Полный текст (2 236 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا إنَّك عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ وَإِنِّي فِيك لَرَاغِبٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَائِقٌ إلَيْك خَيْرًا وَرِزْقًا وَنَحْوَ هَذَا مِنْ الْقَوْلِ) .
ــ
[المنتقى]
لَا يُفْسَخُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَا بَعْدَهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَا يُفْسَخُ بَعْدَهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمَذْهَبِ الْفَسْخُ وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِطْبَةِ دُونَ النِّكَاحِ فَلَمْ يَقْتَضِ فَسَادَ عَقْدِ النِّكَاحِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَا يُفْسَخُ فَقَدْ رَوَى الْعُتْبِيُّ عَنْ عِيسَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِهَذَا الْعَاقِدِ أَنْ يَتُوبَ مِنْ فِعْلِهِ وَيَعْرِضُهَا عَلَى الْخَاطِبِ أَوَّلًا فَإِنْ حَلَّلَهُ رَجَوْت لَهُ فِي ذَلِكَ مَخْرَجًا فَإِنْ أَبَى فَلْيُفَارِقْهَا فَإِنْ نَكَحَهَا الْأَوَّلُ وَإِلَّا فَلِهَذَا أَنْ يَأْتَنِفَ مَعَهَا نِكَاحًا قَالَ عِيسَى وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يُحَلِّلْهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ لِحَقِّ آدَمِيٍّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ لَهُ عَنْهُ إنْ لَمْ يُحَلِّلْهُ مِنْهُ فَإِنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ عَرَا عَنْ الْكَرَاهِيَةِ وَإِنْ أَبَى فَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ إلَّا بِالْفَرْقِ فَإِنْ نَكَحَهَا الْأَوَّلُ وَإِلَّا فَهَذَا الثَّانِي أَحَدُ الْخُطَّابِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ فِرَاقَهُ إيَّاهَا لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ وَكَانَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ نِكَاحِ الْأَوَّلِ حِينَ خُطْبَةِ الثَّانِي وَلَكِنْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى لِمُخَالَفَتِهِ نَهْيَ النَّبِيِّ ﷺ .
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ إذَا خَطَبَ الرَّجُلُ امْرَأَةً فَلَمْ يُوَافِقْهَا يَعْنِي أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ الْمَبْلَغَ الَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا فِيمَا يَمْنَعُ الْخِطْبَةَ أَوْ لَمْ يُوَافِقْهَا وَأَظْهَرَتْ وُدَّهُ فَلَمْ يَنْهَ عَنْ هَذِهِ أَنْ يَخْطُبَهَا سِوَاهُ قَالَ مَالِكٌ فَهَذَا بَابُ فَسَادٍ يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَضَرَّةَ هَذَا كَانَتْ تَعُمُّ وَتَشِيعُ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ الْمَرْأَةَ مَنْ لَا تَرْضَاهُ وَلَا تُرِيدُهُ بَلْ تَرُدُّهُ فَإِذَا امْتَنَعَ عَلَى النَّاسِ خِطْبَتُهَا وَالتَّعَرُّضُ لَهَا بِذَلِكَ فَقَدْ قُصِرَتْ عَلَى الْأَوَّلِ الَّذِي كَرِهَتْهُ وَعَلَى الرِّضَا بِمَا بَذَلَهُ لَهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَهْرٍ لَهَا وَهَذَا مِمَّا يَعْظُمُ فَسَادُهُ.
(ش) : مَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إنِّي فِيك لَرَاغِبٌ وَإِنِّي عَلَيْك لَحَرِيصٌ تَعْرِيضٌ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ الَّذِي أَبَاحَهُ الْبَارِي تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] .
وَقَدْ «قَالَ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَإِذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي» وَفِي غَيْرِ الْمُوَطَّإِ «فَلَا تُفَوِّتِينَا بِنَفْسِك» قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي أَحْكَامِهِ وَإِنَّمَا يُعَرِّضُ الْمُعَرِّضُ بِالْخِطْبَةِ لِيُفْهَمَ مُرَادُهُ كَالتَّجَاوُبِ يُنْسَبُ التَّعْرِيضُ إلَى الرَّجُلِ خَاصَّةً وَلَوْ أَنَّ الْمُعَرِّضَ بِالنِّكَاحِ اقْتَضَى الْجَوَابَ وَبَيَّنَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمُوَاعَدَةَ ثُمَّ أَجَابَهُ الَّذِي زَوَّجَهُ بِتَعْرِيضٍ يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِجَابَةُ لَكُرِهَ ذَلِكَ وَيَدْخُلُ فِي بَابِ الْمُوَاعَدَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُهْدِي إلَيْهَا الْهَدِيَّةَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُفْتِي بِهِ إلَّا مَنْ تَحْجِزُهُ التَّقْوَى عَمَّا وَرَاءَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْهِدَايَةِ تَصْرِيحٌ بِالنِّكَاحِ وَلَا مُوَاعَدَةٌ وَإِنَّمَا فِيهِ إظْهَارُ الْمَوَدَّةِ كَقَوْلِهِ إنِّي فِيك لَرَاغِبٌ وَإِنِّي عَلَيْك لَحَرِيصٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَاعِدَ وَلِيُّهَا بِغَيْرِ عِلْمِهَا وَإِنْ كَانَتْ تَمْلِكُ أَمْرَهَا قَالَ.
وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ عَطَاءٌ فَنَهَى عَنْهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بِيَدِهِ عُقْدَةَ النِّكَاحِ وَهُوَ الْقَائِمُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَاعِدَ بِالنِّكَاحِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُوَاعِدَ بِهِ الْمَرْأَةُ قَالَ يَحْيَى بْنُ مُزَيْنٍ وَالْعِدَّتَانِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَعِدَّةُ الطَّلَاقِ قَالَ وَسَأَلْت عِيسَى عَنْ الْإِطْلَاعِ لِلنَّظَرِ فَقَالَ قَدْ جَاءَتْ فِيهِ رُخْصَةٌ وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَاهُ خَوْفًا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَةٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ عَلَيْهَا فَيَدْخُلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا وَعَلَيْهَا ثِيَابُهَا وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ
стр. 947
اسْتِئْذَانُ الْبِكْرِ وَالْأَيِّمِ فِي أَنْفُسِهِمَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» ) .
ــ
[المنتقى]
لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا مُغْتَفِلًا لَهَا إذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا وَأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي مُنِعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا بَعْدَ إعْلَامِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَا مَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[اسْتِئْذَانُ الْبِكْرِ وَالْأَيِّمِ فِي أَنْفُسِهِمَا]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» الْأَيِّمُ هِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْأَيِّمِ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا قَطُّ فَلَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اللَّفْظُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْأَيِّمَ هِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا بَالِغًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ فَيَخُصُّ مِنْ ذَلِكَ الْبِكْرَ ذَاتَ الْأَبِ وَيَحْمِلُهُ عَلَى الثَّيِّبِ وَعَلَى الْبِكْرِ الْيَتِيمَةِ وَمَا تَقَدَّمَ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ دُونَ تَخْصِيصٍ وَرِوَايَةُ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَعْنَى كَوْنِهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ وَلَا إنْكَاحُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِإِذْنِهَا مِمَّنْ تَرْضَاهُ وَلَيْسَ لَهَا هِيَ أَنْ تَعْقِدَ عَلَى نَفْسِهَا نِكَاحًا وَلَا تُبَاشِرَهُ وَلَا أَنْ تَضَعَ نَفْسَهَا عِنْدَ غَيْرِ كُفْءٍ وَلَا أَنْ تُوَلِّي ذَلِكَ غَيْرَ وَلِيِّهَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَوَجْهُ كَوْنِهَا أَحَقَّ بِهِ أَنَّهَا إنْ كَرِهَتْ النِّكَاحَ لَمْ يَنْعَقِدْ بِوَجْهٍ وَإِنْ كَرِهَهُ الْوَلِيُّ وَرَغِبَتْهُ الْأَيِّمُ عُرِضَ عَلَى الْوَلِيِّ الْعَقْدُ فَإِنْ أَبَى عَقَدَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ السُّلْطَانُ فَهَذَا وَجْهُ كَوْنِهَا أَحَقَّ بِهِ مِنْ وَلِيِّهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُرِيدُ الْبِكْرَ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُسْتَأْذَنُ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ فَقَالَ فِيهِ «وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا» وَصَوَابُ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمَامٌ إذَا انْفَرَدَ قَوْلُهُ غَلَبَ قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ فَكَيْفَ إذَا اتَّفَقَا عَلَى خِلَافِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ فَقَالَ فِيهِ «وَالْيَتِيمَةُ تَسْتَأْمِرُ» وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ وَقَوْلُهُ أَيْضًا أَوْلَى مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْفَضْلِ لِعِلْمِهِ بِالْمُرَادِ بِهِ كَانَ مَرَّةً يَقُولُ «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» وَمَرَّةً يَقُولُ «وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ» .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهِ «وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ» وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ زِيَادَةَ بْنِ سَعْدٍ «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» بِمِثْلِ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ رِوَايَةِ زِيَادٍ لَحَمَلْنَا عَلَى الْبِكْرِ الْمُعَنَّسَ وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاَلَّتِي تُسْتَأْذَنُ هِيَ الْبِكْرُ الْبَالِغُ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ لَا إذْنَ لَهَا فَالْإِنْكَارُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ بِكْرٌ بَالِغٌ تُنْكَحُ وَتُسْتَأْذَنُ وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ يُزَوِّجُهَا وَصِيُّهَا أَوْ وَلِيُّهَا وَبِكْرٌ لَا تُنْكَحُ وَلَا تُسْتَأْذَنُ وَهِيَ الْيَتِيمَةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الْمَحِيضَ فَإِنَّ الْيَتِيمَةَ لَا تُزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِهَا وَاَلَّتِي لَمْ تَبْلُغْ لَا يَصِحُّ إذْنُهَا فَلَا يَصِحُّ إنْكَاحُهَا وَهَذَا فِي ذَاتِ الْقَدْرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ لِوَصِيٍّ وَلَا لِوَلِيٍّ إنْكَاحُ صَغِيرَةٍ حَتَّى تَبْلُغَ فَإِنْ فَعَلَ فُسِخَ ذَلِكَ أَبَدًا وَإِنْ طَالَ وَكَانَ الْوَلَدُ وَرَضِيَتْ بِذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَتَقَادَمَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَيَمْضِي وَقَالَ أَصْبَغُ حَتَّى يَتَقَادَمَ وَتَلِدَ الْأَوْلَادَ وَلَمْ يَرَ التَّمَادِي عَشَرَةَ أَشْهُرٍ طُولًا مَعَ
стр. 948
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا أَوْ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ السُّلْطَانِ)
ــ
[المنتقى]
الْوَلَدِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمُحْتَاجَةُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا تُزَوَّجُ حَتَّى تَبْلُغَ الْمَحِيضَ وَرُوِيَ عَنْهُ فِي بِنْتِ عَشْرِ سِنِينَ تَطُوفُ وَتَسْأَلُ النَّاسَ زُوِّجَتْ فِي غَنِيٍّ بِرِضَاهَا وَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا فَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَلَمْ يُجِزْهُ فِي الصَّغِيرَةِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ.
(فَصْلٌ) :
وَبِكْرٌ تُنْكَحُ وَلَا تُسْتَأْذَنُ وَهِيَ الْبِكْرُ ذَاتِ الْأَبِ فَإِنَّ الْأَبَ يُجْبِرُهَا عَلَى النِّكَاحِ دُونَ إذْنِهَا وَإِنْ اسْتَأْذَنَهَا فَحَسَنٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُسْتَحَبُّ لِلْأَبِ مُؤَامَرَةُ الْبِكْرِ وَيَذْكُرُ لَهَا الزَّوْجَ وَيَخْتَبِرُ مِنْ الْأُمِّ وَمِنْ غَيْرِهَا رِضَاهَا أَوْ كَرَاهِيَتَهَا وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إنْ شَاوَرَهَا فَحَسَنٌ وَلَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَحَدُّ الْبُلُوغِ الْمُعْتَبَرِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ الْمَحِيضُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَوْ بُلُوغُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً فَتَكُونُ كَالْبَالِغِ وَاخْتُلِفَ فِي الْإِنْبَاتِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُحْتَاجَةِ إنْ أَنْبَتَتْ أَوْ شَارَفَتْ زَوَّجَهَا الْوَصِيُّ أَوْ الْوَالِي بِرِضَاهَا وَقَالَهُ أَصْبَغُ مَرَّةً وَقَالَ مَرَّةً بَلْ حَتَّى تَبْلُغَ وَيُفْسَخُ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ أَنْبَتَتْ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُفْسَخُ إذَا أَنْبَتَتْ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا خَصَّ ﷺ الْبِكْرَ بِهَذَا الْحُكْمِ لِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهَا مِنْ الْحَيَاءِ وَلِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ أَكْثَرُهُنَّ مِنْ الِامْتِنَاعِ عَنْ النُّطْقِ بِذَلِكَ فَعَلَى هَذَا لَا تُسْأَلُ الْيَتِيمَةُ قَطْعًا بِالرِّضَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَى الْإسْفَرايِينِيّ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ عِنْدَهُمْ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ فِي ذَاتِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَأَمَّا الْيَتِيمَةُ فَإِنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ النُّطْقِ بِالرِّضَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ أَنْ تَسْكُتَ» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ «وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» وَاَلَّتِي لَا تُنْكَحُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ مِنْ الْأَبْكَارِ هِيَ الْيَتِيمَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصُمَاتُ الْبِكْرِ يَقْتَضِي رِضَاهَا كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ السُّكُوتَ رِضًا وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ شَرَطَ فِي ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا تَأَوَّلُوا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ.
وَقَدْ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنْ تَعْلَمَ الْبِكْرُ أَنَّ إذْنَهَا صُمَاتُهَا لِئَلَّا تَجْهَلَ ذَلِكَ فَتَصْمُتُ فِي الْكَرَاهِيَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ يُقَالُ لَهَا ثَلَاثُ مَرَّاتٍ إنْ رَضِيت فَاصْمُتِي وَإِنْ كَرِهْت فَانْطِقِي وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْإِذْنِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْقُرْطُبِيِّ وَيُطِيلُوا الْقِيَامَ عِنْدَهَا قَلِيلًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا تَبْهَتَ وَتَخْجَلَ فِي دُخُولِهِمْ عَلَيْهَا فَيَمْنَعُهَا مِنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى الْإِنْكَارِ فَيُطَالُ الْمَقَامُ عِنْدَهَا قَلِيلًا لِتَسْتَدْرِكَ مَا تُرِيدُهُ وَأَمَّا الْبِكْرُ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا فَيُبَلِّغُهَا فَتَسْكُتُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَكُونُ سُكُوتُهَا رِضًا وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ رِضَاهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ لِوَلِيِّهَا فِي إنْكَاحِهَا وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنُّطْقِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إنْ قَالَتْ لَا لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا وَإِنْ قَالَتْ قَدْ رَضِيت جَازَ ذَلِكَ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ إنْكَارَهَا بِالْقَوْلِ دُونَ الصَّمْتِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ أَنَّهَا إنْ نَفَرَتْ أَوْ بَكَتْ أَوْ قَامَتْ أَوْ ظَهَرَ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ النِّكَاحِ فَلَا تُنْكَحُ مَعَ ذَلِكَ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا تَنْكِحَ نَفْسَهَا وَالثَّانِي أَنْ لَا يَنْكِحَهَا مِنْ النَّاسِ مَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ لَهَا وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا مَمْنُوعٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ امْرَأَةٍ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ شَابَّةً كَانَتْ أَوْ عَجُوزًا غَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ فَقِيرَةً شَرِيفَةً كَانَتْ أَوْ وَضَيْعَةً إلَّا بِوَلِيٍّ يَعْقِدُ نِكَاحَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ فَأَمَّا
стр. 949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قَوْلُنَا أَنَّهَا لَا تَنْكِحُ نَفْسَهَا فَهُوَ قَوْلُنَا وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَعْقِدُ الْمَرْأَةُ نِكَاحَهَا وَتَكُونُ وَلِيًّا لِغَيْرِهَا إذَا كَانَتْ عَاقِلَةً رَشِيدَةً وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فَلَنَا مِنْ الْآيَةِ دَلِيلَانِ الظَّاهِرُ وَالسَّبَبُ فَأَمَّا الظَّاهِرُ فَإِنَّهُ تَعَالَى نَهَى الْأَوْلِيَاءَ عَنْ مَنْعِ النِّسَاءِ النِّكَاحَ عِنْدَ بُلُوغِ الْأَجَلِ فَلَوْلَا أَنَّ الْوِلَايَةَ لِلرَّجُلِ فِي الْعَقْدِ لَمَا صَحَّ الْعَضْلُ وَالْمَنْعُ مِنْ النِّكَاحِ كَمَا لَا يَصِحُّ مَنْعُهُنَّ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِنَّ وَأَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ «عَنْ الْحَسَنِ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قَالَ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ: زَوَّجْت أُخْتِي لِرَجُلٍ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا فَقُلْت لَهُ زَوَّجْتُك وَقَدَّمْتُك وَأَكْرَمْتُك فَطَلَّقْتهَا ثُمَّ جِئْت تَخْطُبُهَا لَا وَاَللَّهِ لَا تَعُودُ إلَيْك أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] قُلْت الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ» وَالرَّجُلُ الْمَذْكُورُ هُوَ فَثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَضْلَ هُوَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ إنْكَاحِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنْعًا لَهَا مِنْ النِّكَاحِ وَإِلَّا لَمْ تَحْتَجْ الْمَرْأَةُ وَهِيَ تُرِيدُ زَوْجَهَا إلَى إنْكَاحِ مَعْقِلٍ لَهَا كَمَا لَمْ يَكُنْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيمَا تُرِيدُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا وَإِنْ تَشَاجَرَا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْمَرْأَةَ نَاقِصَةٌ مِنْ جِهَةِ الْأُنُوثَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْفُذَ مِنْهَا عَقْدُ النِّكَاحِ أَصْلُهُ الصَّغِيرَةُ وَالْأَمَةُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ فَالْوِلَايَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ خَاصَّةً وَعَامَّةً فَالْخَاصَّةُ عَلَى قِسْمَيْنِ وِلَايَةُ نَسَبٍ وَوِلَايَةُ حُكْمٍ فَأَمَّا وِلَايَةُ النَّسَبِ فَهِيَ لِكُلِّ عَاصِبٍ لِلْمَرْأَةِ كَالِابْنِ وَالْأَبِ وَالْأَخِ وَابْنِ الْأَخِ وَالْجَدِّ وَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ إذَا كَانَ لَهُ تَعْصِيبٌ وَكُلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهَا وَلَاءٌ مِنْ الرِّجَالِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْمَوْلَى مِنْ الْعُصْبَةِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ وَالْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ يَعْقِدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْصِيبٌ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْوِلَايَةُ الْخَاصَّةُ بِالنَّسَبِ عَلَى نَوْعَيْنِ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ وَقَرَابَةٌ لَيْسَتْ بِقَرِيبَةٍ فَالْقَرَابَةُ الْقَرِيبَةُ كَالِابْنِ وَبَنِيهِ وَالْأَبِ وَآبَائِهِ وَالْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ دَنِيَّةٌ وَأَوْلَاهُمْ بِذَلِكَ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ الِابْنُ ثُمَّ الْأَبُ وَوَجَدْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ الْمَدَنِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَبَ أَوْلَى مِنْ الِابْنِ وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الِابْنَ أَقْوَى تَعْصِيبًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ بِالْوَلَاءِ الَّذِي يُسْتَفَادُ بِالتَّعْصِيبِ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ تَعْصِيبُهُمَا بَطَل تَعْصِيبُ الْأَبِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الِابْنَ لَا يَنْتَسِبُ إلَيْهِ وَلَا يَنْتَسِبَانِ إلَى شَخْصٍ وَالْأَبُ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْجَدَّ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ مِنْ الْإِخْوَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَالِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَرُوِيَ عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ قَالَ الْجَدُّ أَوْلَى مِنْ الْإِخْوَةِ وَهُوَ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ بَعْدَ الْإِخْوَةِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْجَدُّ ثُمَّ الْعَمُّ ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُصْبَةً فَالْمَوْلَى مَنْ فَوْقُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْقُعْدَدِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ ذَلِكَ إلَى أَفْضَلِهِمْ وَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْفَضْلِ فَإِلَى أَسَنِّهِمْ فَإِنْ تَسَاوَوْا فِي ذَلِكَ فَإِلَى جَمِيعِهِمْ يَجْتَمِعُونَ فَيَعْقِدُونَ عَلَيْهَا وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ إذَا اخْتَلَفُوا وَهُمْ فِي الْقُعْدَدِ سَوَاءٌ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَيَنْظُرُ فِيهِ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ يُرِيدُ أَنَّ الْوَلِيَّيْنِ إذَا اسْتَوَيَا فَمَنْ رَضِيَتْ هِيَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ دُونَ السُّلْطَانِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ إنْ اخْتَلَفُوا وَهُمْ فِي الْقُعْدَدِ سَوَاءٌ
стр. 950
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
نَظَرَ السُّلْطَانُ وَلَمْ يَقُلْ خَيَّرْت الْمَرْأَةَ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا أَنْفَذَ الْعَقْدَ بِاخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الِاعْتِرَاضُ وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ الْعَاقِدِ وَأَمَّا إنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَنْظُرُ فِيهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ سَبَقَ أَحَدُهُمْ فَقَدْ مَضَى؛ اسْتَوَوْا فِي الْفَضْلِ أَوْ اخْتَلَفُوا وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتَخْلِفَ عَلَى نَفْسِهَا وَلِيًّا وَلَا غَيْرَهُ لِأَنَّ الْوَلِيَّ قَدْ جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقًّا لَهُ حِينَ قَالَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» وَإِنَّمَا إلَى الْمَرْأَةِ الرِّضَا بِالزَّوْجِ وَالْمَهْرِ وَهَذَا الْقَوْلُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلْوَلِيِّ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كِتَابِهِ فَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ مَنْعُهُ مِنْهُ وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ فَلَهَا أَنْ تَخُصَّ بِهِ مَنْ شَاءَتْ مِنْ أَوْلِيَائِهَا بِحَقِّ النَّظَرِ لَهَا وَلَا يَخْلُو مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَقٌّ لِجَمَاعَةِ الْأَوْلِيَاءِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ عَقَدَ الْأَبْعَدُ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَنْفَدُ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إنْ زَوَّجَهَا الْأَبُ دُونَ الِابْنِ أَوْ زَوَّجَهَا الْأَخُ دُونَ الْأَبِ أَنَّهُ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَإِنْ دَخَلَ بِهَا لَمْ يُفْسَخْ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْقَرَابَةِ وَهِيَ الَّتِي لَيْسَتْ بِقَرِيبَةٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا هُوَ الرَّجُلُ مِنْ الْعَشِيرَةِ أَوْ ابْنُ الْعَمِّ أَوْ الْمَوْلَى وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ الْأَوْلَى مِنْ عُصْبَتِهَا وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْعَشِيرَةَ قَدْ تَعْظُمُ فَإِنَّمَا هُوَ الرَّجُلُ مِنْ الْبَطْنِ الَّتِي هِيَ مِنْهُ أَوْ مِنْ بَطْنِ مَنْ أَعْتَقَهَا لِأَنَّ الْبَطْنَ أَلْصَقُ مِنْ الْعَشِيرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ إذَا تَبَاعَدُوا جِدًّا مِثْلُ ابْنِ عَمٍّ غَيْرَ دَنِيَّةٍ وَالْمَوْلَى فَذَلِكَ فِيهِمْ أَسْهَلُ لَا بَأْسَ أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ذُو الْحَالِ وَالسِّنِّ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْرَبَ مِنْهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَرَابَاتِ إذَا تَبَاعَدَتْ حَتَّى يَضْعُفَ التَّعْصِيبُ وَسَبَبُ الْغَيْرَةِ وَلُحُوقُ الْعَارِ وَجَبَ أَنْ يُرَاعَى فِيهِ الصَّلَاحُ وَالدِّينُ وَالْحَالُ الْمَانِعَةُ مِنْ الرِّضَا بِالدَّنِيَّاتِ وَتَرْكُ الْمُبَالَغَةِ فِي النُّصْحِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَإِنْ عَقَدَ الْأَبْعَدُ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ نَافِذٌ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَ لَا يُزَوِّجُهَا وَلِيٌّ وَثَمَّ أَوْلَى مِنْهُ حَاضِرٌ فَإِنْ فَعَلَ نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ آخَرُونَ لِلْأَبِ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يُجِيزَ إلَّا أَنْ يُطِيلَ مُكْثَهَا وَتَلِدَ مِنْهَا أَوْلَادًا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ حَاضِرًا يَصْلُحُ أَنَّ غَيْرَهُ عَقَدَ عَلَى وَلِيَّتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ مِنْهُ عَلَى الرِّضَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَوْ السُّلْطَانُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ لَهُ حُكْمٌ مِنْ إمَامٍ أَوْ قَاضٍ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا مَعَ عَدَمِ الْوَلِيِّ وَأَمَّا مَعَ الْوَلِيِّ فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُزَوِّجَ امْرَأَةً رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَيْهِ وَسَأَلْته أَنْ يُزَوِّجَهَا حَتَّى يَسْأَلَ أَلَهَا وَلِيٌّ أَمْ لَا فَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِأَهْلِ الْعَدْلِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِهَا مِنْ جِيرَانِهَا أَوْ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهَا يُزَوِّجُهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ لَمْ يُزَوِّجْهُ حَتَّى يَدْعُوَ وَلِيُّهَا فَإِنْ أَبَى مِنْ إنْكَاحِهَا سَأَلَهُ عَنْ وَجْهِ امْتِنَاعِهِ فَإِنْ اسْتَصْوَبَ مَا قَالَ رَدَّهَا إلَى رَأْيِهِ وَإِنْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ أَمَرَهُ بِإِنْكَاحِهَا فَإِنْ أَبَى زَوَّجَهَا.
