Полный текст (2 236 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
(ص) : (قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ النَّفْلِ هَلْ يَكُونُ فِي أَوَّلِ مَغْنَمٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مُوَثَّقٌ إلَّا اجْتِهَادَ السُّلْطَانِ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَّلَ فِي مَغَازِيهِ كُلِّهَا وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ نَفَّلَ فِي بَعْضِهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ مَغْنَمٍ وَفِيمَا بَعْدَهُ) .
ــ
[المنتقى]
مُعَرَّضٌ لِمِثْلِ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلْيُعْطَ مِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ فَهُوَ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ لَا يَفْضُلُ فِيهِ أَحَدٌ لِغَنَاءٍ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ أَحَدٌ لِقِلَّةِ غَنَاءٍ وَهُوَ أَحَبُّ الْأَقْوَالِ إلَى مَالِكٍ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ غَيْرِ الْخُمُسِ وَلَا يُخَمِّسُ وَإِنَّمَا يُخْرِجُ أَوَّلًا الْأَنْفَالَ لِلْقَاتِلِينَ ثُمَّ يُخَمِّسُ الْبَاقِيَ وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الْآخَرِ أَنَّ الْآخَرَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ وَأَنَّهُ مِمَّا يُحِبُّهُ وَلِهَذَا عَلَيْهِ مَزِيَّةٌ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إنَّ هَذَا أَوْلَى بِأَنْ يُؤْخَذَ بِهِ كَمَا يُقَالُ إقَامَةُ الْحُقُوقِ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِهَا.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ النَّفْلِ هَلْ يَكُونُ فِي أَوَّلِ مَغْنَمٍ؟ مَعْنَاهُ أَنْ يُنَفِّلَ قَوْمًا يَخُصُّهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِأَمْرٍ يَنْفَرِدُونَ بِهِ مِنْ سَرِيَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِثْلُ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً وَيُنَفِّلَهَا الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهَا لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ حَكَمَ لَهَا بِهِ الْإِمَامُ وَحُكْمُهُ نَافِذٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَلَوْ غَنِمَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ ثُمَّ لَقِيَهَا عَسْكَرٌ آخَرُ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْرَجَهُ الْخَلِيفَةُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ ضَعِيفَةً عَنْ النُّفُوذِ بِمَا غَنِمَتْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ الْعَسْكَرِ الَّذِي انْفَصَلَتْ عَنْهُ عَوْنٌ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَسْكَرَ الثَّانِيَ يُشْرِكُهُمْ فِي النَّفْلِ وَالْغَنِيمَةِ فَمَا صَارَ لِلسَّرِيَّةِ مِنْ نَفْلٍ أَخَذَتْهُ وَمَا صَارَ لَهَا مِنْ مَغْنَمٍ ضُمَّ إلَى مَا يَأْتِي بِهِ الْعَسْكَرُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمَغَانِمِ وَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ قَوِيَّةً عَلَى التَّخَلُّصِ لَمْ يُشْرِكْهُمْ الْعَسْكَرُ الثَّانِي فِي نَفْلٍ وَلَا سَهْمٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَنْفَذَ الْأَمِيرُ سَرِيَّةً عَلَى أَنَّ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ نَفْلٌ لَهُمْ فَلَمَّا فُصِلَتْ أَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَغْنَمُوا وَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَغْنَمُوا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مَعْرُوفٌ يُرِيدُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَعُودُ لِمَنَافِعِهِمْ وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مَعْرُوفٌ يُرِيدُ مُؤَقَّتًا يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّ مَا كَانَ مَصْرُوفًا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ يَفْعَلُهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ وَيَتْرُكُهُ إذَا تَرَكَهُ وَمَا حُدَّ بِالشَّرْعِ لَيْسَ لَهُ النَّظَرُ فِيهِ وَلِذَلِكَ مَا كَانَ الْخُمُسُ مِنْ الْمَغْنَمِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُؤَقَّتًا لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ بِاجْتِهَادِهِ وَلَمَّا كَانَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ أَحَدًا لِغَنَائِهِ وَلَا يُنْقِصُ مِنْ حَظِّهِ لِضَعْفِهِ لِرَأْيٍ يَرَاهُ وَلَا لِمَصْلَحَةٍ يَعْتَقِدُهَا وَأَمَّا النَّفَلُ فَلَهُ الزِّيَادَةُ فِيهِ وَالنَّقْصُ مِنْهُ فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَّلَ فِي مُغَازِيَةِ كُلِّهَا يَقْتَضِي نَفْيَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرْوَى عَنْ أَحَدٍ مِنْ الثِّقَاتِ أَنَّهُ نَفَّلَ فِي مَغَازِيهِ وَالثَّانِي أَنْ يُرْوَى عَنْ ثِقَةٍ أَنَّهُ نَفَّلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَيَوْمَ كَذَا حَتَّى يَسْتَوْعِبَ ذَلِكَ مَغَازِيَهُ وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْوَجْهَيْنِ وَإِنَّمَا أَثْبَتَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ فِي بَعْضِهَا وَهُوَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ غَيْرُ لَازِمٍ بِالشَّرْعِ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَيَأْذَنُ فِيهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ دُونَ بَعْضٍ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ لَازِمًا فِي كُلِّ غَزْوَةٍ لَحَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَائِرِ مَغَازِيهِ كَمَا حَكَمَ بِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَلَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ فِي غَيْرِهَا وَلَوْ حَكَمَ بِهِ لَبَلَغَنَا كَمَا بَلَغَ حُكْمُهُ بِذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ لِمَا كَانَ يَرَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ فِي غَيْرِهِ لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي تَرْكِ الْحُكْمِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
стр. 877
الْقَسْمُ لِلْخَيْلِ فِي الْغَزْوِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَقُولُ: لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ ذَلِكَ) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ حَضَرَ بِأَفْرَاسٍ كَثِيرَةٍ فَهَلْ يُقْسَمُ لَهَا كُلِّهَا؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ بِذَلِكَ وَلَكِنْ لَا أَرَى أَنْ يُقْسَمَ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَيْهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ مَغْنَمٍ وَفِيمَا بَعْدَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ يَرَى الْإِمَامُ وَجْهَ الصَّوَابِ فِي أَنْ يَأْمُرَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْمَغْنَمِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْ يُنَفِّلَ السَّرِيَّةَ فَيُعْطِيَهَا ثُلُثَ مَا يَغْنَمُهُ أَوْ رُبْعَهُ تَخْتَصُّ بِهِ دُونَ الْجَيْشِ لِمَا يَرَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ لِلسَّرِيَّةِ وَالْجَيْشِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدْ يَرَى الصَّوَابَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ فِي آخِرِ الْمَغْنَمِ عَلَى حَسْبِ مَا فَعَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْمَغْنَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْقَسْمُ لِلْخَيْلِ فِي الْغَزْوِ]
(ش) : يُرِيدُ لِلْفَرَسِ سَهْمٌ يَخُصُّهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْفَرَسِ خَاصَّةً سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ الَّذِي يَرْكَبُهُ سَهْمٌ كَالرَّاجِلِ الْمُفْرَدِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلْفَرَسِ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ وَاحِدٌ فَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إنَّ الْفَرَسَ لَمَّا كَانَتْ مُؤْنَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مُؤْنَةِ فَارِسِهِ وَغَنَاؤُهُ أَكْثَرَ مِنْ غَنَاءِ الْفَارِسِ زِيدَ فِي الْقَسْمِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ الرَّهِيصِ يُدَرَّبُ بِهِ كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الْمَرِيضُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي سَهْمِهِ فَقَالَ مَالِكٌ يُسْهَمُ لَهُ وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: لَا يُسْهَمُ لَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَلَى حَالَةٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَيُتَرَقَّبُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَاَلَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ الْخَفِيفُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ الْآنَ فَأَشْبَهَ الْكَسِيرَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْكَسِيرُ يُدَرَّبُ كَذَلِكَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ وَلَوْ أَصَابَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِدْرَابِ لَا سَهْمَ لَهُ قَالَهُ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى حَالَةٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ وَلَا يُتَرَقَّبُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَقَوْلُهُ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ إذَا أَصَابَهُ بَعْدَ أَنْ أُدْرِبَ لَيْسَ بِمُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ وَإِنَّمَا مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْهَمُ لَهُ إذَا أَصَابَهُ بَعْدَ حُضُورِ الْقِتَالِ بِهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ يَنْحُو إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ حَضَرَ بِأَفْرَاسٍ كَثِيرَةٍ فَكَانَ مِمَّنْ يُسْهَمُ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ مِنْهَا إلَّا مَعَ فَرَسٍ وَاحِدٍ وَلَا يُسْهَمُ لِسَائِرِهَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْهَمُ لِفَرَسٍ يَرْكَبُهُ فَارِسٌ وَأَمَّا فَرَسٌ لَا يَرْكَبُهُ أَحَدٌ وَلَا يُقَاتَلُ عَلَيْهِ فَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَهَذَا الْفَارِسُ إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ عِدَّةُ أَفْرَاسٍ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ فَارِسَ فَرَسَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسْهَمَ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَ الْفَرَسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَسَهْمَاهُ لِلَّذِي حَضَرَ بِهِ الْقِتَالَ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ رَكِبَهُ فِي أَكْثَرِ طَرِيقِهِ وَعَلَيْهِ لِلْآخَرِ أُجْرَتُهُ وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ الْقِتَالَ جَمِيعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِقْدَارِ مَا حَضَرَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْإِجَارَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ حُضُورُ الْقِتَالِ فَكَانَ أَحَقُّهُمَا بِسَهْمَيْ الْفَرَسِ مَنْ حَضَرَ عَلَيْهِ الْقِتَالَ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْأُجْرَةِ كَاَلَّذِي يَعْمَلُ عَلَى الدَّابَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ فَإِنَّ لَهُ مَا أَصَابَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ كِرَاءِ الدَّابَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ.
стр. 878
لَا أَرَى الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ إلَّا مِنْ الْخَيْلِ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ فِي كِتَابِهِ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَقَالَ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَا أَرَى الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ مِنْ الْخَيْلِ إذَا أَجَازَهَا الْوَالِي وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: وَسُئِلَ عَنْ الْبَرَاذِينِ هَلْ فِيهَا مِنْ صَدَقَةٍ فَقَالَ: وَهَلْ فِي الْخَيْلِ مِنْ صَدَقَةٍ)
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ مِنْ الْخَيْلِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْبَرَاذِينُ هِيَ الْعِظَامُ يُرِيدُ الْجَافِيَةَ الْخِلْقَةُ الْغَلِيظَةَ الْأَعْضَاءُ وَلَيْسَتْ الْعِرَابُ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا أَضْمَرُ وَأَرَقُّ أَعْضَاءً وَأَحْلَى خِلْقَةً وَأَمَّا الْهُجُنُ فَهِيَ الَّتِي أَبُوهَا عَرَبِيٌّ وَأُمُّهَا مِنْ الْبَرَاذِينِ فَهِيَ مِنْ الْهُجُنِ وَذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ فِي قَوْلِهِ هَذَا إلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْمَ الْخَيْلِ وَاقِعٌ عَلَى جَمِيعِهَا وَإِنْ افْتَرَقَتْ فِي أَنْوَاعِهَا فَمِنْهَا الْعِرَابُ وَمِنْهَا الْهُجُنُ وَالْمَعْنَى أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا مِنْ الْخَيْلِ أَيْ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْمُ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُهَا وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إذَا أَمْلَقُوا جَمَعُوا أَزْوَادَهُمْ وَتَسَاوَوْا فِيهَا فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ فِي النَّسَبِ وَلَا أَنَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ خُلُقَهُمْ فِي الْمُسَاوَاةِ أَقْرَبُ الْأَخْلَاقِ إلَى خُلُقِهِ الْكَرِيمِ الْعَظِيمِ ﷺ وَاسْتِدْلَالُ مَالِكٍ بِالْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ اسْمَ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُ الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَوْعَبَ ذِكْرَ الْحَيَوَانِ الْمُشَارِ إلَى رُكُوبِهِ وَالْحِمْلِ عَلَيْهِ لِيُعَدِّدَ نِعَمَهُ عَلَيْنَا بِذِكْرِ الْأَنْعَامِ وَمَا نَحْمِلُ عَلَيْهِ مِنْهَا ثُمَّ ذَكَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَوْعَبَ هَذَا الْجِنْسَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْهُجُنَ وَلَا الْبَرَاذِينَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] الْآيَةُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ بِالْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ الْهُجُنَ وَالْبَرَاذِينَ مِنْ الْخَيْلِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ثَبَتَ أَنَّ الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ مِمَّا سَمَّى اللَّهُ لِأَنَّهَا مِمَّا قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ تُرْبَطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِيُذْهَبَ بِهَا إلَى الْعَدُوِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَنَا أَرَى أَنَّ الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ مِنْ الْخَيْلِ إذَا أَجَازَهَا الْوَالِي يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهَا إنْ سُهِمَ لَهَا كَحُكْمِ الْخَيْلِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَشْبَهَتْ الْخَيْلَ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهَا وَالطَّلَبِ بِهَا أُسْهِمَ لَهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمَقْصُودَ مِنْ الْخَيْلِ الْكَرُّ وَالْفَرُّ عَلَيْهَا وَالطَّلَبُ بِهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ ابْنُ حَبِيبٍ إجَازَةَ الْوَالِي لَهَا وَإِنَّمَا اشْتَرَطَهُ مَالِكٌ لِئَلَّا يَكُونَ مِنْ التَّخَلُّقِ وَالدَّنَاءَةِ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا وَلَا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهَا فَمِثْلُ هَذَا يَجِبُ أَنْ لَا يُجِيزَهُ الْوَالِي وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا عَيْبٌ لَا يُقَاتَلُ عَلَى مِثْلِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَذَلِكَ عِنْدِي إلَى الْعَيْبِ إذَا كَانَ الْعَيْبُ أَمْرًا ثَانِيًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا مِنْهُ وَأَمَّا مَا يُرْجَى بُرْؤُهَا مِنْهُ بِالْقُرْبِ كَالرَّهِيصِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ السَّهْمَ قَالَ سَحْنُونٌ وَإِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِفَرَسٍ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَيْهِ مِنْ كِبَرٍ أَوْ مِمَّنْ صَعُبَ لَا يُرْكَبُ فَهُوَ رَاجِلٌ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيزَهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَمْرَ الْخَيْلِ فَيُمَيِّزَ مِنْهَا مَا يَجِبُ إجَازَتُهُ وَيَرُدَّ مِنْهَا مَا يَجِبُ رَدُّهُ مِمَّا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنَاثُ الْخَيْلِ بِمَنْزِلَةِ ذُكُورِهَا يُسْهَمُ لَهَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ عَلَيْهَا مِنْ الْقِتَالِ وَالطَّلَبِ مَا يُمْكِنُ عَلَى ذُكُورِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُسْهَمَ لَهَا كَمَا يُسْهَمُ لِلذُّكُورِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا صِغَارُ الْخَيْلِ لَا مَرْكَبَ فِيهَا وَلَا حِمْلَ فَلَا يُسْهَمُ لَهَا فَإِنْ كَانَ فِيهِ الْقُوَّةُ عَلَى ذَلِكَ أُسْهِمَ لَهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُقَاتَلُ عَلَى مِثْلِهِ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي فِرَارٍ وَلَا طَلَبٍ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ كَالْكَثِيرِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَلَوْ دَخَلَ بِفَرَسٍ صَغِيرٍ فَبَقِيَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ حَتَّى كَبِرَ وَصَارَ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ فَلَهُ مِنْ يَوْمَئِذٍ سَهْمُ فَرَسٍ دُونَ مَا قَبْلَ ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَلَغَ مِنْ الصِّبْيَانِ بِأَرْضِ
стр. 879
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْجِعْرَانَةِ سَأَلَهُ النَّاسُ حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ حَتَّى نَزَعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنْ الْأَرْضِ وَبَرَةً مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ)
ــ
[المنتقى]
الْعَدُوِّ فَلَا سَهْمَ لَهُ إلَّا فِيمَا غَنِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا رَاكِبُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ أَوْ الْبِرْذَوْنِ الَّذِي لَا يُجِيزُهُ الْوَالِي فَإِنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ وَلَا يُرْضَخُ لَهُ.
(فَصْلٌ) :
قَالَ: وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسُئِلَ عَنْ الْبَرَاذِينِ هَلْ فِيهَا مِنْ صَدَقَةٍ فَقَالَ: وَهَلْ فِي الْخَيْلِ مِنْ صَدَقَةٍ يُرِيدُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ لَمَّا سُئِلَ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ فَأَجَابَ بِنَفْيِ الصَّدَقَةِ عَنْ الْخَيْلِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَرَاذِينَ عِنْدَهُ مِنْ الْخَيْلِ وَإِلَّا كَانَ مُجِيبًا عَنْ غَيْرِ مَا سُئِلَ عَنْهُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْبَرَاذِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْلِ وَاسْمُ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُهَا وَلِذَلِكَ فُهِمَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ نَفْيُ الزَّكَاةِ عَنْ الْبَرَاذِينِ بِنَفْيِهَا عَنْ الْخَيْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ] ١
(مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ غُلُولًا لِأَنَّ مَنْ أَخَذَهُ كَانَ يَغُلُّهُ فِي مَتَاعِهِ أَيْ يُدْخِلُهُ فِي أَضْعَافِهِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَاءُ الْجَارِي مِنْ الشَّجَرِ غُلَلًا وَقَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ فِي الْمَغْنَمِ غَلَّ يَغُلُّ وَغَلَّ يَغِلُّ إذَا خَانَ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْجِعْرَانَةِ سَأَلَهُ النَّاسُ حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ حَتَّى نَزَعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنْ الْأَرْضِ وَبَرَةً مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ) .
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ يُرِيدُ حَيْثُ أَصَابَ هَوَازِنَ فَأَظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ فَصَدَرَ يُرِيدُ الْجِعْرَانَةِ وَهِيَ طَرِيقُهُ إلَى مَكَّةَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ مِنْهَا وَحُنَيْنٌ يَقْرَبُ مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَسَأَلَهُ النَّاسُ قَسْمَ تِلْكَ الْغَنَائِمِ وَضَايَقُوهُ فِي طَرِيقِهِ لِإِلْحَاحِهِمْ عَلَيْهِ بِالْمَسْأَلَةِ حَتَّى أَلْجَؤُهُ إلَى سَمُرَةَ فَدَنَتْ نَاقَتُهُ مِنْهَا فَعَلِقَتْ بِرِدَائِهِ وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي يُلْقِيهِ عَلَى ظَهْرِهِ فَنَزَعَهُ عَنْ ظَهْرِهِ.
(فَصْلٌ) :
«وَقَوْلُهُ ﷺ رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي» يُرِيدُ ثَوْبَهُ الَّذِي انْتَزَعَتْهُ السُّمْرَةُ مِنْهُ أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يُرِيدُ الْإِنْكَارَ لِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ إيَّاهُ لِأَنَّ ذَلِكَ سُؤَالُ مَنْ يَخَافُ أَنْ يُمْنَعَ حَقُّهُ وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ سَيُعْطَاهُ وَيَسْتَوْفِيهِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ فَيَسْتَغْنِي عَنْ الْإِلْحَاحِ لِمَا عَلِمَ مِنْ حَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ سَيُعْطِي مَنْ لَهُ سَهْمٌ سَهْمَهُ وَيُعْطِي مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ الْخُمُسِ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَتِلْكَ قِسْمَةٌ أُخْرَى فِي الْخُمُسِ تَتَنَاوَلُ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ وَمَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ» قَسَمُهُ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ لِفِعْلِهِمْ وَكَثْرَةِ إلْحَاحِهِمْ عَلَيْهِ بِالسُّؤَالِ فِيمَا قَدْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ حَتَّى أَنَّهُمْ قَدْ اعْتَقَدُوا فِيهِ الْمَنْعَ وَهَذَا مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ فُقَهَاءُ الصَّحَابَةِ وَلَا فُضَلَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ أَوْ مِمَّنْ قَرُبَ إسْلَامُهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الْفِقْهُ بَعْدُ فِي نَفْسِهِ وَلَا عَرَفَ أَنَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ تَفْرِيقَهُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْغَانِمِينَ وَرَدَّ الْخُمُسِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَأَقْسَمَ ﷺ لَوْ كَانَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْكَثْرَةِ
стр. 880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَمَا مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ.
(فَصْلٌ) :
«وَقَوْلُهُ ﷺ ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا» يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَهُنَا ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ إنِّي أَقْسِمُ عَلَيْكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا تَجِدُونِي بَخِيلًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا تَجِدُونِي جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ عَلَى بَابِهَا فِي التَّرْتِيبِ وَالْمُهْلَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنِّي أَقْسِمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَعْدَ هَذَا بَخِيلًا بِمَا يَكُونُ لِي مَنْعُهُ وَصَرْفُهُ إلَى سِوَاكُمْ وَلَا كَذَّابًا وَلَا جَبَانًا وَخَصَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِنَفْيِهَا عَنْ نَفْسِهِ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: لِأَنَّ وُجُودَ أَضْدَادِهَا مِنْ الْجُودِ وَالصِّدْقِ وَالشَّجَاعَةِ مِنْ صِفَاتِ الْإِمَامِ فَنَفَى ﷺ عَنْ نَفْسِهِ النَّقَائِصَ الَّتِي لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ فِي الْإِمَامِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا مَنْ كَانَتْ فِيهِ وَعَلَى هَذَا مَا قَالَهُ عُمَرُ: إنَّ صِفَاتِ الْإِمَامِ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَهِيَ إحْدَى عَشَرَةَ صِفَةً فَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ أَضْدَادَ جَمِيعِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ إنَّمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ هَذِهِ الثَّلَاثَ الْخِلَالَ لِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا سَأَلُوهُ مَا أَفَاءَ اللَّهُ مِنْ الْغَنَائِمِ وَالْمَالِ فَأَقْسَمَ أَنَّهُ يَقْسِمُ جَمِيعَهَا بَيْنَهُمْ وَلَا يَجِدُوهُ بَخِيلًا وَلَا كَذَّابًا فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ قِسْمَتِهَا وَلَا جَبَانًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَنْ عَدُوٍّ يَظْهَرُ فِي اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَغْنَمَ مِثْلَ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ وَأَكْثَرَ مِنْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ جَبَانًا عَنْ السَّائِلِينَ لَهُ وَأَنَّ قِسْمَتَهُ الْفَيْءَ عَلَيْهِمْ لَا يَفْعَلُهُ عَنْ جُبْنٍ وَضَعْفٍ عَنْ مَنْعِهِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ وَتَفَضُّلًا عَلَى أُمَّتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ يُرِيدُ لَمَّا نَزَلَ مِنْ مَرْكَبِهِ وَلَعَلَّ نُزُولَهُ كَانَ بِالْجِعْرَانَةِ لِقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَكَانَتْ الْجِعْرَانَةِ إذْ ذَاكَ دَارَ حَرْبٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قِسْمَةَ الْغَنِيمَةِ إنَّمَا تَكُونُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْسَمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الْحَرْبِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْخَائِطُ وَالْمِخْيَطُ فَإِنَّ الْخَائِطَ وَاحِدُ الْخُيُوطِ وَالْمِخْيَطَ الْإِبْرَةُ وَمَنْ رَوَاهُ الْخِيَاطَ فَقَدْ يَكُونُ الْخِيَاطُ الْخُيُوطَ وَيَكُونُ الْإِبْرَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وَمَعْنَى ذَلِكَ الْأَمْرُ بِأَدَاءِ الْقَلِيلِ التَّافِهِ وَإِذَا وَجَبَ رَدُّ الْقَلِيلِ فَبِأَنْ يَجِبَ رَدُّ الْكَثِيرِ الَّذِي لَهُ الْقَدْرُ وَالْقِيمَةُ أَوْلَى وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَمَنْ أَدَّى الْقِنْطَارَ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّينَارَ وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الدِّينَارَ فَهُوَ أَبْعَدُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْقِنْطَارَ فَإِذَا وَجَبَ أَدَاءُ الْخَيْطِ وَالْإِبْرَةِ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَبِأَنْ يَجِبَ أَدَاءُ الثَّوْبِ وَالْعَيْنِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَسَّعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَا لَا ثَمَنَ لَهُ مِثْلُ الْخِرْقَةِ يُرْقَعُ بِهَا أَوْ الْخَيْطِ يَخِيطُ بِهِ أَوْ مِسَلَّةٍ أَوْ إبْرَةٍ فَقَالَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ وَقَالَهُ أَصْبُغُ وَقَالَ: لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ: وَاَلَّذِي يَرُدُّ الْخَيْطَ وَالْكُبَّةَ وَمِثْلَهُ مِمَّا ثَمَنُهُ دَانِقٌ وَشَبَهُهُ أَخَافُ أَنْ يُرَائِيَ بِذَلِكَ وَلَيْسَ يَضِيقُ عَلَى النَّاسِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا كَانَ ثَمَنُهُ دِرْهَمًا وَنَحْوَهُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا يَبِيعَهُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ لَا عَلَى مَعْنَى إنَّمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ خَيْطٍ مِنْ وَبَرٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ نَقْلُهُ وَرَدُّهُ إلَى الْغَنَائِمِ وَهَذَا كَمَا قَالَ ﷺ : مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذَا ثُمَّ تَنَاوَلَ وَبَرَةً مِنْ الْأَرْضِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَمَنْ أَخَذَهُ مِنْ بَعِيرِ غَيْرِهِ أَذًى فَلَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْغُلُولُ السَّرِقَةُ مِنْ الْمَغْنَمِ فَمَنْ خَانَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَدْ غَلَّ وَأَمَّا الشَّنَارُ فَهُوَ بِمَعْنَى الْعَيْبِ وَالْعَارِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الشَّنَارُ الْعَيْبُ
стр. 881
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ قَالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَأَنَّهُمْ ذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: فَفَتَحْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزَاتٍ مِنْ خَرَزِ يَهُودٍ مَا يُسَاوِينَ دِرْهَمَيْنِ» ) .
