← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ الْقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ يُرِيدُ أَنَّ حَالَ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَجْرِهِ وَثَوَابِهِ مِثْلُ أَجْرِ هَذَا لِأَنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفِ الْمُجَاهِدِ وَأَكْلِهِ وَنَوْمِهِ وَغَفْلَتِهِ يُمَاثِلُ ثَوَابُهُ ثَوَابَ الَّذِي يَقْرِنُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ فَقَالَ: لَا أَجِدُ هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ الْمَسْجِدَ تُصَلِّي لَا تَفْتُرُ وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ قَالَ: مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ» . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ الْكَفَالَةُ الضَّمَانُ وَإِنَّمَا أَضَافَ الْكَفَالَةَ إلَى الْبَارِئِ فِي هَذَا الْعَمَلِ لِأَنَّهُ أَوْفَى كَفِيلٍ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الْجِهَادِ وَالتَّصْحِيحِ لِثَوَابِ الْمُجَاهِدِ وَقَوْلُهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ فِي جِهَادِهِ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَشُوبُهُ طَلَبُ الْغَنِيمَةِ وَلَا الْعَصَبِيَّةُ لِلْأَهْلِ وَالْعَشِيرَةِ وَلَا حُبُّ الظُّهُورِ وَلَا سُمْعَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْمَعَانِي غَيْرَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَإِذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ وَعَقْدُهُ الْجِهَادَ فَلَا يُنْقِصُ أَجْرَهُ وَلَا يَنْقُضُ عَقْدَهُ مَا نَالَ مِنْ غَنِيمَةٍ بَلْ هِيَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وَأَجْرُهُ وَافِرٌ كَامِلٌ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ خُرُوجِهِ وَعَقْدِهِ وَمَقْصِدِهِ فِي قِتَالِهِ الْغَنِيمَةَ أَوْ إظْهَارَ النَّجْدَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الثَّوَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الشَّهَادَتَيْنِ وَأَنَّ تَصْدِيقَهُ بِهِمَا يُثْبِتُ فِي نَفْسِهِ عَدَاوَةَ مَنْ كَذَّبَهُمَا وَالْحِرْصَ عَلَى قَتْلِهِ وَالْمُجَاهَدَةِ لَهُ وَقَوْلُهُ ﷺ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إنْ أُصِيبَ بِمَوْتٍ أَوْ قُتِلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَخْتَصُّ بِالْقَتْلِ دُونَ غَيْرِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ بِأَثَرِ قَتْلِهِ وَيَكُونَ هَذَا تَخْصِيصًا لِلشُّهَدَاءِ كَمَا خُصُّوا بِأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وَالثَّانِي أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بَعْدَ الْبَعْثِ وَيَكُونَ فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَفَّارَةً لِجَمِيعِ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَثُرَتْ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَأَنَّهُ لَا مُوَازَنَةَ بَيْنَ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْخَطَايَا وَبَيْنَ ثَوَابِ مَا خَرَجَ لَهُ مِنْ الْجِهَادِ فَلَمْ يَرْجِعْ وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فِي «الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَرَأَيْت إنْ قُتِلْتُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ فَقَالَ ﷺ : نَعَمْ ثُمَّ قَالَ لَهُ بَعْدَ أَنْ رَدَّ عَلَيْهِ إلَّا الدَّيْنَ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ» . ١ - (فَصْلٌ) : «وَقَوْلُهُ ﷺ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعَ الَّذِي يَنَالُ مِنْهُمَا فَإِنْ أَصَابَ غَنِيمَةً فَلَهُ أَجْرٌ وَغَنِيمَةٌ وَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْغَنِيمَةَ فَلَهُ الْأَجْرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَتَكُونُ» أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ نَالَ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ عَلَى قَدَرٍ ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُوا غَنِيمَةً إلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْأُجْرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَمْ أَجْرُهُمْ» وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ رَوَاهُ أَبُو هَانِئِ حُمَيْدٍ بْنُ هَانِئٍ وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ

стр. 842

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ» وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ: لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ــ [المنتقى] مَعْنَاهُ أَنْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا أَوْ يَكُونُوا قَدْ خَرَجُوا قَاصِدِينَ لَهَا مَعَ إرَادَةِ الْجِهَادِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ غَازِيًا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ عَلَى مَا أَصَابُوا مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ نَافِعٍ الزُّرَقِيِّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ» وَرُوِيَ «عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: مَا يُدْرِيك لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ» . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ يُرِيدُ أَنَّ اتِّخَاذَهَا وَرَبْطَهَا فِي الْغَالِبِ يَكُونُ لِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثِ الْأَحْوَالِ إمَّا لِمُجَرَّدِ الْأَجْرِ وَهُوَ لِمَنْ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِمَّا لِلسِّتْرِ وَهُوَ لِمَنْ رَبَطَهَا لِيَكْتَسِبَ عَلَيْهَا وَإِمَّا لِلْوِزْرِ وَهُوَ لِمَنْ رَبَطَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ، وَارْتِبَاطُ الْخَيْلِ وَرَبْطُهَا هُوَ اقْتِنَاؤُهَا وَأَصْلُهُ مِنْ الرَّبْطِ بِالْحَبْلِ وَالْمِقْوَدِ وَلَمَّا كَانَتْ الْخَيْلُ لَا تُسْتَبَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ كُلُّ مَنْ اقْتَنَى فَرَسًا رَبَطَهُ وَكَثُرَ ذَلِكَ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا حَتَّى سَمَّوْا اقْتِنَاءَهَا وَاِتِّخَاذَهَا رَبْطًا فَمَعْنَى رَبْطِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إعْدَادُهَا لِهَذَا الْوَجْهِ وَاِتِّخَاذُهَا بِسَبَبِهِ وَهُوَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ يُثَابُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فِي حَالِ مَقَامِهِ دُونَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْجِهَادِ وَغَزْوِ الْعَدُوِّ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِعْدَادِ لَهُ وَالْإِرْهَابِ عَلَى الْعَدُوِّ فَإِذَا غَزَا بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ وَأَجْرُ الِاتِّخَاذِ وَالرِّبَاطِ. ١ - (فَصْلٌ) : الرِّبَاطُ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: رِبَاطُ الْخَيْلِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] الْآيَةُ وَرِبَاطُ الْخَيْلِ يَكُونُ اتِّخَاذَهَا فِي مَوْطِنِ الْمُتَّخِذِ لَهَا وَغَيْرِ مَوْطِنِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الثَّغْرِ وَقُرْبِ الْعَدُوِّ أَوْ فِي مُعْظَمِ الْإِسْلَامِ وَبِالْبُعْدِ مِنْ الْعَدُوِّ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ بَابِ إعْدَادِ الْقُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْتِيهِ النَّفِيرُ وَيَحْتَاجُ إلَى الْغَزْوِ وَلَا يَجِدُ مِنْ الْمُهْلَةِ مَا يَتَّخِذُ فِيهِ الْخَيْلَ وَلِأَنَّ الْغَازِيَ بِهَا يَحْتَاجُ إلَى اخْتِبَارِهَا وَتَأْدِيبِهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا يَتِمُّ لَهُ مُرَادُهُ مِنْهَا إلَّا بِاِتِّخَاذِهَا قَبْلَ الْغَزْوِ بِهَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الرِّبَاطِ هُوَ رِبَاطُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ وَهُوَ أَنْ يَرْبِطَ نَفْسَهُ لِحِفْظِ الثُّغُورِ وَيُكْثِرُ سَوَادَهَا وَالْإِرْهَابَ عَلَى مَنْ جَاوَرَهُ مِنْ الْعَدُوِّ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وَمَا رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَرِبَاطُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ هُوَ أَنْ يَتْرُكَ وَطَنَهُ وَيَلْزَمَ ثَغْرًا مِنْ الثُّغُورِ الْمَخُوفَةِ لِمَعْنَى الْحِفْظِ وَتَكْثِيرِ السَّوَادِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ وَطَنُهُ الثَّغْرَ فَلَيْسَتْ إقَامَتُهُ بِهِ رِبَاطًا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ وَيُقِيمَ لِهَذَا الْوَجْهِ خَاصَّةً فَإِنْ أَقَامَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفَاتِهِ فَلَمْ يَرْبِطْ نَفْسَهُ لِمُدَافَعَةِ الْعَدُوِّ وَلَيْسَ

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] كَذَلِكَ رِبَاطُ الْخَيْلِ فَإِنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ يَسْتَغْنِي عَنْ اتِّخَاذِهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّ مَنْ اخْتَارَ الْمَقَامَ وَالِاسْتِيطَانَ بِالثَّغْرِ وَمَوْضِعِ الْخَوْفِ لِلرِّبَاطِ خَاصَّةً وَأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَمْكَنَهُ الْمَقَامُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبُلْدَانِ لَهُ حُكْمُ الرِّبَاطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا كَانَ الثَّغْرُ رِبَاطًا لِمَوْضِعِ الْخَوْفِ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ الْمَخَافَةُ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ بَعُدَ الْعَدُوُّ عَنْهُمْ فَإِنَّ حُكْمَ الرِّبَاطِ يَزُولُ عَنْهُمْ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ جَعَلَ شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيَجْعَلُهُ فِي جُدَّةٍ قَالَ: لَا قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ بِهَا خَوْفٌ قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَرِبَاطُ الْخَيْلِ وَالنَّفْسِ مِنْ عِدَّةِ الْجِهَادِ وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ: أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك الرِّبَاطُ أَمْ الْغَارَاتُ فِي الْعَدُوِّ؟ قَالَ أَمَّا الْغَارَاتُ فَلَا أَدْرِي كَأَنَّهُ كَرِهَهَا وَأَمَّا السَّيْرُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ عَلَى الْإِصَابَةِ يُرِيدُ السُّنَّةَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَرِهَ الْغَارَاتِ لَمَّا كَانُوا يَقْصِدُونَ بِهَا مَنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ وَرُبَّمَا غَلُّوا وَأَمَّا السَّيْرُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ وَهُوَ الْغَزْوُ عَلَى الْإِصَابَةِ لِلْحَقِّ وَالسُّنَّةِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَلَا يَغُلَّ وَيُطِيعُ الْأَمِيرَ فِي الْحَقِّ فَهُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى الرِّبَاطِ دُخُولَ أَرْضِ الْعَدُوِّ وَإِهَانَتِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الْجِهَادَ لِسَفْكِ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَالرِّبَاطَ لِحَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَحَقْنُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ حِينَ دَخَلَ فِي الْجِهَادِ مَا دَخَلَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ بِثَغْرٍ مِنْ الثُّغُورِ قَدْ اشْتَدَّ حَتَّى خِيفَ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَاسْتُنْفِرُوا لِإِدْرَاكِ ذَلِكَ الثَّغْرِ فَإِنَّ قَصْدَ ذَلِكَ الثَّغْرِ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَوْلَى لِأَنَّ حَقْنَ دِمَاءِ أَهْلِهِ أَفْضَلُ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُ ثَغْرًا مِنْ الثُّغُورِ لِلرِّبَاطِ فِيهِ لَا لِعَدُوٍّ يَتَرَقَّبُ نُزُولَهُ وَيَتْرُكُ الْغَزْوَ إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ فَقَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ لِأَنَّ دُخُولَهُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ نِكَايَةٌ فِيهِمْ وَإِهَانَةٌ لَهُمْ وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ حِفْظٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ نِكَايَةَ الْعَدُوِّ تُضْعِفُهُمْ عَنْ غَزْوِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: مَا غَزَا قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إلَّا ذَلُّوا. (فَصْلٌ) : «وَقَوْلُهُ ﷺ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَذَكَرَ أَنَّهُ الرَّبْطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ثُمَّ وَصَفَ أَنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفِهَا أَجْرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَزْوٌ فَإِنْ أَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ لِلرَّعْيِ فَإِنَّ مَا أَصَابَتْ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٍ وَقَوْلُهُ « ﷺ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ» يُرِيدُ ﷺ أَنَّ تَصَرُّفَ هَذِهِ الْخَيْلِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ يَكُونُ حَسَنَاتٍ لَهُ وَلِذَلِكَ وَصَفَ أَوَّلًا مَا كَانَ بِسَبَبِهِ مِنْ الْإِطَالَةِ لَهَا فِي الْمَرْجِ وَالرَّوْضَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَكُونُ بِغَيْرِ سَبَبِهِ وَمِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ مِنْ قَطْعِ الطِّيَلِ وَهُوَ مَا أَطَالَ لَهَا فِيهِ مِنْ الْحَبْلِ، وَاسْتِنَانُ الشَّرَفِ هُوَ الْجَرْيُ إلَى مَا يَعْلُو مِنْ الْأَرْضِ وَرَأَيْت لِبَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الشَّرَفَ وَالطَّلَقَ وَاحِدٌ فَيَكُونُ مَعْنَاهَا عَلَى هَذَا جَرْيُهَا طَلِقًا أَوْ طَلِقَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُرِدْ فِعْلَهُ مِنْ أَنْ تَشْرَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرِيدَ سَقْيَهَا وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَسَنَاتٍ لَهُ مِنْ رَبْطِهَا وَإِنَّمَا أَتَى بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِيَسْتَوْعِبَ أَنْوَاعَ تَصَرُّفِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا يُرِيدُ أَنَّهُ رَبَطَهَا لِيَسْتَغْنِيَ بِهَا وَيَعِفَّ عَنْ السُّؤَالِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِهِ فِيهَا لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اتِّخَاذَهَا لِهَذَا الْوَجْهِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا فَإِنْ ضَيَّعَ حُقُوقَ اللَّهِ فِيهَا لَمْ تُوصَفْ بِأَنَّهَا سِتْرٌ لَهُ خَاصَّةً لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمَآثِمِ وَالْوِزْرِ بِسَبَبِهَا وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَأْثَمْ بِاِتِّخَاذِهَا لِأَنَّهُ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا وَالْحُقُوقُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ لِلَّهِ بِرِقَابِهَا أَنْ تُؤَدَّى مِنْهَا الْحُقُوقُ إذَا تَعَيَّنَتْ فِيهَا بِاخْتِصَاصِهَا بِهَا أَوْ لِضِيقِ ذِمَّتِهِ عَنْهَا

стр. 844

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً؟ رَجُلٌ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً بَعْدَهُ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَتِهِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» ) . ــ [المنتقى] وَاحْتِيَاجِهِ إلَى أَدَائِهَا مِنْ رِقَابِ هَذِهِ الْخَيْلِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ ظُهُورِهَا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْجِهَادِ بِهَا إذَا دَعَتْ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْهَا لِلْجِهَادِ إلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِهَا وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حَمْلُ الضَّعِيفِ عَلَيْهَا إذَا خَافَ عَلَيْهِ الْهَلَكَةَ وَلَمْ يَجِدْ مَحْمَلًا غَيْرَهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ يُرِيدُ أَنْ يَفْتَخِرَ بِهَا وَيُرَائِيَ بِهَا الْإِسْلَامَ وَأَمَّا لَوْ افْتَخَرَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ وَرِئَائِهِمْ بِهَا لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْخَيْرِ الَّذِي يَرْجُو عَلَيْهِ الْأَجْرَ وَأَمَّا النِّوَاءُ فَهُوَ الْمُقَاوَمَةُ عَلَى وَجْهِ الْعَدَاوَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ نَاوَى فُلَانًا إذَا قَاوَمَهُ عَلَى عَدَاوَةٍ فَمَنْ اقْتَنَى فَرَسًا يَفْتَخِرُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيُنَاوِيهِمْ بِهَا فَهِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحُمُرِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ السَّائِلَ لَهُ لَمْ يَعْلَمْ إنْ كَانَ حُكْمُ الْحُمُرِ حُكْمَ الْخَيْلِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهَا لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ أَوْ يَكُونُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْخَيْلِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تُتَّخَذُ غَالِبًا لِجِهَادٍ وَلَا تُرْبَطُ فِيهِ وَهِيَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يناوي بِهَا وَلَا يُفْتَخَرُ بِاقْتِنَائِهَا وَلَا هِيَ مِمَّا يُتَكَسَّبُ بِرُكُوبِهَا وَأَنْ يُكْسَبَ بِالْحَمْلِ عَلَيْهَا كَالْإِبِلِ وَالْبِغَالِ فَقَالَ ﷺ : لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ التَّقْسِيمِ وَالتَّفْسِيرِ مَا نَزَلَ فِي الْخَيْلِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُشَارِكَةٍ لَهَا فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] وَالْحُمُرُ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الْخَيْلِ فِي الْجِهَادِ فَقَدْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا رَاحِلَتَهُ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ اقْتِنَاءَ الْخَيْلِ وَيَحْمِلُ عَلَيْهَا زَادَهُ وَسِلَاحَهُ وَيَتَكَسَّبُ عَلَيْهَا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَأَمَّا هِيَ فَيَشْتَرِيهَا وَيَسْتَعِينُ بِهَا أَهْلُ الشِّرْكِ وَالْبَغْيِ عَلَى غَزْوِ الْإِسْلَامِ فَيُوزَرُونَ بِهَا فَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ لِأَنَّ اقْتِنَاءَهَا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ أَوْ مِنْ عَمَلِ الشَّرِّ وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى مَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَرَاهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعُمُومِ لِأَنَّهُ ﷺ تَعَلَّقَ بِعُمُومِ الْآيَةِ وَاسْتَفَادَ مِنْهُ حُكْمًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّعَلُّقِ بِهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَقَوْلُهُ ﷺ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ يُرِيدُ ﷺ الْعَامَّةَ وَقَوْلُهُ ﷺ الْفَاذَّةُ يُرِيدُ الْقَلِيلَةَ الْمِثْلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ يُقَالُ كَلِمَةٌ فَاذَّةٌ وَفَذَّةٌ أَيْ شَاذَّةٌ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ لَهُمْ عَلَى الْإِصْغَاءِ إلَيْهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ وَالتَّفَرُّغِ لِفَهْمِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ ﷺ خَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً أَكْثَرَهُمْ ثَوَابًا فِي الْآخِرَةِ وَأَرْفَعَهُمْ دَرَجَةً وَقَوْلُهُ ﷺ رَجُلٌ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ مُوَاظِبٌ عَلَى ذَلِكَ وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي الْأَغْلَبِ مِنْ ذَلِكَ رَاكِبًا لَهُ أَوْ قَائِدًا هَذَا مُعْظَمُ أَمْرِهِ وَمَقْصُودُهُ مِنْ تَصَرُّفِهِ فَوَصَفَ بِذَلِكَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً بَعْدَهُ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَتِهِ وَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلَ الْمَنَازِلِ وَنَصَّ عَلَيْهَا وَرَغَّبَ فِيهَا مَنْ قَوِيَ عَلَيْهَا وَأَخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِفَضْلِ مَنْ قَصَرَ عَنْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ وَضَعُفَ عَنْهَا فَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَكُونَ آخِذًا بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِيهِ

стр. 845

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: «أَخْبَرَنِي عِبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ عِبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنْ الرُّومِ وَمَا ــ [المنتقى] فَفِي النَّاسِ الضَّعِيفُ وَالْكَبِيرُ وَذُو الْعَاهَةِ وَالْفَقِيرُ وَوَصْفُ ﷺ هَذَا الْمُعْتَزِلِ فِي أَنَّهُ فِي غَنِيمَتِهِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ إشَارَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى قِلَّةِ الْمَالِ وَقَدْ يَكُونُ اعْتِزَالُهُ ضَعْفًا عَنْ الْجِهَادِ. وَقَدْ «رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي غُزَاةٍ: إنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إلَّا وَهُمْ مَعَنَا حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْجِهَادِ وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ مَعَ الْغِنَى عَنْهُ بِالِانْقِبَاضِ وَالِاعْتِزَالِ لَمَّا يَرَى أَنَّ ذَلِكَ أَرْفَقُ بِهِ وَأَوْفَقُ لَهُ فِي دِينِهِ فَهَذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَعَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى فَمَنْزِلَتُهُ بَعْدَ مَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ مِنْ أَفْضَلِ الْمَنَازِلِ لِأَدَائِهِ الْفَرَائِضَ وَإِخْلَاصِهِ لِلَّهِ الْعِبَادَةَ وَبُعْدِهِ عَنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ إذَا خَفِيَ مَوْضِعُهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شُهْرَةً لَهُ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْذِي أَحَدًا وَلَا يَذْكُرُهُ وَلَا تَبْلُغُ دَرَجَتُهُ دَرَجَةَ الْمُجَاهِدِ لِأَنَّ الْمُجَاهِدَ يَذُبُّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُجَاهِدُ الْكَافِرِينَ حَتَّى يُدْخِلَهُمْ فِي الدِّينِ يَتَعَدَّى فَضْلُهُ إلَى غَيْرِهِ وَيَكْثُرُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَهَذَا الْمُعْتَزِلُ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى غَيْرِهِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَأَى أَنَّ الِانْقِبَاضَ أَسْلَمُ لِدِينِهِ وَأَعْدَلُ لِحَالِهِ وَرَأَى أَنَّ نَفْسَهُ أَطَوْعُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا لِهَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْحَظُّ لَهُ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجِدُ نَفْسَهُ أَطَوْعَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجِدُهَا أَطَوْعَ لَهُ فِي الْجِهَادِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجِدُهَا أَطَوْعَ لَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسْبِ مَا يُفْتَحُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَيُقْسَمُ لَهُ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْلُ الْبَيْعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُعَاوَضَةُ فِي الْأَمْوَالِ ثُمَّ سُمِّيَتْ مُعَاقَدَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَمُعَاهَدَةُ الْمُسْلِمِينَ مُبَايَعَةً بِمَعْنَى أَنَّهُ عَاوَضَهُمْ بِمَا ضَمِنَ لَهُمْ مِنْ الثَّوَابِ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَمَلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١] إلَى قَوْلِهِ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ السَّمْعُ هَهُنَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الطَّاعَةِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ الْإِصْغَاءَ إلَى قَوْلِهِ وَالتَّفَهُّمَ لَهُ يُرِيدُ أَنَّ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْنَا السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي حَالِ الْيُسْرِ وَحَالِ الْعُسْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يُسْرَ الْمَالِ وَعُسْرَهُ وَالتَّمَكُّنَ مِنْ جِيدِ الرَّاحِلَةِ وَوَافِرِ الزَّادِ وَالِاقْتِصَارَ عَلَى أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ مِنْهُمَا وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ يُرِيدُ وَقْتَ النَّشَاطِ إلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَوَقْتَ الْكَرَاهِيَةِ لِذَلِكَ وَلَعَلَّهُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمَنْشَطِ وُجُودَ السَّبِيلِ إلَى ذَلِكَ وَالتَّفَرُّغَ لَهُ وَطِيبَ الْوَقْتِ وَضَعْفَ الْعَدُوِّ وَيُرِيدُ بِالْمَكْرَهِ تَعَذُّرَ السَّبِيلِ وَشُغْلَ الْمَانِعِ وَشِدَّةَ الْهَوَاءِ بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَصُعُوبَةَ السَّفَرِ وَقُوَّةَ الْعَدُوِّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ يُرِيدُ الْإِمَارَةَ وَيَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا عَلَى الْأَنْصَارِ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ لَا يُنَازِعُوا فِيهِ أَهْلَهُ وَهِيَ قُرَيْشٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا أَخَذَهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ أَنْ لَا يُنَازِعُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ الْأَمْرَ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ الْأَمْرِ إذَا كَانَ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرُوا الْحَقَّ بِالْقَوْلِ أَوْ الْقِيَامِ بِهِ حَيْثُ كَانُوا مِنْ الْمَوَاطِنِ وَالْأَمَاكِنِ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَخَافَةٌ وَلَا لَوْمَةُ لَائِمٍ.

стр. 846

يَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ ﵁: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ مَهْمَا تَنْزِلُ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مَنْزِلٍ شِدَّةٌ يَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَهَا فَرَجًا وَأَنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إذَا كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَشِيرُ فِيمَا يَفْعَلُهُ لِمَا فَجَأَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جُمُوعِ الرُّومِ وَيُعَلِّمُهُ مَا يَتَّقِي مِنْهُمْ وَيَخَافُ مِنْ ضَعْفِ مُسْلِمِي الثُّغُورِ عَنْهُمْ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ ﵁ بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ يُرِيدُ أَنَّ عَاقِبَةَ الْمُؤْمِنِينَ إلَى الْفَرَجِ وَقَوْلُهُ ﵁ فَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ قِيلَ: إنَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا عُرِّفَ الْعُسْرُ اقْتَضَى اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ فَكَانَ الْعُسْرُ الْأَوَّلُ هُوَ الثَّانِي مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] وَلَمَّا كَانَ الْيُسْرُ مُنْكَرًا كَانَ الْأَوَّلُ مِنْهُ غَيْرَ الثَّانِي وَقَدْ أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَك بِأَثَرِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْيُسْرَيْنِ عِنْدَهُ الظَّفَرُ بِالْمُرَادِ وَالْأَجْرُ فَالْعُسْرُ لَا يَغْلِبُ هَذَيْنِ الْيُسْرَيْنِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لِلْمُؤْمِنِ أَحَدُهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ ظَاهِرٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وَذَكَّرَهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ وَنَبَّهَهُمْ عَلَيْهَا لَمَّا تَضَمَّنَتْ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الْأَمْرِ بِالصَّبْرِ وَمُدَاوَمَتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَصَابِرُوا وَالْأَمْرُ بِالرِّبَاطِ هُوَ الْمَقَامُ بِالثَّغْرِ وَسَدُّهُ وَالذَّبُّ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِهِ. [النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ] (ش) : قَوْلُهُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الصُّحُفَ لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ مَكْتُوبًا فِيهَا سَمَّاهُ قُرْآنًا وَلَمْ يُرِدْ مَا كَانَ مِنْهُ مَحْفُوظًا فِي الصَّدْرِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِحَافِظِ الْقُرْآنِ الْغَزْوُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا إهَانَةَ لِلْقُرْآنِ فِي قَتْلِ الْغَازِي وَإِنَّمَا الْإِهَانَةُ لِلْقُرْآنِ بِالْعَبَثِ بِالْمُصْحَفِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ. وَقَدْ رُوِيَ مُفَسَّرًا نَهْيُ أَنْ يُسَافَرَ بِالْمُصْحَفِ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْمُصْحَفِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ» . ١ - (فَصْلٌ) : وَالسَّفَرُ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى الْغَزْوِ وَغَيْرِهِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: قُلْت لِسَحْنُونٍ أَجَازَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ الْغَزْوَ بِالْمُصْحَفِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فِي الْجَيْشِ الْكَبِيرِ كَالطَّائِفَةِ وَنَحْوِهَا وَأَمَّا السَّرِيَّةُ وَنَحْوُهَا فَلَا قَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ عَامًّا وَلَمْ يُفَصِّلْ وَقَدْ يَنَالُهُ الْعَدُوُّ مِنْ نَاحِيَةِ الْغَفْلَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ أَنَّهُ لَا قُوَّةَ فِيهِ عَلَى الْعَدُوِّ وَلَيْسَ مِمَّا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى حَرْبِهِ وَقَدْ يَنَالُهُ لِشُغْلٍ عَنْهُ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ وَقَدْ يَنَالُهُ بِالْغَلَبَةِ أَيْضًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْكُفَّارِ رَغِبَ أَنْ يُرْسَلَ إلَيْهِ بِمُصْحَفٍ يَتَدَبَّرُهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِ بِهِ لِأَنَّهُ نَجِسٌ جُنُبٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ الْقُرْآنَ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِمْ احْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ بِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُكْتَبَ إلَيْهِمْ بِالْآيَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى سَبِيلِ الْوَعْظِ كَمَا كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى مَلِكِ الرُّومِ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] .

