← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من متكلم واحد. وهو اختيار الرازي (١) في المحصول (٢). وانتصر لهذا المذهب العلامة ابن القيم (٣) فقال: إن الأكثرين لا يجوزون استعمال المشترك في معنييه، لا بطريق الحقيقة، ولا بطريق المجاز، وما حكي عن الشافعي (٤) من تجويزه ذلك فليس بصحيح عنه، وإنما أخذ من قوله: «إذا أوصى لمواليه، وله موال من فوق ومن أسفل تناول جميعهم». فظن من ظن أن لفظ الموالي مشترك بينهما، وأنه عند التجرد يحمل عليهما، وهذا ليس بصحيح. فإن لفظ المولى من الألفاظ المتواطئة، فالشافعي - في ظاهر مذهبه - وأحمد (٥) يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ وهو عنده عام متواطئ لا مشترك (٦). اهـ. والذي يدخل معنا في هذا النوع هو المشترك الذي يمتنع الجمع بين مدلوليه أو مدلولاته، فلا يجوز أن يحمل على معنييه أو معانيه، بحيث

стр. 37

تكون مرادة جميعا معا في الآية: أما الذي لا يمتنع الجمع بين مدلوليه فهذا الأمر فيه أوسع، ولا يظهر تعارض بين الأقوال إذا قيل بجميع معانيه في الآية. ومثل المتواطئ المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ (٩) [النجم: ٨ - ٩]، فقد اختلف المفسرون في المراد بالمقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد ﷺ قاب قوسين أو أدنى. فقالت عائشة (١) وابن مسعود (٢) وأبو ذر (٣) وأبو هريرة (٤) ﵃: إنه جبريل ﵇. وصح عن ابن عباس (٥) ﵄ أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين. اهـ فجعل هذه إحداهما (٦).

стр. 38

وقد يكون هذا النوع في غير المشترك والمتواطئ مثل الخلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. فقال بعض المفسرين: هو ولي البكر. وقال آخرون: هو الزوج (١). وأمّا مثال النوع الثاني من هذه الأنواع الثلاثة، وهو ما إذا كانت الأقوال غير متعارضة، وإنما يكون بعضها معارضا لآيات قرآنية، أو لنصوص صحيحة من السنة، أو لإجماع الأمة، فمثل هذه الأقوال يجب إطراحها، وسقوط حكمها. قال الماوردي: الضرب الثاني: أن يترجح أحدهما -[أي أحد القولين]- على الآخر بدليل، وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون دليلا على بطلان أحد المعنيين، فيسقط حكمه، ويصير المعنى الآخر هو المراد، وحكمه هو الثابت. اهـ (٢)، وذلك كقول سعيد بن المسيب (٣): ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل (٤). اهـ. فمثل هذا القول معارض لصريح القرآن في وصف خمر الجنة، أنه لا يغتال العقول فيذهب بها، أو يغيّرها كما قال تعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ (٤٧) [الصافات: ٤٧]. قال أبو حبان: وما أظنه يصح عنه -[أي عن ابن المسيب]-؛ لأن خمر الجنة كما ذكر الله تعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ (٤٧) اهـ (٥).

стр. 39

وقال ابن قتيبة (١): تبيّن قوله في وصف خمر أهل الجنة: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ (١٩) [الواقعة: ١٩]، كيف نفى عنها بهذين اللفظين جميع عيوب الخمر، وجمع بقولها ﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ (١٩) عدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب. أهـ (٢). وكقول مقاتل بن سليمان (٣): إن الله - تعالى - إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه (٤). اهـ فمثل هذا القول معارض لصريح قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿(٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٢٩) [الحجر: ٢٨ - ٢٩]. وقال قوم: «سجود الملائكة كان مرتين»، قال ابن عطية: والإجماع يرد هذا. اهـ (٥). ومثله في مخالفة إجماع الأمة من ادعى جواز نكاح تسع نسوة حرائر استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ [النساء: ٣] (٦). ومن أمثلة الأقوال المخالفة للسنة، قول محمد بن كعب القرظي في قول الله تعالى: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصّت أثر موسى فبصرت به عن جنب وهم لا

стр. 40

يشعرون. اهـ (١). وهذا القول مخالف لحديث المغيرة بن شعبة (٢) ﵁ قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرءون «يأخت هارون» وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» (٣). ومخالف لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبينه نبي» (٤). وردّ هذا القول بمضمون هذه القاعدة الحافظ ابن كثير (٥)، والعلامة الشنقيطي (٦)، وغيرهما. وأما أمثلة النوع الثالث وهو ما إذا كانت الأقوال المختلفة في الآية محتملة وليس بينها تعارض، غير أن بعضها أولى من بعض؛ لكون القرآن ودلالة ألفاظه تشهد لقول دون غيره، أو السنة تشهد لأحدها، أو لغة العرب، أو قرائن في السياق، أو أسباب أخر تقضي بتقديم أحد الأقوال، وهذا ما يسمى تقديم الأولى.

стр. 41

وأمثلته أكثر من أن تحصى وفي ثنايا هذا الكتاب جملة وافرة منها: قال العز بن عبد السلام (١): وأولى الأقوال ما دل عليه الكتب في موضع آخر أو السنة أو إجماع الأمة أو سياق الكلام، وإذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق كان الحمل عليه أولي. اهـ (٢) وقد اعتمد ذلك جلّ علماء التفسير فمثلا هذا ابن كثير (٣) كثيرا ما يقول، وكلا القولين معنى حسن ولكن الأول أولى (٤) وذاك إمامهم ابن جرير الطبري (٥) لا يكاد يخلو تفسيرآية من قوله: وأولى الأقوال عندي بتفسيرالآية كذا وكذا. وهذا النوع يكون في بعض اختلاف التنوع الذي أثر عن السلف، ولا يلزم من تقديم قول أن يطرح ما سواه، بل هذا من باب تقديم الأولى، وإن كانت بقية الأقوال لها وجه في الآية. قال الماوردي: الضرب الثاني: أن يترجح أحدهما على الآخر بدليل وهو على ضربين: والضرب الثاني: أن يكون دليلا على صحة أحد المعنيين فيثبت حكمه ويكون

