَانْصَرَفَ لِقِبَلِ الدَّمِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ يَرْجِعُ فَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَلَا يَبْنِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ قَطَعَ صَلَاتَهُ تَعَمُّدًا أَفْسَدَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ فَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي إنْ فَعَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ

стр. 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] إنْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ فِي الرُّعَافِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْعُفْ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ لِأَنَّهُ خَرَجَ لِمَا يَجُوزُ لَهُ وَلْيُعِدْ هُوَ صَلَاتَهُ خَلْفَ الْمُسْتَخْلَفِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجَعَلَ خُرُوجَهُ مِنْ الصَّلَاةِ بِظَنِّ الرُّعَافِ مَمْنُوعًا مِنْهُ وَلِذَلِكَ أَبْطَلَ صَلَاتَهُ وَصَلَاةَ مَنْ خَلْفَهُ. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ إنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ وَلِذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ لَا يَتَعَدَّى صَلَاةَ الْإِمَامِ إلَى صَلَاةِ الْمَأْمُومِ كَالْمُصَلِّي مُحْدِثًا. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْإِمَامِ شَكَّ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَوْ أَرْبَعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى شَكِّ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا مَأْمُورٌ بِالتَّمَادِي عَلَى إتْمَامِ صَلَاتِهِ وَمَنْهِيٌّ عَمَّا أَتَى بِهِ مِنْ السَّلَامِ وَمَنْ ظَنَّ الرُّعَافَ فَمَأْمُورٌ بِالْخُرُوجِ مَنْهِيٌّ عَنْ التَّمَادِي وَإِنَّمَا يَبْنِي عَلَى الظَّاهِرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الظَّنِّ وَالشَّكِّ. وَقَدْ قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ فِي الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَى الشَّكِّ فِي ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ أَنَّهَا تَجْزِيهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَهَا زَوْجٌ غَائِبٌ لَا يَدْرِي أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ لِمِثْلِ مَا تَنْقَضِي فِيهَا عِدَّتُهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا فَنِكَاحُهُ مَاضٍ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ شَكَّ فِي الْوُضُوءِ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ تَيَقَّنَ الْوُضُوءَ أَنَّ صَلَاتَهُ تَجْزِيهِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَجْزِيهِ وَهُوَ بَاطِلٌ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى يُرِيدُ انْصَرَفَ عَنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الصَّلَاةِ فَبَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ يُرِيدُ أَنَّهُ اسْتَدَامَ حُكْمَ الصَّلَاةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَتَوَضَّأَ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الْحَدَثِ وَيُحْتَمَلُ غَسْلُ الدَّمِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الرُّعَافَ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ. وَالثَّانِي: فِي أَنَّ الْحَدَثَ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ. وَالثَّالِثُ: فِي أَنَّ الرُّعَافَ لَا يَنْقُضُ الصَّلَاةَ. وَالرَّابِعُ: فِيمَا يَلْزَمُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى غَسْلِ الدَّمِ وَحُكْمِ الْبِنَاءِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُنَا عَلَى أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ مِنْ الدَّمِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَنَّ الْحَدَثَ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ سَوَاءٌ كَانَ غَالِبًا أَوْ غَيْرَ غَالِبٍ فَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ الْحَدَثَ الْغَالِبَ لَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَالرُّعَافُ عِنْدَهُ حَدَثٌ غَالِبٌ فَلِذَلِكَ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْمُحْدِثَ إذَا خَرَجَ إلَى الْوُضُوءِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَجَبَ أَنْ لَا يَبْنِيَ عَلَى أَوَّلِ صَلَاتِهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ مُفْسِدٌ لَهَا وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ وَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا وَلَوْ صَحَّ بَعْضُهَا مَعَ عَدَمِ الطَّهَارَةِ لَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ جَمِيعُهَا مَعَ عَدَمِ الطَّهَارَةِ وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ وَإِذَا بَطَلَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ بَطَلَ الْبِنَاءُ مَعَ الْحَدَثِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَنَّ الرُّعَافَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ مَائِعٌ يَخْرُجُ مِنْ الْجَسَدِ مِنْ غَيْرِ مَسْلَكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَمْ يُبْطِلْ خُرُوجُهُ الصَّلَاةَ كَالْعَرَقِ وَالدُّمُوعِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْبِنَاءُ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَ مَالِكٍ إنْ رَعَفَ أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ بِكَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَغْسِلَ عَنْهُ الدَّمَ ثُمَّ يَبْتَدِرَ الصَّلَاةَ رَوَاهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ نَافِعٍ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَيُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ بِاتِّفَاقٍ. (فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ مَأْمُومًا فَإِنْ كَانَ فَذًّا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ أَمْ لَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَالثَّانِيَةُ لَهُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْعَمَلَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَيُنَافِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِفَائِدَةٍ لَا تَصِحَّ لَهُمَا بِهِ وَإِذَا

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] كَانَ وَرَاءَ إمَامٍ أُبِيحَ لَهُ الْخُرُوجُ وَغَسْلُ الدَّمِ لِيُحْرِزَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْإِمَامِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَفَاتَتْهُ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي خُرُوجِهِ إلَّا مُجَرَّدُ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ عَلَى الصَّلَاةِ وَحْدَهُ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ عَمَلٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُبْطِلَهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا رَعْفٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي الرُّعَافِ كَالْمَأْمُومِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حُكْمِ الرَّاعِفِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَبْنِي حَتَّى يَتَقَدَّمَ لَهُ رَكْعَةٌ بِسَجْدَتَيْهَا فَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ رَعَفَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَطَعَ وَاسْتَأْنَفَ الْإِقَامَةَ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ رَعَفَ بَعْدَ رَكْعَةٍ وَسَجْدَةٍ إنْ بَنَى أَجْزَأهُ وَفَرَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ إنْ كَانَ فِي الْجُمُعَةِ لَمْ يَبْنِ إلَّا أَنْ يَرْعُفَ بَعْدَ كَمَالِ الرَّكْعَة وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَبْنِي قَالَ سَحْنُونٌ إنْ أَحْرَمَ ثُمَّ رَعَفَ بَنَى عَلَى إحْرَامِهِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبِنَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى شَيْءٍ قَدْ كَمُلَ وَحَصَلَ وَأَقَلُّ مَا يُوصَفُ بِذَلِكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ بِسُجُودِهَا وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّ الْفَذَّ لَا يَبْنِي وَمَنْ جَوَّزَ الْبِنَاءَ قَبْلَ عَقْدِ الرَّكْعَةِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِلْفَذِّ أَنْ يَبْنِيَ وَعَلَى ذَلِكَ فَرَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْن الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْإِمَامِ وَلَا يَحْصُلُ لِلْمَأْمُومِ حُكْمُ صَلَاةِ الْإِمَامِ إلَّا بِأَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا. (فَرْعٌ) فَإِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا وَبَعْدَهَا رَكْعَةٌ سَجَدَ لَهَا سَجْدَةً ثُمَّ رَعَفَ فَخَرَجَ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ غَسَلَ الدَّمَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَأْتَنِفُ تِلْكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ أَوَّلِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا تَقَدَّمَتْ لَهُ رَكْعَةٌ كَامِلَةٌ ثُمَّ رَعَفَ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ لَا يَصِحُّ الْفَصْلُ فِيهَا بِعَمَلٍ لِغَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ رَكْعَةٍ وَسَجْدَتَيْهَا بِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ لِغَيْرِهَا فَقَدْ فَاتَهُ إتْمَامُهَا وَلَمَّا كَانَ الْخُرُوجُ لِغَسْلِ الدَّمِ لَيْسَ مِنْ الرَّكْعَةِ كَانَ فَصْلًا بَيْنَ الرَّكْعَةِ مَانِعًا مِنْ إتْمَامِهَا. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْخُرُوجَ لِغَسْلِ الدَّمِ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ إتْمَامِ الرَّكْعَةِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى وَلَمْ يَتَكَلَّمْ يُرِيدُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ وَإِلَى مَوْضِعِ صَلَاتِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا رَعَفَ فَخَرَجَ وَغَسَلَ الدَّمَ فَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ إمَامَهُ فِي صَلَاتِهِ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ إلَى تَمَامِ مَا أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَأَتَى بِمَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ إمَامَهُ قَدْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرِ جُمُعَةٍ فَإِنْ كَانَ فِي جُمُعَةٍ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْجَامِعِ لِأَنَّ بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَةُ لَا تُصَلَّى إلَّا فِي الْجَامِعِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ أَتَمَّ حَيْثُ غَسَلَ عَنْهُ أَوْ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ مِمَّا يُمْكِنُهُ أَنْ يُتِمَّ فِيهِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ عَمَلٌ تَسْتَغْنِي عَنْهُ الصَّلَاةُ فَكَانَ مُفْسِدًا لَهَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَهُوَ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَجَعَلَ لَهُ الرُّجُوعَ لِفَضِيلَةِ الْمَكَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَعَلَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ إنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرْجِعُ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ فِي جِهَةٍ فَقَدْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى أَدْنَى مَوْضِعٍ تُصَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ عَمَلٌ كَثِيرٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَإِنْ أَتَمَّ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إتْيَانِهِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ الرُّجُوعَ إلَى الْجَامِعِ مِنْ فَضِيلَةِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَنْ ذَكَرَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ مِنْ الْجُمُعَةِ فَلَا يَسْجُدُهُمَا إلَّا فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ سَجَدَهُمَا فَلَا يُجْزِئُهُ وَقَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ يَصِحُّ عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ يَرْجِعُ الرَّاعِفُ لِإِتْمَامِ

стр. 84

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ فَيَغْسِلُ الدَّمَ عَنْهُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَلَّى مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ رَعَفَ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَتَى حُجْرَةَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى مَا قَدْ صَلَّى) . الْعَمَلُ فِي الرُّعَافِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ حَتَّى تَخْتَضِبَ أَصَابِعُهُ مِنْ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ) . ــ [المنتقى] صَلَاتِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّ إتْيَانَهُ فَضِيلَةٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الرَّاعِفَ يَرْجِعُ مَا دَامَ إمَامُهُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ صَلَاتِهِ مِنْ تَشَهُّدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إنْ رَجَا أَنْ يُدْرِكَ مَعَ إمَامِهِ رَكْعَةً وَإِلَّا صَلَّى مَكَانَهُ. (ش) : وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَعَفَ فَخَرَجَ فَغَسَلَ عَنْهُ الدَّمَ إخْبَارٌ وَتَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ الرُّعَافِ وَأَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى خَرَجَ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ سَاهِيًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ أَتَى حُجْرَةَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ لَعَلَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْمَوَاضِعِ إلَى مُصَلَّاهُ مِمَّا يُمْكِنُهُ فِيهِ غَسْلُ الدَّمِ لِأَنَّ الرَّاعِفَ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ لَهُ الَّتِي يُمْكِنُهُ فِيهَا غَسْلُ الدَّمِ فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ عَمَلٌ كَثِيرٌ فِي الصَّلَاةِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ فِيهِ فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ عَلَى حَسَبِ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى مَا قَدْ صَلَّى يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ مَا بَنَى عَلَيْهِ. [الْعَمَلُ فِي الرُّعَافِ] (ش) : قَوْلُهُ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ حَتَّى تَخْتَضِبَ أَصَابِعُهُ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَضِبُ أَصَابِعُهُ كُلُّهَا وَهَذَا فِي حَيِّزِ الدَّمِ الْكَثِيرِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْأَنَامِلَ الْعُلْيَا مِنْ أَصَابِعِ يَدِهِ وَإِنَّ ذَلِكَ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَالرُّعَافُ عَلَى ضَرْبَيْنِ قَلِيلٌ وَكَثِيرٌ فَأَمَّا الْكَثِيرُ فَهُوَ الَّذِي يَخْرُجُ الرَّاعِفُ إلَى غَسْلِهِ ثُمَّ يَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ وَأَمَّا الْقَلِيلُ فَإِنَّهُ يَفْتِلُهُ بِأَصَابِعِهِ حَتَّى يَجِفَّ وَيَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الْبَثْرَةِ يَحُكُّهَا فِي الصَّلَاةِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا يَسِيرُ الدَّمِ فَإِنَّهُ يَفْتِلهُ بِأَصَابِعِهِ حَتَّى يَجِفَّ وَيَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. (فَرْعٌ) وَالْكَثِيرُ أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَإِنْ لَمْ يَسِلْ وَلَمْ يَقْطُرْ وَإِنَّمَا كَانَ يَرْشَحُ مِنْ أَنْفِهِ فَإِنَّهُ يَفْتِلُهُ بِأَصَابِعِهِ فَإِنَّ عَمَّ أَنَامِلَهُ الْأَرْبَعَةَ الْعُلْيَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ يَسِيرٌ لَا يَنْصَرِفُ مِنْهُ وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى الْأَنَامِلِ الَّتِي تَلِيهَا فَلْيَنْصَرِفْ فَإِنَّهُ كَثِيرٌ قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْهُ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ نَحْوُهُ وَمَعْنَى انْصِرَافِهِ فِي هَذَا قَطْعُ صَلَاتِهِ وَاسْتِئْنَافُهُ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ لِأَنَّهُ حَامِلُ نَجَاسَةٍ فِي خُرُوجِهِ فَتَبْطُلُ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ يَحْتَمِلُ أَيْضًا مَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَقْصِدُ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الدِّمَاءِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ وُضُوءَ حَدَثٍ وَهُوَ مَذْهَبُ مَنْ يَقُولُ أَنَّ خُرُوجَ الدَّمِ مِنْ الْجَسَدِ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ أَنَّهُ إنَّمَا يَنْقُضُهَا الْكَثِيرُ الَّذِي يَسِيلُ فَأَمَّا الرَّشْحُ فَلَا يَنْقُضُهَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَلَا يَغْسِلُ عَنْهُ الدَّمَ الْخَارِجَ مِنْ أَنْفِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ أَنَّهُ رَأَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ الدَّمُ حَتَّى تَخْتَضِبَ أَصَابِعُهُ ثُمَّ يَفْتِلَهُ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ) ش قَوْلُهُ ثُمَّ يَفْتِلُهُ يُرِيدُ

стр. 85

الْعَمَلُ فِيمَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ جُرْحٍ أَوْ رُعَافٍ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي طُعِنَ فِيهَا فَأَيْقَظَ عُمَرَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ عُمَرُ نَعَمْ وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى عُمَرُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا) . ــ [المنتقى] أَنَّهُ كَانَ يَفْتِلُهُ بِأَصَابِعِهِ لِيَجِفَّ فِيهَا وَتَذْهَبَ رُطُوبَتُهُ فَلَا يَفْسُدُ ثَوْبُهُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ جَسَدِهِ وَهَذَا فِي الْيَسِيرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. [الْعَمَلُ فِيمَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ جُرْحٍ أَوْ رُعَافٍ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي طُعِنَ فِيهَا ظَاهِرُهُ أَنَّ وَقْتَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ اللَّيْلِ لِأَنَّ الَّذِي صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ طُعِنَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَلَعَلَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ مِنْ الْوَقْتِ الْمُتَّصِلِ بِتِلْكَ اللَّيْلَةِ وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ النَّهَارَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ عُمَرَ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ الَّذِي طُعِنَ فِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَيْقَظَ عُمَرَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ بِجُرْحٍ وَلَا شِدَّةٍ مَعَ بَقَاءِ الْعَقْلِ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ نَعَمْ وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ يَعْنِي أَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ أَعْمَالُهُ إذْ الصَّلَاةُ أَوَّلُ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ قَبُولًا وَأَرْفَعُهَا شَأْنًا فَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بَطَلَ نَصِيبُهُ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُكَذِّبًا بِهَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ وَلَا يُحْقَنُ دَمُهُ مَنْ لَا يُصَلِّي لِأَنَّ الَّذِي يَحْقِنُ الْإِنْسَانُ بِهِ دَمَهُ هُوَ إظْهَارُ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ فَمَعْنَى ذَلِكَ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَلَيْسَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ حَظٌّ يُحْقَنُ بِهِ دَمُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَصَلَّى عُمَرُ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا يُرِيدُ يَسِيلُ دَمًا وَخُرُوجُ الدَّمِ مِنْ الْجُرْحِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ وَالثَّانِي أَنْ يَجْرِيَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَإِنْ اتَّصَلَ خُرُوجُهُ فَعَلَى الْمَجْرُوحِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَالِهِ وَلَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ لَا يُمْكِنُهُ التَّوَقِّي مِنْهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهَا إلَّا إذَا كَثُرَتْ وَتَفَاحَشَتْ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُهَا. (فَرْعٌ) وَأَمَّا مَا لَا يُتَصَوَّرُ خُرُوجُهُ وَيُمْكِنُ التَّوَقِّي مِنْ نَجَاسَتِهِ وَدَمِهِ فَإِنْ انْبَعَثَ فِي الصَّلَاةِ بِفِعْلِ الْمُصَلِّي أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ لِنَجَاسَةِ جِسْمِهِ وَثَوْبِهِ فَيَغْسِلْ مَا بِهِ مِنْ الدَّمِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ صَلَاتَهُ لِأَنَّ هَذِهِ نَجَاسَةٌ يُمْكِنُ التَّوَقِّي مِنْهَا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ مَا تَرَوْنَ فِيمَنْ غَلَبَهُ الدَّمُ مِنْ جُرْحٍ أَوْ رُعَافٍ فَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَرَى أَنْ يُومِئَ بِرَأْسِهِ إيمَاءً قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) . (ش) : سُؤَالُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَصْحَابِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْبَارِ لَهُمْ بِالْمَسَائِلِ وَالتَّدْرِيبِ لَهُمْ فِي فَهْمِهَا وَالنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ لَهُمْ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ حُكْمِ مَنْ رَعَفَهُ الدَّمُ وَغَلَبَهُ وَلَمْ يَنْقَطِعْ وَقَوْلُهُ أَرَى أَنْ يُومِئَ بِرَأْسِهِ إيمَاءً يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ غَسْلِ الدَّمِ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ فَحُكْمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ وَيُومِئَ لِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا ذَلِكَ لِيَدْرَأَ عَنْ ثَوْبِهِ الْفَسَادَ بِالْإِيمَاءِ لَهُ لِأَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ فَتَمَّ رُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ لَأَفْسَدَ ثَوْبَهُ الدَّمُ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي تُبِيحُ الْإِيمَاءَ كَمَا يُبِيحُ التَّيَمُّمُ الزِّيَادَةَ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ وَتُسْقِطُ فَرْضَ اسْتِعْمَالِهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ الرُّعَافُ يَضُرُّ بِهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ كَالرَّمَدِ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ.