стр. 847

النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فِي الْغَزْوِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ قَالَ: فَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: بَرِحَتْ بِنَا امْرَأَةُ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ بِالصِّيَاحِ فَأَرْفَعُ السَّيْفَ عَلَيْهَا ثُمَّ أَذْكُرُ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكُفُّ وَلَوْلَا ذَلِكَ اسْتَرَحْنَا مِنْهَا» ) . ــ [المنتقى] فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ يُرِيدُ أَهْلَ الشِّرْكِ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا تَمَكَّنُوا مِنْ نَيْلِهِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ مُنِعَ السَّفَرُ بِهِ إلَى بِلَادِهِمْ. [النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فِي الْغَزْوِ] (ش) : قَوْلُهُ نَهَى الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ يُرِيدُ حِينَ أَنْفَذَهُمْ لِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ وَنَهْيُهُ هَذَا عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ أَصْلٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَسَيَرِدُ بَعْدَ هَذَا مُفَسَّرًا وَقَوْلُهُ بَرِحَتْ بِنَا يُرِيدُ أَظْهَرَتْ أَمْرَنَا بِصِيَاحِهَا فَكَانَ يَمْنَعُهُ قَتْلَهَا إذَا رَفَعَ عَلَيْهَا السَّيْفَ مَا يَذْكُرُ مِنْ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَوْلَا مَا يَذْكُرُهُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْيِ لَقَتَلَهَا فَاسْتَرَاحُوا مِنْهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعُمُومِ لِأَنَّهُ أَجْرَى نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُمُومِهِ فِي سَائِرِ الْحَالَاتِ وَلَمْ يَقْصُرْهُ عَلَى الْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ دُونَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ إذَا جَرَى مِنْهَا مِثْلُ هَذَا مِنْ الْإِنْذَارِ بِالصِّيَاحِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: لَا تُقْتَلُ النِّسَاءُ فِي الْحِرَاسَةِ خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ فِي قَوْلِهِ يُقْتَلْنَ فِي الْحِرَاسَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحِرَاسَةَ عَلَى الْأَسْوَارِ وَالْحُصُونِ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْمُدَافَعَةِ وَهَذَا مِمَّا يُمْكِنُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ فِعْلُهُ كَالنَّظَرِ وَالْمُرَاعَاةِ وَلَا يُسْتَبَاحُ قَتْلُ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ وَلَكِنْ يُسْتَبَاحُ قَتْلُهُمْ بِالْقِتَالِ وَالْمُدَافَعَةِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا الرِّجَالُ غَالِبًا. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ امْرَأَةً مَقْتُولَةً فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» ) . (ش) : قَوْلُهُ رَأَى فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ امْرَأَةً مَقْتُولَةً فَأَنْكَرَ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ عَلِمَ مِنْ حَالِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا لَمْ تُقَاتِلْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ أَمْرَهَا عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْ حَالِ النِّسَاءِ فِي بُعْدِهِنَّ عَنْ الْقِتَالِ وَالْمَنَعَةِ. وَقَدْ رَوَى رَبَاحُ بْنُ رَبِيعٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: اُنْظُرْ عَلَى مَا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ فَجَاءَ فَقَالَ: امْرَأَةٌ مَقْتُولَةٌ فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ قَالَ: وَعَلَى الْمُقَدَّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ لِخَالِدٍ: لَا تَقْتُلْ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا» فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ لِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ وَفِيهِنَّ مَعْنًى آخَرُ أَنَّهُنَّ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْعَدُوِّ وَيُنْتَفَعُ بِهَا دُونَ مَخَافَةٍ مِنْهُنَّ فَأَمَّا إنْ قَاتَلُوا فَإِنَّهُنَّ يُقْتَلْنَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي مَنَعَتْ مِنْ قَتْلِهِنَّ عَدَمُ الْقِتَالِ مِنْهُنَّ فَإِذَا وُجِدَ مِنْهُنَّ وُجِدَتْ عِلَّةُ إبَاحَةِ قَتْلِهِنَّ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى دَفْعِ مَضَرَّتِهِنَّ وَإِزَالَةِ مَنْعِهِنَّ الْمَوْجُودِ فِي الرِّجَالِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا قَاتَلْنَ بِالسِّلَاحِ وَالرُّمْحِ وَشَبَهِهِ وَأَمَّا الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ فَهَلْ يُبِيحُ قَتْلَهُنَّ أَمْ لَا؟ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُسْتَبَاحُ بِذَلِكَ قَتْلُهُنَّ وَرَوَاهُ ابْنُ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَضَرَّةَ هَؤُلَاءِ ضَعِيفَةٌ وَغِنَاهُنَّ عَنْ قَوْمِهِنَّ قَلِيلٌ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى قَتْلِهِنَّ وَمَنْعِ الِانْتِفَاعِ بِهِنَّ وَقَالَ سَحْنُونٌ: يَرْمِيهِنَّ الْمُسْلِمُونَ بِالْحِجَارَةِ وَإِنْ قُتِلْنَ فِي ذَلِكَ وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] . ١ - (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: تَجِبُ مُقَاتَلُهُنَّ وَلَمْ يُسْتَطَعْ عَلَيْهِنَّ إلَّا بَعْدَ أَسْرِهِنَّ فَهَلْ يُقْتَلْنَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُنَّ يُقْتَلْنَ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ لَا يُقْتَلْنَ بَعْدَ الْأَسْرِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُنَّ بِالْقِتَالِ قَدْ اسْتَحْقَقْنَ الْقَتْلَ وَلَا

стр. 848

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَ جُيُوشًا إلَى الشَّامِ فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ أَمِيرَ رَبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ فَزَعَمُوا أَنَّ يَزِيدَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ وَمَا أَنَا بِرَاكِبٍ إنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: إنَّك سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ فَدَعْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ وَسَتَجِدُ قَوْمًا فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ مِنْ الشَّعْرِ فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ وَإِنِّي مُوصِيك بِعَشْرٍ: لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا وَلَا تُخْرِبَنَّ عَامِرًا وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلَا بَعِيرًا إلَّا لِمَأْكَلَةٍ وَلَا تَحْرِقَنَّ نَخْلًا وَلَا تُغْرِقَنَّهُ وَلَا تَغْلُلْ وَلَا تَجْبُنْ) ــ [المنتقى] يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُنَّ بِالْأَسْرِ كَمَا لَوْ قَتَلْنَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُنَّ مِمَّنْ يُقَرُّ عَلَى غَيْرِ جِزْيَةٍ فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُنَّ بِالْأَسْرِ كَمَا لَمْ يُقَاتَلْنَ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَ جُيُوشًا إلَى الشَّامِ فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ لَهُ وَالتَّشْيِيعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سُنَّةً فِي تَشْيِيعِ الْخَارِجِ إلَى الْغَزْوِ وَالْحَجِّ وَسُبُلِ الْبَرِّ وَأَضَافَ مَشْيَهُ إلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إمَّا لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِمُمَاشَاتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ وَالْمُكَالَمَةِ لَهُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ خُرُوجُهُ بِسَبَبِهِ فَقَالَ خَرَجَ مَعَ يَزِيدَ يُشَيِّعُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَصَدَ بِخُرُوجِهِ تَشْيِيعَهُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا مَعًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَزَعَمُوا أَنَّ يَزِيدَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ عَلَى مَعْنَى الْإِكْرَامِ لِأَبِي بَكْرٍ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ لِدِينِهِ وَفَضْلِهِ وَخِلَافَتِهِ لِئَلَّا تَكُونَ حَالُهُ فِي الرُّكُوبِ أَرْفَعَ مِنْ حَالِهِ فِي الْمَشْيِ وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ مَا أَنْتَ بِنَازِلٍ وَمَا أَنَا بِرَاكِبٍ إنِّي احْتَسَبْت خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُرِيدُ أَنَّ قَصْدَهُ بِالْمَشْيِ فِي تَشْيِيعِهِمْ وَوَصِيَّتِهِمْ حِسْبَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَعَلَّهُ أَرَادَ الرِّفْقَ بِهِ وَالتَّقْوِيَةَ لَهُ لِمَا يَلْقَاهُ مِنْ نَصَبِ الْعَدُوِّ وَتَعَبِ السَّفَرِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَمُقَاوَمَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ لَا يَلْقَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْتَجْ مِنْ التَّقْوَى وَالتَّرَفُّهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ يَزِيدُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ إنَّك سَتَجِدُ أَقْوَامًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ فَدَعْهُمْ وَمَا زَعَمُوا إنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ يُرِيدُ الرُّهْبَانَ الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَأَقْبَلُوا عَلَى مَا يَدَّعُونَ مِنْ الْعِبَادَةِ وَكَفُّوا عَنْ مُعَاوَنَةِ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ بِرَأْيٍ أَوْ مَالٍ أَوْ حَرْبٍ أَوْ إخْبَارٍ بِخَبَرٍ فَهَؤُلَاءِ لَا يُقْتَلُونَ سَوَاءٌ كَانُوا فِي صَوَامِعَ أَوْ دِيَارَاتٍ أَوْ غِيرَانٍ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ اعْتَزَلُوا الْفَرِيقَيْنِ وَعَفُّوا عَنْ مُعَاوَنَةِ أَحَدِهِمَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا رُهْبَانُ الْكَنَائِسِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُقْتَلُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَزِلُوا أَهْلَ مِلَّتِهِمْ وَهُمْ مُدَاخِلُونَ لَهُمْ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُعْرَفَ سَلَامَتُهُمْ مِنْ مَعُونَتِهِمْ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يُسْبَى الرُّهْبَانُ وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْ صَوَامِعِهِمْ بَلْ يُتْرَكُونَ عَلَى حَالِهِمْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ يُسْبَوْنَ وَيُسْتَرَقُّونَ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَدَعْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي إبْقَاءَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ فَإِنْ كَانَ لِلرُّهْبَانِ أَمْوَالٌ فَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّاهِبِ لَهُ الْغَنِيمَةُ وَالزَّرْعُ فِي أَرْضِ الرُّومِ أَنَّهُ لَا يُعْرَضُ لَهُ وَذَلِكَ يَسِيرٌ وَلَا يُعْرَضُ لِبَقَرِهِ وَلَا لِغَنَمِهِ إذَا عُرِفَ أَنَّهَا لَهُ وَلِذَلِكَ وَجْهٌ يُعْرَفُ وَمَا أَدْرِي كَيْفَ يُعْرَفُ هَذَا وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إذَا كَانَ قَلِيلًا قَدْرَ عَيْشِهِ وَأَمَّا مَا جَاوَزَ ذَلِكَ فَلَا يُتْرَكُ لَهُ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ إنَّ فِي اسْتِئْصَالِ مَالِهِ قَتْلَهُ أَوْ إنْزَالَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يُتْرَكَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ لَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ وَسَتَجِدُ أَقْوَامًا فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ يُرِيدُ حَلَقُوا أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَعْنِي الشَّمَامِسَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ يُرِيدُ بِذَلِكَ قَتْلَهُمْ وَلَمْ يُرِدْ ضَرْبَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ خَاصَّةً وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]

стр. 849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَأَمَّا ضَرْبُ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ بِالسَّيْفِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا قَبْلَ الْأَسْرِ لَهُمْ فِي نَفْسِ الْحَرْبِ وَأَمَّا بَعْدَ أَسْرِهِمْ وَالتَّمَكُّنِ مِنْهُمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَثَّلَ بِهِمْ وَلَا يُعْبَثُ فِي قَتْلِهِمْ وَلَكِنْ تُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ صَبْرًا إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ فَعَلُوا بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ فَيُعْمَلُ بِهِمْ مِثْلُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] . ١ - (فَصْلٌ) : لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ الدَّعْوَةِ وَالْمُشْرِكُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: طَائِفَةٌ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ وَطَائِفَةٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ فَأَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ تُلْتَمَسُ غِرَّتُهُمْ وَيُقَاتَلُونَ دُونَ تَقْدِيمِ دَعْوَةٍ إلَى الْإِسْلَامِ وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُبَيَّتُوا غَزَوْنَاهُمْ نَحْنُ أَوْ أَقْبَلُوا إلَيْنَا غُزَاةً فِي بِلَادِنَا حَتَّى يُدْعَوْا قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَيْضًا الدَّعْوَةُ سَاقِطَةٌ عَمَّنْ قَارَبَ الدَّارَ لِعِلْمِهِمْ بِمَا يُدْعَوْنَ إلَيْهِ وَأَمَّا مَنْ شُكَّ فِي أَمْرِهِ فَخِيفَ أَنْ لَا تَبْلُغَهُ الدَّعْوَةُ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ أَقْطَعُ لِلشَّكِّ وَأَنْزَهُ لِلْجِهَادِ يُبَلَّغُ بِك وَبِهِمْ مَا بُلِّغَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ فَحَسَنٌ أَنْ يُدْعَوْا قَبْلَ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ لَمْ يُبْتَدَءُوا بِالْقِتَالِ حَتَّى يُدْعَوْا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَلْفَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونِ قَوْمٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ خَلْفَ الْخُزْرِ وَالتُّرْكِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الدَّعْوَةُ فَلَا يُقَاتَلُوا حَتَّى يُدْعَوْا إلَى الْإِيمَانِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَأَبَا نَائِلَةَ إلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ فَبَيَّتُوهُمَا غَارَّيْنِ وَقَتَلُوهُمَا وَلَمْ يُقَدِّمَا دَعْوَةً حِينَ قَتَلَاهُمَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا اُحْتُجَّ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ عِلْمُهُمْ بِمَا يُدْعَوْنَ إلَيْهِ وَعَادُوا الدِّينَ وَأَهْلَهُ وَالدَّعْوَةُ لَا تُحْدِثُ لَهُمْ إلَّا تَحْذِيرًا وَإِنْذَارًا وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَطْلُبُونَ الْغِرَّاتِ وَالْعَوْرَاتِ فَيَجِبُ أَنْ يُلْتَمَسَ مِنْهُمْ وَيُؤْخَذُوا بِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْعَوْا إلَى الْإِيمَانِ قَبْلَ الْقِتَالِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ: نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ ﷺ : اُنْفُذْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَوَاَللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا حَرْبٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَلَزِمَ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِالدَّعْوَةِ كَغَيْرِ الْعَالِمِينَ لِأَنَّ تَجْدِيدَ الدَّعْوَةِ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ التَّذْكِيرِ بِاَللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا تَقَدَّمَ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا حُكْمُ الرُّومِ وَأَمَّا الْقِبْطُ فَقَدْ قَرَنَ مَالِكٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّومِ فَقَالَ: لَا يُقَاتَلُوا وَلَا يُبَيَّتُوا حَتَّى يُدْعَوْا وَلَا نَرَى الدَّعْوَةَ بَلَغَتْهُمْ وَكَذَلِكَ الْفَرَازِنَةِ قَالَ الْقَاضِي وَهُمْ جِنْسٌ مِنْ الْحَبَشَةِ قَالَ: وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ بُلُوغَ الدَّعْوَةِ غِرَّةً فِيهِمْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ اسْتَعْمَلُوا الْكَفَّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُعَاجِلُوا بِالْمُحَارَبَةِ وَلَا اسْتَعْمَلُوا طَلَبَ الْغِرَّةِ فَلَمْ يَكُنْ فِي تَقْدِيمِ الدَّعْوَةِ وَجْهُ مَضَرَّةٍ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ ظَاهِرِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِي تَقْدِيمِ الدَّعْوَةِ لِمَنْ قَدْ بَلَغَتْهُ وَجْهُ مَضَرَّةٍ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِمْ وَلِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَقْدِيمِ الدَّعْوَةِ عَلَى مُحَارَبَةِ أَهْلِ خَيْبَرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ عِلْمُهُمْ بِمَا يَدْعُو النَّبِيُّ ﷺ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ لِطُولِ الْمُدَّةِ وَقُرْبِ الْمَسَافَةِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِنْ عُوجِلَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَقُتِلَ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى إلَى الْإِيمَانِ فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا دِيَةَ فِيهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: وَلَسْت أَعْرِفُ لِمَالِكٍ فِيهِ نَصًّا وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْخُرُوجِ ثُمَّ قُتِلَ خَطَأً لَمْ تَكُنْ فِيهِ دِيَةٌ فَالْكَافِرُ مِنْهُمْ أَوْلَى إلَّا أَنْ تَكُونَ فِيهِ دِيَةٌ قَالَ: وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّنَا مَمْنُوعُونَ مِنْ قَتْلِهِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ فِيهِ دِيَةً لِكَوْنِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَقَتْلِ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَكَذَلِكَ الرُّهْبَانُ وَالشَّيْخُ الْفَانِي.

стр. 850

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ ﵁ إنِّي مُوصِيك بِعَشْرِ خِلَالٍ لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا عَلَى حَسْبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَأَنَّ الصَّبِيَّ هُوَ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ وَلَمْ يُنْبِتْ فَإِنْ أَنْبَتَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ فَهَلْ يُقْتَلُ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: يُقْتَلُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَجْهُ الْقَوْلِ بِالْقَتْلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ مِنَّا قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ فَكُنْت فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الِاحْتِلَامَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الْبَارِّي تَعَالَى وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَالْأَحْكَامُ الَّتِي تَنْفُذُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالِاحْتِلَامِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُدْرَى وَيُمْكِنُ كِتْمَانُهُ وَادِّعَاؤُهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُعَلَّقَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ يَظْهَرُ وَتُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَهُوَ الْإِنْبَاتُ عَلَى أَنَّهُ فِي الْأَغْلَبِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الِاحْتِلَامِ وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ بِكَثِيرِ مُدَّةٍ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ مُقَارِنًا لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ ﵁ وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا يُرِيدُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ الَّذِي بَلَغَ مِنْ السِّنِّ مَا لَا يُطِيقُ الْقِتَالَ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي رَأْيٍ وَلَا مُدَافَعَةٍ فَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَلِلشَّافِعَيَّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَة وَالثَّانِي يُقْتَلُ هُوَ وَالرَّاهِبُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ هَذَا لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ وَلَا يُعِينُ الْعَدُوَّ بِمَنْعٍ دَائِمٍ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ كَالْمَرْأَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَنْ لَا يُخَافُ مِنْهُ مَضَرَّةٌ وَلَا مَعُونَةٌ بِرَأْيٍ وَلَا مَالٍ كَالرَّاهِبِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي فَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تُخْشَى مَضَرَّتُهُ فَيَكُونُ فِيهِ الْمَعُونَةُ بِالْحَرْبِ أَوْ الرَّأْيِ أَوْ الْمَالِ فَهَذَا إذَا أُسِرَ يَكُونُ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِيهِ بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يُفَادِيَ بِهِ أَوْ يَمُنَّ عَلَيْهِ أَوْ يَسْتَرِقَّهُ أَوْ يَعْقِدَ لَهُ الذِّمَّةَ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَأَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ وَعَقْدُ الذِّمَّةِ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي جَوَازِهِمَا وَأَمَّا الْقَتْلُ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ قَالَ: أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَسَارَى بَدْرٍ يَمُنُّ عَلَيْهِ أَوْ يُفَادِيهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ تَوَاتُرُ الْأَخْبَارِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ أَسَارَى بَدْرٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَسْرِ حَقْنٌ لِلدَّمِ وَإِنَّمَا يُحْقَنُ الدَّمُ بِعَقْدِ الْأَمَانِ. (مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا الْمَنُّ أَوْ الْمُفَادَاةُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْمَنُّ وَلَا الْمُفَادَاةُ وَحُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يُفَادَى بِمَالٍ وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْمُفَادَاةِ إنَّمَا هُوَ لِسَحْنُونٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ جَوَازِ الْمَنِّ وَالْمُفَادَاةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا تَظَافَرَتْ الْأَخْبَارُ بِهِ مِنْ مُفَادَةِ أَهْلِ بَدْرٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا قَتْلٌ يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ فَجَازَ تَرْكُهُ إلَى بَدَلٍ كَالْقِصَاصِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ بِحَسْبِ الِاجْتِهَادِ فَمَنْ عُلِمَتْ شَجَاعَتُهُ وَإِقْدَامُهُ أَوْ رَأْيُهُ وَتَدْبِيرُهُ فَالْأَوْلَى قَتْلُهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَكَانَ صَانِعًا أَوْ عَسِيفًا فَالْأَفْضَلُ اسْتِبْقَاؤُهُ، وَمَنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ غَنَاؤُهُ عَنْهُمْ قَلِيلًا وَأُخِذَ عَنْهُ عِوَضٌ نَافِعٌ مِنْ مَالٍ أَوْ أَسِيرٍ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فُودِيَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا وَلَا تُخْرِبَنَّ عَامِرًا هَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْبِلَادِ مِمَّا يُرْجَى أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ شَجَرُهُ الْمُثْمِرُ وَلَا يُخْرَبُ عَامِرُهُ

стр. 851

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لِمَا يُرْجَى مِنْ اسْتِيلَاء الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَانْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَمَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يُرْجَى مَقَامُ الْمُسْلِمِينَ بِهِ لِبُعْدِهِ وَتَوَغُّلِهِ فِي بِلَادِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُ يُخْرَبُ عَامِرُهُ وَيُقْطَعُ شَجَرُهُ الْمُثْمِرُ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْعَافًا لَهُمْ وَتَوْهِينًا وَإِتْلَافًا لِمَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: إنَّمَا نَهَى الصِّدِّيقُ عَنْ إخْرَابِ الشَّامِ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَصِيرَهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا مَا لَا يُرْجَى ظُهُورُهُمْ عَلَيْهِ فَخَرَابُ ذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ الصَّحِيحُ «وَقَدْ حَرَقَ النَّبِيُّ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ» . ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلَا بَعِيرًا إلَّا لِمَأْكَلَةٍ وَهَذَا أَيْضًا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَيَسْتَطِيعَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَخْرُجُوا بِهَا وَيَتَمَوَّلُوهَا فَلَا تُعْقَرُ إلَّا لِحَاجَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْعَقْرِ الذَّبْحَ وَالنَّحْرَ فَيَقُولَ: لَا يُسْرَعُ بِذَبْحِهَا وَنَحْرِ إبِلِهَا إلَّا لِحَاجَتِهِمْ إلَى أَكْلِهَا فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ السَّرَفِ وَالْإِفْسَادِ أَوْ عَلَى وَجْهِ التَّمَوُّلِ وَالْإِخْرَاجِ لِلْبَيْعِ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْعَقْرِ الْحَبْسَ لِمَا شَرَدَ مِنْهَا بِالْعَقْرِ الَّذِي يَحْبِسُ مَا نَدَّ وَشَرَدَ وَلَا تَبْلُغُ مَبْلَغَ الْقَتْلِ فَيَقُولُ مَا شَرَدَ عَلَيْكُمْ فَلَا يُمْكِنُكُمْ رُكُوبُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ فَلَا تَرْمُوهُ وَلَا تَعْقِرُوهُ وَلْيَكُنْ فِي جُمْلَةِ مَا يُسَاقُ مِنْ الْإِبِلِ وَلَا تَعْقِرُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إلَّا لِحَاجَتِكُمْ إلَى أَكْلِهِ فَاحْبِسُوهُ بِالْعَقْرِ ثُمَّ ذَكُّوهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ بِالنَّحْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ مَا يَعْجِزُ الْمُسْلِمُونَ عَنْ إخْرَاجِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُعْقَرُ وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ بِقَوْلِهِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْقَرَ غَنَمُهُمْ وَبَقَرُهُمْ وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ فِي تَرْكِ ذَلِكَ تَقْوِيَةً لِلْعَدُوِّ وَفِي إتْلَافِهِ إضْعَافًا لَهُمْ فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَأْكُلُ الْمِيتَةَ فَالصَّوَابُ أَنْ تُحْرَقَ بَعْدَ الْعَقْرِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لِيَبْطُلَ انْتِفَاعُهُمْ بِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ عَلَى مَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ وَحَمَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَلَى عُمُومِهِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَّا لِمَأْكَلَةٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا دَوَابُّهُمْ وَخَيْلُهُمْ وَبِغَالُهُمْ وَحُمُرُهُمْ فَإِنَّهَا تُعْقَرُ إذَا عُجِزَ عَنْ إخْرَاجِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُنَا غَيْرَ ابْنِ وَهْبٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ عَقْرُهَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَكِنْ تُخَلَّى وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ: إنَّ هَذِهِ أَمْوَالٌ بَاقِيَةٌ يَتَقَوَّى بِهَا الْعَدُوُّ فَجَازَ إتْلَافُهَا عَلَيْهِمْ كَالزَّرْعِ الْقَائِمِ وَالشَّجَرِ الْمُثْمِرِ. ١ - (فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِفَةِ الْعَقْرِ فَقَالَ الْمِصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: تُعَرْقَبُ وَتُذْبَحُ أَوْ يُجْهَزُ عَلَيْهَا وَقَالَ الْمَدَنِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُجْهَزُ عَلَيْهَا وَكَرِهُوا أَنْ تُذْبَحَ أَوْ تُعَرْقَبَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَبِهِ أَقُولُ لِأَنَّ الذَّبْحَ مَثُلَةٌ وَالْعَرْقَبَةَ تَعْذِيبٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّ الذَّبْحَ لَمْ يُكْرَهْ فِي الْخَيْلِ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَإِنَّمَا كُرِهَ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى إبَاحَةِ أَكْلِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا: يُضْرَبُ عُنُقُهُ وَتُبْقَرُ بَطْنُهُ فَأَمَّا الْعَرْقَبَةُ فَإِنَّهُ تَعْذِيبٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَالصَّوَابُ الْإِجْهَازُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ يَمْنَعُ أَكْلَهُ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ وَوَجْهُ مَا حَكَاهُ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ رُبَّمَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ وَكَذَلِكَ مَا وُقِفَ مِنْ خَيْلِ الْمُسْلِمِينَ بِبَلَدِ الْعَدُوِّ فَحُكْمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي خَيْلِ الْعَدُوِّ وَأَمَّا سَائِرُ الْأَمْوَالِ مِمَّا لَيْسَ بِحَيَوَانٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أُحْرِقَ وَلَمْ يُتْرَكْ طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا تَحْرِقَنَّ نَحْلًا وَلَا تُغْرِقَنَّهُ يُرِيدُ ذُبَابَ النَّحْلِ لَا يُحْرَقُ بِالنَّارِ وَلَا يُغْرَقُ فِي مَاءٍ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ يُحْرَقُ وَيُغْرَقُ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى إتْلَافِهَا إلَّا بِذَلِكَ وَإِتْلَافُهَا مَأْمُورٌ بِهِ لِأَنَّهَا مِمَّا يَقْوَى بِهِ الْعَدُوُّ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إتْلَافُهَا إلَّا بِالنَّارِ تُوُصِّلَ إلَيْهِ بِهَا كَالْفَارِّينَ مِنْ الْعَدُوِّ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمَرَ بِقَرْيَةٍ مِنْ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ إنْ قَرَصَتْك نَمْلَةٌ أَحْرَقْت أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ» وَهَذَا مَا لَمْ تَدْعُ إلَى ذَلِكَ حَاجَةُ أَكْلٍ فَإِنْ

