← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يقابلونا بذلك وَيَنْبَغِي لنا أَن نحتملهم عَلَيْهِ ونعلم أَنه لَيْسَ مِنْهُم وَأَن السَّبَب فِيهِ الْمَرَض الْخَارِج عَن الطبيعة وَيَنْبَغِي أَن يكون حلق رَأسه معتدلا مستويا لَا يحلقه وَلَا يَدعه كالجمة وَلَا يستقصي قصّ أظافير يَدَيْهِ وَلَا يَتْرُكهَا تعلو على أَطْرَاف أَصَابِعه وَيَنْبَغِي أَن تكون ثِيَابه بَيْضَاء نقية لينَة وَلَا يكون فِي مَشْيه مستعجلا لِأَن ذَلِك دَلِيل على الطيش وَلَا متباطئا لِأَنَّهُ يدل على فتور النَّفس وَإِذا دعِي إِلَى الْمَرِيض فليقعد متربعا ويختبر مِنْهُ حَاله بِسُكُون وتأن لَا بقلق واضطراب فَإِن هَذَا الشكل والزي وَالتَّرْتِيب عِنْدِي أفضل من غَيره قَالَ جالينوس فِي الْمقَالة الثَّالِثَة من كِتَابه فِي أَخْلَاق النَّفس أَن أبقراط كَانَ يعلم مَعَ مَا كَانَ يعلم من الطِّبّ من أَمر النُّجُوم مَا لم يكن يدانيه فِيهِ أحد من أهل زَمَانه وَكَانَ يعلم أَمر الْأَركان الَّتِي مِنْهَا تركيب أبدان الْحَيَوَان وَكَون جَمِيع الْأَجْسَام الَّتِي تقبل الْكَوْن وَالْفساد وفسادها وَهُوَ أول من برهن ببراهين حَقِيقَة هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرنَا وَبرهن كَيفَ يكون الْمَرَض وَالصِّحَّة فِي جَمِيع الْحَيَوَان وَفِي النَّبَات وَهُوَ الَّذِي استنبط أَجنَاس الْأَمْرَاض وجهات مداواتها أَقُول فَأَما معالجة أبقراط ومداواته للأمراض فَإِنَّهُ أبدا كَانَت لَهُ الْعِنَايَة الْبَالِغَة فِي نفع المرضى وَفِي مداواتهم وَيُقَال أَنه أول من جدد البيمارستان وأخترعه وأوجده وَذَلِكَ أَنه عمل بِالْقربِ من دَاره فِي مَوضِع من بُسْتَان كَانَ لَهُ موضعا مُفردا للمرضى وَجعل فِيهِ خدما يقومُونَ بمداواتهم وَسَماهُ أخسندوكين أَي مجمع المرضى وَكَذَلِكَ أَيْضا معنى لَفْظَة البيمارستان وَهُوَ فَارسي وَذَلِكَ أَن البيمار بالفارسي هُوَ المرضى وستان هُوَ الْموضع أَي مَوضِع المرضى وَلم يكن لأبقراط دأب على هَذِه الوتيرة فِي مُدَّة حَيَاته وَطول بَقَائِهِ إِلَّا النّظر فِي صناعَة الطِّبّ وإيجاد قوانينها ومداواة المرضى وإيصال الرَّاحَة إِلَيْهِم وإنقاذهم من عللهم وأمراضهم وَقد ذكر كثيرا من قصَص مرضى عالجهم فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بأبيديميا وَتَفْسِير أبيديميا الْأَمْرَاض الوافدة وَلم يكن لأبقراط رَغْبَة فِي خدمَة أحد من الْمُلُوك لطلب الْغنى وَلَا فِي زِيَادَة مَال يفضل عَن احْتِيَاجه الضَّرُورِيّ وَفِي ذَلِك قَالَ جالينوس إِن أبقراط لم يجب أحد مُلُوك الْفرس الْعَظِيم الشَّأْن الْمَعْرُوف عِنْد اليونانيين بأرطخششت وَهُوَ أزدشير الْفَارِسِي جد دَارا بن دَارا فَإِنَّهُ عرض فِي أَيَّام هَذَا الْملك للْفرس وباء فَوجه إِلَى عَامله بِمَدِينَة فاوان أَن يحمل إِلَى أبقراط مائَة قِنْطَار ذَهَبا ويحمله بكرامة عَظِيمَة وإجلال وَأَن يكون هَذَا المَال تقدمة لَهُ وَيضمن لَهُ إقطاعا بِمِثْلِهَا

стр. 37

وَكتب إِلَى ملك اليونانيين يَسْتَعِين بِهِ على إِخْرَاجه إِلَيْهِ وَضمن لَهُ مهادنة سبع سِنِين مَتى أخرج أبقراط إِلَيْهِ فَلم يجب أبقراط إِلَى الْخُرُوج عَن بَلَده إِلَى الْفرس فَلَمَّا ألح عَلَيْهِ ملك اليونانيين فِي الْخُرُوج قَالَ لَهُ أبقراط لست أبدل الْفَضِيلَة بِالْمَالِ وَلما عالج بردقس الْملك من أمراض مَرضهَا لم يقم عِنْده دهره كُله وَانْصَرف إِلَى علاج الْمَسَاكِين والفقراء الَّذين كَانُوا فِي بلدته وَفِي مدن أُخْرَى وَإِن صغرت وَدَار هُوَ بِنَفسِهِ جَمِيع مدن اليونانيين حَتَّى وضع لَهُم كتابا فِي الأهوية والبلدان قَالَ جالينوس وَمن هَذِه حَاله لَيْسَ إِنَّمَا يستخف بالغنى فَقَط بل بالخفض والدعة ويؤثر التَّعَب وَالنّصب عَلَيْهَا فِي جنب الْفَضِيلَة وَمن بعض التواريخ الْقَدِيمَة أَن أبقراط كَانَ فِي زمن بهمن بن أزدشير وَكَانَ بهمن قد اعتل فأنفذ إِلَى أهل بلد أبقراط يستدعيه فامتنعوا من ذَلِك وَقَالُوا أَن أخرج أبقراط من مدينتنا خرجنَا جَمِيعًا وقتلنا دونه فرق لَهُم بهمن وَأقرهُ عِنْدهم وَظهر أبقراط سنة سِتّ وَتِسْعين لبختنصر وَهِي سنة أَربع عشرَة للْملك بهمن قَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل وَرَأَيْت حِكَايَة طريفه لأبقراط استحلينا ذكرهَا لندل بهَا على فَضله وَذَلِكَ أَن أفليمون صَاحب الفراسة كَانَ يزْعم فِي فراسته أَنه يسْتَدلّ بتركيب الْإِنْسَان على أَخْلَاق نَفسه فَاجْتمع تلاميذ أبقراط وَقَالَ بَعضهم لبَعض هَل تعلمُونَ فِي دَهْرنَا أفضل من هَذَا الْمَرْء الْفَاضِل فَقَالُوا مَا نعلم فَقَالَ بَعضهم تَعَالَوْا نمتحن بِهِ أفليمون فِيمَا يَدعِيهِ من الفراسة فصوروا صُورَة أبقراط ثمَّ نهضوا بهَا إِلَى أفليمون فَقَالُوا لَهُ أَيهَا الْفَاضِل انْظُر هَذَا الشَّخْص وَأحكم على أَخْلَاق نَفسه من تركيبه فَنظر إِلَيْهِ وَقرن أعضاءه بَعْضهَا بِبَعْض ثمَّ حكم فَقَالَ رجل يحب الزِّنَا فَقَالُوا لَهُ كذبت هَذِه صُورَة أبقراط الْحَكِيم فَقَالَ لَهُم لابد لعلمي أَن يصدق فَاسْأَلُوهُ فَإِن الْمَرْء لَا يرضى بِالْكَذِبِ فَرَجَعُوا إِلَى أبقراط وَأَخْبرُوهُ بالْخبر وَمَا صَنَعُوا وَمَا قَالَ لَهُم أفليمون فَقَالَ أبقراط صدق أفليمون أحب الزِّنَا وَلَكِنِّي أملك نَفسِي فَهَذَا يدل على فضل أبقراط وَملكه لنَفسِهِ ورياضته لَهَا بالفضيلة أَقُول وَقد تنْسب هَذِه الْحِكَايَة إِلَى سقراط الفيلسوف وتلامذته فَأَما تَفْسِير اسْم أبقراط فَإِن مَعْنَاهُ ضَابِط الْخَيل وَقيل مَعْنَاهُ ماسك الصِّحَّة وَقيل ماسك

стр. 38

الْأَرْوَاح وأصل اسْمه باليونانية أيفوقراطيس وَيُقَال هُوَ بقراطيس وَإِنَّمَا الْعَرَب عَادَتهَا تَخْفيف الْأَسْمَاء واختصار الْمعَانِي فخففت هَذَا الِاسْم فَقَالُوا أبقراط وبقراط أَيْضا وَقد جرى ذَلِك كثيرا فِي الشّعْر وَيُقَال أَيْضا بِالتَّاءِ أبقرات وبقرات وَقَالَ المبشر بن فاتك فِي كتاب مُخْتَار الحكم ومحاسن الْكَلم أَن أبقراط كَانَ ربعَة أَبيض حسن الصُّورَة أشهل الْعَينَيْنِ غليظ الْعِظَام ذَا عصب معتدل اللِّحْيَة أبيضها منحني الظّهْر عَظِيم الهامة بطيء الْحَرَكَة إِذا الْتفت الْتفت بكليته كثير الأطراق مُصِيب القَوْل متأنيا فِي كَلَامه يُكَرر على السَّامع مِنْهُ ونعلاه أبدا بَين يَدَيْهِ إِذا جلس وَإِن كلم أجَاب وَإِن سكت عَنهُ سَأَلَ وَإِن جلس كَانَ نظره إِلَى الأَرْض مَعَه مداعبة كثير الصَّوْم قَلِيل الْأكل بِيَدِهِ أبدا إِمَّا مبضع وَإِمَّا مرود وَقَالَ حنين بن إِسْحَاق فِي كتاب نَوَادِر الفلاسفة والحكماء إِنَّه كَانَ مَنْقُوشًا على فص خَاتم أبقراط الْمَرِيض الَّذِي يَشْتَهِي أَرْجَى عِنْدِي من الصَّحِيح الَّذِي لَا يَشْتَهِي شَيْئا وَيُقَال أَن أبقراط مَاتَ بالفالج وَأوصى أَن يدْفن مَعَه درج من عاج لَا يعلم مَا فِيهِ فَلَمَّا اجتاز قَيْصر الْملك بقبره رَآهُ قبرا ذليلا فَأمر بتجديده لِأَنَّهُ كَانَ من عَادَة الْمُلُوك أَن يفتقدوا أَحْوَال الْحُكَمَاء فِي حياتهم وَبعد وفاتهم لأَنهم كَانُوا عِنْدهم أجل النَّاس وأقربهم إِلَيْهِم فَأمر قَيْصر الْملك بحفره فَلَمَّا حفره لينْظر إِلَيْهِ استخرج الدرج فَوجدَ فِيهِ الْخمس وَالْعِشْرين قَضِيَّة فِي الْمَوْت الَّتِي لَا يعلم الْعلَّة فِيهَا لِأَنَّهُ حكم فِيهَا بِالْمَوْتِ إِلَى أَوْقَات مُعينَة وَأَيَّام مَعْلُومَة وَهِي مَوْجُودَة بالعربي وَيُقَال إِن جالينوس فَسرهَا وَهَذَا مِمَّا استبعده وَإِلَّا فَلَو كَانَ ذَلِك حَقًا وَوجد تَفْسِير جالينوس لنقل إِلَى الْعَرَبِيّ كَمَا قد فعل ذَلِك بِغَيْرِهِ من كتب أبقراط الَّتِي فَسرهَا جالينوس فَإِنَّهَا نقلت بأسرها إِلَى الْعَرَبِيّ وَمن أَلْفَاظ أبقراط الحكيمة ونوادره المفردة فِي الطِّبّ قَالَ أبقراط الطِّبّ قِيَاس وتجربة وَقَالَ لَو خلق الْإِنْسَان من طبيعة وَاحِدَة لما مرض أحد لِأَنَّهُ لم يكن هُنَاكَ شَيْء يضادها فيمرض وَقَالَ الْعَادة إِذا قدمت صَارَت طبيعة ثَانِيَة والزجر والفأل حس نفساني وَقَالَ أحذق النَّاس بِأَحْكَام النُّجُوم أعرفهم بطبائعها وآخذهم بالتشبيه وَقَالَ الْإِنْسَان مَا دَامَ فِي عَالم الْحس فَلَا بُد من أَن يَأْخُذ من الْحس بِنَصِيب قل أَو كثر

стр. 39

وَقَالَ كل مرض مَعْرُوف السَّبَب مَوْجُود الشِّفَاء وَقَالَ إِن النَّاس اغتذوا فِي حَال الصِّحَّة بأغذية السبَاع فأمرضتهم فغذوناهم بأغذية الطير فصحوا وَقَالَ إِنَّمَا نَأْكُل لنعيش وَلَا نَعِيش لنأكل وَقَالَ لَا تَأْكُل حَتَّى تَأْكُل وَقَالَ يتداوى كل عليل بعقاقير أرضه فَإِن الطبيعة تفزع إِلَى عَادَتهَا وَقَالَ الْخمْرَة صديقَة الْجِسْم والتفاحة صديقَة النَّفس وَقيل لَهُ لم أثور مَا يكون الْبدن إِذا شرب الْإِنْسَان الدَّوَاء قَالَ لِأَن أَشد مَا يكون الْبَيْت غبارا إِذا كنس وَقَالَ لَا تشرب الدَّوَاء إِلَّا وَأَنت مُحْتَاج إِلَيْهِ فَإِن شربته من غير حَاجَة وَلم يجد دَاء يعْمل فِيهِ وجد صِحَة يعْمل فِيهَا فَيحدث مَرضا وَقَالَ مثل الْمَنِيّ فِي الظّهْر كَمثل المَاء فِي الْبِئْر إِن نزفته فار وَإِن تركته غَار وَقَالَ إِن المجامع يقتدح من مَاء الْحَيَاة وَسُئِلَ فِي كم يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يُجَامع قَالَ فِي كل سنة مرّة قيل لَهُ فَإِن لم يقدر قَالَ فِي كل شهر مرّة قيل لَهُ فَإِن لم يقدر قَالَ فِي كل اسبوع مرّة قيل لَهُ فَإِن لم يقدر قَالَ هِيَ روحه أَي وَقت شَاءَ يُخرجهَا وَقَالَ أُمَّهَات لذات الدُّنْيَا أَربع لَذَّة الطَّعَام وَلَذَّة الشَّرَاب وَلَذَّة الْجِمَاع وَلَذَّة السماع فاللذات الثَّلَاث لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا وَلَا إِلَى شَيْء مِنْهَا إِلَّا بتعب ومشقة وَلها مضار إِذا استكثر مِنْهَا وَلَذَّة السماع قلت أَو كثرت صَافِيَة من التَّعَب خَالِصَة من النصب وَمن كَلَامه قَالَ إِذا كَانَ الْغدر بِالنَّاسِ طباعا كَانَت الثِّقَة بِكُل أحد عَجزا وَإِذا كَانَ الرزق مقسوما كَانَ الْحِرْص بَاطِلا وَقَالَ قلَّة الْعِيَال أحد اليسارين وَقَالَ الْعَافِيَة ملك خَفِي لَا يعرف قدرهَا إِلَّا من عدمهَا وَقيل لَهُ أَي الْعَيْش خير فَقَالَ الْأَمْن مَعَ الْفقر خير من الْغنى مَعَ الْخَوْف وَرَأى قوما يدفنون امْرَأَة فَقَالَ نعم الصهر صاهرك وَحكي عَنهُ أَنه أقبل بالتعليم على حدث من تلامذته فَعَاتَبَهُ الشُّيُوخ على تَقْدِيمه إِيَّاه عَلَيْهِم فَقَالَ لَهُم أَلا تعلمُوا مَا السَّبَب فِي تَقْدِيمه عَلَيْكُم قَالُوا لَا فَقَالَ لَهُم مَا أعجب مَا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ أحدهم السَّمَاء والأفلاك وَالْكَوَاكِب وَقَالَ آخر الأَرْض وَمَا فِيهَا من الْحَيَوَانَات والنبات وَقَالَ آخر الْإِنْسَان وتركيبه وَلم يزل كل وَاحِد مِنْهُم يَقُول شَيْئا وَهُوَ يَقُول لَا فَقَالَ للصَّبِيّ

стр. 40

مَا أعجب مَا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ أَيهَا الْحَكِيم إِذا كَانَ كل مَا فِي الدُّنْيَا عجبا فَلَا عجب فَقَالَ الْحَكِيم لأجل هَذَا قَدمته لفطنته وَمن كَلَامه قَالَ محاربة الشَّهْوَة أيسر من معالجة الْعلَّة وَقَالَ التَّخَلُّص من الْأَمْرَاض الصعبة صناعَة كَبِيرَة وَدخل على عليل فَقَالَ أَنا وَالْعلَّة وَأَنت ثَلَاثَة فَإِن أعنتني عَلَيْهَا بِالْقبُولِ مني لما تسمع صرنا اثْنَيْنِ وانفردت الْعلَّة فقوينا عَلَيْهَا والاثنان إِذا اجْتمعَا على وَاحِد غلباه وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ خُذُوا جَامع الْعلم مني من كثر نَومه ولانت طَبِيعَته ونديت جلدته طَال عمره وَمن كَلَامه مِمَّا ذكره حنين بن إِسْحَق فِي كتاب نَوَادِر الفلاسفة أَنه قَالَ منزلَة لطافة الْقلب فِي الْأَبدَان كمنزلة النواظر فِي الأجفان وَقَالَ للقلب آفتان وهما الْغم والهم فالغم يعرض مِنْهُ النّوم والهم يعرض مِنْهُ السهر وَذَلِكَ بِأَن الْهم فِيهِ فكر فِي الْخَوْف بِمَا سَيكون فَمِنْهُ يكون السهر وَالْغَم لَا فكر فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بِمَا قد مضى وانقضى وَقَالَ الْقلب من دم جامد وَالْغَم يهيج الْحَرَارَة الغريزية فَتلك الْحَرَارَة تذيب جامد الدَّم وَلذَلِك كره الْغم خوف الْعَوَارِض الْمَكْرُوهَة الَّتِي تهيج الْحَرَارَة وتحمي المزاج فَيحل جامد الدَّم فينتقض التَّرْكِيب وَقَالَ من صحب السُّلْطَان فَلَا يجزع من قوته كَمَا لَا يجزع الغواص من ملوحة الْبَحْر وَقَالَ من أحب لنَفسِهِ الْحَيَاة أماتها وَقَالَ الْعلم كثير والعمر قصير فَخذ من الْعلم مَا يبلغك قَلِيله إِلَى كثير وَقَالَ إِن الْمحبَّة قد تقع بَين العاقلين من بَاب تشاكلهما فِي الْعقل وَلَا تقع بَين الأحمقين من بَاب تشاكلهما فِي الْحمق لِأَن الْعقل يجْرِي على تَرْتِيب فَيجوز أَن يتَّفق فِيهِ اثْنَان على طَرِيق وَاحِد والحمق لَا يجْرِي على تَرْتِيب فَلَا يجوز أَن يَقع بِهِ اتِّفَاق بَين اثْنَيْنِ وَمن كَلَامه فِي الْعِشْق قَالَ الْعِشْق طمع يتَوَلَّد فِي الْقلب وتجتمع فِيهِ مواد من الْحِرْص فَكلما قوي ازْدَادَ صَاحبه فِي الاهتياج واللجاج وَشدَّة القلق وَكَثْرَة السهر وَعند ذَلِك يكون احتراق الدَّم واستحالته إِلَى السَّوْدَاء والتهاب الصَّفْرَاء وانقلابها إِلَى السَّوْدَاء وَمن طغيان السَّوْدَاء فَسَاد الْفِكر وَمَعَ فَسَاد يكون الفدامة ونقصان الْعقل ورجاء مَا لم يكن وَتمنى مَا لم يتم حَتَّى يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى

стр. 41

الْجُنُون فَحِينَئِذٍ رُبمَا قتل العاشق نَفسه وَرُبمَا مَاتَ غما وَرُبمَا وصل إِلَى معشوقه فَيَمُوت فَرحا أَو أسفا وَرُبمَا شهق شهقة فتختفي مِنْهَا روحه أَرْبعا وَعشْرين سَاعَة فيظن أَنه قد مَاتَ فيقبر وَهُوَ حَيّ وَرُبمَا تنفس الصعداء فتختنق نَفسه فِي تامور قلبه وَيضم عَلَيْهَا الْقلب فَلَا تنفرج حَتَّى يَمُوت وَرُبمَا ارْتَاحَ وَتَشَوُّقِ للنَّظَر وَرَأى من يحب فَجْأَة فَتخرج نَفسه فَجْأَة دفْعَة وَاحِدَة وَأَنت ترى العاشق إِذا سمع بِذكر من يحب كَيفَ يهرب دَمه ويستحيل لَونه وَزَوَال ذَلِك عَمَّن هَذِه حَاله بلطف من رب الْعَالمين لَا بتدبير من الْآدَمِيّين وَذَلِكَ أَن الْمَكْرُوه الْعَارِض من سَبَب قَائِم مُنْفَرد بِنَفسِهِ يتهيأ التلطف بإزالته بِإِزَالَة سَببه فَإِذا وَقع السببان وكل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة لصَاحبه لم يكن إِلَى زَوَال وَاحِد مِنْهُمَا سَبِيل وَإِذا كَانَت السَّوْدَاء سَببا لاتصال الْفِكر وَكَانَ اتِّصَال الْفِكر سَببا لاحتراق الدَّم والصفراء وميلهما إِلَى السَّوْدَاء والسوداء كلما قويت قوت الْفِكر والفكر كلما قوي قوى السَّوْدَاء فَهَذَا الدَّاء العياء الَّذِي يعجز عَن معالجته الْأَطِبَّاء وَمن كَلَامه قَالَ الْجَسَد يعالج جملَة من خَمْسَة أضْرب مَا فِي الرَّأْس بالغرغرة وَمَا فِي الْمعدة بالقيء وَمَا فِي الْبدن بإسهال الْبَطن وَمَا بَين الجلدين بالعرق وَمَا فِي العمق وداخل الْعُرُوق بإرسال الدَّم وَقَالَ الصَّفْرَاء بَيتهَا المرارة وسلطانها فِي الكبد والبلغم بَيته الْمعدة وسلطانه فِي الصَّدْر والسوداء بَيتهَا الطحال وسلطانها فِي الْقلب وَالدَّم بَيته الْقلب وسلطانه فِي الرَّأْس وَقَالَ لتلميذ لَهُ ليكن أفضل وسيلتك إِلَى النَّاس محبتك لَهُم والتفقد لأمورهم وَمَعْرِفَة حَالهم واصطناع الْمَعْرُوف إِلَيْهِم وَمن كتاب مُخْتَار الحكم ومحاسن الْكَلم للمبشر بن فاتك من كَلَام أبقراط أَيْضا وآدابه قَالَ اسْتِدَامَة الصِّحَّة تكون بترك التكاسل عَن التَّعَب وبترك الامتلاء عَن الطَّعَام وَالشرَاب وَقَالَ إِن أَنْت فعلت مَا يَنْبَغِي على مَا يَنْبَغِي أَن يفعل فَلم يكن مَا يَنْبَغِي فَلَا تنْتَقل عَمَّا أَنْت عَلَيْهِ مَا دَامَ مَا رَأَيْته أول الْأَمر ثَابتا وَقَالَ الإقلال من الضار خير من الْإِكْثَار من النافع وَقَالَ أما الْعُقَلَاء فَيجب أَن يسقوا الْخمر وَأما الحمقى فَيجب أَن يسقوا الخربق وَقَالَ لَيْسَ معي من فَضِيلَة الْعلم إِلَّا علمي بِأَنِّي لست بعالم

стр. 42

وَقَالَ اقنعوا بالقوت والغوا عَنْكُم اللجاجة لتَكون لكم قربى إِلَى الله لِأَن الله غير مُحْتَاج إِلَى شَيْء فَكلما احتجتم أَكثر كُنْتُم مِنْهُ أبعد واهربوا من الشرور ذَروا المآتم وأطلبوا من الْخيرَات الغايات وَقَالَ الْمَالِك للشَّيْء هُوَ الْمُسَلط عَلَيْهِ فَمن أحب أَن يكون حرا فَلَا يَهو مَا لَيْسَ لَهُ وليهرب مِنْهُ وَإِلَّا صَار لَهُ عبدا وَقَالَ يَنْبَغِي للمرء أَن يكون فِي دُنْيَاهُ كالمدعو فِي الْوَلِيمَة إِذا أَتَتْهُ الكأس تنَاولهَا وَإِن جازته لم يرصدها وَلم يقْصد لطلبها وَكَذَلِكَ يفعل فِي الْأَهْل وَالْمَال وَالْولد وَقَالَ لتلميذ لَهُ إِن أَحْبَبْت أَن لَا تفوتك شهوتك فاشته مَا يمكنك وَسُئِلَ عَن أَشْيَاء قبيحة فَسكت عَنْهَا فَقيل لَهُ لم لَا تجيب عَنْهَا فَقَالَ جوابها السُّكُوت عَنْهَا وَقَالَ الدُّنْيَا غير بَاقِيَة فَإِذا أمكن الْخَيْر فاصطنعوه وَإِذا عدمتم ذَلِك فتحمدوا وَاتَّخذُوا من الذّكر أحْسنه وَقَالَ لَوْلَا الْعَمَل لم يطْلب الْعلم وَلَوْلَا الْعلم لم يطْلب الْعَمَل وَلِأَن ادْع الْحق جهلا بِهِ أحب إِلَيّ من أَن أَدَعهُ زهدا فِيهِ وَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَن تكون عِلّة صديقك وَأَن طَالَتْ آلم بِهِ من تعاهدك لَهُ وَكَانَ يَقُول الْعلم روح وَالْعَمَل بدن وَالْعلم أصل وَالْعَمَل فرع وَالْعلم وَالِد وَالْعَمَل مَوْلُود وَكَانَ الْعَمَل لمَكَان الْعلم وَلم يكن الْعلم لمَكَان الْعَمَل وَكَانَ يَقُول الْعَمَل خَادِم الْعلم وَالْعلم غَايَة وَالْعلم رائد وَالْعَمَل مُرْسل وَقَالَ إِعْطَاء الْمَرِيض بعض مَا يشتهيه أَنْفَع من أَخذه بِكُل مَا لَا يشتهيه أَقُول وأبقراط هُوَ أول من دون صناعَة الطِّبّ وشهرها وأظهرها كَمَا قُلْنَا قبل وَجعل أسلوبه فِي تأليف كتبه على ثَلَاث طرائق من طرق التَّعْلِيم إِحْدَاهَا على سَبِيل اللغز وَالثَّانيَِة على غَايَة الإيجاز والاختصار وَالثَّالِثَة على طَرِيق التساهل والتبيين وَالَّذِي انْتهى إِلَيْنَا ذكره ووجدناه من كتب أبقراط الصَّحِيحَة يكون نَحْو ثَلَاثِينَ كتابا وَالَّذِي يدرس من كتبه لمن يقْرَأ صناعَة الطِّبّ إِذا كَانَ درسه على أصل صَحِيح وترتيب جيد اثْنَا عشر كتابا وَهِي الْمَشْهُورَة من سَائِر كتبه

стр. 43

الأول كتاب الأجنة وَهُوَ ثَلَاث مقالات الْمقَالة الأولى تَتَضَمَّن القَوْل فِي كَون الْمَنِيّ والمقالة الثَّانِيَة تَتَضَمَّن القَوْل فِي تكون الْجَنِين والمقالة الثَّالِثَة تَتَضَمَّن القَوْل فِي تكون الْأَعْضَاء الثَّانِي كتاب طبيعة الْإِنْسَان مقالتان وَهُوَ يتَضَمَّن القَوْل فِي طبائع الْأَبدَان ومماذا تركبت الثَّالِث كتاب الأهوية والمياه والبلدان وَهُوَ ثَلَاث مقالات الْمقَالة الأولى يعرف فِيهَا كَيفَ نتعرف أمزجة الْبلدَانِ وَمَا تولد من الْأَمْرَاض البلدية والمقالة الثَّانِيَة يعرف فِيهَا كَيفَ نتعرف أمزجة الْمِيَاه المشروبة وفصول السّنة وَمَا تولد من الْأَمْرَاض البلدية والمقالة الثَّالِثَة يعرف فِيهَا كَيْفيَّة مَا يبْقى من الْأَشْيَاء الَّتِي تولد الْأَمْرَاض البلدية كائنة مَا كَانَت الرَّابِع كتاب الْفُصُول سبع مقالات وَضَمنَهُ تَعْرِيف جمل الطِّبّ لتَكون قوانين فِي نفس الطَّبِيب يقف بهَا على مَا يتلقاه من أَعمال الطِّبّ وَهُوَ يحتوي على مُجمل مَا أودعهُ فِي سَائِر كتبه وَهَذَا ظَاهر لمن تَأمل فصوله فَإِنَّهَا تنتظم جملا وجوامع من كِتَابه تقدمة الْمعرفَة وَكتاب الأهوية والبلدان وَكتاب الْأَمْرَاض الحادة ونكتا وعيونا من كِتَابه المعنون بإبيديما وَتَفْسِيره الْأَمْرَاض الوافدة وفصولا من كِتَابه فِي أوجاع النِّسَاء وَغير ذَلِك من سَائِر كتبه الْأُخَر الْخَامِس كتاب تقدمة الْمعرفَة ثَلَاث مقالات وَضَمنَهُ تَعْرِيف العلامات الَّتِي يقف بهَا الطَّبِيب على أَحْوَال مرض فِي الْأَزْمَان الثَّلَاثَة الْمَاضِي والحاضر والمستقبل وَعرف أَنه إِذا أخبر بالماضي وثق بِهِ الْمَرِيض فاستسلم لَهُ فَتمكن بذلك من علاجه على مَا توجبه الصِّنَاعَة وَإِذا عرف الْحَاضِر قابله بِمَا يَنْبَغِي من الْأَدْوِيَة وَغَيرهَا وَإِذا عرف الْمُسْتَقْبل استعد لَهُ بِجَمِيعِ مَا يُقَابله بِهِ قبل أَن يهجم عَلَيْهِ بِمَا لَا يمهله فِي أَن يتلقاه بِمَا يَنْبَغِي السَّادِس كتاب الْأَمْرَاض الحادة وَهُوَ ثَلَاث مقالات الْمقَالة الأولى تَتَضَمَّن القَوْل فِي تَدْبِير الْغذَاء والاستفراغ فِي الْأَمْرَاض الحادة والمقالة الثَّانِيَة تَتَضَمَّن المداواة بالتكميد والفصد وتركيب الْأَدْوِيَة المسهلة وَنَحْو ذَلِك والمقالة الثَّالِثَة تَتَضَمَّن القَوْل فِي التَّدْبِير بِالْخمرِ وَمَاء الْعَسَل والسكنجبين وَالْمَاء الْبَارِد والاستحمام السَّابِع كتاب أوجاع النِّسَاء مقالتان ضمنه أَولا تَعْرِيف مَا يعرض للْمَرْأَة من الْعِلَل بِسَبَب احتباس الطمث ونزيفه ثمَّ ذكر مَا يعرض فِي وَقت الْحمل وَبعده من الأسقام الَّتِي تعرض كثيرا الثَّامِن كتاب الْأَمْرَاض الوافدة وَيُسمى إبيديما وَهُوَ سبع مقالات ضمنه تَعْرِيف الْأَمْرَاض

стр. 44

الوافدة وتدبيرها وعلاجها وَذكر أَنَّهَا صنفان أَحدهمَا مرض وَاحِد فَقَط وَالْآخر مرض قتال يُسمى الموتان ليتلقى الطَّبِيب كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا يَنْبَغِي وَذكر فِي هَذَا الْكتاب تذاكير وجالينوس يَقُول إِنِّي وغيري من الْمُفَسّرين نعلم أَن الْمقَالة الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة وَالسَّابِعَة من هَذَا الْكتاب مدلسة لَيست من كَلَام أبقراط وَبَين أَن الْمقَالة الأولى وَالثَّالِثَة فيهمَا القَوْل فِي الْأَمْرَاض الوافدة وَأَن الْمقَالة الثَّانِيَة وَالسَّادِسَة تذاكير أبقراط إِمَّا أَن يكون أبقراط وَضعهَا وَإِمَّا أَن يكون وَلَده أثبت لنَفسِهِ مَا سَمعه من أَبِيه على سَبِيل التذاكير وَمن أجل مَا بَينه وَقَالَ جالينوس اطرَح النَّاس النّظر فِي الْمقَالة الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة وَالسَّابِعَة من هَذَا الْكتاب فاندرست التَّاسِع كتاب الأخلاط وَهُوَ ثَلَاث مقالات ويتعرف من هَذَا الْكتاب حَال الأخلاط أَعنِي كميتها وكيفيتها وتقدمة الْمعرفَة بالأعراض اللاحقة بهَا وَالْحِيلَة والتأني فِي علاج كل وَاحِد مِنْهَا الْعَاشِر كتاب الْغذَاء وَهُوَ أَربع مقالات وَيُسْتَفَاد من هَذَا الْكتاب علل وَأَسْبَاب مواد الأخلاط أَعنِي علل الأغذية وأسبابها الَّتِي بهَا تزيد فِي الْبدن وتنميه وتخلف عَلَيْهِ بدل مَا انحل مِنْهُ الْحَادِي عشر كتاب قاطيطريون أَي حَانُوت الطَّبِيب وَهُوَ ثَلَاث مقالات وَيُسْتَفَاد من هَذَا الْكتاب مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أَعمال الطِّبّ الَّتِي تخْتَص بِعَمَل الْيَدَيْنِ دون غَيرهمَا من الرَّبْط والشد والجبر والخياطة ورد الْخلْع والتنطيل والتكميد وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَقَالَ جالينوس إِن أبقراط بنى أمره على أَن هَذَا الْكتاب أول كتاب يقْرَأ من كتبه وَكَذَلِكَ ظن بِهِ جَمِيع الْمُفَسّرين وَأَنا وَاحِد مِنْهُم وَسَماهُ الْحَانُوت الَّذِي يجلس فِيهِ الطَّبِيب لعلاج المرضى والأجود أَن تجْعَل تَرْجَمته كتاب الْأَشْيَاء الَّتِي تعْمل فِي حَانُوت الطَّبِيب الثَّانِي عشر كتاب الْكسر والجبر وَهُوَ ثَلَاث مقالات تَتَضَمَّن كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الطَّبِيب من هَذَا الْفَنّ ولأبقراط أَيْضا من الْكتب وَبَعضهَا منحول إِلَيْهِ كتاب أوجاع العذارى كتاب فِي مَوَاضِع الْجَسَد كتاب فِي الْقلب كتاب فِي نَبَات الْأَسْنَان كتاب فِي الْعين كتاب إِلَى بسلوس كتاب فِي سيلان الدَّم كتاب فِي النفخ كتاب فِي الْحمى المحرقة كتاب فِي الغدد رِسَالَة إِلَى ديمطريوس الْملك وَيعرف كِتَابه هَذَا بالمقال الشافي كتاب مَنَافِع الرطوبات كتاب الْوَصَايَا كتاب الْعَهْد وَيعرف أَيْضا بِكِتَاب الْأَيْمَان وَضعه أبقراط للمتعلمين وَلمن يعلمونه أَيْضا ليقتدوا بِهِ وَأَن لَا يخالفوا مَا شَرطه عَلَيْهِم فِيهِ وَأَن يَنْفِي بِمَا ذكره الشنعة عَلَيْهِ فِي نَقله هَذِه الصِّنَاعَة من الوراثة إِلَى الإذاعة كتاب ناموس الطِّبّ كتاب الْوَصِيَّة الْمَعْرُوفَة بترتيب الطِّبّ ذكر فِيهَا مَا يجب أَن يكون الطَّبِيب عَلَيْهِ من الشكل والزي وَالتَّرْتِيب وَغير ذَلِك كتاب الْخلْع كتاب جراحات الرَّأْس كتاب

стр. 45

اللحوم كتاب فِي تقدمة معرفَة الْأَمْرَاض الكائنة من تغير الْهَوَاء كتاب طبائع الْحَيَوَان كتاب عَلَامَات القضايا وَهُوَ الْخمس وَالْعشْرُونَ قَضِيَّة الدَّالَّة على الْمَوْت كتاب عَلَامَات البحران كتاب فِي حَبل على حَبل كتاب فِي الْمدْخل إِلَى الطِّبّ كتاب فِي المولودين لسبعة أشهر كتاب فِي الْجراح كتاب فِي الأسابيع كتاب فِي الْجُنُون كتاب فِي البثور كتاب المولودين لثمانية أشهر كتاب فِي الفصد والحجامة كتاب فِي الإبطى رِسَالَة فِي مسنونات أفلاطن على أرس كتاب فِي الْبَوْل كتاب فِي الألوان كتاب إِلَى أنطيقن الْملك فِي حفظ الصِّحَّة كتاب فِي الْأَمْرَاض كتاب فِي الْأَحْدَاث كتاب فِي الْمَرَض الأهلي وَذكر جالينوس فِي الْمقَالة الأولى من شرح تقدمة الْمعرفَة عَن هَذَا الْكتاب أَن أبقراط يرد فِيهِ على من ظن أَن الله ﵎ يكون سَبَب مرض من الْأَمْرَاض كتاب إِلَى أقطيغيوذس قَيْصر ملك الرّوم فِي قسْمَة الْإِنْسَان على مزاج السّنة كتاب طب الْوَحْي وَهَذَا الْكتاب ذكرُوا أَنه يتَضَمَّن كل مَا كَانَ يَقع فِي قلبه فيستعمله فَيكون كَمَا وَقع لَهُ رِسَالَة إِلَى أرطحششت الْكَبِير ملك فَارس لما عرض فِي أَيَّامه للْفرس الموتان رِسَالَة إِلَى جمَاعَة من أهل أبديرا مَدِينَة ديمقراطيس الْحَكِيم جَوَابا عَن رسالتهم إِلَيْهِ لاستدعائه وحضوره لعلاج ديمقراطيس كتاب اخْتِلَاف الْأَزْمِنَة وَإِصْلَاح الأغذية كتاب تركيب الْإِنْسَان كتاب فِي اسْتِخْرَاج النصول كتاب تقدمة القَوْل الأول كتاب تقدمة القَوْل الثَّانِي وَلما توفّي أبقراط خلف من الْأَوْلَاد والتلاميذ من آل أسقليبيوس وَغَيرهم أَرْبَعَة عشر أما أَوْلَاده فهم أَرْبَعَة ثاسلوس ودراقن وابناهما أبقراط بن ثاسلوس بن أبقراط وأبقراط بن دراقن بن أبقراط فَكل وَاحِد من ولديه كَانَ لَهُ ولد سَمَّاهُ أبقراط باسم جده وَأما تلامذته من أهل بَيته وَغَيرهم فهم عشرَة لاون وماسرجس وميغانوس وقولويس وَهُوَ أجل تلاميذه وخليفته من أهل بَيته وأملانيسون وأسطاث وساوري وغورس وسنبلقيوس وثاثالس هَذَا قَول يحيى النَّحْوِيّ وَقَالَ غَيره أَن أبقراط كَانَ لَهُ اثْنَا عشر تلميذا لَا يزِيد عَلَيْهِم إِلَّا بعد الْمَوْت وَلَا ينقص مِنْهُم وبقوا على تِلْكَ السّنة حينا فِي بِلَاد الرّوم فِي الرواق الَّذِي كَانَ يدرس فِيهِ وَوجدت بِبَعْض المواضيع أَن أبقراط كَانَت لَهُ ابْنة تسمى مالانا أرسا وَكَانَ لَهَا براعة فِي صناعَة

