← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الْبَاب الأول كَيْفيَّة وجود صناعَة الطِّبّ وَأول حدوثها أَقُول أَن الْكَلَام فِي تَحْقِيق هَذَا الْمَعْنى يعسر لوجوه أَحدهَا بعد الْعَهْد بِهِ فَإِن كل مَا بعد عَهده وخصوصا مَا كَانَ من هَذَا الْقَبِيل فَإِن النّظر فِيهِ عسر جدا الثَّانِي أننا لم نجد للقدماء والمتميزين وَذَوي الآراء الصادقة قولا وَاحِدًا سَادًّا فِي هَذَا مُتَّفقا عَلَيْهِ فنتبعه الثَّالِث أَن الْمُتَكَلِّمين فِي هَذَا لما كَانُوا فرقا وَكَانُوا كثيري الِاخْتِلَاف جدا بِحَسب مَا وَقع إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم أشكل التَّوْجِيه فِي أَي أَقْوَالهم هُوَ الْحق وَقد ذكر جالينوس فِي تَفْسِيره لكتاب الْإِيمَان لَا بقراط أَن الْبَحْث فِيمَا بَين القدماء عَن أول من وجد صناعَة الطِّبّ لم يكن بحثا يَسِيرا ولنبدأ أَولا بِإِثْبَات مَا ذكره مَعَ مَا ألحقناه بِهِ فِي جِهَة الْحصْر لهَذِهِ الآراء الْمُخْتَلفَة وَذَلِكَ أَن القَوْل فِي وجود صناعَة الطِّبّ يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ أولين فقوم يَقُولُونَ بقدمه وَقوم يَقُولُونَ بحدوثه فَالَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ حُدُوث الْأَجْسَام يَقُولُونَ أَن صناعَة الطِّبّ محدثة لِأَن الْأَجْسَام الَّتِي يسْتَعْمل فِيهَا الطِّبّ محدثة

стр. 2

وَالَّذين يَعْتَقِدُونَ الْقدَم يَعْتَقِدُونَ فِي الطِّبّ قدمه وَيَقُولُونَ أَن صناعَة الطِّبّ قديمَة لم تزل مذ كَانَت كَأحد الْأَشْيَاء الْقَدِيمَة لم تزل مثل خلق الْإِنْسَان وَأما أَصْحَاب الْحُدُوث فينقسم قَوْلهم إِلَى قسمَيْنِ فبعضهم يَقُول أَن الطِّبّ خلق مَعَ خلق الْإِنْسَان إِذْ كَانَ من أحد الْأَشْيَاء الَّتِي بهَا صَلَاح الْإِنْسَان وَبَعْضهمْ يَقُول وهم الْجُمْهُور أَن الطِّبّ استخرج بعد وَهَؤُلَاء أَيْضا ينقسمون قسمَيْنِ فَمنهمْ من يَقُول أَن الله تَعَالَى ألهمها النَّاس وَأَصْحَاب هَذَا الرَّأْي على مَا يَقُوله جالينوس وابقراط وَجَمِيع أَصْحَاب الْقيَاس وشعراء اليونانيين وَمِنْهُم من يَقُول أَن النَّاس استخرجوها وَهَؤُلَاء قوم من أَصْحَاب التجربة وَأَصْحَاب الْحِيَل وثاسلس المغالط وفيلن وهم أَيْضا مُخْتَلفُونَ فِي الْوَضع الَّذِي بِهِ استخرجت وبماذا استخرجت فبعضهم يَقُول أَن أهل مصر استخرجوها ويصححون ذَلِك من الدَّوَاء الْمُسَمّى باليونانية الأنى وَهُوَ الراسن فبعضهم يَقُول أَن هرمس استخرج سَائِر الصَّنَائِع والفلسفة والطب وَبَعْضهمْ يَقُول أَن أهل فولوس استخرجوها من الْأَدْوِيَة الَّتِي ألفتها الْقَابِلَة لامْرَأَة الْملك فَكَانَ بهَا برؤها وَبَعْضهمْ يَقُول أَن أهل موسيا وأفروجيا استخرجوها وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ أول من استخرج الزمر فَكَانُوا يشفون بِتِلْكَ الألحان والإيقاعات آلام النَّفس ويشفي آلام النَّفس مَا يشفى بِهِ الْبدن وَبَعْضهمْ يَقُول أَن الْمُسْتَخْرج لَهَا الْحُكَمَاء من أهل قو وَهِي الجزيرة الَّتِي كَانَ بهَا ابقراط وآباؤه وأعني آل أسقليبيوس وَقد ذكر كثير من القدماء أَن الطِّبّ ظهر فِي ثَلَاث جزائر فِي وسط الإقليم الرَّابِع إِحْدَاهَا تسمى رودس وَالثَّانيَِة تسمى قنيدس وَالثَّالِثَة تسمى قو وَمن هَذِه كَانَ ابقراط وَبَعْضهمْ يرى أَن الْمُسْتَخْرج لَهَا الكلدانيون وَبَعْضهمْ يَقُول أَن الْمُسْتَخْرج لَهَا السَّحَرَة من أهل الْيمن وَبَعْضهمْ يَقُول بل السَّحَرَة من بابل أَو السَّحَرَة من فَارس وَبَعْضهمْ يَقُول أَن الْمُسْتَخْرج لَهَا الْهِنْد وَبَعْضهمْ يَقُول أَن الْمُسْتَخْرج لَهَا أهل أقريطش الَّذين ينْسب لافتيمون إِلَيْهِم وَبَعْضهمْ يَقُول أهل طور سينا فَالَّذِينَ قَالُوا أَن الطِّبّ من الله تَعَالَى قَالَ بَعضهم هُوَ إلهام بالرؤيا وَاحْتَجُّوا بِأَن جمَاعَة رَأَوْا فِي الأحلام أدوية استعملوها فِي الْيَقَظَة فشفتهم من أمراض صعبة وشفت كل من استعملها

стр. 3

وَقَالَ قوم ألهمها الله تَعَالَى بالتجربة ثمَّ زَاد الْأَمر فِي ذَلِك وَقَوي وَاحْتَجُّوا أَن امْرَأَة كَانَت بِمصْر وَكَانَت شَدِيدَة الْحزن والهم مبتلاة بالغنظ والدرد وَمَعَ ذَلِك فَكَانَت ضَعِيفَة الْمعدة وصدرها مَمْلُوء أخلاطا رَدِيئَة وَكَانَ حَيْضهَا محتبسا فاتفق لَهَا أَن أكلت الراسن مرَارًا كَثِيرَة بِشَهْوَة مِنْهَا لَهُ فَذهب عَنْهَا جَمِيع مَا كَانَ بهَا وَرجعت إِلَى صِحَّتهَا وَجَمِيع من كَانَ بِهِ شَيْء مِمَّا كَانَ بهَا لما اسْتَعْملهُ برأَ بِهِ فَاسْتعْمل النَّاس التجربة على سَائِر الْأَشْيَاء وَالَّذين قَالُوا أَن الله تَعَالَى خلق صناعَة الطِّبّ احْتَجُّوا فِي ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يُمكن فِي هَذَا الْعلم الْجَلِيل أَن يَسْتَخْرِجهُ عقل إِنْسَان وَهَذَا الرَّأْي هُوَ رَأْي جالينوس وَهَذَا نَص مَا ذكره فِي تَفْسِيره لكتاب الْإِيمَان لابقراط قَالَ وَأما نَحن فالأصوب عندنَا وَالْأولَى أَن نقُول أَن الله ﵎ خلق صناعَة الطِّبّ وألهمها النَّاس وَذَلِكَ أَنه لَا يُمكن فِي مثل هَذَا الْعلم الْجَلِيل أَن يُدْرِكهُ عقل الْإِنْسَان لَكِن الله ﵎ هُوَ الْخَالِق الَّذِي هُوَ بِالْحَقِيقَةِ فَقَط يُمكنهُ خلقه وَذَلِكَ إِنَّا لَا نجد الطِّبّ أحسن من الفلسفة الَّتِي يرَوْنَ أَن استخراجها كَانَ من عِنْد الله ﵎ وَوجدت فِي كتاب الشَّيْخ موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس بن المطران الَّذِي وسمه ببستان الْأَطِبَّاء وروضة الألباء كلَاما نَقله عَن أبي جَابر المغربي وَهُوَ هَذَا قَالَ سَبَب وجود هَذِه الصِّنَاعَة وَحي وإلهام وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن هَذِه الصِّنَاعَة مَوْضُوعَة للعناية بأشخاص النَّاس إِمَّا لِأَن تفيدهم الصِّحَّة عِنْد الْمَرَض وَأما لِأَن تحفظ الصِّحَّة عَلَيْهِم وممتنع أَن تَعْنِي الصِّنَاعَة بالأشخاص بذاتها دون أَن تكون مقرونة بِعلم أَمر هَذِه الْأَشْخَاص الَّتِي خصت الْعِنَايَة بهَا وَمن الْبَين أَن الْأَشْخَاص ذَوَات مبدأ لوقوعها تَحت الْعدَد وكل مَعْدُود فأوله وَاحِد تكْثر وَلَا يجوز أَن تكون أشخاص النَّاس إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ لِأَن خُرُوج مَا لَا نِهَايَة لَهُ إِلَى الْفِعْل محَال قَالَ ابْن المطران لَيْسَ كل مَا لَا يقدر على حصره فَلَا نِهَايَة لَهُ بل قد تكون لَهُ نِهَايَة يضعف عَن حصرها قَالَ أَبُو جَابر وَإِذا كَانَت الْأَشْخَاص الَّتِي لَا تقوم هَذِه الصِّنَاعَة إِلَّا بهَا ذَوَات مبدأ ضَرُورَة فالصناعة ذَات مبدأ ضَرُورَة وَمن الْبَين أَن الشَّخْص الَّذِي هُوَ أول الْكَثْرَة مفتقر إِلَيْهَا كافتقار سَائِرهمْ وَمن الْبَين أَيْضا أَنه لَا يَأْتِي من أول شخص وجد علم هَذِه الصِّنَاعَة استنباطا لقصر عمره وَطول الصِّنَاعَة وَلَا يجوز أَن يجتمعوا فِي مبدأ الْكَثْرَة على استنباطها من أجل أَن الصِّنَاعَة متقنة محكمَة وكل أَمر متقن لَا يستنبط بالاختلاف بل بالِاتِّفَاقِ والأشخاص الَّتِي

стр. 4

هِيَ أول فِي الْكَثْرَة لَا يجوز أَن تَجْتَمِع على أَمر متقن من أجل أَن كل شخص لَا يُسَاوِي كل شخص من جَمِيع الْجِهَات وَإِذا لم تتساو من جِهَة آرائها لم يجز أَن تَجْتَمِع على أَمر مُحكم قَالَ ابْن المطران هَذَا يُؤَدِّي أَيْضا فِي بَاقِي الْعُلُوم والصناعات إِلَى أَنَّهَا إلهام لِأَنَّهَا ذَوَات إتقان أَيْضا وَقَوله أَيْضا أَن الْأَشْخَاص لَا يجوز أَن تَجْتَمِع على أَمر متقن لَيْسَ بِشَيْء بل اجتماعها لَا يكون إِلَّا على أَمر متقن وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف يَقع مَعَ عدم الإتقان قَالَ أَبُو جَابر فقد بَان أَن الْأَشْخَاص فِي مبدأ الْكَثْرَة لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا استنباط هَذِه الصِّنَاعَة وَكَذَلِكَ عِنْد نِهَايَة الْكَثْرَة لتباينهم وافتراقهم وَوُقُوع الْخلف بَينهم ونقول أَيْضا يجوز أَن يشك شَاك فَيَقُول هَل يَتَأَتَّى عنْدك أَن يعرف إِنْسَان من النَّاس أَو كثير مِنْهُم منابت الحشائش والعقاقير ومواضع الْمَعَادِن وخواصها وقوى أَعْضَاء سَائِر الْحَيَوَان وخواصها ومضارها ومنافعها وَيعرف سَائِر الْأَمْرَاض والبلدان وَاخْتِلَاف أمزجة أَهلهَا مَعَ تَفْرِيق دِيَارهمْ وَيعرف الْقُوَّة الَّتِي ينتجها تركيب الْأَدْوِيَة وَمَا يضاد قُوَّة قُوَّة من قوى الْأَدْوِيَة وَمَا يلائم مزاجا مزاجا وَمَا يضاده مَعَ مَا يتبع ذَلِك من سَائِر صناعَة الطِّبّ فَإِن سهل ذَلِك وهونه كذب وَإِن صَعب أمره فِي علمه من جِهَة الْمعرفَة قُلْنَا استنباطه مُمْتَنع وَإِذا لم يكن للصناعة الطبية لابتدائها إِلَّا الاستنباط أَو الْوَحْي أَو الإلهام وَكَانَ لَا سَبِيل إِلَى استنباط هَذِه الصِّنَاعَة بَقِي أَن تكون مَوْجُودَة بطرِيق الْوَحْي والإلهام قَالَ ابْن المطران هَذَا كَلَام مشوش كُله مُضْطَرب وَإِن كَانَ جالينوس قَالَ فِي تَفْسِير الْعَهْد أَن هَذِه الصِّنَاعَة وحيية إلهامية وَقَالَ فلاطن فِي كتاب السياسة أَن أسقليبيوس كَانَ رجلا مؤيدا ملهما لَكِن تبعيد حُصُول هَذِه الصِّنَاعَة باستنباط الْعُقُول خطأ وتضعيف الْعُقُول الَّتِي استنبطت أجل من صناعَة الطِّبّ ولننزل أَن أول الْعَالم كَانَ وَاحِدًا مُحْتَاجا إِلَى صناعَة الطِّبّ كحاجة هَذَا الْعَالم الجم الْغَفِير الْيَوْم وَأَنه ثقل عَلَيْهِ جِسْمه واحمرت عَيناهُ وأصابه عَلَامَات الامتلاء الدموي وَلَا يدْرِي مَا يفعل فَأَصَابَهُ من قوته الرعاف فَزَالَ عَنهُ مَا كَانَ يجده فَعرف ذَلِك فعاوده فِي وَقت آخر ذَلِك بِعَيْنِه فبادر إِلَى أَنفه فخدشه فَجرى مِنْهُ الدَّم فسكن عَنهُ مَا كَانَ يجده فَصَارَ ذَلِك عِنْده مَحْفُوظًا يُعلمهُ كل من وجده من وَلَده ونسله ولطفت حَوَاشِي الصِّنَاعَة حَتَّى فتح الْعرق بلطافة ذهن ورقة حس وَلَو نزلنَا لفتح الْعرق أَن آخر مِمَّن هَذِه صفته أنجرح أَو انخدش فَجرى مِنْهُ الدَّم فَكَانَ لَهُ مَا ذكرنَا من النَّفْع ولطفت الأذهان فِي اسْتِخْرَاج الفصد جَازَ فَصَارَ هَذَا بَابا من الطِّبّ وَآخر امْتَلَأَ من الطَّعَام امتلاء مفرطا فَأَصَابَهُ من طَبِيعَته أحد الاستفراغين أما الْقَيْء وَإِمَّا الإسهال بعد غثيان

стр. 5

وكرب وقلق وتهوع ومغص وقراقر وريح جوالة فِي الْبَطن فَعِنْدَ ذَلِك الاستفراغ سكن جَمِيع مَا كَانَ يجده وَقد كَانَ آخر من النَّاس عَبث بِبَعْض اليتوعات فمغصه فأسهله وقيأه إسهالا وقيئا كثيرا وَصَارَت عِنْده معرفَة أَن هَذِه الحشيشة تفعل هَذَا الْفِعْل وَإِن هَذَا الْحَادِث مخفف لتِلْك الْأَعْرَاض مزيل لَهَا فَذكره لذَلِك الشَّخْص وحثه على اسْتِعْمَال الْقَلِيل مِنْهُ لما تعوق عَلَيْهِ الْقَيْء والإسهال وصعبت عَلَيْهِ الْأَعْرَاض فأداه إِلَى غَرَضه مِنْهُمَا وخفف عَنهُ مَا لَقِي من شَرّ تِلْكَ الْأَعْرَاض ولطفت الصِّنَاعَة ورقت حواشيها وَنظرت فِي بَاقِي الحشائش الشبيهة بِتِلْكَ مَا مِنْهَا يفعل ذَلِك وَمَا مِنْهَا لَا يَفْعَله وَمَا مِنْهَا يَفْعَله بعنف وَمَا مِنْهَا يَفْعَله بِضعْف وَجَاء صفاء الْعُقُول فَنظر فِي الدَّوَاء الَّذِي يفعل ذَلِك أَي الطعوم طعمه وَأي الكيفيات يسْبق إِلَى اللِّسَان مِنْهُ وأيها يتبعهَا فَجعل ذَلِك سباره ويستخرج مِنْهُ وإعانته التجربة وأخرجت مَا وَقع لَهُ من القَوْل إِلَى الْفِعْل وكذبت مَا غلط فِيهِ وصححت مَا حدس عَلَيْهِ حدسا صَحِيحا حَتَّى اكْتفى من ذَلِك وَإِذا نزلت أَن مسهولا لَا يعلم أَي الْأَدْوِيَة وَأي الأغذية يَنْفَعهُ أَو يضرّهُ اسْتعْمل بالِاتِّفَاقِ سماقا فِي غذائه فَانْتَفع بِهِ ودام عَلَيْهِ فَأَبْرَأهُ فَأحب أَن يعلم بِمَاذَا أَبرَأَهُ فتطعمه فَوَجَدَهُ حامضا قَابِضا فَعلم أَنه لَا يَخْلُو من أَن يكون حمضه نَفعه أَو قَبضه فذاق غَيره مِمَّا فِيهِ حموضة مَحْضَة فَقَط وَاسْتَعْملهُ فِي غَيره مِمَّن بِهِ مثل مَا كَانَ بِهِ فَوَجَدَهُ لَا يفِيدهُ مَا أَفَادَهُ هُوَ فَعمد إِلَى شَيْء آخر طعمه قَابض فَقَط فَاسْتَعْملهُ فِي ذَلِك الشَّخْص بِعَيْنِه فَوجدَ فَائِدَته فِيهِ أَكثر من فَائِدَة الحامض الْمُطلق فَعلم أَن ذَلِك الطّعْم مُفِيد فِي تِلْكَ الْحَالة وَسَماهُ قَابِضا وسمى ذَلِك استفراغا وَقَالَ أَن الْقَابِض ينفع من الاستفراغ ولطفت الصِّنَاعَة ورقت حواشيها فِي ذَلِك حَتَّى استخرجت الْعَجَائِب واستنبطت الْبَدَائِع وأتى الثَّانِي فَوجدَ الأول وَقد استخرج شَيْئا جربه فَوَجَدَهُ حَقًا فاحتفظ بِهِ وقاس عَلَيْهِ وتمم حَتَّى استكملت الصِّنَاعَة وَلَو نزلنَا مَجِيء مُخَالف وجدنَا كثيرين موافقين وَإِذا غلط مُتَقَدم سدد مُتَأَخّر وَإِذا قصر قديم تمم مُحدث هَكَذَا فِي جَمِيع الصناعات كَذَا الْغَالِب على ظَنِّي قَالَ قَالَ حُبَيْش الأعسم أَن رجلا اشْترى كبدا طرية من جزار وَمضى إِلَى بَيته فَاحْتَاجَ أَن ينْصَرف فِي حَاجَة أُخْرَى فَوضع تِلْكَ الكبد الَّتِي كَانَت مَعَه على أوراق نَبَات مبسوطة كَانَت على وَجه الأَرْض ثمَّ قضى حَاجته وَعَاد ليَأْخُذ الكبد فَوَجَدَهَا قد ذَابَتْ وسالت دَمًا فَأخذ تِلْكَ الأوراق وَعرف ذَلِك النَّبَات وَصَارَ يَبِيعهُ دَوَاء للتلف حَتَّى فطن بِهِ وَأمر بقتْله

