← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

يقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيمية: "مَنْ تَرَكَ الحديثَ؛ لاعتقادِه أنَّه لم يصحَّ، أو أنَّ راويه مجهولٌ - ونحو ذلك - ويكون غيرُه قد عَلِمَ صحتَه وثقةَ راويه: فقد زَالَ عذرُ ذلك في حقِّ هذا" (١). الدليل الخامس: إذا جوّزَ المانعون مِن العملِ بالحديثِ النبوي المخالفِ لقولِ إمامِهم مخالفةَ نصِّ إمامِهم في مسألةٍ؛ لنصٍّ له آخر نُقِلَ عنه في المسألةِ نفسِها عَسُرَ عليهم التفريقُ بينهما: فمِنْ بابٍ أولى أنْ يخالفوا نصَّه؛ لمخالفتِه حديثَ النبي ﷺ (٢). الدليل السادس: إذا جوّزتم لإمامِ مذهبِكم أنْ يخالفَ غيرَه مِن المجتهدين؛ لدليلٍ ظَفَرَ به، فيلزمكم أنْ تجوّزوا مخالفةَ قولِ إمامِكم إذا ظَهَرَ لكم رجحانُ قولِ غيرِه مِن الأئمةِ؛ لموافقتِهم الدليل (٣). مناقشة الدليل السادس: لا يلزمُ مِنْ تجويزِ مخالفةِ إمامِ المذهب لغيرِه مِن المجتهدين؛ لدليلٍ ظَفَرَ به، أنْ نخالفَه إذا اطّلعنا على دليلٍ على خلافِ قولِه؛ لأنَّه مجتهدٌ كاملُ الآلةِ، ونحن نَظَرُنَا قاصرٌ، فحَصَلَ الفرقُ بين الحالتين (٤). الجواب عن المناقشة: إذا عملتم بالقولِ الذي دلَّ عليه الدليلُ مِنْ كتابٍ أو سنةٍ، وقد عَمِلَ به إمامٌ مِنْ أئمةِ المذاهب المتبوعةِ، فقد وافقتم اجتهادَ عالمٍ كاملِ الآلة، فيتحقق لكم اتّباعُ الدليلِ، وموافقةُ عالمٍ (٥). الدليل السابع: إذا وَجَدَ المتمذهبُ دليلًا نقليًا مِنْ كتابٍ أو سنةٍ يدلُّ على خلافِ قولِ إمامِه، فيتعيَّن عليه الأخذُ بالدليلِ؛ لأنَّ موافقةَ المتمذهبِ لإمامٍ تقاوم إمامَ مذهبِه، وتبقى النصوصُ الشرعيةُ سالمةً في حقِّه عن

стр. 1087

المعارضِ إذا عملَ بها (١). الدليل الثامن: يلزمُ مِنْ الأخذِ بقولِ إمامِ المذهبِ، وتركِ الدليلِ النقلي الإعراضُ عن الكتابِ والسنةِ، وتركُ أَمْرِ الله تعالى وأَمْرِ رسولِه ﷺ ، ويكون إمامُ المذهب كالنبي لأتباعِه، وفي هذا مشابهةٌ لما عابَ الله تعالى به النصارى في قولَه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢). الدليل التاسع: إذا خالفَ قولُ إمامِ المذهب دليلًا مِن الكتابِ أو السنةِ، فالمقدَّمُ هو الدليل؛ لأنَّ الأدلةَ هي الحجةُ التي يجبُ الأخذُ بها، بخلافِ رأي إمامِ المذهبِ، فليسَ بحجّةٍ شرعيةٍ (٣). الدليل العاشر: إذا قررتُم أيَّها المانعون مِن العملِ بالحديثِ العذرَ للمتمذهبِ حينَ يتركُ الحديثَ النبويَّ؛ لقولِ إمام مذهبِه، فأولى بالعذرِ مَنْ تَرَكَ قولَ إمامِ مذهبِه؛ لمخالفتِه للحديثِ النبوي (٤). الدليل الحادي عشر: إذا ساغَ للمتمذهبِ الأخذُ بقولِ إمامِه الذي رَجَعَ عنه - كما هو موجودٌ لدى كثيرٍ مِن المتمذهبين (٥) فما المانعُ مِنْ أخذِ المتمذهبِ بقولِ غيرِ إمامِه، إنْ ظَهَرَتْ له موافقتُه للدليلِ؟ ! (٦). مناقشة الدليل الحادي عشر: هناك فرقٌ بين الحالتين - الحالة الأولى: أخذُ قولِ الإمامِ المرجوعِ عنه، والحالة الثانية: أخذُ قولِ غيرِه مِن الأئمةِ - من جهةْ أنَّ المتمذهبَ في الحالةِ الأُوْلى قد أَخَذ بقولٍ كان مذهبًا

стр. 1088

لإمامِه مرةً، بخلافِ الحالةِ الثانيةِ، فإمامُ المذهبِ لم يقلْ بالقولِ أصلًا (١). الجواب عن المناقشة: أجابَ ابنُ القيّمِ عن المناقشةِ، فقالَ: "هذا فرقٌ عديمُ التأثيرِ؛ إذ ما قالَ به، وصرَّحَ بالرجوعِ عنه بمنزلةِ ما لم يقلْه" (٢). الدليل الثاني عشر: أنَّنا نُوْجِبُ العملَ بالحديثِ النبوي إذا ثَبَتَ عن النبي ﷺ دونَ تفصيلٍ؛ إذ لا نعلم أحدًا مِنْ أئمةِ المسلمين البتة قال: لا نعملُ بحديثِ رسولِ الله ﷺ حتى نعرفَ مَنْ عملَ به، فإنْ جَهِلَ مَنْ بلغه الحديثُ مَنْ عملَ به، لم يحلَّ له أنْ يعملَ به (٣). ويمكن أنْ يناقش الدليل الثاني عشر: بأنَّ ما ذُكِرَ في الدليلِ مِن عدمِ الالتفاتِ إلى أحدٍ إذا ثبتتْ سنةُ النبي ﷺ هو مِنْ شأنِ المجتهدِ المطلقِ، أمَّا من عداه، فليس له ذلك؛ إذ قد يعملُ بحديثٍ ظاهره الصحة، لكنْ له علةٌ خفيتْ عليه - ولم تخف على مَنْ قبله؛ إذ لم يعملوا بالحديثِ - فيقع في مخالفةِ السلفِ. الدليل الثالث عشر: إذا فَرَضَ المسلمُ نفسَه بين يدي النبي ﷺ ، وقد سمعَ حديثَه، فهلْ يسعه التأخر عن العملِ بما سَمِعَ؟ ! (٤)، فكذا الحال إذا نُقِلَ إليه حديثُه ﷺ . ويمكن أنْ يناقش الدليل الثالث عشر من وجهين: الوجه الأول: أنَّ قولَ تقيِّ الدين السبكي - وهو المستدلُّ بالدليلِ -: "ليفرض المسلم نفسه بين يدي النبي ﷺ ، وقد سمع حديثه ... " (٥)، مدفوعٌ بأنَّ تركَ العلماءِ للعملِ بالحديثِ قادحٌ في صحتِه، أو دالٌّ على نسخِه. الوجه الثاني: لا تستوي حالة مَنْ سمع من النبي ﷺ مباشرةً، وحالة

стр. 1089

مَنْ نُقلَ إليه الحديثُ؛ وذلك لتطرّقِ احتمالِ غلطِ الراوي وخطئِه إلى الحالةِ الثانيةِ، دونَ الأُولى. الدليل الرابع عشر: إذا خالفَ إمامُ المذهبِ الحديثَ النبوي، فإنَّنا نأخذُ بالحديثِ النبوي؛ لأنَّ ما دلَّ عليه الحديثُ هو مذهبُ إمامنا في هذه الحالةِ، فلم نخرجْ عن التزامِ مذهبِه (١). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: إذا اختلفَ العلماءُ في مسألةٍ ما على قولين، وكان قولُ إمامِنا مخالفًا للدليلِ الذي مع القولِ الآخر - سواءٌ أكان آيةً أم حديثًا - فإنَّنا نأخذُ بقولِ إمامِنا مع مخالفتِه للدليلِ؛ لأنَّنا مأمورون بتوقيرِ العلماءِ، ونعلم أنَّ العالمَ لو تعمَّدَ مخالفةَ رسولِ الله ﷺ ، لكانَ مرتكبًا لكبيرةٍ مِن الكبائرِ، وفي براءتِه مِن ارتكابِ الكبيرةِ ما يُوجبُ أنَّه كان عنده علمٌ يُوجبُ له ترك الحديثِ، ورفع حكمِ الآيةِ، لم يكنْ عند العالمِ الذي قالَ بموافقةِ الدليلِ، وبهذا نكون قد قمنا بتوقيرِ كلا العالمين (٢). مناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من أربعة أوجه: الوجه الأول: يلزمُ مِنْ دليلِكم لازمٌ باطلٌ لا يقولُ به أحدٌ؛ إذ يلزمُ منه أنْ يأخذَ المتمذهبُ بالأقوالِ التي خالفَ أصحابُها الدليلَ؛ ليوقرَ كلا العالمين، فيقول بمنعِ الجنبِ مِن التيممِ في السفرِ؛ تقليدًا لعمرَ بنِ الخطابِ ﵁ (٣)، وبسقوطِ الكفارةِ عن الواطئِ زوجته في نهارِ رمضان؛