стр. 46

الطِّبّ وَيُقَال إِنَّهَا كَانَت أبرع من أخويها والأطباء المذكورون فِي الفترة الَّتِي بَين أبقراط وجالينوس خلا تلاميذ أبقراط فِي نَفسه وَأَوْلَاده فهم سنبلقيوس الْمُفَسّر لكتب أبقراط وأنقيلاوس الأول الطَّبِيب وأرسيسطراطس الثَّانِي القياسي ولوقس وميلن الثَّانِي وغالوس وميرتديطوس صَاحب العقاقير وسقالس الْمُفَسّر لكتب أبقراط ومانطلياس الْمُفَسّر أَيْضا لكتاب أبقراط وغولس الطارنطائي ومغنس الْحِمصِي صَاحب كتاب الْبَوْل وعاش تسعين سنة وأندروماخس الْقَرِيب الْعَهْد وعاش تسعين سنة وأبراس الملقب بالبعيد وسوناخس الأثيني صَاحب الْأَدْوِيَة والصيدلة وروفس الْكَبِير وَكَانَ من مَدِينَة أفسس وَلم يكن فِي زَمَانه أحد مثله فِي صناعَة الطِّبّ وَقد ذكره جالينوس فِي بعض كتبه وفضله وَنقل عَنهُ ولروفس من الْكتب كتاب الماليخوليا مقالتان وَهُوَ من أجل كتبه وَكتاب الْأَرْبَعين مقَالَة كتاب تَسْمِيَة أَعْضَاء الْإِنْسَان مقَالَة فِي الْعلَّة الَّتِي يعرض مَعهَا الْفَزع من المَاء مقَالَة فِي اليرقان والمرار مقَالَة فِي الْأَمْرَاض الَّتِي تعرض فِي المفاصل مقَالَة فِي تنقيص اللَّحْم كتاب تَدْبِير من لَا يحضرهُ طَبِيب مقالتان مقَالَة فِي الذبْحَة كتاب طب أبقراط مقَالَة فِي اسْتِعْمَال الشَّرَاب مقَالَة فِي علاج اللواتي لَا يحبلن مقَالَة فِي قضايا حفظ الصِّحَّة مقَالَة فِي الصرع مقَالَة فِي الْحمى الرّبع مقَالَة فِي ذَات الْجنب وَذَات الرئة كتاب التَّدْبِير مقالتان كتاب الباه مقَالَة كتاب الطِّبّ مقَالَة فِي الْأَعْمَال الَّتِي تعْمل فِي البيمارستانات مقَالَة فِي اللَّبن مقَالَة فِي الفواق مقَالَة فِي الْأَبْكَار مقَالَة فِي التِّين مقَالَة فِي تَدْبِير الْمُسَافِر مقَالَة فِي البخر مقَالَة فِي الْقَيْء مقَالَة فِي الْأَدْوِيَة القاتلة مقَالَة فِي أدوية علل الكلى والمثانة مقَالَة فِي هَل كَثْرَة شرب المَاء فِي الولائم نَافِع مقَالَة فِي الأورام الصلبة مقَالَة فِي الْحِفْظ مقَالَة فِي عِلّة ديونوسوس وَهُوَ الْقَيْح مقَالَة فِي الْجِرَاحَات مقَالَة فِي تَدْبِير الشيخوخة مقَالَة فِي وَصَايَا الْأَطِبَّاء مقَالَة فِي الحقن مقَالَة فِي الْولادَة مقَالَة فِي الْخلْع مقَالَة فِي علاج احتباس الطمث مقَالَة فِي الْأَمْرَاض المزمنة على رَأْي أبقراط مقَالَة فِي مَرَاتِب الْأَدْوِيَة مقَالَة فِيمَا يَنْبَغِي للطبيب أَن يسْأَل عَنهُ العليل مقَالَة فِي تربية الْأَطْفَال مقَالَة فِي دوران الرَّأْس مقَالَة فِي الْبَوْل مقَالَة فِي الْعقار الَّذِي يدعى سوسا مقَالَة فِي النزلة إِلَى الرئة مقَالَة فِي علل الكبد المزمنة مقَالَة فِي أَن يعرض للرِّجَال انْقِطَاع التنفس مقَالَة فِي شرى المماليك مقَالَة فِي علاج صبي يصرع مقَالَة فِي تَدْبِير الحبالى مقَالَة فِي التُّخمَة مقَالَة فِي السذاب مقَالَة فِي الْعرق مقَالَة فِي أيلاوس مقَالَة فِي أبلمسيا

стр. 47

وَكَانَ من الْأَطِبَّاء الْمَذْكُورين أَيْضا فِي الفترة الَّتِي بَين أبقراط وجالينوس أبولونيوس وأرشيجانس وَله أَيْضا كتب عدَّة فِي صناعَة الطِّبّ وَوجدت لَهُ من ذَلِك مِمَّا نقل إِلَى الْعَرَبِيّ كتاب أسقام الْأَرْحَام وعلاجها كتاب طبيعة الْإِنْسَان كتاب فِي النقرس وَمن أُولَئِكَ الْأَطِبَّاء أَيْضا دباسقوريدس الأول الْمُفَسّر لكتب أبقراط وطيماوس الفلسطيني الْمُفَسّر لكتب أبقراط أَيْضا ونباديطوس الملقب بموهبة الله فِي المعجونات وميسياوس الْمَعْرُوف بالمقسم للطب ومارس الحيلي الملقب بثاسلس باسم ذَلِك الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي أَصْحَاب الْحِيَل وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقع إِلَيْهِ كتاب بعد إحراق كتب ثاسلس الأول من كتب الحيليين فانتحله وَقَالَ لَا صناعَة غير صناعَة الْحِيَل وَهِي صناعَة الطِّبّ الصَّحِيحَة وَأَرَادَ أَن يفْسد النَّاس ويخرجهم عَن اعْتِقَادهم للْقِيَاس والتجربة وَوضع فِي الْحِيَل من ذَلِك الْكتاب كتبا كَثِيرَة فَلم تزل مَعَ الْأَطِبَّاء فبعض يقبلهَا وَبَعض لَا حَتَّى ظهر جالينوس فناقضه عَلَيْهَا وأفسدها وأحرق مَا وجد مِنْهَا وأبطبل هَذِه الصِّنَاعَة الحيلية وأقريطن الملقب بالمزين وَهُوَ صَاحب كتاب الزِّينَة وَقد نقل جالينوس عَنهُ أَشْيَاء من كِتَابه فِي كتاب الميامر وأقاقيوس وجارمكسانس وأرثياثيوس وماريطوس وقاقولونس ومرقس وبرغالس وهرمس الطَّبِيب ويولاس وحاحونا وحلمانس هَؤُلَاءِ الاثنا عشر من الْأَطِبَّاء الَّذين أَوَّلهمْ أقريطن يعْرفُونَ بمعاضدة بَعضهم لبَعض وباتصال بَعضهم بِبَعْض فِي تأليف الْأَدْوِيَة لمَنْفَعَة النَّاس بالبروج الاثْنَي عشر لِأَنَّهَا مُتَّصِلَة بَعْضهَا بِبَعْض وفيلس الخلقدوني الملقب بالقادر من قبل أَنه كَانَ يتجرأ على العلاجات الصعبة ويشفيها ويعلو عَلَيْهَا ويقتدر وَلَا يُخطئ لَهُ علاج وديمقراطيس الثَّانِي وأفروسيس وأكسانقراطس وأفروديس وبطلميوس الطَّبِيب وسقراطس الطَّبِيب ومارقس الملقب بعاشق الْعُلُوم وسوروس وفوريس قَادِح الْعُيُون ونيادريطوس الملقب بالساهر وفرفوريوس التأليفي صَاحب الْكتب الْكَثِيرَة لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ فلسفته مبرزا فِي الطِّبّ بارعا فِيهِ قَوِيا فَمن قبل ذَلِك يُسَمِّيه بعض النَّاس الفيلسوف وَبَعْضهمْ الطَّبِيب ودياسقوريدس الْعين زَرْبِي صَاحب النَّفس الزكية النافع للنَّاس الْمَنْفَعَة الجليلة المتعرب الْمَنْصُور السائح فِي الْبِلَاد المقتبس لعلوم الْأَدْوِيَة المفردة من البراري والجزائر والبحار المصور لَهَا المجرب المعدد لمنافعها قبل الْمَسْأَلَة من أفاعيلها حَتَّى إِذا صحت عِنْده بالتجربة فَوَجَدَهَا قد خرجت بِالْمَسْأَلَة غير مُخْتَلفَة عَن التجربة أثبت ذَلِك وصوره من مثله وَهُوَ رَأس كل دَوَاء مُفْرد وَعنهُ أَخذ جَمِيع من جَاءَ بعده وَمِنْه ثقفوا على سَائِر مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْأَدْوِيَة المفردة وطوبى لتِلْك النَّفس الطّيبَة الَّتِي شقيت بالتعب من محبتها لإيصال الْخيرَات إِلَى النَّاس كلهم وَقَالَ حنين ابْن إِسْحَق إِن دياسقوريدس كَانَ اسْمه عِنْد قومه أزدش نياديش وَمَعْنَاهُ بلغتهم

стр. 48

الْخَارِج عَنَّا قَالَ حنين وَذَلِكَ أَنه كَانَ مُعْتَزِلا عَن قومه مُتَعَلقا بالجبال ومواضع النَّبَات مُقيما بهَا فِي كل الْأَزْمِنَة لَا يدْخل إِلَى قومه فِي طَاعَة وَلَا مشورة وَلَا حكم فَلَمَّا كَانَ ذَلِك سَمَّاهُ قومه بِهَذَا الِاسْم وَمعنى ديسقوري باليونانية أَشجَار ودوس باليونانية الله وَمَعْنَاهُ أَي ملهمه الله للشجر والحشائش أَقُول وَمِمَّا يُؤَيّد أَن دياسقوريدس كَانَ متنقلا فِي الْبلدَانِ لمعْرِفَة الحشائش وَالنَّظَر إِلَيْهَا وَفِي منابتها قَوْله فِي صدر كِتَابه يُخَاطب الَّذِي ألف الْكتاب لَهُ وَأما نَحن فَإِنَّهُ كَانَت لنا كَمَا علمت فِي الصغر شَهْوَة لَا تقدر فِي معرفَة هيولى العلاج وتجولنا فِي ذَلِك بلدانا كَثِيرَة وَكَانَ دَهْرنَا كَمَا قد علمت دهر من لَيْسَ لَهُ مقَام فِي مَوضِع وَاحِد وَكتاب دياسقوريدس هَذَا خمس مقالات وَيُوجد مُتَّصِلا بِهِ أَيْضا مقالتان فِي سموم الْحَيَوَان تنْسب إِلَيْهِ وَأَنَّهَا سادسة وسابعة وَهَذَا ذكر أغراض مقالات كتاب دياسقوريدس الْمقَالة الأولى تشْتَمل على ذكر أدوية عطرة الرَّائِحَة وأفاويه وأدهان وصموغ وأشجار كبار والمقالة الثَّانِيَة تشْتَمل على ذكر الْحَيَوَانَات ورطوبات الْحَيَوَان والحبوب والقطاني والبقول المأكولة والبقول الحريفة وأدوية حريفة والمقالة الثَّالِثَة تشْتَمل على ذكر أصُول النَّبَات وعَلى نَبَات شوكي وعَلى بزور وصموغ وعَلى حشائش بازهرية الْمقَالة الرَّابِعَة تشْتَمل على ذكر أدوية أَكْثَرهَا حشائش بَارِدَة وعَلى حشائش حارة مسهلة ومقيئة وعَلى حشائش نافعة من السمُوم وَهُوَ ختام الْمقَالة الْمقَالة الْخَامِسَة تشْتَمل على ذكر الْكَرم وعَلى أَنْوَاع الْأَشْرِبَة وعَلى الْأَدْوِيَة المعدنية وجالينوس يَقُول عَن هَذَا الْكتاب إِنِّي تصفحت أَرْبَعَة عشر مُصحفا فِي الْأَدْوِيَة المفردة لأقوام شَتَّى فَمَا رَأَيْت فِيهَا أتم من كتاب ديسقوريدس الَّذِي من أهل عين زربة وَكَانَ من الْأَطِبَّاء الْمَذْكُورين أَيْضا فِي الفترة الَّتِي بَين أبقراط وجالينوس بلاديوس الْمُفَسّر لكتب أبقراط وكلاوبطرة امْرَأَة طبيبة فارهة أَخذ عَنْهَا جالينوس أدوية كَثِيرَة وعلاجات شَتَّى وخاصة مَا كَانَ من ذَلِك من أُمُور النِّسَاء وأسقلبيادس وسورانوس الملقب بالذهبي وأيراقليس الطارنطي وأديمس الكحال الملقب بِالْملكِ ونساروس الفلسطيني وغالس الْحِمصِي وكسانوقراطس وقوطانس وديوجانس الطَّبِيب الملقب بالفراني وأسقليبيادس الثَّانِي وبقراطيس الجوارشني ولاون الطرسوسي

стр. 49

وأريوس الطرسوسي وقيمن الْحَرَّانِي وموسقوس الأثيني وأقليدس الْمَعْرُوف بالمهدي للضالين وأيراقليس الْمَعْرُوف بالهادي وبطروس وفروادس ومانطلياس الْفَاسِد وثافراطس الْعين زَرْبِي وأنطيباطوس المصِّيصِي وخروسبس الْمَعْرُوف بالفتي وأريوس الْمَعْرُوف بالمضاد وفيلون الطرسوسي وفاسيوس الْمصْرِيّ وطولس الإسْكَنْدراني وأولينس وسقورس الملقب بالمطاع وَإِنَّمَا لقب بذلك لِأَن الْأَدْوِيَة كَانَت تطاوعه فِيمَا يستعملها وتامور الْحَرَّانِي وَجَمِيع هَؤُلَاءِ الْأَطِبَّاء أَصْحَاب أدوية مركبة أَخذ جالينوس عَنْهُم كتبه فِي الْأَدْوِيَة المركبة وَعَن الَّذين من قبلهم مِمَّن سميناه أَولا مثل أيولس وأرشيجانس وَغَيرهمَا وَكَانَ قبل جالينوس أَيْضا طرالينوس وَهُوَ الإسكندروس الطَّبِيب وَله من الْكتب كتاب علل الْعين وعلاجها ثَلَاث مقالات كتاب البرسام كتاب الضبان والحيات الَّتِي تتولد فِي الْبَطن والديدان وَكَانَ فِي ذَلِك الزَّمَان أَيْضا وَمَا قبله جمَاعَة من عُظَمَاء الفلاسفة وأكابرهم على مَا ذكره إِسْحَق بن حنين مثل فوثاغرس وديوفيلس وثاون وأنبادقلس وأقليدس وساورى وطماتاوس وأنكسيمانس وديمقراطيس وثاليس قَالَ وَكَانَ الشُّعَرَاء أَيْضا فِي ذَلِك الْوَقْت أوميرس وقاقلس ومارقس وتلاهم أَيْضا من الفلاسفة زينون الْكَبِير وزينون الصَّغِير وأقراطوس الملقب بالموسيقي ورامون المنطقي وأغلوقن البنضيني وسقراط وأفلاطن وديمقراط وأرسطوطالس وثاوفرطس ابْن أُخْته وأذيمس وأفانس وخروسبس وديوجانس وقيلاطس وفيماطوس وسنبلقيوس وأرمينس معلم جالينوس وغلوقن والإسكندر الْملك والإسكندر الأفروديسي وفرفوريوس الصُّورِي وأيراقليدس الأفلاطوني وطاليوس

стр. 50

الإسْكَنْدراني ومُوسَى الإسْكَنْدراني ورودس الأفلاطوني وأسطفانس الْمصْرِيّ وسنجس ورامن وَيَتْلُو هَؤُلَاءِ أَيْضا من الفلاسفة ثامسطيوس وفرفوديس الْمصْرِيّ وَيحيى النَّحْوِيّ الإسْكَنْدراني وداريوس وأنقيلاوس الْمُخْتَصر لكتب أرسطوطاليس وأمونيوس وفولوس وافروطوخس وأوديمس الإسْكَنْدراني وياغاث الْعين زَرْبِي وثياذوس الأثيني وَادي الطرسوسي وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم صاعد بن أَحْمد بن صاعد فِي كتاب طَبَقَات الْأُمَم أَن الفلاسفة اليونانيين من أرفع النَّاس طبقَة وَأجل أهل الْعلم منزلَة لما ظهر مِنْهُم من الاعتناء الصَّحِيح بفنون الْحِكْمَة من الْعُلُوم الرياضية والمنطقية والمعارف الطبيعية والإلهية والسياسات المنزلية والمدنية قَالَ وَأعظم هَؤُلَاءِ الفلاسفة قدرا عِنْد اليونانيين خَمْسَة فأولهم زَمَانا بندقليس ثمَّ فيثاغورس ثمَّ سقراط ثمَّ أفلاطون ثمَّ أرسطوطاليس ابْن نيقوماخس أَقُول وَسَنذكر جملا من أَحْوَال هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة وَغَيرهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى بندقليس قَالَ القَاضِي صاعد أَن بندقليس كَانَ فِي زمن دَاوُد النَّبِي ﵇ على مَا ذكره الْعلمَاء بتواريخ الْأُمَم وَكَانَ أَخذ الْحِكْمَة عَن لُقْمَان الْحَكِيم بِالشَّام ثمَّ انْصَرف إِلَى بِلَاد اليونانيين فَتكلم فِي خلق الْعَالم بأَشْيَاء يقْدَح ظَاهرهَا فِي أَمر الْمعَاد فهجره لذَلِك بَعضهم وَطَائِفَة من الباطنية تنتمي إِلَى حكمته وتزعم أَن لَهُ رموزا قَلما يُوقف عَلَيْهَا قَالَ وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مرّة الْجبلي الباطني من أهل قرطبة كلفا بفلسفته دؤوبا على دراستها قَالَ وبندقليس أول من ذهب إِلَى الْجمع بَين مَعَاني صِفَات الله تَعَالَى وَإِنَّهَا كلهَا تُؤدِّي إِلَى شَيْء وَاحِد وَإنَّهُ وَإِن وصف بِالْعلمِ والجود وَالْقُدْرَة فَلَيْسَ هُوَ ذَا معَان متميزة تخْتَص بِهَذِهِ الْأَسْمَاء الْمُخْتَلفَة بل الْوَاحِد بِالْحَقِيقَةِ الَّذِي لَا يتكثر بِوَجْه مَا أصلا بِخِلَاف سَائِر الموجودات فَإِن الوحدانيات العالمية معرضة للتكثير إِمَّا بإجزائها وَإِمَّا بمعانيها وَإِمَّا بنظائرها وَذَات الْبَارِي متعالية عَن هَذَا كُله قَالَ وَإِلَى هَذَا الْمَذْهَب فِي الصِّفَات ذهب أَبُو الْهُذيْل مُحَمَّد بن الْهُذيْل العلاف الْبَصْرِيّ ولبندقليس من الْكتب كتاب فِيمَا بعد الطبيعة كتاب الميامر فيثاغورس وَيُقَال فوثاغوراس وفوثاغوريا وَقَالَ القَاضِي صاعد فِي كتاب طَبَقَات الْأُمَم إِن فيثاغورس كَانَ