стр. 6

أَقُول هَذِه الْحِكَايَة كَانَت فِي وَقت جالينوس وَقَالَ أَنه كَانَ السَّبَب فِي مسك ذَلِك الرجل وَفِي توديته إِلَى الْحَاكِم حَتَّى أَمر بقتْله قَالَ جالينوس وَأمرت أَيْضا فِي وَقت مروره إِلَى الْقَتْل أَن تشد عَيناهُ حَتَّى لَا ينظر إِلَى ذَلِك النَّبَات أَو أَن يُشِير إِلَى أحد سواهُ فيتعلمه مِنْهُ ذكر ذَلِك فِي كِتَابه فِي الْأَدْوِيَة المسهلة وحَدثني جمال الدّين النقاش السعودي أَن فِي لحف الْجَبَل الَّذِي باسعرد على الْجَانِب الآخر مِنْهُ قَرِيبا من الميدان عشبا كثيرا وَأَن بعض الْفُقَرَاء من مَشَايِخ أهل الْمَدِينَة أَتَى إِلَى ذَلِك الْموضع ونام على نَبَات هُنَاكَ وَلم يزل نَائِما إِلَى أَن عبر عَلَيْهِ جمَاعَة فوجدوه كَذَلِك وَتَحْته دَمًا سائحا من أَنفه وَمن نَاحيَة الْمخْرج فأنبهوه وبقوا متعجبين من ذَلِك إِلَى أَن ظهر لَهُم أَنه من النَّبَات الَّذِي نَام عَلَيْهِ وَأَخْبرنِي أَنه خرج إِلَى ذَلِك الْموضع وَرَأى ذَلِك النَّبَات وَذكر من صفته أَنه على شكل الهندبا غير أَنه مشرف الجوانب وَهُوَ مر المذاق قَالَ وَقد شاهدت كثيرا مِمَّن يُدْنِيه إِلَى أَنفه ويستنشقه مَرَّات فَإِنَّهُ يحدث لَهُ رعافا فِي الْوَقْت هَذَا مَا ذكره وَلم يتَحَقَّق عِنْدِي فِي أَمر هَذَا النَّبَات هَل هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ جالينوس أَو غَيره قَالَ ابْن المطران فَأَقُول حِينَئِذٍ أَن النَّفس الفاضلة المفيدة للخير نظرت حِينَئِذٍ فَعلمت وكما أَن الدَّوَاء فعل ذَلِك الْفِعْل فَلَا بُد وَأَن يكون خلق دَوَاء آخر ينفع هَذَا الْعُضْو ويقاوم هَذَا الدَّوَاء ففتش عَلَيْهِ بالتجربة وَلم يزل يطْلب فِي كل يَوْم أَو فِي كل وَقت حَيَوَانا فيعطيه الدَّوَاء الأول ثمَّ الثَّانِي فَإِن دفع ضَرَره فقد حصل مُرَاده وَإِن لم ينفع فِيهِ طلب غَيره حَتَّى وَقع على ذَلِك الدَّوَاء وَفِي اسْتِخْرَاج الترياق أعظم دَلِيل على مَا قلت إِذْ لم يكن الترياق سوى حب الْغَار وَعسل ثمَّ صَار إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ من الْكَثْرَة والنفع لَا بِوَحْي وَلَا إلهام وَلَكِن بِقِيَاس وصفاء عقول وَفِي مدد طَوِيلَة فَإِن قلت من أَيْن علم أَن الدَّوَاء لَا بُد لَهُ من ضد قُلْنَا أَنهم لما نظرُوا إِلَى قَاتل البيش وَهُوَ نَبَات يطلع فَإِذا وَقع على البيش جففه وأتلفه علمُوا أَن مثله فِي غَيره فطلبوه والعالم الفطن يقدر على علم كَيْفيَّة اسْتِخْرَاج شَيْء من المعلومات إِذا نظر فِيهِ على قياسنا الَّذِي وضعناه لَهُ وَقد عمل جالينوس كتابا فِي كَيفَ كَانَ اسْتِخْرَاج جَمِيع الصناعات فَمَا زَاد فِيهِ على النَّحْو الَّذِي ذكرنَا أَقُول وَإِنَّمَا نقلنا هَذِه الآراء الَّتِي تقدم ذكرهَا على اختلافها وتنوعها لكَون مقصدنا حِينَئِذٍ أَن نذْكر جلّ مَا ذهب إِلَيْهِ كل فريق وَلما كَانَ الْخلف والتباين فِي هَذَا على مَا ترى صَار طلب أَوله

стр. 7

عسرا جدا إِلَّا أَن الْإِنْسَان الْعَاقِل إِذا فكر فِي ذَلِك بِحَسب معقوله فَإِنَّهُ يجد صناعَة الطِّبّ لَا يبعد أَن تكون أوائلها قد تحصلت من هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي قد تقدّمت أَو من أَكْثَرهَا وَذَلِكَ إِنَّا نقُول أَن صناعَة الطِّبّ أَمر ضَرُورِيّ للنَّاس منوطة بهم حَيْثُ وجدوا وَمَتى وجدوا إِلَّا أَنَّهَا قد تخْتَلف عِنْدهم بِحَسب الْمَوَاضِع وَكَثْرَة التغذي وَقُوَّة التَّمْيِيز فَتكون الْحَاجة إِلَيْهَا أمس عِنْد قوم دون قوم وَذَلِكَ أَنه لما كَانَت بعض النواحي قد يعرض فِيهَا كثيرا أمراض مَا لأهل تِلْكَ النَّاحِيَة وخصوصا كلما كَانُوا أَكثر تنوعا فِي الأغذية وهم أدوم أكلا للفواكه فَإِن أبدانهم تبقى متهيئة للأمراض وَرُبمَا لم يفلت مِنْهُم أحد فِي سَائِر أوقاته من مرض يَعْتَرِيه فَيكون أَمْثَال هَؤُلَاءِ مضطرين إِلَى الصِّنَاعَة الطبية أَكثر من غَيرهم مِمَّن هم فِي نواحي أصح هَوَاء وأغذيتهم أقل تنوعا وهم مَعَ ذَلِك قليلو الاغتذاء بِمَا عِنْدهم ثمَّ أَن النَّاس أَيْضا لما كَانُوا متفاضلين فِي قُوَّة التَّمْيِيز النطقي كَانَ أتمهم تمييزا وَأَقْوَاهُمْ حنكة وأفضلهم رَأيا أدْرك وأحفظ لما يمر بهم من الْأُمُور التجريبية وَغَيرهَا لمقابلة الْأَمْرَاض بِمَا يعالجها بِهِ من الْأَدْوِيَة دون غَيره فَإِذا اتّفق فِي بعض النواحي أَن يكون أَهلهَا تعرض لَهُم الْأَمْرَاض كثيرا وَكَانَ فيهم جمَاعَة عدَّة بِمَثَابَة من أَشَرنَا إِلَيْهِ أَولا فَإِنَّهُم يتسلطون بِقُوَّة إدراكهم وجودة قرائحهم وَبِمَا عِنْدهم من الْأُمُور التجريبية وَغَيرهَا على سَبِيل المداواة فيجتمع عِنْدهم على الطول أَشْيَاء كَثِيرَة من صناعَة الطِّبّ ولنذكر حِينَئِذٍ أقساما فِي مبدئية هَذِه الصِّنَاعَة بِقدر الْمُمكن فَنَقُول الْقسم الأول أَن أحد الْأَقْسَام فِي ذَلِك أَنه قد يكون حصل لَهُم شَيْء مِنْهَا عَن الْأَنْبِيَاء والأصفياء ﵈ بِمَا خصهم الله تَعَالَى بِهِ من التأييد الإلهي روى ابْن عَبَّاس ﵄ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (كَانَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ إِذا صلى رأى شَجَرَة نابتة بن يَدَيْهِ فيسألها مَا اسْمك فَإِن كَانَت لغرس غرست وَإِن كَانَت لدواء كتبت) وَقَالَ قوم من الْيَهُود إِن الله أنزل على مُوسَى ﵇ سفر الأشفية والصابئة تَقول أَن الشِّفَاء كَانَ يُؤْخَذ من هياكلهم على يَد كهانهم وصلحائهم بعض بالرؤيا

стр. 8

وَبَعض بالإلهام وَمِنْهُم من قَالَ أَنه كَانَ يُوجد مَكْتُوبًا فِي الهياكل لَا يعلم من كتبه وَمِنْهُم من قَالَ أَنَّهَا كَانَت تخرج يَد بَيْضَاء مَكْتُوب عَلَيْهَا الطِّبّ وَنقل عَنْهُم أَن شيت أظهر الطِّبّ وَأَنه وَرثهُ عَن آدم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام فَأَما الْمَجُوس فَإِنَّهَا تَقول أَن زرادشت الَّذِي تَدعِي أَنه نَبِيّهم جَاءَ بكتب عُلُوم أَرْبَعَة زَعَمُوا أَنَّهَا جلدت بِاثْنَيْ عشر ألف جلد جاموس ألف مِنْهَا طب وَأما نبط الْعرَاق والسورانيون والكلدانيون والكسدانيون وَغَيرهم من أَصْنَاف النبط الْقدَم فيدعى لَهُم أَنهم اكتشفوا مبادئ صناعَة الطِّبّ وَأَن هرمس الهرامسة المثلث بالحكمة كَانَ بَينهم وَيعرف علومهم فَخرج حِينَئِذٍ إِلَى مصر وَبث فِي أَهلهَا الْعُلُوم والصنائع وَبنى الأهرام والبرابي ثمَّ انْتقل الْعلم مِنْهُم إِلَى اليونانيين وَقَالَ الْأَمِير أَبُو الْوَفَاء المبشر بن فانك فِي كتاب مُخْتَار الحكم ومحاسن الْكَلم أَن الْإِسْكَنْدَر لما تملك مملكة دَارا واحتوى على فَارس أحرق كتب دين الْمَجُوسِيَّة وَعمد إِلَى كتب النُّجُوم والطب والفلسفة فنقلها إِلَى اللِّسَان اليوناني وأنفذها إِلَى بِلَاده وأحرق أُصُولهَا وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو سُلَيْمَان المنطقي قَالَ لي ابْن عدي أَن الْهِنْد لَهُم عُلُوم جليلة من عُلُوم الفلسفة وَأَنه وَقع إِلَيْهِ أَن الْعلم من ثمَّ وصل إِلَى اليونانيين وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو سُلَيْمَان وَلست أَدْرِي من أَيْن وَقع لَهُ ذَلِك وَقَالَ بعض عُلَمَاء الإسرائيليين أَن الَّذِي استخرج صناعَة الطِّبّ يوقال بن لامخ بن متوشالخ

стр. 9

الْقسم الثَّانِي أَن يكون قد حصل لَهُم شَيْء مِنْهَا بالرؤيا الصادقة مثل مَا حكى جالينوس فِي كِتَابه فِي الفصد من فصده للعرق الضَّارِب الَّذِي أَمر بِهِ وَذَلِكَ أَنه قَالَ إِنِّي أمرت فِي مَنَامِي مرَّتَيْنِ بفصد الْعرق الضَّارِب الَّذِي بَين السبابَة والإبهام من الْيَد الْيُمْنَى فَلَمَّا أَصبَحت فصدت هَذَا الْعرق وَتركت الدَّم يجْرِي إِلَى أَن انْقَطع من تِلْقَاء نَفسه لِأَنِّي كَذَلِك أمرت فِي مَنَامِي فَكَانَ مَا جرى أقل من رَطْل فسكن عني بذلك على الْمَكَان وجع كنت أَجِدهُ قَدِيما فِي الْموضع الَّذِي يتَّصل بِهِ الكبد بالحجاب وَكنت فِي وَقت مَا عرض لي هَذَا غُلَاما قَالَ وَأعرف إنْسَانا بِمَدِينَة فرغامس شفَاه الله تَعَالَى من وجع مزمن كَانَ بِهِ فِي جنبه بفصد الْعرق الضَّارِب من كَفه وَالَّذِي دَعَا ذَلِك الرجل إِلَى أَن يفعل ذَلِك رُؤْيا رَآهَا وَقَالَ فِي الْمقَالة الرَّابِعَة عشرَة من كِتَابه فِي حِيلَة الْبُرْء قد رَأَيْت لِسَانا عظم وانتفخ حَتَّى لم يَسعهُ الْفَم وَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ ذَلِك رجلا لم يعْتد إِخْرَاج الدَّم قطّ وَكَانَ من أَبنَاء سِتِّينَ سنة وَكَانَ الْوَقْت الَّذِي رَأَيْته فِيهِ أول مرّة السَّاعَة الْعَاشِرَة من النَّهَار فَرَأَيْت أَنه يَنْبَغِي لي أَن أسهله بِهَذَا الْحبّ الَّذِي قد جرت الْعَادة بِاسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ الْحبّ الْمُتَّخذ بِالصبرِ والسقمونيا وشحم الحنظل فسقيته الدَّوَاء نَحْو الْعشَاء وأشرت عَلَيْهِ أَن يضع على الْعُضْو العليل بعض الْأَشْيَاء الَّتِي تبرد وَقلت لَهُ افْعَل هَذَا حَتَّى أنظر مَا يحدث فأقدر المداواة على حَسبه وَلم يساعدني على ذَلِك رجل حَضَره من الْأَطِبَّاء فَبِهَذَا السَّبَب أَخذ الرجل ذَلِك الْحبّ وَتَأَخر النّظر فِي أَمر مَا يداوي بِهِ الْعُضْو نَفسه إِلَى الْغَد وَكُنَّا نطمع جَمِيعًا أَن يكون قد تبين فِيهِ حسن أثر الشَّيْء الَّذِي يداوى بِهِ ونجربه عَلَيْهِ إِذْ كَانَ فِيهِ يكون الْبدن قد استفرغ كُله وَالشَّيْء المنصب إِلَى الْعُضْو قد انحدر إِلَى أَسْفَل

стр. 10

فَفِي ليلته رأى فِي حلمه رُؤْيا ظَاهِرَة بَيِّنَة فَحَمدَ مشورتي وَاتخذ مشورتي مَادَّة فِي ذَلِك الدَّوَاء وَذَلِكَ أَنه رأى النَّائِم آمرا يَأْمُرهُ بِأَن يمسك فِي فِيهِ عصارة الخس فَاسْتعْمل هَذِه العصارة كَمَا أمره وبرأ برءا تَاما وَلم يحْتَج مَعهَا إِلَى شَيْء آخر يتداوى بِهِ وَقَالَ فِي شَرحه لكتاب الْإِيمَان لابقراط وَعَامة النَّاس يشْهدُونَ على أَن الله ﵎ هُوَ الملهم لَهُم صناعَة الطِّبّ من الأحلام والرؤيا الَّتِي تنقذهم من الْأَمْرَاض الصعبة من ذَلِك إِنَّا نجد خلقا كثيرا مِمَّن لَا يُحْصى عَددهمْ أَتَاهُم الشِّفَاء من عِنْد الله ﵎ بَعضهم على يَد سارافس وَبَعْضهمْ على يَد أسقليبيوس بِمَدِينَة أفيداروس ومدينة قو ومدينة فرغامس وَهِي مدينتي وَبِالْجُمْلَةِ فقد يُوجد فِي جَمِيع الهياكل الَّتِي لليونانيين وَغَيرهم من سَائِر النَّاس الشِّفَاء من الْأَمْرَاض الصعبة الَّتِي تَأتي بالأحلام وبالرؤيا وأريباسيوس يَحْكِي فِي كناشه الْكَبِير أَن رجلا عرض لَهُ فِي المثانة حجر عَظِيم قَالَ وداويته بِكُل دَوَاء مستصلح لتفتيت الْحجر فَلم ينْتَفع أَلْبَتَّة وأشرف على الْهَلَاك فَرَأى فِي النّوم كَأَن إنْسَانا أقبل عَلَيْهِ وَفِي يَده طَائِر صَغِير الجثة وَقَالَ لَهُ إِن هَذَا الطَّائِر اسْمه صفراغون وَيكون بمواضع السباحات وَالْآجَام فَخذه وَأحرقهُ وَتَنَاول من رماده حَتَّى تسلم من هَذِه الْعلَّة فَلَمَّا انتبه فعل ذَلِك فَأخْرج الْحجر من مثانته متفتتا كالرماد وبرأ برءا تَاما وَمِمَّا حصل أَيْضا من ذَلِك بالرؤيا الصادقة أَن بعض خلفاء الْمغرب مرض مَرضا طَويلا وتداوى بمداواة كَثِيرَة فَلم ينْتَفع بهَا فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيَالِي رأى النَّبِي ﷺ فِي نَومه وشكى إِلَيْهِ مَا يجده فَقَالَ لَهُ ﷺ ادهن بِلَا وكل لَا تَبرأ فَلَمَّا انتبه من نَومه بَقِي متعحبا من ذَلِك وَلم يفهم مَا مَعْنَاهُ فَسَأَلَ المعبرين عَنهُ فَكل مِنْهُم عجز عَن تَأْوِيله مَا خلا عَليّ بن أبي طَالب القيراوني فَإِنَّهُ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن النَّبِي ﷺ أَمرك أَن تدهن بالزيت وتأكل مِنْهُ فتبرأ فَلَمَّا سَأَلَهُ من أَيْن لَهُ معرفَة ذَلِك قَالَ من قَول الله ﴿من شَجَرَة مباركة زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار﴾ فَلَمَّا اسْتعْمل ذَلِك صلح بِهِ وَبرا برءا تَاما ونقلت من خطّ عَليّ بن رضوَان فِي شَرحه لكتاب جالينوس فِي فرق الطِّبّ ماهذا نَصه