стр. 1090

تقليدًا لإبراهيمَ النخعي (١)، بلْ عليه أنْ يتعمدَ الأخذَ بكلِّ قولٍ خالفَ صاحبُه حديثَ النبي ﷺ ، وهذا لا يفعلُه مسلمٌ (٢). الوجه الثاني: يقتضي دليلُكم أنْ يتركَ المتمذهبُ مذهبَه فيما إذا وافقَ إمامُه الدليلَ فيه، وخالفه غيرُه مِن العلماءِ، وأنتم لا تصنعون ذلك (٣). الوجه الثالث: يلزم مِنْ دليلِكم استحقاقُ إمامِ مذهبِكم لسخطِ الله تعالى؛ لأنَّ إمامَكم في ضوءِ ما قلتُم كاتمٌ لعلمٍ عنده عن رسولِ الله ﷺ ، ويقول ﵎ متوعِّدًا مَنْ كَتَمَ علمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (٤). الوجه الرابع: القولُ بأنَّ إمامَ المذهبِ قد اطَّلعَ على الدليلِ، وخالفَه؛ لأمرٍ يقتضي المخالفةِ، قولٌ غيرُ دقيقٍ؛ فقد يكون واقعُ الأمرِ أن إمامَ المذهب لم يطَّلعْ على الحديثِ أصلًا، أو بَلَغَه فنسيه، أولم ينسه، لكنَّه لم يخَطرْ على بالِه، أو تأوّله بتأويلٍ - من تخصيصٍ أو نسخٍ - لا يصحّ وجهُه (٥)، ونحو ذلك مِن الأعذارِ التي تُخرج العالم عن

стр. 1091

ارتكابِ الكبيرةِ (١). الدليل الثاني: يقولُ إبراهيمُ النخعي عن الصحابةِ ﵃: (لو رأيتهم يتوضؤون إلى الكوعين ما تجاورتهما، وأنا أقرأُ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢)) (٣). وجه الدلالة: بيَّنَ إبراهيمُ النخعي أنَّه سيعملُ بقولِ مَنْ أدرك مِن الصحابةِ ﵃، وإنْ خالفوا نصَّ القرآنِ الكريمِ، وإذا جازَ هذا لإبراهيمَ، فمَنْ عداه كذلك. مناقشة الدليل الثاني، نوقش الدليل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أنَّ الأثرَ المذكور في دليلِكم غير ثابتٍ عن إبراهيمَ النخعي، يقولُ ابنُ حزمٍ: "هذا كذبٌ على إبراهيمَ" (٤). الوجه الثاني: لو صحَّ هذا الأثرُ عن إبراهيمَ النخعي، لكان خطأً عظيمًا منه، وليس إبراهيمُ معصومًا عن الخطأِ (٥). الوجه الثالث: عارضَ الأثرَ الذي ذكرتموه عن إبراهيمَ النخعي آثارٌ صحيحةٌ جاءتْ عن إبراهيمَ نفسِه، فتكون هي المقدَّمة؛ لصحتها (٦)، مِنْ ذلك: • قولُ إبراهيم: (لا طاعةَ مفترضة إلا لنبي) (٧).

стр. 1092

• وقالَ سعيدُ بنُ جبير (١): كان ابنُ عمرَ يدَّهنُ بالزيتِ، فذكرتُه لإبراهيمَ النخعي، فقالَ: (ما تصنع بقوله حدثني الأسود عن عائشة قالت (كأنَّي أنظر إلى وبيصِ (٢) الطيبِ في مَفْرِق (٣) رسولِ الله ﷺ ، وهو مُحْرِمٌ) (٤). يقولُ ابنُ حزمٍ معلِّقًا على قولِ إبراهيمَ: "فهذا الذي يليقُ بإبراهيمَ ﵀ وهو أنْ لا يلتفت إلى قولِ ابنِ عمرَ إذا وَجَدَ عن النبي ﷺ خلافَه" (٥). ويمكن أن يضاف وجه رابع في المناقشة: أنَّ قولَ إبراهيمَ النخعي محمولٌ على إجماعِ الصحابةِ ﵃، فإذا أجمعوا على قولٍ مخالفٍ للقرآنِ الكريم، فالمقدَّمُ هو الإجماع، ويكون ما خالفه منسوخًا. الدليل الثالث: إذا وجَدْنا الدليلَ على خلافِ قولِ إمامِ مذهبِنا، فلإمامِنا حجةٌ راجحةٌ على الدليلِ لم نطلعْ عليها، أوْ له جوابٌ عنه لم

стр. 1093

نعلمْه، فنبقى على قولِه (١)؛ لأنَّ إمامَنا قد اطّلعَ على جميعِ معاني كتابِ الله تعالى، ولم يفتْه منها شيءٌ، وعلى جميعِ سنةِ رسولِ الله ﷺ ، فلم يفتْه منها شيءٌ، فكلُّ ما خالفَ قول إمامِنا، فإنَّه قد اطّلعَ عليه، وخالفه؛ لمعارضٍ أقوى منه (٢). يقولُ أبو عيسى الوزاني (٣): "أمَّا كون المقلِّد لم يجدْ لضعفِ إمامِه مدفعًا ... فلا يُوْجِبُ انتفاءه؛ إذ قد يكون له مدفعٌ، ولا يعلمُه هذا الفقيه المقلِّد" (٤). مناقشة الدليل الثالث: الواجبُ على المتمذهبِ تقوى الله تعالى؛ قالَ الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٥)، والعملُ بما أَمَرَ به الشارعُ ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ يقولُ النبيُّ ﷺ : (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) (٦)، والذي يستطيعه المتمذهبُ مِن الفقهِ والعلمِ في المسألةِ التي

стр. 1094

وَجَدَ فيها الدليلَ على خلافِ قولِ إمامِه قد دلَّه على أنَّ ما خالف قولَ إمامه هو الراجح، فعليه اتباعه؛ لأنَّ هذا هو ما يستطيعه في تقوى الله. فإنْ تبيّنَ له فيما بَعْدُ أنَّ لهذا النصِّ معارضًا راجحًا عادَ إلى قولِ إمامِه، وكان حكمُه حكمَ المجتهدِ إذا تغيَّرَ اجتهادُه، وكان انتقالُه محمودًا؛ لأنَّه انتقالٌ لموافقةِ الحقِّ، بخلافِ إصرارِه على قولِ إمامِه إذا تَبَيّنَتْ مخالفتُه للدليلِ، فإنَّه مذمومٌ (١). ثمَّ يبطل ادِّعاؤُكم بأنَّ إمامَ المذهبِ قد أحاطَ بنصوصِ الكتابِ والسنةِ: ما جاءَ عن الأئمةِ أنفسِهم مِنْ نفيهم الإحاطة بجميعِ أحاديثِ النبي ﷺ ، فها هو الإمامُ الشافعي يقولُ: "لا نعلمُ رجلًا جمَعَ السننَ فلم يذهبْ منها عليه شيءٌ" (٢)، ويقولُ أيضًا: "قد يجهلُ الرجلُ السنةَ، فيكون له قولٌ يخالفُها" (٣). وسعةُ علمِ الإمامِ وكثرتُه لا تستلزمُ اطلاعه على جميعِ النصوصِ (٤). الدليل الرابع: إذا خالفَ قولُ إمامِ المذهبِ في مسألةٍ من المسائلِ الدليلَ النقلي مِنْ كتابٍ أو سنةٍ، فالمقدَّمُ عندنا قولُ إمامِنا؛ لأنَّه أعلمُ منا بالشرعِ وأدلتِه (٥). مناقشة الدليل الرابع: معارضتُكم الأخذ بالدليلِ النقلي كتابًا أو سنة: بأنَّ إمامَكم أعلمُ منكم، معارضةٌ فاسدةٌ؛ لأنَّ المخالفَ لإمامِكم نظيرٌ له في معرفةِ الشرع وأدلتِه، وفي معرفةِ المسألة التي وَرَدَ فيها الدليلُ بخصوصِها،

стр. 1095

وأنتم لستُم أعلم منهما (١). يقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ: "نسبةُ هؤلاءِ إلى (٢) الأئمةِ كنسب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبيّ ومعاذ ونحوهم من (٣) الأئمةِ وغيرِهم. فكما أنَّ هؤلاءِ الصحابة بعضهم لبعضٍ أكفاء في مواردِ النزاعِ، وإذا تنازعوا في شيءٍ ردّوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسولِ - وإنْ كان بعضُهم قد يكون أعلم في مواضع أخر - فكذلك موارد النزاعِ بين الأئمةِ. وقد تَرَكَ الناسُ قولَ عمرَ وابنِ مسعود في مسألةِ: (تيمم الجنب) (٤)، وأخذوا بقولِ مَنْ هو دونهما، كأبي موسى الأشعري (٥) وغيرِه؛ لما احتجَّ بالكتابِ والسنةِ ... " (٦).