стр. 51

بعد بندقليس بِزَمَان وَأخذ الْحِكْمَة عَن أَصْحَاب سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵉ بِمصْر حِين دخلُوا إِلَيْهَا من بِلَاد الشَّام وَكَانَ قد أَخذ الهندسة قبلهم عَن المصريين ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاد اليونان وَأدْخل عِنْدهم علم الهندسة وَعلم الطبيعة وَعلم الدّين واستخرج بذكائه علم الألحان وتأليف النغم وأوقعها تَحت النّسَب العددية وَادّعى أَنه اسْتَفَادَ ذَلِك من مشكاة النُّبُوَّة وَله فِي نضد الْعَالم وترتيبه على خَواص الْعدَد ومراتبه رموز عَجِيبَة وأغراض بعيدَة وَله فِي شَأْن الْمعَاد مَذَاهِب قَارب فِيهَا بندقليس من أَن فَوق عَالم الطبيعة عَالما روحانيا نورانيا لَا يدْرك الْعقل حسنه وبهاءه وَإِن الْأَنْفس الزكية تشتاق إِلَيْهِ وَإِن كل إِنْسَان أحسن تَقْوِيم نَفسه بالتبري من الْعجب والتجبر والرياء والحسد وَغَيرهَا من الشَّهَوَات الجسدانية فقد صَار أَهلا أَن يلْحق بالعالم الروحاني ويطلع على مَا يَشَاء من جواهره من الْحِكْمَة الإلهية وَإِن الْأَشْيَاء الملذذة للنَّفس تَأتيه حِينَئِذٍ إرْسَالًا كالألحان الموسيقية الْآتِيَة إِلَى حاسة السّمع فَلَا يحْتَاج أَن يتَكَلَّف لَهَا طلبا ولفيثاغورس تآليف شَرِيعَة الأرتماطيقي والموسيقي وَغير ذَلِك هَذَا آخر قَوْله وَذكر غَيره عَن الْحَكِيم فيثاغورس أَنه كَانَ يرى السياحة وَاجْتنَاب مماسة الْقَاتِل والمقتول وَأَنه أَمر بتقديس الْحَواس وَتعلم الْعَمَل بِالْعَدْلِ وَجَمِيع الْفَضَائِل والكف عَن الْخَطَايَا والبحث عَن الْعَطِيَّة الإنسية ليعرف طبيعة كل شَيْء وَأمر بالتحابب والتأدب بشرح الْعُلُوم العلوية ومجاهدة الْمعاصِي وعصمة النُّفُوس وَتعلم الْجِهَاد وإكثار الصّيام وَالْقعُود على الكراسي والمواظبة على قِرَاءَة الْكتب وَأَن يعلم الرِّجَال الرِّجَال وَتعلم النِّسَاء وَالنِّسَاء وَأمر بجودة الْمنطق ومواعظ الْمُلُوك وَكَانَ يَقُول بِبَقَاء النَّفس وَكَونهَا فِيمَا بعد فِي ثَوَاب أَو عِقَاب على رَأْي الْحُكَمَاء الإلهيين وَلما رَأس الْحَكِيم فيثاغورس على الهياكل وَصَارَ رَئِيس الكهنة جعل يغتذي بالأغذية غير المجوعة وَغير المعطشة أما الْغذَاء غير المجوع فَكَانَ يهيئه من بزر ميقونيون وسمسم وقشر أسقال مغسول غسلا مستقصى حَتَّى ينبأ قلبه وأنتاريقون وأسفودالن وألفيطون وحمص وشعير من كل وَاحِد جُزْء بالتحرير كَانَ يسحقها ويعجنها بِجِنْس من الْعَسَل يُسمى أميطيو وَأما غير المعطش فَكَانَ يهيئه من بزر القثاء وزبيب سمين منزوع الْعَجم وزهر قوريون وبزر ملوخيا وبزر أسوفا وأندراخين وَنَوع من الْخبز يدعى فيلطاموس ودقيق أواليس وَكَانَ يعجنها بِعَسَل حابوق وَذكر الْحَكِيم أَن هرقلس تعلم هَاتين الصفتين من ديميطر وَكَانَ فيثاغورس قد ألزم نَفسه عَادَة موزونة فَلم يكن مرّة صَحِيحا وَمرَّة سقيما وَلَا كَانَ مرّة يسمن وَمرَّة يهزل وَكَانَت نَفسه لَطِيفَة جدا وَلم يكن يفرح بإفراط وَلَا يحزن بإفراط وَلَا رَآهُ أحد قطّ ضَاحِكا وَلَا باكيا وَكَانَ يقدم إخوانه على نَفسه

стр. 52

ويحكى أَنه أول من قَالَ إِن أَمْوَال الأخلاء مشاعة غير مقسومة وَكَانَ يحافظ على صِحَة الأصحاء وَيُبرئ المسقومي الْأَبدَان وَكَانَ يُبرئ النُّفُوس الآلمة مِنْهَا بالتكهن وَمِنْهَا بالألحان الآلهية الَّتِي كَانَ يحيي بهَا آلام الْبدن وَكَانَ يَأْمر بأَدَاء الْأَمَانَة فِي الْوَدِيعَة لَا المَال فَقَط والكلمة المستودعة المحقة وَصدق الْوَعْد وَذكر فرفوريوس فِي الْمقَالة الأولى من كِتَابه فِي أَخْبَار الفلاسفة وقصصهم وآرائهم حكايات عَجِيبَة ظَهرت عَن فيثاغورس مِمَّا تكهن بِهِ وَمن أخباره بمغيبات سَمِعت مِنْهُ وشوهدت كَمَا قَالَه كَلِمَات حكمِيَّة وَكَانَ يرمز حكمته ويسترها فَمن الغازه أَنه كَانَ يَقُول لَا تَعْتَد فِي الْمِيزَان أَي اجْتنب الإفراط وَلَا تحرّك النَّار بالسكين لِأَنَّهَا قد حميت فِيهَا مرّة أَي اجْتنب الْكَلَام المحرض عِنْد الغضوب المغتاظ وَلَا تجْلِس على قفيز أَي لَا تعش فِي البطالة وَلَا تمر بغياض الليوث أَي لَا تقتد بِرَأْي المردة وَلَا تعمر الخطاطيف الْبيُوت أَي لَا تقتد بأصحاب الطرمذة والبقبقة من النَّاس غير المالكين لألسنتهم وَأَن لَا يلقِي الْحمل عَن حامله لَكِن يعان على حمله أَي لَا يغْفل أحد أَعمال نَفسه فِي الْفَضَائِل فِي الطَّاعَات وَأَن لَا تلبس تماثيل الْمَلَائِكَة على فصوص الخواتيم أَي لَا تجْهر بديانتك وَتَدَع أسرار الْعُلُوم الإلهية عِنْد الْجُهَّال قَالَ الْأَمِير المبشر بن فاتك كَانَ لفيثاغورس أَب اسْمه منيسارخوس من أهل صور وَكَانَ لَهُ أَخَوان اسْم الْأَكْبَر مِنْهُمَا أونوسطوس وَالْآخر طورينوس وَكَانَ اسْم أمه بوثايس بنت رجل اسْمه أجقايوس من سكان ساموس وَلما غلب على صور ثَلَاثَة قبائل ليمنون ويمقرون وسقرون واستوطنوها وجلا أَهلهَا مِنْهَا جلا وَالِد فيثاغورس فِيمَن جلا وَسكن الْبحيرَة وسافر مِنْهَا إِلَى ساموس ملتمسا كسبا وَأقَام بهَا وَصَارَ فِيهَا مكرما وَلما سَافر مِنْهَا إِلَى أنطاكيا أَخذ فيثاغورس مَعَه ليتفرج عَلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَت نزهة جدا كَثِيرَة الخصب وَذكروا أَن فيثاغورس إِنَّمَا عَاد إِلَيْهَا فسكنها لما رأى من طيبها أول مرّة وَلما جلا منيسارخوس عَن صور سكن ساموس وَمَعَهُ أَوْلَاده أونوسطوس وطورينوس وفيثاغورس فتبنى أندروقلوس رَئِيس ساموس فيثاغورس وكفله لِأَنَّهُ كَانَ أحدث الْأُخوة وأسلمه من صغره فِي تَعْلِيم الْآدَاب واللغة والموسيقى فَلَمَّا التحى وَجه بِهِ إِلَى مَدِينَة ميليطون

стр. 53

وأسلمه إِلَى أناكسيماندروس الْحَكِيم ليعلمه الهندسة والمساحة والنجوم فَلَمَّا أحكم فيثاغورس هَاتين الصناعتين اشْتَدَّ حبه للعلوم وَالْحكمَة فسافر إِلَى بلدان شَتَّى طَالبا لذَلِك فورد على الكلدانيين والمصريين وَغَيرهم ورابط الكهنة وَتعلم مِنْهُم الْحِكْمَة وحذق لُغَة المصريين بِثَلَاثَة أَصْنَاف من الْخط خطّ الْعَامَّة وَخط الْخَاصَّة وَهُوَ خطّ الكهنة الْمُخْتَصر وَخط الْمُلُوك وعندما كَانَ فِي أراقليا كَانَ مرابطا لملكها وَلما صَار إِلَى بابل رابط رُؤَسَاء خلذايون ودرس على زارباطا فبصره بِمَا يجب على الصديقين وأسمعه سَماع الكيان وَعلمه أَوَائِل الْكل أَيّمَا هِيَ فَمن ذَلِك فضلت حِكْمَة فيثاغورس وَبِه وجد السَّبِيل إِلَى هِدَايَة الْأُمَم وردهم عَن الْخَطَايَا لِكَثْرَة مَا اقتنى من الْعُلُوم من كل أمة وَمَكَان وَورد على قاراقوديس الْحَكِيم السرياني فِي بداية أمره فِي مَدِينَة اسْمهَا ديلون من سورية وَخرج عَنْهَا قاراقوديس فسكن ساموس وَكَانَ قد عرض لَهُ مرض شَدِيد حَتَّى أَن الْقمل كَانَ ينتعش فِي جِسْمه فَلَمَّا عظم بِهِ وساء مثواه حمله تلاميذه إِلَى أفسس وَلما تزايد ذَلِك عَلَيْهِ رغب إِلَى أهل أفسس وَأقسم عَلَيْهِم أَن يحولوه عَن مدينتهم فأخرجوه إِلَى ماغانسيا وعنى تلاميذه بخدمته حَتَّى مَاتَ فدفنوه وَكَتَبُوا قصَّته على قَبره وَرجع فيثاغورس إِلَى مَدِينَة ساموس ودرس بعده على أرمودامانيطس الْحَكِيم الْبَهِي المتأله المكنى بقراوفوليو بِمَدِينَة ساموس وَلَقي أَيْضا بهَا أرمودامانيس الْحَكِيم المكنى أفروقوليم فرابطه زَمَانا وَكَانَت طرانة ساموس قد صَارَت لفولوقراطيس الأطرون واشتاق فيثاغورس إِلَى الِاجْتِمَاع بالكهنة الَّذين بِمصْر فابتهل إِلَى فولوقراطيس أَن يكون لَهُ على ذَلِك معينا فَكتب لَهُ إِلَى أماسيس ملك مصر كتابا يُخبرهُ بِمَا تاق إِلَيْهِ فيثاغورس ويعلمه أَنه صديق لأصدقائه ويسأله أَن يجود عَلَيْهِ بِالَّذِي طلب وَأَن يتحنن عَلَيْهِ فَأحْسن أماسيس قبُوله وَكتب لَهُ إِلَى رُؤَسَاء الكهنة بِمَا أَرَادَ فورد على أهل مَدِينَة الشَّمْس وَهِي الْمَعْرُوفَة بزماننا بِعَين شمس بكتب ملكهم فقبلوه قبولا كريها وَأخذُوا فِي امتحانه زَمَانا فَلم يَجدوا عَلَيْهِ نقصا وَلَا تقصيرا فوجهوا بِهِ إِلَى كهنة منف كي يبالغوا فِي امتحانه فقبلوه قبولا على كَرَاهِيَة واستقصوا امتحانه فَلم يَجدوا عَلَيْهِ معيبا وَلَا أَصَابُوا لَهُ عَثْرَة فبعثوا بِهِ إِلَى أهل دبوسبولس ليمتحنوه فَلم يَجدوا عَلَيْهِ طَرِيقا وَلَا إِلَى إدحاضه سَبِيلا لعناية ملكهم بِهِ فعرضوا عَلَيْهِ فَرَائض صعبة مُخَالفَة لفرائض اليونانيين كَيْمَا يمْتَنع من قبُولهَا فيدحضوه ويحرموه طلبه فَقبل ذَلِك وَقَامَ بِهِ فَاشْتَدَّ إعجابهم مِنْهُ وَفَشَا بِمصْر ورعه حَتَّى بلغ ذكره إِلَى أماسيس فَأعْطَاهُ سُلْطَانا على الضَّحَايَا للرب تَعَالَى وعَلى سَائِر قرابينهم وَلم يُعْط ذَلِك لغريب قطّ

стр. 54

ثمَّ مضى فيثاغورس من مصر رَاجعا إِلَى بِلَاده وَبنى لَهُ بِمَدِينَة أيونية منزلا للتعليم فَكَانَ أهل ساموس يأْتونَ إِلَيْهِ وَيَأْخُذُونَ من حكمته وَأعد لَهُ خَارِجا من تِلْكَ الْمَدِينَة أنطرونا جعله مجمعا خَاصّا لحكمته فَكَانَ يرابط فِيهِ مَعَ قَلِيل من أَصْحَابه أَكثر أوقاته وَلما أَتَت عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ سنة وتمادت طرانة فولوقراطيس وَكَانَ قد اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِم حينا طَويلا واستكفاه ففكر وَرَأى أَنه لَا يحسن بِالْمَرْءِ الْحَكِيم الْمكْث على لُزُوم الطرانة وَالسُّلْطَان فَرَحل إِلَى إيطاليا وَسَار مِنْهَا إِلَى قروطونيا ودخلها فَرَأى أَهلهَا حسن منظره ومنطقه ونبله وسعة علمه وَصِحَّة سيرته مَعَ كَثْرَة يسَاره وتكامله فِي جَمِيع خصاله واجتماع الْفَضَائِل كلهَا فِيهِ فانقاد لَهُ أهل قروطونيا انقياد الطَّاعَة العلمية فألزمهم عصمَة القدماء وَهدى نُفُوسهم ووعظهم بالصالحات وَأمر الأراكنة أَن يضعوا للأحداث كتب الْآدَاب الْحكمِيَّة وتعليمهم إِيَّاهَا فَكَانَ الرِّجَال وَالنِّسَاء يَجْتَمعُونَ إِلَيْهِ ليسمعوا مواعظه وينتفعوا بِحِكْمَتِهِ فَعظم مجده وَكبر شَأْنه وصير كثيرا من أهل تِلْكَ الْمَدِينَة مهرَة بالعلوم وانتشر الْخَبَر حَتَّى أَن عَامَّة مُلُوك البربر وردوا عَلَيْهِ ليسمعوا حكمته ويستوعبوا من علمه ثمَّ إِن فيثاغورس جال فِي مدن إيطاليا وسيقليا وَكَانَ الْجور والتمرد قد غلب عَلَيْهِم فصاروا سماعيه وصديقيه من أهل طاورومانيون وَغير ذَلِك فاستأصل الْفِتْنَة مِنْهُم وَمن نسلهم إِلَى أحقاب كَثِيرَة وَكَانَ مَنْطِقه طاردا لكل مُنكر وَلما سمع حكمته ومواعظه سماخس أطرون قانطوربيا خرج من ملكه وَخلف أَمْوَاله بَعْضهَا لِأَخِيهِ وَبَعضهَا لأهل مدينته وَذكر أَن باندس الَّذِي كَانَ جنسه من فرمس وَكَانَ ملك فوثو وَكَانَ من ولد فيثاغورس وَكَانَ لفيثاغورس وَهُوَ باقروطونيا بنت بتول كَانَت تعلم عذارى الْمَدِينَة شرائع الدّين وفرائضه وسنته من حَلَاله وَحَرَامه وَكَانَت أَيْضا زَوجته تعلم سَائِر النِّسَاء وَلما توفّي فيثاغورس عمد ديميطوديوس الْمُؤمن إِلَى منزل الْحَكِيم فَجعله هيكلا لأهل قروطونيا وَذكروا أَن فيثاغورس كَانَ على عهد كورس حَدثا وَكَانَ ملكه ثَلَاثِينَ سنة وَملك بعده ابْنه قامبوسيس وفيثاغورس فِي الْحَيَاة وَأَن فيثاغورس لبث بساموس سِتِّينَ سنة ثمَّ سَافر إِلَى إيطاليا ثمَّ توجه مِنْهَا إِلَى ماطايونطيون فَمَكثَ بهَا خمس سِنِين وَتُوفِّي وَكَانَ غذاؤه عسلا وَسمنًا وعشاؤه خبز قاخجرون وَبقول نيئة ومطبوخة وَلم يكن يَأْكُل من اللَّحْم إِلَّا مَا كَانَ من أضْحِية كهونته مِمَّا كَانَ يقرب لله تَعَالَى

стр. 55

فَلَمَّا أَن رَأس على الهياكل وَصَارَ رَئِيس الكهنة جعل يغتذي بالأغذية غير المجوعة وَغير المعطشة وَكَانَ إِذا ورد عَلَيْهِ وَارِد ليسمع كَلَامه يكلمهُ على أحد وَجْهَيْن إِمَّا بالاحتجاج والدراس وَإِمَّا بِالْمَوْعِظَةِ والمشورة فَكَانَ لتعليمه شكل ذُو فنين وحضره سفر إِلَى بعض الْأَمَاكِن فَأَرَادَ أَن يؤنس أَصْحَابه بِنَفسِهِ قبل فراقهم فَاجْتمعُوا فِي بَيت رجل يُقَال لَهُ ميلن فَبَيْنَمَا هم فِي الْبَيْت مجتمعون إِذْ هجم عَلَيْهِم رجل من أهل قروطونيا اسْمه قولون وَكَانَ لَهُ شرف وَحسب وَمَال عَظِيم وَكَانَ يستطيل بذلك على النَّاس ويتمرد عَلَيْهِم ويغتر بالجور وَكَانَ قد دخل على فيثاغورس وَجعل يمدح نَفسه فزجره بَين يَدي جُلَسَائِهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ باكتساب خلاص نَفسه فَاشْتَدَّ غيظ قولون عَلَيْهِ فَجمع أخلاءه وَقذف فيثاغورس عِنْدهم وَنسبه إِلَى الْكفْر وَوَافَقَهُمْ على قَتله وَأَصْحَابه وَلما هجم عَلَيْهِ قتل مِنْهُم أَرْبَعِينَ إنْسَانا وهرب باقيهم فَمنهمْ من أدْرك وَقتل وَمِنْهُم من أفلت واختفى ودامت السّعَايَة بهم والطلب لَهُم وخافوا على فيثاغورس الْقَتْل فأفردوا لَهُ قوما مِنْهُم واحتالوا لَهُ حَتَّى أَخْرجُوهُ من تِلْكَ الْمَدِينَة بِاللَّيْلِ ووجهوا مَعَه بَعضهم حَتَّى أوصلوه إِلَى قاولونيا وَمن هُنَاكَ إِلَى لوقروس فانتهت الشناعة فِيهِ إِلَى أهل هَذِه الْمَدِينَة فوجهوا إِلَيْهِ مَشَايِخ مِنْهُم فَقَالُوا لَهُ أما أَنْت يَا فيثاغورس فحكيم فِيمَا نرى وَأما الشناعة عَنْك فسمجة جدا لَكنا لَا نجد فِي نواميسنا مَا يلزمك الْقَتْل وَنحن متمسكون بشرائعنا فَخذ منا ضيافتك وَنَفَقَة لطريقك وارحل عَن بلدنا تسلم فَرَحل عَنْهَا إِلَى طارنطا ففاجأه هُنَاكَ قوم من أهل قروطونيا فكادوا أَن يخنقوه وَأَصْحَابه فَرَحل إِلَى ميطابونطيون وتكاثرت الهيوج فِي الْبِلَاد بِسَبَبِهِ حَتَّى صَار يذكر ذَلِك أهل تِلْكَ الْبِلَاد سنينا كَثِيرَة ثمَّ انحاز إِلَى هيكل الْأَسْنَان الْمُسَمّى هيكل الموسن فتحصن فِيهِ وَأَصْحَابه ولبث فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لم يغتذ فَضربُوا الهيكل الَّذِي كَانَ فِيهِ بالنَّار فَلَمَّا أحس أَصْحَابه بذلك عَمدُوا إِلَيْهِ فجعلوه فِي وَسطهمْ وَأَحْدَقُوا بِهِ ليوقوه النَّار بأجسامهم فعندما امتدت النَّار فِي الهيكل وَاشْتَدَّ لهبها غشي على الْحَكِيم من ألم حَرَارَتهَا وَمن الخواء فَسقط مَيتا ثمَّ أَن تِلْكَ الآفة عمتهم أَجْمَعِينَ فاحترقوا كلهم وَكَانَ ذَلِك سَبَب مَوته وَذكروا أَنه صنف مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ كتابا وَخلف من التلاميذ خلقا كثيرا وَكَانَ نقش خَاتمه شَرّ لَا يَدُوم خير من خير لَا يَدُوم أَي شَرّ ينْتَظر زَوَاله ألذ من خير ينْتَظر زَوَاله وعَلى منطقته الصمت سَلامَة من الندامة من آدَاب فيثاغورس ومواعظه نقلت ذَلِك من كتاب مُخْتَار الحكم ومحاسن الْكَلم للأمير مَحْمُود الدولة أبي الْوَفَاء المبشر بن فاتك قَالَ فيثاغورس كَمَا أَن بَدْء وجودنا وخلقنا من الله سُبْحَانَهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَن تكون نفوسنا منصرفة إِلَى الله تَعَالَى وَقَالَ الفكرة لله خَاصَّة فمحبتها مُتَّصِلَة بمحبة الله تَعَالَى وَمن أحب الله سُبْحَانَهُ عمل بمحابه

