← Адаб

Адаб · id 668

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

ابن جني

Полный текст (247 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) شعر قيس بن العيزارة قال (من الطويل): لَعَمْرك أنْسى رَوْعَتي يَومَ أقتتُدٍ ... وَهل تتركنَ نَفسَ الأسيرِ الروائعُ وفيها: غداة تنادوا ثم قاموا وأجمعوا ... بقتلي سلكي ليس فيها تنازُعُ لام " تنادوا " واو لأنه من الندوة وهو الاجتماع، ألا تراهم إنما يتنادون للاجتماع أو مع الاجتماع. ومنه قول الله سبحانه (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة)، وإنما ينادي للاجتماع.

стр. 2

وفيها: وقُلْتُ لهم شاءٌ رَغيبٌ وجامِلٌ ... فكلكم من ذلك المال شابعُ مذهب سيبويه في " شاء " أن عينها واو ولامها ياء، ومذهب البغداديين أن عينها واو ولامها هاء. وقد تقصيت هذا الأمر في كتابي في تفسير تصريف ابي عثمان وغيره من كلامي. وفيها: فويلٍ ببزًّ جَرّ شَملٌ على الحصا ... فَوقِّرَ بَزٌ ما هنالك ضائعُ أما الرفع في " ويل " فلا نظر فيه، وأما الجر فعلى انه بناه على الكسر كقوله " من الرجز ": مهلاً فداءِ لك يا فضالة " أجره الرمح ولا تهاله "

стр. 3

وقوله " من البسيط ": " مهلا " فداءِ لك الأقوام كلهم ... " وما أثمر من مالٍ ومن ولدِ " أراد لأفَدِك، وليَفْدِكَ الأقوام، فبنى الاسم كما يبنيه في نحو " صه " و " مه " و " إيه " و " رويدَ "، فكأنه قال: ليلزمه الله الويل. وأصل بناء هذا الكلم الموضوعة للأمر عندي أنها تضمنت معنى لام الأمر، ألا ترى أنّ " صَهِ " بمعنى اسكت، وأصل اسكت لتسكت، وكذلك " حذار " معناه: إحذر، وأصل إحذر: لتحذر، وكذلك " رويدَ زيداً "، هو اسم: انظر زيدا، وأصل انظر: لتنظر، فمعنى لام الأمر موجود في جميع ذلك، فهذه علة بنائها الصريحة. ولم يفصح أحد من أصحابنا بها هذا الإفصاح، وإنما أكثر ما يقولون أنها بنيت لوقوعها موقع فعل الأمر، وليست علة بناء ما بنى من الأسماء إلا مشابهتها للحرف أو تضمنها معناه، فأما وقوعها ما كان مبنيا للأمر فلا يوجب فيها بناء ولا إعرابا. قال سيبويه: " وأما الفتح والكسر والضم والوقف فللأسماء غير المتمكنة المضارعة عندهم ما ليس باسم ولا فعل مما جاء لمعنى ليس غير نحو سوف وقد ". فهذا تصريح كما تراه، ولا مذهب لمصنف ولا متعسف عنه. وأما من قال " ويل أم بز " فإنه أزاد: " ويلٌ لام بز "، وكثر استعمال هذه الكلمة فحذفت لام الجر والهمزة تخفيفا وحذف التنوين كما حذف فيما حكاه أبو الحسن من قولهم: " سلامُ عليكم "، وذلك لكثرة استعماله. ويجوز أن يكون أراد " ويلُ أم بز " فرفعه بالابتداء وحذف

стр. 4

خبره أي: ويلُ أمه واجب أو حال عليه، ثم حذف همزة " أمّ " لكثرة الاستعمال، فبقي " ويلُ مَه " كما ترى. وأما " وَيْ لمّه " فأراد ويلٌ لأمه، ثم حذف لام " ويل " والتنوين لكثرة الاستعمال، وهمزة " أُم " لذلك، فبقى " وَيْ لمه ". ويدل على أن المراد في جميع ذلك " ويلٌ لامه " قول الشاعر " من الوافر ": لأمِ ويلٌ ما أجنَتْ ... غداةّ أضَرَّ بالحسنِ السبيلُ وحكى الأصمعي: " رجلٌ ويلُمَه "، وحكى غيره: " رجلٌ ويْلُمِّه "، فويلمه على أنه اشتق من ذلك صفة كما ترى، و " يلمه " حكاية ما يقال في مثله أَي: هو داخيةٌ يقال فيه هذا القول. قال " من البسيط ". ويْلُمِها في هواء الحق طالبةً ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب وأما وزن قوله " ويلمه "، فإن حكيت أصله فوزنه " فَعْ لُ عْله " وإن وزنت على ما صار إليه بعد التركيب فمثالها " فَيْعُلِّة "، فإن قلت فإن هذا مثال غير موجود، قيل: إنما ينكر هذا لو كان المثال أصلاً برأسه، فأما وإنما هو فرع أدى إليه التركيب شيئا بعد شيء فلا ينكر ذلك، ألا ترى إلى قولهم في زجر الفرس " هِجِدّم: للواحد والاثنين والجميع سواء. فمثال " هجدم ": إفِعّل، وهذا مثال غير موجود في الأصول

стр. 5

وإنما أصار إليه التحريف والتركيب، وأصله من قوم: " أَجْدَ مْت بالفرس " إذا قلتَ له " أجدم " أي أسرع. قال عدي بن الرقاع " من الخفيف ": هُنَ عُجْمٌ وقد عَلِمنَ من القولِ ... هبى واجْدَمى ويايَ وقومي ويجوز أن يكون قولهم " ويلمه " أصله: ويل لامه، ثم حذف حرف الجر والهمزة - التي هي فاء - والتنوين، أو لم ينون لأنه نوى المعرفة كغاقِ، فبقى ويلمه. أوس " من البسيط ". ويلمهم معشراً جُماً بيونُهمُ ... لا العرفُ عرفٌ، ولا التنكير تنكيرُ وفيها: بما هي مقناةٌ أنيقٌ نباتُها ... مربٌّ فتهواها المخاضُ النوازعِ " مقناة " أي موافقة. وقوله: " مقاناة البياض بصفرة " أي يوافق بياضها صفرتها، ولغة هذيل " مفناة " بالفاء. ينبغي أن تكون لام المقناة بالقاف واواً من قولهم: قنوات السيئ أي وافقني فادخرته، وإما على قول

