← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا الكتاب في الأصل رسالة علمية قدمت لنيل درجة الماجستير من كلية أصول الدين في الرياض التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وكانت لجنة المناقشة مكونة من فضيلة الشيخ مناع بن خليل القطان مشرفا، وفضيلة الشيخ محمد بن محمد بن عبد الرحمن الراوي وفضيلة الشيخ الدكتور سعود بن عبد الله الفنيسان مناقشين، وكانت المناقشة في ١١/ ١٤١٥/٢٦ هـ وقد منح الباحث درجة الماجستير بتقدير ممتاز، وأوصت اللجنة بطباعة الرسالة وتداولها بين الجامعات.

стр. 2

تقريظ لفضيلة الشيخ مناع بن خليل القطان الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. تكشف الرسائل الجامعية عن مواهب وقدرات العاملين في مجال البحث العلمي، والابتكار الذي يضيف جديدا إلى المعرفة. ولئن كانت العلوم النافعة التي تنهض بالأمة كثيرة متعددة الجوانب، فإن الدراسات القرآنية على رأس هذه العلوم في أمة الإسلام التي تنشد الهداية الإلهية ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. والرسالة التي بين يدي القارئ «قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية» التي أعدها الأخ الشيخ حسين بن علي بن حسين الحربي ونال بها درجة الماجستير بامتياز مع التوصية بطباعتها وتداولها لدى الجامعات. هذه الرسالة تتميز بالجدة والأصالة والإبداع وعمق البحث والتوثيق العلمي، وكم كنت أود أن تجيز لائحة الدراسات العليا بجامعتنا - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - تحويل رسالة الماجستير المتميزة إلى رسالة دكتوراة كما في بعض لوائح الجامعات الغربية، فتكون هذه الرسالة جديرة بذلك. لقد وفق الله الباحث في عرض رسالته، وأحكم ترتيبها في قواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآني، وقواعد الترجيح المتعلقة بالسنة والآثار، وقواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب، في منهجية علمية موضوعية، وأسلوب رصين بليغ وبيان جلي مشرق، واستدلال مقنع، واستقصى ما أمكن الوصول إليه من قواعد الترجيح عند المفسرين، واختار ثلاثة من أمهات كتب التفسير التي تعنى بالخلاف والترجيح، واستقرأ ما فيها من هذه القواعد باللفظ أو المعنى، وأضاف إلى ذلك ما استفاده من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام تلميذه ابن القيم، وشرح كل قاعدة، وبين

стр. 3

أدلتها، وآراء العلماء في اعتمادها، وأتى بالأمثلة التطبيقية عليها، وأحال في نهاية كل مثال إلى نظائره، وذكر القواعد المتفرعة عن كل قاعدة أصلية. وحيث كانت بعض هذه القواعد مشتركة مع قواعد أصول الفقه، أو القواعد اللغوية فإن الباحث رجع إلى المصادر الأصولية واللغوية في ذلك، ووثق النصوص توثيقا دقيقا من مصادرها الأصلية. وهذا العمل العلمي المضني الشاق بما فيه من عبقرية فذة يعدّ نموذجا للرسائل الجامعية التي تثري المكتبة الإسلامية بعامة والتفسيرية منها بخاصة. أسأل الله أن ينفع بهذا الحصاد العلمي، وأن يمد صاحبه بمزيد من التوفيق. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. مناع بن خليل القطان أستاذ الدراسات العليا والمشرف على إدارتها ١١/ ١٤١٥/٢٧ هـ الرياض

стр. 4

المقدمة إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن سار على سنته إلى يوم الدين. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٢) [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (١) [النساء: ١]. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٧١) [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فبعد أن تخرجت من السنة المنهجية أخذت في البحث عن موضوع مناسب لتسجيله رسالة علمية نافع لي ولكل ناظر فيه ولم يسبق أحد في طرق أبوابه، ولا في نظم حلله، معتبرا في ذلك بمضمون كلام ابن الجزري ﵀ في قوله: وينبغي لمن أراد التصنيف أن يبدأ بما يعم النفع به، وتكثر الحاجة إليه بعد تصحيح النية، والأولى أن يكون شيئا لم يسبق إلى مثله. اهـ (١). وقد هداني الله - تعالى - إلى موضوع أغلب ظني أنه لم يلق عناية ببحث ودراسة فهو موضوع بكر لم تفتح أبوابه، ولم تكشف أسراره، فإنه لما كثرت الأقوال في

стр. 5

تفسير كلام الله - تعالى - واختلط الحق بالباطل احتاج الأمر إلى وضع النقاط على الحروف، بتقعيد قواعد وضوابط يعرف بها الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، وهذا هو ما دفع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى تصنيف مقدمته في أصول التفسير قال في مقدمتها: أما بعد: فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه … والتمييز - في منقول ذلك ومعقوله - بين الحق وأنواع الأباطيل والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل، فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين. اهـ (١). فكان تخلية كتب التفسير - من كل دخيل علق بها وتجريدها من الآراء العقدية الفاسدة - ضرورة ملّحة لا غنى لأمة الإسلام عنها لتأخذ تفسير كتاب الله نبعا صافيا وموردا زلالا، فشحذت الهمة وقويت العزم على خوض غمار ما كتبه الأوائل لاستخراج قواعد وضوابط يعرف بها الصواب في تفسير كتاب الله - تعالى - ويجرده من كل ضعيف وشاذ من أقوالهم، وينقيه من كل دخيل فيه، فكان هذا البحث خطوة في هذا الطريق، ووسمته ب «قواعد الترجيج عند المفسرين»، ودرسته دراسة نظرية بتأصيل قواعده، وتطبيقها على خلاف المفسرين من خلال كتب التفسير. فأبرزت جملة من قواعد الترجيج في موضع واحد مبينا موقف المفسرين منها ومدى تطبيقهم واعتمادهم لها، ويلمح منها أهم أسباب خلافهم. وكل ذلك من منظور أهل السنة والجماعة، المبني على دلائل الكتاب والسنة، وكل من خالفه فهو محجوج به مردود إليه. ففكرت في اختيار بعض كتب التفسير لاستقرائها، وتقييد حللها، فتأملت في كتب التفسير فرأيتها لا تخرج عن ثلاثة أقسام: أولها: ما يكون مختصرا يعرض مؤلفه فيه تفسيرآيات التنزيل على ما ترجح عنده