стр. 56

وَمن عمل بمحابه قرب مِنْهُ وَمن قرب مِنْهُ نجا وفاز وَقَالَ لَيْسَ الضَّحَايَا والقرابين كرامات الله تَعَالَى ذكره لَكِن الِاعْتِقَاد الَّذِي يَلِيق بِهِ هُوَ الَّذِي يَكْتَفِي بِهِ فِي تكرمته وَقَالَ الْأَقْوَال الْكَثِيرَة فِي الله سُبْحَانَهُ عَلامَة تَقْصِير الْإِنْسَان عَن مَعْرفَته وَقَالَ مَا انفع للْإنْسَان أَن يتَكَلَّم بالأشياء الجليلة النفيسة فَإِن لم يُمكنهُ فليسمع قَائِلهَا وَقَالَ احذر أَن تركب قبيحا من الْأَمر لَا فِي خلْوَة وَلَا مَعَ غَيْرك وَليكن استحياؤك من نَفسك أَكثر من استحيائك من كل أحد وَقَالَ ليكن قصدك بِالْمَالِ فِي اكتسابه من حَلَال وإنفاقه فِي مثله وَقَالَ إِذا سَمِعت كذبا فهون على نَفسك الصَّبْر عَلَيْهِ وَقَالَ لَا يَنْبَغِي لَك أَن تهمل أَمر صِحَة بدنك لَكِن يَنْبَغِي الْقَصْد فِي الطَّعَام وَالشرَاب وَالنِّكَاح والرياضة وَقَالَ لَا تكن متلافا بِمَنْزِلَة من لَا خبْرَة لَهُ بِقدر مَا فِي يَده وَلَا تكن شحيحا فَتخرج عَن الْحُرِّيَّة بل الْأَفْضَل فِي الْأُمُور كلهَا هُوَ الْقَصْد فِيهَا وَقَالَ كن متيقظا فِي آرائك أَيَّام حياتك فَإِن سبات الرَّأْي مشارك للْمَوْت فِي الْجِنْس وَقَالَ مَا لَا يَنْبَغِي أَن تَفْعَلهُ احذر أَن تخطره ببالك وَقَالَ لَا تدنس لسَانك بِالْقَذْفِ وَلَا تصغ بأذنيك إِلَى مثل ذَلِك وَقَالَ عسر على الْإِنْسَان أَن يكون حرا وَهُوَ ينصاع للأفعال القبيحة الْجَارِيَة مجْرى الْعَادة وَقَالَ لَيْسَ يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يلْتَمس الْقنية الْعَالِيَة والأبنية المشيدة لِأَنَّهَا من بعد مَوته تنتقي على حُدُود طباعها ويتصرف غَيره فِيهَا لَكِن يطْلب من الْقنية مَا يَنْفَعهُ بعد الْمُفَارقَة وَالتَّصَرُّف فِيهَا وَقَالَ الأشكال المزخرفة والأمور المموهة فِي أقصر الزَّمَان تتبهرج وَقَالَ اعْتقد أَن أس مَخَافَة الله سُبْحَانَهُ الرَّحْمَة وَقَالَ مَتى التمست فعلا من الْأَفْعَال فابدأ إِلَى رَبك بالابتهال فِي النجح فِيهِ وَقَالَ الْإِنْسَان الَّذِي اختبرته بالتجربة فَوَجَدته لَا يصلح أَن يكون صديقا وخلا احذر من أَن تَجْعَلهُ لَك عدوا وَقَالَ مَا أحسن بالإنسان أَن لَا يُخطئ وَإِن أَخطَأ فَمَا أَكثر انتفاعه بِأَن يكون عَالما بِأَنَّهُ اخطأ ويحرص فِي أَن لَا يعاود

стр. 57

وَقَالَ الأخلق بالإنسان أَن يفعل مَا يَنْبَغِي لَا مَا يَشْتَهِي وَقَالَ يَنْبَغِي أَن يعرف الْوَقْت الَّذِي يحسن فِيهِ الْكَلَام وَالْوَقْت الَّذِي يحسن فِيهِ السُّكُوت وَقَالَ الْحر هُوَ الَّذِي لَا يضيع حرفا من حُرُوف النَّفس لشَهْوَة من شهوات الطبيعة وَقَالَ بِقدر مَا تطلب تعلم وبقدر مَا تعلم تطلب وَقَالَ لَيْسَ من شَرَائِط الْحَكِيم أَن لَا يضجر وَلَكِن يضجر بِوَزْن وَقَالَ لَيْسَ الْحَكِيم من حمل عَلَيْهِ بِقدر مَا يُطيق فَصَبر وَاحْتمل وَلَكِن الْحَكِيم من حمل عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا تحْتَمل الطبيعة فَصَبر وَقَالَ الدُّنْيَا دوَل مرّة لَك وَأُخْرَى عَلَيْك فَإِن توليت فَأحْسن وَإِن تولوك فَلَنْ وَكَانَ يَقُول أَن أَكثر الْآفَات إِنَّمَا تعرض للحيوانات لعدمها الْكَلَام وَتعرض للْإنْسَان من قبل الْكَلَام وَكَانَ يَقُول من اسْتَطَاعَ أَن يمْنَع نَفسه من أَرْبَعَة أَشْيَاء فَهُوَ خليق أَن لَا ينزل بِهِ الْمَكْرُوه كَمَا ينزل بِغَيْرِهِ العجلة واللجاجة وَالْعجب والتواني فثمرة العجلة الندامة وَثَمَرَة اللجاجة الْحيرَة وَثَمَرَة الْعجب الْبغضَاء وَثَمَرَة التواني الذلة وَنظر إِلَى رجل عَلَيْهِ ثِيَاب فاخرة يتَكَلَّم فيلحن فِي كَلَامه فَقَالَ لَهُ إِمَّا أَن تَتَكَلَّم بِكَلَام يشبه لباسك أَو تلبس لباسا يشبه كلامك وَقَالَ لتلاميذه لَا تَطْلُبُوا من الْأَشْيَاء مَا يكون بِحَسب محبتكم وَلَكِن أَحبُّوا من الْأَشْيَاء مَا هِيَ محبوبة فِي أَنْفسهَا وَقَالَ اصبر على النوائب إِذا أتتك من غير أَن تتذمر بل اطلب مداواتها بِقدر مَا تطِيق وَقَالَ استعملوا الْفِكر قبل الْعَمَل وَقَالَ كَثْرَة الْعَدو تقلل الهدوء وَكَانَ فيثاغورس إِذا جلس على كرسيه أوصى بِهَذِهِ السَّبع الْوَصَايَا قومُوا موازينكم واعترفوا أوزانها عدلوا الْخط تصحبكم السَّلامَة لَا تشعلوا النَّار حَيْثُ ترَوْنَ السكين تقطع عدلوا شهواتكم تديموا الصِّحَّة استعملوا الْعدْل تحط بكم الْمحبَّة عاملوا الزَّمَان كالولاة الَّذين يستعملون عَلَيْكُم ويعزلون عَنْكُم لَا تترفوا أبدانكم وَأَنْفُسكُمْ فتفقدوها فِي أَوْقَات الشدائد إِذا أوردت عَلَيْكُم

стр. 58

وَذكر المَال عِنْده ومدح فَقَالَ وَمَا حَاجَتي إِلَى مَا يُعْطِيهِ الْحَظ ويحفظه اللؤم ويهلكه السخاء وَقَالَ وَقد نظر إِلَى شيخ يحب النّظر فِي الْعلم ويستحي أَن يرى متعلما يَا هَذَا أتستحي أَن تكون فِي آخر عمرك أفضل مِنْك فِي أَوله وَقَالَ أنكى شَيْء لعدوك أَن لَا تريه أَنَّك تتخذه عدوا وَحضر امْرَأَته الْوَفَاة فِي أَرض غربَة فَجعل أَصْحَابه يتحزنون على مَوتهَا فِي أَرض غربَة فَقَالَ يَا معشر الإخوان لَيْسَ بَين الْمَوْت فِي الغربة والوطن فرق وَذَلِكَ أَن الطَّرِيق إِلَى الْآخِرَة وَاحِد من جَمِيع النواحي وَقيل لَهُ مَا أحلى الْأَشْيَاء فَقَالَ الَّذِي يَشْتَهِي الْإِنْسَان وَقَالَ الرجل المحبوب عِنْد الله تَعَالَى الَّذِي لَا يذعن لأفكاره القبيحة ونقلت من كتاب فرفوريوس فِي أَخْبَار الفلاسفة وقصصهم وآرائهم قَالَ وَأما كتب فيثاغورس الْحَكِيم الَّتِي انْفَرد بجمعها أرخوطس الفيلسوف الطارنطيني فَتكون ثَمَانِينَ كتابا فَأَما الَّتِي اجْتهد بكلية جهده فِي التقاطها وتأليفها وَجَمعهَا من جَمِيع الكهول الَّذين كَانُوا من جنس فيثاغورس الفيلسوف وَحزبه وورثة علومه رجل فَرجل فَتكون مئتي كتاب عددا فَمن انْفَرد بصفوة عقله وعزل مِنْهَا الْكتب الكذيبة المقولة على لِسَان الْحَكِيم واسْمه الَّتِي اختلقها أنَاس فجرة وَهِي كتاب الْمُنَاجَاة وَكتاب وصف المهن السَّيئَة وَكتاب علم المخاريق وَكتاب أَحْكَام تَصْوِير مجَالِس الْخُمُور وَكتاب تهيئة الطبول والصنوج وَالْمَعَازِف وَكتاب الميامر الكهنوتية وَكتاب بذر الزروع وَكتاب الْآلَات وَكتاب القصائد وَكتاب تكوين الْعَالم وَكتاب الأيادي وَكتاب الْمُرُوءَة وَكتب أُخْرَى كَثِيرَة تشاكل هَذِه الْكتب مِمَّا اختلق حَدِيثا فيسعد سَعَادَة الْأَبَد وَقَالَ وَأما الرِّجَال الْأَئِمَّة الَّذين اختلقوا هَذِه الْكتب الكاذبة الَّتِي ذَكرنَاهَا فَإِنَّهُم على مَا أدَّت إِلَيْنَا الرِّوَايَات أرسطيبوس الْمُحدث ونقوس الَّذِي كَانَ يكنى عين النَّاقِص وَرجل من أهل أقريطية يُقَال لَهُ قونيوس وماغيالوس وفوخجواقا مَعَ آخَرين أطغى مِنْهُم وَكَانَ الَّذِي دعاهم إِلَى اخْتِلَاق هَذِه الْكتب الكاذبة على لِسَان فيثاغورس الفيلسوف واسْمه كي يقبلُوا عِنْد الْأَحْدَاث بِسَبَبِهِ فيكرموا أَو يؤثروا ويواسوا

стр. 59

فَأَما كتب الْحَكِيم الَّتِي لَا ريب فِيهَا فَهِيَ مِائَتَان وَثَمَانُونَ كتابا وَقد كَانَت منسية حَتَّى جَاءَ للكيان بِقوم حكماء ذَوي نِيَّة وورع فحصلوها وجمعوها وألفوها وَلم تكن قبل ذَلِك مَشْهُورَة ببلدة لَكِنَّهَا كَانَت مخزونة فِي إيطاليا وَقَالَ فلوطرخس أَن فيثاغورس أول من سمى الفلسفة بِهَذَا الِاسْم وَمِمَّا يُوجد لفيثاغورس من الْكتب كتاب الأرثماطيقي كتاب الألواح كتاب فِي النّوم واليقظة كتاب فِي كَيْفيَّة النَّفس والجسد رِسَالَة إِلَى متمرد صقلية الرسَالَة الذهبية وَسميت بِهَذَا الِاسْم لِأَن جالينوس كَانَ يَكْتُبهَا بِالذَّهَب إعظاما لَهَا وإجلالا وَكَانَ يواظب على دراستها وقراءتها فِي كل يَوْم رِسَالَة إِلَى سقايس فِي اسْتِخْرَاج الْمعَانِي رِسَالَة فِي السياسة الْعَقْلِيَّة وَقد تعاب هَذِه الرسَالَة بتفسير أمليخس رِسَالَة إِلَى فيمدوسيوس سقراط قَالَ القَاضِي صاعد فِي طَبَقَات الْأُمَم أَن سقراط كَانَ من تلاميذ فيثاغورس اقْتصر من الفلسفة على الْعُلُوم الإلهية وَأعْرض عَن ملاذ الدُّنْيَا ورفضها وأعلن بمخالفة اليونانيين فِي عِبَادَتهم الْأَصْنَام وقابل رؤساءهم بالحجاج والأدلة الألهية فثوروا الْعَامَّة عَلَيْهِ واضطروا ملكهم إِلَى قَتله فأودعه الْملك الْحَبْس تحمدا إِلَيْهِم ثمَّ سقَاهُ السم تفاديا من شرهم وَمن آثاره مناظرات جرت لَهُ مَعَ الْملك مَحْفُوظَة وَله وَصَايَا شريفة وآداب فاضلة وَحكم مَشْهُورَة ومذاهب فِي الصِّفَات قريبَة من مَذَاهِب فيثاغورس وبندقليس إِلَّا أَن لَهُ فِي شَأْن الْمعَاد آراء ضَعِيفَة بعيدَة عَن مَحْض الفلسفة خَارِجَة عَن الْمذَاهب المحققة وَقَالَ الْأَمِير المبشر بن قاتك فِي كتاب مُخْتَار الحكم ومحاسن الْكَلم معنى سقراطيس باليونانية المعتصم بِالْعَدْلِ وَهُوَ ابْن سفرونسقس ومولده ومنشأه ومنبته بأثينية وَخلف من الْوَلَد ثَلَاثَة ذُكُور وَلما ألزم التَّزْوِيج على عاداتهم الْجَارِيَة فِي إِلْزَام الأفاضل بِالتَّزْوِيجِ ليبقى نَسْله بَينهم طلب تَزْوِيجه الْمَرْأَة السفيهة الَّتِي لم يكن فِي بَلَده أسلط مِنْهَا ليعتاد جهلها وَالصَّبْر على سوء خلقهَا ليقدر أَن يحْتَمل جهل الْعَامَّة والخاصة وَبلغ من تَعْظِيمه الْحِكْمَة مبلغا أضرّ بِمن بعده من محبي الْحِكْمَة لِأَنَّهُ كَانَ من رَأْيه أَن لَا تستودع الْحِكْمَة الصُّحُف والقراطيس تَنْزِيها لَهَا عَن ذَلِك وَيَقُول أَن الْحِكْمَة طَاهِرَة مُقَدَّسَة غير فَاسِدَة وَلَا دنسة فَلَا يَنْبَغِي لنا أَن نستودعها إِلَّا الْأَنْفس الْحَيَّة وننزهها عَن الْجُلُود الْميتَة ونصونها عَن الْقُلُوب

стр. 60

المتمردة وَلم يصنف كتابا وَلَا أمْلى على أحد من تلاميذه مَا أثْبته فِي قرطاس وَإِنَّمَا كَانَ يلقنهم علمه تلقينا لَا غير وَتعلم ذَلِك من أستاذه طيماتاوس فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ فِي صباه لم لَا تدعني أدون مَا أسمع مِنْك من الْحِكْمَة فَقَالَ لَهُ مَا أوثقك بجلود الْبَهَائِم الْميتَة وأزهدك فِي الخواطر الْحَيَّة هَب أَن إِنْسَان لقيك فِي طَرِيق فسألك عَن شَيْء من الْعلم هَل كَانَ يحسن أَن تحيله على الرُّجُوع إِلَى مَنْزِلك وَالنَّظَر فِي كتبك فَإِن كَانَ لَا يحسن فَالْزَمْ الْحِفْظ فلزمها سقراط وَكَانَ سقراط زاهدا فِي الدُّنْيَا قَلِيل المبالاة بهَا وَكَانَ من رسوم مُلُوك اليونانيين إِذا حَاربُوا أخرجُوا حكماءهم مَعَهم فِي أسفارهم فَأخْرج الْملك سقراط مَعَه فِي سفرة خرج فِيهَا لبَعض مهماته فَكَانَ سقراط يأوي فِي عَسْكَر ذَلِك الْملك إِلَى زير مكسور يسكن فِيهِ من الْبرد وَإِذا طلعت الشَّمْس خرج مِنْهُ فَجَلَسَ عَلَيْهِ يستدفئ بالشمس وَلأَجل ذَلِك سمي سقراط الْحبّ فَمر بِهِ الْملك يَوْمًا وَهُوَ على ذَلِك الزير فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ مَا لنا لَا نرَاك يَا سقراط وَمَا يمنعك من الْمصير إِلَيْنَا فَقَالَ الشّغل أَيهَا الْملك فَقَالَ بِمَاذَا قَالَ بِمَا يُقيم الْحَيَاة قَالَ فصر إِلَيْنَا فَإِن هَذَا لَك عندنَا معد أبدا قَالَ لَو عملت أَيهَا الْملك أَنِّي أجد ذَلِك عنْدك لم أَدَعهُ قَالَ بَلغنِي أَنَّك تَقول أَن عبَادَة الْأَصْنَام ضارة قَالَ لم أقل هَكَذَا قَالَ فَكيف قلت قَالَ إِنَّمَا قلت إِن عبَادَة الْأَصْنَام نافعة للْملك ضارة لسقراط لِأَن الْملك يصلح بهَا رَعيته ويستخرج بهَا خراجه وسقراط يعلم أَنَّهَا لَا تضره وَلَا تَنْفَعهُ إِذْ كَانَ مقرا بِأَن لَهُ خَالِقًا يرزقه ويجزيه بِمَا قدم من سيء أَو حسن قَالَ فَهَل لَك من حَاجَة قَالَ نعم تصرف عنان دابتك عني فقد سترتني جيوشك من ضوء الشَّمْس قد دَعَا الْملك بكسوة فاخرة من ديباج وَغَيره وبجوهر ودنانير كَثِيرَة ليجيزه بذلك فَقَالَ لَهُ سقراط أَيهَا الْملك وعدت بِمَا يُقيم الْحَيَاة وبذلت مَا يُقيم الْمَوْت لَيْسَ لسقراط حَاجَة إِلَى حِجَارَة الأَرْض وهشيم النبت ولعاب الدُّود وَالَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ سقراط هُوَ مَعَه حَيْثُ توجه وَكَانَ سقراط يرمز فِي كَلَامه مثل مَا كَانَ يفعل فيثاغورس فَمن كَلَامه المرموز قَوْله عِنْدَمَا فتشت عَن عِلّة الْحَيَاة ألفيت الْمَوْت وعندما وجدت الْمَوْت عرفت حِينَئِذٍ كَيفَ يَنْبَغِي لي أَن أعيش أَي أَن الَّذِي يُرِيد أَن يحيا حَيَاة إلهية يَنْبَغِي أَن يُمِيت جِسْمه من جَمِيع الْأَفْعَال الحسية على قدر الْقُوَّة الَّتِي منحها فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يتهيأ لَهُ بِأَن يعِيش حَيَاة الْحق وَقَالَ تكلم بِاللَّيْلِ حَيْثُ لَا يكون أعشاش الخفافيش أَي يَنْبَغِي أَن يكون كلامك عِنْد خلوتك

