Полный текст (2 236 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُحَلِّلِ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى نِكَاحِهِ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ نِكَاحًا جَدِيدًا فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُهَا) .
مَا لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُ مِنْ النِّسَاءِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» )
ــ
[المنتقى]
وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُحِلُّهَا ذَلِكَ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَدِينُ وَيُبَاحُ لَهُ نِكَاحُهَا ثَلَاثًا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ يَذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْفِرَاقِ لَمْ يَحِلَّهَا ذَلِكَ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفِرَاقِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَحَلَّتْ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ كُلُّ مَوْضِعٍ تُصَدَّقُ فِيهِ عَلَى الزَّوْجِ فِي دَعْوَى الْوَطْءِ فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ فِيهِ فِي إحْلَالِهَا لِلْأَوَّلِ وَأَمَّا كُلُّ مَوْضِعٍ لَا تُصَدَّقُ فِيهِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا أَنْكَرَ الْوَطْءَ فَإِنَّ دَعْوَاهَا الْوَطْءَ بَعْدَ وَفَاةِ الثَّانِي لَا يَحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْإِحْلَالِ الْوَطْءُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنْ وَطِئَهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَحِلُّهَا ذَلِكَ الْوَطْءُ وَإِنَّمَا يَحِلُّهَا الْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَصِحَّةُ الْوَطْءِ فَأَمَّا الْعَقْدُ فَأَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِهِ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ فَإِنْ صَحَّ الْعَقْدُ وَتَزَوَّجَهَا بِيَمِينٍ لَزِمَتْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَفِي الْمُزَنِيَّة إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَتَزَوَّجُ مِثْلَهَا فَقَدْ خَرَجَ عَنْ يَمِينِهِ وَحَلَّتْ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ بِذَلِكَ وَإِنْ أَقَامَتْ عِنْدَ الثَّانِي سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا رَغْبَةً وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ وَأَمَّا صِحَّةُ الْوَطْءِ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْإِحْصَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ نِكَاحًا فَاسِدًا لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى النِّكَاحِ وَمَقْصُودَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ إبَاحَةُ الْبُضْعِ لِغَيْرِ النَّاكِحِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ قِيَاسًا وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ إنَّ هَذَا عَقْدٌ وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ مَحْظُورٍ اسْتَحَقَّ عَاقِدُهُ بِهِ اللَّعْنَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا أَصْلُ ذَلِكَ شِرَاءُ الْخَمْرِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْفُرْقَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يُفْسَخُ نِكَاحُهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ وَلَوْ ثَبَتَ بَعْدَ الْبِنَاءِ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَيْسَ بِنِكَاحٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ قَبْلَ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَفِ فِي فَسَادِهِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَجُوزُ هَذَا لِلْمُحَلِّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْبِنَاءِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَهُ ذَلِكَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَنْكِحَهَا أَبَدًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ تَعْجِيلَ اسْتِبَاحَةِ الْبُضْعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَحْظُورِ كَالنِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ غَيْرَ أَنَّ النَّاكِحَ فِي الْعِدَّةِ عَجَّلَهُ لِنَفْسِهِ بِالْعَقْدِ وَالْوَطْءِ فَوَقَعَ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَرَادَ تَعْجِيلَهُ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ التَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا اقْتَضَى الْكَرَاهِيَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ فَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَصَدَ تَحْلِيلَهَا لَهُ لِيَمْنَعَ ذَلِكَ مِنْ نِكَاحِهَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ الْآخَرُ بِظَاهِرِ فِعْلِهِ وَلَا يَعْلَمُ مَقْصِدَهُ فَيَكُونُ هُوَ سَبَبُ مُوَاقَعَةِ الْحَرَامِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَهَا مَهْرُهَا هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَرَوَى ابْنُ بُكَيْر فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَعْنَبِيُّ وَرِوَايَةُ يَحْيَى أَظْهَرُ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَسَدَ لِعَقْدِهِ فَيَجِبُ بِالدُّخُولِ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ بُكَيْر وَالْقُعْنُبَيْ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ بَلْ لَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
[مَا لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُ مِنْ النِّسَاءِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» يَقْتَضِي الْعُمُومَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ غَيْرَ أَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا عُلِّقَ عَلَى النِّسَاءِ فَإِنَّ
стр. 982
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمَفْهُومَ مِنْهُ الْوَطْءُ كَمَا أَنَّهُ إذَا عُلِّقَ عَلَى الطَّعَامِ فُهِمَ مِنْهُ اللِّبَاسُ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ عَلَى كُلِّ مَعْنًى مَقْصُودُهُ الْوَطْءُ فَأَمَّا الْوَطْءُ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِيَمِينٍ وَأَمَّا الْعَقْدُ الَّذِي مَقْصُودُهُ الْوَطْءُ فَإِنَّهُ النِّكَاحُ وَيُخَالِفُ فِي ذَلِكَ مِلْكَ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ لَا يَطَأُ كَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ مِنْ النَّسَبِ وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ نِكَاحٍ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا لِلرَّجُلِ مِنْ النِّسَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا مَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] وَالْعَمَّةُ مَعَ ابْنَةِ أَخِيهَا وَالْخَالَةُ مَعَ بِنْتِ أُخْتِهَا بِمَثَابَةِ الْأُخْتَيْنِ فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْأُخْتَيْنِ وَالْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ مَعَ ابْنَةِ الْأَخِ وَابْنَةِ الْأُخْتِ مِمَّنْ يَلْزَمُ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ الْمُوَاصَلَةَ لِلرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ الْوَشِيجَةِ وَغِيرَةُ الضَّرَائِرِ تُورِثُ الْقَطِيعَةَ وَتَمْنَعُ الْمُوَاصَلَةَ فَمُنِعَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِمَا نَهَيْنَا عَنْهُ مِنْ الْقَطِيعَةِ وَمَانِعٌ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمَا مِنْ الْمُوَاصَلَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِالنِّكَاحِ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَالثَّانِي أَنْ يَنْكِحَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ نِكَاحُهُ لَهُمَا جَمِيعًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بَنَى بِهِمَا أَوْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَوْ لَمْ يَبْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مَنَعَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَإِذَا انْعَقَدَ نِكَاحُهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ بِهِ فُسِخَ نِكَاحُهُ لَهُمَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْعَقْدِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَفْرَدَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ ثَبَتَ نِكَاحُ الْأُولَى وَفُسِخَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ دَخَلَ بِهِمَا أَوْ بِإِحْدَاهُمَا كَانَتْ الْأُولَى أَوْ الْأُخْرَى قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ عَقْدَ الْأُولَى صَحِيحٌ لِأَنَّهُ عَرِيَ عَنْ الْفَسَادِ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَنِكَاحُ الْأُخْرَى فَاسِدٌ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَلَمَّا اخْتَصَّ الْفَسَادُ بِنِكَاحِ الثَّانِيَةِ وَجَبَ أَنْ يُفْرِدَ بِالْفَسْخِ.
(فَرْعٌ) وَبِمَاذَا تُعْرَفُ الْأُولَى مِنْهُمَا إنْ شَهِدَ بِذَلِكَ الشُّهُودُ فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِالزَّوْجِيَّةِ وَلَمْ يُوقِنُوا وَلَا عَلِمُوا الْأُولَى مِنْ الْأُخْرَى فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الزَّوْجَ مُصَدَّقٌ فِي تَعْيِينِ الْأُولَى مِنْ الْأُخْرَى وَيَنْزِلُ عَنْ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا الْأُخْرَى وَلَا شَيْءَ لَهَا إنْ كَانَ لَمْ يَمَسَّ قَالَ مُحَمَّدٌ وَهَذَا عِنْدَنَا صَوَابٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِذَلِكَ فَقَدْ شَهِدُوا بِصِحَّةِ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ وَفَسَادِ الْآخَرِ وَلَمْ يُعَيِّنُوا الْفَاسِدَ مِنْ الصَّحِيحِ فَلَمْ يَشْهَدُوا لِإِحْدَاهُمَا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُعَيِّنُهُ غَيْرُ الزَّوْجِ قُبِلَ فِي ذَلِكَ تَعْيِينُهُ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ الْأُخْرَى لَوْ ادَّعَتْ أَنَّهَا الْأُولَى لَلَزِمَ الزَّوْجُ الْيَمِينَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْ الْأُولَى نَفْسَ صَدَاقِهَا وَعِنْدِي أَنَّ فَسْخَ نِكَاحِهَا يَكُونُ طَلَاقًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا إذَا مَلَكَ عِصْمَةَ إحْدَاهُمَا وَوَطِئَ الثَّانِيَةَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَقْدُ النِّكَاحِ هُوَ السَّابِقُ أَوْ الْآخَرُ فَإِنْ كَانَ عَقْدُ النِّكَاحِ هُوَ السَّابِقُ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ نَكَحَ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ فَلَمْ يَبْنِ بِهَا حَتَّى وَطِئَ الثَّانِيَةَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَنَّهُ يُوقَفُ عَنْهَا حَتَّى يُحَرَّمَ فَرْجُ أَمَتِهِ عَلَيْهِ وَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ النِّكَاحَ وَقَالَ أَشْهَبُ بَلْ يَطَأُ الزَّوْجَةَ لِأَنَّ فَرْجَ أَمَتِهِ عَلَيْهِ حَرَامٌ مُنْذُ عَقَدَ عَلَى أُخْتِهَا عَقْدَ نِكَاحٍ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مِنْهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْأُخْرَى فَوَجَبَ أَنْ يُوقَفَ عَنْهُمَا كَمَا لَوْ كَانَتَا أَمَتَيْنِ فَوَطِئَهُمَا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ النِّكَاحَ فِي بَابِ الِاسْتِمْتَاعِ وَمَنْعُهُ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْوَطْءُ وَمَقْصُودَ مِلْكِ الْيَمِينِ الْمِلْكُ دُونَ الْوَطْءِ وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أُخْتِهَا فَوَطِئَهَا لَمْ يُوقَفْ عَنْ الْأُولَى فَبِأَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهُمَا إذَا وَطِئَ الثَّانِيَةَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
стр. 983
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يُنْهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا وَأَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ وَلِيدَةً وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لِغَيْرِهِ) .
ــ
[المنتقى]
فَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ثُمَّ تَزَوَّجَ الْأُخْرَى قَبْلَ أَنْ يُحَرِّمَ الْأَمَةَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَشْهَبُ نِكَاحُهُ جَائِزٌ وَلَهُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ٠ وَلَا يُحْدِثُ تَحْرِيمًا لِجَارِيَتِهِ لِأَنَّ نِكَاحَ أُخْتِهَا قَدْ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ حَتَّى يُحَرِّمَ الْأَمَةَ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَقَفَ بَعْدَ النِّكَاحِ لَا يَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَيَّتَهُمَا شَاءَ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُفْسَخُ النِّكَاحُ وَلَا يُقَرُّ عَلَى حَالٍ وَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْوَقْفِ أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ وَلِوَطْءِ الْأَمَةِ تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ اسْتِدَامَةِ إمْسَاكِهَا مَعَ مَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلِذَلِكَ إذَا وَطِئَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مُنِعَ مِنْ وَطْئِهِمَا حَتَّى يُحَرِّمَ فَرْجَ إحْدَاهُمَا وَلِعَقْدِ النِّكَاحِ تَأْثِيرٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَقَدْ وُجِدَ فِي كِلَا الْجَنْبَتَيْنِ مُؤَثِّرٌ فِي الْمَنْعِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ إحْدَاهُمَا كَمَا لَوْ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لِسَبَبِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا مَنْعًا يُفْسَخُ بِهِ عَقْدُهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُولَى زَوْجَةً.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاللَّتَانِ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ النِّسَاءِ قَالَ ابْنُ بُكَيْر هُمَا كُلُّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ذَكَرًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأُخْرَى لِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ نَحْوِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وِلَادَةٌ كَالْأُمِّ مَعَ الْبِنْتِ وَالْجَدَّةِ مَعَ الْحَفِيدَةِ فَهَذَا الضَّرْبُ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا وَالضَّرْبُ الثَّانِي لَيْسَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وِلَادَةٌ كَالْأُخْتِ مَعَ الْأُخْتِ وَالْخَالَةِ وَبِنْتِ أُخْتِهَا وَالْعَمَّةِ مَعَ بِنْتِ أَخِيهَا فَهَذَا الضَّرْبُ الَّذِي يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَ الْأُخْرَى فَالْأُخْتُ هِيَ الْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَّةُ هِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ هِيَ أُخْتٌ لِرَجُلٍ لَهُ عَلَيْك وِلَادَةٌ وَالْخَالَةُ هِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ هِيَ أُخْتٌ لِامْرَأَةٍ لَهَا عَلَيْك وِلَادَةٌ فَأُخْتُ الْجَدَّةِ لِلْأَبِ خَالَةٌ وَكَذَلِكَ أُخْتُ أُمِّ الْأَبِ وَأُخْتُ الْجَدِّ لِلْأُمِّ عَمَّةٌ وَكَذَلِكَ أُخْتُ أَبِي أُمِّ الْأُمِّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجَةِ أَبِيهَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الطَّرَفَيْنِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ذَكَرًا فَيَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأُخْرَى أَوْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةُ الْأَبِ ذَكَرًا.
وَقَالَ ابْنُ بُكَيْر وَلَوْ تَصَوَّرْنَاهَا ذَكَرًا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي النَّهْيِ عَنْ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ أَمَةً فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةً حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ وَالْوَلِيدَةُ فِي عُرْفِ اسْتِعْمَالِهِمْ هِيَ الْأَمَةُ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ زِنًا وَالنِّكَاحُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ فِي حَالٍ يَتَعَقَّبُهُ السِّبَاءُ وَنِكَاحٌ فِي حَالٍ لَا يَتَعَقَّبُهَا السِّبَاءُ فَأَمَّا النِّكَاحُ فِي حَالٍ يَتَعَقَّبُهَا السِّبَاءُ فَهُوَ أَنْ يَتَنَاكَحَ الْمُشْرِكَانِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ ثُمَّ تُسْبَى الْمَرْأَةُ حَامِلًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ صَارَتْ فِي سَهْمِهِ وَلِمَنْ ابْتَاعَهَا أَنْ يَطَأَهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ تَلْبِيسًا فِي النَّسَبِ وَالشَّرْعُ مَوْضُوعٌ عَلَى تَخْلِيصِ الْأَنْسَابِ وَلِهَذَا شُرِعَتْ الْعِدَّةُ وَالِاسْتِبْرَاءُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا النِّكَاحُ الَّذِي لَا يَتَعَقَّبُهُ السِّبَاءُ فَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا حَامِلًا لَا يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ حَمْلُهَا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ مِثْلُ أَنْ يَطَأَهَا سَيِّدُهَا فَيَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يُزَوِّجُهَا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَنْ ابْتَاعَهَا أَوْ نَكَحَهَا وَطْؤُهَا بَلْ لَا يَحِلُّ ابْتِيَاعُهَا وَلَا نِكَاحُهَا بِوَجْهٍ
стр. 984
مَا لَا يَجُوزُ مِنْ نِكَاحِ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَتِهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سُئِلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا الْأُمُّ مُبْهَمَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَرْطٌ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ)
ــ
[المنتقى]
وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ زِنًا لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا.
(فَرْعٌ) وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ وَلِيدَةٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا لِحَمْلِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَهَا وَلَا يَسْتَمْتِعَ بِهَا رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَلَا يُقَبِّلَهَا وَلَا يُبَاشِرَهَا وَلَا يَلْتَذَّ بِهَا بِغَمْزٍ وَلَا غَيْرِهِ كَانَ حَمْلُهَا ذَلِكَ مِنْ زِنًا أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَمَسَّ لَهَا يَدًا وَلَا رِجْلًا.
[مَا لَا يَجُوزُ مِنْ نِكَاحِ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَتِهِ]
(ش) : قَوْلُهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا يُرِيدُ أَنَّهُ عَقَدَ نِكَاحَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا فَسَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ هَلْ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأُمُّ مُبْهَمَةٌ يُرِيدُ أَنَّ ذِكْرَهَا فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ لِأَنَّهُ قَالَ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْبِنَاءِ وَلَا غَيْرِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَيْسَ فِيهَا شَرْطٌ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي تَحْرِيمِ الْأُمِّ دُخُولًا وَلَا غَيْرَهُ وَقَوْلُهُ ﵁ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ يُرِيدُ أَنَّ التَّقْيِيدَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الرَّبَائِبِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَقَيَّدَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ بِالدُّخُولِ بِالْأُمِّ فَبَقِيَتْ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا دَاخِلَةً تَحْتَ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ هُوَ قَوْلُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ عُمَرَ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُمَّ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِالْبِنْتِ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٌ.
وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ أَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ الْقَاضِي قَالَ وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْهُ قَالَ وَقَدْ سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يُضَعِّفُ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدٍ وَقَالَ أَحْسَبُ أَنَّ بَيْنَهُمَا رَجُلًا لِأَنَّهُ يُخَالِفُ أَصْحَابَ سَعِيدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَلَمْ يَخُصَّ مَدْخُولًا بِابْنَتِهَا مِنْ غَيْرِهَا فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّهُ قَدْ شَرَطَ فِي الرَّبَائِبِ بَعْدَ هَذَا الدُّخُولِ فَقَالَ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَالشَّرْطُ إذَا وَرَدَتْ عَقِبَهُ جُمَلٌ وَجَبَ تَعَلُّقُهُ بِجَمِيعِهَا كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ رَاجِعًا إلَى جَمِيعِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْتَظِمْ عَلَيْهِ الْكَلَامُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَا يَصِحُّ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ وَلَا يَصِحُّ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اللَّفْظِ وَلَا بِالْمَوْضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَإِنَّ النِّسَاءَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مَخْفُوضٌ بِالْإِضَافَةِ وَالنِّسَاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] مَخْفُوضٌ بِحَرْفِ الْجَرِّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] نَعْتًا لَهُمَا لِاخْتِلَافِ الْعَامِلِ فِيهِمَا هَذَا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ النُّحَاةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْخَفْضِ وَمَا قَالَهُ الْبَصْرِيُّونَ أَوْلَى لِأَنَّ الصِّفَةَ تَتْبَعُ الْمَوْصُوفَ فِي الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي الْمَوْصُوفِ عَامِلًا فِي الصِّفَةِ وَلِذَلِكَ إذَا قُلْت هَذَا غُلَامُ زَيْدٍ الْعَاقِلُ وَإِنْ كَانَ خَفْضُ زَيْدٍ بِالْإِضَافَةِ فَخَفْضُ الْعَاقِلِ بِذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ هَذَا غُلَامُ الْعَاقِلِ وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ كَوْنُهُ وَصْفًا لَهُ وَإِذَا قُلْت خُذْ مِنْ عَمْرِو الْكَرِيمِ دِرْهَمًا فَإِنَّ الْكَرِيمَ أَيْضًا وَصْفٌ
стр. 985
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اسْتَفْتَى وَهُوَ بِالْكُوفَةِ عَنْ نِكَاحِ الْأُمِّ بَعْدَ الْبِنْتِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْبِنْتُ مُسَّتْ فَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى أَتَى الرَّجُلَ الَّذِي أَفْتَاهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ) .
ــ
[المنتقى]
لِعَمْرٍو لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّهُ فَتَقُولُ خُذْ مِنْ الْكَرِيمِ دِرْهَمًا فَإِذَا أَرَدْت أَنْ تَقُولَ هَذَا غُلَامُ زَيْدٍ وَخُذْ مِنْ عَمْرٍو دِرْهَمًا الْكَرِيمَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّ زَيْدٍ الْمُضَافِ وَالْعَامِلُ فِيهِ مِنْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّ عُمَرَ وَالْمَخْفُوضِ بِمِنْ وَالْعَامِلُ فِيهِ الْإِضَافَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا تَحْرُمُ الْمُعَاقَبَةُ بَيْنَهُمَا وَهُنَّ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ اللَّاتِي لَيْسَ لِبَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ وِلَادَةٌ وَالضَّرْبُ الثَّانِي يَحْرُمُ الْجَمْعُ وَالْمُعَاقَبَةُ بَيْنَهُمَا وَهُنَّ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ اللَّاتِي لِبَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ وِلَادَةٌ كَالْأُمِّ مَعَ بِنْتِهَا وَالْجَدَّةِ مَعَ جَدَّتِهَا فَهَؤُلَاءِ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ وَطْءَ إحْدَاهُنَّ عَلَى وَجْهِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ يُحَرِّمُ الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيدِ وَهَلْ يُحَرِّمُهَا الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِهِ؟ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُنَّ وَسَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اسْتَفْتَى وَهُوَ بِالْكُوفَةِ عَنْ نِكَاحِ الْأُمِّ بَعْدَ الْبِنْتِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْبِنْتُ مُسَّتْ فَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى أَتَى الرَّجُلَ الَّذِي أَفْتَاهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ) .
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اسْتَفْتَى وَهُوَ بِالْكُوفَةِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَرْسَلَهُ إلَى الْكُوفَةِ لِيُعَلِّمَهُمْ الْعِلْمَ وَيُفْتِي بَيْنَهُمْ فَاسْتُفْتِيَ هُنَاكَ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي نِكَاحِ الْأُمِّ بَعْدَ الِابْنَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ الِابْنَةُ مُسَّتْ فَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَأَنَا أَحْسَبُ أَنَّ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ أُمَّهَاتِ الزَّوْجَاتِ مِثْلُ الرَّبَائِبِ إنَّمَا ذَهَبُوا إلَى قِيَاسِ بَعْضِ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ النَّصُّ يُوجِبُهُ يُرِيدُ أَنَّ النَّصَّ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَفْتَى فِي ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الرَّبَائِبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِهِ صِحَّةَ مَا أَفْتَى بِهِ لِيَعْلَمَ مُوَافَقَةَ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ أَوْ مُخَالَفَتَهُمْ إيَّاهُ فَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ فِيمَا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ لِيَعْلَمَ مَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ إلَيْهِ وَجْهُ الْمَسْأَلَةِ فَشَكَّ فِي فَتْوَاهُ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَهُ لِيُظْهِرَ لَهُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِكَثْرَةِ الْعُلَمَاءِ بِهَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ أَهْلُ الْآفَاقِ فِي الْفَتَاوَى لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْبَحْثِ وَالنَّظَرِ لِأَنَّ مَا قَصَرَ عَنْهُ أَحَدُهُمْ اسْتَدْرَكَهُ سَائِرُهُمْ وَأَمَّا الْوَاحِدُ فَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ بُلُوغُ الْمُرَادِ مِنْ النَّظَرِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرَّبَائِبِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ فِي حُكْمِهِ لِلْأُمِّ بَعْدَ الْعَقْدِ بِمِثْلِ حُكْمِهِ لِلْبِنْتِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ مِنْ اعْتِبَارِ الدُّخُولِ بِالْأُولَى وَذَلِكَ أَنَّ شَرْطَ اعْتِبَارِ الدُّخُولِ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِالرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى أَتَى الرَّجُلَ الَّذِي أَفْتَاهُ بِذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ يُرِيدُ تَعْجِيلَ أَمْرِهِ لَهُ بِالْفِرَاقِ وَإِخْبَارَهُ بِمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَنْزِلِهِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَدْ ظَهَرَ إلَيْهِ وَجْهُ الصَّوَابِ فِي خِلَافِ مَا أَفْتَى بِهِ فَتَعَجَّلَ اسْتِدْرَاكَ الْأَمْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى مَنْعِهِ اسْتِدَامَةُ نِكَاحٍ مِنْ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بَاقِيًا عَلَى مَذْهَبِهِ غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَجْرِي عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَالْأَخْذُ بِهِ وَحَمْلُ النَّاسِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ
стр. 986
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا فَيُصِيبُهَا إنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَيُفَارِقُهُمَا جَمِيعًا وَيَحْرُمَانِ عَلَيْهِ أَبَدًا إذَا كَانَ قَدْ أَصَابَ الْأُمَّ فَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْأُمَّ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَفَارَقَ الْأُمَّ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا فَيُصِيبُهَا أَنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا أَبَدًا وَلَا تَحِلُّ لِأَبِيهِ وَلَا لِابْنِهِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ ابْنَتُهَا وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ) .