стр. 11

قَالَ وَقد كَانَ عرض لي مُنْذُ سِنِين صداع مبرح عَن امتلاء فِي عروق الرَّأْس ففصدت فَلم يسكن وأعدت الفصد مرَارًا وَهُوَ بَاقٍ على حَاله فَرَأَيْت جالينوس فِي النّوم وَقد أَمرنِي أَن أَقرَأ عَلَيْهِ حِيلَة الْبُرْء فَقَرَأت عَلَيْهِ مِنْهَا سبع مقالات فَلَمَّا بلغت إِلَى آخر السَّابِعَة قَالَ نسيت مَا بك من الصداع وَأَمرَنِي أَن أحجم القمحدوة من الرَّأْس ثمَّ استيقظت فحجمتها فبرأت من الصداع على الْمَكَان وَقَالَ عبد الله بن زهر فِي كتاب التَّيْسِير إِنَّنِي كنت قد اعتل بَصرِي من قيئ بحراني أفرط عَليّ فَعرض لي انتشار فِي الحدقتين دفْعَة فشغل بذلك بالي فَرَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم من كَانَ فِي حَيَاته يعْنى بأعمال الطِّبّ فَأمرنِي فِي النّوم بالاكتحال بشراب الْورْد وَكنت فِي ذَلِك الزَّمَان طَالبا قد حذقت وَلم تكن لي حنكة فِي الصِّنَاعَة فَأخْبرت أبي فَنظر فِي الْأَمر مَلِيًّا ثمَّ قَالَ لي اسْتعْمل مَا أمرت بِهِ فِي نومك فانتفعت بِهِ ثمَّ لم أزل أستعمله إِلَى وَقت وضعي هَذَا الْكتاب فِي تَقْوِيَة الْأَبْصَار أَقُول وَمثل هَذَا أَيْضا كثير مِمَّا يحصل بالرؤيا الصادقة فَإِنَّهُ قد يعرض أَحْيَانًا لبَعض النَّاس أَن يرَوا فِي منامهم صِفَات أدوية مِمَّن يوجدهم إِيَّاهَا فَيكون بهَا برؤهم ثمَّ تشتهر المداواة بِتِلْكَ الْأَدْوِيَة فِيمَا بعد الْقسم الثَّالِث أَن يكون قد حصل لَهُم شَيْء مِنْهَا أَيْضا بالِاتِّفَاقِ والمصادفة مثل الْمعرفَة الَّتِي حصلت لاندروماخس الثَّانِي فِي إلقائه لُحُوم الأفاعي فِي الترياق وَالَّذِي نشطه لذَلِك وأفرد ذهنه لتأليفه ثَلَاثَة أَسبَاب جرت على غير قصد وَهَذَا كَلَامه قَالَ أما التجربة الأولى فَإِنَّهُ كَانَ يعْمل عِنْدِي فِي بعض ضياعي فِي الْموضع الْمَعْرُوف ببورنوس

стр. 12

حراثون يحرثون الأَرْض للزَّرْع وَكَانَ بيني وَبَين الْموضع نَحْو فرسخين وَكنت أبكر إِلَيْهِم لأنظر مَا يعْملُونَ وأرجع إِذا فرغوا وَكنت أحمل لَهُم معي على الدَّابَّة الَّتِي تَحت الْغُلَام زادا وَشَرَابًا لتطيب أنفسهم ويتجلدوا على الْعَمَل فَمَا زلت كَذَلِك إِلَى أَن حملت الْغَدَاء فِي بعض الْأَيَّام وَكنت قد أخرجت إِلَيْهِم بستوقة خضراء وفيهَا خمر مطينة الرَّأْس لم تفتح مَعَ زَاد فَلَمَّا أكلُوا الزَّاد قدمُوا البستوقة وفتحوها فَلَمَّا أَدخل أحدهم يَده مَعَ كوز ليغرف مِنْهَا الشَّرَاب وجد فِيهَا أَفْعَى قد تهرأ فأمسكوا عَن الشَّرَاب وَقَالُوا إِن هَهُنَا فِي هَذِه الْقرْيَة رجلا مجذوما يتَمَنَّى الْمَوْت من شدَّة مَا بِهِ فنسقيه من هَذَا الشَّرَاب ليَمُوت وَيكون لنا فِي ذَلِك أجر إِذْ نريحه من وصبه فَمَضَوْا إِلَيْهِ بزاد وسقوه من ذَلِك الشَّرَاب متيقنين أَنه لَا يعِيش يَوْمه ذَلِك فَلَمَّا كَانَ قريب اللَّيْل انتفخ جِسْمه نفخا عَظِيما وَبَقِي إِلَى الْغَدَاة ثمَّ سقط عَنهُ الْجلد الْخَارِج وَظهر الْجلد الدَّاخِل الْأَحْمَر وَلم يزل حَتَّى صلب جلده وبرأ وعاش دهرا طَويلا من غير أَن يشكو عِلّة حَتَّى مَاتَ الْمَوْت الطبيعي الَّذِي هُوَ فنَاء الْحَرَارَة الغريزية فَهَذَا دَلِيل على أَن لُحُوم الأفاعي تَنْفَع من الأوصاب الشَّدِيدَة والأمراض العتيقة فِي الْأَبدَان وَأما التجربة الثَّانِيَة فَإِن أخي أبولونيوس كَانَ ماسحا من قبل الْملك على الضّيَاع وَكَانَ كثيرا مَا يخرج إِلَيْهَا فِي الْأَوْقَات الوعرة الرَّديئَة فِي الصَّيف والشتاء فَخرج ذَات يَوْم إِلَى بعض الْقرى على سَبْعَة فراسخ فَنزل يستريح عِنْد أصل شَجَرَة وَكَانَ الزَّمَان شَدِيد الْحر وَأَنه نَام فاجتازته أَفْعَى فنهشته فِي يَده وَكَانَ قد ألْقى يَده على الأَرْض من شدَّة تَعبه فانتبه بفزع وَعلم أَن الآفة قد لحقته وَلم يكن بِهِ على الْقيام طَاقَة ليقْتل الأفعى وَأَخذه الكرب والغشي فَكتب وَصِيَّة وضمنها اسْمه وَنسبه وَمَوْضِع منزله وَصفته وعلق ذَلِك على الشَّجَرَة كي إِذا مَاتَ واجتاز بِهِ إِنْسَان وَرَأى الرقعة يَأْخُذهَا ويقرأها وَيعلم أَهله ثمَّ استسلم للْمَوْت وَكَانَ بِالْقربِ مِنْهُ مَاء قد حصل مِنْهُ فضلَة يسيرَة فِي جَوْفه فِي أصل تِلْكَ الشَّجَرَة الَّتِي علق عَلَيْهَا الرقعة وَكَانَ قد غَلبه الْعَطش فَشرب من ذَلِك المَاء شربا كثيرا فَلم يلبث المَاء فِي جَوْفه حَتَّى سكن ألمه وَمَا كَانَ يجده من ضَرْبَة الأفعى ثمَّ برأَ فَبَقيَ مُتَعَجِّبا وَلم يعلم مَا كَانَ فِي المَاء فَقطع عودا من الشَّجَرَة وَأَقْبل يفتش بِهِ المَاء لِأَنَّهُ

стр. 13

كره أَن يفتشه بِيَدِهِ لِئَلَّا يكون فِيهِ أَيْضا شَيْء يُؤْذِيه فَوجدَ فِيهِ أفعيين قد اقتتلا ووقعا جَمِيعًا فِي المَاء وتهرءا فَأقبل أخي إِلَى منزلنا صَحِيحا سالما أَيَّام حَيَاته وَترك ذَلِك الْعَمَل الَّذِي كَانَ فِيهِ وَاقْتصر بملازمتي وَكَانَ هَذَا أَيْضا دَلِيلا على أَن لُحُوم الأفاعي تَنْفَع من نهش الأفاعي والحيات وَالسِّبَاع الضارية وَأما التجربة الثَّالِثَة فَإِنَّهُ كَانَ للْملك يبولوس غُلَام وَكَانَ شريرا غمازا خمانا فِيهِ كل بلَاء وَكَانَ كَبِيرا عِنْد الْملك يُحِبهُ لذَلِك وَكَانَ قد آذَى أَكثر النَّاس فَاجْتمع الوزراء والقواد والرؤساء على قَتله فَلم يتهيأ لَهُم ذَلِك لمكانته عِنْد الْملك فاحتال بَعضهم وَقَالَ اذْهَبُوا فاسحقوا وزن دِرْهَمَيْنِ أفيونا وأطعموه إِيَّاه فِي طَعَامه أَو اسقوه فِي شرابه فَإِن الْمَوْت السَّرِيع يلْحق النَّاس كثيرا فَإِذا مَاتَ حملتموه إِلَى الْملك وَلَيْسَ بِهِ جِرَاحَة وَلَا قلبه فَدَعوهُ إِلَى بعض الْبَسَاتِين فَلم يتهيأ لَهُم أَن يَفْعَلُوا ذَلِك فِي الطَّعَام فسقوه فِي الشَّرَاب فَلم يلبث إِلَّا قَلِيلا أَن مَاتَ فَقَالُوا نتركه فِي بعض الْبيُوت ونختم عَلَيْهِ ونوكل الفعلة بِبَاب الْبَيْت حَتَّى نمضي إِلَى الْملك نعلمهُ أَنه قد مَاتَ فَجْأَة ليَبْعَث ثقاته ينظرونه فَلَمَّا صَارُوا بأجمعهم إِلَى الْملك نظر الفعلة إِلَى أَفْعَى قد خرج من بَين الْحجر وَدخل إِلَى الْبَيْت الَّذِي فِيهِ الْغُلَام فَلم يتهيأ لَهُم أَن يدخلُوا خَلفه ويقتلوه لِأَن الْبَاب كَانَ مَخْتُومًا فَلم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة والغلام يَصِيح بهم لم قفلتم عَليّ الْبَاب أعينوني قد لسعتني أَفْعَى وَمد الْبَاب من دَاخل وأعانه قوام الْبُسْتَان من خَارج فكسروه فَخرج وَلَيْسَ بِهِ قلبه وَكَانَ هَذَا أَيْضا دَلِيلا على أَن لُحُوم الأفاعي تَنْفَع من شرب الْأَدْوِيَة القتالة الْمهْلكَة هَذَا جملَة مَا ذكره اندروماخس وَمثل هَذَا أَيْضا أَعنِي مَا حصل بالِاتِّفَاقِ والمصادفة أَنه كَانَ بعض المرضى بِالْبَصْرَةِ وَكَانَ قد استسقى ويئس أَهله من حَيَاته وداووه بوصفات كَثِيرَة من أدوية الْأَطِبَّاء فيئسوا مِنْهُ وَقَالُوا لَا حِيلَة فِي برئه فَسمع ذَلِك من أَهله فَقَالَ لَهُم دَعونِي الْآن أتزود من الدُّنْيَا وآكل كل مَا عَن لي وَلَا تقتلوني بالحمية فَقَالُوا لَهُ كل مَا تُرِيدُ فَكَانَ يجلس بِبَاب الدَّار فمهما جَازَ اشْترى مِنْهُ وَأكل فَمر بِهِ رجل يَبِيع جَرَادًا مطبوخا فَاشْترى مِنْهُ كثيرا فَلَمَّا أكله انسهل بَطْنه من المَاء الْأَصْفَر فِي ثَلَاثَة أَيَّام مَا كَاد بِهِ أَن يتْلف لإفراطه ثمَّ إِنَّه عِنْدَمَا انْقَطع الْقيام زَالَ كل مَا كَانَ فِي جَوْفه من الْمَرَض وثابت قوته فبرأ وَخرج يتَصَرَّف فِي حَوَائِجه فَرَآهُ بعض الْأَطِبَّاء فَعجب من أمره وَسَأَلَهُ عَن الْخَبَر فَعرفهُ فَقَالَ أَن الْجَرَاد لَيْسَ من طبعه أَن يفعل هَذَا فدلني على بَائِع الْجَرَاد فدله عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ من أَيْن تصطاد هَذَا الْجَرَاد فَخرج بِهِ إِلَى الْمَكَان فَوجدَ الْجَرَاد فِي أَرض أَكثر نباتها المازريون وَهُوَ من دَوَاء الاسْتِسْقَاء وَإِذا دفع إِلَى مَرِيض مِنْهُ وزن دِرْهَم أسهل إسهالا

стр. 14

ذريعا لَا يكَاد أَن يضْبط والعلاج بِهِ خطر وَلذَلِك مَا تكَاد تصفه الْأَطِبَّاء فَلَمَّا وَقع الْجَرَاد على هَذِه الحشيشة ونضجت فِي جَوْفه ثمَّ طبخ الْجَرَاد ضعف فعلهَا وَأكل الْجَرَاد فَعُوفِيَ بِسَبَبِهَا وَمثل هَذَا أَيْضا أَي مِمَّا حصل من طَرِيق المصادفة والاتفاق أَنه كَانَ بافلوللن من سليلة أسقليبيوس ورم حَار فِي ذراعه مؤلم ألما شَدِيدا فَلَمَّا أشفى مِنْهُ ارتاحت نَفسه إِلَى الْخُرُوج إِلَى شاطئ نهر كَانَ عَلَيْهِ النَّبَات المسمي حَيّ الْعَالم وَأَنه وَضعهَا عَلَيْهِ تبردا بِهِ فخف بذلك ألمه فاستطال وضع يَده عَلَيْهِ وَأصْبح من غَد فَعمل مثل ذَلِك فبرأ برءا تَاما فَلَمَّا رأى النَّاس سرعَة برئه علمُوا إِنَّه إِنَّمَا كَانَ بِهَذَا الدَّوَاء وَهُوَ على مَا قيل أول مَا عرف من الأوية وَأَشْبَاه هَذِه الْأَمْثِلَة الَّتِي قد ذكرنَا كَثِيرَة الْقسم الرَّابِع أَن يكون قد حصل شَيْء مِنْهَا أَيْضا بِمَا شَاهده النَّاس من الْحَيَوَانَات واقتدى بأفعالها وتشبه بهَا وَذَلِكَ مثل مَا ذكره الرَّازِيّ فِي كتاب الْخَواص أَن الخطاف إِذا وَقع بفراخه اليرقان مضى فجَاء بِحجر اليرقان وَهُوَ حجر أَبيض صَغِير يعرفهُ فَجعله فِي عشه فيبرأوا وَأَن الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ ذَلِك الْحجر طلى فِرَاخه بالزعفران فيظن أَنه قد أَصَابَهُم اليرقان فيمضي فَيَجِيء بِهِ فَيُؤْخَذ ذَلِك الْحجر ويعلق على من بِهِ اليرقان فينتفع بِهِ وَكَذَلِكَ أَيْضا شَأْن الْعقَاب الْأُنْثَى أَنه إِذا تعسر عَلَيْهَا بيضها وَخُرُوجه وصعب حَتَّى تبلغ الْمَوْت وَرَأى ذكرهَا ذَلِك طَار وأحضر حجرا يعرف بالقلقل لِأَنَّهُ إِذا حرك تقلقل فِي دَاخله فَإِذا كسر لم يُوجد فِيهِ شَيْء وكل قِطْعَة مِنْهُ إِذا حركت تقلقلت مثل صَحِيحه وَأكْثر النَّاس تعرفه بِحجر الْعقَاب ويضعه فيسهل على الْأُنْثَى بيضها وَالنَّاس يستعملونه فِي عسر الْولادَة على مَا استنبطوه من الْعقَاب وَمثل ذَلِك أَيْضا أَن الْحَيَّات إِذا أظلمت أعينهن لكمونهن فِي الشتَاء فِي ظلمَة بطن الأَرْض وخرجن من مكامنهن فِي وَقت مَا يدفأ الْوَقْت طلبن نَبَات الرازيانج وأمررن عيونهن عَلَيْهِ فيصلح مَا بهَا

стр. 15

فَلَمَّا رأى النَّاس ذَلِك وجربوه وجدوا من خاصيته إذهاب ظلمَة الْبَصَر إِذا اكتحل بِمِائَة وَذكر جالينوس فِي كِتَابه فِي الحقن عَن أرودوطس أَن طائرا يَدعِي أيبس هُوَ الَّذِي دلّ على علم الحقن وَزعم أَن الطير كثير الإغتذاء لَا يتْرك شَيْئا من اللحوم إِلَّا أكله فيحتبس بَطْنه لِاجْتِمَاع الأخلاط الرَّديئَة وَكَثْرَتهَا فِيهِ فَإِذا اشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ توجه إِلَى الْبَحْر فَأخذ بمنقاره من مَاء الْبَحْر ثمَّ أدخلهُ فِي دبره فَيخرج بذلك المَاء الأخلاط المحتقنة فِي بَطْنه ثمَّ يعود إِلَى طَعَامه الَّذِي عَادَته الإغتذاء بِهِ الْقسم الْخَامِس أَن يكون حصل شَيْء مِنْهَا أَيْضا بطرِيق الإلهام كَمَا هُوَ لكثير من الْحَيَوَانَات فَإِنَّهُ يُقَال أَن الْبَازِي إِذا اشْتَكَى جَوْفه عمد إِلَى طَائِر مَعْرُوف يُسَمِّيه اليونانيون ذريفوس فيصيده وَيَأْكُل من كبده فيسكن وَجَعه على الْحَال وكما تشاهد عَلَيْهِ أَيْضا السنانير فَإِنَّهَا فِي أَوْقَات الرّبيع تَأْكُل الْحَشِيش فَإِن عدمت الْحَشِيش عدلت إِلَى خوص المكانس فتأكله وَمَعْلُوم أَن ذَلِك لَيْسَ مِمَّا كَانَت تغتذي بِهِ أَولا وَإِنَّمَا دَعَاهَا إِلَى ذَلِك الإلهام لفعل مَا جعله الله تَعَالَى سَببا لصِحَّة أبدانها وَلَا تزَال كَذَلِك إِلَى أَن تحس بِالصِّحَّةِ المأنوس إِلَيْهَا بالطبع فتكف عَن أكله وَكَذَلِكَ أَيْضا مَتى نالها أَذَى من بعض الْحَيَوَانَات المؤذية ذَات السمُوم وأكلت شَيْئا مِنْهَا فَإِنَّهَا تقصد إِلَى السيرج وَإِلَى مَوَاضِع الزَّيْت فتنال مِنْهُ ذَلِك يسكن عَنْهَا سُورَة مَا تَجدهُ ويحكى أَن الدَّوَابّ إِذا أكلت الدفلى فِي ربيعها أضرّ ذَلِك بهَا فَتسَارع إِلَى حشيشة هِيَ بادزهر للدفلى فترتعيها وَيكون بهَا برؤها وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك حَالَة جرت من قريب وَهِي أَن بهاء الدّين بن

