← Адаб

Адаб · id 668

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

ابن جني

Полный текст (247 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(٢٤) وقال عمر بن قيس المخزومي من هُذيل " من الوافر " أجنّي كلما ذُكرت قُريمٌ ... أبيت كأنني أُكوى بجَمْرِ قال قوله: " أجنّي " أراد من أجل أني، وكلمة يقولونها: " لا حين بك " أي لا خفاء بك، وهو ظاهر أي أدرك ما أردت ولا خفاء بما تريد. معناه يرجع عندي إلى أنه قال: أبجدّي كلما كان كذا وكذا، وتأويل ذلك أن " ج ن ن " إنما هي موضوعة لخفاء الشيء ومنه الجن، ولذلك قيل لهم الخافي لاستتارهم، قال القُحيف " من الوافر ": ديارُ الحي تضربها الطِلالُ ... بها أهل من الخافي ومال ومنه الجنان القلب لاستتاره، وجنون الليل أي ظلمته، وكذلك بقية الباب ومنه قولهم: لا جن بهذا الأمر أي لا خفاء به، فكذلك قوله: " أجني كلما ذكرت قريم أبيت كذا " أي: أبجد مني ذلك، والجد في الأمر مما يلابس الفكر ويجنه القلب ويشعره الفكر، وكأن النفس مُجِنّة له ومنطوية عليه كقوله: وحفظة أكَنَّها ضميري أي: أضمرها وأجنها وانطوى عليها، وقوله: ثم انطويت على غمر وقول الآخر " من الخفيف ": ولنقل الجبال أهون من بث حدي ... ث، حنت عليه الضلوعُ وهذا باب واسع جدا في الشعر القديم والمولد جميعا؛ فلهذا ما رجع قوله

стр. 107

" أجني " إلى معنى: أجدّي، فهذا اقرب مأخذاً من أن يقول إنه أراد: من أجل أني، ثم حذف حرف الجر فصار: أجل أني، ثم حذف الهمزة من أجل والهمزة من أن واللام أيضا وكسر الجيم لأن هذه أعمال كثيرة، ولك عن جميعها سعة ومندوحة. فأجابه ساعدة بن عمرو " من الوافر ": فزلت تُحمَل الموصولَ حتى ... تنيك من الكنائن رابَ عشر قال: الموصول: السيف، وراب عشر مثل قوله: قاب، ينبغي أن يكون قبل للسيف الموصول لما وصل به من قائمه، وأما الكنائن فجمع كَنّة أنشدنا أبو علي " من الوافر ": وأنّ كنائني لنساء صِدق ... وما ألّى بنيّ ولا أساءوا ونحو من كنة وكنائن، حرة وحرائر وجزة وجزائر وحقة وحقائق ولصة ولصائص وظنة وظنائن وهمة وهمائم - تأنيث شيخ هم -، وعثة وعثائث. وقوله " تحمل الموصول " أي تجعل له حمائل، ولم يذكر أبو سعيد هذا بشيء. وقوله في " راب عشر " أي قاب، معناه زهاء عشر. ومقياس عشر كقول الله سبحانه: (فكان قاب قوسين) أي: قياس قوسين. وعينه عندي ياء لأنه من الريب، وذلك أن الذي يقيس على الشيء لا بد فيه من ترخيم وتظن، وليس مم يُعلم قياسا بمنزلة ما يدرك ضرورة وعياما، فالنفس به كالمستريبة وليست فيه على يقين علم المشاهدة، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ : " إنكم لترون ربكم كما ترون ليلة البدر لا تضامون في رؤيته "، أي: لا تلقكم فيه كلفة البحث والنظر بل يُعْلَمُ القديم سبحانه ضرورة لا استدلالاً ولا قياسا.

стр. 108

(٢٥) وقال غاسل بن غُزَيّة الحُرَبي " من البسيط ": أمن أُمية لا طيفٌ ألَمَّ بنا ... بجانبِ الفرع والأعراء قد رقدوا قال: الأعراء القوم الذين لا يهمهم الأمر، واحدهم عِرْوٌ، اللام على ما ترى واو، وقد يجوز أن تكون ياء كأنه عارٍ مما يلحق المهم بالأمر فيعود إلى أنه من العُرْى، وخيل أعراء. وأراد: من أميمة طيف، فزاد " لا " كما قال الهذلي " من الكامل ": أفعنك لا برقٌ كأنّ وميضَه فزاد " لا " وهو كثير، واكثر ذلك مع النفي كقوله " من الرجز ": وما ألوم البيض ألاّ تسخرا ... لما رأين الشمط القفندرا يريد: أن تسخر، وكقول الله سبحانه: (لئلا يعلم أهلُ الكتاب) أي: ليعلم وذلك لتوكيد النفي، ونظيره عندي زيادة لام الإضافة مع حال الإضافة كقولهم: لا أبا لك، ولا يدا لك و " قول الشاعر ": يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا و" قوله ": يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام

стр. 109

فزيدت اللام وتوكيدا للإضافة، ومثله في التوكيد قوله: أطربا وأنت قِنسَّريُّ ... والدهر بالإنسان دواريُّ أي دوار، فزاد ياء بالإضافة توكيدا لمعنى الصفة، وقد سبق القول على ذلك. وفيها: فقلت: رُدي وقولي القومُ قد طلعوا ... للغور، والغزو يستذكى وينجردُ قال: يستذكي ويتحرك ويشتد، وهو عندي " يستفعل " في معنى " يفعل " ولامه واو، فكأنه يذكو كما تذكو النار. وفيها: ارجع حتى يشيحوا أو يشاح بكم ... أو تهبطوا الليث إنْ لم يَعْدُنا لَددُ عين " تشيحوا " ياء لظهورها في قوله " من الطويل ": بدرت إلى أولاهم فسبقتهم ... وشايحت قبل اليوم إنك شيح وعين " الليث " على ظاهرها ياء وهي من لفظ الليث إلا أن يجيء أمر يستنزل عن الظاهر، وكذلك فعل صاحب الكتاب في " سِيد " حمله على لفظه فقال فيه: " سُييد " كفيل وفيل. فقد حصل هذا عيارا يوزن به غيره. ثم انْصَبَبْنا جبال الصفر معرضة ... عن اليسارِ وعن أَيماننا جَدَدُ قوله: " جبال الصُفْر معرضة " جملةَ في موضع الحال من " نا " والجملة