стр. 1096

الدليل الخامس: إذا وجدنا حديثًا مخالفًا لقولِ إمامِنا فإنَّنا في زمننا لا نتمكن مِنْ معرفةِ صحةِ الحديثِ مِنْ عدمِها؛ لقلَّةِ باعِنا فيه، وقد سَبَقَنا إمامُنا في معرفةِ الأحاديثِ، فنبقى على قولِه (١). مناقشة الدليل الخامس: لا يستقيمُ إطلاق دليلِكم في كلِّ زمنٍ وفي كلِّ قُطْرٍ، بلْ لو فُرِضَ أنَّ أهلَ العلمِ في قُطْرٍ ما وفي زمنٍ ما لم يتمكنوا مِنْ معرفةِ صحةِ الحديثِ، فإنَّ هذا لا يكون في كلِّ الأقطار في زمنهم، فدليلكم إنَّما يستقيمُ لو لم تدوَّنْ علوا الحديثِ وأسانيد السنةِ، ولم يَحْكُمْ عليها أئمةُ المحدثين، وهي بحمد الله مدوَّنةٌ، ومشروحةٌ، ومعتنى بها (٢). الدليل السادس: أنَّ في تركِ المتمذهبِ قولَ إمامه واتباعِه للحديثِ تشويشًا على العامةِ، إذا كانوا لا يعرفون غيرَ قولِ إمامِهم، وفتحًا لبابِ القيل والقال، وإذا كانت المسألةُ اجتهاديةً، فيخفف فيها بجوازِ البقاءِ على قولِ الإمامِ (٣)، وقد تَرَكَ النبيُّ ﷺ بناءَ الكعبةِ على قواعد إبراهيمَ ﷺ ؛ لأنَّ القومَ كانوا حدثاء عهدٍ بالكفرِ؛ خشيةَ وقوع فتنة بين بعضِ المسلمين (٤). ويمكن أنْ يناقشَ الدليل السادس: بأنَّ للمتمذهبِ الأخذَ بالدليلِ دونَ دعوةِ الناسِ إلى قولِه؛ لئلا يترتبَ عليه فتنةٌ حالَ الخشية مِن وقوعِها، وبإمكانِه أنْ يخرِّجَ مدلولَ الحديثِ على أصولِ مذهبِه أو فروعِه (٥)، ثمَّ ما

стр. 1097

ذكرتموه حالةٌ جزئيةٌ خاصةٌ، لا يستقيم أنْ نُعمّمَ الحكمَ بسببِها. الدليل السابع: أنَّ في مخالفةِ المتمذهبِ قول إمامِه، وانتصارِه لرأي مقابلِه إساءةَ أدبٍ معه (١). ويمكن مناقشة الدليل السابع: بأنَّه دليلٌ ظاهرُ الضعفِ، فليس في تركِ قولِ إمامِ المذهب إساءةُ أدبٍ أصلًا، ثمَّ كيفَ يُقالُ: إنَّ في مخالفتِه إساءةَ أدبٍ، والمخالفُ إنَّما خالفَ قولَ إمامِه؛ لقولِ النبي ﷺ ؟ ! أفلا قالَ: إنَّ في تركِ الحديثِ النبوي إساءةَ أدبٍ مَعَ النبي ﷺ ، مع العلمِ أنَّ الأئمةَ أمروا بتركِ أقوالِهم إن خالفتْ حديثَ النبي ﷺ . الدليل الثامن: إذا عذرتم إمامَ المذهبِ في تركِ العملِ بالحديثِ، وخطئه في قولِه، بلْ قلتُم: له أجرٌ واحدٌ؛ لاجتهادِه، فيلزمكم أنْ تعذرونا في الخطأِ، وتقولوا: إنَّ لنا أجرًا واحدًا إذا أخذنا بقولِ إمامِنا؛ لأنَّنا اتّبعنا مَنْ حكمتم عليه بهذا الحكمِ (٢). مناقشة الدليل الثامن: أجابَ عن الدليلِ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي، فقالَ: "إنَّ إمامَ المذهبِ الذي قلَّدوه بَذَلَ جهدَه في تعلُّمِ كتابِ الله وسنةِ رسوله وأقوالِ الصحابةِ وفتاويهم ... ومَنْ كان هذا شأنه، فهو جديرٌ بالعُذرِ في خطئِه، والأجرِ في اجتهادِه. أمَّا مقلِّدوه، فقد تَرَكُوا النظرَ في كتاب الله وسنةِ رسولِه، وأعرضوا عن تعلمهما إعراضًا كليًا مع يسرِه وسهولتِه، ونزَّلوا أقوالَ الرجالِ الذين يخطئون ويصيبون منزلةَ الوحي المنزَّل مِن لله، فأينَ هؤلاءِ مِنْ الأئمةِ الذين قلَّدوهم؟ !

стр. 1098

وهذا الفرقُ العظيمُ بينهم، وبينهم يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّهم ليسوا مأجورين في الخطأِ في تقليدٍ أعمى ... وليسوا معذورين؛ لأنَّهم تركوا ما يلزمهم تعلمه مِنْ أمرِ الله ونهيه على ضوءِ وحيه المنزّلِ" (١). أدلةُ أصحابِ القولِ الثالث: يمكنُ لأصحابِ القولِ الثالثِ أنْ يستدلوا لتقديمِ الحديثِ النبوي على قولِ إمامِ المذهبِ في الحالةِ التي حددوها بأدلةِ أصحابِ القولِ الأولِ. أمَّا قولهم: يقدّم قول الإمامِ عند عدمِ عملِ أحدٍ من المجتهدين بالحديثِ: فلم أقفْ لهم على دليلٍ لهذه الحالة، لكنَّ تقيَّ الدين السبكي وجَّه قولَهم، فقال: "لأنَّ ذلك - أيْ: أن لا يجدَ المتمذهب أحدًا عمل بالحديثِ - إنَّما يكون حيثُ يكون إجماعٌ" (٢). ولابنِ رجبٍ كلامُ يصحُّ لي أنْ أجعلَه دليلًا لهم: أنَّ في اتفاق السلفِ على تركِ العملِ بالحديثِ دليلًا على علمِهم بما يُوجبُ تركَه (٣). وقد أجاب تقيُّ الدين السبكي نفسُه على ما قد يكون مستندًا لهم، فقالَ: "لكن قد يفرضُ في مسألةٍ لا نقلَ فيها عن غيرِ الشافعي" (٤). وفي موضعٍ آخر أفادَ تقيُّ الدين بأنَّه "ليس في الأحاديثِ الصحيحةِ ما أجمعَ العلماءُ على تركِه" (٥).