стр. 852

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ أَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً يَقُولُ لَهُمْ: اُغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ لَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَقُلْ ذَلِكَ لِجُيُوشِك وَسَرَايَاك إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالسَّلَامُ عَلَيْك» ) . ــ [المنتقى] احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهَا إلَّا بِتَحْرِيقِهَا أَوْ تَغْرِيقِهَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَا يُتَنَاوَلُ مَا فِي جِبَاحِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ لَا تَغْلُلْ وَلَا تَجْبُنْ الْغُلُولُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْغَنِيمَةِ بَعْضُ الْغَانِمِينَ مَا لَمْ تُصِبْهُ الْمَقَاسِمُ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْجُبْنُ الْجَزَعُ وَالْفِرَارُ عَمَّنْ لَا يَجُوزُ الْفِرَارُ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ كَبِيرَةً إلَّا يَوْمَ بَدْرٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥] الْآيَةُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَاعَى فِي جَوَازِ الْفِرَارِ عَنْ الْعَدُوِّ فِي الْحَرْبِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْعَدَدُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: الْجَلَدُ وَهُوَ السِّلَاحُ وَالْقُوَّةُ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الْآيَةُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] . (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا أُمِنَ أَنْ يَكْثُرُوا فَأَمَّا فِي بِلَادِهِمْ وَحَيْثُ يُخَافُ تَكَاثُرُهُمْ فَإِنَّ لِلْعَدُوِّ الْيَسِيرِ أَنْ يُوَلُّوا عَنْ مِثْلِهِمْ لِأَنَّ فِرَارَهُمْ لَيْسَ عَنْ الْعَدَدِ الْيَسِيرِ وَإِنَّمَا هُوَ مَخَافَةَ أَنْ يَكْثُرُوا وَكَذَلِكَ إنْ فَرَّ عَدَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثْلِهِمْ مِنْ الْعَدُوِّ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْفِرَارُ وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ إذَا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَيَئِسَ مِنْهُمْ أَنْ يُوَلِّيَ حِينَئِذٍ لِأَنَّ تَوَلِّيَهُ إنَّمَا هُوَ عَنْ جَمَاعَةِ الْعَدُوِّ وَانْحِيَازًا إلَى أَصْحَابِهِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَيَئِسَ مِنْ رَجْعَتِهِمْ انْحَازَ فِي آخِرِهِمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً السَّرِيَّةُ مَنْ يَدْخُلُ دَارَ الْحَرْبِ مُسْتَخْفِيًا وَالْجَيْشُ مَنْ يَدْخُلُ مُعْلِنًا وَظَاهِرًا مُغَالِبًا وَلَيْسَ لِعَدَدِهِمَا حَدٌّ. وَقَدْ رُوِيَ خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ وَالطَّلَائِعُ أَرْبَعُونَ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ وَلَا تَبْيِيتٍ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ اُغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ عَلَى مَعْنَى تَبْيِينِ مَا يُفَارِقُهُمْ عَلَيْهِ وَتَذْكِيرِهِمْ بِتَحْقِيقِ النِّيَّةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ وَقَوْلُهُ ﷺ لَا تَغُلُّوا يُرِيدُ الْغُلُولَ وَسَيَرِدُ بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَا تَغْدِرُوا وَالْغَدْرُ هُوَ نَقْضُ الْعَهْدِ وَتَرْكُ الْوَفَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ وَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِغَدْرَتِهِ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَالتَّأْمِينُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُؤْمَنَ الْعَدُوُّ بِحَيْثُ الْقُوَّةُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ الْغَدْرُ بِهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَالثَّانِي أَنْ يُؤْمِنَهُمْ الْأَسِيرُ فِي أَيْدِيهِمْ ابْتِدَاءً أَوْ يُطْلِقُوهُ مِنْ الثِّقَافِ بِشَرْطِ ذَلِكَ وَيَتَنَاوَلُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُؤْمِنَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالثَّانِي أَنْ يُؤْمِنَهُمْ مِنْ فِرَارِهِ وَأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنْ أَمِنَهُمْ مِنْ فِرَارِهِ لَزِمَهُمْ الْوَفَاءُ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَهُ أَنْ يَفِرَّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ إذَا عَاهَدَكُمْ مُخْتَارًا لِلْعَهْدِ وَأَمَّا إنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ وَيَجُوزُ لَهُ الْفِرَارُ. ١ -

стр. 853

مَا جَاءَ فِي الْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَتَبَ إلَى عَامِلِ جَيْشٍ كَانَ بَعَثَهُ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَطْلُبُونَ الْعِلْجَ حَتَّى إذَا أَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ وَامْتَنَعَ قَالَ رَجُلٌ مطرس يَقُولُ: لَا تَخَفْ فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَتَلَهُ وَإِنِّي وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ فَعَلَ ذَلِكَ إلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ) ــ [المنتقى] فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَلَا تُمَثِّلُوا يُرِيدُ الْعَيْثَ فِي قَتْلِهِمْ بِقَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَفَقْءِ الْعَيْنِ وَقَطْعِ الْآذَانِ وَإِنَّمَا يُقْتَلُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ بِضَرْبِ الرِّقَابِ وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ قَتَلُوا رِعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا نَعَمَهُ فَأَمَرَ بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ» فَإِنَّهُ رَوَى سَلْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا فَعَلُوا بِالرِّعَاءِ مِثْلَ ذَلِكَ وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ مَنْ مَثَّلَ بِمُسْلِمٍ أَنْ يُمَثَّلَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْقِصَاصِ وَالْمُقَارَضَةِ عَلَى فِعْلِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِي قَتْلِهِمْ بَعْدَ الِاسْتِيثَاقِ مِنْهُمْ فَأَمَّا فِي الْحَرْبِ فَإِنَّهُمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَضْعُفَ الْمُشْرِكُ عَنْ الْمُحَارَبَةِ وَيَسْتَسْلِمَ فَهَذَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ دُونَ التَّمْثِيلِ وَلَا التَّعْذِيبِ وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُقَاتِلًا وَمُدَافِعًا فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُتَوَصَّلَ إلَى إذَايَتِهِ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ بِمَا فِيهِ تَمْثِيلٌ وَغَيْرُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ وَقُلْ ذَلِكَ لِجُيُوشِك وَسَرَايَاك إنْ شَاءَ اللَّهُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا خَصَّ الْأَمِيرَ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهَا مَنْ يُنْفِذُهُ مِنْ الْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطَاعُ أَمْرُهُ فَإِذَا أَمَرَ بِذَلِكَ مَنْ يُنْفِذُهُ امْتَثَلَ أَمْرَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [مَا جَاءَ فِي الْوَفَاءِ بِالْأَمَانِ] (ش) : قَوْلُهُ ﵁ أَنَّهُ بَلَغَنِي إنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَطْلُبُونَ الْعِلْجَ يُرِيدُ يَفِرُّ أَمَامَهُمْ فَيَتْبَعُونَهُ حَتَّى إذَا أَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ يُرِيدُ صَارَ فِي سَنَدِهِ وَامْتَنَعَ فِيهِ مِمَّنْ طَلَبَهُ قَالَ لَهُ: مطرس وَهَذِهِ لَفْظَةٌ فَارِسِيَّةٌ تَقُولُ الْفُرْسُ مطرس أَيْ لَا تَخَفْ فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَتَلَهُ فَأَنْكَرَ عُمَرُ ﵁ قَتْلَهُ بَعْدَ أَنْ أُمِّنَ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِمَا عُقِدَ مِنْ التَّأْمِينِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يُوَفَّى بِالْعَهْدِ فَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَقَالَ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] وَفِي التَّأْمِينِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ التَّأْمِينِ الْبَابُ الثَّانِي فِي وَقْتِ التَّأْمِينِ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الْمُؤَمِّنِ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ التَّأْمِينُ وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِي مُقْتَضَى التَّأْمِينِ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ التَّأْمِينِ) التَّأْمِينُ لَازِمٌ بِكُلِّ لِسَانٍ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ سَوَاءٌ فَهِمَهُ الْمُؤَمَّنُ أَوْ لَمْ يَفْهَمْهُ وَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِأَحَدِ الْجَنْبَتَيْنِ فَإِنْ أَرَادَ الْمُؤَمِّنُ التَّأْمِينَ وَلَمْ يَفْهَمْهُ الْحَرْبِيُّ فَقَدْ لَزِمَ الْأَمَانُ وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ بِهِ الْمُؤَمِّنُ مَنْعَ الْأَمَانِ فَظَنَّ الْحَرْبِيُّ أَنَّهُ أَرَادَ التَّأْمِينَ فَقَدْ لَزِمَ مِنْ الْأَمَانِ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ بِذَلِكَ الِاسْتِسْلَامِ وَحُكْمُ الْإِشَارَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْعِبَارَةِ وَالْكِنَايَةِ لِأَنَّ التَّأْمِينَ إنَّمَا هُوَ مَعْنًى فِي النَّفْسِ فَيُظْهِرُهُ تَارَةً بِالنُّطْقِ وَتَارَةً بِالْكِنَايَةِ وَتَارَةً بِالْإِشَارَةِ فَكُلُّ مَا بُيِّنَ بِهِ التَّأْمِينُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ كَالْكَلَامِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي وَقْتِ التَّأْمِينِ فِي الْجِهَادُ] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي وَقْتِ التَّأْمِينِ) التَّأْمِينُ لَازِمٌ مَا لَمْ يَكُنْ الْحَرْبِيُّ مَأْسُورًا أَوْ فِي حُكْمِ الْمَأْسُورِ مِمَّنْ تُيُقِّنَتْ غَلَبَتُهُ وَظَهَرَ الظَّفَرُ بِهِ فَأَمَّا الْمَأْسُورُ فَأَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ الِافْتِيَاتُ عَلَيْهِ فِيهِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ اسْتِرْقَاقُهُ وَلَا عَقْدُ الذِّمَّةِ لَهُ كَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ تَأْمِينُهُ وَالْمَنُّ عَلَيْهِ وَلَوْ أَشْرَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَخْذِ حِصْنٍ وَتُيُقِّنَ أَخْذُهُ فَأَمَّنَ أَهْلَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لِلْإِمَامِ رَدُّ تَأْمِينِهِ قَالَهُ سَحْنُونٌ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِمْ فَلَيْسَ لِهَذَا

стр. 854

[وَفِي التَّأْمِينِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ التَّأْمِينِ فِي الْجِهَادُ] ــ [المنتقى] الْمُؤَمِّنِ إبْطَالُهُ، وَلَوْ تَقَدَّمَ الْإِمَامُ بِمَنْعِ التَّأْمِينِ ثُمَّ تَعَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّنَ أَحَدًا كَانَ لِلْإِمَامِ رَدُّ تَأْمِينِهِ وَرَدُّ الْحَرْبِيِّ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَمَانِ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا مَنْعَ الْإِمَامِ وَإِنْ عَلِمُوا. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الْمُؤَمِّنِ فِي الْجِهَادُ] ١ (الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الْمُؤَمِّنِ) . الْمُؤَمِّنُونَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: آمِنٌ وَخَائِفٌ فَأَمَّا الْآمِنُ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ صِفَاتُ الْأَمَانِ وَهِيَ خَمْسَةٌ الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْإِسْلَامُ جَازَ تَأْمِينُهُ عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنْ عَدِمَ بَعْضَ هَذِهِ الْفُصُولِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ: لَا يَلْزَمُ غَيْرُ تَأْمِينِ الْإِمَامِ فَإِنْ أَمَّنَ غَيْرَهُ فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْضِيَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَل مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مُسْلِمٌ يَعْقِلُ الْأَمَانَ فَجَازَ أَمَانُهُ كَالْإِمَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْأُنُوثَةُ فَلَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْأَمَانِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَاعَاتِهَا فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: لَمْ أَجِدْ فِيهِ نَصًّا لِمَالِكٍ وَلَكِنَّهُمْ يَحْكُمُونَ بِلُزُومِ أَمَانِ الْعَبْدِ وَنَرَاهُ قِيَاسَ قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى لُزُومِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لُزُومَ أَمَانِ الْعَبْدِ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَخْرَجَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي النَّوَادِرِ رِوَايَةَ مَعْنِ بْنِ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْقِتَالِ جَازَ أَمَانُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْقِتَالِ لَمْ يَجُزْ أَمَانُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجْهُ إجَازَةِ أَمَانِهِ قَوْلُهُ ﷺ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَالْعَبِيدُ مِنْ أَدْنَى الْمُسْلِمِينَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَ أَمَانُهُ إذَا أُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ لَزِمَ وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ كَالْأَجِيرِ وَالْمَرْأَةِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ مَعْنٍ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ تَأْمِينُهُ كَالطِّفْلِ وَاَلَّذِي لَا يَعْقِلُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ تَأْمِينُ الصَّبِيِّ إذَا عَقَلَ الْأَمَانَ وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ أَجَازَهُ الْإِمَامُ فِي الْمُقَاتَلَةِ جَازَ تَأْمِينُهُ وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ لَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُ أَمَانُهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مُسْلِمٌ يَعْقِلُ الْأَمَانَ فَجَازَ تَأْمِينُهُ كَالْبَالِغِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلَا اخْتِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِ فِي لُزُومِ الْأَمَانِ وَصِحَّتِهِ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْقِلُ لَا يُعْتَبَرُ بِأَقْوَالِهِ وَلَا تَصِحُّ مَقَاصِدُهُ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الِاعْتِبَارُ بِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ فَخَصَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الْأَمَانُ] (الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الْأَمَانُ) قَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَوْلِ شَاهِدَيْنِ وَأَمَّا بِقَوْلِ الْمُؤَمِّنِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ التَّأْمِينُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمُؤَمِّنِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْبَغُ وَابْنُ الْمَوَّازِ وَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ أَنَّ التَّأْمِينَ فِعْلُ الْمُؤَمِّنِ وَإِلْزَامُ سَائِرِ الْمُؤَمِّنِينَ تَأْمِينَهُ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا شَخْصٌ يَصِحُّ أَمَانُهُ فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُهُ كَالْإِمَامِ. [الْبَابُ الْخَامِسُ فِي مُقْتَضَى التَّأْمِينِ] ١ (الْبَابُ الْخَامِسُ فِي مُقْتَضَى التَّأْمِينِ) أَمَّا التَّأْمِينُ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا التَّأْمِينُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا مَخَافَةَ بَعْدَهُ أَنْ لَا يَحْدُثَ وَالثَّانِي تَأْمِينٌ مُتَرَقَّبٌ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ أَنْ يُؤَمِّنَ الْإِمَامُ الرَّجُلَ وَالْجَمَاعَةَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ تَأْمِينًا مُطْلَقًا فَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ آمِنًا مِنْ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ فَإِنْ أَرَادَ الْبَقَاءَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى حَيْثُ شَاءَ مِنْ بِلَادِ الْحَرْبِ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَبْلُغَ مَوْضِعَ امْتِنَاعِهِ مِنْ بِلَادِ الْحَرْبِ وَهَذَا

стр. 855

(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْإِشَارَةِ بِالْأَمَانِ أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَانِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَإِنِّي أَرَى أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى الْجُيُوشِ أَنْ لَا تَقْتُلُوا أَحَدًا أَشَارُوا إلَيْهِ بِالْأَمَانِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْعَدُوَّ) . الْعَمَلُ فِيمَنْ أَعْطَى شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَعْطَى شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: إذَا بَلَغْت وَادِيَ الْقُرَى فَشَأْنُك بِهِ) ــ [المنتقى] حُكْمُ مَنْ أَمَّنَهُ الْمُسْلِمُ الْجَائِزُ الْأَمَانُ وَأَمَّا التَّأْمِينُ الْمُتَرَقَّبُ فَأَنْ يَنْظُرَ فِيهِ الْإِمَامُ فَإِنْ رَآهُ صَوَابًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا رَدَّهُ وَرَدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنَّ التَّأْمِينَ أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنْ الْجَيْشِ قَتْلُ الْمُؤَمَّنِ وَيَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي حَالِهِ فَإِنْ رَأَى التَّأْمِينَ صَوَابًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا رَدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ وَلَعَلَّ هَذَا أَنْ يَكُونَ تَجَوُّزًا مِمَّنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يُرَدَّ إلَى مِثْلِ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّأْمِينِ وَلَوْ لَزِمَ رَدُّهُ إلَى مَأْمَنِهِ لَكَانَ أَمَانًا تَامًّا فَهَذَا عِنْدَ سَحْنُونٍ هُوَ التَّأْمِينُ الصَّحِيحُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَرَى هَذَا رَدَّ الْأَمَانِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ فَعَلَ ذَلِكَ إلَّا ضَرَبْت عُنُقَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ ﵁ رَأَى قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْتَأْمَنِ. وَقَدْ قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ وَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ قَتَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَأْمَنًا فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْإِشَارَةَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَالْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا إفْهَامٌ بِالْأَمَانِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى الْجُيُوشِ أَنْ لَا يَقْتُلُوا مَنْ أَشَارُوا إلَيْهِ بِالْأَمَانِ وَالْإِشَارَةُ بِالْأَمَانِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُشِيرَ إلَى مُمْتَنِعٍ بِالْأَمَانِ فَهَذَا يَكُونُ آمِنًا يَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ وَالثَّانِي أَنْ يُؤَمِّنَ أَسِيرًا بَعْدَ أَنْ يَأْسِرَهُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ قَتْلُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْإِمَامَ فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ لِأَنَّهُ أَمَّنَهُ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ النَّظَرِ لِلْإِمَامِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَا خَتَرَ قَوْمٌ الْعَهْدَ يُرِيدُ نَقَضُوهُ وَلَمْ يَفُوا بِهِ إلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ عُقُوبَتُهُمْ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَآثِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْعَمَلُ فِيمَنْ أَعْطَى شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَعْطَى شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُرِيدُ أَخْرَجَ فِيهِ نَفَقَةً أَوْ فَرَسًا أَوْ سِلَاحًا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ يُرِيدُ الَّذِي يَدْفَعُ إلَيْهِ ذَلِكَ إذَا بَلَغْت وَادِيَ الْقُرَى يُرِيدُ أَنَّ هَذَا نِهَايَةٌ فِي سَفَرِهِ وَمُقْتَضَى غَزْوِهِ فِي رُجُوعِهِ غَازِيًا مِنْ الشَّامِ وَقَوْلُهُ فَشَأْنُك بِهِ يَعْنِي هُوَ لَك وَفِي هَذَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: حُكْمُ مَحَلِّ الْعَطِيَّةِ وَالثَّانِيَةُ حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فَأَمَّا حُكْمُ مَحَلِّ الْعَطِيَّةِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْإِطْلَاقُ وَالثَّانِي التَّعْيِينُ فَأَمَّا الْإِطْلَاقُ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: مَا لِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ مُنْصَرِفَهُ إلَى الْغُزَاةِ وَمَنْ فِي مَوْضِعِ الْجِهَادِ لِأَنَّ إطْلَاقَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَظَاهِرِهَا يَقْتَضِي الْجِهَادَ فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا جِهَادَ فِيهِ وَلَا غَزْوَ فَلَا يُعْطَى مِنْهُ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُهُ قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ سَحْنُونٌ: وَيُعْطَى مِنْهُ الصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ وَالْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُعْطَى مِنْهُ مَنْ تَعَطَّلَ عَنْ الْعَمَلِ كَالْمَفْلُوجِ وَالْأَعْمَى وَيُعْطَى مِنْهُ الْمَرِيضُ وَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ عُمَّارِ الثُّغُورِ وَفِي بَقَائِهِمْ هُنَاكَ تَكْثِيرٌ لِلْعَدُوِّ وَقُوَّةٌ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَكَانُوا مُسْتَحِقِّينَ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُمْ لَا يُرْجَى مِنْهُمْ عَوْنٌ عَلَى الْحَرْبِ فَلَا يُعْطُونَ مِنْهُ شَيْئًا لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ إنَّمَا أُخْرِجَ لِلْعَوْنِ عَلَى الْحَرْبِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْعَلَ الْعَطِيَّةَ فِي السَّبِيلِ خَاصَّةً فَهَذَا لَيْسَ لِمَنْ أُعْطِيَهَا تَمَوُّلُهَا وَلَا إنْفَاقُهَا فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ لِأَنَّهُ عُدُولٌ بِالْعَطِيَّةِ عَنْ وَجْهِهَا وَهَلْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا فِي الْقُفُولِ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُنْفِقُ مِنْهَا فِي الْقُفُولِ وَقَالَ مَالِكٌ

стр. 856

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ: إذَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِي الْغَزْوِ فَبَلَغَ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاتِهِ فَهُوَ لَهُ) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَزْوَ فَتَجَهَّزَ حَتَّى إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُكَابِرَهُمَا وَلَكِنْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إلَى عَامٍ آخَرَ فَأَمَّا الْجِهَازُ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ فَإِنْ خَشِيَ أَنْ يَفْسُدَ بَاعَهُ وَأَمْسَكَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يُصْلِحُهُ لِلْغَزْوِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يَجِدُ مِثْلَ جِهَازِهِ إذَا خَرَجَ فَلْيَصْنَعْ بِجِهَازِهِ مَا شَاءَ) . ــ [المنتقى] لَا يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْقُفُولِ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ الْقُفُولَ مِنْ الْغَزْوِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ فِيهِ مِنْهُ كَالْمَسِيرِ إلَى بَلَدِ الْعَدُوِّ وَوَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ عَيَّنَهُ لِلْغَزْوِ وَالْعَوْنِ عَلَى الْعَدُوِّ وَلَيْسَ الْقُفُولُ مِنْهُ بِسَبِيلٍ فَمَنْ فَضَلَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَهَابِهِ بِهِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ أَوْ عَنْ قُفُولِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى مَنْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ أَوْ يُعْطِيَهُ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُعْطِي الْعَطِيَّةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْتِلُهَا لِمَنْ أَخَذَهَا بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: هَذَا لَك فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهَذَا يَلْزَمُ الْمُعْطِيَ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْهُ فِي السَّبِيلِ بِقَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ الْعَطِيَّةَ تَخْرُجُ لِمِثْلِهِ ثُمَّ يَكُونُ لَهُ بَيْعُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِثَمَنِهِ وَبِهَذَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ إذَا بَلَغَ وَادِيَ الْقُرَى يُرِيدُ بَعْدَ قَضَاءِ الْغَزْوِ بِهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ: إذَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِي الْغَزْوِ فَبَلَغَ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاتِهِ فَهُوَ لَهُ) . (ش) : قَوْلُهُ إذَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِي الْغَزْوِ وَيُرِيدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ تَبْتِيلِهِ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْغَزْوِ بِهِ وَقَوْلُهُ فَبَلَغَ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاهُ يُرِيدُ نِهَايَةَ الْغَزْوِ فِي الْقُفُولِ وَمَوْضِعَ تَفَرُّقِ أَهْلِ الْجَيْشِ إلَى مَوَاضِعِهِمْ وَبِلَادِهِمْ وَهَكَذَا كَانَتْ وَادِي الْقُرَى رَأْسَ الْمَغْزَى فِي الْغَزْوِ إلَى الشَّامِ وَقَوْلُهُ فَهُوَ لَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ مَلَّكَهُ وَكُلَّ مَا لَزِمَهُ لِمُعْطًى فِيهِ مِنْ الْغَزْوِ بِهِ فَلْيَفْعَلْ بِهِ الْمُعْطَى مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَزْوَ بِنَذْرٍ أَوْ قَسَمٍ فَتَجَهَّزَ لَهُ ثُمَّ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَابِرَهُمَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَلْيُؤَخِّرْ غَزْوَهُ إلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْجِهَادَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ لِقِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ فَهَذَا يَلْزَمُهُ طَاعَةُ أَبَوَيْهِ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ مُؤْمِنَيْنِ كَانَا أَوْ كَافِرَيْنِ قَالَهُ سَحْنُونٌ: وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَلَكَ أَبَوَانِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إنَّ طَاعَةَ أَبَوَيْهِ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ وَالْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَفُرُوضُ الْأَعْيَانِ آكَدُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْجِهَادُ وَهُوَ يَتَعَيَّنُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ بِنَذْرٍ أَوْ قَسَمٍ وَالثَّانِي أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ وَيَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ لِقُوَّةِ الْعَدُوِّ وَضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ، فَأَمَّا إنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فَلْيَمْتَنِعْ مِنْهُ لِمَنْعِ أَبَوَيْهِ، وَإِنْ كَانَ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْهُ لِمَنْعِ أَبَوَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَقَّ أَبَوَيْهِ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ بِنَذْرٍ يُلْزِمُهُ نَفْسَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا ثَبَتَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالْوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ حَقُّ أَبَوَيْهِ فَإِذَا كَانَ آكَدَ مِنْ حَقِّ أَبَوَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا الْمَنْعُ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الْجِهَازُ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ يُرِيدُ أَنْ هَذَا الْأَفْضَلُ لَهُ لِأَنَّهُ مَالٌ قَدْ نَوَى بِهِ الْبِرَّ وَسَبَّبَهُ لِلْغَزْوِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ أَمْسَكَهُ كَذَلِكَ فَمَاتَ قَبْلَ الْغَزْوِ بِهِ فَإِنَّهُ مِيرَاثٌ سَوَاءٌ أَمْسَكَهُ عِنْدَهُ أَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ كَصَدَقَةٍ نَذَرَهَا وَلَمْ يُنْفِذْهَا، فَإِنْ أَشْهَدَ بِإِنْفَاذِهَا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُشْهِدَ بِإِنْفَاذِهَا إنْ مَاتَ فَهَذِهِ تَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ وَالثَّانِي أَنْ يُشْهِدَ بِإِنْفَاذِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ فَهَذِهِ تَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ خَشِيَ أَنْ يَفْسُدَ بَاعَهُ وَأَمْسَكَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يُصْلِحُهُ لِلْغَزْوِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ جِهَازُهُ ذَلِكَ مِمَّا يَفْسُدُ وَيَتَغَيَّرُ كَالْأَزْوَادِ وَالْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ وَيُمْسِكُ.