ــ
[المنتقى]
وَالْعَارُ وَأَنْشَدَ لِلْقَطَامِيِّ
وَنَحْنُ رَعِيَّةٌ وَهُمْ رُعَاةٌ ... وَلَوْلَا رَعْيُهُمْ شَنَعَ الشَّنَارُ
فَأَمَرَ ﷺ بِأَدَاءِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْ الْمَغْنَمِ فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَهُوَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنْ الْأَرْضِ وَبَرَةً مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا يُرِيدُ مَا هُوَ غَايَةٌ فِي النِّذَارَةِ وَالْقِلَّةِ وَالْقَذَرِ ثُمَّ قَالَ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ يُرِيدُ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لَهُمْ لَا حَقّ لَهُ ﷺ فِيهِ وَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُ الْخُمُسِ فَهُوَ لَهُ بِمَعْنَى التَّصَرُّفِ وَالِاجْتِهَادِ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِمْ وَلِذَلِكَ قَالَ: وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ يُرِيدُ ذَلِكَ الْخُمُسَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ يُوصَفُ بِالْخُمُسِ يَنْفَرِدُ بِحُكْمٍ غَيْرَ الْخُمُسِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخُمُسَ إنَّمَا يَصْرِفُهُ الْإِمَامُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى مِنْ اجْتِهَادِهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ مُعَيَّنٌ لِأَحَدٍ.
(ش) : قَوْلُهُ تُوُفِّيَ رَجُلٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَذَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ يَوْمَ خَيْبَرَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِثْبَاتُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: فَوَجَدْنَا خَرَزَاتٍ مِنْ خَرَزِ يَهُودٍ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَهُودٌ يُؤْخَذُ خَرَزُهُمْ وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إذْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَذَكَرُوا وَفَاتَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِكَيْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَجَاءَ بَرَكَةِ صَلَاتِهِ وَدُعَائِهِ ﷺ وَقَوْلُهُ ﷺ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ امْتِنَاعًا مِمَّا قَصَدُوهُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا عَلَى مَنْ لَا تُرْضَى حَالُهُ وَأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ أَحْدَثَ حَدَثًا يَمْنَعُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إمَّا بِخَبَرِهِ بِذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ أَوْ بِوَحْيٍ إلَيْهِ وَهَذِهِ سُنَّةٌ فِي امْتِنَاعِ الْأَئِمَّةِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ عَلَى وَجْهِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِمْ وَأَمْرُ غَيْرِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ حُكْمَ الْإِيمَانِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْهُ بِمَا أَحْدَثُوهُ مِنْ مَعْصِيَةٍ وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْنٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى عَلَى مَنْ غَلَّ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْإِمَامِ وَالثَّانِي أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ صَلَّى وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَأَنَّ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الِامْتِنَاعِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ غَلَّ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ وَأَنَّ لِمَنْ رَأَى الصَّلَاةَ فِي وَقْتٍ تَكُونُ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ أَنْ يُصَلِّيَ وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ: إنِّي خُيِّرْت فَاخْتَرْت.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وُجُوهَ الْمُؤْمِنِينَ لِامْتِنَاعِهِ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ ذَنْبًا انْفَرَدَ بِهِ فَخَافُوا أَنْ يَكُونَ مَا مَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَمْرًا يَشْمَلُهُمْ فَيَهْلِكُونَ بِذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَبِيلَةً وَطَائِفَةً تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ لِمَا يَخُصُّهُمْ مِنْ أَمْرِهِ وَلَمَّا خَافُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَعْنًى شَائِعٍ فِيهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ غَلَّ عَلَى وَجْهِ التَّبْيِينِ لِلْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَفِي ذَلِكَ زَجْرٌ عَنْ الْغُلُولِ وَإِذْهَابٌ لِمَا فِي نَفْسِ مَنْ لَمْ يَغُلَّ وَأَمَانٌ لَهُ مِنْ امْتِنَاعِهِ ﷺ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَلَمَّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ فَتَحُوا مَتَاعَهُ لِيَنْظُرُوا هَلْ يَجِدُوا مِمَّا غَلَّ فِيهِ فَيَرُدُّوهُ إلَى الْغَنَائِمِ
стр. 882
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ الْكِنَانِيِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى النَّاسَ فِي قَبَائِلِهِمْ يَدْعُو لَهُمْ وَأَنَّهُ تَرَكَ قَبِيلَةً مِنْ الْقَبَائِلِ قَالَ: وَإِنَّ الْقَبِيلَةَ وَجَدُوا فِي بَرْذَعَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ عِقْدَ جَزْعٍ غُلُولًا فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ كَمَا يُكَبِّرُ عَلَى الْمَيِّتِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ سَالِمٍ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ عَنْ
ــ
[المنتقى]
وَلَعَلَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُ فَوَجَدُوا خَرَزَاتٍ مِنْ خَرَزِ يَهُودٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهَا مِنْ الْغَنَائِمِ لِأَنَّهُمْ انْفَصِلُوا عَنْ غَنَائِمِ الْيَهُودِ بِخَيْبَرَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِثْلُ هَذَا مِنْ الْمَتَاعِ لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يُحْمَلُ فِيهِ الْخَرَزُ لِزِينَةٍ وَلَا لِبَيْعٍ فَعَلِمُوا بِذَلِكَ أَنَّهَا غُلٌّ مِنْ الْغَنَائِمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَرَفَ ذَلِكَ مَنْ رَآهَا مِنْ دُورِ الْيَهُودِ فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَدَّاهَا فَلَمَّا وَجَدَهَا فِي مَتَاعِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَرَفَهَا وَوَصَفَهَا بِذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْإِعْلَامِ بِجِنْسِهَا وَقِلَّةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا كَمَا أَخْبَرَ بِقِيمَتِهَا لِيُعْلِمَ بِتَفَاهَةِ قِيمَتِهَا وَأَنَّ أَخْذَ هَذَا الْمِقْدَارِ عَلَى تَفَاهَتِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَاةِ الْأَئِمَّةِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَرَضِيَهُ وَاسْتَأْثَرَ بِهِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى النَّاسَ فِي قَبَائِلِهِمْ يَدْعُو لَهُمْ يُرِيدُ أَنَّ الْقَبَائِلَ تَتَحَيَّزُ فِي نُزُولِهَا تَنْزِلُ كُلُّ قَبِيلَةٍ فِي جِهَةٍ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ فِي قَبَائِلِهِمْ يُرِيدُ فِي مَوَاضِعِهِمْ الَّتِي تَحَيَّزُوا فِيهَا بِالْقَبَائِلِ يَدْعُو لَهُمْ يُرِيدُ أَنَّ إتْيَانَهُ الْقَبِيلَةَ إنَّمَا كَانَ لِلدُّعَاءِ اسْتِئْلَافًا لِلْمُسْلِمِينَ وَإِحْسَانًا إلَيْهِمْ وَإِرَادَةً أَنْ تَعُمَّهُمْ بَرَكَةُ دُعَائِهِ ﷺ عَلَى وَجْهِ التَّخْصِيصِ بِهِ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ وَتَرْكُهُ ﷺ قَبِيلَةً مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ لَمْ يَأْتِهِمْ وَلَا دَعَا لَهُمْ تَنْبِيهًا عَلَى فِعْلٍ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ بِعَيْنِهِ بِالْوَحْيِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ثَمَّ مَعْنًى يَجِبُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَجْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّ الْقَبِيلَةَ وَجَدُوا فِي بَرْذَعَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ عِقْدَ جَزْعٍ غُلُولًا وَالْجَزْعُ حِجَارَةٌ يُتَّخَذُ مِنْهَا أَمْثَالُ الْخَرَزِ فَتُنَظَّمُ فِيهِ الْقَلَائِدُ وَالْعُقُودُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَدْ غَلَّ ذَلِكَ الْعِقْدَ وَصَيَّرَهُ فِي بَرْذَعَتِهِ وَهِيَ الْفِرَاشُ الْمُبَطَّنُ فَلَمَّا عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَدَعْ الْإِتْيَانَ إلَيْهِمْ وَالدُّعَاءَ لَهُمْ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ لِسَائِرِ الْقَبَائِلِ إلَّا لِحَدَثٍ فِيهِمْ كَشَفُوا عَنْ ذَلِكَ الْحَدَثِ وَفَتَّشُوا مَتَاعَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا عِنْدَهُمْ الْغُلُولَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ كَمَا يُكَبِّرُ عَلَى الْمَيِّتِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الزَّجْرِ عَنْ مِثْلِ مَا وَجَدَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْغُلُولِ وَلَعَلَّهُ ﷺ قَدْ أَشَارَ بِتَكْبِيرِهِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعًا كَمَا يُكَبِّرُ عَلَى الْمَيِّتِ إلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ الْمَوْتَى الَّذِينَ لَا يَسْمَعُونَ الْوَعْظَ وَلَا يَمْتَثِلُونَ الْأَوَامِرَ وَلَا يَجْتَنِبُونَ النَّوَاهِيَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ قَدْ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتَى الَّذِينَ انْقَطَعَ عَمَلُهُمْ وَذَلِكَ أَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَا يُقْضَى لَهُ بِتَوْبَةٍ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْلَامِ بِسُوءِ مَصِيرِهِ كَمَا قَالَ ﷺ لِلرَّجُلِ الْمُسَمَّى قَزْمَانَ وَقَدْ بَلَى فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ بَلَاءً عَظِيمًا فَقَالَ: إنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَكَانَتْ خَاتِمَتُهُ أَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ فَيَكُونُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ غَلَّ خَاصَّةً وَتَمَادَى عَلَى كِتْمَانِ مَا غَلَّهُ وَسَتَرَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ إذَا امْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ إتْيَانِ قَبِيلَتِهِ وَالدُّعَاءِ لَهَا وَلَا صَرَفَهُ عَنْ سُوءِ مُعْتَقَدِهِ فِي الْإِصْرَارِ عَلَى الْغُلُولِ حَتَّى فَتَّشَ مَتَاعَهُ وَوَجَدَ الْغُلُولَ عِنْدَهُ وَلَعَلَّ مُعْتَقَدَهُ فِي الْإِيمَانِ كَانَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَكَانَ تَكْبِيرُ النَّبِيِّ ﷺ كَتَكْبِيرِهِ عَلَى الْمَيِّتِ إعْلَامًا بِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَالْمُعْتَقَدِ وَأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ لَهُ بِتَوْبَةٍ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْعِصْمَةَ بِرَحْمَتِهِ.
стр. 883
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا إلَّا الْأَمْوَالَ الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ قَالَ: فَأَهْدَى رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ فَتَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى وَادِي الْقُرَى حَتَّى إذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى بَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جَاءَهُ سَهْمٌ غَائِرٌ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَلًّا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ ذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» )
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ عَامَ حُنَيْنٍ كَذَا قَالَ عَنْ مَالِكٍ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبِيُّ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ عَامَ خَيْبَرَ وَقَوْلُهُ فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرَقًا إلَّا الْأَمْوَالَ الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْوَالِ الثِّيَابِ وَالْمَتَاعِ دُونَ الْوَرَقِ وَالذَّهَبِ وَيُقَالُ: إنَّهَا لُغَةُ دَوْسٍ وَالْأَظْهَرُ مِنْ لُغَةِ سَائِرِ الْعَرَبِ أَنَّ الْمَالَ كُلُّ مَا تُمُوِّلَ وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَوْلُهُ إلَّا الْأَمْوَالَ الْمَتَاعَ وَالثِّيَابَ اسْتِثْنَاءً مِنْ غَيْرِ جِنْسٍ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْأَمْوَالَ الَّتِي هِيَ الْمَتَاعُ وَالثِّيَابُ مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْوَرَقُ وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْمَالِ وَاقِعًا عَلَى الْوَرَقِ وَالذَّهَبِ وَالثِّيَابِ وَالْمَتَاعِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرَقًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَغْنَمْ مِنْ الْمَالِ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إلَّا الْأَمْوَالَ الَّتِي هِيَ الثِّيَابُ وَالْمَتَاعُ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً مِنْ الْجِنْسِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَهْدَى رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ مِنْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: وَلِذَلِكَ قَبِلَ هَدِيَّةَ الْمُقَوْقِسِ أَمِيرِ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّة وَهَدِيَّةَ أُكَيْدِرِ دُومَة وَلَمْ يَقْبَلْ هَدِيَّةَ عِيَاضٍ الْمُجَاشِعِيِّ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: إنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَلَى الصَّدَقَةِ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ هَلْ يُهْدَى لَهُ» وَهَذَا التَّأْوِيلُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَذَلِكَ أَنَّ قَبُولَهُ لِهَدِيَّةِ مُشْرِكٍ لَيْسَ فِي طَاعَتِهِ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهُ لَا يَخْلُو مِنْ إحْدَى حَالَتَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ الْمُهْدِي فِي حَالِ مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ فَأَهْدَى إلَى الْخَلِيفَةِ أَوْ الْأَمِيرِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَهَا وَهِيَ لَهُ خَاصَّةً وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَهُ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُكَافِئُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنْ كَانَ الرُّومُ فِي ضَعْفٍ وَالْمُسْلِمُونَ مُشْرِفُونَ عَلَيْهِمْ فَقَصَدُوا بِذَلِكَ تَوْهِينَ عَزْمِهِمْ فَهَذِهِ رِشْوَةٌ لَا يَحِلُّ قَبُولُهَا وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْهُ قَالَ: وَهُوَ بِخِلَافِ أَنْ يُهْدَى الْعِلْجُ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَدِيَّةً تَكُونُ لَهُ خَاصَّةً زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ: إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ يُهْدَى لِلْأَمِيرِ لِغَيْرِ سَبَبِ الْجَيْشِ لِمَوَدَّةِ قَرَابَةٍ وَمُكَافَأَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِخَاصَّتِهِ فَذَلِكَ لَهُ وَأَمَّا رَدُّهُ ﷺ لِهَدِيَّةِ عِيَاضٍ الْمُجَاشِعِيِّ وَقَوْلُهُ إنَّا لَا نَقْبَلُ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ فَيُحْتَمَلُ إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ وَأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ إبْطَالَ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا إنْكَارُهُ ﷺ عَلَى ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ قَوْلَهُ هَذَا أُهْدِيَ لِي فَإِنَّهُ كَانَ عَامِلًا وَهَذِهِ رِشْوَةٌ لِأَنَّ عَامِلَ الصَّدَقَةِ لَا يُهْدَى إلَيْهِ إلَّا لِيَتْرُكَ لِلْمُهْدِي حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِ أَوْ يَكُفَّ عَنْهُ ظُلْمَهُ وَإِذَايَتَهُ وَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ رِشْوَةٍ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّهُ يَقْبَلُهَا الْأَمِيرُ وَتَكُونُ لِأَهْلِ الْجَيْشِ قَالَ: وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ فِي هَدِيَّةِ الْمُقَوْقِسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ الِاخْتِصَاصَ بِهَا دُونَ
стр. 884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قَبُولِهَا وَهَذَا وَجْهٌ يُحْتَمَلُ وَأَمَّا رَدُّهَا فَلَيْسَ بِقَوْلٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ بَيِّنٌ فِي التَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ كَانَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَتَمَيَّزُ لَهُ وَلَا يُورَثُ عَنْهُ وَإِنَّمَا كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ اسْتَعْمَلَهُ الْأَمِيرُ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَجَازَ لَهُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُهْدِي يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ حُكْمِ الْمُهْدَى إلَيْهِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ وَأَشْهَبُ: لَا تُقْبَلُ هَدِيَّتُهُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَدِيَّتَهُ إلَيْهِ إنَّمَا تَكُونُ لِدَفْعِ مَظْلِمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهَا أَوْ تَرْكِ حَقٍّ لَا يَحِلُّ لَهُ تَرْكُهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي السَّرِيَّةِ يَبْعَثُهَا الْوَالِي فَيَرْجِعُونَ بِالْفَوَاكِهِ فَيَهْدُونَ إلَيْهِ مِثْلَ قُفَّةِ عِنَبٍ أَوْ تِينٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَتَرْكُهُ أَمْثَلُ لِأَنَّا نَكْرَهُ لَهُ قَبُولَ مِثْلِ هَذَا الْغَزْوِ وَوَجْهُ إبَاحَةِ ذَلِكَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُهْدَى إلَّا لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَعَدَمِ وُجُودِهِ مَعَ تَفَاهَةِ قِيمَتِهِ هُنَاكَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ حَتَّى إذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى بَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَعْنَى الِاسْتِخْدَامِ بِالْعَبْدِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ الْأَعْمَالِ لَا سِيَّمَا لِمَنْ يَجِبُ أَنْ يُفَرِّغَ نَفْسَهُ لِلنَّظَرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَمَكَانِ نُزُولِهِمْ وَتَحَفُّظِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَتَحَصُّنِهِمْ مِمَّا يُتَّقَى عَلَيْهِمْ مِنْهُ فِي بَلَدِ الْحَرْبِ وَمَكَانِ الْقِتَالِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ جَاءَهُ سَهْمٌ غَائِرٌ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ السَّهْمُ الْغَائِرُ الَّذِي لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي غَيْرِ قِتَالٍ وَإِنَّمَا رُمِيَ بِهِ مِنْ قَصْدِ الْجُمْلَةِ وَلَمْ يَقْصِدْ مُقَاتِلًا بِرَمْيَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ عَلَى مَا اعْتَقَدُوا مِنْ أَنَّهُ شَهِيدٌ إذْ قُتِلَ فِي خِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ ﷺ : كَلًّا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ أَوْ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا ظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ إنَّهَا تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا لِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ الْمَغَانِمِ بِغَيْرِ قِسْمَةٍ وَلَا حَقٍّ وَإِنَّمَا أَخَذَهَا غُلُولًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهَا غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا لِلُبْسِهِ فَلِذَلِكَ اشْتَعَلَتْ عَلَيْهِ نَارًا أَوْ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إلَيْهَا ثُمَّ أَمْسَكَهَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَمَا احْتَاجَ إلَيْهِ فِي السَّرِيَّةِ مِنْ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ أَوْ دَابَّةٍ يَرْكَبُهَا أَوْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا عَلَفًا فَذَلِكَ إذَا كَانَ إذَا بَلَغَ الْعَسْكَرَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ جَعَلَهُ فِي الْمَقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُنْتَفَعُ بِدَابَّةٍ وَلَا سِلَاحٍ وَلَا ثَوْبٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ رَدَّهُ فِي الْمَغْنَمِ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يَبِيعُ ذَلِكَ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَلَزِمَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ لِتَعُمَّ مَنْفَعَتُهُ الْمُسْلِمِينَ بِسَدِّ فَاقَةِ فَقِيرٍ مِنْ فُقَرَائِهِمْ أَوْ مِرْفَقٍ لِجَمَاعَةِ فُقَرَائِهِمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يُعَاقَبُ بِالْمَعَاصِي مِمَّنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَاقِبَهُ إلَّا أَنَّ الْإِيمَانَ سَيَعُودُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْجَنَّةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْغُلُولِ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَوْ فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْكُفْرِ لَمَا رَدَّ مُؤْمِنٌ مَا عِنْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ إيمَانِهِ وَلَمَا خَافَ الْمُؤْمِنُونَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَمَا رَدُّوهُ مِنْ الشِّرَاكِ شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ عُلِمَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَمْنَعُ ذَلِكَ تَفَضُّلُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعَفْوِ عَنْ الْعَاصِي وَإِنَّمَا الَّذِي يَمْنَعُ مِنْهُ الْإِيمَانُ بِفَضْلِ اللَّهِ الْخُلُودَ فِي النَّارِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ غَلَّ مِثْلَ هَذَا فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّارِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاكُ وَالشِّرَاكَانِ لَهُمَا الْقِيمَةُ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ الدَّرَاهِمَ فَمِثْلُ هَذَا لَا يَحِلُّ أَخْذُهُ.
стр. 885
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إلَّا أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبُ وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ قَطُّ إلَّا كَثُرَ فِيهِمْ الْمَوْتُ وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلَّا قُطِعَ عَنْهُمْ الرِّزْقُ وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ الْحَقِّ إلَّا فَشَا فِيهِمْ الدَّمُ وَلَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْعَدُوَّ) .
ــ
[المنتقى]
عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ نَافِعٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ وَيَجُوزُ أَخْذُهُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَعَدَمِ وُجُودِهِ لِلشِّرَاءِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ رَدُّهُ عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَمَنْ أَخَذَ مِثْلَ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ وَهْبٍ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ أَوْ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ ثُمَّ تَابَ فَجَاءَ تَائِبًا بِهِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَا نَكَالَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ الَّتِي تَمْنَعُ التَّعْزِيرَ وَإِنَّمَا تُثْبِتُ الْحُدُودَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) فَإِنْ تَفَرَّقَ الْجَيْشُ تَصَدَّقَ عَنْهُمْ قَالَهُ مَالِكٌ: وَقَالَ اللَّيْثُ إنْ تَفَرَّقَ الْجَيْشُ جَعَلَ خُمُسَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَتَصَدَّقَ بِمَا بَقِيَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيَتَصَدَّقُ بِمِثْلِهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَأَنْكَرَ مَالِكٌ أَنْ يُحْرَقَ رَحْلُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُحْرَقُ مَتَاعُهُ كُلُّهُ إلَّا سِلَاحَهُ وَثِيَابَهُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَلَّ فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ» انْفَرَدَ بِهِ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ مَدَنِيٌّ تَرَكَهُ مَالِكٌ وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إلَّا أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَمَّا بَلَغَهُ مِنْ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَصَحَّحَ ذَلِكَ عَنْهَا التَّجْرِبَةُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِتَجْرِبَةٍ قَدْ جَرَّبَهَا النَّاسُ قَبْلَهُ فَصَحَّحَ قَوْلَهُمْ وَمَا زَعَمُوا مِنْ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِتَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِتَوْقِيفٍ لِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الزَّجْرَ وَالرَّدْعَ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ وَالزَّجْرُ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ مِثْلِ هَذَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَوْ نَقَلَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَكَانَ ذِكْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ وَأَتَمَّ فِي الْمَوْعِظَةِ وَأَقْرَبَ مِنْ الْقَبُولِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ أَنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَعَاصِي يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إذَا كَثُرَتْ هَذِهِ الْمَعَاصِي وَأَعْلَنَ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا لَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ .
[الشُّهَدَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ قَسَمُهُ ﷺ عَلَى مَعْنَى التَّحْقِيقِ وَالتَّأْكِيدِ لَا عَلَى مَعْنَى اسْتِفَادَةِ التَّصْدِيقِ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ صِدْقُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فَقَالَ: لَوَدِدْت أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ بِمَعْنَى أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُقَاتِلَ فِيهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لِحَمِيَّةٍ وَلَا لِظُهُورِ مُكَافَأَةٍ وَلَا لِاسْتِجْلَابِ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَيُقْتَلُ فِي ذَلِكَ وَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ كَانَ إذَا ذُكِرَ الْقَوْلُ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا وَقَدْ تَمَنَّى النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الدَّرَجَةَ وَتَكَرُّرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَحْيَا فِي الدُّنْيَا بَعْدَ مَوْتِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ ثَوَابِ الشَّهَادَةِ وَاسْتِسْهَالِ الْقَتْلِ وَأَلَمِ الْجِرَاحِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِمَا عَلِمَ مِنْ تَعْظِيمِ ثَوَابِ الشَّهِيدِ وَتَمَنِّي الثَّوَابِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ جَائِزٌ وَإِنْ تَمَنَّى الْمُكَلَّفُ مِنْهُ مَا لَا يُطِيقُهُ وَلَا
стр. 886
الشُّهَدَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ ثَلَاثًا أَشْهَدُ بِاَللَّهِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُقَاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَتْلِي بِيَدِ رَجُلٍ صَلَّى لَك سَجْدَةً وَاحِدَةً يُحَاجُّنِي بِهَا عِنْدَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
ــ
[المنتقى]
سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ تَمَنِّي خَيْرٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ يُقَرِّبُ مِنْ اللَّهِ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ يَضْحَكُ اللَّهُ إلَى رَجُلَيْنِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمَا وَيَتَلَقَّاهُمَا مِنْ الثَّوَابِ وَالْإِنْعَامِ وَالْإِكْرَامِ بِمَا يَتَلَقَّى بِهِ الضَّاحِكُ الْمَسْرُورُ لِمَنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يَضْحَكُ مَلَائِكَتُهُ وَخَزَنَةُ جَنَّتِهِ أَوْ حَمَلَةُ عَرْشِهِ إلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ عَلَى مَعْنَى التَّبْشِيرِ لَهُمَا وَالْإِعْلَامِ لَهُمَا بِمَا يَقْدَمَانِ عَلَيْهِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ إلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَذَلِكَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا غَيْرُ مَعْهُودٍ لِأَنَّ قَتْلَ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ عَلَى مَعْنَى الْمُخَالَفَةِ فِي الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي بِمُسْتَقِرِّ الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْمُحِقُّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَنْ يَكُونَ الثَّانِي وَهُوَ الْمُبْطِلُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَهَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمَا يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ وَلَعَلَّهُمَا يَكُونَانِ مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا فَيَتُوبُ مِنْ كُفْرِهِ بِالْإِيمَانِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ جَمِيعُ مَا فَعَلَهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧] فَإِنْ كَانَتْ التَّوْبَةُ بِالْإِيمَانِ تُسْقِطُ الْقَتْلَ لِلْمُسْلِمِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا قَاتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاسْتُشْهِدَ دَخَلَ الْجَنَّةَ مَعَ الَّذِي قَتَلَهُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ لَا يُجْرَحُ وَالْكُلُومُ الْجِرَاحُ ثُمَّ قَالَ ﷺ : وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَيْسَ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ مَنْ كَانَ يُقَاتِلُ فِي حَيِّزِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مِمَّنْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ وَيُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي حَيِّزِ الْمُسْلِمِينَ وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ لِيَرَى مَكَانَهُ وَيُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَتُكْلَمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِمَّنْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ لَوْنَ ذَلِكَ الدَّمِ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحَهُ رِيحُ الْمِسْكِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَتِهِ وَعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وَمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ.
(ش) : فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ هَذَا فَقَالَ: يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ حُجَّةٌ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ إمَّا بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا عَلِمَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ جُرِحَ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ جُرْحِهِ ذَلِكَ فَكَرَّرَ قَوْلَهُ ذَلِكَ حَنَقًا عَلَى مَنْ قَتَلَهُ وَإِشْفَاقًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ سَجَدُوا لِلَّهِ سَجْدَةً فَيَكُونُ لَهُمْ بِهَا حُجَّةٌ تَمْنَعُ مِنْ خُلُودِهِمْ فِي النَّارِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَهَا إشْفَاقًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصِيبَهُ مُؤْمِنٌ فَيُعَذَّبُ بِقَتْلِهِ لِعُمَرَ ﵁ وَيُحَاجُّ عُمَرُ فِي الْمَوْقِفِ بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ سَجَدَ لِلَّهِ تَعَالَى فَتَكُونُ حُجَّتُهُ بِالْإِيمَانِ تَمْنَعُ عُمَرَ مِنْ الْحِرْصِ عَلَى تَعْذِيبِهِ بِالنَّارِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَوَلَّى قَتْلَهُ وَأَذَاهُ بِأَلَمِ
стр. 887
(ص) : «مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قَتَلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَنُودِيَ لَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ قُلْت؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ إلَّا الدَّيْنَ كَانَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ» .
ــ
[المنتقى]
الْجِرَاحِ الَّتِي أَدَّتْهُ إلَى الْمَوْتِ.
(ش) : قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنْ قَتَلْت صَابِرًا مُحْتَسِبًا يُرِيدُ صَابِرًا عَلَى أَلَمِ الْجُرْحِ وَكَرَاهِيَةِ الْمَوْتِ وَمُحْتَسِبًا لِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُقْبِلًا عَلَى الْمَوْتِ وَقِتَالِ الْعَدُوِّ غَيْرَ مُدْبِرٍ يُرِيدُ غَيْرَ فَارٍّ وَلَا مُتَحَرِّفٍ وَذَلِكَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ أَيَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ عَنِّي مَا اكْتَسَبْت مِنْ الْخَطَايَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ يُرِيدُ أَنَّ الْقِتَالَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُكَفِّرُ خَطَايَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ يُرِيدُ وَلَّى عَنْهُ رَاجِعًا وَمُسْتَوْعِبًا لِجَوَابِهِ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَنُودِيَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَ أَنْ يُعِيدَهُ عَلَيْهِ مُبَالَغَةً فِي تَفَهُّمِ سُؤَالِ السَّائِلِ وَتَحْقِيقًا لِسُؤَالِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَوْعَبَ كَلَامَهُ أَوَّلًا ثُمَّ جَاوَبَهُ عَنْهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ سُؤَالِهِ لَفْظًا لَمْ يُجَاوِبْ عَنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ إذْ أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ السُّؤَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ اللَّفْظَ كُلَّهُ غَيْرَ أَنَّهُ بَانَ لَهُ بَعْدَ أَنْ جَاوَبَهُ أَنَّ سُؤَالَهُ يَحْتَمِلُ وَجْهًا غَيْرَ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الَّذِي حَمَلَهُ سَائِغًا فِيهِ وَالْأَظْهَرَ مِنْهُ فَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ السُّؤَالِ لِيَتَحَقَّقَ احْتِمَالَهُ لَمَّا اعْتَقَدَ احْتِمَالَهُ لَهُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَزِيدَ فِي سُؤَالِهِ إذَا أَعَادَهُ شَيْئًا يُؤَكِّدُ عِنْدَهُ مَا ظَهَرَ إلَيْهِ مِنْ احْتِمَالِهِ أَوْ يَنْفِيهِ عَنْهُ وَقَوْلُهُ فَلَمَّا أَعَادَ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ أَعَادَهُ عَلَيْهِ مِثْلَهُ مُطَابِقًا لِمَعْنَاهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعَادَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ وَإِنْ كَانَ قَدْ زَادَ أَوْ نَقَصَ غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ إلَّا الدَّيْنَ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ يُرِيدُ إلَّا الدَّيْنَ فَإِنَّهُ مِنْ الْخَطَايَا الَّتِي لَا يُكَفِّرُهَا الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تُكَفِّرُهَا الْحَسَنَاتُ وَهَذَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ وَقَدْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَمْتَنِعُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُتْرَكْ لَهُ قَضَاءٌ وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لِئَلَّا يَتَسَرَّعَ النَّاسُ فِي أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا رِفْقٍ فِي إنْفَاقٍ ثُمَّ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُتْرَكُ لَهُ قَضَاءٌ فَيَذْهَبُ بِأَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا رِفْقٍ فِي إنْفَاقٍ ثُمَّ «لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﷺ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِهَذَا السَّائِلِ إلَّا الدَّيْنَ إذْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ تَرَكَ دَيْنًا لَا أَدَاءَ لَهُ فَيَكُونُ عَلَى عُمُومِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا الدَّيْنَ لِمَنْ أَخَذَهُ يُرِيدُ إتْلَافَ أَمْوَالِ النَّاسِ وَيَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ وَيُنْفِقُهُ فِي سَرَفٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فَهَذَا حُكْمُهُ بَاقٍ فِي الْمَنْعِ وَمَا ثَبَتَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ قَضَى دَيْنَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ اخْتَصَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهَذَا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﷺ لِلسَّائِلِ إلَّا الدَّيْنَ فَاسْتَثْنَى الدَّيْنَ بَعْدَ أَنْ قَالَ: نَعَمْ وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ أَوَّلًا اقْتَضَى الْجَوَابَ عَلَى الْعُمُومِ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ وَسُؤَالُهُ آخِرًا اقْتَضَى الِاسْتِثْنَاءَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ وَاحِدًا غَيْرَ أَنَّهُ جَاوَبَ أَوَّلًا بِلَفْظٍ عَامٍّ أَوْ أَمَرَ أَنْ
стр. 888
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ: هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إخْوَانَهُمْ أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَلَى وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ بَكَى ثُمَّ قَالَ: أَئِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَك» ) .
ــ
[المنتقى]
يُجَاوَبَ بِهِ لِيَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ أَوْ تَخْصِيصُهُ بِالدَّلِيلِ ثُمَّ أَعْلَمَهُ جِبْرِيلُ ﷺ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعَجَّلَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَفُوتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ السَّائِلُ إنَّمَا سَأَلَ لِيَسْتَبِيحَ الْأَخْذَ بِالدَّيْنِ وَلَا يَنْظُرُ فِي الْقَضَاءِ فَإِنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ يُكَفِّرُ عَنْهُ مَا اكْتَسَبَهُ مِنْ أَخْذِهِ دَيْنًا لَمْ يَنْوِ قَضَاءَهُ فَيَتَعَجَّلْ عِنْدَ خُرُوجِهِ وَيَأْخُذْ الدَّيْنَ فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِأَنْ يُعْلِمَهُ بِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ مِمَّا يُكَفِّرُهُ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ اعْتَقَدَ حَمْلَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ إمَّا لِاجْتِهَادِهِ أَوْ لِلَفْظٍ عَامٍّ وَرَدَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَأُوحِيَ إلَيْهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ ﵇ بِتَخْصِيصِ الدَّيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْهَدَ عَلَى ظَاهِرِ أُمُورِهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ وَإِقَامِ الْعِبَادَاتِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِدَامَةِ ذَلِكَ إلَى أَنْ قُتِلُوا فِي مُجَاهَدَةِ عَدُوِّهِمْ وَأَنَّ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ بَقِيَ بَعْدَهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى اسْتِدَامَتِهِمْ لِذَلِكَ إلَى مَوْتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِمَا يُحْدِثُونَ بَعْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ شَهِدَ عَلَى ظَاهِرِهِمْ بِمَا رَآهُ وَعَلَى بَاطِنِهِمْ بِمَا أُعْلِمَ بِهِ وَأُوحِيَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ مُنَافِقٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَلَمْ يُنَجِّهِ مِنْ النَّارِ قِتَالُهُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ قَزْمَانُ حَيْثُ أُعْلِمَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَاطِنِهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مَعَ غَنَائِهِ وَانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِجِهَادِهِ وَاجْتِهَادِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ إلَّا مَعَ الْإِيمَانِ وَالنِّيَّةُ السَّالِمَةُ أَنْ يَكُونَ جِهَادُهُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَعَلَى هَذَا لَمْ يَشْهَدْ لِمَنْ يَبْقَى بَعْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِاسْتِدَامَتِهِمْ لِلظَّاهِرِ الصَّالِحِ وَلَمْ يَطَّلِعْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ خَتَمُوا عَمَلَهُمْ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى وَقَوْلُهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ قُتِلَ فِي غَيْرِ أُحُدٍ وَلَا قَالَهُ لِمَنْ مَاتَ فِي زَمَنِهِ غَيْرَ مَقْتُولٍ فَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ يَثْبُتُ لِمَنْ اسْتَصْحَبَ لِظَاهِرِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ إلَى أَنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَقَالَ: مَنْ مَاتَ فِي حَيَاتِي فَأَنَا أَشْهَدُ لَهُمْ وَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ أَهْلَ أُحُدٍ فَقَالَ هَؤُلَاءِ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ فَدَلَّ تَخْصِيصُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ اخْتَصُّوا بِأَمْرٍ وَظَاهِرُهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِبَاطِنِهِمْ وَبِتَقَبُّلِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِلْمِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِمْ أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا عَلَى وَجْهِ الْإِشْفَاقِ لِمَا رَأَى مِنْ تَخْصِيصِهِمْ بِحُكْمٍ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ حَظُّهُ مِنْهُ وَافِرًا وَأَنْ يَكُونَ حَظُّ جَمِيعِ مَنْ شَرِكَهُ فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ثَابِتًا فَقَالَ: إنَّ عَمَلَنَا كَعَمَلِهِمْ فِي الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ وَالْجِهَادِ الَّذِي هُوَ آخِرُ عَمَلِهِمْ فَهَلْ تَكُونُ شَهِيدًا لَنَا كَمَا أَنْتَ شَهِيدًا لَهُمْ فَقَالَ ﷺ : بَلَى وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي قَالَ قَوْمٌ: إنَّ الْخِطَابَ وَإِنْ كَانَ مُتَوَجِّهًا إلَى أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ ﷺ بِمَا آلَ حَالُهُ وَعَمَلُهُ وَمَا يَمُوتُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَدْ أُعْلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ شَهِيدٌ لَهُ بِذَلِكَ لِظَاهِرِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ وَلِمَا قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ وَأُعْلِمَ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ وَاعْتَرَضَ بِلَفْظٍ عَامٍّ وَلَمْ يَخُضَّ نَفْسَهُ بِالسُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ كَانَ الْجَوَابُ عَامًّا وَقَدْ بَيَّنَ تَخْصِيصَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُحْدِثُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا مِمَّا يُحْبِطُ عَمَلَهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَتَأَخَّرَ عَنْ هَذَا الْحَالِ مِنْ تَفْضِيلِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ وَإِخْبَارِهِ بِمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْخَيْرِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ وَكَرِيمِ الْمَآبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وَجْهًا آخَرَ
стр. 889
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ فَاطَّلَعَ رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ: بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِئْسَ مَا قُلْت فَقَالَ الرَّجُلُ إنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا أَرَدْت الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا مِثْلَ لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ مِنْ الْأَرْضِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَعْنِي الْمَدِينَةَ» ) .
ــ
[المنتقى]
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَنَا شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ بِمَا شَاهَدْت مِنْ عَمَلِهِمْ فِي الْجِهَادِ الَّذِي أَدَّى إلَى قَتْلِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ شَهِيدٌ لِمَنْ حَضَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَقَاتَلَ وَسَلِمَ مِنْ الْقَتْلِ كَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَأَبِي طَلْحَةَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَبْلَى ذَلِكَ الْيَوْمَ وَمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ قُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَكِنَّهُ خَصَّ هَذَا الْحُكْمَ بِمَنْ شَاهَدَ النَّبِيُّ ﷺ جِهَادَهُ إلَى أَنْ قُتِلَ وَيَكُونُ عَلَى هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ بَلَى وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي لَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَدَثَ الْمُضَادَّ لِلشَّرِيعَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الْمُوَافِقَةِ لِلشَّرِيعَةِ وَالْمُخَالِفَةِ لَهَا فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا تَعْلَمُونَهُ بَعْدِي لَا أُشَاهِدُهُ فَلَا أَشْهَدُ لَكُمْ بِهِ وَإِنْ عَلِمْت أَنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَمُوتُ عَلَى مَا يُرْضِي اللَّهَ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تُعَيَّنْ لِي فَيُقَالُ لِي: إنَّهُ يُجَاهَدُ فِي مَوْطِنِ كَذَا وَأَنَّ الْوَاحِدَ مِنْكُمْ يَقْتُلُ زَيْدًا أَوْ يَقْتُلُهُ عُمَرُ وَكَمَا شَاهَدْت مِنْ حَالِ هَؤُلَاءِ فَلِذَلِكَ لَا أَكُونُ شَهِيدًا لَكُمْ بِنَفْسِ الْأَعْمَالِ وَتَفْصِيلِهَا كَمَا أَشْهَدُ عَلَى تَفْصِيلِ عَمَلِ هَؤُلَاءِ وَإِنْ شَهِدْت لِبَعْضِكُمْ بِجُمْلَةِ الْعَمَلِ بِالْوَحْيِ وَإِعْلَامِ اللَّهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي مُتَوَجِّهًا إلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ بَكَى ثُمَّ قَالَ: أَئِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَك يُرِيدُ أَنَّهُ أَطَالَ الْبُكَاءَ وَكَرَّرَهُ وَأَظْهَرَ مَعْنَى بُكَائِهِ بِقَوْلِهِ أَئِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَك كَأَنَّهُ لِلْإِشْفَاقِ مِنْ الْبَقَاءِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَالِانْفِرَادِ دُونَهُ وَفَقْدِ بَرَكَتِهِ وَنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى أُمَّتِهِ بِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ فَهِمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ بَلَى وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي أَنَّهُ لَا يَخَافُ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ حَدَثٌ يُضَادُّ الشَّرِيعَةَ وَيُخَالِفُ بِهِ مِنْ أَجْلِهِ عَنْ سَبِيلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّ بُكَاءَهُ لِذَلِكَ كَانَ أَوْلَى لَهُ وَكَانَ حُكْمُهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ أَإِنَّا لَمُحْدِثُونَ بَعْدَك حَدَثًا يَصُدُّ عَنْ سَبِيلِك وَنُخَالِفُ بِهِ طَرِيقَتَك وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَلَا بَكَى مِنْ أَجْلِهِ وَإِنَّمَا بَكَى مِنْ أَجْلِ فِرَاقِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَبَقَائِهِ بَعْدَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ ذَلِكَ لِمُوَاصَلَةِ مَنْ كَانَ الْقَبْرُ يُحْفَرُ بِسَبَبِهِ أَوْ لِفَضْلِ الْمَقْبُورِ فِيهِ وَدِينِهِ وَقُرْبِ مَحَلِّهِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لِلِاتِّعَاظِ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَلَسَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَصَادَفَ حَفْرَ الْقَبْرِ وَقَوْلَ الْمُطَّلِعِ فِي الْقَبْرِ بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ وَيَحْتَمِلُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْمَكَانَ وَقَدْ يَتَأَوَّلُهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْهُ فَلَوْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ لَاعْتَقَدَ بَعْضُ السَّامِعِينَ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَقَرَّهُ عَلَى قَوْلِهِ إنَّ الْمَدِينَةَ بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِئْسَ مَا قُلْت يَحْتَمِلُ إمَّا أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ عَيْبَ الْقَبْرِ وَتَفْضِيلَ الشَّهَادَةِ لَكِنَّ اللَّفْظَ لَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ فِي الْقَبْرِ بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّهُ لَهُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَسَبَبٌ إلَى الرَّحْمَةِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَقُولَ إنَّ الشَّهَادَةَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا وَإِذَا كَانَ الْأَمْرَانِ فَاضِلَيْنِ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرِ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ هَذَا أَفْضَلُ مِنْ هَذَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَفْضُولِ بِئْسَ هَذَا الْأَمْرُ وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّانِي فَأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 890
مَا تَكُونُ فِيهِ الشَّهَادَةُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك شَهَادَةً فِي سَبِيلِك وَوَفَاةً بِبَلَدِ رَسُولِك) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ كَرَمُ الْمُؤْمِنِ تَقْوَاهُ وَدِينُهُ حَسَبُهُ وَمُرُوءَتُهُ خُلُقُهُ وَالْجُرْأَةُ وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهَا اللَّهُ حَيْثُ شَاءَ فَالْجَبَانُ يَفِرُّ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَالْجَرِيءُ يُقَاتِلُ عَمَّا لَا يَئُوبُ بِهِ إلَى رَحْلِهِ وَالْقَتْلُ حَتْفٌ مِنْ الْحُتُوفِ وَالشَّهِيدُ مَنْ احْتَسَبَ نَفْسَهُ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ) .
ــ
[المنتقى]
اعْتَقَدَ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ ذَمَّ الدَّفْنِ بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْقَائِلِ إذْ قَالَ لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَرَدْت الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَوْ كَانَ فَهِمَ مِنْهُ هَذَا لَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ لَهُ قَدْ فَهِمْت مُرَادَك وَلَكِنْ هُوَ مَعَ ذَلِكَ خَطَأٌ فَإِنَّك قَدْ جِئْت بِلَفْظٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ عِبْت الْمَفْضُولَ مَعَ فَضْلِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ لَا مِثْلَ لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ أَحْوَالِ الْمَيْتَاتِ وَصِفَاتِ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْقَوْلِ فَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ مِنْ الْأَرْضِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا ظَاهِرُهُ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الْأَرْضِ وَلِذَلِكَ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ بِهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ بِهَا دُونَ مَكَّةَ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِمَعْنَى الْهِجْرَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَلَيْسَ عِنْدِي بِالْبَيِّنِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُعَلَّقْ الْحُكْمُ بِالْبُقْعَةِ وَلَعَلَّقَهُ بِالْهِجْرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا فِي حَالِ الْإِخْبَارِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ فَضَّلَ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى صِفَةٍ لَا يُقْبَرُ فِيهَا وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِمَا عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَالَ قَوْلًا كَرَّرَهُ ثَلَاثًا لَعَلَّهُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْإِفْهَامَ وَالْبَيَانَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا تَكُونُ فِيهِ الشَّهَادَةُ]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك شَهَادَةً فِي سَبِيلِك وَوَفَاةً بِبَلَدِ رَسُولِك دُعَاءٌ مِنْهُ ﵁ بِأَنْ يَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْوَفَاةِ بِبَلَدِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَكُونَ قَبْرُهُ بِهَا وَهَذَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ لِلْمَدِينَةِ عَلَى سَائِرِ بُقَعِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَلَوْ كَانَتْ مَكَّةُ عِنْدَهُ أَفْضَلَ لَتَمَنَّى أَنْ يُقْتَلَ بِهَا مُسَافِرًا أَوْ حَاجًّا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا لِهِجْرَتِهِ وَقَدْ عُلِمَ مَنْ رَأَى عُمَرَ ﵁ تَفْضِيلَ الْمَدِينَةِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ وَأَنَّهُ ﵁ شَهِيدٌ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ قُتِلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ فِي حَرْبٍ وَلَا مُدَافَعَةٍ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ كَرَمُ الْمُؤْمِنِ تَقْوَاهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] يُرِيدُ أَنَّ كَرَمَهُ فِي نَفْسِهِ وَفَضْلَهُ تَقْوَاهُ اللَّهَ تَعَالَى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْكَرِيمُ بْنُ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ» فَوَصَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْكَرَمِ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ التَّقْوَى وَقَوْلُهُ ﵁ وَدِينُهُ حَسَبُهُ يُرِيدُ أَنَّ انْتِسَابَهُ إلَى الدِّينِ هُوَ الشَّرَفُ وَالْحَسَبُ الَّذِي يَخُصُّهُ فَأَمَّا انْتِسَابُهُ إلَى أَبٍ كَافِرٍ عَلَى وَجْهِ الْفَخْرِ بِهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَانْتِسَابُهُ إلَى أَبٍ صَالِحٍ عَلَى أَنَّ لَهُ بِذَلِكَ فَضْلًا لَا بَأْسَ بِهِ غَيْرَ أَنَّ انْتِسَابَهُ إلَى دِينِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ أَتَمُّ فِي الشَّرَفِ وَالْحَسَبِ وَقَوْلُهُ ﵁ وَمُرُوءَتُهُ خُلُقُهُ يُرِيدُ أَنَّ الْمُرُوءَةَ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا النَّاسُ وَيُوصَفُونَ بِأَنَّهُمْ مِنْ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ إنَّمَا هِيَ مَعَانٍ مُخْتَصَّةٌ بِالْأَخْلَاقِ مِنْ الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ وَالْجُودِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالْإِيثَارِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ وَالْجُرْأَةُ وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهَا اللَّهُ حَيْثُ شَاءَ يُرِيدُ أَنَّهَا طَبَائِعُ يَطْبَعُ
стр. 891
الْعَمَلُ فِي غُسْلِ الشُّهَدَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَكَانَ شَهِيدًا يَرْحَمُهُ اللَّهُ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: الشُّهَدَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يُغَسَّلُونَ وَلَا يُصَلَّى عَلَى جَنَائِزِهِمْ وَأَنَّهُمْ يُدْفَنُونَ فِي الثِّيَابِ الَّتِي قُتِلُوا فِيهَا قَالَ مَالِكٌ وَتِلْكَ السُّنَّةُ فِيمَنْ قُتِلَ فِي الْمُعْتَرَكِ فَلَمْ يُدْرَكْ حَتَّى مَاتَ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ حُمِلَ مِنْهُمْ فَعَاشَ مَا شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا عُمِلَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) .