стр. 61

لنَفسك وَأَن تجمع فكرك وامنع نَفسك أَن تتطلع فِي شَيْء من أُمُور الهيولانيات وَقَالَ أسدد الْخمس الكوى ليضيء مسكن الْعلَّة أَي اغمض حواسك الْخمس عَن الجولان فِيمَا لَا يجدي لتضيء نَفسك وَقَالَ املأ الْوِعَاء طيبا أَي أوع عقلك بَيَانا وفهما وَحِكْمَة وَقَالَ افرغ الْحَوْض المثلث من القلال الفارغة أَي اقص عَن قَلْبك جَمِيع الآلام الْعَارِضَة فِي الثَّلَاثَة الْأَجْنَاس من قوى النَّفس الَّتِي هِيَ أصل جَمِيع الْبشر وَقَالَ لَا تَأْكُل الْأسود الذَّنب أَي احذر الْخَطِيئَة وَقَالَ لَا تتجاوز الْمِيزَان أَي لَا تتجاوز الْحق وَقَالَ عِنْد الْمَمَات لَا تكن نملة أَي فِي وَقت أمانتك لنَفسك لَا تقن ذخائر الْحس وَقَالَ يَنْبَغِي أَن تعلم أَنه لَيْسَ زمَان من الأزمنه يفقد فِيهِ زمَان الرّبيع أَي لَا مَانع لَك فِي كل زمَان من اكْتِسَاب الْفَضَائِل وَقَالَ افحص عَن ثَلَاثَة سبل فَإِذا لم تجدها فأرض أَن تنام لَهَا نومَة الْمُسْتَغْرق أَي افحص عَن علم الْأَجْسَام وَعلم مَا لَا جسم لَهُ وَعلم الَّذِي وَإِن كَانَ لَا جسم لَهُ فَهُوَ مَوْجُود مَعَ الْأَجْسَام وَمَا اعتاص مِنْهَا عَلَيْك فارض بالإمساك عَنهُ وَقَالَ لَيست التِّسْعَة بأكمل من وَاحِد أَي الْعشْرَة هِيَ عقد من الْعدَد وَهِي أَكثر من تِسْعَة وَإِنَّمَا تكمل التِّسْعَة لتَكون عشرَة بِالْوَاحِدِ وَكَذَلِكَ الْفَضَائِل التسع تتمّ وتكمل بخوف الله ومحبنه ومراقبته وَقَالَ اقتن بالاثنى عشر إثنى عشر يَعْنِي بالاثنى عشر عضوا الَّتِي بهَا يكْتَسب الْبر وَالْإِثْم اكْتسب الْفَضَائِل وَهِي العينان والأذنان والمنخران وَاللِّسَان وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ والفرج وَأَيْضًا بالاثنى عشر شهرا اكْتسب أَنْوَاع الْأَشْيَاء المحمودة المكملة للْإنْسَان فِي تَدْبيره ومعرفته فِي هَذَا الْعَالم وَقَالَ ازرع بالأسود وأحصد بالأبيض أَي ازرع بالبكاء واحصد بالسرور وَقَالَ لَا تشيلن الإكليل وتهتكه أَي للسنن الجميلة لَا ترفضها لِأَنَّهَا تحوط جَمِيع الْأُمَم كحياطة الإكليل للرأس وَكَانَ أهل دهره لما سَأَلُوهُ عَن عبَادَة الْأَصْنَام صدهم عَنْهَا وأبطلها وَنهى النَّاس عَن عبادتها وَأمرهمْ بِعبَادة الْإِلَه الْوَاحِد الصَّمد البارئ الْخَالِق للْعَالم بِمَا فِيهِ الْحَكِيم الْقَدِير لَا الْحجر المنحوت الَّذِي لَا

стр. 62

ينْطق وَلَا يسمع وَلَا يحس بِشَيْء من الْآلَات وحض النَّاس على الْبر وَفعل الْخيرَات وَأمرهمْ بِالْمَعْرُوفِ ونهاهم عَن الْفَوَاحِش والمنكرات فِي ثقته من أهل زَمَانه وَلم يقْصد استكمال صَوَاب التدابير لعلمه بِأَنَّهُم لَا يقبلُونَ ذَلِك منَّة فَلَمَّا علم الرؤساء فِي وقته من الكهنة والأراكنة مَا رامه من دَعوته وَأَن رَأْيه نفي الْأَصْنَام ورد النَّاس عَن عبادتها شهدُوا عَلَيْهِ بِوُجُوب الْقَتْل وَكَانَ الموجبون عَلَيْهِ الْقَتْل قُضَاة أثينس الْأَحَد عشر وَسقي السم الَّذِي يُقَال لَهُ قونيون لِأَن الْملك لما أوجب الْقُضَاة عَلَيْهِ الْقَتْل سَاءَهُ ذَلِك وَلم يُمكنهُ مخالفتهم فَقَالَ لَهُ اختر أَي قتلة شِئْت فَقَالَ لَهُ بالسم فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَالَّذِي أخر قتل سقراط شهورا بَعْدَمَا أوجبوه عَلَيْهِ مِنْهُ أَن الْمركب الَّذِي كَانَ يبْعَث بِهِ فِي كل سنة إِلَى هيكل أفولون وَيحمل إِلَيْهِ مَا يحمل عرض لَهُ حبس شَدِيد لتعذر الرِّيَاح فَأَبْطَأَ شهورا وَكَانَ من عَادَتهم أَن لَا يراق دم وَلَا غَيره حَتَّى يرجع الْمركب من الهيكل إِلَى أثينس وَكَانَ أَصْحَابه يَخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ فِي الْحَبْس طول تِلْكَ الْمدَّة فَدَخَلُوا إِلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ أقريطون مِنْهُم أَن الْمركب دَاخل غَدا أَو بعد غَد وَقد اجتهدنا فِي أَن ندفع عَنْك مَالا إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَتخرج سرا فنصير إِلَى رُومِية فتقيم بهَا حَيْثُ لَا سَبِيل لَهُم عَلَيْك فَقَالَ لَهُ قد تعلم أَنه لَا يبلغ ملكي أَرْبَعمِائَة دِرْهَم فَقَالَ لَهُ أقريطون لم أقل لَك هَذَا القَوْل على أَنَّك تغرم شَيْئا لأَنا نعلم أَنه لَيْسَ فِي وسعك مَا سَأَلَ الْقَوْم وَلَكِن فِي أَمْوَالنَا سَعَة لذَلِك وأضعافه وأنفسنا طيبَة بِأَدَائِهِ لنجاتك وَأَن لَا نفجع بك قَالَ لَهُ سقراط يَا أقريطون هَذَا الْبَلَد الَّذِي فعل بِي مَا فعل هُوَ بلدي وبلد جنسي وَقد نالني فِيهِ من حبسي مَا رَأَيْت وَأوجب عَليّ فِيهِ الْقَتْل وَلم يُوجب ذَلِك عَليّ لأمر استحققته بل لمخالفتي الْجور وطعني على الْأَفْعَال الجائرة وَأَهْلهَا من كفرهم بالباري سُبْحَانَهُ وعبادتهم الْأَوْثَان من دونه وَالْحَال الَّتِي أوجب عَليّ بهَا عِنْدهم الْقَتْل هِيَ معي حَيْثُ تَوَجَّهت وَإِنِّي لَا أدع نصْرَة الْحق والطعن على الْبَاطِل والمبطلين حَيْثُ كنت وَأهل رُومِية أبعد مني رحما من أهل مدينتي فَهَذَا الْأَمر إِذا كَانَ باعثه عَليّ الْحق ونصرة الْحق حَيْثُ تَوَجَّهت فَغير مَأْمُون عَليّ هُنَاكَ مثل الَّذِي أَنا فِيهِ قَالَ لَهُ أقريطون فَتذكر ولدك وَعِيَالك وَمَا تخلف عَلَيْهِم من الضَّيْعَة فَقَالَ لَهُ الَّذِي يلحقهم برومية مثل ذَلِك إِلَّا أَنكُمْ هَهُنَا فهم أَحْرَى أَن لَا يضيعوا مَعكُمْ وَلما كَانَ الْيَوْم الثَّالِث بكر تلاميذه إِلَيْهِ على الْعَادة وَجَاء قيم السجْن فَفتح الْبَاب وَجَاء الْقُضَاة الْأَحَد عشر فَدَخَلُوا إِلَيْهِ وَأَقَامُوا مَلِيًّا ثمَّ خَرجُوا من عِنْده وَقد أزالوا الْحَدِيد عَن رجلَيْهِ وَخرج

стр. 63

السجان إِلَى تلاميذه فَأدْخل بهم إِلَيْهِ فَسَلمُوا عَلَيْهِ وجلسوا عِنْده فَنزل سقراط عَن السرير وَقعد على الأَرْض ثمَّ كشف عَن سَاقيه فمسحهما وحكهما وَقَالَ مَا أعجب فعل السياسة الإلهية حَيْثُ قرنت الأضداد بَعْضهَا بِبَعْض فَإِنَّهُ لَا يكَاد أَن تكون لَذَّة إِلَّا يتبعهَا ألم وَلَا ألم إِلَّا يتبعهُ لَذَّة وَصَارَ هَذَا القَوْل سَببا لدوران الْكَلَام بَينهم فَسَأَلَهُ سيمياس وفيدون عَن شَيْء من الْأَفْعَال النفسية وَكَثُرت المذاكرة بَينهم حَتَّى استوعب الْكَلَام فِي النَّفس بالْقَوْل المتقن المستقصى وَهُوَ على مَا كَانَ يعْهَد عَلَيْهِ فِي حَال سروره وبهجته ومرحه فِي بعض الْمَوَاضِع وَالْجَمَاعَة يتعجبون من صرامته وَشدَّة استهانته بِالْمَوْتِ وَلم ينكل عَن تقصي الْحق فِي مَوْضِعه وَلم يتْرك شَيْئا من أخلاقه وأحوال نَفسه الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي زمَان أَمنه من الْمَوْت وهم من الكمد والحزن لفراقه على حَال عَظِيمَة فَقَالَ لَهُ سيمياس إِن فِي التَّقَصِّي فِي السُّؤَال عَلَيْك مَعَ هَذِه الْحَال لثقلا علينا شَدِيدا وقبحا فِي الْعشْرَة وَأَن الْإِمْسَاك عَن التَّقَصِّي فِي الْبَحْث لحسرة غَدا عَظِيمَة مَعَ مَا نعدم فِي الأَرْض من وجود الفاتح لما نُرِيد قَالَ لَهُ سقراط يَا سيمياس لَا تدعن التَّقَصِّي لشَيْء أردته فَإِن تقصيك لذَلِك هُوَ الَّذِي أسر بِهِ وَلَيْسَ بَين هَذِه الْحَال عِنْدِي وَبَين الْحَال الْأُخْرَى فرق فِي الْحِرْص على تقصي الْحق فَإنَّا وَإِن كُنَّا نعدم أصحابا ورفقاء أشرافا محمودين فاضلين فَإنَّا أَيْضا إِذْ كُنَّا معتقدين ومتيقنين للأقاويل الَّتِي لم تزل تسمع منا فَإنَّا أَيْضا نصير إِلَى إخْوَان أخر فاضلين أَشْرَاف محمودين مِنْهُم أسلاوس وأيارس وأرقيلس وَجَمِيع من سلف من ذَوي الْفَضَائِل النفسانية وَلما تصرم القَوْل فِي النَّفس وبلغوا فِيهَا الْغَرَض الَّذِي أَرَادَ وسألوه عَن هَيْئَة الْعَالم وحركات الأفلاك وتركيب الأسطقسات فأجابهم عَن جَمِيعه ثمَّ قصّ عَلَيْهِم قصصا كَثِيرَة من الْعُلُوم الإلهية والأسرار الربانية وَلما فرغ من ذَلِك قَالَ أما الْآن فأظنه قد حضر الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي لنا أَن نستحم فِيهِ وَنُصَلِّي مَا أمكننا وَلَا نكلف أحدا إحمام الْمَوْتَى فَإِن الأرماماني قد دَعَانَا وَنحن ماضون إِلَى زواس وَأما أَنْتُم فتنصرفون إِلَى أهاليكم ثمَّ نَهَضَ وَدخل بَيْتا واستحم فِيهِ وَصلى وَأطَال اللّّبْث وَالْقَوْم يتذاكرون عَظِيم الْمُصِيبَة بِمَا نزل بِهِ وبهم من فَقده وَأَنَّهُمْ يفقدون فِيهِ حكيما عَظِيما وَأَبا شفيقا ويبقون بعده كاليتامى ثمَّ خرج فَدَعَا بولده ونسائه وَكَانَ لَهُ ابْن كَبِير وابنان صغيران فودعهم ووصاهم وصرفهم فَقَالَ لَهُ أقريطون فَمَا الَّذِي تَأْمُرنَا أَن نفعله فِي أهلك وولدك وَغير ذَلِك من أَمرك

стр. 64

قَالَ لست آمركُم بِشَيْء جَدِيد بل هُوَ الَّذِي لم أزل آمركُم بِهِ قَدِيما من الِاجْتِهَاد فِي إصْلَاح أَنفسكُم فَإِنَّكُم إِذا فَعلْتُمْ ذَلِك فقد سررتموني وسررتم كل من هُوَ مني بسبيل ثمَّ سكت مَلِيًّا وسكتت الْجَمَاعَة وَأَقْبل خَادِم الْأَحَد عشر قَاضِيا فَقَالَ لَهُ يَا سقراط إِنَّك جريء مَعَ مَا أرَاهُ مِنْك وَإنَّك لتعلم إِنِّي لست عِلّة موتك وَإِن عِلّة موتك الْقُضَاة الْأَحَد عشر وَأَنا مَأْمُور بذلك مُضْطَر إِلَيْهِ وَإنَّك أفضل من جَمِيع من صَار إِلَى هَذَا الْموضع فَاشْرَبْ الدَّوَاء بِطيبَة نفس واصبر على الِاضْطِرَار اللَّازِم ثمَّ ذرفت عَيناهُ وَانْصَرف فَقَالَ سقراط نَفْعل وَلَيْسَ أَنْت بملوم ثمَّ سكت هنيهة والتفت إِلَى أقريطون فَقَالَ مر الرجل أَن يأتيني بِشَربَة موتِي فَقَالَ للغلام ادْع الرجل فَدَعَاهُ فَدخل وَمَعَهُ الشربة مِنْهُ فَشربهَا فَلَمَّا رَأَوْهُ قد شربهَا غلبهم من الْبكاء والأسف مَا لم يملكُوا مَعَه أنفسهم فعلت أَصْوَاتهم بالبكاء فَأقبل عَلَيْهِم سقراط يلومهم ويعظهم وَقَالَ إِنَّمَا صرفنَا النِّسَاء لِئَلَّا يكون مِنْهُنَّ مثل هَذَا فأمسكوا استحياء مِنْهُ وقصدا للطاعة لَهُ على مضض شَدِيد مِنْهُم فِي فقد مثله وَأخذ سقراط فِي الْمَشْي والتردد هنيهة ثمَّ قَالَ للخادم قد ثقلت رجلاي عَليّ فَقَالَ لَهُ استلق فاستلقى وَجعل الْغُلَام يجس قَدَمَيْهِ ويغمزهما وَيَقُول لَهُ هَل تحس غمزي لَهما قَالَ لَا ثمَّ غمز غمزا شَدِيدا فَقَالَ لَهُ هَل تحس فَقَالَ لَا ثمَّ غمز سَاقيه وَجعل يسْأَله سَاعَة بعد سَاعَة وَهُوَ يَقُول لَا وَأخذ يجمد أَولا فأولا ويشتد برده حَتَّى انْتهى ذَلِك إِلَى حقْوَيْهِ فَقَالَ الْخَادِم لنا إِذا انْتهى الْبرد إِلَى قلبه مضى فَقَالَ لَهُ أقريطون يَا إِمَام الْحِكْمَة مَا أرى عقولنا لَا تبعد عَن عقلك فاعهد لنا فَقَالَ عَلَيْكُم بِمَا أَمرتكُم بِهِ أَولا ثمَّ مد يَده إِلَى يَد أقريطون فوضعها على خَدّه فَقَالَ لَهُ مرني بِمَا تحب فَلم يجبهُ بِشَيْء ثمَّ شخص ببصره وَقَالَ أسلمت نَفسِي إِلَى قَابض أنفس الْحُكَمَاء وَمَات فأطبق أقريطون عَيْنَيْهِ وَشد لحييْهِ وَلم يكن أفلاطون حَاضرا مَعَهم لِأَنَّهُ كَانَ مَرِيضا وَذكر أَن سقراط هلك عَن اثْنَي عشر ألف تلميذ وتلميذ تلميذ قَالَ المبشر بن فاتك وَكَانَ سقراط رجلا أَبيض أشقر أَزْرَق جيد الْعِظَام قَبِيح الْوَجْه ضيق مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ بطيء الْحَرَكَة سريع الْجَواب شعث اللِّحْيَة غير طَوِيل إِذا سُئِلَ أطرق حينا ثمَّ يُجيب بِأَلْفَاظ مقنعة كثير التوحد قَلِيل الْأكل وَالشرب شَدِيد التَّعَبُّد يكثر ذكر الْمَوْت قَلِيل الْأَسْفَار مجدا لرياضة بدنه خسيس الملبس مهيبا حسن الْمنطق لَا يُوجد فِيهِ خلل مَاتَ بالسم وَله مائَة سنة وبضع سِنِين