ــ
[المنتقى]
مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَإِنَّ الرُّجُوعَ فِيهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ إلَى إمَامِ ذَلِكَ الْعَصْرِ إذَا ظَهَرَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَوَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ تَحْتَهُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا فَيُصِيبُهَا إنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَيُفَارِقُهُمَا جَمِيعًا وَيَحْرُمَانِ عَلَيْهِ أَبَدًا إذَا كَانَ قَدْ أَصَابَ الْأُمَّ فَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْأُمَّ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَفَارَقَ الْأُمَّ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ عَلَى ابْنَتِهَا حَرَامٌ فَإِذَا وَطِئَهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْأَمَةُ لِوَطْئِهِ أُمَّهَا وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْأُمُّ لِعَقْدِهِ نِكَاحَ ابْنَتِهَا قَبْلَهَا فَحُرِّمَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ الْأُمَّ فَارَقَهَا لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ لِتَقَدُّمِ نِكَاحِ ابْنَتِهَا وَبَقِيَ عَلَى نِكَاحِ الْبِنْتِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ وَطْءِ الْأُمِّ وَالِالْتِذَاذِ بِهَا مَا يُحَرِّمُهَا، وَنِكَاحُهَا يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِمَا عَقْدًا وَاحِدًا وَالثَّانِي أَنْ يَنْكِحَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَقَدْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا فَلَا يَخْلُو أَنْ لَا يَدْخُلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَوْ أَنْ يَدْخُلَ بِإِحْدَاهُمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ يُفْسَخُ النِّكَاحُ وَلَا يُقَرُّ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا يَصِحُّ إمْضَاؤُهُ عَلَى وَجْهِهِ لِفَسَادِهِ فَوَجَبَ إبْطَالُ جَمِيعِهِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا ابْتَاعَ ثَوْبًا وَخِنْزِيرًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُمَّ مِنْهُمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَهُ ذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ.
وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ وَطْءُ شُبْهَةٍ وَلَا عَقْدُ نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَإِنَّمَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ أَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَطْءُ الشُّبْهَةِ أَوْ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ فَأَمَّا الْعَقْدُ الْفَاسِدُ بِمُجَرَّدِهِ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي اسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْحُرْمَةِ أَمْرَانِ الْعَقْدُ وَالْوَطْءُ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فَكَذَلِكَ عَقْدُ الشُّبْهَةِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِنْ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا وَكَانَتْ الْبِنْتُ هِيَ الْمَدْخُولُ بِهَا فَإِنَّ الْأُمَّ يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبِنْتِ وَيَسْتَقْبِلُ نِكَاحًا إنْ شَاءَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَإِنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ تَأَبَّدَ تَحْرِيمَ الْبِنْتِ وَفُسِخَ نِكَاحُ الْأُمِّ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَعَلَى رِوَايَةِ سَحْنُونٍ يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُ الْأُمِّ أَيْضًا فَإِنْ دَخَلَ بِهَا تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهُمَا قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّ وَطْءَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِشُبْهَةٍ نِكَاحٌ يُؤَبِّدُ تَحْرِيمَ الْأُخْرَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِالْعَقْدِ فَتَزَوَّجَ الْأُمَّ أَوَّلًا ثُمَّ الْبِنْتَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبِنْتِ وَيَثْبُتُ عَلَى نِكَاحِ الْأُمِّ وَلَوْ بَنَى بِالْبِنْتِ لَحُرِّمَتْ الْأُمُّ عَلَى التَّأْبِيدِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبِنْتِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إنْ شَاءَ فَإِنْ بَنَى بِهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ لَا يُحَرِّمُ الْبِنْتَ وَلَا يَبْطُلُ إلَّا بِوَطْءِ الْبِنْتِ وَوَطْءُ الْأُمِّ يُؤَبِّدُ تَحْرِيمَ الْبِنْتِ وَوَطْءُ الْبِنْتِ بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ يُؤَبِّدُ تَحْرِيمَ الْأُمِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ أَوَّلًا ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمَّهَا فَلَمْ يَبْنِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَقَدْ تَأَبَّدَ تَحْرِيمُ الْأُمِّ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ عَلَى الْبِنْتِ وَيُفْسَخُ نِكَاحُ الْأُمِّ وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الْبِنْتِ وَكَذَلِكَ لَوْ بَنَى بِالْبِنْتِ دُونَ الْأُمِّ فَإِنْ وَطِىءَ الْأُمَّ أَوْ وَطِئَهُمَا فَقَدْ تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهُمَا لِأَنَّ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ تَأَبَّدَ تَحْرِيمُ الْأُمِّ وَبِوَطْءِ الْأُمِّ بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ تَأَبَّدَ تَحْرِيمُ الْبِنْتِ.
(ش) : قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ ثُمَّ يَنْكِحُ أُمَّهَا فَأَصَابَهَا فَإِنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ أُمَّهَا رَاجِعًا إلَى الْبِنْتِ فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ الْأُمَّ آخِرًا وَأَصَابَهَا لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ لِأَنَّ عَقْدَهُ عَلَى الْبِنْتِ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ الْأُمَّ عَلَى التَّأْبِيدِ فَإِصَابَتُهُ إيَّاهَا بِالْعَقْدِ الَّذِي أَحْدَثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُزِيلُ مَا تَأَبَّدَ مِنْ التَّحْرِيمِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَأَصَابَهَا رَاجِعًا إلَى الْأُمِّ الْمُتَزَوَّجَةِ آخِرًا أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأُمِّ فِي قَوْلِهِ أُمَّهَا جَدَّةَ الْبِنْتِ
стр. 987
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الزِّنَى فَلَا يُحَرِّمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّمَا حَرَّمَ مَا كَانَ تَزْوِيجًا وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْرِيمَ الزِّنَى فَكُلُّ تَزْوِيجٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ يُصِيبُ صَاحِبُهُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّزْوِيجِ الْحَلَالِ فَهَذَا الَّذِي سَمِعْت وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا) .
ــ
[المنتقى]
الْمُتَزَوَّجَةَ أَوَّلًا وَهَذَا أَيْضًا قَدْ ثَبَتَ لِأُمِّ الْأُمِّ بِالْعَقْدِ عَلَى ابْنَةِ ابْنَتِهَا فَلَا يَزِيدُهُ عَقْدُهُ عَلَى ابْنَتِهَا وَبِنَاؤُهُ بِهَا إلَّا تَأْكِيدَ التَّحْرِيمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا تَحِلُّ لِأَبِيهِ وَلَا لِابْنِهِ وَذَلِكَ أَنَّهَا فِي حَقِّ الْأَبِ مِنْ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ وَفِي حَقِّ الِابْنِ مِمَّا لِلْأَبِ مِنْ النِّسَاءِ وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ مَعْنَيَانِ مُؤَثِّرَانِ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ وَمِنْهَا الْعَقْدُ وَالْوَطْءُ فَأَمَّا الْعَقْدُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ مُبَاحٌ وَمَحْظُورٌ فَأَمَّا الْمُبَاحُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ فَإِذَا عَقَدَ الرَّجُلُ عَقْدَ نِكَاحٍ مُبَاحٍ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ وَوَلَدُ الْبِنْتِ وَإِنْ سَفَلَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ وَأَبُو الْأَبِ وَأَبُو الْأُمِّ وَإِنْ عَلَا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَالرَّضَاعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فِي تَحْرِيمِ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ وَمَا نَكَحَ الْآبَاءُ مِنْ النِّسَاءِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعَقْدُ الْمَكْرُوهُ وَهُوَ الْمُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَمَنْ عَقَدَ نِكَاحًا مُخْتَلَفًا فِيهِ ثُمَّ فَسَخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ الَّذِي سَمَّى مَهْرًا وَالنِّكَاحُ بِالصَّدَاقِ الْمَجْهُولِ أَوْ إلَى أَجَلٍ غَيْرِ مُسَمًّى أَوْ إلَى مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ أَوْ النِّكَاحُ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ إذَا انْعَقَدَ بِهِ النِّكَاحُ حُرِّمَتْ الزَّوْجَةُ عَلَى أَبِي الزَّوْجِ وَابْنِهِ وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ مُحَرَّمًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ كَنِكَاحِ الْخَامِسَةِ وَالنِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ وَنِكَاحِ الْأُخْتِ عَلَى الْأُخْتِ وَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ وَنِكَاحِ التَّحْلِيلِ وَنِكَاحِ السِّرِّ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ بِذَلِكَ لَا تُحَرَّمُ عَلَى أَبِي الزَّوْجِ وَلَا عَلَى ابْنِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فِي حُكْمِ الْوَطْءِ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ أَوْ زِنًا فَأَمَّا الْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا وَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّ تَزْوِيجَ الْأُمِّ عَلَى ابْنَتِهَا حَرَامٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنْ أَصَابَ الْأُمَّ فِيهِ تَحْرُمُ الْبِنْتُ.
(فَرْعٌ) وَالِالْتِذَاذُ بِالْمَرْأَةِ يَجْرِي فِي التَّحْرِيمِ مَجْرَى الْمَسِيسِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي وَاضِحَتِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُحَرِّمُ الرَّبَائِبَ فَوَجَبَ أَنْ يُحَرِّمَ حَلَائِلَ الْأَبْنَاءِ وَحَلَائِلَ الْآبَاءِ كَالْوَطْءِ.
(ش) : قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيمَا يَجِبُ مِنْ التَّحْرِيمِ بِالْوَطْءِ عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ وَأَمَّا الْوَطْءُ عَلَى وَجْهِ الزِّنَى فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَقَالَ فِي الْمُوَطَّإِ إنَّ الزِّنَى لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ زَنَى بِأُمِّ امْرَأَتِهِ أَوْ بِابْنَتِهَا أَنَّهُ يُفَارِقُ امْرَأَتَهُ وَلَا يُقِيمُ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ عِنْدِي إذْ زَنَى الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ لَمْ يَنْبَغِ لِأَبِيهِ وَلَا لِابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَبَدًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ رِوَايَةِ الْمُوَطَّإِ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَلَمْ يَذْكُرْ الزِّنَى فِي جُمْلَةِ مَا وَقَعَ بِهِ التَّحْرِيمُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ الْمُؤَقَّتُ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ كَاللِّوَاطِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ يُرِيدُ بِالتَّحْرِيمِ الْمُؤَقَّتِ الْعِدَّةَ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّ الْحُرْمَةَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فَلَمْ تَثْبُتْ بِالزِّنَى كَالْإِحْصَانِ وَالنَّفَقَةِ وَإِسْقَاطِ الْحَدِّ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَصِيغَةُ النِّكَاحِ فِي الْوَطْءِ مَوْضُوعٌ لِلْوَطْءِ فَالظَّاهِرُ يَقْتَضِي لِعُمُومِهِ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ وَطِئَهَا الْأَبُ فَقَدْ نُهِيَ عَنْ وَطْئِهَا ابْنُهُ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ هَذَا بِالْوَطْءِ الصَّحِيحِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي فَسَادِ الصَّوْمِ كَمَا لَا يَجُوزُ
стр. 988
نِكَاحُ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَةٍ قَدْ أَصَابَهَا عَلَى وَجْهٍ مِمَّا يُكْرَهُ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهَا أَنَّهُ يَنْكِحُ ابْنَتَهَا وَيَنْكِحُهَا ابْنُهُ إنْ شَاءَ
ــ
[المنتقى]
اعْتِبَارُهُ بِهِ فِي التَّحْرِيمِ الْمُؤَقَّتِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَجَوَابُ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْأَكْلَ يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَاللِّوَاطَ يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي إفْسَادِ الْحَجِّ، وَلَا يَنْشُرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْحُرْمَةَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّمَا حَرَّمَ مَا كَانَ تَزْوِيجًا وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْرِيمَ الزِّنَى يُرِيدُ مَالِكٌ ﵀ أَنَّ لَفْظَ النِّسَاءِ إنَّمَا يَخْرُجُ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ إلَى الزَّوْجَاتِ دُونَ مَنْ يُصَابُ مِنْ النِّسَاءِ عَلَى وَجْهِ الزِّنَى لِأَنَّ لَفْظَ النِّسَاءِ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ أُنْثَى وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ قَالَ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ مِنْ النِّسَاءِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِلَفْظِ النِّسَاءِ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِذَلِكَ جَمَاعَةَ النِّسَاءِ لَحُرِّمَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ لَهَا بِنْتٌ وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ عُرْفَ الِاسْتِعْمَالِ جَارٍ عَلَى أَنَّ إضَافَةَ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ تَقْتَضِي كَوْنَهَا زَوْجَةً لَهُ فَإِذَا قَالَ إنْسَانٌ هَذِهِ مِنْ نِسَاءِ فُلَانٍ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهَا مِنْ زَوْجَاتِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ هَذِهِ امْرَأَةُ فُلَانٍ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَزْوَاجُهُ ﷺ وَعَلَى هَذَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمُ أُمَّهَاتِ الزَّوْجَاتِ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْرِيمَ الزِّنَى يُرِيدُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ ذِكْرُ التَّحْرِيمِ وَيَحْتَاجُ فِي إبَاحَتِهِ إلَى زِيَادَةٍ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ التَّحْرِيمُ فَيَجِبُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِيهِ حَتَّى تُوجَدَ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ الْآيَةِ بِمَا يُحَرِّمُهُ أَوْ يُبِيحُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَقُولُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالْآيَةِ مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلَّقَ التَّحْرِيمَ عَلَى أُمَّهَاتِ الزَّوْجَاتِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى انْتِفَالِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ غَيْرِ الزَّوْجَاتِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْوَطْءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ وَوَطْءُ شُبْهَةٍ فَأَمَّا الْمُبَاحُ وَالْمُحَرَّمُ فَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا وَطْءُ الشُّبْهَةِ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَصْحَابِنَا خِلَافًا فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ عُمَرَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إذَا وَطِئَ ابْنَتَهُ فِي اللَّيْلِ يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ لَمْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ.
١ -
(فَرْعٌ) إنْ قُلْنَا إنَّ الْوَطْءَ عَلَى وَجْهِ الزِّنَى لَا يُحَرِّمُ الْأُمَّ وَالِابْنَةَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الصَّقَلِّيِّينَ فِيمَنْ مَرَّ بِيَدِهِ عَلَى فَخْذِ ابْنَتِهِ يَظُنُّهَا امْرَأَتَهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا ابْنَتُهُ وَتَعَمَّدَ ذَلِكَ دَخَلَهُ الْخِلَافُ فِيمَنْ زَنَى بِخَتَنَتِهِ هَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَبَلَغَنِي عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَتْ الْمَلْمُوسَةُ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ، وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَكَانَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ شَبْلُونٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ الطَّائِيُّ يَقُولُونَ لَا يَقَعُ بِهَذَا تَحْرِيمٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵀ وَكُلُّ تَزْوِيجٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ يُصِيبُ صَاحِبُهُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّزْوِيجِ الْحَلَالِ يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَقَدَ التَّزْوِيجَ عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ الْمُبَاحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ قَصَدَ بِهِ النِّكَاحَ فَإِنَّ إصَابَةَ الزَّوْجَةِ فِيهِ تَنْشُرُ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا تَنْشُرُ الْإِصَابَةُ مِنْ التَّزْوِيجِ الْحَلَالِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكُلُّ وَطْءٍ حَرَامٍ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْ غَيْرِهِ كَانَ بِنِكَاحِ شُبْهَةٍ أَوْ جَهَالَةٍ فَالْحَدُّ فِيهِ سَاقِطٌ وَالْوَلَدُ فِيهِ لَاحِقٌ وَمَا كَانَ يَتَعَمَّدُ بِغَيْرِ وَجْهِ شُبْهَةِ نِكَاحٍ وَلَا مِلْكَ فَالْحَدُّ فِيهِ وَاقِعٌ وَالْوَلَدُ سَاقِطٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَتَزَوَّجَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا يَعْقِدُهُ لَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْبُضْعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 989
وَذَلِكَ أَنَّهُ أَصَابَهَا حَرَامًا وَإِنَّمَا الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مَا أُصِيبَ بِالْحَلَالِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ بِالنِّكَاحِ قَالَ مَالِكٌ قَالَ اللَّهُ ﵎ اسْمُهُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] قَالَ مَالِكٌ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَكَحَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا نِكَاحًا حَلَالًا فَأَصَابَهَا حُرِّمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ نَكَحَهَا عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ فِيهِ الْحَدُّ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ بِأَبِيهِ وَكَمَا حُرِّمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حِينَ تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ فِي عِدَّتِهَا وَأَصَابَهَا فَكَذَلِكَ تَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ ابْنَتُهَا إذَا هُوَ أَصَابَ أُمَّهَا) .
ــ
[المنتقى]
[نِكَاحُ الرَّجُلِ أُمَّ امْرَأَةٍ قَدْ أَصَابَهَا عَلَى وَجْهٍ مِمَّا يُكْرَهُ]
(ش) : قَوْلُهُ ﵀ فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهَا أَنَّهُ يَنْكِحُ ابْنَتَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ وَطْءَ الزِّنَا لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا سَوَاءٌ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي أُمِّهَا أَوْ لَمْ يَقُمْ وَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ ابْنَتُهَا مَخْلُوقَةً مِنْ غَيْرِ مَائِهِ أَوْ مَخْلُوقَةً مِنْ مَائِهِ فَإِنْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً مِنْ غَيْرِ مَائِهِ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ ابْنَةً مِنْ غَيْرِهِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ سِفَاحٍ فَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا أَنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْوَاضِحَةِ أَنَّ مَنْ زَنَى بِالْأُمِّ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا وَتَقَدُّمُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فَتَزَوَّجَ الْبِنْتَ بَعْدَ الزِّنَى بِالْأُمِّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُفَارِقُهُ وَلَمْ يَقُلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ جَازَ وَلَمْ أَحْكُمْ عَلَيْهِ بِالْفِرَاقِ وَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَإِذَا قُلْنَا بِالْإِبَاحَةِ وَكَانَتْ الْبِنْتُ مَخْلُوقَةً مِنْ مَائِهِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ زَنَى بِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَوَلَدَتْ جَارِيَةٌ فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ قَالَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ قَدْ قَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي عِلَّةِ التَّحْرِيمِ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا رَبِيبَةُ بِنْتِ امْرَأَةٍ وَطِئَهَا بِزِنًا وَالزِّنَا عِنْدَهُمْ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ الْأُمَّ وَالْبِنْتَ وَيَنْشُرُ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ فَعَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ يَجُوزُ لِأَخِي الزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَقُولُ إنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ وَخُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ فَعَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ لَا يَجُوزُ لِأَخِي الزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِأَنَّهُ عَمُّهَا وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا مَعْنًى لَا يُوجِبُ نَسَبًا وَلَا تَحْرِيمَ مُصَاهَرَةٍ فَلَمْ يَمْنَعْ النِّكَاحَ بَيْنَ الْأَحْرَارِ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ سَحْنُونٌ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ هَذَا خَطَأٌ صُرَاحٌ وَمَا عَلِمْت مَنْ قَالَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا مَعَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَتَزَوَّجُ ابْنَتَهُ مِنْ الزِّنَا وَأَبَاهُ أَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي ظَنِّي وَمَكْرُوهُهُ بَيِّنٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا مِنْ زِنًا مُحَرَّمٍ الْوَلَدُ عَلَى مَنْ وَلَدَهُ كَالْوَلَدِ يَحْرُمُ عَلَى الْأُمِّ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيَنْكِحُهَا ابْنُهُ إنْ شَاءَ يُرِيدُ لِأَنَّهُ أَصَابَهَا حَرَامًا وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ لِابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مَا أُصِيبَ بِالْحَلَالِ عَلَى وَجْهِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ يُرِيدُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْوَطْءِ عَلَى هَذِهِ الْوَجْهِ فَهُوَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ الْمُصَاهَرَةِ دُونَ مَا يَكُونُ مِنْ لَفْظِ الْحَرَامِ وَيَقْتَضِي قَوْلُهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَطْءَ فِي شُبْهَةِ النِّكَاحِ حَلَالٌ وَلِذَلِكَ قَالَ مَا أُصِيبَ بِالْحَلَالِ عَلَى وَجْهِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ حَلَالٌ مِنْ جِهَةِ الْقَصْدِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشُبْهَةِ نِكَاحٍ فَوَطِئَهَا حَائِضَةً أَوْ مُحْرِمَةً أَوْ صَائِمَةً لَنَشَرَ هَذَا الْوَطْءُ عِنْدِي الْحُرْمَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا بَلْ هُوَ وَطْءٌ حَرَامٌ مَحْظُورٌ لَكِنَّ تَحْرِيمَهُ لَيْسَ لِتَعَرِّيهِ عَنْ شُبْهَةِ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَهَذِهِ الْآيَةُ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَقْدَ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ يُحَرِّمُهَا عَلَى ابْنِهِ دُونَ
стр. 990
جَامِعُ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النِّكَاحِ (ص) : (مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشَّغَارِ وَالشَّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
اسْتِمْتَاعٍ وَلَا بِنَاءٍ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَإِنَّمَا يُرَاعَى الِاسْتِمْتَاعُ وَالْوَطْءُ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَهُمْ غَيْرُ مُؤَاخَذِينَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَكَحَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا نِكَاحًا حَلَالًا يُرِيدُ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ وُجُودُ الْوَلِيِّ وَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَصِحَّةُ الْمَهْرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ وَأَوْصَافِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا مِنْ جِهَةِ الْعِدَّةِ قَالَ فَأَصَابَهَا حُرِّمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَطْءَ وُجِدَ مِنْهُ فِي شُبْهَةِ النِّكَاحِ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ تَحْرِيمَ الْمَوْطُوءَةِ عَلَى ابْنِ الْوَاطِئِ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ نَكَحَهَا عَلَى وَجْهِ الْحَلَالِ لَا يُقَامُ فِيهِ الْحَدُّ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ بِأَبِيهِ يُرِيدُ أَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ ثَابِتَةٌ فِي هَذَا النِّكَاحِ إذَا أُصِيبَ بِهِ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لِمُصَادَفَةِ زَمَنِ الْعِدَّةِ وَتَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِالْإِصَابَةِ فِيهِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ أَوْ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ فَأَمَّا إذَا كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ فَإِنَّ حُكْمَهُ عِنْدِي يَحْتَمِلُ مِنْ الْخِلَافِ مَا ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا فِي تَحْرِيمِ التَّأْبِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَمَا حُرِّمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حِينَ تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ فِي عِدَّتِهَا وَأَصَابَهَا فَكَذَلِكَ تَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ ابْنَتُهَا إذَا هُوَ أَصَابَ أُمَّهَا يُرِيدُ أَنَّ ثُبُوتَ بَعْضِ التَّحْرِيمِ فِي هَذَا النِّكَاحِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ سَائِرِهِ.
[جَامِعُ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ النِّكَاحِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ الشِّغَارُ هُوَ النِّكَاحُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَفَسَادُهُ فَيَجِبُ إنْ وَقَعَ أَنْ يُفْسَخَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ إنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الشِّغَارِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي مَعْنَى الشَّغَارِ لِأَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ هُوَ قَوْلُهُ نَهَى عَنْ الشَّغَارِ وَبَاقِي الْحَدِيثِ يَجْعَلُونَهُ مِنْ تَفْسِيرِ نَافِعٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ لَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي فَسْخِهِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ قَالَ عَطَاءُ وَالشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الشَّغَارُ جَائِزٌ وَفِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ الشِّغَارِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَلَّك بُضْعَ ابْنَتِهِ شَخْصَيْنِ النَّاكِحَ وَابْنَتَهُ وَذَلِكَ يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ كَمَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا إنَّهُ يُفْسَخُ إنْ وَقَعَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَا يُفْسَخُ بَعْدَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ مَهْرٍ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا نُبَيِّنُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنْبَتَيْنِ ذِكْرُ مَهْرٍ فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا ذِكْرُ مَهْرٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أُزَوِّجُك ابْنَتِي بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك بِمِائَةٍ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الرَّجُلَ ابْنَتَهُ وَيَنْكِحُهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ وَيَضَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الصَّدَاقِ لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَوْ وَضَعَا الصَّدَاقَ كُلَّهُ كَانَ شَغَارًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ بُضْعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبِنْتَيْنِ مِلْكًا لِلزَّوْجِ الَّذِي
стр. 991
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُجَمِّعِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ حَارِثَةَ الْأَنْصَارِيِّ «عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهَا» )
ــ
[المنتقى]
تَزَوَّجَهَا وَالْبِنْتَ الْأُخْرَى مِلْكُ الزَّوْجِ بِالنِّكَاحِ وَمَلَكَتْهُ الْأُخْرَى لِأَنَّهُ بَعْضُ مَهْرِهَا وَذَلِكَ يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ قَدْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبُضْعَيْنِ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا فَخَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ عِوَضًا مِنْهُ فَصَحَّ الْعَقْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمَنْعِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِيقَةِ الشَّغَارِ إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ أَنَّ فِي الْعَقْدِ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا وَشَرْطًا يَكُونُ مَعَهُ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا فَدَخَلَ الْفَسَادُ بِذَلِكَ فِي الْمَهْرِ وَحُكْمُ ذَلِكَ أَنْ يُفْسَخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتَ بَعْدَهُ وَأَمَّا إذَا عَرَا عَنْ الْمَهْرِ فَالْفَسَادُ فِي الْعَقْدِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ سَمَّى لِإِحْدَاهُمَا مَهْرًا وَلَمْ يُسَمِّ لِلْأُخْرَى مَهْرًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أُزَوِّجُك ابْنَتِي بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك دُونَ مَهْرٍ فُسِخَ الْعَقْدَانِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ عَقْدُ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا مَهْرٌ وَيَثْبُتُ عَقْدُ الْأُخْرَى وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الَّتِي سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ وَاَلَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا مَهْرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْفَسَادُ دَخَلَ فِي النِّكَاحِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ وَلِفَسَادِ الْمَهْرِ فَأَمَّا فَسَادُ الْعَقْدِ فَمِثْلُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَنِكَاحِ الشِّغَارِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَإِذَا تَعَلَّقَ الْفَسَادُ بِالنِّكَاحِ لِعَقْدِهِ فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَوَجَبَ فِيهِ بِالدُّخُولِ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي النِّكَاحِ الَّذِي يَنْعَقِدُ عَلَى الْخِيَارِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَالثَّانِيَةُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَالْفَسَادُ فِي هَذَا النِّكَاحِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى رَاوِيَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَتَّى يَرِدَ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالشِّغَارُ فِي الْأُخْتَيْنِ كَالشَّغَارِ فِي الِابْنَتَيْنِ وَالْأَمَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالِابْنَتَيْنِ الْبِكْرَيْنِ وَهُمَا مَنْ لَا يُعْتَبَرُ بِرِضَاهُ فِي النِّكَاحِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَأَمَّا مَنْ يُعْتَبَرُ رِضَاهُ فَلَا يَدْخُلُهُ الشِّغَارُ وَإِنَّمَا هِيَ كَاَلَّتِي تَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إثْبَاتُ حُكْمِ الشِّغَارِ فِي الْمَوْلَاتَيْنِ وَالْمَوْلَاتَانِ لَا يُجْبَرَانِ عَلَى النِّكَاحِ وَلَوْ سَلِمَ لَهُ مَا قَالَهُ لَلَزِمَهُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ نِكَاحِ الشَّغَارِ وَبَيْنَ النِّكَاحِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي فَسْخِ نِكَاحِ الشَّغَار بَعْدَ الْبِنَاءِ مَوْجُودٌ كَمَا هُوَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ أَبَاهَا عَقَدَ نِكَاحَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ دُونَ أَنْ يَسْتَأْذِنَهَا وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَهَا وَيُوقِفَهُ عَلَى إجَازَتِهَا وَالثَّانِي أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَهَا وَيُلْزِمَهَا إيَّاهُ وَإِنْ كَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَمَّا النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ اخْتَلَفَ فِيهِ فَأَجَازَهُ مَرَّةً إذَا أُجِيزَ بِالْقُرْبِ.
