المبحث الأول:
قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: قاعدة:
إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو رد معناها، وهي بمنزلة آية مستقلة.
المطلب الثاني: قاعدة:
اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه.
المطلب الثالث: قاعدة:
معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة.
المطلب الرابع: قاعدة:
الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له.
стр. 72
المطلب الأول:
قاعدة: إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو رد معناها، وهي بمنزلة آية مستقلة
* صورة القاعدة:
هذه القاعدة تحمي حمى القراءات القرآنية ومعانيها التي تدل عليها من طعن بعض المفسرين والمعربين الذي شاع وانتشر بينهم في بعض القراءات الثابتة، فمتى ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو رد معناها، بل يجب قبولها وقبول معناها، وكل طاعن أو رادّ لها أو لمعناها الذي تؤدي إليه فقوله ردّ عليه.
فهذه القاعدة تضبط نظر الناظر في أقوال المفسرين والمعربين في تفسير وإعراب آيات القرآن، فلا تعتبر الأقوال التي تطعن أو تردّ قراءات قرآنية ثابتة، وكل قراءة بمنزل آية مستقلة وبذلك ينحصر الصواب في تفسيرالآية فيما عد أقوال الطاعنين.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
قولي: «إذا ثبتت القراءة .... ».
أولا: تعريف القراءة:
أصل مادة «قرأ» و «قرى» مهموزة وغير مهموزة - في اللغة يدل على جمع واجتماع، وسمي القرآن بذلك لجمعه ما فيه من الأحكام والقصص وغير ذلك.
والقراءة: ضمّ الحروف والكلمات إلى بعض في الترتيل. وكل شيء جمعته فقد قرأته (١).
стр. 73
والقراءة مفرد جمعه قراءات.
وهي في الاصطلاح: اختلاف ألفاظ الوحي في كتبة الحروف أو كيفيتها، من تخفيف وتثقيل وغيرهما (١).
ثانيا: ثبوت القراءة:
اشترط العلماء لصحة القراءة وثبوتها أن يتوفر فيها ثلاثة أركان (٢):
أحدها: صحة السند وعليه مدار صحة القراءة والمقصود بصحة السند: أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذلك حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مما عرف واشتهر عند أئمة الشأن الضابطين له، غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم (٣).
стр. 74
فإذا تواترت القراءة فلا يحتاج إلى الركنين الأخيرين، ويغني التواتر عنهما (١)، وإن كانت دون التواتر فمع الركنين الأخيرين تثبت القراءة.
الثاني: موافقة أحد المصاحف ولو احتمالا.
فقولهم: «أحد المصاحف» أي أحد المصاحف التي وجهها عثمان ﵁ إلى الأمصار، واشترط موافقة أحدها؛ لأجل ما كان ثابتا في بعض المصاحف دون بعض.
وقولهم: «ولو احتمالا» لأن الموافقة قد تكون صريحة تحقيقا، وقد تكون محتملة تقديرا، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعا.
الثالث: موافقة العربية ولو بوجه.
أي موافقتها بأي وجه من الوجوه، سواء كان فصيحا أو أفصح، مجمعا عليه أو مختلفا فيه.
ولا حجة في هذا الركن لمن أنكر بعض القراءات؟ لأجل مخالفة قاعدة في العربية - كما يفعل بعض النحاة وبعض المفسرين -؛ لأن أئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها (٢).
стр. 75
فالرواية هي الأصل، وقواعد العربية تبع لها، لا العكس، والقرآن حكم على قواعد اللغة لا العكس.
قولي: «فهي بمنزلة آية مستقلة»، قد نص على هذا كثير من العلماء، كابن العربي (١)، وابن تيمية (٢)، ونقله الزركشي (٣)، والسيوطي (٤)، وقرره الشنقيطي (٥)، وغيرهم - عليهم رحمة الله جميعا -.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن القراءتين كالآيتين، فزيادة القراءات كزيادة الآيات؛ لكن إذا كان الخط واحدا واللفظ محتملا كان ذلك أخصر في الرسم. اهـ (٦).
وقال العلاّمة الشنقيطي: اعلم أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين، كما هو معروف عند العلماء. اهـ (٧).
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
إطباق الأمة على تلقي القراءات السبع - والثلاث المتمة للعشر على الصحيح - مع صحة سندها، وموافقتها لخط المصحف يغني في تقرير هذه القاعدة عن سرد أقوال بعض العلماء في الدفاع عن القراءات، وردّ طعن الطاعنين الذين حاكموا القراءات إلى النحو البصري، أو النحو الكوفي، فالقرآن هو الحجة لا قواعد النحو «فلا يجوز الحكم على القراءة صحة أو ضعفا من خلال قواعد اللغة أو النحو، وإنما الحكم على القراءة بالصحة أو الضعف يرجع في أساسه إلى الرواية وصحة النقل،
стр. 76
فإذا ثبتت القراءة، وصحّ نقلها وجب اتباعها؛ لأنها سنة متّبعة لا بد من التزامها والمصير إليها ولو خالفت الأقيسة اللغوية، والقواعد النحوية» (١).
وإن تعجب فعجب فعلهم في اعتبار بيت الشعر شاهدا للقاعدة، وقبول القراءة عندهم تبع لذلك، وعدم اعتبار القراءة في تصحيح القاعدة إذا خلا منها كلام الشعراء.
والقراءة إذا ثبتت كانت آية من كتاب الله تعالى - كما سبق تقريره - فلا يجوز ردّها، أو ردّ موجبها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن ذكر بعض القراءات الثابتة -: فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق، وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها، واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا، لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنا أن ذلك تعارض. اهـ (٢).
وقرر مضمون هذه القاعدة، وردّ أقوال الطاعنين في بعض القراءات كثير من العلماء كأبي جعفر النحاس (٣)، وأبي شامة (٤)، وابن المنير (٥)، وأبي حيان (٦)، والسمين الحلبي (٧)، والزركشي (٨)، وابن الجزري (٩)، وغيرهم.
стр. 77
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ [النساء: ١] اختلف القراء والمفسرون في قراءة وتفسير لفظ ﴿وَالْأَرْحامَ﴾.