стр. 42

مرادا، ولا يقتضي سقوط المعنى الآخر، ويجوز أن يكون مرادا، وإن لم يكن عليه دليل؛ لأن موجب لفظه دليل، فاستويا في حكم اللفظ، وإن ترجّح أحدهما بدليل، فصارا مرادين معا. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المعنى الذي يرجّح بدليل أثبت حكما من المعنى الذي تجرد عنه لقوته بالدليل الذي ترجح به، فهذا أصل يعتبر من وجوه التفسير، ليكون ما احتملته ألفاظ القرآن من اختلاف المعاني محمولا عليه، فيعلم ما يؤخذ به ويعدل عنه. اهـ (١). وقال العز بن عبد السلام: وعلى الجملة فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف ولا لفظ ركيك … اهـ (٢). وقال ابن القيم: … للقرآن عرف خاص، ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه، والمعهود من معانية، فإنّ نسبة معانية إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ، بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانية أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة … فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه. اهـ (٣). وجماع القول في ذلك أن تفسيرالآية بما هو راجح أمر لازم حتما، ولا يسع أحدا أن يعدل عن تفسيرالآية بالراجح إلى المرجوح، كما قرر أصل المسألة علماء

стр. 43

الأصول بتقريرهم وجوب العمل بالراجح، وحكوا إجماع الصحابة على ذلك (١). وقال الإمام الطبري: وكتاب الله لا توجّه معانيه، وما فيه من البيان إلى الشواذ من الكلام والمعاني، وله في الفصيح من المنطق والظاهر من المعاني المفهوم، وجه صحيح موجود (٢). اهـ وحكاية الخلاف وذكر الأقوال في تفسيرالآية دون تنبيه على الراجح منها يضيع الحق، ويظهر النقص (٣) على حاكيه. إذا تقرر ذلك كله، فليعلم أن قواعد الترجيح في هذا الكتاب تشمل الآتي: * القواعد التي ترجح بعض الأقوال في تفسيرالآية. وإن لم تتعرض إلى ما سوى الراجح بتضعيف أو إبطال، وصلة هذا النوع بمسمى «قواعد الترجيح» ظاهرة، وهي أكثر القواعد المذكورة في هذا الكتاب. * وتشمل أيضا القواعد التي تضعّف بعض الأقوال أو تبطلها، وإن لم تتعرض إلى ما سواها بترجيح، كقاعدة «كل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ» وكقاعدة «لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات - لأمور مغيبة - لا دليل عليها من القرآن أو السنة» ووجه صلة هذا النوع بمسمى «قواعد الترجيح»، هو أنها تحصر الصواب والراجح فيما عدا الوجه أو الأوجه التي ضعّفتها أو أبطلتها، وهذا معروف عند المفسرين، وقد استعملوه في الترجيح كثيرا. ومثال ذلك قول ابن جرير الطبري - بعد أن برهن على بطلان بعض الأوجه في التفسير -: وإذا فسد هذان الوجهان، صح الثالث وهو ما قلنا (٤). اهـ.

стр. 44

قال ابن عبد البر مؤصلا هذا النوع من الترجيح: لا خلاف بين أهل العلم والنظر أن المسألة إذا كان فيها وجهان فقام الدليل على بطلان الوجه الواحد منهما أن الحق في الوجه الآخر، وأنه مستغن عن قيام الدليل على صحته بقيام الدليل على بطلان ضده. اهـ (١). * وتشمل أيضا قواعد عامة تضبط النظر في الأقوال المختلفة في تفسيرالآية، كقاعدة «ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه» فقواعد هذا الكتاب بمجموعها، منها ما يشير إلى الرجحان، ومنها ما يشير إلى البطلان، ومنها ما يشير إلى تضعيف بعض الأقوال، ومنها ضوابط عامة، للنظر في الأقوال المختلفة، للترجيح بينها. ***

стр. 45

المبحث الثالث: تنازع القواعد المثال الواحد هذا المبحث من المباحث المهمة جدا في الترجيح، إذ لا يكفي فقط العلم بالقاعدة الترجيحية، بل لا بد من العلم بعدم منازعة غيرها لها في ترجيح أحد الأقوال. وقبل الشروع في المقصد لا بد من تحرير مسألة اجتماع أكثر من قاعدة ترجيحية في مثال واحد، فالأمر لا يخلو من حالتين: إما أن تكون هذه القواعد مجتمعة بعضها يؤيد بعضا في ترجيح قول واحد. وإما أن يكون بعضها يرجح قولا وأخرى ترجح آخر. فأما الأولى فهي من تعاضد القواعد وتقوية بعضها بعضا، فهي تزيد الترجيح قوة إلى قوة والأمثلة على ذلك كثيرة في ثنايا هذا الكتاب. وأما الأخرى فهي المقصودة في هذا المبحث، وهي التي سيجري الكلام عليها في خطوط عامة تنسج ترتيبها عند تنازعها، دون تفصيل وإطناب لا سيما في الأمثلة؛ لأنها سوف تأتي في مواضعها في ثنايا الكتاب. وتعارض وجوه الترجيح قد تكلم عليه الأصوليون، وقرروا ضابطا عاما في تقديم بعضها على بعض وهو تقديم ما قوي فيه الظن. قال الزركشي: واعلم أن التراجيح كثيرة، ومناطها ما كان إفادته للظن أكثر فهو الأرجح، وقد تتعارض هذه المرجحات، كما في كثرة الرواة وقوة العدالة وغيره، فيعتمد المجتهد في ذلك ما غلب على ظنه. اهـ (١). وقال الشنقيطي: والمرجحات يرجح بعضها على بعض، وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة الظن. اهـ (٢).