وَقَالَ مَرَّةً أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ يَنْعَقِدُ وَيَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ فَإِنْ وُجِدَتْ الْإِجَازَةُ صَحَّ وَنَفَذَ وَإِنْ لَمْ تَقَعْ الْإِجَازَةُ بَطَلَ كَقَوْلِنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ بِوَجْهٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ جَوَازِ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كَوْنَ النِّكَاحِ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ مُجِيزٍ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى الْقَبُولِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْفَسْخِ فَجَازَ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْإِجَازَةِ كَعَقْدِ الْوَصِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ فَصِفَةُ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنْ يَعْقِدَ الْوَلِيُّ عَلَى وَلِيَّتِهِ وَيَشْتَرِطَ إجَازَتَهَا وَيَذْكُرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْهَا
стр. 992
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بَعْدُ وَأَنَّهُ قَدْ أَمْضَى مَا بِيَدِهِ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهَا إنْ أَجَازَتْ فَالنِّكَاحُ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيِّ قَدْ نَفَذَ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ أَوْ إجَازَةِ الزَّوْجِ أَوْ إذْنِ الْمَرْأَةِ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا صِفَةَ وَقْفِهِ عَلَى إذْنِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُ أَصْحَابُنَا جَوَازَهُ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْقِدَ الْوَلِيُّ مَا إلَيْهِ مِنْ الْعَقْدِ وَيَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الزَّوْجُ وَيَبْقَى مَا إلَى الزَّوْجَةِ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَنْفَذَ الزَّوْجُ مَا إلَيْهِ مِنْ الْقَبُولِ وَبَقِيَ الْعَقْدُ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِيجَابِ فَهَذَا مَوْقُوفٌ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ وَالثَّانِي أَنْ يُكْمِلَ الْوَلِيُّ الْعَقْد عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْمَرْأَةِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارَ فَهَذَا مَوْقُوفٌ طَرَفَاهُ عَلَى الْخِيَارِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ لَا فَرْقَ فِي الْقِيَاسِ بَيْنَ إجَازَتِهِ بِالْقُرْبِ أَوْ بَعْدَ الْبُعْدِ وَإِنَّمَا اُسْتُحْسِنَ فَسْخُهُ إذَا بَعُدَ وَإِجَازَتُهُ إذَا قَرُبَ لِأَنَّ الْيَسِيرَ يَجُوزُ فِي الْأُصُولِ كَيَسِيرِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ طَرَفَاهُ عَلَى الْإِجَازَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ قُرْبِ الْإِجَازَةِ وَلَا بُعْدِهَا فِي النِّكَاحِ وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّ الْقِيَاسَ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُنَافِيهِ الْخِيَارُ وَلَا يُنَافِي الْبَيْعَ وَمَا قَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ إجَازَتَهُ فِي قَرِيبِ الْمُدَّةِ دُونَ بِعِيدِهَا اسْتِحْسَانٌ كَإِجَازَةِ يَسِيرِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ كَثِيرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ وَذَلِكَ أَنَّ إجَازَةَ يَسِيرِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ كَثِيرِهِ لَيْسَ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَلْ هُوَ الْحَقُّ الْوَاجِبُ وَالْفَرْضُ اللَّازِمُ وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ الثَّابِتُ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ يُنَافِي الصَّلَاةَ بِإِجْمَاعٍ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِهَا وَفَرْضِهَا الِاتِّصَالُ وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيَسِيرُ الْعَمَلِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ يَسِيرِ الْعَمَلِ وَكَثِيرِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالنِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ طَرَفَاهُ عَلَى الْإِجَازَةِ قَدْ وُجِدَ جَمِيعُهُ فَإِنْ كَانَ وَقَعَ عَقْدُهُ صَحِيحًا فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ طَالَتْ مُدَّتُهُ أَوْ قَصُرَتْ وَإِنْ كَانَ وَقَعَ فَاسِدًا فَقَدْ فَسَدَ فِي الْوَجْهَيْنِ وَلِذُلِّك قُلْنَا إنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ النِّكَاحِ اتِّصَالُ أَحَدِ طَرَفَيْهِ بِالْآخَرِ وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ يَسِيرِ مُهْلَةٍ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُؤْتَى بِالْقَبُولِ بَعْدِ الْإِيجَابِ بِغَيْرِ فَصْلٍ وَلَا يُفْسِدُهُ تَأَخُّرُ الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ كَثِيرُ الْمُدَّةِ يَمْنَعُ انْعِقَادَهُ وَيَسِيرُهَا لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَالْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ طَرَفَاهُ عَلَى الْإِجَازَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ وَالثَّانِي الْمَنْعُ عَلَى وَجْهٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي.
وَقَدْ اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَأَمَّا النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ فَفِي كَرَاهِيَةِ مَا قَرُبَ مِنْهُ قَوْلَانِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ أَجَازَهُ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْجَارِيَةِ يُزَوِّجُهَا الْوَلِيُّ عَلَى إنْ رَضِيَتْ قَالَ يُفْسَخُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً قِيلَ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا قَالَ مَا أَدْرِي كَأَنَّهُ ضَعَّفَ الْفَسْخَ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَلَمْ يَرَهُ وَلَا خِلَافَ عَلَى هَذَا فِي صِحَّتِهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَرَاهِيَتِهِ وَفِيمَا بَعُدَ مِنْ الْمُدَّةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ وَالْآخَرُ الْإِبْطَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَجُوزُ فِي قَصِيرِ الْمُدَّةِ دُونَ طَوِيلِهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ أَوْ الْبِكْرَ أَوْ الثَّيِّبَ وَلَا يَسْتَأْمِرُهَا ثُمَّ يَسْتَأْمِرُهَا سِرًّا أَوْ يُبَلِّغُهَا فَتَرْضَى فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقُرْبِ تَزْوِيجِهِ وَكَانَتْ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ أَوْ الْمَوْضِعِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ الْبَلَدِ أَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً عَنْ مَوْضِعِهِ وَإِنْ جَمَعَهُمَا الْبَلَدُ أَوْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ تَزْوِيجِهِ إيَّاهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا وَبَيْنَ أَنْ عَلِمَتْ فَرَضِيَتْ وَأَنْ جَمَعَهُمَا الْبَلَدُ وَالْمَوْضِعُ فَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْبَلَدِ وَالْمَوْضِعِ وَقُرْبُ مُدَّةِ الرِّضَا وَلَمْ يُعْتَبَرُ مِقْدَارُ الْقُرْبِ فِي مُدَّةِ الرِّضَا وَقَالَ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُزَوِّجُ ابْنَهُ الْكَبِيرَ الْحَاضِرَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ أَنَّهُ إنَّ رَضِيَ بِحِدْثَانِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ رِضَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْيَوْمِ أَوْ
стр. 993
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أُتِيَ بِنِكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَقَالَ هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ وَلَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهِ لَرَجَمْت)
ــ
[المنتقى]
الْأَيَّامِ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ زَوَّجَ أُخْتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ وَهِيَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ مُقِيمَةٌ ثُمَّ تُخَيَّرُ فَتَرْضَى؟ إنَّ مَالِكًا أَجَازَهُ وَإِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً عِنْدَهُ فِي الْبَلَدِ فَلَمَّا عَلِمَتْ رَضِيَتْ لَمْ يَجُزْ هَذَا النِّكَاحُ قِيلَ لِسَحْنُونٍ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ أَنْ يَكُونَا فِي حِصْنٍ وَاحِدٍ وَهِيَ بَعِيدَةٌ وَالْبَلَدُ يَجْمَعُهُمَا؟ فَقَالَ بَلْ فِي حِصْنٍ وَاحِدٍ أَوْ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ مِنْ الْبَرِيدِ وَالْيَوْمِ وَشِبْهِهِ وَالْقُلْزُمِ مِنْ مِصْرَ مَا هُوَ بِكَثِيرٍ وَبَيْنَهُمَا يَوْمَانِ أَذَا أَرْسَلَ إلَيْهَا فِي فَوْرِ ذَلِكَ فَأَجَازَتْ فَأَمَّا مِثْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَأُسْوَانَ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ أَجَازَتْهُ وَقَالَهُ أَصْبَغُ فَالْخِلَافُ بَيْنَ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبِ وَقَوْلِ سَحْنُونٍ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ شَرَطَ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدِ يُرِيد الْحِصْنَ الْوَاحِدَ أَوْ الْقَرْيَةَ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ سَحْنُونٌ وَجَوَّزَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ وَالثَّانِي ابْنُ حَبِيبٍ جَعَلَ الْيَوْمَ الْوَاحِدَ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ الْمَانِعِ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجَعَلَ سَحْنُونٌ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ فِي حَيِّزِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرُ الْخَمْسَةُ الْأَيَّامِ وَالثَّمَانِيَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْقَوْلَانِ فِي طَوِيلِ الْمُدَّةِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الثَّيِّبَ الْبَائِنَةَ عَنْهُ فَتَرْضَى إذَا بَلَغَهَا مَا فَعَلَ أَبُوهَا أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَى ذَلِكَ النِّكَاحُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَا بَعْدَهُ وَلِأَصْبَغَ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالثَّانِي أَنَّهُمَا يُؤْمَرَانِ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَا يُجْبَرَانِ عَلَيْهِ قَالَ أَصْبَغُ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَقَالَ إنْ أَجَازَتْهُ جَازَ وَقَالَ أَيْضًا لَا أُحِبُّ الْمَقَامَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ أَحَدِ طَرَفَيْ النِّكَاحِ عَنْ الْآخَرِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ يُوجِبُ فَسَادَهُ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْخِيَارِ الَّذِي يُنَافِي النِّكَاحَ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْمُعْتَادِ مِنْ إبْطَالِ أَحَدِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِالْآخَرِ أَوْ مُقَارَنَتِهِ لَهُ وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ فِي مَنْعِ الْجَبْرِ عَلَى الْفَسْخِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَجْوِيزِ هَذَا النِّكَاحِ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْخِيَارَ الَّذِي يُنَافِي النِّكَاحَ إنَّمَا هُوَ الْخِيَارُ بَعْدَ وُجُودِ طَرَفَيْ النِّكَاحِ وَأَمَّا الْخِيَارُ بَعْدَ وُجُودِ أَحَدِ طَرَفَيْهِ لِمَنْ بِيَدِهِ الطَّرَفُ الْآخَرُ مِنْ الْإِيجَابِ أَوْ الْقَبُولِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعَدَّى النِّكَاحُ مِنْهُ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ وُجُودُهُ دُونَهُ لَمْ تَصِحَّ مُنَافَاتُهُ لَهُ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الثَّيِّبَ إلَّا بِإِذْنِهَا وَرِضَاهَا وَهَذَا حُكْمُ الْأَبِ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا سَفِيهَةً غَيْرَ مَالِكَةٍ أَمَّرَهَا فِي مَالِهَا فَإِنَّهَا تَمْلِكُ أَمْرَ نِكَاحِهَا وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ مَعَهَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ الْأَبِ الَّذِي يَمْلِكُ النَّظَرَ فِي مَالِهِ فَبِأَنْ لَا يَمْلِكَ غَيْرُهُ إجْبَارَهَا أَوْلَى، وَهَذَا الْجَبْرُ وَرَدَ فِي حُكْمِ «خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ كَانَتْ تَحْتَ أُنَيْسِ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِكَاحَهَا لَمَّا كَرِهَتْهُ وَنَكَحَتْ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدٍ الْخُدْرِيَّ» .
[نِكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَفِي هَذَا بَابَانِ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مُقَارَنَةِ الشَّهَادَةِ لِعَقْدِ النِّكَاحِ]
(ش) : قَوْلُهُ أُتِيَ بِنِكَاحٍ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ إلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ يُرِيدُ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَلَمْ يَشْهَدْ بِهِ سِوَاهُمَا وَفِي هَذَا بَابَانِ أَحَدُهُمَا مُقَارَنَةُ الشَّهَادَةِ لِعَقْدِ النِّكَاحِ وَالثَّانِي ذِكْرُ مَنْ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ عَقْدُ النِّكَاحِ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مُقَارَنَةِ الشَّهَادَةِ لِعَقْدِ النِّكَاحِ) أَمَّا مُقَارَنَةُ الشَّهَادَةِ لِعَقْدِ النِّكَاحِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ الْأَفْضَلُ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي عَدِّ ذَلِكَ عِنْدَنَا شَرْطًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَيَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ ثُمَّ يَقَعُ الْإِشْهَادُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمِنْ الْمُحَدِّثِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي وَزَيْدُ بْنُ هَارُونَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ أَوْ أَعْمَيَيْنِ أَوْ مَحْدُودَيْنِ
стр. 994
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فِي قَذْفٍ وَيَجُوزُ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ مُقَارَنَةُ الشَّهَادَةِ لِعَقْدِهِ فَإِنْ عَرَا عَنْ الشَّهَادَةِ حِينَ الْعَقْدِ وَجَبَ فَسْخُهُ لِفَسَادِهِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ شَاهِدَا عَدْلٍ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثًا بَنَيْنَا عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ وَدَعَوْت الْمُسْلِمِينَ إلَى وَلِيمَةٍ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَأُلْقَى فِيهَا مِنْ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ السَّمْنِ فَكَانَتْ وَلِيمَتُهُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَقَالُوا إنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ وَسَدَلَ الْحِجَابَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ النَّاسِ» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا إنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى نِكَاحِهَا لَعَلِمُوا ذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ لِاسْتِبَاحَةِ الْبُضْعِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الشَّهَادَةِ كَالرَّجْعَةِ وَشِرَاءِ الْأَمَةِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ فَإِنَّ هَذَا عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَلَمْ تَكُنْ مُفَارِقَةُ الشَّهَادَةِ شَرْطًا فِي صِحَّته كَالْإِجَارَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا عَقَدَ النِّكَاحَ وَلَمْ يَحْضُرْهُ شُهُودٌ ثُمَّ أَقَرَّ وَأَشْهَدَا عَلَيْهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَمْ يُفْسَخْ النِّكَاحُ وَإِنْ بَنَى وَلَمْ يُشْهِدَا فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَعَرِّي عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ الشَّهَادَةِ لَا ذَرِيعَةَ فِيهِ إلَى الْفَسَادِ، وَتَعَرِّي الْوَطْءِ وَالْبِنَاءِ مِنْ الشَّهَادَةِ فِيهِ الذَّرِيعَةُ إلَى الْفَسَادِ، فَمُنِعَ مِنْهُ لِذَلِكَ، وَلَوْ جَازَ لِكُلِّ مَنْ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ فِي خَلْوَةٍ أَوْ أَقَرَّ بِجِمَاعِهَا أَنْ يَدَّعِيَ النِّكَاحَ لَارْتَفَعَ حَدُّ الزِّنَا عَنْ كُلِّ زَانٍ وَالتَّعْزِيرُ فِي الْخَلْوَةِ فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ لِيَرْتَفِعَ هَذَا الْمَعْنَى فَمَتَى وَقَعَ الْبِنَاءُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فُسِخَ مَا اُدُّعِيَ مِنْ النِّكَاحِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ دَخَلَ وَلَمْ يُشْهِدْ إلَّا شَاهِدًا وَاحِدًا فَسِخَ النِّكَاحُ وَيَتَزَوَّجُهَا بَعْدَ أَنْ تَسْتَبْرِئَ بِثَلَاثِ حَيْضَاتٍ إنْ أَحَبَّ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ عَلَيْهِمَا حَدٌّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسِيسِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَمْرُهُمَا دَرْءَ الْحَدِّ عَنْهُمَا عَالِمَيْنِ كَانَا أَوْ جَاهِلَيْنِ وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عَلَى نِكَاحِهِمَا أَوْ مَعْرِفَةِ بِنَائِهِمَا بِاسْمِ النِّكَاحِ وَذِكْرُهُ وَإِظْهَارُهُ كَالْأَمْرِ الْفَاشِي مِنْ نِكَاحِهِمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ إنْ كَانَا مِمَّنْ لَا يُعْذَرَانِ بِجَهَالَةٍ حُدَّا وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُمَا فَاشِيًا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْإِفْشَاءَ فِي النِّكَاحِ وَالْإِعْلَانَ بِهِ أَبْلُغُ فِي إظْهَارِهِ مِنْ الْإِشْهَادِ لِأَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ الْإِشْهَادُ وَاقْتَرَنَ بِهِ الْكِتْمَانُ لَفَسَدَ الْعَقْدُ وَبِالْإِعْلَانِ يُفَارِقُ صِفَةَ الزِّنَا وَيَمْتَنِعُ فَسَادُهُ فَإِذَا وُجِدَ الْإِعْلَانُ بِهِ انْتَفَى الْحَدُّ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْإِفْشَاءَ وَالْإِظْهَارَ إذَا قَصَرَ عَنْ الثُّبُوتِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْكِتْمَانِ وَالِاسْتِسْرَارِ الَّذِي يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْلِمُ الْإِمَامَ الَّذِي يَرْفَعُ إلَيْهِ ذَلِكَ فَشَقَّ هَذَا الْأَمْرُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عِنْدَهُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ مَنْ يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِشَهَادَتِهِ] ١
(الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ مَنْ يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِشَهَادَتِهِ) لَا يَثْبُتُ بِأَقَلِّ مِنْ شَاهِدَيْنِ مِنْ الرِّجَالِ وَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى فِي الطَّلَاقِ وَقِيلَ فِي الرَّجْعَةِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُثْبِتُ حُكْمًا فِي الْبَدَنِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ بِانْفِرَادِهِنَّ لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ هَذَا جِنْسٌ لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِاثْنَيْنِ مِنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الشَّهَادَةِ بِهِ كَالْعَبِيدِ وَالْفُسَّاقِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ النِّكَاحِ غَيْرَ
стр. 995
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَنَّ تَعْلِيلَهُ لِمَنْعِهِ بِأَنَّهُ مِنْ نِكَاحِ السِّرِّ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نِكَاحِ السِّرِّ فَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ.
وَقَالَ إنَّهُ يُفْسَخُ إنْ وَقَعَ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُفْسَخُ وَاسْتِدْلَالُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَسْوَدِ الْقُرَشِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَعْلِنُوا بِالنِّكَاحِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الِاسْتِسْرَارَ بِالنِّكَاحِ مَمْنُوعٌ لِمُشَابِهَةِ الزِّنَا الَّذِي يُتَوَاطَأُ عَلَيْهِ سِرًّا فَيَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ النِّكَاحُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَتَمَيَّزُ مِنْ الزِّنَا وَلِذَلِكَ شُرِعَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنْ اللَّهْوِ وَالْوَلِيمَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِعْلَانِ فِيهِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِي يُرَاعَى فِيهِ تَرْكُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكِتْمَانِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عَقْدُهُ دُونَ ذِكْرِ كِتْمَانٍ وَلَا إعْلَانٍ فَمَتَى عَقَدَ عَلَى هَذَا فَهُوَ عَقْدٌ صَحِيحٌ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكِتْمَانِ وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْتَرِنَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ الْإِشْهَادُ عِنْدَ مَنْ يُخَالِفُنَا أَوْ تَرْكُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكِتْمَانِ عِنْدَنَا.
وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَعْنَى دُونَ سَائِرِ الْعُقُودِ وَكُلُّ مَا يُلْزِمُنَا الْمُخَالِفُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ مُقَارَنَةِ الْإِشْهَادِ لِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مُتَقَارِبَةُ الْأَسَانِيدِ لَا يَكَادُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَمَا شَاعَ مِنْهُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ يُقَوِّي الْمَنْعَ مِنْ الْكِتْمَانِ وَيَرْجِعُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ صِفَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا النِّكَاحُ مِنْ السِّفَاحِ وَنَحْنُ لَا نُرَاعِي نَفْيَ الْكِتْمَانِ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ أَسْبَابِ الزِّنَا الَّذِي لَا يَكَادُ يُفَارِقُهَا وَيُرَاعَى الْإِشْهَادُ بِهِ فِي صِحَّةِ الْوَطْءِ وَمُفَارِقَتِهِ لِلزِّنَا فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْإِشْهَادِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِشْهَادِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ وَتَصْحِيحِ الْوَطْءِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطْءِ الزِّنَا وَوَجْهٌ ثَانٍ مِنْ التَّرْجِيحِ وَهُوَ أَنَّنَا لَا نَشْتَرِطُ زِيَادَةً عَلَى إطْلَاقِ الْعَقْدِ فِي صِحَّتِهِ وَإِنَّمَا نَتَّقِي إحْدَاثَ صِفَةٍ تُشَابِهُ صِفَةَ الزِّنَا وَهِيَ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكِتْمَانِ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: إنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ حَتَّى يَشْتَرِطَ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْإِشْهَادُ وَيَصِحُّ إذَا اتَّفَقَا عَلَى صِفَةٍ لَيْسَتْ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَبِهَا يُشَابِهُ الزِّنَى وَهِيَ الْكِتْمَانُ، فَكَانَ مَا قُلْنَا أَوْلَى لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ صَحِيحٍ فِي الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ إطْلَاقَهُ لِلْعَقْدِ مَعَ مَنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ مِنْهُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَغَيْرِهَا.