١ -
(فَرْعٌ) وَلَوْ بَدَرَ السُّلْطَانُ أَوْ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا فَأَنْكَحَهَا أَحَدَهُمَا مَعَ حَضْرَةِ الْوَلِيِّ الْأَقْعَدِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ الْمَرْأَةِ يُزَوِّجُهَا الْقَاضِي مِنْ نَفْسِهِ وَلَهَا وَلِيٌّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ فِي ذَلِكَ رَأْيٌ وَلَمْ يَرَ لَهُ فَسْخٌ وَقَالَ إنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لَا يُنْكِحُ الْمَرْأَةَ إلَّا وَلِيُّهَا أَوْ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ السُّلْطَانُ فَهَذَا سُلْطَانٌ وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ وَإِنَّمَا جَعَلَ عُمَرُ النِّكَاحَ بَيْنَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ: إنَّ الرَّجُلَ مِنْ الْعَشِيرَةِ أَوْ الْوَلِيَّ يُزَوِّجُ الْمَرْأَةَ الْعَرَبِيَّةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إنْكَاحُهُ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ هُوَ أَقْعَدُ مِنْهُ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ تَأَوَّلَ فِي قَوْلِ عُمَرَ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا أَوْ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ السُّلْطَانِ إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الْمُسَاوَاةِ قَالَ
стр. 951
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَبْدُ الْمَلِكِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مَرْدُودًا حِينَ قَدَّمُوا الْأَقْعَدَ عَلَى الْأَبْعَدِ وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ مِنْ وُلَاةِ الْقَرَابَةِ وَالرَّحِمِ فَذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ السُّلْطَانِ عِنْدَ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ الْوَلِيِّ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يُقَدَّمُ عَلَى ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا فَإِنْ عَقَدَ النِّكَاحَ ذُو الرَّأْيِ مَضَى وَلَمْ يُرَدَّ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ فَهِيَ وِلَايَةُ الْإِسْلَامِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] فَإِنْ عَقَدَ النِّكَاحَ أَجْنَبِيٌّ مُؤْمِنٌ فَلَا تَخْلُو الْمَرْأَةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلِيٌّ مِنْ قَرَابَتِهَا وَعُصْبَتِهَا أَوْ لَا يَكُونَ لَهَا وَلِيٌّ حَاضِرٌ غَيْرُ الْحَاكِمِ وَإِنْ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ حَاضِرٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَمْلِكَ الْإِجْبَارَ كَالْأَبِ وَالسَّيِّدِ أَوْ لَا يَمْلِكَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَمْلِكُهُ فُسِخَ النِّكَاحُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَيْسَ لِلْأَبِ وَلَا لِلسَّيِّدِ إجَازَتُهُ.
وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ فِي السَّيِّدِ رِوَايَتَيْنِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ وَلِيُّهَا لَا يَمْلِكُ الْإِجْبَارَ كَالْأَبِ فِي الثَّيِّبِ وَسَائِرُ الْعُصْبَةِ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ جَازَ وَإِنْ رَدَّهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ رُدَّ مَا لَمْ يَطُلْ وَيَكُونُ صَوَابًا.
وَقَدْ تَوَقَّفَ مَالِكٌ فِي الْجَوَازِ عَنْهُ إذَا أَجَازَهُ الْوَلِيُّ بِالْقُرْبِ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنْ زَوَّجَهَا الْأَجْنَبِيُّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى وَلِيٍّ بِالنَّسَبِ أَوْ الْحَاكِمُ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ النِّكَاحَ مَاضٍ إذَا تَزَوَّجَتْ كُفُؤًا وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ إبَاحَةَ ذَلِكَ مُسْقِطٌ لِوِلَايَةِ الْأَوْلِيَاءِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ كَمَا لَوْ عَقَدَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ ﵎ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] فَأَثْبَتَ الْوِلَايَةَ بِالْإِيمَانِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا عَقْدُ النِّكَاحِ كَالنَّسَبِ وَالْحَاكِمِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي ذَاتِ الْحَالِ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدَّنِيَّةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا رِوَايَتَانِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّ هَذِهِ ذَاتُ وَلِيٍّ بِنَسَبٍ أَوْ حَاكِمٍ فَلَمْ يَكُنْ لِلْأَجْنَبِيِّ عَقْدُ نِكَاحِهَا كَذَاتِ الْحَالِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْإِجَازَةِ أَنَّ الدَّنِيَّةَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهَا رَفْعُ أَمْرِهَا إلَى الْحَاكِمِ فَلَوْ كُلِّفَتْ ذَلِكَ لَأَضَرَّ بِهَا وَتَعَذَّرَ نِكَاحُهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ بِنَسَبٍ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة تُوَلِّي رَجُلًا يَنْكِحُهَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ إذَا عُمِلَ بِهِ ضَاعَتْ الْفُرُوجُ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَرْأَةِ لَا وَلِيَّ لَهَا أَوْ تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ إذَا لَمْ تَضَعْ نَفْسَهَا فِي دَنَاءَةٍ وَلَيْسَ كُلُّ امْرَأَةٍ تَقْدِرُ عَلَى رَفْعِ أَمْرِهَا إلَى السُّلْطَانِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ فِي الدَّنِيَّةِ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ بِقَرَابَةٍ وَلَا وِلَايَةَ يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْأَجْنَبِيُّ دُونَ الْإِمَامِ وَأَنْكَرَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الْأَعْجَمِيَّةِ تَعْمِدُ لِلرَّجُلِ فَيَلِي مِنْهَا مَا يَلِي مِنْ مَوْلَاتِهِ لَا بَأْسَ أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ وَأَمَّا ذَاتُ الْحَالِ وَالنَّسَبِ فَلَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَزَوَّجَهَا أَجْنَبِيٌّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لِلْوَلِيِّ وَلِلسُّلْطَانِ فَسْخُ ذَلِكَ وَكَتَبَ مَالِكٌ إلَى ابْنِ غَانِمٍ إذَا زَوَّجَهَا الْأَجْنَبِيُّ وَأَوْلِيَاؤُهَا غُيَّبٌ فَرُفِعَ إلَى السُّلْطَانِ لَا يَنْظُرُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَقْدَمَ الْوَلِيُّ فَيَطْلُبُ الْفَسْخَ فَيُفْسَخُ إلَّا فِيمَا تَطَاوَلَ مَعَ الْوِلَادَةِ وَأَمَّا الَّتِي لَا خَطْبَ لَهَا وَلَيْسَتْ مِنْ الْعَرَبِ فَلَا يُفْسَخُ وَإِنْ قَرُبَ فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالسُّلْطَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي فَمَبْنِيٌّ عَلَى تَقْدِيمِ الْوَلِيِّ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِمَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ مَشْهُورًا وَإِنْ بَنَى عُوقِبَا جَمِيعًا وَمَنْ تَوَلَّى الْعَقْدَ وَمَنْ عَلِمَ مِنْ الشُّهُودِ وَالْفَسْخُ بِطَلْقَةٍ
стр. 952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بَائِنَةٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا فَسَخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُ الْعَقْدِ بِالْقَوْلِ وَأَمَّا إذَا فَسَخَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُمَا التَّسَبُّبُ إلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْبُضْعِ وَالْقَصْدُ إلَى اسْتِبَاحَتِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ.
١ -
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ فَهَاهُنَا مَعَانٍ تَمْنَعُ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ بِهَا وَيُبْطِلُ مَعْنَى الْوِلَايَةِ سِتَّةُ مَعَانٍ الصِّغَرُ وَالْجُنُونُ وَالسَّفَهُ الْمُوجِبُ لِلْحَجْرِ أَوْ الْمُقْتَرِنُ بِالْحَجْرِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ وَالْأُنُوثَةُ وَالرِّقُّ وَالْكُفْرُ فَأَمَّا الصِّغَرُ وَالْجُنُونُ فَلِعَدَمِ التَّكْلِيفِ وَأَمَّا السَّفَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُزَوِّجُ السَّفِيهُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَلِيُّ السَّفِيهِ أَوْلَى بِإِنْكَاحِ بَنَاتِهِ وَإِمَائِهِ وَلَا أَمْرَ لَهُ فِيهِنَّ وَإِنْ كَانَ يُسْتَحَبُّ حُضُورُهُ فَلَا تَضُرُّ غَيْبَتُهُ وَقَالَ أَشْهَبُ يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا إذَا كَانَ ذَا رَأْيٍ أَيْ إذَا لَمْ يُوَلَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ فَالْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ يَتَقَدَّرُ فِي أَنَّ السَّفِيهَ أَوْلَى بِالْعَقْدِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْوَلِيُّ أَوْلَى بِهِ عِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ إنَّمَا هِيَ فِي مَالِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَيْزِ مَا يَأْنَفُ بِهِ مِنْ وَضْعِ وَلِيَّتِهِ عِنْدَ غَيْرِ كُفُؤٍ فَهُوَ أَوْلَى بِالْعَقْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الضَّعْفِ بِحَيْثُ لَا يُظَنُّ بِهِ مِثْلُ هَذَا وَيَكُونُ حُضُورُهُ فِيهِ كَمَغِيبِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُعْقَدُ وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ مَعَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذْنَ الْوَلِيِّ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ تَسْدِيدِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ ذَلِكَ فِي السَّيِّدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ يُنَافِي عَقْدَهُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَنِكَاحُهُ مَاضٍ وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ صَوَابًا يُشِيرُ إلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مَا يُوجِبُ الْفَسْخَ وَالرَّدَّ أَمْضَى قَالَ أَصْبَغُ قَوْلَ ابْنِ وَهْبٍ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إلَّا قَوْلَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ جَازَ وَذَلِكَ كُلُّهُ إنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ يَنْظُرُ فِيهِ فَيُجَازُ أَوْ يُرَدُّ بِالِاجْتِهَادِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْدُهُ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَرُدُّ أَنْ يُبَيِّنَ فِيهِ مَا يُوجِبُ رَدَّهُ فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْدُهُ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنَّ السَّفِيهَ الَّذِي يُوَلَّى عَلَيْهِ إنْ عَقَدَهُ كَانَ لِوَلِيِّهِ إجَازَتُهُ أَوْ رَدُّهُ فَفَرَّقَ ابْنُ وَهْبٍ بَيْنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ يَرُدُّ الْوَلِيُّ إنْ شَاءَ نِكَاحَهُ وَغَيْرَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ إنْكَاحَهُ وَلِيُّهُ إلَّا لِوَجْهٍ بَيِّنٍ وَعِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ لَمَّا كَانَ حَقًّا لِلْمَرْأَةِ لَمْ يَرُدَّ إلَّا لِوَجْهٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَيُبَيِّنُ وَجْهَ الِاجْتِهَادِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَالْأَخُ السَّفِيهُ فِي أُخْتِهِ بِمَنْزِلَتِهِ فِي ابْنَتِهِ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ نَحْوَهُ فِي الْأُخْتِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ فِي مُوَلًّى عَلَيْهِ مِنْ أَبٍ أَوْ ابْنِ عَمٍّ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَهَا فَإِنْ فَعَلَ فَسَخَ وَيَعْقِدُ لَهَا وَصِيُّ الْوَلِيِّ أَوْ وَصِيُّ الْأَبِ وَيَعْقِدُ لَهَا الْقَاضِي أَوْ السُّلْطَانُ فَإِنْ كُنَّ أَبْكَارًا زَوَّجَهُنَّ وَصِيُّ الْأَبِ وَيَسْمَعُ مِنْهُنَّ وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ آثِمٌ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْأُنُوثَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَأَمَّا الرِّقُّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَقْدَ السَّيِّدِ نِكَاحَ ابْنَتِهِ الْحُرَّةِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ نِكَاحَ أَمَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْأَوْلِيَاءُ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ أَجَازَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَوَلَدَتْ الْأَوْلَادَ كَانَتْ دَنِيَّةً أَوْ ذَاتَ قَدْرٍ وَفَسْخُهُ بِطَلْقَةٍ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى وَكَذَلِكَ إنْ عَقَدَهُ مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ مِنْ مُكَاتَبٍ أَوْ مُدَبَّرٍ أَوْ مُعْتَقٍ بَعْضِهِ وَإِنْ كَانَتْ ابْنَتُهُ بِكْرًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ مِنْ النَّقْصِ مَا يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِ مَعَ الصَّلَاحِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى الْبُضْعِ أَصْلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قَدَّمَ مَنْ يُزَوِّجُهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُفْسَخُ وَإِنْ فَاتَتْ بِالْبِنَاءِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ الْمُوصَى إلَيْهِ يُقَدِّمُ مَنْ يُزَوِّجُ الْيَتِيمَةَ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُقَدِّمُ الْمُكَاتَبُ مَنْ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ ابْنَتَهُ الْحُرَّةِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا فَإِذَا اسْتَخْلَفَ مَنْ يَعْقِدُ نِكَاحَهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ أَجْنَبِيٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْكُفْرُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ النَّصْرَانِيُّ نِكَاحَ الْمُسْلِمَةِ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مُسْلِمٍ أَوْصَى إلَى نَصْرَانِيٍّ
стр. 953
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَا يُنْكِحَانِ بَنَاتِهِمَا الْأَبْكَارَ وَلَا يَسْتَأْمِرَانِهِنَّ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي نِكَاحِ الْأَبْكَارِ) .
ــ
[المنتقى]
بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ لَا يَجُوزُ إيصَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ لَهُ وَجْهًا فَيُمْضِي الْوَصِيَّةَ وَيُوَكِّلُ النَّصْرَانِيُّ مَنْ يُزَوِّجُهُنَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّقْصَ فِي الدِّينِ يَمْنَعُ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَى الْأَبْضَاعِ فَبِأَنْ يَمْنَعَهُ ذَهَابُ الدِّينِ جُمْلَةً أَوْلَى.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُزَوِّجُ الْيَتِيمَةَ الْمُوصَى بِهَا إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الْمُسْلِمَةَ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْمُسْلِمُ يُزَوِّجُ أُخْتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ سُئِلَ عَنْهَا مَالِكٌ وَقَالَ أَمِنْ نِسَاءِ الْجِزْيَةِ هِيَ؟ قِيلَ نَعَمْ قَالَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَا لَهُ وَمَا لَهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَ ابْنَتِهِ النَّصْرَانِيَّةَ لِمُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَ لِنَصْرَانِيٍّ فَلَا يَلِيهَا أَبُوهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ اخْتِلَافُ الدِّينَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ الْأَبُ نَصْرَانِيًّا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ عَقْدَ الْمُسْلِمِ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلنِّكَاحِ كَالسَّيِّدِ الْمُسْلِمِ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ نَصْرَانِيٍّ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُزَوِّجُ النَّصْرَانِيَّةَ وَلِيُّهَا الْمُسْلِمَ مِنْ مُسْلِمٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً ذِمِّيَّةً وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَقَةً فَذَلِكَ لَهُ قَالَ وَكَذَلِكَ لِمَوْلَاهَا إنْكَاحُهَا مِنْ الْمُسْلِمِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُزَوِّجُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّةَ أُخْتُهُ كَانَتْ أَوْ أَمَتُهُ وَإِذَا رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْإِمَامِ رَدَّهَا إلَى أَهْلِ دِينِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْكَاحُ السَّكْرَانِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ السَّكْرَانِ وَيَلْزَمُهُ طَلَاقُهُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ سَبِيلُ السَّكْرَانِ فِي نِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ سَبِيلُ الْمَعْتُوهِ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ يَجُوزُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا فَعَلَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ فَقَوْلُ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ صِحَّتِهِ لِنَقْصِهِ وَلِذَلِكَ أَلْزَمَهُ طَلَاقَهُ وَرِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْتُوهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْهُ لِعَدَمِ عَقْلِهِ وَمَيْزِهِ أَوْ بَعْضِ ذَلِكَ وَقَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ تَجُوزُ أَفْعَالُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَقِيَ مَعَهُ عَقْلُهُ وَمَيْزُهُ مَا يَصِحُّ بِهِ قَصْدُهُ وَاخْتِيَارُهُ فَيَلْزَمُهُ عَقْدُهُ وَلَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَيْزُهُ لَمَا لَزِمَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا إذَا بَلَغَ حَدَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ قَصْدٌ وَلَا عَقْدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْفِسْقُ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي وِلَايَةَ النِّكَاحِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَصِحُّ مِنْ الْفَاسِقِ وِلَايَةٌ فِي النِّكَاحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا ذَكَرٌ حُرٌّ مُسْلِمٌ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا فِي النِّكَاحِ أَصْلُ ذَلِكَ الْعَدْلُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُمَا كَانَا يُنْكِحَانِ بَنَاتِهِمَا الْأَبْكَارَ وَلَا يَسْتَأْمِرَانِهِنَّ يَقْتَضِي أَنَّ إنْكَاحَهُ إيَّاهُنَّ لَازِمٌ لَهُنَّ وَهَذَا مَعْنَى إجْبَارِهِ وَالْبِكْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: صَغِيرَةٌ وَبَالِغٌ وَمُعَنَّسٌ فَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ إجْبَارَهَا وَيَجُوزُ إنْكَاحُهُ لَهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فَجَعَلَ عَلَى اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عِدَّةً وَلَا يَكُونُ إلَّا عَنْ نِكَاحٍ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا» .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْبَالِغُ فَلَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ إجْبَارَهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجْبِرُهَا الْأَبُ عَلَى النِّكَاحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ بِكْرٌ لَا يَفْتَقِرُ عَقْدُ نِكَاحِهَا إلَى نُطْقِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَكَانَ لِلْأَبِ إجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ كَالصَّغِيرَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ وَهِيَ الْمُعَنَّسُ فَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إجْبَارِهَا فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ أَنَّهَا إذَا عَنَسَتْ لَمْ يُزَوِّجْهَا إلَّا بِرِضَاهَا وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُجْبِرُهَا وَإِنْ عَنَسَتْ وَبَلَغَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ سِنًّا لَا تَبْلُغُهُ غَالِبًا إلَّا مَنْ
стр. 954
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ لِلْبِكْرِ جَوَازٌ فِي مَالِهَا حَتَّى تَدْخُلَ بَيْتَهَا وَيُعْرَفُ مِنْ حَالِهَا) .
ــ
[المنتقى]
عَرَفَتْ مَصَالِحَهَا مَعَ السَّلَامَةِ فَكَانَتْ كَالثَّيِّبِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا بِكْرٌ فَلَزِمَهَا إجْبَارُ الْأَبِ كَاَلَّتِي لَمْ تُعَنَّسْ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِاعْتِبَارِ التَّعْنِيسِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ حَدَّ التَّعْنِيسِ الثَّلَاثُونَ سَنَةً وَالْخَمْسَةُ وَالثَّلَاثُونَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَرْبَعُونَ وَالْخَمْسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ.
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْبِكْرُ عِنْدَ مَالِكٍ الَّتِي لَمْ تَذْهَبْ عُذْرَتُهَا بِوَطْءٍ مُبَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ وَأَمَّا الَّتِي ذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا بِوَطْءِ زِنًا فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْبِكْرِ فِي الْإِجْبَارِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ وَرَوَى ابْنُ حَارِثٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَيْسَ لِلْأَبِ إجْبَارُهَا وَهِيَ كَالثَّيِّبِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِجْبَارَ إنَّمَا هُوَ مِمَّا جُبِلَ عَلَيْهِ الْأَبْكَارُ مِنْ الْحَيَاءِ فِي ذِكْرِ الزَّوْجِ، وَالزِّنَا يَزِيدُهَا حَيَاءً فَكَانَ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْبِكْرِ فَنَقُولُ إنَّهَا لَمْ تَذْهَبْ عُذْرَتُهَا بِوَطْءٍ مُبَاحٍ فَكَانَ لَهَا حُكْمُ الْبِكْرِ كَالَّتِي ذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا بِطَفْرَةٍ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هُنَا ذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا بِوَطْءٍ فَثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الثُّيُوبَةِ كَاَلَّتِي ذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا بِوَطْءِ الزَّوْجِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يَسْتَأْمِرَانِهِنَّ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِمَا فَأَوْرَدَ مَالِكٌ ﵀ فِعْلَهُمَا وَأَخَذَ بِهِ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٧] وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِئْمَارَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ مَنْعًا مِنْهُ وَيُحْتَمَلُ لِمَا لَمْ يَرَيَاهُ وَاجِبًا.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ وَأَحْسَنُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَأْمِرَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ فَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ جَازَ قَالَ عِيسَى وَأَنْكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ يُشَاوِرَهَا أَبُوهَا.
فَوَجْهُ اسْتِحْسَانِ مَالِكٍ اسْتِئْمَارَهَا أَنَّهَا رُبَّمَا كَرِهَتْ بَعْضَ مَنْ يَرْضَاهُ أَبُوهَا فَيَدْخُلُ عَلَيْهَا مَضَرَّةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ لِلْبِكْرِ جَوَازٌ فِي مَالِهَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا فِيهِ فِعْلُهَا وَلَا عُقُودُهَا حَتَّى تَدْخُلَ بَيْتَهَا يُرِيدُ بِنَاءَ زَوْجِهَا بِهَا وَيُعْرَفُ مِنْ حَالِهَا يُرِيدُ أَنْ يُعْرَفَ رُشْدُهَا وَتَمْضِي مُدَّةٌ يَعْلَمُ بِهَا أَنَّهَا قَدْ خَبَرَتْ أَحْوَالَ النَّاسِ وَعَرَفَتْ وُجُوهَ مَصَالِحِهَا وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى يُعْرَفَ مِنْ حَالِهَا قَالَ: هُوَ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ لَهَا أَنَّهَا صَحِيحَةُ الْعَقْلِ حَسَنَةُ النَّظَرِ فِي مَالِهَا مُصْلِحَةٌ لَهُ حَابِسَةٌ عَلَى نَفْسِهَا وَلَا يَكُونُ هَذَا بِشَهِيدَيْنِ حَتَّى يَشْهَدَ لِهَؤُلَاءِ مَنْ قُدِّمَ وَيُعْرَفَ ذَلِكَ مِنْهَا وَيُشْهَرَ فَإِذَا جَرَّبَ هَذَا مِنْهَا وَبَنَى بِهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَدِيثَةُ السِّنِّ جَازَ أَمْرُهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ بِسَنَةٍ وَأَقَلَّ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِثْلَهُ وَالْبِكْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ فِي مَالِهَا وَأَمَّا الْبَالِغُ فَإِنَّ مَالِكًا لَا يُجَوِّزُ فِعْلَهَا فِي مَالِهَا يَتِيمَةً كَانَتْ أَوْ ذَاتَ أَبٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي مَالِهَا بِنَفْسِ بُلُوغِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ الْأَبُ رِضَاهَا فِي إنْكَاحِهَا فَإِنَّ لَهُ النَّظَرَ لَهَا فِي مَالِهَا كَالصَّغِيرَةِ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرَ فِي الرُّشْدِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِمَصَالِحِ الْمَالِ وَمَنَافِعِهِ وَتَثْمِيرِهِ وَالْحِفْظُ لَهُ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمُبَاشَرَةِ النَّاسِ وَمُعَامَلَتِهِمْ وَالتَّصَرُّفِ مَعَهُمْ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِ الْبِكْرِ الِانْقِبَاضُ عَنْ مُعَامَلَةِ النَّاسِ وَمُبَاشَرَتِهِمْ وَذَلِكَ يَقْتَضِي جَهْلَهَا بِصَلَاحِ مَالِهَا وَمَنَافِعِهِ وَتَثْمِيرِهِ مَعَ الْحَيَاءِ الْغَالِبِ الْمَانِعِ مِنْ الْمُرَاجَعَةِ فِيهِ وَالْمَنْعِ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ شَرْطًا فِي الرُّشْدِ الَّذِي يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَالِ إلَى الْيَتِيمَةِ كَالْبُلُوغِ وَنُحَرِّرُ مِنْهُ دَلِيلًا فَنَقُولُ: إنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ فِي الْغَالِبِ الْقِيَامَ بِحِفْظِ الْمَالِ وَتَثْمِيرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ كَعَدَمِ الْبُلُوغِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا حُكْمُ ذَاتِ الْأَبِ فَأَمَّا الْيَتِيمَةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجِيزُ لِلْبِكْرِ قَضَاءً فِي مَالِهَا بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى تَبْلُغَ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ عَلَيْهَا وَلِيٌّ لَا يَجُوزُ أَمْرُهَا فِي مَالِهَا فَإِنْ لَمْ
стр. 955
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْبِكْرِ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا) .