стр. 1099

• الموازنة والترجيح: بعد النظرِ في المسألةِ وما فيها من أقوال وأدلة، يظهرُ لي الآتي: أولًا: القولُ بتقديمِ قولِ إمامِ المذهبِ مطلقًا - كما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني - قولٌ ضعيفٌ، وذلكَ لضعفِ أدلتِهم، ولقوةِ أدلةِ مخالفيهم. ثانيًا: إنْ كان قولُ الإمامِ - أو ما استقرَّ عليه المذهبُ - مخالفًا للحديثِ مخالفةً صريحةً، فهنا ثلاثُ حالات: الحالة الأولى: أنْ يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ مذهبٌ مِن المذاهبِ المتبوعةِ. فهنا يتّبعُ المتمذهبُ الحديثَ؛ لأنَّه خَرَجَ عن الأخذِ بقولِ إمامِه إلى الأخذِ بقولِ إمامِ آخر. الحالة الثانية: أنْ يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ بعضُ السلفِ، دونَ بقيةِ المذاهبِ المتبوعةِ، فهنا: * إنْ ثَبَتَ القولُ عن قائلِه: فللمتمذهبِ الأخذُ بالحديثِ، وله الأخذُ بمذهبِ إمامِه؛ لأنَّ الغالب أنْ لا تتفقَ المذاهبُ على تركِ القولِ الراجح - إلا في القليلِ النادرِ - ولذا فينبغي أنْ لا يُقْدِم المتمذهبُ على الأَخذِ بالحديثِ إلا بعد مزيدِ نظرٍ وتأمّلٍ، وجمعٍ لأطرافِ المسألةِ، وليس في هذا تقليلٌ مِنْ شأنِ الحديثِ النبوي، بلْ حرصٌ على أنْ لا يقعَ المتمذهبُ في العمل بحديثٍ تَرَكَه أجلةُ الأئمةِ؛ لعلّةٍ خفيت على المتمذهبِ. * وإنْ لم ثبت القولُ عن قائلِه - أو شكّ في ثبوتِه - فليس له الأخذُ بالحديثِ؛ لأنَّ تركَ الأئمةِ وعلماء السلفِ له قادحٌ في ثبوتِه، أو دالٌّ على نسخِه. الحالة الثالثة: أنْ لا يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ أحدٌ مِنْ أهلِ العلمِ المعتد بهم.

стр. 1100

فليس للمتمذهب الأخذُ بالحديثِ؛ لأنَّ تركَ الأئمة وعلماء السلف له قادحٌ في ثبوتِه، أو دالٌّ على نسخِه. ثالثًا: يحسنُ التنبيه على الأمور الآتية: الأمر الأول: لا بُدَّ مِنْ ثبوتِ الحديثِ وصحتِه، والاهتمام بهذا؛ إذ تُعَدّ صحةُ الحديثِ اللبنة الأُولى للعملِ به، وبناءً عليه، لا بُدَّ من التريثِ والانتباهِ لتصحيحاتِ مَنْ عُرِفَ بالتساهلِ في تصحيحِ الأحاديثِ. الأمر الثاني: يتعيّنُ الانتباه إلى أنَّ هناك بعضَ الأحاديثِ التي ظاهرُ إسنادِها الصحة، ولكنْ أعلَّها متقدمو المحدثين، ثمَّ صححها بعضُ مَنْ جاءَ بعدهم؛ لظاهرِ السندِ، ففي هذه الحالة تُقدّمُ أحكام متقدمي المحدثين على متأخريهم؛ إذ لا تمكن التسوية بين حكمِ البخاري أو مسلمٍ أو الإمام أحمد على حديثٍ، وحكم مَنْ جاءَ بعدهم بقرون ولا سيما ممَّنْ عُرِفَ بالتساهلِ في التصحيحِ. الأمر الثالث: ضرورةُ الانتباه إلى درجةِ الزيادةِ التي تجيءُ في بعضِ الأحاديثِ، ولا سيما الزيادة التي يترتب عليها ترجيحٌ بين قولين؛ فليستْ كلُّ الزياداتِ مقبولةً، هذا من جهة. ومن جهة أخرى: هناك من المحدثين من يتساهلُ في قبولِ زيادةِ الثقةِ، وهذا يدعو إلى ضرورةِ التثبت في قبولِ تصحيحه لها. الأمر الرابع: التثبت في الأحاديثِ الخارجةِ عن دواوينِ السنةِ المعروفةِ؛ لكثرةِ الأحاديثِ الغريبةِ والمعلَّةِ فيها، يقولُ أبو شامةَ المقدسي: "متى رأيتَ حديثًا خارجًا عن دواوين الإسلامِ - كالموطأ ومسندِ أحمدَ والصحيحين وسننِ أبي داود والترمذي والنسائي ونحوها ... - فانظرْ فيه: فإنْ كانَ له نظيرٌ في الصحاحِ أو الحسانِ، قَرُبَ أمرُه. وإنْ رأيتَه يُباين الأصولَ وارتبتَ فيه، فتأمّلْ رجالَ إسنادِه، واعتبرْ

стр. 1101

أحوالَهم مِن الكتبِ المصنفةِ في ذلك، وأصعب الأحوال أنْ يكونَ رجالُ الإسنادِ كلُّهم ثقاتٌ، ويكون متنُ الحديثِ موضوعًا عليهم أو مقلوبًا، أو جرى فيه تدليسٌ، ولا يَعْرِفُ هذا إلا النّقادُ مِنْ علماءِ الحديثِ، فإنْ كنتَ مِنْ أهله، وإلا سلْ عنه أهله" (١). الأمر الخامس: إنْ كانَ إمامُ المذهب مِنْ أئمةِ الحديثِ، وعَلِمَ بالحديثِ، ثمَّ تَرَكَه، فيظهرُ لي أنَّ للمتمذهبِ تركَ العمل بالحديثِ، إن اطمأنتْ نفسُه؛ إذ الظاهرُ أنَّ إمامَه لم يتركْه إلا لعلةٍ مِنْ ضعفٍ أو مخالفةِ ما هو أقوى منه أو نسخٍ، ولا يدلُّ أخذُ المتمذهبِ بقولِ إمامِه على الإعراضِ عن السنةِ الصحيحةِ؛ لأنَّه لم يترك الحديثَ إلا لرجحانِ ضعفِه، تمامًا كما يتركُ المتمذهبُ الحديثَ الذي نصَّ أحدُ أئمةِ الحديثِ على ضعفِه. رابعًا: يُلحقُ بهذه المسألةِ ما إذا نَظَرَ المتمذهبُ في مسألةٍ، وجَمَعَ أدلتها، وما قيلَ فيها، وترجّحَ عنده خلافُ قولِ إمامِه (٢). * * *

стр. 1102

التَّمَذْهُب دِرَاسَة نظريَّة نَقديَّة تأليف الدكتور خالد بن مساعد بن محمد الرُّوَيتِع عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المجلد الثالث دار التَّدْمُرِيَّة

стр. 1103

المبحث الثاني: عمل المتمذهب عند تعدد أقوال إمامه في مسألة واحدة وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم تعدد أقوال إمام المذهب المطلب الثاني: الترجيح بين أقوال إمام المذهب

стр. 1104

توطئة تُعدُّ أقوالُ إمامِ المذهبِ مِنْ أهمِّ الأمورِ التي تقومُ عليها حقيقةُ التمذهبِ، والأصلُ أن يكونَ قولُ إمامِ المذهبِ معلومًا عند أربابِ مذهبِه؛ ليصحَّ منهم الالتزامُ به، لكن قد يقفُ المتمذهبُ في بعضِ المسائلِ الفقهيةِ، أو الأصوليةِ على أكثر مِنْ قولٍ لإمامِه في المسألةِ الواحدةِ، فما الذي يصنعه المتمذهبُ في هذه الحالةِ؟ وقبلَ هذا، ما حكمُ تعدد أقوالِ إمامِ المذهبِ في المسألةِ الواحدةِ؟ لقد اهتمَّ الأصوليون منذ وقتٍ مبكرٍ بالحديثِ عن مسألةِ: (تعدد الأقوال لإمامِ المذهبِ)، فأوضحوا حكمَها، وما المرجَّح منها الذي تصحُّ نسبة القول به إليه، وقد نظمت عقد هذا المبحث في مطلبين: المطلب الأول: حكم تعدد أقوال إمام المذهب إنَّ اختلافَ أقوالِ إمام المذهبِ في المسألةِ الواحدةِ دليلٌ على إخلاصِه في طلبِ الصوابِ (١)، ويحسنُ التمهيد لهذا المطلبِ ببيانِ بعضِ الأمورِ التي هي محلُّ اتفاقٍ بين الأصوليين: أولًا: لا خلافَ بين العلماء في صحةِ اعتقادِ إمامِ المذهبِ الوجوب والتحريم معًا في مسألتين مختلفتين، كاعتقادِ وجوبِ الصلاةِ، واعتقادِ تحريمِ الخمرِ (٢).

стр. 1105

ثانيًا: لا خلافَ بين العلماءِ في صحةِ اعتقادِ إمامِ المذهبِ الوجوب والتحريم معًا في مسألةٍ واحدةٍ، لكنْ بالنسبةِ إلى حكمينِ مختلفينِ لا منافاةَ بينهما، كاعتقادِ تحريمِ الخمرِ، واعتقادِ وجوبِ إقامةِ الحدِّ فيها (١). ثالثًا: لا خلافَ بين العلماءِ في صحةِ اعتقادِ وجوبِ فعلين متضادين على سبيلِ البدلِ، كوجوبِ غسلِ الرجلين، ووجوبِ مسحهما (٢). رابعًا: لا خلافَ بين العلماء في صحةِ اعتقادِ وجوبِ فعلين غير متضادين، كخصالِ كفارةِ اليمين (٣). لكنْ ما حكمُ تعدد أقوالِ إمامِ المذهبِ، بحيثُ يكون له قولانِ أو أكثر، متنافيان في المسألةِ الواحدةِ؟ سأوضح حكمَ هذه المسألة في ضوءِ الآتي: لا يخلو حالُ إمامِ المذهبِ الذي نُقِلَ عنه قولانِ متنافيانِ في مسألةٍ واحدةٍ من القسمين الآتيين: القسم الأول: أنْ يقولَ إمامُ المذهبِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ، في وقتٍ واحدٍ. القسم الثاني: أنْ يقولَ إمامُ المذهب بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ، في وقتين. القسم الأول: أنْ يقولَ إمامُ المذهبِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ، في وقتٍ واحدٍ. إذا نُقِل عن إمامِ المذهب قولانِ متنافيانِ في مسألةٍ واحدةٍ، كأنْ يقولَ: في المسألةِ قولانِ؟ أو يذكر قولينِ متنافيينِ مِنْ غيرِ ترجيحٍ بينهما (٤)، فما الحكم في هذا القسم؟

стр. 1106

لا يجوزُ عقلًا أنْ يعتقدَ أمامُ المذهبِ قولينِ مختلفينِ في وقتٍ واحدٍ، فلا يصحُّ أنْ يعتقدَ أنَّ حكمَ الفعلِ التحريم في وقتٍ معيّنٍ، ومكانٍ معيّنٍ، على وجهٍ معيّنٍ، ويعتقدَ أيضًا أنَّ هذا الفعلَ مباحٌ (١). يقولُ القاضي أبو يعلى: "لا يجوزُ أنْ يُقْالَ في الحادثةِ الواحدةِ بقولين في وقتٍ واحدٍ" (٢). وقد نَسَبَ أبو الخطاب (٣)، وابنُ مفلحٍ (٤)، وابنُ أمير الحاج (٥) القولَ بعدمِ الجوازِ إلى عامّةِ العلماءِ. ونَسَبَه محمد الأسمندي (٦)، والموفقُ بنُ قدامة (٧) إلى عامّةِ الفقهاءِ. بل الظاهر أنَّ هذا الأمرَ محلُّ اتفاقٍ بين الأصوليين القائلين بأنَّ المصيبَ مِن المجتهدين واحد (٨)؛ إذ حكى الإجماعَ عليه أبو إسحاقَ الشيرازي، فقالَ: "إنْ أردتم أنَّه لا يجوزُ أنْ يعتقدَ قولين متضادين على سبيلِ الجمعِ، مثل: أنْ يقولَ: هذا الشيءُ حلالٌ وحرامٌ، فهذا لا يجوزُ بالإجماعِ، ولا يقولُ به أحدٌ" (٩). وتبع صدرُ الدين السلمي أبا إسحاقَ الشيرازي في حكايةِ الإجماعِ (١٠). لكنْ جاءَ عن الإمامِ الشافعي ذكرُ قولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ -

стр. 1107

كما سيأتي التمثيل له بعدَ قليلٍ (١) - فهلْ يُعكرُ ما جاءَ عن الإمامِ الشافعي على الإجماعِ المحكي؟ وهلْ يمكن أنْ يكونَ قصدُ الإمامِ الشافعي أنَّ له في المسألةِ قولينِ مختلفينِ؟ الظاهرُ لي أنَّ الإمامَ الشافعي لا يقصدُ بذلك أنَّ له في المسألةِ قولين مختلفينِ، وبناءً عليه تصفو حكايةُ الإجماعِ التي أشرتُ إليها آنفًا؛ ويدلُّ على هذا الأمورُ الآتيةُ: الأمر الأول: تواردُ كلمةِ الأصوليين على المنعِ مِنْ قولِ المجتهدِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ (٢). الأمر الثاني: أنَّ قولَ إمامِ المذهبِ بقولين مختلفين في وقتٍ واحدٍ ممتنعٌ عقلًا؛ لأنَّه تناقض (٣)، فكيفَ يعتقدُ الشيءَ حلالًا حرامًا؟ ! (٤)، ويستحيل أنْ يكونَ القولان مرادين للقائلِ (٥). يقولُ الآمديُّ: "أنْ يكون ذلك - أيْ: ما نقل عن الإمام الشافعي مِنْ

стр. 1108

قولِه: فيه قولان - بمعنى: اعتقادِه للقولينِ، وهو محالٌ" (١). ويقولُ شهابُ الدّينِ القرافي: "أمَّا أنَّه - قول الإمام الشافعي: فيه قولان - جازمٌ بهما، فمحالٌ ضرورةً" (٢). الأمر الثالث: تأويلُ علماءِ الشافعيةِ لما جاءَ عن الإمامِ الشافعي مِنْ قولِه في مسألةٍ واحدةٍ: فيها قولان، ولولا قناعتُهم بامتناعِ قولِ إمامِهم في مسألةٍ واحدةٍ بقولين مختلفين، لما سارعوا إلى تأويلِ ما جاءَ عن إمامِهم، وبيانِ مرادِه به (٣). وقد نَقَلَ بدرُ الدّينِ الزركشيُّ عن ابنِ كجٍّ (٤)، وابنِ فورك (٥) قولَهما أنَّ

стр. 1109

المستَنْكَرَ اعتقادُ القولين معًا في حالة واحدة، كما يستحيلُ كون الشيءِ على ضدين مِن الحدوثِ والقِدَمِ؛ ومعلومٌ أنَّ الإمامَ الشافعي لا يريدُ هذا، ولقولِه مخارج، ثمَّ ساقوا عددًا منها (١). الأمر الرابع: لم يقل الإمامُ الشافعي، ولم يُنقلْ عنه أنَّه قال في مسألةٍ واحدةٍ: لي فيها قولانِ، بل الثابتُ عنه أنَّه يقولُ: في المسألةِ قولانِ، ونحو هذه العبارة (٢)، وفرقٌ بين العبارتين. وقد نَسَبَ مجدُ الدين بنُ تيمية وغيرُه إلى الإمامِ الشافعي القولَ بجوازِ أنْ يقولَ المجتهدُ في شيءٍ واحدٍ ووقتٍ واحدٍ بقولين مختلفين (٣). ويظهرُ لي أنَّ نسبةَ هذا القول إلى الإمامِ الشافعي لا تخلو مِنْ نظرٍ ظاهرٍ؛ إذ لم يصرِّح الإمامُ الشافعي بجوازِ قولِ المجتهدِ في مسألةٍ واحدةٍ بقولين مختلفين، وإنَّما قال في بعض المسائل: إنَّ فيها قولين، وهذه العبارةُ محتملةٌ، فلا يصحُّ أنْ يُنسبَ إلى الشافعي أمرٌ محالٌ. وقد ذَكَرَ بعضُ الأصوليين أدلةً دالةً على منعِ قولِ إمامِ المذهبِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ الصحابةَ ﵃ تكلموا في الفقهِ، وكثرت المسائلُ المنقولةُ عنهم، ولم يُحكَ عن واحدٍ منهم أنَّه قالَ في مسألةٍ واحدةٍ: فيها قولانِ.

стр. 1110

فمَنْ قال في مسألةٍ واحدةٍ: فيها قولانِ، فقد خالفَ الإجماعَ (١). مناقشة الدليل الأول: لا نُسلّمُ انعقادَ إجماعِ الصحابةِ ﵃ على المنعِ مِنْ قولِ: فيها قولان، في مسألةٍ واحدةٍ؛ إذ اتفاقهم على تركِ العبارةِ السابقةِ، لا يدلُّ على منعِها؛ إذ هم لم يصرحوا بالمنعِ (٢). الدليل الثاني: أنَّ قولَ القائلِ بقولين متنافيين محالٌ عقلًا، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا قبل قليلٍ. الدليل الثالث: لا يخلو أمرُ القولين اللذين قالهما إمامُ المذهبِ في وقتٍ واحدٍ مِنْ ثلاثةِ أحوال: إمَّا أنْ يكونا صحيحين، وإمَّا أنْ يكونا فاسدين، وإمَّا أنْ يكون أحدُهما صحيحًا والآخرُ فاسدًا. فالأول - أن يكون القولانِ صحيحينِ -: غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ الشيءَ الواحدَ لا يجوزُ أنْ يكونَ حلالًا حرامًا؛ لأنَّ الحقَّ واحدٌ، والضدانِ لا يجتمعانِ. والثاني - أنْ يكونَ القولانِ فاسدين -: غيرُ جائزٍ أيضًا؛ لأنَّهما لو كانا عند القائلِ فاسدين لما حكاهما، ولَوَجَبَ عليه أنْ يبيّنَ وجه فسادِهما، فالقولُ بهما حرامٌ. والثالث - أنْ يكونَ أحدُ القولين صحيحًا والآخر فاسدًا -: غيرُ جائرٍ؛ لأنَّه لو كانَ الأمرُ كذلك لبيَّنَ إمامُ المذهبِ أمرَه، أو رجّحه بنوعٍ مِنْ أنواعِ الترجيحِ (٣)، ثمَّ لا يخلو حال المتكلمِ مِنْ أحدِ أمرين: إمَّا أنْ يعلمَ أنَّ أحدَ القولين صحيحٌ، وإمَّا أنْ لا يعلمَ ذلك.

стр. 1111

فإنْ عَلِمَ أنَّ أحدَ القولين صحيحٌ، فلا يحلُّ له أنْ يكتمَه؛ للوعيدِ الشديدِ على كتمِ العلمِ؛ كما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: (مَنْ سُئِلَ عن علمْ، فكتمه، ألجمه الله بلجامٍ (١) من نارٍ يومَ القيامةِ) (٢).

стр. 1112

وكيفَ يقولُ قولًا فاسدًا يلبِّس فيه على الناسِ؟ ! وإنْ كان يجهلُ صحةَ القولينِ، فلا يحلُّ له أنْ يحكيَهما؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١). وهو في هذه الحالِ غيرُ عالمٍ بحكمِ المسألةِ، فليسَ له قولٌ أصلًا، فكيفَ يُقالُ: له فيها قولانِ؟ ! فلم يبقَ إلا أنَّ القولَ بالقولينِ باطلٌ (٢). الدليل الرابع: قياسُ أقوالِ إمامِ المذهبِ على نصوصِ الشارعِ، فكما أنَّه لا يمكنُ للشارعِ أنْ يقولَ في مسألةٍ واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ قولين متنافيين، فكذلك إمامُ المذهبِ لا يجوزُ له ذلك؛ لأنَّه تناقضٌ (٣). ويتصلُ بالقسمِ الأول (أنْ يقولَ إمامُ المذهبِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ، في وقتٍ واحدٍ) الإشارةُ إلى ما ذَكَرَه علماءُ الشافعيةِ في الجوابِ عمَّا نُقِلَ عن الإمام الشافعي مِنْ قولِه في بعضِ المسائل: فيها قولانِ، فقد ذكروا أجوبةً متعددةً، وأفاضوا في ذكرِها، وردُّوا الاعتراضات الواردة عليهم (٤)، ولم يخلُ الحديثُ في المسألةِ من الوقيعةِ في بعضِ

стр. 1113

الأئمةِ، وكان الواجبُ عدمَ الوقوعِ في مثلِ هذا المزلق (١). وسأشيرُ إلى بعضِ الأجوبةِ دونَ توسّعٍ، وسأقتصرُ على أجوبتِهم عمَّا قال عنه الإمامُ الشافعي: فيها قولان (٢)، ولنْ أذكرَ أجوبتَهم عما نُقِل فيه

стр. 1114

عن الإمام الشافعي جوابانِ في وقتين؛ لأنَّه خارجٌ عن القسمِ الذي أتحدثُ عنه، هذا من جهةٍ، ولعدمِ الإشكالِ فيه مِن جهةٍ أخرى. ويحسنُ قبلَ ذكرِ أجوبةِ علماءِ المذهبِ الشافعي إيرادُ مثالينِ لما جاءَ عن الإمامِ الشافعي: المثال الأول: يقولُ الإمامُ الشافعي: "وإذا غَسَلَهنَّ - أيْ: نجاسة الكلب والخنزير - سبعًا جَعَلَ أولهن، أو آخرهن ترابًا، لا يَطْهُر إلا بذلك، فإنْ كانَ في بحرٍ لا يَجدُ فيه ترابًا، فغسله بما يقومُ مقامَ الترابِ في التنظيفِ من أُشْنَانٍ، أو نُخَالةٍ (١)، أو بما أشبهه: ففيه قولان: أحدهما، لا يطْهُرُ إلا بأنْ يماسّه الترابُ. والآخر: يطهرُ بما يكون خَلَفًا مِن الترابِ، وأنظف منه، ممَّا وَصَفْتُ" (٢). المثال الثاني: يقولُ الإمامُ الشافعي: "فإنْ خَطَبَ - أيْ: خطبة الجمعة - بأربعين، ثمَّ كبَّر بهم، ثمَّ انفضوا مِنْ حولِه، ففيها قولان: أحدهما: إنْ بقي معه اثنان حتى تكون صلاتُه صلاةَ جماعةٍ تامّةٍ، فصلى الجمعةَ: أجزأته ... والقول الآخر: أنَّها لا تجزؤه بحالٍ حتى يكون معه أربعون (٣) حين يدخل، ويكمل بهم الصلاة ... " (٤). أجوبة علماء الشافعية عمَّا جاءَ عن الإمامِ الشافعي: مِن الأجوبةِ التي ذكرها علماءُ الشافعيةِ: الجواب الأول: أنْ يكونَ ذكرُ الإمامِ الشافعيّ للقولين المختلفين على

стр. 1115

سبيلِ التخييرِ بينهما، دونَ الجمعِ، لا أنَّه (١) اعتقدَ كلَّ واحدٍ منهما كما اعتقدَ الآخرَ، وثَبَتَ عنده أحدُهما كما ثَبَتَ عنده الآخرُ (٢). وممَّنْ أيَّدَ هذا الجوابَ: القاضي عبد الجبار المعتزلي (٣)، والقاضي أبو بكرٍ الباقلاني (٤)، وأبو حامدٍ الغزالي (٥)، وشهابُ الدينِ القرافي (٦)، وأبو علي الشوشاوي (٧). وقد اعترضَ إمامُ الحرمين على هذا الجواب، فقالَ: "هذا الذي قاله - أي: القاضي الباقلاني - غيرُ سديدٍ؛ فإنَّ الصحيحَ مِنْ مذهبِ الشافعي أنَّ المصيبَ واحدٌ" (٨).

стр. 1116

ومِنْ جهةٍ أخرى: لو صحَّ ما ذكروه في الجوابِ الأولِ لما كانَ للإمامِ الشافعي قولانِ، بلْ قولٌ واحدٌ، وهو التخييرُ (١). الجواب الثاني: أنَّ الإمامَ الشافعيَّ نَظَرَ في المسألةِ، ثمَّ توصَّلَ إلى أنَّ الحكمَ فيها أحدُ هذين القولين، وقَطَعَ بفسادِ ما عداهما مِن الأقوالِ، لكنَّه لا يعلم أيَّ القولين هو الراجح؛ لتعارضِ الأدلةِ مثلًا، فيجوزُ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ مِن القولين هو حُكم المسألةِ (٢). ولم يرتضِ إمامُ الحرمين الجويني هذا الجواب؛ لأنَّ مَنْ تدبَّر أصولَ الإمامِ الشافعي عَرَفَ أنَّه لا يقطعُ بتخطئة غيرِه مِن العلماءِ في المسائلِ الاجتهاديةِ (٣)، الجواب الثالث: أنْ يكونَ قصدُ الإمامِ الشافعي مِن القولين الدلالةَ على أنَّ لكلِّ منهما وجهًا في الاجتهادِ، لكنَّه لا يقطعُ بواحدٍ منهما (٤)، فهو متوقفٌ ومترددٌ في المسألةِ (٥).

стр. 1117

يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: "وهذا - أيْ: ما جاءَ عن الإمامِ الشافعي - لا يدلُّ إلا على غزارةِ العلم وقوةِ الفقهِ، وأنَّ الأصولَ تزاحمتْ عنده، والأشباه ترادفتْ حتى أَوْجَبَ ذلَك توقُّفًا في حكمِ الحادثةِ" (١). ويقولُ إمامُ الحرمين الجويني: "فالسديدُ إذًا أنْ نقولَ في القسمِ الأخيرِ الذي ختمنا الكلامَ به، وهو أنْ ينصَّ على قولينِ في الجديد، ولا يختارُ أحدَهما: إنَّه ليس له في المسألةِ قولٌ ولا مذهبٌ، وإنَّما ذَكَرَ القولين؛ ليُتَرَدَّد فيهما، وعدمُ اختيارِه لأحدِهما لا يكون ذلك خطأٌ منه، بلْ علو رتبةِ الرجلِ، وتوسعِه في العلمِ" (٢). ورجَّحَ الجوابَ الثالثَ جمعٌ مِنْ علماءِ الشافعيةِ ومحققيهم، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (٣)، والفخرُ الرازي (٤)، وتاجُ الدين الأرموي (٥)، وسراجُ الدين الأرموي (٦)، والقاضي البيضاوي (٧)، وصفيُّ الدين الهندي (٨)، وتاجُ الدين بن السبكي (٩)، وبدرُ الدين الزركشي (١٠). فإنْ قالَ قائلٌ: لا يصحُّ القولُ بناءً على هذا الجوابِ: إنَّ للإمامِ الشافعي في المسألةِ قولين، فليس له قولٌ أصلًا (١١). فالجوابُ: ما ذكره إمامُ الحرمين الجويني، فقالَ: "هكذا نقولُ - أيْ:

стр. 1118

ليس للشافعي قولٌ - ولا نتحاشى منه، وإنَّما وَجْه الإضافةِ إلى الشافعي ذِكْرُه لهما، واستقصاؤه وجوهَ الأشباه فيهما" (١). ومنهم مَنْ علَّلَ إضافةَ القولين إليه بأنَّ المسألةَ تحتملُ قولين عنده (٢). الجواب الرابع: أنْ يكونَ مقصدُ الإمامِ الشافعي بذكرِ القولينِ حكايتَهما عن غيرِه مِن المجتهدين (٣)، ولا تُوجبُ الحكايةُ أنْ يكونا قولين له؛ لأنَّ الحاكي مخبرٌ عن معتقدِ غيرِه، كحالِ مَنْ حكى الكفرَ لا يصيرُ كافرًا (٤). وضعَّفَ الجوابَ الرابعَ بعضُ الأصوليين، كأبي الحسين البصري (٥)، وإمامِ الحرمين الجويني (٦)؛ لأنَّ الإمامَ الشافعي أضافَ القولين إلى اجتهادِه، ولا تسوغُ معه حكايةُ القولين (٧). ومِنْ جهةٍ أخرى: فقد يجعلُ الإمامُ الشافعي المسألةَ على قولين في صورةٍ لا يُؤْثَر فيها عن العلماءِ قبله قولٌ على التنصيصِ (٨). ويظهرُ لي أنَّ أقربَ هذه الأجوبة هو الجواب الثالث، مع كونِ بعضِها متجهةٌ أيضًا، وقد يكون لكلِّ مسألةٍ أجابَ فيها الإمامُ الشافعيَّ جوابُها الذي يناسبُها، وذلك بالنظرِ إلى القرائنِ والسياقِ.

стр. 1119

ولمَّا اعترضَ بعضُ علماءِ الحنابلةِ على علماءِ الشافعيةِ فيما جاءَ عن الإمامِ الشافعي مِن حكايةِ القولينِ، أورد بعضُ الشافعيةِ على الحنابلةِ إيرادًا، وهو أنَّ الإمامَ أحمدَ صنَعَ مثلما صنَعَ الإمامُ الشافعي، فحكى قولينِ مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ (١)، وأمر آخر، وهو: أنَّ تعددَ الرواياتِ عن الإمامِ أحمدَ كتعددِ القولينِ عن الإمامِ الشافعي (٢). فهلْ يتوجه هذا الإيرادُ على الحنابلةِ؟ قبلَ ذكرِ أجوبةِ الحنابلة عمَّا نسبه الشافعيةُ إلى الإمامِ أحمدَ، سأورد مثالين لما جاءَ عن الإمامِ أحمدَ: المثال الأول: جاءَ في: (مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح) (٣) أنَّ صالحًا سألَ الإمامَ أحمدَ عن رجلٍ ماتتْ امرأتُه: "هل يجوزُ له أنْ ينظرَ إلى شيءٍ مِنْ محاسنِها، ويدخلها القبر؟ فأجابَ: الناسُ يختلفون في هذا، وقد رُوي عن عمر أنَّه قال في امرأتِه لما توفيتْ فقال لأوليائها: أنتم أحقُّ بها (٤)، وروي عن أبي بكرة أنَّه وَاثبَ إخوة امرأتِه حتى أدخلها القبرَ" (٥). المثال الثاني: جاءَ في: (مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود) (٦): "قلتُ لأحمدَ: البكرُ إذا استحيضت؟ قال: عندنا فيه قولان: قولٌ أنْ تقعدَ أدنى الحيضِ، ثمَّ تغتسل وتصوم وتصلي، أو تقعد أكثر حِيَض النساءِ ستًا أو سبعًا، فإذا عَرَفَتْ أيامَها، واستقامتْ عليه، قضتْ ما كانتْ صامتْ في هذه الأيامِ، دونَ أيامِ حيضِها".

стр. 1120

أجوبة علماء الحنابلة عمَّا نسبه الشافعيةُ إلى الإمام أحمدِ: أجابَ الحنابلةُ عمَّا نَسَبَه الشافعيةُ إلى الإمامِ أحمدِ بعدّةِ أجوبةٍ، منها: الجواب الأول: أنَّ إجابةَ الإمامِ أحمدَ بالاختلافِ تَخْرُجُ حسبَ ما تحتمله مسألةُ السائلِ، فكلُّ جواباته واردةٌ على سؤالٍ، ولم يقعْ منه جوابٌ بالاختلافِ ابتداءً مِنْ أجلِ قصدِ بيانِ مذهبِه (١). الجواب الثاني: أنَّ عامّةَ أجوبةِ الإمام أحمد التي أجابَ فيها بالاختلافِ تجدُ أنَّها إذا اقتضى السؤالُ جوابًا بالبيانِ عن الإصابةِ، فإنَّ الإمامَ أحمدَ يبيّنُ ويرجِّحُ، بلْ يحتجُّ أيضًا (٢). يقولُ القاضي أبو يعلى: "أحمدُ ﵀ لم يُطلق القولين حتى يُنْبِئ عن اختيارِه، والصحيحِ منهما" (٣). الجواب الثالث: أنَّ لجواب الإمام أحمدَ باختلافِ الصحابةِ ﵃ فائدةً لا غُنْيَةَ عنها؛ إذ لأقوالِ الصَحابةِ ﵃ مِن الفقهِ الذي لا يَسَعُ عالمًا جهلُه به، وهذا يختلفُ عن الجواب بالقولينِ؛ فليس فيه فقهُ الصحابةِ ﵃ (٤). الجواب الرابع: أنَّ جوابَ الإمامِ أحمدَ باختلافِ الصحابةِ ﵃ يختلفُ عن الجوابِ بالقولينِ؛ إذ الصوابُ حتمًا في القولينِ أو الأقوالِ المنقولةِ عن الصحابَةِ ﵃، بخلافِ الجواب بالقولين دونَ إشارةٍ إلى أنَّها أقوالُ الصحابةِ ﵃ (٥). أمَّا الجوابُ عن الأمر الثاني، (وهو الاعتراضُ بكثرةِ الرواياتِ عن

стр. 1121

الإمامِ أحمدَ في المذهبِ الحنبلي، فيُنْقَل عنه في المسألةِ الواحدةِ عدّةُ رواياتٍ): فهناك فرقٌ بين ما صَنَعَه الإمامُ الشافعي، وما جاءَ عن الإمامِ أحمدَ مِن تعددِ الروياتِ، فإنَّ تعددَ الرواياتِ يَقَعُ لكثيرٍ مِن الأئمةِ المجتهدين، فليس مختصًا بالإمامِ أحمدَ وحده (١). ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ الإمامَ أحمدَ لم يقلْ بما جاءَ عنه مِن الرواياتِ في وقتٍ واحدٍ، وإنما قالها في أوقات مختلفةٍ (٢)، وهذا لا تناقضَ فيه (٣). وأيضًا: فإنَّا نقطعُ بأنَّ القولينِ اللذينِ ذكرهما الإمامُ الشافعي قد نصَّ عليهما، أمَّا في اختلافِ الرواياتِ، فقد يكون مردُّ اختلافِها عن الإمامِ إلى الناقلِ لها؛ فقد يغلطُ في سماعِه، أو يخطئُ في فهمِه، وقد يقولُ الإمامُ بقولٍ، ثم يرجعُ عنه إلى قولٍ آخر، ولا يعلمُ الناقلُ رجوعَ إمامِه (٤). فنظيرُ اختلافِ الروياتِ عن الإمامِ أحمدَ - في الجملةِ - هو اختلافُ القولِ القديمِ والقولِ الجديدِ عن الإمامِ الشافعي. القسم الثاني: أنْ يقولَ إمامُ المذهب بقولين مختلفين في مسألة واحدة، في وقتين. إذا نُقِلَ عن أحدِ الأئمةِ قولانِ أو أكثر في وقتينِ مختلفينِ، فهذا أمرٌ سائغٌ (٥) - ومحلُّ الحديثِ عن الترجيحِ بين القولين في المطلبِ القادمِ -