стр. 46

إذا تقرر هذا فأول القواعد التي تتصف بهذا الوصف هي القواعد التي ترجّح التفسير الأثري - وأعني به تفسير القرآن بالقرآن وتفسيره بالسنة -، فهي مقدمة عند التنازع على كل قاعدة ترجح تفسيرا اجتهاديا؛ لأن الله - تعالى - أعلم بما نزّل ورسوله ﷺ مكلّف بييان ما نزّل - كما هو مقرر في مواضعه - «والتفسير الأثرى إذا صح لا يعارض بتفسير الرأي والاجتهاد، وبظواهر الألفاظ؛ لأنه إما أن يكون للرأي مستند من الوحيين أو لا، فإن كان الأول فلا يتعارض وحيان، وإن كان الآخر فلا يعدو أن يكون اجتهادا مستندا إلى القرائن والأمارات لا يقوى على معارضة ما كان مستنده القرآن والسنة» (١). فإذا كان ذلك كذلك فقاعدة «إذا ثبت الحديث وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره» لا تعارض بأي قاعدة أخرى، فإن نازعتها قاعدة أخرى في مثال ما، فهي المقدمة على غيرها مطلقا. وإنّ الاحتجاج بالظواهر والقياسات والاجتهادات وترجيحها مع الإعراض عن تفسير النبي ﷺ وأصحابه طريق أهل البدع، كما نص على ذلك الأئمة (٢). وسيأتي بيان ذلك في مواضعه من هذا الكتاب. فمن أمثلة هذا التنازع، منازعة قاعدة «إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عن ذلك» وقاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها» للتفسير النبوي الثابت الصريح في تفسير قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] فما قبله وما بعده عن أهل قباء، وكذا الضمائر في الآية غير محل النزاع تعود إلى مسجد قباء. والتفسير النبوي بيّن أن المراد مسجده ﷺ (٣).

стр. 47

وكما في تفسير قوله تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (٤٦) [الكهف: ٤٦]. قال العلائي (١) - بعد أن ذكر اختيار ابن جرير وابن عطية للقول بالعموم -: لكن هذا إذا لم يرد ما يمنع من ذلك، وقد ورد هنا تفسير للنبي ﷺ ثابت عنه يدل على القول الثاني (٢). اهـ (٣). وقد أطال العلائي في تقرير هذا التنازع بين القاعدتين - في هذا المثال - وترجيح التفسير النبوي فليراجعه من أراد المزيد (٤). والكلام على هذه الأمثلة جميعا ونظائرها واحد، وهو ترجيح قاعدة التفسير النبوي على ما سواها من القواعد (٥). هذا إذا كان الحديث في درجة القبول - أعنى

стр. 48

الصحيح والحسن -، أما إذا كان الحديث ضعيفا فمواقف العلماء منه مختلفة - على ما سيأتي بيانه - وخلاصة القول أنه إذا لم يوجد مرجح غيره رجّح به، أما إذا نازعته أوجه أخرى للترجيح فالذي يظهر - والله أعلم - تقديم ما غلب على الظن من هذه الأوجه والقواعد، إذا تقرر ذلك فقد تجتمع أكثر من قاعدة سوى التفسير النبوي الذي ضعف إسناده فتكون هذه القواعد مفيدة لغلبة الظن أكثر من هذا الحديث الضعيف، أو تكون القاعدة المنازعة له من القواعد القوية في الترجيح، التي لا يقوى الحديث الضعيف على معارضتها. ولهذا وذاك مثل منها منازعة التفسير النبوي في حديث ضعيف، لقاعدة «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار» ولقاعدة «حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك» في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ﴾ ﴿﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ﴾ ﴿تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] على ما سيأتي بسطه في أمثله قاعدة: «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار». ومن تقديم قواعد التفسير الأثري، ما قرره العز بن عبد السلام بقوله: وأولى الأقوال ما دل عليه الكتاب في موضع آخر أو السنة أو إجماع الأمة أو سياق الكلام … اهـ (١). فمن القواعد التي يشهد القرآن فيها لأحد الأقوال قاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك». وقاعدة: «حمل كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك». وقاعدة: «القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه». ومن القواعد التي تشهد فيها السنة لأحد الأقوال قاعدة: «إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه».

стр. 49

ومن القواعد التي يشهد فيها الإجماع لأحد الأقوال قاعدة: «تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ» وهو ما يعرف عند ابن جرير الطبري بإجماع الحجة، وسيأتي بيان معنى الشذوذ في القاعدة. ومن القواعد التي يشهد فيها السياق لأحد الأقوال قاعدة: «إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عن ذلك». وغيرها من القواعد. فمن تنازع قاعدة أثرية، وقاعدة لغوية، تنازع قاعدة: «إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير» مع قاعدة. «يجب حمل كلام الله على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر» في تفسير قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، فقاعدة سبب النزول ترجّح أن ﴿ما﴾ في الآية موصولة واقعة موقع «من»، وعلى مذهب من لا يجيز ذلك هي كذلك اسم موصول واقعة على أنواع من يعقل كما في قولي تعالى ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] فهي مفعول لقوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا،﴾ والمعنى: ولا تنكحوا النساء اللاتي نكحهن آباؤكم؛ وذلك لما جاء في سبب نزولها أنه لما توفى أبو قيس بن الأسلت (١) خطب ابنه قيس (٢) امرأة أبيه فقالت: إني أعدّك ولدا، ولكني آتي رسول الله ﷺ أستأمره فأتته فأخبرته فأنزل الله - تعالى - هذه الآية (٣). وهذا النوع من النكاح الجاهلي كان موجودا معروفا عند العرب في الجاهلية.