ــ
[المنتقى]
تُوَلِّ جَازَ أَمْرُهَا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَأَمَّا الْعِتْقُ وَالصَّدَقَةُ وَالْعَطِيَّةُ فَلَا وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ وَالْحَارِثُ وَسَحْنُونٌ يَجُوزُ صَنِيعُهَا كُلُّهُ مَا لَمْ تُوَلَّ بِوَلِيٍّ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِذَا كَانَتْ ذَاتَ أَبٍ أَوْ يَتِيمَةً وَقُلْنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي بَكَارَتِهَا فَإِنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا فَعَرَفَ رُشْدَهَا فَإِنَّ قَضَاءَهَا فِي مَالِهَا جَائِزٌ إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤَخَّرَ قَضَاؤُهَا فِي مَالِهَا بِسَنَةٍ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْهُ وَإِنْ عَلِمَ سَفَهَهَا اُسْتُدِيمَ الْحَجْرُ عَلَيْهَا حَتَّى يَعْلَمَ رُشْدَهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَزُولُ الْحَجْرُ عَنْهَا إذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَسَيَأْتِي بَيَانٌ فِي بَابِ الْحَجْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ جَهِلَ أَمْرَهَا تَوَقَّفَ فِيهَا مُدَّةً يَخْتَبِرُ حَالَهَا بِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ فِي مِثْلِهِ صَلَاحُ أَفْعَالِهَا وَفَسَادُهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَضَاؤُهَا فِي مَالِهَا بِقُرْبِ بِنَائِهَا بِبَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْبَيِّنَةُ بِرُشْدِهَا عَلَى مَنْ يُرِيدُ إجَازَةَ قَضَائِهَا إلَى انْقِضَاءِ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ الْبِنَاءِ بِهَا وَكَذَلِكَ مَا قَارَبَ السَّنَةَ وَإِنْ كَانَ قَضَاؤُهَا بِذَلِكَ بَعْدَ السَّنَةِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ رَدَّ قَضَائِهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي ذَاتِ الزَّوْجِ يَكُونُ لَهَا الْقَدْرُ وَالْمَالُ فَتُرِيدُ أَنْ تَهَبَ مِنْهُ وَتَتَصَدَّقَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَالُهَا بِيَدِهَا فَأَمْرُهَا جَائِزٌ إنْ كَانَتْ قَدْ أَقَامَتْ مَعَ زَوْجِهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا أَوْ وَلَدَتْ وَإِنْ كَانَ مَالُهَا عِنْدَ أَبِيهَا أَوْ وَصِيِّهَا فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى تَلِيَ نَفْسَهَا وَوَجْهُ اعْتِبَارِهِ السَّنَةَ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ طُولُ الْمُدَّةِ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهِ بِالسَّنَةِ كَمَعْرِفَةِ الْعُنَّةِ وَأَمَّا اعْتِبَارُهُ بِكَوْنِ الْمَالِ فِي يَدِهَا فَإِنَّ كَوْنَ مَالِهَا بِيَدِهَا دَلِيلٌ عَلَى تَرْشِيدِهَا وَتَجْوِيزِ أَمْرِهَا كَمَا إنْ قَبَضَهُ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى الْحَجْرِ عَلَيْهَا وَالْمَنْعِ لَهَا مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
(ش) : قَوْلُهُمْ فِي الْبِكْرِ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَمْلِكُ إجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ مِمَّنْ شَاءَ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ فَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ الضَّرِيرِ وَالْقَبِيحِ وَمِمَّنْ هُوَ أَدْنَى حَالًا مِنْهَا وَأَقَلُّ مَالًا وَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ مَجْبُوبٍ أَوْ خَصِيٍّ أَوْ عِنِّينٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ يَلْزَمُهَا ذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ عَلِمَتْ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَقَدْ رَأَيْت لِسَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا فِي الْخَصِيِّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي الْعِنِّينِ وَالْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفْسَخَ بِهِ نِكَاحَ الزَّوْجِ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي هِيَ الْعُنَّةُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا فَلَيْسَ لِلْأَبِ إلْزَامُهَا ذَلِكَ كَمَا لَوْ ظَهَرَتْ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا الْأَبُ مِنْ مَجْنُونٍ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْهُ وَلَا مِنْ أَبْرَصَ مُنْسَلِخٍ وَلَا مَجْذُومٍ مُقَطَّعٍ قَدْ مُنِعَ الْكَلَامَ وَتَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ كَانَ بِهِ ضَرَرٌ فِي بَدَنِهِ لَمْ يَلْزَمْهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهَا وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْسِنَ النَّظَرَ لَهَا وَلَوْ زَوَّجَهَا مِنْ سِكِّيرٍ فَاسِقٍ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ وَلِلْإِمَامِ رَدُّهُ قَالَهُ أَصْبَغُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَمْلِكُ إجْبَارَهَا جَدٌّ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ إلَّا الْأَبُ وَحْدَهُ قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْجَدَّ يُجْبِرُ كَالْأَبِ وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ عُصْبَةٌ يَحْجُبُهُ الْأَبُ فَلَمْ يَمْلِكْ الْإِجْبَارَ بِالنَّسَبِ كَالْأَخِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ حُكْمَ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ حُكْمُ الْبِكْرِ فِي إجْبَارِ الْأَبِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الصِّغَرَ مَعْنًى يَمْنَعُهَا التَّصَرُّفَ فِي بِضْعِهَا كَالْبَكَارَةِ.
(فَرْعٌ) وَمَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهَا حُكْمُ الْإِجْبَارِ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَنْقَطِعُ عَنْهَا بِالْمَحِيضِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ يُجْبِرُهَا الْأَبُ وَإِنْ حَاضَتْ وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الثُّيُوبَةَ مَعَ الْبُلُوغِ تَقْطَعُ الْإِجْبَارَ وَقَدْ وُجِدَ فِي مَسْأَلَتِنَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَلَكَ الْأَبُ إجْبَارَهَا فَلَمْ يَنْقَطِعْ ذَلِكَ بِالْبُلُوغِ كَالْبِكْرِ.
стр. 956
مَا جَاءَ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ وَهَبْت نَفْسِي لَك فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إنْ لَمْ تَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ تَصْدُقُهَا إيَّاهُ؟ فَقَالَ مَا عِنْدِي إلَّا إزَارِي هَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنْ أَعْطَيْتهَا إيَّاهُ جَلَسْت لَا إزَارَ لَك، فَالْتَمِسْ شَيْئًا فَقَالَ مَا أَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ مَعَك شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ نَعَمْ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» )
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَنَّ هِبَةَ الْبُضْعِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لَا تَجُوزُ]
(ش) : «قَوْلُ الْمَرْأَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي وَهَبْت نَفْسِي لَك» تُرِيدُ عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ وَفِيهِ بَابَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ هِبَةُ الْبُضْعِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالثَّانِي فِي النِّكَاحِ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَنَّ هِبَةَ الْبُضْعِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لَا تَجُوزُ) لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِدُونِ مَهْرٍ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ خَالِصٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ دُونَ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ أَنَّ «الْمَرْأَةَ قَالَتْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ وَهَبْت نَفْسِي لَك» فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَلَوْ كَانَ مُنْكَرًا لَأَنْكَرَهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُقِرَّهَا عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى الْبَاطِلِ ثُمَّ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ الْقَائِمَ نِكَاحَهَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا دُونَ صَدَاقٍ مَعَ حَاجَةِ الْقَائِمِ وَفَقْرِهِ وَعَدَمِ مَا يَصْدُقُهَا إيَّاهُ حَتَّى أَنْكَحَهُ إيَّاهَا بِمَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَخْلُوَ نِكَاحُ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عِوَضٍ لَمَا مَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مَعَ شِدَّةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ عَنَى بِهِ هِبَةَ النِّكَاحِ وَلَمْ يَعْنِ بِهِ هِبَةَ الصَّدَاقِ فَهَذَا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَلَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ قَالَ وَإِنْ عَنَى بِهِ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ فَلَا يَجُوزُ وَمَا أَصْدَقَهَا وَلَوْ رُبْعُ دِينَارٍ فَأَكْثَرُ فَجَائِزٌ وَلَهَا لَازِمٌ تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ وَإِنَّمَا يَجِبُ إذَا وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ وَلَمْ تُرِدْ بِهِ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا أَرَادَتْ بِهِ بَذْلَ الْبُضْعِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ نِكَاحٌ يَثْبُتُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَإِنَّمَا هُوَ سِفَاحٌ يَثْبُتُ فِيهِ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ وَأَمَّا مَا أَرَادَ بِهِ عَقْدَ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ صَدَاقٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِيهِ ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ الرِّوَايَتَانِ اللَّتَانِ تَقَدَّمَتَا وَالثَّالِثَةُ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ وَهَذَا يَقْتَضِي إمْضَاءَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَقَالَ أَصْبَغُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِذَا قُلْنَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ مَعَ ذِكْرِ الْعِوَضِ] ١
(الْبَابُ الثَّانِي) فِي حُكْمِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ مَعَ ذِكْرِ الْعِوَضِ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُك وَلِيَّتِي عَلَى أَنْ تَصْدُقَهَا مِائَةَ دِينَارٍ أَوْ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَيَقَعُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي إشْرَافِهِ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ الْمُؤَبَّدَ كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ دُونَ مَا يَقْتَضِي التَّوْقِيتَ وَزَادَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَلَفْظُ
стр. 957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الصَّدَقَةِ قَالَ وَسَوَاءٌ عِنْدِي ذَكَرَ الْمَهْرَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي لَفْظِ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ وَالصَّدَقَةِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ قَصَدُوا النِّكَاحَ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ الْمُغِيرَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ لِلْقَائِمِ «قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» .
وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ زَوَّجَهُ إيَّاهَا بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا لَفْظٌ يَقْتَضِي إطْلَاقُهُ عَقْدَ تَمْلِيكٍ مُؤَبَّدٍ فَجَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ النِّكَاحُ كَلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ» دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْخِطْبَةِ الَّتِي قَدْ أَجَابَتْ إلَى النِّكَاحِ بِاسْتِئْذَانِ الَّذِي أَجَابَتْهُ وَأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ أَنْ يَخْطُبَ أَحَدٌ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إنَّمَا هُوَ لِحَقِّ النَّاكِحِ فَإِذَا اُسْتُؤْذِنَ فِي الْخِطْبَةِ وَصُرِفَ الْأَمْرُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَلَا حَرَجَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النِّكَاحَ مُبَاحٌ لِلْفَقِيرِ إذَا وَجَدَ الْمَهْرَ، وَالنِّكَاحُ فِي الْجُمْلَةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَلَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَتَسَرَّى بِهِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْمَنْعُ بِذَلِكَ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ وَعَجَزَ عَنْ الْمَهْرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «هَلْ مَعَك شَيْءٌ تَصْدُقُهَا إيَّاهُ» مَعَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ نَسَقِ الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْرَى عَنْ صَدَاقٍ وَقَوْلُهُ «وَمَا عِنْدِي إلَّا إزَارِي» إظْهَارٌ لِفَقْرِهِ وَإِخْبَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَقَوْلُهُ ﷺ «إنْ أَعْطَيْتهَا إيَّاهُ جَلَسْت لَا إزَارَ» لَك يَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَصْدُقَهَا إيَّاهُ وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَمَا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْإِزَارِ إلَيْهَا وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الْبَقَاءِ عَلَى حَالَةٍ لَا يَجُوزُ بِهَا الْبَقَاءُ عَلَيْهَا مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَالتَّعَرِّي عَنْ جَمِيعِ الْمَلْبَسِ وَلِذَلِكَ لَا يُبَاعُ هَذَا مِنْ الثِّيَابِ فِي دَيْنٍ وَلَا يُقْضَى بِهِ حَقٌّ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «الْتَمِسْ شَيْئًا» وَقَوْلُ الرَّجُلِ «مَا أَجِدُ شَيْئًا» وَإِنْ كَانَتْ لَفْظَةُ شَيْءٍ تَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُمْهَرَ إلَّا أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى قَوْلِهِ ﷺ «هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ تَصْدُقُهَا إيَّاهُ؟» فَكَأَنَّهُ قَالَ الْتَمِسْ شَيْئًا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَصْدُقَهَا إيَّاهُ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا أَجِدُ شَيْئًا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى نَوَاةِ تَمْرَةٍ وَقَتَّةِ حَشِيشٍ وَحُزْمَةِ حَطَبٍ يَحْتَطِبُهُ وَأَنْوَاعِ هَذَا مِمَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ إنَّ الْمَهْرَ يَكُونُ قَلِيلًا وَكَثِيرًا لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بِالْخَزَفِ الْمُكَسَّرِ وَالْجِرَارِ الْمُخَرَّقَةِ وَبِمَا لَا يَكُونُ عِوَضًا فِي الْغَالِبِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ لَفْظَةَ شَيْءٍ يَقَعُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَوْ حَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَلَزِمَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا النِّكَاحَ بِقِشْرِ الْبَيْضِ وَالْخَزَفِ الْمُكَسَّرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِنْ قَالُوا أَنَّ مَعْنَاهُ شَيْءٌ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الصِّفَةِ فَلَنَا أَنْ نَقُولَ شَيْءٌ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْمِقْدَارِ وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ لَمَّا «قَالَ لَا أَجِدُ شَيْئًا» قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» فَلَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ الْتَمِسْ شَيْئًا مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَاسْتَحَالَ أَنْ يَقُولَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إنَّمَا يُكَلِّفُهُ أَوَّلًا الْأَكْثَرَ فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ أَرْخَصَ عَنْهُ فِي الْأَقَلِّ وَمُحَالٌ أَنْ يُكَلِّفَهُ الْقَلِيلَ فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ كَلَّفَهُ الْكَثِيرَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «الْتَمِسْ» شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ قِيمَةِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ لَهُ مَا أَجِدُ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَعْنِي إنْ لَمْ يَجِدْ الشَّيْءَ الَّذِي كُلِّفَ الْتِمَاسَهُ فَلَوْ كُلِّفَ الْتِمَاسَ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَنَفَاهُ لَمَا جَازَ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْتَمِسْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَى أَنْ يَجِدَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ فَلَمَّا أَمَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَلْتَمِسَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ عُلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَنَى بِالشَّيْءِ
стр. 958
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ
ــ
[المنتقى]
فِي قَوْلِهِ الْتَمِسْ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ «وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» وَهَذَا إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنْ الْمَطْلُوبِ.
(فَصْلٌ) :
وَمُطَالَبَتُهُ بِذَلِكَ فِي الْحِينِ تَقْتَضِي أَنَّ مِنْ حُكْمِهِ تَعْجِيلَهُ أَوْ تَعْجِيلَ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا مِنْهُ وَلَوْ شُرِعَ تَأْخِيرُ جَمِيعِهِ لَسَأَلَهُ هَلْ يَرْجُو أَنْ يَتَكَسَّبَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَدْرَ الْخَاتَمِ مِنْ الْحَدِيدِ بَلْ الْغَالِبُ تَجْوِيزُ ذَلِكَ كُلِّهِ فَكَانَ يَقُولُ لَهُ زَوَّجْتُكهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهَا هَذَا فِي ذِمَّتِك وَيَضْرِبُ لِذَلِكَ أَجَلًا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ تَكَسُّبُهُ لِهَذَا وَلَمَّا نَقَلَهُ عَنْ وُجُودِ الْمَهْرِ إلَى الْمَنَافِعِ دُونَ وَاسِطَةٍ ثَبَتَ أَنَّ مِنْ حُكْمِ الْمَهْرِ أَنْ يَتَعَجَّلَ مِنْهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «هَلْ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ نَعَمْ وَذَكَرَ لَهُ مَا حَفِظَ مِنْهُ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا عَدِمَ الْأَعْيَانَ عَدَلَ إلَى سُؤَالِهِ عَنْ الْمَنَافِعِ لِيُصْدِقَ ذَلِكَ امْرَأَتَهُ وَالثَّانِي أَنْ يَعْلَمَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَطْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» يَحْتَمِلُ أَيْضًا وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنْ يُعْلِمَهَا مَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ مِقْدَارًا مَا مِنْهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ صَدَاقَهَا وَهَذَا إبَاحَةُ جَعْلِ مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ مَهْرًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا التَّفْسِيرُ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ مُضَرَ الْأَنْدَلُسِيُّ وَاحْتَجَّ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مَنَافِعَ الْأَعْيَانِ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ عِوَضًا عَنْ الْبُضْعِ.
وَقَدْ رَوَى زَائِدَةُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ فِيهِ «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكهَا فَعَلِّمْهَا مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» ذَكَرَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَقَدْ رَوَى عَقِيلٌ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِزَارَ وَالْخَاتَمَ «وَقَالَ مَا تَحْفَظُ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا قَالَ قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُك» وَالْوَجْهُ الثَّانِي مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مَعْنَاهُ زَوَّجْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ وَأَنَّ هَذَا خَاصٌّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَهَذَا التَّخْصِيصُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ سَأَلْت يَحْيَى بْنَ يَحْيَى عَنْ مَنْ نَكَحَ بِقُرْآنٍ يُقْرِءُوهُ لَمْ يَنْقُدْ غَيْرَهُ فَقَالَ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَلَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ جَعْلِ مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ مَهْرًا فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّمَا يُكْرَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ وَأَمَّا مَعَ الْعَدَمِ فَلَا وَلَعَلَّهُ قَدْ جَعَلَ هَذَا الْمُعَجَّلَ مِنْ مَهْرِهَا لِئَلَّا يَكُونَ الْبِنَاءُ قَبْلَ تَقْدِيمِ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ وَأَبْقَى بَاقِي الْمَهْرَ فِي ذِمَّتِهِ.
وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فَمَنْ نَكَحَ بِعَمَلِ سَنَةٍ أَكْرَهُهُ إنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً وَإِنْ نَزَلَ مَضَى فِي الْوَجْهَيْنِ وَاحْتَجَّ بِقِصَّةِ شُعَيْبٍ ﵇ وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ جَعْلَ مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ مَهْرًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ مَنَافِعَ الْعَبْدِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَهْرًا دُونَ مَنَافِعِ الْحُرِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] وَشَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخٌ.
وَقَدْ احْتَجَّ مَالِكٌ ﵀ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي تَرْكِ الِاسْتِئْمَارِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ مُبَاحَةٌ مِنْ عَيْنٍ مَعْرُوفَةٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لِلْبِضْعِ كَمَنْفَعَةِ الْعَبْدِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَكُونُ النِّكَاحُ جَعْلًا وَلَا كِرَاءً وَلِمَنْ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرُ مِثْلِهِ قَالَ مَالِكٌ وَمَا ذَكَرَ مِنْ نِكَاحِ مُوسَى ﵇ فَالْأَحْكَامُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ الْمَنَافِعُ مَهْرًا خِلَافًا لِمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْجَعْلُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ عَقْدَ الْجَعْلِ غَيْرُ لَازِمٍ وَعَقْدَ النِّكَاحِ لَازِمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 959
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى وَلِيِّهَا لِزَوْجِهَا إذَا كَانَ وَلِيُّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا هُوَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا فَأَمَّا إذَا كَانَ وَلِيُّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا ابْنَ عَمٍّ أَوْ مَوْلًى أَوْ مِنْ الْعَشِيرَةِ مِمَّنْ يَرَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ وَتَرُدُّ تِلْكَ الْمَرْأَةُ مَا أَخَذَتْ مِنْ صَدَاقِهَا وَيُتْرَكُ لَهَا قَدْرُ مَا تُسْتَحَلُّ بِهِ)
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا يُرِيدُ أَنَّ مَا بِهَا مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ لَا يُوجِبُ اسْتِبَاحَةَ بُضْعِهَا دُونَ عِوَضٍ وَلَا بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ عِوَضٍ وَإِنْ كَانَ لِلزَّوْجِ رَدُّهَا بِهَذِهِ الْعُيُوبِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ الْمَقْصُودِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِالْمَعَانِي الْمُؤَثِّرَةِ فِي مَنْعِ الِاسْتِمْتَاعِ وَ الْبَابُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِ الْمَعَانِي الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْخِيَارُ لِلزَّوْجِ .
وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ بِذَلِكَ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي مُوجِبِ الْفُرْقَةِ بِذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيسِ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِالْعُيُوبِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي مَنْعِ الِاسْتِمْتَاعِ) أَمَّا ثُبُوتُ الْخِيَارِ بِذَلِكَ فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ ﵄.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَجَازَ أَنْ يُرَدَّ بِعَيْبٍ يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ كَالزَّوْجِ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَنَا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يُرَدُّ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِ الْمَعَانِي الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْخِيَارُ لِلزَّوْجِ] ١
ِ أَمَّا الْمَعَانِي الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْخِيَارُ لِلزَّوْجِ فَإِنَّهَا الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَدَاءُ الْفَرْجِ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي تَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ الْوَطْءِ وَكَمَالَ الِالْتِذَاذِ بِهِ.