стр. 110

إذا جرت حالا لم يكن لها يد، أما من الحرف الرابط وهو الواو وأما من الضمير وان اجتمعا كان أقوى. فمثال الواو وحدها قولنا: مررت بزيد وعمرو جالس، ومثال الضمير وحده قولنا: مررت بزيد وجهه مكشوف، ومثال اجتماعهما قولنا: مررت بزيد وعلى يده باز، وليس في قوله: " جبال الصفر معرضة " حرف رابط ولا ضمير راجع، فالحرف لا يحسن إضماره وحذفه لقلة ذلك، ألا ترى إلى ضيق حكاية أبي عثمان عن أبي زيد من قولهم: " أكلت لحما سمكا تمرا "، فإذا كان كذلك عدلت إلى تقدير حذف الضمير لاتساع ذلك فكأنه قال: جبال الصفر عن اليسار منان ودل على ذلك أمران، أحدهما: أن المعنى عليه، ودلالة الحال في اليان جارية مجرى دلالة اللفظ، والآخر: ما ظهر من الضمير فيما عطف عليه من قوله: " عن إيماننا "، فكأنه قال عن يسارنا أو عن اليسار منا، فأما اليسار فلم تأت عنهم فيما علمت مجموعة، بل " اليمين " قد تجمع شمال وشمائل وأشْمُل، قال العجلي " من الرجز ": يبري لها من أيمُنٍ وأشمل ... ذو خرق طلس وشخص مُذألِ وأما اليسار فلم تجمع، وعلة ذلك عندي شيئان، أحدهما، استغناؤهم عن تكسيرها بتكسير " شمال " فيكون هذا مما قاله سيبويه: " وقد يستغنون بالسيئ عن الشيء حتى يكون المُستغنى عنه مسقطا من كلامهم البتة "، والآخر أن اليسار واليُسرى إنما هو تفاؤل باليُسر وعدول عن الشؤم، وإنما هي الشؤمى ضد اليُمنى، قال: فأنحى على شؤمي يديه فلما كانت فرعا معدولا إليه عن أصل قد استمر تكسيره ضاق موضعها فلم

стр. 111

يعامل الفرع في التصرف معاملة الأصل، فهذا فرق. وأعلم انه ليس في كلام العرب اسم في أوله ياء مكسورة إلا قوله " يسار " حكاها بعض الكوفيين وقد سألت نفسي عن ذلك واجب عنه في بعض ما أثبته عن نفسي من كلامي في موضع غير هذا فتركته هنا. وفيها: حين السيوف بأيدي القوم ناهلةٌ ... تصدر عنهم وفيهم تارة تَردُ ينبغي أن تكون عين " تارة " واوا اشتقاقا وقياسا جميعا، أما الاشتقاق فلأنه من معنى " التَّوْرِ "، والتور: الرسول. قال " من السريع ": والتور فيما بيننا مُعْمَلٌ ... يرضى به المأتيّ والمُرْسِلُ والتقاؤهما أن الرسول من شأنه أن يذهب ويجيء، والتارة هكذا معناها، ألا ترى أنها تردد الشيء طورا كذا وطورا كذا كما أن الرسول مرة يرد وأخرى يصدر، ويؤكد عندك كون عينها واوا أيضا قولهم في معناها: طورا وطورا وأطوارا، والطاء أخت التاء فكأنهما لذلك حرف واحد، وقد ترى تعاقبهما في نحو قولهم: الترياق والطرياق والترنجين والطرنجين، وفي قول علقمة " من الطويل ": وفي كل حي قد خبطَّ بنعمةٍ ... فَحُقَّ لشأن من نداك ذنوب أي خبطت، وقالوا: فحصط برجلي، وله نظائر. وقالوا في المتْرَس: المِطْرَس، وكلاهما أعجمي والعرب تسمى المطرس لزازا. فهذا وجه الاشتقاق. وأما وجه القياس فلأنها عين، وقد سبقت وصية صاحب الكتاب في نحو هذا بما قد عرفته.

стр. 112

(٢٦) وقال الفهري ابن أخت بني قُريم من صاهلة " من الكامل ": لما رأيت بني عَديَ مَرّحوا ... وغلت جوانبهم كغلي المرجلِ قال: مرحوا من المرحى، والمرحى موسى الحرب، لم يعرف أبو عمرو مَرَحوا، انتهى كلامه. الظاهر في معنى الحرب على ما فسره انه مرساها أن يكون " مَفْعَلا " من أفظ الرحى، ومعناها، ألا ترى إلى كثرة ما جاء عنهم من تشبيه موضع الحرب بالرحى، قال عمرو بن كلثوم. " من الوافر ": قريناكم فجعلنا قراكم ... قُبيل الصبح مرداة طحونا يكون ثقالها شرقيَّ نجدٍ ... ولهوتها قضاعة اجمعينا وقال الآخر " من الخفيف ": ثم الدبرات دارت رحانا ... ورحى الحرب بالكُماة تدور ومن كلام ابن عباس في صفة أمير المؤمنين ﵉: " فحمل عليهم حملةً أحالهم فيها جولان الرحى بثفالها "، فإذا كان كذلك لم يجز أن يكون " مرحوا " من لفظ الرحى؛ لأنه لو جعلته منه لكان " مَرَّحوا ": مَفَّعوا، وهذا مثال غير موجود في كلامهم. فإذا كان كذلك حملت " مرّحوا " على أنه مرّحوا من المرح، وبناؤه على " فَعّلوا " لكثرة المرح منهم كقولهم: " موّتت الإبل " و " قّوّمت الخيل "، ويدل على أنه من المرح أيضا قوله يليه: " وغلت جوانبهم كغلي المرجل "، فالغليان: النشاط والحركة والاضطراب، وكذلك المرح، وهذا أمر ظاهر، فهذا أذهب عندي في الصواب مما قاله السكري.

стр. 113

(٢٧) وقال أبو جندب بن مرّة " من الرجز ": أنى امرؤ أبكي على جارَيه ... أبكي على الكعبي والكعبيّة ولو هلكت بكيا عليه ... كانا مكان الثوب من حقويّه ليس هذا في الفحش كقوله " من الوافر ": ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تُبقي خمور الأندرينا يسلب حرف اللين لينه، إلا أن فيه مع ذلك ضربا من الضعف لأن الإدغام لم يستهلك منع جميع مدة ما دام ما قبل الحرف منه، ألا ترى أنه لا يجوز مع " الكعبية " الفدية والفتية ونحو ذلك، بل قد يجوز معها - إذا انفتح ما قبلها - غيرها نحو: ليّا وطيّا يجوز معه نجيا وظبيا وذلك لأنه انضاف إلى الإدغام انفتاح ما قبل الحرف فزال المد، فأما امتناع من امتنع من الجمع بين ليّا وظبيا، فليس ذلك شيئا يرجع إلى حرف اللين إنما هو لأنه لا يجمع بين المشدد وغيره في الروي، وقد قدمنا القول على فساد امتناعه من هذا ونحوه في كتابنا الموسوم ب " المعرب في شرح القوافي " عن أبي الحسن ﵀.

стр. 114

(٢٨) قال سويد بن عُمير الخزاعي " من الكامل ": القوم أعلم لو ثقفنا مالكاً ... لاصطفاف نسوتُه وهُنَ أوالي قال: أولى " فواعل " من " ألوت " أي وهن حزانٌ أي لا يجتهدون، لغة هذيل: ألوت أي قدرت واستطعت، فحقيقة قوله " وهن أوالي " أي قوادر على البكاء وإنما وصفهن بالقدرة عليه لأنهن كن يكثرن منه فاكتفى بالسبب الذي هو القدرة من المسبب الذي هو القدرة من المسبب الذي هو البكاء، وهذا كثير وقد مضى مثله. وفيها: يابا خصيلة لن يميتك بعدها ... يابا خصيلة غير شيب قَذال أراد: يا أبا خصيلة، فحذف الهمزة تخفيفا كقول أبي الأسود " من الكامل ": يابا المغيرة ربَّ أمرٍ معضل ... فرّجته بالمكر مني والدَّها وحكى أبو زيد: " لا بَلك " وقد تقدم القول في هذا. وقال أيضا " من الطويل ": ألا ابلغنا أفناء لحيان آيةً ... وكنت متى تجهل خصيمك يجهل المخاطب بقوله: " ابلغنا " صاحباه، والمخاطب بقوله " متى تجهل خصيمك " هو نفسه كأنه فيما بعد نفسه كقراءة من قرأ: " أعلم أنَّ الله على كل شيء قدير " أي: اعلم أيها الرجل. وواحد الإفتاء: فنى مقصور، لأمه مشكلة، وينبغي أن تكون من الواو من قولهم شجرة

стр. 115

فنواء، ووجه التقائهما أن أفناء الناس جهاتهم ونواحيهم، وشجرة فنواء أي لها أفنان ونواح، فهذا وضوحا وانكشافا. وأما ألف " متى " فإنها أصل غير منقلبة، وذلك أن هذا اسم مبني، والأسماء المينية عندنا في كثير من الأمر لاحفة بالحروف، فكما أن ألف " إلا " و " أيا " و " هيا " ونحو ذلك أصول غير متقلبات فكذلك ألف " متى ". فأن قلت: فقد أمالوها وهذه طريق الانقلاب قيل لم يُمل لانقلابها ولكن لتحقيق مذهب الاسمية لها كما أمليت ألف " أنّي " لذلك لا لأن شيئا من ذلك منقلب، فأن قلت: فهلاً أميلت على هذا ألف " إذا " وهي اسم؟ فالجواب عن ذلك من موضعين، أحدهما: أنا لا نعرف في جميع الكلام علة توجب الإمالة، وإنما جميع أسبابها أسباب جوازها لا أسباب وجوبها، والآخر: أن " إذا " اقعد في شبه الحرف من " متي "، وذلك لقيام " متي " في كلا وجهيها الشرط والاستفهام بنفسها، وأن " إذا " في الشرط لا تنفك من الإضافة، وذلك عندنا مضعف لها لا مقوّ كما يظن، وأما المكانية فأضعف من " متى " لمنابها عن الفاء في جواب الشرط وتضمنها معناها، ولا بد قبلها من جملة تبعها. وقد تقصيت القول على بابها في غير هذا الكتاب فاعتمدت عليه ولم أُطل هنا بإعادته. وفيها: وتنسى الأُلى جشنا بهم فتركتهم ... لدى خلف يسعون في كل مُرْمَلِ وكذلك القول في ألف الأُلى ليست عندنا منقبلة، ولو قيل إنها منقلبة لقربها من المتمكن أشد من قرب " متى " لكان وجها، وكذلك ألف " لدى " هي كألف " إلى " وأن كانت " لدى " اسما، ألا تراها عوملت معاملة " إلى " مع المضمر فقيل: لديك ولديه، كإليك وإليه.

стр. 116

(٢٩) وقال عمرو بن هميل اللحياني " من الوافر ": ألا من مبلغ المعبيَّ عني ... رسولاً أصلها عندي ثبيتُ وقد قال الفراء في قول الشاعر " من الكامل " لو كان في قلبي كقدرِ قُلامقٍ ... حباً لغيرك قد أتاها أرسلي إنه إنما كَسَّر رسولاً على أرسل، لأنه ذهب بالرسول هنا إلى المرأة، وذلك إن أكثر من يرسل في هذا المعنى النساء دون الرجال، فلما أراد المرأة غلَب فيه معنى التأنيث فكسَّرَ " فَعُولاً " على " أَفْعُل "، و " أفْعُل " مما يكسَر عليه هذا النحو نحو: أتان أتُن وعُقاب وأعْقُب وعناق وأعنق ولسان والسُن، وإذا كان الرسول بمعنى الرسالة فقد كفينا هذا التمحُّل والتطلّب فلتقل إنه كسَر رسولا على أرسُل؛ لأن الرسول ههنا الرسالة وهو مؤنث البتة، وقد ذكرت في أول هذا الكتاب طرفا مما حمل من هذا النحو على معناه دون لفظه كقوله " من الطويل ": فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوصٍ كاعبانِ ومعصرُ

стр. 117

وقوله " من الطويل ": وإن كلاباً هذه عشرُ أبْطُنٍ ... وأنت بريء من قبائلها العشر وفيها: تعلّمْ أنَّ شرَّ فتى أناسٍ ... وأوضَعَهُ خُزاعِيٌّ كتيتُ قال: كتيت: بخيل، يقال إنه لكتيتُ اليد أي: بخيل. أصل ذلك أن الكتيت صوت غليان القدر إذا قلّ ماؤها، فهو أقل صوتاً واخفض حالا من غليانها إذا كثر ماؤها فهو إلى الضيق والقلّة. وقال عمرو بن جنادة " من الوافر ": لقد أسرفت حين كسَوتُ ثوبي ... مرابدَ بالحجازِ لها كتيتُ " قال " أبو عمرو: كتيت: غليان، كتَ يكِتُّ. ينبغي أن يكون هذا اللفظ مشتقا من الصوت، وذلك لأن الكتيت غليان القدر إذا قلَ ماؤها فكأنها تقول: كتّ كتْ، فاشتقّ منه على حكاية الصوت، ومثله قولهم تغطمطت القدر إذا قالت: غِطْ مِطْ حكاية صوتها، ومنه قولهم في صوت البحر " من الرجز ": كالبحر يدعو هيقماً وهيقما ... كالبحر ما لقِمتَهُ تَلقَّما

стр. 118

وأنشدنا أبو علي: يدعو الأشاخيب هشاما تهشُمُهْ وقال: هشام حكاية شخب اللبن، ومنه بيت الراعي " من الطويل ": إذا ما دَعْت شِيبا بجني عُنيزةٍ ... مشافِرُها في ماءِ مُزْنٍ وباقِلِ وإنما الشيبُ صوت مشافرها عند الماء، ومنه قولهم في اسم الفرج: الخاقباق، وإنما سمى بصوته. قال " من الرجز ": قد أقبلت عرةُ من عراقها ... ممدودة الرجل بخاقباقها ومثله الخازباز، وإنما هو صوت الذباب فسمي به وهذا كله شاهد للكتيت، وقد ذهب بعضهم إلى أن العبارات كلها إنما أوقعت على حكاية الأصوات وقت وقوع الأفعال، ولا ابعد أن يكون الأمر كذلك، ثم إنها تداخلت وضورع ببعضها بعض، ألا ترى إن الخضم لكل رطب والقضم لكل يابس وبين الرطب واليابس ما بين الخاء والقاف من الرخاوة والصلابة، وكذلك قَطْع وقَدْع، فقدع الإنسان قطع له عن فعله إلا أن الطاء أصفى من الدال، والقطع بالسيف. ونحوه: أصفى ضربا، وانصع فعلا من القذع الذي إنما هو كلام، وبين الطاء والدال ما بين الفعل والقول، وهذا باب إنما يصحب وبنجذب لمتأمله إذا تفطن وتأتى له ولاطفه ولم يجف عليه، ومنه قولهم: بحثت التراب ونحوه، وهو على ترتيب الأصوات الحادثة عنده، فالباء للخفقة بما يبحث به عن التراب والحاء فيما بعد كصوت رسوب الحديدة ونحوها إذا ساخت في الأرض والثاء لحكاية صوت ما ينبث من التراب فتأمله، فإن فيه غموضا. فأما قولهم: بحثت عن حقيقة هذا الأمر، وبحثت عن حقيقة هذه المسألة فاستعارة للمبالغة في طلب ذلك المعنى، ولا نترك الحقيقة إلى المجاز إلاّ لضرب من المبالغة، ولولا

стр. 119

ذلك لكانت الحقيقة أولى من المجاز، ولقد هممت غير دفعة بتصنيف كتاب في هذا المعنى وترتيبه وكشف معانيه وطرقاته وإظهار وجه الحكمة المعجزة الدالة على قوة الصنعة فيه، ولكن الوقت لضيقه مانع منه ومن الله المعونة. وقال عمرو بن هميل " من الوافر ": خزيمةُ عمُّنا وأبي هُذَيلٌ ... وكلُّهُم إلى عِزٍّ وَلِيت قال أي وليت ذلك منهم. هذا اللفظ منه ربما أوهم إن قوله " وليت " منقطعة الموضع عن إعراب ما قبلها، وليس كذلك بل وليت مجورة الموضع لأنها صفة لعزّ أي إلى عزٍّ وليته، أي كانت لي ولايته وقديمه فحذف عائد الصفة تشبيها للصفة بالصلة، ومنه بيت الكتاب " من الوافر ": أبحت حمى نهامة بعد نجدٍ ... وما شيء حميت بمُستباحِ وله نظائر.

стр. 120

(٣٠) وقال عامر بن سدوس الخناعي " من الطويل ": ألم تسلُ عن ليلى وقد نَفِدَ العُمْرُ ... وأوحش من ليلى والموازِجُ والحَضْرُ قال: الموازج والحضر موضعان. يجوز أن يكون الموازج فواعِلاً من مَزَجتُ كعوارض ودوارس، ويجوز أن يكون من الأزج فيكون مفاعَلاً، خففت همزته فخلصت، قال العجاج " من الرجز ": عَنْسٌ تخالُ خلقَها المُفَرَّجا ... تشيدُ بنياناً يُعالي أَزَجا وفيها: وإنْ أمْسِ شيخاَ بالرجيع والْدّةً ... وتُصبحُ قومي دونَ دارهمُ مصْرُ قال مع والده، قال وتُصبح جواب. لام أمسيت ياء لقولهم: لكلّ همًّ من الهموم سَعَه ... والصبحُ والمسيُ لا فلاحَ معه

стр. 121

وقد أبدلت هذه الياء جيماً. قال: حتى إذا ما أمسجت وأمْسَجا وفي هذا عندي أقوى دليل على صحة ما تدعيه من أنّ العرب إذا هجرت أصلا من الأصول وانصرفت عنه فإنها تنويه وتعقيده، ألا ترى أنه لولا أن اصل " أمست " عنده أمْسَيَت لما قال: أمسجت، فإذا كان كذلك علمت به أن أصل دعت: دَعَوَتْ، وأصل قضتْ: قَضَيَتْ، فبهذا ونحوه ادعت علماء العربية إن كثيرا من هذه الألفاظ المستعملة المطردة لها أصول مرفوضة مطرحة، وإنها مع اطراحها وهجرها فإنها مراعاة معتدة وإن ظهور ما ظهر منها في بعض الأحوال دليل على تقدير نظائره وإرادة مثله مما عدا استعماله.

стр. 122

(٣١) وقال مُرّة بن عبد الله اللّحياني " من الوافر ": تركنا بالمراحِ وذي سُحيم ... أبا حيّان في نفرٍ منافي " مراح ": فِعال من المرح، وميمه أصلية، ولا يكون من الرَوَح لأنه كان يلزم فيه مِرْوَح، فيصح كما يصح نحو: مروحة ومِخْيَط لانه منقوص من " مِفعال " على ما بينه الخليل. (٣٢) وقال إياس بن جُنْدب بن المعترض " من الوافر ": ألا " يا " ليت شعري يا لّقومٍ ... أجَهْلْ يا أبن بجدة أم غرام في هذا البيت دلالة على فساد قول من قال إن قولهم: " يا لَزيد " معناه: يا آل زيد، ألا ترى إنه لا تضاف " آل " هذه " إلا " إلى الأخص الأعرف فتقول: هؤلاء آل الله، " قال سبحانه ": (أدخلوا آل فرعون اشَدَّ العذاب). فلا تقول: رأيت آل رجل، ولا: كلمت آل امرأة وقد قال: " يا لقوم " وهو نكرة غير معرفة فقد ثبت إن معناه يا قوم، زقزم ليس من الأعلام ولا من الخواص.

стр. 123

(٣٣) وقال خالد بن زُهير بن المُجَرِّب " من الطويل " لعمر بني هند لقدّ دقَّ مضغكم ... ويؤتم إلى أمرٍ إليّ عجيبِ قال: " دق مضغكم ": صغر شأنكم، هذا تفسير على المعنى لا على اللفظ، ألا ترى إن أحدا لا يسمه الشأن مضغاً. وتفسير معناه إنه استصغر شأنهم فسماه مضغا لأن هذه كلمة بُكنى بها عن الضعة والصَّغار كقولك: جاءني يمضغ كلامه، أي وكلامه فاتر ساقط. ومنها: ولم يُجْدِ فعلي نقرةً بُمسافعٍ ... فيُثنى أمناً كان غير مثيب معناه: فعلي بمسافع، فإن حملته على هذا كان فيه الفصل بالأجنبي، ألا ترى إن الباء كانت تكون من صلة " فعلي " وقد فَصَلْتَ بينهما بقولك " نقرةً " أجنبية منهما لأنها منصوبة ب " يُجْدِ " فإذا كان كذلك حملته على مضمر محذوف يدل عليه " فعلي " كأنه قال فيما بعد: فعلت بمسافع، ونظيره قول الله سبحانه: (إنَّ الذينَ كفروا يُنادَون لَمَقْتُ الله اكبرُ مِنْ مقتِكم أنفسكُمْ إذ تُدْعَون إلى الإيمان فتكفرون)، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.

стр. 124

(٣٤) وقالت أمُّ تأبَّطَ شَرَّاً ترثيه يُجَدِّل القِرْنَ ويُروى النَّدْمان ... ذو مقِطٍ يَرْمي وراء الأخوان المأقط: مجتمع الجيش للحرب وهو " مَفْعِل " من الأقِط لأنه لبن يجمع، وقالت أيضا فيه: وآ ابناه وآ أبن الليل ... ليس بُزمَّيل شروب للقيل يضرب بالذيل ... كمُقْرَب الذيل زُميل: ضعيف وهو " فُعَّيل " من الزِمل والزميل، وهو الرديف كأنه ملصق مستضعف.

стр. 125

(٣٥) وقال شاعر بني قُريم " من الوافر ": تأبطُ سَوأةَ وَحَملْتَ شَرّاً ... لعلك أن تكون من المصابِ أي الذين يصابون، ذهب بالمصاب إلى الجنس كقوله أنشدناه أبو علي وقرأته على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى " من الرجز ": إِن تنجلي يا ميّ أو تعتلّي ... أو تصبحي في الظاعن المولّى يريد في الظاعنين المولين وانشد أبن الأعرابي " من الرجز ": يا حبذا نضحك بالمشافر ... وبالعثانين وبالحناجرِ على رؤوسٍ كرؤوس الطائر يريد: الطير. وفيها: فزلتم تهربون ولو كرهتم ... تسوقون الخزائمَ بالنقابِ قال: يريد ما زلتم، وهي لغة لهم. الشائع في هذا إنما هو حذف " لا " كقوله " من الطويل ": فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

стр. 126

أي: لا ابرح، إلا إنه شبه " ما " ب " لا " كما شبه " لم " ب " ما "، قال الأعشى " من المتقارب": أجدَّك لم تغتمض ليلة ... فترقدَها مع رُقّادها أي: ما تغتمض، وأنشدنا أبو علي " من الوافر ": أجدك لن ترى بثُعيلبات ... ولا بيدانَ ناجيةً ذمولا أراد " ما ترى "، وذلك إن الفعل بعد " أجدَّك " إنما هو للحاضر والحال ونفى فعل الحال إنما هو ب " ما " دون غيرها. وينبغي أن تكون " الخزومة " وهي البقرة سميت بذلك لأنها تخزم إلى غيرها أي تشد إليها ليحرث عليها، وكذا العرف في البقر في غالب الأمر. قال الله : (لا ذلولٌ تُثيرُ الأرْضَ ولا تسقي الحَرْثَ).

стр. 127

(٣٦) وقال شاعرُ فَهْم واسمه كاثف " من الطويل ": غَداةَ تساهمنا الطريقَ فبزنا ... سوام كقَلْس البحر جونٌ وأبْقَعُ قال: قلس البحر: السحاب، ينبغي أن يكون سمى بذلك تشبيها بأحاليل اللبن أي مجاريه، وذلك لأن الوادي مجرى السيل، ولذلك قيل له وادٍ لأنه فاعل من " ودَى يَدى " أي سال، قال أبو علي: ومنه الوديّ لما يخرج من جذع النخلة الأكبر كأنه شيء سال منها، ومنه عندي الدية، ألا ترى إنه شيء يُتَحلَّبُ دفعة بعد أخرى على ترتيب أدائها من المُؤدِّي لها إلى مستحقها فكأنها استحلبت شيئا فشيئا. ولم يصرف " أحليل " لأنه ذهب به إلى البقعة، ومثله قراءة من قرأ: " إِنَّكَ بالوادي المُقَدَّسِ طُوى " فلم يصرفه للتعريف والتأنيث. ومثله قول طفيل " من الطويل ": جلبنا من الأعراف أعرفِ غمرةٍ ... وأعرافِ لُبْن الخيل من خير محلبِ و" لُبْن " اسم جبل، إلا أنه ذهب به إلى تأنيث البقعة فلم يصرفه. وقوله " لأنبئت " بعد قوله " ولو ساءلت " فيه ترك الغيبة إلى الحضور ومثله قوله الله سبحانه: (الحمد لله رب العالمين) ثم قال: (إِياكَ نعبد)، وقال عنترة " من الكامل ": شطت مزار العاشقين وأصبحت ... عسراً عليّ طلابك ابنة مخرم

стр. 128

(٣٧) وقال الجَموح السلمي " من الطويل ": فلا وأبيك الخير تهلك بعدها ... سوى هرم وزلت تكسب مغنما هو على حذف المضاف أي: سوى هُلْك هرم، وذلك لأنه كان ضربه ضربا ظن به إنه مات ولم يكن الأمر كذلك.

стр. 129

(٣٨) وقال المُذال بن المعترض " من الطويل ": إذا ما قتلنا بالمحمدِّ مالكٍ ... سراةَ بني لاي فزاح غليلي قال: المحمد الذي يُحمد من الرجال، لم يمرر بي هذا اللفظ صفة إلا في هذا الموضع، وقياس من قال الحارث والعباس والمظفر أن يقول في العلم اسم رجل: " هذا المحمد " كقوله: " هذا العباس " إلا أنه لم يمرر بنا في الاستعمال أن يراد به الشيء بعينه ولو قاله قائل لم يكن عندي مخطئا قياسا على الحارث والحسن والحسين والمظفر والمؤمل ونحو ذلك، وعلى أنه لو فعل ذلك لكان النبي ﷺ أولى به من كل أحد لأنه لا أحد أحق بأن يُضعف ويكرر حمده منه ﵇. وقال المذال أيضا: يا عين فأبكي المالكين أول ... الفوارس الأضايف المحول ويروي: فوارس، قال جمع مالك، وقال: الأمور التي تنزل بهم كأن الأمر حول من غيرهم إليهم، وقد يكون الأضايف جمع ضيف كأنه تحول من عند من لم يرض ضيافته إليهم. هذا جميع ما قاله السكري في التفسير، وأما قوله: " أول " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون نكرة مصروفا كقوله: " فعلنا هذا أولا وآخرا "، إلا أنه لم يطلقه وجاء به على قوله: وآخذ من كل حي عُصُم ولم يقل عصما، وعلى قوله " من الرجز ": أعددتُ للوِرد إذا الورد حَفَز ... غربا جرورا وجُلالا خُزَخَز

стр. 130

ونحو ذلك. والآخر: أن يكون معرفة بالمضاف المنقطع هو دونه فيكون في موضع ضم كقولك " ابدأ بهذا أول "، وقيده كما قيده في القول الأول لأنه بناه على أنه من السريع لا من الرجز، وأما من روى " فوارس " بلا لام فهو اظهر أمرا في الوزن، لأن وزن قوله: فوارسل: " فواعلن " على مَنْ رواه " الفوارس " باللام، فإنه خزم لام التعريف، وفي هذا ضرب نمن الضعف، وذلك أنه قد ثبت عندنا بوجوه الأدلة القوية أن العرب قد أجرت لام التعريف فيما عرفته مجرى الجزء من الكلمة غير المنفصل منها، والخزم إنما يجوز في حرف المعنى إذا لم يبين مع ما دخل عليه بناء بعضه من بعض نحو واو العطف وفائه ولام الابتداء وغير ذلك إلا أنه يشبه لام التعريف بحرف العطف في نحو قولك: " وهو زيد " ونحوه، ألا ترى انه أسكن الهاء وهذا يوجب ألا ينوي فصل الواو نته لما يلزم في ذاك من نية الابتداء بالساكن. وأيضا فقد رووا بيت عبيد: لله در الشباب والشعر الأسود ... والراتكات تحت الرجالِ فهذا لا يتوجه إلا على خزم لام الجر ولام التعريف جميعا فيكون الابتداء كقوله: لا هدررش " فاعلاتن "، وإذا جاز أن يحذف مع حرف التعريف لام الجر كان حذفه وحده أولى بالجواز. وأما قوله: وقد تكون الأضايف جمع ضيف، فإن " فَعْلاً " لا يكسر على " أفاعل " ولكن يجوز أن يكون كسر ضيفا على أضياف ثم كسر أضيافا على أضايف ثم حذف الياء الزائدة على حد قوله " من الرجز ": قد قربت سادانها الروائسا ... والبكرات الفسجَّ العطامسا

стр. 131

إلا أنك مع هذا جعلته جمع ضيف فسد المعنى لأنك تجعل الفوارس هم الأضياف، وليس المعنى على هذا، إنما المعنى: انهم يقرون الأضياف فهذا ظاهره كما تراه منتقض ولكن فيه عندي وجهان سوى هذا الظاهر، أحدهما: أن يكون على حذف المضاف كأنه قال الفوارس ذوي الأضياف أو مُحلى الأضياف ثم حذف المضاف كقولها " من البسيط ": يا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل الموارد ما في ورده عار أي: ما في ترك ورده، فهذا إن حملته على ظاهره فسد معناه، وان حملته على حذف المضاف استقام أمره فهو وعروض البيت الذي نحن في تفسيره سواء، ومثله قوله " من المتقارب ": وأهلك مهر أبيك الدواء ... ليس له من طعام نصيب أي ترك الدواء، وقال الآخر " من الطويل ": وإني لاستحيي وفي الحق مستحى ... إذا جاء باغي العرف أن أتعذرا أي: في تركه، أنشدنا أبو علي هذين البيتين فهذا وجه. وأما الثاني: وهو أغمض من هذا، فإن يكون " الضايف " جمع إضافة على أنه وصف بالمصدر على قولك: هذا رجل عَدْل، أي: عادل، وماء غور أي غائر كأنه جعله هو الشيء بعينه على قوله: وهن من الأخلاف بعدك والمطلِ وعلى قوله " من الطويل ": لخلابة العينين كذابة المنى ... وهُنَّ من الأخلاف والولعانِ فكذلك هذا، كأنه جاء به على قوله: هذا رجلٌ إضافة، إذا كثرت أضافته الأضياف كأنه جُعل مخلوقا من إضافة كما أن الأول كأنه

стр. 132

جعلن مخلوقات من الأخلاف والمطل والولعان ثم عكس المصدر على حد قوله " من الطويل ": وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن ... شهود على ليلى عدول مقانع فكما كسر " عدلاً " وإن كان في الأصل مصدرا فكذلك كسر الإضافة على أضايف، وأصلها أضاييف فحذف الياء الثانية التي هي بدل من ألف " إِفعالة "، ورد ما كان حذفه من إضيافة لالتقاء الساكنين، العين كان أو ألف " إِفعالة " على خلاف الرجلين فيه، من قبل إنه قد زال في مثال " مفاعيل " التقاء الساكنين فوجب الرد كما تقول في تحقير مبيع " ومقيل وجمعهما ": مُبييع ومقييل ومباييع ومقاييل فترد موضع العين أو واو " مفعول " لزوال التقاء الساكنين ونحوه قول الآخر " من الرجز ": سَلِطْ على زرع الجنى الوالج ... من الدبا ذا طبقٍ أفائج بالهمز، قال الفراء همز ألف " إِفعالة " وهي مصدر أفاج افاجةً، وذهب إلى أن المحذوف عين الفعل كقول أبي الحسن، والوجه عندي إنا لا وجه له لأنه يريد " أفاعيل " فكان فياسه إن حذف الزائد أن يقول: أفاوج، إلا إنه عندي كهمز مصائب، ثم تنصب بالأضايف كما ترى المحول لأنها مصدر فعمل النصب. قال قلت: فكيف يجوز إعمال المصدر مع جمعه؟ فإن ذلك جائز قياسا وسماعا، أما السماع فلما ورد: وواعدتني مالا أحاول نفعه ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب

стр. 133

فنصب بمواعيد وان كان مجموعا، وهذا مما نبه عليه أبو علي، وقد مر بي أنا غير هذا هو قول الأعشى " من البسيط ": كما جربوه فما زادت تجاربهم ... أبا قدامة إلا المجد والفنعا فالوجه إن يكون " أبا قدامة " منصوبا بتجاربهم لامرين، أحدهما: إنه اقرب إليه من " زادت "، والآخر: إنه قد نصبه قبل ذلك ب " جربوه " فكان الأليق أن ينصبه بتجاربهم لأنه مصدره كقولك: ضربته فما زاد ضربي جعفرا إلا خبالا. فالمحول على هذا منصوب بنفس الأضايف، وعلى القول الأول منصوب بفعل محذوف يدل عليه قوله " الأضايف " أي ذوي الأضايف، فكأنه قال: يضيفون المحول، كما إن قوله: تاجٍ طواه الابنُ مما وجفا ... طيّ الليالي زلفا فزلفا سماوةَ الهلال حتى احقوقفا كذلك ألا ترى إن تقديره عنده صيّره مثل سماوة الهلال، ودل طواه على صيره كذلك، فأما عند أبي عثمان فإنه منصوب ب " طي الليالي " والذي قال كل واحد من الجلين صحيح مستقيم بل إذا جاز بإضمار فعل لم يتقدمه شيء من لفظه كان إضماره بحيث يتقدمه لفظه أعني في الأضايف ويضيفون أولى.

стр. 134

(٣٩) وقال حبيب أخو بني عمرو بن الحارث " من الكامل ": ولقد نظرتُ ودون قومي منظرْ ... من قيسرونَ فبلقع فسلاب ينبغي أن يكون النون في قيسرون أصلا لوقوعها موقع الجيم من خيسفوج والزاي من عيضموز ونظيرها النون من حيزبون، ولو كانت نونها زائدة لقال من قيسرين فجعل الإعراب في الواو، ألا ترى إلى قلة زيتون على أن بعضهم جعل زيتونا: " فيعولا " واشتقه من " الزَّين " وإن لم يكن مألوفا هربا من حمله على " فَعلون " وكذلك قال أبو الحسن في الماطرون إنه من بنات الأربعة لما رأى النون معربة تباعد عن زيتون، وإذا جاز أن يحكم أبو الحسن بأصلية نون الماطرون مع إنه لا نظير لها من الأصول يقابلها لأنه ليس في الكلام مثل " فاعَلُول "، كان الحكم بأصلية نون قيسرون لوجودك لها أصلا قابلها وهو جيم خيسفوج أولى، ومثل ذلك عندي نون أطربون وهو أحد بطارقة الروم، قال عبد الله بن " سبرة " الحرشي " من البسيط ":

стр. 135

وإن يكن أطربون الروم قطعها ... فإن فيها بحمد الله منتفعا فثبات النون مع الإضافة دليل على كونها أصلا، وإذا كانت أصلا فالهمزة في أولها إذن أصل ومثال الكلمة " فَعْلَلُون " بمنزلة " عضرفوط "، ألا ترى أن بنات الأربعة لا تلحقها الزيادة من أوائلها إلا فيما كان جاريا على فعله نحو: مُسَرهْفَ ومُعَذْلَج.

стр. 136

(٤٠) وقال الجموح " من البسيط ": لا دَرَّ درُّك إني قد رَميتهمُ ... لولا حُدِدْتُ ولا عُذري بِمَحدودِ يريد: لولا أن حددت فحذف " أن " وقد تقدم القول على نظيره، وجواب لولا محذوف يدل عليه ما يليه فكأنه قال: لولا أن حددت لا غنيت أو لأثّرت، فحذف الجواب ودَلَّ عليه بقية الكلام وما ضمنه خبره، وقد لامته امرأته واستعجزته لاهِ أبن عمك أني قد رميتهمُ ... حتى رأيت سَوما غير مردودِ أراد: للهِ أبن عمك، فحذف حرف الجر ولام التعريف، فإما ما يدل على حذف حرف الجر فهو أن هذه اللام الباقية مفتوحة ولام الجر مع المظهر مكسورة. وأما ما حكى فيها من الفتح مع المظهر فشاذ، وكما إن فتحة لام " لاهِ " تدل على إنها ليست لام الجر فكذلك أيضا فتحتها تدل على إنها ليست لام التعريف من حيث كانت لام التعريف ساكنة كما إن لام الحر مكسورة، فالباقية إذن إنما هي لم " إِلاهِ " أو لام " لاه " على افتراق قولي سيبويه فيه. ووزن " لهِ " من قوله: لاه ابن عمك في قوله أن أصل الاسم " لاه ": " عال "، لأن الألف التي هي همزة محذوفة، ووزنه في قوله الآخر أن أصله " لاه ": بوزن " عاب وناب ": " فَعَل " ولم يحذف منه في القول الثاني شيء. وخالف ابن يزيد صاحب الكتاب في هذا فقال إن اللام من قوله " لاهِ إبن عمك " هي لام الجر وقد حذفت لام التعريف ولام " لاهِ " الأصلية. قال: وإنما انفتحت في " لاهِ ابن عمك " وإن كانت للجر والاسم مظهر، من قبل أنها جاوزت الألف فلزم فتحها قبلها، وهذا تعسف والذي دعاه إلى ارتكابه هربه من حذف الجار. وقد حكى أبو العباس نفسه إن رؤبة كان يقال له:

стр. 137

كيف أصبحت؟ فيقول: خير عافاك الله. يريد: بخير، ويحذف حرف الجر وحكى سيبويه: اللهِ لأقومَنَّ مقصورة الألف يريد واللهِ لأقومَنَ، ويحذف حرف الجر وأنشدوا: رسمِ دار وقفت في طلله ... كدت اقضي الغداة من جَلَلِه يريد: رب رسم دار. فإذا جاز هذا إلى غيره مما حذف حرف الجر منه جاز أيضا حذف حرف الجر في قوله: " لاهِ ابن عمك "، وروينا عن قطرب أن فيها لغات: " لاهِ ابن عمك " و " لهىُ ابن عمك " و " لهِ أبوك " بهاء مكسورة، و " لهُ أبوك " بهاء " مضمومة " وقد حكى سيبويه أيضا قولهم " لَهِيَ أبوك " وقد شرح هذا في موضع غير هذا. وفيها: حتى إذا انقطعت مني قرينتُهُ ... أخرجتُ من ناجزٍ عندي وموجودِ القرينة: النفس، سميت بذلك لمقارنتها الجسم وفيها لغات: القرينَة والقرونةُ والقرون والقَرْنَة، وقوله: " أخرجت من ناجزٍ عندي " ينبغي أن يكون على حذف المفعول وإقامة صفته مقامه، كأنه قال: " أخرجت دمعاً من ناجز "، ويجيء على قول أبي الحسن أن تكون " من " زائدة كأنه قال: أخرجت ناجزاً عندي وموجوداً، كقوله في قول الله سبحانه: (ويُنَزِّلُ من السماءِ من جبالٍ فيها من بَرَدٍ). أي جبالا فيها برد، وحكى عنهم: " قد كان من مطر " أي: قد كان مطر، " وقد كان من حديث فخلِّ عني " أي: قد كان حديث، وأما سيبويه فلا يرى زيادة " من " في الواجب.

стр. 138

(٤١) وقال وُلَيْعَة بن الحارث " من الوافر ": قتلتُ بهم بني ليثِ بن بكسرٍ ... بقتلي أهلِ ذي حزن وعقل أبدل: قتلي من " هم " في " بهم " إلا أنه أعاد العامل وهو حرف الجر، ومنه قول الله سبحانه: (قال الملأُ الذين استكبروا من قومه للذين استُضْعِفوا لِمَنْ آمَنَ منهم) فأعاد اللام، وهذا مما يدلك على أن البدل ليس من جملة المبدل منه ولأجل ذلك جاز: يا أخانا زيدُ أقبِل، فاعرفه. (٤٢) وقال غالب بن رزين شاعر من هذيل " من الطويل ": فيا لوليعٍ لو هداك مُحَرَّبٌ ... إلى يومِهِ لِم يُمْسِ ظمآن جائعا وهذا أيضا مما يدلك على أن: يا لبكر ويا لزيد إنما معناه: يا بكر ويا زيد، وليس كما يظن به أنَّ معناه: يا آلَ بكر، ألا تراه قال: لو هداك، ولم يقل: لو هداكم، فكأنه قال: " يا وليعة لو هداك ".

стр. 139

(٤٣) وقال محرِّف بن زبير " من الرجز ": نحن منعناها من العباهِله ... من ضارخٍ من خلفنا ذي واسله قال: ذي واسلة أي: ذي قرابة، هذا " فاعِلة " بمعنى: " فعلية " أي: وسيلة، وقد تعلم إن السين أخت الصاد، فالوسيلة قريبة من لفظ الوصيلة ومن معناها وهذا مما قدمت لك ذكره من تقارب الالفاظ لتقارب المعاني نحو: النضحِ والنضخ، والنفث والنفذ، والحظ والحثَ والحذ، وعليه قولهم: مَتّ ومدّ ومطّ، حتى إنهم قالوا في هذه الأحرف الثلاثة أن معناها واحد وانشدوا للعجاج " من الرجز " شاطٍ يمطّ الرسن المحملجا ولو شئت لقلت إن اكثر اللغة كذلك.

стр. 140

(٤٤) وقال أبو عمارة بن أبي طرفة أنت تجيب دعوة المضوف قال معناه: المُلْجأ المُضاف. وجه ذلك عندي أنه بنى اسم المفعول هنا من الفعل على حذف زيادته وهي الهمزة من " أضفته فهو مُضاف " كأقمته فهو مُقام وأدرته فهو مُدار، فُعِلَ هذا في اسم المفعول كما فُعِل في اسم الفاعل نحو: أبقل المكان فهو باقل وأورس فهو وارس وكقوله " من الرجز ": يخرجن من أجواز ليلٍ غاض أي: مُفْضٍ، وكقوله: يكشف من جُماته ولوُ الدال ... عباءةً عبراءَ من أجنٍ طال أي: المدلى، ونظيره ما جاء من اسم المفعول على حذف الزيادة قوله " من الطويل ": إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى وهو مودوع وواعد مصدق ولا يقال: ودعته وأودعته من الدّعة، ومثله من حذف زيادة المصدر قوله " من الخفيف ":

стр. 141

عمرك الله ساعةً حدثينا ... ودعينا من قول مَن يؤذينا أي: تعميرك الله، وقولهم: جاء زيد وحده أي: أوحد نفسه بالمجيء إيحادا، وقول بعض بني أمية: دَعْ عنك غلق الباب أي: إغلاقه. وإذا كان كذلك فقد كان قياسه أن يقول: أنت تجيب دعوة المضيف لأنه من الياء لقولهم الضيف، إلا أنه قد جاء نحو هذا، أنشدوا " من الطويل " ويأوي إلى زُغْبٍ مساكين دونهم ... فلاً لا تخطاه الرفاق مهوب وقياسه " مهيب "، لأنه من الهيبة، وحكموا أيضا: " رجل مسور به " من السير و " طعام مكول " وهو من الكيل، وأصلها: مكيول وميسور، فحذفت عين " مفعول " وأقرت واوه، وهذا مما يؤكد قوله خلاف قول أبي الحسن، وكذلك قوله " مضوف ". وفيها: وكل سهم حشر مشوف لك في " حشر " قولان. أن شئت قلت أنه أخرج حشراً على أصله، وأصله حَشِر، فأسكن تخفيفا، ويؤكد ذلك أن " فَعِلاً " في الصفات أكثر وأقيس من " فَعْل "، أما الكثرة فمن السماع، واما وجه القياس فلأن

стр. 142

سكون العين هو الأصل، والاسم هو الأول فكثر " فَعْل " في الأسماء، وحركة العين زيادة وفرع، والصفات ثوان وفروع فكثر " فَعِل " في الصفات ليضم الفرع إلى الفرع كما ضم الأصل إلى الأصل، وأيضا فإن " فَعِلاً " بوزن الفعل نحو: علم وسلم، والصفة أشبه بالفعل و " فَعْل " مثال لا يوجد في الأفعال أبدا فلذلك كان في الصفة قليلا منفردا، وإن شت قلت أنه في الأصل " فَعل " ساكن العين إلا أنه اضطر إلى تحريكه وكسره فقال " حَشِر " كما انشده أو زيد: علامَ قتل مسلم تعبدا ... مذ ستة وخَمِسون عددا فكسر عين " خمسون " للحاجة إلى إقامة الوزن فكسر ولم يفتح على العرف نحو الخَفَف والحَشَك، له كأنه راجَعَ أصلا، ألا ترى أن " فَعْلاً " قد تجد اصله " فَعِلاً " نحو قولهم في: عَلِمَ، عَلْم، وفي فَخِذ، فَخْذ، فجرى في مراجعة الأصل نحواً من صرف ما لا ينصرف وقصر الممدود. وفيها: ولم تَشْظَ حين الغَمْز والتعطّفِ لام " الشظا " مشكلة، ولا دلالة في شَظِيَ يشظى، الا انهم قد قالوا فيما يساوقه الشُواظ والوشيظة، ولم أرَ هنا الياء، وهذا مذهب كان أبو علي يأخذ به. ومغنى الوشيظ والشظا متقاربان لان الوشيظة قطيعة عظم لاصقة بالعظم الصميم، وهذا نحو الشظا والشظية، فهذا يقوي الواو.

стр. 143

(٤٥) وقال حُدير شاعر بني ذؤيبَة " من الوافر ": ألم تعلم بمحبسنا حياشا ... وحيَّ خويلد حتى استقاما قال: حياش اسم رجل وهو من " ح وش "، وكأنه مصدر سمي به من قولهم: حُشْتُ الصيدَ حَوْشاً وحياشاً، ولو صُغت من " حُشت " اسما غير مصدر لقلت " حواشاً " في " فِعال " منه، ومنه قول العجاج: يَخْلِطْنَ بالتأنُسِ النَّوارا فصح، وان كان نارينور معتلا، لانه أراد الاسم لا المصدر، ومثله عندنا تسميتهم الرجل " إياساً " وهو كحِياش من حاش يحوش، لانه مصدر أشبه إياساً، أي اعطيته. أنشدت ابا علي لرؤبة يا قائد الجيش وزير المجلسِ ... أُسنى فقد قلت رفاد الأوّس فاستفصحه وقال: لو كان أبو عثمان يصرف له ما زاد على هذا، وذهب السكري في غير هذا الكتاب إلى أن " إياسا " مصدر أيست من كذا، قال أبو علي ﵀: وليس كذلك، وإنما هو مصدر أُسْتُ أي أعطيت كما سموه عَطاءً. وقد تقدم ذكر هذا ولا مصدر ل " أيست " لانه مقلوب من " يئست "، ولو كان أصلا غير مقلوب لاعتل كهبت لكنه صَح لانه في معنى ما صحت عينه وهو " يئست " فاعرفه:

стр. 144

(٤٦) وقال عقيل بن زياد الهذلي " من الوافر ": ولو جاريتني لمدى بعيد ... تجرَّدَ لا ألفُّ ولا عَثورُ أي: تجرد مني رجل لا آلف ولا عثور، وهو الرجل المذكور، وهذا هو الذي كان أبو علي ﵀ يسميه التجريد، ولقد احسن العبارة عنه ونحوه قول طرفة " من الرمل ": جازت البيدَ إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفورٍ خَدِرْ وهي اليعفور، وقد تقدم القول على هذا المعنى مستقصى.

стр. 145

(٤٧) وقال عبد الله بن أبي تغلب الهذلي " من المتقارب ": أرقت ومالك ألا تناما ... وبت تكابد ليلاً تماما قد قالوا: ليل التمام، فأضافوه، وقال هنا: ليلاً تماما فوصف به، قال " من الطويل ": يُسَهَّدُ في ليل التمام سليمُها ... لحلي النساء في يديه قعاقع ومثله مما يوصف به تارة ويضاف إليه تارة قولهم: " قدحٌ نضارٌ "، و " قدحُ نضارٍ "، و " سَهْمٌ غَرْبٌ "، و " سَهْمُ غربٍ "، و " عنقاءٌ مُغْرِبٌ "، و " عنقاءُ مغرَبٍ ". وله نظائر وفيها: إذا الموتُ أن من مَعْشَرٍ ... فئاماً يعود فيُفنى فئاما قال: الفئام جماعة من الناس، هو عندي من قول زهير " من الطويل ":
следующие страницы →