فقرأ حمزة (١) ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ بالجر.
وقرأ بقية السبعة (٢) ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ بالنصب (٣).
стр. 78
فالمعنى على قراءة الجر: أنه يتساءل بها كما يقول الرجل: أسألك بالله وبالرحم، وبهذا فسرها الحسن، ومجاهد، وغيرهما (١).
وعلى قراءة النصب يكون المعنى بإضمار فعل تقديره: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، كذا فسرها ابن عباس، وقتادة، وعكرمة، وغيرهم (٢).
قال الطبري - بعد أن ذكر معنى الآية على قراءة الجر -: وعلى هذا التأويل قول بعض من قرأ قوله: «والأرحام» بالخفض عطفا بالأرحام على الهاء التي في قوله:
﴿بِهِ،﴾ كأنه أراد: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام، فعطف بظاهر على مكنيّ مخفوض وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب؛ لأنها لا تنسق بظاهر على مكنيّ في الخفض، إلا في ضرورة الشعر، وذلك لضيق الشعر، وأما الكلام فلا شيء يضطر المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق، والرديء في الإعراب منه
والقراءة التي لا نستجيز للقارئ أن يقرأ غيرها في ذلك النصب ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ بمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. اهـ (٣).
وقال ابن عطية عن قراءة حمزة: وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز؛ لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض … قال القاضي أبو محمد: … ويردّ عندي هذه القراءة من المعنى وجهان:
أحدهما: أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة.
والوجه الثاني: أن في ذكرها على ذلك تقريرا للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله ﵇: «من كان حالفا فليحلف بالله
стр. 79
أو ليصمت» (١). اهـ (٢).
والمعتدون على هذه القراءة المتواترة من النحاة والمفسرين كثر (٣)، وأقوالهم في ردّ هذه القراءة، ورد معناها ظاهرة البطلان؛ لأن هذه القراءة سبعية ثابتة، وقد أطبقت الأمة على قبولها وقبول معناها، وأن العمدة في قبول القراءة وردّها هو الرواية، لا العلل النحوية، والقياسات اللغوية، فالإمام حمزة قطعا أخذ هذه القراءة رواية، ولم يقرأ بها من اجتهاده.
قال الألوسي: فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة، ونهاية الجسارة، والبشاعة، وربما يخشى منه الكفر، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور هو مذهب البصريين، ولسنا متعبدين باتباعهم. هـ (٤).
وقال أبو حيان: وما ذهب إليه أهل البصرة وتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية، من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار، ومن اعتلالهم لذلك غير صحيح، بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك وأنه يجوز.
وقد أطلنا في الاحتجاج في ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وذكرنا ثبوت ذلك في لسان العرب نثرها ونظمها (٥)
وأما قول ابن عطية: ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان. فجسارة قبيحة منه لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه؛ إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله ﷺ قرأ بها سلف الأمة، واتصلحت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله ﷺ بغير واسطة عثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأقرأ الصحابة
стр. 80
أبيّ بن كعب عمد إلى ردّها بشيء خطر له في ذهنه، وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري، فإنه كثيرا ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم … ولم يقرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر. وكان حمزة صالحا ورعا ثقة في الحديث
ولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون، وكم حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون، وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية. اهـ (١).
وأما الإمام الطبري على - جلالة قدره - له منهج في تفسيره تجاه اختيار القراءات، وربما نظر في اختيار القراءات إلى موافقة القياس اللغوي، أو لطلب لطائف المعاني التي يستنبطها من سياق الآيات وإن لم يكن له طعن فيها من حيث الثبوت، ونحوها من العلل التي يختار لأجلها القراءة فهو إمام القراءات، وبما ثبت وما لم يثبت عالم، وهو صاحب اختيار في القراءة (٢) وله كتاب في القراءات يحيل إليه في تفسيره كثيرا، لكنه ربما تجوّز في عبارته في اختيار القراءة والعذر له في ذلك أن اجتماع الأمة على القراءات السبع أو العشر كان بعد عصره ﵀.
إذا تقرر ذلك كله، فالذي ندين الله به أنه لا يجوز ردّ قراءة ثابتة أو الطعن فيها، أو ردّ معناها، وكل من فعل ذلك فقوله وطعنه ردّ عليه، لا يعتمد ولا ينظر إليه (٣).
стр. 81
المطلب الثاني:
قاعدة: اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه
* صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسيرآية من كتاب الله - تعالى - على أقوال، بناء على اختلاف القراءات الواردة في الآية.
فإذا وجد قول يجمع معنى القراءات في الآية على معنى واحد، وأمكن القول بمقتضاها جميعا، فهو أولى الأقوال بتفسيرالآية.
وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، فالقراءة بمنزلة الآية - كما سبق بيانه في القاعدة السابقة -.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
من القراءات ما يتحد فيه اللفظ والمعنى، وإنما يتنوع صفة النطق به كالهمزات، والمدات، والإمالات، ونقل الحركات، والإظهار، والإدغام، ونحو ذلك فهذا ظاهر أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى؛ إذ هذه الصفات المشروعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا (١)، وليس داخلا تحت هذه القاعدة.
ومن القراءات ما يكون المعنى فيها متفقا من وجه متباينا من وجه آخر كقوله: «يخدعون، ويخادعون» (٢)، و «ويكذبون، ويكذّبون» (٣)، و ﴿لامَسْتُمُ،﴾
стр. 82
﴿أَوْ لامَسْتُمُ﴾ (١)، و ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ،﴾ و ﴿يَطْهُرْنَ﴾ (٢) ونحو ذلك. فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق، وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها، واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا (٣).
ومن القراءات ما يكون المعنى في إحداها ليس هو معنى الأخرى.
والبحث في هذه القاعدة في هذين النوعين فإذا أمكن القول بمقتضى القراءتين أو القراءات جميعا فهو أولى من اختلافها.
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
١ - من هؤلاء العلماء الذين ذكروا هذه القاعدة مكي بن أبي طالب، فقد ذكرها في مواضيع كثيرة من كتابه «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (٤)، من ذلك قوله عند توجيه القراءات في قوله تعالى: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩].