(فَرْعٌ) فَالْجُنُونُ هُوَ الصَّرَعُ وَالْوَسْوَاسُ الَّذِي ذَهَبَ مَعَهُ الْعَقْلُ كُلُّ ذَلِكَ تُرَدُّ بِهِ الْمَرْأَةُ وَكَذَلِكَ الْجُذَامُ إذَا تَيَقَّنَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَأَمَّا الْبَرَصُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ مِنْ قَلِيلِ الْبَرَصِ فَقَالَ مَا سَمِعْت إلَّا مَا فِي الْحَدِيثِ وَمَا فَرَّقَ بَيْنَ قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُرَدُّ مِنْ قَلِيلِهِ وَلَوْ أُحِيطَ عِلْمًا فِيمَا خَفَّ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ لَمْ تُرَدَّ مِنْهُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَتُرَدُّ مِنْ قَلِيلِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ يَسِيرَهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَلَكِنَّهُ لَا يَكَادُ يَتَوَقَّفُ قَبْلَ الْمُعْتَادِ مِنْهُ التَّزَايُدِ فَكَانَ ذَلِكَ لِتَيَقُّنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا دَاءُ الْفَرْجِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَتَفْسِيرُهُ مَا كَانَ فِي الْفَرْجِ مِمَّا يَقْطَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ مِثْلُ الْعَفَلِ وَالْقَرْنِ وَالرَّتَقِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ دَاءُ الْفَرْجِ هُوَ الْقَرْنُ وَالرَّتَقُ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا وَزَادَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ الْبَخَرُ وَالْإِفْضَاءُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْلَكَانِ وَاحِدًا وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ دَاءِ الْفَرْجِ فَإِنَّ لِلزَّوْجِ الرَّدَّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ الْوَطْءَ مِثْلُ الْعَفْلِ الْقَلِيلِ وَالْقَرْنِ وَحَرْقِ النَّارِ قَالَ وَالْمَجْنُونَةُ وَالْجَذْمَاءُ وَالْبَرْصَاءُ يُقْدَرُ عَلَى وَطْئِهَا مَعَ ذَلِكَ فَلِلزَّوْجِ رَدُّهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْقَرَعُ الْفَاحِشُ فَإِنَّ ابْنَ حَبِيبٍ قَالَ لَهُ الرَّدُّ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ مَعْنَى الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ بِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُرْجَى بُرْؤُهُ فِي الْأَغْلَبِ وَلَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَالْجَرَبِ وَنَحْوِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ بِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الصِّحَّةَ كَالْعَمَى وَالْعَوَرِ وَالْعَرَجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْعَاهَاتِ فَإِنْ اشْتَرَطَ الصِّحَّةَ فَلَهُ الرَّدُّ وَإِلَّا لَمْ تُرَدَّ وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَهَا لِغِيَّةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى نَسَبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا
стр. 960
[أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِالْعُيُوبِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي مَنْعِ الِاسْتِمْتَاعِ]
ــ
[المنتقى]
مَعْنًى لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ فَلَا يُوجِبُ خِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ كَمَا لَوْ كَانَتْ شَارِبَةَ خَمْرٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْخَاطِبُ لِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ لَهُ إلَّا السَّوْدَاءَ فَإِنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِهَا سَوَادٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالشَّرْطِ وَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يُعْلَمَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ وَيَتَزَوَّجُ عَلَى أَنَّ أَهْلَهَا لَا أَسْوَدَ فِيهِمْ وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ بِذَلِكَ قَبْلَ الْمَسِيسِ] ١
ِ أَمَّا مَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا بِالْمَرْأَةِ حِينَ الْعَقْدِ أَوْ حَادِثًا بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا بِهَا حِينَ الْعَقْدِ فَعَلِمَ بِهِ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ يَبْنِي وَعَلَيْهِ جَمِيعُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَيْبٌ دُلِّسَ لَهُ بِهِ وَلَمْ يَفُتْ الْبُضْعُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ لَا يَرْضَى بِالْعَيْبِ فَيَرُدَّ النِّكَاحَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ يَرْضَى بِهِ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَيَكُونُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ أَوْ نِصْفُهُ إنْ طَلَّقَ بَعْدَ الرِّضَا وَقَبْلَ الْبِنَاءِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ بِالْمَرْأَةِ دَاءَ الْفَرْجِ وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ الزَّوْجَةُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ هِيَ مُصَدَّقَةٌ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْظِرَ إلَيْهَا النِّسَاءَ وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُنْظِرُ إلَيْهَا النِّسَاءَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ عَلَيْهِ وَقَالَ كَيْفَ تُعْرَفُ إلَّا بِنَظَرِهِنَّ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونَ عَنْ أَبِيهِ يُنْظِرُ إلَيْهَا النِّسَاءَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ حَادِثًا بَعْدَ الْعَقْدِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ إلَّا أَنْ يُفَارِقَ وَيَكُونَ عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ أَوْ يَبْنِي وَيَكُونَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُفَارِقُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ إنَّمَا حَدَثَ فِيمَا عَقَدَ عَلَيْهِ بَعْدَ مِلْكِهِ لَهُ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا لَوْ مَاتَتْ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِنْ ظَهَرَ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ بِمُدَّةٍ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي فَقَالَ الزَّوْجُ كَانَ ذَلِكَ بِهَا يَوْمَ الْعَقْدِ وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ وَالْوَلِيُّ إنَّمَا حَدَثَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ رَوَى الْعُتْبِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ الْبَيِّنَةُ عَلَى الزَّوْجِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَدَّعِي فَسْخَ عَقْدٍ ظَاهِرُهُ اللُّزُومُ وَذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَاهُ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِمَا يَدَّعِيهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلزَّوْجِ بَيِّنَةٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ أَخًا فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ وَإِنْ غَيْرَهُمَا فَالْيَمِينُ عَلَيْهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَبَ وَالْأَخَ لَمَّا كَانَا مِمَّنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِالْمَهْرَانِ ثَبَتَ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ لَزِمَتْهُمَا الْيَمِينُ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ هَذَا حُكْمُهُ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ الضَّمَانَ وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ مِمَّنْ لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْيَمِينُ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مُوجِبِ الْفُرْقَةَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيسِ]
ِ وَأَمَّا مُوجِبُ الْفُرْقَةِ بِذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيسِ فَإِنَّ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الزَّوْجُ مِنْ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ بَعْدَ الْمَسِيسِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَحْدُثَ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ حَدَثَ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَقَدْ وَجَبَ لِلْمَرْأَةِ جَمِيعُ الْمَهْرِ بِالْمَسِيسِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ قَبْلَ الْوَطْءِ أَوْ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ بِالْمَرْأَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَمْ يَعْلَمْ الزَّوْجُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْوَطْءِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلْبِضْعِ الْمُسْتَبَاحِ مِنْ عِوَضٍ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا وَقَوْلُ مَالِكٍ بَعْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ وَلِيُّهَا هُوَ أَخُوهَا أَوْ أَبُوهَا أَوْ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا وَأَمَّا إنْ كَانَ وَلِيُّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا ابْنُ عَمٍّ أَوْ مَوْلًى أَوْ مِنْ الْعَشِيرَةِ أَوْ مِمَّنْ يَرَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَالِكٍ خِلَافًا لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ وَأَنْ يَكُونَ مَالِكٌ ﵀ قَدْ أَوْرَدَ قَوْلَ عُمَرَ عَلَى مَا رَوَاهُ وَذَكَرَ رَأْيَهُ عَلَى مَا رَآهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ تَلَقَّى قَوْلَ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِرَأْيِهِ وَلَكِنَّهُ خَاصٌّ فِي الْوَلِيِّ الَّذِي يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ وَبَيَّنَ مَالِكٌ ﵀ ذَلِكَ بِتَفْصِيلِهِ الَّذِي فَصَّلَهُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ مَا وَجَدَ مِنْ الْعَيْبِ بِالْمَرْأَةِ مَوْجُودًا بِهَا حِينَ الْعَقْدِ وَظَهَرَ عَلَيْهِ الزَّوْجُ بَعْدَ الْمَسِيسِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا
стр. 961
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأُمَّهَا بِنْتَ زَيْدِ ابْنِ الْخَطَّابِ كَانَتْ تَحْتَ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَمَاتَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا فَابْتَغَتْ أُمُّهَا صَدَاقَهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ وَلَوْ كَانَ لَهَا صَدَاقٌ لَمْ نُمْسِكْهُ وَلَمْ نَظْلِمْهَا فَأَبَتْ أُمُّهَا أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ فَجَعَلُوا بَيْنَهُمْ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَضَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا وَلَهَا الْمِيرَاثُ)
ــ
[المنتقى]
مِمَّنْ ظَاهِرُهُ الْمَعْرِفَةُ بِحَالِهَا وَالِاطِّلَاعُ عَلَى مَا بِهَا أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَالَهَا وَلَا يَقِفُ عَلَى مَا بِهَا وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ ظَاهِرُهُ الْمَعْرِفَةُ بِحَالِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا مَعَهَا قَبْلَ مُدَّةِ النِّكَاحِ أَوْ غَائِبًا عَنْهَا فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مَعَهَا وَكَانَ الْعَيْبُ بِمَوْضِعٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ جَمِيعَ الصَّدَاقِ لَهَا وَيَرْجِعُ بِهِ الزَّوْجُ عَلَى الْوَلِيِّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَلِيِّ وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ بِوَجْهٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُوجِبُ خِيَارُهُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لِلرَّادِّ الرُّجُوعُ بِالْعِوَضِ إذَا فَاتَ الرَّدُّ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْبُيُوعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ الْقَرِيبُ الْقَرَابَةِ غَائِبًا عَنْهَا بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيْهِ خَبَرُهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْغُرْمُ عَلَى الْمَرْأَةِ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنٍ الْقَاسِمِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَا يَعْلَمُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يُدَلِّسْ بِالْعَيْبِ عَلَيْهِ كَالْوَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِقَرِيبِ الْقَرَابَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ وَلِيٌّ قَرِيبُ الْقَرَابَةِ فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْغُرْمُ ظَاهِرُ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ كَالْبَرَصِ الَّذِي يَكُونُ بِمَوْضِعٍ يَخْفَى عَلَى الْأَبِ وَالِابْنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا مِنْ ظَاهِرِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا بِهَا مِنْ ذَلِكَ كَابْنِ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى وَالرَّجُلِ مِنْ الْعَشِيرَةِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَلَا يَمِينَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ اتَّهَمَ أَنَّهُ عَلِمَ حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَتَرُدُّ الْمَرْأَةُ مِنْ الصَّدَاقِ مَا أَخَذَتْهُ غَيْرَ أَنَّهُ يَتْرُكُ لَهَا مِنْ ذَلِكَ رُبْعَ دِينَارٍ وَذَلِكَ مَا يَسْتَحِلُّ بِهِ فَرْجَهَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَوَجَبَ إنْفَاذُ ذَلِكَ لَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْعَيْنِ الَّتِي دَفَعَهَا إلَيْهَا دُونَ الْجِهَازِ.
[نِكَاحُ التَّفْوِيضِ وَفِيهِ أَرْبَعَة أَبْوَاب]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَتِهِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ بِنْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَتْ تَحْتَ ابْنٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَمَاتَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا يَقْتَضِي أَنَّ نِكَاحَهَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّفْوِيضِ وَالنِّكَاحُ عَلَى ضَرْبَيْنِ نِكَاحُ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ وَنِكَاحُ تَفْوِيضٍ فَأَمَّا نِكَاحُ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ وَأَمَّا نِكَاحُ التَّفْوِيضِ فَهُوَ جَائِزٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فَأَبَاحَ الطَّلَاقَ مَعَ عَدَمِ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ وَالطَّلَاقُ الْمُبَاحُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَعِنْدِي أَنَّ وَجْهَ التَّعَلُّقِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ بِمَعْنَى نَفْيِ الْجُنَاحِ عَنْ مَنْ طَلَّقَ مَا لَمْ يَمَسَّ أَوْ يَفْرِضْ فَرِيضَةً وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْمَأْثَمِ بِعَقْدِهِ وَإِذَا ارْتَفَعَ الْمَأْثَمُ دَلَّ عَلَى إبَاحَتِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ الْإِجْمَاعُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِهِ وَصِحَّتِهِ وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي صِفَتِهِ وَالثَّانِي فِي حُكْمِهِ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالثَّالِثُ فِي حُكْمِهِ بَعْدَ الْمَسِيسِ وَالرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَتِهِ) أَمَّا صِفَتُهُ فَهُوَ أَنْ يُصَرِّحُوا بِالتَّفْوِيضِ أَوْ يَسْكُتُوا عَنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَشْهَبُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ إلَّا بِعِوَضٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَا يَنْفِي الْعِوَضَ حُمِلَ عَلَى النِّكَاحِ بِالْمَهْرِ الَّذِي يُسْكَتُ عَنْ ذِكْرِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى نِكَاحِ التَّفْوِيضِ وَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّفْوِيضَ إلَى الزَّوْجِ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ قِبَلِهِ يَنْفُذُ وَعَلَيْهِ يَجِبُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يُزَوِّجَهَا عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَلِكَ عَلَى حُكْمِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ عَلَى حُكْمِ الْوَلِيِّ فَأَمَّا عَلَى حُكْمِ الزَّوْجَةِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي جَوَازِهِ غَيْرَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ يَفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَنَحْوَ ذَلِكَ
стр. 962
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
رَوَى عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ جَوَازَهُ وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَوَازِ أَنَّهُ تَفْوِيضٌ فِي مِقْدَارِ الصَّدَاقِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ النِّكَاحِ كَالتَّفْوِيضِ إلَى الزَّوْجِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّ الصَّدَاقَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فَإِذَا بَذَلَ مَهْرَ الْمِثْلِ لَزِمَ النِّكَاحُ وَلَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ فَإِذَا رَضِيَتْ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ النِّكَاحُ لِأَنَّ لِلزَّوْجِ الِامْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْ النِّكَاحُ مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ كَانَ التَّفْوِيضُ فِي الْبُضْعِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ] ١
(الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ) وَأَمَّا نِكَاحُ التَّفْوِيضِ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ السُّكُوتِ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لِلْمَرْأَةِ إنْ فَرَضَ لَهَا الزَّوْجُ مَهْرَ الْمِثْلِ وَلَا يَخْلُو غَرَضُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا أَنْ يَفْرِضَ مَهْرَ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ وَالثَّانِي أَنْ يَفْرِضَ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا وَالثَّالِثُ أَنْ يَفْرِضَ مِنْ الْمَهْرِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا فَإِذَا فَرَضَ مَهْرَ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ قَدْ مَلَكَ اسْتِبَاحَةَ بُضْعِهَا بِدَلِيلِ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَإِذَا مَلَكَ ذَلِكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ وَذَلِكَ مَهْرُ الْمِثْلِ فَإِنْ فَرَضَ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ فَإِنْ رَضِيَتْهُ الزَّوْجَةُ جَازَ النِّكَاحُ وَلَزِمَهَا وَإِنْ أَبَتْ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهَا النِّكَاحُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا فَرَضَ رُبُعَ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ فَالْحَقُّ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهُمَا فَمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ لَزِمَهُمَا وَجَازَ لَهُمَا ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا فَرَضَ لَهَا مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا وَذَلِكَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا الرِّضَا بِهِ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا إسْقَاطُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَزَوَّجَ عَلَى حُكْمِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ عَلَى حُكْمِ الْوَلِيِّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ فَلَا حُجَّةَ لَهَا وَإِنْ أَبَى فَارَقَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ الْأَجْنَبِيُّ إنْ رَضِيَا بِحُكْمِهِ وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ إذَا لَمْ يَفْرِضْ الزَّوْجُ مَهْرَ الْمِثْلِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ إلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ التَّحْكِيمَ لَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إلَى قَوْلِ الْحُكْمِ وَلِذَلِكَ إذَا حَكَمَ الزَّوْجُ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ الزَّوْجَةَ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي التَّحْكِيمُ لُزُومَ مَهْرِ الْمِثْلِ وَالتَّسَامُحِ فِي إحْدَى الْجِهَتَيْنِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ تَحْكِيمُ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْأَجْنَبِيِّ وَالْوَلِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ عُقِدَ النِّكَاحُ عَلَى حُكْمِ الزَّوْجَةِ وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنْ بَذَلَ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ لَزِمَهَا كَالتَّفْوِيضِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَلْزَمُهَا الرِّضَا بِصَدَاقِ الْمِثْلِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْهُمَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا تَقَدَّمَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ التَّحْكِيمَ تَوَجَّهَ إلَى جِهَةٍ فَلَا يَلْزَمُ الرِّضَا بِغَيْرِهَا كَمَا لَوْ عُلِّقَ بِحُكْمِ فُلَانٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَزَوَّجَ عَلَى التَّفْوِيضِ فَطَلَّقَ ابْتِدَاءً لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى الْمُتْعَةِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ فَرَضَ لَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ مَهْرَ الْمِثْلِ وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَهَا نِصْفُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَهَذَا عَامٌّ فَنَحْمِلُهُ عَلَى عُمُومِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا فَرْضٌ يَجِبُ بِالْبِنَاءِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَجِبَ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ كَالْفَرْضِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ.
(مَسْأَلَةٌ) وَمَنْ تَزَوَّجَ عَلَى تَفْوِيضٍ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ وَالْمَسِيسِ فَالتَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ وَلَا مَهْرَ لِلْمَرْأَةِ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا قُلْت إنَّ بَيْنَهُمَا التَّوَارُثَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وَقَوْلُهُ
стр. 963
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] وَأَمَّا الصَّدَاقُ فَلَا صَدَاقَ لَهَا وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ وَمِنْ التَّابِعِينَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَمَاعَةٌ سِوَاهُمْ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهَا الصَّدَاقُ وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا لَا يَجِبُ لَهَا بِالطَّلَاقِ شَيْءٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ لَهَا بِالْمَوْتِ جَمِيعُهُ أَصْلُ ذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى وَعَكْسُهُ الْمُسَمَّى لِمَا وَجَبَ لَهَا بِالطَّلَاقِ نِصْفُهُ وَجَبَ لَهَا بِالْمَوْتِ جَمِيعُهُ وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ فِي الْمَرَضِ فَلَا يَصِحُّ وَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْهُ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَقَالَ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فِي مَرَضِهِ فَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ فِي صِحَّتِهِ لَكَانَ ذَلِكَ لِلزَّوْجَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا قُلْنَا إنَّهُ يَجِبُ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ بَعْدَ الْمُسَمَّى] ١
وَأَمَّا أَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِهَا بَعْدَ أَنْ سَمَّى لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَإِنَّ لَهَا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْمَسِيسِ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ التَّسْمِيَةِ وَجَبَ لَهَا بِالْمَسِيسِ مَهْرُ الْمِثْلِ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّهُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْمَسِيسِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى مَا عَقَدَ عَلَيْهِ مِنْ الْبُضْعِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ لِعِوَضٍ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ وَذَلِكَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ] ١
ِ أَمَّا مَا يُعْتَبَرُ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ أَرْبَعُ صِفَاتٍ: الدِّينُ وَالْجَمَالُ وَالْمَالُ وَالْحَسَبُ وَمِنْ شَرْطِ التَّسَاوِي مَعَ ذَلِكَ الْأَزْمِنَةُ وَالْبِلَادُ فَمَنْ سَاوَاهَا فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ رُدَّتْ إلَيْهَا فِي مَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَقَارِبِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُعْتَبَرُ مِنْهَا عَصَبَتُهَا فَقَطْ وَهُنَّ أَخَوَاتُهَا وَبَنَاتُ أَعْمَامِهَا وَكُلُّ مَنْ يَرْجِعُ بِالِانْتِسَابِ بَيْنَهُمَا إلَى التَّعْصِيبِ وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْهَا قَوْمُهَا اللَّوَاتِي مَعَهَا فِي عَشِيرَتِهَا فَدَخَلَ فِيهَا سَائِرُ الْعَصَبَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْخَالَاتِ دُونَ الْأَجَانِبِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يُعْتَبَرُ بِذَوَاتِ الْأَرْحَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «يُنْكَحُ النِّسَاءُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» .
فَوَجْهُ الدِّينِ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ هَذِهِ الصِّفَاتُ فَوَجَبَ أَنْ يَزِيدَ الْمَهْرَ وَيَنْقُص بِحَسَبِ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ وَلَا يَقْصُرُ ذَلِكَ عَلَى الْحَسَبِ دُونَ غَيْرِهِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ حَضَّ عَلَى ذَاتِ الدِّينِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ أَوْلَى وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ زَوْجَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي مَهْرِ مِثْلِهَا مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ قَوْمِهَا كَاَلَّتِي لَا عَشِيرَةَ لَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَمَاتَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا فَابْتَغَتْ أُمُّهَا صَدَاقَهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ وَلَوْ كَانَ لَهَا صَدَاقٌ لَمْ نَمْسِكْهُ وَلَمْ نَظْلِمْهَا يُرِيدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَوْتَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ لَا يُوجِبُ مَهْرًا وَلَوْ أَوْجَبَ مَهْرًا لَمْ يُمْسِكْهُ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَفَضْلِهِ وَلَمْ يَرْضَ بِظُلْمِ أَحَدٍ فَكَيْفَ بِظُلْمِ ابْنَةِ أَخِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَبَتْ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَلِمَتْ بِالِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَقْبَلْ قَوْلَهُ فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لِتَقَدُّمِهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ وَلَعَلَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الَّذِي يُرْجَعُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْفَتْوَى وَيُؤْخَذُ بِفَتْوَاهُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَقَضَى بِأَنَّ لَهَا الْمِيرَاثَ دُونَ الصَّدَاقِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَرَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ «عَنْ عَلْقَمَةَ أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا وَلَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى
стр. 964
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي خِلَافَتِهِ إلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ أَنَّ كُلَّ مَا اشْتَرَطَ الْمُنْكِحُ مَنْ كَانَ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ حِبَاءٍ أَوْ كَرَامَةٍ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ إنْ ابْتَغَتْهُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ يُنْكِحُهَا أَبُوهَا وَيَشْتَرِطُ فِي صَدَاقِهَا الْحِبَاءَ تُحْبَى بِهِ أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ يَقَعُ بِهِ النِّكَاحُ فَهُوَ لِابْنَتِهِ إذَا ابْتَغَتْهُ وَإِنْ فَارَقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلِزَوْجِهَا شَطْرُ الْحِبَاءِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ النِّكَاحُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابْنَهُ صَغِيرًا لَا مَالَ لَهُ أَنَّ الصَّدَاقَ عَلَى أَبِيهِ إذَا كَانَ الْغُلَامُ يَوْمَ تَزَوَّجَ لَا مَالَ لَهُ وَإِنْ كَانَ لِلْغُلَامِ مَالٌ فَالصَّدَاقُ فِي مَالِ الْغُلَامِ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْأَبُ أَنَّ الصَّدَاقَ عَلَيْهِ وَذَاكَ النِّكَاحُ ثَابِتٌ عَلَى الِابْنِ إذَا كَانَ صَغِيرًا وَكَانَ فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ)
ــ
[المنتقى]
مَاتَ فَرَدَّهُمْ ثُمَّ قَالَ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي أَرَى لَهَا صَدَاقَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ أَشْهَدُ لَقَدْ قَضَيْت فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةً مِنْ بَنِي رَوَاسٍ» .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِقَوْلِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ لَا تُصَدِّقْ الْأَعْرَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ قِيلَ فِيهِ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ وَقِيلَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ وَاضْطُرِبَ فِي إسْنَادِ الْحَدِيثِ فَقِيلَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَقِيلَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَلَوْ صَحَّ لَجَازَ أَنْ يُرِيدَ بِحُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمِيرَاثِ وَالْعِدَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا اشْتَرَطَ الْمُنْكِحُ مَنْ كَانَ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ حِبَاءٍ أَوْ كَرَامَةٍ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ إنْ ابْتَغَتْهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَا اُشْتُرِطَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ عَطَاءٍ يَشْتَرِطُ الْوَلِيُّ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلزَّوْجَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ عِوَضِهِ لِمَنْ عَوَّضَهُ مِنْ جِهَتِهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أُجْرَةُ السِّمْسَارِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلنَّائِبِ عَنْ الْبَائِعِ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلنَّائِبِ عَلَى مَنْ نَابَ عَنْهُ مِنْ مُبْتَاعٍ أَوْ بَائِعٍ وَلَوْ وَكَّلَ الْبَائِعُ مَنْ يَبِيعُ ثَوْبَهُ فَاشْتَرَطَ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُبْتَاعِ ثَمَنًا لَكَانَ لِلْبَائِعِ وَإِنْ اشْتَرَطَهُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُزَنِيَّة أَنَّ الزَّوْجَ جَعَلَ لِلرَّجُلِ جُعْلًا عَلَى أَنْ يُنْكِحَهُ لِعُقْدَةِ النِّكَاحِ فَإِنَّمَا هُوَ جُعْلٌ جَعَلَهُ عَلَى أَنْ يَقُومَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَهَذَا سُنَّةَ جُعْلِ السِّمْسَارِ عَلَى مَنْ اسْتَنَابَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ اشْتَرَطَهُ دُونَ الْمَرْأَةِ وَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجِ مِنْهُ إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الْمَسِيسِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُزَنِيَّة زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَائِمًا كَانَ الْحِبَاءُ أَوْ فَائِتًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَعْنَى تَبَرَّعَ بِهِ الزَّوْجُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَتَقْدِيرِ الْعِوَضِ فَكَانَ ذَلِكَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً لِمَنْ وَهَبَهُ إيَّاهَا دُونَ الزَّوْجَةِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِنْ فَسَخَ النِّكَاحَ بِأَمْرٍ غَالِبٍ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ الزَّوْجُ يَرْجِعُ بِمَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ قَائِمًا لَمْ يَفُتْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا هِبَةٌ لِأَجْلِ النِّكَاحِ فَإِنْ فَسَخَ قَبْلَ النِّكَاحِ رَدَّتْ هِبَتَهُ كَالْبَيْعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ فَارَقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلِزَوْجِهَا شَطْرُ الْحِبَاءِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ النِّكَاحُ يُرِيدُ أَنَّ لَهَا شَطْرَ الْحِبَاءِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ النِّكَاحُ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِوَضِ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ وَثَبَتَ بِالنِّكَاحِ لِلزَّوْجَةِ فَكَانَ لِلزَّوْجِ نِصْفُهُ إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ كَالْمَهْرِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ نِكَاحُ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ أَوْ نِكَاحُ تَفْوِيضٍ فَإِنْ كَانَ نِكَاحُ تَسْمِيَةٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْأَبُ صَرَّحَ بِأَنَّ الصَّدَاقَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الِابْنِ أَوْ سَكَتَ فَإِنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الصَّدَاقَ عَلَى الْأَبِ فَهُوَ عَلَيْهِ عَلَى حَسَبِ مَا الْتَزَمَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَتَ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الْعِوَضِ بِذِمَّةِ الْعَاقِدِ دُونَ ذِمَّةِ الْمَعْقُودِ لَهُ كَابْتِيَاعِهِ لَهُ نَفَقَةً أَوْ كِسْوَةً.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فَإِنْ كَانَ الْأَبُ وَالِابْنُ عَدِيمَيْنِ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَصْبَغَ لَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى
стр. 965
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْأَبِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ عِنْدِي الْمَذْهَبُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ مَعَ الْإِبْهَامِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْعَقْدِ عَلَيْهِ وَالْإِنْفَاقِ عَنْهُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ بِهِ بِذِمَّتِهِ مَعَ الْإِبْهَامِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ صَرَّحَ الْأَبُ بِأَنَّ الصَّدَاقَ عَلَى الِابْنِ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عَلَى الْأَبِ دُونَهُ قَالَ وَقَالَ أَصْبَغُ إنْ كَتَبَهُ عَلَى الِابْنِ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ لَهُ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا عَلَى الِابْنِ مُجَرَّدًا فَهُوَ عَلَى الِابْنِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً قَالَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْأَبَ إذَا زَوَّجَهُ مِنْهَا وَالِابْنُ عَدِيمٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنَّهُ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ كَتَبَهُ عَلَى الِابْنِ حَتَّى يُوَضِّحَ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ وَلَسْت مِنْهُ فِي شَيْءٍ لَكِنَّهُ لَكُمْ عَلَى ابْنِي وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَبَيْنَ مَا أَنْكَرَهُ عَنْ أَصْبَغَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَصْبَغُ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ مِنْ فَحَوَى كَلَامِهِ وَهُوَ إذَا قَالَ الْأَبُ إنَّ الصَّدَاقَ عَلَى ابْنِي وَسَكَتَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَهَاهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَالِفَ أَصْبَغُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ لِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْأَبِ إذَا زَوَّجَهُ مُبْهَمًا وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا أَصْبَغُ مِنْ قَوْلِهِ إذَا رَضِيَ الْمُزَوِّجُونَ بِكَوْنِ الْمَهْرِ عَلَى الِابْنِ فَالنِّكَاحُ مَاضٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ عَلَى الْأَبِ فَطَلَّقَهَا الِابْنُ مُوسِرًا فَإِنَّ نِصْفَ الصَّدَاقِ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا شَيْءَ مِنْهُ عَلَى الِابْنِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة.
(فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ عَلَى الِابْنِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَكُونُ الِابْنُ بِالْخِيَارِ إذَا بَلَغَ فَإِنْ دَخَلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا صَدَاقُ الْمِثْلِ قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ لِلْغُلَامِ مَالٌ فَالصَّدَاقُ فِي مَالِ الْغُلَامِ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْأَبُ أَنَّ الصَّدَاقَ عَلَيْهِ وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ فَأَبْهَمَ الْأَبُ عَلَى الْمَهْرِ فَإِنَّ الْمَهْرَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ عَلَى مَنْ مَلَكَ الْمُعَوَّضَ مِنْهُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهُ ثَوْبًا أَوْ عَقَارًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ شَرَطَ الْأَبُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَدِيمًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَالًا انْعَقَدَ بِسَبَبِهِ عَقْدٌ فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِزَيْدٍ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ مِنْ عُمَرَ وَثَمَنُهُ عَلِيَّ فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ فِي يُسْرِهِ وَعَدَمِهِ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ كَبِرَ الِابْنُ وَأَرَادَ الدُّخُولَ بِأَهْلِهِ وَالْأَبُ مُعْسِرٌ أَخْرَجَ الِابْنُ الصَّدَاقَ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ يَتْبَعُ بِهِ أَبَاهُ دَيْنًا عَلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُزَنِيَّة.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ الِابْنُ الصَّغِيرُ مَلِيئًا بِبَعْضِ الْمَهْرِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَكُونُ فِي مِقْدَارِ مَا لَهُ مِنْ الْمَهْرِ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيِّ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا لَا وَفَاءَ بِهِ لِمَالِ الِابْنِ فَحُكْمُ الِابْنِ فِيهِ حُكْمُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ فَإِنْ زَوَّجَهُ الْأَبُ صَغِيرًا لَا مَالَ لَهُ فَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا مَهْرًا حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ فَالصَّدَاقُ عَلَى الْأَبِ فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ فَالصَّدَاقُ فِي مَالِهِ قَالَ عِيسَى وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ تَعْيِينِ مَحَلِّ الصَّدَاقِ وَهُوَ وَقْتُ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلصَّدَاقِ مَحَلٌّ يَوْمَ الْعَقْدِ وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ لِعُسْرٍ وَلَا لِيُسْرٍ كَنِكَاحِ التَّسْمِيَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ النِّكَاحُ ثَابِتٌ عَلَى الِابْنِ إذَا كَانَ صَغِيرًا وَكَانَ فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ لَازِمٌ لَهُ لِأَنَّ عَقْدَ الْأَبِ نِكَاحَ ابْنِهِ الصَّغِيرَ جَائِزٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَعُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَطَاوُسٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ كَانَ الِابْنُ سَلِيمًا جَازَ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَإِنْ كَانَ الِابْنُ الصَّغِيرُ مَجْنُونًا لَمْ يَجُزْ لِأَبٍ وَلَا غَيْرِهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا صَغِيرٌ فَجَائِزٌ أَنْ يُجْبِرَهُ الْأَبُ عَلَى النِّكَاحِ كَالصَّحِيحِ، وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ لِلْأَبِ أَنْ يَعْقِدَهُ عَلَى الصَّغِيرِ السَّلِيمِ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ عَلَى الصَّغِيرِ الْمَجْنُونِ كَالْبَيْعِ.
(فَرْعٌ) وَيَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُزَوِّجَ الصَّغِيرَ الْيَتِيمَ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَيُرِيدُ بِهِ الْوَصِيَّ أَوْ الْحَاكِمَ وَقَدْ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ مُفَسَّرًا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ قَبْلَ بُلُوغِهِ لَا لِأَخٍ وَلَا لِجَدٍّ وَلَا لِعَمٍّ وَلَا أَحَدَ إلَّا الْوَصِيُّ أَوْ السُّلْطَانُ أَوْ خَلِيفَتُهُ الَّذِي
стр. 966
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يُوَلِّيهِ مَالَهُ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَتِيمَةِ الَّتِي لَا يُزَوِّجُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ إلَّا الْأَبُ أَنَّ الْيَتِيمَ إنْ كَرِهَ هَذَا النِّكَاحَ اسْتَطَاعَ التَّخَلُّصَ مِنْهُ بِالطَّلَاقِ وَالْيَتِيمَةُ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَلَمْ تُجْبَرْ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعْقِدَهُ عَلَى الْيَتِيمِ إذَا رَآهُ حَظًّا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لِلصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ الْخِيَارُ إذَا بَلَغَ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَقَدَهُ الْوَلِيُّ عَلَى الصَّبِيِّ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ ابْتِدَاءً عِنْدَ بُلُوغِهِ كَالْبَيْعِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْأَبُ صَحِيحًا فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا وَضَمِنَ صَدَاقَ الِابْنِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ النِّكَاحُ وَيَبْطُلُ الضَّمَانُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ إذَا مَاتَ الْأَبُ قَالَ مُحَمَّدٌ كَانَ لِلِابْنِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا تَحَمَّلَهُ مِنْ الصَّدَاقِ عَنْ الِابْنِ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
١ -
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ بَلَغَ الِابْنُ فِي مَرَضِ الْأَبِ فَأَرَادَ الدُّخُولَ بِهَا أَوْ أَرَادَ الدُّخُولَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ كَانَ لَهَا الِامْتِنَاعُ حَتَّى يَدْفَعَ الْمَهْرَ وَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَتْبَعَ الزَّوْجَ بِهِ فَلِلْوَصِيِّ إنْ رَأَى غِبْطَةً أَمْضَاهُ بِأَدَاءِ الْمَهْرِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ وَإِلَّا فَسَخَهُ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا عَقَدَهُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ قَدْ مَنَعَ مِنْهُ فَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَنْقُلَهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْوَصِيِّ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي مَرَضِ الْأَبِ فَدَخَلَ بِزَوْجَتِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ تَرُدُّ الْمَرْأَةُ مَا أَخَذَتْ مِنْ مَالِ الْأَبِ وَتَتْبَعُ بِهِ الزَّوْجَ قَالَ مُحَمَّدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهَا مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ رُبْعِ دِينَارٍ مُنِعَ مِنْهَا حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهَا رُبْعَ دِينَارٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا قَدْ أَسْلَمَتْ نَفْسَهَا إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْهُ إلَّا بِحَقِّ الشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ فِي مَرَضِهِ وَأَصْدَقَهَا عَنْ الزَّوْجِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ النِّكَاحُ صَحِيحٌ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمَهْرِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ هُوَ عَطِيَّةٌ لِابْنَتِهِ وَلَا يَكُونُ فِي مَالِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ وَهْبٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ عَطِيَّةٌ لِلزَّوْجِ نَافِذَةٌ مِنْ ثُلُثِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا فَتَرُدُّ الزِّيَادَةَ وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجْهُ الْقَوْلُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَطِيَّةَ إنَّمَا تَوَجَّهَتْ إلَى ابْنَتِهِ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ مَلَكَ الْعَطِيَّةَ زَوَّجَهَا عَلَى وَجْهٍ يَفْعَلُ بِهَا مَا يَشَاءُ وَيَصْرِفُهَا إلَى مَا يَشَاءُ لَجَازَ ذَلِكَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْهِبَةَ تَوَجَّهَتْ إلَى الزَّوْجِ وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِابْنَتِهِ لَعَرَا النِّكَاحُ عَنْ عِوَضٍ وَلَأَوْجَبَ ذَلِكَ فَسَادَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُقَالُ لِابْنِ الْأَخِ إنْ أَدَّيْت الصَّدَاقَ مِنْ مَالِكَ تَمَّ النِّكَاحُ وَإِنْ أَبَيْت بَطَلَ النِّكَاحُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَهَذَا عِنْدِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا أَنْ تَشَاءَ الزَّوْجَةُ إمْضَاءَ النِّكَاحِ وَتَرُدَّ الزِّيَادَةَ إنْ كَانَتْ تَمْلِكُ أَمْرَهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ دَفْعَ الْمَهْرِ مِنْ مَالِهِ فَارَقَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ أَبَى الزَّوْجُ فَلَا شَيْءَ فِي مَالِ الْأَبِ الْمَيِّتِ قِيلَ لَهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِلْمَيِّتِ قَالَ إنَّمَا هِيَ وَصِيَّةٌ لِلزَّوْجِ عَلَى شَيْءٍ إنْ فَعَلَهُ تَمَّ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَمْ يَتِمَّ لَهُ.
١ -
(فَرْعٌ) وَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَقَبْلَ مَوْتِ الْأَبِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ مِنْ ثُلُثِهِ وَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي وَهَذَا رُجُوعٌ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ مَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ قَبَضَ صَدَاقَ ابْنَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ فَقَدْ تَرَكَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ أَنَّهَا عَطِيَّةٌ لِلْبِنْتِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا شَيْءَ لَهَا مِنْ تَرِكَةِ الْأَبِ لِأَنَّهُ أَعْطَاهَا عَلَى أَنَّهُ إنْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ تَمَّ لَهَا وَإِنْ طَلُقَتْ أَخَذَتْ بِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ فِي تَرِكَةِ أَبِيهَا لِأَنَّهُ عَطِيَّةٌ فِيمَا لَزِمَ الزَّوْجَ مِنْ
стр. 967
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
نِكَاحِهِ فَمَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِيهِ عَطِيَّةٌ فَلَيْسَ بِمَقْبُوضٍ وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالْمَقْبُوضِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الصَّدَاقَ فِي مَالِ الْأَبِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا سَبِيلَ لِلزَّوْجِ إلَيْهَا إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الصَّدَاقَ وَيَتْبَعَ بِهِ الْمَيِّتَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِصِغَرٍ مِنْ الذُّكُورِ وَحُكْمُ الْبَنَاتِ وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْأَبَ يُجْبِرَهُ عَلَى النِّكَاحِ وَكَذَلِكَ وَصِيُّ الْأَبِ وَالسُّلْطَانِ وَخَلِيفَةِ السُّلْطَانِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُزَوِّجُهُ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ إلَّا بِرِضَاهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَنِكَاحِهِ فَكَانَ لِمَنْ لَهُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ جَبْرُهُ عَلَى النِّكَاحِ كَالصَّغِيرِ وَالْعَبْدِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ مَنْ مَلَكَ الطَّلَاقَ مِنْ الْأَحْرَارِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى النِّكَاحِ كَالرَّشِيدِ.
١ -
(فَرْقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّفِيهِ يُجْبِرُهُ وَلِيُّهُ عَلَى النِّكَاحِ وَلَا يُجْبِرُ السَّفِيهَةَ أَنَّ السَّفِيهَ وَالصَّغِيرَ يَمْلِكُ إزَالَةَ ذَلِكَ عِنْدَ رُشْدِهِ وَالْمَرْأَةَ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَزَوَّجَ السَّفِيهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ فَنِكَاحُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَسْخِ إنْ رَأَى وَجْهَ رُشْدٍ أَمْضَاهُ وَإِنْ رَأَى غَبْنًا رَدَّهُ كَالْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنْ أَجَازَهُ الْوَلِيُّ عَلَى مَا عَقَدَ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِنْ رَدَّهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ مَهْرٍ وَلَا غَيْرِهِ وَكَانَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَإِنْ رَدَّهُ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ تَرُدُّ الزَّوْجَةُ مَا قَبَضَتْ أَوْ قَبَضَ وَلَا يَتْرُكُ لَهَا شَيْئًا.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ يَتْرُكُ لَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْقِيَاسُ مَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَقَوْلُ مَالِكٍ اسْتِحْسَانُ وَجْهِ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إنَّ مَا سَلَّمَ إلَى السَّفِيهِ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ بَطَلَ جَمِيعُ عِوَضِهِ كَالْبَيْعِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْبُضْعَ لَا يَحِلُّ بَذْلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَلْزَمُ الْمَحْجُورُ فَيَسْتَوْفِيهِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ أَقَلُّ مَا يَكُونُ عِوَضًا لَهُ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَتَمَيَّزُ مِنْ السِّفَاحِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْإِبَاحَةِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ وَيُخَالِفُ هَذَا الْبَيْعَ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ السَّفِيهَ إذَا انْتَفَعَ بِمَا اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْبُضْعُ إذَا اسْتَوْفَاهُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا عَنْ مَالِكٍ يَتْرُكُ لَهَا رُبْعَ دِينَارٍ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ وَغَيْرِهَا يَتْرُكُ لَهَا قَدْرَ مَا يَسْتَحِلُّ بِهِ مِثْلَهَا وَلَمْ يَحُدَّ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتْرُكُ لِلدَّنِيَّةِ رُبْعَ دِينَارٍ وَلِذَاتِ الْقَدْرِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَصْبَغُ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِمَّا لَا يَرَى يَبْلُغُ صَدَاقُ مِثْلِهَا وَلَا تَذْهَبُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتْرُكُ لَهَا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ يَتْرُكُ لَهَا مِنْ الْمِائَةِ دِينَارٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الرُّبْعَ دِينَارٍ أَقَلُّ مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْبُضْعُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْوَاضِحَةِ يَتْرُكُ لَهَا قَدْرَ مَا يَسْتَحِلُّ بِهِ مِثْلَهَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ قِيمَةُ بِضْعِهَا لِمَنْ لَا يَسْتَدِيمُ النِّكَاحَ وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقْوَالِ فَاسْتِحْسَانٌ وَبِهَا كَانَتْ مُقْتَضَى الْفَتْوَى فِي مَسْأَلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا فَأَجَابَ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِنِكَاحِهِ حَتَّى مَاتَ أَحَدُهُمَا نَظَرَ فَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي مَاتَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا صَدَاقَ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَوَارَثَانِ وَيَمْضِي الصَّدَاقُ لَهَا مِنْ مَالِهِ لِأَنَّ النَّظَرَ قَدْ فَاتَ بِمَوْتِهِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ تَرِثُهُ وَيَنْظُرُ الْوَلِيُّ فَإِنْ رَآهُ مِمَّا لَمْ يَكُنْ يُجِيزُهُ فَلَهَا الصَّدَاقُ مَعَ الْمِيرَاثِ وَإِنْ رَآهُ مِمَّا كَانَ يُجِيزُهُ فَلَهَا الْمِيرَاثُ دُونَ الصَّدَاقِ إنْ كَانَ لَمْ يَبْنِ بِهَا وَإِنْ كَانَ بَنَى بِهَا فَلَهَا رُبْعُ دِينَارٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَقْدُ نِكَاحٍ عَقَدَهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَكَانَ لِلْوَلِيِّ النَّظَرُ فِيهِ بِالرَّدِّ أَوْ الْإِجَازَةِ أَصْلُهُ حَالُ الْحَيَاةِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ النَّظَرَ قَدْ فَاتَ بِمَوْتِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّظَرَ فِي مَالِهِ إنَّمَا هُوَ لِحَقِّهِ بِوَقْتٍ يَخْتَصُّ بِحَالِ حَيَّاتِهِ وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَيْسَ بِوَقْتِ نَظَرٍ لَهُ وَلِذَلِكَ جَازَتْ وَصِيَّتُهُ وَلَمْ تَجُزْ هِبَتُهُ حَالَ حَيَاتِهِ
стр. 968
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي طَلَاقِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا وَهِيَ بِكْرٌ فَيَعْفُو أَبُوهَا عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِزَوْجِهَا مِنْ أَبِيهَا فِيمَا وَضَعَ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَهُنَّ النِّسَاءُ اللَّاتِي قَدْ دَخَلَ بِهِنَّ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَهُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ، وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا الَّذِي سَمِعْت فِي ذَلِكَ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
ــ
[المنتقى]
وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ النَّظَرَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّدَاقِ خَاصَّةً وَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَحُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ وَالنِّكَاحُ قَدْ تَمَّ بَيْنَهُمَا بِالْمَوْتِ وَفَاتَ النَّظَرُ فِيهِ وَإِذَا ثَبَتَ ثَبَتَتْ أَحْكَامُهُ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْمِيرَاثُ فَقَدْ يُفْسَخُ الصَّدَاقُ وَيَثْبُتُ التَّوَارُثُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لِلصَّدَاقِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ فَإِنْ مَاتَ بِحَدَثَانِ ذَلِكَ حَلَفَ الْوَلِيُّ مَا رَضِيَ وَلَا أَجَازَ وَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِهِ فَلَا كَلَامَ لِلْوَلِيِّ مَعْنَاهُ وَيَثْبُتُ النِّكَاحُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إمْسَاكَ الْوَلِيِّ عَنْ فَسْخِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ يَقْتَضِي الرِّضَا بِهِ وَيُوجِبُ بَقَاءَهُ عَلَى حُكْمِهِ فَإِذَا مَاتَ بِقُرْبِ عِلْمِ الْوَلِيِّ بِذَلِكَ بِمِثْلِ مَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَرَدْت الِارْتِيَاءَ أَوْ لَمْ يُمْكِنِّي الْقِيَامُ مَعَ عَزْمِي عَلَيْهِ حَلَفَ أَنَّهُ مَا رَضِيَ وَلَا أَمْضَى وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ بَعْدَ عِلْمِهِ وَتَرَكَ الِاعْتِرَاضَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالرِّضَا بِذَلِكَ وَالْإِمْضَاءِ لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَوَارَثَانِ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَيُّهُمَا مَاتَ وَرِثَهُ الْآخَرُ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ يَنْظُرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ غِبْطَةً جَرَى فِيهِ الْمِيرَاثُ وَالصَّدَاقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غِبْطَةً فَلَا مِيرَاثَ فِيهِ وَلَا صَدَاقَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ عَفْوَ الْأَبِ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ إذَا طَلُقَتْ ابْنَتُهُ الْبِكْرُ جَائِزٌ بَلَغَتْ الْمَحِيضَ أَوْ لَمْ تَبْلُغْهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَلْقَمَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ.
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ لَيْسَ ذَلِكَ لِلْأَبِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ ﵀ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] قَالَ شُيُوخُنَا فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يُرِيدُ النِّسَاءَ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الْأَبُ فِي الْبِكْرِ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] يُرِيدُ الزَّوْجَ فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْوَلِيُّ بَلْ هُوَ الزَّوْجُ وَهَذَا الِاسْمُ أَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ أَمْلَكُ لِلْعَقْدِ مِنْ الْوَلِيِّ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الزَّوْجَ أَمْلَكُ بِالْعَقْدِ مِنْ الْأَبِ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ بَلْ أَبُ الْبِكْرِ يَمْلِكُهُ خَاصَّةً دُونَ الزَّوْجِ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ بُضْعُ الْبِكْرِ وَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى ذَلِكَ بَلْ الْأَبُ يَمْلِكُهُ، وَجَوَابٌ ثَانٍ أَنَّ وَضْعَ هَذَا الِاسْمِ عَلَى الْوَلِيِّ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا أَبْلَغُ صِفَاتِهِ مِنْ هَذَا الْعَقْدِ وَجَمِيعُ مَالِهِ مِنْهُ وَأَمَّا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ فَلَهُمَا فِي هَذَا الْعَقْدِ اسْمٌ أَخَصُّ مِنْ هَذَا الِاسْمِ وَهُوَ الزَّوْجُ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالْمَعْقُودُ لَهُ وَالْوَلِيُّ عَارٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَيْسَ لَهُ بِالْعَقْدِ تَعَلُّقٌ إلَّا أَنَّهُ عَاقِدُهُ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُفْهَمَ عِنْدَ إطْلَاقِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الزَّوْجُ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَجَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الزَّوْجَةُ لِأَنَّ بِيَدِهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ الْعَقْدِ وَأَنْ تُمْضِيَهُ، وَكَانَ لِآخَرَ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلِيِّ الزَّوْجُ لِأَنَّهُ يَلِي نَفْسَهُ وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَجَوَابٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا إنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْوَلِيُّ اسْتَوْعَبَتْ الْآيَةُ جِهَاتِ الزَّوْجِيَّةِ كُلَّهَا دُونَ تَكْرَارٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا وَلَا إخْلَالٍ بِجِهَةٍ مِنْ جِهَاتِهَا وَإِذَا حُمِلَ " الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ " عَلَى الزَّوْجِ لَمْ تَتَنَاوَلْ الْآيَةُ الْوَلِيَّ وَتَكَرَّرَ فِيهَا ذِكْرُ الزَّوْجِ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى لِأَنَّ حَمْلَ الْكَلَامِ عَلَى فَائِدَةٍ مُجَرَّدَةٍ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّكْرَارِ.
وَجَوَابٌ رَابِعٌ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَأَخْبَرَ عَنْ الزَّوْجَاتِ ثُمَّ قَالَ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَأَخْبَرَ عَنْ الْأَوْلِيَاءِ ثُمَّ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَخَاطَبَ الْأَزْوَاجَ الَّذِينَ اسْتَفْتَحَ مُوَاجَهَتَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]
стр. 969
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ تَحْتَ الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ تُسْلِمُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا: إنَّهُ لَا صَدَاقَ لَهَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ بِأَقَلَّ مِنْ رُبْعِ
ــ
[المنتقى]
وَلَمْ يُوَاجِهْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجَاتِ وَلَا الْأَوْلِيَاءَ وَلَوْ حُمِلَ قَوْلُهُ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] عَلَى الْأَزْوَاجِ لَكَانَ قَدْ وَاجَهَهُمْ بِالْخِطَابِ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ الْغَائِبِ ثُمَّ قَالَ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَعَادَ إلَى مُوَاجَهَتِهِمْ بِالْخِطَابِ وَهُوَ إنْ كَانَ سَائِغًا فَعَلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّجَوُّزِ وَالْعُدُولِ عَنْ الظَّاهِرِ وَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْلَى حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْعُدُولِ بِهِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الزَّوْجُ وَإِنَّمَا هِيَ لِتَفْضِيلِ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ عَلَى الْآخَرَ كَمَا نَقُولُ: عَفْوُ زَيْدٍ حَسَنٌ، وَعَفْوُ عَمْرٍو حَسَنٌ، وَعَفْوُ زَيْدٍ أَحْسَنُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْتُمْ لَقَالَ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَيَكُونُ قَوْلُهُ وَأَنْ يَعْفُوا بِالْيَاءِ وَنَصْبُ الْوَاوِ رَاجِعًا إلَى قَوْلِهِ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَعَلَى حُكْمِهِ فِي الْخِطَابِ عَنْ الْغَالِبِ، وَجَوَابُ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] إنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ عِنْدَنَا مُجَرَّدُ النَّدْبِ لِأَنَّ التَّفْضِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَقْدِ الزَّوْجَاتِ وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَلَيْسَ يَمْنَعُ مَا قُلْنَاهُ وَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يُرِيدُ الزَّوْجَاتِ أَوْ يَعْفُوَ الْوَلِيُّ وَأَنْ يَعْفُوَ الزَّوْجُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى فَيَكُونُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْعَفْوِ فَضِيلَةٌ وَلِعَفْوِ الزَّوْجِ مَزِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتِدْلَالٌ آخَرُ مِنْ الْآيَةِ وَهُوَ أَنَّ: قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى النِّصْفِ الَّذِي يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَوْ إلَى النِّصْفِ الَّذِي لِلزَّوْجِ وَلَمْ يُجِزْ لَهُ فِي الْآيَةِ ذِكْرٌ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا وَلِيٌّ يَمْلِكُ الْإِجْبَارَ عَلَى النِّكَاحِ فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ إسْقَاطَ نِصْفِ الْمَهْرِ قَبْلَ الْبِنَاءِ كَالسَّيِّدِ فِي أَمَتِهِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْبِنْتِ وَلَا تَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى ابْنِهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ إذَا أَسْلَمَتْ تَحْتَ الْكِتَابِيِّ فَلَا يَخْلُو أَنْ تُسْلِمَ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تُسْلِمَ قَبْلَ قَبْضِ الْمَهْرِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَالْقَبْضِ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الْمَهْرِ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ قِبَلِهَا تَتَيَقَّنُ كَمَا لَوْ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ وَجَدَتْ الزَّوْجَةُ بِالزَّوْجِ عَيْبًا فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ يَتَيَقَّنُ فِيهِ عُذْرُ الزَّوْجِ فَأَمَّا الْإِعْسَارُ بِالنَّفَقَةِ فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ عُسْرَهُ وَكَذَلِكَ الْمُعْتَرِضُ عَنْ امْرَأَتِهِ لِأَنَّهَا لَا تَتَيَقَّنُ وَلَعَلَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ الْوَطْءِ إضْرَارًا بِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَ قَبْضِ الْمَهْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مِمَّا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ تَمَلُّكُهُ أَوْ مِمَّا لَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحِلُّ لَهُ تَمَلُّكُهُ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَأَنْوَاعِ الطَّعَامِ رَدَّتْ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَى الزَّوْجِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا فُرْقَةٌ قَبْلَ الْبِنَاءِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ كَمَا لَمْ تَقْبِضْهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِمَّا قَبَضَتْهُ لَا نِصْفُ وَلَا غَيْرُهُ وَذَلِكَ سَاقِطٌ عَنْهَا لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهَذَا مُطَّرِدٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ مَنْ أَتْلَفَ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا لِذِمِّيٍّ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ عَلَيْهِ الْقِيمَةَ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا ابْتَاعَ مِنْ نَصْرَانِيٍّ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ دَفْعِ الثَّمَنِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الثَّمَنُ عِنْدِي.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ وَكَانَ الْمَهْرُ مِمَّا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ فَلَهَا مُطَالَبَتُهُ بِهِ وَأَخْذُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهَا تَمَلُّكُهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الْمَهْرِ وَهِيَ مُصِيبَةٌ حَلَّتْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا تَمَلُّكُ شَيْءٍ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَلَا يُقْضَى لَهَا بِهِ وَلَا يُقْضَى لَهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَبِحْ بُضْعَهَا إلَّا بِهِ.
