Полный текст (247 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عمرك الله ساعةً حدثينا ... ودعينا من قول مَن يؤذينا
أي: تعميرك الله، وقولهم: جاء زيد وحده أي: أوحد نفسه بالمجيء إيحادا، وقول بعض بني أمية:
دَعْ عنك غلق الباب
أي: إغلاقه. وإذا كان كذلك فقد كان قياسه أن يقول:
أنت تجيب دعوة المضيف
لأنه من الياء لقولهم الضيف، إلا أنه قد جاء نحو هذا، أنشدوا " من الطويل "
ويأوي إلى زُغْبٍ مساكين دونهم ... فلاً لا تخطاه الرفاق مهوب
وقياسه " مهيب "، لأنه من الهيبة، وحكموا أيضا: " رجل مسور به " من السير و " طعام مكول " وهو من الكيل، وأصلها: مكيول وميسور، فحذفت عين " مفعول " وأقرت واوه، وهذا مما يؤكد قوله خلاف قول أبي الحسن، وكذلك قوله " مضوف ".
وفيها:
وكل سهم حشر مشوف
لك في " حشر " قولان. أن شئت قلت أنه أخرج حشراً على أصله، وأصله حَشِر، فأسكن تخفيفا، ويؤكد ذلك أن " فَعِلاً " في الصفات أكثر وأقيس من " فَعْل "، أما الكثرة فمن السماع، واما وجه القياس فلأن
стр. 142
سكون العين هو الأصل، والاسم هو الأول فكثر " فَعْل " في الأسماء، وحركة العين زيادة وفرع، والصفات ثوان وفروع فكثر " فَعِل " في الصفات ليضم الفرع إلى الفرع كما ضم الأصل إلى الأصل، وأيضا فإن " فَعِلاً " بوزن الفعل نحو: علم وسلم، والصفة أشبه بالفعل و " فَعْل " مثال لا يوجد في الأفعال أبدا فلذلك كان في الصفة قليلا منفردا، وإن شت قلت أنه في الأصل " فَعل " ساكن العين إلا أنه اضطر إلى تحريكه وكسره فقال " حَشِر " كما انشده أو زيد:
علامَ قتل مسلم تعبدا ... مذ ستة وخَمِسون عددا
فكسر عين " خمسون " للحاجة إلى إقامة الوزن فكسر ولم يفتح على العرف نحو الخَفَف والحَشَك، له كأنه راجَعَ أصلا، ألا ترى أن " فَعْلاً " قد تجد اصله " فَعِلاً " نحو قولهم في: عَلِمَ، عَلْم، وفي فَخِذ، فَخْذ، فجرى في مراجعة الأصل نحواً من صرف ما لا ينصرف وقصر الممدود.
وفيها:
ولم تَشْظَ حين الغَمْز والتعطّفِ
لام " الشظا " مشكلة، ولا دلالة في شَظِيَ يشظى، الا انهم قد قالوا فيما يساوقه الشُواظ والوشيظة، ولم أرَ هنا الياء، وهذا مذهب كان أبو علي يأخذ به. ومغنى الوشيظ والشظا متقاربان لان الوشيظة قطيعة عظم لاصقة بالعظم الصميم، وهذا نحو الشظا والشظية، فهذا يقوي الواو.
стр. 143
(٤٥) وقال حُدير شاعر بني ذؤيبَة
" من الوافر ":
ألم تعلم بمحبسنا حياشا ... وحيَّ خويلد حتى استقاما
قال: حياش اسم رجل وهو من " ح وش "، وكأنه مصدر سمي به من قولهم: حُشْتُ الصيدَ حَوْشاً وحياشاً، ولو صُغت من " حُشت " اسما غير مصدر لقلت " حواشاً " في " فِعال " منه، ومنه قول العجاج:
يَخْلِطْنَ بالتأنُسِ النَّوارا
فصح، وان كان نارينور معتلا، لانه أراد الاسم لا المصدر، ومثله عندنا تسميتهم الرجل " إياساً " وهو كحِياش من حاش يحوش، لانه مصدر أشبه إياساً، أي اعطيته. أنشدت ابا علي لرؤبة
يا قائد الجيش وزير المجلسِ ... أُسنى فقد قلت رفاد الأوّس
فاستفصحه وقال: لو كان أبو عثمان يصرف له ما زاد على هذا، وذهب السكري في غير هذا الكتاب إلى أن " إياسا " مصدر أيست من كذا، قال أبو علي ﵀: وليس كذلك، وإنما هو مصدر أُسْتُ أي أعطيت كما سموه عَطاءً. وقد تقدم ذكر هذا ولا مصدر ل " أيست " لانه مقلوب من " يئست "، ولو كان أصلا غير مقلوب لاعتل كهبت لكنه صَح لانه في معنى ما صحت عينه وهو " يئست " فاعرفه:
стр. 144
(٤٦) وقال عقيل بن زياد الهذلي
" من الوافر ":
ولو جاريتني لمدى بعيد ... تجرَّدَ لا ألفُّ ولا عَثورُ
أي: تجرد مني رجل لا آلف ولا عثور، وهو الرجل المذكور، وهذا هو الذي كان أبو علي ﵀ يسميه التجريد، ولقد احسن العبارة عنه ونحوه قول طرفة " من الرمل ":
جازت البيدَ إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفورٍ خَدِرْ
وهي اليعفور، وقد تقدم القول على هذا المعنى مستقصى.
стр. 145
(٤٧) وقال عبد الله بن أبي تغلب الهذلي
" من المتقارب ":
أرقت ومالك ألا تناما ... وبت تكابد ليلاً تماما
قد قالوا: ليل التمام، فأضافوه، وقال هنا: ليلاً تماما فوصف به، قال " من الطويل ":
يُسَهَّدُ في ليل التمام سليمُها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
ومثله مما يوصف به تارة ويضاف إليه تارة قولهم: " قدحٌ نضارٌ "، و " قدحُ نضارٍ "، و " سَهْمٌ غَرْبٌ "، و " سَهْمُ غربٍ "، و " عنقاءٌ مُغْرِبٌ "، و " عنقاءُ مغرَبٍ ". وله نظائر وفيها:
إذا الموتُ أن من مَعْشَرٍ ... فئاماً يعود فيُفنى فئاما
قال: الفئام جماعة من الناس، هو عندي من قول زهير " من الطويل ":
стр. 146
ظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قينى قثييب ومفأمِ
ألا تراهم قالوا في تفسيره أن المفأم: المشبع الصبغ، والتقاؤهما انه كأنه جمعت فيه أجزاء من الصبغ كثيرة، وكلام العرب كله جار مجرى الأمثال.