стр. 86

الْوُضُوءُ مِنْ الْمَذْيِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ إذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ قَالَ عَلِيٌّ فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ قَالَ الْمِقْدَادُ فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» ) . الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَذْيِ ــ [المنتقى] [الْوُضُوءُ مِنْ الْمَذْيِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْلٌ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالنِّيَابَةِ فِيهِ وَقَبُولِ خَبَرِ الثِّقَةِ فِيمَا يُعْقَلُ عَنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ عَنْ الرَّجُلِ إذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ الْأَهْلُ هَاهُنَا الزَّوْجَةُ وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الْقَرَابَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] وَالْمَذْيُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَبِتَحْرِيكِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ إلَى الصُّفْرَةِ يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ عِنْدَ الِالْتِذَاذِ بِالنِّسَاءِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي سُؤَالِهِ عَنْ الرَّجُلِ إذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَسَأَلَ عَنْ الْمَذْيِ الْخَارِجِ بِلَذَّةٍ دُونَ الْمَذْيِ الْخَارِجِ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ إظْهَارٌ لِلْعُذْرِ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ لِسُؤَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غَايَةٌ فِي حُسْنِ الْأَدَبِ وَكَرِيمِ الْأَخْلَاقِ وَتَمَامِ الْمُرُوءَةِ إذَا كَانَتْ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْظَمَهُ وَوَقَّرَهُ عَلَى أَنْ يَذْكُرَ بِحَضْرَتِهِ شَيْئًا مِنْ مُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُنَّ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ بِهِنَّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ النَّضْحُ يَكُونُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ الرَّشُّ وَالثَّانِي بِمَعْنَى إرْسَالِ الْمَاءِ وَسَكْبِهِ وَفِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى إرْسَالِ الْمَاءِ عَلَى الْفَرْجِ لِغَسْلِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ النَّضْحُ بِمَعْنَى الرَّشِّ فِي مَوْضِعِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الثَّوْبِ وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَاجِبِ بِالْمَذْيِ فَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يَجِبُ بِهِ غَسْلُ الذَّكَرِ كُلِّهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْبَغْدَادِيُّونَ مَعْنَى ذَلِكَ غَسْلُ مَخْرَجِ الْأَذَى مِنْ الذَّكَرِ دُونَ سَائِرِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجْهُ إيجَابِ غَسْلِ الذَّكَرِ قَوْلُهُ ﷺ لِلسَّائِلِ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَك وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ لِلَّذَّةِ وَجَبَ بِهِ غَسْلُ الذَّكَرِ يُرِيدُ عَلَى مَا يَجِبُ بِالْبَوْلِ كَالْمَنِيِّ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ إنِّي لَأَجِدُهُ يَنْحَدِرُ مِنِّي مِثْلَ الْخُرَيْزَةِ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ يَعْنِي الْمَذْيَ) . (ش) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إنِّي لَأَجِدُهُ يَنْحَدِرُ مِنِّي مِثْلَ الْخُرَيْزَةِ يُرِيدُ أَنَّ انْحِدَارَهُ عَلَى فَخِذِهِ كَانْحِدَارِ الْخُرَيْزَةِ وَرَوَاهُ عُمَرُ فَقَالَ مِثْلَ الْجُمَانَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يَجِدَهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِذَا وَجَدَ الْمَذْيَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فَإِذَا وَجَدَ انْحِدَارَهُ مِنْهُ مِثْلَ الْخُرَيْزَةِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَذْيِ الْمُنْحَدَرِ مِثْلُ الْخُرَيْزَةِ وَحُكْمَ غَيْرِهِ مِمَّا يَجِدَهُ الْإِنْسَانُ مُضْطَجِعًا أَوْ جَالِسًا فَلَا يَنْحَدِرُ عَلَى فَخِذِهِ سَوَاءٌ عِنْدَنَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَصَّهُمْ بِهَذَا الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ هُوَ غَيْرَ دَاخِلٍ فِيهِ إذَا كَانَ خُرُوجُهُ مِنْهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ اللَّذَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَحُكْمُهُ فِيهِ حُكْمُهُمْ لِخُرُوجِهِ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ وَأُمِرَ بِغَسْلِ

стр. 87

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَهُ وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ فَقَالَ إنِّي لَأَجِدُ الْبَلَلَ وَأَنَا أُصَلِّي أَفَأَنْصَرِفُ فَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَوْ سَالَ عَلَى فَخِذِي مَا انْصَرَفْت حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتِي) ــ [المنتقى] الذَّكَرِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ غَسْلٌ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ وَلَوْ كَانَ يَغْسِلَهُ لِنَجَاسَةِ الْمَذْيِ لَقَالَ فَلْيَغْسِلْ الْمَذْيَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ مُبَالَغَةٌ فِي الْبَيَانِ لِئَلَّا يَظُنَّ السَّامِعُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْوُضُوءِ غَسْلَ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ يُرِيدُ وُضُوءَ الْحَدَثِ وَقَوْلُهُ يَعْنِي الْمَذْيَ يُرِيدُ أَنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ أَنَّهُ يَجِدُهُ يَنْحَدِرُ مِنْهُ مِثْلَ الْخُرَيْزَةِ هُوَ الْمَذْيُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ جُنْدُبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ الْمَذْيِ فَقَالَ إذَا وَجَدْتَهُ فَاغْسِلْ فَرْجَك وَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ) . (ش) : قَوْلُهُ إذَا وَجَدْتَهُ يُرِيدُ إذَا وَجَدْتَهُ قَدْ بَرَزَ مِنْ مَخْرَجِهِ فَاغْسِلْ فَرْجَك يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَخْرَجَ الْمَذْيِ مِنْ الذَّكَرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الذَّكَرَ وَقَوْلُهُ تَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. [الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَذْيِ] (ش) : قَوْلُهُ إنِّي لَأَجِدُ الْبَلَلَ وَأَنَا أُصَلِّي يُرِيدُ أَنَّهُ يَجِدُ فِي صَلَاتِهِ بَلَلًا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرِهِ فَقَالَ سَعِيدٌ لَوْ سَالَ عَلَى فَخِذِي مَا انْصَرَفْت لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِمَّا لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ فَحَمَلَ مَالِكٌ ﵀ ذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الْمَذْيِ وَإِنَّمَا وَرَدَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَامَّةً فِي الْبَلَلِ فَكَانَ مَذْهَبُ حُذَيْفَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ أَنَّ الْبَلَلَ لَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ تَيَقَّنَهُ حَتَّى يَقْطُرَ فَإِذَا قَطَرَ بَطَلَ الْوُضُوءُ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ لَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ قَطَرَ وَسَالَ فَهَذَا وَجْهُ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا ﵀ حَمَلَهُ عَلَى الْمَذْيِ الْخَارِجِ لِغَيْرِ اللَّذَّةِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ وَجَدَ بَلَلًا فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْكِحًا فَيَتَمَادَى فَتَقَرَّرَ مِنْ هَذَا إنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْعَادَةِ وَتَكَرَّرَ حَتَّى تَشُقَّ مُرَاعَاتُهُ دَخَلَ فِي بَابِ السَّلَسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ مَنِيٍّ أَوْ مَذْيٍ أَوْ بَوْلٍ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَائِعٌ تَجِبُ بِهِ الطَّهَارَةُ إذَا خَرَجَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ لَمْ تَجِبْ بِهِ تِلْكَ الطَّهَارَةُ كَدَمِ الْحَيْضِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ فِي الْمَرْأَةِ يَخْرُجُ مِنْهَا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ وَإِنْ كَانَ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا بِالسَّاعَاتِ اُسْتُحِبَّ لَهَا الْوُضُوءُ قَالَ وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اعْتَرَاهُ الْمَذْيُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إلَّا أَنْ يَسْتَنْكِحَهُ فَظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْمَذْيَ الْخَارِجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ إلَّا أَنْ يَكْثُرُ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا حَمَلَ شُيُوخُنَا قَوْلَ مَالِكٍ فِي الْمَذْيِ يَخْرُجُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ لِلَّذَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَالِبُ حَالِ الْمَذْيِ أَنْ يَخْرُجَ لِلَّذَّةِ وَأَمَّا مَا يُسْتَنْكَحُ بِهِ وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ وَلَا سَبَبٍ فَلَا يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ مَعْنَى خُرُوجِهِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ أَنْ يَخْرُجَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَلَا يَكْثُرَ جِدًّا وَلَا يُرَاعَى لِلَّذَّةِ. ١ - قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي غَسْلِ مَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ أَوْ ضُرِبَ أَسْوَاطًا أَوْ كَانَتْ بِهِ حَكَّةٌ فَاغْتَسَلَ بِمَاءٍ سُخْنٍ فَأَنْزَلَ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْإِنْزَالِ، فَيَجِيءُ عَلَى اخْتِيَارِهِ هَذَا أَنَّ مَعْنَى خُرُوجِهِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ أَنْ يَخْرُجَ سَوَاءٌ كَانَ السَّبَبُ اللَّذَّةَ أَوْ الْمَاءَ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ مَنْ أَمْنَى لِلَدْغَةِ عَقْرَبٍ أَوْ ضُرِبَ بِسَيْفٍ فَلَا غَسْلَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْغَسْلُ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْهُ ذَلِكَ لِلَذَّةٍ مِثْلِ أَنْ يَنْتَشِرَ لِشَبَقٍ فَيُمْنِيَ أَوْ يَنْزِلَ الْحَوْضَ فَيُمْنِيَ، فَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ مَا كَانَ

стр. 88

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ الصَّلْتِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ الْبَلَلِ أَجِدُهُ فَقَالَ انْضَحْ مَا تَحْتَ ثَوْبِك وَالْهُ عَنْهُ) . الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ دَخَلْت عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ فَقَالَ مَرْوَانُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءُ، فَقَالَ عُرْوَةُ مَا عَلِمْت هَذَا فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ) . ــ [المنتقى] مِنْ الْمِيَاهِ يَخْرُجُ لِلَذَّةٍ فَإِنَّ خُرُوجَهُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ أَنْ يَخْرُجَ لِتِلْكَ اللَّذَّةِ فَإِنْ عَرَا مِنْهَا فَهُوَ خَارِجٌ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الصِّحَّةِ فَلَا تَجِبُ بِهِ تِلْكَ الطَّهَارَةُ وَهَذَا إجْرَاءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. ١ - (فَصْلٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِسَلَسِ الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ وُضُوءٌ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْقَطِعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَهَذَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إلَّا أَنْ يُؤْذَى وَيَشْتَدَّ الْبَرْدُ. وَقِسْمٌ لَا يَنْقَطِعُ فَهَذَا لَا مَعْنَى لِلْوُضُوءِ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَأْمَنُ أَنْ يَطْرَأَ مِثْلُهُ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ. رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فَإِنْ قَرَنَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَنْ بِهِ سَلَسٌ أَوْ اسْتِحَاضَةٌ يَقْطَعُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهَا وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْهُ تُعِيدُ الثَّانِيَةَ فِي الْوَقْتِ. (فَرْعٌ) وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إذَا تَعَمَّدَ الْبَوْلَ كَاَلَّذِي بِهِ سَلَسُ الْمَذْيِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ حَتَّى يَقْصِدَ اللَّذَّةَ بِأَنْ يُلَاعِبَ فَيَخْرُجَ مِنْهُ الْمَذْيُ لِلَذَّةٍ وَرَوَى مَعْنَى هَذَا عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْمُعْتَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الصَّلْتِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ الْبَلَلِ أَجِدُهُ فَقَالَ انْضَحْ مَا تَحْتَ ثَوْبِك وَالْهُ عَنْهُ) . (ش) : قَوْلُهُ سَأَلْت سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ الْبَلَلِ أَجِدُهُ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ ﵀ فِي بَابِ تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَذْيِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ بَلَلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ تَوْقِيفٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ ﵀ اسْتَوَى عِنْدَهُ بَلَلُ الْمَذْيِ وَبَلَلُ الْبَوْلِ الْخَارِجَانِ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ وَكَانَ السُّؤَالُ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ أَحَدِهِمَا فِي الْغَالِبِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْخَبَرُ يَقْتَضِي الْجَوَابَ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا أَدْخَلَهُ فِي الْبَابِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ انْضَحْ مَا تَحْتَ ثَوْبِك وَالْهُ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهِ رَفْعُ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ الْوَسْوَاسِ مِنْ احْتِبَاسِ الْبَوْلِ وَتَوَقُّعِ نَجَاسَةٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْضَحَ مَا تَحْتَ ثَوْبِهِ وَهُوَ الْفَرْجُ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ ثُمَّ يَلْهُوَ عَنْ ذَلِكَ الْبَلَلِ وَيَعْتَقِدَ أَنَّهُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي نَضَحَهُ. [الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الْفَرْجِ] (ش) : قَوْلُهُ فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ إخْبَارٌ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ تَذَاكُرِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِمَاعِ إلَيْهِ وَقَوْلُ عُرْوَةَ مَا عَلِمْت ذَلِكَ مُرَاجَعَةٌ لِمَرْوَانِ بْنِ الْحَكَمِ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَإِظْهَارُ مُخَالَفَتِهِ وَلِذَلِكَ احْتَجَّ عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بِالْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ وَالْمَسُّ يَنْطَلِقُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ عَلَى مَسِّهِ بِأَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ مَسَّهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَجَرَى ذَلِكَ فِي الْأَكْثَرِ عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ لِأَنَّ الْقَصْدَ إلَى الْمَسِّ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَكُونُ بِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْهُ وَاجِبٌ وَرَوَى عَنْهُ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَوْجِيهِ الْقَوْلَيْنِ فَذَهَبَ سَحْنُونٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا إيجَابُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّانِيَةُ نَفْيُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ حَالَيْنِ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْوُضُوءُ إذَا قَارَنَهُ مَعْنًى وَيَنْفِيهِ إذَا عَرَا مِنْ ذَلِكَ