стр. 50

واختار هذا القول جماعة من المفسرين (١). أما قاعدة: «يجب حمل كلام الله على المعروف من كلام العرب … » ترجّح أن ﴿ما﴾ في الآية مصدرية؛ وذلك لأن أكثر استعمالها في لسان العرب لغير بني آدم، فيكون النهي في الآية عن نكاح الآباء الفاسد الذي يتعاطونه في الجاهلية. واستعمل هذه القاعدة في ترجيح هذا القول الإمام الطبري، وقال: إن ذلك هو المعروف من كلام العرب ولو كان المقصود النهي عن حلائل الآباء لقال: … ولا تنكحوا من نكح آباؤكم؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب؛ إذ كان «من» لبني آدم، و «ما» لغيرهم (٢). وترجيح قاعدة أسباب النزول أولى؛ لأنها أغلب في الظن فهي قاعدة أثرية خاصة وأن المعنى الذي رجحته لم يخرج بالآية عن فصيح كلام العرب؛ لأن «ما» تأتي للعاقل كما تأتي لغيره سواء أكان المراد بها النوع والأوصاف، أو آحادهم - على الخلاف في ذلك - ولا يعدّ ذلك شذوذا أو استعمالا لما لا تعرفه العرب، بل هو من فصيح ما ورد عنهم (٣)، وكفاه صحة وفصاحة أن جاء به القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢] فجاءت ﴿ما﴾ في هذه الآية لمن يعقل وهم البنات، وبهذا فسرها الإمام الطبري نفسه قال ﵀: ويجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم ويزعمون أن لهم الحسنى، الذي يكرهونه لأنفسهم البنات يجعلونهن لله - تعالى -.

стр. 51

أهـ (١) فجعلها موصولة لمن يعقل، فهذا إلزام له - على جلالة قدره - من قوله على تأصيله وترجيحه بين القاعدتين. وكما جاء في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١] ولا شك أن من المسبحين العقلاء، فهم داخلون تحت عموم ﴿ما﴾ (٢)، وكما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] ولا شك أن ما في بطنها عاقل إما ذكرا أو أنثى. وغيرها من الآيات. فمن مجموع كلام الطبري في هذه الآيات وغيرها يظهر - والله أعلم - أنه أراد الترجيح بالأغلب من استعمال العرب في قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، وهذه القاعدة من القواعد المشتهرة عند الطبري، ويرجّح بها ويقررها كثيرا. فإذا كان ذلك كذلك فالقاعدة الأثرية هي المقدّمة، خاصة إذا كان المعنى الذي تفسر به الآية مما عرف في العربية، ولم يخرج إلى الشذوذ والنكارة، وإن كان أقل استعمالا من الآخر، وذلك؛ لأنها مفيدة لغلبة الظن أكثر من الترجيح بالأكثر استعمالا في العربية. ومن تنازع القواعد الأثرية مع قواعد السياق، تنازع قاعدة: «إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عن ذلك» مع قاعدة «تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ» في تفسير قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، بعد أن حكى الطبري الخلاف في تفسيرالآية، ذكر ترجيحه مضمّنا تنازع القاعدتين والترجيح بينهما فقال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن

стр. 52

الذي قاله مسروق (١) في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله - تعالى - ذكره مشركي قريش، واحتجاجا عليهم لنبيه ﷺ ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجّه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدّم الخبر عنهم معنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك عني به عبد الله بن سلام (٢) وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل وما أريد به، فتأويل الكلام، إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمدا مكتوب في التوراة أنه نبي تجده اليهود مكتوبا عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي. اهـ (٣). ومن تنازع القواعد للمثال الواحد، تنازع قاعدة: «تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ» وهو ما يعرف عند ابن جرير الطبري بإجماع الحجة، وقاعدة: «يجب حمل نصوص الوحي على العموم»، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ (٤٠) [ق: ٤٠]. ذهب جماهير المفسرين إلى أن المراد بها ركعتان بعد المغرب. وذهب ابن زيد (٤): إلى أنها النوافل في أدبار المكتوبات.

стр. 53

قال الطبري - بعد أن حكى القولين السابقين مضمنا كلامه تنازع القاعدتين والترجيح بينهما -: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: هما الركعتان بعد المغرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، ولولا ما ذكرت من إجماعها عليه، لرأيت أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد؛ لأن الله - جلّ ثناؤه - لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة، بل عمّ أدبار الصلوات كلها، فقال: وأدبار السجود، ولم تقم بأنه معنيّ به: دبر صلاة دون صلاة، حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل. اهـ (١). فقواعد السنة النبوية وإجماع السلف وجماهيرهم مقدم على قواعد السياق وقواعد اللغة وغيرها. وقواعد العموم مقدمة على قواعد السياق وغيرها، فقواعد العموم أقوى من قواعد السياق (٢) فتخصيص العام يكون بالقرآن أو السنة أو إجماع الأمة. ومن تنازع قواعد الضمائر مع بعضها - وهو كثير - تنازع قاعدة: «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها»، وقاعدة: «الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور»، مع قاعدة: «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره» فكثيرا ما تتنازع هذه القواعد المثال الواحد - وإن كانت أحيانا تتفق وتتعاضد في ترجيح أحد الأقوال - فإذا تنازعت فقاعدة المحدث عنه هي المقدّمة، لأجل ارتكازها على المعنى وموارد الكلام، أما قاعدة: «توحيد مرجع الضمائر»، وقاعدة: «الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور» فملحوظ فيهما جانب النظم والأسلوب، وتقديم المعنى أولى.