стр. 16

نفادة الْكَاتِب حكى أَنه لما كَانَ مُتَوَجها إِلَى الكرك كَانَ فِي طَرِيقه بالطليل وَهِي منزلَة كَثِيرَة نَبَات الدفلى فَنزل هُوَ وَآخر فِي مَكَان مِنْهَا وَإِلَى جانبهم هَذَا النَّبَات فَربط الغلمان دوابهم هُنَالك وَجعلت الدَّوَابّ ترعى مَا يقرب مِنْهَا وأكلت من الدفلى فَأَما دوابه فَإِن غلمانه غفلوا عَنْهَا فسابت ورعت من مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة وَأما دَوَاب الآخر فَأَنَّهَا بقيت فِي موضعهَا لم تقدر على التنقل مِنْهُ وَلما أَصْبحُوا وجدت دوابه فِي عَافِيَة ودواب الآخرين قد مَاتَت بأسرها فِي ذَلِك الْموضع وَحكى ديسقوريدس فِي كِتَابه أَن المعزى الْبَريَّة باقريطش إِذا رميت بِالنَّبلِ وَبقيت فِي أبدانها فَإِنَّهَا ترعى النَّبَات الَّذِي يُقَال لَهُ المشكطرامشير وَهُوَ نوع من الفوتنج فيتساقط عَنْهَا مَا رميت بِهِ وَلم يَضرهَا شَيْء مِنْهُ وحَدثني القَاضِي نجم الدّين عمر بن مُحَمَّد بن الكرندي أَن اللقلق يعشش فِي أَعلَى القباب والمواضع المرتفعة وَأَن لَهُ عدوا من الطُّيُور يتقصده أبدا وَيَأْتِي إِلَى عشه وَيكسر الْبيض الَّذِي فِيهِ قَالَ وَإِن ثمَّ حشيشة من خاصيتها أَن عَدو اللقلق إِذا شم رائحتها يغمى فَيَأْتِي بهَا اللقلق إِلَى عشه ويجعلها تَحت بيضه فَلَا يقدر الْعَدو عَلَيْهَا وَذكر أوحد الزَّمَان فِي الْمُعْتَبر أَن الْقُنْفُذ لبيته أَبْوَاب يسدها ويفتحها عِنْد هبوب الرِّيَاح الَّتِي تؤذيه وتوافقه وَحكى أَن إنْسَانا رأى الحباري تقَاتل الأفعى وتنهزم عَنْهَا إِلَى بقلة تتَنَاوَل مِنْهَا ثمَّ تعود لقتالها وَأَن هَذَا الْإِنْسَان عاينها فَنَهَضَ إِلَى البقلة فقطعها عِنْد اشْتِغَال الحباري بِالْقِتَالِ فَعَادَت الحباري إِلَى منبتها ففقدتها وطافت عَلَيْهَا فَلم تجدها فخرت ميتَة فقد كَانَت تتعالج بهَا قَالَ وَابْن عرس يستظهر فِي قتال الْحَيَّة بِأَكْل السذاب وَالْكلاب إِذا دودت بطونها أكلت السنبل وتقيأت واستطلقت وَإِذا جرح اللقلق داوى جراحه بالصعتر الْجبلي والثور يفرق بَين الحشائش المتشابهة فِي صورها وَيعرف مَا يُوَافقهُ مِنْهَا فيرعاه وَمَا لَا يُوَافقهُ فيتركه مَعَ نهمه وَكَثْرَة أكله وبلادة ذهنه وَمثل هَذَا كثير

стр. 17

فَإِذا كَانَت الْحَيَوَانَات الَّتِي لَا عقول لَهَا ألهمت مصالحها ومنافعها كَانَ الْإِنْسَان الْعَاقِل الْمُمَيز الْمُكَلف الَّذِي هُوَ أفضل الْحَيَوَان أولى بذلك وَهَذَا أكبر حجَّة لمن يعْتَقد أَن الطِّبّ إِنَّمَا هُوَ إلهام وهداية من الله سُبْحَانَهُ لخلقه وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ قد يكون من هَذَا وَمِمَّا وَقع بالتجربة والاتفاق والمصادفة أَكثر مَا حصلوه من هَذِه الصِّنَاعَة ثمَّ تكاثر ذَلِك بَينهم وعضده الْقيَاس بِحَسب مَا شاهدوه وأدتهم إِلَيْهِ فطرتهم فَاجْتمع لَهُم من جَمِيع تِلْكَ الْأَجْزَاء الَّتِي حصلت لَهُم بِهَذِهِ الطّرق المتفننة الْمُخْتَلفَة أَشْيَاء كَثِيرَة ثمَّ أَنهم تأملوا تِلْكَ الْأَشْيَاء وَاسْتَخْرَجُوا عللها والمناسبات الَّتِي بَينهَا فَتحصل لَهُم من ذَلِك قوانين كُلية ومبادئ مِنْهَا يبتدأ بالتعلم والتعليم وَإِلَى مَا أدركوه مِنْهَا أَولا يَنْتَهِي فَعِنْدَ الْكَمَال يتدرج فِي التَّعْلِيم من الكليات إِلَى الجزئيات وَعند استنباطها يتدرج من الجزئيات إِلَى الكليات وَأَقُول أَيْضا وَقد أَشَرنَا إِلَى ذَلِك من قبل أَنه لَيْسَ يلْزم أَن يكون أول هَذَا مُخْتَصًّا بِموضع دون مَوضِع وَلَا يفرد بِهِ قوم دون آخَرين إِلَّا بِحَسب الْأَكْثَر والأقل وبحسب تنوع المداواة وَلِهَذَا فَإِن كل قوم هم مصطلحون على أدوية يألفونها ويتداوون بهَا وَأرى أَنهم إِنَّمَا اخْتلفُوا فِي نِسْبَة صناعَة الطِّبّ إِلَى قوم بِحَسب مَا قد كَانَ يَتَجَدَّد عِنْد قوم فينسب إِلَيْهِم فَإِنَّهُ قد يُمكن أَن تكون صناعَة الطِّبّ فِي أمة أَو فِي بقْعَة من الأَرْض فتدثر وتبيد بِأَسْبَاب سَمَاوِيَّة أَو أرضية كالطواعين المفنية والقحوط المجلية والحروب المبيدة والملوك المتغلبة وَالسير الْمُخَالفَة فَإِذا انقرضت فِي أمة ونشأت فِي أمة أُخْرَى وتطاول الزَّمَان عَلَيْهَا نسي مَا تقدم وَصَارَت الصِّنَاعَة تنْسب إِلَى الْأمة الثَّانِيَة دون الأولى وَيعْتَبر أَولهَا بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِم فَقَط فَيُقَال لَهَا مذ ظَهرت كَذَا وَكَذَا وَإِنَّمَا يعْنى فِي الْحَقِيقَة مذ ظَهرت فِي هَذِه الْأمة خَاصَّة وَهَذَا مِمَّا لَا يبعد فَإِنَّهُ على مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْآثَار وخصوصا مَا حَكَاهُ جالينوس وَغَيره أَن أبقراط لما رأى صناعَة الطِّبّ قد كَادَت أَن تبيد وَأَنه قد درست معالمها عَن آل أسقليبيوس الَّذين أَبُو أبقراط مِنْهُم تداركها بِأَن أظهرها وبثها فِي الغرباء وقواها ونشرها وشهرها بِأَن أثبتها بالكتب فَلهَذَا يُقَال أَيْضا على مَا ذهب إِلَيْهِ كثير من النَّاس أَن أبقراط أول من وضع صناعَة الطِّبّ وَأول من دونهَا وَلَيْسَ الْحق على مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْآثَار إِلَّا أَنه أول من دونهَا من آل أسقليبيوس لتعليم كل من يصلح لتعلمها من النَّاس كَافَّة وَمثله سلك الْأَطِبَّاء من بعده وَاسْتمرّ إِلَى الْآن وأسقليبيوس الأول هُوَ أول من تكلم فِي شَيْء من الطِّبّ على مَا سَيَأْتِي ذكره

стр. 18

الْبَاب الثَّانِي طَبَقَات الْأَطِبَّاء الَّذين ظَهرت لَهُم أَجزَاء من صناعَة الطِّبّ وَكَانُوا المبتدئين بهَا أسقليبيوس قد اتّفق كثير من قدماء الفلاسفة والمتطببين على أَن أسقليبيوس كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ أَولا هُوَ أول من ذكر من الْأَطِبَّاء وَأول من تكلم فِي شَيْء من الطِّبّ على طَرِيق التجربة وَكَانَ يونانيا واليونان منسوبون إِلَى يونان وَهِي جَزِيرَة كَانَت الْحُكَمَاء من الرّوم ينزلونها وَقَالَ أَبُو معشر فِي الْمقَالة الثَّانِيَة من كتاب الألوف أَن بَلْدَة من الْمغرب كَانَت تسمى فِي قديم الدَّهْر أرغس وَكَانَ أَهلهَا يسمون أرغيوا وَسميت الْمَدِينَة بعد ذَلِك أيونيا وَسموا أَهلهَا يونانيين باسم بلدهم وَكَانَ ملكهَا أحد مُلُوك الطوائف وَيُقَال أَن أول من اجْتمع لَهُ ملك مَدِينَة أيونيا من مُلُوك اليونانيين كَانَ اسْمه أيوليوس وَكَانَ لقبه دقطاطر ملكهم ثَمَانِي عشرَة سنة وَوضع لليونانيين سننا كَثِيرَة مستعملة عِنْدهم وَقَالَ الشَّيْخ الْجَلِيل أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد بن طَاهِر بن بهْرَام السجسْتانِي المنطقي فِي تعاليقه أَن

стр. 19

أسقليبيوس بن زيوس قَالُوا مولده روحاني وَهُوَ إِمَام الطِّبّ وَأَبُو أَكثر الفلاسفة قَالَ وأقليدس ينْسب إِلَيْهِ وأفلاطون وأرسطوطاليس وبقراط وَأكْثر اليونانية قَالَ وبقراط كَانَ السَّادِس عشر من أَوْلَاده يَعْنِي الْبَطن السَّادِس عشر من أَوْلَاده وَقَالَ سولون أَخُو أسقليبيوس وَهُوَ أَبُو وَاضع النواميس أَقُول وترجمة أسقليبيوس بالعربي منع اليبس وَقيل إِن أصل هَذَا الِاسْم فِي لِسَان اليونانيين مُشْتَقّ من الْبَهَاء والنور وَكَانَ أسقليبيوس على مَا وجد فِي أَخْبَار الْجَبَابِرَة بالسُّرْيَانيَّة ذكي الطَّبْع قوي الْفَهم حَرِيصًا مُجْتَهدا فِي علم صناعَة الطِّبّ واتفقت لَهُ اتفاقات حميدة مُعينَة على التمهر فِي هَذِه الصِّنَاعَة وانكشفت لَهُ أُمُور عَجِيبَة من أَحْوَال العلاج بإلهام من الله وَحكي إِنَّه وجد علم الطِّبّ فِي هيكل كَانَ لَهُم برومية يعرف بهيكل أبلن وَهُوَ للشمس وَيُقَال أَن أسقليبيوس هُوَ الَّذِي أوضع هَذَا الهيكل وَيعرف بهيكل أسقليبيوس وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك أَن جالينوس قَالَ فِي كِتَابه فِي فينكس إِن الله عز اسْمه لما خلصني من دبيلة قتالة كَانَت عرضت لي حججْت إِلَى بَيته الْمُسَمّى بهيكل أسقليبيوس وَقَالَ جالينوس فِي كِتَابه حِيلَة الْبُرْء فِي صدر الْكتاب مِمَّا يجب أَن يُحَقّق الطِّبّ عِنْد الْعَامَّة مَا يرونه من الطِّبّ الإلهي فِي هيكل أسقليبيوس على مَا حَكَاهُ هروسيس صَاحب الْقَصَص بَيت كَانَ بِمَدِينَة رُومِية كَانَت فِيهِ صُورَة تكلمهم عِنْدَمَا يسألونها وَكَانَ المستنبط لَهَا فِي الْقَدِيم أسقليبيوس وَزعم مجوس رُومِية أَن تِلْكَ الصُّورَة كَانَت مَنْصُوبَة على حركات نجومية وَإنَّهُ كَانَ فِيهَا روحانية كَوْكَب من الْكَوَاكِب السَّبْعَة وَكَانَ دين النَّصْرَانِيَّة فِي رُومِية قبل عبَادَة النُّجُوم كَذَا حكى هروسيس وَذكر جالينوس أَيْضا فِي مَوَاضِع كَثِيرَة أَن طب أسقليبيوس كَانَ طِبًّا إلهيا وَقَالَ إِن قِيَاس الطِّبّ الإلهي إِلَى طبنا قِيَاس طبنا إِلَى طب الطرقات وَذكر أَيْضا فِي حق أسقليبيوس فِي كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي الْحَث على تعلم صناعَة الطِّبّ أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى أسقليبيوس إِنِّي إِلَى أَن أسميك ملكا أقرب مِنْك إِلَى أَن أسميك إنْسَانا وَقَالَ أبقراط إِن الله تَعَالَى رَفعه إِلَيْهِ فِي الْهَوَاء فِي عَمُود من نور وَقَالَ غَيره أَن أسقليبيوس كَانَ مُعظما عِنْد اليونانيين وَكَانُوا يستشفون بقبره وَيُقَال إِنَّه كَانَ يسرج على قَبره كل لَيْلَة ألف قنديل وَكَانَ الْمُلُوك من نَسْله تَدعِي لَهُ النُّبُوَّة

стр. 20

وَذكر أفلاطون فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالنواميس عَن أسقليبيوس أَشْيَاء عدَّة من أخباره بمغيبات وحكايات عَجِيبَة ظَهرت عَنهُ بتأييد إلهي وشاهدها النَّاس كَمَا قَالَه وَأخْبر بِهِ وَقَالَ فِي الْمقَالة الثَّالِثَة من كتاب السياسة إِن أسقليبيوس كَانَ هُوَ وَأَوْلَاده عَالمين بالسياسة وَكَانَ أَوْلَاده جندا فرهة وَكَانُوا عَالمين بالطب وَقَالَ إِن أسقليبيوس كَانَ يرى أَن من كَانَ بِهِ مرض يبرأ مِنْهُ عالجه وَمن كَانَ مَرضه قَاتلا لم يطلّ حَيَاته الَّتِي لَا تَنْفَعهُ وَلَا تَنْفَع غَيره أَي يتْرك علاجه لَهُ وَقَالَ الْأَمِير أَبُو الْوَفَاء المبشر بن فاتك فِي كتاب مُخْتَار الحكم ومحاسن الْكَلم إِن أسقليبيوس هَذَا كَانَ تلميذ هرمس وَكَانَ يُسَافر مَعَه فَلَمَّا خرجا من بِلَاد الْهِنْد وجاءا إِلَى فَارس خَلفه بِبَابِل ليضبط الشَّرْع فيهم قَالَ وَأما هرمس هَذَا فَهُوَ هرمس الأول وَلَفظه أرمس وَهُوَ اسْم عُطَارِد وَيُسمى عِنْد اليونانيين أطرسمين وَعند الْعَرَب إِدْرِيس وَعند العبرانيين أَخْنُوخ وَهُوَ ابْن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شِيث بن آدم ﵈ ومولده بِمصْر فِي مَدِينَة منف مِنْهَا قَالَ وَكَانَت مدَّته على الأَرْض اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة وَقَالَ غَيره ثَلَاثمِائَة وخمسا وَسِتِّينَ سنة قَالَ المبشر ابْن فاتك وَكَانَ ﵇ رجلا آدم اللَّوْن تَامّ الْقَامَة أجلح حسن الْوَجْه كث اللِّحْيَة مليح التخاطيط تَامّ الباع عريض الْمَنْكِبَيْنِ ضخم الْعِظَام قَلِيل اللَّحْم براق الْعين أكحل متأنيا فِي كَلَامه كثير الصمت سَاكن الْأَعْضَاء إِذا مَشى أَكثر نظره إِلَى الأَرْض كثير الفكرة بِهِ حِدة وعبسة يُحَرك إِذا تكلم سبابته وَقَالَ غَيره إِن أسقليبيوس كَانَ قبل الطوفان الْكَبِير وَهُوَ تلميذ أغاثوذيمون الْمصْرِيّ وَكَانَ أغاثوذيمون أحد أَنْبيَاء اليونانيين والمصرين وَتَفْسِير أغاثوذيمون السعيد الْجد وَكَانَ أسقليبيوس هَذَا هُوَ البادئ بصناعة الطِّبّ فِي اليونانيين علمهَا بنيه وحذر عَلَيْهِم أَن يعلموها الغرباء وَأما أَبُو معشر الْبَلْخِي المنجم فَإِنَّهُ ذكر فِي كتاب الألوف إِن أسقليبيوس هَذَا لم يكن بالمتأله الأول فِي صناعَة الطِّبّ وَلَا بالمبتدئ بهَا بل أَنه عَن غَيره أَخذ وعَلى نهج من سبقه سلك وَذكر أَنه كَانَ تلميذ هرمس الْمصْرِيّ وَقَالَ إِن الهرامسة كَانُوا ثَلَاثَة أما هرمس الأول وَهُوَ المثلث بِالنعَم فَإِنَّهُ كَانَ قبل الطوفان وَمعنى هرمس لقب كَمَا يُقَال قَيْصر وكسرى وتسميه الْفرس فِي سَيرهَا اللهجد وَتَفْسِيره ذُو عدل وَهُوَ الَّذِي تذكر الحرانية