стр. 1122

يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: "هذا جائزٌ، لا نزاعَ فيه" (١). إذ المجتهدُ قد يجتهدُ في وقتٍ، فيؤديه اجتهادُه إلى قولٍ، ثمَّ يجتهدُ في وقتٍ آخر، فيؤديه اجتهادُه إلى قولٍ آخر غير الأولِ، وهذا أمرٌ لا إشكالَ فيه (٢)؛ لأنَّ اعتقادَ صحةِ القولين في وقتين ليس بمحالٍ عقلًا (٣). يقولُ أبو الحسنِ الماوردي: "ليس أحدٌ مِنْ الفقهاءِ إلا وقد اختلفتْ عنه الروايةُ في الأحكامِ، فسمَّاها أصحابُهم روايات، وسمَّاها أصحابُ الشافعي أقاويل" (٤). وتغيّرُ الرأي مأثورٌ عن أكابرِ العلماءِ منذُ عهدِ الصحابةِ ﵃ (٥). وقد يعبِّرُ العلماءُ عن هذه الحالة بقولهم: في المسألةِ قولانِ، أو على قولينِ، ويكون مرادهم في وقتينِ (٦). المطلب الثاني: الترجيح بين أقوال إمام المذهب إذا تعددتْ أقوالُ إمامِ المذهبِ في مسألةٍ مِن المسائل - سواءٌ أكانت المسألةُ أصوليةً، أم فقهيةً - فوَرَدَ عنه في مسألةٍ واحدةٍ أكثرُ مِنْ قولٍ، فما المرجَّحُ منها؟

стр. 1123

تحدثَ العلماءُ عن هذه المسألةِ بإسهابٍ، وفصَّلوا القولَ فيها، وأرى قبلَ الحديثِ عنها الإشارة إلى النقاطِ الآتيةِ: الأولى: محلُّ الحديثِ في هذا المطلبِ عن الترجيحِ (١) بين أقوالِ إمام المذهبِ إذا تعددتْ في مسألةٍ واحدةٍ فقط، أمَّا إذا تعددت أقوالُه في مسأَلتين، فلا يدخلُ في حديثي هنا، إلا إنْ انتفى الفرقُ بين المسألتين (٢)؛ لأنَّهما تصيرانِ كالمسألةِ الواحدةِ. الثانية: لا بُدَّ مِنْ ثبوتِ صحةِ القولين أو الأقوال عن إمامِ المذهبِ (٣)، فإنْ لم يثبتْ القولُ فإنَّه لا يقوى على مزاحمةِ الثابتِ. الثالثة: قد يَرِدُ عن إمامِ المذهبِ قولانِ مختلفانِ في وقتينِ، وَيردُّ المحققون مِنْ أصحابِه أحدَهما (٤)؛ لعلةٍ مِن العللِ، ومِثْلُ هذا لا يدخلُ في حديثي. الرابعة: يستوي في الحديثِ في هذا المطلبِ ما إذا وَرَدَ عن إمامِ المذهبِ قولانِ متنافيانِ، أو وَرَدَتْ عنه أقوالٌ متنافيةٌ، فالتعبيرُ بالقولينِ عند مَنْ يُعبّرُ به ليس مقصودًا، وإنَّما هو مِنْ باب التمثيلِ، ولعل مردّ غلبة التعبيرِ بالقولين إلى أنَّ وقوعَ التعارضِ بين القولينَ أكثرُ مِنْ وقوعِه بين الأقوالِ.

стр. 1124

الخامسة: يدخلُ في حديثي في هذه المسألةِ ما إذا كانَ قولُ المجتهدِ منقولًا عنه بلفظِه، أو دوَّنه في كتابِه، أو نسبه إليه أحدُ أصحابِه، فقد يتعارضُ ما خطَّه الإمامُ في كتبِه، مع ما نَسَبَه إليه أحدُ أربابِ مذهبِه. السادسة: لهذه المسألةِ حديثٌ تقعيديٌ - وهذا محلُّ حديثي - وحديثٌ مذهبي، فقد تقرِّر بعضُ المذاهبِ ضوابطَ مذهبيةٍ في الترجيحِ عند اختلافِ الأقوالِ في المذهبِ - كالترجيحِ باختيارِ الشيوخِ أو تقديمِ الكتبِ، ونحوِهما - وهذا خارجٌ عن حديثي؛ لخصوصيةِ كلِّ مذهبٍ على حدةِ. ولعدمِ اطرادِ الضوابطِ المذهبيةِ في جميعِ المسائلِ مِنْ جهةٍ أخرى (١)؛ لكونِها أغلبية. السابعة: محلُّ حديثي هنا عن الترجيحِ بين أقوالِ إمامِ المذهبِ فحسب، ويُلحقُ به أصحابه الذين بلغوا رتبةَ الاجتهادِ، أو قاربوها، بحيثُ يكون لأقوالِهم مزيةٌ في المذهبِ. الثامنة: يستوي في الحديثِ في المسألةِ ما إذا وَرَدَ عن إمامِ المذهبِ قولانِ متنافيانِ، أو إذا بيَّن أنَّ المسألةَ خلافيةٌ. التاسعة: متى ما قيلَ بالترجيحِ بين أقوالِ إمامِ المذهب، فإنَّ مِنْ شرطِ المرجِّحِ أنْ يكونَ أهلًا للترجيحِ في مذهبِ إمامِه (٢)؛ فلَيسَ بإمكانِ كلِّ متمذهبٍ أنْ يرجِّحَ بين أقوالِ إمامِه. فإنْ لم يكن المتمذهبُ أهلًا للترجيحِ، فعليه الرجوعُ إلى المتأهلين له في مذهبِه، أو إلى كتبهم (٣)، ولعل هذا يقودني إلى الإشارةِ إلى صعوبةِ قيامِ

стр. 1125

المتمذهبِ بالترجيحِ بين أقوالِ أئمةِ المذاهبِ الأخرى دونَ استعانتِه بأهلِ الترجيحِ فيها. ويتصلُ الحديثُ عن الترجيحِ بين أقوالِ إمامِ المذهبِ في هذا المطلبِ بالمطلبِ الأولِ؛ إذ سيكونُ الحديثُ عن الترجيحِ بين أقوالِ إمام المذهبِ في ضوءِ القسمين اللذين ذكرتُهما في المطلبِ السابقِ، ولهذَا جعلتُ للترجيحِ قسمين رئيسين: القسم الأول: الترجيحُ بين قولي إمامِ المذهبِ اللذين قالهما في وقتٍ واحدٍ. القسم الثاني: الترجيحُ بين قولي إمامِ المذهبِ اللذين قالهما في وقتين. القسم الأول: الترجيحُ بين قولي إمامِ المذهبِ اللذين قالهما في وقتٍ واحدٍ. تقدّمَ لنا في المطلبِ الأولِ أنَّه لا يصحُّ أنْ يعتقدَ إمامُ المذهبِ قولين متنافيين في مسألةٍ واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ، فإذا وَرَدَ عنه في كتابِه أو جوابِه ذكرُ القولين، فلا يخلو الأمرُ من حالتين: الحالة الأولى: أنْ يذكرَ إمامُ المذهب القولين دون أنْ ينصَّ على اختيارِ أحدِهما. الحالة الثانية: أنْ يذكرَ إمامُ المذهب القولين مع النصِّ على اختيار أحدهما. الحالة الأولى: أنْ يذكرَ إمامُ المذهبِ القولين دونَ أنْ ينصَّ على اختيارِ أحدِهما. إذا قال إمامُ المذهبِ في مسألةٍ واحدةٍ قولين مختلفين، ولم يشرْ إلى اختيارِه عند سياقِهما، فلهذه الحالةِ صورتانِ:
следующие страницы →