стр. 6

دون ذكر لخلاف أو سرد لأقوال. وهذا القسم لا يفيد - غالبا - في استخراج قواعد للترجيح؛ إذا كان من مقاصد أصحابها اختصار الأقوال وعدم ذكر الخلاف. الثاني: من يذكر الخلاف غير أنه لا يهتم ببيان الراجح منها، ووجه ترجيحه، وإن رجح أحيانا لا يذكر وجه ترجيحه. وأيضا هذا القسم ليس رئيسا في استقرائي لقواعد الترجيح. الثالث: من جمع بين ذكر الخلاف والترجيح فيه وبيان وجه الترجيح، وذلك كتفسير الإمام الطبري، وابن عطية، والقرطبي، وأبي حيان، وابن كثير، والشنقيطي، وغيرهم. فكانت عنايتي منصبّة على هذا القسم، فاخترت ثلاثة من كتبه المشهورة المعروفة بالتحرير، وراعيت في ذلك أن يتنوع أسلوب عرضها، فاخترت «جامع البيان» للطبري، و «المحرر الوجيز» لابن عطية، و «أضواء البيان» للشنقيطي. وسبب اختياري لهذه الكتب دون غيرها هو اهتمام أصحابها بالترجيح في خلاف المفسرين، والتعليل له - غالبا - إضافة إلى ما للإمام الطبري من منزلة عظيمة في هذا الفن عموما وفي الترجيح خصوصا فهو لا يكاد يجاوز خلافا إلا ويختار ويرجح، ويعلل ويحتج لترجيحه. ومع ذلك تميزه في جانب التفسير بالأثر. أما تفسير ابن عطية فهو على مسماه محررّ وجيز يبين - غالبا - أصح الأقوال في تفسيرالآية، وعليه اعتمد كثير ممن بعده كالقرطبي، وأبي حيان، والشوكاني، وصديق خان، وغيرهم، مع ما يمثله من مدرسة الرأي. أما «أضواء البيان» فلا يقضي العالم منه عجبه، محرر مدقق، عمدته الدليل، تجرد صاحبه من كل هوى وبدعة، أصولي مفسر، استعان بالقواعد الأصولية في فهم كتاب الله، ومعرفة أرجح الأقوال في تفسيرآيات التنزيل، ولا يذكر خلافا - غالبا - إلا ويبين الراجح فيه مقرونا بالدليل والتعليل.

стр. 7

إضافة إلى قلّة استطراد هؤلاء الثلاثة في العلوم الأخرى كالفقه والنحو بالنسبة إلى الجصاص، والقرطبي، وأبي حيان، والسمين الحلبي، وغيرهم. ثم رسمت لنفسي منهجا أسير عليه في تسطير سطور هذا البحث وهو كالتالي: أولا: استقرأت هذه الكتب الثلاثة، فقرأت «جامع البيان» و «أضواء البيان» كاملين، وتسع مجلدات من «المحرر الوجيز» أقف عند كل خلاف، وكل ترجيح سطره هؤلاء الأئمة وأقيد كل ذلك مقسّما حسب خطة البحث. ثم تتبعت كلام شيخ الإسلام ابن تيمية المتناثر في الفتاوى فيما يتعلق بالتفسير وأصوله، وقرأت كلام ابن القيم المجموع في «التفسير القيم». وقد استغرق هذا الاستقراء مني ما يزيد على أربعة عشر شهرا. ثانيا: لم أهمل بقية كتب التفسير بل قمت بمقارنة ما اجتمع عندي من قواعد وأمثلة عليها مع بقية كتب التفسير، خاصة التي تهتم بذكر الخلاف والترجيح فيه، وقيدت ترجيحاتهم وأقوالهم في اعتماد القاعدة. ثالثا: جعلت كل مطلب من مطالب هذه الرسالة يمثل قاعدة أصلية وما يلحق بها من قواعد متفرعة عنها أو داخلة تحت مضمونها. وبعض هذه القواعد الترجيحية قواعد تفسيرية، تفسّر بهاآيات التنزيل ابتداء، وذكرتها هنا لمخالفة بعض الأقوال لها، فهي تفسيرية من حيث إنه ينبغي أن تفسر الآية بها ابتداء، وترجيحية من حيث النظر بها بين الأقوال المختلفة في التفسير، فهي تفسيرية من وجه، ترجيحية من وجه آخر. وهذه القواعد منها ما هو منصوص عليها بلفظها ومعناها من قبل، ومشهورة بين العلماء بلفظها، كقاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب». ومنها ما يقل ذكرها والتنصيص عليها بلفظها، غير أن اعتمادها والعمل بمضمونها معروف بينهم، كقاعدة القلب، وقاعدة: «تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير». ومنها ما لم أجد من ذكرها بلفظها، فاستخرجتها من ترجيحاتهم واجتهدت

стр. 8

في صياغتها، وبينت عمل العلماء بمضمونها، كقاعدة: «لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات لأمور مغيبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة». وأحيانا توجد قواعد مشتهرة بين علماء الأصول بلفظ معين، غير أني أختار عبارة بعض المفسرين وإن خالف المشهور، كما في قاعدة: «لا تصح دعوى النسخ في آية من كتاب الله إلا إذا صح التصريح بنسخها أو انتقى حكمها من كل وجه». رابعا: درست القواعد الأصلية دراسة وافية، وطريقتي في ذلك تقسيم الكلام فيها على فقرات كالتالي: ١ - صورة القاعدة: أذكر فيها معنى القاعدة العام مختصرا. ٢ - بيان ألفاظ القاعدة: وفيه أشرح معاني ألفاظ القاعدة من حيث اللغة والاصطلاح، وبيان القيود والشروط فيها - إن وجدت -، وأذكر ما يدخل تحت القاعدة، وما يخرج منها من جزئيات. ٣ - أدلة القاعدة: حيث أستدل على القاعدة من القرآن والسنة وإجماع الأمة - إن وجد ذلك واحتاج الأمر إليه - ولا أغفل التعليل والمستند العقلي الصحيح الذي يتفق مع دلائل الكتاب والسنة. ٤ - أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: حيث أذكر فيها أقوال العلماء التي تدل على اعتماد المفسر للقاعدة، واستعماله لها في الترجيح، وأختار منها الواضح الصريح الذي لا يحتاج إلى تعليق وإيضاح وبيان. وطريقتي في عرضها أني أجتزء من كلام العالم القول الذي يقرر به القاعدة سواء ذكرها بلفظها أو بمضمونها، أو رجح بما يتفق مع مضمونها، وسردت أقوال العلماء مرتبة حسب الوفيات. ٥ - بعد تقرير القاعدة أذكر من خالف في اعتمادها - إن وجد - وأبين مستنده وأرده مدعّما ذلك بالأدلة، والنقول عن الأئمة. ٦ - الأمثلة التطبيقية على القاعدة: حيث أبسط الكلام على مثال واحد - غالبا -