стр. 65

أَقُول وَوجدت فِي كتاب أفلاطن الْمُسَمّى احتجاج سقراط على أهل أثينية وَهُوَ يَحْكِي قَول سقراط بِهَذَا اللَّفْظ قَالَ مَا تمنيت مجْلِس الحكم قطّ قبل هَذِه الْمرة على أَنِّي قد بلغت من السن سبعين سنة وَهَذَا الِاحْتِجَاج الَّذِي كَانَ بَينه وَبَين أهل أثينية إِنَّمَا كَانَ قبل مَوته بِمدَّة يسيرَة وَمن خطّ إِسْحَاق بن حنين عَاشَ سقراط قَرِيبا مِمَّا عَاشَ أفلاطن وَمن خطّ إِسْحَاق عَاشَ أفلاطون ثَمَانِينَ سنة وَقَالَ حنين بن إِسْحَاق فِي كتاب نَوَادِر الفلاسفة وَالْحكمَة أَنه كَانَ مَنْقُوشًا على فص خَاتم سقراط من غلب عقله هَوَاهُ افتضح وَمن آدَاب سقراط مِمَّا ذكره الْأَمِير المبشر بن فاتك فِي كِتَابه قَالَ سقراط عجبا لمن عرف فنَاء الدُّنْيَا كَيفَ تلهيه عَمَّا لَيْسَ لَهُ فنَاء وَقَالَ النُّفُوس أشكال فَمَا تشاكل مِنْهَا اتّفق وَمَا تضَاد مِنْهَا اخْتلف وَقَالَ اتِّفَاق النُّفُوس بِاتِّفَاق هممها واختلافها باخْتلَاف مرادها وَقَالَ النَّفس جَامِعَة لكل شَيْء فَمن عرف نَفسه وَمَا عرف كل شَيْء وَمن جهل نَفسه جهل كل شَيْء وَقَالَ من بخل على نَفسه فَهُوَ على غَيره أبخل وَمن جاد على نَفسه فَذَلِك المرجو جوده وَقَالَ مَا ضَاعَ من عرف نَفسه وَمَا أضيع من جهل نَفسه وَقَالَ النَّفس الْخيرَة مجتزئة بِالْقَلِيلِ من الْأَدَب وَالنَّفس الشريرة لَا ينجع فِيهَا كثير من الْأَدَب لسوء مغرسها وَقَالَ لَو سكت من لَا يعلم لسقط الِاخْتِلَاف وَقَالَ سِتَّة لَا تفارقهم الكآبة الحقود والحسود وَحَدِيث عهد بغنى وغني يخَاف الْفقر وطالب رُتْبَة يقصر قدره عَنْهَا وجليس أهل الْأَدَب وَلَيْسَ مِنْهُم وَقَالَ من ملك سره خَفِي على النَّاس أمره وَقَالَ خير من الْخَيْر من عمل بِهِ وَشر من الشَّرّ من عمل بِهِ وَقَالَ الْعُقُول مواهب والعلوم مكاسب وَقَالَ لَا تكون كَامِلا حَتَّى يأمنك عَدوك فَكيف

стр. 66

بك إِذا كنت لَا يأمنك صديقك وَقَالَ اتَّقوا من تبْغضهُ قُلُوبكُمْ وَقَالَ الدُّنْيَا سجن لمن زهد فِيهَا وجنة لمن أحبها وَقَالَ لكل شَيْء ثَمَرَة وَثَمَرَة قلَّة الْقنية تَعْجِيل الرَّاحَة وَطيب النَّفس الزكية وَقَالَ الدُّنْيَا كنار مضرمة على محمجة فَمن اقتبس مِنْهَا مَا يستضيء بِهِ فِي طَرِيقه سلم من شَرها وَمن جلس ليحتكر مِنْهَا أحرقته بحرها وَقَالَ من اهتم بالدنيا ضيع نَفسه وَمن اهتم بِنَفسِهِ زهد فِي الدُّنْيَا وَقَالَ طَالب الدُّنْيَا إِن نَالَ مَا أمل تَركه لغيره وَإِن لم ينل مَا أمله مَاتَ بغصته وَقَالَ لَا تردن على ذِي خطأ خطأه فَإِنَّهُ يَسْتَفِيد مِنْك علما ويتخذك عدوا وَقيل لسقراط مَا رَأَيْنَاك قطّ مغموما فَقَالَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لي شَيْء مَتى ضَاعَ مني وعدمته اغتممت عَلَيْهِ وَقَالَ من أحب أَن لَا تفوته شهرته فليشته مَا يُمكنهُ وَقَالَ أثن على ذِي الْمَوَدَّة خيرا عِنْد من لقِيت فَأن رَأس الْمَوَدَّة حسن الثَّنَاء كَمَا أَن رَأس الْعَدَاوَة سوء الثَّنَاء وَقَالَ إِذا وليت أمرا فأبعد عَنْك الأشرار فَإِن جَمِيع عيوبهم منسوبة إِلَيْك وَقَالَ لَهُ رجل شرِيف الْجِنْس وضيع الْخَلَائق أما تأنف يَا سقراط من خساسة جنسك فَأَجَابَهُ جنسك عنْدك أُنْثَى وجنسي مني وَقَالَ خير الْأُمُور أوسطها وَقَالَ إِنَّمَا أهل الدُّنْيَا كصور فِي صحيفَة كلما نشر بَعْضهَا طوي بَعْضهَا وَقَالَ الصَّبْر يعين على كل عمل وَقَالَ من أسْرع يُوشك أَن يكثر عثاره وَقَالَ إِذا لم يكن عقل الرجل أغلب الْأَشْيَاء عَلَيْهِ كَانَ هَلَاكه فِي أغلب الْأَشْيَاء عَلَيْهِ وَقَالَ لَا يكون الْحَكِيم حكيما حَتَّى يغلب شهوات الْجِسْم وَقَالَ كن مَعَ والديك كَمَا تحب أَن يكون بنوك مَعَك وَقَالَ يَنْبَغِي للعاقل أَن يُخَاطب الْجَاهِل مُخَاطبَة الطَّبِيب للْمَرِيض وَقَالَ طَالب الدُّنْيَا قصير الْعُمر كثير الْفِكر وَكَانَ يَقُول الْقنية مخدومة وَمن خدم غير ذَاته فَلَيْسَ بَحر وَقيل لَهُ مَا أقرب شَيْء فَقَالَ الْأَجَل وَمَا أبعد شَيْء فَقَالَ الأمل وَمَا آنس شَيْء فَقَالَ الصاحب المؤاتي وَمَا أوحش شَيْء قَالَ الْمَوْت وَقَالَ من كَانَ شريرا فالموت سَبَب رَاحَة الْعَالم من شَره وَقَالَ إِنَّمَا جعل للْإنْسَان لِسَان وَاحِد وأذنان ليَكُون مَا يسمعهُ أَكثر مِمَّا يتَكَلَّم بِهِ وَقَالَ الْملك الْأَعْظَم هُوَ الْغَالِب لشهواته وَقيل لَهُ أَي الْأَشْيَاء ألذ فَقَالَ استفادة الْأَدَب واستماع أَخْبَار لم تكن سَمِعت وَقَالَ أنفس مَا لزمَه الْأَحْدَاث الْأَدَب وَأول نَفعه لَهُم أَنه يقطعهم عَن الْأَفْعَال الرَّديئَة

стр. 67

وَقَالَ أَنْفَع مَا اقتناه الْإِنْسَان الصّديق المخلص وَقَالَ الصَّامِت ينْسب إِلَى العي وَيسلم والمتكلم ينْسب إِلَى الفضول ويندم وَقَالَ استهينوا بِالْمَوْتِ فَإِن مرارته فِي خَوفه وَقيل لَهُ مَا الْقنية المحمودة فَقَالَ مَا يَنْمُو على الِاتِّفَاق وَقَالَ المشكور من كتم سرا لمن يتكتمه وَأما من استكتم سرا فَذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ وَقَالَ اكتم سر غَيْرك كَمَا تحب أَن يكتم غَيْرك سرك وَإِذا ضَاقَ صدرك بسرك فصدر غَيْرك بِهِ أضيق وَقيل لَهُ لما صَار الْعَاقِل يستشير فَقَالَ الْعلَّة فِي ذَلِك تَجْرِيد الرَّأْي عَن الْهوى وَإِنَّمَا اسْتَشَارَ تخوفا من شوائب الْهوى وَقَالَ من حسن خلقه طابت عيشته ودامت سَلَامَته وتأكدت فِي النُّفُوس محبته وَمن سَاءَ خلقه تنكدت عيشته ودامت بغضته ونفرت النُّفُوس مِنْهُ وَقَالَ حسن الْخلق يُغطي غَيره من القبائح وَسُوء الْخلق يقبح غَيره من المحاسن وَقَالَ رَأس الْحِكْمَة حسن الْخلق وَقَالَ النّوم موتَة خَفِيفَة وَالْمَوْت نوم طَوِيل وَقَالَ لتلميذ لَهُ لَا تركنن إِلَى الزَّمَان فَإِنَّهُ سريع الْخِيَانَة لمن ركن إِلَيْهِ وَقَالَ من سره الزَّمَان فِي حَال سَاءَهُ فِي أُخْرَى وَقَالَ من ألهم نَفسه حب الدُّنْيَا امْتَلَأَ قلبه من ثَلَاث خلال فقر لَا يدْرك غناهُ وأمل لَا يبلغ منتهاه وشغل لَا يدْرك فناه وَقَالَ من احتجت أَن تستكتمه سرك فَلَا تسرهُ إِلَيْهِ وَسُئِلَ سقراط لم صَار مَاء الْبَحْر مالحا فَقَالَ للَّذي سَأَلَهُ إِن أعلمتني الْمَنْفَعَة الَّتِي تنالك من علم ذَلِك أعلمتك السَّبَب فِيهِ وَقَالَ لَا ضرّ أضرّ من الْجَهْل وَلَا شَرّ أشر من النِّسَاء وَنظر إِلَى صبية تتعلم الْكِتَابَة فَقَالَ لَا تَزِيدُوا الشَّرّ شرا وَقَالَ من أَرَادَ النجَاة من مَكَائِد الشَّيْطَان فَلَا يطيعن امْرَأَة فَإِن النِّسَاء سلم مَنْصُوب لَيْسَ للشَّيْطَان حِيلَة إِلَّا بالصعود عَلَيْهِ وَقَالَ لتلميذ لَهُ يَا بني إِن كَانَ لَا بُد لَك من النِّسَاء فَاجْعَلْ لقاءك لَهُنَّ كَأَكْل الْميتَة لَا تَأْكُل مِنْهَا إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة فتأخذ مِنْهَا بِقدر مَا يُقيم الرمق فَإِن أَخذ آخذ مِنْهَا فَوق الْحَاجة أسقمته وقتلته وَقيل لَهُ مَا تَقول فِي النِّسَاء فَقَالَ هن كشجر الدفلى لَهُ رونق وبهاء فَإِذا أكله الغر قَتله وَقيل لَهُ كَيفَ يجوز لَك أَن تذم النِّسَاء ولولاهن لم تكن أَنْت وَلَا أمثالك من الْحُكَمَاء فَقَالَ إِنَّمَا الْمَرْأَة مثل النَّخْلَة ذَات السلاع إِن دخل فِي بدن إِنْسَان عقره وَحملهَا الرطب الجني

стр. 68

وَقَالَ لَهُ أرشيجانس أَن الْكَلَام الَّذِي كلمت بِهِ أهل الْمَدِينَة لَا يقبل فَقَالَ لَيْسَ يكربني أَن يكون لَا يقبل وأنما يكربني أَن لَا يكون صَوَابا وَقَالَ من لَا يستحي فَلَا تخطره ببالك وَقَالَ لَا يصدنك عَن الْإِحْسَان جحود جَاحد للنعمة وَقَالَ الْجَاهِل من عثر بِحجر مرَّتَيْنِ وَقَالَ كفى بالتجارب تأديبا وبتقلب الْأَيَّام عظة وبأخلاق من عاشرت معرفَة وَقَالَ اعْلَم أَنَّك فِي أثر من مضى سَائِر وَفِي مَحل من فَاتَ مُقيم وَإِلَى العنصر الَّذِي بدأت مِنْهُ تعود وَقَالَ لأهل الِاعْتِبَار فِي صروف الدَّهْر كِفَايَة وكل يَوْم يَأْتِي عَلَيْهِ مِنْهُ علم جَدِيد وَقَالَ بعوارض الْآفَات تكدر النعم على المنتمين وَقَالَ من قل همه على مَا فَاتَهُ استراحت نَفسه وَصفا ذهنه وَقَالَ من لم يشْكر على مَا أنعم بِهِ عَلَيْهِ أوشك أَن لَا تزيد نعْمَته وَقَالَ رب متحرز من الشَّيْء تكون مِنْهُ آفته وَقَالَ داووا الْغَضَب بِالصَّمْتِ وَقَالَ الذّكر الصَّالح خير من المَال فَإِن المَال ينفذ وَالذكر يبْقى وَالْحكمَة غنى لَا يعْدم وَلَا يضمحل وَقَالَ اسْتحبَّ الْفقر مَعَ الْحَلَال عَن الْغنى مَعَ الْحَرَام وَقَالَ أفضل السِّيرَة طيب المكسب وَتَقْدِير الْإِنْفَاق وَقَالَ من يجرب يَزْدَدْ علما وَمن يُؤمن يَزْدَدْ يَقِينا وَمن يستيقن يعْمل جاهدا وَمن يحرص على الْعَمَل يَزْدَدْ قُوَّة وَمن يكسل يَزْدَدْ فَتْرَة وَمن يتَرَدَّد يَزْدَدْ شكا وَإِن لسقراط بَيْتا وزن بِالْعَرَبِيَّةِ (إِنَّمَا الدُّنْيَا وَإِن ومقت ... خطرة من لحظ ملتفت) وَقَالَ مَا كَانَ فِي نَفسك فَلَا تبده لكل أحد فَمَا أقبح أَن تخفي النَّاس أمتعتهم فِي الْبيُوت ويظهرون مَا فِي قُلُوبهم قَالَ لَوْلَا أَن فِي قولي أنني لَا أعلم إِخْبَارًا أَنِّي أعلم لَقلت إِنِّي لَا أعلم وَقَالَ الْقنية ينبوع الأحزان فَلَا تقتنوا الأحزان وَكَانَ يَقُول قللُوا الْقنية تقل مصائبكم وينسب إِلَى سقراط من الْكتب رِسَالَة إِلَى إخوانه فِي المقايسة بَين السّنة والفلسفة كتاب معاتبة النَّفس مقَالَة فِي السياسة وَقيل إِن رسَالَته فِي السِّيرَة الجميلة هِيَ صَحِيح لَهُ أفلاطون يُقَال فلاطن وأفلاطن وأفلاطون قَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل فِي كِتَابه

стр. 69

أفلاطن الْحَكِيم من أهل مَدِينَة أثينيا رومي فيلسوف يوناني طبي عَالم بالهندسة وطبائع الْأَعْدَاد وَله فِي الطِّبّ كتاب بَعثه إِلَى طيماوس تِلْمِيذه وَله فِي الفلسفة كتب وأشعار وَله فِي التَّأْلِيف كَلَام لم يسْبقهُ أحد إِلَيْهِ استنبط بِهِ صَنْعَة الديباج وَهُوَ الْكَلَام الْمَنْسُوب إِلَى الْخمس النّسَب التأليفية الَّتِي لَا سَبِيل إِلَى وجود غَيرهَا فِي جَمِيع الموجودات المؤتلفات فَلَمَّا أحَاط علما بطبائع الْأَعْدَاد وَمَعْرِفَة الْخمس النّسَب التأليفية استشرف إِلَى علم الْعَالم كُله وَعرف مَوَانِع الْأَجْزَاء المؤتلفات الممتزجات باخْتلَاف ألوانها وأصباغها وائتلافها على قدر النِّسْبَة فوصل بذلك على علم التَّصْوِير فَوضع أول حَرَكَة جَامِعَة لجَمِيع الحركات ثمَّ صنفها بِالنِّسْبَةِ العددية وَوضع الْأَجْزَاء المؤتلفة على ذَلِك فَصَارَ إِلَى علم تَصْوِير التصويرات فَقَامَتْ لَهُ صناعَة الديباج وصناعة كل مؤتلف بِهِ وَألف فِي ذَلِك كتابا وَله فِي الفلسفة كَلَام عَجِيب وَهُوَ مِمَّن وضع لأهل زَمَانه سننا وحدودا وَله كتاب السياسة فِي ذَلِك وَكتاب النواميس وَكَانَ فِي دولة داربطو وَهُوَ وَالِد دَارا الَّذِي قَتله الْإِسْكَنْدَر فَكَانَ بعد أبقراط فِي دولة وَالِد الْإِسْكَنْدَر فيليبس وَكَانَت الْفرس يَوْمئِذٍ تملك الرّوم واليونانيين وَقَالَ المبشر بن فاتك فِي كتاب مُخْتَار الحكم ومحاسن الْكَلم معنى أفلاطون وَتَفْسِيره فِي لغتهم العميم الْوَاسِع وَكَانَ اسْم أَبِيه أرسطن وَكَانَ أَبَوَاهُ من أَشْرَاف اليونانيين من ولد اسقليبيوس جَمِيعًا وَكَانَت أمه خَاصَّة من نسل سولون صَاحب الشَّرَائِع وَكَانَ قد أَخذ فِي أول أمره فِي تعلم علم الشّعْر واللغة فَبلغ فِي ذَلِك مبلغا عَظِيما إِلَى أَن حضر يَوْمًا سقراطيس وَهُوَ يثلب صناعَة الشّعْر فأعجبه مَا سمع مِنْهُ وزهد فِيمَا كَانَ عِنْده مِنْهُ وَلزِمَ سقراط وَسمع مِنْهُ خمس سِنِين ثمَّ مَاتَ سقراط فَبَلغهُ أَن بِمصْر قوما من أَصْحَاب فيثاغورس فَسَار إِلَيْهِم حَتَّى أَخذ عَنْهُم وَكَانَ يمِيل فِي الْحِكْمَة قبل أَن يصحب سقراط إِلَى رَأْي ايرقليطس وَلما صحب سقراط زهد فِي مَذْهَب ايرقليطس وَكَانَ يتبعهُ فِي الْأَشْيَاء المحسوسة وَكَانَ يتبع فيثاغورس فِي الْأَشْيَاء المعقولة وَكَانَ يتبع سقراطيس فِي أُمُور التَّدْبِير ثمَّ رَجَعَ أفلاطن من مصر إِلَى أثينية وَنصب فِيهَا بَيْتِي حِكْمَة وَعلم النَّاس فِيهَا ثمَّ سَار إِلَى سيقليا فجرت لَهُ قصَّة مَعَ ديونوسيوس المتغلب الَّذِي كَانَ بهَا وبلي مِنْهُ بأَشْيَاء صعبة ثمَّ تخلص مِنْهُ وَعَاد إِلَى أثينية فَسَار فيهم أحسن سيرة وأرضى الْجَمِيع وأعان الضُّعَفَاء وراموه أَن يتَوَلَّى تَدْبِير أُمُورهم فَامْتنعَ لِأَنَّهُ