وفيها:
ربيعاُ وصخراً ولا جابراً ... وعِصمةَ أمسوا عظاماً وهاما
ألف " هامة " بدل من واو قياسا واشتقاقا، أما القياس فالحمل على الأكثر، وأما الاشتقاق فلأنَّ الهامة الميت، قال " من الطويل ":
تمتع بليلى إنما أنت هامة ... من الهام يدنو كل يوم حمامها
قرأته على أبي سهل عن السكري، وقرأت عليه عنه أيضا " من الطويل ":
كذلك ما كان المحبون قبلنا ... إذا مات موتاها تزاورُ هامها
والتقاؤهما أن الميت عندهم في حكم النائم، والنائم في حكم الميت، وردت بذلك الأشعار ومطرد الاستعمال، قال " من الطويل ":
ألمّا يئنْ للنائمين انتباهه ... فقد طال ذا نوما وطال بكائيا
وهو كثير جدا، وقد قلوا: هَوَّم إذا نام، أنشدنا أبو على ﵀ لذي الرمة " من الطويل ":
وألا ينال الركب تهويم وقعة ... من الليل إلا اعتادني منك زائر
وقرأت عليه للشنفري، وأنشدناه أيضا أبو بكر المراغي محمد بن علي عن أبي إسحاق " من الطويل ":
стр. 147
فلم تَكُ إلا نبأةٌ ثم هَوَموا ... فقلنا قطاة ريع أم ريع أجدلُ
فهذا واضح كما تراه.
وفيها:
تنال بهم وبأمثالهم ... بحار العلاء ونأبى الظُلاما
أراد الظلامة، فيجوز أن يكون حذف الهاء كما حذفها الآخر من قوله " من الطويل ":
أبلِغ النعمان عن مألُكاً ... انه قد طال حبسي وانتظار
يريد: مألكةٌ، ثم أنه أطلق الروي فألحقه الألف، ويجوز غير هذا وهو أن يكون إبدال هاء " الظُلامة " ألفاً كما أبدل الآخر آلاف من قوله " من الوافر ":
ولاعبَ بالعشي بني بنية ... كفعل الهر تلتمس العظايا
стр. 148
يريد: العظاية، وقال أبو عثمان في " العظايا " انه شبع ألف النصب بهاء التأنيث، فهذا قول، والأول اسلم منه
فبدّل بعد أواري الجياد ... نَفْحَ جنوب تثير الرَّغاما
واحد الأواري: آرى، ومثالها " فاعول " كعاقول وجاروف، وهو من: " أرت القدر تأرى "، اذا التصق بها اسفلها، فإذا كسر قيل أوارى كعواقيل قال " من البسيط ":
إلا الأواريّ لأياً ما أينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
ثم حذفت الياء الأولى المبدلة من واو " فاعلول " فبقى " أوار " كقولهم في " أواقيّ ": أواق، قال:
أواقي سدى تغتالهن الحوائك
ولك تخفيف كل ما كان من هذا النحو مثقلا نحو قولك في: أمانيّ: امان، وفي بخاتيّ: بخاتٍ، وفي اواخيّ: أواخٍ، وفي مصاريّ: مصارٍ.
وفيها:
ولم يُبق منها رثا الهالكين ... ألا تجملها والقَواما
стр. 149
قال: أي مرثيتها اياهم، ينبغي أن يكون وأحدهما رثية كمشية ومشى، ويسرة وسير، يراد به الحال.
وفيها:
ترى الخيلَ حولِِ مناديهم ... رواكدَ متشجراتٍ صياما
ينبغي أن يكون واحد " المنادي ": مندى، وهو النادي أي المجلس، ويجوز أن يكون جمع: مندّى كقوله:
جدب المُندّى شئز المعوَّقِ
وفيها:
على كل شوهاءَ فيّاضة ... ونَهْدِ المراكل يُرى اللجاما
قال: يشرى: يحرك، هو من قولهم: " شرى البرق يشري " إذا اضطرب فلامه مشكلة وقد تقدم القول عليها، وإذا أشكل أمر اللام فحملها على الياء أولى، وانشد ابن الأعرابي " من البسيط ":
وانني حوث ما يُشرى الهوى بصري ... من حوث ما سلكوا أدنو فأنظر
كذا رواه " يشري " بالشين معجمة ورواه غيره: " يسري " بالسين غير معجمة من فوق، ورواية ابن الأعرابي أسَدُّ وأعلى.
стр. 150
وفيها:
فذلك خُطّ لنا في الكتابِ ... ما كان طوقٌ يزين الحماما
" ما " ها هنا مصدر إلا إنها منصوبة على الظرف كقولك: " لا أكلمك ما طار طائر " أي مدة طيران الطائر، ولا يجوز أن ينصبها " خُطّ " لانه ماضٍ، و " ما كان طوق يزين الحماما " مستقبل ولا يحسن ان يتناوله " لنا " لأنها هنا فارغة غير مشغولة لتعلقها ب " خط "، والظرف أو حرف الجر اذا تعلق بالظاهر لم يجز أن يتعلق به غيره، وإذا كان كذلك حملته على مضمر يدل عليه ما قبله وكأنه قال: " هو لنا ما طار طائر "، ويجوز فيه وجه آخر وهو أن يجعل لذلك خبرين أحدهما " خط " والآخر " لنا " على قولهم " حلو حامض "، فإذا كان كذلك علقت " لنا " بمحذوف، وعلقت " ما كان طوق يزين الحماما " بقولك " لنا " كقولك: " هذا لنا أبداً ".
стр. 151
(٤٨) وقال رجل من هذيل يذكر أباه
" من المتقارب ":
نفاني وكنت ابنه حقبة ... غليه أؤول إذا أُنْسَبُ
ينبغي أن يكون الناصب ل " حقبة " ما في ابنه من معنى الفعل، فكأنه قال: كنت منسوبا إليه معروفا ببنوته ومثل ذلك ما انشده لجرير " من الطويل ":
تركت بنا لوحاً ولو شئتِ جادنا ... بعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح
فنصب " بُعيدَ الكرى " بما في ثلج من الثلج لانه بمعنى بارد، وأنشدنا أيضا:
أنا أبو المنهال بعضَ الأحيان
فعلق الظرف بما في أبي المنهال من معنى الحدث كأنه قال: أنا المُجدي أو الدافع والحامي في بعض الأحيان. وإذا جاز لهذا التقدير أن يرفع به الفاعل كان نصبه للظرف أسوغ وأسهل، قال لي أبو علي ﵀ مرةً: الظرف يعمل فيه الوهم مثلا، فمما رفع به فيه الفاعل قوله " من الطويل ":
كأنَّ لنا منه بيوتا حصينةً ... مًسوحاً أعاليها وساحاً كسورها
стр. 152
وكأنه قال: سوداً أعاليها وخضراً كسورها، وله نظائر وقد ذكرت. وقال هذا الرجل أيضا " من الطويل ":
شكوت أميرّ المؤمنين شكايتي ... فكان حباي أنْ جُررت علي فمي
يجوز أن تنصب " أمير المؤمنين " له منادى، ويجوز أن تنصبه لأنك أردت حرف الجر فكأّنه قال: شكوت إلى أمير المؤمنين، فلما حذف الجر وصل بنفسه الفعل كقوله:
بأسرع الشدّ مني يوم لانية ... لما عرفتهم واهتزت اللمم
стр. 153
(٤٩) وقال أبو الحنّان الهُذلي زياد بن عُلبة
" من الوافر ":
نت البيض اللباخيات خَوْدٌ ... يجول وشاحها جُمّ العظام
كان ينبغي أن يقول: جمّاء العظام لأن الموصوف به واحد كقوله:
يَطُفْنَ بجمّاءِ المرافق مكسال
إلا أنه لما كان الجمم للعظام نفسها جاز جمعه إياها واصله " جُمٌّ عظامها " فحذف الضمير من العظام وأودعه الجُمَّ وأقرّ الجمع بحاله حملا على المعنى، ونظير هذا قوله " من الطويل ":
يا ليلة خُرْسَ الدجاج طويلة ... ببغداذَ ما كادت عن الصبح تنجلي
وقول الآخر:
حُمّ العظام خَدلة المُخَدَّمِ
وقول الآخر:
ذرقت حليب الضان جُمّ القوادم
стр. 154
" وفيها ":
سجيس الدهر ما سجعت هتوف ... على فرع من البلد التهامى
القول عندي في " سجيس الدهر " مم هو قد قال ابن الأعرابي فيما رويناه عنه: سجس الماء إذا تغير، ومعنى: سجيس الدهر، بقية الدهر، وبقية الشيء إذا طال انفرادها فسدت، قال " من الوافر ":
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
وقال:
أرى الدهر كنزا كل ليلة
والفساد والنقصان كله ينقاد إلى موضع واحد، وشواهد هذا في النثر والنظم أكثر من أن أحصيها، فهذا يكشف معن " سجيس الدهر " فأعرفه.
