← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَقيل لَهُ من يسلم من سَائِر الْعُيُوب وقبيح الْأَفْعَال فَقَالَ من جعل عقله أَمِينه وحذره وزيره والمواعظ زمامه وَالصَّبْر قائده والاعتصام بالتوقي ظهيره وَخَوف الله جليسه وَذكر الْمَوْت أنيسه وَقَالَ الْملك هُوَ كالنهر الْأَعْظَم تستمد مِنْهُ الْأَنْهَار الصغار فَإِن كَانَ عذبا عذبت وَإِن كَانَ مالحا ملحت وَقَالَ إِذا أردْت أَن تدوم لَك اللَّذَّة فَلَا تستوف الملتذ أبدا بل دع فِيهِ فَضله تدوم لَك اللَّذَّة وَقَالَ إياك فِي وَقت الْحَرْب أَن تسْتَعْمل النجدة وَتَدَع الْعقل فَإِن لِلْعَقْلِ مَوَاقِف قد تتمّ بِلَا حَاجَة إِلَى النجدة وَلَا ترى للنجدة غنى عَن الْعقل وَقَالَ غَايَة الْأَدَب أَن يستحي الْمَرْء من نَفسه وَقَالَ مَا ألمت نَفسِي إِلَّا من ثَلَاث من غَنِي افْتقر وعزيز ذل وَحَكِيم تلاعبت بِهِ الْجُهَّال وَقَالَ لَا تصحبوا الأشرار فَإِنَّهُم يمنون عَلَيْكُم بالسلامة مِنْهُم وَقَالَ لَا تطلب سرعَة الْعَمَل واطلب تجريده فَإِن النَّاس لَا يسْأَلُون فِي كم فرغ من هَذَا الْعَمَل وَإِنَّمَا يسْأَلُون عَن جودة صنعه وَقَالَ إحسانك إِلَى الْحر يحركه على الْمُكَافَأَة وإحسانك إِلَى الخسيس يحركه على معاودة الْمَسْأَلَة وَقَالَ الأشرار يتبعُون مساوئ النَّاس ويتركون محاسنهم كَمَا يتتبع الذُّبَاب الْمَوَاضِع الْفَاسِدَة من الْجَسَد وَيتْرك الصَّحِيح مِنْهُ وَقَالَ لَا تستصغر عَدوك فيقتحم عَلَيْك الْمَكْرُوه من زِيَادَة مِقْدَاره على تقديرك فِيهِ وَقَالَ لَيْسَ تكمل خيرية الرجل حَتَّى يكون صديقا للمتعاديين وَقَالَ اطلب فِي الْحَيَاة الْعلم وَالْمَال تحز الرآسة على النَّاس لأَنهم بَين خَاص وعام فالخاصة تفضلك بِمَا تحسن والعامة تفضلك بِمَا تملك وَقَالَ من جمع إِلَى شرف أَصله شرف نَفسه فقد قضى الْحق عَلَيْهِ واستدعى التَّفْضِيل بِالْحجَّةِ وَمن أغفل نَفسه وَاعْتمد على شرف آبَائِهِ فقد عقهم وَاسْتحق أَن لَا يقدم بهم على غَيره وَقَالَ لَا تبتاعن مَمْلُوكا قوي الشهزة فَإِن لَك مولى غَيْرك وَلَا غضوبا فَإِنَّهُ يقلق فِي ملكك وَلَا قوي الرَّأْي فيستعمل الْحِيلَة عَلَيْك وَقَالَ اسْتعْمل مَعَ فرط النَّصِيحَة مَا تستعمله الخونة من حسن المداراة وَلَا تدخل عَلَيْك الْعجب لفضلك على أكفائك فَيفْسد عَلَيْك ثَمَرَة مَا فضلت بِهِ

стр. 72

وَقَالَ لَا تنظر إِلَى أحد بالموضع الَّذِي رتبه فِيهِ زَمَانه وَانْظُر إِلَيْهِ بِقِيمَتِه فِي الْحَقِيقَة فَإِنَّهَا مَكَانَهُ الطبيعي وَقَالَ إِذا خبث الزَّمَان كسدت الْفَضَائِل وضرت ونفقت الرذائل ونفعت وَكَانَ خوف الْمُوسر أَشد من خوف الْمُعسر وَقَالَ لَا يزَال الجائر ممهلا حَتَّى يتخطى إِلَى أَرْكَان الْعِمَارَة ومباني الشَّرِيعَة وَإِذا أقصد لَهَا تحرّك عَلَيْهِ قيم الْعَالم فأباده وَقَالَ إِذا طابق الْكَلَام نِيَّة الْمُتَكَلّم حرك نِيَّة السَّامع وَإِن خالفها لم يحسن موقعه مِمَّن أُرِيد بِهِ وَقَالَ أفضل الْمُلُوك من بَقِي بِالْعَدْلِ ذكره واستملى من أَتَى بعده بفضائله وَقَالَ رجل جَاهِل لأفلاطون كَيفَ قدرت على كَثْرَة مَا تعلمت فَقَالَ لِأَنِّي أفنيت من الزَّيْت بِمِقْدَار مَا أفنيته أَنْت من الشَّرَاب وَقَالَ عين الْمُحب عمياء عَن عُيُوب المحبوب وَقَالَ إِذا خاطبت من هُوَ أعلم مِنْك فَجرد لَهُ الْمعَانِي وَلَا تكلّف بإطالة اللَّفْظ وَلَا تحسينه وَإِذا خاطبت من هُوَ دُونك فِي الْمعرفَة فأبسط كلامك ليلحق فِي أواخره مَا أعجزه فِي أَوَائِله وَقَالَ الْحلم لَا ينْسب إِلَّا إِلَى من قدر على السطوة والزهد لَا ينْسب إِلَّا إِلَى من ترك بعد الْقُدْرَة وَقَالَ الْعَزِيز النَّفس هُوَ الَّذِي يذل للفاقة وَقَالَ الْحسن الْخلق من صَبر على السَّيئ الْخلق وَقَالَ أشرف النَّاس من شرفته الْفَضَائِل لَا من تشرف بالفضائل وَذَلِكَ أَن من كَانَت الْفَضَائِل فِيهِ جوهرية فَهِيَ تشرفه وَمن كَانَت فِيهِ عرضية تشرف بهَا وَلم تشرفه وَقَالَ الْحيَاء إِذا توَسط أوقف الْإِنْسَان عَمَّا عابه وَإِذا أفرط أوقفهُ عَمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ وَإِذا قصر خلع عَنهُ ثوب التجمل فِي كثير من أَحْوَاله وَقَالَ إِذا حصل عَدوك فِي قدرتك خرج من جملَة أعدائك وَدخل فِي عدَّة حشمك وَقَالَ يَنْبَغِي للمرء أَن ينظر وَجهه فِي الْمرْآة فَإِن كَانَ حسنا استقبح أَن يضيف إِلَيْهِ فعلا قبيحا وَإِن كَانَ قبيحا استقبح أَن يجمع بَين قبحين وَقَالَ لَا تصْحَب الشرير فَإِن طبعك يسرق من طبعه شرا وَأَنت لَا تَدْرِي وَقَالَ إِذا قَامَت حجتك فِي المناظرة على كريم أكرمك ووقرك وَإِذا قَامَت على خسيس عاداك واصطنعها عَلَيْك

стр. 73

وَقَالَ من مدحك بِمَا لَيْسَ فِيك من الْجَمِيل وَهُوَ رَاض عَنْك ذمك بِمَا لَيْسَ فِيك من الْقَبِيح وَهُوَ ساخط عَلَيْك وَقَالَ إِنَّمَا صَار التَّقْلِيد وَاجِبا فِي الْعَالم لِأَن الضعْف فِيهِ قَائِم فِي النَّاس وَقَالَ من تعلم الْعلم لفضيلته لم يوحشه كساده وَمن تعلمه لجدواه انْصَرف بانصراف الْحَظ عَن أَهله إِلَى مَا يكسبه وَقَالَ ليكن خوفك من تدبيرك على عَدوك أَكثر من خوفك من تَدْبِير عَدوك عَلَيْك وَقَالَ رب مغبوط بِنِعْمَة هِيَ بلاؤه وَرب مَحْسُود على حَال هِيَ داؤه وَقَالَ شهوات النَّاس تتحرك بِحَسب شهوات الْملك وإرادته وَقَالَ مَا معي من فَضِيلَة الْعلم إِلَّا علمي بِأَنِّي لست بعالم وَقَالَ الأمل خداع النَّاس وَقَالَ احفظ الناموس يحفظك وَقَالَ إِذا صادقت رجلا وَجب أَن تكون صديق صديقه وَلَيْسَ يجب عَلَيْك أَن تكون عَدو عدوه وَقَالَ المشورة تريك طبع المستشار وَقَالَ يَنْبَغِي للعاقل أَن لَا يتكسب إِلَّا بأزيد مَا فِيهِ وَلَا يخْدم إِلَّا المقارب لَهُ فِي خلقه وَقَالَ أَكثر الْفَضَائِل مرّة المبادي حلوة العواقب وَأكْثر الرذائل حلوة المبادي مرّة العواقب وقلا لَا تستكثرن من عشرَة حَملَة عُيُوب النَّاس فَإِنَّهُم يتسقطون مَا غفلت عَنهُ وينقلونه إِلَى غَيْرك كَمَا ينقلون عَنهُ إِلَيْك وَقَالَ الظفر شَافِع المذنبين إِلَى الكرماء وَقَالَ يَنْبَغِي للحازم أَن يعد لِلْأَمْرِ الَّذِي يلتمسه كل مَا أوجبه الرَّأْي فِي طلبه وَلَا يتكل فِيهِ على الْأَسْبَاب الْخَارِجَة عَن سَعْيه مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ الأمل وَمَا جرت بِهِ الْعَادة فَإِنَّهَا لَيست لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ للاتفاق الَّذِي لَا تثق بِهِ الحزمة وَقيل لأفلاطون لم صَار الرجل يقتني مَالا وَهُوَ شيخ فَقَالَ لِأَن يَمُوت الْإِنْسَان فيخلف مَالا لأعدائه خير لَهُ من أَن يحْتَاج فِي حَيَاته إِلَى أصدقائه وَرَأى طَبِيبا جَاهِلا فَقَالَ هَذَا محب مزعج للْمَوْت وَقَالَ الإفراط فِي النَّصِيحَة يهجم بصاحبها على كثير من الظنة وَقَالَ لَيْسَ يَنْبَغِي للرجل أَن يشغل قلبه بِمَا ذهب مِنْهُ وَلَكِن يعتني بِحِفْظ مَا بَقِي عَلَيْهِ

стр. 74

وَسَأَلَهُ أرسطوطاليس بِمَاذَا يعرف الْحَكِيم أَنه قد صَار حكيما فَقَالَ إِذا لم يكن بِمَا يُصِيب من الرَّأْي معجبا وَلَا لما يَأْتِي من الْأَمر متكلفا وَلم يستفزه عِنْد الذَّم الْغَضَب وَلَا يدْخلهُ عِنْد المرح النخوة وَسُئِلَ مِم يَنْبَغِي أَن يحترس فَقَالَ من الْعَدو الْقَادِر وَالصديق المكدر والمسلط الغاضب وَسُئِلَ أَي شَيْء أَنْفَع للْإنْسَان فَقَالَ إِن يعْنى بتقويم نَفسه أَكثر من عنايته بتقويم غَيره وَقَالَ الشرير الْعَالم يسره الطعْن على من تقدمه من الْعلمَاء ويسوؤه بَقَاء من فِي عصره مِنْهُم لِأَنَّهُ يحب أَن لَا يعرف بِالْعلمِ غَيره لِأَن الْأَغْلَب عَلَيْهِ شَهْوَة الرِّئَاسَة وَالْخَيْر الْعَالم يسوؤه فقد أحد من طبقته فِي الْمعرفَة لِأَن رغبته فِي الازدياد وإحياء علمه بالذاكرة أَكثر من رغبته فِي الرِّئَاسَة وَالْغَلَبَة وَقَالَ تبكيت الرجل بالذنب بعد الْعَفو عَنهُ إزراء بالصنيعة وَإِنَّمَا يكون قبل هبة الجرم لَهُ وَقَالَ اطلب فِي حياتك الْعلم وَالْمَال وَالْعَمَل الصَّالح فَإِن الْخَاصَّة تفضلك بِمَا تحسن والعامة بِمَا تملك والجميع بِمَا تعْمل وَسُئِلَ أفلاطون عِنْد مَوته عَن الدُّنْيَا فَقَالَ خرجت إِلَيْهَا مُضْطَرّا وعشت فِيهَا متحيرا وَهَا أَنا اخْرُج مِنْهَا كَارِهًا وَلم أعلم فِيهَا إِلَّا أنني لم أعلم كتب أفلاطون ولفلاطن من الْكتب كتاب احتجاج سقراط على أهل أثينية كتاب فَأذن فِي النَّفس كتاب السياسة المدنية كتاب طيماوس الروحاني فِي تَرْتِيب العوالم الثَّلَاثَة الْعَقْلِيَّة الَّتِي هِيَ عَالم الربوبية وعالم الْعقل وعالم النَّفس كتاب طيماوس الطبيعي أَربع مقالات فِي تركيب عَالم الطبيعة كتب بِهَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ إِلَى تلميذ لَهُ يُسمى طيماوس وغرض فلاطن فِي كِتَابه هَذَا أَن يصف جَمِيع الْعلم الطبيعي أَقُول وَذكر جالينوس فِي الْمقَالة الثَّامِنَة من كِتَابه من آراء أبقراط وفلاطن إِن كتاب طيماوس قد شَرحه كثير من الْمُفَسّرين وأطنبوا فِي ذَلِك حَتَّى جاوزوا الْمِقْدَار الَّذِي يَنْبَغِي مَا خلا الْأَقَاوِيل الطبية الَّتِي فِيهِ فَإِنَّهُ قل من رام شرحها وَمن رام شرحها أَيْضا لم يحسن فِيمَا كتب فِيهَا ولجالينوس كتاب يَنْقَسِم إِلَى أَربع مقالات فسر فِيهِ مَا فِي كتاب طيماوس من علم الطِّبّ كتاب الْأَقْوَال الأفلاطونية كتاب أونفرن كتاب أقريطن كتاب قراطلس كتاب ثاطيطس كتاب سوفسطس كتاب فوليطيقوس كتاب برمينيدس كتاب فَلبس كتاب سمبوسين كتاب

стр. 75

القيبيادس الأول كتاب القيبيادس الثَّانِي كتاب أبرخس كتاب أرسطا فِي الفلسفة كتاب ثاجيس فِي الفلسفة كتاب أوثوديموس كتاب لاخس فِي الشجَاعَة كتاب لوسيس كتاب أفروطاغورس كتاب غورجياس كتاب مانون كِتَابَانِ مسميان أَبَيَا كتاب أَيْن كتاب منكسانس كتاب فليطفون كتاب الفلسفي كتاب أقريطياس كتاب مينس كتاب أفينومس كتاب النواميس إثنا عشر كتابا فِي الفلسفة كتاب فِيمَا يَنْبَغِي كتاب فِي الْأَشْيَاء الْعَالِيَة كتاب خرميدس فِي الْعِفَّة كتاب فدروس كتاب المناسبات كتاب التَّوْحِيد كتاب فِي النَّفس وَالْعقل والجوهر وَالْغَرَض كتاب الْحس واللذة مقَالَة كتاب تَأْدِيب الْأَحْدَاث ووصاياهم كتاب معاتبة النَّفس كتاب أصُول الهندسة أرسطوطاليس هُوَ أرسطوطاليس بن نيقوماخس الجراسني الفيثاغوري وَتَفْسِير نيقوماخس قاهر الْخصم وَتَفْسِير أرسطوطاليس تَامّ الْفَضِيلَة حُكيَ ذَلِك أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ المَسْعُودِيّ كَانَ نيقوماخس فيثاغوري الْمَذْهَب وَله تأليف مَشْهُور فِي الأرثماطيقي قَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل فِي كِتَابه عَن أرسطوطاليس إِنَّه كَانَ فيلسوف الرّوم وعالمها وجهبذها ونحريرها وخطيبها وطبيبها قَالَ وَكَانَ أوحد فِي الطِّبّ وَغلب عَلَيْهِ علم الفلسفة وَقَالَ بطليموس فِي كِتَابه إِلَى غلس فِي سيرة أرسطوطاليس وَخَبره ووصيته وفهرست كتبه الْمَشْهُورَة إِنَّه كَانَ أصل أرسطوطاليس من الْمَدِينَة الَّتِي تسمى أسطاغيرا وَهِي من الْبِلَاد الَّتِي يُقَال لَهَا خلقيديق مِمَّا يَلِي بِلَاد تراقية بِالْقربِ من أولنش وماثوني وَكَانَ اسْم أمه أفسطيا قَالَ وَكَانَ نقوماخس أَبُو أرسطوطاليس طَبِيب أمنطس أبي فيلبس وفيلبس هَذَا هُوَ أَبُو الاسكندر الْملك وَكَانَ نيقوماخس يرجع فِي نسبه إِلَى أسقليبيوس وَكَانَ أسقليبيوس هَذَا أَبَا ماخاون وماخاون أَبُو أسقليبيوس وَكَانَ اصل أمه أفسطيا يرجع فِي النِّسْبَة أَيْضا إِلَى أسقليبيوس

стр. 76

وَيُقَال إِنَّه لما توفّي نيقوماخس أَبوهُ أسلمه برقسانس وَكيل أَبِيه وَهُوَ حدث لأفلاطن وَقَالَ بعض النَّاس أَن إِسْلَام أرسطوطاليس إِلَى أفلاطن إِنَّمَا كَانَ بِوَحْي من الله تَعَالَى فِي هيكل بوثيون وَقَالَ بَعضهم بل إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لصداقة كَانَت بَين برقسانس وَبَين فلاطن وَيُقَال إِنَّه لبث فِي التَّعْلِيم عَن أفلاطن عشْرين سنة وَإنَّهُ لما عَاد أفلاطن إِلَى سقلية فِي الْمرة الثَّانِيَة كَانَ أرسطوطاليس خَلِيفَته على دَار التَّعْلِيم الْمُسَمَّاة أقاديميا وَإنَّهُ لما قدم أفلاطن من سقلية انْتقل ارسطوطاليس إِلَى لوقيون وَاتخذ هُنَاكَ دَار التَّعْلِيم المنسوبة إِلَى الفلاسفة الْمَشَّائِينَ ثمَّ لما توفّي فلاطن سَار إِلَى أرمياس الْخَادِم الْوَالِي على أترنوس ثمَّ لما مَاتَ هَذَا الْخَادِم رَجَعَ إِلَى أثينس وَهِي الَّتِي تعرف بِمَدِينَة الْحُكَمَاء فَأرْسل إِلَيْهِ فيلبس فَسَار إِلَى مقدونيا فَلبث بهَا يعلم إِلَى أَن تجَاوز الاسكندر بِلَاد آسيا ثمَّ اسْتخْلف فِي مقدونيا قلسثانس وَرجع إِلَى أثينا وَأقَام فِي لوقيون عشر سِنِين ثمَّ إِن رجلا من الكهنة الَّذِي يسمون الكمريين يُقَال لَهُ أوروماذن أَرَادَ السّعَايَة بأرسطوطاليس وَنسبه إِلَى الْكفْر وَإنَّهُ لَا يعظم الْأَصْنَام الَّتِي كَانَت تعبد فِي ذَلِك الْوَقْت بسب ضغن كَانَ فِي نَفسه عَلَيْهِ وَقد قصّ أرسطوطاليس هَذِه الْقِصَّة فِي كِتَابه إِلَى أنطيطوس فَلَمَّا أحس أرسطوطاليس بذلك شخص عَن أثينا إِلَى بِلَاده وَهِي خلقيديق لِأَنَّهُ كره أَن يَبْتَلِي أهل أثنية من أمره بِمثل الَّذِي ابتلو فِي أَمر سقراطيس معلم أفلاطن حَتَّى قَتَلُوهُ وَكَانَ شخوصه من غير أَن يكون أحدا اجترأ بِهِ إِلَى أَي شخص على قبُول كتاب الكمري وقرفه أَو أَن يَنَالهُ بمكروه وَلَيْسَ مَا يَحْكِي عَن أرسطوطاليس من الِاعْتِذَار من قرف الكمري إِيَّاه بِحَق وَلكنه شَيْء مَوْضُوع على لِسَانه وَلما صَار أرسطوطاليس إِلَى بِلَاده أَقَامَ بهَا بَقِيَّة عمره إِلَى أَن توفّي وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسِتِّينَ سنة قَالَ وَقد يسْتَدلّ بِمَا ذكرنَا من حالاته على بطلَان قَول من يزْعم أَنه إِنَّمَا نظر فِي الفلسفة بعد أَن أَتَت عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ سنة وَأَنه إِنَّمَا كَانَ إِلَى هَذَا الْوَقْت يَلِي سياسة المدن لعنايته الَّتِي كَانَت بإصلاح أَمر المدن وَيُقَال إِن أهل أسطاغيرا نقلوا بدنه من الْموضع الَّذِي توفّي فِيهِ إِلَيْهِم وصيروه فِي الْموضع الْمُسَمّى الأرسطوط اليسي وصيروا مجتمعهم للمشاورة فِي جلائل الْأُمُور وَمَا يحزنهم فِي ذَلِك الْموضع وَكَانَ أرسطوطاليس هُوَ الَّذِي وضع سنَن أسطاغيرا لأَهْلهَا وَكَانَ جليل الْقدر فِي النَّاس وَدَلَائِل ذَلِك بَيِّنَة من كرامات الْمُلُوك الَّذين كَانُوا فِي عصره لَهُ فَأَما مَا كَانَ عَلَيْهِ من الرَّغْبَة فِي اصطناع الْمَعْرُوف والعناية بِالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاس فَذَلِك بَين من رسائله وَكتبه وَمَا يقف عَلَيْهِ النَّاظر فِيهَا من كَثْرَة توسطه