стр. 6

الكوفيين فإنهم يحكون: قنوته وقنيته، فعلى هذا يحتما الأمرين بالواو والياء، وأما " المقناة " بالفاء فقد فسرها أبو مرو فقال: هذيل تقول " مفناة " بالفاء، وطيّ تقول " مقناة " بالقاف: قال: وهو الجانب الذي لا تطلع عليه الشمس، فهي على هذا كأنها مَفْعَلَةٌ من الفِناء، وهو الحد والجانب. وقد سبق قولنا أن الوجه أن يكون الفناء من الواو وجملا على حكم الثناء لأنهم قد قالوا: هو فناء الدار وثِناؤها بمعنى. وأما " المقناة " بالقاف على تفسير أبي عمرو فإنها بمعنى مررب، وقد فسر مرباً بالمألف، فالمقناة على هذا كالقول الأول من الواو من " قنوت "، لان الشيء المقتنى مألوف، فهذا معنى " مرب " أيضا. وانْسال ذو الماوَين أمْسَتْ قلاتُه ... لها حَبَبٌ تَسْتَنُّ فيه الضفادع " ذو الماوين ": موضع. ينبغي أن يكون تثنية ماء، كأنه موضع يأتيه الماء من موضعين أو فيه ماءان، وقياسه: ذو الماءين وقد يجوز أن تقول فيه ماوان كما تقول في عطاء: عطاوان. وأصل إبدال هذه الهمزة واواً أن تكون لما همزته للتأنيث نحو: حمراوان وصفراوان، ثم يشبه ما همزته زائدة لغير التأنيث للزيادة بهمزة التأنيث فيقال: علباوان وحرباوان، ثم يُشبه ما همزته منقلبة عن الياء والواو والأصلين بما همزته منقلبة عن ياء زائدة فيقال: عطاوان وسقاوان كما قيل علباوان وحرباوان، ثم يشبه ما همزته بدل من أصل فيقال في قرّاء وضاء: قراوان ووضاوان كما قيل: عطاوان وسقاوان. هكذا تنزيل هذه الأشياء شيئا فشيئا.

стр. 7

وفيها: لها هَجَلاتٌ سَهْلةٌ ونِجادَةٌ ... دكادِكُ لا تُوبى بَهِنَّ المراضعِ قال: الهجل بطن من الأرض لين. هذا من المذكر الثلاثي الذي جُمع بالتاء، ومثله ثِرى وثريات. أنشد الأصمعي " من الرجز ": وامتص بَرْدَ الثَرَيات الرُّشَحِ ... مَصَّ الذُبابات الشروط البَرْسخِ ونحوه قولهم: " يا لَثارات فلان " هو جمع " ثار "، ومثله ما أنشده أيضا " من الرجز ": ذو رألات شَفّها وشَفَّهُ ... شِرادُها عن شركٍ وكفَّهُ وهو جمع رأل. وأنشد أيضا جمع حور، وهو النقصان. وقال المراد الفقعسي " من الوافر ": تريْ عبساً يُسَوِّدُهُنَ ماءٌ ... من النَجَداتِ يحلبه الذميلُ قالوا: جمع نجد للعرق. وقال قيس بن عَيزارة في قصيدة " من الكامل ": والدَّهْرُ لا يبقى على حَدثانِهِ ... بَقَرٌ بناصِفَةِ الجِواءِ ركودُ

стр. 8

الهمزة في " جواء " بدل من ياء لأن باب " طويت " اكثر من باب " قوَ " وإن كانت جمع قَوّ فهي بدل من واو، ويجوز في القياس أن يكون مقلوبا من الجؤوة فتكون همزته أصلية ويكون مثاله " فِلاع ". وقال قيس بن عَيزارة " من الطويل " ورَدَنْا الفُضاضَ قلنا شَيّفاتُنا ... بأرعنَ ينفى الطيرَ عن كل موقع قال: " شيفاتنا " طلائعنا، الشيفة: الطليعة. ينبغي أن يكون عين الشيفة واواً لأنها " فَيْعلَة " من شاف يشوف إذا جلا، ألا ترى أنهم يقولون: " قد جَليّ الصقر والبازي " إذا رمى بطرفه وكذلك الطليعة إنما تتأمل وترمى بأبصارها هل ترى شبحا، جيشا أو غيره. قال عنترة " من الكامل ": ولقد شربت من المدامة بعدما ... ركدتا هواجر بالمشوف المعلو أي بالدينار المجلو. فأما رفع " شيفاتنا "، فإن شئت فالبتداء وخبره " قبلنا " مقدم عليه، وإن شئت كان بدلا من " نا " في وردنا بدل البعض كقولك: " دخلنا تادارَ خمسةٌ من وأكثرنا " ونحو ذلك. فإن قلت فكيف تجيز البدل من ضمير المتكلم، ألا تراك لا تجيز: " قمتُ زيدٌ " ولا " كلمتني جعفراً؟ " قيل إنما لا يجوز البدل من ضمير المتكلم إذا كان بدل

стр. 9

الكل كما تقدم آنفا. فأما بدل البعض وبدل الاشتمال فكلاهما جائز من ضمير المتكلم لما في ذلك من الفائدة. قال وهو أبيات الكتاب " من الوافر ": ذَريني أنَّ أمْرَك لن يُطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا فهذا بدل الاشتمال، كذلك بدل البعض لا فرق بينهما. وإذا كان " شيفاتنا " مبتدأ، فقبلنا متعلق بمحذوف لا محالة لانه خبر، وإذا كان " شيفاتنا " بدلا احتمل " قبلنا " أمرين: أحدهما أن يكون متعلقا ب " وردنا "، فلا يكون فيه على هذا ضمير. والآخر أن يكون حالا من " شيفاتنا " فيتعلق حينئذ بمحذوف، ويتضمن ضميره الذي كان يكون فيه لو ظهر. ومن رفع بالظرف الظاهر كان " شيفاتنا " مرفوعا بالظرف ولا ضمر فيه لرفعه الظاهر. فأجابه أبو عامر بن أبى الخنس الفهمي من أبيات " من الطويل ": أقاوِمُ لا يعدو عن الظِّلِ عِزُّهُمْ ... فذو البَتِّ فيهم والفقيرُ مُدَعْدَعُ