(فَرْعٌ) وَكُلُّ نِكَاحٍ اُسْتُكْتِمَهُ شُهُودُهُ فَهُوَ مِنْ نِكَاحِ السِّرِّ وَإِنْ كَثُرَ الشُّهُودُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَعُمَرُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ عِيسَى سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِمِصْرَ يَقُولُ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى هَذَا الْمَسْجِدِ ثُمَّ اُسْتُكْتِمُوا كَانَ نِكَاحَ سِرٍّ قَالَ أَصْبَغُ وَهُوَ الْحَقُّ وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ لَا يَكُونُ نِكَاحُ السِّرِّ إلَّا فِي مِثْلِ الَّذِي وَقَعَ بِعَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَأَمَأ أَنْ يَشْهَدَ فِيهِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ فَصَاعِدًا فَهُوَ نِكَاحٌ حَلَالٌ جَائِزٌ وَإِنْ اسْتَكْتَمَ ذَلِكَ الشُّهُودَ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَهُ عَدْلَانِ فَصَاعِدًا فَلَيْسَ بِسِرٍّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَى الْكِتْمَانِ الَّذِي يُنَافِي النِّكَاحَ وَيُشَابِهُ التَّسَبُّبَ إلَى الزِّنَا وَإِنْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ وَالْأَوْلِيَاءُ عَلَى الْكِتْمَانِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الشُّهُودُ فَهُوَ نِكَاحُ السِّرِّ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ وَلَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهِ لَرَجَمْت قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا هَذَا مِنْ عُمَرَ ﵁ عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ وَالْمَنْعِ مِنْهُ وَلَا رَجْمَ وَلَا حَدَّ إذَا وَقَعَ وَلَكِنْ الْعُقُوبَةُ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ يُعَاقَبُ الشَّاهِدَانِ إنْ أَتَيَا ذَلِكَ عَنْ مَعْرِفَةِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ وَإِنْ جَهِلَا ذَلِكَ لَمْ يُعَاقَبَا زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُعَاقَبُ النَّاكِحُ وَالْمُنْكَحُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي فِي قَوْلِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ فِيهِ إذَا لَمْ يَقَعْ الْإِشْهَادُ بِهِ وَظَهَرَ بِهِمَا بَعْدَ الْبِنَاءِ وَالْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ مِنْ غَيْرِ إعْلَانٍ وَلَا إشْهَادٍ وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ إنَّمَا كَانَ فِي امْرَأَةٍ مُوَلَّدَةٍ تَزَوَّجَهَا رَبِيعَةُ بْنُ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيُّ نِكَاحَ
стр. 996
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّةَ كَانَتْ تَحْتَ رَشِيدٍ الثَّقَفِيِّ فَطَلَّقَهَا فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَضَرَبَ زَوْجَهَا بِالْمِخْفَقَةِ ضَرَبَاتٍ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ ثُمَّ كَانَ الْآخَرُ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنْ الْآخَرِ ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا)
ــ
[المنتقى]
سِرٍّ فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَدَرَأَ عَنْهُمَا الْحَدَّ عُمَرُ ﵁ لَمَّا لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ وَلَمَّا قَدَّرَ بِهِمَا مِنْ الْجَهْلِ بِمَنْعِهِ فَيَكُونُ قَوْلُ عُمَرَ لَوْ كُنْت تَقَدَّمَتْ فِيهِ لَرَجَمْت بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ تَقَدُّمًا لَمَنَعَ هَذَيْنِ النَّاكِحَيْنِ عِلْمُهُ وَلَا يَكُونَانِ مِمَّنْ يَجْهَلُ حُكْمَهُ فِيهِ لَرَجَمْتهمَا لِمَا ظَهَرَ مِنْ حَمْلِ الْمَرْأَةِ دُونَ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ.
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّةَ كَانَتْ تَحْتَ رَشِيدٍ الثَّقَفِيِّ فَطَلَّقَهَا فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا يُرِيدُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ بِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهَا رَجْعِيًّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَائِنًا فَإِنْ كَانَ طَلَاقُهَا رَجْعِيًّا فَإِنَّ نِكَاحَ غَيْرِهِ لَهَا مَمْنُوعٌ فِي الْعِدَّةِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ إيَّاهَا بَائِنًا فَإِنَّ نِكَاحَ غَيْرِهِ مَمْنُوعٌ فِي عِدَّتِهَا وَنِكَاحُهُ مَمْنُوعٌ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَمَعْنَاهُ التَّرَبُّصُ عَنْ النِّكَاحِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَضَرَبَ زَوْجَهَا بِالْمِخْفَقَةِ ضَرَبَاتٍ يُرِيدُ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ لَهُمَا لِمَا ارْتَكَبَاهُ مِنْ الْمَحْظُورِ وَهُوَ النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الَّتِي تَتَزَوَّجُ فِي الْعِدَّةِ فَيَمَسُّهَا الزَّوْجُ أَوْ يُقَبِّلُ أَوْ يُبَاشِرُ أَوْ يَغْمِزُ أَوْ يَنْظُرُ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ أَنَّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ الْعُقُوبَةَ وَعَلَى الْوَلِيِّ وَعَلَى الشُّهُودِ مَنْ عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهَا فِي عِدَّةٍ وَمَنْ جَهِلَ مِنْهُمْ فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى الزَّوْجَيْنِ الْحَدُّ إنْ كَانَا تَعَمَّدَا ذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِالْعِدَّةِ وَلَعَلَّهُ جَهِلَ التَّحْرِيمَ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورِ فَذَلِكَ الَّذِي يُعَاقَبُ وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ ضَرْبُ عُمَرَ ﵁ الْمَرْأَةَ وَزَوْجَهَا بِالْمِخْفَقَةِ ضَرَبَاتٍ وَتَكُونُ الْعُقُوبَةُ وَالذُّنُوبُ بِحَسْبِ الْمُعَاقَبِ وَيُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ عَلَى أَنَّهُمَا عَلِمَا التَّحْرِيمَ وَتَقَحَّمَا ارْتِكَابَ الْمَحْظُورِ جُرْأَةً وَإِقْدَامًا وَاسْتِخْفَافًا.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الْمُتَعَمِّدِ إحْدَاهُمَا يُحَدُّ وَالثَّانِيَةُ لَا يُعَاقَبُ وَلَا يُحَدُّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ كَانَ الْآخَرُ خَاطِبًا مِنْ الْخَطَّابِ فَأَمَرَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى سَبِيلِ تَعْلِيمِ مَنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، وَالتَّقْدِيمِ إلَى النَّاسِ فِيهِ، وَالزَّجْرِ لَهُمْ عَنْهُ ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنْ حُكْمِ الْمَدْخُولِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا لَازِمٌ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْعَقْدَ صَادَفَ زَمَنَ الْعِدَّةِ فَكَانَ فَسَادُهُ فِي عَقْدِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْفُرْقَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَوْ لَمْ يَقَعْ الْفَسْخُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمَا كَانَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ كَانَ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ يُرِيدُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ لَا يَتَأَبَّدُ بِهِ التَّحْرِيمُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَأَبَّدُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ قَالَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا لَمْ يَدْخُلْ بِشُبْهَةٍ فِي النَّسَبِ فَلَمْ يَتَأَبَّدْ تَحْرِيمُهُ أَصْلُهُ إذَا وَاعَدَ وَلَمْ
стр. 997
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَعْقِدْ قَالَ وَلِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ حَتَّى يُقَارِنَهُ الْوَطْءُ أَصْلُهُ إذَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا وَلَمْ يَطَأْهَا وَهَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَالْخِلَافُ فِي أَصْلِهِ كَالْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَرَادَ إثْبَاتَهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا نِكَاحٌ فِي عِدَّةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَتَأَبَّدَ بِهِ التَّحْرِيمُ أَصْلُهُ إذَا بَنَى بِهَا وَأَيْضًا مَا مَنَعَ حَسْمًا لِلْبَابِ اسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَشَهَادَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنْ الْآخَرِ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ دَخَلَ بِهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّتَهَا مِنْ الْأَوَّلِ فَإِذَا انْقَضَتْ اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةً مِنْ الثَّانِي وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عِدَّتَهَا مِنْ الثَّانِي تَكْفِيهَا مِنْ يَوْمِ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ أَنَّهَا إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ الْأَوَّلِ اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةً مِنْ الثَّانِي وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ أُجِّلَ فَجَازَ أَنْ يَنْقَضِيَ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَقِّ اثْنَيْنِ أَصْلُهُ أُجِّلَ الدَّيْنُ وَمِنْ جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ، وَحَالُ بَقَاءِ النِّكَاحِ آكَدُ وَأَقْوَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَطْءَ بِشُبْهَةٍ إذَا طَرَأَ مَعَ قِيَامِ النِّكَاحِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَنْ يَتَعَقَّبَ الْعِدَّةَ الْوَطْءُ فَبِأَنْ لَا تَمْنَعَ الْعِدَّةُ مِنْ تَعَقُّبِ الْعِدَّةِ الْوَطْءَ أَوْلَى وَأَحْرَى وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ مَضْرُوبَةٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ فِيهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَوْفَى فِيهَا إتْيَانُ الْحَقِّ عَلَى الْكَمَالِ أَصْلُهُ مُدَّةُ الْإِجَازَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْعِدَّتَيْنِ لَا يَتَدَاخَلَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الِاعْتِدَادِ بِالْإِقْرَاءِ أَوْ بِالشُّهُورِ فَإِذَا كَانَ الِاعْتِدَادُ بِالْحَمْلِ فَإِنَّ عِدَّةَ وَضْعِ حِمْلِهَا يَكْفِيهَا عَنْهُمَا جَمِيعًا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ بَرَاءَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ وَلِذَلِكَ لَمْ تُعْتَبَرْ فِيهَا مُدَّةٌ فَالْمُطَلَّقَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَحِلُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ سَبَبِ عِدَّتِهَا بِلَحْظَةٍ وَأَمَّا الِاسْتِبْرَاءُ بِالْإِقْرَاءِ وَالْأَشْهُرِ فَطَرِيقُهُ الظَّاهِرُ وَبِذَلِكَ يَلْحَقُ الْحَمْلَ بَعْدَ الْإِقْرَاءِ وَالْأَشْهُرِ فَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ الثَّانِي وَقَدْ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ حَيْضَةٍ وَوَلَدَتْ لِسِتِّهِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يُبْرِئُهَا الْوَضْعُ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ وَلَا يُجْزِئُهَا مِنْ الْعِدَّةِ لِأَنَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ مِنْ الزَّوْجِ بِالْحَيْضِ وَلَا يُجْزِئُهَا الْوَضْعُ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ يُبْرِئُهَا مِنْ الزَّوْجَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَإِنَّ فِي ذَلِكَ لَضَعْفًا وَتَأْتَنِفُ ثَلَاثَ حِيَضٍ بَعْدَ الْوَضْعِ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زِنًا لَمْ يُبْرِئْهَا وَضْعُهُ وَلَا تَبْرَأُ بِوَضْعِ مَنْ لَا يَلْحَقُ إلَّا فِي الْمُلَاعَنَةِ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ إنْ اسْتَلْحَقَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَتْ الْعِدَّةُ عِدَّةَ وَفَاةٍ لَمْ يُبْرِئْهَا إلَّا أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ بِعِيدَيْنِ الْأَوَّلُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ تَلْزَمُ فِيهَا الْإِحْدَادَ وَتَعْتَدُّ مِنْ الثَّانِي ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ كَانَتْ مُرْتَابَةً أَوْ مُسْتَحَاضَةً اعْتَدَّتْ سَنَةً مِنْ يَوْمِ فَسْخِ نِكَاحِ الثَّانِي فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الثَّانِي سَقَطَ عَنْهَا الْإِحْدَادُ وَإِنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ الْأُولَى مِنْ طَلَاقٍ نُظِرَ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا مِنْ يَوْمِ مُفَارِقَةِ الثَّانِي لَهُ فَإِنْ كَانَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ سَقَطَ عَنْ الْأَوَّلِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهِ مَا لَزِمَهُ مِنْ السُّكْنَى فَانْتَقَلَتْ إلَى حَيْثُ شَاءَتْ تُتِمُّ بَقِيَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ وَإِنْ كَانَ طَلَاقُ الْأَوَّلِ رَجْعِيًّا وَأَرَادَ ارْتِجَاعَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ يُشْهِدُ عَلَى رَجْعَتِهَا وَلَا يُقِرُّ بِهَا وَلَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى تُتِمَّ الِاسْتِبْرَاءَ رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ أَصْبَغَ.
(فَصْلُ) وَقَوْلُهُ ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا يُرِيدُ أَنَّ التَّحْرِيمَ بَيْنَهُمَا يَتَأَبَّدُ فَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَاكِحٍ فِي الْعِدَّةِ دَخَلَ بِهَا وَلِذَلِكَ قَالَ إنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ تَعْتَدُّ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ وَهَذَا صَرِيحٌ فَإِنَّ
стр. 998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِنَاءَهُ بِهَا كَانَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يَخْلُو النَّاكِحُ فِي الْعِدَّةِ إذَا بَنَى بِهَا أَنْ يُبْنَى بِهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا فَإِنْ كَانَ بَنَى بِهَا فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَأَبَّدُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ فِي الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ تَحْرِيمَهَا يَتَأَبَّدُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ زَانٍ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ مَا ثَبَتَ مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِذَلِكَ وَقِيَامُهُ بِهِ فِي النَّاسِ فَكَانَتْ قَضَايَاهُ تَسِيرُ وَتَنْتَشِرُ وَتُنْقَلُ فِي الْأَمْصَارِ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مَعَ شُهْرَةِ ذَلِكَ وَانْتِشَارِهِ وَهَذَا حُكْمُ الْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ عَقْدُ نِكَاحٍ تَقَدَّمَهُ بِنَاءُ نِكَاحٍ فِي عِدَّةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا عَرَا مِنْ الشُّهُودِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ مَمْنُوعٌ فَلَمْ يَتَأَبَّدْ تَحْرِيمُهُ كَمَا لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا أَوْ زَوَّجَتْ مُتْعَةً أَوْ زَنَتْ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ الْمَشْهُورَ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِنْ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ كَأَجْنَبِيٍّ لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ صَالَحَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنَّهَا إنْ طَلَبَتْ الَّذِي أَعْطَتْهُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ فَطَلَبَتْ ذَلِكَ فَرَدَّهُ إلَيْهَا وَرَاجَعَهَا وَأَصَابَهَا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا لِأَنَّهُ نَكَحَهَا فِي عِدَّتِهَا قَالَ مُحَمَّدٌ سَأَلَتْ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَكُلُّهُمْ أَبَى هَذَا الْجَوَابَ وَقَالُوا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْحَابِ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَتِهِ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مُتَزَوِّجٌ فِي عِدَّةٍ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّزَوُّجِ فِيهَا فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ لِأَجْلِ الْعِدَّةِ وَإِنَّمَا مَنْعُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحَهَا إلَّا بِشَرْطٍ قَدْ عُدِمَ فَأَشْبَهَ الَّذِي تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أُخْتِهَا.
(فَرْعٌ) وَمَنْ تَزَوَّجَ أُمَّ وَلَدٍ بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدِهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ الْحَيْضَةَ الَّتِي تُؤْمَرُ بِهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ كَالْمُتَزَوِّجِ فِي الْعِدَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ كَالْمُتَزَوِّجِ فِي الْعِدَّةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ حَالَ حُرْمَتِهَا وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ النِّكَاحِ مِنْ أَجَلٍ مُسْتَبِيحٍ لِوَطْئِهَا كَمَا لَوْ تَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ حُكْمُ الْعِدَّةِ وَإِنَّمَا لَهُ حُكْمُ الِاسْتِبْرَاءِ خَاصَّةً وَسَنُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(فَرْعٌ) وَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أُعْتِقَتْ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ حَيْضَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُسْلَكُ بِهِ سَبِيلَ الْمُتَزَوِّجِ فِي الْعِدَّةِ إذَا أَصَابَ وَإِذَا لَمْ يُصِبْ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ طَلَّقَ أَمَةً فَأَصَابَهَا سَيِّدُهَا فِي عِدَّتِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَصَابَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مُعْتَدَّةً مِنْ نِكَاحٍ أَوْ أَصَابَ بِنِكَاحٍ مُسْتَبْرَأَةً مِنْ مِلْكِ يَمِينٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْبِنَاءُ فِي الْعِدَّةِ فَإِنْ نَكَحَ فِي الْعِدَّةِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ وَطْءٌ فِيهَا وَلَكِنَّهُ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ وَالثَّانِي غَيْرُ مُؤَبَّدٍ قَالَ أَصْبَغُ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أُحِبُّ إلَيَّ آمُرُهُ بِذَلِكَ وَلَا أَقْضِي لَهُ عَلَيْهِ وَهَذِهِ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِالْوَطْءِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِالتَّقْبِيلِ وَالْمُبَاشَرَةِ كَتَحْرِيمِ الرَّبَائِبِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ وَالْقُبْلَةَ إنَّمَا يَجْرِي مَجْرَى الْوَطْءِ فِيمَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُهُ بِالتَّنْزِيلِ وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ بِضَرْبٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَجْرِي مَجْرَاهُ.
١ -
(فَرْعٌ) وَلَوْ أُرْخِيَتْ السُّتُورُ عَلَى النَّاكِحِ فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ قَالَ لَمْ
стр. 999
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَمَسَّ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ لَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا يَقْضِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ الصَّوَابُ وَلَوْ صَدَّقَتْ فِي مِثْلِ هَذَا لَأَسْقَطَتْ عَنْ نَفْسِهَا الْعِدَّةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ عَقَدَ فِي الْعِدَّةِ وَدَخَلَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا.
وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ لَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا إلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْعِدَّةِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ بِنِكَاحٍ فِي الْعِدَّةِ فَتَأَبُّدُ تَحْرِيمِهَا كَاَلَّتِي تُصَابُ فِي الْعِدَّةِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ بِنِكَاحٍ فِي الْعِدَّةِ فَلَمْ يَتَأَبَّدْ تَحْرِيمُهَا كَاَلَّتِي لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا إلَّا الْعِدَّةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ وَطْءٌ أَصْلًا فِي الْعِدَّةِ وَلَا غَيْرِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يُفْسَخُ نِكَاحُهُ وَفِي تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا نَفْيُهُ وَالْأُخْرَى إثْبَاتُهُ وَجْهُ نَفِيه وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَعْنَى تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ إدْخَالُ الشُّبْهَةِ فِي النَّسَبِ وَمُجَرَّدُ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ مَا لَمْ يُقَارِنْهُ وَطْءٌ أَصْلُهُ إذَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا وَلَمْ يَطَأْهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا عِنْدِي يَنْتَقِضُ بِالْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ فَإِنَّهُ يُوجِدُ تَحْرِيمَ الْأُمِّ وَوَجْهُ إثْبَاتِ تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ اعْتِبَارُهُ بِالْوَطْءِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ وَاعَدَتْهُ فِي الْعِدَّةِ أَنْ لَا تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَنَكَحَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبِ عَنْ مَالِكٍ يُفْسَخُ نِكَاحُهُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ ضَعَّفَ الْفِرَاقَ فِيهِ وَقَالَ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ وَيُؤَثَّمُ فِيهِ وَلَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ قَالَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ فِي عِدَّةٍ وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْبَغُ مِنْ أَنَّ الْمُوَاعَدَةَ هِيَ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وَهَذِهِ الْمُوَاعَدَةُ هِيَ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا وَبِهَا تَمَّ النِّكَاحُ وَعَلَيْهَا الْعَقْدُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ عَقْدُ نِكَاحٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عَقْدٌ وَلَا مَسِيسٌ فِي الْعِدَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ كَاَلَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْهُ مُوَاعَدَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنْ خَطَبَهَا صَرِيحًا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ اسْتِحْبَابُ الْفِرَاقِ وَالثَّانِيَةُ إيجَابُهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ سَعِيدٍ وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا يُرِيدُ أَنَّ النَّاكِحَةَ فِي الْعِدَّةِ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا الْمَهْرَانِ أَصَابَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَبْذُلْ لَهُ نَفْسَهَا عَلَى وَجْهِ السِّفَاحِ وَإِنَّمَا بَذَلَتْ لَهُ نَفْسَهَا عَلَى وَجْهِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ وَذَلِكَ يُوجِبُ لَهَا الْمَهْرَ بِالْمَسِيسِ وَأَنَّمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدٍ مُفْرَدًا لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَى عَنْ سُلَيْمَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ لَهَا مَهْرُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ كَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهَذَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى قَدْرِ الْمَهْرِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَخْتَلِفَا قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ إنْ كَانَتْ بِكْرًا حَلَفَ أَبُوهَا عَلَى مَا قَالَهُ فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ أَنْ يَدْفَعَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْأَبُ وَإِلَّا حَلَفَ وَأَسْقَطَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا حَتَّى لَا يُتِمُّ الْأَمْرُ إلَّا بِعِلْمِهَا وَحُضُورِهَا فَإِنَّهَا الَّتِي تَحْلِفُ دُونَ الْوَلِيِّ قَالَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ أَوْ نَوْعِهِ كَانَ مِمَّا يُصَدَّقُ فِيهِ النِّسَاءُ أَوْ لَا يُصَدَّقْنَ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ حَلَفَا فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يُفْسَخُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَرُوِيَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَيْعِ قَالَ.
وَقَدْ نَصَّ الْمُغِيرَةُ عَلَى أَنَّهُ إذَا رَضِيَ أَحَدُهُمَا نَفَذَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ تَخَالُفَ الزَّوْجَيْنِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا كَاللِّعَانِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي اعْتِبَارُهُ بِالْبَيْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ فَإِنْ نَكِلَ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ وَاسْتَحَقَّتْ مَا ادَّعَتْهُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي الْبُيُوعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الصَّدَاقِ وَاتَّفَقَا عَلَى قَدْرِهِ وَجِنْسِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ
стр. 1000
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَتَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا أَنَّهَا لَا تَنْكِحُ إنْ ارْتَابَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا مِنْ تِلْكَ الرِّيبَةِ إنْ خَافَتْ الْحَمْلَ) .
نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ فَأَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ عَلَيْهَا أَمَةً فَكَرِهَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا)
ــ
[المنتقى]
قَبْلَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، أَوْ وَلِيِّهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ فِي مُعْظَمِ الْبِلَادِ بَلْ جَمِيعِهَا أَنَّ مُعَجَّلَ الصَّدَاقِ لَا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ عَنْ الْبِنَاءِ وَالثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ فِي قَبْضِ الْعِوَضِ قَوْلُ مُدَّعِي الْعُرْفِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَا جَرَّتْ الْعَادَةُ بِقَبْضِ ثَمَنِهِ مِنْ الطَّعَامِ إذَا ادَّعَاهُ بَعْدَ قَبْضِ الطَّعَامِ وَبَعْدَ مَا فَارَقَهُ الْبَائِعُ وَكَذَلِكَ الصَّرْفُ فَإِذَا كَانَ الْعُرْفُ دَفْعَ الصَّدَاقِ الْمُعَجَّلِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَادَّعَى الزَّوْجُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْهَدُ بِهِ الْعُرْفُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّاهِنِ يَقْبِضُ رَهْنَهُ وَيَدَّعِي دَفْعَ الدَّيْنِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ حَلَّ الْمُؤَجَّلُ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ فِي دَفْعِ الْعَيْنِ وَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي بَلَدٍ عُرْفُهُ تَعْجِيلُ النَّقْدِ عِنْدَ الْبِنَاءِ فَأَمَّا بَلَدٌ لَا عُرْفَ فِيهِ بِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي صَدَاقٍ فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ بِالْبِنَاءِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ أَظْهَرُ لِمَا بَيَّنَّاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(فَرْعٌ) وَإِذَا تَحَمَّلَ رَجُلٌ لِلْمَرْأَةِ بِالصَّدَاقِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ ادَّعَى الزَّوْجُ وَالْحَمِيلُ الدَّفْعَ حَلَفَ الْحَمِيلُ وَصَدَقَ قَالَ سَحْنُونٌ وَلَوْ أَخَذَتْ بِالصَّدَاقِ رَهْنًا ثُمَّ بَنَى بِهَا لَكَانَ كَالْحَمِيلِ وَدُخُولُهُ كَالْإِبْرَاءِ وَيَأْخُذُ رَهْنَهُ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ يُكْتَبُ فِي الصَّدَاقِ بَرَاءَةٌ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ فَإِنَّ عِدَّتَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَمَعْنَى يَتَرَبَّصْنَ الْأَمْرُ بِالتَّرَبُّصِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ بِالتَّرَبُّصِ لِأَنَّا نَجِدُ فِي أَكْثَرِ الْأَزْمِنَةِ مَنْ لَا يَتَرَبَّصُ وَخَبَرُ الْبَارِّي تَعَالَى لَا يَكُونُ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَمْرُ وَمُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّهَا إنْ ارْتَابَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا يَقُولُ إنْ أَقَامَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَارْتَابَتْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ حَيْضَتِهَا فَإِنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا النِّكَاحُ حَتَّى تَذْهَبَ تِلْكَ الرِّيبَةُ إذَا خَافَتْ الْحَمْلَ فَجَعَلَ هَذَا حُكْمُهَا إذَا خَافَتْ الْحَمْلَ وَالرِّيبَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ رِيبَةٌ لِارْتِفَاعِ الْيَمِينِ وَرِيبَةٌ لِمَخَافَةِ الْحَمْلِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ]
(ش) : قَوْلُهُ فَكَرِهَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا يُرِيدُ أَنَّهُمَا كَرِهَا أَنْ يَجْتَمِعَ فِي مِلْكِهِ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ وَكَانَ السُّؤَالُ إنَّمَا وَرَدَ عَلَى نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ فَأَجَابَ عَلَى مَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ السُّؤَالِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ وَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ وَالثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهُمَا جَمِيعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا تَسَاوَتْ عِنْدَهُمَا هَذِهِ الْوُجُوهُ فِي الْمَنْعِ أَجَابَ عَنْ جَمِيعِهَا وَإِنْ كَانَا سُئِلَا عَنْ أَحَدِهِمَا فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ فَقَدْ كَانَ مِنْ قَوْلِ
стр. 1001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَالِكٍ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْمَالِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يَجُوزُ وَيَتَخَيَّرُ الْحُرَّةَ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَلَالٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِالْمَنْعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وَذَلِكَ أَنَّ الْحُرَّةَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هِيَ الطَّوْلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ يَمْنَعُهُ نِكَاحَ الْأَمَةِ فَبِأَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْحُرَّةِ زَوْجَةً لَهُ أَوْلَى وَأَحْرَى وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الطَّوْلَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى صَدَاقِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ السَّعَةُ فِي الْمَالِ فِيهِ يُتَوَصَّلُ إلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ نِكَاحِ الْحَرَائِرِ فَأَمَّا الْحُرَّةُ فَلَيْسَتْ تُسَمَّى طَوْلًا لُغَةً وَلَا شَرْعًا وَلَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النِّكَاحِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَلَالٌ فَقَدْ قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ أَيْنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ أَرَاهُ يُرِيدُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وَهَذَا عَامٌّ قَالَ مُحَمَّدٌ فَهَذِهِ عِنْدَ مَالِكٍ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ [النساء: ٢٥] مِنْكُمْ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ: نِكَاحُ الْأَمَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَلَالٌ فَاسْتَوْقَفْنَاهُ عَلَيْهِ فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ حَلَالٌ وَفِي أَيِّ الْآيَاتِ فَقَالَ لَا أَدْرِي وَمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْآيَةَ النَّاسِخَةَ عِنْدَهُ عَامَّةٌ وَالْمَنْسُوخَةَ خَاصَّةٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِ إلَّا أَنْ يُنْقَلَ النَّسْخُ فِي ذَلِكَ وَالْأَوْضَحُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فَأَبَاحَ لَهُ نِكَاحَهَا بِوُجُودِ شَرْطَيْنِ وَبَقِيَ مَا عُدِمَ فِيهِ الشَّرْطَانِ مَسْكُوتًا عَنْهُ عَلَى مَنْعِنَا الْقَوْلَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَمَنْعِنَا أَنْ يَكُونَ لَفْظُ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَصْرِ ثُمَّ وَرَدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] عَامًا مُطْلَقًا دُونَ شَرْطٍ فَكَانَ مَا قَابَلَ الْآيَةَ الْمُقَيَّدَةَ مِنْ الْآيَةِ الْمُطْلَقَةِ مُوَافِقًا لَهَا وَمُمَاثِلًا لِمَعْنَاهَا وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْآيَةِ الْمُطْلَقَةِ فَقَدْ بَيَّنَ فِي الْآيَةِ الْمُطْلَقَةِ وَسَكَتَ عَنْهُ فِي الْآيَةِ الْمُقَيَّدَةِ وَبِهَذَا نَقُولُ فِي الْآيَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْآيَةِ الْمُقَيَّدَةِ مَتَى وَرَدَتَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ مُتَعَلِّقٍ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ مِنْ اللَّفْظِ عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ.
وَيُحْتَمَلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَلَالٌ رَاجِعًا إلَى سُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ فَقَالَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَلَالٌ وَأَشَارَ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] يُرِيدُ أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ وُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَأَنَّ كَوْنَ الْحُرَّةِ عِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ الْإِبَاحَةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِطَوْلٍ وَلَا يَأْمَنُ مَعَهَا الْعَنَتَ فَيَكُونُ هَذَا مَعْنَى مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تَحْلِيلِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فَهَلْ ذَلِكَ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ مَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمَةِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ إنْ تَزَوَّجَهَا خُيِّرَتْ الْحُرَّةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِيجَابُ الْفَسْخِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَمَنْعُ الْفَسْخِ مَعَ مَنْعِ النِّكَاحِ أَوَّلًا يَقْتَضِي الْكَرَاهِيَةَ دُونَ التَّحْرِيمِ وَأَمَّا إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلطَّوْلِ الَّذِي هُوَ الْمَالُ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَا بَأْسَ لِلْحُرِّ تَحْتَهُ الْحُرَّةُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً وَخَافَ الْعَنَتَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ فَعَلَى هَذَا
стр. 1002
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ إلَّا أَنْ تَشَاءَ الْحُرَّةُ فَإِنْ طَاعَتْ الْحُرَّةُ فَلَهَا الثُّلُثَانِ مِنْ الْقِسْمِ) .
ــ
[المنتقى]
فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ عَدِمَ الطَّوْلَ الَّذِي هُوَ الْمَالُ وَخَافَ الْعَنَتَ إذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا وَلَا خَافَ عَنَتًا، وَالثَّالِثَةُ وَيَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ وَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ وَأَمَانِ الْعَنَتِ وَالطَّوْلُ فِي الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ أَظْهَرُ فِي الْمَالِ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحُرَّةُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَنْكِحُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ فَإِنَّ لِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ لِلنَّقْصِ الدَّاخِلِ عَلَيْهَا بِأَنْ تَكُونَ ضَرَّتُهَا أَمَةً وَمَا الَّذِي يَكُونُ لَهَا مِنْ الْخِيَارِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ إنْ أَحَبَّتْ أَوْ تُفَارِقَهُ إنْ شَاءَتْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْمُغِيرَةُ إنَّمَا يَكُونُ الْخِيَارُ لِلْحُرَّةِ فِي أَنْ تُقِيمَ أَوْ تُفَارِقَ إذَا كَانَتْ هِيَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْأَمَةِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ هِيَ الدَّاخِلَةَ عَلَيْهَا فَالْخِيَارُ لِلْحُرَّةِ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ إنْ شَاءَتْ أَقَرَّتْهُ وَإِنْ شَاءَتْ رَدَّتْهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْخِيَارَ إذَا ثَبَتَ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِمَعْنَى فِي جِهَةِ الْآخَرِ فَإِنَّمَا يَكُونُ خِيَارُهُ فِي أَنْ يُقِيمَ أَوْ يُفَارِقَ وَلَا يَتَعَدَّى خِيَارُهُ إلَى غَيْرِهِ كَعَيْبِ الْجَبِّ وَالْخِصَاءِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الَّذِي لَحِقَهَا لِكَوْنِ الْأَمَةِ ضَرَّةً لَهَا وَدَاخِلَةً عَلَيْهَا فَلَهَا أَنْ تُزِيلَهُ عَنْ نَفْسِهَا بِرَدِّ نِكَاحِهَا وَمَتَى قُلْنَا أَنَّ خِيَارَهَا مِنْ أَنْ تَفْسَخَ نِكَاحَهَا كَانَ خِيَارًا فِي زِيَادَةِ الضَّرَرِ لَا فِي إزَالَتِهِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا يَكُونُ لِلْحُرَّةِ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِطَلْقَةٍ مُبْهَمَةٍ وَتَكُونُ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بِالْبَتَاتِ كَانَتْ ثَلَاثًا وَقَدْ خَالَفَتْ السُّنَّةَ وَفِي الَّتِي يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَيْهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً بَائِنَةً وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ فَتُخْرِجُ الرِّوَايَةُ الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا وَإِنَّمَا كَانَتْ الطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ بَائِنَةً فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ الطَّلَاقَ بَاقٍ ثَابِتٌ وَهُوَ وُجُودُ الْأَمَةِ فِي عِصْمَتِهِ فَإِذَا كَانَ سَبَبًا لِإِبْطَالِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ لَمْ يَصِحَّ الِارْتِجَاعُ مَعَهُ لِأَنَّ الْخِيَارَ الثَّابِتَ لَهَا بِالشَّرْعِ فِي أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا يُبْطِلُ الرَّجْعَةَ وَكُلُّ طَلَاقٍ لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ مَعَهُ فَإِنَّهُ بَائِنٌ كَالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ الْبَائِنِ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا النَّصْرَانِيَّةُ تُسْلِمُ تَحْتَ النَّصْرَانِيِّ ثُمَّ يُسْلِمُ فِي عِدَّتِهَا فَإِنَّهَا زَوْجَتُهُ لِأَنَّ إسْلَامَهَا لَيْسَ بِطَلَاقٍ وَلَا يَحْتَاجُ بِإِسْلَامِهِ إلَى ارْتِجَاعٍ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا فُرْقَةُ الْمَوْلَى فَإِنَّ الرَّجْعَةَ فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْوَطْءِ وَلِأَنَّ ضَرَرَ كَوْنِ الْأَمَةِ ضَرَّةً لَهَا ثَابِتٌ مُسْتَدَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ لَا يَكُونُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَأَشْبَهَ مَا يُوجَدُ بِجِسْمِهِ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ وَأَمَّا ضَرَرُ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْوَطْءِ فَإِنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَدَامُ وَإِنَّمَا هُوَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَأَشْبَهَ الِاعْتِبَارَ بِالْمَنْفَعَةِ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ إلَّا أَنْ تَشَاءَ الْحُرَّةُ.
(فَرْعٌ) مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّمْنَاهُمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ وَأَمْنِ الْعَنَتِ وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا مَعَ عَدَمِ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ نِكَاحَ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ فَلَا خِيَارَ وَلَا مَشِيئَةَ فِي ذَلِكَ لِلْحُرَّةِ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا أَنْ تُخَيَّرَ الْمَرْأَةُ إذَا نَكَحَ عَلَيْهَا الْأَمَةَ إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ بِالثُّنْيَا وَالشَّرْطُ وَذَلِكَ بِأَنْ لَا تَكْفِيهِ الْحُرَّةُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا فَيَخَافُ الْعَنَتَ وَلَا يَجِدُ طَوْلًا إلَى حُرَّةٍ أَوْ هَوَى أَمَةً مُعِينَةً هَوًى غَالِبًا فَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ فِيهَا الْعَنَتَ إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى الْحُرَّةِ فَيَكُونُ لِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ طَاعَتْ الْحُرَّةُ فَلَهَا الثُّلُثَانِ مِنْ الْقِسْمِ يُرِيدُ إنْ طَاعَتْ بِالْمَقَامِ مَعَهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ فَإِنَّ لِلْحُرَّةِ مِنْ الْقِسْمِ الثُّلُثَيْنِ وَلِلْأَمَةِ الثُّلُثُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا فَقِيلَ هَذَا الْقَوْلُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ
стр. 1003
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَنْبَغِي لِحُرٍّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً وَهُوَ يَجِدُ طَوْلًا لِحُرَّةٍ وَلَا يَتَزَوَّجُ أَمَةً إذَا لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ إلَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] وَقَالَ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ قَالَ مَالِكٌ وَالْعَنَتُ هُوَ الزِّنَا)
ــ
[المنتقى]
مَوْتِهِ إلَى أَنَّ لِلْحُرَّةِ الثُّلُثَيْنِ مِنْ الْقِسْمِ وَلِلْأَمَةِ الثُّلُثُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُقَسِّمُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوَاءِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَعَلَيْهِ ثَبَتَ مَالِكٌ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْقِسْمَ بِقَدْرِ الثَّوَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا تُسَلَّمُ إلَيْهِ لَا حَظَّ لَهَا مِنْ الْقِسْمِ فَلَمَّا كَانَتْ الْحُرَّةُ يَثْوِي عِنْدَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَالْأَمَةُ فِي اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَظُّ الْحُرَّةِ مِنْ الْقِسْمِ أَكْثَرَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ فَوَجَبَ أَنْ تَسْتَوِيَ فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ كَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا فَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الْقِسْمِ إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّهُ قَالَ يُفَضِّلُ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَمَةَ قَدْ سَاوَتْ الْعَبْدَ فِي الْحُرْمَةِ فَلَا تُفَضَّلُ عَلَيْهَا فِي الْقِسْمِ كَالْحُرَّةِ تَحْتَ الْحُرِّ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذَا عَبْدٌ فَكَانَ حُكْمُهُ أَنْ يُفَضِّلَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ فِي الْقِسْمِ كَالْحُرِّ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْحُرَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا عَدَمُ الطَّوْلِ وَالثَّانِي خَوْفُ الْعَنَتِ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ وَابْنُ نَافِعٍ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَجَازَ لِلْحُرِّ نِكَاحَ الْأَمَةِ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ وَأَمْنِ الْعَنَتِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ هَذَا إنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ تَحْتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحُرَّةَ عِنْدَهُ هِيَ الطَّوْلُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فَشَرَطَ فِي اسْتِبَاحَةِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ أَنْ لَا يَسْتَطِيعَ طَوْلًا بِنِكَاحِ حُرَّةٍ وَيَخَافَ الْعَنَتَ إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ الْأَمَةَ وَإِذَا كَانَ هَذَانِ الْمَعْنَيَانِ شَرْطَيْنِ فِي الْإِبَاحَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِهِمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي إنَّمَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ لِمَنْ قَالَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فِي الشَّرْطِ لِأَنَّهُ أَبَاحَ هَذَا النِّكَاحَ بِالشَّرْطَيْنِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطَيْنِ وَلِمَنْ قَالَ أَنَّ لَفْظَةَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَصْرِ إلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَلَا يَكَادُ أَنْ يَصِحَّ عَلَى هَذَا التَّحْرِيرِ مِنْ قَوْلِهِمْ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الْآيَتَيْنِ إنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ إجْمَاعٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الطَّوْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الطَّوْلَ الْمَالُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ وَمِنْ رِوَايَةِ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الطَّوْلَ أَنْ يَكُونَ فِي عِصْمَتِهِ حُرَّةٌ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ إذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَمَةً وَإِنْ عَدِمَ الطَّوْلَ الَّذِي هُوَ الْمَالُ وَخَافَ الْعَنَتَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ الطَّوْلَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْغِنَى وَكَثْرَةُ الْمَالِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٨٦]
стр. 1004
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يُرِيدُ أُولِي الْغِنَى وَلَا نَعْلَمُ اسْمَ الطَّوْلِ يَقَعُ عَلَى الْحُرَّةِ بِوَجْهٍ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ كَمَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْغِنَى وَالْيَسَارِ وَوَجْهٌ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] فَجَعَلَ الطَّوْلَ مِمَّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ وَلَوْ كَانَتْ الْحُرَّةُ طَوْلًا لَمْ يَجْعَلْهُ شَرْطًا فِي الْوُصُولِ إلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ أَنْ يَنْكِحَ حُرَّةً وَلَمَا عَلَّقَ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى الطَّوْلِ فِي الْوُصُولِ إلَى الْحُرَّةِ عُلِمَ أَنَّ الطَّوْلَ غَيْرُ الْحُرَّةِ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَنْ قَالَ إنَّ الطَّوْلَ الْمَالُ فَالنِّكَاحُ عِنْدَهُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ وَمَنْ قَالَ إنَّ الطَّوْلَ الْحُرَّةُ فَالنِّكَاحُ عِنْدَهُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْحُرَّةَ لَيْسَتْ بِطَوْلٍ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ زَوْجَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ فَلَيْسَ بِطَوْلٍ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ لِوُجُودِ شَرْطَيْ إبَاحَةِ ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ وَإِذَا قُلْنَا إنَّ الطَّوْلَ هُوَ الْمَالُ فَكَمْ الْمُعْتَبَرُ مِنْهُ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ قَالَ عَدَمُ الطَّوْلِ أَنْ لَا يَجِدَ مَا يَصْلُحُ لِنِكَاحِ الْحُرَّةِ وَهِيَ الْمُحْصَنَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْمُؤْنَةِ وَنِكَاحُ الْأَمَةِ أَخَفُّ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا كَانَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى غَيْرِهِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ فِيمَنْ قَالَ أَنَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً وَلَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى النِّكَاحِ وَهُوَ الْمَهْرُ وَقَوْلُ أَصْبَغَ مُحْتَمَلٌ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى الْحُرَّةِ لَمْ يَصِلْ إلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَبِهِ يَأْمَنُ الْعَنَتَ.
وَقَدْ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ لَا يَجُوزُ الْيَوْمَ لِأَحَدٍ نِكَاحُ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ يَجِدُ نِكَاحَ الْحُرَّةِ مَا يَنْكِحُ بِهِ الْأَمَةَ.
(فَرْعٌ) وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ نَقْدًا أَوْ عَرَضًا أَوْ دَيْنًا عَلَى مَلِيءٍ أَوْ مَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ أَوْ إجَارَتُهُ فَهُوَ طَوْلٌ رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْكِتَابَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ طَوْلٌ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ بَيْعُهَا كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ لَيْسَ بِطَوْلٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ وَلَا يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْمَالِ وَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدِي إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَنَافِعِهِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا أَمْكَنَ أَخْذُ ثَمَنِهِ وَالْمُعَارِضَةُ بِهِ فَيَبْلُغُ ثَمَنُهُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ فَهُوَ طَوْلٌ وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فِيهِ فَلَيْسَ بِطَوْلٍ وَالْمُدَبَّرُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُ رَقَبَتِهِ وَلَا بَيْعُ مَنَافِعِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ لِأَنَّ أَمْرَهُ مُتَرَقَّبٌ لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَ أَوْ يَمْرَضَ فَتُرَدُّ الْإِجَارَةُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ طَوْلًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً وَهُوَ يَجِدُ طَوْلًا وَلَا يَخَافُ عَنَتًا فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى نِكَاحِهِ وَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يَفْسَخُ نِكَاحُهُ فَإِنْ خَافَ الْعَنَتَ وَهُوَ وَاجِدٌ لِلطَّوْلِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قِيلَ لَهُ إنَّهُ يَخَافُ الْعَنَتَ قَالَ السَّوْطُ ثُمَّ خَفَّفَهُ بَعْدُ وَرَجَعَ عَنْهُ وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ فِي الَّذِي هَوَى أَمَةً بِعَيْنِهَا هَوًى لَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَنْهَا وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَمَّا عَلَى تَعْلِيقِ الْإِبَاحَةِ بِشَرْطَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ إلَى الْحُرَّةِ إلَّا أَنْ يَزِيدَ بِالطَّوْلِ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى اسْتِبَاحَةِ مَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْهُ مِنْ ثَمَنِ أَمَةٍ عَلَى اخْتِيَارِ مَالِكِهَا أَوْ مَهْرِ حُرَّةٍ عَلَى اخْتِيَارِهَا إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطَيْنِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا وَإِذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا مَعَ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ فَكَمْ نُبِيحُ لَهُ مِنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ إنْ لَمْ يَزَلْ خَوْفُ الْعَنَتِ إلَّا بِنِكَاحِ أَرْبَعٍ؟ ، فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ زَالَ خَوْفُ الْعَنَتِ بِوَاحِدَةٍ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً وَعِنْدَهُ أَمَةٌ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا وَيَخَافَ الْعَنَتَ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ نِكَاحِ الْأَرْبَعِ بِعَدَمِ
стр. 1005
مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَمْلِكُ الْمَرْأَةَ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ فَفَارَقَهَا (ص) : (مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ ثَلَاثًا ثُمَّ يَشْتَرِيهَا أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَنْكِحُ الْأَمَةَ فَتَلِدُ
ــ
[المنتقى]
الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ قَبْلَ نِكَاحِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا تَزَوَّجَ أَمَةً لِوُجُودِ الشَّرْطَيْنِ ثُمَّ وَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ الطَّوْلَ وَأَمِنَ الْعَنَتَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِرَاقُ الْأَمَةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ فَإِنَّهُ قَالَ يَفْسَخُ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نِكَاحُ أَمَةٍ انْعَقَدَ لِوُجُودِ شَرْطَيْ الْإِبَاحَةِ فَعَدَمُ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ لَا يَفْسَخُ نِكَاحَهُ كَمَا لَوْ عَدِمَ خَوْفَ الْعَنَتِ.
(فَصْلٌ) :
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحُرِّ فَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مُسَاوٍ لَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا دُونَ عَدَمِ طَوْلٍ وَلَا خَوْفِ عَنَتٍ كَالْحُرِّ يَتَزَوَّجُ الْحُرَّةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ أَوْ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ فَلَا خِيَارَ لِلْحُرَّةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا إلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ أَوْ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ وَلَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ الْحُرَّةُ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ كَمَا لَهَا مَعَ الْحُرِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالْعَنَتُ هُوَ الزِّنَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ الْعَنَتُ الْهَوَى وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ وَأَصْلُ الْعَنَتِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ وَيُتْعِبُهُ وَيَضَنُّ بِهِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَنْ بَلَغَتْ حَاجَتُهُ إلَى النِّسَاءِ بِهِ خَوْفَ الزِّنَا وَمَوْجُودٌ فِيمَنْ بَلَغَتْهُ حَاجَتُهُ مَشَقَّةَ الصَّبْرِ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ عَلَيْهِ وَيُخَافُ مَعَهُ مُوَاقَعَتُهُ فَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يَقَعُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ وَإِنَّمَا يُخَافُ مِنْ الْهَوَى مَا يَعُودُ إلَى الزِّنَا فَكِلَا التَّفْسِيرَيْنِ يَعُودَانِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الْعَنَتُ الْمَشَقَّةُ وَالْعَنَتُ الْهَلَاكُ وَقِيلَ الزِّنَا.
[مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَمْلِكُ الْمَرْأَةَ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ فَفَارَقَهَا]
(ش) : قَوْلُهُ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأَمَةَ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِكُلِّ سَبَبٍ وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَمْ تَتَزَوَّجْ غَيْرَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ أَقْوَى مِنْ عَقْدِ الشِّرَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَقْصُودُهُ فَإِذَا لَمْ يَسْتَبِحْ وَطْأَهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَبِأَنْ لَا نُبِيحَ لَهُ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(ص) : (مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ عَبْدًا لَهُ جَارِيَةً لَهُ فَطَلَّقَهَا الْعَبْدُ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ وَهَبَهَا سَيِّدُهَا لَهُ فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَقَالَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) .
(ش) : قَوْلُهُمَا فِي الْعَبْدِ تُوهَبُ لَهُ زَوْجَتُهُ أَمَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُهَا بِالْهِبَةِ مَا لَمْ تَنْكِحْ زَوْجًا غَيْرَهُ لِأَنَّ مِلْكَهُ إيَّاهَا هِبَةً أَوْ صَدَقَةً أَوْ ابْتِيَاعًا أَوْ مِيرَاثًا لَا يَخْتَلِفُ بِوَجْهِ الْمِلْكِ صِفَةَ الْمِلْكِ فَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْإِبَاحَةِ.
(ص) : (مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةٌ مَمْلُوكَةٌ فَاشْتَرَاهَا وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَقَالَ تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ مَا لَمْ يُبِتَّ طَلَاقَهَا فَإِنْ بَتَّ طَلَاقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) .
(ش) : قَوْلُهُ فِي الَّذِي يَبْتَاعُ الْأَمَةَ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ وَجْهُهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ اسْتِبَاحَتُهَا بِالنِّكَاحِ فَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ اسْتِبَاحَتُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَالْأَجْنَبِيَّةِ لِأَنَّهُ مَلَكَ التَّمَتُّعَ بِعَقْدٍ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ فَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَمْنَعُهُ ارْتِجَاعَهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَإِذَا كَانَ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ فِيهَا مِنْ الطَّلَاقِ يَمْنَعُ ارْتِجَاعَهَا فَإِنَّهُ يَمْنَعُ اسْتِبَاحَةَ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَمَا لَوْ ارْتَجَعَهَا وَاسْتَأْنَفَ نِكَاحَهَا.
стр. 1006
مِنْهُ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ الْوَلَدِ الَّذِي وَلَدَتْهُ وَهِيَ لِغَيْرِهِ حَتَّى تَلِدَ مِنْهُ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ ابْتِيَاعِهِ إيَّاهَا قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ اشْتَرَاهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ ثُمَّ وَضَعَتْ عِنْدَهُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ بِذَلِكَ الْحَمْلِ فِيمَا أَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) .
مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ إصَابَةِ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا (ص) : (مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ تُوطَأُ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَقَالَ عُمَرُ مَا أُحِبُّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا جَمِيعًا وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ) .
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَنْ الْأُخْتَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ عُثْمَانُ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ فَأَمَّا أَنَا فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَصْنَعَ ذَلِكَ قَالَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَوْ كَانَ لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ ثُمَّ وَجَدْت أَحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ لَجَعَلْته نَكَالًا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ أَرَاهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مِثْلَ ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْأَمَةَ إذَا كَانَتْ زَوْجَةَ الرَّجُلِ ثُمَّ تَلِدُ مِنْهُ لَا تَكُونُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ بِذَلِكَ إنْ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْ مِنْهُ بِمِلْكِ يَمِينٍ وَلَا مَلَكَهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وِلَادَتِهَا مِنْهُ قَبْلَ مِلْكِهِ لَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا حَامِلًا مِنْهُ فَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ كَمَا لَوْ حَمَلَتْ مِنْهُ بِزِنًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ اشْتَرَاهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ ثُمَّ وَضَعَتْ عِنْدَهُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ بِذَلِكَ الْحَمْلِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِذَلِكَ وَإِنْ مَلَكَهَا حَامِلًا حَتَّى تَحْمِلَ مِنْهُ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ لَمَّا مَلَكَهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ وَالْوَلَدُ بِمِلْكِ أَبِيهِ لَهُ سَرَى الْعِتْقُ إلَيْهَا لِأَنَّهُ عِتْقٌ عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ.
[مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ إصَابَةِ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا]
(ش) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا لَا أُحِبُّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا يُرِيدُ لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونُ وَاطِئًا لَهُمَا جَمِيعًا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَتَى وَطِئَ إحْدَاهُمَا أَيَّتَهمَا كَانَتْ امْتَنَعَ مِنْ وَطْءِ الْأُخْرَى فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْد الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ قَدْ نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةَ وَفِيهَا ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] وَهَذَا عَلَى أَنْ يُحْمَلَ النِّسَاءُ عَلَى مُقْتَضَى اللُّغَةِ دُونَ عُرْفِهَا وَكَذَلِكَ الرَّبَائِبُ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ عَامًا فِي الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مَا وَصَفْت لَك أَنَّهُ يَحْرُمُ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِالْمِلْكِ يُرِيدُ الْوَطْءَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَمَنْ وَطِئَ مِنْهُمَا الْأُمَّ وَالِابْنَةَ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْأُخْرَى أَبَدًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا كَالْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ فَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا بِالْوَطْءِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ مُحَرَّمٌ كَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَا أُحِبُّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا جَمِيعًا مَعْنَاهُ أَعْرِفُ حَالَ هَذِهِ وَحَالَ هَذِهِ بِالْوَطْءِ مَأْخُوذٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ الِاخْتِبَارِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَكَذَلِكَ الِالْتِذَاذُ مِنْهَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمَعَاصِمِ وَالصَّدْرِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَرُمَ لِلْوَطْءِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ لِلنَّظَرِ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا عَقَدَ عَلَى الِابْنَةِ عَقْدَ نِكَاحٍ.
(ش) : السَّائِلُ هُوَ قُبَاذُ الْأَسْلَمِيُّ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ عُثْمَانُ ﵁ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُرِيدُ بِآيَةِ التَّحْلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
стр. 1007
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيُصِيبُهَا ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَ أُخْتَهَا إنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُ أُخْتِهَا بِنِكَاحٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يُزَوِّجُهَا عَبْدَهُ أَوْ غَيْرَ عَبْدِهِ) .
النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ أَمَةً كَانَتْ لِأَبِيهِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهَبَ لِابْنِهِ جَارِيَةً فَقَالَ لَا تَمَسَّهَا فَإِنِّي قَدْ كَشَفْتهَا) .
ــ
[المنتقى]
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ أُخْتَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا وَقَوْلُهُ حَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ يُرِيدُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] يُرِيدُ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَلَمْ يَخُصَّ مِلْكَ يَمِينٍ وَلَا غَيْرَهُ فَاتَّفَقَ فِيهِمَا أَهْلُ الْأَمْصَارِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ عُمُومٌ قَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ فَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْمِلْكِ وَخَاصَّةٌ فِي الْأُخْتَيْنِ وقَوْله تَعَالَى ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] عَامَّةٌ فِي الْأُخْتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا خَاصَّةٌ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَكِلَا الْآيَتَيْنِ خَاصَّةٌ مِنْ وَجْهٍ، عَامَّةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، إلَّا أَنَّ آيَةَ مِلْكِ الْيَمِينِ قَدْ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِإِجْمَاعٍ وَهِيَ فِي الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْأُمِّ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَآيَةُ التَّحْرِيمِ لَمْ يَدْخُلْهَا تَخْصِيصٌ فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى عُمُومِهَا وَتَخْصِيصُ الْأُخْرَى بِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيُصِيبُهَا ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَ أُخْتَهَا إنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُ أُخْتِهَا بِنِكَاحٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يُزَوِّجُهَا عَبْدَهُ أَوْ غَيْرَ عَبْدِهِ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ لَا يَحِلُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَسِيسِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا بَأْسَ بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي مِلْكِ يَمِينِهِ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَجْتَمِعَا فِي مِلْكِهِ قَبْلَ وَطْءِ إحْدَاهُمَا أَوْ يَبْتَاعُ إحْدَاهُمَا فَيَطَؤُهَا ثُمَّ يَبْتَاعُ الْأُخْرَى فَإِنْ اجْتَمَعَا فِي مِلْكِهِ قَبْلَ الْوَطْءِ فَلَهُ أَنْ يَطَأَ أَيَّتَهمَا شَاءَ فَإِذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى حَتَّى يَحْرُمَ عَلَى نَفْسِهِ الَّتِي وَطِئَ لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي أَنْ يَسْتَبِيحَ وَطْأَهَا وَهُمَا فِي مِلْكِهِ فَإِذَا نَالَ إحْدَاهُمَا حَرُمَ عَلَيْهِ نَيْلُ الْأُخْرَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ بَاعَ الَّتِي وَطِئَ ثُمَّ اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَ الثَّانِيَةَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَطَأَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ جَدِيدٌ لَمْ يَطَأْ فِيهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي اجْتَمَعَتَا فِي مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ يَطَأَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ بَاعَ الَّتِي وَطِئَ ثُمَّ وَطِئَ الْأُخْرَى ثُمَّ اشْتَرَى الْأُولَى فَإِنَّهُ يُقِيمُ عَلَى وَطْءِ الثَّانِيَةِ الَّتِي وَطِئَ بَعْدَ أُخْتِهَا وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ الْأُولَى لِأَنَّهُ قَدْ اشْتَرَاهَا بَعْدَ أَنْ وَطِئَ أُخْتَهَا وَهِيَ عِنْدَهُ دُونَهَا وَهَذَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا بِالنَّسَبِ وَالرَّضَاعِ حَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ.
[النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ أَمَةً كَانَتْ لِأَبِيهِ]
(ش) : قَوْلُ عُمَرَ ﵁ لِابْنِهِ حِينَ وَهَبَهُ الْجَارِيَةَ وَلَا تَمَسَّهَا يَقْتَضِي صِحَّةَ مِلْكِ ابْنِهِ لِمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَإِنَّمَا نَهَاهُ عَنْهَا لِيُعَرِّفَهُ أَنَّهُ قَدْ جَرَى لَهُ فِيهَا مَا حَرَّمَ عَلَى ابْنِهِ وَطْؤُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ فَإِنِّي قَدْ كَشَفْتهَا يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ كَشَفَ عَنْهَا وَنَظَرَ إلَى بَعْضِ مَا تَسْتُرُهُ مِنْ جَسَدِهَا عَلَى وَجْهِ طَلَبِ اللَّذَّةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ مِنْهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ مَلَكَ أَمَةً فَتَلَذَّذَ مِنْهَا بِتَقْبِيلٍ أَوْ تَجْرِيدٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ مُغَامَزَةٍ أَوْ نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ مِنْ مَحَاسِنِهَا نَظَرَ شَهْوَةٍ فَكُلُّ ذَلِكَ يُحَرِّمُ عَلَى ابْنِهِ وَعَلَى أَبِيهِ التَّلَذُّذَ بِشَيْءٍ مِنْهَا إنْ مَلَكَهَا بَعْدَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِك وَزَادَ وَكَذَلِكَ إنْ نَظَرَ إلَى سَاقَهَا أَوْ مِعْصَمِهَا تَلَذُّذًا فَلَا تَحِلُّ لِابْنِهِ وَلَا لِأَبِيهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّ نَظَرَهُ إلَى فَرْجِهَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ جَسَدِهَا لَا يُحَرِّمُهَا وَقَالَ وَالدَّلِيلُ لِذَلِكَ أَنَّهُ نَظَرَ إلَى جَسَدِهَا مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَلَا إنْزَالٍ فَلَمْ تَحْرُمْ بِذَلِكَ عَلَى ابْنِهِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا نَظَرَ إلَى وَجْهِهَا مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ وَالدَّلِيلُ لِصِحَّةِ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا اسْتِمْتَاعٌ مُبَاحٌ فَوَجَبَ أَنْ تَحْرُمَ بِهِ عَلَى الِابْنِ كَالْوَطْءِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إنْ نَظَرَ إلَيْهَا عِنْدَ اشْتِرَائِهِ، أَوْ مَرِضَ فَقَامَتْ عَلَيْهِ وَاطَّلَعَتْ عَلَى عَوْرَتِهِ وَمَسَّتْ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ مَرِضَتْ فَقَامَ هُوَ عَلَيْهَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُحَرِّمُهَا ذَلِكَ عَلَى أَبِيهِ وَلَا عَلَى ابْنِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَذَلِكَ عِنْدِي إذَا صَحَّ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ اللَّذَّةِ بِقَلْبٍ وَلَا بَصَرٍ وَلَا يَدٍ وَلَا فِعْلٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ اسْتِمْتَاعٌ وَلَا قَصْدٌ إلَى الِالْتِذَاذِ بِهَا فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى ابْنِهِ كَاسْتِخْدَامِهَا.
стр. 1008
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبِّرِ أَنَّهُ قَالَ وَهَبَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِابْنِهِ جَارِيَةً فَقَالَ لَا تَقْرَبْهَا فَإِنِّي قَدْ أَرَدْتهَا فَلَمْ أَنْشَطْ إلَيْهَا) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ لَا تَقْرَبْهَا يُرِيدُ مَنْعَةُ مِنْ وَطِئَهَا وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَهَذَا اللَّفْظُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْمَنْعُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ مِلْكِ الْعَيْنِ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمَنْعَ مِنْ أَكْلِهَا ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١] وَقَالَ ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْوَطْءَ وَالِاسْتِمْتَاعَ بِهَا كَانَ الْمَنْعُ مِنْ أَنْ يَقْرَبَهَا مَنْعًا مِنْ وَطِئَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنِّي قَدْ أَرَدْتهَا يَعْنِي أَنَّهُ أَرَادَ وَطْأَهَا لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ الْإِرَادَةِ وَالشَّهْوَةِ وَالْكَرَاهَةِ مَتَى عُلِّقَ عَلَى عَيْنٍ فَإِنَّمَا يَقْتَضِي تَعَلُّقَهُ بِالْفِعْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، فَإِذَا قَالَ أَرَدْت الْجَارِيَةَ فَإِنَّمَا يَعْنِي إرَادَةَ جِمَاعِهَا وَإِذَا قَالَ أَرَدْت الطَّعَامَ اقْتَضَى ذَلِكَ إرَادَةَ أَكْلِهِ إلَّا أَنَّ الْإِرَادَةَ هَاهُنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْإِرَادَةَ بِالْقَلْبِ خَاصَّةً وَهَذَا لَا يُحَرِّمُ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مِنْ الْمُبَاشَرَةِ أَوْ النَّظَرِ مَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْإِرَادَةِ لِلْغَائِبِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَالَجْتهَا وَحَاوَلْت ذَلِكَ مِنْهَا وَذَلِكَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ، وَأَمَّا عَدَمُ النَّشَاطِ عَنْ إكْمَالِ الْجِمَاعِ الَّذِي حَاوَلَهُ أَوْ أَرَادَهُ فَلَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ مِنْهُ بِالْمُحَاوِلَةِ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لَزِمَهُ أَنْ يُخْبِرَ ابْنَهُ حِينَ وَهْبِهِ إيَّاهَا بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا وَأَخْبَرَهُ بِوَجْهِ الْمَنْعِ مِنْهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا يَلْزَمُ كُلَّ مَنْ وَهَبَ ابْنَهُ جَارِيَةً جَرَى فِيهَا مَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِذَلِكَ لِيَتَوَقَّاهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَرَى مِنْهُ مَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ فَيَعْلَمَ بِذَلِكَ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَحِلُّ لِوَلَدٍ مَسِيسُ جَارِيَةِ مَلَكَهَا أَبُوهُ وَلَا لِوَالِدٍ مَسِيسُ جَارِيَةِ مَلَكَهَا وَلَدُهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا إذَا بَلَغَ مَبْلَغَ مَنْ يَلْتَذُّ بِالْجَوَارِي خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَسَّهَا أَوْ تَلَذَّذَ مِنْهَا بِشَيْءٍ حَتَّى يُبَيِّنَ الْوَالِدُ لِلْوَلَدِ وَالْوَلَدُ لِلْوَالِدِ أَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا وَلَا الْتَذَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا نَهْشَلِ بْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ إنِّي رَأَيْت جَارِيَةً لِي مُنْكَشِفًا عَنْهَا وَهِيَ فِي الْقَمَرِ فَجَلَسْت مِنْهَا مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ فَقَالَتْ إنِّي حَائِضٌ فَقُمْت فَلَمْ أَقْرَبِهَا بَعْدُ أَفَأَهَبُهَا لِأَبِي يَطَؤُهَا؟ فَنَهَاهُ الْقَاسِمُ عَنْ ذَلِكَ) .
(ش) : قَوْلُهُ إنِّي رَأَيْت جَارِيَةً لِي مُنْكَشِفًا عَنْهَا وَهِيَ فِي الْقَمَرِ يُرِيدُ أَنَّهُ رَأَى جَارِيَةً قَدْ انْكَشَفَ ثَوْبُهَا عَنْهَا وَأَنَّ الْمُوجِبَ لِذَلِكَ أَوْ الْمُعِينُ عَلَيْهِ كَوْنُهَا فِي الْقَمَرِ.
وَقَوْلُهُ فَجَلَسْتُ مِنْهَا مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ عِنْدَ الْوَطْءِ وَهَذَا قَدْ وَجَدَ مِنْهُ الِالْتِذَاذَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَمُحَاوَلَةِ مُجَامَعَتِهِ لَهَا وَمُبَاشَرَةِ بَعْضِ جِسْمِهِ بِجِسْمِهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْهَا ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ إتْمَامِ الْجِمَاعِ مَا أَخْبَرَتْهُ بِهِ مِنْ أَنَّهَا حَائِضٌ فَقَامَ عَنْهَا لِذَلِكَ، فَسَأَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ هَلْ يُحَرِّمُهَا ذَلِكَ عَلَى ابْنِهِ فَنَهَاهُ الْقَاسِمُ عَنْ أَنْ يَهَبَهَا لِابْنِهِ عَلَى وَجْهِ إبَاحَةِ وَطْئِهِ لَهَا وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ أَنْ يَهَبَهَا لَهُ لِأَنَّ مِلْكَ ابْنِهِ لَهَا جَائِزٌ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا خَاصَّةً.
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّهُ وَهَبَ لِصَاحِبٍ لَهُ جَارِيَةً ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ قَدْ هَمَمْت أَنْ أَهَبَهَا لِابْنِي فَيَفْعَلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِمَرْوَانَ كَانَ أَوْرَعَ مِنْك وَهَبَ لِابْنِهِ جَارِيَةً ثُمَّ قَالَ لَا تَقْرَبْهَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْت سَاقَهَا مُنْكَشِفَةً) ش قَوْلُهُ قَدْ هَمَمْت أَنْ أَهَبَهَا لِابْنِي فَيَفْعَلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ قَدْ جَرَى فِيهَا مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَلَامٌ مَحْذُوفٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الْأَبَ قَدْ رَامَهَا فَعَجَزَ عَنْهَا كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ أَرَدْتهَا فَلَمْ أَسْتَطِعْهَا وَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَهَبَهَا لِابْنِي فَيُصِيبَ مِنْهَا فَحِينَئِذٍ قَالَ قَدْ هَمَمْت أَنْ أَهَبَهَا لِابْنِي فَيَفْعَلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا كِنَايَةً عَنْ الْجِمَاعِ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ لِمَرْوَانَ كَانَ أَوَرَعَ مِنْك إذْ قَالَ لِابْنِهِ فِي جَارِيَةٍ وَهَبَهُ إيَّاهَا لَا تَقْرَبْهَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْت سَاقَهَا مُنْكَشِفًا وَهَذَا يَسِيرٌ فِي جَنْبِ مُحَاوِلَةِ جِمَاعِهَا وَمُبَاشَرَتِهَا وَمُضَاجَعَتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ
стр. 1009
النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَحِلُّ نِكَاحَ أَمَةٍ يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَهُنَّ الْحَرَائِرُ مِنْ الْيَهُودِيَّاتِ وَالنَّصْرَانِيَّات.
وَقَالَ اللَّهُ ﵎ (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ) فَهُنَّ الْإِمَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ قَالَ مَالِكٌ فَإِنَّمَا أَحَلَّ اللَّهُ فِيمَا نَرَى نِكَاحَ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ وَلَمْ يُحَلِّلْ نِكَاحَ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ) .
ــ
[المنتقى]
وَالْقَصْدِ إلَيْهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْوَطْءِ إلَّا الْعَجْزُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَرْوَانَ قَدْ رَأَيْت سَاقَهَا مُنْكَشِفًا يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ رَآهُ مَكْشُوفًا انْكَشَفَ عَنْهُ الثَّوْبُ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ اللَّذَّةَ وَالِاسْتِمْتَاعَ بِالنَّظَرِ إلَى ذَلِكَ مِنْهَا فَحَرُمَتْ بِذَلِكَ عَلَى ابْنِهِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَأَرَادَ التَّنَاهِيَ فِي الْوَرَعِ وَالتَّوَقُّفَ عَمَّا فِيهِ بَعْضِ الشُّبْهَةِ عِنْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكُمُ.
[النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ ﵀ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَهَذَا عَامٌ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْمُشْرِكَاتِ يَتَنَاوَلُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى الشِّرْكِ الْإِشْرَاكُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَمَنْ جَعَلَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ابْنًا لِلَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَهُ مَعَهُ وَبِذَلِكَ تَعَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ نِكَاحِ الْحَرَائِرِ الْكِتَابِيَّاتِ.
وَقَالَ ﵁ لَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمُ مِمَّنْ جَعَلَ لِلَّهِ صَاحِبَةً وَوَلَدًا، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ امْرَأَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا نَقْصَانِ مُؤَثِّرَانِ فِي مَنْعِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَجُزْ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَالْحُرَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ اجْتَمَعَ فِيهَا نَقْصُ الْكُفْرِ وَنَقْصُ عَدَمِ الْكِتَابِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ هَذَا لِحُرٍّ وَلَا لِعَبْدٍ فَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ مِنْ أَمَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا نَقْصٌ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ يَمْنَعُ نِكَاحَ الْحُرِّ فَمَنَعَ نِكَاحَ الْمَجُوسِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَانَ تَحْتَهُ مِنْ النَّصَارَى أَمَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ فَأَسْلَمَ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُفَارِقُهَا وَعَنْ أَشْهَبَ لَا يُفَارِقُهَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَعْنًى يُنَافِي ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ يُنَافِيَ اسْتِدَامَتَهُ كَالْأُخُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِ أَشْهَبَ لَعَلَّهُ يُرِيدُ إنْ أُعْتِقَتْ أَوْ أَسْلَمَتْ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ بَعْدَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَهُنَّ الْحَرَائِرُ مِنْ الْيَهُودِيَّاتِ وَالنَّصْرَانِيَّات يُرِيدُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالْحَرَائِرِ خَاصَّةً دُونَ الْإِمَاءِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُشْرِكَةٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ثُمَّ خَصَّ هَذَا الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَهُنَّ الْحَرَائِرُ فَأَبَاحَ تَعَالَى نِكَاحَ حَرَائِرِهِنَّ وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَقَالُوا الْآيَةُ مُخَصَّصَةٌ بِعُمُومِ الْآيَةِ الْمَانِعَةِ وَقَدْ تَزَوَّجَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵄ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مَنَعَهُ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ وَتَعَلَّقَ فِيهِ بِعُمُومِ الْآيَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنِّي لَا أَرَى أَنْ يَضَعَ
стр. 1010
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمَةُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ أَمَةٍ مَجُوسِيَّةٍ بِمِلْكِ الْيَمِينِ) .
مَا جَاءَ فِي الْإِحْصَانِ (ص) : (مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ الْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ هُنَّ أُولَاتُ الْأَزْوَاجِ وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَا) .
ــ
[المنتقى]
وَلَدَهُ عِنْدَ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُ الْخِنْزِيرَ وَيُغَذِّيهِ وَإِنَّمَا غِذَاءُ اللَّبَنِ بِمَا تَأْكُلُهُ الْمَرْأَةُ وَتُغْلَبُ عَلَى الصَّبِيِّ فَتَضُرُّ بِهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ وَيُضَاجِعُهَا الرَّجُلُ وَلَا تَغْتَسِلُ فَتَرْكُ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] قَالَ مَالِكٌ فَهُنَّ الْإِمَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ قَالَ مَالِكٌ فَإِنَّمَا أَحَلَّ اللَّهُ فِيمَا نَرَى نِكَاحَ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ نِكَاحَ الْإِمَاءِ بِالْإِيمَانِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] فَقَصَرَ هَذَا الْحُكْمَ عَلَيْهِنَّ دُونَ غَيْرِهِنَّ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] عَامٌّ فِي الْإِمَاءِ وَغَيْرِهِنَّ فَأَخْرَجَ بِالتَّخْصِيصِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إبَاحَةِ الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الْفَتَيَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ خَاصَّةً فَبَقِيَ تَحْرِيمُ الْآيَةِ الْعَامَّةِ فِي الْإِمَاءِ اللَّائِي لَسْنَ بِمُؤْمِنَاتٍ بِمَنْعِ نِكَاحِهِنَّ كَمَا بَقِيَ نِكَاحُ الْحَرَائِرِ الْمَجُوسِيَّاتِ وَالْوَثَنِيَّاتِ عَلَى التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَحْ مِنْهُنَّ بِالتَّخْصِيصِ إلَّا الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ دُونَ الْمُحْصَنَاتِ مِنْ غَيْرِهِنَّ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ تَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَهُ مِنْهَا حُرٌّ فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَسْتَرِقَ ابْنَهُ كَافِرٌ وَإِنْ تَزَوَّجَهَا أَدَّى إلَى أَنْ يَسْتَرِقَ وَلَدَهُ مِنْهَا كَافِرٌ فَلِذَلِكَ جَازَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَمْ يَجُزْ بِالنِّكَاحِ وَأَمَّا الْمَجُوسِيَّةُ فَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ وَلَا عَقْدِ نِكَاحٍ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْفُقَهَاءِ مَا دَامَتْ عَلَى مَجُوسِيَّتِهَا وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى الْإِسْلَامِ جَازَ نِكَاحُهَا وَوَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهَا قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَالْإِيمَانُ يَكُونُ بِإِظْهَارِ الشَّهَادَةِ وَالِاعْتِقَادِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ عَمَلٍ وَلَا صَلَاةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكُمُ.
[مَا جَاءَ فِي الْإِحْصَانِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ]
(ش) : قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ إنَّ الْمُحْصَنَاتِ مِنْ النِّسَاءِ هُنَّ أُولَاتُ الْأَزْوَاجِ قَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءَ وَطَاوُسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ إلَّا مَنْ أُحِلَّ لَهُ بِالتَّزْوِيجِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فَتَأَوَّلَ قَوْمٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ إلَّا مَنْ أُحِلَّ لَهُ بِالتَّزْوِيجِ قَالَ وَإِنَّمَا قَالُوا بِذَلِكَ جُمْلَةً وَلَمْ يَبْلُغُوا بِهِ اسْتِقْصَاءَ التَّفْسِيرِ وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي تَفْسِيرِهَا إنَّمَا حَرَّمَ الزِّنَى فَلَمْ يُبَيِّنُوا أَيْضًا مَذْهَبَهُمْ وَإِنَّمَا جَاءَ حَقِيقَةُ التَّفْسِيرِ مِنْ مَعْنَاهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُ الرَّجُلِ مِنْ الْمُسْلِمَاتِ فَإِنَّ لَهُ إذَا اشْتَرَاهَا وَلَهَا زَوْجٌ أَنْ يَغْشَاهَا وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ فِي سَبْيٍ أَوْ طَاسٍ فَإِنَّ الْآيَةَ إنَّمَا نَزَلَتْ فِي النِّسَاءِ اللَّاتِي لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي بَلَدِ الشِّرْكِ فَإِذَا سُبِينَ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ فَإِنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ الْأَمَةَ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا وَنِكَاحَ الْحُرِّ لَهَا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا إذَا لَمْ يَجِدْ طَوْلًا وَخَافَ الْعَنَتَ بَانَتْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ يَجُوزُ نَقْضُهُ إلَّا بِحَجَّةٍ وَلَا نَعْلَمُ لِلَّذِينَ قَالُوا خِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً يُرِيدُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقَهَا وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَيُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُتِّمُوا التَّفْسِيرَ الَّذِي أَشَارُوا إلَيْهِ وَمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ إلَّا مَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ بِابْتِيَاعِ جَارِيَةٍ لَهَا زَوْجٌ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لِأَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ يَفْسَخُ نِكَاحَ زَوْجِهَا
стр. 1011
(ص) : (مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَبَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ إذَا نَكَحَ الْحُرُّ الْأَمَةَ فَمَسَّهَا فَقَدْ أَحْصَنَتْهُ قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ تُحْصِنُ الْأَمَةُ الْحُرَّ إذَا نَكَحَهَا فَمَسَّهَا)
ــ
[المنتقى]
وَيُزِيلُ عِصْمَتَهُ عَنْهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَذَهَبَ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا مَنْ سَبَى جَارِيَةً لَهَا زَوْجٌ بِبَلَدِ الْحَرْبِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِأَنَّ السَّبْيَ يَفْسَخُ النِّكَاحَ فَاخْتَارَ لِذَلِكَ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ هُنَّ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَ أَنَّهُ يُبَاحُ مِنْهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ الْمَسْبِيَّاتُ وَلَمْ يَنْقُلْ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا لَمَّا لَمْ يَرَ ذَلِكَ وَأَنَّ الصَّوَابَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي نِكَاحِهَا فُرْقَةً وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي «حَدِيثِ بَرِيرَةَ إنَّ عَائِشَةَ ﵂ اشْتَرَتْهَا وَأَعْتَقَتْهَا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَلَوْ كَانَ بَيْعُهَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا لَمَا خَيَّرَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءَ وَطَاوُسٍ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ هُنَّ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَقَوْلُهُمَا إنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] إلَّا مَا أُحِلَّ لَكُمْ مِنْ التَّزْوِيجِ وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُمَا لَمْ يَبْلُغَا نِهَايَةَ التَّفْسِيرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُمَا قَصَّرَا فِي النَّظَرِ وَلَمْ يَسْتَوْعِبَا اسْتِيعَابًا يَصِلَانِ بِهِ إلَى الصَّوَابِ وَخَالَفَهُمَا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي قَوْلِهِمَا إنَّ الْمُحْصَنَاتِ هُنَّ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَفِي قَوْلِهِمْ إنَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ الزَّوْجَاتُ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَوَابٌ عِنْدِي لِأَنَّ لَفْظَ الْمُحْصَنَاتِ لَا يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ وَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَى نَوْعِ مِلْكٍ أَوْ أَنْوَاعٍ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ لَا يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةِ النِّسَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ بَعْضُ النِّسَاءِ وَلَا تُحْمَلُ (مِنْ) عَلَى أَنَّهَا زَائِدَةٌ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ لَا تَكُونُ زَائِدَةً إلَّا فِي النَّفْيِ فِي قَوْلِهِمْ مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهَا زَائِدَةً فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ أَوْ لِلْجِنْسِ وَهُوَ يَعُودُ إلَى مَعْنَى التَّبْعِيضِ فَلَا يُعْدَلُ إلَى أَنَّهَا زَائِدَةٌ إلَّا بِدَلِيلٍ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ لَا يُرَادُ بِهِ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] وَإِذَا كَانَ الْمُحْصَنَاتُ جَمَاعَةَ النِّسَاءِ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُنَّ مِنْ مُبَاحٍ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ نَوْعٌ مِنْ النِّسَاءِ فَعَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِهِنَّ وَأَحَلَّ غَيْرَهُنَّ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَمَا يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ وَهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ نَوْعًا مِنْ النِّسَاءِ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ، وَعَطَفَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَثَبَتَ هَذَا بِلُغَةٍ أَوْ شَرْعٍ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَعْنَاهُ وَالنِّسَاءُ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الرِّجَالِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ بِالنِّكَاحِ وَمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَهَذَا وَجْهٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءَ وَطَاوُسٍ زَوْجَتُك مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُكَ.