стр. 21

نبوته وتذكر الْفرس أَن جده كيومرث وَهُوَ آدم وَيذكر العبرانيون أَنه أَخْنُوخ وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ إِدْرِيس قَالَ أَبُو معشر هُوَ أول من تكلم فِي الْأَشْيَاء العلوية من الحركات النجومية وَأَن جده كيومرث وَهُوَ آدم علمه سَاعَات اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ أول من بنى الهياكل ومجد الله فِيهَا وَأول من نظر فِي الطِّبّ وَتكلم فِيهِ وَأَنه ألف لأهل زَمَانه كتبا كَثِيرَة بأشعار موزونة وقواف مَعْلُومَة بلغَة أهل زَمَانه فِي معرفَة الْأَشْيَاء الأرضية والعلوية وَهُوَ أول من أنذر بالطوفان وَرَأى أَن آفَة سَمَاوِيَّة تلْحق الأَرْض من المَاء وَالنَّار وَكَانَ مَسْكَنه صَعِيد مصر تخير ذَلِك فَبنى هُنَاكَ الأهرام وَمَدَائِن التُّرَاب وَخَافَ ذهَاب الْعلم بالطوفان فَبنى البرابي وَهُوَ الْجَبَل الْمَعْرُوف بالبرابر بأخميم وصور فِيهَا جَمِيع الصناعات وصناعها نقشا وصور جَمِيع آلَات الصناع وَأَشَارَ إِلَى صِفَات الْعُلُوم لمن بعده برسوم حرصا مِنْهُ على تخليد الْعُلُوم لمن بعده وخيفة أَن يذهب رسم ذَلِك من الْعَالم وَثَبت فِي الْأَثر الْمَرْوِيّ عَن السّلف أَن إِدْرِيس أول من درس الْكتب وَنظر فِي الْعُلُوم وَأنزل الله عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ صحيفَة وَهُوَ أول من خاط الثِّيَاب ولبسها وَرَفعه الله مَكَانا عليا وَأما هرمس الثَّانِي فَإِنَّهُ من أهل بابل سكن مَدِينَة الكلدانيين وَهِي بابل وَكَانَ بعد الطوفان فِي زمن نزيربال الَّذِي هُوَ أول من بنى مَدِينَة بابل بعد نمْرُود بن كوش وَكَانَ بارعا فِي علم الطِّبّ والفلسفة وعارفا بطبائع الْأَعْدَاد وَكَانَ تِلْمِيذه فيثاغورس الأرتماطيقي وهرمس هَذَا جدد من علم الطِّبّ والفلسفة وَعلم الْعدَد مَا كَانَ قد درس بالطوفان بِبَابِل ومدينة الكلدانيين هَذِه مَدِينَة الفلاسفة من أهل الْمشرق وفلاسفتهم أول من حدد الْحُدُود ورتب القوانين وَأما هرمس الثَّالِث فَإِنَّهُ سكن مَدِينَة مصر وَكَانَ بعد الطوفان وَهُوَ صَاحب كتاب الْحَيَوَانَات ذَوَات السمُوم وَكَانَ طَبِيبا فيلسوفا وعالما بطبائع الْأَدْوِيَة القتالة والحيوانات المؤذية وَكَانَ جوالا فِي الْبِلَاد طَوافا بهَا عَالما بنصبة الْمَدَائِن وطبائعها وطبائع أَهلهَا وَله كَلَام حسن فِي صناعَة الكيمياء نَفِيس يتَعَلَّق مِنْهُ إِلَى صناعات كَثِيرَة كالزجاج والخرز والغضار وَمَا أشبه ذَلِك وَكَانَ لَهُ

стр. 22

تلميذ يعرف بأسقليبيوس وَكَانَ مَسْكَنه بِأَرْض الشَّام رَجَعَ الْكَلَام إِلَى ذكر أسقليبيوس وَبلغ من أَمر أسقليبيوس أَن أَبْرَأ المرضى الَّذين يئس النَّاس من برئهم وَلما شَاهده النَّاس من أَفعاله ظن الْعَامَّة أَنه يحيي الْمَوْتَى وَأنْشد فِيهِ شعراء اليونانيين الْأَشْعَار العجيبة وضمنوها أَنه يحيي الْمَوْتَى وَيرد كل من مَاتَ إِلَى الدُّنْيَا وَزَعَمُوا أَن الله تَعَالَى رَفعه إِلَيْهِ تكرمة لَهُ وإجلالا وصيره فِي عديد الْمَلَائِكَة وَيُقَال أَنه إِدْرِيس ﵇ وَقَالَ يحيى النَّحْوِيّ إِن أسقليبيوس عَاشَ تسعين سنة مِنْهَا صبي وَقبل أَن تفتتح لَهُ الْقُوَّة الإلهية خمسين سنة وعالم معلم أَرْبَعِينَ سنة وَخلف ابْنَيْنِ ماهرين فِي صناعَة الطِّبّ وعهد إِلَيْهِمَا أَن لَا يعلمَا الطِّبّ إِلَّا لأولادهما وَأهل بَيته وَأَن لَا يدخلا فِي صناعَة الطِّبّ غَرِيبا وعهد إِلَى من يَأْتِي بعده كَذَلِك وَأمرهمْ بأمرين أَحدهمَا أَن يسكنوا وسط الْمَعْمُور من أَرض اليونانيين وَذَلِكَ فِي ثَلَاث جزائر مِنْهَا قو جَزِيرَة أبقراط وَالثَّانِي أَن لَا تخرج صناعَة الطِّبّ إِلَى الغرباء بل يعلمهَا الْآبَاء الْأَبْنَاء وَكَانَ ابْنا أسقليبيوس مَعَ أغاممنون لما سَار لفتح طرياس وَكَانَ يكرمهما غَايَة الْكَرَامَة ويشرفهما لعلو مَحلهمَا فِي الْعلم وَمن خطّ ثَابت بن قُرَّة الْحَرَّانِي لما ذكر البقارطة قَالَ وَيُقَال إِنَّه كَانَ فِي جَمِيع أقاليم الأَرْض لأسقليبيوس اثْنَا عشر ألف تلميذ وَإنَّهُ كَانَ يعلم الطِّبّ مشافهة وَكَانَ آل أسقليبيوس يتوارثون صناعَة الطِّبّ إِلَى أَن تضعضع الْأَمر فِي صناعَة الطِّبّ على زمن بقراط وَرَأى أَن أهل بَيته وشيعته قد قلوا وَلم يَأْمَن أَن تنقرض الصِّنَاعَة فابتدأ فِي تأليف الْكتب على جِهَة الإيجاز وَقد ذكر جالينوس فِي تَفْسِيره لكتاب إِيمَان أبقراط وَعَهده من أَمر أسقليبيوس مَا هَذَا نَصه قَالَ الَّذِي تناهى إِلَيْنَا من قصَّة أسقليبيوس قَولَانِ أَحدهمَا لغز وَالْآخر طبيعي أما اللغز فَيذْهب فِيهِ إِلَى أَنه قُوَّة من قوى الله ﵎ واشتق لَهَا هَذَا الِاسْم من فعلهَا وَهُوَ

стр. 23

منع اليبس قَالَ حنين لما كَانَ الْمَوْت إِنَّمَا يعرض عِنْد غَلَبَة اليبس وَالْبرد وَكَانَ هَذَانِ جَمِيعًا يخفقان الْبدن الْمَيِّت سميت بِهَذَا السَّبَب المهنة الَّتِي تحفظ على الْأَبدَان الْقَائِمَة حَرَارَتهَا ورطوبتها كَيْمَا تلبث على الْحَيَاة باسم يدل على عدمان اليبس وَقَالَ جالينوس فَيَقُولُونَ أَنه ابْن أفوللن وَابْن فلاغواس وقورونس مهديته وَأَنه مركب من مائت وَغير قَابل للْمَوْت فيدلون بِهَذَا القَوْل على أَن عنايته بِالنَّاسِ لِأَنَّهُ من جنسه وَأَن لَهُ طبيعة لَا تَمُوت أفضل من طبيعة الْإِنْسَان وَإِنَّمَا اشتق لَهُ الشَّاعِر هَذَا الِاسْم أَعنِي أسقليبيوس من أَعمال الطِّبّ وَأما قَوْلهم أَنه ابْن فلاغواس فَلِأَن هَذَا الِاسْم مُشْتَقّ من اسْم اللهيب أَعنِي ابْن الْقُوَّة الملهبة الحيوانية قَالَ حنين إِنَّمَا سمي بِهَذَا الِاسْم لِأَن الْحَيَاة تكون بِحِفْظ الْحَرَارَة الغريزية الَّتِي فِي الْقلب والكبد اشتق لَهَا اسْم من اللهيب لِأَنَّهَا من جنس النَّار قَالَ جالينوس وَأما قَوْلهم أَنه ابْن قورونس فَلِأَن هَذَا الِاسْم مُشْتَقّ من الشِّبَع واستفادة الصِّحَّة قَالَ حنين إِنَّمَا سمي بِهَذَا الِاسْم ليدل على أَن الشِّبَع من الطَّعَام وَالشرَاب إِنَّمَا يتم للْإنْسَان بصناعة الطِّبّ إِذا انهضم طَعَامه لِأَن حفظ الصِّحَّة إِنَّمَا يكون بِهَذِهِ المهنة وَكَذَلِكَ أَيْضا ردهَا إِذا زَالَت قَالَ جالينوس وَأما قَوْلهم أَنه ابْن أفوللن فَلِأَن الطَّبِيب يحْتَاج أَن يكون مَعَه شَيْء من التهكن لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْوَاجِب أَن يَخْلُو الطَّبِيب الْفَاضِل من معرفَة الْأَشْيَاء الْحَادِثَة فِيمَا بعد قَالَ حنين يَعْنِي تقدمة الْمعرفَة الطبية قَالَ جالينوس وَقد آن لنا أَيْضا أَن نتكلم فِي صُورَة أسقليبيوس وثيابه وتمكنه وَذَلِكَ أَن الْأَقَاوِيل الَّتِي نجدها مَكْتُوبَة فِي تألهه إِنَّمَا تلِيق بالخرافات لَا بِالْحَقِّ وَمن الْمَشْهُور من أمره أَنه رفع إِلَى الْمَلَائِكَة فِي عَمُود من نَار كَمَا يُقَال فِي ديونوسس وأيرقليس وَسَائِر من أشبههما مِمَّن عني بنفع النَّاس واجتهد فِي ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ يُقَال أَن الله ﵎ فعل بأسقليبيوس وَسَائِر من أشبهه هَذَا الْفِعْل كَيْمَا يفني الْجُزْء الْمَيِّت الأرضي مِنْهُ بالنَّار ثمَّ يجتذب بعد ذَلِك جزءه الَّذِي لَا يقبل الْمَوْت وَيرْفَع نَفسه إِلَى السَّمَاء قَالَ حنين جالينوس فِي هَذَا الْموضع يبين كَيفَ يكون تشبه الْإِنْسَان بِاللَّه ﵎ وَذَلِكَ أَنه يَقُول إِن الْإِنْسَان إِذا أباد شهواته الجسمانية بِنَار الصَّبْر والإمساك عَنْهَا وَهِي الَّتِي يُرِيد بهَا جزءه الْمَيِّت الأرضي وزين نَفسه الناطقة بعد النَّفْي من هَذِه الشَّهَوَات بالفضائل وَهِي الَّتِي يُرِيد بهَا الِارْتفَاع إِلَى السَّمَاء كَانَ شَبِيها بِاللَّه ﵎ قَالَ جالينوس وَأما صورته فصورة رجل ملتح متزين بجمة ذَات ذوائب وَمِمَّا يبْحَث من

стр. 24

أَمر السَّبَب فِي تَصْوِيره ملتحيا وَتصير أَبِيه أَمْرَد فبعض النَّاس يَقُول إِنَّه صور وصيغ بِهَذِهِ الْحَال لِأَنَّهُ فِي وَقت مَا أصعده الله إِلَيْهِ كَانَ كَذَلِك وَالْبَعْض قَالَ إِن السَّبَب فِي ذَلِك أَن صناعته تحْتَاج إِلَى الْعِفَّة والشيخوخة وَبَعض النَّاس قَالَ إِن السَّبَب فِي تجاوزه فِي الحذق بصناعة الطِّبّ أَبَاهُ وَإِذا تأملته وجدته قَائِما متشمرا مَجْمُوع الثِّيَاب فَيدل بِهَذَا الشكل على أَنه يَنْبَغِي للأطباء أَن يتفلسفوا فِي جَمِيع الْأَوْقَات وَترى الْأَعْضَاء مِنْهُ الَّتِي يستحى من تكشفها مستورة والأعضاء الَّتِي يحْتَاج إِلَى اسْتِعْمَال الصِّنَاعَة بهَا معراة مكشوفة ويصور آخِذا بِيَدِهِ عَصا معوجة ذَات شعب من شَجَرَة الخطمي فَيدل بذلك على أَنه يُمكن فِي صناعَة الطِّبّ أَن يبلغ بِمن استعملها من السن أَن يحْتَاج إِلَى عَصا يتكئ عَلَيْهَا أَو لِأَن من أعطَاهُ الله ﵎ بعض العطايا يؤهل لإعطاء عَصا بِمَنْزِلَة مَا وهب لإيفاسطس وزوس وهرمس وبهذه الْعَصَا نجد زوس يقر أعين من يحب من النَّاس فينبه بهَا أَيْضا النيام وَأما تصويرهم تِلْكَ الْعَصَا من شَجَرَة الخطمي فَلِأَنَّهُ يطرد وينفي كل مرض قَالَ حنين نَبَات الخطمي لما كَانَ دَوَاء يسخن إسخانا معتدلا تهَيَّأ فِيهِ أَن يكون علاجا كثير الْمَنَافِع إِذا اسْتعْمل مُفردا وَحده وَإِذا خلط بمواد أخر مَا أسخن مِنْهُ أَو مَا أبرد كَمَا بَين ذَلِك ديسقوريدس وَسَائِر من تكلم فِيهِ وَلِهَذَا السَّبَب نجد اسْمه فِي اللِّسَان اليوناني مشتقا من اسْم العلاجات وَذَلِكَ أَنهم يدلون بِهَذَا الِاسْم على أَن الخطمي فِيهِ مَنَافِع كَثِيرَة وَقَالَ جالينوس وَأما إعوجاجها وَكَثْرَة شعبها فتدل على كَثْرَة الْأَصْنَاف والتفنن الْمَوْجُود فِي صناعَة الطِّبّ وَلنْ نجدهم أَيْضا تركُوا تِلْكَ الْعَصَا بِغَيْر زِينَة وَلَا تهيئة لكِنهمْ صوروا عَلَيْهَا صُورَة حَيَوَان طَوِيل الْعُمر ملتف عَلَيْهَا وَهُوَ التنين وَيقرب هَذَا الْحَيَوَان من أسقليبيوس لأسباب كَثِيرَة أَحدهَا أَنه حَيَوَان حاد النّظر كثير السهر لَا ينَام فِي وَقت من الْأَوْقَات وَقد يَنْبَغِي لمن قصد تعلم صناعَة الطِّبّ أَن لَا يتشاغل عَنْهَا بِالنَّوْمِ وَيكون فِي غَايَة الذكاء ليمكنه أَن يتَقَدَّم فينذر بِمَا هُوَ حَاضر وَبِمَا من شَأْنه أَن يحدث وَذَلِكَ أَنَّك تَجِد أبقراط يُشِير بِهَذَا الْفِعْل فِي قَوْله إِنِّي أرى أَنه من أفضل الْأُمُور أَن يسْتَعْمل الطَّبِيب سَابق النّظر وَذَلِكَ أَنه إِذا سبق فَعلم وَتقدم فَأَنْذر المرضى بالشَّيْء الْحَاضِر مِمَّا بهم وَمَا مضى وَمَا يسْتَأْنف وَقد يُقَال أَيْضا فِي تَصْوِير التنين على الْعَصَا الماسك لَهَا أسقليبيوس قَول آخر وَهُوَ هَذَا قَالُوا هَذَا الْحَيَوَان أَعنِي التنين طَوِيل الْعُمر جدا حَتَّى إِن حَيَاته يُقَال أَنَّهَا الدَّهْر كُله وَقد يُمكن فِي المستعملين لصناعة الطِّبّ أَن تطول أعمارهم من ذَلِك أَنا نجد ديموقريطس وأيرودوطس عِنْدَمَا استعملوا الْوَصَايَا الَّتِي تَأمر بهَا صناعَة الطِّبّ طَالَتْ حياتهم جدا فَكَمَا أَن هَذَا الْحَيَوَان أَعنِي التنين

стр. 25

يسلخ عَنهُ لِبَاسه الَّذِي يُسَمِّيه اليونانيون الشيخوخة كَذَلِك أَيْضا قد يُمكن النَّاس بِاسْتِعْمَال صناعَة الطِّبّ إِذا سلخوا عَنْهُم الشيخوخة الَّتِي تفيدهم إِيَّاهَا الْأَمْرَاض أَن يستفيدوا الصِّحَّة وَإِذا صوروا أسقليبيوس جعل على رَأسه إكليل متخذ من شجر الْغَار لِأَن هَذِه الشَّجَرَة تذْهب بالحزن وَلِهَذَا نجد هرمس إِذْ سمي المهيب كلل بِمثل هَذَا الإكليل فَإِن الْأَطِبَّاء يَنْبَغِي لَهُم أَن يصرفوا عَنْهُم الأحزان كَذَلِك كلل اسقليبوس بإكليل يذهب بالحزن أَو لِأَن الإكليل كَانَ يعم صناعَة الطِّبّ وَالْكهَانَة رَأَوْا أَنه يَنْبَغِي أَن يكون الإكليل الَّذِي يتكلل بِهِ الْأَطِبَّاء والمتكهنون إكليلا وَاحِدًا بِعَيْنِه أَو لِأَن هَذِه الشَّجَرَة أَيْضا فِيهَا قُوَّة تشفي الْأَمْرَاض من ذَلِك إِنَّك تجدها إِذا ألقيت فِي بعض الْمَوَاضِع هربت من ذَلِك الْموضع الْهَوَام ذَوَات السمُوم وَكَذَلِكَ أَيْضا النبت الْمُسَمّى قونورا وَثَمَرَة هَذِه الشَّجَرَة أَيْضا وَهِي الَّتِي تسمى حب الْغَار إِذا مرخ بهَا الْبدن فعلت فِيهِ شَبِيها بِفعل الْجند بيدستر وَإِذا صوروا ذَلِك التنين جعلُوا بِيَدِهِ بيضه يومون بذلك إِلَى أَن هَذَا الْعَالم كُله يحْتَاج إِلَى الطِّبّ وَمِثَال الْكل مِثَال الْبَيْضَة وَقد يَنْبَغِي لنا أَن نتكلم أَيْضا فِي الذَّبَائِح الَّتِي تذبح باسم أسقليبيوس تقربا إِلَى الله ﵎ فَنَقُول أَنه لم يُوجد أحد قرب لله قربانا باسم أسقليبيوس فِي وَقت من الْأَوْقَات شَيْئا من الماعز وَذَلِكَ لِأَن شعر هَذَا الْحَيَوَان لَا يسهل غزله بِمَنْزِلَة الصُّوف وَمن أَكثر من لَحْمه سهل وُقُوعه فِي أمراض الصرع لِأَن الْغذَاء الْمُتَوَلد عَنهُ رَدِيء الكيموس مجفف غليظ حريف يمِيل إِلَى الدَّم السوداوي قَالَ جالينوس بل إِنَّمَا نجد النَّاس يقربون إِلَى الله ﵎ باسم أسقليبيوس ديكة ويروون أَيْضا أَن سقراط قرب لَهُ هَذِه الذَّبِيحَة فبهذه الْحَال علم هَذَا الرجل الإلهي النَّاس صناعَة الطِّبّ قنية ثَابِتَة أفضل كثيرا من الْأَشْيَاء الَّتِي استخرجها ديونوسس وديميطر قَالَ حنين يَعْنِي باستخراج ديونوسس الْخمر وَذَلِكَ أَن اليونانيين يرَوْنَ أَن أول من استخرج الْخمر ديونوسس ويومي الشُّعَرَاء بِهَذَا الِاسْم إِلَى الْقُوَّة الَّتِي إِذا غيرت المَاء فِي الكرمة أعدته ليَكُون الْخمْرَة وَالسُّرُور الْمُتَوَلد عَنْهَا فِي شرابها وَأما اسْتِخْرَاج ديميطر فالخبز وَسَائِر الْحُبُوب الَّتِي يتَّخذ مِنْهَا وَلِهَذَا نجدهم يسمون هَذِه الْحُبُوب بِهَذَا الِاسْم وَقد تسمي الشُّعَرَاء بِهَذَا الِاسْم أَيْضا الأَرْض المخرجة للحبوب وَأما اسْتِخْرَاج أسقليبيوس فيعني بِهِ الصِّحَّة وَهِي الَّتِي لَا يُمكن دونهَا أَن يفتني شَيْء من الْأَشْيَاء الَّتِي ينْتَفع بهَا أَو يلتذ قَالَ جالينوس وَذَلِكَ أَن مَا استخرجه هَذَانِ لَا ينْتَفع بِهِ مَا لم يكن اسْتِخْرَاج أسقليبيوس مَوْجُودا وَأما صُورَة الْكُرْسِيّ الَّذِي يقْعد عَلَيْهِ أسقليبيوس فصورة الْقُوَّة الَّتِي تستفاد بهَا الصِّحَّة وَهِي أشرف