стр. 9

أذكر أقوال العلماء في الآية، ولم ألتزم نسبتها إلى قائليها إلا ما دعت إليه الحاجة - طلبا للاختصار -، وأبيّن الراجح - حسب وسعي - ووجه ترجيحه مستندا إلى الأدلة من القرآن والسنة، ووجوه الترجيح الصحيحة، ثم أذكر بعض أقوال العلماء في ترجيحه، وأردف أخيرا بالقواعد التي تؤيد القاعدة في ترجيحها. وإذا كانت القاعدة مركبة من أكثر من جزء أذكر لكل جزء مثالا (١)، وأحاول دائما أن أوسع دائرة تطبيق القاعدة فأذكر أصناف من تردّ القاعدة تفاسيرهم مدعّما كل ذلك بالأمثلة من مصادرهم الأصلية. وحرصت على ذكر الأمثلة التي لها أثر عملي أو عقدي حتى تتضح أهمية القاعدة في الترجيح، ونبهت على المناهج المنحرفة في تفسير القرآن عند كل مناسبة تسنح لي، وأضرب الأمثلة من مصادرهم الأصلية - ما وجدت إلى ذلك سبيلا - ثم أبيّن وجه بطلانها، وأردف بسرد أقوال بعض علماء أهل السنة في إبطالها، وهتك أستارها، إلا ما كان واضحا وضح الشمس في رابعة النهار. ٧ - أحلت في نهاية المثال إلى نظائره معزوة إلى مصادرها بالجزء والصفحة، معتمدا فيها على ترجيح من أحلت إليه، وإن نازعتها في الحقيقة قاعدة أخرى. ٨ - ذكرت بعد ذلك القواعد المتفرعة عن القاعدة الأصلية أو الداخلة تحت مضمونها - إن وجدت - وشرحت منها ما يحتاج إلى شرح، واكتفيت في بعضها بذكرها والإحالة إلى من ذكرها من العلماء استغناء بما بسط من القواعد الأصلية. خامسا: من منهجي أن لا أعتبر في الترجيح إلا ما كان صريحا من أقوالهم، وقد أعبّر أحيانا في الترجيح بقولي: «ومال إليه فلان … » وذلك لكونه لم يصرح بترجيحه وإنما أطنب في تقريره والاستدلال له، أو حكى غيره بصيغة التمريض،

стр. 10

ولم أعتبر تقديم العالم لقول ترجيحا على الرغم من أنه منهج لبعضهم (١)، وذلك لعدم صراحته. سادسا: قد أحتاج أحيانا إلى إدخال بعض كلامي أثناء نص منقول بلفظه لأحد العلماء لإيضاح إحالة إلى محذوف، ونحوه، فأميزه بوضعه معترضا ومحصورا بين معقوفين هكذا -[]-. سابعا: عزوت الآيات القرآنية الواردة في البحث إلى سورها. ثامنا: خرّجت الأحاديث النبوية والآثار من مصادرها الأصلية، فما كان منها في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت به - غالبا - وإن لم يكن فيهما فإني أخرّجه من مصادره الأصلية، وأنقل تصحيحه أو تضعيفه من أقوال بعض العلماء المتقدمين أو المتأخرين. تاسعا: وثقت النصوص التي أنقلها توثيقا علميا دقيقا من مصادرها الأصلية إلاّ أن يتعذر عليّ ذلك فإني أبينه، إلاّ ما كان من أمر «التفسير القيم» فإني أحلت إليه على الرغم من أنه جمع متأخر؛ لأني جمعت الإحالات منه، ولسهولة مراجعته، ولشهرته وانتشاره بين الخاصة والعامة. عاشرا: عرّفت بالمصطلحات العلمية الواردة في البحث من حيث اللغة والاصطلاح واعتمدت في كل مصادره الأصلية من كتب اللغة والأصول والقراءات وغيرها، ومن كتب التعاريف والمعاجم. الحادي عشر: ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في صلب البحث ترجمة مختصرة وافية بالغرض من كتب التراجم المعتمدة، عدا الخلفاء الأربعة والمعاصرين الأحياء. الثاني عشر: عرفت بالفرق والطوائف والبلدان الوارد ذكرها في البحث من كتبها المعتمدة.

стр. 11

الثالث عشر: أبدأ في الإحالات الهامشية - غالبا - بالمتقدم وفاة ثم أرتبهم حسب الوفيات، وقد أقدم أحيانا المتأخر لفائدة كأن يكون النص المنقول من كلامه اخترته لوضوحه أو سهولته أو شموله، ونحو ذلك. الرابع عشر: إذا كان للكتاب أكثر من طبعة فإني أميز الطبعة التي لم أكثر من الرجوع إليها والنقل عنها، وأهمل تمييز الطبعة التي اعتمدتها في نقولي وأكثرت من الرجوع إليها مثل تفسير الطبري وتفسير ابن عطية (١). الخامس عشر: الكتب التي تتفق أسماؤها أميزها إما بالنسبة إلى الفن أو إلى المؤلف، أو بسردها مع كتب من نفس الفن، كالبحر المحيط في التفسير، والبحر المحيط في أصول الفقه، والبرهان للزركشي وللجويني، والأشباه والنظائر لابن السبكي ولابن نجيم وللسيوطي، وغيرها. السادس عشر: عملت فهارس فنية تساعد على كشف مضامين هذا البحث بسهولة ويسر. وسرت في بحثي هذا على خطة مرسومة مكونة من مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة. على النحو التالي: - المقدمة: وفيها أهمية البحث، وأسباب اختياري له، ومنهجي فيه، وخطته وشكر ودعاء لكل من أعان عليه. - التمهيد: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريفات أساسية. المبحث الثاني: بيان متى يكون الترجيح. المبحث الثالث: تنازع القواعد المثال الواحد.

стр. 12

الفصل الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآني: وفيه مدخل، ومبحثان: المدخل في قاعدة: «لا تصح دعوى النسخ في آية من كتاب الله إلا إذا صح التصريح بنسخها أو انتفى حكمها من كل وجه». المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: قاعدة: «إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردّها أو ردّ معناها، وهي بمنزلة آية مستقلة». المطلب الثاني: قاعدة: «اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه». المطلب الثالث: قاعدة: «معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة». المطلب الرابع: قاعدة: «الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له». المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني: وفيه ثلاث مطالب: المطلب الأول: قاعدة: «إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنهما إلا بدليل يجب التسليم له». المطلب الثاني: قاعدة: «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه».

стр. 13

المطلب الثالث: قاعدة: «حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك». - الفصل الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة والآثار والقرائن: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة النبوية: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: قاعدة: «إذا ثبت الحديث، وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره». المطلب الثاني: قاعدة: «إذا ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه». المطلب الثالث: قاعد: «كل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ». المطلب الرابع: قاعدة: «لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات لأمور مغيبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة». المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالآثار: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: قاعدة: «إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير». المطلب الثاني: قاعدة: «إذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير». المطلب الثالث: قاعدة: «تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة علي من بعدهم».