قال أبو محمد: وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن. اهـ (٥).
وقال في موضع آخر: وحمل الآيتين على معنى واحد أولى. اهـ (٦).
стр. 83
٢ - ومنهم القاضي ابن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] بعد أن ذكر القراءة المتواترة في ﴿آياتٌ﴾ بالجمع، وذكر قراءة الإفراد وهي شاذة (١).
قال ابن عطية: قال الطبري: يريد علامة واحدة المقام وحده، وحكي ذلك عن مجاهد.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يراد بالآية اسم الجنس فيقرب من معنى القراءة الأولى. اهـ. (٢).
٣ - ومنهم السمين الحلبي: فقد قرر هذه القاعدة عند مناقشته لتوجيه بعض القراءات بقوله: الأصل توافق القراءات اهـ. (٣).
٤ - ومنهم المعلمي اليماني: فقد ذكر هذه القاعدة بقوله: واتحاد المعنى على القراءتين أولى من اختلافه. اهـ (٤).
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في توجيه قراءة قول الله تعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٩) [البقرة: ٩].
فقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر بفتح الياء وإسكان الخاء من غير ألف «يخدعون.» وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بضم الياء وبألف بعد الخاء وكسر الدال «يخادعون» (٥).
فذهب جماعة من المفسرين والقراء وأهل اللغة إلى أن معنى القراءتين واحد ف (خادع، وخدع) بمعنى واحد.
стр. 84
فحملها من قرأ بغير ألف على معنى (يخادعون) في أول الآية؛ لأنه بمعنى (يخدعون) ولم يحمله على اللفظ، إذ مخادعتهم إنما كانت للنبي ﷺ وللمؤمنين، ولم يكن من النبي ﷺ والمؤمنين لهم مخادعة، فدل على أن المفاعلة من واحد فجاءت بصورة (يفاعل) وهي بمعنى (يفعل) نحو قاتلك الله بمعنى قتلك الله، فجرى الثاني على معنى الأول. وكذلك فإن (يخدعون) أخص بالواحد من (يخادعون).
وفي هذا الحرف نسب المخادعة إلى واحد وهي أنفسهم.
وحملها من قرأ بألف على المطابقة والمشاكلة بين الكلمتين، فأجرى الثاني على لفظ الأول. والمعنى أن ما يخادعون بتلك المخادعة المذكورة أولا إلا أنفسهم، إذ وبالها راجع عليهم.
وقال آخرون: إن معنى (خادع) يختلف عن معنى (خدع). ف (الخداع) فعل قد يقع وقد لا يقع، و (الخدع) فعل يقع بلا شك.
فعلى قراءة من قرأ ﴿وَما يَخْدَعُونَ﴾ أخبرت عن فعل وقع بهم بلا شك، وكذلك على قراءة من قرأ «(وما يخادعون)» جاز أن يكون لم تقع بهم المخادعة، وأن تكون قد وقعت، ف (يخدعون) أمكن في المعنى (١).
وأحسن الأقوال قول من قال إن معنى القراءتين واحد، إذ اتحاد معناهما أولى من اختلافه، قال مكي بن أبي طالب بعد أن ذكر القراءتين وعلة كل قراءة: وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن وهو أن (خادع، وخدع) بمعنى واحد في اللغة، فيكون (وما يخادعون، وما يخدعون) بمعنى واحد من فاعل واحد. اهـ (٢).
وقال ابن كثير بعد أن ذكر القراءتين: وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد.
اهـ (٣).
стр. 85
المطلب الثالث:
قاعدة: معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة
* صورة القاعدة:
إذا خالفت القراءة الشاذة القراءة المتواترة في مدلولها، ووقع الخلاف بين العلماء في تفسيرالآية بناء على اختلاف معنى القراءتين، ولم يمكن حمل معنى القراءة الشاذة على معنى القراءة المتواترة بحيث يتحد معنى القراءتين.
فأولى الأقوال بالصواب في تفسيرالآية، تفسيرها وحملها على مدلول القراءة المتواترة؛ لأن الشاذ لا يقوى على منازعة الثابت المجمع عليه.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
سبق الكلام عن تعريف القراءة لغة، واصطلاحا، وعن أركان القراءة الصحيحة، وشروط ثبوتها في قاعدة «إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردّها، أو ردّ معناها … » بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
«القراءة الشاذة»:
الشاذ في اللغة، مصدر شذ يشذ، شذوذا يقال شذّ الرجل، إذا انفرد عن أصحابه، وكذلك كل شيء منفرد، فهو شاذّ (١).
القراءة الشاذة في الاصطلاح هي: كل قراءة اختل فيها ركن من أركان القراءة الصحيحة (٢).
стр. 86
ويدخل تحت مصطلح الشذوذ هنا أنواع من القراءات وهي:
الآحاد: وهو ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر عند القراء تلك الشهرة التي لم يعد بها من الغلط ولا من الشذوذ.
والشاذ: وهو ما لم يصح سنده.
والمدرج: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير.
والموضوع (١): وهو الذي لا أصل له في الرواية.
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
١ - من العلماء الذين استعملوا هذه القاعدة في الترجيح بين أقوال المفسرين الإمام الطبري، فبعد أن ذكر القراءات في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) [الرعد: ٤٣].
قال - مقررا مضمون هذه القاعدة -: فإذا كانت قرأة الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهي: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) [الرعد: ٤٣] كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب ممّا خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحق بالصواب. اهـ (٢).
٢ - ومنهم القاضي ابن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ذكر قراءة الجمهور ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ بكسر الكاف، ويراد به كسوة الثياب. فالتخيير على هذه القراءة بين الإطعام، والكسوة، وتحرير رقبة. وذكر كذلك القراءة الشاذة في لفظ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ،﴾ وهي: «أو كإسوتهم» بكاف الجر الداخلة على «أسوة» (٣).
стр. 87
ونقل توجيه ابن جني لهذه القراءة بقوله: قال أبو الفتح: كأنه قال: أو بما يكفي مثلهم فهو على حذف المضاف بتقدير أو ككفاية إسوتهم، قال: وإن شئت جعلت الأسوة هي الكفاية فلم تحتج إلى حذف المضاف.