стр. 26

القوى كَمَا قَالَ بعض الشُّعَرَاء وَذَلِكَ إِنَّا نجد الشُّعَرَاء بأجمعهم يمدحون هَذِه الْقُوَّة ويمجدونها أما أحدهم فَفِي قَوْله إِنَّهَا الْمُتَقَدّمَة فِي الشّرف على جَمِيع الْأَبْرَار فِي خيرك أكون بَاقِي حَياتِي وَأما شَاعِر آخر فَقَالَ إِنَّهَا الْمُتَقَدّمَة فِي الشّرف على جَمِيع الْأَبْرَار إياك أسأَل أَن أؤهل قبل جَمِيع الْخيرَات وَبِالْجُمْلَةِ فَقَوْل الْقَائِل أَي الْخيرَات من الْيَسَار أَو الْأَبْنَاء أَو الْملك يتساوى فِي الْقُوَّة عِنْد سَائِر النَّاس أَلَيْسَ كُله شَيْئا إِنَّمَا يكون ناصرا ملتذا لِلْخَيْرَاتِ بِسَبَب الصِّحَّة إِنَّهَا الْبرة المؤهلة لهَذَا الِاسْم وَإِنَّمَا ذَلِك لِأَن الصِّحَّة خير فِي غَايَة التَّمام لَا متوسط فِيهَا بَين الْخَيْر وَالشَّر وَلَا فِي الدرجَة الثَّانِيَة من الْخَيْر كَمَا ظن قوم من الفلاسفة وهم المعروفون بالمشائين وبأصحاب المظلة وَذَلِكَ أَن شرف سَائِر الْفَضَائِل الَّتِي يعْنى بهَا النَّاس عناية بَالِغَة فِي جَمِيع أَيَّام حياتهم إِنَّمَا هِيَ بِسَبَب الصِّحَّة من ذَلِك إِنَّا نجد من رام أَن يبين شجاعة وَشدَّة ومحاربة للأعداء ودفعهم عَن الْأَوْلِيَاء جهادا دونهم إِنَّمَا يفعل ذَلِك بِاسْتِعْمَالِهِ قُوَّة الْبدن وَاسْتِعْمَال الْإِنْسَان الْعدْل بِأَن يُعْطي كل ذِي حق حَقه وَيفْعل كل مَا يحب أَن يفعل ويحفظ النواميس ويصحح فِي كل مَا يرَاهُ ويفعله لَا يُمكن أَن يتم خلوا من الصِّحَّة وَسبب الْخَلَاص أَيْضا إِنَّمَا يرى أَن تَمَامه إِنَّمَا يكون بِالصِّحَّةِ وَذَلِكَ أَنه بِمَنْزِلَة الْمَوْلُود عَنْهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَأَي النَّاس رام أَن يَقُول بِسَبَب اعْتِقَاد رَأْي من الآراء وإقناع بَاطِل مموه أَن قَصده لَيْسَ هُوَ اقتناء الصِّحَّة فَإِنَّمَا ذَلِك القَوْل مِنْهُ بِلِسَانِهِ فَقَط فَإِذا أقرّ بِالْحَقِّ قَالَ إِن الصِّحَّة بِالْحَقِيقَةِ هِيَ الْخَيْر الَّذِي فِي غَايَة التَّمام فَهَذِهِ الْقُوَّة أَولهَا النَّاس أَن تكون كرسيا للْإنْسَان الْمُدبر لصناعة الطِّبّ وَاسم هَذِه الْقُوَّة أَيْضا مُشْتَقّ على الْحَقِيقَة وَذَلِكَ أَن اسْمهَا فِي اللِّسَان اليوناني مُشْتَقّ من اسْم الرُّطُوبَة لِأَن الصِّحَّة إِنَّمَا تتمّ لنا بالرطوبة كَمَا دلّ على ذَلِك فِي بعض الْمَوَاضِع أحد الشُّعَرَاء فِي قَوْله الْإِنْسَان الرطب وَإِذا تَأَمَّلت صُورَة أسقليبيوس وجدته قَاعِدا مُتكئا على رجال مصورين حوله وَذَلِكَ وَاجِب لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يكون ثَابتا لَا يَزُول من بَين النَّاس ويصور عَلَيْهِ تنين ملتف حوله وَقد خبرت سَبَب ذَلِك فِيمَا تقدم وَمن الْآدَاب وَالْحكم الَّتِي لأسقليبيوس مِمَّا ذكره الْأَمِير أَبُو الْوَفَاء المبشر بن فاتك فِي كتاب مُخْتَار الحكم ومحاسن الْكَلم قَالَ أسقليبيوس من عرف الْأَيَّام لم يغْفل الاستعداد وَقَالَ

стр. 27

أَن أحدكُم بَين نعْمَة من بارئه وَبَين ذَنْب عمله وَمَا يصلح هَاتين الْحَالَتَيْنِ إِلَّا الْحَمد للمنعم وَالِاسْتِغْفَار من الذَّنب وَقَالَ كم من دهر ذممتموه فَلَمَّا صرتم إِلَى غَيره حمدتموه وَكم من أَمر أبغضت أَوَائِله وبكي عِنْد أواخره عَلَيْهِ وَقَالَ المتعبد بِغَيْر معرفَة كحمار الطاحون يَدُور وَلَا يبرح وَلَا يدْرِي مَا هُوَ فَاعل وَقَالَ فَوت الْحَاجة خير من طلبَهَا إِلَى غير أَهلهَا وَقَالَ إِعْطَاء الْفَاجِر تَقْوِيَة لَهُ على فجوره والصنيعة عِنْد الكفور إِضَاعَة للنعمة وَتَعْلِيم الْجَاهِل ازدياد فِي الْجَهْل وَمَسْأَلَة اللَّئِيم إهانة للعرض وَقَالَ إِنِّي لأعجب مِمَّن يحتمي من المآكل الرَّديئَة مَخَافَة الضَّرَر وَلَا يدع الذُّنُوب مَخَافَة الْآخِرَة وَقَالَ اكثروا من الصمت فَإِنَّهُ سَلامَة من المقت واستعملوا الصدْق فَإِنَّهُ زين النُّطْق وَقيل لَهُ صف لنا الدُّنْيَا فَقَالَ أمس أجل وَالْيَوْم عمل وَغدا أمل وَقَالَ المشفق عَلَيْكُم يسيء الظَّن بكم والزاري عَلَيْكُم كثير العتب لكم وَذُو الْبغضَاء لكم قَلِيل النصحية لكم وَقَالَ سَبِيل من لَهُ دين ومروءة أَن يبْذل لصديقه نَفسه وَمَاله وَلمن يعرفهُ طلاقة وَجهه وَحسن محضره ولعدوه الْعدْل وَأَن يتصاون عَن كل حَال يعيب أيلق وَيُقَال لَهُ أَيْلَة قَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل إِن هَذَا أول حَكِيم تكلم فِي الطِّبّ بِبَلَد الرّوم وَالْفرس وَهُوَ أول من استنبط كتاب الإغريقي لهيامس الْملك وَتكلم فِي الطِّبّ وقاسه وَعمل بِهِ وَكَانَ بعد مُوسَى ﵊ فِي زمَان بذاق الْحَاكِم وَله أثار عَظِيمَة وأخبار شنيعة وَهُوَ يعد فِي كَثْرَة الْعَجَائِب كأسقليبيوس

стр. 28

الْبَاب الثَّالِث طَبَقَات الْأَطِبَّاء اليونانيين الَّذِي هم من نسل أسقليبيوس وَذَلِكَ أَن أسقليبيوس كَمَا ذكرنَا أَولا لما حصلت لَهُ معرفَة صناعَة الطِّبّ بالتجربة وَبقيت عِنْده أُمُور مِنْهَا وَشرع فِي تعليمها لأولاده وأقاربه عهد إِلَيْهِم أَلا يعلمُوا هَذِه الصِّنَاعَة لأحد إِلَّا لأولادهم وَلمن هُوَ من نسل أسقليبيوس لَا غير وَكَانَ الَّذِي خَلفه أسقليبيوس من التلاميذ من ولد وقرابة سِتَّة وهم ماغينس وسقراطون وخروسيس الطَّبِيب ومهراريس المكذوب عَلَيْهِ المزور نسبه فِي الْكتب الأولى وَأَنه لحق سُلَيْمَان بن دَاوُد وَهَذَا حَدِيث خرافة لِأَن بَينهمَا أُلُوف من السنين وموريدس وميساوس وَكَانَ كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ ينتحل رَأْي أستاذه أسقليبيوس وَهُوَ رَأْي التجربة إِذا كَانَ الطِّبّ إِنَّمَا خرج لَهُ بالتجربة وَلم يزل الطِّبّ ينْتَقل من هَؤُلَاءِ التلاميذ إِلَى من علموه من الْأَهْل إِلَى أَن ظهر غورس غورس هُوَ الثَّانِي من الْأَطِبَّاء الحذاق الْمَشْهُورين الَّذين أسقليبيوس أَوَّلهمْ على مَا ذكره يحيى النَّحْوِيّ وَذَلِكَ أَنه قَالَ الْأَطِبَّاء المشهورون الَّذين كَانَ يقْتَدى بهم فِي صناعَة الطِّبّ من اليونانيين على مَا تناهى إِلَيْنَا ثَمَانِيَة

стр. 29

وهم أسقليبيوس الأول وغورس وميتس و برمانيدس وأفلاطن الطَّبِيب وأسقليبيوس الثَّانِي وأبقراط وجالينوس وَكَانَت مُدَّة حَيَاة غورس سبعا وَأَرْبَعين سنة مِنْهَا صبي ومتعلم سبع عشرَة سنة وعالم معلم ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ مُنْذُ وَقت وَفَاة أسقليبيوس الأول إِلَى وَقت ظُهُور غورس ثَمَانمِائَة وَخمسين سنة وَكَانَ فِي هَذِه الفترة بَين أسقليبيوس وَبَين غورس من الْأَطِبَّاء الْمَذْكُورين سورندوس ومانيوس وساوثاوس ومسيساندس وسقوريدس الأول وسيقلوس وسيمرياس وأنطيماخس وقلغيموس وأغانيس وأيرقلس وأسطورس الطَّبِيب وَلما ظهر غورس نظر فِي رَأْي التجربة وَقواهُ وَخلف من التلاميذ من بَين ولد وَقَرِيب سَبْعَة وهم مرقس وجورجيس ومالسطس وفولس وماهالس وأراسطواطس الأول وسقيروس وَكَانَ كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ ينتحل رَأْي أستاذه وَهُوَ رَأْي التجربة وَلم يزل الطِّبّ ينْتَقل من هَؤُلَاءِ إِلَى من علموه من ولد وَقَرِيب إِلَى أَن ظهر مينس ومينس هُوَ الثَّالِث من الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين الثَّمَانِية الَّذين تقدم ذكرهم وَكَانَت مُدَّة حَيَاته أَرْبعا وَثَمَانِينَ سنة مِنْهَا صبي ومتعلم أَرْبعا وَسِتِّينَ سنة وعالم معلم عشْرين سنة وَكَانَ مُنْذُ وَقت وَفَاة غورس إِلَى ظُهُور مينس خَمْسمِائَة وَسِتِّينَ سنة وَكَانَ فِي هَذِه الفترة الَّتِي بَين غورس ومينس من الْأَطِبَّاء الْمَذْكُورين أبيقورس وسقوريدوس الثَّانِي وأخطيفون وأسقوريس وراوس واسفقلس وموطيمس وأفلاطن الأول الطَّبِيب وأبقراط الأول ابْن غنوسيديقوس وَلما ظهر مينس نظر فِي مقالات من تقدم فَإِذا التجربة خطأ عِنْده فضم إِلَيْهَا الْقيَاس وَقَالَ لَا يجب أَن تكون تجربة بِلَا قِيَاس لِأَنَّهَا تكون خطرا وَلما توفّي خلف من التلاميذ أَرْبَعَة وهم قطرطس وأمينس وسورانس ومثيناوس الْقَدِيم ورأي هَؤُلَاءِ الْقيَاس والتجربة وَلم يزل الطِّبّ ينْتَقل من هَؤُلَاءِ التلاميذ إِلَى من علموه وخلفوه إِلَى أَن ظهر برمانيدس وبرمانيدس هُوَ الرَّابِع من الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين الثَّمَانِية الَّذين تقدم ذكرهم وَكَانَت مُدَّة حَيَاته

стр. 30

أَرْبَعِينَ سنة مِنْهَا صبي ومتعلم خمْسا وَعشْرين سنة وكامل معلم خمس عشرَة سنة وَكَانَ مُنْذُ وَقت وَفَاة مينس إِلَى ظُهُور برمانيدس سَبْعمِائة وَخمْس عشرَة سنة وَكَانَ فِي هَذِه الفترة الَّتِي بَين مينس وبرمانيدس من الْأَطِبَّاء الْمَذْكُورين سمانس وغوانس وأبيقورس وأسطافنس وأنيقولس وساوارس وحوراطيمس وفولوس وسوانيديقوس وساموس ومثينانوس الثَّانِي وأفيطافلون وسوناخس وسويازيوس ومامالس وَلما ظهر برمانيدس قَالَ إِن التجربة وَحدهَا كَانَت أَو مَعَ الْقيَاس خطر فأسقطها وأنتحل الْقيَاس وَحده وَلما توفّي خلف من التلاميذ ثَلَاثَة نفر وهم ثاسلس وأفرن وديوفيلس فَوَقع بَينهم المنازعات وَالْخلف وانفصلوا ثَلَاث فرق فأدعى أفرن التجربة وَحدهَا وأدعى ديوفيلس الْقيَاس وَحده وأدعى ثاسلس الْحِيَل وَذكر أَن الطِّبّ إِنَّمَا هُوَ حِيلَة وَلم تزل هَذِه الْحَال بَينهم إِلَى أَن أظهر أفلاطن الطَّبِيب وأفلاطن الطَّبِيب هُوَ الْخَامِس من الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين الثَّمَانِية الَّذين تقدم ذكرهم وَكَانَت مُدَّة حَيَاته سِتِّينَ سنة مِنْهَا صبي ومتعلم أَرْبَعِينَ سنة وعالم معلم عشْرين سنة وَكَانَ مُنْذُ وَقت وَفَاة برمانيدس إِلَى ظُهُور أفلاطن سَبْعمِائة وَخمْس وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَ الْأَطِبَّاء المذكورون فِي هَذِه الفترة الَّتِي بَين برمانيدس وأفلاطن الطَّبِيب قد تقسموا ثَلَاثَة أَقسَام أَصْحَاب التجربة وهم أفرن الأقراغنطي وبنتخلس وأنقلس وفيلنبس وغافرطيمس والحسدروس وملسيس وَأَصْحَاب الْحِيَل وهم ماناخس وماساوس وغوريانس وغرغوريس وقونيس وَأَصْحَاب الْقيَاس وهم أنكساغورس وفولوطيمس وماخاخس وسقولوس وسوفورس وَلما ظهر أفلاطن نظر فِي هَذِه المقالات وَعلم أَن التجربة وَحدهَا رَدِيئَة وخطرة وَالْقِيَاس وَحده لَا يَصح فانتحل الرأيين جمعيا قَالَ يحيى النَّحْوِيّ وَإِن أفلاطون أحرق الْكتب الَّتِي ألفها ثاسلس وَأَصْحَابه وَمن انتحل رَأيا وَاحِدًا من التجربة وَالْقِيَاس وَترك الْكتب الْقَدِيمَة الَّتِي فِيهَا الرأيان جَمِيعًا وَأَقُول أَن يحيى النَّحْوِيّ فِيمَا ذكره من هَذِه الْكتب وَإِنَّهَا قد ألفت فَإِن كَانَ لَهَا حَقِيقَة