стр. 77

للأمور فِيمَا بَين مُلُوك دهره وَبَين الْعَوام فِيمَا يصلح بِهِ أُمُورهم ويجتلب بِهِ الْمَنَافِع إِلَيْهِم ولكثرة مَا عقد من المنن وَالْإِحْسَان فِي هَذَا الْبَاب صَار أهل أثينية إِلَى أَن اجْتَمعُوا وتعاقدوا على أَن كتبُوا كتابا نقشوه فِي عَمُود من الْحِجَارَة وصيروه على البرج العالي الَّذِي فِي الْمَدِينَة وَذكروا فِيمَا كتبُوا على ذَلِك العمود أَن أرسطوطاليس بن نيقوخامس الَّذِي من أهل أسطاغيرا قد اسْتحق بِمَا كَانَ عَلَيْهِ من اصطناع الْمَعْرُوف وَكَثْرَة الأيادي والمنن وَمَا يخص بِهِ أهل أثينية من ذَلِك وَمن قِيَامه عِنْد فيليبس الْملك بِمَا أصلح شَأْنهمْ وَبلغ بِهِ الْإِحْسَان إِلَيْهِم أَن يتَبَيَّن صناعَة أهل أثينية عَلَيْهِ بجميل مَا أَتَى من ذَلِك ويقروا لَهُ بِالْفَضْلِ والرئاسة ويوجبوا لَهُ الْحِفْظ والحياطة وَأهل الرئاسات فيهم هُوَ نَفسه وعقبه من بعده وَالْقِيَام لَهُم بِكُل مَا التمسوه من حوائجهم وأمورهم وَقد كَانَ رجل من أهل أثينية يُقَال لَهُ أيماراوس بعد اجْتِمَاع أهل أثينية على مَا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ من هَذَا الْكتاب شَذَّ عَن جَمَاعَتهمْ وَقَالَ بِخِلَاف قَوْلهم فِي أَمر أرسطوطاليس ووثب على العمود الَّذِي كَانَ قد اجْتمع أهل أثينية على أَن كتبُوا فِيهِ مَا كتبُوا من الثَّنَاء ونصبوه فِي الْموضع الَّذِي يُسمى أَعلَى الْمَدِينَة فَرمى بِهِ عَن مَوْضِعه فظفر بِهِ بعد أَن صنع مَا صنع أنطينوس فَقتله ثمَّ أَن رجلا من أهل أثينية يُسَمِّي أصطفانوس وَجَمَاعَة مَعَه عَمدُوا إِلَى عَمُود حِجَارَة فَكَتَبُوا فِيهِ من الثَّنَاء على أرسطوطاليس شَبِيها بِمَا كَانَ على العمود الأول وأثبتوا مَعَ ذَلِك ذكر أيماراوس الَّذِي رمى بالعمود وَفعله مَا فعل وأوجبوا لَعنه والبراءة مِنْهُ وَلما أَن مَاتَ فيلبس وَملك الاسكندر بعده وشخص عَن بِلَاده لمحاربة الْأُمَم وَحَازَ بِلَاد آسيا صَار أرسطوطاليس إِلَى التبتل والتخلي عَمَّا كَانَ فِيهِ من الِاتِّصَال بِأُمُور الْمُلُوك والملابسة لَهُم وَصَارَ إِلَى أثينية فَهَيَّأَ مَوضِع التَّعْلِيم الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِيمَا تقدم وَهُوَ الْمَنْسُوب إِلَى الفلاسفة الْمَشَّائِينَ وَأَقْبل على الْعِنَايَة بمصالح النَّاس ورفد الضُّعَفَاء وَأهل الْفَاقَة وتزويج الْأَيَامَى وعول الْيَتَامَى والعناية بتربيتهم ورفد الملتمسين للتعلم والتأدب من كَانُوا وَأي نوع من الْعلم وَالْأَدب طلبُوا ومعونتهم على ذَلِك وإنهاضهم وَالصَّدقَات على الْفُقَرَاء وَإِقَامَة الْمصَالح فِي المدن وجدد بِنَاء مدينته وَهِي مَدِينَة أسطاغيرا وَلم ينزل فِي الْغَايَة من لين الْجَانِب والتواضع وَحسن اللِّقَاء للصَّغِير وَالْكَبِير وَالْقَوِي والضعيف وَأما قِيَامه بِأُمُور أصدقائه فَلَا يُوصف وَيدل على ذَلِك مَا كتبه أَصْحَاب السّير واتفاقهم جميعاعلى مَا كتبوه من خبر أرسطوطاليس وَسيرَته وَقَالَ الْأَمِير المبشر بن فاتك فِي كتاب مُخْتَار الحكم ومحاسن الْكَلم أَن أرسطوطاليس لما بلغ ثَمَانِي سِنِين حمله أَبوهُ إِلَى بِلَاد أثينية وَهِي الْمَعْرُوفَة بِبِلَاد الْحُكَمَاء وَأقَام فِي لوقين مِنْهَا فضمه أَبوهُ إِلَى الشُّعَرَاء والبلغاء والنحويين فَأَقَامَ متعلما مِنْهُم تسع سِنِين وَكَانَ اسْم

стр. 78

هَذَا الْعلم عِنْدهم الْمُحِيط أَعنِي علم اللِّسَان لحَاجَة جَمِيع النَّاس إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الأداة والمراقي إِلَى كل حِكْمَة وفضيلة وَالْبَيَان الَّذِي يتَحَصَّل بِهِ كل علم وَأَن قوما من الْحُكَمَاء أزروا بِعلم البلغاء واللغويين والنحويين وعنفوا المتشاغلين بِهِ مِنْهُم أبيقورس وفيثاغورس وَزَعَمُوا أَنه لَا يحْتَاج إِلَى علمهمْ فِي شَيْء من الْحِكْمَة لِأَن النَّحْوِيين معلمو الصّبيان وَالشعرَاء أَصْحَاب أباطيل وَكذب والبلغاء أَصْحَاب تمحل ومحاباة ومراء فَلَمَّا بلغ أرسطوطاليس ذَلِك أَدْرَكته الحفيظة لَهُم فناضل عَن النَّحْوِيين والبلغاء وَالشعرَاء وَاحْتج مِنْهُم وَقَالَ أَنه لَا غنى للحكمة عَن علمهمْ لِأَن الْمنطق أَدَاة لعلمهم وَقَالَ أَن فضل الْإِنْسَان على الْبَهَائِم بالْمَنْطق فأحقهم بالأنسية أبلغهم فِي مَنْطِقه وأوصلهم إِلَى عبارَة ذَات نَفسه وأوضعهم لمنطقة فِي مَوْضِعه وَأَحْسَنهمْ اخْتِيَارا لأوجزه وأعذبه وَلِأَن الْحِكْمَة أشرف الْأَشْيَاء فَيَنْبَغِي أَن تكون الْعبارَة عَنْهَا بِأَحْكَم الْمنطق وأفصح اللهجة وأوجز اللَّفْظ الْأَبْعَد عَن الدخل والزلل وسماجة الْمنطق وقبح اللكنة والعي فَإِن ذَلِك يذهب بِنور الْحِكْمَة وَيقطع عَن الْأَدَاء وَيقصر عَن الْحَاجة ويلبس على المستمع وَيفْسد الْمعَانِي وَيُورث الشُّبْهَة فَلَمَّا اسْتكْمل علم الشُّعَرَاء والنحويين والبلغاء واستوعبه قصد إِلَى الْعُلُوم الأخلاقية والسياسة والطبيعية والتعليمية والإلهية وَانْقطع إِلَى أفلاطن وَصَارَ تلميذا لَهُ ومتعلما مِنْهُ وَله يَوْمئِذٍ سبع عشرَة سنة قَالَ المبشر بن فاتك وَكَانَ أفلاطن يجلس فيستدعي مِنْهُ الْكَلَام فَيَقُول حَتَّى يحضر النَّاس فَإِذا جَاءَ أرسطوطاليس قَالَ تكلمُوا فقد حضر النَّاس وَرُبمَا قَالَ حَتَّى يحضر الْعقل فَإِذا حضر أرسطوطاليس قَالَ تكلمُوا فقد حضر الْعقل قَالَ وَلما توفّي أرسطوطاليس نقل أهل أسطاغيرا رمته بَعْدَمَا بليت وجمعوا عِظَامه وسيروها فِي إِنَاء من نُحَاس وَدَفَنُوهَا فِي الْموضع الْمَعْرُوف بالأرسطوط اليسي وصيروه مجمعا لَهُم يَجْتَمعُونَ فِيهِ للمشاورة فِي جلائل الْأُمُور وَمَا يحزنهم ويستريحون إِلَى قَبره ويسكنون إِلَى عِظَامه فَإِذا صَعب عَلَيْهِم شَيْء من فنون الْعلم وَالْحكمَة آبوا بذلك الْموضع وجلسوا إِلَيْهِ ثمَّ تنَاظرُوا فِيمَا بَينهم حَتَّى يستنبطوا مَا أشكل عَلَيْهِم وَيصِح لَهُم مَا شجر بَينهم وَكَانُوا يرَوْنَ أَن مجيئهم إِلَى ذَلِك الْموضع الَّذِي فِيهِ عِظَام أرسطوطاليس يذكي عُقُولهمْ ويصحح فكرهم

стр. 79

ويلطف أذهانهم وَأَيْضًا تَعْظِيمًا لَهُ بعد مَوته وأسفا على فِرَاقه وحزنا لأجل الفجيعة بِهِ وَمَا فقدوه من ينابيع الْحِكْمَة وَقَالَ المَسْعُودِيّ فِي كتاب المسالك والممالك أَن الْمَدِينَة الْكُبْرَى الَّتِي تسمى بالرم من جَزِيرَة صقلية فِيهَا مَسْجِد الْجَامِع الْأَكْبَر وَكَانَ بيعَة للروم فِيهِ هيكل عَظِيم قَالَ وَسمعت بعض المنظفين يَقُول أَن حَكِيم يونان يَعْنِي أرسطوطاليس فِي خَشَبَة مُعَلّق فِي هَذَا الهيكل الَّذِي قد اتَّخذهُ الْمُسلمُونَ مَسْجِدا وَأَن النَّصَارَى كَانَت تعظم قدره وتستشفي بِهِ لما شاهدت اليونانية عَلَيْهِ من إكباره وإعظامه وَأَن السَّبَب فِي تَعْلِيقه بَين السَّمَاء وَالْأَرْض مَا كَانَ النَّاس يلاقونه عِنْد الِاسْتِشْفَاء وَالِاسْتِسْقَاء والأمور المهمة الَّتِي توجب الْفَزع إِلَى الله تَعَالَى والتقرب إِلَيْهِ فِي حِين الشدَّة والهلكة وَعند وَطْء بَعضهم لبَعض قَالَ المَسْعُودِيّ وَقد رَأَيْت هُنَاكَ خَشَبَة عَظِيمَة يُوشك أَن يكون الْقَبْر فِيهَا وَقَالَ المبشر بن فاتك وَكَانَ أرسطوطاليس كثير التلاميذ من الْمُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك وَغَيرهم مِنْهُم ثاوفرسطس وأذيموس والاسكندروس الْملك وأرمينوس وأسخولوس وَغَيرهم من الأفاضل الْمَشْهُورين بِالْعلمِ المبرزين فِي الْحِكْمَة المعروفين بشرف النّسَب وَقَامَ من بعده ليعلم حكمته الَّتِي صنفها وَجلسَ على كرسيه وَورث مرتبته ابْن خَالَته ثاوفرسطس وَمَعَهُ رجلَانِ يعينانه على ذَلِك ويؤازرانه يُسمى أَحدهمَا أرمينوس وَالْآخر أسخولوس وصنفوا كتبا كَثِيرَة فِي الْمنطق وَالْحكمَة وَخلف من الْوَلَد ابْنا صَغِيرا يُقَال لَهُ نيقوماخس وَابْنَة صَغِيرَة أَيْضا وَخلف مَالا كثيرا وعبيدا وأماء كَثِيرَة وَغير ذَلِك قَالَ وَكَانَ أرسطوطاليس أَبيض أجلح قَلِيلا حسن الْقَامَة عَظِيم الْعِظَام صَغِير الْعَينَيْنِ كث اللِّحْيَة أشهل الْعَينَيْنِ أقنى الْأنف صَغِير الْفَم عريض الصَّدْر يسْرع فِي مشيته إِذا خلا ويبطئ إِذا كَانَ مَعَ أَصْحَابه نَاظرا فِي الْكتب دَائِما لَا يهذي وَيقف عِنْد كل كلمة ويطيل الإطراق عِنْد السُّؤَال قَلِيل الْجَواب يتنقل فِي أوقاف النَّهَار فِي الفيافي وَنَحْو الْأَنْهَار محبا لاستماع الألحان والاجتماع بِأَهْل الرياضات وَأَصْحَاب الجدل منصفا من نَفسه إِذا خصم معترفا بِموضع الْإِصَابَة وَالْخَطَأ معتدلا فِي الملابس والمآكل والمشارب والمناكح والحركات بِيَدِهِ آلَة النُّجُوم والساعات وَقَالَ حنين ابْن إِسْحَق فِي كتاب نَوَادِر الفلاسفة والحكماء كَانَ مَنْقُوشًا على فص خَاتم أرسطوطاليس الْمُنكر لما يعلم أعلم من الْمقر بِمَا يعلم

стр. 80

وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد بن طَاهِر بن بهْرَام المنطقي فِي تعاليقه أَن ثيوفرسطس كَانَ وَصِيّ أرسطوطاليس وَأَن أرسطوطاليس عمر إِحْدَى وَسِتِّينَ سنة قَالَ وَأما أفلاطن فَإِنَّهُ عمر كثيرا وَقَالَ ابْن النديم الْبَغْدَادِيّ الْكَاتِب فِي كتاب الفهرست أَن أرسطوطاليس توفّي وَله سِتّ وَسِتُّونَ سنة وَمن خطّ إِسْحَق وَلَفظه عَاشَ أرسطوطاليس سبعا وَسِتِّينَ سنة وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم صاعد بن أَحْمد بن صاعد فِي كتاب التَّعْرِيف بطبقات الْأُمَم أَن أرسطوطاليس انْتَهَت إِلَيْهِ فلسفة اليونانيين وَهُوَ خَاتم حكمائهم وَسيد عُلَمَائهمْ وَهُوَ أول من خلص صناعَة الْبُرْهَان من سَائِر الصناعات المنطقية وصورها بالأشكال الثَّلَاثَة وَجعلهَا آلَة للعلوم النظرية حَتَّى لقب بِصَاحِب الْمنطق وَله فِي جَمِيع الْعُلُوم الفلسفية كتب شريفة كُلية وجزئية فالجزئية رسائله الَّتِي يتَعَلَّم مِنْهَا معنى وَاحِد فَقَط والكلية بَعْضهَا تذاكير يتَذَكَّر بِقِرَاءَتِهَا مَا قد علم من علمه وَهِي السبعون كتابا الَّتِي وَضعهَا لاوفارس وَبَعضهَا تعاليم يتَعَلَّم مِنْهَا ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا عُلُوم الفلسفة وَالثَّانِي أَعمال الفلسفة وَالثَّالِث الْآلَة المستعملة فِي علم الفلسفة وَغَيره من الْعُلُوم فالكتب الَّتِي فِي عُلُوم الفلسفة بَعْضهَا فِي الْعُلُوم التعليمية وَبَعضهَا فِي الْعُلُوم الطبيعية وَبَعضهَا فِي الْعُلُوم الآلهية فَأَما الْكتب الَّتِي فِي الْعُلُوم التعليمية فكتابه فِي المناظر وَكتابه فِي الخطوط وَكتابه فِي الْحِيَل وَأما الْكتب الَّتِي فِي الْعُلُوم الطبيعية فَمِنْهَا مَا يتَعَلَّم مِنْهُ الْأُمُور الَّتِي تعم جَمِيع الطبائع وَمِنْهَا مَا يتَعَلَّم مِنْهُ الْأُمُور الَّتِي تخص كل وَاحِد من الطبائع فالتي يتَعَلَّم مِنْهَا الْأُمُور الَّتِي تعم جَمِيع الطبائع هِيَ كِتَابه الْمُسَمّى بسمع الكيان فَهَذَا الْكتاب يعرف بِعَدَد المبادئ لجَمِيع الْأَشْيَاء الطبيعية وبالأشياء الَّتِي هِيَ كالمبادئ وبالأشياء التوالي للمبادئ وبالأشياء المشاكلة للتوالي أما المبادئ فالعنصر وَالصُّورَة وَأما الَّتِي كالمبادئ فَلَيْسَتْ مبادئ بِالْحَقِيقَةِ بل بالتقريب كَالْعدمِ وَأما التوالي فالزمان وَالْمَكَان وَأما المشاكلة للتوالي فالخلاء الملاء وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ وَأما الَّتِي يعلم مِنْهَا الْأُمُور الخاصية لكل وَاحِد من الطبائع فبعضها فِي الْأَشْيَاء الَّتِي لَا كَون لَهَا وَبَعضهَا فِي الْأَشْيَاء المكونة أما الَّتِي فِي الْأَشْيَاء الَّتِي لَا كَون لَهَا فالأشياء الَّتِي تتعلم من المقالتين الأوليتين من كتاب السَّمَاء والعالم وَأما الَّتِي فِي الْأَشْيَاء المكونة فبعض علمهَا عَامي وَبَعضهَا خاصي

стр. 81

والعامي بعضه فِي الاستحالات وَبَعضه فِي الحركات أما الاستحالات فَفِي كتاب الْكَوْن وَالْفساد وَأما الحركات فَفِي المقالتين الآخرتين من كتاب السَّمَاء والعالم وَأما الخاصي فبعضه فِي البسائط وَبَعضه فِي المركبات أما الَّذِي فِي البسائط فَفِي كتاب الْآثَار العلوية وَأما الَّذِي فِي المركبات فبعضه فِي وصف كليات الْأَشْيَاء المركبة وَبَعضه فِي وصف أَجزَاء الْأَشْيَاء المركبة أما الَّذِي فِي وصف كليات المركبات فَفِي كتاب الْحَيَوَان وَفِي كتاب النَّبَات وَأما الَّذِي فِي وصف أَجزَاء المركبات فَفِي كتاب النَّفس وَفِي كتاب الْحس والمحسوس وَفِي كتاب الصِّحَّة والسقم وَفِي كتاب الشَّبَاب والهرم وَأما الْكتب الَّتِي فِي الْعُلُوم الإلهية فمقالاته الثَّلَاث عشرَة الَّتِي فِي كتاب مَا بعد الطبيعة وَأما الْكتب الَّتِي فِي أَعمال الفلسفة فبعضها فِي إصْلَاح أَخْلَاق النَّفس وَبَعضهَا فِي السياسة فَأَما الَّتِي فِي إصْلَاح أَخْلَاق النَّفس فكتابه الْكَبِير الَّذِي كتب بِهِ إِلَى ابْنه وَكتابه الصَّغِير الَّذِي كتب بِهِ إِلَى ابْنه أَيْضا وَكتابه الْمُسَمّى أوديميا وَأما الَّتِي فِي السياسة فبعضها فِي سياسة المدن وَبَعضهَا فِي سياسة الْمنزل وَأما الْكتب الَّتِي فِي الْآلَة المستعملة فِي عُلُوم الفلسفة فَهِيَ كتبه الثَّمَانِية المنطقية الَّتِي لم يسْبقهُ أحد مِمَّن علمناه إِلَى تأليفها وَلَا تقدمه إِلَى جمعهَا وَقد ذكر ذَلِك أرسطوطاليس فِي آخر الْكتاب السَّادِس مِنْهَا وَهُوَ كتاب سوفسيطيقا فَقَالَ وَأما صناعَة الْمنطق وَبِنَاء السلوجسموس فَلم نجد لَهَا فِيمَا خلا أصلا مُتَقَدما نَبْنِي عَلَيْهِ لَكنا وقفنا على ذَلِك بعد الْجهد الشَّديد وَالنّصب الطَّوِيل وَهَذِه الصِّنَاعَة وَإِن كُنَّا نَحن ابتدعناها واخترعناها فقد حصنا جِهَتهَا ورممنا أُصُولهَا وَلم نفقد شَيْئا مِمَّا يَنْبَغِي أَن يكون مَوْجُودا فِيهَا كَمَا فقدت أَوَائِل الصناعات وَلكنهَا كَامِلَة مستحكمة مثبتة أسسها مرموقة قواعدها وثيق بنيانها مَعْرُوفَة غاياتها وَاضِحَة أعلامها قد قدمت أمامها أركانا ممهدة ودعائم موطدة فَمن عَسى أَن ترد عَلَيْهِ هَذِه الصِّنَاعَة بَعدنَا فليغتفر خللا إِن وجده فِيهَا وليعتد بِمَا بلغته الكلفة منا اعتداده بالمنة الْعَظِيمَة وَالْيَد الجليلة وَمن بلغ جهده بلغ عذره وَقَالَ أَبُو نصر الفارابي إِن أرسطوطاليس جعل أَجزَاء الْمنطق ثَمَانِيَة كل جُزْء مِنْهَا فِي كتاب الأول فِي قوانين الْمُفْردَات من المعقولات والألفاظ الدَّالَّة عَلَيْهَا وَهِي فِي الْكتاب الملقب فِي الْعَرَبيَّة بالمقولات وباليونانية القاطاغورياس