стр. 54

ثم يأتي بعد قاعدة: «المحدث عنه» قاعدة: «توحيد مرجع الضمائر»؛ لأنها أكمل من قاعدة: «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور» في جانب تناسق النظم وبيان وجوه الإعجاز فيه. وقد قرر الأئمة هذا الترجيح بين هذه القواعد عند تنازعها، فالضمير يعود إلى أقرب مذكور بشرط أن يكون متحدثا عنه (١)، وما لم يكن في ذلك تشتيت للضمائر في السياق الواحد. قال أبو حيان - مقررا هذا الترجيح بين هذه القواعد عند تنازعها المثال الواحد -: ولقائل أن يقول إن الضمير إذا كان صالحا لأن يعود على الأقرب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب راجحا، وقد نص النحويون على هذا … والجواب أنه إذا كان أحدهما هو المحدث عنه والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرجح، ولا يلتفت إلى القرب (٢) اهـ. وقال في موضع آخر: ولا يترجح بالقرب إلا إذا تساويا من حيث المعنى، والإنسان هنا -[أي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٦) [العاديات: ٦]]- هو المحدث عنه والمسند إليه الكنود، وأيضا فتناسق الضمائر لواحد مع صحة المعنى أولى من جعلها لمختلفين، ولا سيما إذا توسط الضمير بين ضميرين عائدين على واحد. اهـ (٣). وذكر الزركشي هذا الترجيح بين هذه القواعد عند التنازع، وقرر أن الضمير يعود إلى القريب ولا يرجع إلى ما قبله إلا بدليل، وذكر من الأدلة أن يكون البعيد هو المحدث عنه (٤).

стр. 55

وقرر ذلك - أيضا - الشنقيطي في تفسيره، وجعل من الأدلة التي تصرف الضمير عن القريب، القرينة في السياق، إذا دلت على خلاف إعادة الضمير إلى أقرب مذكور. ومنها سياق الجمل المذكورة قبله (١) وكذا بعده، وهذا هو مضمون قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد». فمن أمثلة هذا التنازع ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ (٧) [العاديات: ٧]. ومثله ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩]، وسيأتي الكلام على بعضها في أمثلة قواعد الضمائر. ثم بعد ذلك يرجّح بين القواعد وفق الضابط العام للترجيح بين وجوه الترجيح وقواعده الذي سبق تقريره، مع مراعاة السياق دائما فهو المقصود بهذه القواعد حتى يفهم على وجهه، ومع مراعاة حمل القرآن على عموم ألفاظه ما لم يرد دليل بالتخصيص. قال الزركشي: ليكن محطّ نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوّز. اهـ (٢). وصور تنازع القواعد كثيرة سأنبه على بعض ما لم يرد هنا في موضعه - إن شاء الله تعالى -.

стр. 56

الفصل الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآنى وفيه مدخل ومبحثان: المدخل في قاعدة: لا تصح دعوى النسخ في آية من كتاب الله إلا إذا صح التصريح بنسخها أو انتفى حكمها من كل وجه. المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف. المحبث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني.

стр. 57

المدخل في قاعدة: لا تصح دعوى النسخ في آية من كتاب الله إلا إذا صح التصريح بنسخها أو انتفى حكمها من كل وجه ويدخل تحت هذه القاعدة القواعد التالية: الأولى: إذا وقع التعارض بين احتمال النسخ واحتمال التخصيص، فالتخصيص أولى. الثانية: إذا وقع التعارض بين النسخ والإضمار، فالإضمار أولى. الثالثة: إذا وقع التعارض بين النسخ والاشتراك، فالاشتراك أولى. الرابعة: إذا وقع التعارض بين النسخ والمجاز، فالمجاز أولى. الخامسة: إذا وقع التعارض بين النسخ والنقل، فالنقل أولى.

стр. 58

* صورة القاعدة: إذا تنازع المفسرون في آية من كتاب الله - تعالى -، فمدّع عليها النسخ، ومانع منه، فأصح الأقوال المنع منه، إلا بثبوت التصريح بنسخها، أو انتفاء حكمها من كل وجه، وامتناع الجمع بينها وبين ناسخها. *** * بيان ألفاظ القاعدة: النسخ في اللغة: إزالة شيء بشيء يتعقّبه، كنسخ الشمس الظّلّ، والظّلّ الشمس، فتارة يفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وتارة يفهم منه الأمران (١). والنسخ اصطلاحا: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه (٢). ومعنى الرفع: إزالة الشيء على وجه لولاه لبقي ثابتا. وقيّد بالخطاب المتقدم؛ لأن ابتداء العبادات في الشرع مزيل لحكم العقل من براءة الذمة وليست بنسخ. وقيد بالخطاب الثاني؛ لأن زوال الحكم بالموت والجنون ليس بنسخ. وقولهم: متراخ عنه؛ لأنه لو كان متصلا به كان بيانا وإتماما لمعنى الكلام (٣). وعرف بتعاريف أخر تنظر في مظانها من كتب الأصول (٤). والنسخ ثلاثة أقسام: أحدها: ما نسخت تلاوته وحكمه (٥).

стр. 59

الثاني: ما نسخت تلاوته وبقي حكمه. والثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته. والقسم الثالث هو مجال البحث في هذه القاعدة، ولا علاقة لنا في هذه القاعدة بالقسمين الآخرين (١). ولا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي، والأخبار التي يراد بها الأمر والنهي (٢). وقولي: «إلا إذا صح التصريح بنسخها». أعني بهذا، الطرق الصحيحة في معرفة النسخ التي قررها الأصوليون، وهي التنصيص من الشارع على أن هذا الأمر ناسخ لهذا، أو التصريح بلفظ يدل عليه بلا إشكال، أو إجماع الأمة على أن هذه الآية أو الحديث منسوخ، أو حكاية الصحابي للنسخ، دون قوله: هذا منسوخ (٣). والفرق بين حكاية الصحابي، وقوله، أن الأول ينقل الصحابي الحكم الذي عمل به ثم نسخ إلى حكم آخر، أو يقول رخّص في كذا ثم نهي عنه، ونحو ذلك. وأما قوله فهو رأيه العلمي، وذلك بأن يقول هذه الآية منسوخة. وعدم اعتباره لما سيأتي من اتساع مفهوم النسخ عند الصحابة والتابعين. وهناك تفريعات أخرى وقع التنازع فيها بين العلماء ليس هذا مجال بسطها (٤). وقولي: «أو انتفى حكمها من كل وجه».