стр. 70

وجدهم على تَدْبِير غير التَّدْبِير الَّذِي يرَاهُ صَوَابا وَقد اعتادوه وَتمكن من نُفُوسهم فَعلم أَنه لَا يُمكنهُ نقلهم عَنهُ وَأَنه لَو رام نقلهم عَمَّا هم عَلَيْهِ لَكَانَ يهْلك كَمَا هلك أستاذه سقراط على أَن سقراط لم يكن قد رام استكمال صَوَاب التَّدْبِير وَبلغ أفلاطون من الْعُمر إِحْدَى وَثَمَانِينَ سنة وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق كريم الْأَفْعَال كثير الْإِحْسَان إِلَى كل ذِي قرَابَة مِنْهُ وَإِلَى الغرباء متئدا حَلِيمًا صبورا وَكَانَ لَهُ تلاميذ كَثِيرَة وَتَوَلَّى التدريس بعده رجلَانِ أَحدهمَا بأثينية فِي الْموضع الْمَعْرُوف بأقاديميا وَهُوَ كسانوقراطيس وَالْآخر بلوقين من عمل أثينية أَيْضا وَهُوَ أرسطوطاليس وَكَانَ يرمز حكمته ويسترها وَيتَكَلَّم بهَا ملغوزة حَتَّى لَا يظْهر مقْصده لِذَوي الْحِكْمَة وَكَانَ درسه وتعلمه على طيماوس وسقراطيس وعنهما أَخذ أَكثر آرائه وصنف كتبا كَثِيرَة مِنْهَا مَا بلغنَا اسْمه سِتَّة وَخَمْسُونَ كتابا وفيهَا كتب كبار يكون فِيهَا عدَّة مقالات وَكتبه يتَّصل بَعْضهَا بِبَعْض أَرْبَعَة أَرْبَعَة يجمعها غَرَض وَاحِد ويخص كل وَاحِد مِنْهَا غَرَض خَاص يشْتَمل عَلَيْهِ ذَلِك الْغَرَض الْعَام وَيُسمى كل وَاحِد مِنْهَا رابوعا وكل رابوع مِنْهَا يتَّصل بالرابوع الَّذِي قبله وَكَانَ رجلا أسمر اللَّوْن معتدل الْقَامَة حسن الصُّورَة تَامّ التخاطيط حسن اللِّحْيَة قَلِيل شعر العارضين ساكتا خَافِضًا أشهل الْعَينَيْنِ براق بياضهما فِي ذقنه الْأَسْفَل خَال أسود تَامّ الباع لطيف الْكَلِمَة محبا للفلوات والصحاري والوحدة وَكَانَ يسْتَدلّ فِي الْحَال الْأَكْثَر على مَوْضِعه بِصَوْت بكائه وَيسمع مِنْهُ على نَحْو ميلين فِي الفيافي والصحاري وَمن خطّ إِسْحَاق بن حنين عَاشَ أفلاطون ثَمَانِينَ سنة وَقَالَ حنين بن إِسْحَاق فِي كتاب نَوَادِر الفلاسفة والحكماء كَانَ مَنْقُوشًا على فص خَاتم أفلاطون تَحْرِيك السَّاكِن أسهل من تسكين المتحرك مواعظ أفلاطون وَمن آدَاب أفلاطون ومواعظه مِمَّا ذكره المبشر بن فاتك ﵀ فِي كِتَابه قَالَ أفلاطون للْعَادَة على كل شَيْء سُلْطَان وَقَالَ إِذا هرب الْحَكِيم من النَّاس فاطلبه وَإِذا طَلَبهمْ فاهرب مِنْهُ وَقَالَ من لَا يواس الإخوان عِنْد دولته خذلوه عِنْد فاقته وَقيل لَهُ لم لَا تَجْتَمِع الْحِكْمَة وَالْمَال فَقَالَ لعز الْكَمَال وَسُئِلَ من أَحَق النَّاس أَن يؤتمن على تَدْبِير الْمَدِينَة فَقَالَ من كَانَ فِي تَدْبِير نَفسه حسن الْمَذْهَب

стр. 71

وَقيل لَهُ من يسلم من سَائِر الْعُيُوب وقبيح الْأَفْعَال فَقَالَ من جعل عقله أَمِينه وحذره وزيره والمواعظ زمامه وَالصَّبْر قائده والاعتصام بالتوقي ظهيره وَخَوف الله جليسه وَذكر الْمَوْت أنيسه وَقَالَ الْملك هُوَ كالنهر الْأَعْظَم تستمد مِنْهُ الْأَنْهَار الصغار فَإِن كَانَ عذبا عذبت وَإِن كَانَ مالحا ملحت وَقَالَ إِذا أردْت أَن تدوم لَك اللَّذَّة فَلَا تستوف الملتذ أبدا بل دع فِيهِ فَضله تدوم لَك اللَّذَّة وَقَالَ إياك فِي وَقت الْحَرْب أَن تسْتَعْمل النجدة وَتَدَع الْعقل فَإِن لِلْعَقْلِ مَوَاقِف قد تتمّ بِلَا حَاجَة إِلَى النجدة وَلَا ترى للنجدة غنى عَن الْعقل وَقَالَ غَايَة الْأَدَب أَن يستحي الْمَرْء من نَفسه وَقَالَ مَا ألمت نَفسِي إِلَّا من ثَلَاث من غَنِي افْتقر وعزيز ذل وَحَكِيم تلاعبت بِهِ الْجُهَّال وَقَالَ لَا تصحبوا الأشرار فَإِنَّهُم يمنون عَلَيْكُم بالسلامة مِنْهُم وَقَالَ لَا تطلب سرعَة الْعَمَل واطلب تجريده فَإِن النَّاس لَا يسْأَلُون فِي كم فرغ من هَذَا الْعَمَل وَإِنَّمَا يسْأَلُون عَن جودة صنعه وَقَالَ إحسانك إِلَى الْحر يحركه على الْمُكَافَأَة وإحسانك إِلَى الخسيس يحركه على معاودة الْمَسْأَلَة وَقَالَ الأشرار يتبعُون مساوئ النَّاس ويتركون محاسنهم كَمَا يتتبع الذُّبَاب الْمَوَاضِع الْفَاسِدَة من الْجَسَد وَيتْرك الصَّحِيح مِنْهُ وَقَالَ لَا تستصغر عَدوك فيقتحم عَلَيْك الْمَكْرُوه من زِيَادَة مِقْدَاره على تقديرك فِيهِ وَقَالَ لَيْسَ تكمل خيرية الرجل حَتَّى يكون صديقا للمتعاديين وَقَالَ اطلب فِي الْحَيَاة الْعلم وَالْمَال تحز الرآسة على النَّاس لأَنهم بَين خَاص وعام فالخاصة تفضلك بِمَا تحسن والعامة تفضلك بِمَا تملك وَقَالَ من جمع إِلَى شرف أَصله شرف نَفسه فقد قضى الْحق عَلَيْهِ واستدعى التَّفْضِيل بِالْحجَّةِ وَمن أغفل نَفسه وَاعْتمد على شرف آبَائِهِ فقد عقهم وَاسْتحق أَن لَا يقدم بهم على غَيره وَقَالَ لَا تبتاعن مَمْلُوكا قوي الشهزة فَإِن لَك مولى غَيْرك وَلَا غضوبا فَإِنَّهُ يقلق فِي ملكك وَلَا قوي الرَّأْي فيستعمل الْحِيلَة عَلَيْك وَقَالَ اسْتعْمل مَعَ فرط النَّصِيحَة مَا تستعمله الخونة من حسن المداراة وَلَا تدخل عَلَيْك الْعجب لفضلك على أكفائك فَيفْسد عَلَيْك ثَمَرَة مَا فضلت بِهِ

стр. 72

وَقَالَ لَا تنظر إِلَى أحد بالموضع الَّذِي رتبه فِيهِ زَمَانه وَانْظُر إِلَيْهِ بِقِيمَتِه فِي الْحَقِيقَة فَإِنَّهَا مَكَانَهُ الطبيعي وَقَالَ إِذا خبث الزَّمَان كسدت الْفَضَائِل وضرت ونفقت الرذائل ونفعت وَكَانَ خوف الْمُوسر أَشد من خوف الْمُعسر وَقَالَ لَا يزَال الجائر ممهلا حَتَّى يتخطى إِلَى أَرْكَان الْعِمَارَة ومباني الشَّرِيعَة وَإِذا أقصد لَهَا تحرّك عَلَيْهِ قيم الْعَالم فأباده وَقَالَ إِذا طابق الْكَلَام نِيَّة الْمُتَكَلّم حرك نِيَّة السَّامع وَإِن خالفها لم يحسن موقعه مِمَّن أُرِيد بِهِ وَقَالَ أفضل الْمُلُوك من بَقِي بِالْعَدْلِ ذكره واستملى من أَتَى بعده بفضائله وَقَالَ رجل جَاهِل لأفلاطون كَيفَ قدرت على كَثْرَة مَا تعلمت فَقَالَ لِأَنِّي أفنيت من الزَّيْت بِمِقْدَار مَا أفنيته أَنْت من الشَّرَاب وَقَالَ عين الْمُحب عمياء عَن عُيُوب المحبوب وَقَالَ إِذا خاطبت من هُوَ أعلم مِنْك فَجرد لَهُ الْمعَانِي وَلَا تكلّف بإطالة اللَّفْظ وَلَا تحسينه وَإِذا خاطبت من هُوَ دُونك فِي الْمعرفَة فأبسط كلامك ليلحق فِي أواخره مَا أعجزه فِي أَوَائِله وَقَالَ الْحلم لَا ينْسب إِلَّا إِلَى من قدر على السطوة والزهد لَا ينْسب إِلَّا إِلَى من ترك بعد الْقُدْرَة وَقَالَ الْعَزِيز النَّفس هُوَ الَّذِي يذل للفاقة وَقَالَ الْحسن الْخلق من صَبر على السَّيئ الْخلق وَقَالَ أشرف النَّاس من شرفته الْفَضَائِل لَا من تشرف بالفضائل وَذَلِكَ أَن من كَانَت الْفَضَائِل فِيهِ جوهرية فَهِيَ تشرفه وَمن كَانَت فِيهِ عرضية تشرف بهَا وَلم تشرفه وَقَالَ الْحيَاء إِذا توَسط أوقف الْإِنْسَان عَمَّا عابه وَإِذا أفرط أوقفهُ عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ وَإِذا قصر خلع عَنهُ ثوب التجمل فِي كثير من أَحْوَاله وَقَالَ إِذا حصل عَدوك فِي قدرتك خرج من جملَة أعدائك وَدخل فِي عدَّة حشمك وَقَالَ يَنْبَغِي للمرء أَن ينظر وَجهه فِي الْمرْآة فَإِن كَانَ حسنا استقبح أَن يضيف إِلَيْهِ فعلا قبيحا وَإِن كَانَ قبيحا استقبح أَن يجمع بَين قبحين وَقَالَ لَا تصْحَب الشرير فَإِن طبعك يسرق من طبعه شرا وَأَنت لَا تَدْرِي وَقَالَ إِذا قَامَت حجتك فِي المناظرة على كريم أكرمك ووقرك وَإِذا قَامَت على خسيس عاداك واصطنعها عَلَيْك

стр. 73

وَقَالَ من مدحك بِمَا لَيْسَ فِيك من الْجَمِيل وَهُوَ رَاض عَنْك ذمك بِمَا لَيْسَ فِيك من الْقَبِيح وَهُوَ ساخط عَلَيْك وَقَالَ إِنَّمَا صَار التَّقْلِيد وَاجِبا فِي الْعَالم لِأَن الضعْف فِيهِ قَائِم فِي النَّاس وَقَالَ من تعلم الْعلم لفضيلته لم يوحشه كساده وَمن تعلمه لجدواه انْصَرف بانصراف الْحَظ عَن أَهله إِلَى مَا يكسبه وَقَالَ ليكن خوفك من تدبيرك على عَدوك أَكثر من خوفك من تَدْبِير عَدوك عَلَيْك وَقَالَ رب مغبوط بِنِعْمَة هِيَ بلاؤه وَرب مَحْسُود على حَال هِيَ داؤه وَقَالَ شهوات النَّاس تتحرك بِحَسب شهوات الْملك وإرادته وَقَالَ مَا معي من فَضِيلَة الْعلم إِلَّا علمي بِأَنِّي لست بعالم وَقَالَ الأمل خداع النَّاس وَقَالَ احفظ الناموس يحفظك وَقَالَ إِذا صادقت رجلا وَجب أَن تكون صديق صديقه وَلَيْسَ يجب عَلَيْك أَن تكون عَدو عدوه وَقَالَ المشورة تريك طبع المستشار وَقَالَ يَنْبَغِي للعاقل أَن لَا يتكسب إِلَّا بأزيد مَا فِيهِ وَلَا يخْدم إِلَّا المقارب لَهُ فِي خلقه وَقَالَ أَكثر الْفَضَائِل مرّة المبادي حلوة العواقب وَأكْثر الرذائل حلوة المبادي مرّة العواقب وقلا لَا تستكثرن من عشرَة حَملَة عُيُوب النَّاس فَإِنَّهُم يتسقطون مَا غفلت عَنهُ وينقلونه إِلَى غَيْرك كَمَا ينقلون عَنهُ إِلَيْك وَقَالَ الظفر شَافِع المذنبين إِلَى الكرماء وَقَالَ يَنْبَغِي للحازم أَن يعد لِلْأَمْرِ الَّذِي يلتمسه كل مَا أوجبه الرَّأْي فِي طلبه وَلَا يتكل فِيهِ على الْأَسْبَاب الْخَارِجَة عَن سَعْيه مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ الأمل وَمَا جرت بِهِ الْعَادة فَإِنَّهَا لَيست لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ للاتفاق الَّذِي لَا تثق بِهِ الحزمة وَقيل لأفلاطون لم صَار الرجل يقتني مَالا وَهُوَ شيخ فَقَالَ لِأَن يَمُوت الْإِنْسَان فيخلف مَالا لأعدائه خير لَهُ من أَن يحْتَاج فِي حَيَاته إِلَى أصدقائه وَرَأى طَبِيبا جَاهِلا فَقَالَ هَذَا محب مزعج للْمَوْت وَقَالَ الإفراط فِي النَّصِيحَة يهجم بصاحبها على كثير من الظنة وَقَالَ لَيْسَ يَنْبَغِي للرجل أَن يشغل قلبه بِمَا ذهب مِنْهُ وَلَكِن يعتني بِحِفْظ مَا بَقِي عَلَيْهِ

стр. 74

وَسَأَلَهُ أرسطوطاليس بِمَاذَا يعرف الْحَكِيم أَنه قد صَار حكيما فَقَالَ إِذا لم يكن بِمَا يُصِيب من الرَّأْي معجبا وَلَا لما يَأْتِي من الْأَمر متكلفا وَلم يستفزه عِنْد الذَّم الْغَضَب وَلَا يدْخلهُ عِنْد المرح النخوة وَسُئِلَ مِم يَنْبَغِي أَن يحترس فَقَالَ من الْعَدو الْقَادِر وَالصديق المكدر والمسلط الغاضب وَسُئِلَ أَي شَيْء أَنْفَع للْإنْسَان فَقَالَ إِن يعْنى بتقويم نَفسه أَكثر من عنايته بتقويم غَيره وَقَالَ الشرير الْعَالم يسره الطعْن على من تقدمه من الْعلمَاء ويسوؤه بَقَاء من فِي عصره مِنْهُم لِأَنَّهُ يحب أَن لَا يعرف بِالْعلمِ غَيره لِأَن الْأَغْلَب عَلَيْهِ شَهْوَة الرِّئَاسَة وَالْخَيْر الْعَالم يسوؤه فقد أحد من طبقته فِي الْمعرفَة لِأَن رغبته فِي الازدياد وإحياء علمه بالذاكرة أَكثر من رغبته فِي الرِّئَاسَة وَالْغَلَبَة وَقَالَ تبكيت الرجل بالذنب بعد الْعَفو عَنهُ إزراء بالصنيعة وَإِنَّمَا يكون قبل هبة الجرم لَهُ وَقَالَ اطلب فِي حياتك الْعلم وَالْمَال وَالْعَمَل الصَّالح فَإِن الْخَاصَّة تفضلك بِمَا تحسن والعامة بِمَا تملك والجميع بِمَا تعْمل وَسُئِلَ أفلاطون عِنْد مَوته عَن الدُّنْيَا فَقَالَ خرجت إِلَيْهَا مُضْطَرّا وعشت فِيهَا متحيرا وَهَا أَنا اخْرُج مِنْهَا كَارِهًا وَلم أعلم فِيهَا إِلَّا أنني لم أعلم كتب أفلاطون ولفلاطن من الْكتب كتاب احتجاج سقراط على أهل أثينية كتاب فَأذن فِي النَّفس كتاب السياسة المدنية كتاب طيماوس الروحاني فِي تَرْتِيب العوالم الثَّلَاثَة الْعَقْلِيَّة الَّتِي هِيَ عَالم الربوبية وعالم الْعقل وعالم النَّفس كتاب طيماوس الطبيعي أَربع مقالات فِي تركيب عَالم الطبيعة كتب بِهَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ إِلَى تلميذ لَهُ يُسمى طيماوس وغرض فلاطن فِي كِتَابه هَذَا أَن يصف جَمِيع الْعلم الطبيعي أَقُول وَذكر جالينوس فِي الْمقَالة الثَّامِنَة من كِتَابه من آراء أبقراط وفلاطن إِن كتاب طيماوس قد شَرحه كثير من الْمُفَسّرين وأطنبوا فِي ذَلِك حَتَّى جاوزوا الْمِقْدَار الَّذِي يَنْبَغِي مَا خلا الْأَقَاوِيل الطبية الَّتِي فِيهِ فَإِنَّهُ قل من رام شرحها وَمن رام شرحها أَيْضا لم يحسن فِيمَا كتب فِيهَا ولجالينوس كتاب يَنْقَسِم إِلَى أَربع مقالات فسر فِيهِ مَا فِي كتاب طيماوس من علم الطِّبّ كتاب الْأَقْوَال الأفلاطونية كتاب أونفرن كتاب أقريطن كتاب قراطلس كتاب ثاطيطس كتاب سوفسطس كتاب فوليطيقوس كتاب برمينيدس كتاب فَلبس كتاب سمبوسين كتاب

стр. 75

القيبيادس الأول كتاب القيبيادس الثَّانِي كتاب أبرخس كتاب أرسطا فِي الفلسفة كتاب ثاجيس فِي الفلسفة كتاب أوثوديموس كتاب لاخس فِي الشجَاعَة كتاب لوسيس كتاب أفروطاغورس كتاب غورجياس كتاب مانون كِتَابَانِ مسميان أَبَيَا كتاب أَيْن كتاب منكسانس كتاب فليطفون كتاب الفلسفي كتاب أقريطياس كتاب مينس كتاب أفينومس كتاب النواميس إثنا عشر كتابا فِي الفلسفة كتاب فِيمَا يَنْبَغِي كتاب فِي الْأَشْيَاء الْعَالِيَة كتاب خرميدس فِي الْعِفَّة كتاب فدروس كتاب المناسبات كتاب التَّوْحِيد كتاب فِي النَّفس وَالْعقل والجوهر وَالْغَرَض كتاب الْحس واللذة مقَالَة كتاب تَأْدِيب الْأَحْدَاث ووصاياهم كتاب معاتبة النَّفس كتاب أصُول الهندسة أرسطوطاليس هُوَ أرسطوطاليس بن نيقوماخس الجراسني الفيثاغوري وَتَفْسِير نيقوماخس قاهر الْخصم وَتَفْسِير أرسطوطاليس تَامّ الْفَضِيلَة حُكيَ ذَلِك أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ المَسْعُودِيّ كَانَ نيقوماخس فيثاغوري الْمَذْهَب وَله تأليف مَشْهُور فِي الأرثماطيقي قَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل فِي كِتَابه عَن أرسطوطاليس إِنَّه كَانَ فيلسوف الرّوم وعالمها وجهبذها ونحريرها وخطيبها وطبيبها قَالَ وَكَانَ أوحد فِي الطِّبّ وَغلب عَلَيْهِ علم الفلسفة وَقَالَ بطليموس فِي كِتَابه إِلَى غلس فِي سيرة أرسطوطاليس وَخَبره ووصيته وفهرست كتبه الْمَشْهُورَة إِنَّه كَانَ أصل أرسطوطاليس من الْمَدِينَة الَّتِي تسمى أسطاغيرا وَهِي من الْبِلَاد الَّتِي يُقَال لَهَا خلقيديق مِمَّا يَلِي بِلَاد تراقية بِالْقربِ من أولنش وماثوني وَكَانَ اسْم أمه أفسطيا قَالَ وَكَانَ نقوماخس أَبُو أرسطوطاليس طَبِيب أمنطس أبي فيلبس وفيلبس هَذَا هُوَ أَبُو الاسكندر الْملك وَكَانَ نيقوماخس يرجع فِي نسبه إِلَى أسقليبيوس وَكَانَ أسقليبيوس هَذَا أَبَا ماخاون وماخاون أَبُو أسقليبيوس وَكَانَ اصل أمه أفسطيا يرجع فِي النِّسْبَة أَيْضا إِلَى أسقليبيوس
следующие страницы →