وَقَدْ قَالَ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ إنَّ الْمُحْصَنَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ هُنَّ مَا زَادَ عَلَى الْأَزْوَاجِ وَأَبَاحَ الْأَرْبَعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَاسْتَثْنَى مِنْ الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَرَجَعَ ذَلِكَ إلَى أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَا وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ إحْصَانٌ بِزِنًا وَلَا يَكُونُ إلَّا بِنِكَاحٍ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرٌ لِلزِّنَا وَلَا سِيَّمَا عَلَى تَأْوِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ إذَا كُنَّ ذَوَاتِ أَزْوَاجٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَيْهِنَّ عَقْدُ نِكَاحٍ فَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ التَّحْرِيمُ إلَى الْوَطْءِ دُونَ الْعَقْدِ وَذَلِكَ زِنًا إلَّا بِمِلْكِ الْيَمِينِ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ، وَمَا قُلْنَا أَوَّلًا مِنْ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ أَظْهَرُ مَا قُلْنَاهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ إذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ
стр. 1012
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْأَمَةَ فَمَسَّهَا فَقَدْ أَحْصَنَتْهُ يُرِيدُ الْإِحْصَانَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ عَلَى الْمُحْصَنِ إذَا زَنَا الرَّجْمُ، وَالْإِحْصَانُ عَلَى أَوْجُهِ، الْإِحْصَانِ بِمَعْنَى الْحُرِّيَّةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قَالَ مَالِكٌ فَهُنَّ الْحَرَائِرُ، وَالثَّانِي الْمُحْصَنَاتُ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] يُرِيدُ ذَوَاتَ الْأَزْوَاجِ، وَالثَّالِثُ الْإِحْصَانُ بِمَعْنَى الْعَفَافِ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ فِي عَائِشَةَ ﵂
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي الْمَنْعِ فَالْمَرْأَةُ تَكُونُ مُحْصَنَةً بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَمْنَعُهَا مِمَّا حَرَّمَ عَلَيْهَا وَتَكُونُ مُحْصَنَةً بِالْعَفَافِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَمُحْصَنَةً بِالتَّزْوِيجِ، وَأَمَّا الْإِحْصَانُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ مَنْ حَصَلَ لَهُ بِالزِّنَا الرَّجْمَ، فَالصِّفَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ صِفَاتِ هَذَا الْوَجْهِ الْآخَرِ لِأَنَّهَا لَا تُحْصِنُ إلَّا حُرَّةً أُصِيبَتْ بِنِكَاحٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمُحْصَنَاتُ بِمَعْنَى النِّسَاءِ وَإِنَّمَا قَصَدَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِالْإِحْصَانِ الْوَجْهَ الْآخَرَ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ فِي صِفَاتِ الْمُحْصَنِ وَالثَّانِي فِي وَصْفِ مَا يَكْمُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ مِنْ الْعُقُودِ وَالثَّالِثُ فِي ذِكْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ مِنْ الْجِمَاعِ وَالرَّابِعُ مَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَاتِ الْمُحْصَنِ] ١
هِيَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا حُرًّا مُسْلِمًا يَصِحُّ مِنْهُ الْجِمَاعُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ الْعَقْلِ فَأَمَّا الصَّغِيرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحْصَنًا بِجِمَاعِهِ وَيُحْصِنُ الْكَبِيرَةَ وَلَا يُحْصِنُ الصَّغِيرَةَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ مُضَافٌ إلَى فَاعِلِهِ وَهُوَ الرَّجُلُ فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِحَالِهِ فَإِذَا كَانَ كَبِيرًا فَهُوَ جِمَاعٌ وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا فَلَيْسَ بِجِمَاعٍ فَإِذَا كَانَ الْمُجَامِعُ كَبِيرًا وَالْمُجَامَعَةُ صَغِيرَةً فَلَهُ حُكْمُ الْجِمَاعِ التَّامِّ فَيَجِبُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي حَقِّ مَنْ كَمُلَتْ لَهُ صِفَاتُ الْإِحْصَانِ دُونَ غَيْرِهِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ مَنْ عَدِمَ فِيهَا شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ كَالصَّبِيَّةِ الَّتِي عُدِمَ فِيهَا الْبُلُوغُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْإِحْصَانِ فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَوُجِدَ مِنْهَا الْجِمَاعُ فَهُمَا مُحْصَنَانِ وَمَنْ عُدِمْت فِيهِ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنْهُمَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِالْجِمَاعِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ وَيَثْبُتُ لِلْآخَرِ إذَا وُجِدَتْ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَإِنْ كَانَا مُسْلِمِينَ فَهُمَا بِالْجِمَاعِ مُحْصَنَانِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فَهُوَ الْمُحْصَنُ دُونَهَا لِوُجُودِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ فِيهِ وَعَدَمُهُ فِيهَا، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُسْلِمَةُ دُونَهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَصِحُّ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا ثَبَتَ لِلرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حُكْمُ الْإِحْصَانِ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا إلَّا بِإِحْصَانٍ مُسْتَأْنَفٍ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُؤْثَرُ هَذَا الْقَوْلُ.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ إنَّ رِدَّتَهُ لَا تُسْقِطُ حَصَانَتَهُ وَلَا إيمَانَهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وَهَذَا قَدْ أَشْرَكَ فَوَجَبَ أَنْ يَحْبَطَ كُلُّ عَمَلٍ كَانَ عَمِلَهُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّهُ إذَا ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ فَإِنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ تَعُودُ عَلَيْهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِيذَنَا بِرَحْمَتِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالرِّدَّةِ كَالطَّلَاقِ وَلِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يَبْطُلْ طَلَاقُهُ وَتَعُودُ بِرِدَّتِهِ زَوْجَتُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا كَوْنُهُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْجِمَاعُ فَهُوَ السَّلِيمُ الَّذِي لَيْسَ بِهِ آفَةٌ تَمْنَعُهُ الْجِمَاعَ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا أَوْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبَ الذَّكَرِ وَلَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ وَإِنْ كَانَ خَصِيًّا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجِمَاعَ يَتَأَتَّى مِنْهُ وَقَدْ وُجِدَتْ فِيهِ سَائِرُ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْجُنُونُ فَقَدْ
стр. 1013
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَطَأْ إلَّا وَهِيَ مَجْنُونَةٌ وَهُوَ مُفِيقٌ فَهُوَ الْمُحْصَنُ دُونَهَا، وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا وَهِيَ مُفِيقَةٌ فَهِيَ الْمُحْصَنَةُ دُونَهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِحَالِ الزَّوْجِ فَإِنْ كَانَ مُفِيقًا دُونَهَا فَهُمَا مُحْصَنَانِ وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا دُونَهَا فَلَا يُحْصَنُ بِذَلِكَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ سَوَاءٌ كَانَا مَجْنُونَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُمَا مُحْصَنَانِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَعْنَى إذَا كَانَ يُؤَثِّرُ فِي الْإِحْصَانِ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى تَأْثِيرُهُ مَنْ وُجِدَ فِيهِ كَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ بِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنْقِصُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَمَا لَا يُنْقِصُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ بِحَالِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ لِلْوَطْءِ كَوَطْءِ الصَّغِيرِ وَهَذَا خَالَفَ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَأْثِيرًا فِي نَقْصِ الْحُرِّيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ بِصِفَةِ الْفَاعِلِ خَاصَّةً بَلْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ حُكْمُ نَفْسِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ صَحِيحٌ قَدْ وُجِدَ مِنْ بَالِغٍ مُسْلِمٍ فَوَجَبَ أَنْ يُحْصَنَ كَوَطْءِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا لِلْجُنُونِ تَأْثِيرٌ فِي مَنْعِ الْإِحْصَانِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي وَصْفِ مَا يَكْمُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ مِنْ الْعُقُودِ] ١
(الْبَابُ الثَّانِي فِي وَصْفِ مَا يَكْمُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ مِنْ الْعُقُودِ) وَهُوَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ اللَّازِمُ الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ فَأَمَّا الْعَقْدُ الْفَاسِدُ فَلَا يَكُونُ بِهِ الْإِحْصَانُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كُلُّ نِكَاحٍ كَانَ حَرَامًا أَوْ فَاسِدًا يُفْسَخُ لِفَسَادِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يُحْصِنُ الْوَطْءُ فِيهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِحْصَانَ لَمَّا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْكَمَالِ وَتَمَامِ الْحُرْمَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ لِأَنَّهُ مُضَادٌّ لِلْكَمَالِ وَمُنَافٍ لَهُ فَلَا تَحْصُلُ بِهِ صِفَاتُ الْكَمَالِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَوَطِئَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْلِ وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ وَإِثْبَاتِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ، وَأَمَّا إنْ وَطِئَ قَبْلَهُ وَهُوَ الَّذِي يَفُوتُ بِهِ النِّكَاحُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَعِنْدِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ وَطْءٌ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِأَنَّ أَوَّلَهُ مَمْنُوعٌ وَبَاقِيَهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ إحْصَانٌ وَلَا إحْلَالٌ وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ مُبَاحٌ لَزِمَنَا أَنْ نَقُولَ إنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ حَالَ الْإِيلَاجِ وَبِهِ يَلْزَمُ النِّكَاحُ وَمَا بَعْدَهُ يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ مَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ مِنْ الْجِمَاعِ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ مَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ مِنْ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ) فَإِذَا غَابَتْ الْحَشَفَةُ أَوْ غَابَ مِنْ ذَكَرٍ مَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ وَجَبَ الْإِحْصَانُ فِي حَقِّ مَنْ اجْتَمَعَتْ لَهُ صِفَاتُ الْإِحْصَانِ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ فَلَا اعْتِبَارَ فِيهِ لِإِنْزَالٍ كَالْحُدُودِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الذَّكَرِ الْمُنْتَشِرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَشِرًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّتِي تَزَوَّجَتْ شَيْخًا كَبِيرًا فَأَدْخَلَتْ بِأُصْبُعِهَا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا إنْ انْتَشَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَحَلَّهَا لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا وَإِنْ بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّهَا قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ وَطِئَهَا فَوْقَ الْفَرْجِ فَدَخَلَ مَاؤُهُ فِي فَرْجِهَا فَأَنْزَلَتْ هِيَ لَمْ يُحْصِنْهَا ذَلِكَ وَلَمْ يُحِلَّهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ الْوَطْءُ مُبَاحًا عَارِيًّا مِنْ الْكَرَاهِيَةِ، وَأَمَّا إذَا تَعَلَّقَتْ بِهِ كَرَاهِيَةٌ أَوْ تَحْرِيمٌ كَوَطْءِ الصَّائِمِ أَوْ الْمُحْرِمِ أَوْ الْمُعْتَكِفِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ يَأْخُذُ مُطَرِّفُ زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ وَالْمُظَاهَرُ مِنْهَا.
وَرَوَى مَالِكٌ يُحْصِنُ وَلَا يُحِلُّ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا وَبِهِ قَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ وَانْفَرَدَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بِقَوْلِهِ يُحِلُّ وَيُحْصِنُ وَبِهِ يَأْخُذُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ نَفْيِ الْإِحْصَانِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مَعْنًى يُؤَثِّرُ فِي الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ كَعَقْدِ النِّكَاحِ وَوَجْهُ إثْبَاتِ الْإِحْصَانِ أَنَّ هَذَا الْوَطْءَ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُبَاحٌ وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ مَحْظُورَةٍ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْإِحْصَانِ بِهِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا إنَّ الصَّائِمَ يَمْنَعُ الْإِحْصَانَ فَاَلَّذِي رَوَى مُحَمَّدٌ أَنَّ الصَّائِمَةَ تَمْنَعُ
стр. 1014
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ يُحْصِنُ الْعَبْدُ الْحُرَّةَ إذَا مَسَّهَا بِنِكَاحٍ وَلَا تُحْصِنُ الْحُرَّةُ الْعَبْدَ إلَّا أَنْ يُعْتَقَ وَهُوَ زَوْجُهَا فَيَمَسَّهَا بَعْدَ عِتْقِهِ فَإِنْ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ حَتَّى يَتَزَوَّجَ بَعْدَ عِتْقِهِ وَيَمَسَّ امْرَأَتَهُ) .
ــ
[المنتقى]
الْإِحْصَانَ وَلَمْ يُفَصِّلْ قَالَ وَهَكَذَا كُلُّ مَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مُوَاقَعَةِ الْجِمَاعِ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَا كَانَ مِنْ صِيَامِ نَذْرٍ مَعِينٍ أَوْ صِيَامِ رَمَضَانَ أَوْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ فِدْيَةٍ أَذًى أَوْ كُلِّ صَوْمٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبٍ فَهَذَا الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا صِيَامُ التَّطَوُّعِ أَوْ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْوَطْءَ فِي ذَلِكَ يُحِلُّ وَيُحْصِنُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ] ١
(الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ) حُكْمُ الْإِحْصَانِ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَيَتَّفِقَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِلْمُقِرِّ وَلَا لِلْمُنْكِرِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَزَادَ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ يَقُولُ لَهَا أَنْ تُسْقِطَ مَا أَقْرَرْت بِهِ مِنْ الْإِحْصَانِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ فِي زِنًا وَبَعْدَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِحْصَانَ حُكْمٌ يَلْزَمُهَا بِالْوَطْءِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ بِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ الْقَائِلُ بِهِ مِنْ أَنَّ لِلزَّوْجَةِ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُقِرَّةُ أَنْ تَقُولَ أَرَدْت بِالْإِقْرَارِ أَخْذَ الْمَهْرِ وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَقُولَ أَرَدْت أَنْ أُثْبِتَ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ وَأُوجِبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ، وَالْحُدُودُ تُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِهَا الشُّبْهَةُ، وَلَمَّا كَانَ يَجُوزُ إسْقَاطُ الْحَدِّ جُمْلَةً بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ إسْقَاطُ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ بِالْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَالرُّجُوعِ إلَى شُبْهَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ طَالَتْ مُدَّةُ مَقَامِهَا عِنْدَ الزَّوْجِ الْعِشْرِينَ سَنَةً وَنَحْوِهَا ثُمَّ وُجِدَتْ تَزْنِي فَأَنْكَرَتْ وَطْءَ الزَّوْجِ وَأَقَرَّ بِهِ الزَّوْجُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ هِيَ مُحْصَنَةٌ قَالَ سَحْنُونٌ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ لِأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَدْفَعَ بِإِنْكَارِهَا حَقًّا وَجَبَ، لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا فِيهِ دَعْوَى، وَفِي كِتَابِ الرَّجْمِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إنْ طَالَ مَقَامُهَا مَعَهُ ثُمَّ زَنَى فَقَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا، إنَّهُ إنْ لَمْ يُعْلَمْ وَطْؤُهُ إيَّاهَا بِوَطْءٍ ظَاهِرٍ أَوْ إقْرَارٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَيَحْلِفُ، فَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ إقْرَارٌ بِالْوَطْءِ رُجِمَ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَهَذِهِ خَيْرٌ مِنْ الَّتِي فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ إنَّ حَدَّهَا الرَّجْمُ إذَا أَنْكَرَتْ الْوَطْءَ بَعْدَ الزِّنَا وَلَوْ لَمْ يَبِتْ عِنْدَهَا إلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً قَالَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(فَرْعٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ الزِّنَا وَأَمَّا إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ وَاخْتَلَفَا فِي الْوَطْءِ قَبْلَ الزِّنَا فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ مُحْصَنَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَامَ مَعَهَا الدَّهْرَ الطَّوِيلَ وَالسِّنِينَ الْكَثِيرَةَ فَارَقَهَا فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُفَارِقْهَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ لِأَنَّ طُولَ الْمُقَامِ لَا يَمْنَعُهَا إنْكَارَ الْوَطْءِ كَمَا لَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ الْعَنَتَ لَكَانَ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْعَبْدَ يُحْصِنُ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ عَطَاءُ لَا يُحْصِنُهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذِهِ مَوْطُوءَةٌ بِنِكَاحٍ عَرَا عَنْ الْفَسَادِ وَالْخِيَارِ وَقَدْ وُجِدَتْ فِيهَا صِفَاتُ الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُحْصَنَةً كَمَا لَوْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يُحْصِنُ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ بِنِكَاحٍ أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ فَإِنْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ سَيِّدُهُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ نَعْلَمُهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ وَإِنْ أَجَازَ السَّيِّدُ النِّكَاحَ بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُحْصِنُهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَطِئَهَا وَكَذَلِكَ كُلُّ وَطْءٍ فِيهِ خِيَارٌ لَا حَدَّ فِيهِ كَوَطْءِ الْمَجْبُوبِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْذُومِ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ الزَّوْجَةُ دَاءَهُ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْإِحْصَانُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ الْإِجَازَةِ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِحْصَانَ يَحْصُلُ لِلزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ وَطْءٌ كَامِلٌ لَا خِيَارَ فِيهِ لِأَحَدٍ صَادَفَ مَنْ كَمُلَتْ لَهُ صِفَاتُ الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْصَنَ
стр. 1015
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمَةُ إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْحُرِّ ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ تُعْتَقَ فَإِنَّهُ لَا يُحْصِنُهَا نِكَاحُهُ إيَّاهَا وَهِيَ أَمَةٌ حَتَّى يَنْكِحَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا وَيُصِيبَهَا زَوْجُهَا فَذَلِكَ إحْصَانُهَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْأَمَةُ وَإِذَا كَانَتْ تَحْتَ الْحُرِّ فَتُعْتَقُ وَهِيَ تَحْتَهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا أَنَّهُ يُحْصِنُهَا إذَا عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَهُ إذَا هُوَ أَصَابَهَا بَعْدَ أَنْ تُعْتَقَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْحُرَّةُ النَّصْرَانِيَّةُ وَالْيَهُودِيَّةُ وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ تُحْصِنُ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ إذَا نَكَحَ إحْدَاهُنَّ فَأَصَابَهَا) .
نِكَاحُ الْمُتْعَةِ (ص) : (مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ» )
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَوَطِئَهَا بَعْدَ عِتْقِهِ فَقَدْ أَحْصَنَتْهُ لِأَنَّ صِفَاتِ الْإِحْصَانِ قَدْ تَجَمَّعَتْ فِيهِ وَلَوْ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ ثُمَّ أُعْتِقَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْفِرَاقِ وَالْعِتْقِ وَإِنَّمَا يَكُونُ إحْصَانُهُ بَعْدَ هَذَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَ الْعِتْقِ ثُمَّ يُصِيبَ امْرَأَتَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْأَمَةَ إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْحُرِّ فَإِنَّهُ لَا يُحْصِنُهَا نِكَاحُهُ وَوَطْؤُهُ إيَّاهَا فِي حَالِ رِقِّهَا وَلَا يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الْإِحْصَانِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إصَابَتِهِ إيَّاهَا حَتَّى يَعْتِقَ ثُمَّ يُصِيبَهَا زَوْجٌ بَعْدَ الْعِتْقِ وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ حَتَّى تَنْكِحَ بَعْدَ عِتْقِهَا وَيُصِيبَهَا زَوْجُهَا فِيمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ عَقْدُ نِكَاحَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا شَرْطًا فِي إحْصَانِهَا فَلَا، بَلْ إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ قَبْلَ الْعِتْقِ بِذَلِكَ النِّكَاحِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يُحْصِنُهَا إذَا كَانَ حُرًّا، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا وَأَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ بِعِتْقِهَا لَمْ يُحْصِنْهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْخِيَارَ لَهَا فِي الْمُقَامِ مَعَهُ وَالْمُفَارَقَةِ لَهُ ثَابِتٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ وَطْءٍ يُبْقِي خِيَارًا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْأَمَةَ إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْحُرِّ فَتُعْتَقُ وَهِيَ تَحْتَهُ فَإِنَّهُ يُحْصِنُهَا إذَا هُوَ أَصَابَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ عَالِمَةً كَانَتْ بِالْعِتْقِ أَوْ جَاهِلَةً لِأَنَّ عِتْقَهَا لَا يُوجِبُ لَهَا خِيَارًا فَمَتَى أَصَابَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ فَقَدْ صَادَفَ وَطْؤُهَا نِكَاحًا صَحِيحًا لَازِمًا فَإِذَا وَقَعَ الْوَطْءُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ أَوْجَبَ الْإِحْصَانَ لِاجْتِمَاعِ صِفَاتِ الْإِحْصَانِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الصِّفَاتِ الْمَانِعَةَ مِنْ الْإِحْصَانِ إنَّمَا تُؤَثِّرُ إذَا كَانَتْ صِفَاتِ نَقْصِ حُرْمَةٍ فِي مَنْعِ إحْصَانِ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ، وَإِذَا كَانَتْ صِفَاتِ تَمَامِ حُرْمَةٍ فَإِنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي إثْبَاتِ الْإِحْصَانِ فِيمَنْ وُجِدَتْ فِيهِ وَلَمْ تَتَعَدَّ إلَى غَيْرِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ وَالرِّقُّ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ أَثَّرَتْ فِي مَنْعِ الْإِحْصَانِ فِيمَنْ وُجِدَتْ فِيهِ وَلَمْ يَتَعَدَّ الْمَنْعُ إلَى غَيْرِهِ، وَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ تُحْصِنُهُ الْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ وَالْحُرَّةُ وَالْكِتَابِيَّةُ وَلَا يَتَعَدَّى نَقْصُهُنَّ إلَيْهِ فَيَمْنَعُهُ الْإِحْصَانَ كَمَا لَا يَتَعَدَّى تَمَامَ حُرْمَتِهِ الَّتِي يَثْبُتُ لَهُ بِهَا حُكْمُ الْإِحْصَانِ بِنِكَاحِهِ إحْدَاهُنَّ وَإِصَابَتِهَا.
[نِكَاحُ الْمُتْعَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ يُرِيدُ أَنَّهُ نَهَى ذَلِكَ الْيَوْمَ عَنْهَا وَنَسَخَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إبَاحَتِهَا وَالْمُتْعَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إلَّا سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ النِّكَاحِ وَكَمُلَ أَمْرُهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ أَوْ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُسَافِرُ يَدْخُلُ الْبَلَدَ أَتَزَوَّجُك مَا أَقَمْت حَتَّى أَقْفُلَ، وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُتْعَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مُبَاحَةً وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَلِمَ الْإِبَاحَةَ وَلَمْ يَعْلَمْ التَّحْرِيمَ حَتَّى أَنْكَرَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إبَاحَةَ ذَلِكَ وَأَعْلَمَهُ بِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّحْرِيمِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ «عَلِيًّا بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا لَا يَرَى بِالْمُتْعَةِ بَأْسًا فَقَالَ إنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَطَاءَ كَانَا يُجِيزَانِ الْمُتْعَةَ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إنَّمَا رَجَعَ
стр. 1016
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ دَخَلَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَتْ إنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ مُوَلَّدَةٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَقَالَ هَذِهِ الْمُتْعَةُ لَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهَا لَرَجَمْت) .