стр. 14

المطلب الرابع: قاعدة: «تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذّ». المبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالقرائن: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: قاعدة: «القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه». المطلب الثاني: قاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك». المطلب الثالث: قاعدة: «القول الذي يعظّم مقام النبوة ولا ينسب إليها ما لا يليق بها أولى بتفسيرالآية»، وقاعدة: «كل قول طعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو مردود». - الفصل الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني. وفيه ثمانية عشر مطلبا: المطلب الأول: قاعدة: «كل تفسير ليس مأخوذا من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو ردّ على قائله». المطلب الثاني: قاعدة: «ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه». المطلب الثالث: قاعدة: «يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر». المطلب الرابع: قاعدة: «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة».

стр. 15

المطلب الخامس: قاعدة: «إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت الشرعية». المطلب السادس: قاعدة: «إذا اختلفت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت العرفية». المطلب السابع: قاعدة: «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار». المطلب الثامن: قاعدة: «القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير». المطلب التاسع: قاعدة: «لا ينبغي حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح». المطلب العاشر: قاعدة: «إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى». المطلب الحادي عشر: قاعدة: «حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف». المطلب الثاني عشر: قاعدة: «إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى». المطلب الثالث عشر: قاعدة: «إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا، فإنه يحمل على إفراده». المطلب الرابع عشر: قاعدة: «القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسيرالآية». المطلب الخامس عشر: قاعدة:

стр. 16

«يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص». المطلب السادس عشر: قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب». المطلب السابع عشر: قاعدة: «إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه». المطلب الثامن عشر: قاعدة: «الأصل في الأوامر أنها للوجوب، وفي النواهي أنها للتحريم». المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بمرجع الضمير: وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: قاعدة: «إذا أمكن حمل الضمير على غير الشأن فلا ينبغي الحمل عليه». المطلب الثاني: قاعدة: «إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدّر». المطلب الثالث: قاعدة: «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره». المطلب الرابع: قاعدة: «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها». المطلب الخامس: قاعدة: «الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، ما لم يرد دليل بخلافه». المبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالإعراب: وفيه مطلبان: المطلب الأول: قاعدة: «يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة

стр. 17

الشرع». المطلب الثاني: قاعدة: «يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة دون الضعيفة والشاذة». - الخاتمة: وفيها أهم النتائج. - الفهارس الفنية اللازمة للبحث. وفي الختام أشكر الله - تعالى - وأثني عليه الخير كله على ما منّ به عليّ، ويسّر وأعان على إتمام هذا الجهد، وسلك بي سبيل العلم، ثم أتقدم بالشكر والتقدير الجزيلين لفضيلة الشيخ مناع القطّان المشرف على هذه الرسالة على ما غمرني به من علم وفضل، ولين جانب وحسن توجيه، وبما فتح لي صدره وبيته، وبما صرف لي من ثمين وقته وسعة صدره، فجزاه الله عني خير الجزاء وجعل ذلك في ميزان حسناته، وأشكر كل من أبدى لي نصحا أو مساعدة برأي أو مشورة أو بتوجيه أو بإعانة فلهم مني جزيل الشكر والثناء، والدعاء لهم بأن ينفع الله بهم ويبارك في أعمارهم. كما أشكر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين. وأشكر وزارة المعارف ممثلة في كليتي المعلمين في جازان وفي الرياض اللتين يسرتا لي فرصة الالتحاق بالجامعة ومواصلة دراستي. وهذا جهد المقلّ فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ وزلل فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله - تعالى - منه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الباحث

стр. 18

التمهيد وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريفات أساسية. (١) تعريف التفسير، والمفّسّر. (٢) تعريف التعارض. (٣) تعريف الترجيح. (٤) تعريف القاعدة. (٥) تعريف المركب الإضافي «قواعد الترجيح». المبحث الثاني: بيان متى يكون الترجيح. المبحث الثالث: تنازع القواعد المثال الواحد.

стр. 19

المبحث الأول: تعريفات أساسية (١) تعريف التفسير، والمفسر . التفسير في اللغة: اختلف علماء العربية في أصل لفظ «التفسير». فقال جماعة، منهم الأزهري (١) في تهذيبه، وابن فارس (٢) في مقاييسه وغيرهما: أن التفسير «تفعيل» من «الفسر» بمعنى الإبانة وكشف المراد عن اللفظ المشكل وإيضاحه (٣). يقال فسر الشيء يفسره - بالكسر - ويفسره - بالضم - فسرا، وفسّره: أي أبانه (٤). والفسر: التفسير وهو: بيان وتفصيل للكتاب. وقال آخرون: هو مقلوب من «سفر» ومعناه أيضا الكشف، يقال سفرت المرأة سفورا، إذا ألقت خمارها عن وجهها، وهي سافرة، وأسفر الصبح، أضاء، وإنما بنوه على التفعيل؛ لأنه للتكثير، كقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، وقوله: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، فكأنه يتبع سورة بعدسورة وآية بعد أخرى (٥).

стр. 20

وقال الراغب الأصفهاني (١): والفسر والسّفر يتقارب معناهما، كتقارب لفظيهما؛ لكن جعل الفسّر لإظهار المعنى المعقول … ، وجعل السّفر لإبراز الأعيان للأبصار فقيل سفرت المرأة عن وجهها وأسفر الصبح (٢). اهـ. وأيّا كان الأمر فأصل المادة يدور على معنى البيان والكشف والإيضاح. التفسير اصطلاحا: عرّف بتعريفات كثيرة، فعرفه أبو حيان (٣) بقوله: التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية، والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب، وتتمات لذلك (٤). اهـ ونقل هذا التعريف الألوسي (٥) وتفسيره (٦). ثم شرح التعريف بقوله: قولنا علم: هو جنس يشمل سائر العلوم. وقولنا: يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن: هذا هو علم القراءات. وقولنا: ومدلولاتها: أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا علم اللغة الذي يحتاج إليه

стр. 21

في هذا العلم. وقولنا: وأحكامها الإفرادية والتركيبية: هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع. وقولنا: ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب: شمل ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئا، ويصد عن الحمل على الظاهر صاد، فيحتاج لأجل ذلك أن يحمل على غير الظاهر وهو المجاز. وقولنا: وتتمات لذلك: هو معرفة النسخ، وسبب النزول، وقصة توضح بعض ما انبهم في القرآن ونحو ذلك (١). وعرفه الزركشي (٢) بقوله: علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه (٣) اهـ. فعلى هذا التعريف يكون استمداد علم التفسير من علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ. قال شيخنا الشيخ مناع القطان ﵀: وتشترك التعريفات السابقة في أنها تناولت تفصيلات وأحكاما جزئية مما هو خارج عن الماهية، فليست حدا للتفسير، وغاية ما يقال فيها إنها تعاريف بالرسم، والأولى عندي أن يقال في تعريفه: بيان كلام الله المتعبد بتلاوته المنزل على محمد ﷺ . «فبيان كلام الله» هذا المركب الإضافي، يخرج بيان كلام غيره - تعالى - من الإنس والجن والملائكة.