стр. 82

وَالثَّانِي فِي قوانين الْأَلْفَاظ المركبة الَّتِي هِيَ المعقولات المركبة من معقولين مفردين والألفاظ الدَّالَّة عَلَيْهَا المركبة من لفظين وَهِي فِي الْكتاب الملقب فِي الْعَرَبيَّة بالعبارة وباليونانية باريمينياس وَالثَّالِث فِي الْأَقَاوِيل الَّتِي تميز بهَا القياسات الْمُشْتَركَة للصنائع الْخمس وَهِي فِي الْكتاب الملقب فِي الْعَرَبيَّة بِالْقِيَاسِ وباليونانية أنالوطيقيا الأولى وَالرَّابِع فِي القوانين الَّتِي تمتحن بهَا الْأَقَاوِيل البرهانية وقوانين الْأُمُور الَّتِي تلتئم بهَا الفلسفة وكل مَا يصير بهَا أفعالها أتم وَأفضل وأكمل وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ كتاب الْبُرْهَان وباليونانية أنالوطيقيا الثَّانِيَة وَالْخَامِس فِي القوانين الَّتِي تمتحن بهَا الْأَقَاوِيل وَكَيْفِيَّة السُّؤَال الجدلي وَالْجَوَاب الجدلي وَبِالْجُمْلَةِ قوانين الْأُمُور الَّتِي تلتئم بهَا صناعَة الجدل وَتصير بهَا أفعالها أكمل وَأفضل وأنفذ وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ كتاب المواضيع الجدلية وباليونانية طوبيقا وَالسَّادِس فِي قوانين الْأَشْيَاء الَّتِي شَأْنهَا أَن تغلط عَن الْحق وتحيد وأحصى جَمِيع الْأُمُور الَّتِي يستعملها من قَصده التمويه والمخرقة فِي الْعُلُوم والأقاويل ثمَّ من بعْدهَا أحصى مَا يَنْبَغِي أَن تَنْتفِي بِهِ الْأَقَاوِيل المغلطة الَّتِي يستعملها المستمع والمموه وَكَيف يفْتَتح وَبِأَيِّ الْأَشْيَاء يُوقع وَكَيف يتحرز الْإِنْسَان وَمن أَيْن يغلط فِي مطلوباته وَهَذَا الْكتاب يُسمى باليونانية سوفسطيقا وَمَعْنَاهُ الْحِكْمَة المموهة وَالسَّابِع فِي القوانين الَّتِي يمْتَحن بهَا الْأَقَاوِيل الخطبية وأصناف الْخطب وأقاويل البلغاء والخطباء هَل هِيَ على مَذْهَب الخطابة أم لَا ويحصي فِيهَا جَمِيع الْأُمُور الَّتِي بهَا تلتئم صناعَة الخطابة وَيعرف كَيفَ صَنْعَة الْأَقَاوِيل الخطبية والخطب فِي فن من الْأُمُور وَبِأَيِّ الْأَشْيَاء تصير أَجود وأكمل وَتَكون أفعالها أَنْفَع وأبلغ وَهَذَا الْكتاب يُسمى باليونانية الريطورية وَهِي الخطابة وَالثَّامِن فِي القوانين الَّتِي يُشِير بهَا الْأَشْعَار وأصناف الْأَقَاوِيل الشعرية المعمولة وَالَّتِي تعْمل من فن فن من الْأُمُور ويحصي أَيْضا جَمِيع الْأُمُور الَّتِي بهَا تلتئم صناعَة الشّعْر وَكم أصنافها وَكم أَصْنَاف الْأَشْعَار والأقاويل الشعرية وَكَيف صَنْعَة كل صنف مِنْهَا وَمن أَي الْأَشْيَاء تلتئم وَتصير أَجود وَأفهم وأبهى آلَة وَبِأَيِّ الْأَحْوَال يَنْبَغِي أَن تكون حَتَّى تصير أبلغ وَأبْعد وَهَذَا الْكتاب يُسمى باليونانية فويطيقا وَهُوَ كتاب الشّعْر فَهَذِهِ جملَة أَجزَاء الْمنطق وَجُمْلَة مَا يشْتَمل عَلَيْهِ كل جُزْء مِنْهَا والجزء الرَّابِع هُوَ أَشدّهَا تقدما للشرف والرآسة والمنطق إِنَّمَا التمس بِهِ على الْقَصْد الأول الْجُزْء الرَّابِع وَبَاقِي أَجْزَائِهَا إِنَّمَا تحمل لأجل الرَّابِع فَأن الثَّلَاثَة الَّتِي تتقدمه فِي تَرْتِيب التَّعْلِيل هِيَ توطئات ومداخل وطرق إِلَيْهِ وَالْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة الَّتِي تتلوه فلشيئين أَحدهمَا أَن فِي كل وَاحِد مِنْهَا أرفادا مَا ومعونة على الْجُزْء الرَّابِع ومعونة بَعْضهَا أَكثر وَبَعضهَا أقل

стр. 83

وَالثَّانِي على جِهَة التَّحْدِيد وَذَلِكَ أَنَّهَا لَو لم تتَمَيَّز هَذِه الصَّنَائِع بَعْضهَا من بعض بِالْفِعْلِ حَتَّى تعرف قوانين كل وَاحِد مِنْهَا على انفرادها متميزة عَن قوانين الْأُخْرَى لم يَأْمَن الْإِنْسَان عِنْد التمَاس الْحق وَالْيَقِين أَن يسْتَعْمل الْأَشْيَاء الجدلية من حَيْثُ لَا يشْعر أَنَّهَا جدلية فيعدل من الْيَقِين إِلَى الظنون القوية وَيكون قد اسْتعْمل من حَيْثُ لَا يشْعر أمورا خطبية فيعدل بِهِ إِلَى الْإِقْنَاع أَو يكون قد اسْتعْمل المغالطات من حَيْثُ لَا يشْعر وَإِمَّا أَن توهمه فيهمَا لَيْسَ بِحَق إِنَّه حق فيعتقده وَإِمَّا أَن يكون قد اسْتعْمل الْأَشْيَاء الشعرية من حَيْثُ لَا يشْعر أَنَّهَا شعرية فَيكون قد عمل فِي اعتقاداته على التخيلات وَعند نَفسه أَنه سلك فِي كل هَذِه الْأَقْوَال الطَّرِيق إِلَى الْحق وصادف متلمسه فَلَا يكون صادفه على الْحَقِيقَة كَمَا أَن الَّذِي لَا يعرف الْأَزْمِنَة والأدوية وَلَا تتَمَيَّز لَهُ السمُوم عَن هَذِه بِالْفِعْلِ حَتَّى يتقن مَعْرفَتهَا بعلاماتها لم يَأْمَن أَن يَتَنَاوَلهَا على أَنَّهَا دَاء أَو دَوَاء من حَيْثُ لَا يشْعر فيتلف وَأما على الْقَصْد الثَّانِي فَإِنَّهُ يكون قد أعْطى كل صناعَة من الصَّنَائِع الْأَرْبَع جَمِيع مَا تلتئم بِهِ تِلْكَ الصِّنَاعَة حَتَّى يدْرِي الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ أَن يصير جدليا بارعا كم شَيْء يحْتَاج إِلَى تعلمه ويدري بِأَيّ شَيْء يمْتَحن على نَفسه أَو على غَيره أقاويله وليعلم هَل سلك فِيهَا طَرِيق الجدل ويدري إِذا أَرَادَ أَن يصير خَطِيبًا بارعا كم شَيْء يحْتَاج إِلَى تعلمه ويدري بِأَيّ الْأَشْيَاء يمْتَحن على نَفسه أَو على غَيره أقاويله وَيعلم هَل سلك فِي ذَلِك طَرِيق الخطابة أَو أَي طَرِيق غَيرهَا وَكَذَلِكَ يدْرِي إِذا أَرَادَ أَن يصير شَاعِرًا بارعا كم شَيْء يحْتَاج إِلَى تعلمه ويدري بِأَيّ الْأَشْيَاء يمْتَحن على نَفسه أَو على غَيره من الشّعْر ويدري هَل سلك فِي أقاويله طَرِيق الشُّعَرَاء أَو عدل عَنهُ وخلط بِهِ طَرِيقا غَيره وَكَذَلِكَ يُدِير إِذا أَرَادَ أَن تكون لَهُ الْقُدْرَة على أَن يغالط غَيره وَلَا يغالطه أحد كم شَيْء يحْتَاج إِلَى أَن يُعلمهُ فيدري بِأَيّ الْأَشْيَاء يُمكن أَن يمْتَحن كل قَول وكل رَأْي فَيعلم هَل غالط فِيهِ أَو غولط وَمن أَي جِهَة كَانَ ذَلِك وَصِيَّة أرسطوطاليس قَالَ بطليموس فِي كِتَابه إِلَى غلس فِي سيرة أرسطوطاليس وَلما حضرت أرسطوطاليس الْوَفَاة أوصى بِهَذِهِ الْوَصِيَّة الَّتِي نَحن ذاكروها قَالَ إِنِّي جعلت وصيي أبدا فِي جَمِيع مَا خلفت انطيبطرس وَإِلَى أَن يقدم نيقاتر فَلْيَكُن أرسطومانس وطيمارخس وأبرخس وديوطالس معتنين بتفقد مَا يحْتَاج إِلَى تفقده والعناية بِمَا يَنْبَغِي أَن يعْنى بِهِ من أَمر أَهلِي وأربليس جاريتي وَسَائِر جواري وعبيدي وَمَا خلفت وَإِن سهل على ثاورسطس وَأمكنهُ الْقيام مَعَهم فِي ذَلِك كَانَ مَعَهم وَمَتى أدْركْت ابْنَتي تولى أمرهَا نيقاتر وَإِن حدث بهَا حدث الْمَوْت قبل أَن تتَزَوَّج أَو بعد ذَلِك من غير أَن يكون لَهَا ولد فَالْأَمْر مَرْدُود إِلَى نيقاتر

стр. 84

فِي أمرهَا وَفِي أَمر ابْني نيقوماخس وتوصيتي إِيَّاه فِي ذَلِك أَن يجْرِي التَّدْبِير فِيمَا يعْمل بِهِ فِي ذَلِك على مَا يَشْتَهِي وَمَا يَلِيق بِهِ لَو كَانَ أَبَا أَو أَخا لَهما وَإِن حدث بنيقاتر حدث الْمَوْت قبل أَن تتَزَوَّج ابْنَتي أَو بعد تَزْوِيجهَا من غير أَن يكون لَهَا ولد فأوصى نيقاتر فِيمَا خلفت بِوَصِيَّة فَهِيَ جَائِزَة نَافِذَة وَإِن مَاتَ نيقاتر عَن غير وَصِيَّة وَسَهل على ثاوفرسطس وَأحب أَن يقوم فِي الْأَمر مقَامه فَذَلِك لَهُ فِي جَمِيع مَا كَانَ يقوم بِهِ نيقاتر من أَمر وَلَدي وَغير ذَلِك مِمَّا خلفت وَإِن لم يحب ثاوفرسطس الْقيام بذلك فَليرْجع الأوصياء الَّذين سميت إِلَى أنطيبطرس فيشاوروه فِيمَا يعْملُونَ بِهِ فِيمَا خلفت ويمضوا الْأَمر على مَا يتفقون عَلَيْهِ وليحفظني الأوصياء ونيقاتر فِي أربليس فَإِنَّهَا تسْتَحقّ مني ذَلِك لما رَأَيْت من عنايتها بخدمتي واجتهادها فِيمَا وَافقنِي ويهيئوا لَهَا جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ وَإِن هِيَ أحبت التَّزْوِيج فَلَا تُوضَع إِلَّا عِنْد رجل فَاضل وليدفع إِلَيْهَا من الْفضة سوى مَا هُوَ لَهَا طالنطن وَاحِد وَهُوَ مائَة وَخمْس وَعِشْرُونَ رطلا وَمن الْإِمَاء ثَلَاث مِمَّن تخْتَار مَعَ جاريتها الَّتِي لَهَا وغلامها وَإِن هِيَ أحبت الْمقَام بخلقيس فلهَا السُّكْنَى فِي دَاري دَار الضِّيَافَة الَّتِي إِلَى جَانب الْبُسْتَان وَإِن اخْتَارَتْ السُّكْنَى فِي الْمَدِينَة بأسطاغيرا فلتسكن فِي منَازِل آبَائِي وَأي الْمنَازل اختارته فليتخذ الأوصياء لَهَا فِيهِ مَا تذكر إِنَّهَا تحْتَاج إِلَيْهِ مِمَّا يرَوْنَ إِن لَهَا فِيهِ مصلحَة وَبهَا إِلَيْهِ حَاجَة أما أَهلِي وَوَلَدي فَلَا حَاجَة بِي إِلَى أَن أوصيهم بأمرهم وليعن نيقاتر بمرمقس الْغُلَام حَتَّى يردهُ إِلَى بَلَده وَمَعَهُ جَمِيع مَا لَهُ على الْحَالة الَّتِي يشتهيها ولتعتق جاريتي أمبراقيس وَإِن هِيَ بعد الْعتْق أَقَامَت على خدمَة ابْنَتي إِلَى أَن تتَزَوَّج فليدفع إِلَيْهَا خَمْسمِائَة درخمى وجاريتها وَيدْفَع إِلَى ثاليس الصبية الَّتِي ملكناها قَرِيبا غُلَام من مماليكنا وَألف درخمى وَيدْفَع إِلَى سمينس ثمن غُلَام يبتاعه لنَفسِهِ غير الْغُلَام الَّذِي كَانَ دفع إِلَيْهِ ثمنه ويوهب لَهُ سوى ذَلِك شَيْء على مَا يرى الأوصياء وَمَتى تزوجت ابْنَتي فليعتق غلماني ثاخن وفيلن وأولمبوس وَلَا يُبَاع ابْن أولمبوس وَلَا أحد مِمَّن خدمني من غلماني وَلَكِن يقرونَ مماليك فِي الْخدمَة إِلَى أَن يدركوا مدرك الرِّجَال فَإِذا بلغُوا ذَلِك فليعتقوا وَيفْعل بهم فِيمَا يُوهب لَهُم حسب استحقاقهم قَالَ حنين بن إِسْحَاق فِي كتاب نَوَادِر الفلاسفة أصل اجتماعات الفلاسفة إِنَّه كَانَت الْمُلُوك من اليونانية وَغَيرهَا تعلم أَوْلَادهَا الْحِكْمَة والفلسفة وتؤديهم بأصناف الْآدَاب وتتخذ لَهُم بيُوت الذَّهَب المصورة بأصناف الصُّور وَإِنَّمَا جعلت الصُّور لارتياح الْقُلُوب إِلَيْهَا واشتياق النّظر إِلَى رؤيتها فَكَانَ الصّبيان يلازمون بيُوت الصُّور للتأديب بِسَبَب الصُّور الَّتِي فِيهَا وَكَذَلِكَ نقشت الْيَهُود هياكلها وصورت النَّصَارَى كنائسها وَبَيْعهَا وزوق الْمُسلمُونَ مَسَاجِدهمْ كل ذَلِك لترتاح النُّفُوس إِلَيْهَا وتشتغل الْقُلُوب بهَا فَإِذا حفظ المتعلم من أَوْلَاد الْمُلُوك علما أَو حِكْمَة أَو أدبا صعد على درج إِلَى مجْلِس

стр. 85

مَعْمُول من الرخام المصور المنقوش فِي يَوْم الْعِيد الَّذِي يجْتَمع فِيهِ أهل المملكة إِلَى ذَلِك الْبَيْت بعد انْقِضَاء الصَّلَاة والتبرك فيتكلم بالحكمة الَّتِي حفظهَا وينطق بالأدب الَّذِي وعاه على رُؤُوس الأشهاد فِي وَسطهمْ وَعَلِيهِ التَّاج وحلل الْجَوَاهِر ويحيي الْمعلم وَيكرم ويبر ويشرف الْغُلَام ويعد حكيما على قدر ذكائه وفهمه وتعظم الهياكل وتستر ويشعل فِيهَا النيرَان والشمع وتبخر بالدخن الطّيبَة ويتزين النَّاس بأنواع الزِّينَة وَبَقِي ذَلِك إِلَى الْيَوْم للصابئة وَالْمَجُوس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى إثباتات فِي الهياكل وللمسلمين مَنَابِر فِي الْمَسَاجِد قَالَ حنين بن إِسْحَاق وَكَانَ أفلاطون الْمعلم الْحَكِيم فِي زمن روفسطانيس الْملك وَكَانَ اسْم ابْنه نطافورس وَكَانَ أرسطوطاليس غُلَاما يَتِيما قد سمت بِهِ همته إِلَى خدمَة أفلاطون الْحَكِيم فَاتخذ روفسطانس الْملك بَيْتا للحكمة وفرشه لِابْنِهِ نطافورس وَأمر أفلاطون بملازمته وتعليمه وَكَانَ نطافورس غُلَاما مُتَخَلِّفًا قَلِيل الْفَهم بطيء الْحِفْظ وَكَانَ أرسطوطاليس غُلَاما ذكيا فهما جادا معبرا وَكَانَ أفلاطون يعلم نطافورس الْحِكْمَة والآداب فَكَانَ مَا يتعلمه الْيَوْم ينساه غَدا وَلَا يعبر حرفا وَاحِدًا وَكَانَ أرسطوطاليس يتلقف مَا يلقى إِلَى نطافورس فيحفظه ويرسخ فِي صَدره ويعي ذَلِك سرا عَن أفلاطون ويحفظه وأفلاطون لَا يعلم بذلك من سر أرسطوطاليس وضميره حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم الْعِيد زين بَيت الذَّهَب وألبس نطافورس الحلى وَالْحلَل وَحضر الْملك روفسطانس وَأهل المملكة وأفلاطون وتلاميذه وَانْقَضَت الصَّلَاة وَصعد أفلاطون الْحَكِيم ونطافورس إِلَى مرتبَة الشّرف ودراسة الحكم على الأشهاد والملوك فَلم يؤد الْغُلَام نطافورس شَيْئا من الْحِكْمَة وَلَا نطق بِحرف من الْآدَاب فأسقط فِي يَد أفلاطون وَاعْتذر إِلَى النَّاس بِأَنَّهُ لم يمْتَحن علمه وَلَا عرف مِقْدَار فهمه وَأَنه كَانَ واثقا بِحِكْمَتِهِ وفطنته ثمَّ قَالَ يَا معشر التلامذة من فِيكُم يضطلع بِحِفْظ شَيْء من الْحِكْمَة وينوب عَن نطافورس فبدر أرسطوطاليس فَقَالَ أَنا أَيهَا الْحَكِيم فازدراه وَلم يَأْذَن لَهُ فِي الْكَلَام ثمَّ أعَاد القَوْل على تلامذته فبدرهم أرسطوطاليس فَقَالَ أَنا يَا معلم الْحِكْمَة أضطلع بِمَا ألقيت من الْحِكْمَة إِلَى نطافورس فَقَالَ لَهُ أرق فرقي أرسطوطاليس الدرج بِغَيْر زِينَة وَلَا استعداد فِي أثوابه الدنيئة المبتذلة فَهدر كَمَا يهدر الطير وأتى بأنواع الْحِكْمَة وَالْأَدب الَّذِي أَلْقَاهُ أفلاطون إِلَى نطافورس وَلم يتْرك مِنْهَا حرفا وَاحِدًا فَقَالَ أفلاطون أَيهَا الْملك هَذِه الْحِكْمَة الَّتِي لقنتها نطافورس قد وعاها أرسطوطاليس سَرقَة وحفظها سرا مَا غادر مِنْهَا حرفا فَمَا حيلتي فِي الرزق والحرمان وَكَانَ الْملك فِي مثل ذَلِك الْيَوْم يرشح ابْنه للْملك ويشرفه وَيعْلي مرتبته فَأمر الْملك باصطناع أرسطوطاليس وَلم يرشح ابْنه للْملك وَانْصَرف الْجَمِيع فِي ذَلِك الْيَوْم على اسْتِحْسَان مَا أَتَى بِهِ أرسطوطاليس والتعجب من الرزق والحرمان مقَالَة أرسطوطاليس قَالَ حنين بن إِسْحَاق هَذَا بعض مَا وجدت من حِكْمَة أرسطوطاليس فِي ذَلِك الْيَوْم

стр. 86

لبارئنا التَّقْدِيس والإعظام والإجلال وَالْإِكْرَام أَيهَا الأشهاد الْعلم موهبة الْبَارِي وَالْحكمَة عَطِيَّة من يُعْطي وَيمْنَع ويحط وَيرْفَع والتفاضل فِي الدُّنْيَا والتفاخر فِي الْحِكْمَة الَّتِي هِيَ روح الْحَيَاة وعمادة الْعقل الرباني الْعلوِي أَنا أرسطوطاليس بن فيلوبيس الْيَتِيم خَادِم نطافورس ابْن الْملك الْعَظِيم حفظت ووعيت وَالتَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس لمعلم الصَّوَاب ومسبب الْأَسْبَاب أَيهَا الأشهاد بالعقول تتفاضل النَّاس لَا بالأصول وعيت عَن أفلاطون الْحَكِيم الْحِكْمَة رَأس الْعُلُوم والآداب تلقيح الأفهام ونتائج الأذهان وبالفكر الثاقب يدْرك الرَّأْي العازب وبالتالي تسهل المطالب وبلين الْكَلم تدوم الْمَوَدَّة فِي الصُّدُور وبخفض الْجنَاح تتمّ الْأُمُور وبسعة الْأَخْلَاق يطيب الْعَيْش ويكمل السرُور وَبِحسن الصمت جلالة الهيبة وبإصابة الْمنطق يعظم الْقدر ويرتقي الشّرف وبالإنصاف يحب التواصل وبالتواضع تكْثر الْمحبَّة وبالعفاف تزكو الْأَعْمَال وبالأفضال يكون السؤدد وبالعدل يقهر الْعَدو وبالحكم تكْثر الْأَنْصَار وبالرفق تستخدم الْقُلُوب وبالإيثار يسْتَوْجب اسْم الْجُود وبالإنعام يسْتَحق اسْم الْكَرم وبالوفاء يَدُوم الإخاء وبالصدق يتم الْفضل وَبِحسن الِاعْتِبَار تضرب الْأَمْثَال وَالْأَيَّام تفِيد الحكم يسْتَوْجب الزِّيَادَة من عرف نقص الدُّنْيَا وَمن السَّاعَات تتولد الْآفَات وبالعافية يُوجد طيب الطَّعَام وَالشرَاب وبحلول المكاره يتنغص الْعَيْش وتتكدر النعم وبالمن يكفر بِالْإِحْسَانِ وبالجحد للإنعام يجب الحرمان صديق الملول زائل عَنهُ السيء الْخلق مخاطر صَاحبه الضّيق الباع حسير النّظر الْبَخِيل ذليل وَإِن كَانَ غَنِيا والجواد عَزِيز وَأَن كَانَ مقلا الطمع هُوَ الْفقر الْحَاضِر الْيَأْس الْغنى الظَّاهِر لَا أَدْرِي نصف الْعلم السرعة فِي الْجَواب توجب العثار التروي فِي الْأُمُور يبْعَث على البصائر الرياضة تشحذ القريحة الْأَدَب يُغني عَن الْحسب التَّقْوَى شعار الْعَالم والرياء لبوس الْجَاهِل مقاساة الأحمق عَذَاب الرّوح الاستهتار بِالنسَاء فعل الفوكي الِاشْتِغَال بالفائت تَضْييع الْأَوْقَات المتعرض للبلاء مخاطر بِنَفسِهِ التَّمَنِّي سَبَب الْحَسْرَة الصَّبْر تأييد الْعَزْم وَثَمَرَة الْفرج وتمحيق المحنة صديق الْجَاهِل مغرور المخاطر خائب من عرف نَفسه لم يضع بَين النَّاس من زَاد علمه على عقله كَانَ علمه وبالا عَلَيْهِ المجرب احكم من الطَّبِيب إِذا فاتك الْأَدَب فَالْزَمْ الصمت من لم يَنْفَعهُ الْعلم يَأْمَن ضَرَر الْجَاهِل من تأنى لم ينْدَم من افتخر ارتطم من عجل تورط

стр. 87

من تفكر سلم وَمن روى غنم من سَأَلَ علم من حمل مَا لَا يُطيق ارتبك التجارب لَيْسَ لَهَا غَايَة والعاقل مِنْهَا فِي زِيَادَة للْعَادَة على كل أحد سُلْطَان وكل شَيْء يُسْتَطَاع نَقله إِلَّا الطباع وكل شَيْء يتهيأ فِيهِ حِيلَة إِلَّا الْقَضَاء من عرف بالحكمة لحظته الْعُيُون بالوقار قد يكْتَفى من حَظّ البلاغة بالإيجاز لَا يُؤْتى النَّاطِق إِلَّا من سوء فهم السَّامع وَمن وجد برد الْيَقِين أغناه عَن الْمُنَازعَة فِي السُّؤَال وَمن عدم دَرك ذَلِك كَانَ مغمورا بِالْجَهْلِ ومفتونا بعجب الرَّأْي ومعدولا بالهوى عَن بَاب التثبت ومصروفا بِسوء الْعَادة عَن تَفْصِيل التَّعْلِيم الْجزع عِنْد مصائب الإخوان أَحْمد من الصَّبْر وصبر الْمَرْء على مصيبته أَحْمد من جزعه لَيْسَ شَيْء أقرب إِلَى تَغْيِير النعم من الْإِقَامَة على الظُّلم من طلب خدمَة السُّلْطَان بِغَيْر أدب خرج من السَّلامَة إِلَى العطب الارتقاء إِلَى السؤدد صَعب والانحطاط إِلَى الدناءة سهل قَالَ حنين بن إِسْحَق وَهَذَا الصِّنْف من الْآدَاب أول مَا يُعلمهُ الْحَكِيم للتلميذ فِي أول سنة مَعَ الْخط اليوناني ثمَّ يرفعهُ من ذَلِك إِلَى الشّعْر والنحو ثمَّ إِلَى الْحساب ثمَّ إِلَى الهندسة ثمَّ إِلَى النُّجُوم ثمَّ إِلَى الطِّبّ ثمَّ إِلَى الموسيقى ثمَّ بعد ذَلِك يرتقي إِلَى الْمنطق ثمَّ الفلسفة وَهِي عُلُوم الْآثَار العلوية فَهَذِهِ عشرَة عُلُوم يتعلمها المتعلم فِي عشر سِنِين فَلَمَّا رأى أفلاطون الْحَكِيم حفظ أرسطوطاليس لما كَانَ يلقى إِلَى نطافورس وتأديبه إِيَّاه كَمَا أَلْقَاهُ سره حفظه وطبعه وَرَأى الْملك قد أَمر باصطناعه فاصطنعه هُوَ وَأَقْبل عَلَيْهِ وَعلمه علما علما حَتَّى وعى الْعُلُوم الْعشْرَة وَصَارَ فيلسوفا حكيما جَامعا لما تقدم ذكره أَقُول وَمن كَلَام أرسطوطاليس وَهُوَ أصل يعْتَمد عَلَيْهِ فِي الصِّحَّة عجبت لمن يشرب مَاء الْكَرم وَيَأْكُل الْخبز وَاللَّحم ويقتصد فِي حركته وسكونه ونومه ويقظته وَأحسن السياسة فِي جمَاعَة وتعديل مزاجه كَيفَ يمرض آدَاب أرسطوطاليس وَمن آدَاب أرسطوطاليس وكلماته الحكيمة مِمَّا ذكره الْأَمِير المبشر بن فاتك قَالَ أرسطوطاليس أعلم أَنه لَيْسَ شَيْء أصلح من أولي الْأَمر إِذا صلحوا وَلَا أفسد لَهُم ولأنفسهم مِنْهُم إِذا فسدوا فالوالي من الرّعية بِمَنْزِلَة الرّوح من الْجَسَد الَّذِي لَا حَيَاة لَهُ إِلَّا بهَا وَقَالَ احذر الْحِرْص فَأَما مَا هُوَ مصلحك ومصلح على يَديك فالزهد وَاعْلَم أَن الزّهْد بِالْيَقِينِ

стр. 88

وَالْيَقِين بِالصبرِ وَالصَّبْر بالفكر فَإِذا فَكرت فِي الدُّنْيَا لم تجدها أَهلا لِأَن تكرمها بهوان الْآخِرَة لِأَن الدُّنْيَا دَار بلَاء ومنزل بلغَة وَقَالَ إِذا أردْت الْغنى فاطلبه بالقناعة فَإِنَّهُ من لم تكن لَهُ القناعة فَلَيْسَ المَال مغنيه وَإِن كثر وَقَالَ اعْلَم أَن من عَلامَة تنقل الدُّنْيَا وكدر عيشها أَنه لَا يصلح مِنْهَا جَانب إِلَّا بِفساد جَانب آخر وَلَا سَبِيل لصَاحِبهَا إِلَى عز إِلَّا بإذلال وَلَا اسْتغْنَاء إِلَّا بافتقار وَاعْلَم أَنَّهَا رُبمَا أُصِيبَت بِغَيْر حزم فِي الرَّأْي وَلَا فضل فِي الدّين فَإِن أصبت حَاجَتك مِنْهَا وَأَنت مُخطئ أَو أَدْبَرت عَنْك وَأَنت مُصِيب فَلَا يستخفنك ذَلِك إِلَى معاودة الْخَطَأ ومجانبة الصَّوَاب وَقَالَ لَا تبطل عمرا فِي غير نفع وَلَا تضع لَك مَالا فِي غير حق وَلَا تصرف لَك قُوَّة فِي غير عناء وَلَا تعدل لَك رَأيا فِي غير رشد فَعَلَيْك بِالْحِفْظِ لما أتيت من ذَلِك وَالْجد فِيهِ وخاصة فِي الْعُمر الَّذِي كل شَيْء مُسْتَفَاد سواهُ وَإِن كَانَ لَا بُد لَك من اشغال نَفسك بلذة فلتكن فِي محادثة الْعلمَاء ودرس كتب الْحِكْمَة وَقَالَ اعْلَم أَنه لَيْسَ من أحد يَخْلُو من عيب وَلَا من حَسَنَة فَلَا يمنعك عيب رجل من الِاسْتِعَانَة بِهِ فِيمَا لَا نقص بِهِ وَلَا يحملنك مَا فِي رجل من الْحَسَنَات على الِاسْتِعَانَة بِهِ فِيمَا لَا مَعُونَة عِنْده عَلَيْهِ وَاعْلَم أَن كَثْرَة أعوان السوء أضرّ عَلَيْك من فقد أعوان الصدْق وَقَالَ الْعدْل ميزَان الله فِي أرضه وَبِه يُؤْخَذ للضعيف من الْقوي وللمحق من الْمُبْطل فَمن أَزَال ميزَان الله عَمَّا وَضعه بَين عباده فقد جهل أعظم الْجَهَالَة واعتز بِاللَّه سُبْحَانَهُ أَشد اعتزازا وَقَالَ الْعَالم يعرف الْجَاهِل لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلا وَالْجَاهِل لَا يعرف الْعَالم لِأَنَّهُ لم يكن عَالما وَقَالَ لَيْسَ طلبي للْعلم طَمَعا فِي بُلُوغ قاصيته وَلَا الِاسْتِيلَاء على غَايَته وَلَكِن التماسا لما لَا يسع جَهله وَلَا يحسن بالعاقل خِلَافه وَقَالَ اطلب الْغنى الَّذِي لَا يفنى والحياة الَّتِي لَا تَتَغَيَّر وَالْملك الَّذِي لَا يَزُول والبقاء الَّذِي لَا يضمحل وَقَالَ أصلح نَفسك لنَفسك يكن النَّاس تبعا لَك وَقَالَ كن رؤوفا رحِيما وَلَا تكن رأفتك ورحمتك فَسَادًا لمن يسْتَحق الْعقُوبَة ويصلحه الْأَدَب وَقَالَ خُذ نَفسك بِإِثْبَات السّنة فَإِن فِيهَا إِكْمَال التقى وَقَالَ افترص من عَدوك الفرصة

стр. 89

واعمل على أَن الدَّهْر دوَل وَقَالَ لَا تصادم من كَانَ على الْحق وَلَا تحارب من كَانَ متمسكا بِالدّينِ وَقَالَ صير الدّين مَوضِع ملكك فَمن خَالفه فَهُوَ عَدو لملكك وَمن تمسك بِالسنةِ فَحَرَام عَلَيْك ذمه وَإِدْخَال المذلة عَلَيْهِ وَاعْتبر مِمَّن مضى وَلَا تكن عِبْرَة لمن بعْدك وَقَالَ لَا فَخر فِيمَا يَزُول وَلَا غنى فِيمَا لَا يثبت وَقَالَ عَامل الضَّعِيف من أعدائك على أَنه أقوى مِنْك وتفقد جندك تفقد من قد نزلت بِهِ الآفة واضطرته إِلَى مدافعتهم وَقَالَ دَار الرّعية مداراة من قد انهتكت عَلَيْهِ مَمْلَكَته وَكَثْرَة عَلَيْهِ أعداؤه وَقَالَ قدم أهل الدّين وَالصَّلَاح وَالْأَمَانَة على أَنَّك تنَال بذلك فِي الْعَاقِبَة الْفَوْز وتتزين بِهِ فِي الدُّنْيَا وَقَالَ اقمع أهل الْفُجُور على أَنَّك تصلح دينك ورعيتك بذلك وَقَالَ لَا تغفل فَإِن الْغَفْلَة تورث الندامة وَقَالَ لَا ترج السَّلامَة لنَفسك حَتَّى يسلم النَّاس من جورك وَلَا تعاقب غَيْرك على أَمر ترخص فِيهِ لنَفسك وَاعْتبر بِمن تقدم واحفظ مَا مضى والزم الصِّحَّة يلزمك النَّصْر وَقَالَ الصدْق قوام أَمر الْخَلَائق وَالْكذب دَاء لَا ينجو من نزل بِهِ وَمن جعل الْأَجَل أَمَامه أصلح نَفسه وَمن وسخ نَفسه أبغضته خاصته وَقَالَ لن يسود من يتبع الْعُيُوب الْبَاطِنَة من إخوانه من تجبر على النَّاس ذلته من أفرط فِي اللوم كره النَّاس حَيَاته من مَاتَ مَحْمُودًا كَانَ أحسن حَالا مِمَّن عَاشَ مذموما من نَازع السُّلْطَان مَاتَ قبل يَوْمه أَي ملك نَازع السوقة هتك شرفه أَي ملك تطنف إِلَى المحقرات فالموت أكْرم لَهُ وَقَالَ من أسرف فِي حب الدُّنْيَا مَاتَ فَقِيرا وَمن قنع مَاتَ غَنِيا من أسرف فِي الشَّرَاب فَهُوَ من السّفل من مَاتَ قل حساده وَقَالَ الْحِكْمَة شرف من لَا قديم لَهُ الطمع يُورث الذلة الَّتِي لَا تستقال اللؤم يهدم الشّرف ويعرض النَّفس للتلف سوء الْأَدَب يهدم مَا بناه الأسلاف الْجَهْل سر الْأَصْحَاب بذل الْوَجْه إِلَى النَّاس هُوَ الْمَوْت الْأَصْغَر يَنْبَغِي للمدبر أَن لَا يتَّخذ الرّعية مَالا وقنية وَلَكِن يتخذهم أَهلا وإخوانا وَلَا يرغب فِي الْكَرَامَة الَّتِي ينالها من الْعَامَّة كرها وَلَكِن فِي الَّتِي يَسْتَحِقهَا بِحسن الْأَثر وصواب التَّدْبِير

стр. 90

وَكتب إِلَى الْإِسْكَنْدَر فِي وَصَايَاهُ لَهُ أَن الأردياء ينقادون بالخوف والأخيار ينقادون بِالْحَيَاءِ فميز بَين الطبقتين وَاسْتعْمل فِي أُولَئِكَ الغلظة والبطش وَفِي هَؤُلَاءِ الأفضال وَالْإِحْسَان وَقَالَ أَيْضا ليكن غضبك أمرا بَين المنزلتين لَا شَدِيدا قاسيا وَلَا فاترا ضَعِيفا فَإِن ذَلِك من أَخْلَاق السبَاع وَهَذَا من أَخْلَاق الصّبيان وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا إِن الْأُمُور الَّتِي يشرف بهَا الْمُلُوك ثَلَاثَة سنّ السّنَن الجميلة وَفتح الْفتُوح الْمَذْكُورَة وَعمارَة الْبلدَانِ المعطلة وَقَالَ اخْتِصَار الْكَلَام طي الْمعَانِي رغبتك فِيمَن يزهد فِيك ذل نفس وزهدك فِيمَن يرغب فِيك قصر همة النميمة تهدي إِلَى الْقُلُوب الْبغضَاء من واجهك فقد شتمك وَمن نقل إِلَيْك نقل عَنْك الْجَاهِل عَدو لنَفسِهِ فَكيف يكون صديقا لغيره السعيد من اتعظ بِغَيْرِهِ وَقَالَ لأَصْحَابه لتكن عنايتكم فِي رياضة أَنفسكُم فَأَما الْأَبدَان فاعتنوا بهَا لما يَدْعُو إِلَيْهِ الِاضْطِرَار واهربوا من اللَّذَّات فَإِنَّهَا تسْتَرق النُّفُوس الضعيفة وَلَا قُوَّة بهَا على القوية وَقَالَ إِنَّا لنحب الْحق ونحب أفلاطون فَإِذا افْتَرقَا فَالْحق أولى بالمحبة الْوَفَاء نتيجة الْكَرم لِسَان الْجَاهِل مِفْتَاح حتفه الْحَاجة تفتح بَاب الْحِيلَة الصمت خير من عجز الْمنطق بالأفضال تعظم الأقدار بالتواضع تتمّ النِّعْمَة بِاحْتِمَال الْمُؤَن يجب السؤدد بالسيرة العادلة تقل المساوئ بترك مَا لَا يَعْنِيك يتم لَك الْفضل بالسعايات تنشأ المكارة وَنظر إِلَى حدث يتهاون بِالْعلمِ فَقَالَ لَهُ إِنَّك إِن لم تصبر على تَعب الْعلم صبرت على شقاء الْجَهْل وسعى إِلَيْهِ تلميذ لَهُ بآخر فَقَالَ لَهُ أَتُحِبُّ أَن نقبل قَوْلك فِيهِ على أَنا نقبل قَوْله فِيك قَالَ لَا قَالَ فَكف عَن الشَّرّ يكف عَنْك وَرَأى إنْسَانا ناقها يكثر من الْأكل وَهُوَ يرى أَنه تَقْوِيَة فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا لَيْسَ زِيَادَة الْقُوَّة بِكَثْرَة مَا يرد الْبدن من الْغذَاء وَلَكِن بِكَثْرَة مَا يقبل مِنْهُ وَقَالَ كفى بالتجارب تأدبا وبتقلب الْأَيَّام عظة وَقيل لأرسطوطاليس مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَن يُقَال وَإِن كَانَ حَقًا فَقَالَ مدح الْإِنْسَان نَفسه وَقيل لَهُ لما حفظت الْحُكَمَاء المَال فَقَالَ لِئَلَّا يقيموا أنفسهم بِحَيْثُ لَا يستحقونه من الْمقَام وَقَالَ امتحن الْمَرْء فِي وَقت غَضَبه لَا فِي وَقت رِضَاهُ وَفِي حِين قدرته لَا فِي حِين ذلته وَقَالَ رضى النَّاس غَايَة لَا تدْرك فَلَا تكره سخط من رِضَاهُ الْجور

стр. 91

وَقَالَ شرف الْإِنْسَان على جَمِيع الْحَيَوَان بالنطق فَإِن سكت وَلم يفهم عَاد بهيميا وَقَالَ لَا تكثروا من الشَّرَاب فيغير عقولكم وَيفْسد أفهامكم وَأعَاد على تلميذ لَهُ مسئلة فَقَالَ لَهُ أفهمت قَالَ التليمذ نعم قَالَ لَا أرى آثَار الْفَهم عَلَيْك قَالَ وَكَيف ذَلِك قَالَ لَا أَرَاك مَسْرُورا وَالدَّلِيل على الْفَهم السرُور وَقَالَ خير الْأَشْيَاء أَجدهَا إِلَّا المودات فَإِن خَيرهَا أقدمها وَقَالَ لكل شَيْء خَاصَّة وخاصة الْعقل حسن الِاخْتِيَار وَقَالَ لَا يلام الْإِنْسَان فِي ترك الْجَواب إِذا سُئِلَ حَتَّى يتَبَيَّن أَن السَّائِل قد أحسن السُّؤَال لِأَن حسن السُّؤَال سَبِيل وَعلة إِلَى حسن الْجَواب وَقَالَ كَلَام العجلة مُوكل بِهِ الزلل وَقَالَ إِنَّمَا يحمل الْمَرْء على ترك ابْتِغَاء مَا لم يعلم قلَّة انتفاعه بِمَا قد علم وَقَالَ من ذاق حلاوة عمل صَبر على مرَارَة طرقه وَمن وجد مَنْفَعَة علم عَنى بالتزيد فِيهِ وَقَالَ دفع الشَّرّ بِالشَّرِّ جلد وَدفع الشَّرّ بِالْخَيرِ فَضِيلَة وَقَالَ ليكن مَا تكْتب من خير مَا يقْرَأ وَمَا تحفظ من خير مَا يكْتب وَكتب إِلَى الاسكندر إِذا أَعْطَاك الله مَا تحب من الظفر فافعل مَا أحب من الْعَفو وَقَالَ لَا يُوجد الفخور مَحْمُودًا وَلَا الغضوب مَسْرُورا وَلَا الْكَرِيم حسودا وَلَا الشره غَنِيا وَلَا الملول دَائِم الإخاء وَلَا مفتتح يعجل الإخاء ثمَّ ينْدَم وَقَالَ إِنَّمَا غلبت الشَّهْوَة على الرَّأْي فِي أَكثر النَّاس لِأَن الشَّهْوَة مَعَهم من لدن الصِّبَا والرأي إِنَّمَا يَأْتِي عِنْد تكاملهم فَإِنَّهُم بالشهوة لقدم الصُّحْبَة أَكثر من أنسهم بِالرَّأْيِ لِأَنَّهُ فيهم كَالرّجلِ الْغَرِيب وَلما فرغ من تَعْلِيم الْإِسْكَنْدَر دعابه فَسَأَلَهُ عَن مسَائِل فِي سياسة الْعَامَّة والخاصة فَأحْسن الْجَواب عَنْهَا فناله بغاية مَا كره من الضَّرْب والأذى فَسئلَ عَن هَذَا الْفِعْل فَقَالَ هَذَا غُلَام يرشح للْملك فَأَرَدْت أَن أذيقه طعم الظُّلم ليَكُون رادعا لَهُ عَن ظلم النَّاس وَأمر أرسطوطاليس عِنْد مَوته أَن يدْفن ويبنى عَلَيْهِ بَيت مثمن يكْتب فِي جملَة جهاته ثَمَان كَلِمَات جامعات لجَمِيع الْأُمُور الَّتِي بهَا مصلحَة النَّاس وَتلك الْكَلم الثمان هِيَ هَذِه على هَذَا الْمِثَال

стр. 92

كتب أرسطوطاليس ولأرسطوطاليس من الْكتب الْمَشْهُورَة مِمَّا ذكره بطليموس كتاب يحض فِيهِ على الفلسفة ثَلَاث مقالات كتاب سوفسطس مقَالَة كتاب فِي صناعَة الريطوري ثَلَاث مقالات كتاب فِي الْعدْل أَربع مقالات كتاب فِي الرياضة وَالْأَدب المصلحين

стр. 93

لحالات الْإِنْسَان فِي نَفسه أَربع مقالات كتاب فِي شرف الْجِنْس خمس مقالات كتاب فِي الشُّعَرَاء ثَلَاث مقالات كتاب فِي الْملَل سِتّ مقالات كتاب فِي الْخَيْر خمس مقالات كتاب أرخوطس ثَلَاث مقالات كتاب فِي الخطوط هَل هِيَ منقسمة أم لَا ثَلَاث مقالات كتاب فِي صفة الْعدْل أَربع مقالات كتاب فِي التباين وَالِاخْتِلَاف أَربع مقالات كتاب فِي الْعِشْق ثَلَاث مقالات كتاب فِي الصُّور هَل لَهَا وجود أم لَا ثَلَاث مقالات كتاب فِي اخْتِصَار قَول فلاطن مقالتان كتاب فِي اخْتِصَار أقاويل فلاطن فِي تَدْبِير المدن خمس مقالات كتاب فِي اخْتِصَار قَول فلاطن فِي اللَّذَّة فِي كِتَابه فِي السياسة مقالتان كتاب فِي اللَّذَّة مقالتان كتاب فِي الحركات ثَمَان مقالات كتاب فِي الْمسَائِل الحيلية مقالتان كتاب فِي صناعَة الشّعْر على مَذْهَب فيثاغورس مقالتان كتاب فِي الرّوح ثَلَاث مقالات كتاب فِي الْمسَائِل ثَلَاث مقالات كتاب فِي نيل مصر ثَلَاث مقالات كتاب فِي اتِّخَاذ الْحَيَوَان الْمَوَاضِع ليأوي فِيهَا ويكمن مقَالَة كتاب فِي جَوَامِع الصناعات مقَالَة كتاب فِي الْمحبَّة ثَلَاث مقالات كتاب قاطيغورياس مقَالَة كتاب أرمينياس مقَالَة كتاب طوبيقا ثَمَان مقالات كتاب أنولوطيقا وَهُوَ الْقيَاس مقالتان كتاب أفودقطيقا وَهُوَ الْبُرْهَان مقالتان كتاب فِي السوفسطائية مقَالَة كتاب فِي المقالات الْكِبَار فِي الْأَخْلَاق مقالتان كتاب فِي المقالات الصغار فِي الْأَخْلَاق إِلَى أوذيمس ثَمَان مقالات كتاب فِي تَدْبِير المدن ثَمَان مقالات كتاب فِي صناعَة الشّعْر كتاب فِي سمع الكيان ثَمَان مقالات كتاب فِي السَّمَاء والتالم أَربع مقالات كتاب فِي الْكَوْن وَالْفساد مقالتان كتاب فِي الْآثَار العلوية أَربع مقالات كتاب فِي النَّفس ثَلَاث مقالات كتاب فِي الْحس والمحسوس مقَالَة كتاب فِي الذّكر وَالنَّوْم مقَالَة كتاب فِي حَرَكَة الْحَيَوَانَات وتشريحها سبع مقالات كتاب فِي طبائع الْحَيَوَان عشر مقالات كتاب فِي الْأَعْضَاء الَّتِي بهَا الْحَيَاة أَربع مقالات كتاب فِي كَون الْحَيَوَان خمس مقالات كتاب فِي حركات الْحَيَوَانَات الكائنة على الأَرْض مقَالَة كتاب فِي طول الْعُمر وقصره مقَالَة كتاب فِي الْحَيَاة وَالْمَوْت مقَالَة كتاب فِي النَّبَات مقالتان كتاب فِيمَا بعد الطبيعة ثَلَاث عشرَة مقَالَة كتاب فِي مسَائِل هيولانية مقَالَة كتاب فِي مسَائِل طبيعية أَربع مقالات كتاب فِي الْقسم سِتّ وَعِشْرُونَ مقَالَة وَيذكر فِي هَذَا الْكتاب أَقسَام الزَّمَان وأقسام النَّفس والشهوة وَأمر الْفَاعِل والمنفعل وَالْفِعْل والمحبة وأنواع الْحَيَوَان وَأمر الْخَيْر وَالشَّر والحركات وأنواع الموجودات كتاب فِي قسم فلاطن سِتّ مقالات كتاب فِي قسْمَة الشُّرُوط الَّتِي تشْتَرط فِي القَوْل وتوضع ثَلَاث مقالات كتاب فِي مناقضة من يزْعم بِأَن تُؤْخَذ مُقَدمَات النقيض من نفس القَوْل تسع وَثَلَاثُونَ مقَالَة كتاب فِي النَّفْي يُسمى أيسطاسس ثَلَاث عشرَة مقَالَة كتاب فِي الموضوعات أَربع وَثَلَاثُونَ مقَالَة كتاب فِي مَوْضُوعَات عشقية مقَالَة كتاب فِي الْحُدُود سِتّ عشرَة مقَالَة كتاب فِي الْأَشْيَاء التحديدية أَربع مقالات كتاب فِي تَحْدِيد طوبيقا مقَالَة كتاب فِي تَقْوِيم حُدُود طوبيقا ثَلَاث مقالات كتاب فِي مَوْضُوعَات تقوم بهَا الْحُدُود مقالتان كتاب فِي مناقضة الْحُدُود مقالتان

стр. 94

كتاب فِي صناعَة التَّحْدِيد الَّتِي استعملها ثاوفرسطس لانالوطيقا الأولى مقَالَة كتاب فِي تَقْوِيم التَّحْدِيد مقالتان كتاب فِي مسَائِل ثَمَان وَسِتُّونَ مقَالَة كتاب فِي مُقَدمَات الْمسَائِل ثَلَاث مقالات كتاب فِي الْمسَائِل الدورية الَّتِي يستعملها المتعلمون أَربع مقالات كتاب فِي الْوَصَايَا أَربع مقالات كتاب فِي التذكرات مقالتان كتاب فِي الطِّبّ خمس مقالات كتاب فِي تَدْبِير الْغذَاء مقَالَة كتاب فِي الفلاحة عشر مقالات كتاب فِي الرطوبات مقَالَة كتاب فِي النبض مقَالَة كتاب فِي الْأَعْرَاض العامية ثَلَاث مقالات كتاب فِي الْآثَار العلوية مقالتان كتاب فِي تناسل الْحَيَوَان مقالتان كتاب آخر فِي تناسل الْحَيَوَانَات مقالتان كتاب فِي الْمُقدمَات ثَلَاث وَعِشْرُونَ مقَالَة كتاب آخر فِي مُقَدمَات أخر سبع مقالات كتاب فِي سياسة المدن وَعدد الْأُمَم ذكر فِيهِ مائَة وَإِحْدَى وَسبعين مَدِينَة كَبِيرَة كتاب فِي تذكرات عدَّة سِتّ عشرَة مقَالَة كتاب آخر فِي مثل ذَلِك مقَالَة كتاب فِي المناقضات كتاب فِي الْمُضَاف مقَالَة كتاب فِي الزَّمَان مقَالَة كتبه الَّتِي وجدت فِي خزانَة أبليقون عدَّة مقالات كِتَابه فِي تذكرات أخر كتاب كَبِير مَجْمُوع فِيهِ عدَّة رسائل ثَمَانِيَة أَجزَاء كتاب فِي سير المدن مقالتان رسائل وجدهَا أندرونيقوس فِي عشْرين جُزْء كتب فِيهَا عدَّة تذكرات عَددهَا وأسماؤها فِي كتاب أندرونيقوس فِي فهرست كتب أرسطو كتاب فِي مسَائِل من عويص شعر أوميرس فِي عشرَة أَجزَاء كتاب فِي مَعَاني مليحة من الطِّبّ قَالَ بطليموس فَهَذِهِ جملَة مَا شاهدت لَهُ من الْكتب وَقد شَاهد غَيْرِي كتبا أخر عدَّة أَقُول ولأرسطوطاليس أَيْضا من الْكتب مِمَّا وجدت كثيرا مِنْهَا غير الْكتب الَّتِي شَاهدهَا بطليموس كتاب الفراسة كتاب السياسة المدنية كتاب السياسة العملية مسَائِل فِي الشَّرَاب شراب الْخمر وَالسكر وَهِي اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَة كتاب فِي التَّوْحِيد على مَذْهَب سقراط كتاب الشَّبَاب والهرم كتاب الصِّحَّة والسقم كتاب فِي الْأَعْدَاء كتاب فِي الباه رسائله إِلَى ابْنه وَصيته إِلَى نيقانر كتاب الْحَرَكَة كتاب فضل النَّفس كتاب فِي الْعظم الَّذِي لَا يتَجَزَّأ كتاب التنقل رسَالَته الذهبية رِسَالَة إِلَى الْإِسْكَنْدَر فِي تَدْبِير الْملك كتاب الْكِنَايَات والطبيعيات كتاب فِي علل النُّجُوم كتاب الأنواء رِسَالَة فِي الْيَقَظَة كتاب نعت الْأَحْجَار ومنافعها وَالسَّبَب فِي خلق الأجرام السماوية كتاب إِلَى الْإِسْكَنْدَر فِي الروحانيات وأعمالها فِي الأقاليم كتاب الأسماطاليس إِلَى الْإِسْكَنْدَر رِسَالَة فِي طبائع الْعَالم إِلَى الْإِسْكَنْدَر كتاب الأصطماخيس وَضعه حِين أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى بلد الرّوم كتاب الْحِيَل كتاب الْمرْآة كتاب القَوْل على الربوبية كتاب الْمسَائِل الطبيعية وَيعرف أَيْضا بِكِتَاب مَا بَال سبع عشرَة مقَالَة كتاب ماطافوسيقا وَهُوَ كتاب مَا بعد الطبيعة اثْنَتَا عشرَة مقَالَة كتاب الْحَيَوَان تسع عشرَة مقَالَة كتاب نعت الْحَيَوَانَات الْغَيْر ناطقة وَمَا فِيهَا من الْمَنَافِع والمضار وَغير ذَلِك كتاب إِيضَاح الْخَيْر الْمَحْض كتاب الملاطيس كتاب فِي نفث الدَّم كتاب الْمَعَادِن كتاب الْيَتِيم وَهُوَ كتاب الْغَالِب والمغلوب والطالب وَالْمَطْلُوب أَلفه للإسكندر الْملك كتاب أسرار النُّجُوم

стр. 95

ثاوفرسطس أحد تلاميذ أرسطوطاليس وَابْن خَالَته وَاحِد الأوصياء الَّذين وصّى إِلَيْهِم أرسطوطاليس وَخَلفه على دَار التَّعْلِيم بعد وَفَاته ولثاوفرسطس من الْكتب كتاب النَّفس مقَالَة كتاب الْآثَار العلوية مقَالَة كتاب الْأَدِلَّة مقَالَة كتاب الْحس أَو المحسوس أَربع مقالات كتاب مَا بعد الطبيعة مقَالَة كتاب أَسبَاب النَّبَات تَفْسِير كتاب قاطيغورياس وَقيل أَنه متحول إِلَيْهِ كتاب إِلَى دمقراط فِي التَّوْحِيد كتاب فِي الْمسَائِل الطبيعية الْإِسْكَنْدَر الأفروديسي الدِّمَشْقِي كَانَ فِي أَيَّام مُلُوك الطوائف بعد الاسكندر الْملك وَرَأى جالينوس وَاجْتمعَ مَعَه وَكَانَ يلقب جالينوس رَأس الْبَغْل وَبَينهمَا مشاغبات ومخاصمات وَكَانَ فيلسوفا متقنا للعلوم الْحكمِيَّة بارعا فِي الْعلم الطبيعي وَله مجْلِس عَام يدرس فِيهِ الْحِكْمَة وَقد فسر أَكثر كتب أرسطوطاليس وتفاسيره مَرْغُوب فِيهَا مفيدة للاشتغال بهَا قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عدي أَن شرح الْإِسْكَنْدَر للسماع كُله ولكتاب الْبُرْهَان رَأَيْته فِي نزكه إِبْرَاهِيم بن عبد الله النَّاقِل النَّصْرَانِي وَأَن الشرحين عرضاه عَليّ بِمِائَة دِينَار وَعشْرين دِينَار فمضيت لاحتال فِي الدَّنَانِير ثمَّ عدت فَأَصَبْت الْقَوْم قد باعوا الشرحين فِي جملَة كتب إِلَى رجل خراساني بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَقيل إِن هَذِه الْكتب كَانَت تحمل فِي الْكمّ وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا أَنه التمس من إِبْرَاهِيم بن عبد الله نَص سوفسطيقا وَنَصّ الخطابة وَنَصّ الشّعْر بِنَقْل إِسْحَق بِخَمْسِينَ دِينَارا فَلم يَبِعْهُ وأحرقها وَقت وَفَاته وللإسكندر الأفروديسي من الْكتب تَفْسِير كتاب قاطيغورياس لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب أرمينياس لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب أنالوطيقا الثَّانِيَة لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب طوبيقا لأرسطوطاليس وَالَّذِي وجد من تَفْسِيره لهَذَا الْكتاب تَفْسِير بعض الْمقَالة الأولى وَتَفْسِير الْمقَالة الْخَامِسَة وَالسَّادِسَة وَالسَّابِعَة وَالثَّامِنَة تَفْسِير كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس تَفْسِير بعض الْمقَالة الأولى من كتاب السَّمَاء والعالم لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب الْكَوْن وَالْفساد لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب الْآثَار العلوية لأرسطوطاليس كتاب النَّفس مقَالَة فِي عكس الْمُقدمَات مقَالَة فِي الْعِنَايَة مقَالَة فِي الْفرق بَين الهيولي وَالْجِنْس مقَالَة فِي الرَّد على من قَالَ إِنَّه لَا يكون شَيْء إِلَّا من شَيْء مقَالَة فِي

стр. 96

أَن الإبصار لَا يكون بشعاعات تنبث من الْعين وَالرَّدّ على من قَالَ بانبعاث الشعاع مقَالَة فِي اللوم وَأي شَيْء هُوَ على رَأْي الفيلسوف مقَالَة فِي الْفَصْل خَاصَّة مَا هُوَ على رَأْي أرسطوطاليس مقَالَة فِي الماليخوليا مقَالَة فِي الْأَجْنَاس والأنواع مقَالَة فِي الرَّد على جالينوس فِي الْمقَالة الثَّامِنَة من كِتَابه فِي الْبُرْهَان مقَالَة فِي الرَّد على جالينوس فِيمَا طعن على قَول أرسطوطاليس أَن كل مَا يَتَحَرَّك فَإِنَّمَا يَتَحَرَّك عَن محرك مقَالَة فِي الرَّد على جالينوس فِي مَادَّة الْمُمكن مقَالَة فِي الْفُصُول الَّتِي تقسم بهَا الْأَجْسَام مقَالَة فِي الْعقل على رَأْي أرسطوطاليس رِسَالَة فِي الْعَالم وَأي أَجْزَائِهِ تحْتَاج فِي ثباتها ودوامها إِلَى تَدْبِير أَجزَاء أُخْرَى كتاب فِي التَّوْحِيد مقَالَة فِي القَوْل فِي مبادئ الْكل على رَأْي أرسطوطاليس كتاب آراء الفلاسفة فِي التَّوْحِيد مقَالَة فِي حُدُوث الصُّور لَا من شَيْء مقَالَة فِي قوام الْأُمُور العامية مقَالَة فِي تَفْسِير مَا قَالَه أرسطوطاليس فِي طَرِيق الْقِسْمَة على رَأْي أفلاطون مقَالَة فِي أَن الكيفيات لَيست أجساما مقَالَة فِي الِاسْتِطَاعَة مقَالَة فِي الأضداد وَأَنَّهَا أَوَائِل الْأَشْيَاء على رَأْي أرسطوطاليس مقَالَة فِي الزَّمَان مقَالَة فِي الهيولى وَأَنَّهَا معلولة مفعولة مقَالَة فِي أَن الْقُوَّة الْوَاحِدَة تقبل الأضداد جَمِيعًا على رَأْي أرسطوطاليس مقَالَة فِي الْفرق بَين الْمَادَّة وَالْجِنْس مقَالَة فِي الْمَادَّة والعدم والكون وَحل مَسْأَلَة النَّاس من القدماء أبطلوا بهَا الْكَوْن من كتاب أرسطوطاليس فِي سمع الكيان مقَالَة فِي الْأُمُور العامية والكلية وَأَنَّهَا لَيست أعيانا قَائِمَة مقَالَة فِي الرَّد على من زعم أَن الْأَجْنَاس مركبة من الصُّور إِذْ كَانَت الصُّور تنفصل مِنْهَا مقَالَة فِي أَن الْفُصُول الَّتِي بهَا يَنْقَسِم جنس من الْأَجْنَاس لَيْسَ وَاجِب ضَرُورَة أَن تكون إِنَّمَا تُوجد فِي ذَلِك الْجِنْس وَحده الَّذِي إِيَّاه تقسم بل قد يُمكن أَن يقسم بهَا أجناسا أَكثر من وَاحِد لَيْسَ بَعْضهَا مُرَتبا تَحت بعض مقَالَة فِيمَا استخرجه من كتاب أرسطوطاليس الَّذِي يدعى بالرومية ثولوجيا وَمَعْنَاهُ الْكَلَام فِي تَوْحِيد الله تَعَالَى رِسَالَة فِي أَن كل عِلّة مباينة فَهِيَ فِي جَمِيع الْأَشْيَاء وَلَيْسَت فِي شَيْء من الْأَشْيَاء مقَالَة فِي إِثْبَات الصُّور الروحانية الَّتِي لَا هيولى لَهَا مقَالَة فِي الْعِلَل الَّتِي تحدث فِي فَم الْمعدة مقَالَة فِي الْجِنْس مقَالَة تَتَضَمَّن فصلا من الْمقَالة الثَّانِيَة من كتاب أرسطوطاليس فِي النَّفس رِسَالَة فِي الْقُوَّة الْآتِيَة من حَرَكَة الجرم الشريف إِلَى الأجرام الْوَاقِعَة تَحت الْكَوْن وَالْفساد

стр. 97

الْبَاب الْخَامِس طَبَقَات الْأَطِبَّاء الَّذين كَانُوا مُنْذُ زمَان جالينوس وقريبا مِنْهُ جالينوس ولنضع أَولا كلَاما كليا فِي إِخْبَار جالينوس وَمَا كَانَ عَلَيْهِ ثمَّ نلحق بعد ذَلِك مَعَه جملا من ذكر الْأَطِبَّاء الَّذين كَانُوا مُنْذُ زَمَانه وقريبا من وقته فَنَقُول إِن الَّذِي قد علم من حَال جالينوس واشتهرت بِهِ الْمعرفَة عِنْد الْخَاص وَالْعَام فِي كثير من الْأُمَم أَنه كَانَ خَاتم الْأَطِبَّاء الْكِبَار المعلمين وَهُوَ الثَّامِن مِنْهُم وَأَنه لَيْسَ يدانيه أحد فِي صناعَة الطِّبّ فضلا عَن أَن يُسَاوِيه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عِنْدَمَا ظهر وجد صناعَة الطِّبّ قد كثرت فِيهَا أَقْوَال الْأَطِبَّاء السوفسطائيين وانمحت محاسنها فَانْتدبَ لذَلِك وأبطل آراء أُولَئِكَ وأيد وشيد كَلَام أبقراط وآراءه وآراء التَّابِعين لَهُ وَنصر ذَلِك بِحَسب إِمْكَانه وصنف فِي ذَلِك كتبا كَثِيرَة كشف فِيهَا عَن مَكْنُون هَذِه الصِّنَاعَة وأفصح عَن حقائقها وَنصر القَوْل الْحق فِيهَا وَلم يجِئ بعده من الْأَطِبَّاء إِلَّا من هُوَ دون مَنْزِلَته ومتعلم مِنْهُ وَكَانَت مُدَّة حَيَاة جالينوس سبعا وَثَمَانِينَ سنة مِنْهَا صبي ومتعلم سبع عشرَة سنة وعالم معلم سبعين سنة وَهَذَا على مَا ذكره يحيى النَّحْوِيّ وَكَذَلِكَ تَقْسِيم عمر كل وَاحِد مِمَّن تقدم ذكره من سَائِر الْأَطِبَّاء الْكِبَار المعلمين إِلَى وقتي تعلمه وتعليمه

стр. 98

فَإِنَّهُ من قَول يحيى النَّحْوِيّ وَقَوله هَذَا يجب أَن ينظر فِيهِ وَذَلِكَ أَنه لَا يُمكن أَن تَنْحَصِر مَعْرفَته كَمَا ذكر فَإِن الْقيَاس يُوجب أَن الْبَعْض من ذَلِك غير مُمكن واحده مَا ذكره هَهُنَا عَن جالنيوس أَنه كَانَ صَبيا ومتعلما سبع عشرَة سنة وعالما معلما سبعين سنة وَلَو لم يكن التتبع على قَوْله هَذَا إِلَّا مِمَّا قد ذكره جالينوس نَفسه وَاتِّبَاع قَول مثل جالينوس عَن نَفسه أولى من اتِّبَاع قَول غَيره عَنهُ وَهَذَا نَص مَا ذكره جالينوس فِي كِتَابه مَرَاتِب قِرَاءَة كتبه قَالَ أَن أبي لم يزل يؤدبني بِمَا كَانَ يُحسنهُ من علم الهندسة والحساب والرياضيات الَّتِي تؤدب بهَا الْأَحْدَاث حَتَّى انْتَهَيْت من السن إِلَى خمس عشرَة سنة ثمَّ إِنَّه أسلمني فِي تَعْلِيم الْمنطق وَقصد بِي حِينَئِذٍ فِي تَعْلِيم الفلسفة وَحدهَا فَرَأى رُؤْيا دَعَتْهُ إِلَى تعليمي الطِّبّ فأسلمني فِي تَعْلِيم الطِّبّ وَقد أَتَت عَليّ من السنين سبع عشرَة سنة وَإِذا كَانَ هَذَا فقد تبين من قَول جالينوس خلاف مَا ذكر عَنهُ وَلَا يبعد أَن يكون الْكَلَام فِي الَّذين ذكرهم من قبل جالينوس أَيْضا مثل هَذَا وَكَانَت مُنْذُ وَقت وَفَاة أبقراط وَإِلَى ظُهُور جالينوس سِتّمائَة سنة وَخمْس وَسِتُّونَ سنة وَيكون من وَقت مولد أسقليبيوس الأول على مَا ذكره يحيى النَّحْوِيّ إِلَى وَقت وَفَاة جالينوس خَمْسَة آلَاف سنة وَخَمْسمِائة سنة وسنتان وَذكر إِسْحَق بن حنين إِن من وَقت وَفَاة جالينوس إِلَى سنة الْهِجْرَة خَمْسمِائَة سنة وَخَمْسَة وَعشْرين سنة أَقُول وَكَانَ مولد جالينوس بعد زمَان الْمَسِيح بتسع وَخمسين سنة على مَا أرخه إِسْحَق فَأَما قَول من زعم أَنه كَانَ معاصره وَأَنه توجه إِلَيْهِ ليراه ويؤمن بِهِ فَغير صَحِيح وَقد أورد جالينوس فِي مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة من كتبه ذكر مُوسَى والمسيح وَتبين من قَوْله أَنه كَانَ من بعد الْمَسِيح بِهَذِهِ الْمدَّة الَّتِي تقدم ذكرهَا وَمن جملَة من ذكر أَن جالينوس كَانَ معاصرا للمسيح الْبَيْهَقِيّ وَذَلِكَ أَنه قَالَ فِي كتاب مسارب التجارب وغوارب الغرائب أَنه لَو لم يكن فِي الحواريين إِلَّا بولص بن أُخْت جولينوس لَكَانَ كَافِيا وَإِنَّمَا بَعثه إِلَى عِيسَى جالينوس وَأظْهر عَجزه عَن الْهِجْرَة إِلَيْهِ لضَعْفه وَكبر سنه وآمن بِعِيسَى وَأمر ابْن أُخْته بولص بمبايعة عِيسَى قَالَ جالينوس فِي الْمقَالة الأولى من كِتَابه فِي الْأَخْلَاق وَذكر الْوَفَاء وَاسْتَحْسنهُ وأتى فِيهِ بِذكر الْقَوْم الَّذين نكبوا بِأخذ صَاحبهمْ وابتلوا بالمكاره يلْتَمس مِنْهُم أَن يبوحوا بمساوئ أَصْحَابهم وَذكر معايبهم فامتنعوا من ذَلِك وصبروا على غليظ المكاره وَأَن ذَلِك كَانَ فِي سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة

стр. 99

للإسكندر وَهَذَا أصح مَا ذكره من أَمر جالينوس وَوَقته وموضعه من الزَّمَان وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن الْحُسَيْن المَسْعُودِيّ كَانَ جالينوس بعد الْمَسِيح بِنَحْوِ مِائَتي سنة وَبعد أبقراط بِنَحْوِ سِتّمائَة سنة وَبعد الْإِسْكَنْدَر بِنَحْوِ خَمْسمِائَة سنة ونيف أَقُول وَوجدت عبيد الله بن جِبْرَائِيل بن عبيد الله بن بختيشوع قد استقصى النّظر فِي هَذَا الْمَعْنى وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد سُئِلَ عَن زمَان جالينوس وَهل كَانَ معاصرا الْمَسِيح أَو كَانَ قبله أَو بعده فَأجَاب عَن ذَلِك بِمَا هَذَا نَصه قَالَ إِن أَصْحَاب التواريخ اخْتلفُوا اخْتِلَافا بَينا فِيمَا وضعوه وكل مِنْهُم أثبت جملا إِذا فصلت خرج مِنْهَا زيادات ونقصان وَمن هَذَا يتَبَيَّن لَك مَتى تصفحت كتب التواريخ لَا سِيمَا مَتى وقفت على كتاب الْأَزْمِنَة الَّذِي عمله ماراليا مطران نَصِيبين فَإِنَّهُ قد كشف الْخلف الَّذِي بَين التواريخ العتيقة والحديثة وأوضح وكشف وَأَبَان ذَلِك أحسن بَيَان بجمعه لجملها فِي صدر كِتَابه وإيراد تفاصليها وتنبيهه على مَوَاضِع الْخلاف فِيهَا والزيادات والنقصانات وَذكر أَسبَابهَا وعللها وَوجدت تَارِيخا مُخْتَصرا لهارون بن عزور الراهب ذكر فِيهِ أَنه اعْتبر التواريخ وعول على صِحَّتهَا ورأيته قد كشف بعض اختلافها وَعلل ذَلِك بعلل مقنعة وَأورد شَوَاهِد من صِحَّتهَا وَذكر هَذَا الراهب فِي تَارِيخه أَن جَمِيع السنين من آدم إِلَى ملك دَارا بن سَام وَهُوَ أول ظُهُور الْإِسْكَنْدَر ذِي القرنين خَمْسَة آلَاف وَمِائَة وَثَمَانُونَ سنة وَعشرَة أشهر على مُوجب التَّارِيخ الَّذِي عِنْد اليونانيين وَهُوَ تَارِيخ التَّوْرَاة المنقولة إِلَى اليونانيين قبل ظُهُور الْمَسِيح بِمِائَتي سنة وثمان وَسبعين سنة وَذَلِكَ فِي زمَان فيلدلفوس الْملك لِأَنَّهُ كَانَ حمل إِلَى الْيَهُود هَدَايَا حَسَنَة لما سمع أَن عِنْدهم كتبا منزلَة من عِنْد الله تَعَالَى على أَلْسِنَة الْأَنْبِيَاء وَكَانَ من جملَة مَا حمل مائدتان من ذهب مرصعتان بالجواهر لم ير أحسن مِنْهُمَا وسألهم عَن الْكتب الَّتِي فِي أَيْديهم وأعلمهم أَنه يخْتَار أَن يكون عِنْده نسختها فَكَتَبُوا جَمِيع الْكتب الَّتِي كَانَت عِنْدهم للْيَهُود من التَّوْرَاة والأنبياء وَمَا جرى مجْراهَا فِي أوراق من فضَّة بأحرف من ذهب على مَا نسبه الراهب إِلَى أوسابيس القيسراني فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ استحسنها وَلم يفهم مَا فِيهَا فأنفذ إِلَيْهِم يَقُول أَي فَائِدَة من كنز مَسْتُور لَا يظْهر مَا فِيهِ وَعين مسدودة لَا ينضح مَاؤُهَا فأنفذوا إِلَيْهِ اثْنَيْنِ وَسبعين رجلا من جَمِيع الأسباط من كل سبط سِتَّة رجال فَلَمَّا وصلوا عمل لَهُم الْملك فيلدلفوس مراكب وَنزل كل رجلَيْنِ مِنْهُم فِي مركب ووكل بهم حفظَة حَتَّى نقلوها وقابل النّسخ فَلَمَّا وجدهَا صَحِيحَة غير مُخْتَلفَة خلع عَلَيْهِم وَأحسن إِلَيْهِم وردهم إِلَى مواطنهم وَذكر أوسابيوس القيسراني الَّذِي كَانَ أَسْقُف قيسارية أَن هَذَا الْملك كَانَ قد نقل الْكتب قبل

стр. 100

مَجِيء الْيَهُود استدعاء الْيَهُود وحضوره عِنْده ونقلهم إِيَّاهَا وَإِنَّمَا شكّ فِيمَا نَقله مِنْهَا فَأحب تَصْحِيحه قَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل وَهَذَا مِمَّا يشْهد فِيهِ الْعقل لِأَن فيلدلفوس الْملك لَو لم يشك فِي نَقله لما احتاط هَذَا الِاحْتِيَاط الْمَذْكُور وحرص هَذَا الْحِرْص على حفظ هَذَا النَّقْل وَلَوْلَا اتهامه لنقله لما كَانَ هُنَا مَا يُوجب هَذَا الِاحْتِيَاط لِأَن من قلدهم فِي الأول كَانَ أَحْرَى أَن يقلدهم فِي الثَّانِي وَلما أحب أَن يمْتَحن مَا فسره فعل مَا فعل وقابل عَلَيْهِ وَصَححهُ وَمن هَهُنَا وَجب أَن تَارِيخ اليونانيين أصح التواريخ أَعنِي تَارِيخ التَّوْرَاة والأنبياء الَّتِي عِنْدهم وَكَانَت مُدَّة هَذَا الْملك فيلدلفوس فِي المملكة ثَمَانِي وَثَلَاثِينَ سنة وَهُوَ الْملك الثَّالِث من الْإِسْكَنْدَر على أَن تَارِيخ الْإِسْكَنْدَر مُنْذُ قَتله دَارا وَهُوَ أَن مُدَّة ملكه تكون سِتّ سِنِين وَمِنْه يُؤْخَذ تواريخ اليونانيين فَتكون مُدَّة ملك اليونانيين من الْإِسْكَنْدَر وَإِلَى أول ملك الرّوم الَّذين لقبهم قَيْصر مِائَتَيْنِ واثنتين وَسبعين سنة وَأول مُلُوك الرّوم الَّذين لقبهم قَيْصر يوليوس جايوس قَيْصر وَكَانَت مدَّته فِي المملكة أَربع سِنِين وشهرين وَملك بعده أغوسطوس قَيْصر وَكَانَت مدَّته سِتّ وَخمسين سنة وَسِتَّة أشهر وَفِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين من ملكه ولد الْمَسِيح ﵇ فِي بَيت لحم فَجَمِيع سني الْعَالم من آدم وَإِلَى مولد الْمَسِيح خَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَأَرْبع سِنِين وَملك بعده طيباريوس قَيْصر ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَفِي سنة خمس عشرَة من ملكه اعْتمد الْمَسِيح فِي الْأُرْدُن بيد يوحنا المعمدان وَفِي سنة تسع عشرَة صلب رفع وَذَلِكَ فِي يَوْم الْجُمُعَة الرَّابِع وَالْعِشْرين من آذار وانبعث حَيا يَوْم الْأَحَد السَّادِس وَالْعِشْرين من آذار وَبعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا صعد إِلَى السَّمَاء بمشهد من الحواريين ثمَّ ملك بعده يوليوس جايوس الآخر أَربع سِنِين وَقتل فِي بلاطه وَملك بعده قلوديوس جرمانيقوس قَيْصر أَربع عشرَة سنة ثمَّ ملك بعده نارون بن قلوذيوس قَيْصر ثَلَاث عشرَة سنة ثمَّ أندرونيقوس أَربع عشرَة سنة وَهُوَ الَّذِي قتل بطرس وبولس فِي السجْن لِأَنَّهُ ارْتَدَّ إِلَى عبَادَة الْأَصْنَام وَكفر بعد الْإِيمَان وَقتل وَهُوَ مَرِيض

стр. 101

وَذكر أندرونيقوس فِي تَارِيخه أَنه ملك بعد نارون جالباس سَبْعَة أشهر ووطليوس ثَمَانِيَة واثون ثَلَاثَة أشهر ثمَّ ملك بعده أسفاسيانوس قَيْصر عشر سِنِين وَفِي آخر ملكه غزا بَيت الْمُقَدّس وَخَرَّبَهُ وَنقل جَمِيع آلَة الْبَيْت إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَانْقطع عَنْهُم يَعْنِي الْيَهُود الْملك والنبوة وَهُوَ الَّذِي وعد الله تَعَالَى بِهِ بمجيء الْمَسِيح وَلَا رَجْعَة لَهُم بعده وَهَذِه المملكة الْأَخِيرَة من المماليك الَّتِي وعدهم الله بهَا ثمَّ ملك بعده طيطوس ابْنه سنتَيْن وَوجدت فِي تَارِيخ مُخْتَصر قديم رومي أَنه ملك بعده طيطوس طميديوس وَفِي زَمَانه كَانَ بليناس الْحَكِيم صَاحب الطلسمات ثمَّ ملك بعده دوميطانوس أَخُو طيطوس وَأَن أسفاسيانوس ملك خمس عشرَة سنة وَفِي زَمَانه ظهر ماني وَفِي أَيَّامه زَمَانه نهبت مَدِينَة رَأس الْعين وَفِي تَارِيخ أندرونيقوس أَنه ملك سِتّ عشرَة سنة ثمَّ ملك بعده فرواس قَيْصر سنة وَاحِدَة ثمَّ ملك البيوس طرينوس قَيْصر تسع عشرَة سنة وَهُوَ الَّذِي ارتجع أنطاكية من الْفرس وَكتب إِلَيْهِ خَلِيفَته على فلسطين يَقُول لَهُ إِنَّنِي كلما قتلت النَّصَارَى ازدادوا رَغْبَة فِي دينهم فَأمره بِرَفْع السَّيْف عَنْهُم وَفِي السّنة الْعَاشِرَة من ملكه ولد جالينوس على مَا سنبين فِيمَا بعد ثمَّ ملك بعده أبليوس أدريانوس قَيْصر إِحْدَى وَعشْرين سنة وَبنى مدينته ثمَّ ملك بعده أنطونينوس قَيْصر اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وَبنى مَدِينَة أيليوبليس وَهِي مَدِينَة بعلبك وَفِي أَيَّام هَذَا الْملك ظهر جالينوس وَهُوَ الْملك الَّذِي استخدمه وَبَيَان ذَلِك قَول جالينوس فِي صدر مقَالَته الأولى من كتاب علم التشريح وَهَذَا قَوْله بِعَيْنِه قَالَ جالينوس قد كنت وضعت فِيمَا تقدم فِي علاج التشريح كتابا فِي مقدمي الأول إِلَى مَدِينَة رُومِية وَذَلِكَ فِي أول ملك أنطونينوس الْملك فِي وقتنا هَذَا وَمِمَّا يُؤَيّد هَذَا قَول جالينوس فِي الْكتاب الَّذِي وَضعه فِي تَقْيِيد أَسمَاء كتبه وَيعرف ببنكس جالينوس قَالَ لما رجعت من مَدِينَة رُومِية وعزمت على الْمقَام بمدينتي واللزوم لما كَانَت جرت فِيهِ عادتي وَإِذا كتب قد وَردت من مَدِينَة أقوليا من الْملكَيْنِ يأمران إشخاصي لِأَنَّهُمَا كَانَا قد عزما على أَن يشتيا باقوليا ثمَّ يغزوا أهل جرمانيا فاضطررت إِلَى الشخوص إِلَيْهَا وَأَنا على رَجَاء أَن أعفى

стр. 102

إِذا استعفيت لِأَنَّهُ كَانَ قد بَلغنِي عَن أَحدهمَا وَهُوَ أشبههما بِحسن الْخلق ولين الْجَانِب وَهُوَ الَّذِي كَانَ اسْمه بيرس فَلَمَّا ملك أنطونينوس من بعد أدريانوس وصير ببرس ولي عَهده أشرك فِي ملكه رجلا يُقَال لَهُ لوقيس وَسَماهُ بيرس وسمى هَذَا الَّذِي كَانَ اسْمه بيرس أنطونينوس فَلَمَّا صرت إِلَى بِلَاد أقوليا عرض فِيهَا من الوباء مَا لم يعرض قطّ فهرب الْملكَانِ إِلَى مَدِينَة رُومِية مَعَ عدَّة من أصحابهما وَبَقِي عَامَّة الْعَسْكَر بأقوليا فَهَلَك الْبَعْض وَسلم الْبَعْض ونالوا جهدا شَدِيدا لَيْسَ من أجل الوباء فَقَط وَلَكِن من جِهَة أَن الْأَمر فاجأهم فِي وسط الشتَاء وَمَات لوقيوس فِي الطَّرِيق فَحمل أنطونينوس بدنه إِلَى رُومِية فدفنه هُنَاكَ وهم بغزو أهل جرمانيا وحرص الْحِرْص كُله أَن أَصْحَبهُ فَقلت إِن الله تَعَالَى لما خلصني من دبيلة قتالة كَانَت عرضت لي أَمرنِي بِالْحَجِّ إِلَى بَيته الْمُسَمّى هيكل أسقليبيوس وَسَأَلته الْإِذْن فِي ذَلِك فشفعني وَأَمرَنِي بِأَن أحج ثمَّ انتظرت إِلَى وَقت انْصِرَافه إِلَى رُومِية فَإِنَّهُ قد كَانَ يَرْجُو أَن يَنْقَضِي حربه سَرِيعا وَخرج وَخلف ابْنه قومودس صَبيا صَغِيرا وَأمر المتوالين لخدمته وتربيته أَن يجتهدوا فِي حفظ صِحَّته فَإِن مرض دَعونِي لعلاجه أتولاه فَفِي هَذَا الزَّمَان جمعت كل مَا جمعته من المعلمين وَمَا كنت استنبطته وفحصت عَن أَشْيَاء كَثِيرَة وَوضعت كتبا كَثِيرَة لأروض بهَا نَفسِي فِي معَان كَثِيرَة من الطِّبّ والفلسفة احْتَرَقَ أَكْثَرهَا فِي هيكل أريني وَمعنى أريني السَّلامَة وَلِأَن أنطونيوس أَيْضا فِي سَفَره أَبْطَأَ خلاف مَا كَانَ يقدر فَكَانَ ذَلِك الزَّمَان مهلة فِي رياضة نَفسِي فَهَذِهِ الْأَقَاوِيل وَغَيرهَا مِمَّا لم نورده لطلبة الِاخْتِصَار فقد بَان أَن جالينوس كَانَ فِي أَيَّام هَذَا الْملك وَكَانَ عمره فِي الْوَقْت الَّذِي قدم فِيهِ رُومِية الْقدوم الأول ثَلَاثِينَ سنة وَذَلِكَ بِدَلِيل قَوْله فِي هَذَا الْكتاب الْمُقدم ذكره عِنْد وَصفه مَا وَضعه من الْكتب فِي التشريح قَالَ جالينوس وَوضعت أَربع مقالات فِي الصَّوْت كتبتها إِلَى رجل من الوزراء اسْمه بويئس يتعاطى من الفلسفة مَذْهَب فرقه أرسطوطاليس وَإِلَى هَذَا الرجل كتبت أَيْضا خمس مقالات وَضَعتهَا فِي التشريح على رَأْي أبقراط وَثَلَاث مقالات وَضَعتهَا بعْدهَا فِي التشريح على رَأْي أرايسطراطس نحوت فِيهَا نَحْو من يحب الْغَلَبَة والظهور على مخاليفه بسب رجل يُقَال لَهُ مرطياليس وضع مقالتين فِي التشريح هما إِلَى هَذِه الْغَايَة موجودتان فِي أَيدي النَّاس وَقد كَانَ النَّاس بهما فِي وَقت مَا وضعت هَذَا الْكتاب معجبين وَكَانَ هَذَا الرجل حسودا شَدِيد الْبَغي والمراء على كبر سنه فَإِنَّهُ قد كَانَ من أَبنَاء سبعين سنة وَأكْثر فَلَمَّا بلغه إِنِّي سُئِلت فِي مجْلِس عَام عَن مَسْأَلَة فِي التشريح فاعجب بِمَا أَحْبَبْت بِهِ فِيهَا وَاسْتَحْسنهُ جَمِيع من سَمعه وَكثر مدح النَّاس لي عَلَيْهِ سَأَلَ عني بعض أصدقائنا بقول من أَقُول من أهل فرق الطِّبّ كلهَا قَالَ لَهُ إِنِّي أسمى من لَيست نَفسه إِلَى فرقهب من الْفرق وَقَالَ إِنَّه من أَصْحَاب

стр. 103

أبقراط وَمن أَصْحَاب بركساغورس وَغَيرهم وَإِنِّي اخْتَار من مقَالَة كل قوم أحسن مَا فِيهَا وَاتفقَ يَوْمًا إِنِّي حضرت مَجْلِسا عَاما ليمتحن حذقي بكتب القدماء فَأخْرج كتاب أرسطراطس فِي نفث الدَّم والقيء فِيهِ نامر على الْعَادة الْجَارِيَة فَوَقع على الْموضع الَّذِي يُنْهِي فِيهِ أرسطراطس عَن فصد الْعرق فزدت فِي المعاندة لأراسطراطس لغم مرطياليس لِأَنَّهُ ادّعى أَنه من أَصْحَابه فأعجب ذَلِك القَوْل من سَمعه وسألني رجل من أوليائي وأعداء مرطياليس أَن أملي الْكَلَام الَّذِي قلته فِي ذَلِك الْمجْلس على كَاتب لَهُ بعث بِهِ إِلَيّ ماهر بِالْكتاب الَّذِي يكْتب بالعلامات سَرِيعا فِيهِ ليقوله لمرطياليس إِذا صادفه عِنْد المرضى فَلَمَّا اشخصني الْملك إِلَى مَدِينَة رُومِية فِي الْمرة الثَّانِيَة وَكَانَ الرجل الَّذِي أَخذ مني تِلْكَ الْمقَالة قد مَاتَ وَلَا أَدْرِي كَيفَ وَقعت نسختها إِلَى كثير من النَّاس فَلم يسرني ذَلِك لِأَنَّهُ كَلَام جرى على محبَّة الْغَلَبَة فِي ذَلِك الْوَقْت أَن لَا أَخطب فِي الْمجَالِس العامية وَلَا أباري لِأَنِّي رزقت من السَّعَادَة والنجاح فِي علاج المرضى أَكثر مِمَّا كنت أَتَمَنَّى وَذَلِكَ إِنِّي لما رَأَيْت غير أهل المهنة إِذا مدح أحد الْأَطِبَّاء بِحسن الْعبارَة سموهُ طَبِيب الْكَلَام أَحْبَبْت أَن اقْطَعْ ألسنتهم عني فامسكت عَن الْكَلَام سوى مَا لَا بُد مِنْهُ عِنْد المرضى وَعَما كنت أَفعلهُ من التَّعْلِيم فِي المحافل وَمن الْخطب فِي الْمجَالِس العامية واقتصرت على إِظْهَار مبلغ علمي فِي الطِّبّ على مَا كنت أَفعلهُ فِي علاج المرضى وأقمت برومية ثَلَاث سِنِين أخر فَلَمَّا ابْتَدَأَ فِيهَا الوباء خرجت مِنْهَا مبادرا إِلَى بلادي وَكَانَ رجوعي إِلَى رُومِية وَقد أَتَى عَليّ من السنين سبع وَثَلَاثُونَ سنة قَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل فَمن وَقت هَذَا يكون مولد جالينوس فِي السّنة الْعَاشِرَة من ملك طرينوس الْملك لِأَنَّهُ زعم أَنه وَضعه لكتاب علاج التشريح كَانَ فِي مقدمه الأول إِلَى رُومِية وَذَلِكَ فِي ملك أنطونينوس كَمَا ذكرنَا وَأَنه كَانَ لَهُ من عمره على مَا ذكرنَا ثَلَاثُونَ سنة مضى مِنْهَا من مُدَّة ملك أدريانوس إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ مُدَّة الْملك طرينوس قَيْصر تسع عشرَة سنة وَإِذا كَانَ هَذَا هَكَذَا أصبح أَن مولد جالينوس كَانَ فِي السّنة الْعَاشِرَة من ملك طرينوس فَتكون الْمدَّة الَّتِي من صعُود الْمَسِيح إِلَى السَّمَاء وَهِي من سنة تسع عشرَة من ملك طيباريوس قَيْصر إِلَى السّنة الْعَاشِرَة من ملك طرينوس الَّتِي ولد فِيهَا جالينوس على مُوجب التَّارِيخ الْمَذْكُور ثَلَاثًا وَسبعين سنة وعاش جالينوس على مَا ذكره إِسْحَاق بن حنين فِي تَارِيخه وَنسبه إِلَى يحيى النَّحْوِيّ سبعا وَثَمَانِينَ سنة مِنْهَا صبي ومتعلم سبع عشرَة سنة وعالم معلم سبعين سنة قَالَ إِسْحَق بَين وَفَاة جالينوس إِلَى سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ وَهِي السّنة الَّتِي عمل فِيهَا التَّارِيخ ثَمَانمِائَة وَخمْس عشرَة سنة وَقَالَ عبد الله بن جِبْرَائِيل وينضاف إِلَى ذَلِك مِمَّا بَين هَذِه السّنة الَّتِي عَملنَا فِيهَا هَذَا الْكتاب وَهِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة لِلْهِجْرَةِ الْوَاقِعَة فِي سنة ألف وثلاثمائة واثنتين وَأَرْبَعين للإسكندر وَبَين سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ مائَة وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة فَيكون من وَفَاة جالينوس إِلَى سنتنا هَذِه

стр. 104

وَهِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة تِسْعمائَة وَسبع وَأَرْبَعُونَ سنة وَإِذا أضيف إِلَى هَذِه الْجُمْلَة عمر جالينوس وَمَا بَين مولده إِلَى صعُود الْمَسِيح إِلَى السَّمَاء وَهُوَ مئة وَسِتُّونَ سنة يصبح الْجَمِيع أَعنِي من صعُود الْمَسِيح إِلَى سنتنا هَذِه ألف وَمِائَة وَسبع سِنِين الْجُمْلَة غلط وَهِي تنقص بالتفصيل وَمن مثل هَذَا التَّارِيخ يضل النَّاس لأَنهم يقلدون أَصْحَاب التواريخ فيضلون وَوجه الْغَلَط فِي هَذِه الْجُمْلَة يتَبَيَّن من جِهَتَيْنِ إِحْدَاهمَا من تَارِيخ الْمَسِيح وَالْأُخْرَى من تَارِيخ جالينوس وَقد ذكرناهما فِيمَا تقدم ذكرا شافيا فَمن أحب امتحان ذَلِك فَليرْجع إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يتَبَيَّن لَهُ من التَّفْصِيل الْمَذْكُور فَإِن للمسيح مُنْذُ ولد ألف سنة وثماني عشرَة سنة وجالينوس تِسْعمائَة وَثَلَاث عشرَة سنة وَهَذَا خلف عَظِيم وَغلط بَين قَالَ وَأَنا استطرف كَيفَ مر مثل هَذَا مَعَ بَيَان الْمَوَاضِع الَّتِي استدللنا بهَا من كَلَام جالينوس وَمن أوضاع أَصْحَاب التواريخ الصَّحِيحَة واستطرف أَيْضا كَيفَ لم يتَنَبَّه إِلَى فصل ورد فِي كتاب الْأَخْلَاق تبين فِيهِ غلط تَارِيخ هَذِه الْمدَّة فَصَارَت الْمِائَة سنة وَقد يكون سَبَب هَذَا الْغَلَط من النساخ وَيسْتَمر حَتَّى تحصل حجَّة يضل بهَا من لم يفحص عَن حقائق الْأُمُور وَهَذِه نُسْخَة الْفَصْل من كتاب الْأَخْلَاق بِعَيْنِه قَالَ جالينوس وَقد رَأينَا نَحن فِي هَذَا الزَّمَان عبيدا فعلوا هَذَا الْفِعْل دون الْأَحْرَار لأَنهم كَانُوا فِي طبائعهم أخيارا وَذَلِكَ أَنه لما مَاتَ فرونيموس وَكَانَ مَوته فِي السّنة التَّاسِعَة من ملك قومودس وَفِي سنة خَمْسمِائَة وست عشرَة من ملك الْإِسْكَنْدَر وَكَانَ الوزيران فِي ذَلِك الْوَقْت ماطروس وأيروس تتبع قوم كثير عَددهمْ وعدت عبيدهم ليفشوا على مواليهم مَا فعلوا وَهَذَا خلف عَظِيم لَا سِيمَا لما ذكره إِسْحَق لِأَنَّهُ يحصل بَينه اخْتِلَاف عَظِيم إِلَى وَفَاة جالينوس يَقْتَضِي بِأَن تكون على مَا ذكره إِسْحَق من أَن عمره كَانَ سبعا وَثَمَانِينَ سنة فِي هَذِه السّنة الْمَذْكُورَة وَهِي سنة خَمْسمِائَة وست عشرَة للاسكندر وَيَقْتَضِي أَن يكون هَذَا الْكتاب آخر مَا عمله أَعنِي كتاب الْأَخْلَاق لِأَنَّهُ وَقت وَفَاته يجب أَن يكون الْوَقْت الَّذِي ذكر فِيهِ أَمر العبيد والتاريخ وَقد رَأَيْنَاهُ ذكره فِي كتاب آخر يدل على أَنه قد عمل بعده وَأَنه عَاشَ بعد هَذَا الْوَقْت زمَان مَا يجوز السّنة الْمَذْكُورَة عدته فقد بَان تنَاقض تَارِيخه وَفَسَاد جملَته وَلَو فَرضنَا الْأَمر على مَا ذكره لم يجب لَهُ أَن يغْفل مثل هَذَا التَّارِيخ الْبَين الْجَلِيّ وبثبت جملَة مَا تحصل وَلَا يَصح وَمَا يشْهد بِأَن الْمَسِيح كَانَ قبل جالينوس بِمدَّة من الزَّمَان مَا ذكره جالينوس بِمدَّة من الزَّمَان مَا ذكره جالينوس فِي تَفْسِير كتاب أفلاطون فِي السياسة المدنية وَهَذَا نَص قَوْله قَالَ جالينوس من ذَلِك قد نرى الْقَوْم الَّذين يدعونَ نَصَارَى إِنَّمَا اخذوا إِيمَانهم عَن الرموز

стр. 105

والمعجزة وَقد تظهر مِنْهُم أَفعَال المتفلسفين أَيْضا وَذَلِكَ أَن عدم جزعهم من الْمَوْت وَمَا يلقون بعده أَمر قد نرَاهُ كل يَوْم وَكَذَلِكَ عفافهم عَن الْجِمَاع وَأَن مِنْهُم قوما لَا رجال فَقَط لَكِن نسَاء أَيْضا قد أَقَامُوا أَيَّام حياتهم ممتنعين عَن الْجِمَاع وَمِنْهُم قوم قد بلغ من ضبطهم لأَنْفُسِهِمْ فِي التَّدْبِير فِي الْمطعم وَالْمشْرَب وَشدَّة حرصهم على الْعدْل أَن صَارُوا غير مقصرين عَن الَّذين يتفلسفون بِالْحَقِيقَةِ قَالَ عبد الله بن جِبْرَائِيل فَبِهَذَا القَوْل قد علم أَن النَّصَارَى لم يَكُونُوا ظَاهِرين فِي زمن الْمَسِيح بِهَذِهِ الصُّورَة أَعنِي الرهبنة الَّتِي نعتها جالينوس وإيثار الِانْقِطَاع إِلَى الله وَلَكِن بعد الْمَسِيح بِمِائَة سنة انتشروا هَذَا الانتشار حَتَّى زادوا على الفلاسفة فِي فعل الْخَيْر وآثروا الْعدْل والتفضل والعفاف وفازوا بِتَصْدِيق المعجز وَحصل لَهُم الحالان وورثوا المنزلتين واغتبطوا بالسعادتين أَعنِي السَّعَادَة الشَّرْعِيَّة والسعادة الْعَقْلِيَّة فَمن هَذَا وَشبهه يتَبَيَّن تَارِيخ جالينوس وَهَذَا آخر مَا ذكره عبد الله بن جِبْرَائِيل من أَمر جالينوس ونقلت من خطّ الشَّيْخ موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس بن المطران قَالَ الْمَوَاضِع الَّذِي ذكر جالينوس فِيهَا مُوسَى والمسيح قد ذكر مُوسَى فِي الْمقَالة الرَّابِعَة من كِتَابه فِي التشريح على رَأْي أبقراط إِذْ يَقُول هَكَذَا يشبهون من تعين من المتطببين لمُوسَى الَّذِي سنّ سننا لشعب الْيَهُود لِأَن من شَأْنه أَن يكْتب كتبه من غير برهَان إِذْ يَقُول الله أَمر وَالله قَالَ وَيذكر مُوسَى فِي كتاب مَنَافِع الْأَعْضَاء وَيذكر مُوسَى والمسيح فِي كتاب النبض الْكَبِير إِذْ يَقُول لَا الْخَشَبَة المتفتلة تستوي وَلَا الشَّجَرَة العتيقة إِذا حولت تعلق فيسهل أَن يعلم الْإِنْسَان أهل مُوسَى والمسيح من أَن يعلم الْأَطِبَّاء والفلاسفة الممارين بالأحزاب وَيذكر مُوسَى والمسيح فِي مقَالَته فِي المحرك الأول وَيَقُول لَو كنت رَأَيْت قوما يعلمُونَ تلاميذهم كَمَا كَانَ يعلمُونَ أهل مُوسَى والمسيح إِذْ كَانُوا يأمرونهم أَن يقبلُوا كل شَيْء بالأماتة لم أكن أريكم أحدا وَفِي مَوَاضِع أخر قَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل وَكَانَ جالينوس من الْحُكَمَاء اليونانيين الَّذين كَانُوا فِي الدولة القيصرية بعد بُنيان روميه ومولده ومنشؤه بفرغامس وَهِي مَدِينَة صَغِيرَة من جملَة مَدَائِن آسيا شَرْقي قسطنطينية وَهِي جَزِيرَة فِي بَحر قسطنطينية وهم روم إغريقيون يونانيون وَمن تِلْكَ النَّاحِيَة انْدفع الْجَيْش الْمَعْرُوف بالقوط من الرّوم الَّذين غنموا الأندلس واستوطنوها وَذكر لشيذر الإشبيلي الْحَرَّانِي أَن مَدِينَة فرغامس كَانَت مَوضِع سجن الْمُلُوك وهنالك كَانُوا يحبسون من غضبوا عَلَيْهِ مسكن جالينوس وَقَالَ يُوسُف بن الداية فِي تَعْرِيف مَوضِع جالينوس ومسكنه مَا هَذِه حكايته

стр. 106

قَالَ سَأَلَ أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي جِبْرَائِيل بن بختيشوع عَن مسكن جالينوس أَيْن كَانَ من أَرض الرّوم فَذكر أَن مَسْكَنه فِي دهره كَانَ متوسطا لأرض الرّوم وَأَنه فِي هَذَا الْوَقْت فِي طرف من أطرافها وَذكر أَن حد أَرض الرّوم كَانَ فِي أَيَّام جالينوس من نَاحيَة الشرق مِمَّا يَلِي الْفُرَات الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بنغيا من طوج الأنبار وَكَانَت المسلحة الَّتِي يجْتَمع فِيهَا جند فَارس وَالروم ونواطيرهما فِيهَا وَكَانَ الْحَد من نَاحيَة دجلة دَارا إِلَّا فِي بعض الْأَوْقَات فَإِن مُلُوك فَارس كَانَت تغلبهم على مَا بَين دَارا وَرَأس الْعين فَكَانَ الْحَد فِيمَا بَين فَارس وَالروم من نَاحيَة الشمَال أرمينية وَمن نَاحيَة الْمغرب مصر إِلَّا أَن الرّوم كَانَت تغلب فِي بعض الْأَوْقَات على مصر وعَلى أرمينية فَلَمَّا ذكر جبرائل غَلَبَة الرّوم على أرمينية فِي بعض الْأَوْقَات تلقيت قَوْله بالإنكار وجحدت أَن تكون الرّوم غلبت على أرمينية إِلَّا الْموضع الَّذِي يُسمى بِلِسَان الرّوم أرمنيانس فَإِن الرّوم يسمون أهل هَذَا الْبَلَد إِلَى هَذِه الْغَايَة الأرمن فَشهد لَهُ عَليّ أَبُو إِسْحَق بِالصّدقِ وأتى بِدَلِيل على ذَلِك لم أصل إِلَى دَفعه وَهُوَ نمط أرمني كأحسن مَا رَأَيْت من الأرمن صَنْعَة فِيهِ صور جوَار يلعبن فِي بُسْتَان بأصناف الملاهي الرومية وَهُوَ مطرز بالرومية مُسَمّى باسم ملك الرّوم فَسلمت لجبرائيل وَرجع الحَدِيث إِلَى القَوْل فِي جالينوس قَالَ وَاسم الْبَلَد الَّذِي ولد فِيهِ وَكَانَ مَسْكَنه سمرنا وَكَانَ منزله بِالْقربِ من قَرْيَة بَينه وَبَينهَا فرسخان قَالَ جِبْرَائِيل فَلَمَّا نزل الرشيد على قُرَّة رَأَيْته طيب النَّفس فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ منزل أستاذي الْأَكْبَر مني على فرسخين فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يُطلق لي الذّهاب إِلَيْهِ حَتَّى أطْعم فِيهِ وأشرب فأصول بذلك على متطببي أهل دهري وَأَقُول إِنِّي أكلت وشربت فِي منزل أستاذي فَلْيفْعَل فاستضحك من قولي ثمَّ قَالَ لي وَيحك يَا جِبْرَائِيل أَتَخَوَّف أَن يخرج جَيش الرّوم أَو منسر فيختطفك فَقلت لَهُ من الْمحَال أَن يقدم الرّوم على الْقرب من معسكرك هَذَا الْقرب كُله فَأمر بإحضار

стр. 107

إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان بن نهيك وَأمره أَن يضم إِلَيّ خَمْسمِائَة رجل حَتَّى أوافي النَّاحِيَة فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي خمسين كِفَايَة فاستضحك ثمَّ قَالَ ضم إِلَيْهِ ألف فَارس فَأَنَّهُ إِنَّمَا كره أَن يُطعمهُمْ ويسقيهم قَالَ فَقلت مَا لي إِلَى النّظر إِلَى جالينوس حَاجَة فازداد ضحكا ثمَّ قَالَ وَحقّ الْمهْدي لتنفذن ومعك الْألف فَارس قَالَ جِبْرَائِيل فَخرجت وَأَنا من أَشد النَّاس غما وأكسفهم بَالا قد أَعدَدْت لنَفْسي مَا لَا يَكْفِي عشرَة أنفس من الطَّعَام وَالشرَاب قَالَ فَمَا اسْتَقر بِي الْموضع حَتَّى وافاني الْخبز والمساليخ وَالْملح فَعم من معي وَفضل كثير فأقمت فِي ذَلِك الْموضع فطعمت فِيهِ وَمضى فتيَان الْجند وأغاروا على مَوَاضِع خمور الرّوم ولحومهم فَأَكَلُوا اللَّحْم كبابا بالخبز وَشَرِبُوا عَلَيْهِ الْخمر وانصرفت فِي آخر النَّهَار فَسَأَلَهُ أَبُو إِسْحَق هَل تبين فِي رسم منزل جالينوس مَا يدل على أَنه كَانَ لَهُ شرف فَقَالَ لَهُ أما الرَّسْم فكثير وَرَأَيْت لَهُ أبياتا شرقية وأبياتا غربية وأبياتا قبلية وَلم أر لَهُ بَيْتا فراتيا وَكَذَلِكَ كَانَت فلاسفة الرّوم تجْعَل بيوتها وَكَذَلِكَ كَانَت ترى عُظَمَاء فَارس وَكَذَلِكَ أرى أَنا إِذا أصدقت نَفسِي وعملت بِمَا يجب لِأَن كل بَيت لَا تدخله الشَّمْس يكون وبيئا وَإِنَّمَا كَانَ جالينوس على حكمته خَادِمًا لملوك الرّوم وملوك الرّوم أهل قصد فِي جَمِيع أُمُورهم فَإِذا قست منزل جالينوس إِلَى منَازِل الرّوم رَأَيْت من كبر خطته وَكَثْرَة بيوته وَإِن كنت لم أرها إِلَّا خرابا على أَنِّي وجدت فِيهَا أبياتا مسقفة استدللت على أَنه كَانَ ذَا مُرُوءَة فَسكت عَنهُ أَبُو إِسْحَق فَقلت يَا أَبَا عِيسَى إِن مُلُوك الرّوم على مَا وصفت فِي الْقَصْد وَلَيْسَ قصدهم فِي هباتهم وعطاياهم إِلَّا قصدهم فِي مروءات أنفسهم فالنقص يدْخل المخدوم وَالْخَادِم فَإِذا نظرت إِلَى مَوضِع قصر ملك الرّوم وَمَوْضِع جالينوس ثمَّ نظرت إِلَى قصر أَمِير الْمُؤمنِينَ ومنزلك يكون نِسْبَة منزل جالينوس إِلَى منزل ملك الرّوم مثل نِسْبَة مَنْزِلك إِلَى منزل أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ جِبْرَائِيل أَحْيَانًا يعجب مني لِكَثْرَة الِاسْتِقْصَاء فِي السُّؤَال ويمدحني عِنْد أبي إِسْحَق وَأَحْيَانا يغْضب مِنْهُ حَتَّى يكَاد أَن يطير غيظا فَقَالَ لي وَمَا معنى ذكرك النِّسْبَة فَقلت لَهُ أردْت بِذكر النِّسْبَة أَنَّهَا لَفْظَة يتَكَلَّم بهَا حكماء الرّوم وَأَنت رَئِيس تلامذة أُولَئِكَ الْحُكَمَاء فَأَرَدْت التَّقَرُّب إِلَيْك بمخاطبتك بِأَلْفَاظ أستاذيك وَإِنَّمَا معنى قولي نِسْبَة دَار جالينوس إِلَى دَار ملك الرّوم مثل نِسْبَة دَارك إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه إِن كَانَت دَار جالينوس مثل نصف أَو ثلث أَو ربع أَو خمس أَو قدر من الأقدار من دَار ملك الرّوم هَل يكون قدرهَا من ملك الرّوم مثل قدر دَارك من دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ أَو أقل فَإِن دَار أَمِير

стр. 108

الْمُؤمنِينَ إِن كَانَت فرسخا فِي فرسح وَقدر دَارك عشر فَرسَخ فِي عشر فَرسَخ وَدَار ملك الرّوم إِن كَانَت عشر فراسخ فِي عشر فراسخ وَدَار جالينوس عشر عشر فَرسَخ فِي عشر عشر فَرسَخ كَانَ قدر دَار جالينوس من دَار ملك الرّوم مثل مِقْدَار دَارك من دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ سَوَاء فَقَالَ لم تكن دَار جالينوس كَذَا وَهِي أقل مِقْدَارًا من دَاري عِنْد دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ بِكَثِير كثير فَقلت لَهُ تُخبرنِي عَمَّا أسأَل قَالَ لست آبي عَلَيْك فَقلت لَهُ أَنَّك قد أخْبرت عَن صَاحبك أَنه كَانَ أنقص مُرُوءَة مِنْك فَغَضب وَقَالَ أَنْت نوماجذ وَكنت أَحسب هَذِه اللَّفْظَة فِرْيَة فَغضِبت فَلَمَّا رأى غَضَبي قَالَ إِنِّي لم أقذفك بِشَيْء عَلَيْك فِيهِ ضَرَر ووددت إِنِّي كنت نوماجذ هَذَا اسْم ركب من حرفين فارسيين وهما الحدة والإتيان فَإِنَّمَا نوماجذ نوه آمد أَي جَاءَ حِدته فَيُقَال هَذَا للْحَدَث ووددت أَنا كُنَّا أحداثا مثلك وَإِنَّمَا أَنهَاك أَن تتقفز تقفز الديوك المحتلمة فَإِنَّهَا رُبمَا نازعتها نَفسهَا إِلَى منافرة الديوك الهرمة فينقر الديك الْهَرم الديك المحتلم النقرة فَيظْهر دماغه فَلَا تكون للمحتلم بعد ذَلِك حَيَاة وَأَنت تعارضني كثيرا الْمجَالِس ثمَّ تحكم وتظلم فِي الحكم وَإِن عَيْش جِبْرَائِيل وبختيشوع أَبِيه وجورجس جده لم يكن من الْخُلَفَاء وعمومتهم وقراباتهم ووجوه مواليهم وقوادهم وكل هَؤُلَاءِ فَفِي اتساع من النِّعْمَة باتساع قُلُوب الْخُلَفَاء وَجَمِيع أَصْحَاب ملك الرّوم فَفِي ضنك من الْعَيْش وَقلة ذَات يَد فَكيف يُمكن أَن أكون مثل جالينوس وَلم يكن لَهُ مُتَقَدم نعْمَة لِأَن أَبَاهُ كَانَ زراعا وَصَاحب جنَّات وكروم فَكيف يُمكن من كَانَ معاشه من أهل هَذَا الْمِقْدَار أَن يكون مثلي ولي أَبَوَانِ قد خدما الْخُلَفَاء وأفضلوا عَلَيْهِمَا وَغَيرهم مِمَّن هُوَ دونهم وَقد أفضل الْخُلَفَاء عَليّ ورفعوني من حد الطِّبّ إِلَى المعاشرة والمسامرة فَلَو قلت أَنه لَيْسَ لأمير الْمُؤمنِينَ أَخ وَلَا قرَابَة وَلَا قَائِد وَلَا عَامل إِلَّا وَهُوَ يداريني إِن لم يكن مائلا بمحبته إِلَيّ وَإِن كَانَ ماثلا أَو شاكرا لي على علاج عالجته أَو محْضر جميل حَضرته أَو وصف حسن وَصفته بِهِ عِنْد الْخُلَفَاء فنفعه فَكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ يفضل عَليّ وَيحسن إِلَيّ وَإِذا كَانَ قدر دَاري من دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ على جُزْء من عشرَة أَجزَاء وَكَانَ قدر دَار جالينوس من دَار ملك الرّوم على قدر جُزْء من مائَة جُزْء فَهُوَ أعظم مني مُرُوءَة فَقَالَ لَهُ أَبُو إِسْحَق أرى حدتك على يُوسُف إِنَّمَا كَانَت لِأَنَّهُ قدمك فِي الْمُرُوءَة على جالينوس فَقَالَ أجل وَالله لعن الله من لَا يشْكر النعم وَلَا يُكَافِئ عَلَيْهَا بِكُل مَا أمكنه إِنِّي وَالله أغضب أَن أسوى بجالينوس فِي حَال من الْحَالَات واشكر فِي تَقْدِيمه على نَفسِي فِي كل الْأَحْوَال فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ أَبُو إِسْحَق وَأظْهر استصوابا لَهُ وَقَالَ هَذَا لعمري الَّذِي يحسن بالأحرار

стр. 109

والأدباء فانكب على قدم أبي إِسْحَق ليقبلها فَمَنعه من ذَلِك وضمه إِلَيْهِ وَقَالَ سُلَيْمَان بن حسان وَكَانَ جالينوس فِي دولة نيرون قَيْصر وَهُوَ السَّادِس من القياصرة الَّذِي ملكوا رُومِية وَطَاف جالينوس الْبِلَاد وجالها وَدخل إِلَى مَدِينَة رُومِية مرَّتَيْنِ فسكنها وغزا مَعَ ملكهَا لتدابير الجرحي وَكَانَت لَهُ بِمَدِينَة رُومِية مجَالِس عامية خطب فِيهَا وَأظْهر من علمه بالتشريح مَا عرف بِهِ فَضله وَبَان علمه وَذكر جالينوس فِي كِتَابه محنة الطَّبِيب الْفَاضِل مَا هَذَا حكايته قَالَ إِنِّي مُنْذُ صباي تعلمت طَرِيق الْبُرْهَان ثمَّ إِنِّي لما ابتدأت بِعلم الطِّبّ رفضت اللَّذَّات واستخففت بِمَا فِيهِ من عرض الدُّنْيَا ورفضته حَتَّى وضعت عَن نَفسِي مؤونة البكور إِلَى أَبْوَاب النَّاس للرُّكُوب مَعَهم من مَنَازِلهمْ وانتظارهم على أَبْوَاب الْمُلُوك للانصراف مَعَهم إِلَى مَنَازِلهمْ وملازمتهم وَلم أفن دهري واشق نَفسِي فِي هَذَا التطواف على النَّاس الَّذِي يسمونه تَسْلِيمًا لَكِن اشغلت نَفسِي دهري كُله بأعمال الطِّبّ والروية والفكر فِيهِ وسهرت عَامَّة ليلِي فِي تقليب الْكُنُوز الَّتِي خلفهَا القدماء لنا فَمن قدر أَن يَقُول إِنَّه فعل مثل هَذَا الْفِعْل الَّذِي فعلت ثمَّ كَانَت مَعَه طبيعة ذكاء وَفهم سريع يُمكن مَعهَا قبُول هَذَا الْعلم الْعَظِيم فَوَاجِب أَن يوثق بِهِ قبل أَن يجرب قضاياه وَفعله فِي المرضى وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أفضل مِمَّن لَيْسَ مَعَه مَا وَصفنَا وَلَا فعل مَا عددناه وَبِهَذَا الطَّرِيق سَار رجل من رُؤَسَاء الكمريين عِنْد رجوعي إِلَى مَدِينَة من الْبلدَانِ الَّتِي كنت نزعت إِلَيْهَا على أَنه لم يكن تمّ لي ثَلَاثُونَ سنة إِلَى أَن ولاني علاج جَمِيع الْمَجْرُوحين من المبارزين فِي الْحَرْب وَقد كَانَ يولي أَمرهم قبل ذَلِك رجلَانِ أَو ثَلَاثَة من الْمَشَايِخ فَلَمَّا أَن سُئِلَ ذَلِك الرجل عَن طَرِيق المحنة الَّتِي امتحنني بهَا حَتَّى وثق بِي فولاني أَمرهم قَالَ إِنِّي رَأَيْت الْأَيَّام الَّتِي أفناها هَذَا الرجل فِي التَّعْلِيم أَكثر من الْأَيَّام الَّتِي أفناها غَيره من مَشَايِخ الْأَطِبَّاء فِي تعلم هَذَا الْعلم وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْت أُولَئِكَ يفنون أعمارهم فِيمَا لَا ينْتَفع بِهِ وَلم أر هَذَا الرجل يفني يَوْمًا وَاحِدًا وَلَا لَيْلَة من عمره فِي الْبَاطِل وَلَا يَخْلُو فِي يَوْم من الْأَيَّام وَلَا فِي وَقت من الارتياض فِيمَا ينْتَفع بِهِ وَقد رَأَيْنَاهُ أَيْضا فعل أفعالا قَرِيبا هِيَ أصح فِي الدّلَالَة على حذقه بِهَذِهِ الصِّنَاعَة من سنى هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ وَقد كنت حضرت مَجْلِسا عَاما من الْمجَالِس الَّتِي تَجْتَمِع فِيهَا النَّاس لاختبار علم الْأَطِبَّاء فَأريت من حضر أَشْيَاء كَثِيرَة من أَمر التشريح وَأخذت حَيَوَانا فشققت بَطْنه حَتَّى أخرجت أمعاءه ودعوت من حضر من الْأَطِبَّاء إِلَى ردهَا وخياطة الْبَطن على مَا يَنْبَغِي فَلم يقدم أحد مِنْهُم على ذَلِك وعالجناه نَحن فَظهر منا فِيهِ حذق ودربة وَسُرْعَة كف وفجرنا أَيْضا عروقا كبارًا بالتعمد ليجري مِنْهَا الدَّم ودعونا مَشَايِخ من الْأَطِبَّاء إِلَى علاجها فَلم يُوجد عِنْدهم شَيْء وعالجتها أَنا فَتبين لمن كَانَ لَهُ عقل مِمَّن حضر أَن الَّذِي يَنْبَغِي أَن يتَوَلَّى أَمر الْمَجْرُوحين من كَانَ مَعَه من الحذق مَا معي فَلَمَّا ولاني ذَلِك الرجل أَمرهم وَهُوَ أول من ولاني هَذَا الْأَمر اغتبط بذلك وَذَلِكَ أَنه لم يمت من

стр. 110

جَمِيع من ولاني أمره إِلَّا رجلَانِ فَقَط وَقد كَانَ مَاتَ مِمَّن تولى علاجه طَبِيب كَانَ قبلي سِتَّة عشر نفسا ثمَّ ولاني بعده أَمرهم رجل آخر من رُؤَسَاء الكمريين فَكَانَ بتوليته إيَّايَ أسعد وَذَلِكَ أَنه لم يمت أحد مِمَّن ولانيه على أَنه قد كَانَت بهم جراحات كَثِيرَة جدا عَظِيمَة وَإِنَّمَا قلت هَذَا لأدل كَيفَ يقدر الممتحن أَن يمْتَحن ويميز بَين الطَّبِيب الماهر وَبَين غَيره قبل أَن يجرب قَوْله وَعلمه فِي المرضى وَلَا يكون امتحانه لَهُ كَمَا يمْتَحن النَّاس الْيَوْم الْأَطِبَّاء ويقدمون مِنْهُم من ركب مَعَهم واشتغل بخدمتهم الشّغل الَّذِي لَا يُمكن مَعَه الْفَرَاغ لأعمال الطِّبّ بل يكون تَقْدِيمه واختياره لمن كَانَ على خلاف ذَلِك وَكَانَ شغله فِي دهره كُله فِي أَعمال الطِّبّ لَا غَيرهَا قَالَ وَإِنِّي لأعرف رجلا من أهل الْعقل والفهم قدمني من فعل وَاحِد رَآنِي فعلته وَهُوَ تشريح حَيَوَان بيّنت بِهِ بِأَيّ الْآلَات يكون الصَّوْت وَبِأَيِّ الْحَرَكَة مِنْهَا وَكَانَ عرض لذَلِك الرجل قبل ذَلِك الْوَقْت بشهرين أَن سقط من مَوضِع عَال فتكسرت من بدنه أَعْضَاء كَثِيرَة وَبَطل عَامَّة صَوته حَتَّى صَار كَلَامه بِمَنْزِلَة السرَار وعولجت أعضاؤه فصلحت وبرأت بعد أَيَّام كَثِيرَة وَبَقِي صَوته لَا يرجع فَلَمَّا أَن رأى مني ذَلِك الرجل مَا رأى وثق بِي وقلدني أَمر نَفسه فابرأته فِي أَيَّام قَلَائِل لِأَنِّي عرفت الْموضع الَّذِي كَانَت الآفة فِيهِ فقصدت لَهُ وَقَالَ وَإِنِّي لأعرف رجلا آخر سقط من دَابَّته فتهشم ثمَّ عولج فبرأ من جَمِيع مَا كَانَ ناله خلا أَن أصبعين من أَصَابِع كَفه وهما الْخِنْصر والبنصر بَقِيَتَا خدرتين زَمَانا طَويلا وَكَانَ لَا يحس بهما كثير حس وَلَا يملك حركتهما على مَا يَنْبَغِي وَكَانَ من ذَلِك أَيْضا شَيْء فِي الْوُسْطَى فَجعل الْأَطِبَّاء يضعون على تِلْكَ الْأَصَابِع أدوية مُخْتَلفَة وَكلهَا لم تنجح وَكلما وضعُوا دَوَاء انتقلوا مِنْهُ إِلَى غَيره فَلَمَّا أَتَانِي سَأَلته عَن الْموضع الَّذِي قرع الأَرْض من بدنه فَلَمَّا قَالَ لي أَن الْموضع الَّذِي قرع مِنْهُ هُوَ مَا بَين كَتفيهِ وَكنت قد علمت من التشريح أَن مخرج الْعصبَة الَّتِي تَأتي هَاتين الأصبعين أول خرزة فِيمَا بَين الْكَتِفَيْنِ علمت أَن أصل البلية هُوَ الْموضع الَّذِي تنْبت فِيهِ تِلْكَ الْعصبَة من النخاع فَوضعت على ذَلِك الْموضع الَّذِي تنْبت مِنْهُ تِلْكَ الْعصبَة بعض الْأَدْوِيَة الَّتِي كَانَت تُوضَع على الْأَصَابِع بعد أَن أمرت فَقلعت عَن الْأَصَابِع تِلْكَ الْأَدْوِيَة الَّتِي تُوضَع عَلَيْهَا بَاطِلا فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى برِئ وَبَقِي كل من رأى ذَلِك يتعجب من أَن مَا بَين الْكَتِفَيْنِ يعالج فتبرأ الْأَصَابِع قَالَ وأتاني رجل آخر أَصَابَته آفَة فِي صَوته وشهوته للطعام مَعًا فابرأته بأدوية وَضَعتهَا على رقبته وَكَانَ الْعَارِض لذَلِك الرجل مَا أصف لَك كَانَ بِهِ خنازير عَظِيمَة فِي رقبته فِي كلا الْجَانِبَيْنِ فعالجه بعض المعالجين فَقطع تِلْكَ الْخَنَازِير وأورثه بِسوء احتياطته بردا فِي العصبتين المجاورتين للعرقين النابضين الشاخصين فِي الرَّقَبَة وَهَاتَانِ العصبتان تنبتان فِي أَعْضَاء كَثِيرَة وَتَأْتِي مِنْهُمَا شُعْبَة عَظِيمَة
следующие страницы →