ــ
[المنتقى]
اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا مَنْ شَاءَ وَيَضَعُهَا مِنْ النَّاسِ فِيمَنْ شَاءَ لَا تَخْتَصُّ بِشَرِيفٍ وَلَا وَضِيَعٍ وَلَا مُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ وَلَا بَرٍّ وَلَا فَاجِرٍ فَقَدْ تُوجَدُ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ فَالْجَبَانُ يَفِرُّ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَالْجَرِيءُ يُقَاتِلُ عَمَّنْ لَا يَئُوبُ إلَى رَحْلِهِ عَلَى مَعْنَى التَّفْسِيرِ لِمَعْنَى الْجَرِيءِ وَالْجَبَانِ وَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِالطَّبْعِ الَّذِي طُبِعَ عَلَيْهِ لَا بِاكْتِسَابٍ وَلَا بِتَعَلُّمٍ وَلِذَلِكَ يَفِرُّ الْجَبَانُ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ مَعَ مَحَبَّتِهِ لَهُمَا وَحِرْصِهِ عَلَى حَيَّاتِهِمَا، وَيُقَاتِلُ الْجَرِيءُ عَلَى مَنْ لَا يَئُوبُ إلَى رَحْلِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَمْرُهُ وَلَا يَكَادُ يُشْفِقُ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ وَالْقَتْلُ حَتْفٌ مِنْ الْحُتُوفِ يُرِيدُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمَوْتِ كَالْمَوْتِ مِنْ الْمَرَضِ وَالْمَوْتِ بِالْغَرَقِ وَالْمَوْتِ بِالْهَدْمِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَوْتِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَرْتَاعَ مِنْهُ فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ كُلُّهُ فَظِيعٌ فَهَذَا نَوْعٌ مِنْهُ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَهَابَ هَيْبَةً تُورِثُ الْجُبْنَ، ثُمَّ قَالَ: وَالشَّهِيدُ مَنْ احْتَسَبَ نَفْسَهُ يُرِيدُ مَنْ رَضِيَ بِالْقَتْلِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
[الْعَمَلُ فِي غُسْلِ الشُّهَدَاءِ]
(ش) : قَوْلُهُ (غُسِّلَ وَكُفِّنَ) يُرِيدُ غُسْلَ الْمَيِّتِ الْمَشْرُوعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَالْمُنْتَقَى أَنَّ الشَّهَادَةَ فَضِيلَةٌ تُسْقِطُ فَرْضَ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَاسْتِئْنَافِ كَفَنِهِ وَتُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُغَسَّلُ وَلَكِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِير لَهُ إلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُسْقِطُ فَرْضَ غُسْلِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُسْقِطَ فَرْضَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَصْلُ ذَلِكَ الْخَوْفُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا لِمَنْ خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ غَزَاهُ الْعَدُوُّ فِي قَعْرِ دَارِهِ فَدَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَقُتِلَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَدْفَعْ وَقَتَلَهُ الْعَدُوُّ مِنْ غَيْرِ مُدَافَعَةٍ مِثْلُ أَنْ يَغْلِبُوا عَلَيْهِ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ يُقْتَلَ نَائِمًا أَوْ يُقْتَلَ بَعْدَ الْأَسْرِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ وَأَصْبَغُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهَذِهِ كَانَتْ حَالَ عُمَرَ ﵁ فَإِنَّهُ فِي حَالِ غَفْلَةٍ لَا فِي قِتَالٍ وَلَا فِي مُدَافَعَةٍ وَقَدْ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا مَاتَ الْمَقْتُولُ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي مَوْضِعِ الْقَتْلِ فَأَمَّا مَنْ رُفِعَ مِنْ الْمُعْتَرَكِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا مَا يَكُونُ مِنْهُ فِي غَمْرَةِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ مَاتَ فِي الْمُعْتَرَكِ وَمَنْ أَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَشَرِبَ فَهُوَ كَسَائِرِ الْمَوْتَى يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ إنَّ كُلَّ مَنْ بِهِ جُرْحٌ لَا يُقْتَلُ قَاتِلُهُ إلَّا بِقَسَامَةٍ فَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ يُقْتَلُ قَاتِلُهُ مِنْ غَيْرِ قَسَامَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ
стр. 892
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَحْمِلُ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفِ بَعِيرٍ؛ يَحْمِلُ الرَّجُلَ إلَى الشَّامِ عَلَى بَعِيرٍ وَيَحْمِلُ الرَّجُلَيْنِ إلَى الْعِرَاقِ عَلَى بَعِيرٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَالَ احْمِلْنِي وَسُحَيْمًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْشَدْتُكَ اللَّهَ أَسُحَيْمٌ زِقٌّ؟ قَالَ لَهُ نَعَمْ) .
ــ
[المنتقى]
وَعُمَرُ ﵁ كَانَ قَدْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ فَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قُتِلَ فِي الْمُعْتَرَكِ وَكَانَ يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ أَنْ لَا يُغَسَّلَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يُغَسَّلَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِمَعْنَيَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ مُدَافِعًا، وَالثَّانِي أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَكَلَّمَ وَشَرِبَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ شَهَادَةٌ تُسْقِطُ فَرْضَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ فَإِنَّ الشُّهَدَاءَ كَثِيرٌ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَيُغَسَّلُونَ إلَّا مَنْ ذَكَرْنَاهُ.
[مَا يُكْرَهُ مِنْ الشَّيْءِ يُجْعَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
ِ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَتَابَعَهُ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمُوَطَّإِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الشَّيْءُ الَّذِي جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى وَجْهِ التَّحَيُّلِ وَعَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يُبِيحُهُ عَلَيْهِ مِنْ جَعْلِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي قَالَ لِعُمَرَ احْمِلْنِي وَسُحَيْمًا وَقَالَ ابْنُ بُكَيْر فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الرَّجْعَةِ فِي الشَّيْءِ يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْقَعْنَبِيُّ وَذَكَرَ حَدِيثَ الْفَرَسِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَحْمِلُ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفِ بَعِيرٍ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يَحْمِلُهُ مِمَّنْ يُرِيدُ السَّفَرَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَاحِلَةٍ وَيَعْجِزُ عَنْ السَّفَرِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ إمَّا لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ فَيَعْجِزُ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى أُفُقِهِ وَوَطَنِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا يُحْصَى عَدَدُهَا كَثْرَةً مِمَّا يَضْطَرُّ الْإِنْسَانُ إلَى السَّفَرِ مِنْ أَجْلِهَا فَكَانَ يَحْمِلُ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَحْمِلُ مَنْ يَسْعَى فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ رَاحِلَةٌ لِسَفَرِهِ ذَلِكَ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَتَّخِذُ مِنْ الْإِبِلِ مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَحْمِي لَهَا الْحِمَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَحْمِلُ الرَّجُلَ إلَى الشَّامِ عَلَى بَعِيرٍ وَيَحْمِلُ الرَّجُلَيْنِ إلَى الْعِرَاقِ عَلَى بَعِيرٍ قَالَ الدَّاوُدِيُّ إنَّمَا ذَلِكَ لِيُسْرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ بِالشَّامِ وَحَاجَةِ النَّاسِ إلَى الْغَزْوِ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ لِلْجِهَادِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ طَرِيقَ الْعِرَاقِ كَانَتْ أَسْهَلَ وَأَعْمَرَ وَكَانَ طَرِيقُ الشَّامِ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْعَرَ وَأَشَقَّ وَأَخْلَى مِنْ النَّاسِ فَكَانَ مَنْ انْقَطِعْ بِهِ فِيهَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَوْضِعُ مَقَامٍ أَوْ مَنْ يُعِينُ عَلَى بَلَاغٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الْعِرَاقِيِّ لَهُ احْمِلْنِي وَسُحَيْمًا عَلَى وَجْهِ التَّوْرِيَةِ وَالتَّحَيُّلِ لِيُرِيَهُ أَنَّ لَهُ رَفِيقًا يُسَمَّى سُحَيْمًا فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْبَعِيرَ فَيَأْخُذُهُ الْعِرَاقِيُّ وَيَنْفَرِدُ بِرُكُوبِهِ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَلْمَعِيًّا يُصِيبُ بِظَنِّهِ فَلَا يَكَادُ يُخْطِئُهُ فَسَبَقَ إلَى ظَنِّهِ أَنَّ سُحَيْمًا الَّذِي ذَكَرَ هُوَ الزِّقُّ فَنَاشَدَهُ اللَّهَ لِيُخْبِرَهُ بِالْحَقِّ فَيَعْلَمُ عُمَرُ صِدْقَ ظَنِّهِ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ نَعَمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «قَدْ كَانَ فِيمَنْ مَضَى قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدِّثُونَ فَإِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُرِيدُ ﷺ أَعْلَمَ مَنْ يُلْقَى فِي رَوْعِهِ الشَّيْءُ وَيُلْهَمُ إلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ يُخْبَرُ بِهِ فَلَا يُخْطِئُ ظَنُّهُ» .
стр. 893
التَّرْغِيبُ فِي الْجِهَادِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ذَهَبَ إلَى قُبَاءَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ وَجَلَسَتْ تَفْلِي فِي رَأْسِهِ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ فَقُلْت مَا يُضْحِكُك يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ يَشُكُّ إِسْحَاقُ قَالَتْ فَقُلْت لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ قَالَتْ فَقُلْت لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُك قَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى قَالَتْ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ قَالَ: فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ» ) .
ــ
[المنتقى]
[التَّرْغِيبُ فِي الْجِهَادِ]
(ش) : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ أُمُّ حَرَامٍ كَانَتْ خَالَةُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ يُقِيلُ عِنْدَهَا وَيَنَامُ فِي حِجْرِهَا وَتَفْلِي رَأْسَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ ذُو الْمَحَارِمِ مِمَّنْ يَزُورُهُ مِنْ ذِي رَحِمِهِ وَمَنْ يَكْرُمُ عَلَيْهِ وَيُرِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي مُوَاصَلَتِهِ مِنْ إطْعَامِهِ مِمَّا عِنْدَهُ ثُمَّ إتْبَاعِ ذَلِكَ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْهُ وَإِدْخَالِ الرَّاحَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى مُبَاشَرَةِ شَعْرِهِ وَبَعْضِ جَسَدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا أَطْعَمَتْهُ مِنْ مَالِهَا يَسِيرًا مِنْ كَثِيرٍ فَلِذَلِكَ اسْتَجَازَ أَكْلَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا أَطْعَمَتْهُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَجَازَ لَهُ أَكْلُهُ لِمَا عَلِمَ مِنْ حَالِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ يُسَرُّ بِذَلِكَ وَقَدْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ يَمُرُّ بِمَوْضِعٍ فِيهِ تَمْرٌ أَوْ طَعَامٌ لِصَدِيقٍ مُخْلِصٍ لَهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُسَرُّ بِمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِحَضْرَتِهِ وَمَغِيبِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ ضِحْكَهُ إنَّمَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ رَآهُ فِي نَوْمِهِ أَوْ تَذَكَّرَهُ عِنْدَ يَقَظَتِهِ فَسَأَلَتْهُ أُمُّ حَرَامٍ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَتْ مَا يُضْحِكُك يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلِمَتْ أَنَّ ضِحْكَهُ وَسُرُورَهُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ أَمْرٍ فِيهِ خَيْرٌ لِأُمَّتِهِ ﷺ فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يُرِيدُ فِي مَنَامِهِ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ظَهْرَهُ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ يَشُكُّ الرَّاوِي أَيَّهُمَا قَالَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ حَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ رُكُوبِهِمْ ثَبَجَ الْبَحْرِ حَالُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ فِي صَلَاحِ أَحْوَالِهِمْ وَسَعَةِ دُنْيَاهُمْ وَقُوَّتِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ وَأَسِرَّتِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي غَزْوِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِحَالِ ضِيقٍ وَلَا إقْلَالٍ وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُسَرُّ وَيَضْحَكُ مِنْ حَالِهِمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حَالُ صَلَاحٍ فِي الدُّنْيَا مُضَافَةً إلَى صَلَاحٍ فِي الدِّينِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا سُرَّ بِهَا ﷺ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ عُرِضُوا عَلَيْهِ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ وَأَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ عُرِضُوا عَلَيْهِ أَوْ أُعْلِمَ بِحَالِهِمْ فِي الْجَنَّةِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ ﴿عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ يُؤَكِّدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا سَأَلَتْ وَتَشَفَّعَتْ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَهَا اللَّهُ مِنْهُمْ لِمَا فَهِمَتْ مِنْ أَنَّ سَعْيَهُمْ مَقْبُولٌ وَعَمَلَهُمْ مَبْرُورٌ وَجِهَادَهُمْ مَشْكُورٌ فَإِنَّ حَالَهُمْ فِي الْآخِرَةِ حَالُ رِضًا وَرِضْوَانٍ فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إشْفَاقًا لِمَنْ
стр. 894
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَحْبَبْت أَنْ لَا أَتَخَلَّفَ عَنْ سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنِّي لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ وَلَا يَجِدُونَ مَا يَتَحَمَّلُونَ عَلَيْهِ فَيَخْرُجُونَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي فَوَدِدْت أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ» ) .
ــ
[المنتقى]
سَأَلَهُ الدُّعَاءَ مِنْ أُمَّتِهِ لَا سِيَّمَا بِمَا يَعُودُ إلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَيَتَضَمَّنُ هَذَا جَوَازَ رُكُوبِ الْبَحْرِ لِلْغَزْوِ وَالْجِهَادِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْحَجُّ عِنْدِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ إلَى قَوْلِهِ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازَ رُكُوبِ الْبَحْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَزْوُ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ الْبَحْرِ فَقَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ حِرْصًا عَلَى أَنْ تَنَالَ أَجْرَ الْغَزْوَيْنِ وَيَكُونَ لَهَا فَضِيلَةُ الطَّائِفَتَيْنِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ إعْلَامًا لَهَا بِأَنَّهَا لَا تَشْهَدُ غَزْوَةَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهَا أَنَّ ذَلِكَ لِمَوْتٍ يَتَعَجَّلُ وَيَمْنَعُ مِنْ لِحَاقِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ لِمَانِعٍ يَمْنَعُ مِنْ حُضُورِ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ حَيَّاتِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ أُوحِيَ إلَيْهِ وَأُعْلِمَ بِذَلِكَ كُلِّهِ غَيْرَ أَنَّهُ أَظْهَرَ إلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ مَا أَظْهَرَ وَلَمْ يُظْهِرْ لَهَا أَنَّهَا تَمُوتُ قَبْلَ غَزْوَةِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَظْهَرَ إلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَهْلُ السِّيَرِ يَقُولُونَ أَنَّ غَزْوَةَ مُعَاوِيَةَ هَذِهِ كَانَتْ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خِيَاطٍ عَنْ ابْنِ الْكَلْبِيِّ إنَّ هَذِهِ الْغَزْوَةَ لِمُعَاوِيَةَ كَانَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ رَكِبَ مُعَاوِيَةُ الْبَحْرَ غَازِيًا بِالْمُسْلِمِينَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ إلَى قُبْرُصَ وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ زَوْجَةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَرَكِبَتْ بَغْلَتَهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ السَّفِينَةِ فَصُرِعَتْ فَمَاتَتْ وَرِوَايَةُ أَهْلِ السِّيَرِ لَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ يَقْتَضِي فِي وَقْتِ إمَارَتِهِ وَخِلَافَتِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَرِوَايَةُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَصَحُّ وَلَوْ صَحَّ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ السِّيَرِ لَجَازَ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ أَيْ فِي وَقْتِ وِلَايَتِهِ عَلَى الشَّامِ وَذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ إلَى آخِرِ زَمَنِ عُثْمَانَ وَبَعْدَهُ وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إذْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَضِيلَةِ قَوْمٍ غُزَاةٍ هُوَ مِنْهُمْ حَتَّى تَمَنَّتْ أُمُّ حَرَامٍ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ وَسَأَلَتْ الدُّعَاءَ بِذَلِكَ وَأَجَابَهَا إلَيْهِ وَدَعَا لَهَا بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ فَكَانَ هَذَا تَحْقِيقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا مِنْ الْأَوَّلِينَ وَتَبْيِينًا أَنَّ الْمَانِعَ لَهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ الْآخَرِينَ أَنَّ عُمْرَهَا يَنْقَضِي قَبْلَ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ الْوَاضِحَةِ أَنْ يَعْلَمَ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى وَجْهِهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ تَكُونُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ لَا تَخْرِمُ عَنْهُ وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ تَكْرَارًا يُوجَدُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ وَكُلُّ مَنْ يَتَعَاطَى تَكَهُّنًا بِتَنْجِيمٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَإِنْ أَصَابَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا يَفْعَلُ الظَّانُّ وَالْمُخَمِّنُ وَالْحَازِرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
(ش) : قَوْلُهُ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَحْبَبْت أَنْ لَا أَتَخَلَّفَ عَنْ سَرِيَّةٍ يَقْتَضِي إشْفَاقَهُ عَلَى أُمَّتِهِ وَالْجَرْيَ إلَى الرِّفْقِ بِهِمْ وَالِاجْتِنَابَ لِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَتَرْكُهُ كَثِيرًا مِنْ عَمَلِ الْبِرِّ خَوْفًا أَنْ يَتَكَلَّفُوا مِنْهُ مَا لَا يُطِيقُونَ أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الْقُعُودُ عَنْ مِثْلِهِ عَجْزًا عَنْهُ وَعَدَمِ مَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى الْأَعْيَانِ وَلَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْجِهَادِ لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ لِعَجْزِ غَيْرِهِ عَنْهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فَوَدِدْت أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ تَمَنٍّ لِلشَّهَادَةِ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ وَقَوْلُهُ ﷺ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ تَمَنٍّ مِنْ الْخَيْرِ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي
стр. 895
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ «لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَطُوفُ بَيْنَ الْقَتْلَى فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ مَا شَأْنُك فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ بَعَثَنِي إلَيْك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِآتِيَهُ بِخَبَرِك قَالَ فَاذْهَبْ إلَيْهِ فَأَقْرِأْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ أَنِّي قَدْ طُعِنْت ثِنْتَيْ عَشْرَةَ طَعْنَةً وَأَنِّي قَدْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلِي وَأَخْبِرْ قَوْمَك أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ إنْ قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ حَيٌّ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَغَّبَ فِي الْجِهَادِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَأْكُلُ تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ فَقَالَ إنِّي لَحَرِيصٌ عَلَى الدُّنْيَا إنْ جَلَسْت حَتَّى أَفْرُغَ مِنْهُنَّ فَرَمَى مَا فِي يَدِهِ فَحَمَلَ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ» ) .
ــ
[المنتقى]
الدُّنْيَا مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَقَدْ تَمَنَّى ﷺ إعْلَامًا بِدَرَجَةِ الشَّهَادَةِ وَتَحْرِيضًا لِأُمَّتِهِ عَلَيْهَا وَإِعْلَامًا لَهُمْ بِمَا فِيهَا.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ اهْتِبَالٌ مِنْهُ ﷺ بِأَصْحَابِهِ وَبَحْثِهِ عَنْ مَنْ فُقِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ لِيَعْلَمَ مَا خَبَرُهُ وَمَا الَّذِي غَيَّبَهُ وَإِنْ كَانَ أُصِيبَ أَوْ سَلِمَ فَانْتَدَبَ الرَّجُلَ لِيُحْرِزَ طَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُبَادَرَةَ إلَى مَا يَرْغَبُهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ بِالْأَمْرِ وَذَهَابُهُ بَيْنَ الْقَتْلَى لِطَلَبِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ فُقِدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَفِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ أَنَّهُ قُتِلَ أَوْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ فَبَادَرَ إلَى طَلَبِهِ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ يَجِدُهُ وَقَوْلُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ لَهُ: مَا شَأْنُك؟ لَعَلَّهُ قَدْ تَوَقَّعَ أَنْ يَكُونَ أُرْسِلَ لِلْبَحْثِ عَنْ خَبَرِهِ أَوْ خَبَرِ غَيْرِهِ فَيُوصِي مَعَهُ بِمَا أَرَادَ أَنْ يُوصِي بِهِ إلَى قَوْمِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَ النَّبِيَّ ﷺ سَلَامَهُ لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَلْقَاهُ وَأَنْ يُخْبِرَهُ بِمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ عَدَدِ الطِّعَانِ وَإِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ وَفِي ذَلِكَ إعْلَامٌ بِفَوَاتِ لِقَائِهِ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ اسْتِدْعَاءَ تَرَحُّمِهِ عَلَيْهِ وَاسْتِغْفَارِهِ وَرِضَاهُ عَنْهُ ثُمَّ أَوْصَى إلَى قَوْمِهِ بِأَنْ يَفْدُوا النَّبِيَّ ﷺ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنْ لَا يُوصَلَ إلَيْهِ، وَمِنْهُمْ حَيٌّ وَأَنَّ مَنْ حَيَّ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا عُذْرَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وِقَايَتُهُ ﷺ بِأَنْفُسِهِمْ وَبَذْلُهَا دُونَهُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ ﷺ رَغَّبَ فِي الْجِهَادِ تَنْبِيهًا مِنْهُ فِي تَجْدِيدِ ذَلِكَ عِنْدَ حُضُورِ الْقِتَالِ وَتَذْكِيرًا لِلنَّاسِ بِفَضَائِلِ الْجِهَادِ وَتَرْغِيبًا لَهُمْ فِي إحْرَازِ أَجْرِهِ وَالصَّبْرِ عَلَى شِدَّةِ الْحَرْبِ وَمَا عَسَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ مِنْ جِرَاحٍ أَوْ شَهَادَةٍ فَأَكَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ شَوَّقَهُمْ إلَى الْجَنَّةِ بِأَنْ وَصَفَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهَا لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ لَا سِيَّمَا لِمَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَأْكُلُ تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ هُوَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَّمِيُّ لَمَّا سَمِعَ مَا ذَكَّرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حَمَلَهُ تَصْدِيقُهُ لَهُ وَتَثَبُّتُهُ لِمَا قَالَهُ عَلَى أَنْ طَرَحَ تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ كَانَ يَأْكُلُهَا وَرَأَى أَنَّ اشْتِغَالَهُ بِأَكْلِهَا عَنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى الشَّهَادَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى مَا وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْجَنَّةِ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا وَاشْتِغَالٌ بِيَسِيرِ مَتَاعِهَا عَنْ عَظِيمِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ فَطَرَحَهَا وَحَمَلَ بِسَيْفِهِ وَذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّهُ حَمَلَ وَهُوَ يَقُولُ
رَكْضًا إلَى اللَّهِ بِغَيْرِ زَادٍ ... إلَّا التُّقَى وَعَمَلَ الْمَعَادْ
وَالصَّبْرَ فِي اللَّهِ عَلَى الْجِهَادِ
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عُمَيْرٌ هَذَا مَعَ جَمَاعَةِ النَّاسِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْفَرَدَ بِالْحَمْلِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا جَائِزٌ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ عَلَى الْكَتِيبَةِ لَا سِيَّمَا مَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ شِدَّةً وَقُوَّةً وَكَانَ مَعَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْعَدَدِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ مُحْتَمُونَ دُونَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ إذَا
стр. 896
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ الْغَزْوُ غَزْوَانِ فَغَزْوٌ تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ وَيُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ وَيُطَاعُ فِيهِ ذُو الْأَمْرِ وَيُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ فَذَلِكَ الْغَزْوُ خَيْرٌ كُلُّهُ وَغَزْوٌ لَا تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ وَلَا يُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ وَلَا يُطَاعُ فِيهِ ذُو الْأَمْرِ وَلَا يُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ فَذَلِكَ الْغَزْوُ لَا يَرْجِعُ صَاحِبُهُ كَفَافًا) .
مَا جَاءَ فِي الْخَيْلِ وَالْمُسَابَقَةِ بَيْنَهَا وَالنَّفَقَةِ فِي الْغَزْوِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا» ) .
ــ
[المنتقى]
عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً وَغِنَاءً أَنْ يَبْرُزَ إلَى الْجَمَاعَةِ وَلَا يَكُونَ لَهُ تَهْلُكَةٌ وَأَمَّا مَنْ كَانَ رَأْسُ الْكَتِيبَةِ وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ أُصِيبَ هَلَكَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالصَّوَابُ لَهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلْقِتَالِ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إلَيْهِ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِ بَقَاءَ الْمُسْلِمِينَ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ يُرِيدُ كَرَائِمَ الْأَمْوَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَلَالَ الْمَالِ دُونَ خَبِيثِهِ وَدُونَ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ كَثِيرَهُ إذَا أَرَادَ بِالنَّفَقَةِ النَّفَقَةَ عَلَى نَفْسِهِ وَالصَّدَقَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْكَرِيمَةِ أَفْضَلَ الْمَتَاعِ مِثْلَ أَنْ يَغْزُوَ عَلَى أَفْضَلِ الْخَيْلِ وَأَسْبَقِهَا وَيَقْتَنِيهَا لِذَلِكَ وَكَذَلِكَ يَغْزُو بِأَفْضَلِ السِّلَاحِ وَالْآلَةِ فَيَكُونُ إنْفَاقُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ابْتِيَاعَهَا لِذَلِكَ وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهَا فِي ذَلِكَ حَتَّى يَعْطَبَ الْفَرَسُ وَتَفْنَى الْآلَةُ وَالسِّلَاحُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِإِنْفَاقِ الْغَازِي ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْ يَحْبِسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلَ مَا يَغْزُو بِهِ مَعَهُ مِنْ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ مُيَاسَرَتُهُ يُرِيدُ مُوَافَقَتُهُ فِي رَأْيِهِ مِمَّا يَكُونُ طَاعَةً وَمُتَابَعَتَهُ عَلَيْهِ وَقِلَّةَ مُشَاحَاتِهِ فِيمَا يُشَارِكُهُ فِيهِ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ عَمَلٍ وَطَاعَةُ ذِي الْأَمْرِ امْتِثَالُ أَمْرِ الْأَمِيرِ بِأَنْ يَمْتَنِعَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ وَيَمْتَثِلَ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ الطَّاعَةِ لِلَّهِ وَيَجْتَنِبَ مَعَ ذَلِكَ الْفَسَادَ فِيمَا لَا يَعُودُ بِمُوَافَقَةِ الشَّرِيكِ وَلَا تَقَدَّمَ لِلْإِمَامِ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ لَهُ أَنْ يُبَارِزَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَقَوْلُهُ فَذَلِكَ الْغَزْوُ خَيْرٌ كُلُّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ خَيْرٌ لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ وَطَاعَةٌ لِلَّهِ وَقُرْبَةٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَغَزْوٌ لَا تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ وَلَا يُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ وَلَا يُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ فَذَلِكَ الْغَزْوُ لَا يَرْجِعُ صَاحِبُهُ كَفَافًا يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَفِي سَعْيُهُ وَغَزْوُهُ بِمَا يَكْسِبُهُ مِنْ الْمَآثِمِ.
[مَا جَاءَ فِي الْخَيْلِ وَالْمُسَابَقَةِ بَيْنَهَا وَالنَّفَقَةِ فِي الْغَزْوِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْأَجْرَ وَالْغَنِيمَةَ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ وَهَذَا حَضٌّ عَلَى ارْتِبَاطِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِتِّخَاذِهَا لِلْجِهَادِ وَقَوْلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَاقٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَذْهَبُ جُمْلَةً وَلَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ أَهْلِهِ مَنْ يُجَاهِدُ عَنْ الدِّينِ وَيَدُلُّ أَيْضًا أَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ وَمَنْ يُجَاهِدُ عَلَى الدِّينِ لَا يَخْلُو مِنْهُمْ وَقْتٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهَذَا ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ إلَّا أَنْ يُرَدَّ تَخْصِيصُهُ بِبَعْضِ الْأَزْمَانِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] .
(ش) : قَوْلُهُ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إجَازَةِ الْإِضْمَارِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَنْعِ بَعْضِ الْعَلَفِ وَاسْتِجْلَابِ الْعَرَقِ وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بَيْنَ الْحَفْيَاءِ وَثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ وَمِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ وَنَحْوُهُ وَهَذَا نَصٌّ فِي مُجَاوَزَةِ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَدْرِيبِهَا عَلَى الْجَرْيِ وَالسَّبْقِ وَتَدْرِيبِ مَنْ يُسَابِقُ بِهَا وَلِمَا
стр. 897
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ لَيْسَ بِرِهَانِ الْخَيْلِ بَأْسٌ إذَا دَخَلَ فِيهَا مُحَلِّلٌ فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ السَّبَقَ وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُئِيَ وَهُوَ يَمْسَحُ وَجْهَ فَرَسِهِ بِرِدَائِهِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنِّي عُوتِبْت اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ» ) .
(ش) : مَسْحُهُ ﷺ وَجْهَ فَرَسِهِ بِرِدَائِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَامِ لَهُ وَالْمُبَالَغَةِ فِي مُرَاعَاتِهِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِ وَإِنَّمَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ لَمَّا لَمْ يُعْهَدْ مِنْهُ مِثْلُ هَذَا فَقَالَ ﷺ إنِّي عُوتِبْت اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا عُوتِبَ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي مُرَاعَاتِهَا وَالتَّعَاهُدِ لَهَا وَالْإِحْسَانِ لِمَا خَصَّهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنْ جَعَلَهَا سَبَبًا لِلْخَيْرِ مِنْ الْأَجْرِ وَالْمَغْنَمِ عَوْنًا عَلَيْهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ إلَى خَيْبَرَ أَتَاهَا لَيْلًا وَكَانَ إذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يَغْرُ حَتَّى يُصْبِحَ فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودٌ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا مُحَمَّدٌ وَاَللَّهِ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنَّا إذًا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» )
ــ
[المنتقى]
يَبْعَثُ عَلَيْهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ الْحِرْصِ عَلَى الْغَلَبَةِ فَإِذَا سَابَقَ غَيْرُهُ كَانَ اجْتِهَادُهُ لِنَفْسِهِ وَفَرَسِهِ وَاجْتِهَادُهُ أَكْثَرُ مِنْ إجْهَادِهِ وَاجْتِهَادُهُ إذَا انْفَرَدَ بِالْجَرْيِ وَلَيْسَ تَعْرِفُ الْعَرَبُ الْمُسَابَقَةَ إلَّا بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَكَذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَدْ سَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ غَيْرِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ تِلْكَ الْخَيْلِ سَبَقٌ أَخْرَجَهُ أَحَدُ الْمُتَسَابِقِينَ أَوْ غَيْرُهُمْ وَذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ حَالَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ السَّبَقُ أَخْرَجَهُ غَيْرُ الْمُتَسَابِقِينَ أَوْ أَحَدُهُمْ فَإِنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُمْ كَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لِمَنْ سَبَقَ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَخْرَجَهُ أَحَدُ الْمُتَسَابِقِينَ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخْرِجَهُ وَيُسَابِقُ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَبَقَ غَيْرُهُ فَهُوَ لِلسَّابِقِ وَإِنْ سَبَقَ هُوَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَيَكُونُ لِلَّذِي يَلِيهِ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا أَجَازَهُ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا فَارِسٌ وَاحِدٌ فَسَبَقَ الْمُخْرِجُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ الطَّعَامُ وَكَانَ لِمَنْ حَضَرَ رَوَاهُ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ مَالِكٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُخْرِجَهُ أَحَدُ الْمُتَسَابِقِينَ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَبَقَ غَيْرُهُ فَهُوَ لِلسَّابِقِ وَإِنْ سَبَقَ الْمُخْرِجُ فَهُوَ لَهُ هَذَا كَرِهَهُ مَالِكٌ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا خَيْرَ فِيهِ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ إجَازَتَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الَّتِي سَابَقَتْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وَلَيْسَ فِي الرَّاكِبِينَ حَدٌّ مِنْ صِغَرٍ وَلَا كِبَرٍ وَلَا خِفَّةٍ وَلَا ثِقَلٍ وَلْيَخْتَرْ كُلُّ إنْسَانٍ لِرُكُوبِ دَابَّتِهِ مَنْ أَحَبَّ وَأَمْكَنَهُ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا تَحْمِلُوا عَلَى الْخَيْلِ إلَّا مَنْ احْتَلَمَ.
(ش) : قَوْلُهُ لَيْسَ بِرِهَانِ الْخَيْلِ بَأْسٌ يُرِيدُ الْمُسَابَقَةَ وَقَوْلُهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ سَمَّاهُ مُحَلِّلًا لِأَنَّهُ بِدُونِهِ لَمْ تَجُزْ الْمُسَابَقَةُ بَيْنَهَا عَلَى شَيْءٍ يُخْرِجُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا سَبَقًا وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ إنْ سَبَقَ أَخَذَ وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَهَذَا أَجَازَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ الْآخَرِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَبِهِ آخُذُ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الرِّهَانِ أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَرَاهِنَيْنِ جَرْيَ فَرَسِ صَاحِبِهِ وَلَا صِفَةَ الرَّاكِبِ مِنْ ثِقَلٍ وَخِفَّةٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ إلَى خَيْبَرَ أَتَاهَا لَيْلًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ قَصَدَ ذَلِكَ لِيَسْتَتِرَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَكَامِنِهِمْ فَإِذَا أَصْبَحَ خَرَجَ مِنْ الْيَهُودِ مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالْخُرُوجِ فَيَظْفَرُ بِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ لَيْلًا لِيَعْلَمَ بَقَاءَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ
стр. 898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِتَرْكِهِمْ الْآذَانَ وَانْتِقَالِهِمْ عَنْهُ بِالْآذَانِ قَبْلَ أَنْ يُنْذَرُوا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِذَلِكَ الرِّفْقَ بِأَصْحَابِهِ لِيَقِيَهُمْ بِذَلِكَ حَرَّ الشَّمْسِ وَوَهَجَ الْحَرِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَانَ إذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ﷺ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِوَقْتِ إغَارَةٍ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَقْرَبُ مِنْ الْحُصُونِ وَالْقُرَى لِأَنَّ مَنْ خَشَى أَنْ يُغَارَ عَلَيْهِ يَبِيتُ فِيهَا فَلَا يُظْفَرُ بِهِ فَإِذَا خَرَجَ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَانْتَشَرَتْ الْعُمَّالُ وَسَائِرُ النَّاسِ الْمُتَصَرِّفِينَ أَغَارَ حِينَئِذٍ لِيَظْفَرَ بِهِمْ أَوْ بِبَعْضِهِمْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ تَثَبُّتًا فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا عِنْدَ الصَّبَاحِ أَمْسَكَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَغَارَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الدَّعْوَةِ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِتَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا وَقَدْ رَوَى أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِك حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاَللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ يَكُونَ لَك حُمُرُ النَّعَمِ» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ دُعَائِهِمْ وَعَلِمَ مِنْ عِنَادِهِمْ وَإِصْرَارِهِمْ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا فَقَالَ مَالِكٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُدْعَى الْعَدُوُّ قَبْلَ الْقِتَالِ؛ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ أَوْ لَمْ تَبْلُغْهُمْ إلَّا أَنْ يُعَجِّلُوا سَوَاءٌ قَرِبُوا أَوْ بَعُدُوا وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَبِيتُوا حَتَّى يَدْعُوا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُدْعَى مَنْ قَرُبَ مِنْ الدَّرْبِ مِثْلُ طَرَسُوسَ وَالْمَصِّيصَةِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْمَدَنِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إنَّمَا الدَّعْوَةُ الْيَوْمَ فِيمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْإِسْلَامُ وَلَا يَعْلَمُ مَا يُقَاتِلُ فَأَمَّا مَنْ بَلَغَهُ الْإِسْلَامُ وَعَلِمَ مَا يُدْعَى إلَيْهِ وَحَارَبَ وَحُورِبَ كَالرُّومِ وَالْإِفْرِنْجِ مِمَّنْ دَانَى أَرْضَ الْإِسْلَامِ وَعَرَفَهُ فَالدَّعْوَةُ فِيهِمْ سَاقِطَةٌ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَيَجِبُ أَنْ يُغَارَ عَلَيْهِمْ وَيُنْتَهَزَ فِيهِمْ الْفُرْصَةُ وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَقْتُلُ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِك حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فَوَاَللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ ﷺ لَهُ: «عَلَى رِسْلِك ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ» وَهَذَا نَصٌّ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ قَالَ فَلَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَظَاهِرُ هَذَا عِنْدِي يَقْتَضِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ فَيَهْتَدُونَ وَأَمَّا قِتَالُهُمْ حَتَّى يُبَيِّنُوا الْإِسْلَامَ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْجَبْرِ وَالْإِكْرَاهِ لَهُمْ مَعَ أَنَّ الْحَرْبَ قَدْ تَنْجَلِي عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ دُونَ اهْتِدَاءٍ وَأَمَّا الدَّعْوَةُ إلَى الْإِسْلَامِ فَهِيَ الَّتِي تَقْتَضِي الِاهْتِدَاءَ وَوَجْهُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ أَمْرَ الْإِسْلَامِ مُتَرَقَّبٌ وَمَرْجُوٌّ فِي وَقْتٍ مِمَّنْ قَدْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَمِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْهُ وَقَدْ يُسْلِمُ الْيَوْمَ مَنْ أَبَى الْإِسْلَامَ أَعْوَامًا جَمَّةً فَلَزِمَ أَنْ يُذَكَّرَ بِالدَّعْوَةِ وَتُعَادَ عَلَيْهِ عَسَى أَنْ يَئُوبَ إلَى الْإِسْلَامِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ مَنْ قَرُبَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَتَكَرَّرَتْ عَلَيْهِ وَعَلِمَ مُقْتَضَاهَا وَلَا يَزِيدُ إعَادَتُهَا عَلَيْهِ مَعْرِفَةً بِمَا لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ وَإِنَّمَا فِي ذَلِكَ التَّحَذُّرُ لَهُ عَنْ النِّكَايَةِ فِيهِ وَذَلِكَ يُوهِنُ حَرْبَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَبْلُغْهُ عَلَى وَجْهِهَا وَلَا عَرَفَ مُقْتَضَاهَا فَيَلْزَمُ أَنْ تُعَادَ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ وَيَتَبَيَّنَ إلَيْهِ مَا يُدْعَى إلَيْهِ وَاَلَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَحُجَّتِهِ.
(فَرْعٌ) وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّ الدَّعْوَةَ تَبْلُغُهُ قُوتِلُوا بِغَيْرِ دَعْوَةٍ فَقَتَلُوا وَغَنِمُوا فَذَلِكَ مَاضٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رَدُّهُ وَقَدْ أَسَاءُوا رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حَالَهُمْ مِنْ الْكُفْرِ يَحْكُمُ بِإِمْضَاءِ قَتْلِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِهِمْ وَإِنَّمَا كَانَ يَجِبُ تَقْدِيمُ الدَّعْوَةِ رَجَاءَ أَنْ
стр. 899
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا فَقَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» ) .
ــ
[المنتقى]
يَنْتَقِلُوا عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ صَادَفَ الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ الْكُفْرَ الْأَصْلِيَّ دُونَ عَهْدٍ مَضَى عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَخَرَجَتْ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ يُرِيدُ لِلْعَمَلِ فِي بَسَاتِينِهِمْ وَنَخِيلِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ ﷺ قَالُوا مُحَمَّدٌ وَاَللَّهِ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ يُرِيدُونَ الْجَيْشَ قَالُوا ذَلِكَ يُنْذِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَقَالَ ﷺ أَكْبَرُ إعْظَامًا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِكْبَارًا لَهُ وَإِخْبَارًا بِعُلُوِّ دِينِهِ وَظُهُورِ أَمْرِهِ ثُمَّ قَالَ ﷺ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ يُرِيدُ ﷺ أَنَّهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ الْإِنْذَارُ فَلَمَّا عَتَوْا وَعَانَدُوا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ نُزُولَ الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ وَالْإِذْلَالِ لَهُمْ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ اثْنَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَدِرْهَمَيْنِ أَوْ دِينَارَيْنِ.
وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ بِهِ التَّكْرَارُ مِنْ الْعِبَادَةِ وَمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْعَمَلَ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ صَلَّى صَلَاتَيْنِ أَوْ صَامَ يَوْمَيْنِ أَوْ جَاهَدَ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْإِنْفَاقِ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ أَظْهَرُ وَلَفْظُ الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَظْهَرُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ (نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ أَعَدَّهُ اللَّهُ لَك فَأَقْبِلْ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ هَذَا خَيْرُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ لَك لِأَنَّهُ فِي الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ الَّذِي أُعِدَّ لَك ثُمَّ قَالَ ﷺ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ أَغْلَبَ أَعْمَالِهِ وَأَكْثَرَهَا وَقَدْ تَغْلِبُ عَلَى عَمَلِ الرَّجُلِ الصَّلَاةُ فَتَكُونُ أَكْثَرَ أَعْمَالِهِ وَيَغْلِبُ عَلَى أَعْمَالِهِ الصَّوْمُ فَيَكُونُ أَكْثَرَ أَعْمَالِهِ وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ فَمَنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى عِبَادَتِهِ نَوْعٌ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ نُودِيَ مِنْ الْبَابِ الْمُخْتَصِّ بِهِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ عِبَادَتُهُ وَنَافِلَتُهُ الصَّلَاةَ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِسَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادَ خَاصَّةً وَيَكُونُ مَعْنَى مَنْ كَانَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ مَنْ تَنَفَّلَ فِي غَزْوَةٍ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ مَنْ صَامَ فِي غَزْوَةٍ وَأَهْلُ الصَّدَقَةِ مَنْ تَصَدَّقَ فِي غَزْوَةٍ فَيَكُونُ هَذَا أَغْلَبُ عَلَيْهِ فِي الْغَزْوِ وَبِهِ يُنَادَى وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَتُهُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ يَغْلِبُ عَلَيْهَا غَيْرُ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ رَأَيْت لِبَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الرَّيَّانَ مِنْ الرَّيِّ فَخُصَّ ذَلِكَ بِدُعَاءِ الصَّائِمِ لِمَا كَانَ فِي الصَّوْمِ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى أَلَمِ الْعَطَشِ وَالظَّمَإِ فِي الْهَوَاجِرِ إعْلَامًا لِمَنْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ بِمَا يَخُصُّ هَذَا مِنْ الدُّعَاءِ مِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الثَّوَابِ الْجَزِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ ضَرُورَةٌ فِي أَنْ يُدْعَى مِنْ غَيْرِهَا وَأَنَّ الدُّعَاءَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا يَكْفِي فِي التَّنَاهِي فِي الْخَيْرِ وَسَعَةِ الثَّوَابِ لَكِنَّهُ مَعَ مَا فِي الدُّعَاءِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ هَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ الْخَيْرِ وَأَوْسَعُ مِنْ إنْعَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ أَطَاعَهُ فَقَالَ ﷺ -
стр. 900
إحْرَازُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَرْضَهُ (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ إمَامٍ قَبِلَ الْجِزْيَةِ مِنْ قَوْمٍ فَكَانُوا يُعْطُونَهَا أَرَأَيْت مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ أَتَكُونُ لَهُ أَرْضُهُ أَوْ تَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَكُونُ لَهُمْ مَالُهُ فَقَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ أَمَّا أَهْلُ الصُّلْحِ فَإِنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَهُوَ أَحَقُّ بِأَرْضِهِ وَمَالِهِ وَأَمَّا أَهْلُ الْعَنْوَةِ الَّذِينَ أُخِذُوا عَنْوَةً فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ أَرْضَهُ وَمَالَهُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَنْوَةِ قَدْ غُلِبُوا عَلَى بِلَادِهِمْ وَصَارَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا أَهْلُ الصُّلْحِ فَإِنَّهُمْ قَدْ مَنَعُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ حَتَّى صَالَحُوا عَلَيْهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إلَّا مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ)
ــ
[المنتقى]
نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ وَمَنْ دُعِيَ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَهُ إنَّ دُخُولَك مِنْ هَذَا الْبَابِ أَفْضَلُ مِنْ دُخُولِك عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَلَكِنَّهُ يُدْعَى بِأَنْ يُقَالَ لَهُ إنَّ لَك هَاهُنَا خَيْرًا وَعَدَهُ اللَّهُ لَك لِعِبَادَتِك الْمُخْتَصَّةِ بِالدُّخُولِ عَلَى هَذَا الْبَابِ أَوْ لِعِبَادَتِك الَّتِي هِيَ سَبَبُ أَنْ تُدْعَى مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[إحْرَازُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَرْضَهُ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ فَمَالُهُ لَهُ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي مَعْرِفَةِ الصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ وَالثَّانِي فِي حُكْمِ أَهْلِ الصُّلْحِ حَالَ حَيَاتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَالثَّالِثُ فِي حُكْمِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ عَنْهُمْ حَالَ حَيَّاتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَالرَّابِعُ فِي حُكْمِ أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَالْخَامِسُ فِي حُكْمِ أَمْوَالِهِمْ إذَا أَسْلَمُوا.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ)
فَأَمَّا أَهْلُ الصُّلْحِ فَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْكُفَّارِ حَمَوْا بِلَادَهُمْ وَقَاتَلُوا عَلَيْهَا حَتَّى صُولِحُوا عَلَى شَيْءٍ أَعْطُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ جِزْيَةٍ أَوْ ضَرِيبَةٍ الْتَزَمُوهَا فَمَا صَالَحُوا عَلَى بَقَائِهِ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَهُوَ مَالُ صُلْحٍ أَرْضًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَمَا صَالَحُوا بِهِ أَوْ أَعْطَوْهُ عَلَى إقْرَارِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وَتَأْمِينِهِمْ كَانَ أَرْضًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالِ صُلْحٍ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ حَرْبٍ قُوتِلُوا حَتَّى صَالَحُوا عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ حَقٌّ وَيُؤَمَّنُونَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ الْمَقَامِ بِهِ عَلَى الذِّمَّةِ لَمَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ أَرْضَ صُلْحٍ وَإِنَّمَا تَكُونُ أَرْضَ صُلْحٍ مَا صُولِحُوا عَلَى بَقَائِهَا بِأَيْدِيهِمْ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ ذَلِكَ حَرْبٌ أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَرْبٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعَنْوَةُ فَهِيَ الْغَلَبَةُ فَكُلُّ مَالٍ صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ عَيْنٍ دُونَ اخْتِيَارٍ مَنْ غُلِبَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفَّارِ فَهُوَ أَرْضُ عَنْوَةٍ سَوَاءٌ دَخَلْنَا الدَّارَ عَلَيْهِمْ غَلَبَةً أَوْ أُجْلُوا عَنْهَا مَخَافَةَ الْمُسْلِمِينَ تَقَدَّمَتْ فِي ذَلِكَ حَرْبٌ أَوْ لَمْ تَتَقَدَّمْ أَقَرَّ أَهْلُهَا فِيهَا أَوْ نُقِلُوا عَنْهَا.
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَتْ بِقِتَالٍ يَسِيرٍ وَقَدْ خُمِّسَتْ إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا وَهُوَ يَسِيرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَمَّسْ قَالَ أَشْهَبُ فَقُلْت الْعَنْوَةُ وَالْقِتَالُ أَلَيْسَا وَاحِدًا فَقَالَ إنَّمَا أَرَدْت الصُّلْحَ وَلَفْظُ الْقِتَالِ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعَنْوَةَ وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الصُّلْحُ فَإِنَّ الْقِتَالَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا إلَى الْعَنْوَةِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا إلَى الصُّلْحِ وَمُرَادُنَا بِالصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ أَنَّ الْأَرْضَ آلَ حَالُهَا أَنْ اسْتَقَرَّتْ بِأَيْدِي أَرْبَابِهَا بِصُلْحٍ صَالَحُوا عَلَيْهَا أَوْ زَالَتْ عَنْ مِلْكِهِمْ بِالْعَنْوَةِ وَالْغَلَبَةِ.