وفيها:
تَسَدَّت بي جواز البيد وحدي ... إلى جمل دُجى ليلٍ التمام
بلا هادٍ هداها ما تَسَدّى ... إليها بين أثلة والقدام
" ما " هنا استفهام، وأراد: تتسدى فحذف التاء الثانية كقولك: أنت تذكَّرُ أي: تتذكر، فحذفت التاء الثانية لدخول تاء المضارعة عليها.
стр. 155
(٥٠) وقال رجل من هُذيل
يا ربِّ أشقاني بنو مُؤمّلِ ... فارمِ علي قفّانهم بَمنْكَلِ
قال " قفانهم ": جماعتهم، ينبغي أن يكون " قفّان ": فَعْلانا من قولهم: قَفَّ يقفّ إذا يبس واجتمع، وحدثنا بعض أصحابنا قال: نزل معاوية بامرأة فقال لها: هل عندك من قِري؟ فقالت: نعم، خبز خَمير، وماء نمير، ولبن وغير، فلما أكل قال لها: سلي حاجتك، فسألته في الحي أجمعين فقال: ليس هكذا قلت لك، فقالت له: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تنزل واديا فتترك أسفله يرف وأعلاه يقف. فلو كان قفّانَ " فَعَالاً " لكان من لفظ قولهم: شادة " قفية " أي: قفيّة إذا ذبحت حتى ينفصل قفاها، ولا تكون النةن في " قفينة " بدلا من ياء " قفيّة " كما قالوا: أتانين في أتانيّ؛ لانهم قد صرفوا فعلها فقالوا: قفيت الشاة أقفيها قفياً.
стр. 156
(٥١) وقال عبد الله بن مسلم بن جُنْدب
" من الطويل ":
فقولوا لها قولا رفيقاً أعلها ... سترحمني من زَفرةٍ وعويلِ
كان ينبغي لاختصاص " لعلّ " بالاستقبال ألا يجمع بيتها وبين السين كما لم يجمع بين " إن " والسين وسوف، وكذلك " إن " إذا لم تكن أيضا " من الطويل ":
لعلك إنْ دَهْرٌ أصابك صرفه ... ستذكرني يوماً إذا ذًقْتَ دائيا
وقال عبد الله أيضا " من البسيط ":
لكنه شاقه أنْ قيل ذا رَجَبٌ ... يا ليت عدَّةَ حولي كله رجبا
يحكي الكوفيون: " ليت زيدا قائما " على أن " ليت " هي الناصبة للاسمين جميعا، عندنا نحن بخلاف ذلك، بل هي عندنا على بابها من نصب الاسم ورفع الخبر، فأما ما أنشده صاحب الكتاب من قوله:
يا ليت أيامَ الصبا رواجعا
стр. 157
فانه حمله على فعل محذوف. قال كأنه قال: " أقبلت رواجع "، فكذلك هذا أيضا كأنه قال: يا ليت عدّة حولي كله بدلت أو سميت رجبا.
وقال عبد الله أيضا " من الطويل ":
وجَنَ عليك الليل دانٍ رواقه ... وراعيت للهم النجومَ الدوانيا
يجوز أن يكون " دانٍ " في موضع نصب وأراد " دانيا رواقه " إلا أنه أجرى المنصوب مجرى المرفوع والمجرور كقوله
يا دارَ هِنٍ عفت إلا أثافيها ... بين الطوى، فصارات فواديها
وقوله " من المتقارب ":
إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدْرَ القناة أطاع الأميرا
وقوله " من الرجز ":
سوّى مساحيهن تقطيط الحقق تقليل ما قارعن من سم الطرق وهو كثير جدا. ويجوز أن يكون تقديره: وجن عليك الليل رواقة دان، يجعل الجملة في موضع الحال، ثم قدمت الخبر على المبتدأ كما تقول في الصفة: مررت برجل قائم أبوه، يريد: أبوه قائم، ثم قدمت.
وفيها:
مع الشَّوْقِ يوم الأربعاء لقيتها ... فما بال يوم الأربعاء وماليا
стр. 158
قال: فلما سمع أبو السائب المخزومي بهذا البيت قال: لا بل ما باله وبال يوم الأربعاء. ينبغي أن تكون ألف " بال " منقلبة عن واو لامرين، أحدهما: انها عين، وهذا واضح، والآخر: انه من معنى البول وان غمض الطريق إليه، وذلك انه معني ما حالك وما بالك سواء، ويقال: هو بحال سوء وبال سوء، والحال: الحمأة وكأنها سميت لاستحالتها ونتنها، وقد ساغ عنهم أن الاستحالة مصروفة إلى التغير والكراهة كقولهم: قد استحال فلان عن المودة أي فسد بعد صلاح، ولا يقال: قد استحال فلان عن القطيعة إلى الصلة، ولا عن الشر غلى الخير، وإذا ثبت بذلك أن الحال في أكثر أمرها إلى التغير المقترن بالفساد، وكان البال بمعنى الحال لم يمتنع أيضا أن يكون من معنى البول لفساده كما إن الحال هي من معنى الحمأة، وقد تقصيت هذا الفصل في موضع آخر من كلامي وتعليقي.