ــ
[المنتقى]
لِقَوْلِ عَلِيٍّ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ وَقَعَ يُفْسَخُ زَادَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَقْدُ نِكَاحٍ فَسَدَ بِعَقْدِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يَأْتِيَهَا نَهَارًا وَلَا يَأْتِيَهَا لَيْلًا فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَا أُحَرِّمُهُ فَإِنْ وَقَعَ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَجْهُ الْمَنْعِ فِي ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْمُتْعَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ مُدَّةَ النِّكَاحِ التَّحْدِيدُ وَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِهِ وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ ضِدَّ مُقْتَضَاهُ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ تَأَبُّدُ الْمُوَاصَلَةِ وَاسْتِكْمَالُ مِلْكِهِ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْأَةِ زَوْجَانِ وَإِنَّمَا قُلْنَا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْعَقْدِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجِبُ لَهَا بِالْبِنَاءِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ الْمُسَمَّى وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْعَقْدِ دُونَ الْمَهْرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا يُرِيدُ إمْسَاكَهَا إلَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا مُدَّةً ثُمَّ يُفَارِقَهَا فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَيْسَ مِنْ الْجَمِيلِ وَلَا مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا وَإِنَّمَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ مَا شُرِطَتْ فِيهِ الْفُرْقَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةٍ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ عَلَى غَيْرِ إمْسَاكٍ فَيَسُرُّهُ أَمْرُهَا فَيُمْسِكُهَا وَقَدْ يَتَزَوَّجُهَا يُرِيدُ إمْسَاكَهَا ثُمَّ يَرَى مِنْهَا ضِدَّ الْمُوَافَقَةِ فَيُفَارِقُهَا يُرِيدُ أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي النِّكَاحَ فَإِنَّ لِلرَّجُلِ الْإِمْسَاكَ أَوْ الْمُفَارَقَةَ وَإِنَّمَا يُنَافِي النِّكَاحَ التَّوْقِيتُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ دَخَلَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَتْ إنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ مُوَلَّدَةٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَقَالَ هَذِهِ الْمُتْعَةُ لَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهَا لَرَجَمْت) .
(ش) : قَوْلُهُ فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ عَظَّمَ هَذَا الْأَمْرَ وَاسْتَشْنَعَ أَنْ يَقَعَ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَنْعِ وَالتَّحْرِيمِ فَأَعْجَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَهْتَبِلَ بِأَمْرِ رِدَائِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ " هَذِهِ الْمُتْعَةُ " يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا وَلَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهَا لَرَجَمْت يُرِيدُ: أَعْلَمْت النَّاسَ إعْلَامًا شَائِعًا بِمَا أَعْتَقِدُ فِي ذَلِكَ وَآخُذُ بِهِ مِنْ التَّحْرِيمِ حَتَّى لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ فَيَكُونَ الْمُتَمَتِّعُ مُقْتَحِمًا لِلتَّحْرِيمِ فَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّهُ مَنْ جَهِلَ التَّحْرِيمَ وَكَانَ الْأَمْرُ الْمُحَرَّمُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى مِثْلُهُ وَلَا يُعْلَمُ عِلْمُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِيهِ إبَاحَةٌ فَإِنَّهُ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ بَعْضَ الْخِلَافِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَأَرَادَ بِقَوْلِهِ " لَوْ تَقَدَّمْت فِيهَا " بَيِّنَةَ مَا عِنْدِي فِيهِ مِنْ النَّصِّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَيَزُولَ الْخِلَافُ " لَرَجَمْت " لِتَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ وَانْعِقَادِهِ فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁ " لَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهِ لَرَجَمْت " رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ يُرْجَمُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ إنْ كَانَ مُحْصَنًا وَيُجْلَدُ مَنْ لَمْ يُحْصَنْ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا رَجْمَ فِيهِ وَإِنْ دَخَلَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْهُ بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُعَاقَبُ عُقُوبَةً مُوجِعَةً لَا يَبْلُغُ بِهَا الْحَدَّ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ وَيُعَاقَبُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ وَجْهُ قَوْلِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ وَخَطَبَهُمْ بِهِ وَخُطَبُهُ تَنْتَشِرُ وَقَضَايَاهُ تَنْتَقِلُ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا حُفِظَ لَهُ مُخَالِفٌ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْبَغُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْهُ أَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ حَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ وَلَمْ يُحَرِّمْهُ
стр. 1017
نِكَاحُ الْعَبْدِ (ص) : (مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ يَنْكِحُ الْعَبْدُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
الْقُرْآنُ فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ أَتَاهُ رَجُلٌ عَالِمًا عَامِدًا وَإِنَّمَا فِيهِ النَّكَالُ، وَكُلُّ نِكَاحٍ حَرَّمَهُ الْقُرْآنُ أَتَاهُ عَالِمًا عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ قَالَ وَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ مَا حَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ وَالْإِنْكَارُ عَلَى تَحْرِيمِهِ يَثْبُتُ فِيهِ الْحَدُّ كَمَا يَثْبُتُ فِيمَا حَرَّمَهُ الْقُرْآنُ قَالَ وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ الْخِلَافَ إذَا انْقَطَعَ وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَحَدِ أَقْوَالِهِ بَعْدَ مَوْتِ قَائِلِهِ وَقَبْلَ رُجُوعِهِ عَنْهُ فَإِنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِمَوْتِ الْمُخَالِفِ فَعَلَى هَذَا حُكْمُ الْخِلَافِ بَاقٍ فِي حُكْمِ قَضِيَّةِ الْمُتْعَةِ وَبِذَلِكَ لَا يُحَدُّ فَاعِلُهُ وَقَالَ جَمَاعَةٌ إنَّهُ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِمَوْتِ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا قَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ قَائِلٌ بِهِ فَعِنْدِي هَذَا يُحَدُّ فَاعِلُهُ وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَلَوْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِتَحْرِيمِهِ وَأَتَاهُ أَحَدٌ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْحَقَ بِهِ الْوَلَدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ لَوْ كُنْت أَعْلَمْت النَّاسَ بِرَأْيِي فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيمِهِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ أَتَاهُ لَأَقَمْت الْحَدَّ فِيهِ بِالرَّجْمِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَجْرِي عِنْدَ الْخِلَافِ إلَّا عَلَى مَا رَآهُ الْإِمَامُ الَّذِي يَحْكُمُ فِي ذَلِكَ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ النَّصِّ أَوْ وَجْهِ التَّأْوِيلِ مَا يَمْنَعُ قَوْلَ الْمُخَالِفِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[نِكَاحُ الْعَبْدِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ]
(ش) : قَوْلُهُ يَنْكِحُ الْعَبْدُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ مُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُنَّ كَالْحُرِّ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لِلْحُرِّ وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ أَمْ لَا قَالَ مَالِكٌ بِجَوَازِهِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّا لَنَقُولُ ذَلِكَ وَمَا أَدْرِي مَا هَذَا.
وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ إلَّا اثْنَيْنِ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] مَا حَلَّ لَكُمْ فَبَيِّنُوا أَوَّلًا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ حَلَالٌ لِلْعَبِيدِ حَتَّى يَثْبُتَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ لَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فِي مُوَاجَهَةِ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ فَإِذَا قَالَ لَهُمْ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي يَطِيبُ وَيَحِلُّ هُوَ مَثْنَى وَثُلَاثُ وَرُبَاعُ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَةَ الطَّيِّبِ أَبْيَنُ فِي اللَّذَّةِ وَمَا يَشْتَهِيهِ الْإِنْسَانُ لَا سِيَّمَا إذَا أُضِيفَ ذَلِكَ إلَى الْمُسْتَطِيبِ فَقِيلَ لَهُ افْعَلْ مَا طَابَ لَك فَإِذَا أُطْلِقَ وَلَمْ يُضَفْ إلَى الْمُكَلَّفِ جَازَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِبَاحَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَلَوْ جَازَ حَمْلُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعَ الْإِضَافَةِ لَكَانَ فِيمَا قُلْنَا أَظْهَرُ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْخِطَابَ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْأَحْرَارِ دُونَ الْعَبِيدِ لِأَنَّ نَفَقَاتِ زَوْجَاتِ الْعَبِيدِ عَلَى سَادَاتِهِمْ وَهُوَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] مَعْنَاهُ يَكْثُرُ عِيَالُكُمْ وَيَشُقُّ الْإِنْفَاقُ عَلَيْكُمْ كَذَلِكَ فَسَّرَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ اعْتَبَرَ بِهِ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ بَلْ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ عَالَ يَعُولُ إذَا كَثُرَ عِيَالُهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ أَعَالَ يُعِيلُ إذَا كَثُرَ عِيَالُهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ عَالَ يَعُولُ إذَا مَالَ وَعَالَتْ الْفَرِيضَةُ تَعُولُ إذَا زَادَ حِسَابُهَا وَالْعَوْلُ قُوتُ الْعِيَالِ وَهُوَ مَا يُعَالُونَ بِهِ وَالْعَيْلَةُ الْحَاجَةُ يُقَالُ مِنْهُ عَالَ يُعِيلُ إذَا افْتَقَرَ.
وَاَلَّذِي قَالَ بِهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَنْ لَا تَعُولُوا أَنْ لَا تَمِيلُوا كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَنْشَدُوا بَيْتَ أَبِي طَالِبٍ
بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يَخُسُّ شَعِيرَةً ... وَوَزَّانِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ
стр. 1018
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْعَبْدُ مُخَالِفٌ لِلْمُحَلِّلِ إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ ثَبَتَ نِكَاحُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَالْمُحَلِّلُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَذَا أُرِيدَ بِالنِّكَاحِ التَّحْلِيلَ)
ــ
[المنتقى]
يَعْنِي غَيْرَ مَائِلِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَلَّ زَوْجَاتُهُ اللَّاتِي يَخَافُ أَنْ لَا يَعْدِلُ بَيْنَهُنَّ كَانَ أَبْعَدَ لَهُ مِنْ الْمِيلِ وَالْجَوْرِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ قَالَ ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَذَكَرَ مَا لَا يَحْرُمُ فِيهِ الْمِيلُ مِنْ السَّرَارِي وَلَا يَلْزَمُ بَيْنَهُنَّ الْعَدْلُ، وَلَوْ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ كَثْرَةِ الْعِيَالِ وَالْإِنْفَاقِ لَمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْعِيَالِ تَحْصُلُ بِالْإِمَاءِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْأَحْرَارِ، وَالْإِنْفَاقُ يَلْزَمُ عَلَيْهِنَّ كَمَا يَلْزَمُ لِلزَّوْجَاتِ، وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ إنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجَاتِهِ بَلْ ذَلِكَ لَازِمٌ فِيمَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ يُوصَى لَهُ بِهِ وَأَمَّا سَيِّدُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ نَفَقَتِهِنَّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَا طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَلَاذُ يَتَسَاوَى فِيهِ حُكْمُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨] وَمَعْنَى ذَلِكَ إنْكَارُ مُسَاوَاةِ الْعَبِيدِ الْأَحْرَارَ فِيمَا رُزِقُوهُ وَيُلْغَى هَذَا الْحُكْمُ، وَلَوْ جَازَ لِعَبْدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا لَكَانَ قَدْ سَاوَى الْحُرَّ فِيمَا رُزِقَهُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ إلَّا أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى نَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِيمَا خَلَقَهُ وَتَمَلَّكَهُ كَمَا لَيْسَ لِعَبِيدِنَا شَرِكَةٌ فِيمَا رُزِقْنَاهُ وَزَوْجَةُ الْعَبْدِ لَيْسَ مِمَّا رُزِقْنَاهُ فَيُشَارِكُنَا فِيهَا وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَإِنَّ الْعَبِيدَ يُشَارِكُونَ الْأَحْرَارَ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ مِنْ جَوَازِ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ وَتَحْرِيمِ الظُّلْمِ لَهُمْ وَإِبَاحَاتِ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْمَلَاذِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَقَدْ أُبِيحَ لِلْعَبْدِ مِنْهُ مَا لَمْ يُبَحْ لِلْحُرِّ وَهُوَ نِكَاحُ الْإِمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَمِ طَوْلٍ وَلَا خَوْفِ عَنَتٍ.
وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّنَا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ نَفْيُ مُسَاوَاةِ الْعَبْدِ لِلْحُرِّ فِي النِّكَاحِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَالْحُرَّ يَنْكِحُ بِغَيْرِ إذْنٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ الْمُسَاوَاةِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ فِي عَدَدِ الزَّوْجَاتِ وَلَا لَفْظٌ عَامٌّ يُتَعَلَّقُ بِهِ وَلِذَلِكَ تُسَاوِي الْأَمَةُ الْحُرَّةَ فِي عَدَدِ الْأَزْوَاجِ وَقَدْ تَعَلَّقَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مَنْ احْتَجَّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵃ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ وَهَذَا لَمْ يَشْتَهِرْ مِنْ قَوْلِهِمْ اشْتِهَارًا يَصِحُّ بِهِ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ الْخِلَافِ، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَعْنَى ذُو عَدَدٍ بُنِيَ عَلَى التَّفْصِيلِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسَاوِيَ فِيهِ الْعَبْدُ الْحُرَّ كَالطَّلَاقِ وَالْعَدَدِ وَالْحُدُودِ وَوَصْفُهُ بِأَنِّي بُنِيَ عَلَى التَّفْصِيلِ غَيْرُ مُسْلِمٍ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا يَتَزَوَّجُ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُنَّ حَرَائِرَ وَجَمِيعُهُنَّ إمَاءٌ وَبَعْضُهُنَّ حَرَائِرُ وَسَائِرُهُنَّ إمَاءٌ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ فَجَازَ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعَ حَرَائِرَ كَالْحُرِّ.
(ش) : قَوْلُهُ وَالْعَبْدُ مُخَالِفٌ لِلْمُحَلِّلِ يُرِيدُ أَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ يَثْبُتُ إذَا أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ لَا يَثْبُتُ بِوَجْهٍ وَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ إذَا أُرِيدَ بِهِ التَّحْلِيلُ وَذَلِكَ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ تَحْلِيلَ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِمَنْ طَلَّقَهَا وَأَمَّا مَنْ تَزَوَّجَ لِغَيْرِ تَحْلِيلٍ ثُمَّ طَلَّقَ أَوْ أَقَامَ فَلَيْسَ بِمُحَلِّلٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ نِكَاحِ الْعَبْدِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ وَبَيْنَ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِإِجَازَةِ مُجِيزٍ أَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ إنَّمَا يَرِدُ لِحَقِّ السَّيِّدِ فَإِنْ أَجَازَهُ السَّيِّدُ جَازَ وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ إنَّمَا يَرِدُ الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إجَازَتُهُ، وَفِي نِكَاحِ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ، الْأَوَّلُ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ نِكَاحَ الْعَبْدِ، وَالثَّانِي فِيمَا يَجُوزُ مِنْ عَقْدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَتَجْوِيزِ السَّيِّدِ لَهُ وَفَسْخِهِ، وَالثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي نِكَاحِهِ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مِلْكِ السَّيِّدِ نِكَاحَ الْعَبْدِ] ١
السَّيِّدُ يَمْلِكُ نِكَاحَ الْعَبْدِ وَلَهُ أَنْ يَجْبُرَهُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا يَجْبُرُهُ
стр. 1019
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَى النِّكَاحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] قُلْنَا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَمْلِكُوا الْإِنْكَاحَ لَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ قَرَنَ ذِكْرَهُمْ بِذِكْرِ الْإِمَاءِ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ إجْبَارَ أَمَتِهِ عَلَى النِّكَاحِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بِمَنْزِلَتِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِالْقَرَائِنِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ رِقَّهُ يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَمَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إذَا انْفَرَدَ بِمِلْكِ جَمِيعِهِ وَلَمْ يُرِدْ بِإِنْكَاحِهِ ذَلِكَ الْإِضْرَارَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ شَرِيكٌ أَوْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَ مَالِهِ فَلَا يَمْلِكُ إنْكَاحَهُ كَالْحُرِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ زَوَّجَهُ سَيِّدُهُ جَبْرًا مَلَكَ ارْتِجَاعَ زَوْجَتِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَبَاحَ لَهُ الْبُضْعَ بِالنِّكَاحِ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَقَدْ مَلَكَ جَمِيعَ أَحْكَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ كَمَا لَيْسَ لَهُ مِنْهُ مَنْعُهُ مِنْ الْوَطْءِ، وَالرَّجْعَةُ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَمَلَكَهَا الْعَبْدُ بِذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
لَا يُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى إنْكَاحِ عَبْدِهِ وَلَا إنْكَاحِ أَمَتِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يُجْبَرُ عَلَى نِكَاحِ عَبْدِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ مَحْضُ مِلْكِ رِقِّهِ فَإِذَا دَعَاهُ إلَى إنْكَاحِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ كَالْأَمَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى إنْكَاحِ مُكَاتَبِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِالرِّقِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ الْمَالِكِ لِرِقِّهِ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يَجُوزُ مِنْ عَقْدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَتَجْوِيزِ السَّيِّدِ لَهُ وَفَسْخِهِ]
أَمَّا فِي حُكْمِ عَقْدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَتَجْوِيزِ السَّيِّدِ لَهُ وَفَسْخِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنْ تَزَوَّجَ بِإِذْنِهِ فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ وَإِنْ بَاشَرَ الْعَبْدُ الْعَقْدَ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ إذْنُ السَّيِّدِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِمَنَافِعِهِ وَمَالِهِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُجِيزَهُ؟ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ إجَازَتَهُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْفَرْجِ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إجَازَةُ السَّيِّدِ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَقْدٌ بَاشَرَهُ مَنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ وَإِنَّمَا فِيهِ الْخِيَارُ لِلسَّيِّدِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِمَنَافِعِهِ وَمَالِهِ، وَالْخِيَارُ إذَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ دُونَ الشَّرْطِ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ النِّكَاحِ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعُنَّةِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ إنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْنَةَ الْأَجْنَبِيِّ الْبِكْرَ إنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَبُوهَا وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ إنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَسْخِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَإِنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْنَةَ الْأَجْنَبِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ فَلَا يَجُوزُ كَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ لِلسَّيِّدِ الْفَسْخَ أَوْ الْإِجَازَةَ فَإِنْ أَرَادَ الْفَسْخَ فَإِنَّهُ يَكُونُ طَلَاقًا وَكَمْ طَلْقَةً يَمْلِكُ السَّيِّدُ مِنْ ذَلِكَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السَّيِّدَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَيْهِ وَاحِدَةً أَوْ أَلْبَتَّةَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَتَكُونُ تِلْكَ الطَّلْقَةُ بَائِنَةً، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِالشَّرْعِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ وَالْبَتَّةِ كَالزَّوْجِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ لِمَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فِي عَبْدِهِ مِنْ الْعَيْبِ وَالطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ الْبَائِنَةُ تُفْرِغُ لَهُ عَبْدَهُ وَتُزِيلُ عَنْهُ عَيْبَهُ فَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إيقَاعُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ عَلِمَ السَّيِّدُ بِنِكَاحِ عَبْدِهِ فَقَالَ لَا أُجِيزُ ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ الْإِجَازَةَ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِهِ وَكَانَ كَلَامًا كَالْمُرَاجَعَةِ وَالْجَوَابِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأَمَّا إنْ قَالَ لَا أُجِيزُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَيَّامٍ أَجَزْت فَلَا أَرَاهُ جَائِزًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا أُجِيزُ التَّفْرِيقَ فَإِنَّ هَذَا لَا تَكُونُ لَهُ الْإِجَازَةُ بَعْدَ الْفَسْخِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّوَقُّفَ فِي الْأَمْرِ
стр. 1020
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ إذَا مَلَكَتْهُ امْرَأَتُهُ أَوْ الزَّوْجُ يَمْلِكُ امْرَأَتَهُ إنْ مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ يَكُونُ فَسْخًا بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَإِنْ تَرَاجَعَا بِنِكَاحٍ بَعْدُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا) .
ــ
[المنتقى]
وَالتَّأَمُّلَ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ سَأُشَاوِرُ نَفْسِي أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَإِنَّ لِهَذَا أَنْ يُجِيزَ أَوْ يَفْسَخَ وَإِنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَأَمَّا إنْ قَالَ لَا أُجِيزُ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُرَادَ بِهِ فَهَذَا لَهُ أَنْ يُجِيزَ مَا دَامَ فِي مَقَامِهِ وَيُصَدَّقُ السَّيِّدُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا أُجِيزُ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَقُمْ فَإِنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ لَمْ تَكُنْ لَهُ الْإِجَازَةُ وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قِيَامَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ مُرَادَهُ نِسْبَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ مُرَادَهُ التَّفْرِيقُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ الْفَسْخَ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ الْمَجْلِسِ وَقَدْ بَيَّنَ فِي الْمَجْلِسِ أَنَّهُ يُرِيدُ اسْتِدَامَةَ الْخِيَارِ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَسْتَمْتِعَ الْعَبْدُ بِزَوْجِهِ بَعْدَ عِلْمِ السَّيِّدِ بِنِكَاحِهِ عَلَى وَجْهٍ كَانَ يَقْدِرُ سَيِّدُهُ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ لَهُ الْفَسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَمْتَعَ بِهَا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ التَّمْكِينِ وَذَلِكَ أَبْيَنُ مَا يَكُونُ مِنْ الْإِجَازَةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ السَّيِّدُ بِنِكَاحِ عَبْدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ رَآهُ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَمْنَعْهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ وَالصَّدَاقُ عَلَى الْعَبْدِ وَنَحْوُهُ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي نِكَاحِ الْعَبْدِ] ١
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي نِكَاحِ الْعَبْدِ) الْعَبْدُ لَا يَخْلُو أَنْ يَنْكِحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ نَكَحَ بِإِذْنِهِ فَالْمَهْرُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ ذَلِكَ وَمَعْنَى ذِمَّةِ الْعَبْدِ مَا يَطْرَأُ لَهُ بَعْدَ النِّكَاحِ مِنْ مَالٍ بِصَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَبِهِ يَتَعَلَّقُ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجَةِ دُونَ مَكَاسِبِهِ الَّتِي هِيَ عِوَضُ حَرَكَاتِهِ بِصَنْعَةٍ أَوْ خِدْمَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ فِي مَكْسَبِهِ الَّذِي هُوَ عِوَضٌ مِنْ حَرَكَاتِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ إذْنَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ لَمَّا كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِهِ شَيْئًا وَمِنْ رَقَبَتِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ حَقًّا مِنْ مَنَافِعِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إنْ كَانَ نَكَحَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَأَنْكَرَ السَّيِّدُ قَدْرَ الْمَهْرِ فَإِنْ كَانَ مَهْرَ مِثْلِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهِ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ السَّيِّدُ وَاعْتَرَضَ فِيهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَالزَّوْجَةُ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ أَنْ تَرْضَى مِنْ ذَلِكَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَبَيْنَ أَنْ تَمْتَنِعَ فَيُفْسَخُ النِّكَاحُ فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَاعْتَرَضَ فِيهِ بَعْدَ لُزُومِ النِّكَاحِ وَفَوَاتِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إطْلَاقَ الْإِذْنِ إنَّمَا يَقْتَضِي الْمُعْتَادَ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ نَكَحَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَأَجَازَ السَّيِّدُ فَلَهَا جَمِيعُ الْمَهْرِ لِأَنَّ إجَازَتَهُ لِلنِّكَاحِ إجَازَةٌ لِلْمَهْرِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَمُحَمَّدٌ وَإِنْ فَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الْمَهْرِ وَإِنْ فَسَخَهُ بَعْدَ الْبِنَاءِ اسْتَرَدَّهُ السَّيِّدُ إلَّا قَدْرَ مَا يَسْتَحِلُّ بِهِ وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ لِأَنَّ الْمَالَ مَالُ السَّيِّدِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَأَمَّا مَا ارْتَجَعَ مِنْ الْمَهْرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّهُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ فَلَا يَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ شَيْءٌ مِنْهَا سَوَاءٌ نَكَحَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ إذَا نَكَحَ الْعَبْدُ أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ بِمَالِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِيهَا وَقَدْ فَسَّرْته فِي بَابِ جَامِعِ الطَّلَاقِ.
(فَرْعٌ) وَالسَّيِّدُ أَوْلَى بِخَرَاجِهِ وَبِمَا فِي يَدِهِ فَإِنْ وَجَدَ الْعَبْدُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ وَإِلَّا تَلُومُ لَهُ فَإِنْ وَجَدَ نَفَقَةً وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَالْحُرَّةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مِلْكَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ فَسْخٌ لِنِكَاحِهِ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ يُنَافِي النِّكَاحَ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ عَبْدَهَا وَلَمَّا كَانَ مِلْكُ الْيَمِينِ أَقْوَى لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ
следующие страницы →