стр. 970
دِينَارٍ وَذَلِكَ أَدْنَى مَا يَجِبُ بِهِ الْقَطْعُ)
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُنْكَحَ امْرَأَةٌ بِأَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضٍ قِيمَتِهِ ذَلِكَ وَهُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمَهْرِ لَا يَتَقَدَّرُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا أُحِبُّ الْإِغْرَاقَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَهْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَمَّا أَقَلُّ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ يَتَقَدَّرُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَتَقَدَّرُ وَيَجُوزُ عَقْدُهُ بِالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ وَالشَّيْءِ الطَّفِيفِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا سَبَبٌ لِاسْتِبَاحَةِ الْعُضْوِ بِمَالٍ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا كَالسَّرِقَةِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّ مَا قَصَرَ عَنْ رُبْعِ دِينَارٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا أَصْلُ ذَلِكَ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا كَقِشْرَةِ الْبَيْضَةِ وَفَلَقَةِ الْحَبَّةِ وَاسْتِدْلَالٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْمَقَادِيرَ تُؤَثِّرُ فِي الْعُقُودِ مَا لَا تُؤَثِّرُ الصِّفَاتُ وَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمِقْدَارِ تَمْنَعُ بَذْلَ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا مِنْ الْعَيْنِ وَغَيْرِهِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الزِّيَادَةَ فِي الصِّفَاتِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ النَّقْصَ فِي الصِّفَاتِ مُؤَثِّرٌ فِي صِحَّةِ الْمَهْرِ فَلَا يَجُوزُ بِالْقُرُونِ وَالْجِرَارِ الْمَكْسُورَةِ لِنُقْصَانِ صِفَاتِهَا فَبِأَنْ يُؤَثِّرَ نَقْصُ الْمِقْدَارِ فِي ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى.
١ -
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ أَقَلَّ الْمَهْرِ يَتَقَدَّرُ فَإِنَّ أَقَلَّهُ رُبْعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَأَجَازَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ النِّكَاحَ بِدِرْهَمٍ.
وَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ جَوَازُهُ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ أَقَلُّ ذَلِكَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ الْمَهْرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٌ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ يَدَ السَّارِقِ تُقْطَعُ بِرُبْعِ دِينَارٍ فَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ لَنَا ذَلِكَ نَقَلْنَا الْكَلَامَ إلَى الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَإِنْ سَلِمَ لَنَا قِسْنَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عُضْوٌ مُسْتَبَاحٌ بِمَالٍ فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِمَا أَقَلُّهُ رُبْعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ تَزَوَّجَ بِأَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ قَبْلَ الْبِنَاءِ بَيْنَ إتْمَامِ الثَّلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ الْفَسْخِ قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ سَحْنُونٌ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ يُفْسَخُ وَإِنْ أَتَمَّ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَإِذَا قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى فَإِنْ أَتَمَّ الْمَهْرَ فَهُوَ عَلَى نِكَاحِهِ وَإِنْ أَبَى مِنْ ذَلِكَ فُسِخَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا بِتَطْلِيقَةٍ وَكَانَ لَهَا نِصْفُ الدِّرْهَمَيْنِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لَا شَيْءَ لَهَا وَجْهُ قَوْلِنَا لَهَا نِصْفُ الدِّرْهَمَيْنِ أَنَّهُ صَدَاقٌ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّتِهِ فَلِذَلِكَ حُكِمَ لَهَا بِنِصْفِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ هَذَا مَهْرٌ فَسَخَ النِّكَاحَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ فَإِذَا فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَجِبْ نِصْفُهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْفَسَادُ فِي جِنْسِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ بَنَى بِهَا لَزِمَ النِّكَاحُ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَيَتِمُّ لَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْفَسَادَ فِي الْمَهْرِ فَإِذَا فَاتَ فُسِخَ النِّكَاحُ بِالْبِنَاءِ لَزِمَ الزَّوْجَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ جِنْسَ الْمَهْرِ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا دَخَلَ الْفَسَادُ فِي مِقْدَارِهِ فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُ فِي الْمِقْدَارِ لَا فِي الْجِنْسِ وَقَدْ رَضِيَتْ بِمَا دُونَ الرُّبْعِ دِينَارٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَإِذَا بَلَغَتْ رُبْعَ دِينَارٍ فَلَا زِيَادَةَ لَهَا عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ بِدِينَارٍ نَقْدًا وَدِينَارٍ مُؤَجَّلٍ إلَى مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ وَكَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفَ دِينَارٍ فَفَاتَ الْمَهْرُ بِالْبِنَاءِ أَنَّهَا لَا تُزَادُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الدِّينَارَيْنِ.
[الْفَسَادِ فِي الْمَهْر مِنْ جِهَةِ الْجِنْسِ وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَهْرِ مِنْ الْفَسَادِ مِنْ جِهَةِ الْجِنْسِ] ١
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَسَادَ يَدْخُلُ فِي الْمَهْرِ مِنْ جِهَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالثَّانِيَةُ مِنْ جِهَةِ الْجِنْسِ وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَهْرِ مِنْ الْفَسَادِ مِنْ جِهَةِ الْجِنْسِ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ النِّكَاحِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى ذَلِكَ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَهْرِ مِنْ الْفَسَادِ مِنْ جِهَةِ الْجِنْسِ) الْمَهْرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مَنَافِعُ وَأَعْيَانٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي حُكْمِ الْمَنَافِعِ وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي حُكْمِ الْأَعْيَانِ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَعْيَانَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْحَيَوَانِ
стр. 971
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالْعُرُوضِ وَضَرْبٌ لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَحْرَارِ مِنْ بَنِي آدَمَ فَأَمَّا مَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ فَإِنَّهُ عَلَى قِسْمَيْنِ مُعَيَّنٌ وَغَيْرُ مُعَيَّنٍ فَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ عُذْرٌ غَالِبٌ وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ فَأَمَّا الْحَاضِرُ فَيَجُوزُ النِّكَاحُ بِهِ كَالنِّكَاحِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ جُزَافًا أَوْ غَيْرَ جُزَافٍ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَأَمَّا مَا يَكُونُ فِيهِ عُذْرٌ غَالِبٌ كَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَإِنَّ الْقَاضِي أَبَا مُحَمَّدٍ قَالَ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِ الْعَقْدِ بِهِ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِمُعَيَّنٍ لَا يَمْلِكُهُ النَّاكِحُ كَدَارِ زَيْدٍ وَعَبْدِ عَمْرٍو رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ الْأَعْيَانُ غَائِبَةً كَالْعَبْدِ الْغَائِبِ عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا جِدًّا كَخُرَاسَانَ وَالْأَنْدَلُسِ فَأَكْرَهُهُ لِانْقِطَاعِ خَبَرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ إفْرِيقِيَةَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ مِمَّا لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ جَازَ دُخُولُ النَّاكِحِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فَإِنْ قَدَّمَ رُبْعَ دِينَارٍ وَإِنْ سَمَّاهُ مَعَ الْعَبْدِ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ عَلَى مِثْلِ الشَّهْرِ وَالْعَشَرَةِ أَيَّامٍ جَازَ لِلنَّاكِحِ الْبِنَاءُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ رُبْعَ دِينَارٍ وَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ الْمُعَيَّنُ الْغَائِبُ وَالْأَرْضُ الْغَائِبَةُ إلَّا مَوْصُوفَةً قَرُبَتْ الْغَيْبَةُ أَوْ بَعُدَتْ وَلَوْ كَانَ فِي الْمَنْزِلِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ لِأَنَّهُ إذَا عُدِمَتْ الرُّؤْيَةُ وَالصِّفَةُ كَانَ مَجْهُولًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ لَا يُسْتَدَامُ مِلْكُهُ وَضَرْبٌ لَا يُمْلَكُ جُمْلَةً وَضَرْبٌ ثَالِثٌ يُمْنَعُ مِنْ تَمَلُّكِهِ حَقُّ الْغَيْرِ فَأَمَّا مَا لَا يُسْتَدَامُ تَمَلُّكُهُ فَمِثْلُ أَنْ يَصْدُقَهَا أَبَاهَا وَمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهَا مِنْ ابْنٍ أَوْ أَخٍ فَقَدْ رَوَى فِي الْمُخْتَصَرِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّهَا تَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ وَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَكُونُ عِوَضًا فِي النِّكَاحِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَيُعْتَقُ عَلَيْهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُوسِرَةً أَوْ مُعْسِرَةً لِأَنَّهُ لَمَّا أَصْدَقَهَا مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهَا فَقَدْ أَذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَمْهَرَهَا عَبْدًا يَكُونُ لِغَيْرِهَا لَا صَدَاقَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَ أَبَاهَا أَوْ أَحَدًا مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهَا وَهُوَ فِي مِلْكِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ النِّكَاحُ مَفْسُوخٌ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِمَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَمْلِكَهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحُرِّ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَقْدُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ الْعَقْدُ صَحِيحٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا لِحَقِّ اللَّهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ فَاسِدًا كَالْبُضْعِ فِي نِكَاحِ الشِّغَارِ وَإِذَا تَزَوَّجَهَا بِحُرٍّ فَقَدْ رَوَى الْعُتْبِيُّ عَنْ أَصْبَغَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ إذَا عَرَفَا حُرِّيَّتَهُ وَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُفْسَخْ وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُفْسَخُ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا يَصْلُحُ أَنْ تَمْلِكَهُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ حَقُّ الْغَيْرِ كَالدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ كَالِابْنِ الصَّغِيرِ فِي وِلَايَتِهِ فَإِنَّ ابْنَ حَبِيبٍ قَالَ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا يَوْمَ الْإِمْهَارِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِلزَّوْجَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ وَذَلِكَ مِثْلُ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ سَوَاءٌ بَنَى بِهَا أَوْ لَمْ يَبْنِ قَرُبَ ذَلِكَ أَوْ بَعُدَ عَلِمَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ عَرَضًا كَانَ أَوْ رَقِيقًا أَوْ غَيْرَهُ وَيَتْبَعُ الِابْنُ الْأَبَ بِقِيمَةِ مَالِهِ فِيمَا حَكَمْنَا بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمِثْلِهِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ لِلْمَرْأَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا شَيْءَ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَاوَضَ بِمَالِ ابْنِهِ الَّذِي يَلِيهِ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ الْأَبِ وَغِنَاهُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ
стр. 972
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِهْلَاكَ مَالِ ابْنِهِ وَلَا مَالَ لَهُ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لِأَجْنَبِيٍّ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لِلِابْنِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّهُ لَهُ وَإِنْ بَنَى أَبُوهُ بِالْمَرْأَةِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ إنَّمَا ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَبْنِ بِهَا فَإِنْ بَنَى بِهَا فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ أَخَذَ مَالَ ابْنِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ يَصِيرُ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِمَنْ صَيَّرَهُ اللَّهُ كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لِأَجْنَبِيٍّ وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ فِيهِ قَدْ تَمَّتْ لِاسْتِيفَائِهِ الْبُضْعَ بِخِلَافِ الْهِبَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهَذَا مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ الْإِمَامُ إلَى الْأَبِ فِي أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ بِمَالِ ابْنِهِ فَإِنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مِنْهُ لِشَيْءٍ وَالِابْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ فِي عَدَمِ الْأَبِ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَقَدُّمَ الْإِمَامِ حُكْمٌ يُمْنَعُ مِنْهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ كَالْكَبِيرِ أَوْ وَلَدِ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْ الْمَرْأَةِ إنْ وُجِدَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا لَبِسَتْهُ أَوْ طَعَامًا أَكَلَتْهُ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَوَاءٌ عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ابْتَاعَ مِنْ غَاصِبٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَهْلَكَ مَا ابْتَاعَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا سَرَقَهُ أَوْ غَصَبَهُ فَقَدْ رَوَى الْعُتْبِيُّ عَنْ سَحْنُونَ أَنَّ النِّكَاحَ ثَابِتٌ إنْ لَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ الزَّوْجَةُ وَإِنْ عَلِمَتْ بِذَلِكَ فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَتَثْبُتُ بَعْدَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُعَيَّنَةٍ وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ مِنْهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي النِّكَاحِ وَقَدْ يَخْتَلِفَانِ فِي مَعْنَى الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِعَبْدٍ فِي ذِمَّتِهِ غَيْرِ مَوْصُوفٍ وَمَا الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى اتِّفَاقُهُمْ عَلَى جَوَازِ النِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَفِيهِ مِنْ الْغَرَرِ أَكْثَرُ لِمَا جَوَّزْنَاهُ مَعَ إسْنَادِهِ إلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ عَبِيدِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الْقِيمَةُ الْوُسْطَى يَوْمَ الْعَقْدِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَكُونُ لَهُ مَعَ عَدَمِ الْجِنْسِ غَالِبُ رَقِيقِ الْبَلَدِ مِنْ السُّودَانِ أَوْ الْحُمْرَانِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فَلَهَا نِصْفُهُمْ مِنْ الْحُمْرَانِ وَنِصْفُهُمْ مِنْ السُّودَانِ قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْإِنَاثُ إنْ لَمْ يَذْكُرْ ذُكُورًا وَلَا إنَاثًا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَيْهِ الْإِنَاثُ لِأَنَّهُ عُرْفُ النَّاسِ وَأَنْ تُجَهِّزَهَا بِجِهَازِ بَيْتٍ جَازَ ذَلِكَ وَلَهَا الْوَسَطُ مِنْ جِهَازِ مِثْلِهَا مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ إنْ كَانَتْ حَضَرِيَّةً أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إنْ كَانَتْ بَدَوِيَّةً رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ النِّكَاحِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى ذَلِكَ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ النِّكَاحِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى ذَلِكَ) إذَا وَقَعَ الْفَسَادُ فِي النِّكَاحِ لِفَسَادِ الْمَهْرِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ ابْتِدَاءً فَإِنْ وَقَعَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يُفْسَخُ الْعَقْدُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَالْأُخْرَى يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَيَجِبُ صَدَاقُ الْمِثْلِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا إنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ وَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْمَهْرِ وَيَجِبُ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْعَقْدَ فَاسِدٌ فَوَجْهُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فَعَلَّقَ الْإِحْلَالَ بِشَرْطِ أَنْ نَبْتَغِيَ بِأَمْوَالِنَا، وَالْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ لَيْسَ بِمَالٍ لَنَا وَهَذَا عِنْدِي عَلَى الْقَوْلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ بِفَسَادِ الْعِوَضِ كَالْبَيْعِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي النِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ النِّكَاحُ بِتَحْرِيمِهِ كَتَحْرِيمِ الْبُضْعِ وَوَجْهُ التَّصْحِيحِ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ مَقْصُودُهُ الْمُكَارَمَةُ وَالْمُوَاصَلَةُ فَلِذَلِكَ يَفْسُدُ بِفَسَادِ الثَّمَنِ وَلِذَلِكَ جَازَ عَقْدُ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ.
(فَرْعٌ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ بِلَفْظِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ مَالِكٍ يُفْسَخُ قَبْلَ
стр. 973
إرْخَاءُ السُّتُورِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الْمَرْأَةِ إذَا تَزَوَّجَهَا الرَّجُلُ أَنَّهُ إذَا أُرْخِيَتْ السُّتُورُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَقُولُ إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ فَأُرْخِيَتْ عَلَيْهِمَا السُّتُورُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا صُدِّقَ عَلَيْهَا فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ صُدِّقَتْ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ أَرَى ذَلِكَ فِي الْمَسِيسِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا فَقَالَتْ قَدْ مَسَّنِي وَقَالَ لَمْ أَمَسَّهَا صُدِّقَ عَلَيْهَا فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ
ــ
[المنتقى]
الدُّخُولِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْإِيجَابِ تَغْلِيظًا وَعُقُوبَةً وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ احْتِيَاطًا وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ فَإِنْ وَقَعَ الدُّخُولُ لَمْ يَفْسُدْ لِأَنَّ الصَّدَاقَ قَدْ وَجَبَ فَلَا يُوجَدُ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ رَدْعًا يُرِيدُ أَنَّهُ يَكُونُ الرُّجُوعُ بِمَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّلْقَةِ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَتْ إلَيْهِ عَلَى طَلْقَتَيْنِ وَقَوْلُهُ فِي وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ إنَّهُ إذَا وَقَعَ الدُّخُولُ وَجَبَ الصَّدَاقُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فَلَمْ يُفْسَخْ يَطْرُدُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ الْفَسْخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَاجِبٌ بِفَسَادِ الْمَهْرِ فَلَمَّا انْتَقَلَ بِالْبِنَاءِ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ صَحَّ وَعَرَا النِّكَاحُ عَنْ فَسَادِ الْمَهْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْفَسْخَ وَاجِبٌ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَى الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا حِينَ أَلْزَمَهُمْ الْمُخَالِفُ أَنَّ الْعَقْدَ إنْ كَانَ انْعَقَدَ عَلَى الْفَسَادِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ بِالْبِنَاءِ وَمَا قَالَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ جَازَ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِفَسَادِ الْعِوَضِ يُفْسَخُ قَبْلَ الْفَوَاتِ وَلَا يُفْسَخُ بَعْدَ الْفَوَاتِ وَمَا قَالَهُ الْمُخَالِفُ غَيْرُ لَازِمٍ وَقَدْ بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِ السِّرَاجِ بِمَا يُغْنِي النَّاظِرَ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
[إرْخَاءُ السُّتُورِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ إذَا أُرْخِيَتْ السُّتُورُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ يُرِيدُ إذَا خَلَا الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ وَانْفَرَدَ انْفِرَادًا بَيِّنًا فَقَدْ وَجَبَ إكْمَالُ الصَّدَاقِ عَلَى الزَّوْجِ وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ بِالْخَلْوَةِ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إكْمَالُ الصَّدَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَسِيسُ غَيْرَ أَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْحَدِيثِ إذَا أُرْخِيَتْ السُّتُورُ الْخَلْوَةُ وَأُرِيدَ بِقَوْلِهِ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الْمَسِيسَ بِمَعْنَى أَنَّ الْخَلْوَةَ شَهَادَةٌ لَهَا جَارِيَةٌ أَنَّ الرَّجُلَ مَتَى خَلَا بِامْرَأَتِهِ أَوَّلَ خَلْوَةٍ مَعَ الْحِرْصِ عَلَيْهِ وَالتَّشَوُّفِ إلَيْهَا فَإِنَّهُ قَلَّمَا يُفَارِقُهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهَا فَهَذَا الَّذِي أَرَادَ بِقَوْلِهِ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الصَّدَاقَ يَجِبُ بِنَفْسِ الْخَلْوَةِ وَإِنْ عَرَا مِنْ الْمَسِيسِ قَالَ وَقَدْ أَحْكَمَ كِتَابُ اللَّهِ هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَابْنُ حَبِيبٍ وَبِهَذَا قَالَ مِنْ الصَّحَابَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَادَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَطَاوُسٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكْمِلُ الصَّدَاقَ بِنَفْسِ الْخَلْوَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَبِهِ قَالَ مِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَمِنْ التَّابِعِينَ الزُّهْرِيُّ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَزَيْدٍ فَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ مَالِكٍ لَهُمَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ عَلِيٍّ يَحْتَمِلُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ التَّأْوِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَهَذَا قَدْ طَلَّقَ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ خَلْوَةٌ عَرِيَتْ عَنْ الْمُتْعَةِ فَلَا يَجِبُ بِهَا كَمَالُ الصَّدَاقِ أَصْلُهُ إذَا كَانَ بِمَحْضَرِ الْحُكْمِ أَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا.
стр. 974
فَقَالَ لَمْ أَمَسَّهَا وَقَالَتْ وَقَدْ مَسَّنِي صُدِّقَتْ عَلَيْهِ) .
الْمُقَامُ عِنْدَ الْأَيِّمِ وَالْبِكْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ هَذَا خِلَافٌ لِمَا تَأَوَّلَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حَمَلُوا قَوْلَ عُمَرَ عَلَى أَنَّ بِالْخَلْوَةِ حَيْثُ كَانَتْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجَةِ فِي دَعْوَى الْمَسِيسِ وَإِنْ أَنْكَرَهُ الزَّوْجُ وَحَمَلُوا قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ هَذَا عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِذَاذِ بِالزَّوْجَةِ وَالْقُبَلِ دُونَ الْبِنَاءِ فَقَالَ إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْخَلْوَةُ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي إنْكَارِ الْمَسِيسِ وَإِنْ كَانَ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ فِي دَعْوَى الْمَسِيسِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ انْبِسَاطِ الزَّوْجِ وَقِلَّةِ هَيْبَتِهِ فِي مَنْزِلِهِ وَمَا جُبِلَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الِانْقِبَاضِ وَالْهَيْبَةِ وَالْحَيَاءِ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي يَزُورُ فِيهِ فَأَمَّا خَلْوَةُ السُّفَلَاءِ فَحَيْثُ كَانَتْ أَوْجَبَتْ تَصْدِيقَ الزَّوْجَةِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ بِكِلَا الْقَوْلَيْنِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ حَيْثُ أَخَذَ الْغَلْقُ الزَّوْجَيْنِ فِي أَهْلِهِ أَوْ فِي أَهْلِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ إنْ ادَّعَتْ الْمَسِيسَ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ وَهْبٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَقَرَّ بِالْخَلْوَةِ أَوْ قَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ فَحُكْمُهُ مَا قُلْنَاهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَلَا إقْرَارٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ فِي دَعْوَى الْمَسِيسِ عَلَيْهِ إنْ أَنْكَرَ الْخَلْوَةَ وَادَّعَتْ ذَلِكَ الزَّوْجَةُ قَالَ وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ إذَا ادَّعَتْ الْمَسِيسَ فِي أَهْلِهَا وَقَدْ عُرِفَ اخْتِلَافُهُ إلَيْهَا أَوْ لَمْ يُعْرَفْ لَزِمَهُ الْيَمِينُ فِي الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ جَمِيعَ الصَّدَاقِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي اسْتِصْحَابِ حَالِ الْفِعْلِ عَدَمُ مَا يَشْهَدُ لَهَا وَيُجْعَلُ قَوْلُهَا الْأَظْهَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَهَذِهِ فَائِدَةُ يَمِينِهِ وَإِنْ نَكَلَ فَعَلَيْهِ الصَّدَاقُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْيَمِينَ تُرَدُّ عَلَى الْمَرْأَةِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَتْ ثَيِّبًا وَدَعَا الزَّوْجُ إلَى أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ هِيَ مُصَدَّقَةٌ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الَّتِي تُنْكِرُ الْوَطْءَ وَالزَّوْجُ يَدَّعِيهِ إنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِي الْبِكْرِ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا مِثْلُهُ.
(فَرْعٌ) وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزَّوْجَةُ فِي حَالٍ يَحِلُّ وَطْؤُهَا أَوْ لَا يَحِلُّ كَالصَّائِمَةِ فِي رَمَضَانَ وَالْمُحْرِمَةِ وَالْحَائِضِ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ كَانَتْ الْخَلْوَةُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا كَانَ النِّكَاحُ مِمَّا يُفْسَخُ وَلَا يُقَرُّ عَلَيْهِ بِحَالٍ أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ إذَا أُرْخِيَتْ السُّتُورُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَجِبُ بِهِ إكْمَالُ الْمَهْرِ مَعَ خَلْوَةِ الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فَوَجَبَ أَنْ يُكْمِلَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَالْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُوجِبَ عِنْدَنَا فِي كَمَالِ الصَّدَاقِ بِالْبِنَاءِ هُوَ الْوَطْءُ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ شُيُوخِنَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ وَإِحْلَالِ الْمُطَلَّقَةِ وَإِفْسَادِ الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ فَأَمَّا الْخَلْوَةُ وَالتَّلَذُّذُ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَ التَّلَذُّذُ فِي الْخَلْوَةِ أَوْ الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَأَمَّا إذَا قَامَ مَعَهَا الْمُدَّةُ الطَّوِيلَةُ كَالْعَامِ وَنَحْوِهِ فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ لَهَا جَمِيعَ الْمَهْرِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهَا وَوَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ لَهَا جَمِيعَ الْمَهْرِ إتْمَامُ الْمَهْرِ عِوَضًا مِنْ طُولِ تَلَذُّذِهِ بِهَا وَتَغْيِيرِهِ لِجِهَازِهَا وَوَجْهُ قَوْلِنَا لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ أَنَّهُ نِكَاحٌ عُرِّيَ عَنْ الْمَسِيسِ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ بِالطَّلَاقِ غَيْرُ نِصْفِ الْمَهْرِ أَصْلُهُ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ.
стр. 975
وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قَالَ لَهَا لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ إنْ شِئْت سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ فَقَالَتْ ثَلِّثْ» )
ــ
[المنتقى]
[الْمُقَامُ عِنْدَ الْأَيِّمِ وَالْبِكْرِ]
(ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ» يَقْتَضِي أَنَّهُ قَالَ لَهَا ذَلِكَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ أَصْبَحَتْ فِيهِ عِنْدَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ، الْبِكْرُ سَبْعٌ وَالثَّيِّبُ ثَلَاثٌ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهَا ذَلِكَ ﷺ أَوَّلَ يَوْمٍ فَاخْتَارَتْ الثَّلَاثَةَ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ حِينَ تَعَلَّقَتْ بِثَوْبِهِ إعَادَةً لِلتَّخْيِيرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ» يُرِيدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِهَيِّنَةٍ عَلَيْهِ بَلْ يُرِيدُ إكْرَامَهَا وَمُوَافَقَةَ إرَادَتِهَا فِي الْمَقَامِ عِنْدَهَا وَأَنَّهُ إنْ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ عِنْدَ الْبِكْرِ سَبْعٌ فَلَيْسَ لِهَوَانِهَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ سَائِرِ الزَّوْجَاتِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَقَامِ عِنْدَهَا فَإِنْ سَبَّعَ عِنْدَهَا وَزَادَ عَلَى الْمَقَامِ عِنْدَ الثَّيِّبِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْضِيَ سَائِرَ نِسَائِهِ مِنْ الْمُدَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَسْقُطُ حُكْمُ الثَّلَاثِ عِنْدَ الثَّيِّبِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لَهَا فِي مَقَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَّصِلَ بِمَا بَعْدَهَا فَيَسْقُطُ لِذَلِكَ حُكْمُ الثَّلَاثِ وَيَبْقَى مُجَرَّدُ التَّسْبِيعِ تَضَمُّنًا لِإِرَادَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ فَلَا بُدَّ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ اقْتَصَرَتْ عَلَى الْحَقِّ الْوَاجِبِ لَهَا مِنْ التَّثْلِيثِ لَمْ يَقْضِ سَائِرَ الْأَزْوَاجِ شَيْئًا وَاسْتَأْنَفَ الْقِسْمَةَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَقَامَ عِنْدَ الثَّيِّبِ حَقٌّ لَا يَقْضِي بِهِ سَائِرَ الزَّوْجَاتِ مَقَامًا وَلَا لَهُنَّ فِيهِ اعْتِرَاضٌ لِتَعْلِيقِهِ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ أُمِّ سَلَمَةَ دُونَ مَشِيئَتِهِنَّ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.