стр. 159
(٥٢) شعر أبي صخر
قال " من الطويل ":
تعزيت عن ذكر الصبا والحبائبِ
فيها:
ولو انهم قالوا لقد كنت مرة ... عرفت ولم أنكر جواب المجاوب
قال: أراد كنت تحبهن فكيف تنهانا. إذا استضعف من جهة السماع ومن طريق القياس جميعا حذف خبر " كان " وقلما مَرَّ بي منه، ووجه ضعفه من قبل القياس أن خبر " كان " إنما لزمها ليفاد منه الحدث المخترم منها، ألا ترى انك إذا قلت: " كان زيد قائما "، فإنك إنما استفدت الحث الذي هو القياس من قائم لا من " كان "، ف " كان " خبرها جميعا يفيدان ما يفيده الفعل مجردا بنفسه. فكما لا يجوز انفكاك الفعل من دلالة الحدث إلا في هذه الأفعال التي لزمها أخبارها أعواضا مما جردت منه من أحداثها، أعني كان وأخواتها من نحو: أصبح وأمسى وبقية الباب، فكذلك لا يحسن حذف خبر " كان " لما ذكرت لك، وليس كذلك خبر المبتدأ لانه لم يؤت به عوضا من حذف مخترم فيلزم ترك حذفه كما يترك خبر الحديث من المثال المصوغ لتحصيل الحدث في أحد الأزمنة وهي المثل التي يسميها النحويون الأفعال. فهذا وجه امتناع حذف خبر " كان " وأخواتها من طريق القياس، فإن جاء فيها شيء من ذلك فهو لامرين، أحدهما: انه في الأصل خبر المبتدأ وقد ساغ واطرد حذف خبره، والآخر: انه قد شابه المفعول بانتصابه بعد المرفوع، والمفعول سائغ شائع حذفه.
стр. 160
وفيها:
فإن يلبسوا بُرْدَ الشبابِ وخاله ... وأغتدِ في أطمار أشعت شاحبِ
عين " الحال " ياء لانه من الخيلاء قال: والخال ثوب من ثياب الجُهَال.
وفيها:
قصار الخطى شم شُموس عن الخنا ... خدال الشَّوى فتح الأكفِّ خراععبِ
شُموس: شامسة كقاعد وقعود، كسَّره على حذف الزيادة، ويجوز أن يكون جمع " شَموس "، فقد كسروا " فَعِيلة " على " فُعول "، أنشد الفراء " من الوافر ":
وذبيانية أوصت بنيها ... بأ كذبَ القراطفُ والقطوفُ
وقال: هو جمع قطيفة، ومثله: منيئة ومُنُوء، وسفينة وسفوف، و " فَعول " أخت " فَعيل " كسروا أيضا " فَعول " على " فُعول ".
كمورِ السُقي في حائر غَدق الثرى ... عذاب اللمى يُحبين طَلَّ المناسبِ
قال: السُقي، التي تسقي الماء، ينبغي أن يكون " السقي " جمع سُقيا،
стр. 161
وهو على حذف المضاف كأنه قال: كمور ذوات السقي، ثم أقام المضاف إليه مقام المضاف وفيها:
فلا تغتبط يوما بدنيا ولو صفت ... ولا تأمنن الدَّهرَ صَرْفَ العواقبِ
نكر " دنيا " وهي تأنيث الأدنى، وأنت لا تقول في الصغرى صُغرى، ولا في الكبرى كبرى لكنه لما كثر استعمالها اسما شبهت بغيرها من الصفات نحو الرجعي والعذري والعمري، وقد قال العجاج:
في سعي دنيا طالما قد مَدّت
وحكي ابن الأعرابي فيها الصرف، وقال أيضا: شهبوها ب " فُعْلَل ". الصرف يدل على تنقل حالها وبعدها عن حكم أخواتها.
وفيها:
فَحرّ على سيف العراقِ ففرشه ... فأعلام ذي قوس بأدهم ساكبِ
عين " السيف " ياء كما ترى، ويدل عليه قولهم في جمعه: أسياف، فهذا كنيق وأنياق، وريق وأرياق، قالوا ومنه قولهم: درهم مُسيّف، لأنه لا كتابة حوله كما أن السيف أجرد لا يُنبت شيئا، ومنه عندي قولهم: السيف، لانصلاته وانجراده.
فلمّا علا سودّ البصاقِ كفاتُه ... تُهيب الذرى منه بِدُهْمٍ مقارب
فجلل ذا عَير فالإسناد دُونَه ... وعن مخمص الحُجاج ليس بناكب
стр. 162
ويروى: ذا عنز، وكلاهما جبل، والبقة الحرة. إن شئت جعلت جواب " لمّا " تهيب وكان لفظ المضارع في معنى الماضي كأنه قال: أهابت وجعلت على هذا قوله: فجلل عطفا على " أهابت " الذي تهيب في موضعه، وإن شئت جعلت " يهيب " حالا منه وجعلت الجواب قوله: " فجلل "، واعتقدت زيادة الفاء. أي: فلما كان ذلك جلل، وزيادة الفاء مشهورة قد مضى صدر منها في صدر هذا الكتاب. وأما قوله: " وعن مخمص الحجاج ليس بناكب " ففيه دليل على جواز تقديم خبر " ليس " عليها، ألا ترى أن " عن " هنا متعلقة بناكب الذي هو خبر " ليس " وقد قدمه عليها، وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل، ومثله قول الله سبحانه: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم)، ف " يوم " متعلق بمصروف، ويحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون " يوم " متعلقا بما دل عليه: (لَيْسَ مَصْروفا عَنْهُمْ). ألا ترى أن معناه: يوم يأتيهم يحيق ويقع بهم كما أن قوله تعالى: (يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لا بُشْرى يومئذ للمُجرمين) في معنى: يوم يرون الملائكة يساؤون ويحزنون، والآخر: أن يكون (يوم يأتيهم) متعلقا بنفس " ليس "؛ لانه إذا جاز أن ترفع وتنصب للفظها كذلك يجوز أن يتعلق الظرف بها أيضا للفظها. قال لي مرة أبو علي ﵀: الظرف يعمل فيه الوهم مثلا، وكذلك أيضا يكون قوله: " وعن مخمص الحجاج ليس بناكب "، في معنى عن مخمصهم لا ينكب فيتناوله ما دل عليه قولهم " ليس بناكب "، وإن شئت أيضا علقته بنفس " ليس " لأن حرف الجر يجري مجرى الظرف في تناوله أضعف العوامل، ألا ترى إلى قولهم: " هذا مارٌ بزيدٍ أمسِ " فتعلق الباء باسم الفاعل وإن كان ماضيا، ولكن كما جاز أن تعلق به أمس كذلك جاز أن تعلق به الباء، وقد مر بي للجحاف " بن حكيم " السلمي " من الطويل ":