стр. 10

" قوم " يكسر على أقوام، ويكسر أقوام على أقاويم إلا أن الياء تحذف لكثرة استعماله. كذا مر بنا في فرش الاستعمال. قال: ويروى " أقائم " يريد: أقوم. ينبغي أن يكون هذا شاهدا لما يقوله أبو إسحاق في همز العرب: " مصائب "، ألا ترى أنه قال إن أصله: مصاوب، إلا أن الواو أبدلت همزة لانكسارها كما أبدلت في وسادة ووشاح ووفادة ووعاء فقيل: أسادة وأشاح وإعاء وإفادة. وأنكر ذلك عليه أبو علي ﵀، وقال إن همزة الواو إذا كانت أولا ومكسورة قليلا لا يقاس عليه فكيف بها إذا كانت حشوا. قال: وإنما ذاك لأن مصيبة أشبهت " فعيلة "، فذهب في هذا إلى ما يراه أصحابنا لا إلى ما انفرد به أبو إسحاق. وفي بيت الهذلي هذا الذي هو " أقايم " تقوية لقول أبي إسحاق. ألا ترى أنه ليس في واحده ياء تشبه ياء " فعيلة "، إنما هو اقوام، والواو قيه صحيحة فكانت يجب صحتها في تكسيرها فهذا يدل على أن البدل إنما هو لمر راجع غلى حكم الكسرة في الواو. وقال قيس بن عيزارة من أبيات " من الطويل ": فَدَعْنا ونحصى حولَ بيتك بالحص ... ونلخاك غلفاً سلمى زَعيمُها ويروى: نلحاك، بالحاء. الواو في " ونحصى " تحتمل أمرين: أحدهما أن تكون للاستئناف وعطف جملة على أخرى أي: ونلخاك على كل حال، ولا موضع لهذه الواو وما بعدها. والآخر أن تكون واو المبتدأ أن واو الحال هذه متقاضية، وإذا جاز في بيت الكتاب وهو قوله

стр. 11

" من الخفيف " لن تراها ولو تأملت إلا ... ولها في مفارق الرأس طيبا أن يكون تقديره: إلا وأنت ترى لها في مفارق الرأس طيبا. فيحذف الجزءان جميعا وهما ركنا الجملة كأنْ حذف أحد جزئيها في بيت الهذلي هذا أجدر الجواز. وأما لام " نلخاك " فواو لقولهم: لخطوت الصبي، إذا سقيته بالمُسْعُط، زمنه لخى - يلخى لخوا، وهو أن يكون أحد شقي بطنه مسترخيا ومنه اللخواء، وهذا واضح. وأما لام " نلحاك " بالحاء ففيه لغتان: لحوت ولحيت لحوا ولحيا، وغصن ملحُوٌّ وملحىٌّ، ومنه تلاحى الرجلان أي تشاتما، وكأن كل واحد قشر صاحبه. ومعنى " نلخاك " من اللخا يعني الوَجور، ونلخاك نقشر منك ألفاً من الدية، عن الأصمعي. وفيها: وسِلْمُ الصَّديق وابلٌ ومسيلُه ... ومَرْعاه وادٍ لا يُفَجىّ عميمُها قال: " لا يفجى "، لا يفرج من كثرته. لام " يفجىّ " واو لأنه من قولهم: قوس فَجْواء، أي منفرجة، وأنث الضمير في " عميمها "، وهو عائد على الوادي من حيث كان الوادي في المعنى هو السلم فصار من باب قوله " من الطويل ": تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

стр. 12

وقول الله سبحانه: (ومنَ الشياطينِ مَنْ يغوصونَ له) وهو واسع كثير وإن شئت قلت ذهب بالوادي إلى البقعة كقول الله عز اسمه (إنَّكَ بالوادي المُقَدَّسِ طُوى)، فيمن لم يصرف لأنه ذهب بالوادي إلى البقعة. وقال قيس بن خويلد من بيتين " من الطويل ": وكادَ يُوالينا ولسنا بأرضِهم ... قبائلُ من فَهِمٍ وأفضى وثابرا لام " أفضى " عندنا هي ياء، قالوا لأنه من فصيت السيئ أفصيه فصياً إذا أبنته من غيره، والفصية أيضا ما نين الحر والبرد. ولا اعرف الآن " فص ". وقال قيس بن العيزارة من أربعة أبيات. " من البسيط ": ويلهما لقحةً إذا تأوبهم ... نسعً سآمية فيها العاصير مسع ونسع من أسماء الشمال. قال الهذلي: قد حال بين دريسية مؤوبة ... نسع لها بعضاهِ الأرضِ تهزيز

стр. 13

ويشبه أن تكون النون هي الأصل والميم بدل منها وذلك لأن الشمال شديدة الهبوب لقوله: " نسع لها بعضاه الأرض تهزيز "، فكأنها نسعة يجذب بها العضة. أنشدني الشجري في وصف حمامة تميل غصناً لتَفسه " من الطويل " ينبوء بها طوراً وطورأ يميلها ... كأنه غي أشطان مُرْجٍ وجاذبِ وفيها: كأنّها وَسْط أيْكِ الجزْع مُعْتَرِشٌ ... ممن يُعَوِّلَ تَحْتَ الدَّجْنِ مبغورُ في قوله " يعول " دلالة على أن عين العالة واو، والعالة أن يعرض خشباً على رؤوس شجر يتحصن فيها من السبع. ومثله ما قرأته على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيي " من البسيط " الطعن شغشغة والضرب هيقعة ... ضَرِبَ المعوّل تحت الديمة العَضُدا هذا آخر ما خرج من شعر قيس بن عيزارة.

стр. 14

(٢) شعر عمرو بن الداخل قال الأصمعي: اسمه زهير. قال " من الوافر ": تَذكّر أُمَّ عَبْدِ اللهِ لّما ... نأته، والنوى منها لجوج فيها: تُصيخُ غلى دَوِيِّ الأرض تَهوى ... بمسمعِها كما لأصغى الشَّجيجُ عين " تصيخ " واو قياسا واشتقاقا. أما القياس فلأنها عين، وان تكون واواً أكثر. وقد تقدم القول في هذا. وأما الاشتقاق فلأنهم قد قالوا أساخ بسمعه وأصاخ، فكأن الصاد فقلبت عن السين لأجل استعلاء الخاء كقولهم في مساليخ: مصاليخ، وفي سالغ: صالغ، لأن الخاء أخص بالغين منها ببقية حروف الحلق، وقد قالوا ساخ الماء في الأرض يسوخ أي دخل فيها. ورووا بيت أبى ذؤيب " من الكامل ": قصر الصبوح لها فشرّج لحمها ... بالنيّ فهي تسوخ فيها الإصبع