стр. 89

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْت أَمْسِكُ الْمُصْحَفَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَاحْتَكَكْت فَقَالَ سَعْدٌ لَعَلَّك مَسِسْت ذَكَرَك قَالَ قُلْت نَعَمْ قَالَ قُمْ فَتَوَضَّأْ فَقُمْت فَتَوَضَّأْت ثُمَّ رَجَعَتْ) . ــ [المنتقى] الْمَعْنَى وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ فِي الْمَعْنَى الْمُرَاعَى فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْمَعْنَى الْمُرَاعَى هُوَ اللَّمْسُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ إنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ اللَّذَّةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ خَبَرُ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ. وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْنِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِمْتَاعِ فَوَجَبَ بِذَلِكَ طَهَارَةٌ كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَدَلِيلُنَا عَلَى أَنَّ لَمْسَ الذَّكَرِ إذَا عَرَا عَنْ اللَّذَّةِ لَمْ يُوجِبْ الْوُضُوءَ أَنَّ هَذَا لَمْسٌ عَرَا عَنْ اللَّذَّةِ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْوُضُوءُ كَمَا لَوْ مَسَّهُ بِظَاهِرِ كَفِّهِ وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ غَسْلِ ذَكَرِهِ فَلَوْ كَانَ حَدَثًا مَعَ تَعَرِّيهِ مِنْ قَصْدِ اللَّذَّةِ لَمَّا كَانَ طَهَارَةً لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ كُلَّ حَدَثٍ مِنْ الْأَحْدَاثِ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ مِنْ جِنْسِهِ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ فَمَنْ صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ أَبَدًا قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَإِنْ قُلْنَا بِنَفْيِ الْوُجُوبِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يُعِيدُهَا فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا وُضُوءَ عَلَيْهَا وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ وَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ إذَا أَلْطَفَتْ أَوْ قَبَضَتْ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاخْتِلَافِ أَقْوَالٍ وَإِنَّمَا هُوَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالٍ فَمَنْ رَوَى لَا وُضُوءَ عَلَيْهَا فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إذَا لَمْ تَلْتَذَّ وَمَنْ رَوَى عَلَيْهَا الْوُضُوءُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا الْتَذَّتْ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ رِوَايَتَيْنِ إلَّا أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِالْإِلْطَافِ وَهُوَ إدْخَالُ الْأُصْبُعِ وَمَسُّ الْفَرْجِ بِهِ وَالْكَلَامُ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَلَامِ فِي مَسِّ الذَّكَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : قَوْلُهُ فَاحْتَكَكْت يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ احْتِكَاكُهُ دُونَ الثَّوْبِ فَبَاشَرَ ذَكَرَهُ بِيَدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ وَيَرَى سَعْدٌ فِيهِ الْوُضُوءَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَوْقَ ثَوْبِهِ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الْخَفِيفِ يُرِيدُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا الثَّوْبَ الَّذِي لَا يَمْنَعُ بَشَرَةَ الْيَدِ أَنْ تَصِلَ إلَى الذَّكَرِ وَأَمَّا الثَّوْبُ الْكَثِيفُ الَّذِي يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيَحُولُ دُونَهُ فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ بِالْقَبْضِ عَلَى الذَّكَرِ تَحْصُلُ اللَّذَّةِ وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ اللَّذَّةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا إلَّا مَعَ اللَّمْسِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَأَمَّا مُجَرَّدُ اللَّذَّةِ فَلَا وُضُوءَ فِيهَا وَقَدْ يَلْتَذُّ الْإِنْسَانُ بِالذَّكَرِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وُضُوءٌ. (فَصْلٌ) : وَأَمْرُ سَعْدٍ لَمُصْعَبٍ بِالْوُضُوءِ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا يَمَسَّ الْمُصْحَفَ إلَّا طَاهِرًا وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُصْعَبٍ أَنَّ أَبَاهُ سَعْدًا قَالَ لَهُ اغْسِلْ يَدَك وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ أَثْبَتُ وَالْمَعْنَى أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِغَسْلِ الْيَدِ مِنْهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ. وَقَدْ رَوَى قَيْسُ بْنُ حَازِمٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِسَعْدٍ مَسِسْت ذَكَرِي قَالَ إنْ عَلِمْت أَنَّ بَضْعَةً مِنْك تَنْجُسُ فَاقْطَعْهَا وَهَذَا يُعَارِضُ مَا رَوَى مِنْ غَسْلِ الْيَدِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ) . (ش) : الْوُضُوءُ فِي الْحَدِيثَيْنِ

стр. 90

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت أَبِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فَقُلْت يَا أَبَتِ أَمَّا يُجْزِيك الْغُسْلُ مِنْ الْوُضُوءِ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أَحْيَانًا أَمَسُّ ذَكَرِي فَأَتَوَضَّأُ) . ــ [المنتقى] مَحْمُولٌ عَلَى الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ دُونَ غَسْلِ الْيَدِ لِأَنَّ الْيَدَ إنَّمَا تُغْسَلُ لِلنَّجَاسَةِ وَلَا نَجَاسَةَ فِي الذَّكَرِ تُوجِبُ غَسْلَ الْيَدِ وَقَوْلُ عُرْوَةَ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِالْأَخْذِ بِخَبَرِ بُسْرَةَ وَاعْتِقَادِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُرْوَةُ مَعَ دِينِهِ وَفَضْلِهِ يَصِيرُ إلَى الْعَمَلِ بِهِ وَيَتْرُكُ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ مِنْ تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ إلَّا أَنْ يَصِحَّ عِنْدَهُ الْخَبَرُ وَيَأْخُذَهُ عَمَّنْ يُوثَقُ بِنَقْلِهِ وَيَلْزَمُ الْأَخْذُ بِرِوَايَتِهِ. (ش) : إنَّمَا كَانَ سُؤَالُ سَالِمٍ أَبَاهُ لَمَّا رَآهُ يَتَوَضَّأُ بَعْدَ غُسْلِهِ وَافْتَتَحَهُ بِالْوُضُوءِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ إعَادَةَ الْوُضُوءِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ مَعَ الْغُسْلِ بِرَفْعِ صَغِيرِ الْحَدَثِ وَكَبِيرِهِ وَإِنَّمَا يَتَوَضَّأُ مَعَ الْغُسْلِ عَلَى مَعْنَى تَخْصِيصِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إنَّ الْغُسْلَ يُجْزِيهِ مِنْ الْوُضُوءِ وَلَكِنَّهُ رُبَّمَا مَسَّ ذَكَرَهُ فَتَوَضَّأَ لِذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَسَّ ذَكَرَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْمَنِيِّ بَلْ مُرُورُ يَدَيْهِ فِي دَلْكِهِ جَسَدَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَصْدٍ وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَتَى مَسَّ ذَكَرَهُ إنْ كَانَ فِي حِينِ غُسْلِهِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَإِنْ بَعْدَ غُسْلِهِ فَهُوَ حَدَثٌ مُسْتَأْنَفٌ يَحْتَاجُ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ طَهَارَةً وَإِنْ كَانَ حَالَ غُسْلِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ سَالِمٍ رَأَيْت أَبِي عَبْدَ اللَّهِ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَلَفْظَةُ ثُمَّ وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعُهَا لِلْمُهْلَةِ فَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا لِلرُّتْبَةِ فَهِيَ بِمَعْنَى الْفَاءِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَسَّ ذَكَرُهُ كَانَ حِينَ غُسْلِهِ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَسُّ ذَلِكَ قَبْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ غُسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّ نِيَّةَ الْغُسْلِ فِي أَوَّلِهِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى نِيَّةِ الْوُضُوءِ ثَابِتٌ حُكْمُهَا مَا لَمْ يَغْسِلْ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ وَإِنْ مَسَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ تَلْزَمَهُ النِّيَّةُ لِلْوُضُوءِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَصْلٍ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ الْمُتَطَهِّرُ إذَا غَسَلَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ طَهَارَتِهِ فَهَلْ يَطْهُرُ بِتَمَامِ غَسْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ أَمْ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِتَمَامِ طَهَارَتِهِ فَإِذَا قُلْنَا أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَزُولُ عَنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ إلَّا بِتَمَامِ الطَّهَارَةِ لِأَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ الَّتِي غَسَلَهَا حُكْمُ الْحَدَثِ ثَابِتٌ فِيهَا فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ قَبْلَ غُسْلِهِ فَحُكْمُ نِيَّةِ الْغُسْلِ بِأَوَّلِهَا لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي إلَى الْآنَ بِمُوجِبِهَا وَالْفِعْلِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي غُسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ قَدْ طَهُرَتْ وَارْتَفَعَ الْحَدَثُ عَنْهَا بِتَمَامِ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَيْهَا قَبْلَ تَمَامِ الْغُسْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ تَمَامِ وُضُوئِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْوُضُوءَ بِنِيَّةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِيمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ غَسْلِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إنْ قُلْنَا إنَّ كُلَّ عُضْوٍ يَزُولُ حَدَثُهُ بِتَمَامِ غَسْلِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ لِابْتِدَاءِ وُضُوئِهِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ إلَّا بِتَمَامِ وُضُوئِهِ فَحُكْمُ النِّيَّةِ الْأَوَّلُ بَاقٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ كُنْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَرَأَيْته بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ تَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى قَالَ فَقُلْت لَهُ إنَّ هَذِهِ لَصَلَاةٌ مَا كُنْت تُصَلِّيهَا قَالَ إنِّي بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأْتُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ مَسِسْت فَرْجِي ثُمَّ نَسِيتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ فَتَوَضَّأْت وَعُدْت لِصَلَاتِي) . (ش) : إعَادَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ دَلِيلٌ عَلَى تَأَكُّدِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَعَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَةِ مِنْهُ وَعَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْدَاثِ الَّتِي لَا تُبْقِي الطَّهَارَةُ حُكْمَهَا وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ نَفْيِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَإِنَّمَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ لِيُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ عَلَى يَقِينٍ فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ فَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ. وَقَدْ

стр. 91

الْوُضُوءُ مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسُّهَا بِيَدِهِ مِنْ الْمُلَامَسَةِ فَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ) . الْعَمَلُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ــ [المنتقى] رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ نَفْيُ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ وَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا وَبِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَعَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ. [الْوُضُوءُ مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ] (ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ قُبْلَةَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَجَسَّهَا بِيَدِهِ مِنْ الْمُلَامَسَةِ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا الْوُضُوءَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ الْقُبْلَةَ وَالْجَسَّ بِالْيَدِ وَاقِعَانِ تَحْتَ ذَلِكَ وَأَنَّهُمَا مِمَّا يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لَا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ الَّتِي يُقَدَّرُ مَعَهَا خُرُوجُ الْمَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وَالْمُلَامَسَةُ الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْنِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْمُلَامَسَةَ هِيَ الْجِمَاعُ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَالْجَوَابُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَقَدْ قَالَا إنَّ الْقُبْلَةَ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ اللِّسَانِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي اللُّغَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَنَّ الْمُلَامَسَةَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْآيَةِ هِيَ الْجِمَاعُ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ رَبُّنَا حَيٌّ كَرِيمٌ كَنَى عَنْ الْجِمَاعِ بِالْمُلَامَسَةِ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُرَدُّ بِهِ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَقَدْ حَمَلَا اللَّفْظَ عَلَى مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْمُلَامَسَةَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ وَلَا تَكُونُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ وَاللَّمْسُ بِالْيَدِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ هِيَ الْجِمَاعُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ اثْنَيْنِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ هِيَ الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ فِعْلِ اثْنَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُلَامِسٌ وَمَلْمُوسٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ لَهُ مَا ذَكَرَ فَإِنَّ الْمُلَامَسَةَ فِعْلُ اثْنَيْنِ أَيْضًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْصِدُ إلَيْهَا وَيَلْتَذُّ بِهَا وَلَوْ امْتَنَعَ ذَلِكَ فِي اللَّمْسِ لَامْتَنَعَ فِي الْجِمَاعِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لِوَاحِدٍ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ الْوَاحِدِ وَلِذَلِكَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ» وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ مَلْمُوسًا وَلَيْسَ بِلَامِسٍ وَجَوَابٌ ثَالِثٌ وَهُوَ إذَا قُرِئَ ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] وَبِهَا قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْتِقَاءَ الْبَشَرَتَيْنِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفْعَلَ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ فَهَذَا الْقَدْرُ يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ فَهَذَا لَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَبِهِ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَهُوَ مَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْت أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْت رِجْلَيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا لَمْسٌ عَرَا عَنْ اللَّذَّةِ فَلَمْ يَنْقُضْ الطَّهَارَةَ كَلَمْسِ الذَّكَرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِيمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ لَفْظٌ عَامٌّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُلْتَذًّا وَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِامْرَأَتِهِ لِأَنَّ قُبْلَةَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي الْأَغْلَبِ لَا تَنْفَكُّ مِنْ لَذَّةٍ وَجَسَّهَا بِيَدِهِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَذَّةٍ بِخِلَافِ لَمْسِ يَدِهَا لِتُنَاوِلْ شَيْءٍ أَوْ مُنَاوَلَتِهِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَاَلَّذِي مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا يَجِبُ بِقَصْدِ اللَّذَّةِ دُونَ وُجُودِهَا فَمَنْ قَصَدَ اللَّذَّةَ بِلَمْسِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ

стр. 92

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ» ) . ــ [المنتقى] الْوُضُوءُ الْتَذَّ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَلْتَذَّ وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْإِنْعَاظُ بِمُجَرَّدِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا وَلَا غَسْلَ ذَكَرٍ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ مَنْ أَنْعَظَ إنْعَاظًا قَوِيًّا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مُجَرَّدَ اللَّذَّةِ لَا يَجِبُ لَهَا طَهَارَةٌ حَتَّى يُقَارِنَهَا مَعْنًى آخَرَ مِنْ مُلَامَسَةٍ أَوْ مَذْيٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الْوُضُوءُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الْوُضُوءُ) ش قَوْلُهُ مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الْوُضُوءُ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَخَصَّ الْمَرْأَةَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَقْصُودَةٌ بِاللَّذَّةِ فِي الْأَغْلَبِ فَأَمَّا تَقْبِيلُ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ لَيْسَ فِي قُبْلَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ مِنْ فَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ وُضُوءٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ إنْ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَدَمَ اللَّذَّةِ مِنْ التَّقْبِيلِ عَلَى وَجْهِ الْإِشْفَاقِ وَالتَّحْنِينِ لَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ الْوُضُوءُ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَعْرَى مِنْ اللَّذَّةِ فِي الْأَغْلَبِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْلُومُ مِنْهُ حُمِلَ نَادِرُهُ عَلَى حُكْمِ الْغَالِبِ كَالْجِمَاعِ لِلَذَّةٍ لَمَّا كَانَ لَا يُفْعَلُ إلَّا لِلَذَّةٍ وَكَانَ ذَلِكَ بَابَهُ حُمِلَ الْإِكْرَاهُ فِيهِ عَلَى الِاخْتِيَارِ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ. [الْعَمَلُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ] (ش) : قَوْلُهُ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَا أَصَابَهَا مِنْ مَنِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ التَّحَاتِّ فَيَكُونَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِقِيَامِهِ مِنْ نَوْمِهِ أَوْ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِغَسْلِهِمَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ يُرِيدُ الْوُضُوءَ الْمَشْرُوعَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وَصْفِنَا لَهُ وَمِنْ جُمْلَتِهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إلَى آخِرِ الْغُسْلِ أَوْ تَقْدِيمِ ذَلِكَ فِي جُمْلَةِ الْوُضُوءِ فِي ابْتِدَاءِ الْغُسْلِ فَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُتِمُّ وُضُوءَهُ فِي أَوَّلِ غُسْلِهِ وَلَيْسَ الْغُسْلُ عَلَى تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُؤَخِّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ غُسْلِهِ فَيَغْسِلَهَا فَذَلِكَ وَاسِعٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي غَسْلَ رِجْلَيْهِ كَمَا يَقْتَضِي غَسْلَ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي وَصْفِ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَأَخَّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ الْأَذَى ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذَا غُسْلُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا افْتَتَحَ غُسْلَهُ بِوَجْهِهِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ خَتَمَهُ بِرِجْلَيْهِ الَّتِي هِيَ آخِرُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِيَكُونَ سَائِرُ الْجَسَدِ تَبَعًا لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ فَعِنْدِي أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ قَبْلَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفَ تَخْلِيلَ شَعْرِ لِحْيَتِهِ وَتَخْلِيلَ شَعْرِ رَأْسِهِ وَهُوَ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ كَامِلًا وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَة يَتَوَضَّأُ الْجَنْبُ قَبْلَ غُسْلِهِ وَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَإِنَّهُ إذَا غَسَلَ وَجْهُهُ خَلَّلَ أُصُولَ شَعْرِ لِحْيَتِهِ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ غَرَفَ مَا يُخَلِّلُ بِهِ أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِهِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ

стр. 93

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ فَقَدَّمَ وُضُوءَهُ وَأَخَّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ فَقَدْ رَوَى عَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغُسْلِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ رَاعَى الْمُوَالَاةَ فِي الْوُضُوءِ وَالْإِتْيَانِ بِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ وَصُورَتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ فِي ذَلِكَ أَغْرَاضٌ مَقْصُودَةٌ: أَحَدُهَا: تَسْهِيلُ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ وَأُصُولِ الشَّعْرِ وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْوَاضِحَةِ. وَالثَّانِي: مُبَاشَرَةُ الشَّعْرِ بِالْيَدِ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُمْكِنُ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ إمْرَارِ الْيَدِ عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَهَذَا حُكْمُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ فِي التَّخْلِيلِ فِي الطَّهَارَةِ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ لَيْسَ عَلَى الْمُغْتَسِلِ مِنْ الْجَنَابَةِ تَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْفَرْضَ قَدْ انْتَقَلَ إلَى الشَّعْرِ النَّابِتِ عَلَى الْبَشَرَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ حُكْمُ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ بِإِمْرَارِ الْيَدِ عَلَيْهَا. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ قَوْلُ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِيعَابَ جَمِيعِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْلِ وَاجِبٌ وَالْبَشَرَةُ الَّتِي تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ جُمْلَتِهِ فَوَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهَا وَمُبَاشَرَتِهَا بِالْبَلَلِ وَإِنَّمَا انْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَى الشَّعْرِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ وَنِيَابَةُ الْإِبْدَالِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلِذَلِكَ جَازَ فِيهَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْغُسْلِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا شُرِعَ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ التَّكْرَارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِتَمَامِ الطَّهَارَةِ لِأَنَّ الْغَرْفَةَ لَا تَجْزِي فِي اسْتِيعَابِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ غَسْلِ رَأْسِهِ. (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَيَتَخَرَّجُ فِي تَخْلِيلِ شَعْرِ الرَّأْسِ رِوَايَتَانِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَعَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي فِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّ بَشَرَةَ الرَّأْسِ مَمْسُوحَةٌ فِي الْوُضُوءِ مَغْسُولَةٌ فِي الْغُسْلِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ حُكْمُ شَعْرِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَشَرَةُ الْوَجْهِ فَإِنَّهَا مَغْسُولَةٌ فِي الْحَالَتَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَيْهَا وَاحِدًا فِي الْحَالَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الْجِلْدِ يَكُونُ بِإِرْسَالِ الْمَاءِ بِالْيَدِ عَلَى الْجِسْمِ وَقَدْ يَكُونُ إمْرَارُ الْيَدِ مَعَ الْمَاءِ مُعِينًا فِي الْإِفَاضَةِ وَقَدْ يَجُوزُ خُلُوُّ الْإِفَاضَةِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا جُمِعَ عَلَى أَنَّ الْجِلْدَ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِيعَابِهِ بِالْإِفَاضَةِ وَعِلْمنَا أَنَّ مِنْ الْجَسَدِ مَغَابِنَ وَمَوَاضِعَ لَا يَصِلُ إلَيْهَا الْمَاءُ بِإِرْسَالِهِ مِنْ أَعْلَى الْجَسَدِ حَتَّى يُوصَلَ إلَيْهَا بِالْيَدِ دَلَّنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إمْرَارَ الْيَدِ مُعْتَبَرٌ مَعَ الْإِفَاضَةِ فِي جَمِيعِ الْجَسَدِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْجَسَدِ مُتَسَاوٍ فِي الْغُسْلِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ إلَّا بِإِمْرَارِ الْيَدِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْجَسَدِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبُو الْفَرَجِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] . وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ إلَّا بِالِاغْتِسَالِ وَالِاغْتِسَالُ مَعْنًى مَفْعُولٌ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى إفَاضَةِ الْمَاءِ وَالْغَمْسِ فِي الْمَاءِ فَلِذَلِكَ فَرَّقَتْ الْعَرَبُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ غَسَلْت الثَّوْبَ وَقَوْلِهِمْ أَفَضْت عَلَيْهِ الْمَاءَ وَغَمَسْته فِي الْمَاءِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا أَحَدُ نَوْعَيْ الطَّهَارَةِ فَلَزِمَ فِيهَا إمْرَارُ الْيَدِ مَعَ الْمَاءِ كَالْمَسْحِ. ١ - (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إمْرَارَ يَدِهِ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ يَجْعَلُ مَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ يُعَالِجُهُ بِخِرْقَةٍ وَفِي الْوَاضِحَةِ أَنَّهُ يُمِرُّ يَدَهُ عَلَى مَا يُدْرِكُهُ مِنْ جَسَدِهِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ حَتَّى يَعُمَّ مَا لَمْ تَبْلُغْهُ يَدَاهُ وَلِلْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ

стр. 94

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إنَاءٍ هُوَ الْفَرَقُ مِنْ الْجَنَابَةِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى فَغَسَلَهَا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَنَضَحَ فِي عَيْنَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) . ــ [المنتقى] أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا يُمِرُّهُ عَلَى جَسَدِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ مِنْهُ أَجْزَاهُ إفَاضَةُ الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنْ كَانَ الَّذِي لَا يَنَالُهُ مِنْ جَسَدِهِ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا بَالَ لَهُ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ. (ش) : قَوْلُهَا كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إنَاءٍ هُوَ الْفَرَقُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ وَإِنْ اسْتَعْمَلَ الْيَسِيرَ مِنْ مَائِهِ وَيَبْقَى أَكْثَرُهُ أَوْ اسْتَعْمَلَ جَمِيعَ مَا فِيهِ وَزِيَادَةً مَعَهُ فَيَتَنَاوَلُ ذَلِكَ إبَاحَةَ الْوُضُوءِ بِذَلِكَ الْإِنَاءِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِكُلِّ إنَاءٍ طَاهِرٍ لَيْسَ فِيهِ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَمْنَعُ الْوُضُوءَ مِنْ إنَاءِ الشَّبَهِ وَنَحَا بِهِ نَاحِيَةَ الذَّهَبِ وَقَدْ رَوَى أَنَّ الْإِنَاءَ الَّذِي أَشَارَتْ إلَيْهِ عَائِشَةُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَبَهٍ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُ فِي غُسْلِهِ مِلْءَ ذَلِكَ الْإِنَاءِ الْمُسَمَّى بِالْفَرَقِ فَتَقْصِدُ بِذَلِكَ الْإِخْبَارَ عَنْ مِقْدَارِ مَا كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ غَالِبًا مِنْ الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إخْبَارٌ عَنْ أَقَلِّ مَا يُجْزِي عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَتَطَهَّرُ بِالصَّاعِ وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ لِأَقَلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَمَنْ اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يُجْزِي فِي الْغُسْلِ أَقَلُّ مِنْ صَاعٍ وَلَا فِي الْوُضُوءِ أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ رَأَيْت عَيَّاشَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ وَكَانَ فَاضِلًا يَتَوَضَّأُ بِثُلُثِ مُدِّ هِشَامٍ وَيَفْضُلُ لَهُ مِنْهُ وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأَعْجَبَ مَالِكًا وَثُلُثُ الْمُدِّ بِمُدِّ هِشَامٍ دُونَ الرَّطْلِ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ الْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى يَحْيَى الْفَرْقُ بِتَسْكِينِ الرَّاءِ وَرَوَى غَيْرُهُ الْفَرَقَ بِتَحْرِيكِهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ قَالَهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى فَغَسَلَهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ غَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ إدْخَالِهَا فِي الْإِنَاءِ وَيَكْفِي غَسْلُ الْيُمْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لِيُمَكِّنَّهُ غَرْفُ الْمَاءِ بِهَا وَلَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَهَا لِأَنَّهُ يَغْسِلُ بِهَا فَرْجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُبَاشِرُ النَّجَاسَةَ وَلَا يُبَاشِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِيُمْنَاهُ فَلِذَلِكَ غَسَلَهَا لِيَتَنَاوَلَ بِهَا الْمَاءَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ بَدَأَ بِغَسْلِ فَرْجِهِ قَبْلَ وُضُوئِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ نَجَاسَةٍ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ بَعْدَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَتَطْهِيرِ الْأَعْضَاءِ مِنْهَا وَلِأَنَّ فِي غَسْلِ الْفَرْجِ مِنْ الذَّكَرِ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوُضُوءِ لِأَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ بَعْدَ الْوُضُوءِ نَاقِضٌ لِلطَّهَارَةِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَمِمَّا يَجِبُ التَّوَقِّي مِنْهُ عِنْدَ سَائِرِهِمْ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى دُونَ الْكُبْرَى لِأَنَّهُ إذَا غَسَلَ ذَكَرَهُ فِي جَنَابَتِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِذَلِكَ مِنْ غَسْلِهِ وَإِنْ كَانَ مَاسًا لَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ غَسَلَ يَدَهُ لِيَتَنَاوَلَ الْمَاءَ ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْهُ لِتَقَدُّمِ غَسْلِهِ عَلَى وُضُوئِهِ ثُمَّ بَدَأَ بِالْوُضُوءِ لِيَفْتَتِحَ بِهِ غُسْلَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَنَضَحَ الْمَاءَ فِي عَيْنَيْهِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَنْضَحُ الْمَاءَ فِي عَيْنَيْهِ فِي طَهَارَتِهِ عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ لَا عَلَى مَعْنَى الْوُجُوبِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي نَضْحِ الْعَيْنَيْنِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَرَى فِعْلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُلْحَقَ بِالسُّنَنِ وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَهُمَا

стр. 95

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ سُئِلَتْ عَنْ غُسْلِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَتْ لِتَحْفِنْ عَنْ رَأْسِهَا ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِنْ الْمَاءِ وَلْتَضْغَثْ رَأْسَهَا بِيَدَيْهَا) . وَاجِبُ الْغُسْلِ إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَقُولُونَ إذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَتَى عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ــ [المنتقى] سُنَّتَانِ فِي الْغُسْلِ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكُ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُمَا وَاجِبَانِ فِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ فَلَمْ يُجِبْ فِيهَا إيصَالُ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ كَغُسْلِ الْمَيِّت. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إخْبَارٌ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ التَّيَمُّنَ فِي غُسْلِهِ وَالتَّرْتِيبِ فِيهَا وَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : سُؤَالُهَا عَنْ غُسْلِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْجَنَابَةِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَكَرِّرٌ وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَقْضُ رَأْسِهَا وَأَمَّا الْحَيْضُ فَقَلِيلٌ وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ نَقْضِ رَأْسِهَا إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ فِي الْأَغْلَبِ إلَّا أَنَّ صِفَةَ الْغُسْلِ مِنْهُمَا وَاحِدَةٌ وَقَوْلُهَا لِتَحْفِنْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ قَصَدَتْ إلَى الْأَهَمِّ عَلَى السَّائِلَةِ فِيمَا عَلِمَتْ مِنْ حَالِهَا فَأَجَابَتْهَا عَنْهُ بِأَنَّهُ يَكْفِيهَا نَقْضُ رَأْسِهَا أَنْ تَحْفِنَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِنْ الْمَاءِ وَتَضْغَثَهَا بِيَدِهَا لِيُدَاخِلَهُ الْمَاءُ وَيَصِلُ إلَى بَشَرَةِ الرَّأْسِ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي الْغُسْلِ اسْتِيعَابُ الْبَشَرَةِ بِالْغُسْلِ. [وَاجِبُ الْغُسْلِ إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ] (ش) : قَوْلُهُ إذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ يُرِيدُ خِتَانَ الْفَرْجِ وَخِتَانَ الذَّكَرِ وَلَا يَتَمَاسَّانِ إلَّا بِالْإِيلَاجِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَاهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الصَّحَابَةُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ثُمَّ رَجَعُوا فِيهِ إلَى رِوَايَةِ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغُسْلِ مِنْهُ. وَقَالَ دَاوُد لَا يَجِبُ بِذَلِكَ الْغُسْلُ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ كَالْحَدِّ وَالْمَهْرِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ فَقَالَتْ هَلْ تَدْرِي مَا مَثَلُكَ يَا أَبَا سَلَمَةَ مَثَلُ الْفَرُّوجِ يَسْمَعُ الدِّيَكَةَ تَصْرُخُ فَيَصْرُخُ مَعَهَا إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) ش سُؤَالُهُ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ عَامٌّ غَيْرَ أَنَّهَا فَهِمَتْ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ مَعْنَى الْجِمَاعِ وَلِذَلِكَ لَمْ تُجِبْهُ عَنْ جَمِيعِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَإِنَّمَا جَاوَبَتْهُ عَلَى مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ بِمَعْنَى الْوَطْءِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا هَلْ تَدْرِي مَا مَثَلُك يَا أَبَا سَلَمَةَ مَثَلُ الْفَرُّوجِ يَسْمَعُ الدِّيَكَةَ تَصْرُخُ فَيَصْرُخُ مَعَهَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ كَانَ فِي زَمَانِ الصِّبَا وَقَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ الْجِمَاعِ يَسْأَلُ عَنْ مَسَائِلِ الْجِمَاعِ وَيَتَكَلَّمُ فِيهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ غَيْرِهِ كَالْفَرُّوجِ الَّذِي يَسْمَعُ الدِّيَكَةَ الَّتِي بَلَغَتْ حَدَّ الصُّرَاخِ تَصْرُخُ فَيَصْرُخُ مَعَهَا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الْحَدَّ. وَالثَّانِي: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ كَانَ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ الرِّجَالَ وَالْكُهُولَ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْعِلْمِ فَيَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَتَى عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرٍ إنِّي لَأُعْظِمُ أَنْ أَسْتَقْبِلَكِ بِهِ فَقَالَتْ مَا هُوَ مَا كُنْت سَائِلًا عَنْهُ أُمَّك فَاسْأَلْنِي عَنْهُ فَقَالَ الرَّجُلُ يُصِيبُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ وَلَا يُنْزِلُ فَقَالَتْ إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ فَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ لَا أَسْأَلُ عَنْ هَذَا أَحَدًا بَعْدَك أَبَدًا) .