قال القاضي أبو محمد - معلقا على هذه القراءة الشاذة، وعلى توجيه ابن جني -: وفي هذا نظر، والقراءة مخالفة لخط المصحف، ومعناها على خلاف ما تأول أهل العلم من أن الحانث في اليمين بالله مخير في الإطعام أو الكسوة أو العتق. اهـ (١).
٣، ٤ - ومنهم الحافظ ابن حجر، والعلاّمة الشنقيطي: فقد قررا هذه القاعدة في معرض جوابهما عن دلالة القراءة الشاذة في قول الله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ [البقرة: ١٥٨] وهي: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ وبها قرأ عليّ، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب وغيرهم (٢).
ودلالتها أن الطواف بين الصفا والمروة سنة لا يجب بتركه شيء.
وهذا قول ابن مسعود، وأنس، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (٣).
قال الحافظ ابن حجر - بعد أن نقل توجيه الإمام الطبري لهذه القراءة: وقال غيره:
لا حجة في الشواذ إذا خالفت المشهور. اهـ (٤).
وقال العلاّمة الشنقيطي - معقبا على هذه القراءة الشاذة، ومعناها الذي دلت عليه -: إن هذه القراءة لم تثبت قرآنا لإجماع الصحابة على عدم كتبها في المصاحف العثمانية، وما ذكره الصحابي على أنه قرآن، ولم يثبت كونه قرآنا، ذهب كثير من أهل العلم إلى
стр. 88
أنه لا يستدل به على شيء، وهو مذهب مالك، والشافعي، ووجهه أنه لما لم يذكره إلا لكونه قرآنا، فبطل كونه قرانا بطل من أصله، فلا يحتج به على شيء، وقال بعض أهل العلم: إذا بطل كونه قرآنا لم يمنع ذلك من الاحتجاج به كأخبار الآحاد، التي ليست بقرآن.
فعلى القول الأول: فلا إشكال، وعلى الثاني: فيجاب عنه بأن القراءة المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة، وما خالف المتواتر المجمع عليه إن لم يمكن الجمع بينهما فهو باطل، والنفي والإثبات لا يمكن الجمع بينهما؛ لأنهما نقيضان. اهـ (١) ولبعض العلماء توجيه آخر لهذه القراءة الشاذة، ومنهم الفراء، والطبري. فقالوا: إن «لا» التي مع «أن» صلة في الكلام (٢). فحملوها على القراءة المشهورة.
وقد ضعف أبو بكر بن العربي هذا التوجيه فقال: وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما: أنّا قد بينا في مواضع أنه يبعد أن تكون «لا» زائدة.
الثاني: أنه لا لغويّ، ولا فقيه يعادل عائشة ﵂ وقد قررتها غير زائدة، وقد بينت معناها، فلا رأي للفراء ولا لغيره. اهـ (٣) وذلك في ردّها لقول عروة بن الزبير حين قال لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾
[البقرة: ١٥٨] فو الله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت: «بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلّل، فكان من أهلّ يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك قالوا: يا رسول الله، إنّا كنّا نتحرّج أن
стр. 89
نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾
الآية» (١).
ولو صح هذا التوجيه الذي ذكره الفراء والطبري لكان هذا المثال من أمثلة القاعدة السابقة، وهي: «اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه»، وقد أشار إلى هذا السمين الحلبي بعد أن ذكره، فقال: وحينئد يتّحد معنى القراءتين. اهـ (٢).
***
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) [الرعد: ٤٣].
قرأ قرأة الأمصار ﴿وَمَنْ﴾ في الآية بفتح الميم وسكون النون فتكون (من) في موضع خفض عطفا على اسم الله.
بمعني: والذين عندهم علم الكتاب - أي الكتب التي نزلت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل - يشهدون بالحقّ ويقرّون به. وعلى هذه القراءة فسّر ذلك المفسّرون.
فعن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣)، فالذين عندهم علم الكتاب: هم أهل الكتاب من اليهود والنّصارى.
وقال بعض أهل التفسير كمجاهد وغيره: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) قال:
هو عبد الله بن سلام خاصة.
وقرأ آخرون: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ وهي قراءة ابن عباس ومجاهد والحسن وبه قرأ ابن السّميفع، وابن أبي عبلة.
стр. 90
وعلى هذه القراءة يكون المعنى: من عند الله علم الكتاب.
وأولى الأقوال بالصواب في تفسيرالآية المعنى الذي دلت عليه القراءة المتواترة التي قرأ بها قرأة الأمصار من أن قوله ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) عطف على لفظ الجلالة وأن المراد به كل علماء أهل الكتابين التوراة والإنجيل الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمة، وبشارات الأنبياء به، إذ معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة.
قال الإمام الطبري بعد أن ذكر القراءتين ومعنى كل قراءة: فإذ كان ذلك كذلك وكانت قرأة الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهي: (ومن عنده علم الكتاب)، كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب ممّا خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحقّ بالصواب. اهـ (١).
ويؤيد هذه القاعدة فيما رحجته قاعدة «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك» حيث ورد هذا المعنى في القرآن في غير موضع كما قال تعالى:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿(١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٩٧) [الشعراء: ١٩٧]. وأمثال ذلك كالإخبار عن استشهاد أهل العلم وسؤالهم عما أنزل الله في عدة مواضع من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] الآية وقوله: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤٣) [النحل: ٤٣] إلى غير ذلك من الآيات (٢).
стр. 91
وأما قول من خص هذه الآية بعبد الله بن سلام أو بعض مسلمة أهل الكتاب فقوله ضعيف، تضعفه القاعدة الترجيحية «إذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير» إذسورة الرعد مكية، ومسلمة أهل الكتاب كانوا بالمدينة.
وبمضمون هذه القاعدة رد جماعة من المفسرين هذا القول (١). إلا أن يحمل قول من قال ذلك على أن من ذكر باسمه من مسلمة أهل الكتاب ممن يدخل في عموم علماء بني إسرائيل من قبيل التفسير بالمثال (٢).