стр. 22

«المتعبد بتلاوته» أخرج الحديث القدسي. «والمنزل» يخرج كلام الله الذي استأثر به - سبحانه -. وتقييد المنزل بكونه «على محمد ﷺ » يخرج به ما أنزل على الأنبياء قبله كالتوراة والإنجيل (١) اهـ. وبنحو هذا التعريف عرّفه فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - فقال: بيان معاني القرآن الكريم (٢) اهـ (**). (**) ومما يعبر به بعض المفسرين عن تفسيرالآية، لفظ «التأويل» كما يفعل ابن جرير الطبري ﵀ فيقول: القول في تأويل قول الله - تعالى - .. ، أي القول في تفسير قوله - تعالي - .. والتأويل لغة، من الأول وهو الرجوع، فإرجاع اللفظ وتصييره إلى معنى من المعاني التي يحتملها يكون تأويلا، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي تكشف عاقبته، ويقال آل الأمر إلى كذا أي صار إليه، وقيل أصله من الإيالة وهي السياسة، فكأن المؤول للكلام يسوي الكلام ويضع المعنى في موضعه، معجم مقاييس اللغة (١/ ١٦٠)، لسان العرب (١١/ ٣٣ - ٣٤)، البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٤٨). وللتأويل اصطلاحا عدة معاني: الأول: تفسير الكلام وبيان معناه. الثاني: أنه حقيقة الكلام وعين مقصوده، فتأويل الأمر هو الفعل المأمور به، فهذان المعنيان هما استعمال المتقدمين. وأما «التأويل» في عرف المتأخرين هو: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. وهذا المعنى الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف في الصفات وغيرها، والمعنى الأول هو الذي بمعنى التفسير عند أهل التفسير، انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (١٣/ ٢٨٨) وما بعدها. ومن العلماء من فرّق بين التفسير والتأويل، وقد اختلفت أقوالهم في ذلك، جمع حامد أفندي العمادي، مفتي دمشق، المتوفى سنة ست وثلاثين ومائة وألف جملة منها في «رسالة التفصيل في الفرق بين التفسير والتأويل»، بلغت فيها الأقوال أكثر من أربعة عشر قولا. يقوم د. فهد الرومي بتحقيقها، وانظر جملة من هذه الأقوال في البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٤٩)، والإتقان (٤/ ١٦٧).

стр. 23

تعريف المفسر: كل أهل فن عرّفوا بمن اشتغل بفنهم، فالفقهاء عرّفوا بالفقيه، وكذا الأصوليون عرفوا بالأصولي، وهكذا. ولم أر - على قصور منّي - من عرّف بالمفسر، ممن اشتغل بهذا الفن غير أنه يمكن استيحاء ذلك، من الضوابط العامة التي جعلت للمفسر، ومن تعريفات أصحاب الفنون لأصحابها (١). فالمفسر هو: من له أهلية تامة يعرف بها مراد الله - تعالى - بكلامه المتعبد بتلاوته، قدر الطاقة، وراض نفسه على مناهج المفسرين، مع معرفته جملا كثيرة من تفسير كتاب الله، ومارس التفسير عمليا بتعليم أو تأليف. فقولي: «من له أهلية تامة .. » أدخل كل من استكمل المؤهلات التي تؤهله لتفسير كلام الله، وذلك بأن يكون عالما باللغة وما يندرج تحتها من شرح مفردات، وفهم تراكيب ودلالات الألفاظ، والنحو والتصريف، والاشتقاق، والبلاغة، وكذلك علم القراءات، وعلم أصول الفقه، والفقه، ومعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وما يحتاج إليه من ذلك. وخرج بهذا القيد من لم يستكمل تلك العلوم. وقولي: «ومارس التفسير عمليا بتعليم أو تأليف» قيد أخرج من علم جملة من تفسير كتاب الله ولم يمارس تعليمه أو التأليف فيه، فإنه لا يكون مفسرا بمجرد العلم بجملة من التفسير، بل يكون بها وحدها وعاء ناقلا لتلك الجمل التي حفظها وعلمها. ووضعت هذا القيد ليدخل في مسمى «المفسّر» من عرف جملا من التفسير، ومارسه بالتعليم دون التأليف وهم كثير من علماء الأمة، فكثيرا ما يجد القارئ في كتب التراجم، وطبقات المفسرين من كان ينتصب لتدريس تفسير كتاب الله في المساجد والمدارس، ولم يعرف عنه أنه ألف في التفسير كتابا. ***

стр. 24

(٢) تعريف التعارض: «التعارض» في اللغة، مصدر تعارض، يقال عارض الشيء بالشيء معارضة قابله، وعارضت كتابي بكتابه أي قابلته، والشيء عرض عيني أي مقابلها، وعرض الشيء يعرض، واعترض: انتصب ومنع، وصار عارضا كالخشبة المنتصبة في النهر والطريق، ونحوها تمنع السالكين سلوكها .. وعرض لك الشيء من بعيد بدا وظهر … وعارضه في المسير أي سرت حياله وحاذيته (١). «التعارض» في الاصطلاح: تقابل الحجتين المتساويتين في القوة على وجه يوجب كل منهما ضد ما توجبه الأخرى في محل واحد في وقت واحد (٢). وهذا هو مفهوم التعارض عند الفقهاء والأصولين أنه تقابل حجتين أو دليلين، أما مفهوم «التعارض» في بحثي هذا فهو أوسع من مفهومه عندهم، وما ذاك إلا لأن موضوع «التعارض» عند الأصوليين هو الأدلة العقلية والشرعية، أما في موضوعي هذا فهو الأقوال المختلفة في التفسير، فالأصل فيه هو خلاف التضاد وأدخلت بعض صور خلاف التنوع من باب حمل الآية على أولى الوجوه وأوفقها للنص القرآني - على ما سيأتي بيانه إن شاء الله في المبحث الآتي - والتعامل مع أقوال العلماء يختلف عن التعامل مع نصوص الشريعة - كما هو معلوم -. (٣) تعريف الترجيح: الترجيح في اللغة: قال ابن فارس: الرء والجيم والحاء، أصل واحد يدلنا على رزانة وزيادة، يقال:

стр. 25

رجح الشيء وهو راجح إذا رزن (١). اهـ. وأرجح الميزان أي أثقله حتى مال (٢) .. وفي اصطلاح الأصوليين: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى لدليل (٣). وعرّف بغير هذا (٤). وفي موضوعي هذا: تقوية أحد الأقوال في تفسيرالآية لدليل أو قاعدة تقوية، أو لتضعيف أو ردّ ما سواه. فقولي: «لتضعيف أوردّ ما سواه» لأنه إذا ضعّف غيره من الأقوال صار ذلك حصرا للصواب فيه، وهذا من أوجه الترجيح. وسوف أعتمد ترجيحات أئمة التفسير الأعلام وأقوالهم في تقرير القواعد التي نصوا عليها، والترجيح بها في أمثلتها. ودراسة ومقارنة ترجيحاتهم فيما لم ينصوا عليه أو يذكروه، ثم الخلوص منها بقاعدة ترجيحية يصدق عليها مسمى القاعدة - بإذن الله -. (٤) تعريف القاعدة: القاعدة لغة: [أصل الأسّ، وجمعها قواعد وهي الأساس، وقواعد البيت أساسه، وفي التنزيل ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وفيه أيضا قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]. والقواعد أساطين البناء التي تعمده، وقواعد الهودج: خشبات أربع معترضة في أسفله تركّب عيدان الهودج فيها. وقال أبو عبيد (٥): القواعد هي أصولها المعترضة

стр. 26

في آفاق السماء، وأحسبها مشبهة بقواعد البيت وهي حيطانه، والواحد منها: قاعدة (١). قال ذلك في بيانه لغريب قوله ﷺ حين سأل عن سحائب مرت فقال: «كيف ترون قواعدها وبواسقها» (٢). وقال ابن الأثير (٣): أراد بالقواعد ما اعترض منها وسفل تشبيها بقواعد البناء (٤). اهـ. ويقال للفسيلة إذا صار لها جذع: قد قعدت، وفي أرض فلان من القاعدة كذا وكذا أصلا] (٥). وهذه أمور حسية، واستعملت أيضا في الأمور المعنوية ومن ذلك قواعد العلم. القاعدة اصطلاحا: عرفت بتعاريف كثيرة. فقيل هي: الأمر الكلي الذي ينطبق على جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منه (٦). فقيل أمر كلي: ولم يقل أغلبي؛ لأن شأن القواعد أن تكون كلية (٧). وإن الفرع أو الفروع المخرجة منها ليست داخلة فيها، إذ هي كلية بالنسبة إلى غير تلك الفروع المخرجة منها، فالدليل الذي أخرج هذا الفرع أو الفروع منها، خصصها بما وراءه من فروع (٨).

стр. 27

قال الإمام الشاطبي (١): وأيضا فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلا (٢). اهـ وعرفت القاعدة - أيضا - بأنها: حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته (٣). قيل حكم أغلبي؛ لأنها لا تنطبق على جميع الجزئيات في كل قاعدة، وإنما حكم أغلبي إذ إن كثيرا من القواعد تشذ عنها بعض المسائل، فتعد مستثناة منها، ولا يقدح ذلك في كونها قاعدة (٤)، وبذلك صار الحكم أغلبيا. وفي نظري - والله أعلم - أن الخلاف بين الحدين خلاف صوري إذ كل منهما يقرر أن لكل قاعدة مستثنيات لا تدخل تحت حكم القاعدة. فمن جعل حكم القاعدة كليا، نظر إلى هذه الجزئيات المخرجة من القاعدة على أنها لا تدخل في حكم القاعدة أصلا. فجعل حكمها كليا باعتبار ما بقى تحت حكمها من جزئيات. ومن جعل حكمها أغلبيا اعتبر هذه الجزئيات المخرجة على أنها غير داخلة تحت صورة القاعدة أصلا، وإنما أخرجت بدليل، فصار حكم القاعدة منتفيا عنها مع كونها كانت من جزئيات القاعدة، وبما أن هذه الجزئيات المخرجة قليلة بالنسبة لما يندرج تحت القاعدة من جزئيات صار حكم القاعدة أغلبيا. ولعل التعريف الثاني - حكم أغلبي ينطبق على معظم الجزئيات - أقرب إلى الناحية الواقعية في الصورة المختلف عليها، وهي الجزئيات المستثناة، فهي في الأصل تدخل

стр. 28

تحت القاعدة وإنما خرجت لاعتبار معين. فهذا تعريف القاعدة بمدلولها العام فتشمل كل ما يطلق عليه قاعدة في العلوم كافة كالقاعدة الأصولية «الأمر يقتضي الوجوب»، والقاعدة النحوية: «الفاعل مرفوع» والقاعدة الفقهية «لا ضرر ولا ضرار» والقاعدة الترجيحية «القول بالتأسيس مقدم على القول بالتأكيد»، وغيرها من القواعد. *** (٥) التعريف بالمركب الإضافي «قواعد الترجيح»: لم أر أحدا سبق في دراسة هذا الموضوع دراسة مستقلة، وحدد معالمه، ووضع حدوده، فالذين كتبوا في علوم القرآن وأصول التفسير، لم يتعرضوا إلى هذا الموضوع؛ لذلك كانت هذه محاولة مني لتحديد معالم هذا العلم. فأقول وبالله التوفيق. أولا: قواعد الترجيح عند المفسرين هي: ضوابط وقواعد أغلبية يتوصل بها إلى معرفة الراجح من الأقوال المختلفة في تفسير كتاب الله. قلت: «ضوابط وقواعد» باعتبار عدم التفريق بين القاعدة والضابط كما هو نهج بعض العلماء، وقد فرق بينهما آخرون (١). وقلت: «أغلبية» باعتبار أن القاعدة أغلبية وقد سبق الإشارة إلى ذلك في تعريف القاعدة. وقولي: «يتوصل بها إلى معرفة الراجح» خرج به القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام وغيرها، فالترجيح لا استنباط فيه من الآية وإنما هو نظر في الأقوال

стр. 29

المستنبطة من الآية، للترجيح بينها من خلال هذه القاعدة. قولي: «من الأقوال المختلفة» خرج به ما كان موضع وفاق بين العلماء، فلا، مجال للترجيح فيه، وهو ما يعرف بالإجماع. قولي: «في تفسير كتاب الله» خرج به الترجيح في غيره من العلوم، كالفقه والنحو وغيرها. ثانيا: موضوع القواعد الترجيحية: موضوعها أقوال المفسرين المختلفة في تفسير كتاب الله - تعالى -. ثالثا: غايتها: غاية العلم بقواعد الترجيح هي: * معرفة أصح الأقوال وأولاها بالقبول في تفسير كتاب الله، ومن ثم العمل بها اعتقادا إن كانت من آيات العقيدة، وعملا بالجوارح إن كانت من آيات الأحكام العملية، وسلوكا وأدبا إن كانت من آيات الأخلاق والآداب. * وتصفيه وتنقية كتب التفسير مما قد علق ببعضها، من أقوال شاذة أو ضعيفة، أو مدسوسة فيها لمذهب عقدي ونحو ذلك. رابعا: استمدادها من أصول الدين، ومن لغة العرب، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، وعلوم الحديث، وعلوم القرآن، واستقراء ترجيحات أئمة التفسير.

стр. 30

المبحث الثاني: بيان متى يكون الترجيح إن طلب أصح الأوجه في تفسير كلام الله - تعالى - من أهم مقاصد طلب العلم وتحصيله، ودراسة التفسير خاصة، لذلك مما ينبغي العلم به، العلم بالتفسير الذي اتفق عليه العلماء، وأجمع عليه أهل الأمصار والأعصار، أو أهل عصر معين، كإجماع الصحابة، أو إجماع التابعين، أو من بعدهم. قال ابن قدامة (١): ويجب على المجتهد في كل مسألة أن ينظر أول شيء إلى الإجماع فإن وجده لم يحتج إلى النظر في سواه (٢). أهـ فهو أصح وأعلى أنواع التفسير فيجب المصير إليه، وحمل الآية عليه. كإجماعهم - عليهم رحمة الله - على تفسير اليقين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٩٩) [الحجر: ٩٩] بأنه الموت (٣). أو إجماعهم على تفسير المغضوب عليهم بأنهم اليهود، والضالين بأنهم النصارى (٤)، في قوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧) وكاتفاقهم على تفسير الأمر في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ (١) [الطلاق: ١] بأنها الرجعة (٥)، أو كاتفاقهم على تفسير الأميين في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾

стр. 31

[الجمعة: ٢]. بأنهم العرب (١). ونحوها من الآيات التي اتفق السلف على تفسيرها (٢). وذلك بتنصيص أحد الأئمة الأعلام وحكايته لهذا الإجماع، وعدم العلم بالمخالف، فهذا يدل على أن الأمة متفقة على تفسير هذه الآية وفهمها على هذا الوجه، إذ يستحيل أن تجهل الأمة - أو تعلم وتسكت - في عصور مختلفة تفسيرآيات من كتاب الله، وتفسرها بمعان هي خلاف الصواب، ولا تفسّر بغيرها من المعاني الصحيحة. والكثرة الكاثرة من الآيات وقع الخلاف في تفسيرها، وهذا الخلاف لا يخلو من أحد أربعة أمور: إمّا أن تكون جميع الأقوال محتملة في الآية وبقوة الاحتمال نفسها أو قريبا منه، ومن نصوص القرآن والسنة ما يشهد لكل واحد منها. وإما أن تكون الأقوال متعارضة مع بعضها يتعذر حمل الآية عليها جميعا. وإما أن تكون الأقوال ليست متعارضة مع بعضها، وإنما يكون بعضها معارضا لدلالة آيات قرآنية، أو لنصوص صحيحة من السنة، أو لإجماع الأمة. وإما أن تكون الأقوال المختلفة في الآية ليس بينها تعارض - لا مع بعضها ولا مع آيات أو أحاديث أو إجماع - وهي محتملة، غير أن بعضها أولى من بعض، لاعتبارات سيأتي بسطها في ثنايا هذا البحث. وسوف أذكر - بمشيئة الله - لكل نوع من هذه الأنواع أمثلة، مراعيا فيها جانب الاختصار، مبينا بها المقصود. فأما النوع الأول من الخلاف وهو ما إذا كان جميع الأقوال محتملة في الآية ونصوص القرآن والسنة شاهدة لكل واحد منها، فكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] فللعلماء ثلاثة أوجه من

стр. 32

التفسير، قال العلامة الشنقيطي (١): وكل واحد منها له مصداق في كتاب الله - تعالى -. الأول: أن المعنى، وهو الله في السماوات وفي الأرض، أي وهو الإله المعبود في السماوات والأرض؛ لأنه - جل وعلا - هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء، وعلى هذا فجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ حال، أو خبر، وهذا المعنى يبينه، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أي وهو المعبود في السماء والأرض بحق، ولا عبرة بعبادة الكافرين غيره؛ لأنها وبال عليهم يخلدون بها في النار الخلود الأبدي، ومعبوداتهم ليست شركاء لله عن ذلك علوا كبيرا - ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، وقال: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (٦٦) [يونس: ٦٦]. الوجه الثاني: أن قوله: ﴿فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] يتعلق بقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ أي وهو الله يعلم سركم في السماوات وفي الأرض ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]. الوجه الثالث: أن الوقف تام على قوله: ﴿فِي السَّماواتِ،﴾ وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ يتعلق بما بعده، أي يعلم سركم وجهركم في الأرض. ومعنى هذا القول: أنه - جل وعلا - مستو على عرشه فوق جميع خلقه، مع أنه يعلم سر أهل الأرض وجهرهم لا يخفى عليه شيء من ذلك، يبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ (١٦)

стр. 33

[الملك: ١٦]، وقوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ (٥) [طه: ٥]، مع قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ (٧) [الأعراف: ٧] انتهى كلامه (١). وكالخلاف في لفظة ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨]، فهي تحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى، وعلى هذا فالمعنى: يعلم ما تحمله من ولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة، وخداج، وحسن، وقبح … وغير ذلك من الأحوال، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ [لقمان: ٨]؛ لأن ﴿ما﴾ فيه موصولة بلا نزاع، وقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦]. وتحتمل أن تكون - ﴿ما﴾ - مصدرية، أي يعلم حمل كل أنثى، بالمعنى المصدري، وقد جاءت آيات تدل على هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، وقوله تعالى: ﴿* إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت: ٤٧] (٢). فمثل هذا الخلاف محتمل، وكل الأقوال فيه حق، ولا يدخله ترجيح لكون الأقوال صحيحة، وجميعها مراد من الآية، والقرآن يشهد لكل واحد منها؟ فلذلك هو خارج عن موضوع بحثي، إذ يستقيم حمل الآية على كل قول منها، وليس بعضها أولى من بعض.