стр. 96

فَقَالَ لَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرٍ إنِّي لَأُعْظِمُ أَنْ أَسْتَقْبِلَكِ بِهِ فَقَالَتْ مَا هُوَ مَا كُنْت سَائِلًا عَنْهُ أُمَّك فَاسْأَلْنِي عَنْهُ فَقَالَ الرَّجُلُ يُصِيبُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ وَلَا يُنْزِلُ فَقَالَتْ إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ فَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ لَا أَسْأَلُ عَنْ هَذَا أَحَدًا بَعْدَك أَبَدًا) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) . وُضُوءُ الْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ لَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرٍ إنِّي لَأُعْظِمُ أَنْ أَسْتَقْبِلَكِ بِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ شَقَّ عَلَيْهِ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ إلَّا لِقُوَّتِهِ وَلِقُوَّةِ مُوجِبِهِ وَالْأَخْبَارُ الصِّحَاحُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الْفَرِيقَانِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ تَرْكُ بَعْضِهَا وَالتَّعَلُّقُ بِسَائِرِهَا وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ وَأَعْظَمَ أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِمُجَامَعَةِ النِّسَاءِ فَنَبَّهَتْهُ عَلَى أَنَّ حُرْمَتَهَا مُؤَبَّدَةٌ وَأَنَّهَا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ وَأَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ أُمَّهُ إذَا رَجَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ الرَّجُلُ يُصِيبُ أَهْلَهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْجِمَاعَ وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُكْسِلُ وَلَا يُنْزِلُ يُقَالُ أَكْسَلَ الرَّجُلُ إذَا فَتَرَ عَنْ الْجِمَاعِ فَقَالَتْ إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ فَأَجَابَتْهُ بِعِلْمِهَا فِي ذَلِكَ وَمَا تُوُفِّيَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ كَانَتْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِذَلِكَ وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَمَا تَأَخَّرَ لِمَكَانِهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهَا أَبُو مُوسَى لَا أَسْأَلُ عَنْ هَذَا أَحَدًا بَعْدَك يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ بِقَوْلِهَا فِي ذَلِكَ وَوَثِقَ بِعِلْمِهَا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ وَلَا يُنْزِلُ فَقَالَ زَيْدٌ يَغْتَسِلُ فَقَالَ لَهُ مَحْمُودُ إنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ لَا يَرَى الْغُسْلَ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إنَّ أَبِي بْنَ كَعْبٍ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ) . (ش) : سُؤَالُ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانَتْ تَقُولُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إلَّا بِالْإِنْزَالِ وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَقُولُونَ يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَأَرْسَلُوا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ إلَى عَائِشَةَ ﵂ لِيَعْلَمُوا مَا تَوَفَّى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا أَخْبَرَتْهُمْ بِمُوجِبِ الْغُسْلِ نَزَعَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ كَانَ يَنْفِي الْغُسْلَ إلَى قَوْلِ عَائِشَةَ وَعَلِمُوا أَنَّ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ نَفْيِهِ مَنْسُوخٌ أَوْ مَخْصُوصٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِلنَّاسِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ الثَّبَاتِ ثُمَّ أُمِرْنَا بِالْغُسْلِ وَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ يَعْنِي الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الِاحْتِلَامِ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَقُولُ إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ يَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ هَذَا الْقَوْلِ عَنْهُ وَاعْتِقَادِهِ لَهُ وَأَخْذِهِ بِهِ وَهَذَا حُكْمُ الْوَاطِئِ فِي الْفَرْجِ فَأَمَّا فِي غَيْرِ الْفَرْجِ فَلَا غُسْلَ عَلَى الْوَاطِئِ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ فَيَجِبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِالْإِنْزَالِ وَلَا غُسْلَ عَلَى الْمَرْأَةِ إلَّا أَنْ تُنْزِلَ فَإِنْ وَصَلَ شَيْءٌ مِنْ مَائِهِ إلَى فَرْجِهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْتَذَّتْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرِيدُ أَنْزَلَتْ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَقَدْ قِيلَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ احْتِيَاطًا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ إنَّمَا يَجِبُ بِالْتِقَاءِ خِتَانَيْنِ أَوْ إنْزَالٍ وَقَدْ عُدِمَا فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ إذَا وَصَلَ مَاءُ الرَّجُلِ قُبُلَهَا وَالْتَذَّتْ أَشْكَلَ عَلَيْهَا أَمْرُهَا فَلَمْ تَدْرِ أَنْزَلَتْ أَمْ لَا وَلَمَّا كَانَ غَالِبُ حَالِهَا الْإِنْزَالَ عِنْدَ وُجُودِهَا اللَّذَّةَ حُمِلَ أَمْرُهَا عَلَى الْغَالِبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهُوَ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

стр. 97

- ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ جَنَابَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ» ) . ــ [المنتقى] [وُضُوءُ الْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ] (ش) : سُؤَالُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْذُوفٌ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ إذَا أَصَابَتُهُ الْجَنَابَةُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ لَهُ تَأْخِيرَ الْغُسْلِ مَا لَمْ يَأْتِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَنَدَبَهُ إلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَغْسِلَ مَا بِذَكَرِهِ مِنْ الْأَذَى ثُمَّ يَنَامُ إنْ شَاءَ وَلَيْسَ هَذَا بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ أَرَادَ النَّوْمَ وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعَالَى. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ تَسْقُطْ عَدَالَتُهُ وَهَذَا الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً» وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وُجُوبُ ذَلِكَ قَالَ وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ جُنُبًا وَلَا يَمَسُّ مَاءً فَحَمْلُهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ مَاءٌ وَأَنَّهُ تَيَمَّمَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يَبْعُدُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَعْمِلُ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْعَادِمِ الْمَاءِ وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَلَا يَمَسُّ مَاءً وَيُرِيدُ بِهِ عَدَمَ الْمَاءِ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِذِكْرِ الْعِلَّةِ الْمَانِعَةِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عَدَمُ الْمَاءِ هَذَا عُرْفُ التَّخَاطُبِ وَلَمَّا قَالَتْ كَانَ يَنَامُ بَعْدَ الْجِمَاعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً كَانَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَظَاهِرُهُ اسْتِبَاحَةَ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِيمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا زَنَى فَرُجِمَ أَنَّ الرَّجْمَ كَانَ لِأَجْلِ الزِّنَا وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَانَ قُتِلَ وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَهَا فَسَجَدَ ظَاهِرُهُ أَنَّ سُجُودَهُ كَانَ لِسَهْوِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ سُجُودَهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي فَلَا يُصْرَفُ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ إلَّا بِدَلِيلٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَبْطُلُ هَذَا الْوُضُوءُ بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَا يَبْطُلُ بِشَيْءٍ إلَّا بِمُعَاوَدَةِ الْجِمَاعِ فَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ وُضُوئِهِ أَعَادَ الْوُضُوءَ لِأَنَّ الْجِمَاعَ الثَّانِيَ يَحْتَاجُ مَنْ أَحْدَثَ الْوُضُوءَ مِثْلُ مَا احْتَاجَهُ الْأَوَّلُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ إذَا أَصَابَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلَا يَنَمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) . (ش) : قَوْلُهَا وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ يُرِيدُ وُضُوءًا كَامِلًا كَالْوُضُوءِ الَّذِي يَسْتَبِيحُ بِهِ الصَّلَاةَ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَتَرَكَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ فَذَلِكَ وَاسِعٌ وَقَوْلُ مَالِكٌ أَوْلَى بِمَا فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الْوُضُوءِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ طَعِمَ أَوْ نَامَ) ش قَوْلُهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمَ وَهُوَ جُنُبٌ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْوُضُوءِ لَهُمَا وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ لَا يَتَوَضَّأُ إلَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَقَطْ وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْعَمَ وَيُعَاوِدَ الْجِمَاعَ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْوُضُوءِ وَمَا رَوَى الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ» فَمَعْنَى وُضُوئِهِ هَاهُنَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ غَسَلَ يَدَهُ مِنْ الْأَذَى وَمَعْنَى وُضُوئِهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَكَا فِي اللَّفْظِ جُمِعَ بَيْنَهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَالصَّلَاةُ مِنْ الْبَارِي رَحْمَةٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ دُعَاءٌ. وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ مُفَسَّرًا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَطْعَمَ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ طَعِمَ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَوَضَّأُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْأَكْلِ أَنَّ النَّوْمَ وَفَاةٌ فَشُرِعَ لَهُ نَوْعٌ مِنْ الطَّهَارَةِ كَالْمَوْتِ وَأَمَّا الْأَكْلُ فَإِنَّمَا يُرَادُ لِلْحَيَاةِ فَلَمْ يُشْرَعْ لَهُ وُضُوءٌ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِ الْأَحْيَاءِ

стр. 98

إعَادَةُ الْجُنُبِ الصَّلَاة وَغَسَلَهُ إذَا صَلَّى وَلَمْ يَذْكُرْ وَغَسْلُهُ ثَوْبَهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ أَشَارَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنْ اُمْكُثُوا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ الْمَاءِ» ) (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى الْجَرْفِ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ احْتَلَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَرَانِي إلَّا احْتَلَمْت وَمَا شَعَرْت وَصَلَّيْت وَمَا ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِرَأْسِهِ لَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ عُضْوٌ يَسْقُطُ مُبَاشَرَتُهُ بِالْمَاءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَذَلِكَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [إعَادَةُ الْجُنُبِ الصَّلَاة وَغَسَلَهُ إذَا صَلَّى وَلَمْ يَذْكُرْ وَغَسْلُهُ ثَوْبَهُ] (ش) : قَوْلُهُ كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ يُرِيدُ تَكْبِيرَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ مِنْهَا وَقَوْلُهُ ثُمَّ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُمْكُثُوا يُرِيدُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى حَالِهِمْ وَهَذِهِ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ لَا يَتَكَلَّمُ الْإِمَامُ إذَا طَرَأَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ التَّمَادِيَ فِي الصَّلَاةِ وَيَسْتَخْلِفُ إشَارَةً أَوْ يُشِيرُ إلَيْهِمْ بِالْمُكْثِ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا فَلْيَتَكَلَّمْ وَلَوْ تَكَلَّمَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ عَنْ تَكْبِيرِ أَصْحَابِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُمْكُثُوا بَعْدَ أَنْ كَبَّرُوا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ إنَّ الْمَأْمُومِينَ إذَا كَانُوا فِي الصَّلَاةِ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ إمَامُهُمْ بِالْمُكْثِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ انْتِظَارُهُ حَتَّى يَأْتِيَ فَيُتِمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ انْتِظَارُهُ وَأَمَّا الَّذِي فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ لَهُ خَاصٌّ وَهَذَا الَّذِي رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ فِي اخْتِصَاصِ هَذَا الْحُكْمِ بِالنَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّ فِي عِبَارَةِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ تَجَوُّزًا فَقَدْ يَنْقُلُونَ الْعَمَلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَهُمْ وَيَنْقُلُونَ عَنْهُ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ أَنَّ ظَاهِرَهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ وَيُتَوَرَّعُ عَنْ تَأْوِيلِهِ فِي خَاصَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُمْسَكُ عَنْهُ وَيُقَالُ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَفِي الْجُمْلَتَيْنِ الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى صِحَّةِ بِنَاءِ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَكْبِيرِهِمْ لِلصَّلَاةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الطَّاهِرِ خَلْفَ إمَامٍ مُحْدِثٍ نَاسٍ لِحَدَثِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي زِيَادٍ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ وَانْتَظَرُوهُ حَتَّى اغْتَسَلَ ثُمَّ عَادَ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ وَقَالَ هَذَا الثَّابِتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ هَذَا الْقَائِلُ لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّ مَا سُئِلَ عَطَاءٌ فَسُنَّةٌ يُعْمَلُ بِهَا عِنْدَنَا لَا سِيَّمَا. وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا وَالْأَبْيَنُ أَنَّ تَكْبِيرَ النَّبِيِّ ﷺ ثَابِتٌ وَتَكْبِيرَ مَنْ خَلْفَهُ مُحْتَمَلٌ فَإِنْ قُلْنَا بِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ فَنَحْمِلُهُ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُحْرِمُوا وَأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَظِرُوا لَمَّا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ حُكْمُ الْإِمَامِ مَعَ النَّاسِ الْيَوْمَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ أَوْ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سَوَاءٌ وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لِلنَّاسِ الْيَوْمَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ الْحَالِ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَتَى كَبَّرَ كَبَّرَ النَّاسُ بِأَثَرِهِ وَلَا يَكَادُ يَتَأَخَّرُ تَكْبِيرُهُمْ عَنْ تَكْبِيرِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِلْإِمَامِ قَطْعُ صَلَاتِهِ وَلَا يُفْسِدُ لِذَلِكَ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ غَلَبَةُ الْحَدَثِ أَوْ ذِكْرُ حَدَثٍ مُتَقَدِّمٍ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إذَا صَلَّى الْإِمَامُ رَكْعَةً ثُمَّ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ وَخَافَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ أَعْمَى أَنْ يَقَعَ فِي نَارٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ ذَكَرَ مَتَاعًا خَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْلَفَ فَذَلِكَ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَا يُفْسِدُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ شَيْئًا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى الْجَرْفِ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ احْتَلَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَرَانِي إلَّا احْتَلَمْت وَمَا شَعَرْت وَصَلَّيْت وَمَا اغْتَسَلْت قَالَ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ وَنَضَحَ مَا لَمْ يَرَ وَأَذَّنَ أَوْ أَقَامَ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى مُتَمَكِّنًا) .

стр. 99

اغْتَسَلْت قَالَ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ وَنَضَحَ مَا لَمْ يَرَ وَأَذَّنَ أَوْ أَقَامَ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى مُتَمَكِّنًا) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى الْجَرْفِ الْجَرْفُ مَوْضِعٌ وَقَوْلُهُ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ احْتَلَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ يُرِيدُ أَنَّهُ رَأَى فِي ثَوْبِهِ مِنْ أَثَرِ الْمَنِيِّ مَا دَلَّهُ عَلَى الِاحْتِلَامِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَرَانِي إلَّا وَقَدْ احْتَلَمْت وَمَا شَعَرْت ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامَهُ جُمْلَةً وَقَوْلُهُ وَصَلَّيْت وَمَا اغْتَسَلْت يُرِيدُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ وَإِنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِلَامِ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ كَخُرُوجِهِ حَالَ الْيَقِظَةِ بِمُلَاعَبَةٍ أَوْ تَذْكَارٍ وَسَوَاءٌ ذَكَرَ أَنَّهُ جَامَعَ فِي نَوْمِهِ وَالْتَذَّ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ مَنْ رَأَى الْمَنِيَّ فِي ثَوْبِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِأَنَّ الْغَالِبَ خُرُوجُهُ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ حَالِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَقَدْ تَتَقَدَّمُ اللَّذَّةُ الْمَنِيَّ ثُمَّ يَخْرُجُ بَعْدَ سُكُونِهَا كَالرَّجُلِ يُلَاعِبُ أَهْلَهُ فَيَجِدُ اللَّذَّةَ الْكُبْرَى وَلَا يُنْزِلُ فَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي ثُمَّ يُنْزِلُ فَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا لَمْ تُقَارِنْهُ لَذَّةٌ حَالَ خُرُوجِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غُسْلٌ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَاءَ انْفَصَلَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ بِاللَّذَّةِ وَذَلِكَ الْمُرَاعَى فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ دُونَ ظُهُورِهِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا تَعَلَّقَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ مِنْ اللَّذَّةِ مَا قَارَنَ خُرُوجَ الْمَنِيِّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَنِيِّ فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَثُبُوتِ الْحَدَثِ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا حُكْمَ لَهُ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فَهَلْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ رُوِيَ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ يَغْتَسِلُ وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ رَأَى أَنَّهُ احْتَلَمَ وَلَمْ يُنْزِلْ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَنْزَلَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ رَاعَى اللَّذَّةَ حِينَ انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ فَصَلَّى عَلَى حَالِ جَنَابَةٍ لَمَّا لَمْ يَغْتَسِلْ مِنْ ذَلِكَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ جُنُبًا بِخُرُوجِ الْمَاءِ وَذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ وَصِحَّتِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَمَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَاءَ خَرَجَ بِلَذَّةٍ ثَانِيَةٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ عِنْدَنَا ظَاهِرٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَاءِ لَمْ يُجْزِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ فَاغْتَسَلَ لِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَصَلَّى ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَقَدْ قَالَ أَيْضًا يُعِيدُ الْغُسْلَ وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٌ مِنْ أَنَّهُ مَاءٌ اغْتَسَلَ لَهُ مَرَّتَيْنِ وَاحْتَجَّ لَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ بِأَنَّهُ مَا خَرَجَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ اللَّذَّةَ الْكُبْرَى الَّتِي يُقَدَّرُ مَعَهَا انْفِصَالُ الْمَاءِ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ وَإِنَّمَا وَجَدَ لَذَّةَ الْإِنْعَاظِ خَاصَّةً وَالْمُبَاشَرَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي يُوجِبُ إعَادَةَ الْغُسْلِ إنْ وَجَدَ لَذَّةَ الْجِمَاعِ مَعَ وُجُودِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ وَهُوَ بِانْفِرَادِهِ حَدَثٌ وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ حَدَثٌ فَإِذَا اجْتَمَعَا تَدَاخَلَا وَإِذَا انْفَصِلَا لَزِمَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْغُسْلُ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجِبُ بِهَذَا الْمَنِيِّ الْغُسْلُ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْوُضُوءَ فِيهِ وَاجِبٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هُوَ مُسْتَحَبٌّ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَالْعَادَةِ فَوَجَبَ بِهِ طَهَارَةٌ كَالْبَوْلِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا مَنِيٌّ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْوُضُوءُ كَمَنِيِّ السَّلَسِ وَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَقَالَ آخَرُ يُعِيدُ الْغُسْلَ وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَتَوْجِيهُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ كَاَلَّذِي تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ -

стр. 100

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَدَا إلَى أَرْضِهِ بِالْجَرْفِ فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَقَالَ لَقَدْ اُبْتُلِيتُ بِالِاحْتِلَامِ مُنْذُ وُلِّيت أَمْرَ النَّاسِ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ مِنْ الِاحْتِلَامِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ) . ــ [المنتقى] فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاغْتَسَلَ عُمَرُ يُرِيدُ مِنْ جَنَابَةٍ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ غَسَلَ مَا تَيَقَّنَ فِي ثَوْبِهِ مِنْ الْمَنِيِّ لِنَجَاسَتِهِ وَنَضَحَ مَا لَمْ يَرَ مِنْهُ يُرِيدُ مَا شَكَّ فِيهِ مِنْ ثَوْبِهِ أَنْ يُصِيبَهُ مَنِيٌّ وَهَذَا حُكْمُ مَا يُشَكُّ فِيهِ مِنْ الثِّيَابِ أَنْ تُنْضَحَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا تُنْضَحُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا شَكَّ فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَيَقَّنَ وُصُولَ النَّجَاسَةِ إلَى الثَّوْبِ وَيَشُكَّ هَلْ غَسَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا. وَالثَّانِي: أَنَّ يَشُكَّ هَلْ أَصَابَهُ بَوْلٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ تَيَقَّنَ وُصُولَهُ إلَيْهِ لَحَكَمَ بِنَجَاسَتِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُصِيبَ الثَّوْبَ شَيْءٌ لَا يَدْرِي أَطَاهِرٌ هُوَ أَوْ نَجِسٌ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يُجْزِي نَضَحَهُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مُتَيَقَّنَةٌ فَلَا يَزُولُ حُكْمُهَا إلَّا بِيَقِينٍ. وَأَمَّا الثَّانِي فَحُكْمُهُ النَّضْحُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَيْسَ فِيهِ نَضْحٌ وَلَا غَيْرُهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُنْضَحُ. ١ - (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ هَذَا فَهَذَا حُكْمُ الثَّوْبِ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ إنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الثَّوْبِ فِي النَّضْحِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْجَسَدِ الْغَسْلُ إذَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ غَسْلُ أُنْثَيَيْهِ مِنْ الْمَذْيِ إلَّا أَنْ يَخْشَى أَنْ يُصِيبَهُمَا شَيْءٌ وَهَذَا يَقْتَضِي إنْ خَشِيَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ غَسْلُهُمَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّوْبِ لِأَنَّ الثَّوْبَ يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ وَالْجَسَدَ لَا يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَدَا إلَى أَرْضِهِ بِالْجَرْفِ فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَقَالَ لَقَدْ اُبْتُلِيتُ بِالِاحْتِلَامِ مُنْذُ وُلِّيت أَمْرَ النَّاسِ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ مِنْ الِاحْتِلَامِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ) . (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَدَا إلَى أَرْضِهِ بِالْجَرْفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى أَرْضِهِ وَيَتَعَاهَدَ ضَيْعَتَهُ وَأُمُورَ دُنْيَاهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُطَالِعَ الْقَاضِي ضَيْعَتَهُ فَيُقِيمَ فِي إصْلَاحِهَا الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا الَّذِي قَالَ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ ذَلِكَ لَأَدَّى إلَى خَرَابِ ضَيْعَتِهِ وَفَسَادِ حَالِهِ وَذَهَابِ قُوتِ عِيَالِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا يُرِيدُ مَنِيًّا مِنْ احْتِلَامٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ ثَوْبَ لُبْسِهِ كَانَ لِنَوْمِهِ وَقَوْلُهُ لَقَدْ اُبْتُلِيَتْ بِالِاحْتِلَامِ مُنْذُ وُلِّيت أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ شُغْلَهُ بِأَمْرِ النَّاسِ وَاهْتِمَامَهُ بِهِمْ صَرَفَهُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالنِّسَاءِ وَكَثُرَ عَلَيْهِ الِاحْتِلَامُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَقْتًا لِابْتِلَائِهِ بِالِاحْتِلَامِ لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي لَمْ يَذْكُرْهُ وَوَقَّتَهُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ وِلَايَتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ مِنْ الِاحْتِلَامِ يُرِيدُ اغْتَسَلَ مِنْ حَدَثِ الْجَنَابَةِ وَغَسَلَ مَا بِجَسَدِهِ مِنْهَا وَغَسَلَ ثَوْبَهُ مِنْ مَنِيِّ الِاحْتِلَامِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَضَى صَلَاتَهُ حِينَئِذٍ إذْ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا عَلَى طَهَارَةٍ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ثُمَّ غَدَا إلَى أَرْضِهِ بِالْجَرْفِ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَقَالَ إنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لَانَتْ الْعُرُوقُ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ الِاحْتِلَامَ مِنْ ثَوْبِهِ وَعَادَ لِصَلَاتِهِ) . (ش) : قَوْلُهُ إنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لَانَتْ الْعُرُوقُ قِيلَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا وُلِّيَ كَانَ يَرِدُ عَلَيْهِ أَعْيَانُ النَّاسِ وَالْعَرَبِ مِنْ الْبِلَادِ وَكَانَ يُطْعِمُهُمْ وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ اسْتِئْلَافًا لَهُمْ وَالْمَشْهُورُ مِنْ حَالِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ بِالْوِلَايَةِ وَلَا كَانَ يَصْطَنِعُ لِمَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ إلَّا مِثْلَ مَا كَانَ يَأْكُلُهُ تَعْلِيمًا لَهُمْ وَإِنْكَارًا عَلَى النَّاسِ السَّرَفَ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ فِي جَهْدٍ مِنْ الْجَدْبِ فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْوَدَكِ وَالسَّمْنِ لِيَكُونَ حَالُهُ فِي الْقِلَّةِ حَالَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ضَرَبَ بَطْنَهُ وَقَالَ لَأَصْبِرَنَّ عَلَى أَكْلِ الزَّيْتِ مَا دَامَ السَّمْنُ يُبَاعُ بِالْأَوَاقِيِ وَأَنَّهُ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا حَتَّى يَنَالَهُ جَمِيعُ النَّاسِ

стр. 101

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَرَّسَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَرِيبًا مِنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ فَاحْتَلَمَ عُمَرُ وَقَدْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكْبِ مَاءً فَرَكِبَ حَتَّى جَاءَ الْمَاءُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنْ ذَلِكَ الِاحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَصْبَحْت وَمَعَنَا ثِيَابٌ فَدَعْ ثَوْبَك يُغْسَلُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَاعَجَبًا لَك يَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لَئِنْ كُنْت تَجِدُ ثِيَابًا أَفَكُلُّ النَّاسِ تَجِدُ ثِيَابًا وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتهَا لَكَانَتْ سُنَّةً بَلْ أَغْسِلُ مَا رَأَيْت وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ) . ــ [المنتقى] ثُمَّ إنَّ النَّاسَ أَخْصَبُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَعَادَ إلَى أَكْلِ السَّمْنِ وَالْوَدَكِ فَكَثُرَ عَلَيْهِ الِاحْتِلَامُ فَقَالَ لَمَّا إنَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لَانَتْ الْعُرُوقُ وَكَانَ قَبْلَ الْخِلَافَةِ إذَا أَصَابَ الْوَدَكَ وَالْخِصْبَ نَالَ مِنْ النِّسَاءِ مَا يَقْطَعُ عَنْهُ الِاحْتِلَامَ فَلَمَّا وُلِّيَ الْخِلَافَةَ وَاشْتَغَلَ عَنْ الْإِكْثَارِ مِنْ الْجِمَاعِ وَنَالَ الْوَدَكَ أَصَابَهُ الِاحْتِلَامُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَعَادَ لِصَلَاتِهِ يُرِيدُ قَضَاءَ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ صَلَّاهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَأَمَّا مَنْ كَانَ صَلَّى بِصَلَاتِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ فَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا فَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ فَاسِدَةٌ وَرَوَى ابْنُ الْحَكَمِ فِي الْمُوَلَّدَات عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ صَحِيحَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فَاسِدَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي حَاوِيهِ أَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِجَنَابَتِهِ حَدِيثُ عَطَاءٍ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُمْكُثُوا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ الْمَاءِ» . وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ الْكَلَامِ إلَى الْإِشَارَةِ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ أَعَمُّ وَأَبْيَنُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى إلَّا لِتَصْحِيحِ صَلَاةِ مَنْ خَلْفَهُ إذْ لَا فَائِدَةَ لِذَلِكَ غَيْرُهَا وَلَا مَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ مِنْ الْحَدَثِ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ لَا يُفْسِدْ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَالِمًا بِجَنَابَتِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ أَنَّهُ يُعِيدُ الْمُصَلِّي خَلْفَهُ أَبَدًا وَهَذَا إذَا تَعَمَّدَ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ جُنُبًا فَاسِقٌ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَلِأَنَّ كُلَّ مَعْنَى لَوْ عَلِمَهُ الْمَأْمُومُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَإِذَا عَلِمَهُ الْإِمَامُ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ كَالْكُفْرِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ابْتِدَاءَ حَدَثِ الْإِمَامِ عَامِدًا يُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ وَابْتِدَاءَهُ سَهْوًا وَغَلَبَةً لَا يُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ فَكَذَلِكَ اسْتِدَامَةُ الصَّلَاةِ بِهِ عَمْدًا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ وَاسْتِدَامَةُ ذَلِكَ سَهْوًا لَا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ. (ش) : قَوْلُهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِقَوْلِ عُمَرَ مَا احْتَاجَ إلَى إيرَادِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَقَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَرَّسَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَرِيبًا مِنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ يُرِيدُ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ بِقُرْبِ بَعْضِ الْمِيَاهِ الَّتِي بِطَرِيقِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ بُعْدُ مَسَافَةٍ أَوْ خَوْفُ سَرَفِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْمِيَاهِ الَّتِي تُجْزِئُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَلَا تُجْزِئُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاحْتَلَمَ عُمَرُ وَقَدْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكْبِ مَاءً يَقْتَضِي طَلَبَهُ عِنْدَهُمْ وَكَذَلِكَ يَجِبُ لِمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ أَنْ يَطْلُبَهُ عِنْدَ رُفْقَتِهِ إذَا كَانَتْ عَدَدًا يَسِيرًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَرَكِبَ حَتَّى جَاءَ الْمَاءُ ذُكِرَ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي جَاءَ هُوَ مَاءُ الرَّوْحَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَكَبَ عَنْ طَرِيقِهِ إلَيْهِ إمَّا لِقُرْبِهِ أَوْ لِمُبَالَغَتِهِ فِي طَلَبِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُهُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسَافِرِ يَكُونُ الْمَاءُ حَائِدًا عَنْ طَرِيقِهِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ قُوَّةِ الرَّجُلِ وَضَعْفِهِ وَبُعْدِ الْمَوْضِعِ وَقُرْبِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ أَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ إلَيْهِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ

стр. 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] طَرِيقِهِ إلَى الْمَاءِ مِيلِينِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَاءُ عَلَى طَرِيقِهِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَّا بِأَنْ يَنْفَرِدَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْمِيلَ وَنِصْفَ الْمِيلِ وَيَخَافُ فِي ذَلِكَ لِسَلَابَةٍ أَوْ سِبَاعٍ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَسَنَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ هَذَا فِي التَّيَمُّمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ عَلَى طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَعَجَّلَ السَّيْرَ إلَيْهِ حِينَ احْتَلَمَ بِحَاجَتِهِ إلَى الِاغْتِسَالِ وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنْ الِاحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ يُرِيدُ أَنَّهُ تَتَبَّعَ مَا كَانَ فِي ثَوْبِهِ مِنْ الْمَنِيِّ حَتَّى أَسْفَرَ الصُّبْحُ رَأَى أَنَّ تَطْهِيرَ ثَوْبِهِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ أَوْلَى مِنْ مُبَادَرَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِهِ وَتَتَبُّعَهُ لَهُ حَتَّى ذَهَبَ أَكْثَرُ الْوَقْتِ وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِهِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ التَّأْخِيرَ وَأَمَرَهُ بِاسْتِبْدَالِ ثَوْبٍ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَةِ الثَّوْبِ عِنْدَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا عِنْدَهُمْ لَمَا اشْتَغَلَ عُمَرُ بِغُسْلِهِ وَلَوْ اشْتَغَلَ بِهِ لَقِيلَ لَهُ تَشْتَغِلُ عَنْ الصَّلَاةِ بِإِزَالَةِ مَا لَمْ تَلْزَمْ إزَالَتُهُ وَبِنَجَاسَةِ الْمَنِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ طَاهِرٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى نَجَاسَتِهِ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي سَفَرِهِ وَأَفْعَالُهُ كَانَتْ تُنْقَلُ وَيُتَحَدَّثُ بِهَا وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُنْكَرٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مَائِعٌ تُثِيرُهُ الشَّهْوَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا كَالْمَذْيِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَصْبَحْت هَذِهِ اللَّفْظَةُ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الصَّبَاحِ بِمَعْنَى أَنَّك قَارَبْت الصَّبَاحَ وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى تَمَكُّنِ الصَّبَاحِ وَتَنْبِيهِهِ عَلَى قُرْبِ فَوَاتِهِ كَقَوْلِ عَمْرٍو لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَصْبَحْت وَقَدْ أَسْفَرَ تَنْبِيهًا عَلَى تَمَكُّنِ الْوَقْتِ وَخَوْفِ فَوَاتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَمَعَنَا ثِيَابٌ يُرِيدُ أَنَّ مَعَهُمْ ثِيَابًا طَاهِرَةً يُصَلِّي بِهَا وَيَتْرُكُ ثَوْبَهُ حَتَّى يُغْسَلَ بَعْدَ صَلَاتِهِ لِئَلَّا يَفُوتَهُمْ الْوَقْتُ أَوْ يَصِيرُوا فِي ضَيِّقٍ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَاعَجَبًا لَك يَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لَئِنْ كُنْت تَجِدُ ثِيَابًا أَفَكُلُّ النَّاسِ تَجِدُ ثِيَابًا تَعَجَّبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَيْثُ لَمْ يَنْظُرُ فِي حَالِ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِي لَا يَجِدُ أَكْثَرُهُمْ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا وَبَنَى قَوْلَهُ عَلَى حَالِ نَفْسِهِ وَأَهْلِ الْجِدَّةِ مِثْلِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ فَكَانَ يَجْرِي أَمْرُهُ مَجْرًى يَقْتَدِي بِهِ الْفَقِيرُ وَالضَّعِيفُ قَالَ فَإِذَا كُنْت تَجِدُ ثِيَابًا تَلْبَسُهَا مِنْ احْتِلَامٍ وَلَا تَشْتَغِلُ بِغَسْلِ ثَوْبِك فَمِنْ أَيْنَ يَجِدُ غَيْرُك ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتهَا لَكَانَتْ سُنَّةً يُرِيدُ لَوْ تَرَكْت الِاشْتِغَالَ بِغَسْلِ ثَوْبِي لَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً يَقْتَدِي بِهَا مَنْ بَعْدِي فَيُؤَدِّيهِمْ ذَلِكَ إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا تَرْكُ غَسْلِ الثِّيَابِ وَالصَّلَاةُ بِهَا عَلَى نَجَاسَتِهَا وَإِمَّا اتِّخَاذُ ثِيَابٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ وَيُكَلَّفُ مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِكْثَارِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يُؤْثِرُ التَّقَلُّلَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ بَلْ أَغْسِلُ مَا رَأَيْت وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالنَّضْحُ هُوَ الرَّشُّ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ هُوَ صَبُّ الْمَاءِ وَلَيْسَ بِالرَّشِّ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْغَسْلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَأَنْضَحُ يُسْتَعْمَلُ عِنْدِي فِي الْوَجْهَيْنِ فِي هَذَا الثَّوْبِ لَمَّا خَصَّ بِهِ مَا شَكَّ فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الثِّيَابِ عَلَى مَعْنَى التَّدْفِئَةِ وَلَوْ كَانَ صَبُّ الْمَاءِ يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْغَسْلِ لَقَالَ أَغْسِلُ مَا رَأَيْت وَمَا لَمْ أَرَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ بَلْ أَغْسِلُ مَا رَأَيْت وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ يَقْتَضِي وُجُوبَ النَّضْحِ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ عَنْ الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعَ ضِيقِهِ إلَّا لِمَعْنًى وَاجِبٍ مَانِعٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَسْمَعْ مُنْكِرًا لِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِمَّنْ حَضَرَهُ وَلَا مِمَّنْ بَلَغَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ ﵁ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ ثَوْبِهِ لِشَيْءٍ رَآهُ فِيهِ لَا يَدْرِي أَنَجِسٌ هُوَ أَمْ طَاهِرٌ فَهَذَا قَدْ قُلْنَا إنَّهُ يَجِبُ نَضْحُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ

стр. 103

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ أَثَرَ احْتِلَامٍ وَلَا يَدْرِي مَتَى كَانَ وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا رَأَى فِي مَنَامِهِ قَالَ لِيَغْتَسِلْ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمٍ نَامَهُ فَإِنْ كَانَ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّوْمِ فَلْيُعِدْ مَا كَانَ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّوْمِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا احْتَلَمَ وَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَرَى وَلَا يَحْتَلِمُ فَإِذَا وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَاءً فَعَلَيْهِ الْغُسْلِ وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَعَادَ مَا كَانَ صَلَّى لِآخِرِ نَوْمٍ نَامَهُ وَلَمْ يُعِدْ مَا كَانَ قَبْلَهُ) . ــ [المنتقى] يَكُونَ كَانَ يَنْضَحُهُ لِمَا يَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الْمَنِيِّ مَعَ النَّوْمِ وَعَدَمِ التَّوَقِّي. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَنْ صَلَّى وَلَمْ يَنْضَحْ ثَوْبَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِغَيْرِ شَكٍّ كَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فَلَا شَيْءَ وَيَنْضَحُهُ لِمَا يَسْتَقْبِلُ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ لِشَكٍّ فِي نَجَاسَتِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ صَلَّى بِهِ جَاهِلًا أَعَادَ أَبَدًا وَإِنْ صَلَّى بِهِ نَاسِيًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ النَّضْحَ لِمَا شَكَّ فِيهِ كَالْغَسْلِ لِمَا تَيَقَّنَ وَلَيْسَ يُشْبِهُ الْمُحْتَلِمَ هَذَا شَكَّ وَذَلِكَ لَمْ يَشُكَّ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ ثَوْبِهِ فَصَلَّى قَبْلَ أَنْ يَنْضَحَهُ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ ﵀ فِيمَنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا رَآهُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْغُسْلَ وَجَبَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالنَّخَعِيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ لِطَهَارَتِهِ وَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَإِذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ طَهَارَتَهُ لَمْ تَتَيَقَّنْ صِحَّةُ صَلَاتِهِ وَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِيمَنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا وَلَا يَدْرِي مَتَى كَانَ وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا أَنَّهُ يَغْتَسِلُ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمٍ نَامَهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَلْبَسَ ذَلِكَ الثَّوْبَ أَبَدًا لَا يَنَامُ إلَّا فِيهِ أَوْ يَكُونُ يَنَامُ فِيهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ كَانَ يَنَامُ فِيهِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ أَعَادَ مَا صَلَّى مِنْ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَشُكُّ أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةُ صَلَّاهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الِاحْتِلَامُ فِي تِلْكَ النَّوْمَةِ أَوْ قَبْلَهَا وَمَا قَبْلَ تِلْكَ النَّوْمَةِ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا وَهَذَا الشَّكُّ إنَّمَا طَرَأَ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ كَمَالِهَا وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْهَا وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: إنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهَا كَمَا لَوْ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ بَعْدَ طَهَارَتِهِ أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ شَكٌّ طَرَأَ بَعْدَ تَمَامِ الْعِبَادَةِ وَتَيَقُّنِ سَلَامَتِهَا فَهَذَا الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّكَّ يُؤَثِّرُ فِيهَا وَيُوجِبُ إعَادَتَهَا فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا مِنْ أَوَّلِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ فَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ مَا صَلَّى بَعْدَ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ قَوْلًا وَاحِدًا وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا لَمْ يَغْتَسِلْ فِي طُولِ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَإِنْ اغْتَسَلَ فِيهَا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً تَعَلَّقَ الشَّكُّ بِجَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَجَرَى الِاخْتِلَافُ فِي جَمِيعِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ كَانَ لَابِسُ هَذَا الثَّوْبِ لَا يَنَامُ إلَّا فِيهِ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَرَوَاهُ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا يَحْمِلُونَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِمَسْأَلَةِ الْمُوَطَّأِ وَأَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ مُفْتَرِقَتَانِ فَإِذَا كَانَ يَنَامُ فِي غَيْرِ هَذَا الثَّوْبِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَنَامُ إلَّا فِيهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَامَ فِيهِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ عِنْدِي غَيْرُ بَيِّنٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ أَبَدًا يَتَيَقَّنُ أَنَّ أُخْرَى الصَّلَوَاتِ صَلَّاهَا عَلَى حَدَثٍ وَيَشُكُّ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ مَرَّةً وَفِي غَيْرِهِ أُخْرَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنَقَلَهَا عَنْهُ النَّاقِلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ مِنْ جَنَابَةٍ فَإِنْ اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ كَانَ حُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا احْتَلَمَ وَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَرَى وَلَا يَحْتَلِمُ يُرِيدُ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ

стр. 104

غُسْلُ الْمَرْأَةِ إذَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ أَتَغْتَسِلُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ أُفٍّ لَك وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرِبَتْ يَمِينُك وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» ) ــ [المنتقى] مِنْهُ الْأَنْزَالُ بِمَا يَرَاهُ فِي النَّوْمِ فَيَنْسَى ذَلِكَ جُمْلَةً وَلَا يَذْكُرُهُ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ مُلْتَذًّا وَخَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ مِنْ مُقَارَنَةِ اللَّذَّةِ وَإِنَّمَا ذَهَبَ عَنْهُ ذِكْرُ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيَرَى وَلَا يَحْتَلِمُ يُرِيدُ يَرَى فِي نَوْمِهِ يُجَامِعُ وَلَا يُنْزِلُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلٌ لِأَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوْ بِإِنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فَمَتَى رَأَى الْمُحْتَلِمُ أَنَّهُ يُجَامِعُ وَلَا يُنْزِلُ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَعَادَ مَا كَانَ صَلَّى لِآخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا وَلَمْ يُعِدْ مَا كَانَ قَبْلَهُ احْتَجَّ بِذَلِكَ عَلَى إعَادَةِ مَا صَلَّى بَعْدَ النَّوْمِ وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ يَنَامُ فِي هَذَا الثَّوْبِ أَوْ يَنَامُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ مُحْتَمَلٌ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَدْ اغْتَسَلَ قَبْلَ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ احْتِلَامَهُ لَمَّا رَأَى الْمَنِيَّ فِي ثَوْبِهِ أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ وَجَدَ فِيهِ مَا دَلَّهُ عَلَى حُدُوثِهِ مِنْ رُطُوبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِي ذَلِكَ رَأْيَ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [غُسْلُ الْمَرْأَةِ إذَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ] (ش) : قَوْلُهَا «الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ تُرِيدُ مِنْ الْإِنْزَالِ وَالِاحْتِلَامِ أَتَغْتَسِلُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ» فَأَخْبَرَهَا أَنَّ حُكْمَهَا فِي ذَلِكَ الْغُسْلِ حُكْمُ الرَّجُلِ يَرَى ذَلِكَ «فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ أُفٍّ لَك عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ لِقَوْلِهَا وَالْإِغْلَاظِ عَلَيْهَا لِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْ النِّسَاءِ» قَالَتْ وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ «فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرِبَتْ يَمِينُك» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَا أُرَاهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ إلَّا خَيْرًا وَمَا الْإِتْرَابُ إلَّا الْغِنَى فَرَأَى أَنَّ تَرِبَ لَيْسَ مِنْ الْإِتْرَابِ بِسَبِيلٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ التُّرَابِ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مَعْنَاهُ أَضَعُفَ عَقْلُك أَتَجْهَلِينَ هَذَا وَقَدْ قِيلَ أَنَّ مَعْنَاهُ افْتَقَرَتْ يَدَاك مِنْ الْعِلْمِ وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذْ جَهِلْت مِثْلَ هَذَا فَقَدْ قَلَّ حَظُّك مِنْ الْعِلْمِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ كَيْسَانَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ مَعْنَاهُ الْحَضُّ عَلَى تَعَلُّمِ مِثْلِ هَذَا كَمَا تَقُولُ اُنْجُ ثِكْلَتك أُمُّك لَا يُرِيدُ أَنْ تُثْكَلَ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ مَعْنَى تَرِبَتْ يَدَاك أَصَابَهَا التُّرَابُ وَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهَا بِالْفَقْرِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ أَنَّهُ تَرِبَتْ بِالتَّاءِ يُرِيدُ اسْتَغْنَتْ مِنْ التُّرَابِ الَّذِي هُوَ الثَّبَجُ وَقَالَ هِيَ لُغَةُ الْقِبْطِ صَيَّرُوا التَّاء ثَاءً حَتَّى جَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ كَمَا أَبْدَلُوا مِنْ التَّاءِ فَاءً وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَاطَبَهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تُخَاطِبْهَا وَهُمْ يُسْتَعْلَمُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عِنْدَ الْإِنْكَارِ لِمَنْ لَا يُرِيدُونَ فَقْرَهُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا افْتَقَرَتْ يَدَاك يُقَالُ تَرِبَ فُلَانٌ إذَا افْتَقَرَ فَلَصِقَ بِالتُّرَابِ وَأَتْرَبَ إذَا اسْتَغْنَى صَارَ مَالُهُ كَالتُّرَابِ كَثْرَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِعَائِشَةَ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ لَهَا لِإِنْكَارِهَا مَا أَقَرَّ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يُقِرُّ إلَّا عَلَى الصَّوَابِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْته فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إلَيْك يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِتُؤْجَرَ وَلِيُكَفَّرَ بِهَا مَا قَالَتْهُ لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَرَوَى حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ تَرِبَتْ بِمَعْنَى خَسِرَتْ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ امْتَلَأَتْ تُرَابًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «مِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» يُرِيدُ شَبَهَ الِابْنِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ لِأَقَارِبِهِ مِنْهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ

стр. 105

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ فَقَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» ) . جَامِعُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ مَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَعْرَقُ فِي الثَّوْبِ وَهُوَ جُنُبٌ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْسِلُ جَوَارِيهِ رِجْلَيْهِ وَيُعْطِينَهُ الْخُمْرَةَ وَهُنَّ حُيَّضٌ) . ــ [المنتقى] لِلْمَرْأَةِ مَاءً تَدْفَعُهُ عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى كَمَا لِلرَّجُلِ مَاءٌ يَدْفَعُهُ عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ خَرَجَ الْوَلَدُ يُشْبِهُ عُمُومَتَهُ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ خَرَجَ الْوَلَدُ يُشْبِهُ خُؤُولَتَهُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ فَقَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» ) . (ش) : قَوْلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ لَا يَأْمُرُ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْ الْحَقِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذِكْرِهِ امْتِنَاعُ الْمُسْتَحِي وَإِنَّمَا قَدَّمَتْ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ قَوْلِهَا لِمَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ أَمْرٍ يَسْتَحْيِ النِّسَاءُ مِنْ ذِكْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا بُدٌّ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَهَمِّ أَمْرِ دِينِهَا فَقَدَّمَتْ هَذَا مِنْ قَوْلِهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا يُسْتَحْيَا مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ يَلْزَمُ النِّسَاءَ السُّؤَالُ عَنْهُ وَالتَّوَصُّلُ إلَى عِلْمِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ تُرِيدُ هَلْ يَلْزَمُهَا غُسْلٌ كَمَا يَلْزَمُ الرِّجَالَ مِنْ الِاحْتِلَامِ فَقَالَ نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ يُرِيدُ الْمَاءَ الدَّافِقَ عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الرَّجُلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هُوَ الْمَنِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ الِاحْتِلَامَ مِنْهُ مَا يَكُونُ مَعَهُ الْإِنْزَالُ فَيَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ وَمِنْهُ مَا لَا يَكُونُ مَعَهُ الْإِنْزَالُ فَلَا يَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ فَذَلِكَ بَيِّنٌ لَهَا وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَاءُ الْمَرْأَةِ مُخَالِفٌ لِمَاءِ الرَّجُلِ مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ خَاثِرٌ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ. [جَامِعُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ] (ش) : قَوْلُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ يُرِيدُ لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ وَبِفَضْلِ غُسْلِهَا مَا لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَرَى أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ كَانَ يَعْرَقُ فِي الثَّوْبِ وَهُوَ جُنُبٌ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ حَدَثٌ لَيْسَ بِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالثَّوْبِ فَيُنَجِّسَهُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى جَسَدِ الْجُنُبِ نَجَاسَةٌ فَإِنْ كَانَ عَلَى جَسَدِهِ نَجَاسَةٌ فَعَرِقَ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الثَّوْبُ نَجِسًا فَعَرِقَ فِيهِ نَجُسَ جَسَدُهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَغْسِلُ جَوَارِيهِ رِجْلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ سَحْنُونٌ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَقِيلَ لَهُ أَلَا يَخَافَ أَنْ يَكُونَ غَسْلُ الْجَوَارِي رِجْلَيْ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ امْتِهَانِهِنَّ فَقَالَ لَا لَعَمْرِي وَمَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ شُغُلٍ أَوْ ضَعْفٍ يَجِدُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيُعْطِينَهُ الْخُمْرَةَ وَهُنَّ حُيَّضٌ يُرِيدُ أَنَّ الْحَيْضَ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي يَتَنَاوَلْنَهَا بِأَيْدِيهِنَّ لِأَنَّ الْحَيْضَ إنَّمَا هُوَ حَدَثٌ وَلَيْسَ نَجَاسَةٌ فَيَنْجُسُ مَا جَاوَرَ الْحَائِضَ

стр. 106

(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ لَهُ نِسْوَةٌ وَجَوَارٍ هَلْ يَطَؤُهُنَّ جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَأَمَّا النِّسَاءُ الْحَرَائِرُ فَيُكْرَهُ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ فِي يَوْمِ الْأُخْرَى فَأَمَّا أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يُصِيبَ الْأُخْرَى وَهُوَ جُنُبٌ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ جُنُبٍ وُضِعَ لَهُ مَاءٌ يَغْتَسِلُ بِهِ فَسَهَا فَأَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِيهِ لِيَعْرِفَ حَرَّ الْمَاءِ مِنْ بَرْدِهِ قَالَ مَالِكٌ إنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ أُصْبُعَهُ أَذًى فَلَا أَرَى ذَلِكَ يُنَجِّسُ عَلَيْهِ الْمَاءَ) . ــ [المنتقى] أَوْ تَمَسُّهُ. وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ قَالَتْ فَقُلْت إنِّي حَائِضٌ فَقَالَ إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ بِيَدِك» . (ش) : قَوْلُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ» لِأَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يُرَادُ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِمَّا شُرِطَ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَلَيْسَ الْجِمَاعُ مِمَّا شُرِطَ فِيهِ الطَّهَارَةُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْغُسْلِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ غَسْلُ فَرْجِهِ وَمَوَاضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ جَسَدِهِ لِئَلَّا تَنْجُسَ بِذَلِكَ ثِيَابُهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَالْوُضُوءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ غَسْلِ الْفَرْجِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْجَسَدِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَمَّا النِّسَاءُ الْحَرَائِرُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فِي يَوْمِ الْأُخْرَى هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بِمَعْنَى الْقَسْمِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصِيبَ امْرَأَةً مِنْ حَرَائِرِ نِسَائِهِ فِي يَوْمٍ صَارَ بِالْقَسْمِ لِأُخْرَى إلَّا أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُنَّ يَحْتَمِلُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَالثَّانِي: إبَاحَتُهُنَّ لَهُ وَرِضَاهُنَّ بِهِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَصَابِعِهِ مَاءٌ فَإِنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي أَصَابِعِهِ أَذًى فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَإِنَّ إدْخَالَ يَدِهِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَلْيَتَحَيَّلْ فِي شَيْءٍ يَتَنَاوَلُ بِهِ الْمَاءَ فَيَغْسِلُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُ هَذَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا بِيَدِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ يُغَيِّرُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْمَاءِ أَوْ لَا يُغَيِّرُهُ فَإِنْ كَانَ يُغَيِّرُهُ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَيُفْسِدُهُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَنَاوُلِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُغَيِّرُهُ فَلْيُدْخِلْ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ يَغْسِلْ يَدَيْهِ بِمَا يَغْرِفُ بِهِمَا مِنْ الْمَاءِ ثُمَّ يَتَوَضَّأْ أَوْ يَغْتَسِلْ لِأَنَّ إدْخَالَ يَدِهِ فِي الْمَاءِ إذَا لَمْ يُغَيِّرْهُ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَحُكْمُ هَذَا حُكْمُ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَنَاوُلِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُغَيِّرُهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْيَسِيرِ تُحِلُّهُ نَجَاسَةٌ لَا تُغَيِّرُهُ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ التَّيَمُّمِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِمَا فَضَلَ وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُحْتَمَلٌ فَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أَنَّ التَّيَمُّمَ أَوْلَى مِنْهُ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهِ وَيَتَيَمَّمُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يَغْتَسِلُ الْجُنُبُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَإِنْ غَسَلَ عَنْهُ الْأَذَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا غَسَلَ عَنْهُ الْأَذَى وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَحْمِلُ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ لَجَازَ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ عَنْهُ الْأَذَى فَيَقْتَضِي قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ مِقْدَارًا يَزِيدُ عَلَى مَا يَتَغَيَّرُ بِالنَّجَاسَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي حَيِّزِ الْمَمْنُوعِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا أَخْذُهُ الْمَاءَ بِفِيهِ لِيَغْسِلَ بِهِ يَدَيْهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ الْمَنْعَ مِنْهُ وَرَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إبَاحَةَ ذَلِكَ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَا يَنْضَافُ إلَيْهِ مِنْ الرِّيقِ مَعَ قِلَّتِهِ يَجْعَلُهُ مَاءً مُضَافًا وَيَمْنَعُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِهِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الرِّيقَ قَرَّبَهُ لِطَعْمِ الْمَاءِ وَلَوْنِهِ وَرِيحِهِ مَعَ قِلَّتِهِ لَا يُغَيِّرُهُ فَلَا يَمْنَعُ رَفْعَ النَّجَاسَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا اغْتِسَالُ الْجُنُبِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يَغْتَسِلُ الْجُنُبُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ

стр. 107

هَذَا بَابٌ فِي التَّيَمُّمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدَ بْنُ حُضَيْرٍ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ» ) . ــ [المنتقى] وَإِنْ غَسَلَ عَنْهُ الْأَذَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ إذَا غَسَلَ عَنْهُ الْأَذَى وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَحْمِلُ مَا وَقَعَ فِيهِ لَجَازَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ مِنْهُ الْأَذَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابٌ فِي التَّيَمُّمِ] (ش) : قَوْلُ عَائِشَةَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ سَفَرِ الرَّجُلِ بِأَهْلِهِ وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَزْوَاجٌ فَيَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بِجَمِيعِهِنَّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ بِبَعْضِهِنَّ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسْهِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ إذَا أَرَادَ سَفَرًا وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي هَذِهِ مَوَاضِعُ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَالْعِقْدُ قِلَادَةُ دُرٍّ كَانَ فِيهَا جَزْعٌ وَرُوِيَ أَنَّ الْقِلَادَةَ كَانَتْ مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ وَلَمْ يَكُنْ الْمُقَامُ لِأَجْلِ انْقِطَاعِهِ وَإِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ ضَيَاعِهِ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ انْقَطَعَ بِغَيْرِ عِلْمِهَا فَلَمَّا ذَكَرَتْ أَمْرَهُ خَفِيَ عَلَيْهَا مَكَانُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ تُرِيدُ أَنَّهُ أَقَامَ حَتَّى يُمْكِنَهُ الْتِمَاسُهُ بِذَهَابِ الظَّلَّامِ الْمَانِعِ مِنْ الْتِمَاسِهِ أَوْ لِانْتِظَارِ مَنْ أَرْسَلَهُ لِطَلَبِ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقَامَ وَلَا يَظُنُّ عَدَمَ الْمَاءِ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَاسْتَيْقَظَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقَامَ عَلَى الْتِمَاسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِعَدَمِ الْمَاءِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ إقَامَتُهُ لِطَلَبِ الْعِقْدِ خَاصَّةً لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْمُقَامُ عَلَى طَلَبِ مَالِهِ وَحِفْظِهِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى عَدَمِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ وَالِاضْطِرَارِ إلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا سُلُوكُ طَرِيقٍ يَتَيَقَّنُ فِيهِ عَدَمَ الْمَاءِ طَلَبًا لِلْمَالِ وَرَعْيِ الْمَوَاشِي فِي الْفَلَوَاتِ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ الْمُقَامُ بِمَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَيْسَ بِقَرَارٍ لَهُ فَبِأَنْ يَجُوزَ لَهُ الْمُرُورُ بِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَنَحْوُ هَذَا لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ إقَامَةُ النَّاسِ مَعَهُ دُونَ مَاءٍ مَعَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِهِ وَتَرْكِهِ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُقَامِ بِمَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ لِمَنْ لَا مَاءَ مَعَهُ لِمَا يَعِنُّ لَهُ مِنْ الْحَاجَاتِ فِيهِ أَوْ لِمَنْ يَكُونُ مَعَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُمْ أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى

стр. 108

(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ لِصَلَاةٍ حَضَرَتْ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى أَيَتَيَمَّمُ لَهَا أَمْ يَكْفِيهِ تَيَمُّمُهُ ذَلِكَ قَالَ بَلْ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَغِيَ الْمَاءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَمَنْ ابْتَغَى الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ) . ــ [المنتقى] مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ دَلِيلٌ عَلَى عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ الْمَاءِ وَأَنَّ الْمُقَامَ إنَّمَا كَانَ لِطَلَبِ الْعِقْدِ خَاصَّةً وَإِنَّمَا نُسِبَ الْمُقَامُ فِي ذَلِكَ إلَى عَائِشَةَ وَشَكَوْا فِعْلَهَا إمَّا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِعَدَمِ الْمَاءِ عِنْدَهُمْ فَظَنُّوا أَنَّهُ أَقَامَ لِطَلَبِ عِقْدِ عَائِشَةَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِعَدَمِ الْمَاءِ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ إدْرَاكِ الْمَاءِ وَخِيفَ ذَلِكَ فِيهِ أَوْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ عَلَى طَلَبِ الْعِقْدِ وَنَامَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَبِيلٌ إلَى الرَّحِيلِ دُونَ إذْنِهِ وَلَا أَمْكَنَهُمْ إيقَاظُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذَا نَامَ لَا يُوقَظُ لِأَجْلِ الْوَحْيِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا «فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ» يُرِيدُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ لِيُعَاتِبَهَا فِيمَا ذُكِرَ لَهُ عَنْهَا أَوْ لِيَعْلَمَ عُذْرَهَا فِي ذَلِكَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِهَا وَلَمْ تَمْنَعْ هَذِهِ الْحَالَةُ دُخُولَ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ تُرِيدُ أَنَّهُ لَامَهَا وَبَالَغَ فِي لَوْمِهَا وَطَعَنَهَا بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِهَا أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي عَتْبِهَا وَإِظْهَارِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهَا أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيكُهَا سَبَبًا لِإِيقَاظِهِ ﷺ لَمَّا خَافَ مِنْ وَقْتِ فَوَاتِ الصَّلَاةِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ لِيُوقِظَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي تُرِيدُ أَنَّ طَعْنَ أَبِي بَكْرٍ فِي خَاصِرَتِهَا كَانَ يَقْتَضِي تَحْرِيكَهَا لِأَلَمِهِ وَلَكِنْ مَنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ إكْرَامُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَرِفْقُهَا بِهِ وَإِشْفَاقُهَا مِنْ أَنْ تَتَحَرَّكَ فَخِذُهَا فَيَنْقَطِعَ عَلَيْهِ نَوْمُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ» قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَوْمُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِعَدَمِ الْمَاءِ غَيْرَ أَنَّهُ ﷺ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ مِنْ حَالِهِ فِي وَقْتِ نَوْمِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِمُجَرَّدِ النَّوْمِ وَأَمَّا الْوَاحِدُ مِنَّا فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يَكُونُ مِنْهُ حَالَ النَّوْمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِالنَّوْمِ وَالْإِحْدَاثُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يَكُونُ مُعْتَادًا وَلَا يُمْكِنُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ كَالنَّوْمِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَهَذَا يَجُوزُ فِعْلُهُ لِلْمُتَوَضِّئِ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ وَضَرْبٌ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَالْجِمَاعِ وَالْمُلَامَسَةِ وَمَسِّ الذَّكَرِ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ فِيمَا يَقْرُبُ وَيَطْرَأُ مِنْ الْمَشَقَّةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] قَالَ أُسَيْدَ بْنُ حُضَيْرٍ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ يُرِيدُ أَنَّ بَرَكَتَكُمْ كَانَتْ مُتَوَالِيَةً عَلَى الصَّحَابَةِ مُتَكَرِّرَةً وَكَانُوا سَبَبًا لِكُلِّ مَا لَهُمْ فِيهِ رِفْقٌ وَمَصْلَحَةٌ. (ش) : قَوْلُهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَصْلُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ يَرْفَعُ الْحَدَثَيْنِ جَمِيعًا وَدَلِيلُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَنَّهُ مَعْنًى لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَلَمْ يَرْفَعْهُ مَعَ عَدَمِهِ كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَإِنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِهِ مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ وَعِبَادَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ فَأَمَّا الْعِبَادَةُ الْمُؤَقَّتَةُ فَإِنَّهَا لَا تُسْتَبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا مَعَ ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: عَدَمُ الْمَاءِ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ. وَالثَّانِي: طَلَبُ الْمَاءِ. وَالثَّالِثُ: دُخُولُ وَقْتِ الْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ فَأَمَّا عَدَمُ الْمَاءِ فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِالْوَقْتِ مَعَ التَّمَادِي عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ السَّفَرِ. فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي الْجَرْيِ لِإِدْرَاكِ الْمَاءِ وَلَا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مَشْيِهِ الْمُعْتَادِ وَلَا أَنْ يَعْدِلَ عَنْ طَرِيقِهِ أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِالْعُدُولِ لَهُ إلَى الِاسْتِقَاءِ

стр. 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مِنْ الْعُيُونِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي يُعْدَلُ لَهَا عَنْ الطُّرُقِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ مَا يَشُقُّ عَلَى الْمُسَافِرِ طَلَبُهُ وَالْخُرُوجُ إلَيْهِ وَإِنْ خَرَجَ إلَيْهِ فَاتَهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ حَدًّا وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إذَا لَمْ يَخَفْ فِي نِصْفِ الْمِيلِ إلَّا الْعَنَاءَ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ مُحَمَّدٌ فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ الضَّعِيفُ بِخِلَافِ الْقَوِيِّ. وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي عُدُولِ الْمُسَافِرِ عَنْ طَرِيقِهِ الْمِيلَيْنِ إلَى الْمَاءِ أَرَاهُ كَثِيرًا وَإِنْ كَانَ آمِنًا وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِي سَفَرٍ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَاَلَّذِي يُرَاعَى مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ أَنْ يَجِدَ مِنْهُ مَا يَكْفِي لِطَهَارَتِهِ وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ الْكِفَايَةِ تَيَمَّمَ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ مَا وَجَدَ مِنْهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَسْتَعْمِلُ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ مَائِعٌ وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا لَوْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا. ١ - (فَرْعٌ) وَأَمَّا عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَأَنْ يَجِدَ الْمَاءَ وَلَكِنَّهُ يَخَافُ مِنْ تَنَاوُلِهِ مَضَرَّةً بِجِسْمِهِ مِنْ تَلَفِ نَفْسِهِ أَوْ تَجَدُّدِ مَرَضِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ حَكَى ذَلِكَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مِثْلَ أَنْ يَخَافَ الصَّحِيحُ نَزْلَةً أَوْ حُمَّى وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَرِيضُ يَخَافُ زِيَادَةَ مَرَضٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إلَّا أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ وَرَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِحْدَاثَ وَهِيَ مُلَامَسَةُ النِّسَاءِ وَالْمَجِيءُ مِنْ الْغَائِطِ فَأَمَرَ بِالْوُضُوءِ إلَّا مَعَ الْمَرَضِ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ نَقَلَ إلَى التَّيَمُّمِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّقَ الْمَرَضُ بِعَدَمِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ بِالسَّفَرِ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِ عَدَمُ الْمَاءِ وَقِلَّتُهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَسْحٌ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحُكْمُ فِيهِ بَيْنَ خَوْفِ الْمَرَضِ وَخَوْفِ التَّلَفِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ طَلَبُ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُرَاعَى فِي الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ الْفَوَائِتِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وَجْهًا آخَرَ أَنْ يَكُونَ طَلَبُ الْمَاءِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَأَنَّ تَيَمُّمَهُ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ طَلَبُ الْمَاءِ لَمَا كَانَ تَيَمُّمًا يَسْتَبِيحُ بِهِ الصَّلَاةَ وَلَكِنَّهُ لَمَّا صَحَّ تَيَمُّمُهُ بِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ طَلَبِ الْمَاءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَيَكُونُ تَحْدِيدُ الْخِلَافِ فِي هَذَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ طَلَبُ الْمَاءِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ فَلَمْ تَجِدُوا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ طَلَبِ الْمَاءِ وَقَدْ شُرِطَ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا بَدَلٌ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ مُبْدَلِهِ فَلَا يُجْزِي فِعْلُهُ إلَّا مَعَ تَيَقُّنِ عَدَمِ مُبْدَلِهِ كَالصَّوْمِ مَعَ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْ فَرْضٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتَيْهِمَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ دُخُولِ الْوَقْتِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ وَلَوَجَبَ طَلَبُ الْمَاءِ لِكُلِّ تَيَمُّمٍ فَإِنْ فَعَلَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ وَقْتَيْ الصَّلَاةِ اشْتِرَاكٌ أَعَادَ الثَّانِيَةَ أَبَدًا وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكٌ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ الثَّانِيَةَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ يُعِيدُ الثَّانِيَةَ أَبَدًا وَهُوَ الَّذِي يُنَاظِرُ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي

стр. 110

(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ أَيَؤُمُّ أَصْحَابَهُ وَهُمْ عَلَى وُضُوءٍ فَقَالَ يَؤُمُّهُمْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا) . (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَيَمَّمَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَاءً فَقَامَ وَكَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَطَلَعَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ قَالَ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ بَلْ يُتِمُّهَا بِالتَّيَمُّمِ وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الصَّلَوَاتِ) . ــ [المنتقى] صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ صَلَّى نَوَافِلَ مُتَّصِلَةً بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى فَرِيضَةً ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا نَافِلَةً أَوْ نَوَافِلَ وَاتَّصَلَ ذَلِكَ بِالْفَرِيضَةِ وَلَوْ صَلَّى نَافِلَةً ثُمَّ صَلَّى بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ الْفَرِيضَةَ فَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَسْتَأْنِفُ التَّيَمُّمَ لِلْفَرِيضَةِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ خَفَّفَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ طَلَبَ الْمَاءِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُ الْمَاءِ فِيهَا أَوْ سُؤَالُ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُهُ عِنْدَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ وَأَمَّا الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَتَطَلَّبُ بِغَلَبَةِ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ فَهُوَ دُخُولُ الْوَقْتِ وَهَذَا مُرَاعًى فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] وَهَذَا يُفِيدُ أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ فِي وَقْتِ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ هَذَا مُسْتَغْنٍ عَنْ التَّيَمُّمِ فَلَمْ يُجْزِهِ التَّيَمُّمُ كَالْوَاجِدِ لِلْمَاءِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَؤُمَّ الْمُتَوَضِّئِينَ مُتَوَضِّئٌ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ حَالُهُ مُسَاوِيًا لِحَالِ مَنْ خَلْفَهُ وَأَفْضَلَ مِنْهَا وَالتَّيَمُّمُ غَيْرُ لَاحِقٍ بِفَضِيلَةِ الْمُتَوَضِّئِ فَلَا يَؤُمُّهُ وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ يَؤُمُّهُمْ الْمُتَيَمِّمُ لِأَنَّ مُتَسَاوِيَةٌ بِحَالِ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمَاءِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا يُرِيدُ أَنَّ الْأَفْضَلَ مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّ إمَامَتَهُ لَهُمْ مِمَّا لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ وَإِنْ مَنَعَتْ فَضِيلَتَهَا. وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ لَهُمْ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ تَصِحُّ بِهَا الصَّلَاةُ فَصَحَّتْ بِهَا إمَامَتُهُ الْمُتَوَضِّئِينَ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ وَذَلِكَ أَنَّ تَيَمُّمَ الْوَاجِدِ لِلْمَاءِ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: إحْدَاهَا: أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَجِدَهُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ وَقَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَجِدَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَإِنْ وَجَدَهُ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالَهُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ حَدِيثُ «أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ بَقِيَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا بَدَلٌ مِنْ مُبْدَلٍ يُرَادُ لِغَيْرِهِ فَإِذَا وُجِدَ الْمُبْدَلُ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْمَقْصُودِ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ كَوُجُودِ النَّصِّ قَبْلَ إنْفَاذِ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لَهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّلَاةِ وَقَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّلَاةِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ وَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَتَوَضَّأُ وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ مُتَعَبَّدٍ بِهَا بِتَيَمُّمٍ مَأْمُورٍ بِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ الْخُرُوجُ عَنْهَا بِطُلُوعِ الْمَاءِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ. ١ - (فَصْلٌ) : فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ طَاوُسٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَإِعَادَةُ الصَّلَاةِ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ
следующие страницы →