стр. 15

وتثوخ وكأن الثاء بدل من السين لاجتماعها في الهمس. والتقاؤها ان المُسيخ بسمعه مصغ إلى المسموع دأب في إدخاله أذنه وإيصاله غلى حاسته كما يسوخ الماء في الأرض أي يصل إليها ويخالطها وهذا مفهوم. واما " يصغي " فمن الواو من قولهم: صغوه معك وصغاه معك، أي: ميله، والمصغي إلى الشسء، مائل بسمعه إليه. وهذا واضح. وفيها: وأَمْهلُها فلما وَرّكتني ... شمالاً وهي مُعْرِضة تهيجُ وضع لفظ المضارع في معنى الماضي أي: وأمهلتها فلما وركتني. ومثله ما انشد الأصمعي " في المتقارب ": فلما خشيت أظافيره ... نجوت وارهنه مالكا قال الأصمعي: وهو كقولك: قمت وأصك عينه، أي وصككت عينه. ورواه غيره: نجوت وأرهنتهم مالكا. ومثله " من البسيط ": ظلت تجوب بها البلدان ناجية ... عيديةٌ أرهنت فيها الدنانيرُ

стр. 16

ومثله قول بعض همدان في نسر قتله " من الطويل ": أرحتهم منه وأطفأت سُنّة ... فإن باعدونا فالقلوبُ بِعادُ فأرميه من جوف الخبا فاختللته ... وليلي من دون الصباح سوادُ وقالت فتاة منهم في هذا النسر " من المتقارب ": فيرميه خالي على رقبة ... بسهم فانفذ منه الدسيعا وعليه بيت الكتاب " من الكامل ": ولق أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثُمََّ قلت: لا يعنيني أي: ولق مررت. قال أبو علي قال أبو بكر: كان حق الفعال كلها أن تكون مثالا واحدا إذ كان معنى الفعل على اختلاف أمثلة واحدا إلا انه فرق بين أمثلتها لاختلاف أومنتها. قال فان انضم غلى لفظ المثال قريبة من لفظ أو حال جاز وقوع كل واحد منها موقع صاحبه وذلك نحو قولهم في الشرط: " أن قمتَ قمتُ " وأنت تريد: أن تقم اقم، فوضعت الماضي موضع المستقبل لما صحبه من حرف الشرط إذ معلوم أن الشرط لا يصح إلا مع الاستقبال وكذلك الدعاء نحو: " غفر الله لك " لما كان الدعاء في لفظ الأمر، والأمر والنهي لا يصحان إلا مع الاستئناف. وكذلك " لم أقم " لما كان نفي قمتُ، وقمت ماضٍ جاء فيه لفظ المضارع، فهذا شرح هذا فاعرفه. فأما قول الله تعالى: (واتَّبَعُوا ما تتلو

стр. 17

الشَّياطينُ) فمعناه: تلت، وهو حكاية حال التلاوة فلذلك جاء بلفظ الحاضر. وقد ذكرنا هذا في موضع آخر من كلامنا. وفيها: وصفراءُ البُراية فَرْعُ نَبْعٍ ... تَضمَنَّهَا الشرائِعُ والنهوجُ ويروى: فرع قان. وقال: القان الشجر التي تعمل منه القسي. كان أبو علي ﵀ يجعل عين " القان " ياء ويأخذه من: قَيَّنْتُ السيئ، أي حسنته وزينته، ويذهب على أن الشجر يُحَسنُ موضعه ويجمله. وليس يبعد عندي أن يكون القين وهو موضع القيد من هذا، وذلك انه بمنزلة الخلخال والسوار من المرأة وهما للجمال والزينة. قال ذو الرمة " من البسيط ": دانى له القيدُ في ديمومة قَذَفٍ ... قينية وانحسرتْ عنه الأناعيم ويكشف لك عن حقيقة ما نحن بسبيله قول أبى نواس " من الطويل ": إذا قام غنّته علي الساقِ حليةٍ ... لها خطوة عند القيام قصيرُ فجعل القيد حلية، أي هو في مكان الحلية من لابسها، وهو أيضا من جوهر الرض كالفضة والذهب. نجز ما خرج من شعر عمرو بن الداخل.

стр. 18

(٣) وهذا شعر أبي ذَرّة قال الأصمعي: أبو ذُرَّة " من الرجز ": يا أيُها الشَّاعِرُ لا يُسْمَعْ لكا ... أعجلتني ولم اكنْ أحفِلْ لكا ليس قوله في القافيتين: " لكا، لكا " ايطاء، وذلك ان حرف الجر يتصل بالفعل قبله حتى يصير كجزء منه وذلك نحو: مررت بك، ونظرت إليك. ويدلك على أنه معه كالجزء الواحد أشياء منها: إن عبرة الفعل الواصل بحرف الجر عبرة الواصل بنفسه، ألا ترى إن مررت بزيد بمعنى جزت زيدا، ونظرت إلى عمرو بمعنى أبصرت عمرا. ومنها أنك تختار مع حرف الجر من النصب ما تختاره مع الفعل الواصل بنفسه فتختار أزيداً مررت به، كما تختار: أزيداً رأيته. ومنها أن حرف الجر هذا قد عاقب ما هو مصوغ في الكلمة حرفا منها، ألا ترى انك تقول: ذهبت بزيد، فمعنى الباء معنى همزة أفعل إذا قلت: أذْهَبتْ زيداً، وكذلك: علوت به وأعليته. نعم ويعاقب أيضا عن الفعل في قولهم: سرت بزيد، وسيّرت زيدا، وسبقت بزيد، وسبقته.

стр. 19

ولهذا أشباه، فإذا جرى حرف الجر مجرى جزء من الفعل الذي اتصل به صار بضعة منه وطرفا له فصارت المعاملة في القافية إذن إنما هي مع الفعلين لا مع الحرفين الجارين المتصلين بهما، فكأنه لا يسمعك ولا يحفلك. وإذا كان كذلك فقد اختلفت القافيتان، ولم يكن هناك إيطاء. وقال أبو ذَرَّة " من الرجز ": الجدّ هُوَّ أي بني خُزَيمة ... أنْ يُنزلوني سواء الخيمة يجوز أن يكون معناه " الجد "، ثم حذف همزة الاستفهام تخفيفا و " هُوَّ " خبر " الجد "، وهو ضمير ما كانوا عليه نظير الضمير في قوله: " إذا كان قد غدا فاتني "، وقوله " أن تمزلوني " بدل من " هُوَّ " وهذه لغة في " هو " أعني الثقيل. ويجوز أن تكون الرواية " هُوٌ " أي تكسير " هاوٍ " أي محب، أي يا محبي. وقال أُسيد بن أبى إياس من قصيدة " من الطويل ": وأكسى لثوبِ الخالِ قَبْلَ اعتراكِه ... وأعطى لرأس المنهبِ المتجِردِ

стр. 20

عين " الخال " ياء لانه يختال فيه فهو من الخيلاء الأخيل. وفيها: فَقَدْني وإياهم فانْ ألْقَ بَعْضَهُمْ ... يكونوا كتعجيل السَّنامِ المُسَرْهَدِ عطف " إياهم " على المعنى وذلك أن " ني " من قدني، وان كانت مجرورة بإضافة " قد " إليها فإنها - في المعنى منصوبة، ألا ترى أن معنى " قدك " ليكفك، و " قدني " بمعنى ليكفني. موضع " قد " من قدك رفع بالابتداء تقول: قدك درهمان، كقولك: حسبك درهمان، وإذا جاز أن تتصور في حسبك وهي معربة معنى ليكفك كان اعتقاد ذلك مع قدك المبنية أخرى، ألا ترى إلى قوله " من الطويل ": إذا كانت الهيجاءُ وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند ألا ترى انه محمول علة معنى: فليكفك والضحاك. ومن جر " الضحاك " عطفه على الكاف ضرورة. ونحوه قول الله سبحانه: (إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ). لما لم يحسن عطفه على الضمير المجرور حمله على المعنى فصار تقديره: ننجي أهلك. ويجوز فيه عندي وجه آخر وهو

стр. 21

أن يكون إياهم في موضع جر وان كان لفظه للضمير المنصوب. ألا ترى غلى قوله " من الطويل ": فأحسن وأجمل في أسيرك إنه ... ضعيف ولم يأسر كإياك آسر وجاز ذلك عندنا كما جاز قوله: أنا كأنت، وأنت كأنا، وكما جاز، مررت بك أنت، ونزلت عليهم هم. فكما باشرت هذه الضمائر ونحوها الجوار وهي ضمير المرفوع، كذلك جاز أن تباشر إياك الكاف في قوله: كإياك، وإن كانت إياك من ضمير المنصوب. والعلة الجامعة لجواز ذلك هي أن هذه الأسماء المضمرة أسماء في القيقة وعبارات عما المظهرات عبارة عنه وليست الصورة هي نفس الإعراب فنحتشم من وضع ضمير المرفوع موضع المنصوب والمجرور، وإذا كانت اسما جاز أن يقع بعضها موقع بعض كما يقع الاسم الواحد مرفوعا تارة ومنصوبا أخرى ومجرورا تارة، وان كان أكثر الاستعمال ان يَخُص كل واحد من هذه الأسماء بموضع من الإعراب خلافا على الظاهر، فكذلك يجوز ان يكون أيضا قوله " فقدني وإياهم " موضع " إياهم " جر على موضع " ني " من " قدني "، كما كان الضحاك فيمن جره عطفا على الكاف في " حسبك ". وعلى أن " إياهم " هنا أسهل من " الضحاك ". ألا ترى أن " إياهم " لا يبين فيه حقيقة إعراب وقد وقع أيضا نفسه في موضع جر في قوله: " ولم يأسر كإياك آسِرُ "، فكأنه لا فرق بين المنصوب والمجرور في هذا. وليس كذلك " الضحاك " لاختلاف حالي نصبه وجره، فإذا جاز " فحسبك والضحاك " كان " فقدني وإياهم " على أن " إياهم " موضع جر أجوز لا سيما ولم يظهر في " فقدك " إعراب. فالكاف في " قدك " أشبه بالمنصوب من كاف " حسبك "، فكأن " إياهم " وان كان مجرور الموضع نصيبه. فان قلت فقد وقع الإجماع على أن ضمير المجرور لا يكون

стр. 22

مفصولا، وأنت فصلته في هذا الموضع، ألا تراك انك لا تقول: " مررت بزيدٍ وَكَ "، ولا " لقيت غلامه وها " أي وغلامهما. فالجواب إن هذا إنما جاز لان لفظه لفظ المنصوب وان كان مجرورا. كما أن " أنت " من قولك: " مررت بك أنت "، مجرورة لوقوعها توكيدا للكاف المجرورة، و " أنت " كما تراه منفصل. وإنما جاز ذلك لان لفظه لظ المرفوع المنفصل، وكذلك يجوز أن يكون " إياهم " من قوله: " فقدني وإياهم " ضميرا مجرورا وان كان مفصولا لمجيئه على لفظ المفصول. واما قوله " يكونوا كتعجيل السنام المسرهد " فانه يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون " التعجيل " مصدرا لعجَّلت، فيكون المضاف إذن محذوفا كأنه قال يكونوا كذي تعجيل السنام، و " ذو تعجيله " هو السنام، فكأنه قال يكونوا كالسنام المسرهد. فهذا وجه ظاهر. والآخر أن يكون " التعجيل " اسما من هذا المعنى لا مصدرا، فقد جاء التفعيل اسما لا مصدرا ومن ذلك: التمييز والترغيب لقطع السنام. وقال أبو عمرو الشيباني التمييز: خيط المظلة. وقال أبو زيد: التأويل واحدته تأويله وهي أوعية برز بعض النبت يكون كقرون الكباش، ومثله التنبيت. فيكون على هذا " التعجيل " كالترغيب وزنا ومعنى فأعرفه.

стр. 23

(٤) وهذا شعر المُعَطَّل وقد تروى لمعقل بن خُويلد. قال " من الطويل ": لَعَمْرك لقد نادى المُنادى فراعني ... غَداةَ البُوين من بَعيدٍ فأسمعا فيها: جَواداً إذا ما النَّاسُ قَلَّ جَوادُهُمْ ... وسُفّاً إذا ما صَرَّح الموتُ أرْوَعا أوقع المضاف اسم جنس وهو قوله " جوادهم " ومثله قولهم: " منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبها ". ومنه قول الله سبحانه: (وقالت اليهودُ يَدُ الله مغلولةٌ، غُلَّت أيديهم) معناه نعمته أي نعمة. وأنشد أبو الحسن: الخالطين لجينهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي القَقْرِ

стр. 24

أي بالفقراء. قال " والسلف " ضرب من الحيات خبيث، ويقال انه الشجاع. ينبغي أن يكون تسميتهم الحية سفاً من قولهم: " أسفَّ الطائرُ " إذا دنا من الأرض في طيرانه وذلك لمباشرة الحية الأرض بطنه، وليس يبعد جسمه من الأرض بُعْدَ ما يمشي على رجليه. فان قلت: كيف خص بهذا الاسم بعض الحياة دون بعض وهو معنى شائع في جميعها؟ قيل هذا لا يلزم في طريق الاشتقاق، ألا ترى انهم يقولون أن القارورة إنما سميت بذلك لاستقرار الماء فيها. وليس يلزم من هذا أن يقال لكل ما استقر فيه شيء قارورة، ألا ترى انه لو لزم ذلك لوجب أن تسمى البئر قارورة لاستقرار الماء فيها، وان يسمى الصندوق قارورة لاستقرار المال فيه أو المتاع فيه، وان يسمى البحر قارورة لاستقرار الماء فيه. وكان اللبس يعظم والبلاء يتسع ويشمل. وفيها: فقُلْتُ لهذا الدَّهْرِ انْ كُنْتَ تاركي ... بخيرٍ فَدَعْ عَمْراً واخوَتَه معا يحتمل هذا أمرين: أحدهما أن يكون أراد " تاركي بخير تريده بي " كما تقول " ضربته لشر " و " أحسنت إليه لخير ". والآخر أن يكون مقلوبا أي إن كنت تاركا لي خيرا كقولك: تاركا شيئا خيارا جيدا فدع لي فلانا وفلانا.

стр. 25

لَعَمْرُكَ ما غَزَوْتُ دِيشَ بنَ غالِبٍ ... لِوِتْرٍ ولكن إنما كنت مُوزَعا عين " ديش " ينبغي أن تكون واوا من قولهم " الدوش " في العين .. كذا رواه " دِيس " بكسر الدال. وقال الأصمعي: أظنه حيا من كنانة. وروى محمد بن الحسن " دَيش " وقال: هو بطن من العرب. وقال أحمد بن يحيي " دَيش " بفتح الدال أيضا وقال: هي قبيلة من الهُونِ وهم من القارة. كذلك حكياه في شعر هُذيل. وقد يجوز أن يكونَ هذا ذاك ال أن الدال عنها مفتوحة، وظاهر الأمر ان العين على هذا ياء، فأما ما قرأته على أبي بكر بن الحسن عن أحمد بن يحيي عن ابن الأعرابي من قوله " من الرجز ": وان تكلمت جثت في فيش ... حتى تنقى كنقيق الديش فانه أراد الديك فأبدل الكاف شينا ونحوه وقوله " من الطويل ": فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... سوى أن عظم الساق منش دقيقُ

стр. 26

والبدل كثير، منه ما أنشدنا أبو علي " من الرجز ": يا ابن الزبير طالما عَصيكا ... وطالما عنّيتنا إليكا لنضربن بسيفنا قفيكا فقال: عصيك، أبال تاء " عصيت " كافا. ويحكى أن عبد بني الحساس كان إذا أنشد شعرا حسنا قال: " أحسنكَ والله "، يريد أحسنت والله. وهو كثير. وفيها: فما لُمْتُ نفسي من دِواءِ خُويلدٍ ... ولكن أخو العَلْداة ضاعَ وَضُيّعا " دواء ": علاج. هذا عندي مصدر داويتة وراضيته رضاء. قرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيي " من الخفيف ": كم نرحب بما سخطت ولكن ... مرحباً بالرضاء منك وأهلا فهذا مصدر " راضيته "، فأما الدواء فالاسم منه. وحكى الفراء عن أبى الجراح هو الدواء، وانشد " من الطويل ": يقولون مخمور وهذا دواؤه ... علّ إذن مشيٌ إلى البيت واجب وأما العلداة فكالأرْطاة وكالعلقاة ألفها للإلحاق لا للتأنيث.

стр. 27

وقال المعطل أيضا: ألا أصْبَحَتْ ظمياءُ قد نَزَحت بها ... نوى خَيْتَعورٌ طَرْحُها وشتاتها وفيها: وقالَت تَعَلَّمْ أنَّ ما بين شابةٍ ... وبين دُفاقٍ رَوْحَة وغداتُها ينبغي أن يكون عين " شابة " واوا حملا على الأكثر من لفظ الثوب، وقد يجوز أن يكون من لفظ " الشيب " وفيها: فأبنا لنا ريحُ الكِلاء وذِكرُهُ ... وآوا عليهم فَلُّها وشَماتُها

стр. 28

قال " الريح " الدَولة. يجوز أن يكون " الكلاء " مصدر كالاتة أي نحن نتكالأ وينصر بعضنا بعضا لان كلمتنا واحدة فيكون كقوله " من الرجز ": إنّ نِزاراً أصبحت نزارا ... دعوة أبرار دَعوا أبرارا ويجوز أن يكون أراد الكلآءة أي الحفظ فحذف الهاء. والأول أقوى.

стр. 29

(٥) وهذا شعر ربيعة بن جَحْدَر " من الطويل ": أَنّى تَسَدَّى طيفُ أم مسافعٍ ... وقد نام يا ابن القوم من هو ناعِسُ لام " تسدّى " ياء لنه تفعّل من سدى الثوب، وهو الياء. يجوز إمالته، وقد قالوا أيضا: سدى إليه يسدي سديا، في معنى أسدى إليه، والمعنيان منضمان، ألا ترى أنهم يصفون السخي بانبساط يده، واللئيم بانقباضها. والسدى ما انبسط من غزل الثوب، ويجوز أن يكون " تسدى " تفعل من السدو وهو بسط يدي البعير في سيره وهذا من الواو. فيها: وذي ابل فَجَّعته بخيارها ... فأصبح منها وهوَ أسوانُ يائس قال: ويروى أسيان. من قال " أسوان " فأسى يأسى عنده كشقي يشقى ومن قال أسيان فأسى يأسى كبقى وينبغي أن يكون " أسوان " من لفظ الأسوة ومعناها، إلا أنه للسلب لا للإيجاب كما تقدم في أول كتابنا هذا، فيكون من باب: أشكيت الرجل أي زلت له عما يشكوه، وأعجمت الكتاب أي أزلت استعجامه، فكذلك معنى أسوان أي قد زال عنه التأسي بغيره فأسى لذلك، ولو تذكر مصائب غيره لخف عليه حزنه.

стр. 30

ويؤكد الياء في الكلمة إمالة الأسى. هذا هو باب الاعتبار وأن كان سيبويه قد حكى الأمالة في العشا والمكا والكيا، فإن ذلك شاذ، والعمل على غيره. وقال رجل من هذيل: من أبيات " من الرجز ": فَظِلْتُ في شَرَ من اللذ كيدا ... كاللَذ تزبى زبية فاصطيدا قد عَدَّ الناس " اللذ " لغة في " الذي "، ويمكن عندي أن يكون ذلك صنعة لا لغة، وذلك إنه يجوز أن يكون حذف الياء تخفيفا لطول الاسم بصلته فصار " اللذ " كما روينا عن قطرب " من الرجز ": اللذِ لو شاء لكانت برا ... أو جبلاً أشَمَّ مشمخرا فلما صار إلى " اللذ " اسكن الذال استثقالا لكسره واتباعا لإقامة الوزن. " قال بعض هذيل من الرجز: هل لك فيما قلت لي وقلت لك ... إِن معي ذا حاجة وينفعك وتجعلين اللذْ معي في اللَذْ معك أراد " اللذِ " بالكسر، أما لغة أو صنعة فمنعها لإقامة الوزن. وكقول الآخر، أَشده أبو زيد " من الرجز ":

стр. 31

قالت سليمي اشْتَرْ لنا سويقا يريد " اشترِ ". وكإنشاده " من الرجز ": فاحذر فلا تكترْ كرياً اعوجا يريد " لا تكترِ ". وكإنشاد الفراء " من الوافر ": ومن يتقْ فأن الله مَعْهُ ... ورزق الله مؤتابٌ وغادي يريد " يتقِ " فأجري المنفصل في هذه المواضع مجرى المتصل فصار لذلك بمنزلة فخذ وكبد وصار يتق كعلم وسلم فأسكن الذال فقال كاللذْ، وازداد الإسكان هنا حسنا لطول الاسم وإفراطه بصلته كما كان حذف النون مع إِرادتها في قوله " من الرمل ": ولقد يغني به جيرانك ال ... ممسكو منك بأسباب الوصالِ أحسن من قوله: الحافظوا عورة العشيرة. فيمن نصب من موضعين أحدهما أن " منك " في " افعل منك " قد عاقبت المضاف إليه فلم يجتمع مع لام التعريف نحو: الأحسن منك، والأظرف منه، كما لا يجتمع معها الإضافة. فكأن " منك " في قوله: الممسكو منك، بمنزلة الكاف في الممسكوك، كذلك حسن حذفها في " الممسكو منك ". والآخر إن " الممسكو " أطول من " الحافظو " وذلك إن لام التعريف قد تمكنت الأدلة على كونها كجزء مما دخلت عليه فعرفته. وقد أوضحت الدلائل على ذلك في كتابي " سر الصناعة "، وفي كتابي الموسوم ب " المعرب في شرح القوافي " عن أبي الحسن وغيرهما من كلامي. فلما كانت اللام في

стр. 32

" الممسكو " إنما هي في آخر المصراع الأول وبقية الكلمة في المصراع الثاني وعرض هذا الإدماج ازدادت الكلمة طولا إذ كانت مقتسمة من آخر المصراع الأول وأول المصراع الثاني. والمصراع الأول قد يجوز ويحسن ويكثر الوقوف عليه كما يوقف على آخر البيت نفسه، ألا ترى أن جزئي التصريع والتقفية في آخر المصراع الأول يشبهان القافيتين في آخر البيت ولذلك قطعت العرب ألف الوصل في أول المصراع الثاني في نحو بيت الكتاب " من الكامل ": ولا يبادر بالعشاء وليدنا ... القدر ينزلها بغير جعالِ وعليه أجاز أبو الحسن الخرم والخزم جميعا في أول المصراع الثاني كما يجوز الجميع في أول البيت فلما اسبه آخر المصراع الأول آخر البيت اجمع صار المصراعان كأنهما بيتان فازداد الأمر بذلك طولا، فازداد حذف النون لما ذكرنا حسنا، فاعرف ذلك. وفي قوله: " فاصطيدا " ثلاث لغات إنْ شئت " اصطيدا " بإخلاص كسرة الطاء، وإن شئت " اصطيدا " بإشمام الكسرة ضما، وإن شئت بإخلاص الضمة وقلب الياء واوا تقول " اصْطُودا " والأولى أجودهن ثم التي تلبيها. قال " من مشطور الرجز ": وابتُذِلَتْ غضبى وأمُّ الرِّحال ... وقُولَ: لا أهلٌ له ولا مال

стр. 33

وقرأته على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى، وقرأت أيضا عليه عنه " من مشطور الرجز ": حُوكت على نِيرينِ إذ تُحاك ... تَخْتَبط الشَّوْكَ ولا تُشاك وقد ذكرت ذلك في شرح تصريف أبي عثمان. نجز ما خرج من شعر ربيعة بن جحدر ورجل من هذيل

стр. 34

(٦) وهذا شعر ربيعة بن الكَوْدَن قال " من الطويل ": أفي كل ممسي طيفُ شمّاء طارقي ... وإنْ شحطتنا دارُها فمؤرقي ومنها وأصحابي بريعانَ مَوْهِنا ... تلألؤ برق في سنا متألقِ قال " ريعان ": بلد، ويقال جبل. ريعان يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون " فَعْلان " من راع يريع إذا رجع. والآخر: أن يكون " فَيْعالا " من الرَّعْنِ كالغيداق والخيتام. فأما ريعان السراب فإنه " فَعْلان " من قولهم: تريَّع السراب، إذا ذهب وجاء، وقد قالوا فيه تَريَّه كأن الهاء بدل من العين. وأما " موهنا " فإنه متعلق بقوله منها " كقولك: " في الدار موهنا زيدٌ ". ويجوز أن يكون " موهنا " متعلقا بقوله: " بريعان " لان خبر عن أصحابي. ويجوز أن يكون " موهنا " حالا من " تلألؤ برق " كأنه في الأصل صفة له أي: منها تلألؤ برق موهنا، أي كائن موهنا ثم قدمت النكرة عليها فنصبته على الحال كقوله " من الوافر ": لمية موحشاً طلل قديمُ ولا يجوز أن تكون " موهنا " متعلقا بقوله: " متألق " أي متألق موهنا من قبل أن متألق صفة ل " سنا " والصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف ولا يجوز أن يكون متعلقا بنفس " تلألؤ " من قبل استحالة تقدم الصلة أو

стр. 35

شيء منها على الموصول، ولا يجوز أيضا أن يكون " موهنا " متلقا ببرق من قبل أن المضاف لا يعمل فيما قبل المضاف إليه، ولا يجوز أن يكون أيضا متعلقا بنفس " سنا " لأن قوله في " سنا " صفة لبرق ولا تعمل الصفة فيما قبل الموصوف. وكذلك أن جعلته صفة ل " تلألؤ " الحال واحدة. وكذلك ان جعلت " في سنا " متعلقا بنفس " تلألؤ " أو بنفس برق لأنه يكون في صلته، ومحال تقم الصلة على الموصول. وقد يجوز أن يكون " في سنا " صفة ل، " تلألؤ " وأن يكون صفة لبرق وأن يكون حالا من الضمير في " متألق "، ولا يحسن أن يكون صفة لمتألق مقدمة عليه من قبل أن " متألقا " صفة، والصفات عند سيبويه لا توصف ولذلك قال أبو علي ﵀ في قولهم: " مررت برجل عاقل ظريف " أن عاقلا صفة لرجل، و " ظريفا " صفة لرجل موصوفا بعاقل. وقوله " واصحابي بريعان " جملة في موضع نصب على الحال بقوله " منها ". وفيها: فَظَلّ صحابي راصدينَ طريقَها ... وظَلَّت لديهم في خباء مُروقِ همزة " خباء " بدل من ياء لقولهم: خبيت الخباء أي أصلحته.

стр. 36

(٧) وهذا شعر عُروة بن مُرّة أخي أبي خراش قال من أبيات " من الطويل ": فداني ولم يَضْننْ عليَّ بنصره ... وَرَدَّ غداةَ القاع رَدَّةَ ماجدِ عين " القال " واوا لقولهم في تكسيره: أقواع، وأقوع وكأنه من معنى: قاع الفحل الناقة بوقوعها قياعا، إذا علاها، وذلك إن القاع كل مطمئن حر الطين. والتقاؤهما إن الأرض المنخفضة تعلوها الأشياء لانخفاضها، والأرض وغيرها تعلوها بالإضافة إليها فكأنه طروقه لغيرها. وقال عروة أيضا من أبيات " من الوافر ": أشَتَّ عليكَ أيَّ الأمرِ تأتي ... أتستخذي صديقَك أَمْ تُغيرُ أي أترفق به أم تغير عليه، و " أشت " تفرق. ينبغي أن يكون فاعل " أشت " مضمرا تدل الحال عليه أي: أشت الأمر عليك أي الطريقين

стр. 37

تركبه. وقوله: " أتستخذي أم تغير " في موضع نصب لانه مفعول " أشت " يقال: شت الشعب وأشته الله. قال " من المديد ": شت شعب الحي بعد التئام " وشجاك الربع ربع المقام " وهو بدل من قوله: " أي الأمر تأتي ". ولا يجوز أن يكون قوله " أي الأمر تأتي " الجملة في موضع رفع بأنها فاعلة، وذلك إن الجمل لا تكون عندنا فاعلة، ولذلك لم يجز أن يكون قوله: " ما الكلم من العربية " إذا جعلت " ما " استفهاما، و " الكلم " بعدها خبر عنها مقامة مقام الفاعل إذا قدرت العلم بمعنى أن يُعلم في قوله: " هذا باب علم ما الكلم من العربية " حتى كأنه قال: هذا باب أن يُعْلم أيَ شيء الكلم من العربية، لأن ما أقيم مقام الفاعل جار مجرى الفاعل. فأن قلت فلم لم تجز أن تكون الجملة فاعلة؟ قيل: من قبل إن الفاعل كما يكون مُظهرا، فكذلك قد يكون مضمرا، والمضمر معرفة، والجملة الخبرية لا تكون إلا نكرة.

стр. 38

(٨) شعر الأبح بن مُرّة قال من أبيات " من الوافر ": عليك بني معاوية بن صَخْرٍ ... فأنت بعَرْعَرٍ وهُمُ بضيمِ ظاهر أمر عين " ضيم " إنها ياء للفظ الموجود لأن المستعمل من هذا اللفظ ما عينه ياء وهو " الضيم ". قال " من الطويل ": أبي الضيم والنعمان يحرق نابه " عليه فأقصى والسيوف معاقله " ولم اعرف تصريف " ض وم " في شيء من كلامهم. فأجابه ساريةُ بن زُنيم الذي رُوى عن عمر " بن الخطاب " إنه قال: يا ساري: الجبل، الجبل. " من الوافر ": لَعَلَّكَ يا أبحُّ حَسبت أني ... قتلتُ الأسْوَدَ الحسنَ الكريما

стр. 39

أخذتم عقله وتركتموه ... يَسوق الظُمْىَ وَسْطَ بني تميما ذهب بتميم إلى القبيلة فلم يصرفه، كبيت الكتاب " من الكامل ": غَلَبَ المساميحَ الوليدُ سماحةً ... وكفى قريشَ المعضلات وسادها قال قلت: فلعله ذهب إلى حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله " من الرجز ": إذا غُطيف السلمىَ فَرَا قيل: ما ذهب إليه صاحب الكتاب من إنه ذهب بقريش إلى القبيلة فلم يصرفه أولى، ألا تراه قال " وسادها " ولم يقل: وساده، وهذا هو الوجه ونظائره كثيرة.

стр. 40

(٩) شعر عبد مناف بن ربع الجربي " وهو " من بني جريب. قال " من البسيط ": ماذا يَغيرُ أبنتي ربْعِ عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا قال: يقال خرج فلان يغير أهله ويميرهم، والمصدر " الغير " و " الغيار " يقول فما يرد عليهما بكاؤهما وما ينفعهما. اعلم إن " ذا " في هذا الموضع يحتمل أمرين أن يكون مع " ما " بمنزلة اسم واحد كقراءة من قرأ: (ماذا انزلَ رُبَكم؟ قالوا خيرا) بالنصب وإن " يكون " بمنزلة الذي كقراءة من قرأ: " قالوا خيرٌ ". وكالوجه الأول قوله " من الوافر ". دعى ماذا علمت سأتقيه ألا ترى أن معناه: دعى شيئا علمته سأتقيه، ولا يكون معناه دعى ما الذي علمته. فإذا جعلت " ماذا " في بيت الهذلي هذا بمنزلة اسم واحد احتمل ذلك الاسم أمرين: أحدهما أن يكون مصدرا البتة حتى كأنه قال: أي نفع ينفع ابنتي ربع عويلهما انفعا ما معذرا، كقولك: أي سرور يسركما غلامكما أسروراً معتدا أم سرورا كلا ولا، فهذا وجه. والآخر أن
следующие страницы →