стр. 163
أبا مالك هل لمتني مُذ حضضتني ... على القتل أم هل لامني لك لائم
وفيها:
يميل قفازاً لم يك السيل قبله ... أضَرَّ بها فيها جباب الثعالبِ
" القفاز ": الصخور واحدتها قفازة، ويروى " قفاز "، وهو مكان، ويروى " جحاش الثعالب " أي أولادها. أراد لم يكن السيل فحذف النون لالتقاء الساكنين وكان قياسه إذ كان موضعا تتحرك فيه النون إن يقرها لقوتها بالحركة ولا يحذفها، ألا ترى أنّ من قال: " لم يك زيدٌ قائما " إنما يقول: لم يكن الرجل قائما، فيحرك النون ولا يحذفها على أنه قد جاء نحو هذا محذوفا، روينا عن قطرب في كتابه الكبير " من الرمل ":
لم يك الحق سوى إن هاجه ... رسم دار قد تعفّى بالسّرَر
أراد: ولم يكن الحق، فحذف، وأن كانت النون متحركة، ووجه ذلك عندي شيئان، أحدهما: أن يكون قَدّر حذف النون قبل مجيء الساكن بعدها، فلما جاء الساكن من بعد أمضاه على سبق الحذف إلى ما قبله كما قال أبو بكر في قول من قال: " هذا القاضِ " بلا ياء إنه حذف الياء قبل
стр. 164
دخول اللام أقرّ الحذف بحاله لأنه ألحقها حرفا قد حذفت ياؤه، ومثله قوله أيضا في قوله " من الوافر ":
وطرتُ بمنصُلى في يعملات ... دوامي الأيدِ يخبطن السريحا
إنه الحق اللام " أيد " فأقر حذف الياء على ما كان عليه، وقوله أيضا في قوله " من الكامل ":
كنواحِ ريش حمامةٍ نجدية ... ومسحتِ باللثتين عصفَ الأثمد
ألحق الإضافة بعد أن حذف الياء فبقيت بحالها محذوفة، فهذا وجه، والآخر: أن يكون لم يعتد حركة النون لالتقاء الساكنين فعلم إنه متى حركها لم يغن عنده شيئا وكانت حركة التقاء الساكنين في حكم السكون بدلالة قولهم: اردد الباب، واحلل الحبل، وغير ذلك. ومثل الحذف ها هنا مع الحركة أيضا قول بعض بني أسد " من الطويل ":
فاِلاُّ تك المرآة أبدت وسامةً ... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وفيه ضرورة أخرى وهي إنه حذف النون مع إدغام اللام فيما بعد، وذا أشد، ألا ترى إن من قال في بني العنبر: بلعنبر، وفي بني الحارث: بلحارث، لم يقل في بني النجار: بنّجار، لئلا يجمع بين الإعلالين: الحذف والإدغام؛ ووجه جوازه عندي على قلته وضعفه إن إدغام حرف
стр. 165
التعريف لا يكاد يُعتد ألا ترى إنه قد يدغم في أماكن كثيرة لو كان غير لام التعريف فيها لم يدغم نحو التبْن، فتدغم لامه في التاء ولو كانت غير لام التعريف لم يدغم نحو: التفت والتفات والتقاء، وكذلك الطلب، فتدغم، وتقول: " هل طلبت؟ " فلا تدغم وكذلك الثقال، فتدغم، وتقول: هل ثبت؟ فلا تدغم، فلما كثر إدغام لام التعريف في الأماكن التي يظهر فيها غيرها كانت المعاملة كأنها مع الأكثر الذي هو الإظهار، وسقط فيه لما ذكرنا حكم الإدغام، فصار لذلك قوله: لم يك السيل، كقوله: لم يك المطر، فلم يبق فيه حكم للإدغام وبقى الاعتذار من الحذف.
وفيها:
رفعت له صَدْري وأيقنت أنه ... أزامل نجم حاله غير كاذب
" الأزامل ": الأصوات. القول فيه عندي إنهم سموا الصوت أزملاً من الزميل وهو الرديف، والتقاؤهما إن الرديف يأتي بعد الراكب كما إن الصوت تتبعه حَنَّةٌ إن كان ذا حنين أو صدى يعارضه تابعا له ولاحقا به، فمن هناك التقاؤهما.
وفيها:
ليروي صدى داود واللحد دونه ... وليس صدى تحت العِداء بشارب
ينبغي أن يكون لام " الصدى " ياء لاستمرار الإمالة فيها، وأما " داود "
стр. 166
فيجوز همز واوه للزوم الضمة لها فتقول: " داؤد " فإن كسّرته بعدما همزته فقياسه عندي إن تقر همزته بحالها ولا تردها إلى الواو وإن كانت الضمة قد زايلتها فتقول: دوائيد بوزن دواعيد، وكذلك أيضا تجيز في طاووس إن تهمزه فتقول: طاؤوس، فإن كسرت قلت: طواويس. وليس الهمز لاكتناف ألف التكسير الواوان لو كان ذلك لصحت الواو لبعدها عن الطرف بالياء كما صحت في طواويس لبعدها عنه بالياء، لكن لما دخل العين من الهمز في الواحد، فإن قلت: فكيف أقررت الهمزة وقد زالت الضمة التي عنها كان وجوبها؟ قيل: إن العين إذا قلبت همزة جرت لقوة العين مجرى الهمزة الاصلية، ولذلك قال سيبويه في تحقير قائم: قويئم، قال: فأجريته مجرى همزة سائل، وعلى ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم في قلب أدؤر: آدُر ولم يقل مع زوال الضمة: أوْدر، أفلا ترى كيف أجرتها العرب لأنها عين مجرى همزة أرؤس إذا قلت آرُس، فعلى هذا تقول في داود إذا همزته دوائيد بون دواعيد فأعرف ذلك. وأما قوله " دونه " فإنه ظرف في موضع الحال من " اللحد " أي: ويروي اللحد معترضا دونه أو حائلا دونه كقولك: " مررت بزيد وعمروٌ عنده "، ف " عنده " في موضع نصب لكونه حالا من عمرو وذلك أن الظرف يجري صفة على النكرة، وما جرى على النكرة صفة جرى على المعرفة حالا كقولك، مررت برجل قائم، ومررت بزيد قائما. قال أبو سعيد: والعداء الصخر الذي يوضع على القبر. لام " العداء " واو لأنه يعدو عنه ما يلم به أي يثنيه ويصرفه، ولأن بعضهم قد قال فيه: " عِدْوٌ " بوزن: جرو.