стр. 60

انتفاء الحكم من كل وجه: ثبوت النقيض أو الضد؛ لأنه متى ثبت نقيض الشيء، أو ضده انتفى فكان ذلك دليل الرفع (١). وفي هذا إخراج لمفهوم النسخ عند السلف - لإدخالهم فيه تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، وإيضاح المبهم، والاستثناء، ونحو ذلك على ما سيأتي - فإن حكم الآية لم ينتف من كل وجه، بل من بعض الوجوه دون بعض. وفيه - أيضا - إخراج لقول الحنفية بأن الزيادة على النص نسخ؛ لأن الزيادة على النص ليس فيها نفي للحكم من كل وجه. وفيه - أيضا - إخراج لما ادعى فيه النسخ - لظهور تعارض بين النصوص - واختلفت موارد النصوص فيها. فهذه قاعدة ترجيحية بين الأقوال المختلفة في النسخ وعدمه، فالأصل بقاء الحكم، ولا يقال بالنسخ إلا بحجة واضحة ظاهرة قاضية بالنسخ، أمّا إذا كان الأمر محتملا فالأصل عدم النسخ. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: أقوال العلماء في اعتماد هذه القاعدة كثيرة، واعتمادهم لمضمونها واضح جليّ، فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوا هذه القاعدة في الترجيح: ١ - الإمام الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة بعد أن رجح الإحكام في آية ادعي عليها النسخ -: وليس في الآية دليل على أن حكمها منسوخ، لاحتمالها ما ذكرت من المعنى الذي وصفت. وغير جائز أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ، إلاّ بحجة يجب التسليم لها، فقد دللنا في غير موضع من كتبنا على أن لا منسوخ إلا ما أبطل حكمه حادث حكم بخلافه، ينفيه من كل معانيه، أو يأتي خبر يوجب

стр. 61

الحجة أن أحدهما ناسخ الآخر. اهـ (١) واستعمل الإمام الطبري هذه القاعدة كثيرا في الترجيح في تفسيره (٢). ٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: فقد استعمل هذه القاعدة كثيرا في كتابه الناسخ والمنسوخ. ففي معرض ردّه لادّعاء النسخ في آية قال - مقررا هذه القاعدة - القياسات والتمثيلات لا يؤخذ بها في الناسخ والمنسوخ، وإنما يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتيقن والتوقيف. اهـ (٣). وقال في موضع آخر: إذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ. اهـ (٤). ٣ - وقال أبو محمد ابن حزم: لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين؛ لأن الله يقول: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: ٦٤] وقال تعالى: ﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] فكل ما أنزل الله - تعالى - في القرآن على لسان نبيه ففرض اتباعه، فمن قال في شيء من ذلك إنه منسوخ فقد أوجب ألا يطاع ذلك الأمر، وأسقط لزوم اتباعه، وهذه معصية لله - تعالى - مجردة، وخلاف مكشوف، إلا أن يقوم برهان على صحة قوله، وإلا فهو مفتر مبطل .... وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله - تعالى - ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه. اهـ (٥). ٤ - ومنهم الإمام ابن عبد البر: قال ﵀: الناسخ يحتاج إلى تاريخ، أو دليل لا معارض له، ولا سبيل إلى نسخ قرآن بقرآن، أو سنة بسنة، ما وجد إلى

стр. 62

استعمال الآيتين، أو السنّتين سبيل. اهـ (١). ٥ - ومنهم الإمام القرطبي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ [محمد: ٤] بعد أن اختار القول بإحكامها ونقل قول النحاس بأن الآيتين محكمتان معمول بهما، قال: وهو قول حسن؛ لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ. اهـ (٢). ٦ - ومنهم الإمام الشوكاني: قال - بعد أن ذكر ادّعاء النسخ في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]-: وخالفهم الجمهور فقالوا: الآية محكمة، وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ اهـ (٣). ٧ - ومنهم العلاّمة القاسمي (٤): قال - مقررا هذه القاعدة -: إذا دار الأمر في الآي بين الإحكام والنسخ، فالأول هو المرجّح اهـ (٥). ٨ - ومنهم العلاّمة الشنقيطي: فقد قرر هذه القاعدة بقوله: النسخ لا بد له من دليل يجب الرجوع إليه. اهـ (٦). وقد نص الأصوليون على هذه القاعدة، وقرروا «أن الأمر إذا دار بين نسخ الحكم وبقائه حمل على بقائه دون نسخه إلا لدليل راجح» (٧).

стр. 63

* مفهوم النسخ عند السلف: كان للصحابة والتابعين اصطلاح خاص في مسألة النسخ، فمفهوم النسخ عندهم أعم من مفهومه عند الأصولين، والفقهاء والمحدّثين، وما استقر عليه الأمر بعد ذلك في هذا المصطلح. فكل تغيير في أحوال النص اعتبره السلف نسخا، سواء أكان رفع حكم ليحل آخر مكانه، أو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تبيين مجمل، أو استثناء، أو رفع ظن في دلالة الآية على معنى، كل ذلك عندهم داخل في مفهوم النسخ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: و «فصل الخطاب»: أن لفظ «النسخ» مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه، من عموم أو إطلاق أو غير ذلك، كما قال من قال: إن قوله: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] و ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] نسخ بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وليس بين الآيتين تناقض، لكن قد يفهم بعض الناس من قوله: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ و ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ الأمر بما لا يستطيعه العبد فينسخ ما فهمه هذا … فالله ينسخ ما يقع في النفوس من فهم معنى وإن كانت الآية لم تدل عليه؛ لكنه محتمل. اهـ (١). وقال الإمام الشاطبي: الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به.