стр. 92
المطلب الرابع:
قاعدة: الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له
* صورة القاعدة:
إذا تنازع المفسرون في تفسيرآية أو لفظة من كتاب الله، أو في إعرابها، وكان أحد الأقوال موافقا لرسم المصحف ولا يقتضي مخالفة له، وآخر يقتضي مخالفته، فأولى الأقوال بتفسيرالآية، وإعرابها ما وافق الرسم العثماني، الذي أجمع عليه الصحابة، أعلم الناس بتفسير القرآن وبلغته.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
رسم المصحف هو: أوضاع حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطيّة (١).
قولي: «الوجه التفسيري والإعرابي» أخرج موافقة القراءات للرسم، فليست أولى، بل هي ركن من أركان القراءة الصحيحة - كما سبق -. وأدخلت «الإعرابي» هنا، ولم أفرده بقاعدة مستقلة؛ لتعلقه بالمعنى، فهو فرع المعنى.
***
* أدلة القاعدة وشواهدها:
١ - مما يدل على هذه القاعدة، قول بعض العلماء: إن رسم المصحف توقيفي، فيلزم بهذا أن يراعى في تفسير معانيه.
стр. 93
أو قول غيرهم إن رسم المصحف اصطلاحي (١)، ووجه دلالته على القاعدة أن الصحابة قد أجمعوا عليه، فقد كتبه الكتبة، وأقرّه عثمان وبقية الصحابة (٢) ﵃ جميعا -، وأن ذلك لم يكن من الكتبة كيف أتفق، بل على أمر عندهم قد تحقق، فقد كانوا عالمين بأصول الكتابة والإملاء - إضافة إلى علمهم بتفسيره -، ومما يدل على ذلك كتابتهم المصحف على الذي يعلّله النحويون في ذوات الواو، والياء، والهمز، والمد، والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنا، نحو «الخبء»! و «الدفء» ونحوها.
ومما يدل على ذلك - أيضا - المخالفة بين النظائر بالحذف والإثبات، والزيادة، والنقصان، كإطباق القراء على إثبات الياء في: ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ من قوله تعالى:
﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٠) [البقرة: ١٥٠].
وحذفها في الموضعين في المائدة في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائد: ٣] وفي قوله تعال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [المائدة: ٤٤].
والمخالفة بين ﴿كِتابِيَهْ﴾ (١٩) و ﴿حِسابِيَهْ﴾ (٢٠) وهما سواء، في قوله تعالى:
﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ (٢٠) [الحاقة: ١٩ - ٢٠]، فهذا كله يدل على أن الصحابة كانوا عالمين بالعربية، وبقواعد الكتابة (٣).
стр. 94
وأمّا ما خالف فيها رسم المصحف قواعد الخط فلأجل اختلاف أحوال معاني كلماتها (١).
وسواء قيل إنه توقيف أو اجتهاد فهو مرجّح لما وافقه من أقوال المفسرين والمعربين، وخاصة فيما اطردت كتابته فيه بشكل معين.
٢ - ومما يشهد لهذه القاعدة:
* أن متابعة الرسم في القراءة أمر لازم، وهو من أركان القراءة الصحيحة - كما سبق بيانه -، وأقوال العلماء في ذلك مبثوثة في مظانها من كتب القراءات، والتفسير (٢).
* الإجماع على لزوم اتباع رسم المصاحف العثمانية في الوقف إبدالا، وإثباتا، وحذفا، ووصلا، وقطعا (٣).
* أقوال العلماء في المنع من تغيير خطه، ووجوب التزامه مشهورة (٤). كل ذلك يشهد لمتابعة رسم المصحف في التفسير والإعراب فيما احتمله، فالقول الموافق له أولى من القول المخالف له.
***
стр. 95
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة في الترجيح جماعة من أئمة التفسير، فرجحوا بها أقوالا، وضعّفوا بها أخرى، فمن هؤلاء الأئمة:
١ - أبو عبيد: وسيأتي كلامه في الترجيح بهذه القاعدة في المثال الأول من أمثلتها.
٢ - ومنهم الإمام الطبري: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾
[القصص: ٨٢] بعد أن ذكر الأقوال فيها وشواهدها من العربية -: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة: القول الذي ذكرنا عن قتادة، من أن معناه: ألم تر، ألم تعلم، للشاهد الذي ذكرنا فيه من قول الشاعر، والرواية عن العرب، وأنّ «ويكأنّ» في خطّ المصحف حرف واحد. ومتى وجه ذلك إلى غير التأويل الذي ذكرناه عن قتادة، فإنه يصير حرفين، وذلك أنه إن وجّه إلى قول من تأوّله بمعنى: ويلك اعلم أن الله، وجب أن يفصل «ويك» من «أنّ»؛ وذلك خلاف خطّ جميع المصاحف، مع فساده في العربية، لما ذكرنا. وإن وجّه إلى قول من يقول: «وي» بمعنى التنبيه، ثم استأنف الكلام ب «كأن»، وجب أن يفصل «وى» من «كأن» وذلك خلاف خطوط المصاحف كلها.
فإذا كان حرفا واحدا، فالصواب من التأويل: ما قاله قتادة اهـ (١).
٣ - ومنهم أبو إسحاق الزجاج (٢): وسيأتي كلامه في الترجيح بهذه القاعدة في المثال الأول من أمثلتها - إن شاء الله تعالى -.
٤ - ومنهم أبو جعفر النحاس: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾
[المطففين: ٣] بعد أن ذكر القولين في الضمير «هم» قال: والصواب أن الهاء والميم في موضع نصب؛ لأنه في السواد بغير ألف. اهـ (٣) يعني في رسم المصحف بغير ألف
стр. 96
بعد الواو، وسيأتي بسط هذا المثال - إن شاء الله -.
٥ - ومنهم القرطبي: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ (٦) [الأعلى: ٦] بعد أن ذكر القولين فيها، وسيأتي بسطها في الأمثلة -: والأوّل هو المختار -[أي القول بأن «لا» نافية]-؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون مؤقتا معلوما، وأيضا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف، وعليها القراء. اهـ (١).