ولكن يقر العين والنفس أن ترى ... بعقدته فضلات زرق دواعب
стр. 167
نصب " النفس " بفعل آخر مضمر كأنه قال: يقر العين ويطيب النفس كقوله " من الكامل ":
فعلا فروع الأيهقان وأطلقت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها
أي: وأفرخت نعامها. وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد أبن يحيى " من الطويل ":
تراه كأنَّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه أمسى له وفر
أي: ويفقأ عينيه، وقرأت عليه أيضا عنه:
تسمع للأجواف منه صَرَدا ... وفي اليدين جُسْأةً وبَددا
أي: وترى في اليدين جساوةً، والمشهور في هذا: متقلدا سيفا ورمحاً، وقرأت على أبي بكر أيضا عن أحمد بن يحيى:
стр. 168
علفتها تبناً وماء بارداً ... حتى شتت هَمّالةً عيناها
أي: وسقيتها ماءً بارداً. وأما " فضْلات " فإسكان عينها وهي اسم لا وصف ضرورة، أنشدنا أبو علي لذي الرمة " من الطويل ":
أبت ذِكَرٌ عَوَّدْنَ أحشاءَ قلبه ... خفوقاً ورفضات الهوى في المفاصل
وقال الآخر " من الطويل ":
ولكنَّ نَظْراتٍ بعينٍ مريضةٍ ... الآل اللواتي قد مضَلْن بنا مَثْلا
وقول الآخر " من الطويل ":
فراعَ ودَعْوات الحبيب تروع
وأنشدني بعض أصحابنا " من الرجز ":
عَلَّ صُروفَ الدهرِ أو دُولاتِها ... تُديلنا اللمَّةَ من لَمّاتِها
فتستريحَ النَفس من زفْراتها
الغرض: زَفَراتها.
وفيها:
فعجلت ريحان الجنان وعُجّلوا ... زمازيم فوّار من النار شاهِبِ
اراد: " فعجل لي ريحان الجنان، وعجل لهن زمازيم فوّار "، فقلب للعلم بالموضع، والقلب كثير منه قوله:
أسلموها في دمشق كما ... أسلمت وحشية وَهقا
стр. 169
ومنه قوله:
ما أمسك الحبلَ حافرُه
ومنه:
أوبلغت سوآتِهم هَجَرُ
ومنه: " إذا طلعت الشعري واستوى العودُ على الحِرباء "، وشاهب أراد أشهب، فبناه على " فاعل " وقالوا شيء ثاقل بمعنى ثقيل، قال وروينا عن الفراء:
ممكورة غرثي الوشاح السالس ... تضحك عن ذي أشر غضارس
يريد: السلس، وقرأت على أبي سهل أحمد بن زياد بن محمد عن السكري " من الطويل "
بمنزلة أما اللئيم فسامِنٌ ... بها، وكرام الناس بادٍ شحوبها
ومثله قول كثير " من الطويل ":
وصفراء رعبوب كأنّ وشاحها ... على ناعم من غاب دجلة غاري
أراد: أغير، فهذا يجوز أن يكون فعلاً كقولهم: كبش صاف ويوم راحٌ، ويجوز أن يكون أراد غائرا فقلب، كشاكٍ ولاثٍ.
وقال أبو صخر أيضا " من الكامل ":
بكر الصبا منا بكور مزايل
стр. 170
فيها:
وعنائبٍ غَدَوية تندى ضحىً ... وغياطل للهو بعد غياطلِ
أراد: عنائب، يريد السراب، ويروي: جنائب يريد ريح الجنوب. يجوز أن يكون " عنائب " جمع عنبيّة يريد الخمر وكان يجب إذ كسر على مثل بُختيّة وبخاتي أن يكون عنابيّ إلا إنه في التقدير خفف فصار: عَنابٍ كمهريّة ومهارٍ، وبختية وبخاتٍ، فلما صار إلى عنابٍ قلبه فصار: عنائب، فقياسه على هذا إن لا يهمز لأنها ياء متحركة في الأصل إذا قلت عنابيّ أو خففت فقلت رأيت عنابي، وليست بهمزة عرضت في الجمع، ومثله من الجمع حمار مصريّ وحمير مصاريّ، روينا ذلك عن محمد بن حبيب، وزعم إنه أخبر به أبن الأعرابي فكتبه عن محمد حكاه له أبن حبيب عن أبي ثوبة، ومثله من المقلوب ما رويناه عن أبي علي يرفعه إلى يعقوب " من الطويل ":
لقد أورثتني يوم قَوّ حزازة ... مكان الشجا تجول تحت الترائق
أراد: التراقي جمع ترقوة، إلا إنه هكذا روى الترائق بالهمز، وقياس هذا أن يكون هذا عنائب بالهمز. و " غذوية " منسوبة إلى الغداة أول النهار وفيها:
جاوزتنا بقلي اللذات الصبا ... وأذى وأقذار وشيب شامل
لام " أذى " ياء عندي لاطراد الإمالة فيه، ولأنها لام، والياء أغلب على اللام من الواو، وإن علقت اللام في " اللذات " بنفس " قلى " فلا ضمير
стр. 171
فيها لتعلقها بالظاهر، وإن جعلتها وصفا ل " قلى " ففيها ضمير لتعلقها بالمحذوف، ولام " قلى " ياء لقوله:
قالت سُليمى إنني لا أبغيه ... أراه شيخاً عارياً تراقيه
محمرة من كبر مآقيه ... مقوساً قد ذرئت مجاليه
يقلى الغواني والغواني تقليه
ولام " الصبا " واو لإنه من " صبوت ".
وفيها:
وبسحبة تغشى السواد وعشوة ... مالي عدمتك من رفيق خاذل
قال: سحبة غشاوة على بصره، ينبغي أن يكون " سحبة ": فُعْلَة من سحبت الشيء كأنه ينسحب على ناظره وهو قريب من لفظ " السُحْمة " ومن معناها؛ لأنه شيء يسودّ له ما أنار وأضاء من بصره، ولام " تغشى " ياء وليس من لفظ الغشاوة لقوله سبحانه: " ينظرونَ إليكَ نَظَرَ المغشيّ عليه من الموتِ "، ولا أحد يقول مغشو في هذا المعنى، ومنه قولهم: الغشى لغشاء الشيء ولا تحمله على قِنية لقلته.
وفيها:
يهذي وتشهره العيونُ ومُخُّهُ ... رارٌ، وليس بما يريد بنابل
عين " رار " ياء لقوله:
стр. 172
أقول بالسبت فويق الدير ... إذ أنا مغلوب قليل الغير
والعظم مني باديات الرير
هكذا رووه بفتح الراء، ويقال: رار المخ واراره الله أي أذابه. قال " من الوافر ":
أرار الله نقيك في السُلامى ... على من بالحنين تعوّلينا
بل قد أتاني ناصح عن كاشح ... بعداوة ظهرت وزَغْر أقاول
قال: " زغر " كثرة، وهذا مما كنت قدمت ذكره من مقاربة اللفظ لمقاربة المعنى، ألا ترى إلى قرب الخاء من الغين وقد قالوا: زخر الوادي، إذا كثر ماؤه، فمعنى الكثرة شامل لهما إن الخاء أرطب صوتا من الغين فكأن الماء خصّ بها لذلك، وإذا تفطنت لذلك وجدت فيه معاني لطاقاً غامضة فلا ترين إن في هذا المذهب جوراً وتعسفاً، فإن في هذه اللغة من اللطائف ما يجفو هذا في جنبه فقد مر بنا كثير منه وسيأتيك في هذا الكتاب طرف من نحوه.