стр. 857

جَامِعُ النَّفْلِ فِي الْغَزْوِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ فِي الْغَزْوِ إذَا قَسَمُوا غَنَائِمَهُمْ يَعْدِلُونَ الْبَعِيرَ بِعَشْرِ شِيَاهٍ) ــ [المنتقى] ثَمَنَهُ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ إذَا تَيَسَّرَ غَزْوُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إذَا اعْتَقَدَ أَنْ يُعَوِّضَ مِنْهُ مِثْلَهُ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ. [جَامِعُ النَّفْلِ فِي الْغَزْوِ] (ش) : قَوْلُهُ ﵁ فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ يُرِيدُ مَبْلَغَ سُهْمَانِهِمْ الْوَاقِعَةِ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا شَكَّ فِي ذَلِكَ الرَّاوِي وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَكَّ هَلْ سُهْمَانُهُمْ كَانَتْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا وَالثَّانِي أَنَّهُ شَكَّ هَلْ كَانَتْ سِهَامُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ وَنُفِلُوا بَعِيرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ وَبَلَغَتْ بِالنَّافِلَةِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا غَيْرَ أَنَّهُ يَعُودُ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْعَدَدِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَقَوْلُهُ وَنُفِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ بَعِيرًا بَعِيرًا يُرِيدُ أُعْطُوهُ زَائِدًا عَلَى مَا وَجَبَ لَهُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا حَصَلَ لَهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ غَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سِهَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَتْ هَذَا الْعَدَدَ وَالنَّافِلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَطِيَّةُ التَّطَوُّعِ وَالزِّيَادَةُ فِي الْعَطَاءِ عَلَى الْوَاجِبِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَلَ فِي الْخُمُسِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي النَّفْلِ فَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا فَلَوْ كَانَ النَّفَلُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ الَّتِي لَهُمْ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَهُمْ لَوْ لَمْ يُنَفِّلُوهُ وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمْ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ هَذَا الْفِعْلُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَكَانَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ جُمْلَةِ اللَّغْوِ وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَا يَفْعَلُ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ثَبَتَ أَنَّهُ قَسَّمَ عَلَيْهِمْ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ ثُمَّ نَفَلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا بَعِيرًا بَعِيرًا وَلَا سَهْمَ يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إلَيْهِ يُنْفَلُوا مِنْهُ غَيْرَ الْخُمُسِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ النَّفَلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ النَّاسُ إذَا قَسَمُوا غَنَائِمَهُمْ يُرِيدُ الصَّحَابَةَ وَفِي هَذَا خَمْسَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي مَوْضِعِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَالثَّانِي فِي مَنْ يَقْسِمُهَا وَالثَّالِثُ فِيمَا يُقْسَمُ مِنْهَا وَالرَّابِعُ فِي مَنْ يُسْهَمُ لَهُ مِنْهَا وَالْخَامِسُ فِي صِفَةِ قِسْمَتِهَا. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَوْضِعِ قِسْمَتِهَا هُوَ مِنْ بَلَدِ الْحَرْبِ بِحَيْثُ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَخَافَةً أَوْ عُدِمَ قُوتٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَا مِنْ الْمَقَامِ بِسَبَبِ التَّقَاسُمِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْسَمُ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ الْجَيْشُ إلَى ثِيَابٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيُقْسَمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَيَبْقَى الْبَاقِي يُقْسَمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ قَسَمَ الْجَمِيعَ بِدَارِ الْحَرْبِ مَضَى الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَلَا يُنْقَضْ وَالدَّلِيل عَلَى مَا نَقُولهُ مَا رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْسِمْ غَنِيمَةً قَطُّ إلَّا فِي دَارِ الشِّرْكِ فَمِنْهَا غَنِيمَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَسَّمَهَا عَلَى مِيَاهِهِمْ وَقَسَّمَ غَنِيمَةَ هَوَازِنَ فِي دَارِهِمْ وَقَسَّمَ غَنِيمَةَ خَيْبَرَ بِخَيْبَرَ وَهُمْ مُشْرِكُونَ» ثُمَّ لَمْ يَزَلْ النَّاسُ مِنْ لَدُنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَى زَمَنِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَالْخُلَفَاءِ كُلِّهِمْ وَجُيُوشِهِمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مَا قَسَمُوا غَنِيمَةً قَطُّ إلَّا حَيْثُ غَنِمُوهَا وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي مِيَاهِهِمْ وَهَوَازِنَ فِي دَارِهِمْ لِأَنَّهَا كَانَتْ دَارَ إسْلَامٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ مُصَدِّقًا إلَيْهِمْ» فَعَلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) . فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا

стр. 858

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مُسْلِمِينَ وَقْتَ الْغَنِيمَةِ وَلَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ مَا قَسَّمَ غَنَائِمَهُمْ وَالنَّبِيُّ ﷺ غَنِمَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَسْلَمُوا سَنَةَ عَشْرٍ وَفِي سَنَةِ عَشْرٍ بَعَثَ إلَيْهِمْ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ مُصَدِّقًا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَكَان جَازَتْ فِيهِ قِسْمَةُ الثِّيَابِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ قِسْمَةُ سَائِرِ الْغَنَائِمِ كَدَارِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْغَانِمُ جَيْشًا فَإِنْ كَانَ سَرِيَّةً مِنْ الْجَيْشِ فَلَا يُقْسَمُ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْجَيْشِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا إلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّهُ قَالَ: إلَّا أَنْ يُخْشَى مِنْ ذَلِكَ فِي السَّرِيَّةِ مَضَرَّةٌ مِنْ تَضْيِيعِ مُبَادَرَةِ الِانْصِرَافِ وَطَرْحِ أَثْقَالٍ وَقِلَّةِ طَاعَةِ وَالِيَ السَّرِيَّةِ فَتُبَاعُ الْغَنِيمَةُ وَيَلْزَمُ كُلَّ مُبْتَاعٍ حِفْظُ مَا ابْتَاعَهُ وَيَلْزَمُ الْبَيْعَ مَنْ غَابَ مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ. فَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى الْجَيْشِ لِأَنَّ أَنْصِبَاءَهُمْ فِي غَنِيمَةِ السَّرِيَّةِ وَوَالِيَ السَّرِيَّةِ لَا يَلْزَمُ أَهْلَ الْجَيْشِ حُكْمُهُ فَيَقْسِمُ عَلَيْهِمْ وَيَبِيعُ مَا لَهُمْ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ حُكْمُ أَمِيرِهِمْ. [الْبَابُ الثَّانِي وَالثَّالِث فِي بَيَانِ مَنْ إلَيْهِ قِسْمَةُ الْغَنِيمَة وَبَيَان مَا يُقْسَمُ مِنْهَا وَتَمْيِيزِهِ مِمَّا لَا يُقْسَمُ] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَنْ إلَيْهِ قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ) . (الْبَابُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ مَا يُقْسَمُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَتَمْيِيزِهِ مِمَّا لَا يُقْسَمُ) الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا مُبَاحًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَيْشِ أَخْذُهُ مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ وَالِاسْتِبْدَادُ بِهِ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا فِي الْأَصْلِ وَلَكِنَّهُ يُبَاحُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ لِلْغِذَاءِ وَالْقُوَّةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَالثَّانِي مَا كَانَ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ لِمَنْ يَمْلِكُ بَعْدُ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُتْرَكُ أَكْثَرُهُ وَيُتَمَوَّلُ جَمِيعُ مَا يُوجَدُ مِنْهُ لِنَفَاسَتِهِ كَالْجَوْهَرِ وَالْيَاقُوتِ وَالْعَنْبَرِ فَإِنَّ هَذَا قِيَاسُهُ عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ فِي كُلِّهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْجَيْشِ بَعْضُهُ وَيُتْرَكَ أَكْثَرُهُ كَالصَّيْدِ وَالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ يُسْتَحَبُّ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ سَرْجٍ أَوْ رُخَامَةٍ أَوْ مِسَنٍّ أَوْ نُشَّابٍ أَوْ قَتَبٍ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ لَهُ قِيمَةٌ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ لِخِفَّةِ حَمْلِهِ وَكَثْرَةِ قِيمَتِهِ كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا وَحَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ قِيمَةً كَثِيرَةً بِمَوْضِعِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فَيْئًا كَسَائِرِ مَا يُقْسَمُ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِ الْعَدُوِّ إلَّا الْقِيمَةُ الْيَسِيرَةُ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ أَشْجَارٌ لَهَا ثَمَنٌ كَثِيرٌ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ وَحِمْلُهَا خَفِيفٌ وَشَأْنُهَا بِبِلَادِ الْعَدُوِّ يَسِيرٌ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَخْذِ هَذَا وَإِنَّهُ أَخَذَهُ لِلْبَيْعِ وَلَوْ جَاءَ بِهِ إلَى صَاحِبِ الْمَقَاسِمِ لَمْ يَقْبَلْهُ وَلَمْ يَقْسِمْهُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ مِنْ حِيتَانٍ أَوْ صَيْدٍ فَمَا أَكَلَ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ وَمَا بَاعَهُ كَانَ ثَمَنُهُ فَيْئًا وَكَذَلِكَ مَا حَمَلَ إلَى أَهْلِهِ فَبَاعَهُ إلَّا الْيَسِيرَ الَّذِي يَفْضُلُ عَنْهُ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْهُ أَنَّ مَا عُمِلَ مِنْ الْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ مِنْ سَرْجٍ وَقَتَبٍ وَعِصِيِّ رِمَاحٍ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَهُوَ لَهُ وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ يَسِيرٌ كَانَ لَهُ وَأَمَّا مَا كَثُرَ مِمَّا يَقْصِدُ بِهِ التَّمَوُّلَ فَهُوَ فَيْءٌ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا مُبَاحُ الْأَصْلِ لَا قِيمَةَ لَهُ بِبَلَدِ الْحَرْبِ وَإِنَّمَا مُعْظَمُ ثَمَنِهِ الصِّنَاعَةُ وَهِيَ مِلْكٌ لِصَاحِبِهَا أَوْ الْحِمْلُ وَهُوَ مِلْكٌ لِحَامِلِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ فَيْئًا كَمَا لَوْ أَدْخَلَ مَعَهُ عُودًا أَوْ حَجَرًا فَنَحَتَهُ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ لَكَانَ لَهُ دُونَ جَمِيعِ الْجَيْشِ وَوَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مِمَّا وُصِلَ إلَيْهِ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَهُمْ إلَّا سَائِرُ الْغَنَائِمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا كَانَ مَمْلُوكًا فِي الْأَصْلِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ الِاسْتِبْدَادُ بِهِ كَالرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ وَالْمَتَاعِ فَهُوَ فَيْءٌ كُلُّهُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ مَا أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ وَنَقْلُهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَتَرَكَهُ الْإِمَامُ أَوْ أَرَادَ إحْرَاقَهُ فَأَتَى مَنْ أَخَذَهُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ لَهُ دُونَ الْجَيْشِ وَلَا خُمُسَ فِيهِ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَيْسَ لِمَنْ أَخَذَهُ وَهُوَ كَرَجُلٍ مِنْ الْجَيْشِ فِيهِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ طَرْحَ الْإِمَامِ لَهُ حُكْمٌ بِإِزَالَةِ مِلْكِ الْجَيْشِ عَنْهُ وَقَطْعًا لِحَقِّهِمْ مِنْهُ وَانْتِفَاعُ الْحَامِلِ لَهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ وَلَوْ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ لَأَدَّى ذَلِكَ

стр. 859

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَوْضِعِ قِسْمَة الْغَنِيمَةُ] (ص) : (قَالَ يَحْيَى: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الْأَجِيرِ فِي الْغَزْوِ أَنَّهُ إنْ شَهِدَ الْقِتَالَ وَكَانَ مَعَ النَّاسِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَكَانَ حُرًّا فَلَهُ سَهْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَا سَهْمَ لَهُ) ــ [المنتقى] إلَى أَنْ يَتْرُكَهُ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ أَهْلَ الْجَيْشِ قَدْ مَلَكُوهُ بِالْغَنِيمَةِ فَلَا يَزُولُ مُلْكُهُمْ عَنْهُ بِالْعَجْزِ عَنْ حِمْلِهِ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مَنْ لَهُ حَقٌّ وَالْخَامِسُ فِي بَيَانِ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ] ١ (الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مَنْ لَهُ حَقٌّ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . (الْبَابُ الْخَامِسُ فِي بَيَانِ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ) . قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: رَأَى الْإِمَامُ الْأَفْضَلَ فِي أَنْ يَقْسِمَهَا خَمْسَةَ أَقْسَامٍ بِالسَّوِيَّةِ بِأَنْ يَجْعَلَهَا خَمْسَةَ أَنْصِبَاءٍ فِي كُلِّ سَهْمٍ صِنْفٌ وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْإِبِلُ حَتَّى تَعْدِلَ ثُمَّ يُسْهِمَ بَيْنَهَا وَيَكْتُبُ فِي سَهْمٍ مِنْهَا الْخُمُسُ لِلَّهِ أَوْ لِرَسُولِ اللَّهِ فَحَيْثُ خَرَجَ ذَلِكَ السَّهْمُ كَانَ الْخُمُسُ وَكَانَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ لِلْجَيْشِ وَإِنْ رَأَى أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ ثُمَّ يُقْسِمَ الْأَثْمَانَ فَذَلِكَ لَهُ وَحَكَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ بَيْعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُقْسِمُ الْأَثْمَانَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْتَرِيهِ قَسَمَ الْعُرُوضَ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ بِالْقُرْعَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ قَسْمُهُ ذَلِكَ دُونَ بَيْعٍ وَعَلَى ذَلِكَ وَرَدَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي السَّرِيَّةِ الَّتِي تَوَجَّهَتْ قِبَلَ نَجْدٍ فَبَلَغَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا إلَّا أَنَّهُ تَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ بِعُذْرٍ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كَانَ النَّاسُ إذَا اقْتَسَمُوا غَنَائِمَهُمْ يَعْدِلُونَ الْبَعِيرَ بِعَشْرِ شِيَاهٍ وَهَذَا يَقْتَضِي تَكْرَارَ فِعْلِ الصَّحَابَةِ لَهُ وَلَا يُعْلَمُ مُخَالِفٌ فِيهِ فَيَثْبُتُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ حَقَّهُمْ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ عَلَيْهِمْ إلَّا لِحَاجَةٍ دَاعِيَةٍ إلَى ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ كَانُوا إذَا اقْتَسَمُوا غَنَائِمَهُمْ يَعْدِلُونَ الْبَعِيرَ بِعَشْرِ شِيَاهٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ كَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمئِذٍ وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَ الْإِمَامُ إذَا اخْتَلَفَ أَجْنَاسُ الْغَنِيمَةِ وَاخْتَارَ الْقِسْمَةَ وَاحْتَاجَ إلَيْهَا أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهَا بِالْقِيمَةِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْأَجِيرَ لَا سَهْمَ لَهُ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْقِتَالَ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ عِوَضًا عَلَى دُخُولِهِ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ مِمَّنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ غَنِيمَةً لِأَنَّ ذَلِكَ مَنَافِعُهُ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ كَالْعَبْدِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ شَهِدَ الْقِتَالَ وَكَانَ مَعَ النَّاسِ عِنْدَ الْقِتَالِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْمُقَاتِلَةِ لَا أَنْ يَكُونَ فِي جُمْلَةِ الْجَيْشِ فَإِنْ كَانَ فِي الْمُعْتَرَكِ مَوْضِعِ الْقِتَالِ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلِينَ اسْتَحَقَّ حِصَّةً مِنْ الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ الْقِتَالَ لَمْ يَأْخُذْ لَهُ عِوَضًا وَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَاسْتَحَقَّ بِهِ سَهْمًا مِنْ الْغَنِيمَةِ وَسَقَطَ عَنْهُ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ مَا اشْتَغَلَ عَنْهُ مِنْ الْخِدْمَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: فَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ وَإِنْ قَاتَلَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ مَعَ الْحُضُورِ إذَا لَمْ يُقَاتِلْ فَإِنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ وَإِنْ قَاتَلَ كَالْعَبْدِ وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغَنِيمَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِلْجِهَادِ وَالْقِتَالِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الظُّهُورِ عَلَى الْعَدُوِّ فَمَنْ دَخَلَ أَرْضَ الْعَدُوِّ وَلَمْ يُظْهِرْ غَرَضًا غَيْرَهُ وَلَا مَقْصِدًا سِوَاهُ كَانَ وُقُوفُهُ فِي الْجَيْشِ وَمَقَامُهُ فِي الْعَسْكَرِ يَقُومُ مَقَامَ الْقِتَالِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ لِغَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يُقَاتِلَ أَوْ يَحْفَظَ الْمُقَاتِلَ أَوْ يُكْثِرَ السَّوَادَ وَمَنْ أَظْهَرَ غَرَضًا غَيْرَهُ فِي تِجَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ فَلَا حَقَّ لَهُ لِأَنَّ حُضُورَهُ لَمْ يَكُنْ مَعُونَةً وَلَا جِهَادًا فَإِنْ قَاتَلَ ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ وَلَيْسَ اكْتِسَابُهُ فِي طَرِيقِهِ وَانْتِفَاعُهُ بِعَمَلِهِ مِمَّا يُبْطِلُ جِهَادَهُ إذَا وَجَدَ مَقْصُودَهُ مِنْهُ كَالْحَاجِّ يَتَّجِرُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ تَثْبُتُ لَهُ صِفَاتُ الْكَمَالِ وَهِيَ سِتُّ صِفَاتٍ الْعَقْلُ وَالْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالصِّحَّةُ فَأَمَّا الْعَقْلُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مِنْهُ مَا يُمْكِنُهُ بِهِ الْقِتَالُ أُسْهِمَ لَهُ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْجِهَادِ يَصِحُّ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ مُطْبَقًا لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ

стр. 860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْقِتَالُ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَهُوَ شَرْطٌ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ لَا يُقَاتِلُ جِهَادًا وَلَيْسَ حُضُورُهُ بِجِهَادٍ وَلَا نُصْرَةٍ لِلْإِسْلَامِ لِأَنَّ مَعْنَى الْجِهَادِ أَنْ يُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَالْمُشْرِكُ لَا يُقَاتِلُ لِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ مِمَّنْ يَلْزَمُ أَنْ يُقَاتَلَ عَنْهُ وَتُمْنَعُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْحَرْبِ وَإِنْ اُسْتُعِينَ بِهِ فِي الْأَعْمَالِ وَالصَّنَائِعِ وَالْخِدْمَةِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا حَتَّى كَانَ بِكَذَا وَكَذَا لَحِقَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَانَ شَدِيدًا فَفَرِحُوا بِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْت لِأَكُونَ مَعَك وَأُصِيبَ قَالَ: إنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَسْلَمَ فِي الرَّابِعَةِ فَانْطَلَقَ مَعَهُ» فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَهَلْ يَكُونُ شَرْطًا فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ الْبُلُوغُ شَرْطًا فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ وَيُسْهَمُ لِلْمُرَاهِقِ إذَا أَطَاقَ الْقِتَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُسْهَمُ إلَّا لِبَالِغٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً وَأَنْبَتَ وَأَطَاقَ الْقِتَالَ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ إذَا حَضَرَ الْقِتَالَ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ حَتَّى يُقَاتِلَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ ذَكَرٌ وُجِدَ مِنْهُ الْقِتَالُ وَمُكَابَدَةُ الْعَدُوِّ فَوَجَبَ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ كَالْبَالِغِ وَأَمَّا الذُّكُورَةُ فَإِنَّهَا شَرْطٌ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَلَا يُسْهَمُ لِامْرَأَةٍ قَاتَلَتْ أَمْ لَمْ تُقَاتِلْ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ قَاتَلَ مِنْ النِّسَاءِ كَقِتَالِ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ إنَّ هَذَا جِنْسٌ لَا يُعَدُّ لِلْقِتَالِ فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ كَالْعَبِيدِ وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مَا اُحْتُجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ ثَبَتَ لِلرِّجَالِ بِالْحُضُورِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لِلنِّسَاءِ بِالْمُقَاتَلَةِ كَاسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَهِيَ شَرْطٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ فَلَا يُسْهَمُ لِعَبْدٍ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِغَيْرِهِ اسْتِحْقَاقًا عَامًّا وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُحْمَى وَيُقَاتَلُ عَنْهَا فَلَا يَسْتَحِقُّ سَهْمًا بِقِتَالٍ وَلَا غَيْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الصِّحَّةُ فَإِنْ كَانَ مَعْنًى يَمْنَعُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْقِتَالِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ السَّهْمِ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَمَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ السَّهْمَ لِأَنَّنَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ سَهْمَ الْغَنِيمَةِ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْإِعْدَادِ لِلْمُدَافَعَةِ وَالْقِتَالِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا غَنِمَهُ مَنْ لَا يُسْهَمْ لَهُمْ وَلَمْ يُخَالِطْهُمْ غَيْرُهُمْ وَغَنِمُوا فَإِنَّهُمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْفَرِدُوا أَوْ يَكُونُ مَعَهُمْ مِمَّنْ يُسْهَمُ لَهُ الْعَدَدُ الْيَسِيرُ يَكُونُ تَبَعًا لَهُمْ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُعْظَمُ الْعَدَدِ مِمَّنْ يُسْهَمُ لَهُ فَأَمَّا إذَا انْفَرَدُوا أَوْ كَانَ مُعْظَمُ الْعَدَدِ لَهُمْ فَإِنَّهُ تُدْفَعُ إلَيْهِمْ الْغَنِيمَةُ وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ إنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أُسْلِمَ إلَيْهِمْ وَقَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ أَسَاقِفَتُهُمْ إلَّا أَنْ يُحَكِّمُوا بَيْنَهُمْ مُسْلِمًا فَيُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ ذَلِكَ عَلَى سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا إنْ كَانُوا مُعْظَمَ أَهْلِ الْمَغْنَمِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَدْخُلَ غَيْرُهُمْ مَعَهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ مَعَهُمْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ دَخَلُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا سَهْمَ لَهُمْ وَالْغَنِيمَةُ لِسَائِرِ الْجَيْشِ دُونَهُمْ وَإِنْ أَذِنَ لَهُمْ فَبِئْسَ مَا فَعَلَ وَهَلْ يُسْهَمُ لَهُمْ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَذِنَ الْإِمَامُ لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْغَزْوِ مَعَهُ سُهِمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُسْهَمُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا كَانُوا تَبَعًا وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُرْضِخَهُمْ فَعَلَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّ الْإِمَامَ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْغَزْوِ فَلَهُمْ حَقُّهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِأَنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ دَخَلُوا وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُمْ تَبَعٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا حُكْمَ لِغَزْوِهِمْ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي أَخْذِ سِهَامِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ وَعَدَهُمْ بِعَطَاءٍ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ لِأَنَّ هَذِهِ الْغَنِيمَةَ إنَّمَا سَلِمَتْ بِالْمُسْلِمِينَ وَهُمْ الْمُدَافِعُونَ عَنْهَا فَلَا اعْتِبَارَ بِمَنْ شَهِدَهَا مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ وَهَذَا فِيمَا أُخِذَ عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَانِ وَالْمُدَافَعَةِ فَأَمَّا مَا أُخِذَ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ وَالتَّلَصُّصِ فَإِنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهَا عَلَى وَجْهِ الْمُدَافَعَةِ وَالْمُغَالَبَةِ فَيَكُونُ الْمُسْلِمُ أَحَقَّ بِهَا مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ وَأَمَّا مَا أُخِذَ عَلَى وَجْهِ التَّلَصُّصِ وَالسَّرِقَةِ فَقَدْ اسْتَوَوْا فِي

стр. 861

(ص) : (قَالَ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: أَرَى أَنْ لَا يُقْسَمَ إلَّا لِمَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ مِنْ الْأَحْرَارِ) . ــ [المنتقى] أَمْرِهِ فَكَانَ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ لَا يُسْهَمُ إلَّا لِمَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ فَمَنْ جَاءَ بَعْدَ الْقِتَالِ وَإِحْرَازِ السَّهْمِ لَهُ يُسْهَمُ لَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ جَاءَ بَعْدَ تَقَضِّي الْقِتَالِ وَإِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ وَقَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَلَهُ سَهْمُهُ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَلَا سَهْمَ لَهُ. [مَسْأَلَةٌ وُجِدَ مِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى الْغَزْوِ وَفِيهِ أَبْوَابٍ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ حُضُورِ الْقِتَالِ] ١ (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَتَحْرِيرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ وُجِدَ مِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى الْغَزْوِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الشُّرُوعُ فِي الْعَمَلِ فَمَنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ اخْتِيَارُ الرُّجُوعِ عَنْ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْغَزْوِ وَهُوَ الْقِتَالُ أَوْ حُضُورُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الدُّخُولِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَمَتَى وُجِدَ مِنْهُ الدُّخُولُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَمْنَعُهُ السَّهْمُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ إلَّا الرُّجُوعَ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ بِاخْتِيَارِهِ وَأَمَّا الرُّجُوعُ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِ السَّهْمِ وَفِي هَذَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي صِفَةِ الْحُضُورِ لِلْقِتَالِ وَالْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يُسْتَحَقُّ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِحُضُورِ الْقِتَالِ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْمَعَانِي الَّتِي تَمْنَعُ الْغَنِيمَةَ وَتُمَيِّزُهَا مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي لَا تَمْنَعُهَا وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْمَعَانِي الَّتِي لَا تَمْنَعُ الْغَنِيمَةَ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ حُضُورِ الْقِتَالِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ) . فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْقِتَالَ بِأَنْ يَكُونَ فِي الْجَيْشِ وَقْتَهُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ أَوْ يَكُونُ فِي حُكْمِ مَنْ حَضَرَهُ وَهَلْ يَكُونُ الْتِقَاءُ الْجَمْعَيْنِ دُونَ مُنَاشَبَةِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ الْقِتَالِ قَالَ سَحْنُونٌ: إذَا قَامَتْ الصُّفُوفُ مِنَّا وَمِنْهُمْ وَلَمْ يُنَاشَبْ الْقِتَالُ فَلَا سَهْمَ لِمَنْ مَاتَ حِينَئِذٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ نَحْوَهُ عَنْ مَالِكٍ وَإِنَّمَا السَّهْمُ لِمَنْ مَاتَ بَعْدَ مُنَاشَبَةِ الْقِتَالِ فَحُضُورُ الْقِتَالِ عِنْدَهُ إنَّمَا هُوَ حُضُورُ الْمُنَاشَبَةِ لَا حُضُورُ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْت أَنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ قَالُوا: إنَّ مُشَاهَدَةَ الْقَرْيَةِ أَوْ الْحِصْنِ أَوْ الْعَسْكَرِ كَالْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قِتَالٌ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: إنَّمَا الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مَعَ انْتِشَارِ أَقْوَالِهِمَا فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَاسْمُ الْوَقِيعَةِ إنَّمَا يَنْطَلِقُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى الْحَرْبِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْمُوَاجَهَةِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالرُّؤْيَةِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْغَزْوِ الْقِتَالُ وَبِهِ يُتَوَصَّلُ إلَى غَلَبَةِ الْعَدُوِّ وَإِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا أُحْرِزَ مِنْ الْغَنِيمَةِ] ١ ِ أَمَّا مَا أُحْرِزَ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا أُحْرِزَ بِالْقِتَالِ فَإِنَّ مَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ يَسْتَحِقُّ فِيهِ سَهْمَهُ إذَا كَانَ مُسْنَدًا إلَى الْقِتَالِ وَكَانَ الْقِتَالُ سَبَبًا لَهُ مِثْلُ أَنْ يُنَازَلَ حِصْنٌ فَيُنَاشَبَ قِتَالُهُ فَيَمُوتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ثُمَّ يَتَّصِلَ قِتَالُهُ فَيُفْتَحَ بَعْدَ أَيَّامٍ فَإِنَّ لِلْمَيِّتِ فِيهِ سَهْمَهُ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا أُحْرِزَ بِغَيْرِ قِتَالٍ أَوْ أُحْرِزَ قَبْلَ الْقِتَالِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ سَهْمٌ إلَّا بِحُضُورِ إحْرَازِهِ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ لِأَنَّ الْإِحْرَازَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالْقِتَالِ إذَا كَانَ مُسْنَدًا إلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قِتَالٌ يَكُونُ سَبَبًا لَهُ اُعْتُبِرَ بِنَفْسِهِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْغَنِيمَةِ] (الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْغَنِيمَةِ) وَأَمَّا مَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الْخُرُوجِ فِي الْجَيْشِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَطْرَأَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِتَالِ حَالَةٌ مُؤَثِّرَةٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ حَضَرَهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا وَنَحْنُ نُزِيدُ الْآنَ فِيهَا ذِكْرَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالصِّفَاتِ كُلِّهَا وَيَمْنَعُ وُجُودَ الْغَازِي فَإِذَا كَانَ لَا يُسْهَمُ لِلْمُطْبَقِ بِالْجُنُونِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فَبِأَنْ لَا يُسْهَمُ لِلْمَيِّتِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ لِلْكُفْرِ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ السَّهْمَ وَيَبْقَى سَهْمُهُ فِيمَا اسْتَحَقَّهُ قَبْلَ كُفْرِهِ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ مَالِ الْمُرْتَدِّ. (مَسْأَلَةٌ) : وَكَذَلِكَ الْجُنُونُ إذَا كَانَ مُطْبِقًا يَمْنَعُ الْقِتَالَ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ السَّهْمَ

стр. 862

مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ (ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ وُجِدَ مِنْ الْعَدُوِّ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ بِأَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ تُجَّارٌ وَأَنَّ الْبَحْرَ لَفَظَهُمْ وَلَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ تَصْدِيقَ ذَلِكَ وَلَا أَنَّ مَرَاكِبَهُمْ تَكَسَّرَتْ أَوْ عَطِشُوا فَنَزَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْمُسْلِمِينَ: أَرَى أَنَّ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ يَرَى فِيهِمْ رَأْيَهُ وَلَا أَرَى لِمَنْ أَخَذَهُمْ فِيهِمْ خُمُسًا) ــ [المنتقى] فِيمَا أَخَذَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ حُضُورِهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ سَهْمِهِ فِيمَا أَخَذَ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْنَى يُزِيلُ التَّكْلِيفَ كَالْمَوْتِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي يُرْجَى بُرْؤُهَا كَالْحُمَّى وَالرَّمَدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ السَّهْمَ وَمَا كَانَ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ وَيَمْنَعُ الْقِتَالَ كَالْجُنُونِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ السَّهْمَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَمْنَعُ مَا قَدْ اُسْتُحِقَّ مِنْهُ قَبْلَ حُدُوثِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَأَنْ يَغِيبَ قَبْلَ الْقِتَالِ عَنْ الْجَيْشِ بِاخْتِبَارِهِ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ فَهَذَا لَا يُسْهَمُ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ الْوَقْعَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا فِيمَا اُسْتُحِقَّ بِالْقِتَالِ فَأَمَّا مَا اُسْتُحِقَّ بِالْإِحْرَازِ فَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ التَّغَيُّبُ عِنْدَ الْإِحْرَازِ عَلَى حَسْبِ مَا تَقَدَّمَ وَمِثْلُ هَذَا مَا يَفُوتُ بِهِ الْقَادِمُ الْغَنِيمَةَ بِاللَّاحِقِ بِالْجَيْشِ أَوْ الَّذِي يُسْلِمُ أَوْ الْعَبْدُ يُعْتَقُ أَوْ الْأَسِيرُ يُطْلَقُ فَهَذَا يُسْهَمُ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي وَلَا تَفُوتُهُ الْغَنِيمَةُ بَعْدَ الْقِتَالِ بِأَنْ لَا يَحْضُرَ الْقِتَالَ إذَا حَضَرَ إحْرَازَهَا وَأَخَذَهَا فَيَصِيرُ الْقِتَالُ فَيَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ بِحُضُورِهِ مَنْ لَمْ يُشَاهِدْ إحْرَازَهَا وَلَا يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ مَنْ شَاهَدَ إحْرَازَهَا. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْمَعَانِي الْمُؤَثِّرَةُ فِي مَنْعِ الْغَنِيمَةِ] ١ وَأَمَّا مَا تَثْبُتُ بِهِ الْمَعَانِي الْمُؤَثِّرَةُ فِي الْغَنِيمَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُدْعَى عَلَى الْغَازِي أَمْرٌ فَيُقِرَّ بِهِ وَيَدَّعِيَ الْعُذْرَ فِيهِ وَالثَّانِي أَنْ يُنْكِرَهُ جُمْلَةً فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَمِثْلُ أَنْ يُقِرَّ بِالرُّجُوعِ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ رَجَعَ مَغْلُوبًا أَوْ ضَالًّا فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدَّعِيَ مِنْ الْأَعْذَارِ مَا لَهُ إمَارَاتٌ مِنْ رِيحٍ رَدَّتْ مَرْكَبًا كَانَ فِيهِ أَوْ مَخَافَةَ غَرَرِ طَرِيقٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ تَخَلُّفِ دَابَّةٍ وَمِنْهُ مَا لَا تَكُونُ لَهُ إمَارَةٌ كَالضَّلَالِ وَنَحْوِهِ فَمَا كَانَتْ لَهُ إمَارَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا فَإِذَا ثَبَتَتْ إمَارَةُ عُذْرِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ وَمَا لَمْ تَكُنْ لَهُ إمَارَةٌ وُكِّلَ إلَى أَمَانَتِهِ وَقُبِلَ عُذْرُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا أَنْكَرَ التَّخَلُّفَ جُمْلَةً فَإِنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ التَّخَلُّفُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ لَهُ بِالْغَزْوِ وَالْكَوْنِ فِي جُمْلَةِ الْجَيْشِ فَلَا يَثْبُتُ تَخَلُّفُهُ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِمَّنْ يُشَارِكُهُ فِي الْغَنِيمَةِ لِأَنَّهُ جَارٌّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا وَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْأَمِيرِ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَمِيرِ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْأَمِيرِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ هَذَا الْأَمِيرَ لَهُ شَرِكَةٌ فِي الْمَغْنَمِ فَلَمْ تُقْبَلْ فِيهِ شَهَادَتُهُ كَسَائِرِ الْجَيْشِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ إنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ وَيَجُوزُ لَهُ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِعِلْمِهِ فِيمَا الضَّرُورَةُ إلَيْهِ كَمَعْرِفَتِهِ بِأَعْيَانِ الشُّهُودِ. [مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْعَدُوَّ إذَا وُجِدَ بِسَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ نَزَلُوا دُونَ إذْنِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَفَظَهُمْ الْبَحْرُ فَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَتَوْا لِلتِّجَارَةِ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُ قَوْلِهِمْ فَهُمْ فَيْءٌ وَلَوْ عُلِمَ صِدْقُهُمْ لَمْ يُعْرَضْ لَهُمْ وَوَجَبَ تَرْكُهُمْ عَلَى مَا نَزَلُوا عَلَيْهِ أَوْ يُرَدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ وَفِي هَذَا بَابَانِ أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ حُكْمِهِمْ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا وُجِدَ مَعَهُمْ مِنْ الْمَالِ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ حُكْمِهِمْ . قَالَ مَالِكٌ إنْ بَانَ صِدْقُهُمْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ وَإِلَّا رَأَى الْإِمَامُ فِيهِمْ رَأْيَهُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكٍ إنَّهُمْ وَمَا مَعَهُمْ فَيْءٌ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ وَإِنْ كَانَتْ مَعَهُمْ التِّجَارَاتُ مِثْلُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ.

стр. 863

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَيْسُوا عَلَى جِهَةِ حَرْبٍ فَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ أَبَدًا حَتَّى يُؤْمِنُوا إلَّا أَنْ يَكُونُوا تَعَوَّدُوا الْأَمَانَ عَلَى الِاخْتِلَافِ بِالتِّجَارَةِ قَبْلَ هَذَا فَهُمْ عَلَى الْأَمَانِ. فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا عُرِفَ صِدْقُهُمْ فِي أَنَّهُمْ تُجَّارٌ فَهُمْ مُسْتَأْمَنُونَ يَلْزَمُ بَذْلُ الْأَمَانِ لَهُمْ أَوْ رَدُّهُمْ إلَى مَأْمَنِهِمْ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ فَلَا أَمَانَ لَهُمْ وَمَتَى غُلِبُوا وَظُفِرَ بِهِمْ قَبْلَ بَذْلِ الْأَمَانِ لَهُمْ فَهُمْ فَيْءٌ وَأَمَّا مَنْ اعْتَادَ الِاخْتِلَافَ لِلتِّجَارَةِ إلَى بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَمَانٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَمَانُ لَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا: إنَّهُمْ لَا يُسْتَرَقُّونَ إذَا عُرِفَ صِدْقُهُمْ فَإِنَّ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ صِدْقُهُمْ قَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَلَا يَكَادُ يَخْفَى أَمْرُهُمْ فَإِنَّ الْمَرْكَبَ يُوجَدُ فِيهِ الْعَدَدُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَالْكَثِيرُ مِنْ السِّلَاحِ وَالْمَرْكَبُ الْكَبِيرُ لَيْسَ فِيهِ الْكَثِيرُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَلَا الْكَثِيرُ مِنْ السِّلَاحِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ بَعْضُ الْمُقَاتِلَةِ وَبَعْضُ السِّلَاحِ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَلْيُقْبَلْ قَوْلُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّهُمْ جَاءُوا لِلتِّجَارَةِ وَذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي السُّفُنِ تَنْزِلُ بِمَوْضِعٍ وَمَعَهُمْ التِّجَارَاتُ وَالسِّلَاحُ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى قِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ وَضَعْفِ الْمَوْضِعِ الَّذِي نَزَلُوا بِهِ وَقُوَّتِهِ وَمَا مَعَهُمْ مِنْ السِّلَاحِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالتِّجَارَاتِ فَجُعِلَ هَذِهِ كُلُّهَا مِنْ الْعَلَامَاتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى صِدْقِهِمْ أَوْ كَذِبِهِمْ وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ لِأَنَّ مَرَاكِبَ الْمُحَارِبِينَ غَيْرُ مَرَاكِبِ التُّجَّارِ وَعَدَدَهُمْ فِي الْكَثْرَةِ غَيْرُ عَدَدِ التُّجَّارِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ التِّجَارَاتِ مَا لَهُ كَبِيرُ مَعْنًى وَالتُّجَّارُ مُعْظَمُ مَا مَعَهُمْ التِّجَارَاتُ وَصِفَةُ مَرَاكِبِ الْمُحَارِبِينَ غَيْرُ صِفَةِ مَرَاكِبِ التُّجَّارِ فَهَذَا كُلُّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِدْقِهِمْ أَوْ كَذِبِهِمْ وَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ يَكُونُ حُكْمُهُمْ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ) . [الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا وُجِدَ مَعَهُمْ مِنْ الْمَالِ] ١ أَمَّا مَا وُجِدَ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْأَخْذُ لِذَلِكَ مِنْ بِلَادِهِمْ مِمَّنْ يَتَصَرَّفُ فِي بِلَادِهِمْ غَيْرَ مُغَالِبٍ لَهُمْ كَالْأَسِيرِ الَّذِي قَدْ مَلَكُوهُ وَصَارَ بِأَيْدِيهِمْ أَوْ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَخَرَجَ بِهَا فَإِنَّ جَمِيعَهُ لَهُ وَلَا خُمُسَ فِيهِ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ مَنْ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَيَخْرُجُ بِهِ إلَيْنَا فَإِنَّهُ لَهُ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا أُخِذَ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْمُغَالَبَةِ لَهُمْ بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُ خَلَاصُهُمْ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ فَيْءٌ لِمَنْ أَخَذَهُ وَفِيهِ الْخُمُسُ وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَرِقَابِهِمْ بِمَوْضِعٍ لَا تُرْجَى فِيهِ نَجَاتُهُمْ كَأَنْ كَانَ بِتَكَسُّرِ مَرَاكِبِهِمْ فَإِنَّهُ لَا خُمُسَ فِيهِ وَلَا هُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ وَإِنَّمَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَهُ فِيمَا رَآهُ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا حُكْمُ رِقَابِهِمْ وَمَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي هَذَا الضَّرْبِ فَأَمَّا إذَا انْفَرَدَتْ أَمْوَالُهُمْ وَوُجِدَ شَيْءٌ مِنْهَا بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: هُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ وَلَا تُخَمَّسُ عُرُوضُهُ وَيُخَمَّسُ مَا فِيهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرَقٍ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَنْزِ مِنْ أَمْوَالِ الْعَدُوِّ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرَقُ فَيُخَمَّسَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ فِي كَنْزِ الذَّهَبِ وَالْوَرَقِ وَأَمَّا الْعُرُوض فَقَالَ هَاهُنَا لَا تُخَمَّسُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْهُ فِي كَثِيرِ الْعُرُوضِ فَقَالَ مَرَّةً: لَا تُخَمَّسُ وَقَالَ مَرَّةً: تُخَمَّسُ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا وُجِدَ فِي هَذِهِ الْمَرَاكِبِ مِنْ الرَّقِيقِ وَلَمْ يُصَدَّقُوا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَرَى فِيهِمْ الْإِمَامُ رَأْيَهُ مِنْ أَسْرٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ فِدَاءٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَتْلَ وَقَالَ فِي الْعِلْجِ يُوجَدُ بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ طُولِ مُقَامٍ بِهَا فَلَمَّا ظُفِرَ بِهِ قَالَ: جِئْت لِأُقِيمَ آمِنًا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ وَهُوَ فَيْءٌ وَلَا يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ بِالتَّجْسِيسِ فَيُقْتَلُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَرَاكِبِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْعَدُوُّ وَتَنْكَسِرُ بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ جَاءُوا تُجَّارًا فَيَظْهَرُ مِنْ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَكَثْرَةِ مُقَاتِلَتِهِمْ وَقِلَّةِ تِجَارَتِهِمْ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فَإِنَّهُمْ وَمَا مَعَهُمْ فَيْءٌ وَتُقْتَلُ مُقَاتِلَتُهُمْ عَلَى هَذَا) .

стр. 864

[الْعَدُوَّ إذَا وُجِدَ بِسَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ نَزَلُوا دُونَ إذْنِ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَفَظَهُمْ الْبَحْرُ وَفِي هَذَا بَابَانِ] [ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَنْ وُجِدَ مِنْ الْعَدُوّ] مَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْلُهُ قَبْلَ الْخُمُسِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ الْمُسْلِمُونَ إذَا دَخَلُوا أَرْضَ الْعَدُوِّ مِنْ طَعَامِهِمْ مَا وَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الْمَقَاسِمُ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا أَرَى الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ يَأْكُلُ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ إذَا دَخَلُوا أَرْضَ الْعَدُوِّ كَمَا يَأْكُلُونَ مِنْ الطَّعَامِ قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ حَتَّى يَحْضُرَ النَّاسُ الْمَقَاسِمَ وَيُقْسَمَ بَيْنَهُمْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْجُيُوشِ قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: فَلَا أَرَى بَأْسًا بِمَا أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلَا أَرَى أَنْ يَدَّخِرَ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا يَرْجِعُ بِهِ إلَى أَهْلِهِ) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ يُصِيبُ الطَّعَامَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيَتَزَوَّدُ فَيَفْضُلُ مِنْهُ شَيْءٌ أَيَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ فَيَأْكُلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ بِلَادَهُ فَيَنْتَفِعَ بِثَمَنِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ بَاعَهُ وَهُوَ فِي الْغَزْوِ فَأَرَى أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ فِي غَنَائِمِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ بَلَغَ بِهِ إلَى بَلَدِهِ فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَهُ وَيَنْتَفِعَ بِهِ إذَا كَانَ يَسِيرًا تَافِهًا) . ــ [المنتقى] [مَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْلُهُ قَبْلَ الْخُمُسِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا: إنَّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ مِمَّا عِنْدَهُمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُبَاحٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ وَالثَّانِي أَصْلُهُ الْمِلْكُ وَلَكِنَّهُ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِلْغِذَاءِ وَالْقُوَّةِ وَذَلِكَ كُلُّ مَطْعُومٍ مِنْ أَمْوَالِ الرُّومِ وَجَدَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي بِلَادِهِمْ فَإِنَّ لِمَنْ وَجَدَهُ أَكْلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيَعْلِفُهُ دَوَابَّهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي اسْتِبَاحَتِهِ إلَى قَسْمٍ وَلَا إذْنِ الْإِمَامِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْآخِذُ لَهُ أَحَقَّ لِحَاجَتِهِ مِنْهُ وَمَا فَضَلَ مِنْهُ عَنْهُ أَعْطَاهُ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ الْغَازِينَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُحْتَاجًا رَفَعَهُ إلَى صَاحِبِ الْمَغَانِمِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْحَيَوَانُ الْمُبَاحُ أَكْلُهُ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ فَإِنَّهَا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُذْبَحُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ إذَا عَدِمُوا الطَّعَامَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى أَكْلِهَا وَالِاقْتِيَاتِ بِهَا أَشَدُّ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْعَسَلِ وَالْعِنَبِ فَإِذَا جَازَ أَكْلُ الْعَسَلِ وَالْعِنَبِ فَبِأَنْ يَجُوزَ الِاقْتِيَاتُ بِلُحُومِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ أَوْلَى وَأَحْرَى. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ فَلَا أَرَى بَأْسًا بِمَا أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَكْلُهُ عَلَى وَجْهٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ وَأَمَّا ذَبْحُ الْحَيَوَانِ وَإِتْلَافُهُ أَوْ ذَبْحُ الْكَثِيرِ مِنْهُ الَّذِي يَكْفِي يَسِيرُهُ وَيَخْرُجُ فِيهِ عَنْ حَدِّ الِاقْتِيَاتِ الْبَالِغِ إلَى حَدِّ الْإِفْسَادِ وَالِانْتِهَابِ وَالتَّبْذِيرِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إفْسَادَهُ إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعَدُوِّ إذَا لَمْ يُطِيقُوا انْتِقَالَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا أَرَى أَنْ يَدَّخِرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا يَرْجِعُ بِهِ إلَى أَهْلِهِ يُرِيدُ مَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ بَالٌ وَقِيمَةٌ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ تَصَدَّقَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّافِهُ الْيَسِيرُ كَالْقَدِيدِ وَالْكَعْكِ مِمَّا يَقِلُّ ثَمَنُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا أُخِذَ مِنْ ذَلِكَ لِلْقُوَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ كَالْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ وَالثَّوْبِ يَنْتَفِعُ بِهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ غَزْوُهُ فَهَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ غَزْوُهُ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ وَابْنُ وَهْبٍ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ فَجَازَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَنْ أَخَذَهُ دُونَ قِسْمَةٍ كَالطَّعَامِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إنَّ هَذَا مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ وَلَهُ قِيمَةٌ فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ الِانْفِرَادُ بِهِ كَالذَّهَبِ وَالْوَرَقِ وَالْحُلِيِّ وَالْوَطَاءِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ إنْ بَاعَ شَيْئًا مِمَّا فَضَلَ عَنْهُ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ مَا لَمْ يَفْضُلْ مِنْهُ وَكَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَأَرَادَ بَيْعَهُ مِنْ تُجَّارٍ مَعَهُ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْغَبَ فِي بَيْعِهِ رَغْبَةً فِي ثَمَنِهِ وَاخْتِصَاصًا بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُبَاحٍ لَهُ

стр. 865

مَا يُرَدُّ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْقَسْمُ مِمَّا أَصَابَ الْعَدُوُّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَبَقَ وَأَنَّ فَرَسًا لَهُ عَارَ فَأَصَابَهُمَا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ غَنِمَهُمَا الْمُسْلِمُونَ فَرُدَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُمَا الْمَقَاسِمُ) . ــ [المنتقى] لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ أَكْلُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ وَأَمَّا بَيْعُهُ وَأَخْذُ ثَمَنِهِ فَغَيْرُ جَائِرٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ قَبْلَ الْأَكْلِ وَلِذَلِكَ لَوْ أَقْرَضَهُ أَحَدًا مِنْ الْغَازِينَ أَوْ بَاعَهُ مِنْهُ بِنَسِيئَةٍ لَمْ يَلْزَمْ الْمُبْتَاعَ أَنْ يَقْضِيَهُ الثَّمَنَ وَلَا الْمُقْتَرِضَ أَنْ يُوفِيَهُ الْقَرْضَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ لِحَاجَةِ أَنْ يَصْرِفَ ثَمَنَهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ السِّلَاحِ وَاللِّبَاسِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذَا مِنْ الْمَغْنَمِ إذَا وَجَدَهُ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يَجِدْهُ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَغْنَمِ مَا أُبِيحَ لَهُ أَخْذُهُ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلَيْهِ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ بَذَلَ طَعَامًا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي طَعَامٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهِ طَعَامًا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ ثَمَنًا وَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ مَغْنَمًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهِ طَعَامًا وَأَنَّهُ مَتَى صَارَ ثَمَنًا وَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ مَغْنَمًا كَمَا لَوْ أَخَذَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ. [مَا يُرَدُّ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْقَسْمُ مِمَّا أَصَابَ الْعَدُوُّ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَبَقَ يُرِيدُ ذَهَبَ وَإِنَّ فَرَسًا لَهُ عَارَ يُرِيدُ أَيْضًا ذَهَبَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ: عَارَ الْفَرَسُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَيْرِ وَهُوَ حِمَارُ الْوَحْشِ يُرِيدُ أَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ فِي النِّفَارِ وَالْفِرَارِ وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي جَمْهَرَتِهِ: عَارَ الْفَرَسُ يَعِيرُ عَيْرًا إذَا انْطَلَقَ مِنْ مَرْبِضِهِ فَذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ وَكَذَلِكَ الْبَعِيرُ وَقَوْلُهُ فَأَصَابَهُمَا الْمُشْرِكُونَ يُرِيدُ صَارَ ذَلِكَ بِأَيْدِيهِمْ وَفِي قَبْضَتِهِمْ وَحِيَازَتِهِمْ ثُمَّ غَنِمَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ فَرُدَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يُرِيدُ أَنَّهُمَا رُدَّا إلَى مِلْكِهِ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُمَا لَهُ قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُمَا الْمَقَاسِمُ يُرِيدُ مَقَاسِمَ الْغَنَائِم مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ وَهَذَا حُكْمُ مَا أَصَابَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ فَعَرَفَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ وَفِي هَذَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا أَنْ يُعْرَفَ صَاحِبُهُ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ وَلَا تُعْرَفُ عَيْنُهُ وَالثَّالِثَةُ أَنْ لَا يُعْرَفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَأَمَّا إنْ عُرِفَ صَاحِبُهُ وَكَانَ حَاضِرًا فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ بِتَجَدُّدِ مِلْكٍ عَلَيْهِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَائِبًا مَعْرُوفًا بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُوقَفُ لَهُ قَالَهُ سَحْنُونٌ: وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ لِلْغَائِبِ فَإِنْ رَأَى أَنْ يُنْفِذَهُ إلَيْهِ وَتَكُونَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالْأُجْرَةُ فَعَلَ وَإِنْ رَأَى أَنْ يَبِيعَهُ عَلَيْهِ وَيُوقَفَ لَهُ الثَّمَنُ فَعَلَ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ عُرِفَ صَاحِبُهُ وَلَمْ يُسْتَطَعْ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ قُسِمَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ تَفُتْهُ الْقِسْمَةُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَفُوتَ عَلَيْهِ بِالْقِسْمَةِ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَمْ يَتَقَرَّرْ مِلْكُهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ فَإِذَا كَانَ غَائِبًا وَكَانَ ثَمَّ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ مَالِكٍ مُعَيَّنٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ وَلَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُ إذَا قَدِمَ إلَّا بِالثَّمَنِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ لَمْ يَجُزْ لِلْجَيْشِ تَمَلُّكُهُ وَقِسْمَتُهُ وَلَزِمَ تَرْكُهُ إلَى أَنْ يَأْتِيَ رَبُّهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ فِي أَيْدِي الْغَانِمِينَ مُسْتَحِقِّينَ لَهُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ أَيْدِيهِمْ إلَّا بِأَنْ يَسْتَحِقَّهُ مُعَيَّنٌ يَدَّعِيهِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إنَّ الْغَانِمِينَ لَا يَدَّعُونَ مِلْكَهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْغَنِيمَةِ وَقَدْ ثَبَتَ لَهُمْ مَالِكٌ تَقَدَّمَ مِلْكُهُ فَكَانَ أَحَقَّ بِمِلْكِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُبَاعُ فِي الْمَقَاسِمِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْفَيْءِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَأَمَّا إنْ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِثْلَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُمْ فَلَا يُوفُوهُ ثَمَنَهُ أَوْ يَخَافَهُمْ فَيُصَالِحَهُمْ بِهِ فَلَا حَقَّ لَهُ فَبِهِ إذَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ قَالَهُ سَحْنُونٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِمْ بِاخْتِيَارِهِ وَمَلَّكَهُمْ إيَّاهُ وَذَلِكَ

стр. 866

(ص) : (قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِيمَا يُصِيبُهُ الْعَدُوُّ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ: إنَّهُ إنْ أُدْرِكَ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِيهِ الْمَقَاسِمُ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى أَهْلِهِ وَأَمَّا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْمَقَاسِمُ فَلَا يُرَدُّ عَلَى أَحَدٍ) . (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ حَازَ الْمُشْرِكُونَ غُلَامَهُ ثُمَّ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ مَالِكٌ: صَاحِبُهُ أَوْلَى بِهِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا قِيمَةٍ وَلَا غُرْمٍ مَا لَمْ تُصِبْهُ الْمَقَاسِمُ قَالَ: فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ الْمَقَاسِمُ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ لِسَيِّدِهِ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ) . ــ [المنتقى] لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ إنْ أُدْرِكَ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغَانِمِينَ وَغَيْرِهِمْ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لَهُ حَتَّى وَقَعَتْ فِيهِ الْمَقَاسِمُ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَمَعْنَى الرَّدِّ هَاهُنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ دُونَ ثَمَنٍ وَذَلِكَ إنْ أَخَذَ أَهْلُ الشِّرْكِ الشَّيْءَ عَلَى وَجْهِ الْقُهْرَةِ شُبْهَةَ تَمَلُّكٍ وَهَكَذَا كُلُّ مَا تَمَلَّكُوهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُمْلَكَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَهُ وَيُصَحِّحُهُ إسْلَامُهُ عَلَيْهِ أَوْ الْحُكْمُ لَهُ بِصِحَّتِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ مِلْكُهُمْ لِشَيْءٍ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَمَلَّكَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ وَرُدَّ إلَى صَاحِبِهِ وَكَذَلِكَ مَا أَصَابُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ فَلَا يُعْلَمُ بِذَلِكَ حَتَّى قُسِمَ فَإِنَّ صَاحِبَهُ أَحَقُّ بِهِ يُرَدُّ إلَيْهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَيُعْطَى مَنْ صَارَ إلَيْهِ فِي قَسْمِهِ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ إنَّ الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ جِهَةٌ يَمْلِكُ بِهَا الْمُسْلِمُ عَلَى الْمُشْرِكِ فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ بِهَا الْمُشْرِكُ عَلَى الْمُسْلِمِ كَالْبَيْعِ وَالصُّلْحِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي هَذَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَجِدَ الْإِنْسَانُ مِلْكَهُ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلِهَذَا أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ قِيمَةٍ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ عَمْرو بْنُ دِينَارٍ: إذَا وَصَلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ هَذَا فَهُوَ لِلْغَانِمَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ إنَّ مِلْكَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا غَنِمُوهُ لَمْ يَسْتَقِرَّ وَلَوْ اسْتَقَرَّ لَمَا كَانَ لِصَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَا بَعْدَهَا وَإِنَّمَا يَتَقَوَّى بِشُبْهَةِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا لَمْ تَقْتَرِنْ بِهِ شُبْهَةُ الْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ الْأَوَّلِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَثْبَتَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ هُوَ بِيَدِهِ أَحَقُّ بِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ إنَّ مَنْ صَارَ بِيَدِهِ لَهُ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ وَمَنْ كَانَ لَهُ مِلْكٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ كَانَ أَوْلَى وَحِيَازَةُ الْمُشْرِكِينَ لَهُ شُبْهَةُ مِلْكٍ لَمْ تَتِمَّ؛ لِأَنَّ تَمَامَهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِسْلَامِ فَبَقِيَ لِصِحَابِهَا فِيهَا حَقٌّ وَلَوْ أَسْلَمَ مَنْ هِيَ فِي يَدَيْهِ لَبَطَلَ حَقُّ السَّيِّدِ مِنْهَا لِتَمَامِ مِلْكِهِ لَهَا وَحُكْمُ الْإِمَامِ بِبَيْعِ الْعَبْدِ وَقِسْمَةِ ثَمَنِهِ لَيْسَ بِحُكْمٍ بِإِبْطَالِ حَقِّهِ مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ بِصِحَّةِ أَخْذِ الْغَانِمِينَ ثَمَنَهُ وَيَبْقَى لَهُ فِيهِ أَنْ يَفْتَدِيَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكَهُ وَلَوْ حَكَمَ الْإِمَامُ بِإِبْطَالِ حَقِّهِ مِنْهُ لَمَا كَانَ لَهُ رُجُوعٌ فِيهِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَيَرْجِعُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَالِبْهُ بِهِ أَحَدٌ وَلَا دَعَتْهُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ غَيْرُ مُجَرَّدِ الضَّرُورَةِ فَيَجِبُ أَنْ يُرَدَّ فِيهِ وَيَنْقَضِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ أَخْذُهُ إلَّا بِالثَّمَنِ يُرِيدُ مِنْ عِنْدِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُدْفَعُ إلَيْهِ الْقِيمَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ إنَّ الْعَبْدَ لَا يُدْفَعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَإِنَّمَا رُدَّ إلَى سَيِّدِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ إلَيْهِ الْعَبْدُ أَوْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقًا تَامًّا فَلَا تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ عَلَى آخِذِهِ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ صَاحِبَهُ أَوْلَى بِهِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا قِيمَةٍ وَلَا غُرْمٍ يُرِيدُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا يَدْفَعُ فِيهِ قِيمَةً وَهُوَ مَا يُسَاوِي يَوْمَ أَخْذِهِ لَهُ وَلَا ثَمَنًا إنْ كَانَ وَقَعَ فِيهِ تَبَايُعٌ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ يُغْنَمَ وَلَا يَغْرَمُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَلَا يُكَلَّفُ بِسَبَبِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْغَانِمِينَ عَلَيْهَا بِنَفْسِ الْغَنِيمَةِ وَإِنَّمَا اسْتَقَرَّ بِالْقِسْمَةِ وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمِلْكُ صَاحِبِهِ يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ حَالَ الْغَنِيمَةِ فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَأَمَّا مَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا خِلَافَ فِي تَقَرُّرِ مِلْكِ الْغَانِمِينَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ ذَلِكَ أَخْذُهُ إلَّا بِالثَّمَنِ كَالشُّفْعَةِ.

стр. 867

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي أُمِّ وَلَدِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَازَهَا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ فَقُسِمَتْ فِي الْمَقَاسِمِ ثُمَّ عَرَفَهَا سَيِّدُهَا بَعْدَ الْقَسْمِ: إنَّهَا لَا تُسْتَرَقُّ وَأَرَى أَنْ يَفْتَدِيَهَا الْإِمَامُ لِسَيِّدِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يَفْتَدِيَهَا وَلَا يَدَعُهَا وَلَا أَرَى لِلَّذِي صَارَتْ إلَيْهِ أَنْ يَسْتَرِقَّهَا وَلَا يَسْتَحِلُّ فَرْجَهَا وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ لِأَنَّ سَيِّدَهَا يُكَلَّفُ أَنْ يَفْتَدِيَهَا إذَا جُرِحَتْ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ أُمَّ وَلَدِهِ تُسْتَرَقُّ وَيُسْتَحَلُّ فَرْجُهَا) . ــ [المنتقى] فَصْلٌ) : قَوْلُهُ فَإِنْ وَقَعَتْ الْمَقَاسِمُ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ لَهُ بِالثَّمَنِ إنْ شَاءَ يُرِيدُ بِالثَّمَنِ الَّذِي صَارَ إلَى الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ بِالْقِسْمَةِ إنْ كَانَ الْفَيْءُ بِيعَ وَقُسِمَتْ الْأَثْمَانُ وَإِنْ كَانَ الْفَيْءُ قُسِمَ فَبِقِيمَتِهِ يَوْمَ دُفِعَ إلَيْهِ فِي الْقِسْمَةِ وَسَوَاءٌ دَخَلَ الْعَبْدَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ عَمًى أَوْ غَيْرُهُ فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِسَبَبٍ قَدِيمٍ كَالشُّفْعَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ ادَّعَى مَنْ صَارَ إلَيْهِ الْعَبْدُ بِالْقِسْمَةِ ثَمَنًا وَأَنْكَرَهُ الْمُسْتَحِقُّ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يُشْبِهُ فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ رُدَّ إلَى الْقِيمَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ يَدِهِ بِعِوَضٍ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ الْعِوَضِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ كَالشُّفْعَةِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ أُمَّ الْوَلَدِ قَدْ ثَبَتَ وَلَاؤُهَا لِسَيِّدِهَا وَلَمْ يَكْمُلْ عِتْقُهَا لِأَنَّ سَيِّدَهَا قَدْ بَقِيَ لَهُ فِيهَا الِاسْتِمْتَاعُ وَأَكْثَرُ أَحْكَامِ الرِّقِّ مِنْ انْتِزَاعِ الْمَالِ وَالْحَجْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِذَا غَنِمَهَا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ صَارَتْ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ بِالْغَنِيمَةِ فَإِنْ عُلِمَ بِذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهِيَ لِسَيِّدِهَا وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى تُصِيبَهَا الْمَقَاسِمُ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: يَفْتَدِيهَا الْإِمَامُ لِصِحَابِهَا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَفْتَدِيهَا لِنَفْسِهِ صَاحِبُهَا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ الْإِمَامَ يَفْتَدِيهَا لَهُ إنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يُجْبَرُ عَلَى افْتِكَاكِهَا وَلَيْسَ سَبَبُ ذَلِكَ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا مِنْ جِهَتِهَا وَإِنَّمَا أَلْزَمَهُ الْإِمَامُ ذَلِكَ بِمَا فَعَلَ مِنْ الْقِسْمَةِ وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَمَةِ لِأَنَّ لَهُ تَرْكَهَا وَهَذَا لَيْسَ لَهُ إسْلَامُهَا وَتَرْكُهَا وَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إنَّ لِصَاحِبِهَا فِيهَا بَقِيَّةَ مِلْكٍ فَلَزِمَهُ أَنْ يَفْتَدِيَ ذَلِكَ الْمَمْلُوكَ مِنْهَا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ شُبْهَةُ مِلْكٍ وَإِذَا كَانَ مِنْهَا مَا يَصِحُّ مِلْكُهُ جَازَ أَنْ يُصَحِّحَ شُبْهَةَ مِلْكِهِ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الِانْتِفَاعُ بِهَا إلَّا لِسَيِّدِهَا أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يَفْتَدِيَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ مِنْهَا لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَسْلِيمُهَا لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إبَاحَةَ مَا يُمْلَكُ مِنْهَا لِغَيْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْتَدِهَا الْإِمَامُ فَعَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يَفْتَدِيَهَا يُرِيدُ إنَّ الْإِمَامَ إنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ رَأَى فِيهِ غَيْرَ مَا رَآهُ مَالِكٌ فَإِنَّ عَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يَفْتَدِيَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَبِمَاذَا يَفْتَدِيهَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَفْتَدِيَهَا بِثَمَنِهَا الَّذِي أَخَذَهَا بِهِ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ وَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ وَالْمُغِيرَةِ إنَّ عَلَى سَيِّدِهَا الْأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ وَالثَّمَنِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ مَا اُفْتُدِيَ مِنْ ذَلِكَ لَحِقَ الْقِسْمَةَ فَإِنَّمَا يُفْتَدَى بِالثَّمَنِ كَالْأَمَةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى افْتِدَائِهَا فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ افْتِدَائِهَا وَتَرْكِهَا فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الثَّمَنُ الَّذِي اُقْتُسِمَتْ بِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْحُكْمِ لِلسَّيِّدِ بِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَتِهَا لِأَنَّ الثَّمَنَ إنَّمَا هُوَ لِيَفْتَدِيَهَا فَإِذَا مَاتَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ فِدَائِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى تَرِكَةِ سَيِّدِهَا قَالَهُ سَحْنُونٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ وَلَا تُتْبَعُ تَرِكَةُ السَّيِّدِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَى مَيِّتٍ وَلَا تُتْبَعُ هِيَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسَبَبِهَا بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا أَرَى لِلَّذِي صَارَتْ لَهُ أَنْ يَسْتَرِقَّهَا وَلَا يَسْتَحِلُّ فَرْجَهَا يُرِيدُ لِأَنَّ فِيهَا مِلْكًا لِسَيِّدِهَا وَلَا تَصِحُّ إزَالَتُهُ إلَى رِقٍّ وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ لِلثَّانِي اسْتِرْقَاقُهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَإِنَّمَا لَهُ عَلَى سَيِّدِهَا عِوَضُ مَا يَمْلِكُهُ سَيِّدُهَا مِنْهَا فَلَمَّا لَمْ يَتَقَرَّرْ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةٌ لِأَنَّ رَقَبَتَهَا مَشْغُولَةٌ بِمَا بَقِيَ لِسَيِّدِهَا فِيهَا مِنْ الْمِلْكِ وَلِأَنَّهَا لَوْ قُتِلَتْ لَكَانَ لَهُ قِيمَتُهَا فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا أُخِذَ ذَلِكَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا اُتُّبِعَ

стр. 868

(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فِي الْمُفَادَاةِ أَوْ لِتِجَارَةٍ فَيَشْتَرِي الْحُرَّ أَوْ الْعَبْدَ أَوْ يُوهَبَانِ لَهُ فَقَالَ: أَمَّا الْحُرُّ فَإِنَّ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ دَيْنٌ عَلَيْهِ وَلَا يُسْتَرَقُّ وَإِنْ كَانَ وُهِبَ لَهُ فَهُوَ حُرٌّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَعْطَى فِيهِ شَيْئًا مُكَافَأَةً فَهُوَ دَيْنٌ عَلَى الْحُرِّ بِمَنْزِلَةِ مَا اُشْتُرِيَ بِهِ وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنَّ سَيِّدَهُ الْأَوَّلَ مُخَيَّرٌ فِيهِ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَدْفَعَ إلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ ثَمَنَهُ فَذَلِكَ لَهُ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُسَلِّمَهُ أَسْلَمَهُ وَإِنْ كَانَ وُهِبَ لَهُ فَسَيِّدُهُ الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَعْطَى فِيهِ شَيْئًا مُكَافَأَةً فَيَكُونُ مَا أُعْطِيَ فِيهِ غُرْمًا عَلَى سَيِّدِهِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْتَدِيَهُ) ــ [المنتقى] فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا بَطَلَ حَقُّهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ أَنْ يَمْلِكَهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ فِي حَقِّهِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ سَيِّدَهَا يُكَلَّفُ أَنْ يَفْتَدِيَهَا إذَا جُرِحَتْ يُرِيدُ أَنَّهَا لَوْ جُنَّتْ عَلَى أَحَدٍ لَكُلِّفَ سَيِّدُهَا أَنْ يَفْتَدِيَهَا فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ افْتِدَائِهَا عَلَيْهِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْجِنَايَةِ يَقْتَضِي أَنَّ عَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يَفْتَكَّهَا مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْقِيمَةُ كَالْجِنَايَةِ إنَّمَا هِيَ الْأَقَلُّ مِنْ الْأَرْشِ وَالْقِيمَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ أُمَّ وَلَدِهِ تُسْتَرَقُّ وَيُسْتَحَلُّ فَرْجُهَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَيُجْبَرُ عَلَى افْتِكَاكِهَا. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فِي الْمُفَادَاةِ أَوْ التِّجَارَةِ الْخُرُوجُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: الْجِهَادُ وَالْمُفَادَاةُ وَالتِّجَارَةُ فَأَمَّا دُخُولُ أَرْضِ الْحَرْبِ لِلْجِهَادِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَفَضْلُهُ وَأَمَّا دُخُولُهَا لِلْمُفَادَاةِ وَدُخُولُهَا لِلتِّجَارَةِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ إلَى بِلَادِ الرُّومِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَهِيَ جُرْحَةٌ وَنَهَى عَنْ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ السُّودَانِ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْكُفْرِ تَجْرِي هُنَاكَ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَيَشْتَرِي الْحُرَّ أَوْ الْعَبْدَ أَوْ يُوهَبَانِ لَهُ أَمَّا شِرَاءُ الْحُرِّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَنْ لَا يَعْلَمَ أَنَّهُ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ سَمَّى الْفِدَاءَ شِرَاءً وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِدَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَتَخْلِيصَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَاجِبٌ لَازِمٌ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَفْتَدُوهُمْ إلَّا بِكُلِّ مَا يَمْلِكُونَ فَذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَشْهَبُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ فِدَائِهِمْ بِالْخَمْرِ: لَا يُفْدَوْنَ بِهَا وَلَا يُدْخَلُ فِي نَافِلَةٍ بِمَعْصِيَةٍ فَسَمَّاهَا نَافِلَةً وَلَعَلَّ هَذَا أَنْ يَكُونَ رَأْيَ أَشْهَبَ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُهُ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ» وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقِتَالُ لِاسْتِنْقَاذِهِمْ وَفِيهِ إتْلَافُ الْمُهَجِ وَسَفْكُ الدِّمَاءِ فَبِأَنْ يَلْزَمَ اسْتِنْقَاذُهُمْ بِالْمَالِ أَوْلَى وَفِي هَذَا الْبَابِ خَمْسُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا فِيمَا يَجُوزُ فِدَاؤُهُمْ بِهِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إنْ لَمْ يَتَّفِقْ الْفِدَاءُ وَالثَّالِثَةُ فِي وُجُوبِ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَسِيرِ بِمَا فُدِيَ وَالرَّابِعَةُ فِي تَبْيِينِ مَنْ لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ وَالْخَامِسَةُ فِي تَدَاعِي الْأَسِيرِ وَالْمُفَادِي فِي مَبْلَغِ الْفِدَاءِ فَأَمَّا الْأُولَى فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا فَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّهُ يُفْدِي مِنْ الْأَمْوَالِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُمَلِّكَهُمْ إيَّاهُ وَلَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ فَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُمَلِّكَهُمْ إيَّاهُ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُفْدَوْنَ بِهِ لِأَنَّهُ فِدَاءُ مُسْلِمٍ بِمُسْلِمٍ وَحَقُّهُمَا وَاحِدٌ فِي وُجُوبِ الِاسْتِنْقَاذِ مِنْهُمْ وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُمَلِّكَهُمْ شَيْئًا مِنْهُ وَكَذَلِكَ مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ لِأَنَّهُمْ يَرْفَعُونَ إلَيْنَا أَسِيرًا وَاحِدًا وَيَتَقَوَّوْنَ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِمْ مِنْ الْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ: يُفْدَوْنَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَالِ مِمَّا يُمْكِنُنَا نَحْنُ أَنْ نَمْلِكَهُ وَنُمَلِّكَهُمْ إيَّاهُ فَأَجَازَا فِدَاءَهُمْ بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ قُوَّتُهُمْ بِهَا مُتَرَقَّبَةٌ مُؤَجَّلَةٌ وَإِذَايَتُهُمْ لِهَذَا الْمُسْلِمِ مَوْجُودَةٌ وَقَالَ سَحْنُونٌ: يُفْدَوْنَ بِكُلِّ شَيْءٍ حَاشَا الْمُسْلِمِينَ فَجَوَّزَ فِدَاءَهُمْ بِالْخَمْرِ فَقَالَ: تُبْتَاعُ لَهُمْ الْخَمْرُ لِلْفِدَاءِ وَهِيَ ضَرُورَةٌ

стр. 869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ الِانْتِفَاعَ بِالْمُحَرَّمَاتِ وَلِذَلِكَ أُبِيحَ أَكْلُ الْمِيتَةِ وَضَرُورَةُ هَذَا الْأَسِيرِ مِثْلُ ذَلِكَ وَأَشَدُّ فَكَانَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لِإِزَالَةِ ضَرُورَتِهِ. ١ - وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلُ الْحَرْبِ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ لِلْفِدَاءِ فَيَطْلُبُونَ فِيهِمْ مَا لَا يُسْتَطَاعُ فَيُرِيدُونَ صَرْفَهُمْ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا بِهِمْ وَلَا يُؤْخَذُونَ مِنْهُمْ إلَّا بِرِضَاهُمْ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرُهُ: إنْ أَرَادَ الَّذِي فِي يَدِهِ الْأَسِيرُ قِيمَتَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ دُفِعَتْ إلَيْهِ وَإِلَّا أُخِذَ مِنْهُمْ قَهْرًا وَدُفِعَتْ إلَيْهِمْ قِيمَتُهُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى عَهْدٍ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ وَغَلَبَتُهُمْ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْبَغُ: إنَّنَا لَمْ نُعَاهِدْهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَى أَنْ نَفِيَ لَهُمْ بِشُرُوطِهِمْ مَا لَمْ يُخَالِفُوا الْحَقَّ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الَّذِي يُرَاعَى فِي قِيمَتِهِمْ قَالَ سَحْنُونٌ: يُرَاعَى فِي ذَلِكَ فِدَاءُ مِثْلِهِمْ لَيْسَ الْقُرَشِيُّ وَالْعَرَبِيُّ كَالْأَسْوَدِ وَالْمَوْلَى قَالَ ابْنُهُ: فَقَدْ فَدَيْت الْأَسَارَى الَّذِينَ كَانُوا بِسَرْدَانِيَّةَ عَلَى قِيمَتِهِمْ عَبِيدًا قَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ عِنْدِي مِنْ ذَوِي الْقَدْرِ. ١ - وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ وُجُوبُ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَسِيرِ بِالْفِدَاءِ لِمَنْ شَاءَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَرْجِعُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِمَا فَدَاهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ أَضْعَافَ ثَمَنِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ فَإِنْ وَجَدَهُ عِنْدَهُ أَخَذَهُ مِنْهُ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ: وَهَذَا أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْفِدَاءَ وَاحْتَجَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بِأَنَّ الْفِدَاءَ آكَدُ مِنْ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى فِدَائِهِ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ وَدَيْنُهُ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي ذِمَّتِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ: إنَّمَا هَذَا فِي مَالِهِ الَّذِي أَحْرَزَهُ الْعَدُّ مَعَ رَقَبَتِهِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الْقِيمَةِ رُجِعَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْلِمًا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِهِ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِير أَنَّهُ يُرْجَعُ عَلَى الْأَسِيرِ بِثَمَنِ ذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ذِمِّيًّا رُجِعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لِأَنَّهُ مَالٌ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَمَوَّلُ الْمِيتَةَ فَهَذَا حُكْمُهَا. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَهِيَ تَمْيِيزُ مَنْ يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ مِنْ غَيْرِهِ فَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَجَانِبُ وَذُو مَحَارِمَ وَمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْأَجَانِبُ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ عَلَيْهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ الْأَقَارِبُ مِمَّنْ لَيْسُوا بِذِي مَحَارِمَ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُمْ فِي جُمْلَةِ الْأَجَانِبِ وَأَمَّا مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِمْ فِيمَا فَدَاهُمْ بِهِ عَرَفَهُمْ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: افْدِ وَلَك الْفِدَاءُ عَلَيَّ وَأَمَّا ذُو الْمَحَارِمِ غَيْرُهُمْ وَالزَّوْجَةُ فَإِنَّهُ إنْ فَدَاهُمْ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَنْ هُمْ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْهِبَةَ فَإِنْ عَرَفَهُمْ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَأْمُرُوهُ هُمْ بِفِدَائِهِمْ لِيُرْجَعَ عَلَيْهِمْ قَالَ سَحْنُونٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِثَوَابِ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ وَمَنْ يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِثَوَابِ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِالْفِدَاءِ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ: إحْدَاهُمَا لَا ثَوَابَ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا بَنَى سَحْنُونٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَالثَّانِيَةُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِالْفِدَاءِ قِيَاسًا عَلَى هِبَةِ الثَّوَابِ. ١ - وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَهِيَ تَدَاعِي الْأَسِيرِ وَالْمُفَادِي فِي الْفِدَاءِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَسِيرِ فِي إنْكَارِ الْفِدَاءِ جُمْلَةً وَفِي إنْكَارِ بَعْضِهِ فَإِنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ وَلَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْهَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقِيلَ إذَا أَقَرَّ الْأَسِيرُ أَنَّهُ فَدَاهُ وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْفِدَاءِ فَالْفَادِي مُصَدَّقٌ وَيَصِيرُ كَالرَّهْنِ فِي يَدَيْهِ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ الْفَادِي إذَا كَانَ الْأَسِيرُ بِيَدِهِ

стр. 870

مَا جَاءَ فِي السَّلْبِ فِي النَّفْلِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ قَالَ: فَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: فَاسْتَدَرْت لَهُ حَتَّى أَتَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْت مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي قَالَ: فَلَقِيت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْت: مَا بَالُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: أَمْرُ اللَّهِ ثُمَّ إنَّ النَّاسَ رَجَعُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ قَالَ: فَقُمْت ثُمَّ قُلْت: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْت ثُمَّ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ قَالَ: فَقُمْت ثُمَّ قُلْت: مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْت ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةُ فَقُمْت فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَك يَا أَبَا قَتَادَةَ قَالَ فَاقْتَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَاهَا اللَّهِ إذًا لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيك سَلَبَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ فَأَعْطِهِ إيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَبِعْت الدِّرْعَ فَاشْتَرَيْت بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ» ) ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنَّ سَيِّدَهُ الْأَوَّلَ مُخَيَّرٌ فِيهِ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَدْفَعَ إلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ ثَمَنَهُ فَذَلِكَ لَهُ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُسَلِّمَهُ أَسْلَمَهُ هَذَا حُكْمُ الْعَبْدِ الْقِنِّ، سَيِّدُهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي اُشْتُرِيَتْ بِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ مَالِهِ فِي الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ وَأَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ. [مَا جَاءَ فِي السَّلْبِ فِي النَّفْلِ] (ش) : قَوْلُهُ فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ يُرِيدُ بَعْضَ الِانْهِزَامِ وَإِنَّمَا انْهَزَمَتْ مُقَدِّمَةُ الْجَيْشِ وَالنَّبِيُّ ﷺ ثَابِتٌ وَلِذَلِكَ «قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: يَا أَبَا عُمَارَةَ أَكُنْتُمْ فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنَّهُ خَرَّجَ سِبَاقَ أَصْحَابِهِ وَخِفَافُهُمْ حُسَّرًا لَيْسُوا بِسِلَاحٍ فَأَتَوْا قَوْمًا رُمَاةً جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ثُمَّ قَالَ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَرَأَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَأَشْرَفَ عَلَى قَتْلِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ صَرَعَهُ وَقَوْلُهُ فَاسْتَدَرْت لَهُ حَتَّى أَتَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَبْرُزْ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ وَيُؤَكِّدُ هَذَا قَوْلُهُ فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ وَأَنَّهُ إنَّمَا لَقِيَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِالْتِقَاءِ الْجَيْشِ وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَرَزَ إلَى صَاحِبِهِ لَمْ يَجُزْ لِأَبِي قَتَادَةَ أَنْ يَقْتُلَهُ إذَا ظَهَرَ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ دَفْعِ الْمُشْرِكِ عَنْ الْمُسْلِمِ إذَا تَبَارَزَا وَظَهَرَ عَلَيْهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ يُعَانُ وَيُدْفَعُ عَنْهُ الْمُشْرِكُ وَلَا يُقْتَلُ لِأَنَّ مُبَارَزَتَهُ عَهْدٌ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ إلَّا مَنْ بَارَزَهُ وَقَالَ سَحْنُونٌ أَيْضًا لَا يُعَانُ بِوَجْهٍ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسُئِلَ مَالِكٌ: أَيُعَانُ؟ فَقَالَ: إنْ خَافَ الضَّعْفَ فَلَا يُبَارِزُ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِنْ قَتَلَ الْمُشْرِكَ غَيْرُ الَّذِي يُبَارِزُهُ.