стр. 31

فَذَلِك يُنَافِي قَول من يرى أَن صناعَة الطِّبّ أول من دونهَا وأثبتها فِي الْكتب أبقراط إِذْ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذين قد ألفوا هَذِه الْكتب من قبل أبقراط بِمدَّة طَوِيلَة وَلما توفّي أفلاطن خلف من تلاميذه من أَوْلَاده وأقربائه سِتَّة وهم ميرونس وأفرده بالحكم على الْأَمْرَاض وفورونوس وأفرده بِالتَّدْبِيرِ للأبدان وفوراس وأفرده بالفصد والكي وثافرورس وأفرده بعلاج الْجِرَاحَات وسرجس وأفرده بعلاج الْعين وفانيس وأفرده بجبر الْعِظَام الْمَكْسُورَة وَإِصْلَاح المخلوعة وَلم يزل الطِّبّ يجْرِي أمره على سداد بَين هَؤُلَاءِ التلاميذ وَبَين من خلفوه إِلَى أَن ظهر أسقليبيوس الثَّانِي وأسقليبيوس الثَّانِي هُوَ السَّادِس من الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين الثَّمَانِية الَّذين تقدم ذكرهم وَكَانَت مُدَّة حَيَاته مائَة وَعشر سِنِين مِنْهَا صبي ومتعلم خمس عشرَة سنة وعالم ومعلم خمْسا وَتِسْعين سنة مِنْهَا عطل خمس سِنِين وَكَانَ مُنْذُ وَقت وَفَاة أفلاطن وَإِلَى ظُهُور أسقليبيوس الثَّانِي ألف وَأَرْبَعمِائَة وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ فِي هَذِه الفترة الَّتِي بَين أفلاطن وأسقليبيوس الثَّانِي من الْأَطِبَّاء الْمَذْكُورين ميلن الأقراغنطي وثامسيطوس الطَّبِيب وأقذتينوس وفرديقلوس وأندروماخس الْقَدِيم وَهُوَ أول من صنع الترياق وعاش أَرْبَعِينَ سنة وأيراقليدس الأول وعاش سِتِّينَ سنة وفلاغورس وعاش خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة وماخميس ونسطس وسيقورس وغالوس وماباطياس وأيرقلس الطَّبِيب وعاش مائَة سنة وماناطيس وفيثاغورس الطَّبِيب وعاش سبعين سنة ومارينوس وعاش مائَة سنة وَلما ظهر أسقليبيوس الثَّانِي نظر فِي الآراء الْقَدِيمَة فَوجدَ أَن الَّذِي يجب أَن يعْتَقد هُوَ رَأْي أفلاطن فانتحله ثمَّ توفّي وَخلف ثَلَاثَة تلاميذ من أهل بَيته لَا غَرِيب فيهم وَلَا طَبِيب سواهُم وهم أبقراط ابْن أيراقليدس وماغارينس وأرخس وَلم تمض عدَّة أشهر حَتَّى توفّي ماغارينس ولحقه أرخس وَبَقِي أبقراط وحيد دهره طَبِيبا كَامِل الْفَضَائِل تضرب بِهِ الْأَمْثَال الطَّبِيب الفيلسوف إِلَى أَن بلغ بِهِ الْأَمر إِلَى أَن عبد وَهُوَ الَّذِي قوى صناعَة الْقيَاس والتجربة تَقْوِيَة عَظِيمَة عَجِيبَة لَا يتهيأ لطاعن أَن يخلها وَلَا يهتكها وَعلم الغرباء الطِّبّ وجعلهم شَبِيها بأولاده لما خَافَ على الطِّبّ أَن يفنى ويبيد من الْعَالم كَمَا يتَبَيَّن أمره فِي هَذَا الْبَاب الَّذِي يَأْتِي

стр. 32

الْبَاب الرَّابِع طَبَقَات الْأَطِبَّاء اليونانيين الَّذين أذاع أبقراط فيهم صناعَة الطِّبّ أبقراط ولنبتدئ أَولا بِذكر شَيْء من أَخْبَار أبقراط على حيالها وَمَا كَانَ عَلَيْهِ من التأييد الإلهي وَنَذْكُر بعد ذَلِك جملا من أَمر الْأَطِبَّاء اليونانيين الَّذين أذاع أبقراط فيهم هَذِه الصِّنَاعَة وَإِن لم يَكُونُوا من نسل أسقليبيوس فَنَقُول أَن أبقراط على مَا تقدم ذكره وَهُوَ السَّابِع من الْأَطِبَّاء الْكِبَار الْمَذْكُورين الَّذين أسقليبيوس أَوَّلهمْ وأبقراط هُوَ من أشرف أهل بَيته وَأَعْلَاهُمْ نسبا وَذَلِكَ على مَا وجدته فِي بعض الْمَوَاضِع المنقولة من اليوناني أَنه أبقراط بن أيراقليدس بن أبقراط بن غنوسيديقوس بن نبروس بن سوسطراطس بن ثاوذروس بن قلاوموطاداس بن قريساميس الْملك فَهُوَ بالطبع الشريف الْفَاضِل نسبا لِأَنَّهُ التَّاسِع من قرياسميس الْملك وَالثَّامِن عشر من أسقليبيوس وَالْعشْرُونَ من زاوس وَأمه فركسيثا بنت فيناريطي من بَيت أيراقليس فَهُوَ من جِنْسَيْنِ فاضلين لِأَن أَبَاهُ من آل أسقليبيوس وَأمه من آل أيراقليس وَتعلم صناعَة الطِّبّ من أَبِيه أيراقليدس وَمن جده أبقراط وهما أسرا إِلَيْهِ أصُول صناعَة الطِّبّ وَكَانَت مُدَّة حَيَاة أبقراط خمْسا وَتِسْعين سنة مِنْهَا صبي ومتعلم سِتّ عشرَة سنة وعالم معلم تسعا وَسبعين سنة وَكَانَ مُنْذُ وَقت وَفَاة أسقليبيوس الثَّانِي وَإِلَى ظُهُور أبقراط سنتَيْن وَلما نظر أبقراط فِي صناعَة الطِّبّ وَخَافَ عَلَيْهَا أَن تنقرض عِنْدَمَا رأى أَنَّهَا قد بادت من أَكثر الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَ أسقليبيوس الأول أسس فِيهَا التَّعْلِيم وَذَلِكَ أَن الْمَوَاضِع الَّتِي يتَعَلَّم فِيهَا صناعَة الطِّبّ

стр. 33

كَانَت على مَا ذكره جالينوس فِي تَفْسِيره لكتاب الْإِيمَان لأبقراط ثَلَاثَة أَحدهَا بِمَدِينَة رودس وَالثَّانِي بِمَدِينَة قنيدس وَالثَّالِث بِمَدِينَة قو فَأَما التَّعْلِيم الَّذِي كَانَ بِمَدِينَة رودس فَإِنَّهُ باد بِسُرْعَة لِأَنَّهُ لم يكن لأربابه وَارِث وَأما الَّذِي كَانَ مِنْهُ بِمَدِينَة قنيدس فطفئ لِأَن الْوَارِثين لَهُ كَانُوا نَفرا يَسِيرا وَأما الَّذِي كَانَ مِنْهُ بِمَدِينَة قو وَهِي الَّتِي كَانَ يسكنهَا أبقراط فَثَبت وَبَقِي مِنْهُ بقايا يسيرَة لقلَّة الْوَارِثين لَهُ فَلَمَّا نظر أبقراط فِي صناعَة الطِّبّ ووجدها قد كَادَت أَن تبيد لقلَّة الْأَبْنَاء المتوارثين لَهَا من آل اسقليبيوس رأى أَن يذيعها فِي جَمِيع الأَرْض وينقلها إِلَى سَائِر النَّاس وَيعلمهَا الْمُسْتَحقّين لَهَا حَتَّى لَا تبيد وَقَالَ إِن الْجُود بِالْخَيرِ يجب أَن يكون على كل أحد يسْتَحقّهُ قَرِيبا كَانَ أَو بَعيدا وَاتخذ الغرباء وعلمهم هَذِه الصِّنَاعَة الجليلة وعهد إِلَيْهِم الْعَهْد الَّذِي كتبه وأحلفهم بالأيمان الْمَذْكُورَة فِيهِ أَن لَا يخالفوا مَا شَرطه عَلَيْهِم وَأَن لَا يعلمُوا هَذَا الْعلم أحدا إِلَّا بعد أَخذ هَذَا الْعَهْد عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن رضوَان كَانَت صناعَة الطِّبّ قبل أبقراط كنزا وذخيرة يكنزها الْآبَاء ويدخرونها للأبناء وَكَانَت فِي أهل بَيت وَاحِد مَنْسُوب إِلَى أسقليبيوس وَهَذَا الِاسْم أَعنِي أسقليبيوس إِمَّا أَن يكون اسْما لملك بَعثه الله فَعلم النَّاس الطِّبّ وَإِمَّا أَن يكون قُوَّة لله علمت النَّاس الطِّبّ وَكَيف صرفت الْحَال فَهُوَ أول من علم صناعَة الطِّبّ وَنسب المتعلم الأول إِلَيْهِ على عَادَة القدماء فِي تَسْمِيَة الْمعلم أَبَا للمتعلم وتناسل من المتعلم الأول أهل هَذَا الْبَيْت المنسوبون إِلَى أسقليبيوس وَكَانَ مُلُوك اليونانيين والعظماء مِنْهُم وَلم يَكُونُوا يمكنوا غَيرهم من تَعْلِيم صناعَة الطِّبّ بل كَانَت الصِّنَاعَة فيهم خَاصَّة يعلم الرجل مِنْهُم وَلَده أَو ولد وَلَده فَقَط وَكَانَ تعليمهم بالمخاطبة وَلم يَكُونُوا يدونونها فِي الْكتب وَمَا احتاجوا إِلَى تدوينه فِي الْكتب دونوه بلغز حَتَّى لَا يفهمهُ أحد سواهُم فيفسر ذَلِك اللغز الْأَب للِابْن وَكَانَ الطِّبّ فِي الْمُلُوك والزهاد فَقَط يقصدون بِهِ الْإِحْسَان إِلَى النَّاس من غير أُجْرَة وَلَا شَرط وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن نَشأ أبقراط من أهل قو ودمقراط من أهل أبديرا وَكَانَا متعاصرين فَأَما دمقراط فتزهد وَترك تَدْبِير مدينته وَأما أبقراط فَرَأى أهل بَيته قد اخْتلفُوا فِي صناعَة الطِّبّ وتخوف أَن يكون ذَلِك سَببا لفساد الطِّبّ فَعمد على أَن دونه بإغماض فِي الْكتب وَكَانَ لَهُ ولدان فاضلان وهما ثاسلس وذراقن وتلميذ فَاضل وَهُوَ فولوبس فعلمهم هَذِه الصِّنَاعَة وَشعر أَنَّهَا قد تخرج عَن أهل أسقليبيوس إِلَى غَيرهم فَوضع عهدا اسْتحْلف فِيهِ المتعلم لَهَا على أَن يكون لَازِما للطَّهَارَة

стр. 34

والفضيلة ثمَّ وضع ناموسا عرف فِيهِ من الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَن يثعلم صناعَة الطِّبّ ثمَّ وضع وَصِيَّة عرف فِيهَا جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الطَّبِيب فِي نَفسه أَقُول وَهَذِه نُسْخَة الْعَهْد الَّذِي وَضعه أبقراط قسم أبقراط قَالَ أبقراط إِنِّي أقسم بِاللَّه رب الْحَيَاة وَالْمَوْت وواهب الصِّحَّة وخالق الشِّفَاء وكل علاج وَأقسم بأسقليبيوس وَأقسم بأولياء الله من الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا وأشهدهم جَمِيعًا على أَنِّي أَفِي بِهَذِهِ الْيَمين وَهَذَا الشَّرْط وَأرى أَن الْمعلم لي هَذِه الصِّنَاعَة بِمَنْزِلَة آبَائِي وأواسيه فِي معاشي وَإِذا إحتاج إِلَى مَال واسيته وواصلته من مَالِي وَأما الْجِنْس المتناسل مِنْهُ فَأرى أَنه مسَاوٍ لإخوتي وأعلمهم هَذِه الصِّنَاعَة ان احتاجوا إِلَى تعلمهَا بِغَيْر أُجْرَة وَلَا شَرط وأشرك أَوْلَادِي وَأَوْلَاد الْمعلم لي والتلاميذ الَّذين كتب عَلَيْهِم الشَّرْط أَو حلفوا بالناموس الطبي فِي الْوَصَايَا والعلوم وَسَائِر مَا فِي الصِّنَاعَة وَأما غير هَؤُلَاءِ فَلَا أفعل بِهِ ذَلِك وأقصد فِي جَمِيع التدابير بِقدر طاقتي مَنْفَعَة المرضى وَأما الْأَشْيَاء الَّتِي تضر بهم وتدني مِنْهُم بالجور عَلَيْهِم فامنع مِنْهَا بِحَسب رَأْيِي وَلَا أعطي إِذا طلب مني دَوَاء قتالا وَلَا أُشير أَيْضا بِمثل هَذِه المشورة وَكَذَلِكَ أَيْضا لَا أرى أَن أدني من النسْوَة فرزجة تسْقط الْجَنِين وأحفظ نَفسِي فِي تدبيري وصناعتي على الزَّكَاة وَالطَّهَارَة وَلَا أشق أَيْضا عَمَّن فِي مثانته حِجَارَة وَلَكِن أترك ذَلِك إِلَى من كَانَت حرفته هَذَا الْعَمَل وكل الْمنَازل الَّتِي أدخلها إِنَّمَا أَدخل إِلَيْهَا لمَنْفَعَة المرضى وَأَنا بِحَال خَارِجَة عَن كل جور وظلم وَفَسَاد إرادي مَقْصُود إِلَيْهِ فِي سَائِر الْأَشْيَاء وَفِي الْجِمَاع للنِّسَاء وَالرِّجَال الْأَحْرَار مِنْهُم وَالْعَبِيد وَأما الْأَشْيَاء الَّتِي أعاينها فِي أَوْقَات علاج المرضى أَو أسمعها فِي غير أَوْقَات علاجهم فِي تصرف النَّاس من الْأَشْيَاء الَّتِي لَا ينْطق بهَا خَارِجا فَأمْسك عَنْهَا وَأرى أَن أَمْثَالهَا لَا ينْطق بِهِ فَمن أكمل هَذِه الْيَمين وَلم يفْسد شَيْئا كَانَ لَهُ أَن يكمل تَدْبيره وصناعته على أفضل الْأَحْوَال وأجملها وَأَن يحمده جَمِيع النَّاس فِيمَا يَأْتِي من الزَّمَان دَائِما وَمن تجَاوز ذَلِك كَانَ بضده

стр. 35

ناموس الطِّبّ لأبقراط وَهَذِه نُسْخَة ناموس الطِّبّ لأبقراط قَالَ أبقراط إِن الطِّبّ أشرف الصَّنَائِع كلهَا إِلَّا أَن نقص فهم من ينتحلها صَار سَببا لسلب النَّاس إِيَّاهَا لِأَنَّهُ لم يُوجد لَهَا فِي جَمِيع المدن عيب غير جهل من يدعيها مِمَّن لَيْسَ بِأَهْل للتسمي بهَا إِذْ كَانُوا يشبهون الأشباح الَّتِي يحضرها أَصْحَاب الْحِكَايَة ليلهوا النَّاس بهَا فَكَمَا أَنَّهَا صور لَا حَقِيقَة لَهَا كَذَلِك هَؤُلَاءِ الْأَطِبَّاء بِالِاسْمِ كثير وبالفعل قَلِيل جدا وَيَنْبَغِي لم أَرَادَ تعلم صناعَة الطِّبّ أَن يكون ذَا طبيعة جَيِّدَة مؤاتية وحرص شَدِيد ورغبة تَامَّة وَأفضل ذَلِك كُله الطبيعة لِأَنَّهَا إِذا كَانَت مؤاتية فَيَنْبَغِي أَن يقبل على التَّعْلِيم وَلَا يضجر لينطبع فِي فكره ويثمر ثمارا حَسَنَة مثل مَا يرى فِي نَبَات الأَرْض أما الطبيعة فَمثل التربة وَأما مَنْفَعَة التَّعْلِيم فَمثل الزَّرْع وَأما تربية التَّعْلِيم فَمثل وُقُوع البزر فِي الأَرْض الجيدة فَمَتَى قدمت الْعِنَايَة فِي صناعَة الطِّبّ بِمَا ذكرنَا ثمَّ صَارُوا إِلَى المدن لم يَكُونُوا أطباء بِالِاسْمِ بل بِالْفِعْلِ وَالْعلم بالطب كنز جيد وذخيرة فاخرة لمن علمه مَمْلُوء سُرُورًا سرا وجهرا وَالْجهل بِهِ لمن انتحله صناعَة سوء وذخيرة ردية عديم السرُور دَائِم الْجزع والتهور والجزع دَلِيل على الضعْف والتهور دَلِيل على قلَّة الْخَبَر بالصناعة وَصِيَّة أبقراط وَهَذِه نُسْخَة وَصِيَّة أبقراط الْمَعْرُوفَة بترتيب الطِّبّ قَالَ أبقراط يَنْبَغِي أَن يكون المتعلم للطب فِي جنسه حرا وَفِي طبعه جيدا حَدِيث السن معتدل الْقَامَة متناسب الْأَعْضَاء جيد الْفَهم حسن الحَدِيث صَحِيح الرَّأْي عِنْد المشورة عفيفا شجاعا غير محب لِلْفِضَّةِ مَالِكًا لنَفسِهِ عِنْد الْغَضَب وَلَا يكون تَارِكًا لَهُ فِي الْغَايَة وَلَا يكون بليدا وَيَنْبَغِي أَن يكون مشاركا للعليل مشفقا عَلَيْهِ حَافِظًا للأسرار لِأَن كثيرا من المرضى يوقفونا على أمراض بهم لَا يحبونَ أَن يقف عَلَيْهَا غَيرهم وَيَنْبَغِي أَن يكون مُحْتملا للشتيمة لِأَن قوما من المبرسمين وَأَصْحَاب الوسواس السوداوي

стр. 36

يقابلونا بذلك وَيَنْبَغِي لنا أَن نحتملهم عَلَيْهِ ونعلم أَنه لَيْسَ مِنْهُم وَأَن السَّبَب فِيهِ الْمَرَض الْخَارِج عَن الطبيعة وَيَنْبَغِي أَن يكون حلق رَأسه معتدلا مستويا لَا يحلقه وَلَا يَدعه كالجمة وَلَا يستقصي قصّ أظافير يَدَيْهِ وَلَا يَتْرُكهَا تعلو على أَطْرَاف أَصَابِعه وَيَنْبَغِي أَن تكون ثِيَابه بَيْضَاء نقية لينَة وَلَا يكون فِي مَشْيه مستعجلا لِأَن ذَلِك دَلِيل على الطيش وَلَا متباطئا لِأَنَّهُ يدل على فتور النَّفس وَإِذا دعِي إِلَى الْمَرِيض فليقعد متربعا ويختبر مِنْهُ حَاله بِسُكُون وتأن لَا بقلق واضطراب فَإِن هَذَا الشكل والزي وَالتَّرْتِيب عِنْدِي أفضل من غَيره قَالَ جالينوس فِي الْمقَالة الثَّالِثَة من كِتَابه فِي أَخْلَاق النَّفس أَن أبقراط كَانَ يعلم مَعَ مَا كَانَ يعلم من الطِّبّ من أَمر النُّجُوم مَا لم يكن يدانيه فِيهِ أحد من أهل زَمَانه وَكَانَ يعلم أَمر الْأَركان الَّتِي مِنْهَا تركيب أبدان الْحَيَوَان وَكَون جَمِيع الْأَجْسَام الَّتِي تقبل الْكَوْن وَالْفساد وفسادها وَهُوَ أول من برهن ببراهين حَقِيقَة هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرنَا وَبرهن كَيفَ يكون الْمَرَض وَالصِّحَّة فِي جَمِيع الْحَيَوَان وَفِي النَّبَات وَهُوَ الَّذِي استنبط أَجنَاس الْأَمْرَاض وجهات مداواتها أَقُول فَأَما معالجة أبقراط ومداواته للأمراض فَإِنَّهُ أبدا كَانَت لَهُ الْعِنَايَة الْبَالِغَة فِي نفع المرضى وَفِي مداواتهم وَيُقَال أَنه أول من جدد البيمارستان وأخترعه وأوجده وَذَلِكَ أَنه عمل بِالْقربِ من دَاره فِي مَوضِع من بُسْتَان كَانَ لَهُ موضعا مُفردا للمرضى وَجعل فِيهِ خدما يقومُونَ بمداواتهم وَسَماهُ أخسندوكين أَي مجمع المرضى وَكَذَلِكَ أَيْضا معنى لَفْظَة البيمارستان وَهُوَ فَارسي وَذَلِكَ أَن البيمار بالفارسي هُوَ المرضى وستان هُوَ الْموضع أَي مَوضِع المرضى وَلم يكن لأبقراط دأب على هَذِه الوتيرة فِي مُدَّة حَيَاته وَطول بَقَائِهِ إِلَّا النّظر فِي صناعَة الطِّبّ وإيجاد قوانينها ومداواة المرضى وإيصال الرَّاحَة إِلَيْهِم وإنقاذهم من عللهم وأمراضهم وَقد ذكر كثيرا من قصَص مرضى عالجهم فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بأبيديميا وَتَفْسِير أبيديميا الْأَمْرَاض الوافدة وَلم يكن لأبقراط رَغْبَة فِي خدمَة أحد من الْمُلُوك لطلب الْغنى وَلَا فِي زِيَادَة مَال يفضل عَن احْتِيَاجه الضَّرُورِيّ وَفِي ذَلِك قَالَ جالينوس إِن أبقراط لم يجب أحد مُلُوك الْفرس الْعَظِيم الشَّأْن الْمَعْرُوف عِنْد اليونانيين بأرطخششت وَهُوَ أزدشير الْفَارِسِي جد دَارا بن دَارا فَإِنَّهُ عرض فِي أَيَّام هَذَا الْملك للْفرس وباء فَوجه إِلَى عَامله بِمَدِينَة فاوان أَن يحمل إِلَى أبقراط مائَة قِنْطَار ذَهَبا ويحمله بكرامة عَظِيمَة وإجلال وَأَن يكون هَذَا المَال تقدمة لَهُ وَيضمن لَهُ إقطاعا بِمِثْلِهَا

стр. 37

وَكتب إِلَى ملك اليونانيين يَسْتَعِين بِهِ على إِخْرَاجه إِلَيْهِ وَضمن لَهُ مهادنة سبع سِنِين مَتى أخرج أبقراط إِلَيْهِ فَلم يجب أبقراط إِلَى الْخُرُوج عَن بَلَده إِلَى الْفرس فَلَمَّا ألح عَلَيْهِ ملك اليونانيين فِي الْخُرُوج قَالَ لَهُ أبقراط لست أبدل الْفَضِيلَة بِالْمَالِ وَلما عالج بردقس الْملك من أمراض مَرضهَا لم يقم عِنْده دهره كُله وَانْصَرف إِلَى علاج الْمَسَاكِين والفقراء الَّذين كَانُوا فِي بلدته وَفِي مدن أُخْرَى وَإِن صغرت وَدَار هُوَ بِنَفسِهِ جَمِيع مدن اليونانيين حَتَّى وضع لَهُم كتابا فِي الأهوية والبلدان قَالَ جالينوس وَمن هَذِه حَاله لَيْسَ إِنَّمَا يستخف بالغنى فَقَط بل بالخفض والدعة ويؤثر التَّعَب وَالنّصب عَلَيْهَا فِي جنب الْفَضِيلَة وَمن بعض التواريخ الْقَدِيمَة أَن أبقراط كَانَ فِي زمن بهمن بن أزدشير وَكَانَ بهمن قد اعتل فأنفذ إِلَى أهل بلد أبقراط يستدعيه فامتنعوا من ذَلِك وَقَالُوا أَن أخرج أبقراط من مدينتنا خرجنَا جَمِيعًا وقتلنا دونه فرق لَهُم بهمن وَأقرهُ عِنْدهم وَظهر أبقراط سنة سِتّ وَتِسْعين لبختنصر وَهِي سنة أَربع عشرَة للْملك بهمن قَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل وَرَأَيْت حِكَايَة طريفه لأبقراط استحلينا ذكرهَا لندل بهَا على فَضله وَذَلِكَ أَن أفليمون صَاحب الفراسة كَانَ يزْعم فِي فراسته أَنه يسْتَدلّ بتركيب الْإِنْسَان على أَخْلَاق نَفسه فَاجْتمع تلاميذ أبقراط وَقَالَ بَعضهم لبَعض هَل تعلمُونَ فِي دَهْرنَا أفضل من هَذَا الْمَرْء الْفَاضِل فَقَالُوا مَا نعلم فَقَالَ بَعضهم تَعَالَوْا نمتحن بِهِ أفليمون فِيمَا يَدعِيهِ من الفراسة فصوروا صُورَة أبقراط ثمَّ نهضوا بهَا إِلَى أفليمون فَقَالُوا لَهُ أَيهَا الْفَاضِل انْظُر هَذَا الشَّخْص وَأحكم على أَخْلَاق نَفسه من تركيبه فَنظر إِلَيْهِ وَقرن أعضاءه بَعْضهَا بِبَعْض ثمَّ حكم فَقَالَ رجل يحب الزِّنَا فَقَالُوا لَهُ كذبت هَذِه صُورَة أبقراط الْحَكِيم فَقَالَ لَهُم لابد لعلمي أَن يصدق فَاسْأَلُوهُ فَإِن الْمَرْء لَا يرضى بِالْكَذِبِ فَرَجَعُوا إِلَى أبقراط وَأَخْبرُوهُ بالْخبر وَمَا صَنَعُوا وَمَا قَالَ لَهُم أفليمون فَقَالَ أبقراط صدق أفليمون أحب الزِّنَا وَلَكِنِّي أملك نَفسِي فَهَذَا يدل على فضل أبقراط وَملكه لنَفسِهِ ورياضته لَهَا بالفضيلة أَقُول وَقد تنْسب هَذِه الْحِكَايَة إِلَى سقراط الفيلسوف وتلامذته فَأَما تَفْسِير اسْم أبقراط فَإِن مَعْنَاهُ ضَابِط الْخَيل وَقيل مَعْنَاهُ ماسك الصِّحَّة وَقيل ماسك

стр. 38

الْأَرْوَاح وأصل اسْمه باليونانية أيفوقراطيس وَيُقَال هُوَ بقراطيس وَإِنَّمَا الْعَرَب عَادَتهَا تَخْفيف الْأَسْمَاء واختصار الْمعَانِي فخففت هَذَا الِاسْم فَقَالُوا أبقراط وبقراط أَيْضا وَقد جرى ذَلِك كثيرا فِي الشّعْر وَيُقَال أَيْضا بِالتَّاءِ أبقرات وبقرات وَقَالَ المبشر بن فاتك فِي كتاب مُخْتَار الحكم ومحاسن الْكَلم أَن أبقراط كَانَ ربعَة أَبيض حسن الصُّورَة أشهل الْعَينَيْنِ غليظ الْعِظَام ذَا عصب معتدل اللِّحْيَة أبيضها منحني الظّهْر عَظِيم الهامة بطيء الْحَرَكَة إِذا الْتفت الْتفت بكليته كثير الأطراق مُصِيب القَوْل متأنيا فِي كَلَامه يُكَرر على السَّامع مِنْهُ ونعلاه أبدا بَين يَدَيْهِ إِذا جلس وَإِن كلم أجَاب وَإِن سكت عَنهُ سَأَلَ وَإِن جلس كَانَ نظره إِلَى الأَرْض مَعَه مداعبة كثير الصَّوْم قَلِيل الْأكل بِيَدِهِ أبدا إِمَّا مبضع وَإِمَّا مرود وَقَالَ حنين بن إِسْحَاق فِي كتاب نَوَادِر الفلاسفة والحكماء إِنَّه كَانَ مَنْقُوشًا على فص خَاتم أبقراط الْمَرِيض الَّذِي يَشْتَهِي أَرْجَى عِنْدِي من الصَّحِيح الَّذِي لَا يَشْتَهِي شَيْئا وَيُقَال أَن أبقراط مَاتَ بالفالج وَأوصى أَن يدْفن مَعَه درج من عاج لَا يعلم مَا فِيهِ فَلَمَّا اجتاز قَيْصر الْملك بقبره رَآهُ قبرا ذليلا فَأمر بتجديده لِأَنَّهُ كَانَ من عَادَة الْمُلُوك أَن يفتقدوا أَحْوَال الْحُكَمَاء فِي حياتهم وَبعد وفاتهم لأَنهم كَانُوا عِنْدهم أجل النَّاس وأقربهم إِلَيْهِم فَأمر قَيْصر الْملك بحفره فَلَمَّا حفره لينْظر إِلَيْهِ استخرج الدرج فَوجدَ فِيهِ الْخمس وَالْعِشْرين قَضِيَّة فِي الْمَوْت الَّتِي لَا يعلم الْعلَّة فِيهَا لِأَنَّهُ حكم فِيهَا بِالْمَوْتِ إِلَى أَوْقَات مُعينَة وَأَيَّام مَعْلُومَة وَهِي مَوْجُودَة بالعربي وَيُقَال إِن جالينوس فَسرهَا وَهَذَا مِمَّا استبعده وَإِلَّا فَلَو كَانَ ذَلِك حَقًا وَوجد تَفْسِير جالينوس لنقل إِلَى الْعَرَبِيّ كَمَا قد فعل ذَلِك بِغَيْرِهِ من كتب أبقراط الَّتِي فَسرهَا جالينوس فَإِنَّهَا نقلت بأسرها إِلَى الْعَرَبِيّ وَمن أَلْفَاظ أبقراط الحكيمة ونوادره المفردة فِي الطِّبّ قَالَ أبقراط الطِّبّ قِيَاس وتجربة وَقَالَ لَو خلق الْإِنْسَان من طبيعة وَاحِدَة لما مرض أحد لِأَنَّهُ لم يكن هُنَاكَ شَيْء يضادها فيمرض وَقَالَ الْعَادة إِذا قدمت صَارَت طبيعة ثَانِيَة والزجر والفأل حس نفساني وَقَالَ أحذق النَّاس بِأَحْكَام النُّجُوم أعرفهم بطبائعها وآخذهم بالتشبيه وَقَالَ الْإِنْسَان مَا دَامَ فِي عَالم الْحس فَلَا بُد من أَن يَأْخُذ من الْحس بِنَصِيب قل أَو كثر

стр. 39

وَقَالَ كل مرض مَعْرُوف السَّبَب مَوْجُود الشِّفَاء وَقَالَ إِن النَّاس اغتذوا فِي حَال الصِّحَّة بأغذية السبَاع فأمرضتهم فغذوناهم بأغذية الطير فصحوا وَقَالَ إِنَّمَا نَأْكُل لنعيش وَلَا نَعِيش لنأكل وَقَالَ لَا تَأْكُل حَتَّى تَأْكُل وَقَالَ يتداوى كل عليل بعقاقير أرضه فَإِن الطبيعة تفزع إِلَى عَادَتهَا وَقَالَ الْخمْرَة صديقَة الْجِسْم والتفاحة صديقَة النَّفس وَقيل لَهُ لم أثور مَا يكون الْبدن إِذا شرب الْإِنْسَان الدَّوَاء قَالَ لِأَن أَشد مَا يكون الْبَيْت غبارا إِذا كنس وَقَالَ لَا تشرب الدَّوَاء إِلَّا وَأَنت مُحْتَاج إِلَيْهِ فَإِن شربته من غير حَاجَة وَلم يجد دَاء يعْمل فِيهِ وجد صِحَة يعْمل فِيهَا فَيحدث مَرضا وَقَالَ مثل الْمَنِيّ فِي الظّهْر كَمثل المَاء فِي الْبِئْر إِن نزفته فار وَإِن تركته غَار وَقَالَ إِن المجامع يقتدح من مَاء الْحَيَاة وَسُئِلَ فِي كم يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يُجَامع قَالَ فِي كل سنة مرّة قيل لَهُ فَإِن لم يقدر قَالَ فِي كل شهر مرّة قيل لَهُ فَإِن لم يقدر قَالَ فِي كل اسبوع مرّة قيل لَهُ فَإِن لم يقدر قَالَ هِيَ روحه أَي وَقت شَاءَ يُخرجهَا وَقَالَ أُمَّهَات لذات الدُّنْيَا أَربع لَذَّة الطَّعَام وَلَذَّة الشَّرَاب وَلَذَّة الْجِمَاع وَلَذَّة السماع فاللذات الثَّلَاث لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا وَلَا إِلَى شَيْء مِنْهَا إِلَّا بتعب ومشقة وَلها مضار إِذا استكثر مِنْهَا وَلَذَّة السماع قلت أَو كثرت صَافِيَة من التَّعَب خَالِصَة من النصب وَمن كَلَامه قَالَ إِذا كَانَ الْغدر بِالنَّاسِ طباعا كَانَت الثِّقَة بِكُل أحد عَجزا وَإِذا كَانَ الرزق مقسوما كَانَ الْحِرْص بَاطِلا وَقَالَ قلَّة الْعِيَال أحد اليسارين وَقَالَ الْعَافِيَة ملك خَفِي لَا يعرف قدرهَا إِلَّا من عدمهَا وَقيل لَهُ أَي الْعَيْش خير فَقَالَ الْأَمْن مَعَ الْفقر خير من الْغنى مَعَ الْخَوْف وَرَأى قوما يدفنون امْرَأَة فَقَالَ نعم الصهر صاهرك وَحكي عَنهُ أَنه أقبل بالتعليم على حدث من تلامذته فَعَاتَبَهُ الشُّيُوخ على تَقْدِيمه إِيَّاه عَلَيْهِم فَقَالَ لَهُم أَلا تعلمُوا مَا السَّبَب فِي تَقْدِيمه عَلَيْكُم قَالُوا لَا فَقَالَ لَهُم مَا أعجب مَا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ أحدهم السَّمَاء والأفلاك وَالْكَوَاكِب وَقَالَ آخر الأَرْض وَمَا فِيهَا من الْحَيَوَانَات والنبات وَقَالَ آخر الْإِنْسَان وتركيبه وَلم يزل كل وَاحِد مِنْهُم يَقُول شَيْئا وَهُوَ يَقُول لَا فَقَالَ للصَّبِيّ

стр. 40

مَا أعجب مَا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ أَيهَا الْحَكِيم إِذا كَانَ كل مَا فِي الدُّنْيَا عجبا فَلَا عجب فَقَالَ الْحَكِيم لأجل هَذَا قَدمته لفطنته وَمن كَلَامه قَالَ محاربة الشَّهْوَة أيسر من معالجة الْعلَّة وَقَالَ التَّخَلُّص من الْأَمْرَاض الصعبة صناعَة كَبِيرَة وَدخل على عليل فَقَالَ أَنا وَالْعلَّة وَأَنت ثَلَاثَة فَإِن أعنتني عَلَيْهَا بِالْقبُولِ مني لما تسمع صرنا اثْنَيْنِ وانفردت الْعلَّة فقوينا عَلَيْهَا والاثنان إِذا اجْتمعَا على وَاحِد غلباه وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ خُذُوا جَامع الْعلم مني من كثر نَومه ولانت طَبِيعَته ونديت جلدته طَال عمره وَمن كَلَامه مِمَّا ذكره حنين بن إِسْحَق فِي كتاب نَوَادِر الفلاسفة أَنه قَالَ منزلَة لطافة الْقلب فِي الْأَبدَان كمنزلة النواظر فِي الأجفان وَقَالَ للقلب آفتان وهما الْغم والهم فالغم يعرض مِنْهُ النّوم والهم يعرض مِنْهُ السهر وَذَلِكَ بِأَن الْهم فِيهِ فكر فِي الْخَوْف بِمَا سَيكون فَمِنْهُ يكون السهر وَالْغَم لَا فكر فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بِمَا قد مضى وانقضى وَقَالَ الْقلب من دم جامد وَالْغَم يهيج الْحَرَارَة الغريزية فَتلك الْحَرَارَة تذيب جامد الدَّم وَلذَلِك كره الْغم خوف الْعَوَارِض الْمَكْرُوهَة الَّتِي تهيج الْحَرَارَة وتحمي المزاج فَيحل جامد الدَّم فينتقض التَّرْكِيب وَقَالَ من صحب السُّلْطَان فَلَا يجزع من قوته كَمَا لَا يجزع الغواص من ملوحة الْبَحْر وَقَالَ من أحب لنَفسِهِ الْحَيَاة أماتها وَقَالَ الْعلم كثير والعمر قصير فَخذ من الْعلم مَا يبلغك قَلِيله إِلَى كثير وَقَالَ إِن الْمحبَّة قد تقع بَين العاقلين من بَاب تشاكلهما فِي الْعقل وَلَا تقع بَين الأحمقين من بَاب تشاكلهما فِي الْحمق لِأَن الْعقل يجْرِي على تَرْتِيب فَيجوز أَن يتَّفق فِيهِ اثْنَان على طَرِيق وَاحِد والحمق لَا يجْرِي على تَرْتِيب فَلَا يجوز أَن يَقع بِهِ اتِّفَاق بَين اثْنَيْنِ وَمن كَلَامه فِي الْعِشْق قَالَ الْعِشْق طمع يتَوَلَّد فِي الْقلب وتجتمع فِيهِ مواد من الْحِرْص فَكلما قوي ازْدَادَ صَاحبه فِي الاهتياج واللجاج وَشدَّة القلق وَكَثْرَة السهر وَعند ذَلِك يكون احتراق الدَّم واستحالته إِلَى السَّوْدَاء والتهاب الصَّفْرَاء وانقلابها إِلَى السَّوْدَاء وَمن طغيان السَّوْدَاء فَسَاد الْفِكر وَمَعَ فَسَاد يكون الفدامة ونقصان الْعقل ورجاء مَا لم يكن وَتمنى مَا لم يتم حَتَّى يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى
следующие страницы →