قَالَ مَالِكٌ قُسِّمَتْ خَيْبَرُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا عَلَى أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ رَجُلٍ لِكُلِّ رَجُلٍ سَهْمُهُ قَالَ وَمَا كَانَ افْتَتَحَ مِنْ خَيْبَرَ خَمْسَةٌ وَقُسِّمَ الْبَاقِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَمَا خَمَّسَ مِنْهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ فَلَمْ يُخَمَّسْ، وَأَقْطَعَ مِنْهَا أَزْوَاجَهُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ خَيْبَرَ كَانَتْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ قِسْمٌ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ عَنْوَةً بِالْقِتَالِ فَخُمِّسَ وَقُسِّمَ الْأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ، وَقِسْمٌ أُجْلُوا عَنْهُ وَأَسْلَمُوهُ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فَلَمْ يُسْهِمْ مِنْهُ لِأَحَدٍ وَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ حُكْمَ الْخُمْسِ كَمَا فُعِلَ ﷺ بِبِنَى النَّضِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] وَأَمَّا فَدَكُ فَصُولِحُوا عَلَى النِّصْفِ وَلَمْ
стр. 901
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَكَانَتْ عَنْوَةً بِغَيْرِ قِتَالٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ النِّصْفُ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ وَكَانَ النِّصْفُ عَلَى وَجْهِ الْعَنْوَةِ وَلَكِنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَيْرِ إيجَافٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَا قِتَالٍ فَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ النِّصْفِ حُكْمَ الْخُمُسِ قَالَ مَالِكٌ ثُمَّ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى أَهْلَ خَيْبَرَ وَأَجْلَى أَهْلَ فَدَكِ وَأَعْطَى أَهْلَ فَدَكِ بِذَلِكَ حِبَالًا وَأَقْتَابًا وَذَهَبًا اشْتَرَى ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهَذَا حُكْمُ هَذِهِ الْبِلَادِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَكَّةُ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حُكْمِهَا فَقَالَ مَالِكٌ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّمَا دَخَلَهَا صُلْحًا وَقَالَ أَصْحَابُهُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ فَعَلَ فِيهَا فِعْلَ مَنْ صَالَحَهُ فَمَلَكَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَأَرْضَهُ وَدِيَارَهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا فَلَيْسَ بِخِلَافٍ لِقَوْلِنَا عَنْوَةً.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَلَوْ كَانَ هُنَا صُلْحٌ لَمَا احْتَاجَ إلَى تَأْمِينِ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا مَخْصُوصًا وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ جُرْمٌ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ وَيَعْفُوَ عَنْ جُمْلَةِ الْغَنَائِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَدِمْ بِمَكَّةَ حُكْمُ الْعَنْوَةِ مِنْ قَسْمِ دُورِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ وَاسْتِرْقَاقِ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَمَنَّ عَلَى أَهْلِهَا وَرَدَّهَا عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُقَسِّمْهَا وَلَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنْهَا فَيْئًا فَرَأَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَلِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَاَلَّذِي أَقُولُ إنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا لَهُ فِي مَكَّةَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ لَهُ فِي غَيْرِهَا وَمَكَّةُ لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ مِنْ الْبِلَادِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ رَسُولَهُ مِنْ الْأَنْفَالِ بِمَا لَمْ يَخُصَّ بِهِ غَيْرَهُ فَقَالَ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَاَلَّذِي قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ لَا يَبْعُدُ فِي قَوْلِهِ إنَّ ذَلِكَ فِي مَكَّةَ دُونَ غَيْرِهَا وَذَلِكَ أَنَّ مَكَّةَ خُصَّتْ بِمَنْعِ الْقِتَالِ فِيهَا وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لَهُ ﷺ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا وَحُرِّمَ الْقِتَالُ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلِذَلِكَ أَعَادَ ﷺ فَيْأَهُمْ إلَيْهِمْ بَعْدَ تِلْكَ السَّاعَةِ لَمَّا حُرِّمَتْ مُقَاتَلَتُهُمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ﷺ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَجَائِزٌ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ إذَا رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ إلَى هَوَازِنَ سَبْيَهُمْ وَاسْتَأْنَى بِهِمْ شَهْرًا لِيَرُدَّ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَلَعَلَّهُ ﷺ قَدْ رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا وَاسْتِئْلَافًا لِأَهْلِ مَكَّةَ فَرَدَّ إلَيْهِمْ دُورَهُمْ وَأَرْضَهُمْ وَأَمْلَاكَهُمْ وَلَعَلَّهُ قَدْ اسْتَأْذَنَ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَذِنُوا لَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ افْتَتَحُوا مَكَّةَ وَقَدْ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ فِرَارًا مِنْ الْقَتْلِ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ وَلَمْ يَسْبِ مِنْ أَهْلِهَا أَحَدًا فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتْبَعَهُمْ أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَرْضَهُمْ فَكُلُّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ بَقِيَ مِلْكُهُ فِي يَدِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا أَرْضُ الْأَنْدَلُسِ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً وَمِنْهَا مَا اُفْتُتِحَ صُلْحًا كَتَدْمُرَ وَغَيْرِهَا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا وَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِ أَرْضِهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(فَرْعٌ) ذَكَرَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ فَجَعَلَ عَلَى جَرِيبِ الْبُرِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَعَلَى جَرِيبِ التَّمْرِ سِتَّةً قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ الْجَرِيبُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ ذِرَاعًا قَالَ غَيْرُهُ بِالذِّرَاعِ الْهَاشِمِيَّةِ وَهِيَ ذِرَاعٌ وَثُلُثٌ بِذِرَاعِ الْيَدِ وَالذِّرَاعُ الْهَاشِمِيُّ سِتُّ قَبَضَاتٍ وَالْقَبْضَةُ أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ وَالْأَشَلُّ حَبْلٌ يُذْرَعُ بِهِ الْجَرِيبُ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَالنَّابُ قَصَبَةٌ يُذْرَعُ بِهَا أَيْضًا وَطُولُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَهِيَ عُشْرُ الْأَشَلِّ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِالذِّرَاعِ الْهَاشِمِيِّ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ أَهْلِ الصُّلْحِ] ١
стр. 902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ أَهْلِ الصُّلْحِ حَالَ حَيَاتِهِمْ مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ) أَهْلُ الصُّلْحِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا صُولِحُوا عَلَى شَيْءٍ يُؤَدُّونَهُ فِي جُمْلَتِهِمْ أَوْ يُصَالِحُوا عَلَى شَيْءٍ يُؤَدُّونَهُ عَنْ جَمَاجِمِهِمْ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الْجِزْيَةَ الصُّلْحِيَّةَ جِزْيَتَانِ فَجِزْيَةٌ عَلَى الْبَلَدِ مُجْمَلَةً وَجِزْيَةٌ عَلَى الْجَمَاجِمِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُوضَعَ عَلَى جُمْلَتِهِمْ شَيْءٌ يَغْرَمُونَهُ لَا يُحَطُّ مِنْهُ لِقِلَّتِهِمْ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ لِكَثْرَتِهِمْ فَهُمْ ضَامِنُونَ لَهُ حَتَّى يُؤَدُّونَهُ لَا يَبْرَأُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَإِنْ أَدَّى أَكْثَرَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَهُ وَدِيَةُ الْجَمَاجِمِ أَنْ يُوضَعَ عَلَى كُلِّ جُمْجُمَةٍ دِينَارٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فَهَذِهِ الْجِزْيَةُ تَزِيدُ بِزِيَادَةِ عَدَدِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَتَنْقُصُ بِنَقْصِ عَدَدِهِمْ وَغِنَاهُمْ وَيَبْرَأُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ غَيْرُهُ مَا عَلَيْهِ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَضْمَنْ مَا عَلَى غَيْرِهِ وَإِنَّمَا الْتَزَمَ مَا يَخُصُّهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا بَاعَ الصُّلْحِيُّ أَرْضَهُ مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمُبْتَاعِ لَمْ يَجُزْ وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ قَدْ يَنْعَقِدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الْأَرْضِ خَرَاجٌ وَهِيَ مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَسْمًا ثَالِثًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجَمَاجِمِ خَرَاجٌ وَعَلَى الْأَرْضِ خَرَاجٌ وَكَيْفَمَا انْعَقَدَ الصُّلْحُ فِي ذَلِكَ جَازَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ جِزْيَةُ أَهْلِ الصُّلْحِ إنَّمَا هِيَ فِيمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ قَالَ وَلَا يُزَادُ فِي جِزْيَةِ الصُّلْحِ عَلَى الْغَنِيِّ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا عَنْ الْفَقِيرِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى الْجَمَاجِمِ فَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا يُقَرَّرُ إنَّمَا هُوَ دِينَارٌ إلَى أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ فَلَا يُزَادُ الْغَنِيُّ عَلَى أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ وَلَا يُنْقَصُ الْفَقِيرُ عَنْ دِينَارٍ.
وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُزَادُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي جِزْيَةِ جَمَاجِمِهِمْ وَإِنْ أَيْسَرُوا عَلَى مَا فَرَضَ عُمَرُ ﵁ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا قَالَ وَتُطْرَحُ عَنْهُمْ ضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إذَا لَمْ يُوَفَّ لَهُمْ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ مَنْ اسْتَقَرَّتْ جِزْيَتُهُ عَلَى شَيْءٍ لَا يُنْقَلُ عَنْهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ صُلْحُهُمْ عَلَى مِقْدَارِ مَا فِي جُمْلَتِهِمْ فَلَا يُزَادُونَ عَلَيْهِ لِغِنَاهُمْ وَلَا يُنْقَصُونَ مِنْهُ لِفَقْرِهِمْ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ] ١
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ عَنْهُمْ حَالَ حَيَاتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ) أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ الْجِزْيَةَ الصُّلْحِيَّةَ جِزْيَتَانِ جِزْيَةٌ عَلَى الْبَلَدِ وَجِزْيَةٌ عَلَى الْجَمَاجِمِ فَإِنْ كَانَتْ مُجْمَلَةً عَلَى الْبَلَدِ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ لَا تُبَاعُ وَلَا تُورَثُ وَلَا تُقَسَّمُ وَلَا يَمْلِكُهَا إنْ أَسْلَمَ وَإِنَّمَا لَهُ مَالُهُ وَأَمَّا الْأَرْضُ فَمَوْقُوفَةٌ أَبَدًا لِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْخَرَاجِ وَذَلِكَ بِأَسْرِهِ بَاقٍ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ النَّصَارَى وَأَمَّا إنْ صُولِحُوا عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى جَمَاجِمِهِمْ فَلَهُمْ بَيْعُ الْأَرْضِ وَهِيَ لَهُمْ مِلْكٌ يَصْنَعُونَ بِهَا مَا شَاءُوا وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَهْلَ الصُّلْحِ إذَا صَالَحُوا عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ أَلْفَ دِينَارٍ كُلَّ عَامٍ أَوْ عَلَى أَنَّ عَلَى جَمَاجِمِهِمْ دِينَارَيْنِ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَعَلَى أَرْضِهِمْ عَلَى كُلِّ بَذْرٍ كَذَا شَيْئًا سَمَّوْهُ وَعَلَى كُلِّ زَيْتُونَةٍ كَذَا قَالَ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَهُمْ بَيْعُهَا فَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْخَرَاجِ إذَا وُضِعَ عَلَى الْجَمَاجِمِ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ بَيْعَ الْأَرْضِ وَاخْتَلَفَا إذَا وُضِعَ عَلَى الْجُمْلَةِ فَمَنَعَ ذَلِكَ بَيْعَ الْأَرْضِ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْأَرْضَ لَمَّا وَضَعَتْ الْجِزْيَةَ أَوْ الْخَرَاجَ عَلَى الْجُمْلَةِ هِيَ سَبَبُ الْجِزْيَةِ وَهِيَ مَالٌ ظَاهِرٌ فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ تَفْوِيتُهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَنْعِ اسْتِجْلَابِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَرْضَ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الصُّلْحِ وَمِلْكِهِمْ فَكَانَ لَهُمْ بَيْعُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا كَالْعَيْنِ وَالْحَيَوَانِ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا إذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى مِقْدَارِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْغَرْسِ فَيَجِبُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُهَا وَلَا تَفْوِيتُهَا لِأَنَّ الْخَرَاجَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا وَهُوَ
стр. 903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
حَقُّ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَفْوِيتُهَا وَإِتْلَافُ أَثْمَانِهَا وَقَطْعُ مَا يَجِبُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ حَقِّ الْجِزْيَةِ فِيهَا وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا كَانَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى الْجَمَاجِمِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَيْهِمَا وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ بَيْعِ أَرْضِ الصُّلْحِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْ عَلَى اشْتِرَاطِ الْخَرَاجِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْبَائِعِ ابْتَاعَهَا مِنْهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ قَدْ اقْتَضَى تَعَلُّقَ الْخَرَاجِ بِذِمَّتِهِ فَلَا يُزِيلُهُ عَنْ ذَلِكَ بَيْعُ الْأَرْضِ وَلَا هِبَتُهَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ سَقَطَ الْخَرَاجُ عَنْ الْأَرْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْخَرَاجُ بِهِ دُونَ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ صِفَتُهُ دُونَ صِفَةِ الْأَرْضِ وَظَاهِرُ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَرَاجَ إنَّمَا يَجِبُ بِسَبَبِ الْأَرْضِ مَعَ بَقَاءِ الْمَصَالِحِ عَلَيْهَا عَلَى الْكُفْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْخَرَاجُ حَيْثُ انْتَقَلَتْ الْأَرْضُ وَلِأَنَّ تِلْكَ الْأَرْضَ لَوْ اسْتَغْدَرَتْ وَتَلِفَتْ إتْلَافًا لَا يُمْكِنُ جَبْرُهُ لَسَقَطَ الْخَرَاجُ بِسَبَبِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْخَرَاجُ مَعَهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْبَائِعِ مَعَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ فَإِنْ شَرَطَ عَلَى الْمُبْتَاعِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْبَيْعَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مَا لَا يَدْرِي قَدْرَهُ وَلَا مُنْتَهَاهُ وَلَا مَبْلَغَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُقِيمُ الْبَائِعُ عَلَى كُفْرِهِ فَيَدُومُ بَقَاءُ الْخَرَاجِ عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ يُسْلِمُ بَعْدَ بَيْعِهِ بِيَوْمٍ فَيَسْقُطُ الْخَرَاجُ عَنْ الْأَرْضِ وَهَذَا غَرَرٌ لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ.
(فَرْعٌ) وَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْأَنْدَلُسِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ابْتِيَاعِ أَرْضِ الْخَرَاجِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُبْتَاعِ مَا يَلْزَمُ وَأَمَرَ الْمَنْصُورُ أَبُو عَامِرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ بِالْأَخْذِ بِقَوْلِ أَشْهَبَ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَهْلَكُ الْبَائِعُ مِنْ غَيْرِ مَالٍ وَيَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ فَيُرِيدُ ابْتِيَاعَ الْأَرْضِ بِمَا عَلَيْهَا فَتُحِيلُ أَهْلُ الْجِهَةِ لِلتَّمَسُّكِ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى إنْ عَقَدُوا عَلَى الْمُبْتَاعِ بَعْدَ تَمَامِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَرُبَّمَا كَانَ فِي عَقْدٍ غَيْرِ عَقْدِ الِابْتِيَاعِ أَنَّهُ عَرَفَ مَا يَلْزَمُ الْأَرْضُ مِنْ ذَلِكَ وَالْتَزَمَهُ تَحَيُّلًا لِسَلَامَةِ الْعَقْدِ مِمَّا يُفْسِدُ وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَهَذَا لَا يُجْزِي إذَا كَانَ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ قَدْ عَلِمَا أَنَّ الْأَرْضَ أَرْضُ صُلْحٍ وَأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُهَا الْخَرَاجُ وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى أَنْ تُبَاعَ وَيَبْقَى خَرَاجُهُ عَلَى بَائِعِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي فَسَادَ الْبَيْعِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَدْ أَلْحَقَ أَهْلُ بَلَدِنَا بِذَلِكَ مَا لَزِمَ أَرْضَ الْإِسْلَامِ وَمِنْ وَظَائِفِ الظُّلْمِ لِلسَّلَاطِينِ فَأَجْرُوهَا مَجْرَاهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عِنْدَهُمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَهَذَا عِنْدِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْوَظَائِفَ لَيْسَتْ بِحَقٍّ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا هِيَ مَظَالِمُ لَا تَثْبُتُ بِوَجْهِ حَقٍّ وَلَا تَجِبُ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ أَمْكَنَهُ دَفْعُهَا عَنْ نَفْسِهِ بِفِرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ وَخَرَاجُ أَرْضِ الصُّلْحِ إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسٍ بِفِرَارٍ وَلَا امْتِنَاعٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَظَالِمِ الْمُوَظَّفَةِ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُ ابْتِيَاعِ الْإِنْسَانِ الثِّيَابَ فِي الْبَلَدِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُبْتَاعِ مَكْسٌ فِي كُلِّ مَا يَبْتَاعُ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِهِ وَلَا صِحَّةَ ابْتِيَاعِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً فِي طَرِيقٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ مَكْسٌ وَرُبَّمَا خَفَى أَمْرُهُ فَسَلِمَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْكِرَاءِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أَشْهَبَ إنَّ الْخَرَاجَ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ أَوْ بِتَخْرِيجِ أَهْلِ بَلَدِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُلْزِمَهُ الْمُبْتَاعَ بَعْدَ تَمَامِ عَقْدِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ إذَا أَسْلَمَ الْبَائِعُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْخَرَاجُ عَنْ الْمُبْتَاعِ بِمَنْزِلَةِ مَا سَقَطَ خَرَاجُهَا إذَا أَسْلَمَ الصُّلْحِيُّ وَهِيَ بِيَدِهِ وَأَمَّا إذَا مَاتَ الصُّلْحِيُّ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا صَارَ مَالُهُ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي ذِكْرِ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ]
(الْبَابُ الرَّابِعُ فِي ذِكْرِ أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ) قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى جُمْلَتِهِمْ فَإِنَّ أَرْضَهُمْ لَا تُورَثُ وَتَقَدَّمَ مِنْ التَّخْرِيجِ عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ أَنَّ الْجِزْيَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ حُكْمُهَا ذَلِكَ وَأَنَّ الْجِزْيَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى جَمَاجِمِهِمْ
стр. 904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَإِنَّ الْأَرْضَ تُورَثُ عَنْهُمْ وَرَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَهْلَ الصُّلْحِ يُورَثُونَ عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُمْ يُورَثُونَ فَإِنَّ أَرْضَهُ وَمَالَهُ لِوَرَثَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ وَارِثًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا كَانَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى جَمَاجِمِهِمْ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَدَّعِ وَارِثًا فَأَرْضُهُ وَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَيِّتٍ لَا وَارِثَ لَهُ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ فَمِيرَاثُهُ لِأَهْلِ خَرَاجِهِ وَلَا يَضَعُ عَنْهُمْ مَوْتُهُ شَيْئًا مِنْ خَرَاجِهِ وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ.
فَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الصُّلْحِ إذَا قُوطِعُوا عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ فَهَؤُلَاءِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَمَالُهُ وَأَرْضُهُ لِأَهْلِ خَرَاجِهِ لِأَنَّ مَوْتَهُ لَا يُسْقِطُ عَنْهُمْ شَيْئًا مِمَّا الْتَزَمُوهُ وَإِنَّمَا كَانُوا الْتَزَمُوهُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَمَالُ هَذَا الْمُتَوَفَّى وَأَمَّا إذَا كَانَ مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ جِزْيَةً عَلَى جَمَاجِمِهِمْ فَإِنَّ مَا تَرَكَ مِنْ مَالٍ لَا وَارِثَ لَهُ فَمَالُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ نَفْسَهُ بِالْعَقْدِ بِمَا كَانَ يَخُصُّهُ مِنْ الْأَدَاءِ عَلَى مَا كَانَ يَخُصُّهُ مِنْ الْمَالِ فَإِذَا مَاتَ سَقَطَ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ الْخَرَاجِ وَلَمْ يَتْبَعْ بِهِ أَحَدٌ مِمَّنْ صَالَحَ مَعَهُ فَلِذَلِكَ كَانَ مَالُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ كَيْفَ يَعْرِفُ مَنْ لَهُ وَرَثَةٌ مِمَّنْ لَا وَرَثَةَ لَهُ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ مَوَارِيثَهُمْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ دِينِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ فَإِنْ قَالُوا يَرِثُهُ مَنْ يَذْكُرُونَ مِنْ ذِي رَحِمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ سُلِّمَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَإِنْ قَالُوا لَا وَلَدَ لَهُ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ طَرِيقَ هَذَا الْخَبَرِ عَمَّا يَنْفَرِدُونَ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَفِي مِثْلِ هَذَا تُقْبَلُ أَقْوَالُهُمْ كَإِخْبَارِهِمْ عَمَّا يَعْلَمُونَهُ مِنْ الْأَدْوَاءِ وَتَرْجَمَتِهِمْ عَنْ الْأَلْسِنَةِ الَّتِي لَا نَعْرِفُهَا وَمِثْلُ هَذَا يُحْكَمُ فِيهِ بِقَوْلِهِمْ وَيُرْجَعُ فِيهِ إلَيْهِمْ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ أَمْوَال أَهْل الذِّمَّة إذَا أَسْلَمُوا] ١
(الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ أَمْوَالِهِمْ إذَا أَسْلَمُوا) قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا كَانَتْ جِزْيَةُ الصُّلْحِ عَلَى جُمْلَتِهِمْ فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ لَمْ تُمْلَكْ أَرْضُهُ وَإِنَّمَا يُمْلَكُ مَالُهُ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى جَمَاجِمِهِمْ ثُمَّ أَسْلَمَ فَأَرْضُهُ لَهُ وَمَالُهُ لَهُ دُونَ جِزْيَةٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى جُمْلَتِهِمْ أَوْ عَلَى جَمَاجِمِهِمْ أَوْ عَلَى مُبَذِّرِ أَرْضِهِمْ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يُسْقِطُ عَنْهُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ وَالْخِلَافُ فِيهِ وَالتَّوْجِيهُ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا لِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ وَأَمَّا مَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ وَالْجِزْيَةُ لَمْ يُؤَدِّهِ فَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْجِزْيَةِ أَنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُؤْخَذُ مِنْهُ حَالَ إسْلَامِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَمَّا أَهْلُ الْعَنْوَةِ الَّذِينَ أُخِذُوا عَنْوَةً فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَإِنَّ أَرْضَهُ وَمَالَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْعَنْوَةِ وَهُمْ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ إنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ أَحَدٌ لَا يُحْرَزُ مَالُهُ وَلَا أَرْضُهُ وَيَصِيرُ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ أَرْضُهُ الْأَرْضُ الَّتِي بِيَدِهِ فَأَضَافَهَا إلَيْهِ لِعَمَلِهِ فِيهَا وَلَوْ كَانَتْ أَرْضًا اشْتَرَاهَا بَعْدَ الْعَنْوَةِ بِحَيْثُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَكَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَالِهِ حُكْمُهَا حُكْمُ مَالِهِ عِنْدِي وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا تُقَسَّمُ وَتَبْقَى لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَأْيِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَأَرْضِ الْعِرَاقِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ تُقَسَّمُ الْأَرْضُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ مَالِكٌ مَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] ثُمَّ
стр. 905
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ذَكَرَ تَعَالَى الْأَنْصَارَ فَقَالَ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ثُمَّ قَالَ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ الَّذِينَ افْتَتَحُوا تِلْكَ الْمَوَاضِعَ حَقًّا فِيهَا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِتَبْقِيَةِ الْأَرْضِ وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ فَلَا تَبْقَى لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَهْلَ الْعَنْوَةِ أَحْرَارٌ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ نِسَاؤُهُمْ كَالْحَرَائِرِ لَا يُنْظَرُ إلَى شُعُورِهِنَّ وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ مِنْهُنَّ دِيَةُ الْحُرَّةِ ذِمِّيَّةً وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَسْتَرِقُوا وَعَقَدَ لَهُمْ عَقْدَ الذِّمَّةِ فَقَدْ حَكَمَ بَحْرِيَّتِهِمْ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِيمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَمُنَّ أَوْ يُفَادِيَ بِهِ أَوْ يَسْتَرِقَّهُ أَوْ يَعْقِدَ لَهُ الذِّمَّةَ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ وَهَؤُلَاءِ قَدْ عُقِدَ لَهُمْ عَقْدُ ذِمَّةٍ عَلَى الْجِزْيَةِ فَهُمْ أَحْرَارٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّ الْفَرْضَ الَّذِي يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ عَلَى جَمَاجِمِهِمْ وَتُتْرَكُ الْأَرْضُ بِأَيْدِيهِمْ عَوْنًا لَهُمْ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ عُمَرَ ﵁ فَرَضَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ عَلَى كُلِّ عِلْجٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ مِنْ غَيْرِ خَرَاجِ أَرْضِهِمْ وَجَعَلَ عَلَى الْأَرْضِ خَرَاجًا عَلَى حِدَةٍ وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ أَقَرَّهُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا وَاحِدًا عَلَى الْأَرْضِ وَالْجَمَاجِمِ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ مَعَ ذَلِكَ الضِّيَافَةَ وَقَالَ مَالِكٌ تُطْرَحُ عَنْهُمْ الضِّيَافَةُ إذَا لَمْ يُوَفَّ لَهُمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ جِزْيَةُ جَمَاجِمِهِمْ فَمَنْ عَمِلَ أَرْضًا كَانَ عَلَيْهِ خَرَاجُهَا لِأَنَّ سَبَبَ جِزْيَةِ جَمَاجِمِهِمْ سُكْنَى بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ وَحَقْنُ دِمَائِهِمْ فِيهَا وَسَبَبَ خَرَاجِ الْأَرْضِ الِانْتِفَاعُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُعَمِّرْ مِنْهُمْ أَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَدَاءِ جِزْيَةِ جُمْجُمَتِهِ وَمَنْ عَمَّرَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ أَدَّى عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً لَا تَجِبُ عَلَى جُمْجُمَتِهَا جِزْيَةٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَجُوزُ لِلْعَنَوِيِّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِهَا وَيَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الرَّقِيقِ وَسَائِرِ الْأَمْوَالِ رَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ وَكَأَنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ تُرِكُوا كَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ قَالَ وَيُمْنَعُونَ أَنْ يَهَبُوا وَيَتَصَدَّقُوا وَيَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا بَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ مَالِ الْفَتْحِ وَفِيمَا اكْتَسَبُوهُ بَعْدُ مِنْ ذَلِكَ وَيَجِيءُ عَلَى ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ بِمَا اكْتَسَبُوهُ دُونَ مَا أَقَرَّ بِأَيْدِيهِمْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ وَرِثَهُ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَسَاقِفَتُهُمْ وَأَهْلُ دِينِهِمْ فَمَنْ قَالُوا أَنَّهُ يَرِثُهُ مِنْ ذِي رَحِمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ سُلِّمَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّ مَالَهُ وَمَا كَسَبَ لِوَرَثَتِهِ إلَّا الْأَرْضَ فَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ لَمَّا اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً فَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا يُعَمِّرُهَا بِالْخَرَاجِ وَأَمَّا مَا كَانَ كَسْبُهُ مِنْ مَالٍ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ وَمَا كَانَ بِيَدِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ نَحْنُ نَذْكُرُهُمَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ لَمْ يَدْعُ وَارِثًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كُلُّ مَا تَرَكَهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَنَحْوِهِ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ أَبَدًا لِلْمُسْلِمِينَ وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ مَالٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ مَالٍ فَهُوَ كَالْفَيْءِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَا كَانَ بِيَدِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَالٌ لِأَهْلِ الْفَتْحِ أَقِرَّ بِأَيْدِيهِمْ عَوْنًا عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ فَإِذَا مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ رَجَعَ إلَيْهِمْ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَا تُرِكَ بِيَدِهِ تُرِكَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّمْلِيكِ وَالتَّرْكِ لَهُ كَمَا تُرِكَتْ لَهُ رَقَبَتُهُ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَقَدْ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَكُلَّ مَا كَسَبَ وَأَمَّا الْأَرْضُ فَلِلْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ فَهُوَ لَهُ يُرِيدُ أَسْلَمَ عَلَى أَنَّهُ لَهُ وَأَمَّا الْأَرْضُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ فِي
стр. 906
الدَّفْنُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ وَإِنْفَاذُ أَبِي بَكْرٍ عِدَةَ النَّبِيِّ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّيْنِ ثُمَّ السُّلَمِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا، وَكَانَ قَبْرُهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ وَكَانَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَهُمَا مِمَّنْ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيِّرَ مِنْ مَكَانِهِمَا فَوُجِدَا لَمْ يُغَيَّرَا كَأَنَّمَا مَاتَا بِالْأَمْسِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جُرْحِهِ فَدُفِنَ وَهُوَ كَذَلِكَ فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ ثُمَّ أُرْسِلَتْ فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ وَكَانَ بَيْنَ أُحُدٍ وَبَيْنَ يَوْمِ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً)
ــ
[المنتقى]
يَدِهِ عَلَى وَجْهِ تَمَلُّكٍ وَإِنَّمَا هِيَ فِي يَدِهِ عَلَى وَجْه إجَارَةٍ وَرَوَى عِيسَى بْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَهُوَ حُرٌّ وَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ مِنْ الْعَيْنِ وَالرَّقِيقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ مَا احْتَجَّ بِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ عِيسَى وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَرْضَ لَا يَمْلِكُهَا وَمَا تُرِكَ بِيَدِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنَّمَا هُوَ كَالرَّقِيقِ فِي الْحَائِطِ يَسْتَعِينُ بِهِ الْعَامِلُ عَلَى الْعَمَلِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْحَائِطِ وَمَا اكْتَسَبَ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ اكْتَسَبَهُ وَهَذَا تَقْتَضِيهِ مُعَاهَدَتُهُ وَمُعَاقَدَتُهُ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ مَا اكْتَسَبَ مِلْكٌ لَهُ وَمَا تُرِكَ بِيَدِهِ فَعَلَى مِلْكِ مَنْ افْتَتَحَ الْأَرْضَ وَإِنَّمَا تَرِكَتُهُ عَلَى وَجْهِ الْعَوْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الدَّفْنُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ وَإِنْفَاذُ أَبِي بَكْرٍ عِدَةَ النَّبِيِّ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَفْرُ الْقُبُورِ يَوْمَ أُحُدٍ لِكَثْرَةِ الْقَتْلَى وَكَانَ قَدْ بَلَغَ مِنْهُمْ التَّعَبُ وَالنَّصَبُ.
وَرَوَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُمْ احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَوْسِعُوا وَدَفَنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَقَدَّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا لِلضَّرُورَةِ قَالَ مَالِكٌ وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ أَنْ يُدْفَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي قَبْرٍ وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ فِي الْقَبْرِ أَفْضَلُهُمْ وَهُوَ مَنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيُجْعَلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ثُمَّ يُجْعَلُ غَيْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا يَلِيهِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ الْقُرْآنِ وَحَضِّ أَصْحَابِهِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنْ أَخْذِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَهُمَا مِمَّنْ اُسْتُشْهِدَا يَوْمَ أُحُدٍ فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ كَانَا صِهْرَيْنِ وَاسْتُشْهِدَا يَوْمَ أُحُدٍ وَدُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَحَفَرَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا لَمَّا كَانَ مِمَّا يَلِيهِ أَوْ قَرُبَ مِنْهُ فَأَرَادُوا نَقْلَهُمَا عَنْ مَكَانِهِمَا ذَلِكَ إلَى مَوْضِعٍ لَا يَضُرُّ بِهِ السَّيْلُ فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُنْقَلَا وَلَا بَأْسَ بِحَفْرِ الْقَبْرِ وَإِخْرَاجِ الْمَيِّتِ مِنْهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ لِوَجْهِ مَصْلَحَةٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِهِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ نَبْشُ الْقُبُورِ فَإِنَّ ذَلِكَ لِوَجْهِ الضَّرَرِ أَوْ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّهُمَا مَاتَا بِالْأَمْسِ وَهَذِهِ عَلَى مَا نَعْتَقِدُهُ كَرَامَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَصَّهُمَا بِهَا وَلَعَلَّهُ قَدْ خَصَّ بِذَلِكَ أَهْلَ أُحُدٍ وَمَنْ كَانَ لَهُ مِثْلُ فَضْلِهِمَا فَإِنَّ تِلْكَ الْأَرْضَ تُسْرِعُ التَّغْيِيرَ إلَى مَنْ دُفِنَ فِيهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا مُعْتَادًا فِي تِلْكَ الْأَرْضِ لَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ مِنْهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جُرْحِهِ فَدُفِنَ وَهُوَ كَذَلِكَ لَعَلَّهُ إنَّمَا تُرِكَ عَلَى ذَلِكَ لِاسْتِعْجَالِ دَفْنِهِ وَتَرْكِ التَّرَدُّدِ وَالتَّوَقُّفِ عَلَى تَلْيِينِ أَعْضَائِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ
стр. 907
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُدْفَنَ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ وَيُجْعَلُ الْأَكْبَرُ مِنْهُمَا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَالٌ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأْيٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي فَجَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ)
ــ
[المنتقى]
فِيهِ إلَّا بِتَغَيُّرِ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تُرِكَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لِيُحْشَرَ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ ثُمَّ أُرْسِلَتْ فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ رُطُوبَةُ أَعْضَائِهِ وَلِينُهَا وَلَوْ نَشَفَتْ وَذَهَبَتْ رُطُوبَتُهَا لَمَا أَمْكَنَ إزَالَةُ يَدِهِ مِنْ مَكَانِهَا إلَّا بِكَسْرِ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَصَرْفِهَا إلَى صُورَةٍ تَمْنَعُ رُجُوعَهَا إلَى مَكَانِهَا إذَا تُرِكَتْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَيْنَ وَقْتِ دَفْنِهِمَا وَوَقْتِ الْحَفْرِ عَنْهُمَا سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَهَذِهِ مُدَّةٌ لَا يَكَادُ يَبْقَى مَعَهَا الْمَيِّتُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ الْأَحْوَالِ بَقِيَّةُ رُطُوبَةٍ وَلَا اتِّصَالُ أَعْضَاءٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُدْفَنَ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ وَيُجْعَلُ الْأَكْبَرُ مِنْهُمَا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) .
(ش) : قَوْلُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُدْفَنَ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْعَلُ إلَّا مِنْ ضِرْوَةٍ وَكَذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ لَا يُكَفَّنَانِ فِي كَفَنٍ وَاحِدٍ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَلِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ حَظُّهُ مِنْ الْإِسَاءَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَذَلِكَ يُدْفَنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ وَيُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ الْأَكْبَرُ وَيُجْعَلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ وَهَذَا مَعْنَى التَّقْدِيمِ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَشْهَبُ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ أَفْضَلُهُمَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ فِي اللَّحْدِ أَكْثَرَهُمَا قُرْآنًا» وَهَذَا كُلُّهُ يَعُودُ إلَى مَعْنَى الْفَضِيلَةِ فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الْفَضِيلَةِ قُدِّمَ أَكْبَرُهُمَا لِأَنَّ لِلسِّنِّ حَقًّا وَفَضِيلَةً وَرَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ نَجْعَلُ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ثُمَّ نَجْعَلُ بَعْدَهُمْ الصِّبْيَانَ ثُمَّ نَجْعَلُ بَعْدَهُمْ النِّسَاءَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ أَشْهَبُ وَإِذَا دُفِنَ رَجُلَانِ فِي الْقَبْرِ لَمْ يُجْعَلْ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ مِنْ التُّرَابِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا التَّضْيِيقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَالٌ مِنْ الْبَحْرَيْنِ يُرِيدُ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَمَا يُنْقَلُ إلَى بَيْتِ مَالِهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ الَّتِي عَلَى الْجَمَاجِمِ وَخَرَاجِ الْأَرْضِ وَعُشُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا تَجَرُوا مِنْ أُفُقٍ إلَى أُفُقٍ وَالرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ إذَا أُخِذَ مِنْهُ الْخُمُسُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ عُشُورٍ أَوْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا عِنْدِي لَاحِقٌ بِذَلِكَ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُنْقَلَ إلَى الْمَدِينَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يُنْقَلَ إلَيْهَا بَعْدَ سَدِّ خَلَّةِ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ الَّتِي يُجْبَى فِيهَا ذَلِكَ الْمَالُ فَهَذَا حُكْمُ كُلِّ مَالٍ يُجْبَى فِي جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى حَالِ تِلْكَ الْجِهَةِ الَّتِي جَبَى فِيهَا وَحَالَ سَائِرِ تِلْكَ الْجِهَاتِ فَإِنْ اسْتَوَتْ حَاجَتُهُمْ وَعَمَّتُهُمْ الشِّدَّةُ أَوْ السَّعَةُ فَرَّقَ حَيْثُ جَبَى، وَلَا يُنْقَلُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْبِلَادِ شَيْءٌ مِنْهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ اخْتِصَاصُ الْجُبَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا مِنْ الْبِلَادِ أَحْوَجَ نُقِلَ إلَى غَيْرِهَا وَلَا يُعَدَّى مِنْهَا مَنْ جُبِيَتْ مِنْهُمْ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ فِي اسْتِحْقَاقِهِ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِهِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يُحْرَمُوا مِنْهُ وَإِنْ اُسْتُحِقَّ نَقْلُ بَعْضِهَا لِلْحَاجَةِ النَّازِلَةِ بِغَيْرِهِمْ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يَبْعَثُ بِبَعْضِ صَدَقَاتِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَذَلِكَ صَوَابٌ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَرَى مَالِكًا خَصَّ الْمَدِينَةَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا بَلَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ يُحْتَمَلُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْحَاجَةُ وَضِيقُ الْحَالِ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّجُلِ يُخْرِجُ زَكَاةَ مَالِهِ فَيَبْلُغُهُ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَاجَةٌ فَيُرْسِلُ إلَيْهَا بِبَعْضِ زَكَاتِهِ مَا رَأَيْت بِذَلِكَ بَأْسًا وَرَأَيْته صَوَابًا.
(فَصْلٌ) :
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُنْقَلَ إلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ بِهَا كَانَ الْإِنْفَاقُ وَاعَطَاءُ الْأَرْزَاقِ فَكَانَ يُنْقَلُ ذَلِكَ إلَى مَنْ يُرْزَقُ مِنْهُ بَعْدَ سَدِّ الثُّغُورِ الَّتِي كَانَ يُجْبَى مِنْهَا هَذَا الْمَالُ وَالتَّفْرِيقِ عَلَى أَهْلِهَا بِقَدْرِ مَا يُغْنِيهِمْ
стр. 908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَوْ يَسُدَّ حَاجَتَهُمْ فَيُفَرِّقُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِ الْأُعْطِيَةِ وَعَلَى مَنْ اعْتَزَّ الْخَلِيفَةُ بِهَا وَلَزِمَهُ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ يَنْقُلُ هَذَا الْمَالَ إلَى مَوْضِعِ تَفْرِقَتِهِ فَمِنْ مَاذَا يَتَكَارَى عَلَيْهِ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الزَّكَاةِ تُنْقَلُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ لَا يَتَكَارَى عَلَيْهَا مِنْ الْفَيْءِ وَلَكِنَّهُ يَبِيعُ ذَلِكَ وَيَشْتَرِي مِثْلَهُ فِي مَوْضِعِ الْقِسْمَةِ وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ يَتَكَارَى عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْفَيْءِ أَوْ يَبِيعُهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ وَجْهٌ فَالصَّوَابُ بَيْعُهُ وَتَبْلِيغُ ثَمَنِهِ إلَى مَوْضِعِ قِسْمَتِهِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ الْكِرَاءِ عَلَيْهِ وَالْكِرَاءُ عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَتِهِ مُخْرِجٌ لِلزَّكَاةِ عَنْ وَجْهِهَا وَإِخْرَاجُهَا مِنْ الْفَيْءِ ظُلْمٌ لِأَهْلِ الْفَيْءِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لِلْإِمَامِ بِاَلَّذِي هُوَ أَحْوَطُ لِمُسْتَحِقِّي هَذَا الْمَالَ فَقَدْ يَكُونُ الْبَيْعُ تَارَةً أَفْضَلَ وَقَدْ يَكُونُ الْحَمْلُ وَالْكِرَاءُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ وَأَحْوَطَ لِرُخْصِهِ بِمَوْضِعِ الْبَيْعِ وَغَلَائِهِ بِمَوْضِعِ الشِّرَاءِ وَإِذَا كَانَ الصَّوَابُ الْكِرَاءَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْفَيْءِ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ لِمَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ وَالزَّكَاةُ مَقْصُودَةٌ عَلَى وُجُوهٍ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا عَنْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأْيٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا الْوَأْيُ الْعَهْدُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْعِدَةِ فِي هَذَا الْوَضْعِ وَاسْتَدْعَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِدَةٌ لِيَفِيَ بِعَهْدِهِ وَيُنْجِزَ عِدَتَهُ إذْ هُوَ الْخَلِيفَةُ وَالْقَاضِي عَنْهُ مَا وَعَدَ بِهِ وَالْمُتَّبِعُ لِسِيرَتِهِ وَالْقَائِمُ بِإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ وَمَا وَعَدَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ يَحِقُّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُ إنْفَاذُهُ وَقَدْ جَاءَ جَابِرٌ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُك هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ قَبِلَ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ لَمَّا رَآهُ أَهْلًا لِذَلِكَ وَكَانَ مِنْ حُسْنِ النَّظَرِ أَنْ يُعْطِيَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ وَعَدَهُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀ قَدْ يُعْطِي الْوَالِي الرَّجُلَ الْمَالَ جَائِزٌ لِأَمْرٍ يَرَاهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الدَّيْنِ أَيْ وَجْهِ الدَّيْنِ مِنْ الْوَالِي.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعِدَةِ فَهَلْ هِيَ لَازِمَةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُوَاعَدَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا لَازِمَةً لَهُ لِأَنَّ وَعْدَهُ حَقٌّ وَصَوَابٌ وَلَمْ يَعِدْ مِنْ مَالِهِ عَطِيَّةً وَإِنَّمَا وَعَدَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَكَأَنَّهُ عَيَّنَ لِمَنْ وَعَدَهُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَتَعْيِينُهُ صَوَابٌ فَيَجِبُ أَنْ يُنَفَّذَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ غَيْرِهِ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْوَعْدُ يُدْخِلُ الْإِنْسَانَ فِي أَمْرٍ أَوْ لَا يُدْخِلُهُ فِيهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ اشْتَرِ ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً وَأَنَا أُعِينُك عَلَى ذَلِكَ بِدِينَارٍ أَوْ أُسَلِّفُك الثَّمَنَ أَوْ أُسَلِّفُك مِنْهُ كَذَا اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا أَنَّ هَذِهِ الْعِدَةَ لَازِمَةٌ يُحْكَمُ بِهَا عَلَى الْوَاعِدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ عِدَةٌ لَا تُدْخِلُ مَنْ وَعَدَ بِهِ فِي شَيْءٍ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُفَسَّرَةً أَوْ مُبْهَمَةً فَإِنْ كَانَتْ مُفَسَّرَةً مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَعِرْنِي دَابَّتَك إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَيَقُولُ أَنَا أُعِيرُك غَدًا أَوْ يَقُولُ عَلَيَّ دَيْنٌ فَأَسْلِفْنِي مِائَةَ دِينَارٍ أَقْضِهِ فَيَقُولُ أَنَا أُسَلِّفُك فَهَذَا قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَحْكُمُ بِإِنْجَازِ مَا وَعَدَ بِهِ كَاَلَّذِي يُدْخِلُ الْإِنْسَانَ فِي عَقْدٍ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَلَى خِلَافِ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ بِوَعْدِهِ فِي شَيْءٍ يَضْطَرُّهُ إلَى مَا وَعَدَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ أَسْلِفْنِي مِائَةَ دِينَارٍ وَلَا يَذْكُرُ حَاجَتَهُ إلَيْهَا أَوْ يَقُولَ أَعِرْنِي دَابَّتَك أَرْكَبُهَا وَلَا يَذْكُرُ لَهُ مَوْضِعًا وَلَا حَاجَةً فَهَذَا قَالَ أَصْبَغُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْعِدَةِ إذَا كَانَ لِأَمْرٍ أَدْخَلَهُ فِيهِ مِثْلِ أَنْ يَقُولَ لَهُ انْكِحْ وَأَنَا أُسَلِّفُك مَا تَصْدُقُهَا فَإِنْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ الْوَعْدِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ وَعَدَ فَهَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَمْ لَا قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ أَلْزَمَهُ ذَلِكَ بِالْوَعْدِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ امْتِثَالًا لِصِفَةِ مَوْعِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ
стр. 909
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا) كِتَابُ النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ مَا يَجِبُ مِنْ النُّذُورِ فِي الْمَشْيِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ وَلَمْ تَقْضِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْضِهِ عَنْهَا» )
ــ
[المنتقى]
فِي كُلِّ حَفْنَةٍ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَمَّ كِتَابُ الْجِهَادِ بِحَمْدِ اللَّهِ.
[كِتَابُ النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ]
[مَا يَجِبُ مِنْ النُّذُورِ فِي الْمَشْيِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ سَأَلَهُ سُؤَالَ الْمُلْتَزِمِ لِحُكْمِهِ الرَّاجِعِ إلَى قَوْلِهِ وَذَلِكَ يُسَمَّى مُسْتَفْتِيًا وَقَوْلُ الْمُفْتِي لَهُ يُسَمَّى فَتْوَى وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لِلْعَامِّيِّ مَعَ الْعَالِمِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ لَهُ وَالْمُذَاكَرَةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْتَاءِ فَأَمَّا الْعَالِمَانِ اللَّذَانِ يَسُوغُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاجْتِهَادُ مَعَ وُجُودِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ إذَا سَأَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لَا يَخْلُو أَنْ يَسْأَلَهُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ وَالْمُذَاكَرَةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْتَاءِ وَالتَّقْلِيدِ فَأَمَّا سُؤَالُهُ عَلَى وَجْهِ الْمُذَاكَرَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاسْتِفْتَاءٍ بَلْ هُوَ مُذَاكَرَةٌ وَمُنَاظَرَةٌ وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمَا إذَا الْتَزَمَا شُرُوطَ الْمُنَاظَرَةِ مِنْ الْإِنْصَافِ وَقَصْدِ إظْهَارِ الْحَقِّ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْوُصُولِ إلَيْهِ وَتَبْيِينِهِ وَسَلِمَا مِنْ الْمِرَاءِ وَقَصْدِ الْمُغَالَبَةِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى وَقْتِنَا هَذَا وَأَمَّا سُؤَالُهُ إيَّاهُ مُسْتَفْتِيًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْعِلْمِ وَيُمَكِّنُ السَّائِلَ مِنْ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِأَنَّ فَرْضَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاجْتِهَادَ دُونَ السُّؤَالِ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا شُفُوفٌ فِي الْعِلْمِ فَهَلْ يَجُوزُ لِلَّذِي دُونَهُ أَنْ يُقَلِّدَهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَالدَّلِيلُ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ فَرْضَهُ الِاجْتِهَادُ دُونَ السُّؤَالِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ خَافَ الْعَالِمُ فَوَاتَ الْحَادِثَةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ غَيْرَهُ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَمَنَعَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا وَقَالُوا تَخْلِي الْقَضِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِ وَيَتْرُكُهَا لِغَيْرِهِ وَهَذَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا يُسْتَفْتَى فِيهِ وَأَمَّا مَا يَخُصُّهُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي صِفَةِ الْمُفْتِي وَصِفَةِ الْمُسْتَفْتِي فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ مِمَّا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ يَقْتَضِي أَنَّ النَّذْرَ مُبَاحٌ جَائِزٌ لِأَنَّ سَعْدًا ذَكَرَ أَنَّ أُمَّهُ نَذَرَتْ وَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ بَلْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْبَخِيلِ» فَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَنْذِرَ لِمَعْنًى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا مِثْلِ أَنْ يَقُولَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرَضِي أَوْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ نَجَّانِي مِنْ أَمْرِ كَذَا أَوْ رَزَقَنِي كَذَا فَإِنِّي أَصُومُ يَوْمَيْنِ أَوْ أُصَلِّي صَلَاةً أَوْ أَتَصَدَّقُ بِكَذَا فَهَذَا الْمَكْرُوهُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَإِنَّمَا كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ لِلَّهِ ﵎ رَجَاءَ ثَوَابِهِ وَأَنْ يَكُونَ نَذْرُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ دُونَ تَعَلُّقِ نَذْرِهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَغَرَضِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّذْرَ يَلْزَمُ فِي الْجُمْلَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ» فَعَابَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَرْنَ بِأَهْلِهِ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ
стр. 910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
غَيْرُ جَائِزٍ وَلَا مُبَاحٍ وَلَوْ كَانَ جَائِزًا تَرْكُ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ لَمَا عَابَ بِهِ الْقَرْنَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا فَالْمُطْلَقُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُكَلَّفُ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَا يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا وَالْمُقَيَّدُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرُ صَوْمِ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ أَوْ صَدَقَةٌ بِدِينَارٍ أَوْ حَجٌّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَكِلَا النَّذْرَيْنِ جَائِزٌ فَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَإِنَّ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ هَذَا النَّذْرُ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ انْعِقَادِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَفِيهِ مِنْ قَوْلِ سَعْدٍ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُقَيَّدًا لَاسْتَفْسَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّا نَذَرَ لِأَنَّ مِنْ النَّذْرِ الْمُقَيَّدِ مَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَمِنْهُ مَا لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا وَمِنْهُ مَا لَا يَحِلُّ الْوَفَاءُ بِهِ وَهُوَ أَنْ يَنْذِرَ مُحَرَّمًا فَلَمَّا كَانَ النَّذْرُ الْمُقَيَّدُ يَتَنَوَّعُ إلَى مَا لَا يَجُوزُ وَإِلَى مَا يَجُوزُ كَانَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُقَيَّدًا لَسَأَلَهُ عَنْ وَجْهِ نَذْرِهَا لِيُمَيِّزَ مِنْهُ مَا يَجُوزُ مِمَّا لَا يَجُوزُ وَبِحَسَبِ ذَلِكَ يَكُونُ الْجَوَابُ وَلَمَّا لَمْ يَسْأَلْ كَانَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا يَكُونُ مِنْهُ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَلْزَمُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ نَذْرٌ قُصِدَ بِهِ الْقُرْبَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مُقَيَّدًا بِمَا فِيهِ قُرْبَةٌ.
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا قُلْنَا إنَّ نَذْرَ أُمِّ سَعْدٍ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ فَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَيَّدُ بِمَا فِيهِ قُرْبَةٌ وَيُقَيَّدُ بِمُبَاحٍ لَا قُرْبَةَ فِيهِ وَيُقَيَّدُ بِمُحَرَّمٍ فَإِذَا قُيِّدَ بِمَا فِيهِ قُرْبَةٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ وَإِنْ لَمْ يُعَلَّقْ بِشَرْطٍ وَلَا صِفَةٍ مِثْلُ قَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ صَلَاةً أَوْ أَصُومَ صَوْمًا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا يَلْزَمُ النَّذْرُ وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا إلَّا أَنْ يُعَلَّقَ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةٌ أَوْ صَدَقَةٌ إنْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ نَزَلَ الْمَطَرُ الْيَوْمَ أَوْ فُرِّجَ عَنْ الْمَرِيضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا﴾ [الإنسان: ٧] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّعَلُّقِ بِصِفَةٍ وَلَا بِغَيْرِ صِفَةٍ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مِنْ جِهَةِ النَّذْرِ مَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِجِنْسِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا عَلَّقَ بِصِفَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَلْزَمُ النَّذْرُ عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي نَذْرِهِ عَلَى اللَّجَاجِ بَيْنَ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَبَيْنَ أَنْ يَفِيَ بِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَالْوَفَاءُ بِهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى حَسَبِ مَا الْتَزَمَهَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ حَالٌ يَلْزَمُ فِيهَا الْوَفَاءُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَلَزِمَ فِيهَا الْوَفَاءُ بِسَائِرِ الْقُرْبِ كَحَالِ الرِّضَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا نَذَرَ أَمْرًا مُبَاحًا كَالْجُلُوسِ وَالْقِيَامِ وَالِاضْطِجَاعِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَدَلِيلُنَا عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَذْرُ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَلَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا نَذَرَ مَعْصِيَةً.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَقْضِهِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا بَعْدُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْعَقَدَتْ يَمِينُهَا بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَقْضِهِ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا فَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ قَضَتْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا بِمِثْلِ أَنْ تَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ إنْ شُفِيَ فُلَانٌ أَوْ إنْ جَاءَ فُلَانٌ هَذَا الشَّهْرَ فَمَاتَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاؤُهُ وَإِنْ فَعَلَتْ فَحَسَنٌ مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنِّي نَذَرْت اعْتِكَافَ يَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ لَهُ ﷺ أَوْفِ بِنَذْرِك فَأَمَرَهُ»
стр. 911
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمَّتِهِ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا كَانَتْ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْيًا إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ فَأَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنَتَهَا أَنْ تَمْشِيَ عَنْهَا قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ لَا يَمْشِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) .