стр. 871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الَّذِي قَتَلَهُ دِيَتُهُ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا دِيَةَ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ بَارَزَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَا بَأْسَ لِمَنْ قَتَلَ صَاحِبَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينَ صَاحِبَهُ فِي الْقَتْلِ وَالدَّفْعِ كَمَا فَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي مَعُونَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ رَضُوا بِتَعَاوُنِهِمْ فَهُمْ كَجَمَاعَةِ الْجَيْشِ تَلْقَى جَمَاعَةَ جَيْشٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ بِتَعَاوُنِهِمْ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْت مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ يُرِيدُ أَنَّهُ وَجَدَ مِنْ شِدَّتِهَا أَلَمًا يَقْرُبُ مِنْ أَلَمِ الْمَوْتِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ خَافَ مِنْ شِدَّتِهَا الْمَوْتَ وَقَوْلُهُ ثُمَّ إنَّ النَّاسَ رَجَعُوا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ رَجَعُوا مِنْ جَوْلَتِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ رَجَعُوا مِنْ الْقِتَالِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالَ وَلَوْ لَمْ يَقُلْهُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ سَلَبٌ فَإِنَّ السَّلَبَ الَّذِي نَفَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْقَاتِلِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْخُمُسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ الَّذِي فِيهِ وَقَعَ الْقِتَالُ قَوْلُهُ ثُمَّ إنَّ النَّاسَ رَجَعُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ كَانَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ فَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْقِتَالِ فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُمْ مِنْ الْهَزِيمَةِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّرَاجُعِ مِنْ الْهَزِيمَةِ فِيمَنْ قُتِلَ قَبْلَ التَّرَاجُعِ وَلِذَلِكَ قَامَ أَبُو قَتَادَةَ فِيمَنْ قَتَلَهُ قَبْلَ التَّرَاجُعِ وَقَضَى لَهُ بِسَلَبِهِ. وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْقَعْنَبِيَّ وَهُوَ أَوْثَقُ النَّاسِ وَأَحْفَظُهُمْ لِحَدِيثِ مَالِكٍ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ إنَّ النَّاسَ رَجَعُوا وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقَتْلِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ رَاكِبًا عَلَى بَغْلَتِهِ فِي حَالِ الْقِتَالِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَنْهُ إلَى الْجُلُوسِ وَالرَّاحَةِ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَرُجُوعِ النَّاسِ مِنْ الْهَزِيمَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّحْرِيضَ وَلَوْ أَرَادَ بِهِ التَّحْرِيضَ عَلَى الْقِتَالِ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَقَالَهُ فِي أَوَّلِ الْقِتَالِ وَقَبْلَ الْهَزِيمَةِ وَوَجْهٌ رَابِعٌ وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْغَنِيمَةِ وَيُقَاتِلُ لِلْحَمِيَّةِ وَيُقَاتِلُ لِيَرَى مَكَانَهُ مِنْ الشُّهَدَاءِ فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ كَانَتْ النِّيَّاتُ قَبْلَهُ سَلِيمَةً صَحِيحَةً وَلَمْ يُقَاتِلْ أَحَدٌ إلَّا لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَإِذَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ الْقِتَالِ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي النِّيَّاتِ وَعَرَّضَ النَّاسَ لِيُقَاتِلُوا لِمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ السَّلَبِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْخُمُسِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا» . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ سُهْمَانَهُمْ بَلَغَتْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا ثُمَّ نُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفَلَ مِنْ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ وَلَا مَكَانَ لَهُ غَيْرُ الْخُمُسِ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِلْغَانِمِينَ تَجِبُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمْ فِيهِ لَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِغَنَائِهِ وَلَا لِقِتَالٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِ تَفْضِيلٌ لِقَتْلٍ أَوْ قِتَالٍ لَوَجَبَ أَنْ يُفَاضَلَ بَيْنَهُمْ لِلْغَنَاءِ فَلَا يَأْخُذُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ مَا يَأْخُذُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ ﵃ وَلَمَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ أَخْذَهُمْ سَوَاءٌ لَهُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا وَتَبَايَنُوا فِي الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِلْقَتْلِ مَزِيَّةٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ

стр. 872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْأَخْمَاسِ وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّفَاضُلُ فِي الْخُمُسِ فَإِنَّهُ مَحَلٌّ لِلتَّفَاضُلِ وَالْعَطَاءِ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسُ فَلَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِاجْتِهَادِهِ وَنُحَرِّرُ مِنْ هَذَا قِيَاسًا فَنَقُولُ: إنَّ هَذِهِ مَزِيَّةُ غَنَاءٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَاوَضَ عَلَيْهَا بِمَزِيَّةِ عَطَاءٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ أَصْلُ ذَلِكَ لِشِدَّةِ الْقِتَالِ وَحِمَايَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُدَافَعَةِ عَنْهُمْ وَالِانْفِرَادِ بِأَخْذِ الْغَنَائِمِ الْعَظِيمَةِ وَالْأَمْوَالِ الْجَسِيمَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَوْ أَنَّ إمَامًا قَالَ قَبْلَ الْقِتَالِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَوْ نَفَّلَ رَجُلًا سَلَبَ قَتِيلٍ قَتَلَهُ مِنْ غَيْرِ الْخُمُسِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِمَامِ حُكْمُ حَاكِمٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَلَا يُنْقَضُ قَالَهُ سَحْنُونٌ وَفِي هَذَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا فِيمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الْإِمَامِ مِنْ ذَلِكَ وَالثَّانِيَةُ فِي ذِكْرِ مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْ الْغَانِمِينَ وَالثَّالِثَةُ فِي وَصْفِ مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِقَتْلِهِ مِنْ الْمَقْتُولِينَ وَالرَّابِعَةُ فِي وَصْفِ السَّلَبِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِذَلِكَ فَأَمَّا مَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الْإِمَامِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِمَامَ إذَا نَادَى بِلَفْظٍ يَعُمُّهُ وَيَعُمُّ النَّاسَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ لَهُ وَلِجَمِيعِ النَّاس وَإِنْ خَصَّ نَفْسَهُ بِأَنْ قَالَ: إنْ قَتَلْت قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لِأَنَّهُ قَدْ حَابَى نَفْسَهُ وَأَظْهَرَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ تَرْكِ الْمَعْدِلَةِ فَلَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ وَوَجَبَ نَقْضُهُ وَإِنْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ لِلنَّاسِ دُونَهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ مِنْكُمْ قَالَ ذَلِكَ كُلُّهُ سَحْنُونٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَكَانَ الْقَاتِلُ مِمَّنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ إنْ كَانَ الْقَاتِلُ ذِمِّيًّا فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ السَّلَبِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَتْ امْرَأَةٌ قَالَ وَأَشْهَبُ يَرَى أَنْ يُرْضَخَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ لَهُ السَّلَبُ مِنْ الْخُمُسِ لِأَنَّهُ نَفْلٌ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي عَلَى مَذَاهِبِهِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مِنْهُمْ فَلَهُ سَلَبُهُ فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُخْذِلًا أَوْ مُرْجِفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ السَّلَبِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقَتَلَ الْقَاتِلُ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا فَقَدْ حَكَى سَحْنُونٌ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ إنْ قَاتَلَا فَلَهُ سَلَبُهُمَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَذْهَبَ وَقَدْ رَأَيْت لِسَحْنُونٍ مَا يَقْتَضِيهِ وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ مُسْتَأْسَرًا أَوْ مَنْ لَا يُدَافِعُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ سَلَبِهِ شَيْءٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا السَّلَبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ بِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا لَا نَفْلَ فِي الْعَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ الْفَرَسُ وَسَرْجُهُ وَلِجَامُهُ وَخَاتَمُهُ وَدِرْعُهُ وَبَيْضَتُهُ وَمِنْطَقَتُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ رِجْلَيْهِ إلَى سَاعِدَيْهِ وَسَاقَيْهِ وَرَأْسِهِ وَالسِّلَاحُ وَنَحْوُهُ وَحِلْيَةُ السَّيْفِ تَبَعٌ لِلسَّيْفِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الطَّوْقِ وَالسِّوَارَيْنِ وَالْعَيْنِ كُلِّهِ وَلَا فِي الصَّلِيبِ يَكُونُ مَعَهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَدْخُلُ فِي السَّلَبِ كُلُّ ثَوْبٍ عَلَيْهِ وَسِلَاحُهُ وَمِنْطَقَتُهُ الَّتِي فِيهَا نَفَقَتُهُ وَسِوَارَاهُ وَفَرَسُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ يُمْسِكُهُ لِوَجْهِ قِتَالٍ عَلَيْهِ فَأَمَّا إنْ كَانَ يُجْنَبُ أَوْ كَانَ مُنْفَلِتًا فَلَيْسَ مِنْ السَّلَبِ فَتَحْقِيقُ مَذْهَبِ سَحْنُونٍ أَنَّ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ لِبَاسِهِ الْمُعْتَادِ وَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْحَرْبِ مِنْ فَرَسٍ أَوْ سِلَاحٍ فَهُوَ مِنْ السَّلَبِ وَمَذْهَبُ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ وَالْحُلِيِّ وَالنَّفَقَةِ الْمُعْتَادَةِ وَمَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْحَرْبِ فَهُوَ مِنْ السَّلَبِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقُمْت فَقُلْت: مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْت يُرِيدُ قَامَ لِيَطْلُبَ سَلَبَ الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلَهُ لَمَّا سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ثُمَّ تَأَمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ أَحَدًا رَآهُ يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَنْ يَشْهَدُ لِي بِذَلِكَ فَلَمَّا اسْتَبْعَدَ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ يَصِلُ بِهَا إلَى اسْتِحْقَاقِ سَلَبِ الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلَهُ جَلَسَ عَنْ الْقِيَامِ فِي ذَلِكَ وَسَكَتَ عَنْ طَلَبِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ تَكْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ ثَلَاثَ

стр. 873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مَرَّاتٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهَا فِي سَاعَاتٍ مُفْتَرِقَةٍ لِكَيْ يَسْمَعَ قَوْلَهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهِ ﷺ أَنَّهُ إذَا قَالَ قَوْلًا أَعَادَهُ ثَلَاثًا فَيَكُونُ قَالَ ذَلِكَ قَوْلًا مُتَقَارِبًا وَقِيَامُ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بَعْدَ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِمَا كَانَ يَتَجَدَّدُ لَهُ مِنْ الْأَمَلِ فِي سَلَبِ قَتِيلِهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا كَانَ يُثْبِتُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِسَلَبِ ذَلِكَ الْقَتِيلِ لِعِلْمِهِ بِقَتْلِهِ لَهُ ثُمَّ كَانَ يَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَكَانَ عِنْدَهُ أَنَّ بَيِّنَتَهُ عَلَى ذَلِكَ مَعْدُومَةٌ وَمَا الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ هَذَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ أَمَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَاحْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا بِخَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ دُونَ يَمِينٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ إذَا قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ لِلَّذِي شَهِدَ لَهُ بِهِ: لَاهَا اللَّهِ إذًا لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيك سَلَبَهُ فَأَضَافَ السَّلَبَ إلَى مِلْكِهِ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَطَرِيقُهُ طَرِيقُ الْخَبَرِ لَا طَرِيقُ الشَّهَادَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْبَيِّنَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُهُ فَعَلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ السَّلَبُ لَهُ وَعَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ فَأَمَّا إنْ جَاءَ بِسَلَبٍ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْت صَاحِبَ هَذَا السَّلَبِ فَلَا يَأْخُذُ السَّلَبَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالسَّلَبِ أَنَّ الرَّأْسَ فِي الْأَغْلَبِ لَا يَكُونُ إلَّا بِيَدِ مَنْ قَتَلَهُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ يَمْنَعُ مِنْهُ مَنْ أَرَادَهُ وَلَا يَتْرُكُهُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ نَفَّلَهُ سَلَبَهُ فَهَذَا لَا يَشْهَدُ لَهُ وَأَمَّا السَّلَبُ فَلَيْسَ كَوْنُهُ بِيَدِهِ شَاهِدًا لَهُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ سَلَبٍ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ إلَّا كَحَقِّهِ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ صَاحِبُ الرَّأْسِ وَلَا صَاحِبُ السَّلَبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ فِي ذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ احْتِجَاجِ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِ أَبِي قَتَادَةَ وَإِلَّا فَظَاهِرُ لَفْظِ الْبَيِّنَةِ يَقْتَضِي الشَّهَادَةَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَتَنَاوَلُ الْمَالَ وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُ الْقَتْلَ وَهُوَ حُكْمٌ فِي الْجَسَدِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَك يَا أَبَا قَتَادَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ لَمَّا رَأَى قِيَامَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ مِثْلَ هَذَا أَوْ مِمَّنْ فِي نَفْسِهِ شُبْهَةٌ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بَيَّنَ لَهُ وَجْهَ اسْتِحْقَاقِهِ وَهَدَاهُ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لَهُ أَوْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ اعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّ لَهُ حَاجَةً فَمَنَعَهُ الْحَيَاءُ مِنْ إبْدَائِهَا وَتَبْعَثُهُ حَاجَتُهُ عَلَى الْقِيَامِ إلَيْهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَأَرَادَ أَنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِ اسْتِفْتَاحَ الْكَلَامِ فِيهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَاقْتَصَصْت عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا جَرَى لَهُ وَالْمُوجِبُ لِقِيَامِهِ وَجُلُوسِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَوْلُ الرَّجُلِ صِدْقُ شَهَادَةٍ لِأَبِي قَتَادَةَ بِقَتْلِهِ وَبِإِضَافَةِ السَّلَبِ الَّذِي عِنْدِي إلَى ذَلِكَ الْقَتِيلِ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لِلْقَتِيلِ يَحْتَاجُ أَنْ يُبَيِّنَ أَحَدُهُمَا مُبَاشَرَةَ قَتْلِهِ وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ السَّلَبَ لَهُ إذَا وُجِدَ السَّلَبُ عَلَيْهِ وَمَعَهُ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ كَوْنَ رَأْسِ الْقَتِيلِ مَعَهُ شَهَادَةٌ لَهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ سَلَبُ الْقَتِيلِ بِيَدِهِ شَهَادَةً لَهُ بِهِ هَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ طَرِيقَهُ طَرِيقُ الشَّهَادَةِ وَإِنْ قُلْنَا طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي عِدَةً وَرَغْبَةً إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَنْ يَهَبَهُ إيَّاهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قِبَلَهُ وَيُعَوِّضَ أَبَا قَتَادَةَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَرْضَى بِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ لَاهَا اللَّهِ إذًا لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيك

стр. 874

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَجُلًا يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْأَنْفَالِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: الْفَرَسُ مِنْ النَّفْلِ وَالسَّلَبُ مِنْ النَّفْلِ قَالَ: ثُمَّ عَادَ الرَّجُلُ لِمَسْأَلَتِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ: الْأَنْفَالُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مَا هِيَ؟ قَالَ الْقَاسِمُ: فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُحْرِجَهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَدْرُونَ مَا مِثْلُ هَذَا؟ مِثْلُ صَبِيغٍ الَّذِي ضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) . ــ [المنتقى] سَلَبَهُ يُرِيدُ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ مِنْ أُسْدِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَضَافَهُ إلَى اللَّهِ لَمَّا كَانَ عَمَلُهُ لِلَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] فَأَضَافَهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَمَّا كَانُوا عَامِلِينَ لَهُ وَقَوْلُهُ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ يُقَاتِلُ لِتَكُونَ كَلِمَتُهُمَا الْعُلْيَا وَدِينُهُمَا الظَّاهِرَ وَأَضَافَ السَّلَبَ إلَى الْقَاتِلِ بِقَوْلِهِ فَيُعْطِيك سَلَبَهُ لَمَّا كَانَ قَدْ اسْتَحَقَّهُ بِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ كُلُّ قَاتِلٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا وُقِفَ تَسْلِيمُهُ لِوُجُودِ الْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ وَلَمَّا اسْتَحَقَّ أَبُو قَتَادَةَ سَلَبَ ذَلِكَ الْقَتِيلِ بِعَيْنِهِ مَلَكَ أَعْيَانَ السَّلَبِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُعَوِّضَهُ مِنْهُ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ فَلِذَلِكَ مَنَعَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَإِنْ عُوِّضَ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ الْمُقَاتِلِينَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُسْتَحِقٌّ سَلَبَ الْقَتِيلِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لَا يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ صَدَقَ فَأَعْطِهِ إيَّاهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ بِالْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الرَّجُلِ لِسَلَبِ قَتِيلِ أَبِي قَتَادَةَ وَأَمْرًا لَهُ بِإِعْطَائِهِ أَبَا قَتَادَةَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ سَلَبِهِ لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ كَانَ أَوْجَبَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ الرَّجُلُ فَبَاعَ أَبُو قَتَادَةَ الدِّرْعَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ السَّلَبِ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَابْتَعْت بِهِ مَخْرَفًا وَالْمَخْرَفُ الْبُسْتَانُ تَكُونُ فِيهِ الْفَاكِهَةُ مِنْ التَّمْرِ وَغَيْرِهِ وَالْخُرْفَةُ هِيَ الْفَاكِهَةُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّمْرَ مِنْ جُمْلَةِ الْفَاكِهَةِ لِأَنَّهُ سَمَّى بَسَاتِينَ الْمَدِينَةِ بِهَا وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ غَيْرَ النَّخِيلِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ بِعَطْفِ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ عَلَى الْفَاكِهَةِ فَعَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فَعَطَفَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَهُمَا مِنْ أَفَاضِلِ الْمَلَائِكَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ يُرِيدُ بِالْمَالِ هَهُنَا الْأَصْلَ الَّذِي لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ مِنْ السِّلَاحِ وَغَيْرِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ اتَّخَذَهَا عَلَى مَعْنَى التَّأَثُّلِ وَإِنَّمَا اتَّخَذَهَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا بِالِاسْتِعْمَالِ كَالثَّوْبِ يَلْبَسُهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَعْنَى التَّأَثُّلِ. (ش) : سُؤَالُ الرَّجُلِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْأَنْفَالِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْأَنْفَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدُ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الْغَنَائِمُ قِيلَ: وَالْأَنْفَالُ جَمْعُ نَفْلٍ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْغَنِيمَةُ نَفْلًا لِأَنَّهَا تَفَضُّلٌ مِنْ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: الْأَنْفَالُ هِيَ الزِّيَادَاتُ الَّتِي يَزِيدُهَا الْأَئِمَّةُ لِلنَّاسِ إذَا شَاءُوا ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَقَالَ الْحَسَنُ: الْأَنْفَالُ مَا شَذَّ مِنْ الْعَدُوِّ وَمِنْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ ذَلِكَ مَنْ شَاءَ فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْأَنْفَالَ هِيَ الْغَنَائِمُ قَالَ: إنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلَيْنِ بَعْدَهُ جَعَلَهَا مُحْكَمَةً فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ الرَّجُلِ عَنْ الْأَنْفَالِ الْمَذْكُورَةِ فَكَانَ سُؤَالُهُ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَمُقْتَضَاهَا فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِذِكْرِ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا وَهُوَ بَعْضُهَا وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا جَوَابًا لِمَنْ عَرَفَ أَنَّ الْأَنْفَالَ هِيَ الزِّيَادَةُ الَّتِي.

стр. 875

(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ قَتَلَ قَتِيلًا مِنْ الْعَدُوِّ أَيَكُونُ لَهُ سَلَبُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَقَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ إلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ) . مَا جَاءَ فِي إعْطَاءِ النَّفْلِ مِنْ الْخُمُسِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُعْطَوْنَ النَّفَلَ مِنْ الْخُمُسِ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] تَثْبُتُ بِالشَّرْعِ أَوْ بِالْعُرْفِ فِي الشَّرْعِ وَأَمَّا مَنْ سَأَلَ عَنْ نَفْسِ الْأَنْفَالِ فَلَيْسَ هَذَا جَوَابُهُ وَلَعَلَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يَتَبَيَّنْ سُؤَالَهُ وَلَا تَبَيَّنَ مُرَادَهُ فَاعْتَقَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَسْأَلُهُ عَمَّا قَدْ جَاوَبَهُ بِهِ أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ اقْتَرَنَ بِسُؤَالِهِ مِنْ سُوءِ التَّأْوِيلِ وَإِظْهَارِ الْإِعْجَابِ بِقَوْلِهِ وَادِّعَاءِ الْمَعْرِفَةِ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ وَانْفِرَادِهِ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ مَا اقْتَضَى أَنْ يُجَاوِبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا جَاوَبَهُ بِهِ أَوْ لَعَلَّهُ رَأَى أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ السُّؤَالَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّهُ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ مَسَائِلِ وُضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ فَيُغْفِلُ ذَلِكَ وَيُقْبِلُ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ وَلَا يَفْهَمُهَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهَا فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَدْرُونَ مَا مِثْلُ هَذَا؟ مِثْلُ صَبِيغٍ الَّذِي ضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقِصَّةُ صَبِيغٍ الْمَذْكُورِ مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ: جَاءَ صَبِيغٌ التَّيْمِيُّ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنْ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا؟ قَالَ: هِيَ الرِّيَاحُ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْحَامِلَاتِ وِقْرًا؟ قَالَ: هِيَ السَّحَابُ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْجَارِيَاتِ يُسْرًا؟ قَالَ: هِيَ السُّفُنُ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضَرَبَهُ مِائَةً وَجَعَلَهُ فِي بَيْتٍ فَلَمَّا بَرَأَ دَعَا بِهِ فَضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرَى وَحَمَلَهُ عَلَى قَتَبٍ وَكَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: امْنَعْ النَّاسَ مِنْ مُجَالَسَتِهِ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى أَتَى أَبَا مُوسَى فَحَلَفَ لَهُ بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ مَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا كَانَ يَجِدُ شَيْئًا فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَكَتَبَ عُمَرُ: مَا أَخَالُهُ إلَّا قَدْ صَدَقَ فَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُجَالَسَتِهِ النَّاسَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ سَلَبَ الْمَقْتُولِ لَا يَكُونُ لِلْقَاتِلِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْعُمُومِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَوْ قَوْلُهُ فِي الْخُصُوصِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ: إنْ قَتَلْت قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ وَإِنْ قَتَلْت فُلَانًا الرَّجُلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَكَ سَلَبُهُ أَوْ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مِنْ بَنِي فُلَانٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَهُ سَلَبُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى حَسْبِ مَا قَالَهُ وَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَهُ عَلَى مَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ مِنْ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ إلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَغَازِي قَبْلَ حُنَيْنٍ وَبَعْدَهُ عُرِّيَتْ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ وَمِنْ هَذَا الْحُكْمِ فَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا سَلَبُهُ إلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَحُكْمِهِ وَأَنَّهُ إنْ قَالَهُ وَحَكَمَ بِهِ نَفَذَ حُكْمُهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا سَلَبُهُ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِلْغَانِمِينَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ نَاسِخًا لِلثَّانِي بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ نَاسِخًا لِبَعْضِ حُكْمِ الْآيَةِ أَوْ مُخَصِّصًا لِعُمُومِهَا أَوْ مُفَسِّرًا لِحُكْمِهَا وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْخُمُسَ الَّذِي لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُنْصَرِفٌ بَعْضُهُ وَهُوَ سَلَبُ الْمَقْتُولِ لِلْقَاتِلِ إذَا رَأَى ذَلِكَ الْإِمَامُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ إلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَهُوَ عَلَى مَا قَالَهُ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ قَبْلَ يَوْمِ حُنَيْنٍ وَمَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ فَمِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ لَا تَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِي إعْطَاءِ النَّفْلِ مِنْ الْخُمُسِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ﵀ النَّاسُ كَانُوا يُعْطَوْنَ النَّفَلَ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى أَنْصِبَائِهِمْ مِنْ الْخُمُسِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَوْا مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْخُمُسَ

стр. 876

(ص) : (قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ النَّفْلِ هَلْ يَكُونُ فِي أَوَّلِ مَغْنَمٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مُوَثَّقٌ إلَّا اجْتِهَادَ السُّلْطَانِ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَّلَ فِي مَغَازِيهِ كُلِّهَا وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ نَفَّلَ فِي بَعْضِهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ مَغْنَمٍ وَفِيمَا بَعْدَهُ) . ــ [المنتقى] مُعَرَّضٌ لِمِثْلِ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلْيُعْطَ مِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ فَهُوَ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ لَا يَفْضُلُ فِيهِ أَحَدٌ لِغَنَاءٍ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ أَحَدٌ لِقِلَّةِ غَنَاءٍ وَهُوَ أَحَبُّ الْأَقْوَالِ إلَى مَالِكٍ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ غَيْرِ الْخُمُسِ وَلَا يُخَمِّسُ وَإِنَّمَا يُخْرِجُ أَوَّلًا الْأَنْفَالَ لِلْقَاتِلِينَ ثُمَّ يُخَمِّسُ الْبَاقِيَ وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الْآخَرِ أَنَّ الْآخَرَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ وَأَنَّهُ مِمَّا يُحِبُّهُ وَلِهَذَا عَلَيْهِ مَزِيَّةٌ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إنَّ هَذَا أَوْلَى بِأَنْ يُؤْخَذَ بِهِ كَمَا يُقَالُ إقَامَةُ الْحُقُوقِ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِهَا. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ النَّفْلِ هَلْ يَكُونُ فِي أَوَّلِ مَغْنَمٍ؟ مَعْنَاهُ أَنْ يُنَفِّلَ قَوْمًا يَخُصُّهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِأَمْرٍ يَنْفَرِدُونَ بِهِ مِنْ سَرِيَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِثْلُ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً وَيُنَفِّلَهَا الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهَا لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ حَكَمَ لَهَا بِهِ الْإِمَامُ وَحُكْمُهُ نَافِذٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَلَوْ غَنِمَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ ثُمَّ لَقِيَهَا عَسْكَرٌ آخَرُ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْرَجَهُ الْخَلِيفَةُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ ضَعِيفَةً عَنْ النُّفُوذِ بِمَا غَنِمَتْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ الْعَسْكَرِ الَّذِي انْفَصَلَتْ عَنْهُ عَوْنٌ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَسْكَرَ الثَّانِيَ يُشْرِكُهُمْ فِي النَّفْلِ وَالْغَنِيمَةِ فَمَا صَارَ لِلسَّرِيَّةِ مِنْ نَفْلٍ أَخَذَتْهُ وَمَا صَارَ لَهَا مِنْ مَغْنَمٍ ضُمَّ إلَى مَا يَأْتِي بِهِ الْعَسْكَرُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمَغَانِمِ وَإِنْ كَانَتْ السَّرِيَّةُ قَوِيَّةً عَلَى التَّخَلُّصِ لَمْ يُشْرِكْهُمْ الْعَسْكَرُ الثَّانِي فِي نَفْلٍ وَلَا سَهْمٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ أَنْفَذَ الْأَمِيرُ سَرِيَّةً عَلَى أَنَّ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ نَفْلٌ لَهُمْ فَلَمَّا فُصِلَتْ أَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَغْنَمُوا وَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَغْنَمُوا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مَعْرُوفٌ يُرِيدُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَعُودُ لِمَنَافِعِهِمْ وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مَعْرُوفٌ يُرِيدُ مُؤَقَّتًا يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّ مَا كَانَ مَصْرُوفًا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ يَفْعَلُهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ وَيَتْرُكُهُ إذَا تَرَكَهُ وَمَا حُدَّ بِالشَّرْعِ لَيْسَ لَهُ النَّظَرُ فِيهِ وَلِذَلِكَ مَا كَانَ الْخُمُسُ مِنْ الْمَغْنَمِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُؤَقَّتًا لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ بِاجْتِهَادِهِ وَلَمَّا كَانَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ أَحَدًا لِغَنَائِهِ وَلَا يُنْقِصُ مِنْ حَظِّهِ لِضَعْفِهِ لِرَأْيٍ يَرَاهُ وَلَا لِمَصْلَحَةٍ يَعْتَقِدُهَا وَأَمَّا النَّفَلُ فَلَهُ الزِّيَادَةُ فِيهِ وَالنَّقْصُ مِنْهُ فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَّلَ فِي مُغَازِيَةِ كُلِّهَا يَقْتَضِي نَفْيَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرْوَى عَنْ أَحَدٍ مِنْ الثِّقَاتِ أَنَّهُ نَفَّلَ فِي مَغَازِيهِ وَالثَّانِي أَنْ يُرْوَى عَنْ ثِقَةٍ أَنَّهُ نَفَّلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَيَوْمَ كَذَا حَتَّى يَسْتَوْعِبَ ذَلِكَ مَغَازِيَهُ وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْوَجْهَيْنِ وَإِنَّمَا أَثْبَتَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ فِي بَعْضِهَا وَهُوَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ غَيْرُ لَازِمٍ بِالشَّرْعِ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَيَأْذَنُ فِيهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ دُونَ بَعْضٍ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ لَازِمًا فِي كُلِّ غَزْوَةٍ لَحَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَائِرِ مَغَازِيهِ كَمَا حَكَمَ بِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَلَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ فِي غَيْرِهَا وَلَوْ حَكَمَ بِهِ لَبَلَغَنَا كَمَا بَلَغَ حُكْمُهُ بِذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ثَبَتَ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ لِمَا كَانَ يَرَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ فِي غَيْرِهِ لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي تَرْكِ الْحُكْمِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.

стр. 877

الْقَسْمُ لِلْخَيْلِ فِي الْغَزْوِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَقُولُ: لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ ذَلِكَ) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ حَضَرَ بِأَفْرَاسٍ كَثِيرَةٍ فَهَلْ يُقْسَمُ لَهَا كُلِّهَا؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ بِذَلِكَ وَلَكِنْ لَا أَرَى أَنْ يُقْسَمَ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَيْهِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ ــ [المنتقى] فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ مَغْنَمٍ وَفِيمَا بَعْدَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ يَرَى الْإِمَامُ وَجْهَ الصَّوَابِ فِي أَنْ يَأْمُرَ بِهِ فِي أَوَّلِ الْمَغْنَمِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْ يُنَفِّلَ السَّرِيَّةَ فَيُعْطِيَهَا ثُلُثَ مَا يَغْنَمُهُ أَوْ رُبْعَهُ تَخْتَصُّ بِهِ دُونَ الْجَيْشِ لِمَا يَرَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ لِلسَّرِيَّةِ وَالْجَيْشِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدْ يَرَى الصَّوَابَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ فِي آخِرِ الْمَغْنَمِ عَلَى حَسْبِ مَا فَعَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْمَغْنَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْقَسْمُ لِلْخَيْلِ فِي الْغَزْوِ] (ش) : يُرِيدُ لِلْفَرَسِ سَهْمٌ يَخُصُّهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْفَرَسِ خَاصَّةً سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ الَّذِي يَرْكَبُهُ سَهْمٌ كَالرَّاجِلِ الْمُفْرَدِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلْفَرَسِ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَلِفَارِسِهِ سَهْمٌ وَاحِدٌ فَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إنَّ الْفَرَسَ لَمَّا كَانَتْ مُؤْنَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مُؤْنَةِ فَارِسِهِ وَغَنَاؤُهُ أَكْثَرَ مِنْ غَنَاءِ الْفَارِسِ زِيدَ فِي الْقَسْمِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ الرَّهِيصِ يُدَرَّبُ بِهِ كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الْمَرِيضُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي سَهْمِهِ فَقَالَ مَالِكٌ يُسْهَمُ لَهُ وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: لَا يُسْهَمُ لَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَلَى حَالَةٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَيُتَرَقَّبُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَاَلَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ الْخَفِيفُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ الْآنَ فَأَشْبَهَ الْكَسِيرَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْكَسِيرُ يُدَرَّبُ كَذَلِكَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ وَلَوْ أَصَابَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِدْرَابِ لَا سَهْمَ لَهُ قَالَهُ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى حَالَةٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ وَلَا يُتَرَقَّبُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَقَوْلُهُ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ إذَا أَصَابَهُ بَعْدَ أَنْ أُدْرِبَ لَيْسَ بِمُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ وَإِنَّمَا مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْهَمُ لَهُ إذَا أَصَابَهُ بَعْدَ حُضُورِ الْقِتَالِ بِهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ يَنْحُو إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ حَضَرَ بِأَفْرَاسٍ كَثِيرَةٍ فَكَانَ مِمَّنْ يُسْهَمُ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ مِنْهَا إلَّا مَعَ فَرَسٍ وَاحِدٍ وَلَا يُسْهَمُ لِسَائِرِهَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُسْهَمُ لِفَرَسَيْنِ وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْهَمُ لِفَرَسٍ يَرْكَبُهُ فَارِسٌ وَأَمَّا فَرَسٌ لَا يَرْكَبُهُ أَحَدٌ وَلَا يُقَاتَلُ عَلَيْهِ فَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَهَذَا الْفَارِسُ إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ عِدَّةُ أَفْرَاسٍ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ فَارِسَ فَرَسَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسْهَمَ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا كَانَ الْفَرَسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَسَهْمَاهُ لِلَّذِي حَضَرَ بِهِ الْقِتَالَ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ رَكِبَهُ فِي أَكْثَرِ طَرِيقِهِ وَعَلَيْهِ لِلْآخَرِ أُجْرَتُهُ وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ الْقِتَالَ جَمِيعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِقْدَارِ مَا حَضَرَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْإِجَارَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ حُضُورُ الْقِتَالِ فَكَانَ أَحَقُّهُمَا بِسَهْمَيْ الْفَرَسِ مَنْ حَضَرَ عَلَيْهِ الْقِتَالَ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْأُجْرَةِ كَاَلَّذِي يَعْمَلُ عَلَى الدَّابَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ فَإِنَّ لَهُ مَا أَصَابَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ كِرَاءِ الدَّابَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ.

стр. 878

لَا أَرَى الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ إلَّا مِنْ الْخَيْلِ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ فِي كِتَابِهِ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَقَالَ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَا أَرَى الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ مِنْ الْخَيْلِ إذَا أَجَازَهَا الْوَالِي وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: وَسُئِلَ عَنْ الْبَرَاذِينِ هَلْ فِيهَا مِنْ صَدَقَةٍ فَقَالَ: وَهَلْ فِي الْخَيْلِ مِنْ صَدَقَةٍ) ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ مِنْ الْخَيْلِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْبَرَاذِينُ هِيَ الْعِظَامُ يُرِيدُ الْجَافِيَةَ الْخِلْقَةُ الْغَلِيظَةَ الْأَعْضَاءُ وَلَيْسَتْ الْعِرَابُ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا أَضْمَرُ وَأَرَقُّ أَعْضَاءً وَأَحْلَى خِلْقَةً وَأَمَّا الْهُجُنُ فَهِيَ الَّتِي أَبُوهَا عَرَبِيٌّ وَأُمُّهَا مِنْ الْبَرَاذِينِ فَهِيَ مِنْ الْهُجُنِ وَذَهَبَ مَالِكٌ ﵀ فِي قَوْلِهِ هَذَا إلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْمَ الْخَيْلِ وَاقِعٌ عَلَى جَمِيعِهَا وَإِنْ افْتَرَقَتْ فِي أَنْوَاعِهَا فَمِنْهَا الْعِرَابُ وَمِنْهَا الْهُجُنُ وَالْمَعْنَى أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا مِنْ الْخَيْلِ أَيْ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْمُ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُهَا وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إذَا أَمْلَقُوا جَمَعُوا أَزْوَادَهُمْ وَتَسَاوَوْا فِيهَا فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ فِي النَّسَبِ وَلَا أَنَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ خُلُقَهُمْ فِي الْمُسَاوَاةِ أَقْرَبُ الْأَخْلَاقِ إلَى خُلُقِهِ الْكَرِيمِ الْعَظِيمِ ﷺ وَاسْتِدْلَالُ مَالِكٍ بِالْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ اسْمَ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُ الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَوْعَبَ ذِكْرَ الْحَيَوَانِ الْمُشَارِ إلَى رُكُوبِهِ وَالْحِمْلِ عَلَيْهِ لِيُعَدِّدَ نِعَمَهُ عَلَيْنَا بِذِكْرِ الْأَنْعَامِ وَمَا نَحْمِلُ عَلَيْهِ مِنْهَا ثُمَّ ذَكَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَوْعَبَ هَذَا الْجِنْسَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْهُجُنَ وَلَا الْبَرَاذِينَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] الْآيَةُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ بِالْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ الْهُجُنَ وَالْبَرَاذِينَ مِنْ الْخَيْلِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ثَبَتَ أَنَّ الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ مِمَّا سَمَّى اللَّهُ لِأَنَّهَا مِمَّا قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ تُرْبَطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِيُذْهَبَ بِهَا إلَى الْعَدُوِّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَنَا أَرَى أَنَّ الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ مِنْ الْخَيْلِ إذَا أَجَازَهَا الْوَالِي يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهَا إنْ سُهِمَ لَهَا كَحُكْمِ الْخَيْلِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا أَشْبَهَتْ الْخَيْلَ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهَا وَالطَّلَبِ بِهَا أُسْهِمَ لَهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمَقْصُودَ مِنْ الْخَيْلِ الْكَرُّ وَالْفَرُّ عَلَيْهَا وَالطَّلَبُ بِهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ ابْنُ حَبِيبٍ إجَازَةَ الْوَالِي لَهَا وَإِنَّمَا اشْتَرَطَهُ مَالِكٌ لِئَلَّا يَكُونَ مِنْ التَّخَلُّقِ وَالدَّنَاءَةِ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا وَلَا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهَا فَمِثْلُ هَذَا يَجِبُ أَنْ لَا يُجِيزَهُ الْوَالِي وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا عَيْبٌ لَا يُقَاتَلُ عَلَى مِثْلِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَذَلِكَ عِنْدِي إلَى الْعَيْبِ إذَا كَانَ الْعَيْبُ أَمْرًا ثَانِيًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا مِنْهُ وَأَمَّا مَا يُرْجَى بُرْؤُهَا مِنْهُ بِالْقُرْبِ كَالرَّهِيصِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ السَّهْمَ قَالَ سَحْنُونٌ وَإِذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِفَرَسٍ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَيْهِ مِنْ كِبَرٍ أَوْ مِمَّنْ صَعُبَ لَا يُرْكَبُ فَهُوَ رَاجِلٌ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيزَهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَمْرَ الْخَيْلِ فَيُمَيِّزَ مِنْهَا مَا يَجِبُ إجَازَتُهُ وَيَرُدَّ مِنْهَا مَا يَجِبُ رَدُّهُ مِمَّا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَاثُ الْخَيْلِ بِمَنْزِلَةِ ذُكُورِهَا يُسْهَمُ لَهَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ عَلَيْهَا مِنْ الْقِتَالِ وَالطَّلَبِ مَا يُمْكِنُ عَلَى ذُكُورِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُسْهَمَ لَهَا كَمَا يُسْهَمُ لِلذُّكُورِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا صِغَارُ الْخَيْلِ لَا مَرْكَبَ فِيهَا وَلَا حِمْلَ فَلَا يُسْهَمُ لَهَا فَإِنْ كَانَ فِيهِ الْقُوَّةُ عَلَى ذَلِكَ أُسْهِمَ لَهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُقَاتَلُ عَلَى مِثْلِهِ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي فِرَارٍ وَلَا طَلَبٍ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ كَالْكَثِيرِ. ١ - (فَرْعٌ) وَلَوْ دَخَلَ بِفَرَسٍ صَغِيرٍ فَبَقِيَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ حَتَّى كَبِرَ وَصَارَ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ فَلَهُ مِنْ يَوْمَئِذٍ سَهْمُ فَرَسٍ دُونَ مَا قَبْلَ ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَلَغَ مِنْ الصِّبْيَانِ بِأَرْضِ

стр. 879

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْجِعْرَانَةِ سَأَلَهُ النَّاسُ حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ حَتَّى نَزَعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنْ الْأَرْضِ وَبَرَةً مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ) ــ [المنتقى] الْعَدُوِّ فَلَا سَهْمَ لَهُ إلَّا فِيمَا غَنِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا رَاكِبُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ أَوْ الْبِرْذَوْنِ الَّذِي لَا يُجِيزُهُ الْوَالِي فَإِنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ وَلَا يُرْضَخُ لَهُ. (فَصْلٌ) : قَالَ: وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسُئِلَ عَنْ الْبَرَاذِينِ هَلْ فِيهَا مِنْ صَدَقَةٍ فَقَالَ: وَهَلْ فِي الْخَيْلِ مِنْ صَدَقَةٍ يُرِيدُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ لَمَّا سُئِلَ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ فَأَجَابَ بِنَفْيِ الصَّدَقَةِ عَنْ الْخَيْلِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَرَاذِينَ عِنْدَهُ مِنْ الْخَيْلِ وَإِلَّا كَانَ مُجِيبًا عَنْ غَيْرِ مَا سُئِلَ عَنْهُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْبَرَاذِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْلِ وَاسْمُ الْخَيْلِ يَتَنَاوَلُهَا وَلِذَلِكَ فُهِمَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ نَفْيُ الزَّكَاةِ عَنْ الْبَرَاذِينِ بِنَفْيِهَا عَنْ الْخَيْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ] ١ (مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ غُلُولًا لِأَنَّ مَنْ أَخَذَهُ كَانَ يَغُلُّهُ فِي مَتَاعِهِ أَيْ يُدْخِلُهُ فِي أَضْعَافِهِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَاءُ الْجَارِي مِنْ الشَّجَرِ غُلَلًا وَقَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ فِي الْمَغْنَمِ غَلَّ يَغُلُّ وَغَلَّ يَغِلُّ إذَا خَانَ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْجِعْرَانَةِ سَأَلَهُ النَّاسُ حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ حَتَّى نَزَعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنْ الْأَرْضِ وَبَرَةً مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ) . (ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ يُرِيدُ حَيْثُ أَصَابَ هَوَازِنَ فَأَظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ فَصَدَرَ يُرِيدُ الْجِعْرَانَةِ وَهِيَ طَرِيقُهُ إلَى مَكَّةَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ مِنْهَا وَحُنَيْنٌ يَقْرَبُ مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَسَأَلَهُ النَّاسُ قَسْمَ تِلْكَ الْغَنَائِمِ وَضَايَقُوهُ فِي طَرِيقِهِ لِإِلْحَاحِهِمْ عَلَيْهِ بِالْمَسْأَلَةِ حَتَّى أَلْجَؤُهُ إلَى سَمُرَةَ فَدَنَتْ نَاقَتُهُ مِنْهَا فَعَلِقَتْ بِرِدَائِهِ وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي يُلْقِيهِ عَلَى ظَهْرِهِ فَنَزَعَهُ عَنْ ظَهْرِهِ. (فَصْلٌ) : «وَقَوْلُهُ ﷺ رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي» يُرِيدُ ثَوْبَهُ الَّذِي انْتَزَعَتْهُ السُّمْرَةُ مِنْهُ أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يُرِيدُ الْإِنْكَارَ لِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ إيَّاهُ لِأَنَّ ذَلِكَ سُؤَالُ مَنْ يَخَافُ أَنْ يُمْنَعَ حَقُّهُ وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ سَيُعْطَاهُ وَيَسْتَوْفِيهِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ فَيَسْتَغْنِي عَنْ الْإِلْحَاحِ لِمَا عَلِمَ مِنْ حَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ سَيُعْطِي مَنْ لَهُ سَهْمٌ سَهْمَهُ وَيُعْطِي مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ الْخُمُسِ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَتِلْكَ قِسْمَةٌ أُخْرَى فِي الْخُمُسِ تَتَنَاوَلُ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ وَمَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ» قَسَمُهُ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ لِفِعْلِهِمْ وَكَثْرَةِ إلْحَاحِهِمْ عَلَيْهِ بِالسُّؤَالِ فِيمَا قَدْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ حَتَّى أَنَّهُمْ قَدْ اعْتَقَدُوا فِيهِ الْمَنْعَ وَهَذَا مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ فُقَهَاءُ الصَّحَابَةِ وَلَا فُضَلَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ أَوْ مِمَّنْ قَرُبَ إسْلَامُهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الْفِقْهُ بَعْدُ فِي نَفْسِهِ وَلَا عَرَفَ أَنَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ تَفْرِيقَهُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْغَانِمِينَ وَرَدَّ الْخُمُسِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَأَقْسَمَ ﷺ لَوْ كَانَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْكَثْرَةِ

стр. 880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَمَا مَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ. (فَصْلٌ) : «وَقَوْلُهُ ﷺ ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا» يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَهُنَا ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ إنِّي أَقْسِمُ عَلَيْكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا تَجِدُونِي بَخِيلًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا تَجِدُونِي جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ عَلَى بَابِهَا فِي التَّرْتِيبِ وَالْمُهْلَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنِّي أَقْسِمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعَ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَعْدَ هَذَا بَخِيلًا بِمَا يَكُونُ لِي مَنْعُهُ وَصَرْفُهُ إلَى سِوَاكُمْ وَلَا كَذَّابًا وَلَا جَبَانًا وَخَصَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِنَفْيِهَا عَنْ نَفْسِهِ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: لِأَنَّ وُجُودَ أَضْدَادِهَا مِنْ الْجُودِ وَالصِّدْقِ وَالشَّجَاعَةِ مِنْ صِفَاتِ الْإِمَامِ فَنَفَى ﷺ عَنْ نَفْسِهِ النَّقَائِصَ الَّتِي لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ فِي الْإِمَامِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا مَنْ كَانَتْ فِيهِ وَعَلَى هَذَا مَا قَالَهُ عُمَرُ: إنَّ صِفَاتِ الْإِمَامِ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَهِيَ إحْدَى عَشَرَةَ صِفَةً فَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ أَضْدَادَ جَمِيعِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ إنَّمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ هَذِهِ الثَّلَاثَ الْخِلَالَ لِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا سَأَلُوهُ مَا أَفَاءَ اللَّهُ مِنْ الْغَنَائِمِ وَالْمَالِ فَأَقْسَمَ أَنَّهُ يَقْسِمُ جَمِيعَهَا بَيْنَهُمْ وَلَا يَجِدُوهُ بَخِيلًا وَلَا كَذَّابًا فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ قِسْمَتِهَا وَلَا جَبَانًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَنْ عَدُوٍّ يَظْهَرُ فِي اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَغْنَمَ مِثْلَ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ وَأَكْثَرَ مِنْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ جَبَانًا عَنْ السَّائِلِينَ لَهُ وَأَنَّ قِسْمَتَهُ الْفَيْءَ عَلَيْهِمْ لَا يَفْعَلُهُ عَنْ جُبْنٍ وَضَعْفٍ عَنْ مَنْعِهِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَمْرِهِ وَتَفَضُّلًا عَلَى أُمَّتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ يُرِيدُ لَمَّا نَزَلَ مِنْ مَرْكَبِهِ وَلَعَلَّ نُزُولَهُ كَانَ بِالْجِعْرَانَةِ لِقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَكَانَتْ الْجِعْرَانَةِ إذْ ذَاكَ دَارَ حَرْبٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قِسْمَةَ الْغَنِيمَةِ إنَّمَا تَكُونُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْسَمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الْحَرْبِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْخَائِطُ وَالْمِخْيَطُ فَإِنَّ الْخَائِطَ وَاحِدُ الْخُيُوطِ وَالْمِخْيَطَ الْإِبْرَةُ وَمَنْ رَوَاهُ الْخِيَاطَ فَقَدْ يَكُونُ الْخِيَاطُ الْخُيُوطَ وَيَكُونُ الْإِبْرَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وَمَعْنَى ذَلِكَ الْأَمْرُ بِأَدَاءِ الْقَلِيلِ التَّافِهِ وَإِذَا وَجَبَ رَدُّ الْقَلِيلِ فَبِأَنْ يَجِبَ رَدُّ الْكَثِيرِ الَّذِي لَهُ الْقَدْرُ وَالْقِيمَةُ أَوْلَى وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَمَنْ أَدَّى الْقِنْطَارَ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّينَارَ وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الدِّينَارَ فَهُوَ أَبْعَدُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْقِنْطَارَ فَإِذَا وَجَبَ أَدَاءُ الْخَيْطِ وَالْإِبْرَةِ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَبِأَنْ يَجِبَ أَدَاءُ الثَّوْبِ وَالْعَيْنِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَسَّعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَا لَا ثَمَنَ لَهُ مِثْلُ الْخِرْقَةِ يُرْقَعُ بِهَا أَوْ الْخَيْطِ يَخِيطُ بِهِ أَوْ مِسَلَّةٍ أَوْ إبْرَةٍ فَقَالَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ وَقَالَهُ أَصْبُغُ وَقَالَ: لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ: وَاَلَّذِي يَرُدُّ الْخَيْطَ وَالْكُبَّةَ وَمِثْلَهُ مِمَّا ثَمَنُهُ دَانِقٌ وَشَبَهُهُ أَخَافُ أَنْ يُرَائِيَ بِذَلِكَ وَلَيْسَ يَضِيقُ عَلَى النَّاسِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَا كَانَ ثَمَنُهُ دِرْهَمًا وَنَحْوَهُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا يَبِيعَهُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ أَدُّوا الْخَائِطَ وَالْمِخْيَطَ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ لَا عَلَى مَعْنَى إنَّمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ خَيْطٍ مِنْ وَبَرٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ نَقْلُهُ وَرَدُّهُ إلَى الْغَنَائِمِ وَهَذَا كَمَا قَالَ ﷺ : مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذَا ثُمَّ تَنَاوَلَ وَبَرَةً مِنْ الْأَرْضِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَمَنْ أَخَذَهُ مِنْ بَعِيرِ غَيْرِهِ أَذًى فَلَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ. ١ - (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْغُلُولُ السَّرِقَةُ مِنْ الْمَغْنَمِ فَمَنْ خَانَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَدْ غَلَّ وَأَمَّا الشَّنَارُ فَهُوَ بِمَعْنَى الْعَيْبِ وَالْعَارِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الشَّنَارُ الْعَيْبُ
следующие страницы →