стр. 64

وهذا المعنى جار في تقييد المطلق، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيّده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيد، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ. وكذلك العام مع الخاص؛ إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار، فأشبه الناسخ والمنسوخ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي السائر على الحكم الأول. والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق. فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني؛ لرجوعها إلى شيء واحد اهـ (١). وسرد الشاطبيّ بعد هذا التحقيق جملة وافرة من الأمثلة التي توضحه. فإذا تقرر هذا، فليس صحيحا أن نحاكم أقوالهم على مصطلح نشأ بعدهم - إلا ما كان من قولهم في معنى ذلك المصطلح -؛ إذ إن منازعة المتأخر لهم في آية أهي محكمة أو منسوخة؟ نزاع منفكة جهته، وليس له أن ينقل الآثار عنهم في نسخ آية، وهي من قبيل التخصيص أو التقييد ونحو ذلك، ويحكم عليها بالنسخ على ما اصطلح عليه الأصوليون. لكنّ النّاظر في كتب التفسير يجد بعض المفسرين - الذين جاءوا بعد تحديد مصطلح النسخ بمفهومه عند الأصوليين - ينقلون أقوال الصحابة والتابعين في النسخ، ويجعلونها قسيمة الإحكام ويضعّفونها (٢)، وأحيانا ربما مال بعضهم إلى القول بها على الرغم أنها ليست من قبيل النسخ الاصطلاحي عند المتأخرين، بل هي إما تقييد مطلق أو تخصيص عام، أو استثناء أو نحو ذلك. وفي الأمثلة التطبيقية على القاعدة إحالات إلى كثير من أمثلة ذلك.

стр. 65

* الزيادة على النص عند الحنفية: خالف الحنفية في مسألة الزيادة على النص، فقالوا: إن الزيادة على المنصوص نسخ. فكل زائد على الكتاب فهو ناسخ، كزيادة الإيمان في رقبة الكفارة، وزيادة التغريب على الجلد في جلد الزاني البكر، فما جاء منه بطريق التواتر قبل، وما جاء منه بطريق الآحاد فلا يقبل؛ لأن الآحاد لا ينسخ المتواتر، كقول النبي ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١) فهذا عندهم زيادة على المنصوص في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وهذا يقتضي افتراض مطلق القراءة لما تيسر من أي سورة، فجعل الفاتحة ركنا، نسخ لهذا القاطع بخبر الواحد فلا يجوز (٢). والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن الزيادة على المنصوص ليست نسخا (٣)، وإنما هي تخصيص وبيان وتقييد، إضافة إلى أن حقيقة النسخ لا توجد في الزيادة؛

стр. 66

لأن حقيقته تبديل ورفع للحكم المشروع، أما الزيادة فهي تقرير للحكم المشروع وضم حكم آخر إليه (١). * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: - أمثلة هذه القاعدة كثيرة جدا منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ [محمد: ٤]. اختلف أهل العلم في هذه الآية، فقال بعضهم: هي منسوخة، نسخها قول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقوله: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، أي لا يجوز المنّ على الأسير، أو الفداء به، وإنما يقتل. وهذا مروي عن ابن عباس والسدي وقتادة وغيرهم (٢)، وبه قالت الحنفية (٣). وقال بعضهم: هي ناسخة لقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فلا يجوز قتل الأسير، ولكن يمن عليه، أو يفادي به. وهذا قول الضحاك وجماعة (٤). وقال آخرون: بل الآية محكمة، وليست بمنسوخة، وكذاآية القتل محكمة. أي له المنّ، أو الفداء، أو القتل، أو الاسترقاق، على ما يراه الإمام من الأصلح للإسلام والمسلمين. وهذا مروي عن ابن عباس، وابن عمر (٥)، والحسن، وغيرهم (٦).

стр. 67

وهذا القول هو الذي ترجّحه هذه القاعدة، وتقضي به؛ لأن الحكم إذا دار بين النسخ والإحكام فالقول بالإحكام مقدم؛ «ولأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ» (١). ولا دليل لمن ادعى النسخ يحكم به، وليس القتل نقيضا للمن والفداء، فالعمل بالجميع ممكن حسب ما يرى الإمام من المصلحة، وهذا القول الذي رجحته هذه القاعدة هو ما اختاره ورجحه أئمة التفسير. قال الإمام الطبري - مرجّحا بهذه القاعدة، بعد أن ذكر الأقوال في تفسير الآية -: * والصواب من القول عندنا في ذلك أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وذلك أن صفة الناسخ والمنسوخ ما قد بيّنا في غير موضع في كتابنا إنه ما لم يجز اجتماع حكميهما في حال واحدة، أو ما قامت الحجة بأن أحدهما ناسخ الآخر، وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المنّ والفداء والقتل إلى رسول الله ﷺ ، وإلى القائمين بعده بأمر الأمة، وإن لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية، لأنه قد أذن بقتلهم في آية أخرى، وذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، بل ذلك كذلك، لأن رسول الله ﷺ كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرا في يده من أهل الحرب فيقتل بعضا ويفادي ببعض، ويمن على بعض مثل يوم بدر قتل عقبة بن أبي معيط وقد أتي به أسيرا، وقتل بني قريظة وقد نزلوا على حكم سعد (٢) وصاروا في يده سلما، وهو على فدائهم، والمنّ عليهم قادر، وفادى بجماعة

стр. 68

أسارى المشركين الذين أسروا ببدر، ومنّ على ثمامة بن أثال الحنفي (١)، وهو أسير في يده، ولم يزل ذلك ثابتا من سيره في أهل الحرب من لدن أذن الله له بحربهم، إلى أن قبضه إليه ﷺ دائما ذلك فيهم، وإنما ذكر - جلّ ثناؤه - في هذه الآية المنّ والفداء في الأسارى، فخصّ ذكرهما فيها؛ لأن الأمر بقتلهما والإذن منه بذلك قد كان تقدم في سائر آي تنزيله مكرّرا، فأعلم نبيه ﷺ بما ذكره في هذه الآية من المنّ والفداء ماله فيه مع القتل. اهـ (٢). وقال بإحكام الآية أكثر العلماء من مفسرين (٣) وفقهاء (٤)، على اختلاف بينهم في بعض أحكامها (٥).