قَالَ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا كَانَ حَقًّا لَهُ جَازَ لَهُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ وَإِذَا كَانَ حَقًّا لِلزَّوْجَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُهُ إلَّا بِإِذْنِهَا.
فَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ إنْ شِئْتَ سَبَّعْتَ عِنْدَكَ وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ وَدُرْتُ» فَأَخْبَرَ بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَامِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِهَا لِأَنَّ الْإِكْرَامَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي إيتَاءِ الْحُقُوقِ وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي إعْطَاءِ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ لِلْمَكْرُومِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهَا لَقَالَ لَيْسَ بِنَا مُنِعَ حَقُّك وَوَجْهُ قَوْلِنَا بِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ.
وَقَدْ أَسْنَدَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْغَرَضَ تَأْنِيسُ الْمَرْأَةِ وَبَسْطُهَا وَإِذْهَابُ مَا يَلْحَقُهَا مِنْ الِانْقِبَاضِ وَالْخَجَلِ وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهَا وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا جَمِيعًا وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ عِنْدِي.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ فَهَلْ يَقْضِي بِهِ عَلَى الزَّوْجِ أَمْ لَا؟ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ هُوَ حَقٌّ عَلَيْهِ وَلَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ كَالْمُتْعَةِ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ.
فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ سَبَبُهُ الْمُكَارَمَةُ فَلَمْ يُقْضَ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ كَالْإِمْتَاعِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ مِنْ الْمَقَامِ عِنْدَهَا فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِهِ عَلَى الزَّوْجِ كَالْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِلزَّوْجَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُهَا رَوَى أَبُو الْفَرْجِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِسَاءٌ غَيْرَهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَلْزَمُهُ الْمَقَامُ عِنْدَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ التَّأْنِيسُ وَحَاجَتُهَا إلَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا كَحَاجَتِهَا إذَا كَانَ لَهُ غَيْرُهَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا مَقَامٌ عِنْدَ الزَّوْجَةِ فَلَا يَلْزَمُ مَنْ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا كَالْقَسَمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ» يُرِيدُ التَّخْيِيرَ لَهَا فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ
стр. 976
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرَ الَّتِي تَزَوَّجَ فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَنْ تَمْضِيَ أَيَّامُ الَّتِي تَزَوَّجَ بِالسَّوَاءِ وَلَا يَحْسِبُ عَلَى الَّتِي تَزَوَّجَ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا) .
ــ
[المنتقى]
إنْ اخْتَارَتْ التَّسْبِيعَ قَضَى سَائِرَ نِسَائِهِ سَبْعًا سَبْعًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُخَيِّرُهَا فِي ذَلِكَ وَقَدْ مَضَتْ السُّنَّةُ بِأَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ التَّعَلُّقُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي التَّعَلُّقُ بِمَا يَثْبُتُ مِنْ الْفِعْلِ فَصَارَ ذَلِكَ حُكْمًا عَلَى جَمِيعِ الزَّوْجَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) .
(ش) : قَوْلُهُ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ وَلَوْ كَانَ حَقًّا لِلزَّوْجِ لَقَالَ لِلزَّوْجِ فِي الْبِكْرِ سَبْعٌ وَفِي الثَّيِّبِ ثَلَاثٌ وَبِهَذَا قَالَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَسٌ وَمِنْ التَّابِعِينَ فَمِنْ بَعْدِهِمْ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِلْبِكْرِ ثَلَاثٌ ثُمَّ يَقْسِمُ وَلِلثَّيِّبِ يَوْمَانِ ثُمَّ يَقْسِمُ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا تُفَضَّلُ الْجَدِيدَةُ عَلَى الْقَدِيمَةِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَخَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ» قَالَ أَبُو قِلَابَةَ وَلَوْ شِئْت لَقُلْت إنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الطَّارِئَةَ يَلْحَقُهَا مِنْ الِاسْتِيحَاشِ وَالِانْقِبَاضِ مَا يَحْتَاجُ بِهِ إلَى التَّأْنِيسِ وَذَاكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِطُولِ الْمَقَامِ عِنْدَهَا وَلَمَّا كَانَتْ الْبِكْرُ أَكْثَرَ حَيَاءً وَانْقِبَاضًا احْتَاجَتْ مِنْ التَّأْنِيسِ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَاجُهُ الثَّيِّبُ وَهَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى أَصْلِ مَنْ جَعَلَهُ حَقًّا لِلزَّوْجَةِ وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ مَنْ جَعَلَهُ حَقًّا لِلزَّوْجِ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَمَّا كَانَ الْتِذَاذُ الزَّوْجِ بِالطَّارِئَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْتِذَاذِهِ بِالْقَدِيمَةِ جُعِلَ لَهُ مِنْ الْمَقَامِ عِنْدَهَا مَا يَصِلُ بِهِ إلَى ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَالْحُرَّةُ كَالْأَمَةِ فِي ذَلِكَ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا زَوْجَةٌ تَحْتَاجُ إلَى التَّأْنِيسِ كَالْحُرَّةِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَتَخَلَّفُ الْعَرُوسُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا قَالَ سَحْنُونٌ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَذَلِكَ لَهَا بِالسُّنَّةِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ حَقًّا لِلزَّوْجِ فَإِنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَمْلِكُهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَهَا فَإِنَّهَا لَا تَمْلِكُ مِنْهُ إلَّا مَا زَادَ عَلَى وَقْتِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ سَحْنُونَ أَنَّ مَنْ مَلَكَ مَنَافِعَ أَجِيرٍ فِي مُدَّةٍ مَا فَإِنَّهُ تَسْقُطُ بِذَلِكَ عَنْهُ فَرَائِضُ الْجُمُعَةِ وَحُقُوقُ إتْيَانِ الْجَمَاعَاتِ كَالسَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَكَانَ عِنْدَهُ غَيْرُهَا فَأَقَامَ عِنْدَ الْحَدِيثَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْمَقَامِ الثَّابِتِ فِي حَقِّهَا فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَدِيمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ وَبِأَيَّتِهِمَا يَبْدَأُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يَبْدَأُ بِأَيَّتِهِمَا أَحَبَّ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْقَدِيمَةِ كَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الْأُخْرَى خَرَجَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَيُّ وَقْتٍ يَبْدَأُ بِالْمَشْيِ عَلَى نِسَائِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِاللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ أَوْ بِالنَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يُكْمِلَ لِلْوَاحِدَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً هُوَ التَّخَيُّرُ فِي أَنْ يَبْدَأَ بِأَيِّ الزَّمَانَيْنِ شَاءَ عَلَى أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ أَقْوَالِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِاللَّيْلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْسِمَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ يَوْمَيْنِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَلَوْ جَازَ لَجَازَ ثَلَاثًا وَأَرْبَعًا وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ» وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ فِي تَطْوِيلِ الْمُدَّةِ عَلَى النِّسَاءِ بِالتَّغَيُّبِ عَنْهُنَّ إضْرَارًا بِهِنَّ وَمَا قَصَّرَ مِنْ مُدَّةِ مَغِيبِهِ عَنْهُنَّ أَرْفَقُ بِهِنَّ وَلَيْسَ فِي الْمَدَدِ مَا يَتَبَيَّنُ تَحْدِيدُهُ وَيُمْكِنُ التَّسَاوِي فِيهِ أَقْصَرُ مِنْ مُدَّةِ يَوْمٍ لَيْلَةٍ.
(فَرْعٌ) وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ
стр. 977
مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَشْتَرِطُ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ لَا يَخْرُجَ بِهَا مِنْ بَلَدِهَا فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَخْرُجُ بِهَا إنْ شَاءَ) .
ــ
[المنتقى]
وَالصَّحِيحَةُ وَالْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا تُوطَأُ وَالرَّتْقَاءُ وَغَيْرُهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى اسْتَمْسَكَ بِهِنَّ فَحَقُّهُنَّ مُتَسَاوٍ فِي الزَّوْجِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَى بَيْنَهُمْ فِي الْقِسْمَةِ.
[مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ]
(ش) : قَوْلُهُ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي تَشْتَرِطُ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ لَا يَخْرُجَ بِهَا مِنْ بَلَدِهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا إنْ شَاءَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْحُكْمِ وَأَمَّا عَلَى الْوَفَاءِ لَهَا مَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنْ لَا يَمْنَعَهَا الْخُرُوجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفِيَ لَهَا بِذَلِكَ وَلَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَفِيَ لَهَا بِمَا شَرَطَ وَأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلزَّوْجِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ عَلَيْهِ مَا الْتَزَمَ مِنْ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعَلَّقَةً بِيَمِينٍ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَضَى بِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوَفُّوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» وَتَعْلِيقُ ذَلِكَ بِالْوَفَاءِ لَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ إلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْجُمْلَةِ مَكْرُوهَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَكْرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ الشُّرُوطَ فِي النِّكَاحِ وَإِيقَاعَ شَهَادَتِهِمْ عَلَيْهَا وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْعُتْبِيِّ إنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يَنْكِحَ عَلَى مِثْلِ هَذَا أَحَدٌ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ بَلَدِهَا وَلَا يَمْنَعُهَا مِنْ دَاخِلٍ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَلَا يَمْنَعُهَا مِنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ قَالَ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا إذًا مِلْكًا تَامًّا، وَلَا يُسْتَبَاحُ الْبُضْعُ إلَّا بِمِلْكٍ تَامٍّ وَيُكْرَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي تَمَلُّكِهِ هَذِهِ الشُّرُوطَ الَّتِي تَمْنَعُ تَمَامَ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ شُرِطَتْ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ قَالَ مَالِكٌ وَلَقَدْ أَشَرْت مُنْذُ زَمَانٍ أَنْ أَنْهَى النَّاسَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا بِالشُّرُوطِ وَأَنْ لَا يَتَزَوَّجُوا إلَّا عَلَى دِينِ الرَّجُلِ وَأَمَانَتِهِ وَأَنَّهُ كَتَبَ بِذَلِكَ كِتَابًا وَصِيحَ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا بَالُ النَّاسِ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ» إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ فِي النِّكَاحِ وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ مُؤَثِّرَةً فِيهِ فَأَمَّا الَّتِي لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ فَهِيَ الَّتِي لَا تُؤَثِّرُ فِي جَهَالَةِ الْمَهْرِ وَلَا تُغَيِّرُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مِثْلُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَلَا يَتَّخِذَ أُمَّ وَلَدٍ وَلَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الشَّرْطِ فَهَذِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَبْلُغُ مِنْ كَرَاهِيَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَهَا أَنْ تَكُونَ حَرَامًا أَوْ يُفْسَخَ بِهَا النِّكَاحُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَشْتَرِطَ هَذَا الشَّرْطَ وَلَا يُسْقِطَ لَهَا شَيْئًا بِهِ أَوْ يَشْتَرِطُهُ وَيُسْقِطُ لَهَا بِهِ حَقًّا فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْوَفَاءِ بِهِ وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِنْ أَسْقَطَتْ بِسَبَبِهِ حَقًّا مِنْ مَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تُسْقِطَهُ حِينَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ إسْقَاطُهَا حِينَ الْعَقْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فَسَادًا فِي الْعَقْدِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْمَهْرِ فَلَمْ تُوجِبْ فِيهِ فَسَادًا، أَصْلُ ذَلِكَ إذَا شَرَطَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُخْرِجُهَا وَلَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَسْقَطَتْهُ إيَّاهُ وَرَوَى
стр. 978
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ أَنْ لَا أَنْكِحَ عَلَيْك وَلَا أَتَسَرَّى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقَةٍ فَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ) .
ــ
[المنتقى]
أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ بَقِيَ لَهَا مِنْ الْمَهْرِ مِثْلُ مَهْرِ مِثْلِهَا لَمْ تَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِثْلِهَا فَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ تُرَدُّ إلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَمِثْلُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا وَضَعَتْ فَتَأْخُذُهُ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ بِمَا وَضَعَتْ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ مَا أَسْقَطَتْهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا قَطُّ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَذْكُرُ فِي النِّكَاحِ لِلسُّمْعَةِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ذَكَرَهُ فِي الصَّدَاقِ وَلَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ أَنْ يُثْبِتَهُ لَهَا فِي ذِمَّتِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ عِوَضٌ أَسْقَطَتْهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَمْ يَصِحَّ لَهَا فَوَجَبَ أَنْ تَرْجِعَ بِمَا بَذَلَتْهُ مِنْ الْعِوَضِ أَصْلُ ذَلِكَ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ أَسْقَطَتْ بَعْضَ مَهْرِهَا بَعْدَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ فَشَرَطَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شُرُوطًا قَالَ مُحَمَّدٌ مِثْلُ أَنْ لَا يُخْرِجَهَا وَلَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا غَيْرَهَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيمَا وَضَعَتْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِمَّا اسْتَقَرَّ مِلْكُهَا عَلَيْهِ فَإِذَا عَوَّضَتْهُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَفِ لَهَا بِهِ وَجَبَ رَدُّ ذَلِكَ إلَيْهَا كَمَا لَوْ أَعْطَتْهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا الَّذِي بِيَدِهَا.
١ -
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَهُوَ مَا أَثَّرَ جَهَالَةً فِي الْمَهْرِ أَوْ غَيَّرَ بَعْضَ مَا اقْتَضَى الْعَقْدُ كَالْخِيَارِ وَنَحْوِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِشَرْطِ أَنَّ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ كَذَا فِي كُلِّ شَهْرٍ وَتَشْتَرِطُ نَفَقَةَ خَدَمٍ لَهَا أَوْ نَفَقَةَ ابْنِهَا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ عَلَى أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا فَهَذَا كُلُّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَيَسْقُطُ الشَّرْطُ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ قَدْ أَثَّرَ جَهَالَةً فِي الْعِوَضِ فَفَسَدَ لِذَلِكَ الْعَقْدُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ مُجَرَّدَ الشَّرْطِ لَا يَلْزَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ شَرَطَ بِهَا أَنْ لَا يَنْكِحَ عَلَيْهَا وَلَا يَتَسَرَّى مَعَهَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ إلَّا أَنْ يُقَيِّدَ الزَّوْجُ ذَلِكَ بِيَمِينٍ فَتَلْزَمُهُ تِلْكَ الْيَمِينُ سَوَاءٌ عَلَّقَ يَمِينَهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ الَّتِي تَلْزَمُ إلَّا أَنَّ الَّذِي يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَأَمَّا مَا يَحْلِفُ بِهِ مِنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَوْ الْمَشْيِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ خَالَفَ مَا حَلَفَ لَهَا عَلَيْهِ حَنِثَ لَكِنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكَفَّارَةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الصَّدَقَةِ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا زَوَّجَ الصَّغِيرَ وَلِيُّهُ أَلْزَمَهُ شُرُوطًا قَيَّدَهَا بِتَمْلِيكٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِإِلْزَامِ الْوَلِيِّ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ إذَا بَلَغَ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ أَيْمَانٌ فَلَا يَعْقِدُهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ لَمْ تَلْزَمْ بِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا الْأَيْمَانُ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا شُرُوطٌ فَلَزِمَتْ بِإِلْزَامِ الْوَلِيِّ كَصِفَةِ الصَّدَاقِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا الْتِزَامٌ مِنْهُ لَهَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ فِي وَثَائِقِهِ وَقَدْ قِيلَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ دُخُولَهُ بِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِهَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ رِضَاهُ وَالْتِزَامُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ كَمَا يَلْزَمُهُ بِقَوْلِهِ رَضِيتُ بِذَلِكَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ أَيْمَانٌ لَمْ يَلْتَزِمْهَا بِنُطْقٍ وَلَا فِعْلٍ يَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ إذْ لَهُ أَنْ يَقُولَ رَضِيتُ بِالنِّكَاحِ وَلَمْ أَرْضَ الشُّرُوطَ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ بِاسْتِدَامَةِ الْعَقْدِ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
(فَرْعٌ) وَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَقَبْلَ الْبِنَاءِ وَكَرِهَ الْتِزَامَهَا فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يُقَالُ لَهُ إمَّا أَنْ تَلْتَزِمَ وَإِمَّا أَنْ يَنْصَرِفَ الْخِيَارُ لَهَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالْتِزَامِهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ نِكَاحَهَا انْعَقَدَ عَلَى الْتِزَامِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ الْتِزَامُ النِّكَاحِ وَإِسْقَاطُهَا
стр. 979
نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ وَمَا أَشْبَهَهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سَمَوْأَلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمِيمَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا فَنَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَاعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَفَارَقَهَا فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجِهَا وَقَالَ: لَا تَحِلُّ لَك حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ»
ــ
[المنتقى]
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ شُرُوطٌ لَمْ يَلْتَزِمْ النَّاكِحُ فِيهَا يَمِينًا فَكَانَ لَهُ إمْضَاءُ النِّكَاحِ وَإِطْرَاحُهَا كَمَا لَوْ لَمْ تُعَلَّقْ الشُّرُوطُ بِنِكَاحٍ وَلَا عِتْقٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَكَرِهَ الزَّوْجُ الْتِزَامَهَا خُيِّرَتْ الزَّوْجَةُ بَيْنَ إسْقَاطِهَا وَاسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا وَإِبْطَالِ النِّكَاحِ فَإِنْ أَسْقَطَتْ الشُّرُوطَ لَزِمَهُ النِّكَاحُ دُونَ شَرْطٍ وَإِنْ لَمْ تُسْقِطْهَا فَارَقَ وَهَذَا إذَا كَانَتْ مَالِكَةً أَمْرَهَا فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ذَلِكَ إلَى وَلِيِّهَا فِي إسْقَاطِ الشُّرُوطِ وَالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ عِنْدِي نَظَرٌ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إنْ كَانَ وَصِيًّا فَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي مَالِهَا وَاخْتِيَارُ الْكُفُؤِ لَهَا، وَأَمَّا فِي الْقَسْمِ وَالتَّمْلِيكِ لَهَا فَلَا نَظَرَ لَهُ فِيهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ وَصِيٍّ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ إلَّا بِاخْتِيَارِ الْكُفُؤِ وَلَوْ رَضِيَتْ هِيَ بِالنِّكَاحِ بِغَيْرِ شَرْطٍ لَمَا كَانَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ أَبَتْ النِّكَاحَ إلَّا بِشُرُوطٍ لَمَا كَانَ لَهُ إطْلَاقُ ذَلِكَ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي رِضَاهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَ مَالًا فَكَيْفَ بِمَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَالِ؟ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الَّذِي يُخَيِّرُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ بُلُوغِهَا وَقَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهُوَ طَلَاقٌ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ تَكُونُ فُرْقَتُهُمَا بِالْإِبَانَةِ فَسْخًا أَوْ طَلَاقًا الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ طَلَاقٌ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهُ فَسْخٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ فُرْقَةٌ مَصْرُوفَةٌ إلَى اخْتِيَارِ الزَّوْجِ فَكَانَتْ طَلَاقًا، أَصْلُ ذَلِكَ إذَا طَلَّقَ ابْتِدَاءً وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ فُرْقَةٌ تَثْبُتُ لِعَدَمِ التَّرَاضِي فَكَانَتْ فَسْخًا أَصْلُ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَهَلْ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ رَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ لَا شَيْءَ لَهَا مِنْهُ وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ قَالَا إلَّا أَنْ تَكُونَ أَسْقَطَتْ الشُّرُوطَ وَطَلَّقَ وَأَطْلَقَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِالشُّرُوطِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الْعِلْمِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْعَطَّارِ لَا تَنْفَعُهُ وَالشَّرْطُ يَلْزَمُهُ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا تَرَكَتْ التَّحَرُّزَ وَالِاسْتِيثَاقَ حِينَ أَسْلَمَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفِهِ عَلَى الشُّرُوطِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ دُخُولَهُ رِضًا بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ لِتَرْكِهِ التَّحَرُّزَ وَالنَّظَرَ فِيمَا عَقَدَ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ عَلِمَ.
١ -
(فَرْعٌ) وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الزَّوْجُ عَقَدْتُ عَلَى الشُّرُوطِ وَأَنَا صَغِيرٌ وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ الْوَلِيُّ عَقَدَتْ وَأَنْتَ كَبِيرٌ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الزَّوْجِ الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَلَفَ الْوَلِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ الْعَاقِدُ لِلنِّكَاحِ وَلَزِمَتْ الزَّوْجَ الشُّرُوطُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ انْعِقَادَ النِّكَاحِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ فِيهِ مَا يُوجِبُ الْخِيَارَ فِي حِلِّهِ فَهُوَ مُدَّعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ وَمَا أَشْبَهَهُ]
(ش) : رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَجَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ الزَّبِيرُ بِفَتْحِ الزَّايِ فِيهِمَا وَقَالَ ابْنُ بُكَيْر الْأَوَّلُ بِالضَّمِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَعَبْدُ الْغَنِيِّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْحُفَّاظِ هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطِيَا الْيَهُودِيُّ الْقُرَظِيّ قُتِلَ الزَّبِيرُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَتِي مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِضَمِّ الزَّايِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ «إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا» يَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يُوقِعَهَا فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوقِعَهَا فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ يُطَلِّقُ ثُمَّ يَرْتَجِعُ ثُمَّ يُطَلِّقُ غَيْرَ أَنَّ إيقَاعَهَا عِنْدَ مَالِكٍ فِي مَرَّةٍ غَيْرُ جَائِزٍ وَسَيَرِدُ
стр. 980
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا هَلْ يَصِحُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَمَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا هَلْ يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا) .
ــ
[المنتقى]
فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَنَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَاعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَفَارَقَهَا» يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا اعْتَرَضَ عَنْهَا وَمُنِعَ وَطْأَهَا فَارَقَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَارَقَهَا حِينَ لَمْ تُرِدْ الْبَقَاءَ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَضَافَ الْفِرَاقَ إلَيْهِ لَمَّا كَانَ هُوَ الْفَاعِلُ لَهُ وَلَعَلَّهُ لَمَّا عَلِمَ بِكَرَاهِيَتِهَا لِذَلِكَ بَادَرَ بِفِرَاقِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَجَّلَ فِي ذَلِكَ أَجَلًا أَوْ يُعَالِجَ مُدَاوَاةً أَوْ مُعَانَاةً.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اعْتَقَدَ أَنَّ الثَّلَاثَ لَمْ تُحَرِّمْهَا وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ بَعْدُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَلَعَلَّهُ عَلِمَ أَنَّ الثَّلَاثَ تُحَرِّمُهَا وَظَنَّ أَنَّ عَقْدَ الزَّوْجِ عَلَيْهَا يَحِلُّهَا لَهُ فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَهَاهُ عَنْ نِكَاحِهَا وَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ نِكَاحِهَا بَاقٍ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ «لَا حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ» فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُحَلِّلَ إنَّمَا هُوَ الْوَطْءُ وَانْفَرَدَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِقَوْلِهِ إنَّ عَقْدَ الثَّانِي يَحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطْءً وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ لِأَنَّهُ نَصَّ فِي مُخَالَفَةِ قَوْلِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ الْعُسَيْلَةُ فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اللَّذَّةُ وَمُجَاوَزَةُ الْخِتَانِ الْخِتَانَ وَرَوَى نَحْوَهُ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ زَادَ ابْنُ مُزَيْنٍ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ وَانْفَرَدَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِقَوْلِهِ لَا يُحِلُّهَا إلَّا الْوَطْءُ وَفِيهِ إنْزَالٌ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا هَلْ يَصِحُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَمَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا هَلْ يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا) .
(ش) : قَوْلُ عَائِشَةَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا يَتَزَوَّجُهَا زَوْجٌ فَيُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ مُسْنَدًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالِاعْتِبَارُ فِي نِكَاحِ التَّحْلِيلِ بِنِيَّةِ الزَّوْجِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلِمَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَعْلَمَا فَإِذَا لَمْ يَنْوِ الزَّوْجُ الثَّانِي التَّحْلِيلَ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ التَّحْلِيلَ وَسَأَلَتْهُ لَمَّا دَخَلَ بِهَا الطَّلَاقَ أَوْ خَالَعَتْهُ بِمَالٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَضُرُّ الزَّوْجَ مَا نَوَتْ الزَّوْجَةُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ دُونَهَا.