ــ
[المنتقى]
ﷺ بِالْوَفَاءِ بِهِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَلْزَمُ مَا نَذَرَ فِيهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَرَادَتْ أَنْ تُكَفِّرَ نَذْرَهَا قَبْلَ أَنْ تَحْنَثَ فِيهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ فَقَالَ مَرَّةً لَا تَجُوزُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ مَرَّةً تَجُوزُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى مُوجِبِهَا أَصْلُ ذَلِكَ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ مَعْنًى يَحِلُّ الْيَمِينَ فَجَازَ أَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَى الْحِنْثِ كَالِاسْتِثْنَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إذَا وَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا مِثْلُ أَنْ تَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَوَجَبَ عَلَيْهَا بِقُدُومِ فُلَانٍ أَوْ بِأَنْ كَلَّمَتْ فُلَانًا ثُمَّ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِسُرْعَةِ مَوْتِهَا قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ نَذْرَهَا وَلَعَلَّهَا مَاتَتْ فَجْأَةً.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَخَّرَتْ لِجَوَازِ تَأْخِيرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ حَنِثَ فِي يَمِينٍ أَنْ يُكَفِّرَ حِينَ الْحِنْثِ وَلَهُ تَأْخِيرُهَا مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوَاتُ لَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّعْجِيلُ لِيُبْرِئَ ذِمَّتَهُ مِمَّا لَزِمَهُ فَقَوْلُ سَعْدٍ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَيِّنٌ لِأَنَّ لَفْظَةَ (عَلَيَّ) إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا عَلَيْهَا نَذْرٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ عَقَدَتْهُ وَالْتَزَمَتْهُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ عَلَيْهَا أَدَاؤُهُ وَلَكِنَّهُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي أَظْهَرُ وَأَبْيَنُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ (اقْضِهِ عَنْهَا) يَقْتَضِي أَنَّهُ يَصِحُّ أَدَاءُ ذَلِكَ عَنْهَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُبَرِّئُهَا وَيَقْضِيَ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظُ الْأَمْرِ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ النَّدْبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَهُ هُوَ النَّذْرُ بِنَذْرِهَا وَالْتِزَامِهَا وَيُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ عَنْهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ نَذْرًا مُطْلَقًا فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهُوَ مَعْنًى مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالْمَالِ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ أَوْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالْبَدَنِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ أَوْ يَكُونَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِمَا كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ فَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالْمَالِ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّحْبِيسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ النِّيَابَةِ فِيهِ وَإِنَّ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْ الْمَيِّتِ وَيَنُوبُ فِي ذَلِكَ بِنِيَّةٍ عَنْ نِيَّةِ الْمَيِّتِ فَمَا كَانَ مِنْهَا مُخْتَصًّا بِالْبَدَنِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقْضِيَهُ أَحَدٌ عَنْهُ وَلَا يَنُوبُ فِيهِ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ وَالْبَدَنِ كَالْحَجِّ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّذَ فِيهِ وَصِيَّةَ الْمُوصِي بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مَنْ شَاءَ مِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فَإِذَا قُلْنَا إنَّ قَوْلَ سَعْدِ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ يَقْتَضِي النَّذْرَ الْمُطْلَقَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْمَالُ لِأَنَّ كَفَّارَتَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي ذَلِكَ وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَحْتَمِلُ النَّذْرَ الْمُقَيَّدَ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا يَخْتَصُّ بِالْمَالِ أَوْ بِمَا لَهُ تَعَلُّقٍ بِالْمَالِ وَالْبَدَنِ وَلِذَلِكَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا وَلَوْ كَانَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْبَدَنِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ النِّيَابَةَ لَا تَصِحُّ فِيهِ كَمَا لَا تَصِحُّ فِي فُرُوضِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ نَابَ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ فَلَمْ يَقْضِهِ هَلْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْمَشْيِ بِقَدَمِهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمَّتِهِ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا كَانَتْ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْيًا إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ فَأَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنَتَهَا أَنْ تَمْشِيَ عَنْهَا قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ لَا يَمْشِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) .
(ش) : قَوْلُهُ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْيًا إلَى قُبَاءَ يَقْتَضِي أَنَّهَا اعْتَقَدَتْ كَوْنَهُ قُرْبَةً لِمَنْ قَرُبَ مِنْهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَنَذَرَ مَشْيًا إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَسْجِدٍ وَهُوَ مَعَهُ بِالْبَلَدِ
стр. 912
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ قَالَ قُلْت لِرَجُلٍ وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ مَا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ عَلَيَّ نَذْرُ
ــ
[المنتقى]
فَإِنَّهُ يَمْشِي إلَيْهِ وَيُصَلِّي فِيهِ وَقَدْ أَوْجَبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ قَالَ وَقُبَاءٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَلْيُصَلِّ بِمَوْضِعِهِ وَيُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا جِدًّا فَلْيَأْتِهِ وَيُصَلِّ فِيهِ وَهَذَا عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَفْتَى بِهِ مَنْ نَذَرَتْهُ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ يَتَكَلَّفُ إلَيْهِ سَفَرًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَصْدُهُ وَمَنْ نَذَرَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بُصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ إيلِيَاءَ» فَالْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ مِمَّنْ قَرُبَ مِنْهَا لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْمَطِيِّ فَأَمَّا مَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَيْهِ مِمَّنْ عَلَى بُعْدٍ مِمَّنْ يَكُونُ مِنْ جِهَتِهِ أَعْمَالُ الْمَطِيِّ أَوْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَسْجِدِ الْكُوفَةِ أَوْ الْبَصْرَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْبِلَادِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ فَمَنْ هُوَ مِنْهَا عَلَى سَفَرٍ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ لِأَنَّهُ نَذَرَ نَذْرًا مَحْظُورًا مَمْنُوعًا مِنْهُ وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ إتْيَانَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا مُسْتَوْعَبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّ عِنْدَ مَالِكٍ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ وَهَذَا يَقْتَضِي إعْمَالَهَا إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَالصَّلَاةُ فِيهَا فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ بِالنَّذْرِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَسْجِدٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِعْمَالِ الْمَطِيِّ إلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ قَصْدَهُ بِالنَّذْرِ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ قَصْدُهَا فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَشْيُ لِمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ يَأْتِيهَا رَاكِبًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَأْتِيهَا مَاشِيًا وَإِنْ بَعُدَ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يَأْتِيهَا رَاكِبًا وَهَلْ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِثْلَ الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ أَتَاهَا مَاشِيًا وَهَذَا خَفِيفٌ وَقِيلَ لَا يَمْشِي وَإِنْ كَانَ مِيلًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي نَفْيِ وُجُوبِ الْمَشْيِ أَنَّ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ لَا تَتَعَلَّقُ الْقُرْبَةُ فِيهِمَا بِالْمَشْيِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْمَشْيُ إلَيْهِمَا لِمَنْ نَذَرَهُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا مَسْجِدٌ يَلْزَمُ إتْيَانُهُ مَنْ نَذَرَهُ فَلَزِمَ الْمَشْيُ إلَيْهِ لِمَنْ نَذَرَهُ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ فَأَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنَتَهَا أَنْ تَمْشِيَ عَنْهَا أَجْرَاهُ مَجْرَى مَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ مِنْ الْحَجِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ نَذْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ هِيَ فِي نَفْسِهَا قُرْبَةٌ فَجَازَ أَنْ تَدْخُلَهُ النِّيَابَةُ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَدْخُلُ النِّيَابَةُ فِي قَصْدِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَصْدِ مَسْجِدِ الْمَقْدِسِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الَّتِي نَذَرَتْ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ فَمَاتَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَإِنْ شَاءُوا تَصَدَّقُوا عَنْهَا بِقَدْرِ كِرَائِهَا وَزَادَهَا ذَاهِبَةً وَرَاجِعَةً وَهَذَا لَا يَمْنَعُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ النِّيَابَةِ لَوْ أَوْصَتْ بِهِ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ مَنْ الْتَزَمَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْهُ وَإِنْ شَاءُوا تَصَدَّقُوا بِقَدْرِ النَّفَقَةِ وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لَنَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ قُبَاءَ غَيْرَ حُكْمِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّ قَطْعَ الْمَسَافَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِنَفَقَةِ الْمَالِ إلَيْهِ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ وَإِنَّمَا الْقُرْبَةُ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ خَاصَّةً وَحُكْمُهُ فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ إلَيْهِ حُكْمُ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَهَذَا عِنْدِي أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ لَا يَمْشِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فِي حَجٍّ وَلَا غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فِي الْمَشْيِ إلَى قُبَاءَ خَاصَّةً وَحَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ أَظْهَرُ لِقَوْلِنَا بِالْعُمُومِ لِأَنَّ الْمَشْيَ عَمَلٌ يَخْتَصُّ بِالْبَدَنِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَالِ وَإِنْ كَانَ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ تَعَلَّقَ بِالْمَالِ وَالْبَدَنِ.
стр. 913
مَشْيٍ فَقَالَ رَجُلٌ هَلْ لَك أَنْ أُعْطِيَك هَذَا الْجِرْوَ لِجِرْوِ قِثَّاءٍ بِيَدِهِ وَتَقُولُ عَلَيَّ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ قَالَ فَقُلْت نَعَمْ فَقُلْته وَأَنَا يَوْمئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ ثُمَّ مَكَثْت حَتَّى عَقَلْت فَقِيلَ لِي إنَّ عَلَيْك مَشْيًا فَجِئْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ عَلَيْك مَشْيٌ فَمَشَيْت قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ قُلْت وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَقِهَ بَعْدُ لِصِغَرِ سِنِّهِ وَحَدَاثَتِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ السِّنِّ مَبْلَغًا يَتَّسِعُ لِتَفَقُّهِهِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تُنْدَرُ وَلَيْسَتْ بِمُعْتَادَةٍ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ وَيَلْزَمُ التَّفَقُّهُ فِيهَا مِنْ أَوَّلِ الْعُمُرِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَبِيبَةَ يَوْمئِذٍ قَدْ بَلَغَ الْحُلُمَ إلَّا أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا بِحَدَثَانِ بُلُوغِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: أَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ نَذْرَ مَشْيٍ؟ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ حَجٌّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّذْرُ حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِالنَّذْرِ فَيَقُولُ عَلَيَّ نَذْرُ مَشْيٍ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَاعْتَقَدَ أَنَّ لَفْظَ الِالْتِزَامِ وَالْإِيجَابِ إذَا عَرَا مِنْ لَفْظِ النَّذْرِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِهِ شَيْءٌ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَفَقَّهَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا عَرَفَ حُكْمَهَا وَلَا مَا يَلْزَمُ مِنْهَا وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَمْرٌ قَامَ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَأَمُّلٍ فَاعْتَقَدَ صِحَّتَهُ وَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ ذَكَرَ النَّذْرَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ وَبِذَلِكَ أَجَابَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ حَتَّى يَذْكُرَ النَّذْرَ وَقَدْ جَعَلَاهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ عَلَى أَنَّ إسْنَادَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ضَعِيفٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الرَّجُلِ لَهُ هَلْ لَك أَنْ أُعْطِيَك هَذَا الْجِرْوَ لِجِرْوِ قِثَّاءٍ بِيَدِهِ، وَتَقُولُ عَلَيَّ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ؛ لِقَوْلِهِ وَالْحَمْلُ لَهُ عَلَى تَعَبِ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ يَغْتَنِمُ مِنْهُ أَخْذَ جِرْوِ الْقِثَّاءِ لِغَيْرِ سَبَبٍ وَمِثْلُ هَذَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ لَا يَفْعَلَ فَرُبَّمَا حَمَلَ الْإِنْسَانَ لَا سِيَّمَا مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ اللُّجَاجُ عَلَى الْتِزَامِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا لَمْ يُمْكِنُهُ الْوَفَاءُ بِهِ وَقَدْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعْلِمَهُ بِوَجْهِ الصَّوَابِ فِيمَا قَالَ فَإِنْ أَنَابَ إلَيْهِ وَإِلَّا حَضَّهُ عَلَى السُّؤَالِ عَنْهُ لَكِنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ هَذَا الْقَوْلَ أَغْفَلَ السُّؤَالَ عَنْهُ وَالْبَحْثَ عَنْ الصَّوَابِ فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَلَيَّ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مِنْ بَابِ النَّذْرِ عَلَى سَبِيلِ اللَّجَاجِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا أَنَّهُ يَلْزَمُ إذَا كَانَ مِمَّا يَلْزَمُ مِثْلُهُ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَقَدْ أَمَرَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِالْوَفَاءِ بِهِ وَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْمَشْيَ الَّذِي الْتَزَمَهُ لَازِمٌ لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ مَكَثْتُ حَتَّى عَقَلْتُ) يُرِيدُ أَنَّهُ عَقَلَ أَمْرَهُ وَأَقْبَلَ عَلَى أَمْرِ دِينِهِ وَالِاهْتِبَالِ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ وَمُجَالَسَةِ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَمُذَاكَرَتِهِمْ لِمَا جَرَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ إنَّ عَلَيْهِ الْمَشْيَ عَلَى حَسَبِ مَا الْتَزَمَهُ وَلِأَنَّ تَرْكَ التَّلَفُّظِ بِالنَّذْرِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ مَا الْتَزَمَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَوْلُهُ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أَخْبَرُوهُ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُونُوا عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَمْ يَرَ تَقْلِيدَهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى سَأَلَ عَنْهُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ لِأَنَّهُ كَانَ أَعْلَمُ وَقْتِهِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ مِنْ الْعَامَّةِ مَنْ يُقَلِّدُ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُ مَنْ يَأْخُذُ بِلَا خِلَافٍ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ أَفْضَلِهِمْ وَأَعْلَمْهُمْ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ إذَا كَمُلَتْ لَهُ آلَاتُ الِاجْتِهَادِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ لَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ إلَّا بِقَوْلِ أَفْضَلِهِمْ وَأَعْلَمْهُمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ وَأَعْلَمَ وَقَدْ كَانَ جَمِيعُ فُقَهَائِهِمْ يُفْتِي وَيَنْتَهِي النَّاسُ إلَى قَوْلِهِ وَيَأْخُذُونَ بِهِ وَلَوْ وَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِ أَفْضَلِهِمْ وَأَعْلَمِهِمْ لَمَا جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُفْتِي.
стр. 914
مَا جَاءَ فِيمَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَعَجَزَ
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْت مَعَ جَدَّةٍ لِي عَلَيْهَا مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَجَزَتْ فَأَرْسَلَتْ مَوْلًى لَهَا يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَخَرَجْت مَعَهُ فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ ثُمَّ لِتَمْشِ مِنْ حَيْثُ عَجَزَتْ قَالَ مَالِكٌ وَنَرَى عَلَيْهَا مَعَ ذَلِكَ الْهَدْيَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَا يَقُولَانِ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ)
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَلَيْك مَشْيٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَتْوَى وَالْجَوَابُ عَنْ مَشْيِهِ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيَّ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَفِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ مَا سَأَلَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيَّ مَشْيٌ يَلْزَمُ دُونَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ لَفْظُ النَّذْرِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّذْرَ لَا يُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ الْتِزَامِ مَا جَعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَقَوْلُهُ عَلَيَّ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ وَنَصٌّ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَأَوَّلَ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَا يَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّةٌ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى فَإِنْ نَوَى مَكَّةَ أَوْ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ نَوَى مَسْجِدًا مِنْ الْمَسَاجِدِ غَيْرَهَا فَلَهُ نِيَّتُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَى غَيْرِ مَا نَوَى رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مَسْجِدٍ فَإِذَا نَوَى مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ لَا سِيَّمَا فِيمَا لَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا عَلَى سَائِرِ الْبُيُوتِ وَالْمَسَاجِدِ فَإِنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْهُ فِي الْبُيُوتِ وَهُوَ فِي مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِصَاصِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ كَمَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَاقِعٌ عَلَى سَائِرِ الرُّسُلِ إلَّا أَنَّهُ فِي نَبِيِّنَا ﷺ أَخَصُّ وَوَجْهُ الِاخْتِصَاصِ أَظْهَرُ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَمَشَيْت يُرِيدُ أَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ وَقَلَّدَ ابْنَ الْمُسَيِّبِ فِيمَا أَفْتَاهُ بِهِ فَمَشَى إلَى مَكَّةَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَسَنُبَيِّنُ أَحْكَامَ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَعَلَى هَذَا الْأَمْرِ عِنْدَنَا يُرِيدُ مِنْ فَتْوَى ابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا أَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ.
[مَا جَاءَ فِيمَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَعَجَزَ]
(ش) : قَوْلُهُ خَرَجْت مَعَ جَدَّةٍ لِي عَلَيْهَا مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ يَقْتَضِي اعْتِقَادَ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لَا تَتَكَلَّفُ ذَلِكَ وَتَبْلُغُ مِنْهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهَا أَنْ تَعْجِزَ عَنْ إتْمَامِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تُوجِبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ تَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَهَا مِمَّنْ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا تَقْلِيدُهُ فَأَفْتَاهَا بِذَلِكَ وَبِوُجُوبِ الْمَشْيِ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ «نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَفْتَيْت النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ» وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْحَجَّ قُرْبَةٌ تَلْزَمُ مَنْ نَذَرَهَا وَالْمَشْيَ إلَيْهِ نَوْعٌ مِنْ السَّيْرِ إلَيْهِ وَذَاكَ مَشْرُوعٌ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ كَالْمَشْيِ إلَى الْمَسَاجِدِ وَالْجَنَائِزِ وَالْجُمَعِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَلَزِمَهُ نَذْرُهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي الْتَزَمَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي ذَلِكَ سِتُّ مَسَائِلَ إحْدَاهَا فِي تَعْلِيقِ الْمَشْيِ بِمَكَانٍ يَلْزَمُ الْمَشْيُ إلَيْهِ وَتَبْيِينُهُ مِمَّا لَا يَلْزَمُ وَالثَّانِيَةُ فِيمَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ مِنْ الْمَشْيِ وَالْمَسِيرِ وَالثَّالِثُ فِي ابْتِدَاءِ ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالرَّابِعَةُ فِي الْعَمَلِ فِيهِ وَالْخَامِسَةُ فِي انْتِهَائِهِ وَالسَّادِسَةُ فِي مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَإِنَّ الْمَشْيَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَمَاكِنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ إذَا عُلِّقَ الْمَشْيُ بِهِ وَجَبَ الْمَسِيرُ إلَيْهِ وَالْمَشْيُ فِيهِ وَضَرْبٌ إذَا عُلِّقَ الْمَشْيُ بِهِ لَمْ يَجِبْ الْمَسِيرُ إلَيْهِ وَلَا الْمَشْيُ فِيهِ وَضَرْبٌ إذَا عُلِّقَ الْمَشْيُ بِهِ وَجَبَ الْمَسِيرُ إلَيْهِ وَلَمْ يَجِبْ الْمَشْيُ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ مِنْهُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ
стр. 915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَصْحَابُنَا وَمِنْهُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَأَمَّا تَعْلِيقُ الْمَشْيِ كَقَوْلِك إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ أَوْ لِشَيْءٍ مِنْهُ كَقَوْلِك إلَى الرُّكْنِ أَوْ الْحِجْرِ أَوْ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْبَيْتُ مِنْ جِهَةِ الْبُنَيَّانِ كَقَوْلِك إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ إلَى مَكَّةَ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي وُجُوبِ الْمَسِيرِ وَالْمَشْيِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إلْحَاقِ الْحَجَرِ وَالْحَطِيمِ بِذَلِكَ وَقَالَ أَصْبَغُ إذَا سَمَّى شَيْئًا إمَّا بِقَرْيَةِ مَكَّةَ كَقَوْلِك الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَبِي قُبَيْسٍ وَقُعَيْقِعَانِ وَأَجْنَادِينَ وَالْأَبْطُحِ وَالْحَجُونِ وَشِبْهِ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَإِذَا سَمَّى مَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ قَرْيَةِ مَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا سَمَّى شَيْئًا مِمَّا فِي الْحَرَمِ كَمِنًى وَالْمُزْدَلِفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَزِمَهُ وَإِنْ سَمَّى شَيْئًا مِمَّا هُوَ خَارِجَ الْحَرَمِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا عَرَفَةُ.
وَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ مِثْلَ هَذَا عَنْ أَشْهَبَ وَزَادَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمَوْضِعَ الْمُسَمَّى بِعَيْنِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إلَّا ذِكْرَ عَرَفَةَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْقِيَاسِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَنَسْتَحْسِنُهُ إذَا قَالَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ الْكَعْبَةِ وَمَكَّةَ.
فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَلَّقَ الْمَشْيَ بِغَيْرِ الْبَيْتِ مِمَّا لَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ بِالْبُنْيَانِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا عَلَّقَهُ بِسَائِرِ الْبِلَادِ، وَقَوْلُنَا مِمَّا لَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ بِالْبُنْيَانِ احْتِرَازًا مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَلْزَمُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى الْبَيْتِ بِالْبُنْيَانِ وَهَذَا فَارَقَ قَوْلَهُ عَلَى الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّ مَكَّةَ وَالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ يَشْتَمِلَانِ عَلَى الْبَيْتِ بِالْبُنْيَانِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عِنْدَهُ مُخْتَصٌّ بِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهِيَ الْقَرْيَةُ وَمَا كَانَ فِيهَا وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ نَذَرَ مَشْيًا أَوْ مَسِيرًا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَكَّةَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَيْهَا لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْمَشْيِ وَإِنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَشْيِ فَنَذَرَ الرُّكُوبَ إلَى مَكَّةَ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ فَنَذَرَ الِانْطِلَاقَ إلَى مَكَّةَ أَوْ الْمَسِيرَ إلَيْهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا الرُّكُوبُ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَكَّةَ تَتَعَلَّقُ بِهَا عِبَادَةٌ وَهِيَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَإِذَا نَذَرَ الْمُضِيَّ إلَيْهَا لَزِمَ بِمُجَرَّدِ النَّذْرِ وَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِنَذْرِهِ نِيَّةٌ كَمَنْ نَذَرَ الْمُضِيَّ إلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﵊ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُضِيِّ إلَى مَكَّةَ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالْقَسَمِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ بِهِ حُكْمٌ حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهِ نِيَّةُ الْقُرْبَةُ كَمَنْ نَذَرَ الْمُضِيَّ إلَى الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ الرُّكُوبُ يُرِيدُ فِيمَنْ نَذَرَ الرُّكُوبَ إلَى مَكَّةَ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ فِي هَذَا إنْ أَرَادَ الْمَشْيَ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِهِ وَأَمَّا الَّذِي يَنْذِرُ الْمَسِيرَ أَوْ الذَّهَابَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ لِأَنَّ نَذْرَهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَحَدِهِمَا بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ نَذَرَ مَشْيًا أَوْ مُضِيًّا فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ يُطْلِقَهُ فَإِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَكَانَ تَقْيِيدُهُ ذَلِكَ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ لَزِمَهُ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ فِي غَيْرِ مَا قَيَّدَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنْ قَيَّدَهُ بِحَجٍّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ مِنْ مَشْيِهِ فِي عُمْرَةٍ وَإِنْ قَيَّدَهُ بِعُمْرَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ مِنْهُ فِي حَجٍّ لِأَنَّ عَمَلَ الْحَجِّ أَكْثَرُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدْ قَيَّدَ نَذْرَهُ بِنُسُكٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ وَلَا يَقْضِي شَيْئًا مِنْهُ فِي غَيْرِهِ أَصْلُ ذَلِكَ إنْ قَيَّدَهُ بِالْحَجِّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ مَشْيًا وَلَا يَقْضِي شَيْئًا مِنْهُ فِي عُمْرَتِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَشْيَهُ فِي مَسِيرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُضِيَّ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ إلَّا إذَا كَانَ لِأَدَاءِ عِبَادَةٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ بِالنَّذْرِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَإِذَا قُلْنَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
١ -
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي ابْتِدَاءِ ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ
следующие страницы →