стр. 69

ويدخل تحت هذه القاعدة القواعد التي يذكرها الأصوليون من ترجيح غير النسخ عليه، في مبحث «تعارض ما يخل بالفهم» وهي: القاعدة الأولى: «إذا وقع التعارض بين احتمال النسخ واحتمال التخصيص، فالتخصيص أولى» (١). القاعدة الثانية: «إذا وقع التعارض بين النسخ والإضمار، فالإضمار أولى» (٢).

стр. 70

القاعدة الثالثة: «إذا وقع التعارض بين النسخ والاشتراك، فالاشتراك أولى» (١). القاعدة الرابعة: إذا وقع التعارض بين النسخ والمجاز، فالمجاز أولى» (٢). القاعدة الخامسة: «إذا وقع التعارض بين النسخ والنقل، فالنقل أولى» (٣).

стр. 71

المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: قاعدة: إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو رد معناها، وهي بمنزلة آية مستقلة. المطلب الثاني: قاعدة: اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه. المطلب الثالث: قاعدة: معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة. المطلب الرابع: قاعدة: الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له.

стр. 72

المطلب الأول: قاعدة: إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو رد معناها، وهي بمنزلة آية مستقلة * صورة القاعدة: هذه القاعدة تحمي حمى القراءات القرآنية ومعانيها التي تدل عليها من طعن بعض المفسرين والمعربين الذي شاع وانتشر بينهم في بعض القراءات الثابتة، فمتى ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو رد معناها، بل يجب قبولها وقبول معناها، وكل طاعن أو رادّ لها أو لمعناها الذي تؤدي إليه فقوله ردّ عليه. فهذه القاعدة تضبط نظر الناظر في أقوال المفسرين والمعربين في تفسير وإعراب آيات القرآن، فلا تعتبر الأقوال التي تطعن أو تردّ قراءات قرآنية ثابتة، وكل قراءة بمنزل آية مستقلة وبذلك ينحصر الصواب في تفسيرالآية فيما عد أقوال الطاعنين. *** * بيان ألفاظ القاعدة: قولي: «إذا ثبتت القراءة .... ». أولا: تعريف القراءة: أصل مادة «قرأ» و «قرى» مهموزة وغير مهموزة - في اللغة يدل على جمع واجتماع، وسمي القرآن بذلك لجمعه ما فيه من الأحكام والقصص وغير ذلك. والقراءة: ضمّ الحروف والكلمات إلى بعض في الترتيل. وكل شيء جمعته فقد قرأته (١).

стр. 73

والقراءة مفرد جمعه قراءات. وهي في الاصطلاح: اختلاف ألفاظ الوحي في كتبة الحروف أو كيفيتها، من تخفيف وتثقيل وغيرهما (١). ثانيا: ثبوت القراءة: اشترط العلماء لصحة القراءة وثبوتها أن يتوفر فيها ثلاثة أركان (٢): أحدها: صحة السند وعليه مدار صحة القراءة والمقصود بصحة السند: أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذلك حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مما عرف واشتهر عند أئمة الشأن الضابطين له، غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم (٣).

стр. 74

فإذا تواترت القراءة فلا يحتاج إلى الركنين الأخيرين، ويغني التواتر عنهما (١)، وإن كانت دون التواتر فمع الركنين الأخيرين تثبت القراءة. الثاني: موافقة أحد المصاحف ولو احتمالا. فقولهم: «أحد المصاحف» أي أحد المصاحف التي وجهها عثمان ﵁ إلى الأمصار، واشترط موافقة أحدها؛ لأجل ما كان ثابتا في بعض المصاحف دون بعض. وقولهم: «ولو احتمالا» لأن الموافقة قد تكون صريحة تحقيقا، وقد تكون محتملة تقديرا، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعا. الثالث: موافقة العربية ولو بوجه. أي موافقتها بأي وجه من الوجوه، سواء كان فصيحا أو أفصح، مجمعا عليه أو مختلفا فيه. ولا حجة في هذا الركن لمن أنكر بعض القراءات؟ لأجل مخالفة قاعدة في العربية - كما يفعل بعض النحاة وبعض المفسرين -؛ لأن أئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها (٢).

стр. 75

فالرواية هي الأصل، وقواعد العربية تبع لها، لا العكس، والقرآن حكم على قواعد اللغة لا العكس. قولي: «فهي بمنزلة آية مستقلة»، قد نص على هذا كثير من العلماء، كابن العربي (١)، وابن تيمية (٢)، ونقله الزركشي (٣)، والسيوطي (٤)، وقرره الشنقيطي (٥)، وغيرهم - عليهم رحمة الله جميعا -. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن القراءتين كالآيتين، فزيادة القراءات كزيادة الآيات؛ لكن إذا كان الخط واحدا واللفظ محتملا كان ذلك أخصر في الرسم. اهـ (٦). وقال العلاّمة الشنقيطي: اعلم أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين، كما هو معروف عند العلماء. اهـ (٧). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: إطباق الأمة على تلقي القراءات السبع - والثلاث المتمة للعشر على الصحيح - مع صحة سندها، وموافقتها لخط المصحف يغني في تقرير هذه القاعدة عن سرد أقوال بعض العلماء في الدفاع عن القراءات، وردّ طعن الطاعنين الذين حاكموا القراءات إلى النحو البصري، أو النحو الكوفي، فالقرآن هو الحجة لا قواعد النحو «فلا يجوز الحكم على القراءة صحة أو ضعفا من خلال قواعد اللغة أو النحو، وإنما الحكم على القراءة بالصحة أو الضعف يرجع في أساسه إلى الرواية وصحة النقل،
следующие страницы →