(فَرْعٌ) وَالنِّيَّةُ الْمُصَحِّحَةُ لِلْعَقْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنْ تَزَوَّجَهَا فَإِنْ أَعْجَبَتْهُ أَمْسَكَهَا وَإِلَّا كَانَ قَدْ احْتَسَبَ فِي تَحْلِيلِهَا الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ لِمَا خَالَطَ نِكَاحَهُ مِنْ نِيَّةِ التَّحْلِيلِ وَلَا تَحِلُّ بِذَلِكَ لِلْأَوَّلِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا لَا تَحِلُّ بِذَلِكَ لِمَنْ طَلَّقَهَا قَبْلَهُ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَيْسَ فِيهِ مَسِيسٌ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ حُكْمُ الْإِحْلَالِ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ لَا يَكُونُ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِالْوَطْءِ لَكِنْ يُعْتَبَرُ فِيهِ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَتْ وَفَاةُ الزَّوْجِ يَقَعُ بِهَا كَمَالُ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْلَالُ وَلَا الْإِحْصَانُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَهْرَ إنَّمَا يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِبَاحَةِ الْعُضْوِ وَالْمُوَاصَلَةِ مُدَّةَ الْعُمْرِ فَإِذَا وُجِدَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا فَقَدْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُوَاصَلَةِ فَوَجَبَ جَمِيعُ الْمَهْرِ كَمَا يَجِبُ بِالْوَطْءِ وَأَمَّا إحْلَالُ الزَّوْجَةِ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِالْوَطْءِ وَلَيْسَ فِي مَوْتِ الزَّوْجِ الثَّانِي مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْوَطْءِ فَتَحْصُلُ بِالْإِبَاحَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَهَذَا إنْ أَقَرَّتْ الزَّوْجَةُ بِعَدَمِ الْوَطْءِ فَإِنْ ادَّعَتْهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَدَّعِيهِ بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ ادَّعَتْهُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَقَدْ هَلَكَ الزَّوْجُ الثَّانِي وَلَمْ يُعْلَمْ مَبِيتُهُ عِنْدَهَا فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ بِذَلِكَ لِلْأَوَّلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ وَقَدْ بَنَى بِهَا الثَّانِي وَبَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً وَمَاتَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّ ذَلِكَ عَلَيْهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا وَادَّعَتْ الْمَسِيسَ
стр. 981
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُحَلِّلِ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى نِكَاحِهِ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ نِكَاحًا جَدِيدًا فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُهَا) .
مَا لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُ مِنْ النِّسَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» )
ــ
[المنتقى]
وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُحِلُّهَا ذَلِكَ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَدِينُ وَيُبَاحُ لَهُ نِكَاحُهَا ثَلَاثًا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ يَذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْفِرَاقِ لَمْ يَحِلَّهَا ذَلِكَ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفِرَاقِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَحَلَّتْ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ كُلُّ مَوْضِعٍ تُصَدَّقُ فِيهِ عَلَى الزَّوْجِ فِي دَعْوَى الْوَطْءِ فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ فِيهِ فِي إحْلَالِهَا لِلْأَوَّلِ وَأَمَّا كُلُّ مَوْضِعٍ لَا تُصَدَّقُ فِيهِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا أَنْكَرَ الْوَطْءَ فَإِنَّ دَعْوَاهَا الْوَطْءَ بَعْدَ وَفَاةِ الثَّانِي لَا يَحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْإِحْلَالِ الْوَطْءُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنْ وَطِئَهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَحِلُّهَا ذَلِكَ الْوَطْءُ وَإِنَّمَا يَحِلُّهَا الْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَصِحَّةُ الْوَطْءِ فَأَمَّا الْعَقْدُ فَأَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِهِ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ فَإِنْ صَحَّ الْعَقْدُ وَتَزَوَّجَهَا بِيَمِينٍ لَزِمَتْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَفِي الْمُزَنِيَّة إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَتَزَوَّجُ مِثْلَهَا فَقَدْ خَرَجَ عَنْ يَمِينِهِ وَحَلَّتْ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ بِذَلِكَ وَإِنْ أَقَامَتْ عِنْدَ الثَّانِي سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا رَغْبَةً وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ وَأَمَّا صِحَّةُ الْوَطْءِ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْإِحْصَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ نِكَاحًا فَاسِدًا لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى النِّكَاحِ وَمَقْصُودَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ إبَاحَةُ الْبُضْعِ لِغَيْرِ النَّاكِحِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ قِيَاسًا وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ إنَّ هَذَا عَقْدٌ وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ مَحْظُورٍ اسْتَحَقَّ عَاقِدُهُ بِهِ اللَّعْنَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا أَصْلُ ذَلِكَ شِرَاءُ الْخَمْرِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْفُرْقَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يُفْسَخُ نِكَاحُهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ وَلَوْ ثَبَتَ بَعْدَ الْبِنَاءِ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَيْسَ بِنِكَاحٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ قَبْلَ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَفِ فِي فَسَادِهِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَجُوزُ هَذَا لِلْمُحَلِّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْبِنَاءِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَهُ ذَلِكَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَنْكِحَهَا أَبَدًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ تَعْجِيلَ اسْتِبَاحَةِ الْبُضْعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَحْظُورِ كَالنِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ غَيْرَ أَنَّ النَّاكِحَ فِي الْعِدَّةِ عَجَّلَهُ لِنَفْسِهِ بِالْعَقْدِ وَالْوَطْءِ فَوَقَعَ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَرَادَ تَعْجِيلَهُ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ التَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا اقْتَضَى الْكَرَاهِيَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ فَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَصَدَ تَحْلِيلَهَا لَهُ لِيَمْنَعَ ذَلِكَ مِنْ نِكَاحِهَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ الْآخَرُ بِظَاهِرِ فِعْلِهِ وَلَا يَعْلَمُ مَقْصِدَهُ فَيَكُونُ هُوَ سَبَبُ مُوَاقَعَةِ الْحَرَامِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَهَا مَهْرُهَا هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَرَوَى ابْنُ بُكَيْر فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَعْنَبِيُّ وَرِوَايَةُ يَحْيَى أَظْهَرُ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَسَدَ لِعَقْدِهِ فَيَجِبُ بِالدُّخُولِ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْر وَالْقُعْنُبَيْ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ بَلْ لَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
[مَا لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُ مِنْ النِّسَاءِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» يَقْتَضِي الْعُمُومَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ غَيْرَ أَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا عُلِّقَ عَلَى النِّسَاءِ فَإِنَّ
стр. 982
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمَفْهُومَ مِنْهُ الْوَطْءُ كَمَا أَنَّهُ إذَا عُلِّقَ عَلَى الطَّعَامِ فُهِمَ مِنْهُ اللِّبَاسُ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ عَلَى كُلِّ مَعْنًى مَقْصُودُهُ الْوَطْءُ فَأَمَّا الْوَطْءُ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِيَمِينٍ وَأَمَّا الْعَقْدُ الَّذِي مَقْصُودُهُ الْوَطْءُ فَإِنَّهُ النِّكَاحُ وَيُخَالِفُ فِي ذَلِكَ مِلْكَ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ لَا يَطَأُ كَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ مِنْ النَّسَبِ وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ نِكَاحٍ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا لِلرَّجُلِ مِنْ النِّسَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا مَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] وَالْعَمَّةُ مَعَ ابْنَةِ أَخِيهَا وَالْخَالَةُ مَعَ بِنْتِ أُخْتِهَا بِمَثَابَةِ الْأُخْتَيْنِ فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْأُخْتَيْنِ وَالْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ مَعَ ابْنَةِ الْأَخِ وَابْنَةِ الْأُخْتِ مِمَّنْ يَلْزَمُ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ الْمُوَاصَلَةَ لِلرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ الْوَشِيجَةِ وَغِيرَةُ الضَّرَائِرِ تُورِثُ الْقَطِيعَةَ وَتَمْنَعُ الْمُوَاصَلَةَ فَمُنِعَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِمَا نَهَيْنَا عَنْهُ مِنْ الْقَطِيعَةِ وَمَانِعٌ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمَا مِنْ الْمُوَاصَلَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِالنِّكَاحِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَالثَّانِي أَنْ يَنْكِحَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ نِكَاحُهُ لَهُمَا جَمِيعًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بَنَى بِهِمَا أَوْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَوْ لَمْ يَبْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مَنَعَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَإِذَا انْعَقَدَ نِكَاحُهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ بِهِ فُسِخَ نِكَاحُهُ لَهُمَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْعَقْدِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَفْرَدَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ ثَبَتَ نِكَاحُ الْأُولَى وَفُسِخَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ دَخَلَ بِهِمَا أَوْ بِإِحْدَاهُمَا كَانَتْ الْأُولَى أَوْ الْأُخْرَى قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ عَقْدَ الْأُولَى صَحِيحٌ لِأَنَّهُ عَرِيَ عَنْ الْفَسَادِ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَنِكَاحُ الْأُخْرَى فَاسِدٌ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَلَمَّا اخْتَصَّ الْفَسَادُ بِنِكَاحِ الثَّانِيَةِ وَجَبَ أَنْ يُفْرِدَ بِالْفَسْخِ.
(فَرْعٌ) وَبِمَاذَا تُعْرَفُ الْأُولَى مِنْهُمَا إنْ شَهِدَ بِذَلِكَ الشُّهُودُ فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِالزَّوْجِيَّةِ وَلَمْ يُوقِنُوا وَلَا عَلِمُوا الْأُولَى مِنْ الْأُخْرَى فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الزَّوْجَ مُصَدَّقٌ فِي تَعْيِينِ الْأُولَى مِنْ الْأُخْرَى وَيَنْزِلُ عَنْ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا الْأُخْرَى وَلَا شَيْءَ لَهَا إنْ كَانَ لَمْ يَمَسَّ قَالَ مُحَمَّدٌ وَهَذَا عِنْدَنَا صَوَابٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِذَلِكَ فَقَدْ شَهِدُوا بِصِحَّةِ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ وَفَسَادِ الْآخَرِ وَلَمْ يُعَيِّنُوا الْفَاسِدَ مِنْ الصَّحِيحِ فَلَمْ يَشْهَدُوا لِإِحْدَاهُمَا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُعَيِّنُهُ غَيْرُ الزَّوْجِ قُبِلَ فِي ذَلِكَ تَعْيِينُهُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ الْأُخْرَى لَوْ ادَّعَتْ أَنَّهَا الْأُولَى لَلَزِمَ الزَّوْجُ الْيَمِينَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْ الْأُولَى نَفْسَ صَدَاقِهَا وَعِنْدِي أَنَّ فَسْخَ نِكَاحِهَا يَكُونُ طَلَاقًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا إذَا مَلَكَ عِصْمَةَ إحْدَاهُمَا وَوَطِئَ الثَّانِيَةَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَقْدُ النِّكَاحِ هُوَ السَّابِقُ أَوْ الْآخَرُ فَإِنْ كَانَ عَقْدُ النِّكَاحِ هُوَ السَّابِقُ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ نَكَحَ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ فَلَمْ يَبْنِ بِهَا حَتَّى وَطِئَ الثَّانِيَةَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَنَّهُ يُوقَفُ عَنْهَا حَتَّى يُحَرَّمَ فَرْجُ أَمَتِهِ عَلَيْهِ وَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ النِّكَاحَ وَقَالَ أَشْهَبُ بَلْ يَطَأُ الزَّوْجَةَ لِأَنَّ فَرْجَ أَمَتِهِ عَلَيْهِ حَرَامٌ مُنْذُ عَقَدَ عَلَى أُخْتِهَا عَقْدَ نِكَاحٍ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مِنْهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْأُخْرَى فَوَجَبَ أَنْ يُوقَفَ عَنْهُمَا كَمَا لَوْ كَانَتَا أَمَتَيْنِ فَوَطِئَهُمَا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ النِّكَاحَ فِي بَابِ الِاسْتِمْتَاعِ وَمَنْعُهُ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْوَطْءُ وَمَقْصُودَ مِلْكِ الْيَمِينِ الْمِلْكُ دُونَ الْوَطْءِ وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أُخْتِهَا فَوَطِئَهَا لَمْ يُوقَفْ عَنْ الْأُولَى فَبِأَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهُمَا إذَا وَطِئَ الثَّانِيَةَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
стр. 983
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يُنْهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا وَأَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةً وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لِغَيْرِهِ) .
ــ
[المنتقى]
فَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ثُمَّ تَزَوَّجَ الْأُخْرَى قَبْلَ أَنْ يُحَرِّمَ الْأَمَةَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَشْهَبُ نِكَاحُهُ جَائِزٌ وَلَهُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ٠ وَلَا يُحْدِثُ تَحْرِيمًا لِجَارِيَتِهِ لِأَنَّ نِكَاحَ أُخْتِهَا قَدْ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ حَتَّى يُحَرِّمَ الْأَمَةَ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَقَفَ بَعْدَ النِّكَاحِ لَا يَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَيَّتَهُمَا شَاءَ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُفْسَخُ النِّكَاحُ وَلَا يُقَرُّ عَلَى حَالٍ وَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْوَقْفِ أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ وَلِوَطْءِ الْأَمَةِ تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ اسْتِدَامَةِ إمْسَاكِهَا مَعَ مَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلِذَلِكَ إذَا وَطِئَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مُنِعَ مِنْ وَطْئِهِمَا حَتَّى يُحَرِّمَ فَرْجَ إحْدَاهُمَا وَلِعَقْدِ النِّكَاحِ تَأْثِيرٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَقَدْ وُجِدَ فِي كِلَا الْجَنْبَتَيْنِ مُؤَثِّرٌ فِي الْمَنْعِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ إحْدَاهُمَا كَمَا لَوْ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لِسَبَبِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا مَنْعًا يُفْسَخُ بِهِ عَقْدُهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُولَى زَوْجَةً.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاللَّتَانِ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ النِّسَاءِ قَالَ ابْنُ بُكَيْر هُمَا كُلُّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ذَكَرًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأُخْرَى لِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ نَحْوِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وِلَادَةٌ كَالْأُمِّ مَعَ الْبِنْتِ وَالْجَدَّةِ مَعَ الْحَفِيدَةِ فَهَذَا الضَّرْبُ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا وَالضَّرْبُ الثَّانِي لَيْسَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وِلَادَةٌ كَالْأُخْتِ مَعَ الْأُخْتِ وَالْخَالَةِ وَبِنْتِ أُخْتِهَا وَالْعَمَّةِ مَعَ بِنْتِ أَخِيهَا فَهَذَا الضَّرْبُ الَّذِي يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَ الْأُخْرَى فَالْأُخْتُ هِيَ الْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَّةُ هِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ هِيَ أُخْتٌ لِرَجُلٍ لَهُ عَلَيْك وِلَادَةٌ وَالْخَالَةُ هِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ هِيَ أُخْتٌ لِامْرَأَةٍ لَهَا عَلَيْك وِلَادَةٌ فَأُخْتُ الْجَدَّةِ لِلْأَبِ خَالَةٌ وَكَذَلِكَ أُخْتُ أُمِّ الْأَبِ وَأُخْتُ الْجَدِّ لِلْأُمِّ عَمَّةٌ وَكَذَلِكَ أُخْتُ أَبِي أُمِّ الْأُمِّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجَةِ أَبِيهَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الطَّرَفَيْنِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ذَكَرًا فَيَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأُخْرَى أَوْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةُ الْأَبِ ذَكَرًا.
وَقَالَ ابْنُ بُكَيْر وَلَوْ تَصَوَّرْنَاهَا ذَكَرًا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي النَّهْيِ عَنْ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ أَمَةً فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةً حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ وَالْوَلِيدَةُ فِي عُرْفِ اسْتِعْمَالِهِمْ هِيَ الْأَمَةُ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ زِنًا وَالنِّكَاحُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ فِي حَالٍ يَتَعَقَّبُهُ السِّبَاءُ وَنِكَاحٌ فِي حَالٍ لَا يَتَعَقَّبُهَا السِّبَاءُ فَأَمَّا النِّكَاحُ فِي حَالٍ يَتَعَقَّبُهَا السِّبَاءُ فَهُوَ أَنْ يَتَنَاكَحَ الْمُشْرِكَانِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ ثُمَّ تُسْبَى الْمَرْأَةُ حَامِلًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ صَارَتْ فِي سَهْمِهِ وَلِمَنْ ابْتَاعَهَا أَنْ يَطَأَهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ تَلْبِيسًا فِي النَّسَبِ وَالشَّرْعُ مَوْضُوعٌ عَلَى تَخْلِيصِ الْأَنْسَابِ وَلِهَذَا شُرِعَتْ الْعِدَّةُ وَالِاسْتِبْرَاءُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا النِّكَاحُ الَّذِي لَا يَتَعَقَّبُهُ السِّبَاءُ فَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا حَامِلًا لَا يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ حَمْلُهَا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ مِثْلُ أَنْ يَطَأَهَا سَيِّدُهَا فَيَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يُزَوِّجُهَا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَنْ ابْتَاعَهَا أَوْ نَكَحَهَا وَطْؤُهَا بَلْ لَا يَحِلُّ ابْتِيَاعُهَا وَلَا نِكَاحُهَا بِوَجْهٍ
стр. 984
مَا لَا يَجُوزُ مِنْ نِكَاحِ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَتِهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا الْأُمُّ مُبْهَمَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَرْطٌ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ)
ــ
[المنتقى]
وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ زِنًا لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا.
(فَرْعٌ) وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ وَلِيدَةٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا لِحَمْلِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَهَا وَلَا يَسْتَمْتِعَ بِهَا رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَلَا يُقَبِّلَهَا وَلَا يُبَاشِرَهَا وَلَا يَلْتَذَّ بِهَا بِغَمْزٍ وَلَا غَيْرِهِ كَانَ حَمْلُهَا ذَلِكَ مِنْ زِنًا أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَمَسَّ لَهَا يَدًا وَلَا رِجْلًا.
[مَا لَا يَجُوزُ مِنْ نِكَاحِ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَتِهِ]
(ش) : قَوْلُهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا يُرِيدُ أَنَّهُ عَقَدَ نِكَاحَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا فَسَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ هَلْ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأُمُّ مُبْهَمَةٌ يُرِيدُ أَنَّ ذِكْرَهَا فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ لِأَنَّهُ قَالَ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْبِنَاءِ وَلَا غَيْرِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَيْسَ فِيهَا شَرْطٌ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي تَحْرِيمِ الْأُمِّ دُخُولًا وَلَا غَيْرَهُ وَقَوْلُهُ ﵁ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ يُرِيدُ أَنَّ التَّقْيِيدَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الرَّبَائِبِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَقَيَّدَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ بِالدُّخُولِ بِالْأُمِّ فَبَقِيَتْ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا دَاخِلَةً تَحْتَ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ هُوَ قَوْلُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ عُمَرَ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُمَّ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِالْبِنْتِ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ.
وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ الْقَاضِي قَالَ وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْهُ قَالَ وَقَدْ سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يُضَعِّفُ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدٍ وَقَالَ أَحْسَبُ أَنَّ بَيْنَهُمَا رَجُلًا لِأَنَّهُ يُخَالِفُ أَصْحَابَ سَعِيدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَلَمْ يَخُصَّ مَدْخُولًا بِابْنَتِهَا مِنْ غَيْرِهَا فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّهُ قَدْ شَرَطَ فِي الرَّبَائِبِ بَعْدَ هَذَا الدُّخُولِ فَقَالَ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَالشَّرْطُ إذَا وَرَدَتْ عَقِبَهُ جُمَلٌ وَجَبَ تَعَلُّقُهُ بِجَمِيعِهَا كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ رَاجِعًا إلَى جَمِيعِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْتَظِمْ عَلَيْهِ الْكَلَامُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَا يَصِحُّ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ وَلَا يَصِحُّ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اللَّفْظِ وَلَا بِالْمَوْضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَإِنَّ النِّسَاءَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مَخْفُوضٌ بِالْإِضَافَةِ وَالنِّسَاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] مَخْفُوضٌ بِحَرْفِ الْجَرِّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] نَعْتًا لَهُمَا لِاخْتِلَافِ الْعَامِلِ فِيهِمَا هَذَا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ النُّحَاةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْخَفْضِ وَمَا قَالَهُ الْبَصْرِيُّونَ أَوْلَى لِأَنَّ الصِّفَةَ تَتْبَعُ الْمَوْصُوفَ فِي الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي الْمَوْصُوفِ عَامِلًا فِي الصِّفَةِ وَلِذَلِكَ إذَا قُلْت هَذَا غُلَامُ زَيْدٍ الْعَاقِلُ وَإِنْ كَانَ خَفْضُ زَيْدٍ بِالْإِضَافَةِ فَخَفْضُ الْعَاقِلِ بِذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ هَذَا غُلَامُ الْعَاقِلِ وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ كَوْنُهُ وَصْفًا لَهُ وَإِذَا قُلْت خُذْ مِنْ عَمْرِو الْكَرِيمِ دِرْهَمًا فَإِنَّ الْكَرِيمَ أَيْضًا وَصْفٌ
стр. 985
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اسْتَفْتَى وَهُوَ بِالْكُوفَةِ عَنْ نِكَاحِ الْأُمِّ بَعْدَ الْبِنْتِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْبِنْتُ مُسَّتْ فَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى أَتَى الرَّجُلَ الَّذِي أَفْتَاهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ) .
ــ
[المنتقى]
لِعَمْرٍو لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّهُ فَتَقُولُ خُذْ مِنْ الْكَرِيمِ دِرْهَمًا فَإِذَا أَرَدْت أَنْ تَقُولَ هَذَا غُلَامُ زَيْدٍ وَخُذْ مِنْ عَمْرٍو دِرْهَمًا الْكَرِيمَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّ زَيْدٍ الْمُضَافِ وَالْعَامِلُ فِيهِ مِنْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّ عُمَرَ وَالْمَخْفُوضِ بِمِنْ وَالْعَامِلُ فِيهِ الْإِضَافَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا تَحْرُمُ الْمُعَاقَبَةُ بَيْنَهُمَا وَهُنَّ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ اللَّاتِي لَيْسَ لِبَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ وِلَادَةٌ وَالضَّرْبُ الثَّانِي يَحْرُمُ الْجَمْعُ وَالْمُعَاقَبَةُ بَيْنَهُمَا وَهُنَّ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ اللَّاتِي لِبَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ وِلَادَةٌ كَالْأُمِّ مَعَ بِنْتِهَا وَالْجَدَّةِ مَعَ جَدَّتِهَا فَهَؤُلَاءِ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ وَطْءَ إحْدَاهُنَّ عَلَى وَجْهِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ يُحَرِّمُ الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيدِ وَهَلْ يُحَرِّمُهَا الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِهِ؟ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُنَّ وَسَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اسْتَفْتَى وَهُوَ بِالْكُوفَةِ عَنْ نِكَاحِ الْأُمِّ بَعْدَ الْبِنْتِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْبِنْتُ مُسَّتْ فَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى أَتَى الرَّجُلَ الَّذِي أَفْتَاهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ) .
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اسْتَفْتَى وَهُوَ بِالْكُوفَةِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَرْسَلَهُ إلَى الْكُوفَةِ لِيُعَلِّمَهُمْ الْعِلْمَ وَيُفْتِي بَيْنَهُمْ فَاسْتُفْتِيَ هُنَاكَ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي نِكَاحِ الْأُمِّ بَعْدَ الِابْنَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ الِابْنَةُ مُسَّتْ فَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَأَنَا أَحْسَبُ أَنَّ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ أُمَّهَاتِ الزَّوْجَاتِ مِثْلُ الرَّبَائِبِ إنَّمَا ذَهَبُوا إلَى قِيَاسِ بَعْضِ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ النَّصُّ يُوجِبُهُ يُرِيدُ أَنَّ النَّصَّ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَفْتَى فِي ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الرَّبَائِبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِهِ صِحَّةَ مَا أَفْتَى بِهِ لِيَعْلَمَ مُوَافَقَةَ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ أَوْ مُخَالَفَتَهُمْ إيَّاهُ فَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ فِيمَا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ لِيَعْلَمَ مَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ إلَيْهِ وَجْهُ الْمَسْأَلَةِ فَشَكَّ فِي فَتْوَاهُ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَهُ لِيُظْهِرَ لَهُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِكَثْرَةِ الْعُلَمَاءِ بِهَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ أَهْلُ الْآفَاقِ فِي الْفَتَاوَى لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ لِأَنَّ مَا قَصَرَ عَنْهُ أَحَدُهُمْ اسْتَدْرَكَهُ سَائِرُهُمْ وَأَمَّا الْوَاحِدُ فَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ بُلُوغُ الْمُرَادِ مِنْ النَّظَرِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ فِي حُكْمِهِ لِلْأُمِّ بَعْدَ الْعَقْدِ بِمِثْلِ حُكْمِهِ لِلْبِنْتِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ مِنْ اعْتِبَارِ الدُّخُولِ بِالْأُولَى وَذَلِكَ أَنَّ شَرْطَ اعْتِبَارِ الدُّخُولِ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِالرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى أَتَى الرَّجُلَ الَّذِي أَفْتَاهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ يُرِيدُ تَعْجِيلَ أَمْرِهِ لَهُ بِالْفِرَاقِ وَإِخْبَارَهُ بِمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَنْزِلِهِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَدْ ظَهَرَ إلَيْهِ وَجْهُ الصَّوَابِ فِي خِلَافِ مَا أَفْتَى بِهِ فَتَعَجَّلَ اسْتِدْرَاكَ الْأَمْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى مَنْعِهِ اسْتِدَامَةُ نِكَاحٍ مِنْ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بَاقِيًا عَلَى مَذْهَبِهِ غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَجْرِي عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَالْأَخْذُ بِهِ وَحَمْلُ النَّاسِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ
следующие страницы →