стр. 34

أما الأنواع الثلاثة الباقية فهي موضوع بحثي، وكل عملي في هذا البحث منصبّ عليها، وأكثره على النوع الثالث منها. أما النوع الأول من هذه الأنواع الثلاثة فهو ما إذا كانت الأقوال متعارضة يتعذر حمل الآية عليها جميعا، فلا بد أن يكون المراد أحدها، وغالب ذلك في المشترك، والمتواطئ المراد به أحد النوعين. إذ اتفق أهل الأصول على عدم جواز استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه من متكلم واحد في وقت واحد، إذا امتنع الجمع بين مدلوليه أو مدلولاته (١). مثل «القرء» فإنه يراد به «الحيض» ويراد به «الطهر» ولا يمكن أن يكون المراد الاعتداد بهما معا في آن واحد. قال الماوردي (٢) في مقدمة تفسيره: الضرب الثاني: أن يتفق أصل الحقيقة فيهما فيكونا مستعملين في اللغة على سواء أو في الشرع أو في العرف، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يتنافى اجتماعهما ولا يمكن استعمالهما، في الأحكام الشرعية مثل «القرء» الذي هو حقيقة في الطهر وحقيقة في الحيض، ولا يجوز للمجتهد أن يجمع بينهما، لتنافيهما، وعليه أن يجتهد رأيه في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه (٣) … اهـ.

стр. 35

وأما إذا لم يمتنع الجمع بين مدلولي المشترك، فهل يجوز استعماله فيهما؟ فيه مذهبان: الأول: أنه يصح إطلاق المشترك المفرد في معنييه أو معانيه معا في وقت واحد من متكلم واحد، ونسبه الشوكاني (١) إلى جمهور العلماء (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). قال ﵀: ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين. إما لكونه مشتركا في اللفظ كلفظ «قسورة» الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد. ولفظ «عسعس» الذي يراد به إقبال الليل وإدباره. وإما لكونه متواطئا في الأصل؛ لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ (٨) [النجم: ٨] وكلفظ ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (٣) [الفجر: ١ - ٣] وما أشبه ذلك، فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك. فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه، إذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء: المالكية، والشافعية، والحنبلية، وكثير من أهل الكلام (٤) … اهـ. المذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يحمل المشترك على معنييه أو معانيه في وقت واحد

стр. 36

من متكلم واحد. وهو اختيار الرازي (١) في المحصول (٢). وانتصر لهذا المذهب العلامة ابن القيم (٣) فقال: إن الأكثرين لا يجوزون استعمال المشترك في معنييه، لا بطريق الحقيقة، ولا بطريق المجاز، وما حكي عن الشافعي (٤) من تجويزه ذلك فليس بصحيح عنه، وإنما أخذ من قوله: «إذا أوصى لمواليه، وله موال من فوق ومن أسفل تناول جميعهم». فظن من ظن أن لفظ الموالي مشترك بينهما، وأنه عند التجرد يحمل عليهما، وهذا ليس بصحيح. فإن لفظ المولى من الألفاظ المتواطئة، فالشافعي - في ظاهر مذهبه - وأحمد (٥) يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ وهو عنده عام متواطئ لا مشترك (٦). اهـ. والذي يدخل معنا في هذا النوع هو المشترك الذي يمتنع الجمع بين مدلوليه أو مدلولاته، فلا يجوز أن يحمل على معنييه أو معانيه، بحيث

стр. 37

تكون مرادة جميعا معا في الآية: أما الذي لا يمتنع الجمع بين مدلوليه فهذا الأمر فيه أوسع، ولا يظهر تعارض بين الأقوال إذا قيل بجميع معانيه في الآية. ومثل المتواطئ المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ (٩) [النجم: ٨ - ٩]، فقد اختلف المفسرون في المراد بالمقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد ﷺ قاب قوسين أو أدنى. فقالت عائشة (١) وابن مسعود (٢) وأبو ذر (٣) وأبو هريرة (٤) ﵃: إنه جبريل ﵇. وصح عن ابن عباس (٥) ﵄ أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين. اهـ فجعل هذه إحداهما (٦).

стр. 38

وقد يكون هذا النوع في غير المشترك والمتواطئ مثل الخلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. فقال بعض المفسرين: هو ولي البكر. وقال آخرون: هو الزوج (١). وأمّا مثال النوع الثاني من هذه الأنواع الثلاثة، وهو ما إذا كانت الأقوال غير متعارضة، وإنما يكون بعضها معارضا لآيات قرآنية، أو لنصوص صحيحة من السنة، أو لإجماع الأمة، فمثل هذه الأقوال يجب إطراحها، وسقوط حكمها. قال الماوردي: الضرب الثاني: أن يترجح أحدهما -[أي أحد القولين]- على الآخر بدليل، وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون دليلا على بطلان أحد المعنيين، فيسقط حكمه، ويصير المعنى الآخر هو المراد، وحكمه هو الثابت. اهـ (٢)، وذلك كقول سعيد بن المسيب (٣): ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل (٤). اهـ. فمثل هذا القول معارض لصريح القرآن في وصف خمر الجنة، أنه لا يغتال العقول فيذهب بها، أو يغيّرها كما قال تعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ (٤٧) [الصافات: ٤٧]. قال أبو حبان: وما أظنه يصح عنه -[أي عن ابن المسيب]-؛ لأن خمر الجنة كما ذكر الله تعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ (٤٧) اهـ (٥).

стр. 39

وقال ابن قتيبة (١): تبيّن قوله في وصف خمر أهل الجنة: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ (١٩) [الواقعة: ١٩]، كيف نفى عنها بهذين اللفظين جميع عيوب الخمر، وجمع بقولها ﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ (١٩) عدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب. أهـ (٢). وكقول مقاتل بن سليمان (٣): إن الله - تعالى - إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه (٤). اهـ فمثل هذا القول معارض لصريح قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿(٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٢٩) [الحجر: ٢٨ - ٢٩]. وقال قوم: «سجود الملائكة كان مرتين»، قال ابن عطية: والإجماع يرد هذا. اهـ (٥). ومثله في مخالفة إجماع الأمة من ادعى جواز نكاح تسع نسوة حرائر استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ [النساء: ٣] (٦). ومن أمثلة الأقوال المخالفة للسنة، قول محمد بن كعب القرظي في قول الله تعالى: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصّت أثر موسى فبصرت به عن جنب وهم لا

стр. 40

يشعرون. اهـ (١). وهذا القول مخالف لحديث المغيرة بن شعبة (٢) ﵁ قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرءون «يأخت هارون» وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» (٣). ومخالف لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبينه نبي» (٤). وردّ هذا القول بمضمون هذه القاعدة الحافظ ابن كثير (٥)، والعلامة الشنقيطي (٦)، وغيرهما. وأما أمثلة النوع الثالث وهو ما إذا كانت الأقوال المختلفة في الآية محتملة وليس بينها تعارض، غير أن بعضها أولى من بعض؛ لكون القرآن ودلالة ألفاظه تشهد لقول دون غيره، أو السنة تشهد لأحدها، أو لغة العرب، أو قرائن في السياق، أو أسباب أخر تقضي بتقديم أحد الأقوال، وهذا ما يسمى تقديم الأولى.
следующие страницы →