٦ - ومنهم أبو حيان: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، فقد صحح بها بعض الأوجه التفسيرية، والإعرابية، وضعّف بها أقوالا لأجل مخالفتها الرسم، فقال - مضعّفا بهذه القاعدة قول من قال: إن الهاء في ﴿هذانِ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾
[طه: ٦٣] ضمير القصة -: وضعف ذلك من جهة مخالفته خط المصحف. اهـ (٢).
٧ - ومنهم ابن هشام: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، ففي معرض كلامه على الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها، قال: الجهة الثامنة: أن يحمل المعرب على شيء، وفي ذلك الموضع ما يدفعه. أهـ (٣) ثم ذكر بعض أمثلة هذه القاعدة - وستأتي - وضعّف كل قول فيها خالف الرسم.
٨ - ومنهم السيوطي: فقد نبّه على هذه القاعدة عند حديثه عما يجب على المعرب مراعاته، فقال: ويجب عليه مراعاة أمور، - إلى أن قال - الثامن: أن يراعي الرسم. اهـ (٤).
ثم ذكر أمثله لبعض الأوجه الإعرابية التي خالفت رسم المصحف.
٩ - ومنهم الألوسي: (٥) وغير هؤلاء الأئمة كثير (٦) وسيأتي بعض كلامهم في
стр. 97
الأمثلة - إن شاء الله -.
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
ا - من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] فقال جمهور المفسرين: معناه وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم يخسرون وتكون «هم» في موضع نصب، ويكون الوقف عليها.
وكان بعض العلماء يذهب إلى أنها حرفان، ويقف على «كالو»، و «وزنو» ثم يبتدئ ب «هم يخسرون»، فجعل «هم» في موضع رفع، وجعل «كالو» و «وزنو» مكتفيين بأنفسهما (١).
وهذه القاعدة ترجح القول الأول، قول الجمهور؛ وذلك أن «كالو» و «وزنو» لم ترسم فيهما الألف الفاصلة لواو الجماعة في جميع المصاحف (٢)، كما رسمت نظائرها من القرآن، فدل ذلك على أن الفعلين «كالو» و «وزنو» لم يكتفيا بأنفسهما، وأن الضمير «هم» في موضع نصب مفعول به.
وبهذه القاعدة رجّح كثير من العلماء قول الجمهور، فقال أبو عبيد: والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين:
إحداهما: الخطّ؛ وذلك أنهم كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا «كالوا» و «وزنوا» بالألف.
والأخرى: أنه يقال: كلتك ووزنتك بمعنى كلت لك ووزنت لك، وهو كلام عربي. اهـ (٣).
وقال الطبري - مرجحا بهذه القاعدة بعد أن ذكر القولين -: والصواب في ذلك عندي:
الوقف على «هم»؛ لأن «كالو» و «وزنو» لو كانا مكتفيين، وكانت «هم» كلاما مستأنفا،
стр. 98
كانت كتابة «كالو» و «وزنو» بألف فاصلة بينها وبين «هم» مع كل واحد منهما، إذ كان بذلك جرى الكتاب في نظائر ذلك، إذا لم يكن متصلا به شيء من كنايات المفعول، فكتابهم ذلك في هذا الموضع بغير ألف أوضح الدليل على أن قوله «هم» إنما هو كناية أسماء المفعول بهم. فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا، على ما بيّنا. اهـ (١).
وقال الزجاج - بعد أن ذكر القولين -: والاختيار أن تكون «هم» في موضع نصب، بمعنى كالوا لهم. ولو كانت على معنى «كالو»، ثم جاءت «هم» توكيدا، لكان في المصحف ألف مثبتة قبل «هم» اهـ (٢).
وكذلك رجّح بهذه القاعدة أبو جعفر النحاس (٣)، والبيضاوي (٤)، والسيوطي (٥)، والألوسي (٦)، وغيرهم (٧) وقد رجح الزمخشري القول الذي ترجحه هذه القاعدة، غير أنه لم يرتض هذه القاعدة حجة له في ترجيحه، فقال - بعد أن علل لردّه القول الثاني بأنه يفسد النظم -: والتعلق في إبطاله -[أي القول الثاني]- بخط المصحف، وأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه ركيك؛ لأن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط. اهـ (٨).
والجواب عن هذا أن الرسم العثماني وإن كان قد خالف ما اصطلح عليه في
стр. 99
بعض الأمور، إلا أنه في هذه المسألة ورد الرسم العثماني موافقا لذلك المصطلح، وذلك برسم الألف بعد واو الجماعة في جميع القرآن إلا في صورة واحدة لم يرسم فيها الألف بعد الواو، وهي إذا سبقت الواو بهمزة فكانت من قبيل مد البدل مثل «جاءو» و «فاءو» ونحوها، وهذا المثال ليس منها، فإخراج هذه الآية مما عمّ استعماله في رسم المصحف، وإبعادها عن نظائرها تحكم بلا دليل.
قال الألوسي - في تفسير هذه الآية بعد أن ذكر القولين -: وقيل إنه يبعد كون الضمير مرفوعا عدم إثبات الألف بعد الواو، وقد تقرر في علم الخط إثباتها بعدها في مثل ذلك وجرى عليه رسم المصحف العثماني في نظائره، وكونه هنا بالخصوص مخالفا لما تقرر، ولما سلك في النظائر بعيد كما لا يخفى. اهـ (١).
٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ (٦) [الأعلى: ٦] اختلف العلماء في «لا».
فقال الجمهور: هي «لا» النافية. فتكون الجملة إخبارا من الله - تعالى - لنبيه ﷺ أنه يعلمه هذا القرآن ويحفظه عليه فلا ينساه إلا ما شاء الله، فإنه ينساه إما بنسخ (٢)، وإما على أن يتذكر بعد ذلك النسيان (٣).
وقال آخرون: هي «لا» الناهية. أي ينهى الله نبيّه ﷺ أن ينسى القرآن الذي أقرأه إياه. والمعنى: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة (٤).
стр. 100
وأولى القولين بالصواب القول الأول، وذلك لموافقته رسم المصحف في إثبات الألف في «تنسى»، فدل عدم حذفها على أنها ليست ناهية؛ إذ لو كانت ناهية لحذفت الألف علامة للجزم. وأما توجيه ثبوتها بأنها مزيدة للفاصلة فهذه دعوى مرتهنة بإقامة الحجة عليها، لما فيها من مخالفة الأصل (١).
ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال قول الله تعالى. ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ (١٩) [القيامة: ١٦ - ١٩].
ورجح ما رجحته القاعدة جماعة من أئمة التفسير منهم الطبري (٢)، والكرماني (٣)، والرازي (٤)، والقرطبي (٥)، وأبو حيان (٦)، وغيرهم - عليهم رحمة الله - فمنهم من صرح بالقاعدة أثناء ترجيحه بها، ومنهم من لم يصرح بها.
قال أبو حيان: والقول بأن «لا» في «فلا تنسى» للنهي، والألف ثابتة لأجل الفاصلة، قول ضعيف، ومفهوم الآية في غاية الظهور، وقد تعسفوا في فهمها.
اهـ (٧).
стр. 101
_________
= (٢/ ٥٩٦)، والإتقان (٢/ ١٨١ - ٤٦٧).
٢ - ومنها ما جاء في إعراب قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: ٦٣]. انظر البحر المحيط (٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، ومغني اللبيب (٢/ ٥٩٥)، والإتقان (٢/ ٢٦٧).
٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص: ٩]. انظر معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٠٢)، والقطع والائتناف ص ٥٤٣ - ٥٤٤، والمكتفى في الوقف والابتداء ص ٤٣٥.
٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ [القصص: ٨٢]. انظر معاني القرآن للفراء (٢/ ٣١٢)، وجامع البيان (٢٠/ ١٢١ - ١٢٢)، ومعاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٦)، وإعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٤٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٣١٨ - ٣١٩)، والبحر المحيط (٨/ ٣٢٩)، وروح المعاني (٢٠/ ٨٢)، ومحاسن التأويل (١٣/ ٤٧٢٨).
٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً (١٨) [الإنسان: ١٨]. انظر جامع البيان (٢٩/ ٢١٩)، والكشاف (٤/ ١٩٨)، والمحرر الوجيز (١٦/ ١٩٠)، والبحر المحيط (١٠/ ٣٦٥)، والإتقان (٢/ ٢٦٦)، وروح المعاني (٢٩/ ٢٠٣).
стр. 102
المبحث الثاني:
قواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآنى وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: قاعدة:
إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنهما إلا بدليل يجب التسليم له.
المطلب الثاني: قاعدة:
لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه.
المطلب الثالث: قاعدة:
حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك.
стр. 103
المطلب الأول:
قاعدة: إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنهما، إلا بدليل يجب التسليم له
* صورة القاعدة:
إذا تنازع المفسرون في تفسيرآية أو جملة من كتاب الله فمنهم من يحملها على معنى لا يخرجها عن سياق الآيات، ومنهم من يحملها على معنى يخرجها عن معاني الآيات قبلها وبعدها، ويجعلها معترضة في السياق. فحمل الآية على التفسير الذي يجعلها داخلة في معاني ما قبلها وما بعدها أولى وأحسن؛ لأنه أوفق للنظم وأليق بالسياق ما لم يرد دليل يمنع من هذا التفسير أو يصحح غيره.
***
* بيان ألفاظ ألقاعدة:
المقصود ب «الكلام» في قولهم: «إدخال الكلام في معاني .. »، هو الكلام الذي وقع فيه الخلاف بين العلماء بأن كان بعضهم يدخله في معاني ما سبقه وما يلحق به من كلام، وبعضهم يجعله خارجا عن معاني السياق. سواء أكان هذا الكلام آية أو أكثر، أو أقل - بأن كان جملة من آية، أو كلمة -.
وقولهم: «ما قبله» أي ما قبل هذا الكلام الذي وقع فيه النزاع، وهذا يسمى «سباقا».
قال ابن فارس: السين والباء والقاف أصل واحد صحيح يدل على التقديم. أهـ (١).
стр. 104
وقال الكفوي (١): والسّباق - بالموحدة - ما قبل الشيء. اهـ (٢).
وقولهم: «وما بعده» أي ما بعد الكلام المتنازع فيه. وهذا يسمى «لحاقا».
قال ابن فارس: اللام والحاء والقاف أصل يدل على إدراك شيء وبلوغه إلى غيره.
يقال: لحق فلان فلانا فهو لاحق، وألحق بمعناه،
وربما قالوا: لحقته: اتّبعته .. اهـ (٣).
واللّحق: كل شيء لحق شيئا أو لحق به (٤).
وهذا السباق واللحاق مجتمعا يسمى سياقا - بالمثناة التحتية - فهذه قاعدة في ترجيح الأقوال التي يدل عليها سياق الآيات.
قال الكفوي - بعد أن ذكر السباق - بالموحدة: والسياق - بالمثناة - أعمّ (٥). اهـ يعني أعم من السباق.
وقولهم: «أولى من الخروج به عنهما» هذا هو الترجيح.
وقولهم: «إلا بدليل يجب التسليم له». نبه إليه الطبري ﵀ في مواضع كثيرة في معرض تقريره لهذه القاعدة وترجيحه بها (٦).
ثم بيّن هذا الدليل الذي يصرف له الكلام عن سابقه ولا حقه بأنه:
١ - خبر صحيح متصل السند، يفسرالآية ويخرجها بذلك عن سابقها ولا حقها. أو يكون مصحّحا لأحد الأقوال التي قيلت في الآية والتي تخرجها عن سياقها.
стр. 105
٢ - أو إجماع من أهل التأويل على تفسيرالآية، ويكون ذلك التفسير مخرجا لها عن سباقها ولحاقها (١).
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير، ورجحوا بها، فمنهم من ينص عليها، ويرجح بها، ومنهم من يرجح ما تقضي به هذه القاعدة في مثالها دون التنصيص عليها أو ذكرها، وجميعهم دائر في فلك اعتمادها، «فدلالة السياق متفق عليها في مجاري كلام الله - تعالى -» (٢).
فمن هؤلاء الأئمة:
١ - مسلم بن يسار (٣): قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده.
اهـ (٤).