وتنلك أظفاري ويبرِك مسحلي ... بَرْيَ الشَّيب من السِراء الذابل
ينبغي أن تكون لام " السراء " واوا وذلك لأنه الشجر الذي تعمل منه القسى، فإن شئت قلت لا يتخذ إلا من أسرى الخشب وأجوده، كما تقول من إكرامه، وإن شئت كان من سراة الشيء لأنه ينبت في سراة الجبل وهو أعلاه، وسراة من الواو لقوله " من الطويل ":
стр. 173
وأصبح موضوع الصقيع كأنه ... على سوات النيب قطن مندف
وفيها:
تجلو عن أوجه جنَّةٍ وكشوحها ... أو عن مها بلق بجوٍّ باقِلِ
ألف " مها " واو لأنه في الأصل البلَّور، ويقال البَلّور، ثم شُبّه النجوم بها وبقر الوحش أيضا لبياضهما، ويدل على إن ألف " مها " بدل من واو إنه من معنى الماء لبياض البلُورة وصفائها، وقد قالوا: موهتَ عليّ، إذا حَسَّنَ حديثه وجعله كأن عليه ماءً، وقالوا في تكسيره: أمواه، وتحقيره: مُويه، وقالوا: ماهت الرَكيّة تموه، وقالوا: تماه، وحكي أبو زيد ماهت تميه ميهاً. وظاهر هذا إنه من الياء لا من الواو، وينبغي أن يكون بدلاً للياء من الواو لضرب من التخفيف، وأصل هذا أن يكون ماه يميه من الواو " فَعِل يَفْعِل " كحسب يحسب في الصحيح كما قال الخليل ذلك في تاه يتيه، وطاح يطيح إنهما " فَعِل يفعِلُ " من الواو، فلما جرى في الكلام ماه يميه، أشبه لفظه لفظ باع يبيع، فقال في مصدره ميهاً اتباعاً للفظ وجنوحا إلى خفة الياء، ف " المها " إذنْ مقلوب، ومثاله " فَلَعْ " من الماء. وحكى صاحب الكتاب: مًهاة ومًها لماء الفحل، وهذا أيضا عنده مقلوب لأنه من الماء ماء الفحل نفسه، وقوله عن أوجه بوجوب التخفيف يدل على إن الشعر قد يبنى على أحد الأمرين: التخفيف البتة، والتحقيق البتة، وفي هذا شاهد لإجازة ما حظره الخليل وأجازه أبو الحسن من إن يجوز: أيسيء مع يسوء قافيتين في قصيدة، ألا ترى إنه إذا بنى البيت على تحقيق الهمزة كما بناها هذا الآخر على تخفيفها البتة، صحَّ الرويان فلم يختلفا، ونظير هذا مما بُني فيه الشعر على التخفيف البتة ما أنشدناه أبو علي ﵀ لذي الرمة " من الطويل ":
стр. 174
من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازيا
فقوله: منال وزنه " فَعول " فلو حققت فقلت: " من آل " لكان وزنه " مفعول " وهذا لا يجوز في الطويل، وهكذا رووه " من آل " بالتخفيف ومثله بيت الأعشى:
هؤلي ثم هؤلي كلاً أعطي ... ت نعالاً محذوةً بمثال
فقوله: " كل لنع طي " وزنه " فاعلاتن "، ولا بُدَّ فيه من تخفيف الهمزة، وقد تقصيت هذا الموضع في كتابي " المُعْرِب " وهو كتاب تفسير القوافي عن أبي الحسن. و " جنة " ينبغي أن يكون جمع جان، كُسّر " فاعل " على " فِعْلَة " كما كسر " فعيل " عليها في صبيّ وصبية وعليٍّ وعليه، وقد يكون مصدرا لقوله سبحانه: " أم به جِنّةٌ " أي: جنون. وقوله: " باقل " يريد " مبقل " يقال: أبقل فهو باقل، وأورس فهو وارس، وأغضى فهو غاض، وأدلى فهو دالٍ، وذلك فيما جاء على " أفْعَل " فهو فاعل، وقد قالوا: مُبقل، قال دُؤاد بن دًؤاد، وقد قال له أبوه: يا بني ما أعاشك بعدي؟ فقال:
أعاشني بعدك وادٍ مُبْقِلُ ... أكُلُ من حَوذانه وأنْسِل
وقال أبو صخر أيضا:
стр. 175
أرقت لطيف من علية عامدِ ... ونحن إلى أذَراء خُوضٍ هواجدِ
قال: أذراؤها ما أُستذري به أي استتر به من الريح، لامه واو؛ لأن واحده الذرا مقصور، وهو من لفظ " الذروة " ومعناها، وقوله " علية " هي من تأنيث " علي " جعلت علماً، فقد يجوز أن تكون من قول القطامي " من البسيط ":
أمْسَتْ عُلَيّةُ يرتاح الفؤاد لها ... وللرواسم فيما دونها عمل
تصغير عَلية هذه، وأصله عُليّية، فلما اجتمعت ثلاث ياءات وسطاهن مكسورة ثَقُلَتْ فحذفت الآخرة كما قالوا في تحقير أحوى: أُحَيّ، وفي تحقير سماء: سُميّة، وحكى أبو الحسن أن قوما ذهبوا في نحو: عطاء وعُطيّ، إلى إن المحذوفة من الثلاث هي الوسطى، قال: وهو وجه، أو كلاماً هذا نحوه، فهذا وجه في تكسير " عُلَيّة ". ووجه ثان. وهو أن يكون تحقير " علوة " فيكون كشكوة وشُكيّة؛ ف " عُلية " على هذا فُعَلية، وفي القول الأول " فُعيّة "، ومن رأى أن المحذوفة من الثلاث هي الوسطى فوزنها أيضا " فُعلية "، فأما في كيل التحقير من غير تحرير التصريف فوزنه " فُعَيلة " في جميع الأقوال، فإن قلت فقد قال في اللامية " من البسيط ":
ألمحةّ من سنا برق رأى بصري ... أم وجه عالية اختالت به الكِلَلُ
فلا يجوز أن يكون " عُليّة " تحقير " عالية "، إلا إن تحمله على تحقير الترخيم كقولك في فاطمة: فُطيمة، وكأنّ هذا أوجه من القولين الأولين؛ لأنه قد جاء بالتكبير مع التحقير في قصيدة واحدة، فحكم أحدهما على صاحبه.
стр. 176
وفيها:
قطعن مُلاّ قفراً سوى الرُمْد والمها ... وغير صدّى من آخر الليل صاخدِ
قال: صاخد صائح، صَخَد يَصْخَد، لام " مُلا " واو لأنه ما أتسع من الأرض وقالوا: الملوان: الليل والنهار، والملاوة من الدهر ما اتسع من الدهر، وقوله " وغير صدى " محمول على المعنى لأن قوله " قفرا سوى الرمد " في معنى غير الرمد فحمل المعطوف على المعنى كما قال أبو الحسن في قول الله سبحانه: " أو كالذي مَرَّ على قريةٍ "، قال: قيل إنه محمول على المعنى لأن معنى قوله " تعالى ": ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربه "؛ أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مَرَّ على قرية، والحمل على المعنى كثير جدا في الإيجاب وضده، وقد ذكرنا صدرا منه وستراه.
وفيها:
ينوش بصلت الخد أفنان غيلة ... تدنت دواني عيصها المتقاودِ
عين " عيص " ياء كما ترى؛ لأنهم قد قالوا في تكسيره: أعياص، فأما قولهم: " اعتاصت الحاجةُ "، فمن العوصاء وهي الشدة، وذلك إنها إذا تعذرت اشتدت، وقد قيل فيها: العيصاء، فهذا من العيص كأنها نشبت فلمتنحلّ كما ينشب العيص بعضه في بعض، واجتمعوا كلهم على أمر عويص بالواو البتة، أنشدني بعض أصحابنا برواية لبعض جَرْم " من البسيط ":
وأُبْطِرُ الخصم ذا العوصاء حجَتُه ... حتى يلجلج بين العي والحصر
وضَمَت على رَقو أغن من التقا ... دميث الرُبا حُرٍّ فُضول المجاسد
стр. 177
قالوا: الرقواء الكثيب، شبه عجيزتها به، لام " النقا " من الرمل فيها قولان: الياء والواو، لقولهم: نَقَيان ونَقَوان.
بأطيبَ نَثْرا من سُليمى وغرّة ... إذا ما سقى كأس الردى كل راودِ
ذكرَّ فعل الكأس لأنه إنما يريد الردى نفسه، وهو مذكر ولا كأس في الحقيقة هناك، ونظيره كثير.
فما روضة بالحزم طيبة الثرى ... ولتها نجاء الدلو بعد الأباردِ
قالوا: الحزم أغلظ من الحزن، فهذا مما عرفتك من تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، فكما أن الميم أقوى لفظا من النون فكذلك الحزم أغلظ من الحزن، ولهذا صرفوا " الحَزْنَ " فاستعملوه في الحزن لأنه عرض وهو دون الجوهر، ولم يستعملوه بالميم إلا في الغليظ من الأرض، ولام " النجاء " واو لأن واحده " نَجْوٌ " وقد جمعوه " نُجُوا، أنشد الرواة " من الوافر ":
أليس من البلاء وجيب قلبي ... وإيضاعي الهموم مع النُجُومِّ
وليس في كلامهم " فُعول " جمعا ولامه واو صحيحة إلا أحرف وهي هذا نَجْوٌ ونُجُوّ وحكى سيبويه: إنكم لتنظرون في نحو كثيرة جمع نحو، وحكى أبو زيد في الصدر: " بَهْوٌ وبُهُوٌ، وحكى ابن الأعرابي: أَبٌ وأُبُوّ، وابْنٌ وبُنُوٌ، وأنشد للقاني يمدح الكسائي " من الطويل ":
أبي الذمُّ أخلاق الكسائي وانتمي ... من المجد أخلاق البُوِّ السوابقِ
стр. 178
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
هل القلب عن بعض الدجاجة نازع
فيها:
وإذْ لم يَصِحْ بالبين وبينها ... أساحمُ منها مُسْتَقِل وواقعُ
كَسَّرَ الصفةَ تكسير الاسم، يريد غربانا سُحْما أي سودا، وكأنه استعمله أيضا كما قالوا: الأحامرة جمع أحمر، وكما قالوا: الأساود والأداهم والأجارع.
وفيها:
فأدِّ لها ما استودعتك مُوَفَّرا بأحسن ما كانت تُؤدى الودائعُ " بأحسن " في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: فأدِّ لها ذلك أحسن ما تُؤدى الودائع، كقولك: قمت أحسن قيام، وجلست أحسن جلوس، فالباء على هذا زائدة.
وفيها:
إذا رمتُ يموما صَرْمَها لم يَزْل لها ... نصيحٌ يُصاديتي من القلب شافعُ
لام " يصاديني " عندي بالياء، وذلك أن معناه: يداريني، وكأنه يعارضه مرة منهنا ومرة منهنا من " الصدي " الذي يعارض الصوت ولام " الصدي " ياء لاستمراره الإمالة فيها، وقالوا: هو يصاديه ويداريه ويُداليه ويُداجيه ويفانيه، فلام " يصاديه " ياء كما مضى، وكذلك يداريه كأنه يختله بالرفق به فهو من قوله " من الطويل ":
فإن كنت لا أدري الظباء فاتني ... أدُسُّ لها تحت التراب الدواهيا
стр. 179
ومن هنا لم يجز عندنا أن نطلق على القديم سبحانه: أنه دار، كما يقال فيه عالم وذلك أن معنى " دريت الشيء " من معنى " دريت الصيد "، وذلك أن معنى " دريت به " أي: تأتيت لعلمه ومعرفته وتلفظت فيه كما تتأتّى للصيد فتختله وهذا معنى منزّه عنه عن القديم سبحانه، وأما " داليته " فمن الواو في قوله:
لا تقلواها وأدلواها دلوا ... أن مع اليوم أخاه غَدْوا
فمعنى " أدلواها " أي: أرفقها بها، ومعنى " داليه " رفقت به، وهذا واضح، كل شيء ظلمه قال " من الطويل ":
فما شبه كعب غير أغتم فاجر " أبى مذ دجا الإسلام لا يتحنف
وكذلك معنى " يداجيه " أي يساتره بالعداوة ولا يجاهره بها، وأما " يفانيه " فهو في معنى " فنيت " وذلك أنه يروم أن يُفنى رأي صاحبه وعزمته وبصيرته ليدهاه ويختله فهو من معنى " الفنا "، وليس في " فَنَيْتُ " ولا في الفناء ولا في يفنى دليل على أحد الحرفين، إلا أنني قد كنت قدمت أن معنى " فناء الدار " راجع إلى معنى: تنيت السيئ، وذلك أنها تفنى عند حدها وتثنى به عن امتدادها واستطالتها، والثاء وفق الهاء بالهمس أيضا لام، والياء أغلب على اللام من الواو، ويُوَنّس بالحلال شيئا أنهم قالوا: ثناء الدار، بالثاء في معنى فِناء.
стр. 180
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
ألمّ خيال طارقٌ متأوِّب ... لأم حكيم بعدما نمتُ موصبُ
وفيها: وأهلي بواد من تهامة غائر بأسفل هضيمة أراك وتنضُبُ " تنضب " عندي من: نَضب ينضَبُ، إذا بعد لأنه من شجر البر لا الريف كما قيل: شَوْحَط فهذا " فَوْعَل " من شَحطَ يشحط كما أن ذاك " يفْعُلُ " من نَضَبَ يَنْضبُ، وأما الأراك ف " فَعال " من أرك بالمكان يأرك أُروكا أي أقام به، وذلك لانه شجر ثابت أصيل في مكانه، وليس بجميع الشجر تمكنه ثباته.
وفيها: ومندونها قاع البقيع فأسقفٌ فبطن العقيق فالخبيتُ فعُنْبُبُ
следующие страницы →