Полный текст (247 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
(٧) وهذا شعر عُروة بن مُرّة أخي أبي خراش
قال من أبيات " من الطويل ":
فداني ولم يَضْننْ عليَّ بنصره ... وَرَدَّ غداةَ القاع رَدَّةَ ماجدِ
عين " القال " واوا لقولهم في تكسيره: أقواع، وأقوع وكأنه من معنى: قاع الفحل الناقة بوقوعها قياعا، إذا علاها، وذلك إن القاع كل مطمئن حر الطين. والتقاؤهما إن الأرض المنخفضة تعلوها الأشياء لانخفاضها، والأرض وغيرها تعلوها بالإضافة إليها فكأنه طروقه لغيرها.
وقال عروة أيضا من أبيات " من الوافر ":
أشَتَّ عليكَ أيَّ الأمرِ تأتي ... أتستخذي صديقَك أَمْ تُغيرُ
أي أترفق به أم تغير عليه، و " أشت " تفرق. ينبغي أن يكون فاعل " أشت " مضمرا تدل الحال عليه أي: أشت الأمر عليك أي الطريقين
стр. 37
تركبه. وقوله: " أتستخذي أم تغير " في موضع نصب لانه مفعول " أشت " يقال: شت الشعب وأشته الله.
قال " من المديد ":
شت شعب الحي بعد التئام " وشجاك الربع ربع المقام "
وهو بدل من قوله: " أي الأمر تأتي ". ولا يجوز أن يكون قوله " أي الأمر تأتي " الجملة في موضع رفع بأنها فاعلة، وذلك إن الجمل لا تكون عندنا فاعلة، ولذلك لم يجز أن يكون قوله: " ما الكلم من العربية " إذا جعلت " ما " استفهاما، و " الكلم " بعدها خبر عنها مقامة مقام الفاعل إذا قدرت العلم بمعنى أن يُعلم في قوله: " هذا باب علم ما الكلم من العربية " حتى كأنه قال: هذا باب أن يُعْلم أيَ شيء الكلم من العربية، لأن ما أقيم مقام الفاعل جار مجرى الفاعل. فأن قلت فلم لم تجز أن تكون الجملة فاعلة؟ قيل: من قبل إن الفاعل كما يكون مُظهرا، فكذلك قد يكون مضمرا، والمضمر معرفة، والجملة الخبرية لا تكون إلا نكرة.
стр. 38
(٨) شعر الأبح بن مُرّة
قال من أبيات " من الوافر ":
عليك بني معاوية بن صَخْرٍ ... فأنت بعَرْعَرٍ وهُمُ بضيمِ
ظاهر أمر عين " ضيم " إنها ياء للفظ الموجود لأن المستعمل من هذا اللفظ ما عينه ياء وهو " الضيم ". قال " من الطويل ":
أبي الضيم والنعمان يحرق نابه " عليه فأقصى والسيوف معاقله "
ولم اعرف تصريف " ض وم " في شيء من كلامهم.
فأجابه ساريةُ بن زُنيم الذي رُوى عن عمر " بن الخطاب " إنه قال: يا ساري: الجبل، الجبل. " من الوافر ":
لَعَلَّكَ يا أبحُّ حَسبت أني ... قتلتُ الأسْوَدَ الحسنَ الكريما
стр. 39
أخذتم عقله وتركتموه ... يَسوق الظُمْىَ وَسْطَ بني تميما
ذهب بتميم إلى القبيلة فلم يصرفه، كبيت الكتاب " من الكامل ":
غَلَبَ المساميحَ الوليدُ سماحةً ... وكفى قريشَ المعضلات وسادها
قال قلت: فلعله ذهب إلى حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله " من الرجز ":
إذا غُطيف السلمىَ فَرَا
قيل: ما ذهب إليه صاحب الكتاب من إنه ذهب بقريش إلى القبيلة فلم يصرفه أولى، ألا تراه قال " وسادها " ولم يقل: وساده، وهذا هو الوجه ونظائره كثيرة.
стр. 40
(٩) شعر عبد مناف بن ربع الجربي
" وهو " من بني جريب. قال " من البسيط ":
ماذا يَغيرُ أبنتي ربْعِ عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
قال: يقال خرج فلان يغير أهله ويميرهم، والمصدر " الغير " و " الغيار " يقول فما يرد عليهما بكاؤهما وما ينفعهما. اعلم إن " ذا " في هذا الموضع يحتمل أمرين أن يكون مع " ما " بمنزلة اسم واحد كقراءة من قرأ: (ماذا انزلَ رُبَكم؟ قالوا خيرا) بالنصب وإن " يكون " بمنزلة الذي كقراءة من قرأ: " قالوا خيرٌ ". وكالوجه الأول قوله " من الوافر ".
دعى ماذا علمت سأتقيه
ألا ترى أن معناه: دعى شيئا علمته سأتقيه، ولا يكون معناه دعى ما الذي علمته. فإذا جعلت " ماذا " في بيت الهذلي هذا بمنزلة اسم واحد احتمل ذلك الاسم أمرين: أحدهما أن يكون مصدرا البتة حتى كأنه قال: أي نفع ينفع ابنتي ربع عويلهما انفعا ما معذرا، كقولك: أي سرور يسركما غلامكما أسروراً معتدا أم سرورا كلا ولا، فهذا وجه. والآخر أن
стр. 41
يكون ذلك الاسم الدال عليه " ماذا " غير مقصور على جنس واحد من المصدر دون غيره كقولك: أي شيء يرد عليهما عويلهما؟ كما تقول: أي شيء تحصل في هذه الحال أفضة أم ذهبا أم كسوة أم عقارا أم منزلة أم جاها. فان جعلت " ذا " بمنزلة " الذي " كان هناك محذوف عائد إلى الموصول من الصلة، وكان " الذي " مصدرا في المعنى أي: ما الغير الذي يغيره ابنتي ربع عويلهما، كقولك: ما الضرب الذي يضربه زيدا غلامه. وإن شئت كان " الذي " شائعا لا يخص جنسا دون جنس كقولك: ما الشيء الذي يرده عليهما بكاؤهما أمال أم عقار أم ضيعة أم احتساب وسلوة؟. وقد أطال أبو علي ﵀ في تفسير هذا البيت في تذكرته وغيرها من مصنفاته.
فأما قوله " لا ترقدان " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون ذا موضع من الإعراب. والآخر أن يكون غير ذي موضع منه. فإذا كان ذا موضع منه احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون حالا من " هما " أي عويلهما غير راقدتين، وأن شئت كان خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: هما لا ترقدان فيكون في هذا الوجه رفعا كما كان في الذي قبله نصبا. الوجه الآخر: من القسمة الأولى أن تكون غير ذي موضع بل يكون مستأنفا غير واقع موقع المفرد.
وأما قوله " ولا بؤسى لمن رقدا " فيجوز أن يكون " بؤس " في موضع فتح لبنائها مع " لا " كقول الله سبحانه: " لا بُشرى يومئذ للمجرمين " وقوله: " لمن رقدا " خبر عنه. ويجوز على هذا أن يكون قوله " لمن رقدا " صفة ل " بُؤسى "، والخبر محذوف. فإذا أنت فعلت هذا لم يجز أن يكون قوله " لمن رقدا " مبنيا مع " بؤسى " كما يبنى ظريف مع رجل في قولك " لا رجلَ ظريفَ " من قبل أن ظريفا جزء واحد فجائز أن يجعل مع الجزء الأول الذي هو رجل كالاسم الواحد.
وأما قوله " لمن رقدا " فإنه ثلاثة أشياء فلا يجوز أن يجعل مع غيره
стр. 42
كالاسم الواحد لطول ذلك، ويجوز أيضا أن تُعلق اللام في قوله " لمن رقدا " بنفس بؤسى، فإذا فعلت ذلك اعتقدت في بؤسى التنوين لطول الاسم بما عمل فيه وحذفت الخبر، إلا أنه لما لم ينصرف لم يبن فيه تنوينه، ويجوز أيضا أن يجعل " لا " كليس فتعتقد رفع برسى كقوله " من مجزوء الكامل ":
" مَنْ فَرَّ عن نيرانها " ... فإنا ابنُ قيس لا بَراح
أي: ليس عندي براح. وتكون اللام بعد بؤسى خبرا عنها. ويجوز أيضا على هذا أن تجعل اللام صفة لها، والخبر محذوف. ويجوز أيضا أن تعلق اللام بؤسى كما جاز فيما قبل، إلا أن بؤسى على هذا القول منونة في التقدير، كانت اللام بعدها خبرا عنها وصفة لها أو متعلقة بها نفسها من قبل أن التنوين إنما يحذف من الاسم المبني مع " لا " الناصبة، فأما الرافعة فإنها لا تعترض على تنوين ما بعدها بنفيه ولا إثباته.
وفيها:
كأنَّهُمْ تَحْتَ صَيْفيَّ له نَحَمٌ ... مُصَرَّح طحرت أسناؤه القَردا
" أسناؤه " هي جمع سنا وهو الضوء. لام " سنا " واو لقولهم في التثنية: سنوان. وهو عندي السنة " كذا " وذلك لانهم يقولون: حول مجرَمٌ، وحول منجرد. وإذا تجرد الشيء ظهر وزال عنه ما يخامره ويستره فأنار للعين وبدا فكأن عليه ضوءً ونوراً، ولان السنة أيضا مشهورة
стр. 43
معلومة العدة شائعة المعرفة في الكافة فكأنَ عليها نوراً وضياءً
حتى إذا أسلكوهم في قُتائدَة ... شكلاّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُرُدا
همزة " قتائدة " وهي موضع، حشو لأنها حشو ولم يدل على زيادتها دليل، ولا تحملها على جُرائض وحُطائط لقلة ذينك.
وقال المُعتَرض بن حَبواء الظَفَري من أبيات " من الوافر ":
تركنا الضَبْعَ ساريةً إليهم ... تنوب اللحم في سرب المخيمِ
المخيم ويقال جبل. لا يخلو " المخيم " من أن يكون مفعولا محذوف العين كمبيع ومكيل. فأما " فَعيل " فيبعد عندي لأنك لا تعرف في الكلام تصريف " م خ م "، وعلى انه لا ينكر أن تأتي في الكلام الكلمة ولا تستعمل حروفها في غيرها، ألا أن من جنونا تركيبها من " م ج ن "، ولا تجد لهذه الأحرف تصريفا في غير هذه الكلمة. وكذلك كوكب وابنم وعُرَ يقصان والسَيْبَ والقيقب. ونظائر
стр. 44
ذلك أكثر من أن يحاط بها، فكذلك " مخيم " يجوز أن يكون تركيبه من " م خ م "، إن لم تجد ذلك تصرفا في غير هذا الحرف، ولكن الأظهر أن يكون مخيم مفعولا من خام يخيم إذا جبن واصله: مخيوم، فلحقه ما لحق مكيلا ومبيعا على اختلاف الرجلين فيه. فإن قلت فإن " خام " غير متعد، ألا ترى إلى قوله " من الكامل ":
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولو أنى تضايق مقدمي
فكيف جاز أن تبني مفعولا من فعل غير متعد؟ قيل: قد يمكن أن يكون أصله غير مخيم فيه أو إليه ثم حذف الجر فارتفع الضمير فاستتر في اسم المفعول كقول لبيد:
الناطق المبروز والمختوم
أي المبروز به ثم حذف حرف الجر فصا المجرور مرفوعا فضمنه اسم المفعول كما قال " من الطويل ".
" كأنّ ثبيراً في عرانين ويله " ... كبير أناس في بجاد مزمل
أي مزمل به أو فيه، ثم حُذف الحرف فارتفع ما كان مجروراً فاستكن في اسم المفعول، ومزمل عندنا وصف لبجاد لا لكبير على الجواز كما ظن قوم، ولو ثنيت على هذا فقلت: كبير أناس في بجادين مزملين، فثنيت اسم المفعول لما استتر فيه الضمير، ولو جئت به على الأصل لقلت: في بجادين مزمل بهما أو فيهما، فلم تثنه لأنه لا ضمير الآن فيه، ألا ترى إن حرف الجر وما جرَه في موضع رفع بمزمَل، ومحالٌ أن يكون فيه ضمير وقد رفع ما بعده؛ لأن الفعل وما جرى مجراه لا يَرفع
стр. 45
اسمين إلا على وجه الاتباع وطريق الإشراك. وكان هذا الوادي أو الجبل إنما سمى مخيما لأن قوما حاموا فيه أو خاموا إليه أي فزعوا إليه واعتصموا به أما باستخفائهم في الوادي أو توَقُّلهم في الجبل. والله أعلم.
لهامهم بمِدْفارٍ صياحٌ ... يُدَعَي بالشراب بني تميم
قال " مدفار " بلد لبني تميم، وإنما هو مِدْفرٌ فمدَه فقال: مدفار. لو أنه قال بمدفر مقصورا غير ممدود لجاز في وزن هذا البحر، ألا ترى أنه من الوافر، وكأن الجزء يكون لهامهمي: " مفاعلتن "، بمدفر: " مفاعلن "، فكان الجزء يكون معقولا كما ترى، إلا أنه آثر ارتكاب الضرورة مخافة زحاف الجزء، وليس هذا مذهب الجفاة الفصحاء. قال أبو عثمان في تصريفه: " وأما الجفاة الفصحاء فأنهم لا يبالون كسر البيت مخافة زيغ الإعراب ". يعني أبو عثمان بكسر البيت الزحاف لا الكسر الصريح، فأما الكسر البتة فغير جائز على حال فاعرف ذلك. فأجابه عبد مناف بن ربع "من الوافر":
ألا أبْلغْ بني ظَفَرٍ رسولاً ... ورَسْبُ الدَّهْرِ يَحْدُث كُلَّ حين
أحقاً أنَّكُمْ لما قَتَلْتُمْ ... ندامايَ الكرامَ هَجَوتموني
" أنَّ " مرفوعة الموضع بالظرف الذي هو حقا، وذلك أن " حقاً " هذه في الأصل إنما هي مصدر: حققت الأمر حقا، ثم أنه استعمل استعمال
стр. 46
الظرف فرفع أن كما يرفعها الظرف في قولك: " في غالب ظني أنك منطلق " فإن قلت فلعل موضع " أنَ " نصب بالفعل الذي هو " حقا " مصدره كأنه قال: أتحقون حقا أنكم قتلتم. قيل هذا فاسد، وذلك أن حقا هذه قد أزيلت عن أصلها فأصيرت إلى أحكام الظرف. والدليل على رفض ذلك الأصل والمصير إلى حكم هذا الفرع ما انشده أبو زيد " من الطويل ":
أحقاً بني أبناء سلمى بن جندل ... تهدّدّكم إياي وسْطَ المجالسِ
فارتفاع " تهددكم " به يزيل عنك هذه الشبهة في بابه.
وفيها:
وَرَدْناه بأسيافٍ حِدَادٍ ... خَرَجْنَ قُبيلُ من عِنْدِ القُيوِن
قلما يستعمل البناؤ على الضم في " قبلُ " و " بعدُ " وهما مصغرتان، واكثر ما يأتي البناء فيهما مكبرتين. وعلة ذلك عندي أن بناءهما يلحقهما بضعف الحرف، وتحقيرهما يبقى عليهما قوة الاسم فتنافت الحالان فَقَلَّ لذلك جمعهما. ومما جاء محقرا من ذلك ما أنشدناه محمد بن علي عن أبي إسحاق للشنفري " من الطويل ":
إذا وردت أصدرتها ثم إنها ... تنوب فتأتي من تُحيتُ ومن عَلُ
فأن قلت قد اتسع عنهم تحقير المبنى وذلك في الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة نحو قولهم في تحقير ذا: ذيّا، وفي تا: تّيا، وفي الذي: اللذيّا، وفي التي: اللتيا، وفي أُلا: أُليا، وفي أولاء: أُليَاء،
стр. 47
وهو واسع وكلها مبني. قيل هذه أسماء لا أصل لها في الإعراب فلما حقرت لم تنجذب إلى تمكن المعرب فاحتمل التحقير مع بنائها كما يحتمل في وصفها نحو: مررت بهذا العاقل، وبالذي في الدار الظريف. والتحقير ضرب من الوصف يعرض للاسم. قال أبو علي: ألا ترى إ، فائدة قولك: مررت بدويرة، وهو فائدة قولك: مررت بدار صغيرة. وليس كذلك " قبلُ " و " بعد " و " تحت " من قبل أن هذه أسماء معربة الأصول في نحو: جئت قبلك ومن قبلك وبعدك ومن بعدِك، وصار تحتك ومن تحتِك. وإنما بُنيت في بعض المواضع لشبه ما من شبه الحرف عارضها، فلما كان أصلها الإعراب وكثر به الاستعمال كرهوا أن يدخلها التحقير وهو من خواص الاسم فيقوي فيها من قوة الاسمية، وأن يصيروها إلى ضعف الحرف ببنائها لأن ما فيها من قوة الاسمية أنهضها وجذب بصبعها عن ضعف الحرفية فلذلك قَلَّ البناء في محقرها لتدافع الأمرين. وإنما جاز بعد ذلك البناء لأن المحقر في كثير من المواضع مراعى في حكم المكبر، ألا ترى إنك تقول في تحقير " مقام ": مُقيِّم بالإعلال لا غير؛ لاعتلال مكبره، وتقول في " مِقْوَد ": مُقَيْوِد، فتصحه لصحة مكبره. فكما جاز تحقير " قبلُ " و " بعدُ " معربين كذلك جاز تحقيرهما - وأنْ قَلَّ - مبنية. هذا وجه جواز هذا، وذلك وجه امتناعه، فلذلك تعدَّل الأمر فيهما أو كاد.
وقال عبد مناف بن ربع الجربي أيضا " من الطويل ":
أَلا ليتَ جَيْشَ العَيْر لاقوا كتيبةً ... ثلاثين منا ضَرْعَ ذاتِ الحفائِلِ
" الحفائل " يجوز في القياس همزه من وجه وترك همزه من آخر،
стр. 48
أما وجه همزه فأن يكون واحده حفلية أو حُفالة أو نحو ذلك فجرى مجرى سفينة وسفائن ورسالة ورسائل وحُسالة وحسائل ودجاجة ودجائج وركوبة وركائب. وأما وجه ترك همزه فأن يكون في واحده باء متحركة نحو حِشْيَل وحثايل وعِثْيَر وعثاير، فكأنه اذن " حَفْيَل " و " حفايل " أو " عُليُب " و " علايب ".
فِدى لبنى عَمْرو وآل مُؤَمِّلٍ ... غَداةَ الصباحِ فِديةً غَيْرَ باطِلِ
يقول: افديهم فدية ليس فيها باطل، أي احب أن أفديهم. أما قولهم " فدى " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون منصوبا بفعل مضمر كأنه قال: افديهم فدى، والفراء يمد ويقصر. فقوله: " فدية غير باطل " بدل من قوله " فدى " أو منصوب بفعل آخر دل عليه " فدى ". واللام التي في " لبنى " وصف لفدى، ولا يجوز على هذا أن تعلق اللام بنفس فدى وذلك أن المصدر إنما يعمل إذا كان في تقدير " أنْ والفعل " نحو: عجبت من ضربك زيداً، أي: من أنْ ضربت زيدا. وإذا كان المصدر تابعا لفعله منصوبا نصب المصدر به لم يجز أن يقدر تقدير " أنْ " والفعل. ألا ترى إنك لا تقول: قُمْتُ أَنْ قُمْتَ، كما تقول: قمت قياما. فإذا كان كذلك كانت اللام في قوله: " فدى لبنى عمرو " متعلقة بنفس الفعل الناصب لفدى كما إنك إذا قلت: ضربت ضربا زيداً، فإنك تنصب زيدا بنفس ضربت لا بضرب، فهذا وجه. والآخر: أن يكون مرفوعا لانه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: أنا فدى لبنى عمرو. فإذا كان كذلك احتملت اللام أمرين. أحدهما: أن يكون صفة لفدى، والآخر: أن تكون متعلقة بنفس " فدى "، فلا
стр. 49
يكون فيها أذن ضمير لتعلقها بالظاهر. وإذا كانت صفة كان فيها ضمير لتعلقها بالمحذوف. ووجه ثالث: وهو أن يكون " فدى " هنا مبنيا لوقوعه موقع الأمر، كأنه قال: لأفد بني عمرو، فيكون في " فدى " على هذا ضمير الشاعر عبد مناف، وتكون اللام على هذا متعلقة بنفس " فدى " إلا أنه لما نكرّه نونه كقوله " من البسيط ":
مهلاَ فداء لك الأقوام كلهم ... " وما أثمر من مال ومن ولدِ "
وكما انشد أبو زيد " من الرجز ":
ويهاً فداء لكَ يا فضاله ... " أجرَّه الرمح ولا تهاله "
أي: لأَفدك يا فضالة. ولا يجوز أن تكون اللام في " لبنى " على هذا الوجه وصفا لفدى؛ لأنه جارٍ مجرى الفعل، والفعل لا يجوز وصفه كما إن اللام من " سقياَ لك " لا يجوز أن تكون وصفا لسقياً لوقوعه موقع: سقاك الله وأما قوله: " غداة الصباح "، والغداة لا تكون إلا للصباح دون المساء، فإنما فائدة ذلك إن الصباح وأن كان في الأصل مصدرا واسما لمعنى المصدر ثم ظرفا في قولك: جئتك صباحا، كأنه قد دخله فيما بعد معنى آخر جديد، وهو أنه قد صار كالعبارة عن الغارة وبث الخيل على العدو وكقولهم: هذا من فرسان الصباح، أي فرسان غارة الصباح. قال " من الطويل ":
بجرد تعادى بالكماة شوازبا ... وخَيل إلى داعي الصَباح سراع
فكأنه قال: غداة الغارة. وإذا كان كذلك حصلت فيه الفائدة، ألا ترى أنه ليس كل غداة للغارة كما أن كل غداة لا تكون إلا صبحاً فاعرف ذلك.
стр. 50
هْمُ منعوكم من حُنين ومائِه ... وهم أسلكوكم أَنْفَ عاذِ المطافِلِ
والمطاحل. وروى أبو عمرو: أنف عاد، بالدال غير معجمةٍ. الألف فيهما جميعا منقلبة من عاد يعود، ومن عاذ بالشيء يعوذ. ويجوز فيهما كليهما أن يكونا فاعلا من عدوت ومن العداوة، وهي الأرض المطمئنة التي لا ماء لها فتكون اللام محذوفة لسكونها أو سكون أو سكون اللام بعدها كقولك: عجبت من قاضِ البلد. والقول الأول القوي. ويجوز أيضا أن يكونا فاعلا من عاد يعود، وعاذ يعوذ كأنه من الأصل: عائد وعائذ، إلا أن العين حذفت كلاث وشاكٍ.
وفيها:
وآخرَ عَريان تَعَلَّقَ ثوبُه ... بأهداب غُصْنٍ مُدْرا لم يقاتِلِ
يكون " مدبرا " حالا من الضمير في عريان، ويجوز أن يكون حالا من الهاء في ثوبه. فقد جاءت الحال من المضاف إليه كقوله:
كأنّ حوامَيه مدبرا
وكقوله:
كأنّ سراته لدى البيت قائما
وقد تقدم ذكره.
стр. 51
وفيها:
تركنا ابن حَنواء الحَعور مُجَدَّلا ... لدى نفرٍ رؤوسهم كالفياشلِ
ذهب بعضهم غلى زيادة اللام في " فيثلة " لقولهم في معناها الفيشة قال " من الرجز ":
وفيشة ليست كهذا الفيشِ
وان يكونان اصلين أمثل فتكون فيشلة: " فيعلة " من " د ف ل "، وتكون فيشة كبيضة. ومثله: " عددطيس وطيسل "، فطيس كبيت وطيسل كصيرف. وذهب محمد بن حبيب إلى زيادة اللام في غسل واشتقها من العنس، فوزن غسل على هذا " فَعْللَ ". اللام الثانية زائدة لا محالة. ولو بنيت مثلها من الضرب لقلت: ضَرْبْل، ومن القيام: قومل، ومن البيع: بَيْعلَ. فأما زيادة اللام قي غير هذا فقولهم: ذلك وأولالك وهنالك، وعبدل وزيدل في معنى زيد وعبد الله. وقالوا للأفحج: فحجل. ومثل طيس وطيسل في تداخل الأصلين قولهم:
стр. 52
ضَيّاط وضيطار، وجاء بالهيل والهَيلِيان. وقالوا: الهِلِّمان، ومثله رخو ورخود، وأشباهه كثيرة.
وفيها:
فعيني ألا فأبكي دُبَيّة أنه ... وَصولٌ لارحام، ومِعطْاءُ سائل
دببة: علم، فيجوز أن يكون تصغير " دَباة " كقناة وقُنية، وحصاة وحُصيّة. وأما لامه فياء لقولهم: أرض مدببة إذا أصابها الدَّبي. وقد قيل فيما أظن: مَدْبُوَّةٌ، فهي على هذا واو، والفاء الأولى في قوله " فيعن " عاطفة على ما قبلها كالجواب له وهو كقولك، قام زيد فقم معه. فالفاء عاطفة، وكالجواب. وأما الفاء الثانية فكالجواب أيضا لقوله: " ألا "، وذلك أن فيها معنى التنبيه وافتتاح الكلام فكأنه قال: أنبهك يا عيني فابكي. ومثله قوله " من الطويل ".
ألا فاسقياني فَيْهَجا جَيْدَريّة بما سحاب يسبق الحق وباطلي واما همزته " معطاة " فبدل من واو يقال: عطوت الشيء أي تناولته وأعطانيه غيري. قال " من الطويل ":
وتعطو برخص غير شثنٍ ... كأنه أساريع أو مساويك اسحل
стр. 53
وقال الآخر " من الطويل ":
تَحُتُّ بقرنيها بَريرَ أراكه ... وتعطوا بظلفيها إذا الغصن طالها
وقال عبد مناف أيضا " من الكامل ": ولقد أتاكم ما تصوب سيوفنا بعد الهَوَادةَ كُلَّ أحمر صِمْصِمِ " قال " أبو عمرو: بعد الهداوة أي بعد هدوء من الليل. وصمصم ليث من الرجال إذا كان له كلام وعارضة وهم المَلْيَثَةُ والملاوث. تفسير أبي عمرو الهداوة بأنها الهدوء ليس تفسيرا لفظيا، وإنما هو تفسير على المعنى دون اللفظ. وقد يمكن أن تكون الهداوة من لفظ: هدأت إلا انه لو أبدل الهمزة من هدأة واوا كما قالوا في النسب إلى الشاء والماء: شاوى وماوية، وهي المرآة إنما هي منسوبة إلى الماء وبها سميت المرآة لصفائها وبريقها. وعليه بيت الكتاب " من الرجز ":
ورب خرق نازح فَلاتُه ... لا يتفع الساويّ فيها شاتُه
стр. 54
ولا حماراه ولا عَلاتُه ... إذا علاها اقتربت وفاتُه
ويؤكد عندك البدل إنا لا نعرف في اللغة تصريف " هـ د و "، ومثله عندي ما أنشدناه أبو علي " من الطويل ":
موالي حلف لا موالي قرابة ... ولكن قطينا يحلبون الأتاويا
حمله أبو علي على أنه مثل " من مشطور الرجز ":
سماء الإله فوق سبع سمائيا
قالوا: وإذن ابد من همزة الأتآيّ، ولم يذكر البدل. وقد كان الأليق به لو فعل. وقوله: " المليثة " و " الملاوث " ليسا من لفظ واحد وإنما مليئة من الليث كمسبعة من السبع وعينها ياء كما ترى. واما الملاوث فإنه من لاث يلوث، كأنّ الناس يلوثون بهن أمورهم وحوائجهم. رجل ملاث ورجال ملاوث. وأصله مصدر وصف به.
وفيها:
لولا تفلق بالحجارة رأسه ... قبل السيوف أتاكم لم يُكْلَمِ
стр. 55
أراد: لولا ان تفلق فحذف " أنْ " وأوقع الفعل. وقد سبق القول في مثله فيه قول رؤبة " من الرجز ":
لولا يُدالي خفضةَ القدحِ انزرَقْ
وفيها:
كانت على حَيّانَ صولةٍ ... منى فأخضبُ صفحتيهِ من الدمِ
أنث " أولاً " حملا على المعنى كبيت الكتاب " من الكامل ":
الحربُ أولُ ما تكون فُتيّةٌ ... تسعى ببزتها لكل جَهولِ
فيمن رفع " فُتَيَة "، وله نظائر. وقوله " فأخضبُ " أي فخضبت، فوضع المضارع موضع الماضي كما قال: " من الكامل ":
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ... فمضيت ثُمّتَ قلتُ لا يعنيني
وقد قدمت القول على هذا الفصل.
стр. 56
وفيها: أنْحي صبيَّ السيفِ وسْطَ بيوتهم شقّ المعيّث في أديم المَلْطَمِ
قال: " صبيّ السيف ": حرفه. ينبغي أن تكون لام صبي واوا لانه من صَبَوتُ أي: مِلتُ وذلك أن حرف السيف مما يُمال إلى الضريبة لضربها، ألا تراه قد قرنه باُنجى وهي " أععْلُ " من نحوتُ نحوَ كذا أي: ملت إليه، فإن قلت فعلَّه من صبَأتُ أي: مِلتُ. فذلك يضعف هنا لانه لو كان منها مخففا لجاز تحقيقه ولم اسمعه محققا، وليس بقياس أن تجعله مما ألزم التخفيف كبرى والنبيّ والبريّة لقلّة ذلك.
وقال عبد مناف من بيتين " من الطويل "
وماليَ فيهم معتَبٌ أن عَتبتُهُ ... عليهم، وما فيهم لدي الظلمِ مَنْصَرُ
يقول لا يعتبونني ولا ينصرونني. ينبغي أن تكون الهاء في " عَتبتهُ " ضمير مصدر فكأنه قال: ان عتبت عتبا عليهم. فأضمره لدلالة فعله عليه كما قال " من مجزوء الكامل ":
مِن كُلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيّة
أي قد نلت من كلّ شيء قد نلت نيلا. وقوله: " من كل
стр. 57
ما نال " هو مفعول نلتُ كقولك من الماء شربت ومن الطعام أكلت فإذا استوفى مفعوله علمت أن الهاء في " نلته " إنما هي ضمير مصدر لا ضمير مفعول، وكذلك قول الآخر وهو من أبيات الكتاب " من البسيط ".
هذا سراقَةُ للقرآن يدرُسُهُ ... والمرء عند الرشا أن يلقها ذيب
أي يدرس درسا. ألا ترى أن قوله " للقرآن " هو مفعول " يدرس "، فإن قلت فإن هذا الفعل لا يتعدى باللام، ألا تراك لا تقول: درست للقرآن، فإنه لما قدمه جاز إلحاق اللام به لأن تقديم المفعول يضعف الفعل شيئا. ألا ترى إلى قول الله تعالى: (إنْ كُنْتُمْ للرؤيا تَعْبُرون). أي: تعبرونها. فإذا جاز " أريد لأنسى ذكرها وأردت لكيما لا ترى لي ذلّةً، فهو مع التقديم أجوز من ضمير المصدر. قراءة ابن عامر: فبهُداهم اقتدِ ": أي اقتد الاقتداء. ومنه قولهم: من كذب كان شرا له وابلغ من قوله: " من الوافر ":
إذا نُهى السفيهُ إليه ... وخالَفَ والسفيهُ إلى خلاف
أي إلى السَفه، ألا ترى أنه لم يذكر فعلا فيدلّ على مصدره وإنما ذكر اسما وهو السفيه. ودلالة الفعل على مصدره أقوى من دلالة السم عليه، فالهاء إذن ي " عتبنُه " منصوبة على المصدر، ويجوز أيضا أن تكون منصوبة لأنها مفعول له فيصير تقديره: ما فيهم أعتاب إن عتبت له ومن أجله. أي من أجل امتناعه. فحذف المضاف كقوله " من المتقارب ":
وأهلَكَ مهرَ أبيكَ الدواءُ ... ليس له من طعامٍ نصيب
стр. 58
أي فقدُ الدواء. وأنشدناه أبو علي ﵀ وأنشدنا أيضا معه " من الطويل ":
وإني لاستحيي وفي الحق مستحى ... إذا جاءَ باغي العُرفِ إن أتعذّرا
أي في ترك الحق مستحى. وأنشده الرواة للخنساء " من البسيط ": يا صخرُ ورادّ ماءٍ قد تناذره أهلُ المواردِ ما في ورده عارُ أي ما في ترك ورده، وهو كثير.
ومما اتصل به من شعر أبي ذؤيب:
ردّوا السبيّ والنَّعم ... يا حَبَّذا ريحُ الدم
نظر السيرافي في الحاشية: أظنه عنه مكسور. وهذا في الحقيقة ليس مكسورا وإنما هو من بحر آخر وهو المنسرح. الضرب الثالث ووزنه " يا حبْ بذا ": " مستفعلن ". " ريحُ حُدْ دَم ": " مفعولن " وبيته من البحر " ويلمّ سعد سعدا " فاستعمل ابو ذؤيب " مفعولن " مكان " مستفعلن "، فانتقل من بحر غلى بحر. فأما أن يكون كسرا فلا وذلك أن الشعر المكسور هو الذي لا يقبله وزن من الأوزان فأما إذا قبله بعضا فاعتقاد كسره خطأ.
стр. 59
(١٠) وهذا شعر أبى شهاب
قال " من الطويل ":
ألا يا عناءَ القلب من أمِّ عامرٍ ... ودينتهِ من حُبِّ لا يجاوِرُ
فيها: صَناعٌ بأشفاها حَصانٌ بِشكْرِها جَوادٌ بقوت البطن والعِرقُ زاخِرُ لام " الأشفى " ياء لانه من " شفيت ". والتقاؤهما أنه يصل ويشفى من الصنعة كما يصل الدواء ويشفى من المرض. يزيد في انسك بذاك قوله " من الطويل ": وداويتها حتى شتَتَتْ حبشيّةً كأنَّ سندساً وسدوسا فقوله: " داويتها " كقولهم: صنع فرسه، وفي البيت صناع وإنما هو لجودة صنعتها. فهذه مواضع إنما يجمعها التأمل ولطف التوفيق والتوصل.
فإنَّك عمرَ الله أنْ تَسْأليهمُ ... بأحسابِنا إذ ما تجلُّ الكبائِرُ
عمر الله: منصوب على المصدر أي: عمّرتُكِ الله تعميرا. فجاء المصدر محذوف الزيادة كقولهم: مررت بزيد وحدّه. أي أوحدته بمروري إيحادا. وقال بعض بني أميّة أنشده ابن الأعرابي:
دَعْ عنكَ غلق الباب
يريد: أغلقه. ومن المصادر المحذوفة الزيادة قول الشمّاخ وهو
стр. 60
من أبيات الكتاب " من الطويل ":
أتتني سليم قَضُّها بقضيضها ... تُمَسِّحُ حولي بالبقيع سبالَها
فتاقض محذوف الزيادة أي: انقضاضها. ألا ترى أن صاحب الكتاب فسَّره فقال: " كأنه يقول انقضّ آخرهم على أولهم ". فأما قضيتها فليس بمحذوف الزيادة، ألا ترى أن فيه الياء زائدة لكنه محرف الصورة عن مصدر انقضّ الذي هو انقضاض. ومثله في التحريف لا في الحذف قول القطامي " من الوافر ".
اكفراً بعد ردَ الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرّتاعا
فالعطاء ليس محذوف الزيادة، ألا ترى أن فيه الألف زائدة وإنما فيه الانحراف عن " إفعال " إلى " فَعال ". وقد يجوز في قوله: " بقضيضها " أن يكون القضيض جمع " قَضّ " كعبد وعبيد، ورهن ورهين، وعون وعوين، وطسَ وطسيس.
ومعنى نصب " عمر الله " انه كأنه قال: سألت الله أن يعمّرك كما تحب أن يعمّرك. فعمر الله إذن مصدر مضاف إلى الفاعل أي تعمير الله إياك. فأما " ما " من قوله: " إذا ما تجلّ الكبائر " فيحتمل أمرين. أحدهما: أن يكون زائدة كأنه قال: إن تسأليهم إذ يكبر الكبراء لضيق الزمان وشدته فتبين بذلك أفعالهم ويحسن به الثناء عليهم. والآخر: أن يكون نفيا كأنه قال: إذا تصغر الكبراء لضيق الحال وشدة الزمان فتتساوى أحوال الناس وهذا في المعنى كقول الحسن رضوان الله عليه: " لن يزال الناس بخير ما تفاوتت أحوالهم ".
стр. 61
وفيها:
فما ذرَّ الشمس حتى كأنما ... ألاحَ بهم قبلَ الشُرَيقةِ طائر
الشرق: الشمس فلذلك لما حقّر الحق التاء.
стр. 62
(١١) وقال ابو ضبّ من قصيدة
ولقدْ أقودُ الجيشَ احمل رايتي ... للجيشِ يَقْدُمُهُمْ كميٌ أسودُ
لام " الكمي " ياء لانه عندهم من كمي الرجل شهادته يكميها إذا سترها. والتقاؤهما أنه يسَّتَّرُ بشجاعته من أن يعرض ضرب الخلل له. وحكى أبو زيد في تكسيره: أكماء.
وأنشد " من الطويل ":
تركت ابنتك للمغيرة والقنا ... شوارعُ والأكماء تَشْرق بالدم
وقال أبو ضب أيضا " من الطويل ":
كأنَ حَويّا والجَدِيَّة فوقه ... حُسام صقيل قَصّهُ الضربُ فانحنى
لام " الجدية " وهي هنا الدم واو، وقد تقدم ذكر ذلك.
فيها:
ولم يحبْنها لكن جناها وليُّه ... فَآدَ وآساده فكان كما جنى
لم يفسره، والقول فيه أن معنى " آد ": اثقل. أنشد أبو علي لحسان " من المتقارب ":
وقامت ترئيك مغدودنا ... إذا ما تنوء به آدها
أي أثقلها. ومعناه أثقله وليه أي من تلزمه تبعته. وآسى هو الحاني عليه، فكان كالجاني عليه. ولام " آسى " واو لان معناه جعل نفسه أسوة صاحبه.
стр. 63
(١٢) وقال خُويلد بن واثلة
من أبيات " من الطويل ":
فقلت لهم قوم بأعناء نخلةِ ... وأجوازها فيهم قراري ومولدي
واحد " الأعناؤ " وهي النواحي " عنا " مقصور. وقد تقدم القول على أن لام " عنا " واو.
стр. 64
(١٣) شعر أبي قُلابة
" من البسيط ":
يا دارُ أعرفها وحشا منازلُها ... بين القوائمِ مِن رَهطٍ فألبانِ
ليس قوله " أعرفها " وصفا لدار، وذلك أن الجملة نكرة ودار هذه مخصوصة لقصدك أيها بندائك اياها، والمعرفة لا توصف بالنكرة، ألا تراك تقول: " يا رجلُ الظريف أقبلْ "، وإذا كان كذلك فقوله " اعرفها " استئناف خطاب فكأنه قال لصاحبه: أنا أعرفها ومثله بيت الكتاب للأحوص:
يا دار حَسَرها البلى تحسيرا ... وسفت عليها الريح بعدك مُورا
ولكن قوله " بحزوي " من قوله " من الطويل "
أداراً بحُزوي هجت للعين عَبْرَةً ... فماء الهوى يَرْفَضَ أو يترقرق
صفة لدار لانه أخجها مخرج النكرة. واما قوله " من الوافر ":
ألا يا بيت بالعلياء بيتُ
فهو كبيت الهذلي: يا دار اعرفها. وكذلك قوله " من الرجز ":
يا هندُ هندٌ بين خِلْبٍ وكبد
стр. 65
و " وحشا " حال من " ها " في قوله اعرفها، والناصب لها " اعرفها " أي: أعرفها وحشا. ويجوز أن تكون حالا من " دار " والعامل فيها على هذا حرف النداء كما قال " من البسيط ":
يا بؤس للدهر ضرارا لأقوامِ
وكذلك قوله " من البسيط ":
يا دار ميَّة بالعلياء فالسند ... أقوى وطال عليها سالف الأبد
قوله::العلياء " في موضع نصب على الحال من " دار " فاعرف ذلك. ويجوز أن يكون " اعرفها " حالا من " دار " ولم يحتج إلى إظهار الضمير لان الأل هنا فعل لا اسم فاعل.
فيها:
يا وَيْك عمّار لِمْ تدعو لتقتلني ... وقد أُجيبُ إذا يدعون أقراني
أعمل الأول من الفعلين، أراد: وقد أجيب أقراني إذا يدعون. ومثله من أعمال الأول كثير. أنشدنا أبو علي لذي الرمة " من الوافر ":
ولم امدح لأرضية بشعري ... لئيما أن يكون أصاب مالا
وأنشد أبو زيد " من الطويل ": قطوب فما تلقاه إلاّ كأنما زوى وجهه أن لاكَهُ فوه حنظلِ وقد يجوز أن يكون قوله: وقد أجيب إذا يدعون أقراني، على أعمال الثاني، ويكون " أقراني " في موضع ب " يدعون "، كأنه أراد: وقد أجيب إذا يدعو أقراني. إلا أنه جاء بعلامة هذا الجمع مع تقدم الفعل على قولهم: " أكلوني البراغيث ".
стр. 66
قال: وروى أبو عمرو: " ويك عمار " جعله مخروما. اعلم ان هذا الذي قاله خطأ وذلك ان الخرم لا يصح في هذا البحر أصلا لأنه من البسيط وأوله سبب لأن تفعيله " مس تف علن فاعلن "، وإنما الخرم فيما أوله وتد مجموع، فإذا حذف الأول من المتحركين خلفه للابتداء به الثاني منها، فأما ما أوله " مس تف علن " فانك أن حذفت الميم لزمك الابتداء بالساكن وهو السين. فأما هذا الإنشاد فلا يصح لأنه يصير تقطيعه إلى " وَي كعم ": فاعلن، و " فاعلن " لا يجوز في أول البسيط على وجه من الوجوه، وإنما المتجوز في زحاف " مس تف علن ": مفاعلن ومُفْتَعِلُن وفَعلتُن. فقوله: مخروم، خطأ لما ذكرت لك. ولكن الوجه فيه عندي أن يكون أراد " يا " فحذفها لفظا وهو ينويها تقدبرا ومثله ما أنشده أبو العباس وغيره من قوله " من الطويل ":
لعمري لسعدُ بن الضباب إذا شتا ... أحب إلينا منك فأقرس حمر
وإنما البيت " لعمري لسعد بن الضباب ". ولا بد من تقدير إرادة " لعمري " ألا ترى أن أحد لا يجيز خرم " فعولن " كله. وقوله " لعمري " وزنه: فعولن. ونحو هذا مما حذف لفظا وهو مثبت تقديرا مذهب سيبويه في قوله " من المتقارب ":
أكُلَّ امرئ تحسبين امرأ ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نارا
ألا تراه ذهب إلى أنه كأنه قد لفظ ب " كلّ " مرة اخرى، فكأنه قال: " وكل نار "، ولولا ذلك لكان فيه عطف على عاملين، وليس هذا مذهب صاحب الكتاب. إلا أن حذف " كل " من بيت عدي امثل من حذف " يا " من بيت الهذلي، ألا ترى أنه قد تقدم ذكر " كل " في أول
стр. 67
البيت فصار لذلك كأنه قد جيء به في آخره، وحذف " يا " من أول بيت الهذلي لم يتقدمها مثلها، فيكون كالعوض من حذفها. وعلى هذا يتوجه عندنا قراءة حمزة: " والأرحام " كأنه قال: وبالأرحام فحذف الباء بعد أن اعملها وصار تقدم الباء في " به " دالا عليها، وكالعوض منها. وإذا جاز ما يحكى عن رؤية إذا قيل له: " كيف أصبحت " فيقول: " خير عافاك الله " وهو يريد " بخير "، فيحذف الباء لفظا ويعملها تقديرا ومعنى. وقول الآخر:
رسْمُ دارٍ وقفت في طلله ... كِدت أقضي الغداة من جلله
وهو يريد " رب " فيحذفها ويعملها، ولّما يتقدم لها ولا للباء في حكاية رؤية دليل عليها، كان حذف الباء في قوله " والأرحام " وإرادتها لتقدم ذكرها في " به " أمثل.
وفيها:
إذا لا يقاتل أطراف الظبات إذا ... استوقدن إلا كماةٌ غير أجبان
قال " استوقدن " أي التهمن. هذا إذا " استفعل " في معنى " فَعَل " نحو: عجب واستعجب، وهزئ واستهزأ، وقَرَّ واستقر. وقد تقدم ذكره. وأجبان جمع جبان، كسر " فَعال " على " أفعال "، ومثله:
стр. 68
جواد وأجواد وجباء الناقة وأجباء وعراء وأعراء، وهو قليل. ونحو: شريف وأشراف، وقد قدمنا إحصاء ما كسر من " فعيل " على " فعال "، ومبلغه فيما جمعته بضعة عشر حرفا. ونحوه: شريف وأشراف، وقد قدمنا إحصاء ما كسر من " فعيل " على " أفعال "، ومبلغه فيما جمعته بضعة عشر حرفا. ونحوه: عدو وأعداء، وفلو وأفلاء. وقال أبو قلابة أيضا ويقال بل قالها المعطل "من الكامل"
أمِن القَتولِ منازِل ومُعَرَّسُ ... كالوشم في ضاحي الذراع يكرس
رَدْعُ الخلوقِ بجلدها فكأنه ... رَيْطٌ عتاقٌ في المصان مُضَرَّسُ
قال: " المصان " حيث يصان. اعلم انه يريد هنا الموضع المستقر كالبيت والغرقة والخزانة ونحو ذلك مما لا ينقل فجرى مجرى المَدْخَل والمخرج أي موضع الدخول والخروج، ولو أراد الظرف الذي يصان فيه كالتخت والصندوق لقال: " مصْوَن " كالمحلب والمخيط والمقطع والميزر ونحوه مما ينقل ويستعمل، وكان حينئذ يجب فيه تصحيح العين كما تصح في مِروحة ومِسورة لانه منقوص مما لابد من صحته وهو " مفْعال " كأنه مِراوح ومِسوار.
قال السكري: المصان كل ما صنت به ثوبا. هذا لفظه البتة وهو فاسد لانه إن أراد موضعا ثابتا غير منتقل فتحه، وان أراد ظرفا يصان فيه الثوب كالتخت ونحوه كسر فقال " مِصْوَن " كما تقدم. ومثله قولهم للدرجة " مَرْقاة " بالفتح وللسلم " مرقاة " وكذلك " المَسقاة " الذي يُسقى فيه، والمِسقاة الإناء يسقى به وفيه. قوله: " كل ما صنعت
стр. 69
به ثوبا " عبارة سيئة ضيقة لأنه كل ما صين به الثوب وغيره من جميع المصونات، وأما وصف " الربط " بالجميع وهو عناق بالواحد وهو عتيق فجائز، وقد ورد به القرآن وفصيح الكلام. قال الله سبحانه: (وينشئ السَّحابَ الثِّقالَ)، فجمع. وقال: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا)، فوحَّدَ، وكلاهما كثير.
يا حَبَّ ما حُبُّ القتولِ وحُبُها ... فلسق، فلا يُنْضِبْكَ حبٌ مُفلِسُ
ينبغي أن يكون " حَبَّ " ترخيم حبة اسم علم أو حبّى كسكرى أو حبّاء كورقاء. وقوله " ما حُبُّ القتول " لفظ استفهام في معنى التعظيم كقول الله تعالى: (ما الحاقة؟) و (ما القارعة؟). ثم اخبر بعد ذلك فقال: " حبها فَلَس " أي لا نيل معه. ويجوز وجه آخر وهو أن يكون أراد يا حبذا حُبُّ القتول، فوضع " ما " لايهامها موضع " إذا "، إلا أن " ما " نكرة فهي منصوبة الموضع - كقوله " من البسيط ":
" وزاده كلفا في الحب أن منعت " ... وأحَبَّ شيئا إلى الإنسان ما مُنعا
ويجوز أن يكون " ما " معرفة موصولة، والعائد عليها محذوف أي: " يا حَبّ الذي هو حب القتول ". وحذفه كقراءة من قرأ: " تماما على الذي أحسن ". وحذف أيضا المقصود بالمحبة المعلم به محذفه في
стр. 70
قوله تعالى: " نِعْمَ العَبْدُ " أي: نعم العبد هو.
وفيها:
يا برق يخفي للقتول كأنِّه ... غابٌ تشيْمه حَريقٌ يُبَّسُ
قال " تشيمه " دخل فيه، هذا من قولهم: شمت السيف، أي أغمدته وقوله: " يخفي " في موضع نصب على الحال أي: يا برق خافيا. معناه ظاهرا ومثله قوله " من السريع ":
يا دار أقوت بعد إصرامها ... عاما وما يُبكيك من عامها
وقد تقدم القول في نظيره.
وقال أبو قلابة أيضا " من الوافر ":
يئست من الحذية أمَّ عمرو ... غداة إذ انتحوني بالجناب
" قال " أبو عمرو: الحذية: العطية. لأم الحذية واو لقوله " من الطويل ":
وقائلةٍ ما كان حذوة بعلها ... غداتئذ من شاء قِرد وكاهل
ولام " انتحوني ": واو لأنه من نحوت الشيء، و " أم عمرو " منصوبة على النداء ويجوز أن يكون مفعول " الحذية " أي: يئست من أن أحذى أم عمرو فأعمل المصدر، وفيه اللام كقوله " من الطويل ":
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
стр. 71
وفيها:
يُصاح بكاهِلٍ حولي وعمروٍ ... وهم كالضارياتِ من الكلاب
لام " ضار " واو لقولهم في مصدره: الضراوة. قال عمر رضى الله عنه: " اتقوا هذه المجازر فأن لها ضراوة كضراوة الخمر "
يسامُونَ الصبوح بذي مُراخٍ ... وأخرى القوم تحت حريق غاب
لا يخلو " مراح " من أن يكون " فُعالاً " أو " مُفْعَلاً ". فأن كان فُعالاً فمن لفظ المَرْخ، وإن كان مُفْعَلاً فهو من لفظ: ريَخت فلانا تربيخا إذا ذللته. قال الراجز:
بمثلهم يريّخ المرَيَخ ... والحسب الأوفى وعزجنبخ
والعين في بادئ الرأي ياء ويجوز أن يكون " مُراخ " مُفاعَلاً من راخيت ولامه واو لا مِن الرخو.
стр. 72
(١٤) وقال أبو بثينة القُرَمي
من أبيات " من الوافر ":
فأغريهم ولا أُغري أليّاً ... فدى لصحابةِ المغُرين نفسي
" ألياً " منصوب على أنه حال لا مفعول به. أي: ولا أغربهم ألياً. أي بالغت في إغرائهم فحذف المفعول به لتقدم ذكره في قوله: " فأغريهم ". وقد يجوز أن يكون أراد: ولا أري بهم أو منهم أليا، فينصبه مفعولا به. ومن أمثال الكتاب: " إلاّ حظيَّة فلا أليّة " أي: فليست ألية. ومعناه: نفسي فداء لأصحابي المغرين. ولا ابعد أن تكون الرواية: " فدى لصاحبتي المغرين نفسي " فتحذف الياء لفظا لالتقاء الساكنين. فأجابه أُهْبان بن لُعْط بن عروة من أبيات " من الوافر ":
فليت أبا بثينة غير فخْرٍ ... شهدتُ بنى عُتيبة إذ أبيروا
حذف اسم ليت ضرورة. أراد: فليتني يا أبا بثينة شهدت بني عتيبة. ومثله ما أنشده أبو زيد " من الطويل ":
فليت دفعت الهم عن ساعةً ... فبتنا على ما خليت ناعمي بالِ
стр. 73
أراد: فليتك. وله نظائر.
وقال ضُبيس بن رافع العَضَلي يعيّرهم " من الطويل ":
أنتم أكلتم سحفةَ ابن مُخَرَمٍ ... حُبيش فلم يأمنكم أحد بعدي
ليس هذا باستعمال ل " لم " في المستقبل، وإنما معناه بعدما فعلتم، والوقتان جميعا ماضيان، وهذا كقولك: أحسنت إليك ثم لم أزل بعد إلى هذه الغاية مقيماً على حسن الرأي فيك، ولكنه لو قال فلن يأمنكم أحد بعد؛ لكانت " بعد " مستقبلة.
وفيها:
وقد خبَأوا جُردانه لرئيسهم ... معاوية الفلحاء انك ماشُكد
أنت لتأنيث لفظ " معاوية ". وقياسه لولا معاملة اللفظ: " معاوية الأفلح " ومثله قول الآخر " من الطويل ":
وعنترة الفلحاء جاء مُلأَماً ... كأنك فِنْدٌ من عماية اسود
ومن تأنيث اللفظ ما أنشدناه أبو علي " من الوافر ":
وما ذكر فأن يكبر فأنثى ... شديد الأزم ليس بذي ضروس
يريد: القراد. وذلك إنه ما دام صغيرا قراد، فإذا كبر قيل له حلمة. فقوله " أنثى " إنما يريد تأنيث اللفظ لا غير. ومثله مما أطلق عليه أنثى ولا حقيقة تأنيث تحته قوله " من الطويل ":
стр. 74
وكنا إذا الجبار صَعَّرَ خده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكَرْدِ
يريد بالأنثيين الادنيين، ومنه قولهم لبيضتي الإنسان: الأنثيان. وهذا مما يضعف عندك التذكير في نحو: " حسن دارك "، و " اضطرم نارك "، وإن كان تأنيثا غير حقيقي، ألا ترى أنه قد أطلق لفظ " أنثى " على ما لا حقيقة تأنيث فيه إطلاقه على المرأة والجارية ونحوه، فكما لا يجوز: " قام المرأة " كذلك يضعف: " حسن دارك " فاعرفه.
وفيها:
وأنْ يجدوا يوماً على بظر أمهم ... طعاماً فلا رعوى عليه ولا قصد
وضع كل واحد من المفردين موضع الجميع أي: بظور أمهاتهم. ومنه: " من الوافر ":
كلوا في بطن بطنكم تَعِفّوا ... فإن زمانكُمْ زَمَنٌ خَميصُ
وقال: الرعوي: البُقيا، شيء يرجع إليه، أرعوي: رجع. وهذا كلام يفهم من ظاهره أن الرعوي من لفظ أرعويت، وليس الأمر فيما عند أهل التصريف كذلك وإنما هو عندهم من لفظ رعيت، وأصلها " رعيا " إلا إن اللام قلبت واواً لأن " فعلى " هنا اسم لا صفه. وقد سبق القول على هذا. وعلى أن بعض أصحابنا ذهب إلى أن " أرعويت " ليس لامه في الأصل واوا بل اصله عندهم " أرعيت " فكره اجتماع الياءين فقلبت الأولى واوا ليختلف اللفظان، وكأن قائل هذا القول شجع عليه من موضعين. أحدهما: أن معنى أرعويت من معنى المباناة والرعاية، والآخر: انه لم يأت عنهم لفظ " ر ع و "، فلما كان المعنى واحدا ولم يجد لفظ " ر ع و " في الكلام جمله على أنه من لفظ " رعيت " وأن البدل وقع رغبة في اختلاف الحرفين كما وقع في الحيوان على ما رآه الخليل.
стр. 75
(١٥) وقال أبو بثينة الصّاهلي
من أبيات " من الوافر ":
متَى ما تَبْلُغُهُمْ يوما تجدْهم ... على ما ناب شرَّ بني الدِئيل
الئل وعرفج وضمرة بنو بكر. قال: أراد الديل فهمزه. ليس الأمر عندنا نحن كذا وإنما هو " الُئل " كَسرَّ الكلمة على " فعيل " وواحدها " دُئل " أي يجدهم شر من تسمى بهذا الاسم من بني الدئل وبني الدُوَل وبني دُئل، وكسره على الهمزة لحاجته إلى الحركة بالكسر فجاء به على الكليب والعبيد واتبع الأول الثاني بحرف الحلق كالشعير والصئين. ويروي " شربني لديل " أراد شربني ديل، فم أقحم اللام لتوكيد الإضافة كقوله:
يا بؤس للجهل ضراباً لأقوام
وفيها:
إذا مَسحوا سبالهم بدُهْنٍ ... ألهفك عَبْدَ للرجل القتيلِ
وضع الواحد موضع الجماعة كبيت الكتاب " من الطويل ":
أتني سُليم قضها بقضيضها ... تسمح حولي بالبقيع سبالها
والعامل في " إذا " محذوف للدلالة عليه من الأبيات التي قبله، كأنه إذا مسحوه فرحوا وجذلوا له، يهجوهم بذلك. ولا يجوز أن يعمل ما بعد
следующие страницы →