٢ - ومنهم صالح بن كيسان (٥): قال - مستدلا على صحة قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (٢١) [ق: ٢١]-: إنما يراد بهذا الكافر، اقرأ ما بعدها يدلك على ذلك. اهـ (٦).
٣ - ومنهم محمد بن جرير الطبري: قال - في معرض تعليله لأحد اختياراته في التفسير: وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب، لأن الآيات قبلها
стр. 106
وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها إذا كانت في سياق واحد. اهـ (١).
واستدل بهذه القاعدة على صحة ترجيحه لبعض الأقوال في تفسير بعض الآيات، منها قوله: فإن قال قائل: وما دليلك على أن المقصود بهذه الآية اليهود؟ قيل: دليلنا على ذلك ما قبلها من الآيات وما بعدها فإنهم هم المعنيون به، فكان ما بينهما بأن يكون خبرا عنهم أحق وأولى من أن يكون خبرا عن غيرهم حتى تأتي الأدلة واضحة بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. اهـ (٢).
ثمّ بيّن هذه الأدلة التي تصرف الخبر عمّا قبله وبعده بقوله - في موضع آخر -:
فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حجّة، فأمّا الدّعاوى، فلا تتعذر على أحد. اهـ (٣).
واستعمل هذه القاعدة في مواطن كثيرة جدا من كتابه، ونص عليها بلفظها كذلك في مواضع كثيرة، فهي من القواعد الأساسية التي اعتمدها في الترجيح (٤).
٤ - ومنهم ابن عطية (٥): فهي عنده من قواعد الترجيح الأساسية، ورجح بها كثيرا من الأقوال، وضعّف بها كذلك كثيرا من الأقوال، في متن كتابه (٦).
стр. 107
فمن هذه المواضع التي رجح بهذه القاعدة فيها، قوله - معلقا على قول خالف هذه القاعدة -: وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخرالآية عما تقدمها، وارتبط بها من المعنى، وعما تأخر أيضا … اهـ (١).
وقال في موضع آخر - معلقا على قول خالف القاعدة -: وهذا القول وإن كانت ألفاظ الآية تقتضيه فما قبلها وما بعدها يرده ويتبرأ منه، ويختل أسلوب القول به. اهـ (٢).
٥ - ومنهم الرازي: قال - مرجحا بمضمون هذه القاعدة بعد أن فسرآية -: وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على الوجه الذي ذكرناه صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاما واحدا منتظما مسوقا نحو غرض واحد، فيكون هذا التفسير أولى مما ذكروه. اهـ (٣).
٦ - ومنهم العز بن عبد السلام: قال - مقررا هذه القاعدة -: إذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق كان الحمل عليه أولى اهـ (٤).
ونقل عنه الزركشي قوله: السياق يرشد إلى تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، وكل ذلك بعرف الاستعمال. اهـ (٥).
٧ - ومنهم القرطبي (٦): قال - في معرض تعليله لأحد اختياراته في التفسير -: قال ابن عباس: هو من محاورة نوح لقومه -: وهو أظهر؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه. اهـ (٧).
стр. 108
٨ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: حيث قرر أن من أهم أسباب الخطأ في التفسير هو ما فعله أقوام حيث فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به. فراعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به، ولسياق الكلام (١).
وقال في موضع آخر: فمن تدبر القرآن، وتدبر ما قبل الآية وما بعدها، وعرف مقصود القرآن تبين له المراد، وعرف الهدى والرسالة، وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج اهـ (٢).
٩ - ومنهم ابن القيم: فهو ممن اعتمد هذه القاعدة وقررها (٣)، ورجح بها بين الأقوال في التفسير، فصحح أقوالا، وضعّف أخرى.
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤]: والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها. اهـ (٤).
وضعّف في تفسير قوله تعالى: ﴿قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٤١) [الحجر: ٤١] قول من قال: إنه على التهديد والوعيد، بهذه القاعدة فقال: والسياق يأبى هذا ولا يناسبه لمن تأمله. اهـ (٥).
١٠ - ومنهم ابن جزي الكلبي (٦): ذكر هذه القاعدة في مقدمة تفسيره من أوجه الترجيح، قال: السادس: أن يشهد بصحة القول سياق الكلام، ويدل عليه ما قبله
стр. 109
أو ما بعده. اهـ (١).
١١ - ومنهم ابن كثير: فقد استظهر بهذه القاعدة أقوالا في تفسيره (٢).
١٢ - ومنهم الزركشي: قال: الرابع - من الأمور التي تعين على المعنى عند الإشكال -: دلالة السياق، فإنها ترشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظراته. اهـ (٣).
١٣، ١٤ - ومنهم الشوكاني وصديق خان (٤): فقد استعملاها في ترجيح بعض الأقوال في أمثلتها (٥).
١٥ - ومنهم الألوسي: فقد رجح بها أقوالا، واستبعد بها أخرى (٦).
١٦ - ومنهم محمد رشيد رضا (٧): قال: وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى. اهـ (٨).
***
стр. 110
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
الأمثلة على هذه القاعدة كثيرة منها:
١ - ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ﴿إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ وفي تأويل ذلك (١).
فقال بعضهم: كان قائل ذلك رجلا من اليهود، ثم اختلفوا في اسم ذلك الرجل على أقوال. فقيل مالك بن الصيف، وقيل: فنحاص اليهودي ..
وقال آخرون: بل عنى بذلك جماعة من اليهود سألوا النبي ﷺ مثل آيات موسى ﵇. والقولان بمعنى واحد، وهو أن هذه الآية خبر عن اليهود.
وقال آخرون: هذا خبر من الله - جلّ ثناؤه - عن مشركي قريش أنهم قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء.
وهذا القول الأخير هو الأوفق للسياق، وهو الذي رجحه الطبري بهذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها.
قال ﵀: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال:
عنى بذلك: وما قدروا الله حق قدره مشركو قريش، وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا، فأن يكون ذلك أيضا خبرا عنهم أشبه من أن يكون خبرا عن اليهود، ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلا مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئا من الكتب، وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود، الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود، وإذا لم يأت بما روى من الخبر، بأن قائل ذلك كان رجلا من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر