← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

التقليدِ، فإنَّ المقلِّدَ قد قلّدهما في شيءٍ، وخالف كلًّا منهما في شيءٍ آخر (١). الرد على الجواب: في صورةِ التلفيق لا يجدُ المجتهدُ جميعَ ما شُرِطَ في صحةِ فعلِ المكلَّفِ، بلْ يجدُ بعضَها دونَ بعضٍ، وهذا الفارق بين الحالتين لا يُوجبُ القولَ بأنَّ المجتهدَ يقولُ ببطلانِ ما صَدَرَ عن المكلَّفِ؛ إذ المخالفةُ في بعضِ الشروطِ أهونُ مِن المخالفةِ في جميعِها، فيلزم الحكم بالصحةِ في الأهونِ؛ بطريقِ الأَوْلى (٢). الاعتراض على الرد: لا نُسَلّمُ أنْ المخالفةَ في بعضِ الشروطِ أهونُ مِن المخالفةِ في جميعِها (٣). الجواب عن الاعتراض: إنه يتمُّ لكم الاعتراض إنْ كانَ معكم أيّها المانعون مِن التلفيقِ دليلٌ - مَنْ نصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ قوي - ناهضٌ يدلُّ على أنَّ العملَ إذا كانَ له شروطٌ فيجبُ على المقلّدِ اتباع مجتهدٍ واحدٍ في جميعِ ما تتوقف عليه صحةُ العملِ (٤). الدليل الثالث: لو قلنا بجوازِ التلفيقِ في التقليدِ لأدَّى ذلك إلى إفسادِ الشريعةِ، والتلاعبِ فيها (٥)، واستباحة جُلِّ المحرماتِ! وأيّ بابٍ أفسد مِنْ باب يبيح الزنا؟ ! وَيبيح الخمر؟ ! ووجه التلفيق المؤدي إليه: يمكنُ للرجلِ أنْ يراودَ امرأةً عن نفسِها، فتجيبَه إلى ذلك، فيقلّد الإمامَ أبا حنيفةَ في صحةِ عقدِها على نفسِها، ويقلِّدُ الإمامَ مالكًا في عدمِ اشتراطِ الشهودِ، وفي هذه الحالة أمكن للرجلِ أنْ يزني بامرأةٍ ولا جُرْمَ عليه، وهذا لا يقولُ بجوازِه عاقلٌ، وكلُّ ما أدَّى إلى محظورٍ، فهو محظورٌ (٦).

стр. 1052

مناقشة الدليل الثالث: ما ذكرتموه خارجٌ عن محلِّ النزاعِ، وهو محرَّمٌ بالاتفاقِ، كما تقدم بيانُه في تحريرِ محل النزاعِ (١). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني (القائلين بجواز التلفيق مطلقًا): استدلَّ أصحابُ القول الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أن الأصلَ الجوازُ، ولم يقمْ دليلٌ على منعِ التلفيقِ (٢)، يقولُ محمد الملا فروخ: "لم أجدْ على امتناعِ ذلك - أي: التلفيق - بُرْهَانًا" (٣). الدليل الثاني: أنَّه لم يُنقلْ عن أحدِ مِنْ علماءِ الصحابةِ ﵃، ولا عن التابعين - مَعَ كثرتِهم وتباين آرائهم وشدة تورعهم - أنَّه قالَ لمَنْ استفتاه: الواجبُ عليك أنْ تراعي أحكامَ مذهب مَنْ قلَّدته؛ لئلا تَقَعَ في التلفيقِ، بلْ كانَ حالُهم أنَّ الواحدَ منهم يُفْتِي بما يراه صوابًا، ولا يفضل للمستفتي بوجوبِ مراعاةِ قولِه، ولو كان التلفيقُ في التقليدِ غيرَ جائزٍ، لما أهملوا توضيحَه (٤)، ولم يُؤْثَرْ هذا أيضًا عن الأئمةِ الأربعةِ (٥)، فكان إجماعًا على جوازِ التلفيقِ (٦). الدليل الثالث: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ لم يعرفْه السلفُ، ولا أئمةُ الخلفِ (٧)، فالذاهبُ إليه مخالفٌ لعملِ السلفِ.

стр. 1053

الدليل الرابع: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ يُناقضُ مبدأين مشهورين في الشريعةِ، وهما: المبدأ الأول: اختلافُ الأئمةِ رحمةٌ. المبدأ الثاني: يسرُ الشريعةِ وسماحتها، وحرصُ الشرعِ على رفعِ الحرجِ، ودفعِ المشقةِ (١). الدليل الخامس: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ يُؤدي إلى ضررٍ عظيمٍ، وهو القولُ ببطلانِ عباداتِ العوام، ووصفهم بالفسقِ؛ لتلبّسهم بعباداتٍ باطلةٍ، فمثلًا: مَنْ لفَّقَ في وضوئِه بين قولِ الإمامِ أبي حنيفة والإمامِ الشافعي، فإن طهارته لا تصحُّ عند المانعين مِن التلفيقِ، ومؤدّى هذا القولِ إبطالُ صلاةِ كثيرٍ مِن الناسِ، وفي هذا مِن المفاسدِ ما لا يخفى على أحدٍ (٢). وقد استدلَّ القائلُ بجوازِ التلفيقِ بشرطِ: أن لا يتتبعَ الرخصَ: أنَّ الناسَ لا يَسَعُهم إلا القولُ بجوازِ التلفيق في هذه الحال؛ ومنعهم منه يوقعهم في حرجٍ شديدٍ (٣). أدلةُ أصحاب القول الثالث (المفصِّلين في حكم التلفيق): ذَكَرَ بعضُ أصحابِ الاتجاهات أدلةً على ما ذهبوا إليه، وأغفَلَ آخرون ذكرَ أدلتِهم، ولعَل مَنْ أغفلَ ذكر أدلته نَظَرَ إلى أنَّه تجتمعُ أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ، وأدلةُ أصحاب القول الثاني في القولِ الذي ذَهَبَ إليه.

стр. 1054

دليل أصحاب الاتجاه الأول: يستدلون للشرطِ الأولِ: (أنْ لا يستلزم التلفيقُ نقضَ حكم الحاكم): بمصلحةِ استقرارِ الأحكامِ، ودرءًا للفوضى، ولأنَّ حكمَ الحاكمِ يرفعُ الخلافَ (١). ويستدلون للشرطِ الثاني: (أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي): بأنَّنا نمنع التلفيقَ إنْ استلزمَ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمه الإجماعي؛ لأنَّه لا يجوزُ للمقلِّدِ الرجوع عمَّا عملَ به، بخلافِ ما لم يعملْ (٢). أدلة أصحاب الاتجاه الثاني: يستدلُّ أصحابُ الاتجاه الثاني فيما فصّلوا فيه بأدلةِ أصحابِ الاتجاه الأول، ويستدلون للشرطِ الأولِ (وهو منع تتبع الرخص): بما تقدم في أدلةِ المانعين مِنْ تتبعِ الرخصِ. وأضافَ الشيخُ محمد الباني دليلًا على منعِ التلفيقِ إنْ استلزمَ الرجوع عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي في أبواب النكاح: بأنَّه يُحتاطُ في مسائلِ الفروجِ أكثر ممَّا يُحتاطُ في غيرِها؛ لأنَّ قضايا الفروجِ والأنسابِ لا يسوغُ أنْ تكونَ ألعوبةً بيدِ بعضِ المتفقهةِ الذين يتعاطون ردّ المطلقات بالتلفيقِ مهنةً لهم (٣). فكأنّ القائلَ بهذا الاتجاه يستدل بقاعدةِ سدِّ الذرائعِ. أمَّا إذا لم تكن المسالةُ مِنْ أبواب النكاحِ والأنسابِ، فإنَّه يجوزُ التلفيق؛ لأدلةِ أصحابِ القولِ الثاني، ولرفعِ الحرجِ عن الناسِ.

стр. 1055

ويستدل لمنعِ تتبعِ الرخصِ بما تقدم في أدلةِ المانعين منه. دليل أصحاب الاتجاه الثالث: يستدلُّ القائلُ به بالدليلِ الثاني لأصحابِ القولِ الثاني - وهو: أنَّه لم يُنقلْ عن أحدٍ مِنْ علماءِ الصحابة ﵃، ولا عن التابعين مَعَ كثرتِهم وتباين آرائهم وشدة تورعهم، أنَّه قالَ لمَنْ استفتاه: الواجبُ عليك أنْ تراعي أحكامَ مذهب مَنْ قلَّدته - ويحمله على أنَّ ما وَقَعَ فيه الناس من التلفيق بين آراء العلماء حين استفتائهم كان غيرَ مقصودٍ، وهذا إجماعٌ مِن السلفِ على جوازِه (١). • الموازنة والترجيح: بالنظرِ إلى المسألةِ بأقوالها، وأدلتها، يظهرُ لي أن القولَ الراجح هو التفصيل الآتي: أولًا: بالنسبةِ إلى العامي الصِرْفِ، لا يمكن القولُ بمنعِه من التلفيقِ، وذلك لأن الغالبَ أنَّ وقوعَ العامي في التلفيق عن غيرِ قصدٍ؛ ومثلُ هذا لا يمكن منعُه؛ لإفضائِه إلى المشقةِ والحرجِ البالغين. إضافةً إلى أنّه لم يُنقلْ عن السلفِ الصالحِ ﵏ أنَّهم كانوا يرشدون العامّةَ إلى مراعاةِ أقوالِهم، لئلا يقعوا في التلفيقِ بين أقوالِ المفتين. وإنْ فُرِضَ وقوع العامي في التلفيقِ عن قصدٍ: فإنْ قارنه تتبع الرخصِ، فله حكم مسألة: (تتبع الرخص)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها. وإنْ خلا عن قصدِ تتبع الرخص، فليس له ذلك؛ لأنَّ الواجبَ عليه سؤالُ أهلِ العلمِ. ثانيًا: بالنسبةِ للمتمذهبِ الذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ:

стр. 1056

فإنْ ترجّح له ما ذَهَبَ إليه، فالقولُ في هذه الحالةِ كالقولِ في التلفيقِ في الاجتهادِ (١). وإنْ قارنَ تلفيقَه تتبعٌ للرخصِ، فله حكمُ مسألةِ: (تتبع الرخص)، وقد تقدَّمَ الحديثُ عنها (٢). أمَّا إنْ خلا عمَّا سبق، فإنْ وَقَعَ في التلفيقِ عن غيرِ قصدٍ، فلا حَرَجَ عليه، وإنْ قَصَدَه فالأحوطُ تركُه؛ خروجًا مِن الخلافِ. وقد رجحتُ ما سَبَقَ، للآتي: أولًا: القولُ بمنعِ التلفيقِ مطلقًا قولٌ لا يخلو مِنْ ضعفٍ، ولا سيما أنَّ أقوى ما يمكنُ أنْ يستدل به أصحابُ هذا القول هو دعوى الإجماعِ، ولم تسْلَمْ لهم هذه الدعوى. ثانيًا: أن القولَ بمنعِ التلفيق مطلقًا - إضافةً إلى ضعفِه - أَوْقَعَ الناسَ في محظورٍ آخر، وهو تتبعُ الحيل، والبحث عنها؛ للتخلّصِ ممَّا وقعوا فيه، متورعين عن الوقوعِ في التلفيقِ (٣)، ولو أنَّ المفتين لم يتحرجوا مِن القولِ بالتلفيقِ إنْ ظَهَرَ لهم رجحانُ القولِ الآخر - الذي لم يقو الدليل على منعه - لما وَقَعَ الناسُ في الحيلِ. ثالثًا: أنَّ في عدمِ نقلِ منعِ التلفيقِ عن المتقدمين دلالةً على ضعفِ القولِ بمنعِه مطلقًا. رابعًا: يظهر لي أنَّ القولَ بمنع التلفيقِ الذي يستلزمُ نقضَ حكمِ الحاكمِ، أو الرجوع عمَّا عمل به المكلّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي: خارجٌ عن صورةِ مسألةِ التلفيقِ أصلًا - وإنْ سلمتُ لهم الحكمَ الذي قالوه - إذ ما صَدَرَ عن المكلَّفِ في هذه الحالةِ هو رجوع عمَّا عمل، وليس تلفيقًا.

стр. 1057

ولعلَّ الباعثَ لهم على إخراجِ هذه الصورة مِن الجوازِ؛ خشيةَ أنْ يظنَّ أحدٌ جوازَها؛ لأنَّها تلفيقٌ، وأنَّ أصحاب هذا القول لم ينصوا على منعِها، فمَنَعُوها خشيةً مِنْ ذلك. خامسًا: مَنْ جوَّزَ التلفيق بشرطين: الشرط الأول: أنْ لا يكون الباعثُ عليه الهوى وتتبع الرخص. الشرط الثاني: أنْ يكون غير مقصود. فإنَّ الشرط الثاني - فيما يظهر - يغني عن الشرط الأولِ؛ لأنَّ الأولَ لا يَقَعُ إلا عن قصدٍ. • نوع الخلاف: الخلافُ بين الأقوالِ خلافٌ معنوي، وقد ذَكَرَ جمالُ الدّينِ الإسنوي (١) أثرَه في مسألة: إذا تزوج شخصٌ بلا وليّ؛ أخذًا بمذهبِ الإمامِ أبي حنيفةَ، وبلا شهودٍ؛ أخذًا بمذهبِ الإمامِ مالكٍ، ووطئ، فهلْ يُقام عليه الحدُّ؟ مَنْ مَنَعَ التلفيقَ قال بإقامةِ الحدِّ عليه؛ لأنَّ الإمامين اتفقا على بطلانِ النكاحِ، ومَنْ جوّزَ التلفيقَ لم يُقِم الحدَّ عليه. • سبب الخلاف: يظهرُ لي مِنْ خلالِ تتبع المسألةِ بأقوالِها وأدلتِها أنَّ للخلافِ عدَّةَ أسباب، وأهمها صحة ادِّعاء اتفاقِ الإمامين على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفّقِ. فإنْ قلنا: إنَّ الإمامين اتفقا على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفِّقِ، منعنا التلفيقَ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الأولِ.

стр. 1058

وإنْ قلنا: إنَّ الإمامين لم يتفقا على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفِّقِ، جوّزنا التلفيقَ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني. المسألة الثالثة: التلفيق في التقنين مِن المسائلِ التي اهتمَّ بها المعاصرون مسألةَ: (التلفيق في التقنين) (١) - أو في التشريع كما يسميها بعضُهم - ويتعيّنُ قبل الدخولِ في المسألةِ ذكر المرادِ بالتلفيقِ في التقنين: يُقصدُ بالتلفيقِ في التقنينِ: تخيّرُ وليُّ الأمرِ مِنْ أحكامِ مختلفِ المذاهبِ الفقهيةِ المعتبرةِ مجموعةً مِن الأحكامِ؛ لتكونَ قانونًا يُقضَى ويُفتى به بين مَنْ يخضعون له. ذَكَرَ هذا التعريفَ الشيخ محمد السنهوري (٢). وتبع الشيخَ محمدًا السنهوري في تعريفه عددٌ من الباحثين، منهم:

стр. 1059

الدكتور عبد الله محمد عبد الله (١)، ومصطفى كمال التازي (٢). وقريبٌ ممَّا ذكره الشيخُ محمد السنهوري ما ذكره الدكتورُ سيد الأفغانستاني، فقالَ: "يُرَاد بالتلفيقِ في التشريعِ: تخيّرُ وليُّ الأمرِ أحكامًا مِنْ مختلفِ المذاهبِ؛ ليجعلَ قانونًا تسيرُ عليه البلادُ الإسلامية" (٣). وتَبعَ الدكتورُ ناصر الميمان الدكتورَ سيدًا الأفغانستاني في تعريفِه (٤). ولقد اهتمَّ المعاصرون بالحديثِ عن مسألةِ: حكم تقنين الفقه على هيئة مواد، ولن أتحدثَ في هذه المسألةِ عن حكمِ التقنين، أمشروع هو، أم لا؟ ولا عن حكم الإلزامِ به؟ فهاتان مسألتانِ خارجتانِ عمَّا أنا بصدده، لأنَّ حديثي عن حكمِ وقوعِ المقنّنِ في التلفيقِ. وقبلَ بيانِ صورةِ التلفيقِ في التقنين، وحكمها، أُبيّنُ أن هناك صورةً للتقنين لا تدخل تحتَ التلفيقِ، ولا بُدَّ من الإشارةِ إليها، وهي: أنْ يأخذَ المقنّنُ أحكامَ القانون مِن عدةِ مذاهب على وجهٍ لا يكون بين المسائلِ ارتباطٌ ولا تأثيرٌ (٥)، كما لو أَخَذَ أبوابَ الجنايات مِن المذهب الحنبلي، وأبواب الحدودِ مِن المذهبِ المالكي مثلًا. وهذه الصورةُ تأخذُ حكمَ الخروجِ عن المذهبِ، وقد تقدّم الحديث عنها. وإذا كان في فعلِ المقننِ تتبعٌ للرخصِ، فإنَّ الحُكمَ يتبعُ مسالةَ: (تتبع الرخص)، وقد تقدّم الحديثُ عنها.

стр. 1060

أمَّا صورةُ التلفيقِ في التقنينِ، فهي: أنْ يأخذَ المقننُ أحكامَ القانونِ مِنْ عدّةِ مذاهب على وجهٍ يترتبُ عليه التلفيقُ بين أقوالِ المجتهدين في مسألةٍ واحدةٍ، كما لو لفَّقَ المقننُ مسألةً مِنْ بابِ القذفِ مثلًا مِنْ أكثرِ مِنْ مذهبٍ، وكما لو أَخَذَ القولَ القائلَ المقننِ بصحةِ النكاحِ بلا ولي، وأنَّ مَنْ طلَّقَ زوجته ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، فلا يقعُ عليها إلا طلقة واحدة (١). أمَّا عن حكمِ التلفيقِ في التقنينِ، فقد قرر الشيخُ محمد السنهوري جوازَه؛ لأن التلفيقَ وَقَعَ اتفاقًا في جزئيةٍ، ولم يُقْصَدْ إليه بخصوصِه، فكان تلفيقًا جائزًا لا حرجَ فيه حتى عند مَن يمنعون التلفيقَ القادحَ (٢). وتبع الشيخَ السنهوريَّ فيما قرره الدكتور سيّدٌ الأفغانستاني (٣). وقرّر مصطفى كمال التازي جوازَه إذا لم يرَ فيه العلماءُ ما يمسُّ روحَ الشريعةِ الإسلاميةِ ومقاصدها (٤). ويظهرُ لي أنَّ كلَّ مَنْ دعا إلى تقنينِ الفقهِ مِنْ مختلفِ المذاهبِ الفقهيةِ (٥)، ولم ينصَّ على إشكاليةِ التلفيق، فإنَّه يَرَى جوازَ التلفيقِ في التقنين. والذي يظهرُ لي في مسألةِ: (حكم التلفيق في التقنين) أنَّها لا تخرج عن مسألةِ: (التلفيق في الاجتهاد)، ومسألةِ: (التلفيق في التقليد)، ويكون النظرُ فيها إلى المقنّنِ، أهو مِن المجتهدين، أم مِن المقلدين؟

стр. 1061

فإنْ كان مِن المجتهدين أَخَذَ حكمَ مسألةِ: (التلفيق في الاجتهاد)، وإنْ كانَ مِن المقلدين أَخَذَ حكمَ مسألةِ: (التلفيق في التقليد). وللدكتورِ محمدٍ الدويش كلامٌ محرّرٌ في المسألةِ، يقول: "لا يظهرُ أنَّ ثمةَ اختلافًا بيّنًا بين هذا النوعِ مِن التلفيق - أيْ: التلفيق في التقنين - وبين ما تقدم ذكرُه - أي: التلفيق في الاجتهاد، والتلفيق في التقليد - فإنْ أُخِذَت الأحكام المرادُ جمعها مِن المذاهب؛ بناءً على أنَّها ممَّا يدخلُ في إطارِ مجتهدي الأمة، دونَ النظرِ فيما استندَ قائلوها إليه فيها: فهذا هو التقليد ... وإنْ أُخِذَت تلك الأحكامُ باعتبارِ أولويتها بالأخذِ، ورجحان ما بُنِيتْ عليه: فهذا هو التلفيقُ في الاجتهادِ عينه، وعلى هذا لا يبدو فرقٌ بيّنٌ بينها" (١). ويظهرُ لي أنَّ سببَ عدمِ معارضةِ بعضِ الباحثين للتلفيقِ في التقنين بوجودِ التلفيقِ المختلف فيه، هو ما رأوه مِنْ مصالح كبيرةٍ للتقنين تستوجبُ غضَّ الظرفِ عمَّا ما قد يصاحبُه مِنْ وقوعٍ في التلفيقِ. * * *

стр. 1062

المطلب الرابع: الفرق بين التلفيق وتتبع الرخص يعدُّ الحديث عن التفرقةِ بين التلفيقِ، وتتبعِ الرخصِ مِن الأمور المهمّةِ المكملةِ لمسائلهما، ولتحريرِ الفرقِ بينهما لا بُدَّ مِن تعيينِ ما يشتركانِ فيه. بتأمّلِ تتبعِ الرخصِ والتلفيقِ أجدُ أنَّهما يتفقانِ في أنَّ كلًّا منهما عبارة عن أخذِ قولِ غيرِ إمامِ المذهبِ، والغالب أنَّه مِنْ مذهبٍ آخر. وللتفريق بين التلفيقِ، وتتبعِ الرخصِ يتعيّن تحديد وجهةِ النظرِ في معنى التلفيقِ، أهو بالمعنى الواسعِ، أم بالمعنى الضيق؟ وقد اتجهت في حديثي عن التلفيقِ إلى المعنى الثاني. مِنْ خلالِ تأمّلِ حقيقةَ تتبعِ الرخصِ، والتلفيقِ يمكنُ التوصل إلى الفروقِ الآتية: الأول: أنَّ ضابطَ تتبعِ الرخص هو: الأخذ بأخفِّ الأقوالِ - سواءٌ أتبع الأخذ تلفيق، أم لا (١) - وضابطَ التلفيقِ هو: تركيبُ كيفيةٍ لا يقولُ أحدٌ من المجتهدين بصحتها، سواءٌ أتضمّن ترخصًا، أم لا. الثاني: يصدقُ تتبع الرخص على مَنْ أَخَذَ بالرخصِ مِنْ أبواب مختلفةٍ - كما لو تتبع رخص الطهارة والزكاة مثلًا - بخلافِ التلفيقِ، فلا بُدَّ مِنْ أنْ يكون في مسألةٍ واحدةٍ، أو كالواحدة. الثالث: أنَّ تتبعَ الرخصِ في الغالبِ مقصودٌ، أمَّا التلفيق، فقد يكونُ مقصودًا، وقد يَقَعُ اتفاقًا عن غيرِ قصدٍ.

стр. 1063

الرابع: قد يؤدي التلفيقُ إلى مخالفةِ إجماعِ العلماءِ، بخلافِ تتبعِ الرخصِ، فإنَّه أخذُ قولِ أحدِ العلماءِ (١). الخامس: لا ينتجُ عن تتبع الرخصِ إحداثُ قولٍ ثالثٍ في الغالب؛ إذ هو أخذُ رخصةِ أحدِ العلماءِ، أمَّا التلفيق، فهو جمعٌ بين أقوالِ العلماءِ، فقد ينتجُ عنه إحداثُ قول ثالث (٢). السادس: أنَّ مصطلحَ: تتبع الرخص أسبقُ ظهورًا واستعمالًا مِنْ مصطلحِ: التلفيق. السابع: يصدقُ التلفيق على مَنْ لفَّق حكمَ مسألةٍ واحدةٍ، أمَّا تتبع الرخص، فلا يصدق إلا على مَنْ تكرر منه الأخذُ بالرخصِ. وهذه الفروقات عند من يضيق دائرة مصطلح التلفيق، أمَّا مَنْ يوسع دائرته، فالذي يظهر لي أن تتبعَ الرخصِ فرد مِنْ أَفرادِ التلفيقِ، فهو تلفيقٌ بأخذِ الأخفِّ مِن المذاهبِ (٣). * * *

стр. 1064

الفصل الخامس: أحكام المتمذهب وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل المبحث الثاني: عمل المتمذهب عند تعدد أقوال إمامه في مسألة واحدة المبحث الثالث: أخذ المتمذهب قولا رجع عنه إمامه. المبحث الرابع: عمل المتمذهب فيما توقف فيه إمامه. المبحث الخامس: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع. المبحث السادس: عمل المتمذهب إذا خالف أحد أتباع الإمام مذهب الإمام. المبحث السابع: عمل المتمذهب عند اختلاف اصحابه في الترجيح المبحث الثامن: إفتاء المتمذهب

стр. 1065

المبحث الأول: عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل إنَّ أيَّ مذهبٍ فقهي مهما بَلَغَ إمامُه في العلمِ من درجاتٍ كبيرةٍ لا يخلو مِنْ أقوال مرجوحةٍ فيه، ومِنْ مسائل خالفَ فيها إمامُ المذهبِ دليلًا مِن الأدلةِ؛ إذ الأئمةُ بشرٌ يصيبون ويخطئون (١). يقولُ الإمامُ الشافعي: "ما مِنْ أحدٍ إلا وتذهبُ عليه سنةٌ لرسولِ الله ﷺ وتعزبُ عنه" (٢). وغنيٌّ عن القولِ الإشارةُ إلى أنَّ أئمةَ المذاهبِ لم يتعمدوا مخالفةَ الدليلِ الشرعي، فهم مُبَرّؤون مِنْ ذلك (٣)، وإذا وقعَ واحدٌ منهم في مخالفةِ الدليلِ؛ فلسببٍ من الأسبابِ التي يُعْذَرُ فيها بتركِ العملِ بالدليلِ. يقولُ الإمام الشافعي: "أمَّا أنْ نخالفَ حديثًا عن رسولِ الله ثابتًا عنه، فأرجو أنْ لا يُؤْخَذَ ذلك علينا إنْ شاء الله. وليس ذلك لأحدٍ، ولكنْ قد يجهلُ الرجلُ السنةَ، فيكون له قولٌ يخالفها، لا أنَّه عَمَدَ خلافَها" (٤).

стр. 1066

ويقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "وليُعْلَم أنّه ليس أحدٌ مِنْ الأئمةِ المقبولين قبولًا عامًّا يتعمدُ مخالفةَ رسولِ الله ﷺ في شيءٍ مِنْ سنته: دقيقٍ ولا جليلٍ؛ فإنَّهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوبِ اتِّباع الرسولِ ﷺ ، وعلى أن كلَّ أحدٍ مِن الناسِ يُؤْخَذُ مِنْ قولِه ويُتركُ، إلا رسول لله ﷺ " (١). ويقولُ ابنُ أبي العز الحنفي: "مَنْ ظنَّ أن أبا حنيفةَ أو غيرَه مِنْ أئمةِ المسلمين يتعمدُ مخالفةَ الحديثِ الصحيحِ أو غيرِه، أو أنّه إذا قالَ بالقياسِ، ثمَّ ظَهَرَ له النصُّ، لا يرجع إليه: فقد أَخطأَ عليهم" (٢). ويقولُ في موضع آخر: "لا يجوزُ أنْ يُقْالَ عن أبي حنيفةَ - ولا عمَّنْ دونه مِنْ أهلِ العلمِ - فيما يُوْجَدُ مِن أقوالِه مخالفًا للنصِّ: إنَّه خالفَ الرسولَ قصدًا، بلْ إمَّا أنْ يُقالَ: إنَّ النصَّ لم يبلغْه، أو لم يظهرْ له دليلٌ على ذلك الحكمِ، أو عارضه عنده دليلٌ آخر، أو غير ذلك مِن الأعذارِ" (٣). وقد ألَّفَ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ رسالتَه المشهورة: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وذَكَرَ فيها جملةً مِنْ أسباب مخالفةِ الأئمةِ لحديثِ النبي ﷺ . ومِنْ وجهة نظري: فإن مسألةَ: (عمل المتمذهب إذا خالفَ مذهبُه الدليلَ) مِنْ أهمِّ مسائلِ التمذهب؛ إذ يترتب عليها عملُ المتمذهبين في كثيرٍ مِن المسائلِ العمليةِ التي خالفَ فيها قولُ إمامِهم حديثَ النبي ﷺ . وقبلَ الولوجِ في هذه المسألةِ، تحسنُ الإشارةُ إلى الآتي: أولًا: غالبُ حديثي في هذا المبحثِ، إنْ لم يكنْ كله في مخالفةِ قولِ إمامِ المذهبِ لحديث مِنْ أحاديثِ النبي ﷺ ؛ والسبب في هذا: أن أحاديثَ النبي ﷺ كثيرةٌ، ولم يطَّلع الواحدُ مِن الأئمةِ على جميعِ ما جاءَ عنه ﷺ ،

стр. 1067

الأمر الذي يؤدّي إلى مخالفته لحديثٍ ما، لم يَسْمَعْ به، ثمَّ قد لا يَقِفُ الإمامُ على الحديثِ مِنْ طريقٍ صحيحٍ، وهذانِ الأمرانِ منتفيانِ عن القرآنِ الكريمِ. ثانيًا: قد تكونُ دلالةُ الحديثِ النبوي على الحكمِ دلالةً صريحةً، وقد تكونُ دلالةً غير صريحةٍ، وجُل الكلام في هذه المسألةِ - فيما ظهر لي - في الحديثِ النبوي ذي الدلالةِ الصريحةِ على الحكمِ. ثالثًا: سيكونُ الحديثُ هنا عن مسألة: عملِ المتمذهبِ إذا خالفَ مذهبُه الحديثَ النبويَّ، أيأخذُ بالحديثِ، أم بمذهبِه؟ ولهذه المسألةِ صلةٌ بمسألةِ: (نسبة القولِ إلى إمامِ لثبوتِ الحديثِ النبوي)، وقد سَبَقَ الحديثُ عنها. رابعًا: لا يدخلُ في حديثي في هذا المبحثِ المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ؛ لأنَّه لا أثرَ لانتسابِه فيما يتوصلُ إليه من الأحكام؛ إذ هو قادر على الاجتهادِ الكاملِ (١). خامسًا: لا يدخل في حديثي هنا المجتهدُ الجزئي الذي خالف إمامَه في مسألةٍ تحقق له فيها وصفُ الاجتهاد الجزئي؛ لأنَّه في هذه الحالةِ ملحقٌ بالمجتهدِ المطلقِ (٢). سادسًا: مَعَ كونِ ظاهرِ هذه المسألة اختصاصها بغيرِ القائلين بمنعِ التمذهبِ، إلا أنِّي ذكرتُ أقوالَ بعض المانعين؛ لحديثِهم عن المسألةِ بخصوصِها. سابعًا: يدخل في المسألةِ تركُ الإمامِ الحديثَ النبوي؛ لعدم علمِه به، وتركُه مع العلمِ به - سواءٌ أذكرَ مستنده في التركِ، أم لا - كما ترَكَ الإمامُ

стр. 1068

مالكٍ مثلًا العملَ بحديثِ خيارِ المجلسِ (١)، مع روايتِه له (٢)؛ لمعارضٍ أرجح عنده، وهو عملُ أهلِ المدينةِ (٣). ثامنًا: لا يدخلُ في حديثي في هذا المبحثِ المسائلُ التي تتجاذبها الأدلةُ، فلا يقول أحدٌ عنها: إن مذهبَ الإمامِ قد خالفَ الكتابَ أو السنةَ (٤)، وكذلك الحديث الذي طُعِنَ في ثبوتِه (٥). تاسعًا: لا يدخل في حديثي هنا العاميُّ الصِرْفُ؛ لأن كلامي عن المتمذهبِ. ومن جهة أخرى: فإنَّ العاميَّ فاقدٌ لآلةِ النظرِ أصلًا، وفرضُه سؤال أهلِ العلمِ (٦). يقول تقيُّ الدين السبكي: "إذا كانَ المقلِّدُ مِنْ أهلِ الفهمِ، وأمَّا العامي، فلا كلامَ معه" (٧). عاشرًا: لهذه المسألةٌ جانبٌ نظري - وهذا ما سأبحثه - وجانبٌ تطبيقي، شأنُها شأن مسائل أصول الفقه، والذي أريدُ الوصولَ إليه: أنَّه قد يُوجدُ اختلافٌ بين ما يقرره عالمٌ في الجانبِ النظري، وما يصنعه في الجانبِ التطبيقي؛ فقد يُقررُ لزومَ اتباعِ الحديثِ النبوي مثلًا، لكنَّه حين يجدُ حديثًا يخالف مذهبَه، فإنَّه يكثرُ مِن التأويلاتِ والاعتراضات التي تُبطل العملَ بالحديثِ؛ لمخالفتِه ما استقرَّ في نفسِه وما اعتادَ عليه (٨).

стр. 1069

حادي عشر: يدخلُ في حديثي في هذا المبحثِ ما إذا استقرَّ المذهبُ على خلافِ الدليلِ، سواءٌ استقر على قولِ الإمامِ، أم لا. ثاني عشر: ذكرتُ في صدرِ المبحثِ أنَّ أيَّ مذهبٍ لا يخلو عن مخالفةٍ للدليل، ولذا أحببتُ ذكرَ مثالٍ مِنْ كلِّ مذهبٍ خالفَ فيه الدليلَ: المثال الأول: ذَهَبَ الإمامُ أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى عدمِ الحكمِ بشاهدٍ ويمينٍ (١). وقد ثَبَتَ الحديثُ بالحكمِ بهما في حديثِ عبدِ الله بنِ عباسٍ ﷺ : أن رسول لله ﷺ قضى بيمينٍ وشاهدٍ (٢). المثال الثاني: ذَهَبَ الإمامُ مالكٌ إلى عدمِ مشروعيةِ صيامِ ستةِ أيامٍ مِنْ شوال (٣). وقد ثَبَتَ الحديثُ باستحبابِ صومِها في قولِ النبي ﷺ : (مَنْ صامَ رمضان، ثمَّ أتبعه ستًا مِنْ شوال كان كصيامِ الدهرِ) (٤). المثال الثالث: ذهبت الشافعيةُ (٥)، والحنفيةُ (٦) إلى نجاسةِ أبوالِ الإبلِ وما يُؤكلُ لحمُه.

стр. 1070

وقد ثَبَتَ الحديثُ بالأمرِ بالشربِ مِنْ أبوالِ الإبلِ في حديثِ العرنيين؛ إذ قالَ لهم النبيُّ ﷺ : (إنْ شئتم أنْ تخرجوا إلى إبلِ الصدقةِ، فتشربوا مِنْ ألبانِها وأبوالِها) (١). المثال الرابع: ذَهَبَ متأخرو الحنابلةِ إلى عدمِ استحبابِ رفعِ اليدينِ في الصلاةِ حالَ القيامِ مِن التشهدِ الأولِ (٢). وقد ثبتتْ أحاديث دالةٌ على مشروعيةِ رفعِهما في هذا الموطنِ، كحديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ ﵄ أنَّه إذا قامَ من الركعتين رَفَعَ يديه، ورَفَعَ ابنُ عمر ذلك إلى النبي ﷺ (٣). المثال الخامس: ذهبت الحنفيةُ (٤)، والمالكيةُ (٥)، والإمامُ أحمد في روايةِ أبي داود عنه (٦) إلى عدمِ مشروعيةِ زيادةِ المأمومِ في الصلاةِ على قوله: ربنا ولك والحمد. وقد ثبتَ أنَّ رجلًا صلَّى خلفَ النبي ﷺ ، وقال بعد الرفعِ من الركوعِ: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلمَّا انصرفَ النبيُّ ﷺ مِنْ صلاتِه قال: (مَن المتكلم؟ ) قال: أنا. قال ﷺ : (رأيتُ بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيّهم يكتبها أولُ) (٧).

стр. 1071

ثالث عشر: لا يدخلُ في حديثي هنا ما إذا وَجَدَ المتمذهبُ الحديثَ الذي استند إليه إمامُه ضعيفًا، ولم يقفْ على حديثٍ صحيحٍ في المسألةِ. • سورة المسألة: إذا وَجَدَ المتمذهبُ حديثًا صحيحًا يخالفُ ما قاله إمامُه، فماذا يصنع؟ أيأخذ بالحديثِ، ويترك قولَ إمامِه؛ أم يأخذ بقولِ إمامِه، ويترك العملَ بالحديثِ؟ • تحرير محل النزاع: يمكنُ تحريرُ محل النزاعِ في ضوء الآتي: أولًا: اتفقَ العلماءُ على تحريمِ استحلالِ مخالفةِ النبي ﷺ ؟ لأنَّه أمرٌ مخرجٌ عن الملةِ. يقولُ ابنُ حزمٍ: "مَنْ يستحل خلافَ رسولِ الله ﷺ ، فهو كافرٌ مشركٌ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) " (٢). ثانيًا: يظهرُ لي أنَّ العلماءَ متفقون على أنَّ مِنْ شرطِ الاستدلالِ بالدليلِ النصّي كتابًا أو سنةً: معرفةَ أصولِ الفقهِ؛ لأنَّ الجاهلَ بعلمِ أصولِ الفقهِ لا يمكنُه الاستنباطُ مِن الدليلِ النصي على الوجهِ الصحيحِ؛ إذ علمُ أصولِ الفقه هو أهم آلةٍ لفهمِ النصوصِ، واستنباط الأحكامِ منها. وبناءً عليه، ليس للمتمذهبِ الذي لا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ الاستنباطُ مِنْ نصوصِ الكتابِ والسنةِ (٣). يقولُ شهابُ الدّينِ القرافي: "مَنْ لم يكنْ عالمًا بأصولِ الفقهِ حَرُمَ عليه القياسُ والتخريجُ على المنصوصاتِ مِنْ قِبَل صاحبِ الشرعِ، بلْ حَرُمَ عليه

стр. 1072

الاستنباطُ مِنْ نصوصِ الشارعِ؛ لأنَّ الاستنباطَ فرعُ معرفةِ أصولِ الفقهِ" (١). ولذا نصَّ بعضُ الأصوليين على أنَّه ليس لغيرِ المجتهدِ - ويدخل فيه المتمذهبُ - العملُ بمعنى القرآنِ والسنةِ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ له ناسخٌ أو مخصصٌ أو مقيَّدٌ أو معارض أقوى، وقد يحمله على غيرِ المرادِ منه (٢). ولعل مقصدهم هو عدم جواز أَخْذِ غيرِ المجتهدِ المطلقِ مِن الدليل مباشرةً، دون نظرٍ ورجوعٍ إلى كلامِ العلماءِ؛ إذ هذا الأمر من وظائفِ المجتهدِ المطلقِ (٣). يقولُ ابنُ حمدان: "ليس لكلِّ فقيهٍ أنْ يعملَ بما رآه حجةً مِن الحديثِ حتى ينظر، هلْ له معارضٌ أو ناسخٌ أم لا؟ أو يسأل مَنْ يعرف ذلك ويُعْرَفُ به" (٤). ولا يعني ما تقدّم حَصْرُ فهمِ القرآن وتدبّره على مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ، بلْ لمَنْ لم يعرفْ أصولَ الفقهِ تدبّر القرآن وطلب فهمِه، لكنْ ليس لغيرِ المجتهدِ استنباطُ الحكمِ مباشرةً دونَ الرجوع إلى عالمٍ مِن العلماءِ؛ لتوقفِ ذلك على معرفةِ الأدلةِ الأخرى ممَّا لها صلةٌ بمحلِّ الاستنباطِ. يقولُ الشيخُ محمدٌ الأمين الشنقيطي بعدَ أنْ بيّنَ أنَّ متأخري الأصوليين على منعِ تدبّر القرآنِ وتفهمه: "الحق الذي لا شك فيه، أن كل مَنْ له قدرةٌ مِن المسلمين على التَّعلمِ والتَّفهمِ وإدراكِ معاني الكتاب والسنة: يجب عليه تعلمهما، والعمل بما علمَ منهما.

стр. 1073

أمَّا العمل بهما مع الجهلِ بما يعملُ به منهما، فممنوعٌ اتفاقًا. وأمَّا ما علمه منهما علمًا صحيحًا ناشئًا عن تعلمٍ صحيحٍ، فله أنْ يعملَ به، ولو آيةً واحدةً أو حديثًا واحدًا" (١). ولن يتحققَ العلمُ الصحيحُ إذا كان المقصودُ هو الاستنباط مِن الكتابِ والسنةِ إلا بمعرفةِ أصولِ الفقهِ. • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في عملِ المتمذهبِ فيما إذا خالف مذهبُه الدليلَ على أقوال، أشهرها: القول الأول: يلزمُ المتمذهب الأخذ بالحديثِ النبوي. وهذا ما صنعه البويطي (٢)، والمزني (٣) - صاحبا الإمامِ الشافعي - وأبو القاسم الداركي الشافعي (٤).

стр. 1074

وذَهَبَ إليه جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: أبو الحسين القدوري (١)، وابنُ حزمٍ (٢)، وإلكيا الهراسي (٣)، وابنُ بَرْهان (٤)، وهو ظاهرُ صنعِ ابنِ رشدٍ (٥)، واختاره: أبو شامةَ المقدسي (٦)، وهو ظاهرُ قولِ العز بن عبد السلام (٧)، وهو قولُ ابنِ دقيق العيد (٨)، وتقيّ الدين بن تيمية (٩)، وابنِ القيّمِ الجوزية (١٠)، وتقي الدّينِ السبكي (١١)، وأبي عبد الله المقَّري (١٢)، وأبي سعيد العلائي (١٣)،

стр. 1075

وأبي إسحاقَ الشاطبي في كتابِه: (الاعتصام) (١)، وابنِ أبي العز الحنفي (٢)، وصدرِ الدين السلمي (٣)، ومحمد المعين السندي (٤)، ومحمد حياة السندي (٥)، والأمير الصنعاني (٦)، والشيخ محمد بن عبد الوهاب (٧)، والشيخ صالح الفلاني (٨)، والشيخ حمد بن معمر (٩)، والشيخ محمد الشوكاني (١٠)، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (١١)، والشيخ محمد صديق القنوجي (١٢)، وأبي محمد باب الشنقيطي (١٣) - إلا أنَّه عبَّر بأنَّ الأَوْلى هو الأخذ بالدليلِ (١٤) - والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١٥)، والشيخ محمد

стр. 1076

ناصر الدين الألباني (١)، ومحمد تقي العثماني (٢)، والدكتور محمد البوطي (٣)، ومحمد عوامة (٤). وهذا القولُ قولُ جماعةٍ مِنْ علماءِ الشافعيةِ (٥)، وقد نَسَبَ ابنُ الصلاحِ العملَ بالحديثِ النبوي وترك المذهب - سواءٌ أجعل مدلول الحديث مذهب إمامه، أم لا - إلى كثيرٍ مِنْ أئمةِ الشافعيةِ (٦). ونَسَبَه محيي الدين النوويُّ إلى متقدمي الشافعيةِ (٧). ونَسَبَه أبو شامةَ المقدسي إلى "جماعةٍ مِنْ أهلِ العلمِ والتحقيقِ، والمصنفين على مذهبِ الشافعي ﵏" (٨)، وإلى العلماءِ المتمذهبين المتضلعين مِن الحديثِ النبوي: كأبي سليمانَ الخطابي، وأبي بكرٍ البيهقي، وابنِ عبد البر (٩). وهو قولُ جماعةٍ مِنْ متأخري الحنابلةِ (١٠). ويُلحقُ بأرباب هذا القول المانعون مِن التمذهب ممَّنْ لم ينصَّ على حكمِ هذه المسألةِ بعَينِها. يقولُ محمد المعين السندي: "إنَّ أَتْبَاع الأئمةِ الأربعةِ مِن المصنفين

стр. 1077

المتأخرين اتفقتْ كلمتُهم على أنَّ روايةَ المذاهبِ مِنْ إمامِهم إذا خالفتْ حديثًا صحيحًا يقولون قاطبةً: إن هذا الحديثَ حجةٌ عليه، وهذا لا يخفى في مواضع كثيرةٍ مِنْ كتبِ المذاهبِ الأربعةِ على مَنْ طالعها" (١). ولعله يقصدُ العلماءَ المحققين مِن أربابِ المذاهبِ الأربعةِ. ويظهرُ لي أنَّ أغلبَ مَنْ ذَهَبَ إلى هذا القولِ - ولا سيما ممَّنْ يرى جوازَ التمذهبِ - يرون اتّباعَ الحديثِ إنْ قالَ بمدلولِه إمامٌ مجتهدٌ، وقد أشارَ بعضهم إلى هذا الأمرِ في أدلتِهم، كما ستأتي بعد قليلٍ. القول الثاني: يأخذُ المتمذهبُ بقولِ إمامِه، ويترك الحديثَ النبوي. أشارَ ابنُ حزمٍ إلى هذا القولِ، دونَ نسبتِه إلى أحدٍ بعينه - واقتصرَ على وصفِهم بـ: "بعضِ مَنْ قوي جهلُه، وضعف عقلُه، ورقَّ دينُه" (٢). وظاهرُ قولِ أبي الحسنِ الكرخي: "الأصلُ: أنَّ كلَّ آيةٍ تخالفُ قولَ أصحابِنا، فإنَّها تحملُ على: النسخِ، أو على الترجيحِ، والأَوْلَى أنْ تُحمل على التأويلِ ... الأصل: أن كلَّ خبرٍ يجيء بخلافِ قولِ أصحابِنا، فإنَّه يُحملُ على: النسخِ، أو على أنَّه معارضٌ بمثلِه، ثم صار (٣) إلى دليل آخر، أو ترجيحٍ فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح ... " (٤): موافقتُه لأصحابِ هذا القولِ. وصنيعُ بعضِ المالكيةِ موافقٌ لهذا القولِ (٥).

стр. 1078

واختارَ أشرف علي التهانوي (١) القولَ الثاني إنْ كانَ سيترتب على العملِ بالراجحِ فتنة، أو وقوعُ العامةِ في التشويشِ، أو تفريق الكلمةِ بين المسلمين (٢). وذَهَبَ إلى القولِ الثاني بعضُ المتأخرين (٣). وقد نَسَبَ شاه ولي الله الدهلويُّ (ت: ١١٦٧ هـ) - كما نقله عنه محمد المعين السندي (٤) - إلى بعضِ فقهاءِ عصرِه القولَ بالأخذِ بالمذهبِ، ومنع العملِ بالحديثِ، وقد بيَّنَ أنَّه لم يسمعْ بهذا القولِ ممَّنْ هم في طبقةِ مشايخِه. وظاهرُ قولِ ابنِ رجب في رسالتِه: (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة) (٥) اختيارُ القول الثاني إذا كان إمامُ المذهبِ محيطًا بالسنةِ. لكن الذي يترجّحُ عندي أنَّ ابنَ رجب قَصَدَ بكلامِه المبتدئَ في طلبِ

стр. 1079

العلمِ، أو الذي لم يبلغْ في العلمِ شأوًا كبيرًا، بدليلِ: صنيعه في كتبِه؛ فهو صنيعُ مَنْ يتَّبع الدليلَ. وإذا صحَّ ما رجّحتُه آنفًا عن ابنِ رجبٍ، فإنَّه يشترطُ للعملِ بالحديثِ أنْ لا يتفقَ السلفُ على تركِ العملِ به (١)، ويتفق بذلك قول ابن رجبٍ مع قولِ شمسِ الدّينِ الذهبي الآتي في أربابِ القولِ الثالثِ. ولبدرِ الدين للزركشي تفصيلٌ طويلٌ في المسألةِ، يؤولُ فما ظَهَرَ لي إلى حالتين: الحالة الأولى: إنْ نظرَ المتمذهبُ المتمكنُ مِن النظرِ في المسألةِ، وجمعَ الأقوالَ وأدلتها. فهذا يجوزُ له البقاءُ على مذهبِه، والأَوْلى له تقليدُ العالمِ الذي أَخَذَ بالحديثِ، إذا لم يعلم اطلاعَ إمامِه على الحديثِ وتركه له؛ لعلَّةٍ، أو وجودِ ما هو أقوى منه (٢). الحالة الثانية: أنْ لا يجمعَ المتمذهبُ الأقوالَ وأدلتها، لكنَّه يقفُ على حديثٍ صحيحٍ مخالفٍ لقولِ إمامِه، مع جوازِ أنْ يكونَ لإمامِه حجةٌ تسوغُ معها المخالفةَ. فالأَوْلى له تتبع المآخذ (٣)، فإذا لم يتبينْ له ما يخالفُ الحديث مِنْ أدلةِ القرآنِ والسنةِ، فالأخذُ بالحديثِ أَوْلى؛ تقليدًا لمَنْ عملَ به، ويجوزُ بقاءُ المتمذهبِ على مذهبِ إمامِه (٤). وقد يُلحقُ بأرباب القولِ الثاني القائلون باتباعِ الحديث إنْ خالفَ قولَ الإمامِ، لكنهم يشترطون شروطًا يكون مؤداها إلى صعوبةِ الأخذِ بالحديثِ؛

стр. 1080

للاحتمالاتِ الكثيرةِ المتعلقةِ بسندِ الحديثِ ومتنِه (١)، إلا أنْ يكونَ قصدُهم بيانَ صعوبةِ هذا المرتقى؛ فليس كلّ أحدٍ أهلًا له. القول الثالث: التفصيلُ في المسألةِ: فإنْ كملتْ للمتمذهب آلةُ الاجتهادِ في مذهبِ إمامِه، أو في ذلك الفرعِ، أو في تلك المسألةِ. فله العملُ بالحديثِ. وإنْ لم تكمل له آلةُ النظرِ، ووَجَدَ في قلبِه حزازةً مِنْ مخالفةِ الحديثِ بعد البحثِ، ولم يجدْ عن الحديثِ جوابًا شافيًا، نَظَرَ: فإنْ عملَ بالحديثِ مجتهدٌ، فله الأخذُ بالحديثِ، وتركُ قولِ إمامِه. وإنْ لم يعملْ بالحديثِ أحدٌ من المجتهدين، فليسَ له العملُ به. ذَهَبَ إلى هذا التفصيلِ: ابنُ الصلاحِ (٢)، ومحيي الدّين النوويُّ - إذ نَقَلَ تفصيلَ ابن الصلاحِ، ثمَّ قال بعده: "هذا الذي قاله حسنٌ متعيّنٌ" (٣) - وابنُ حمدان (٤)، وابنُ بدران (٥). وقد نَقَلَ كلامَ ابن الصلاح تقيُّ الدين بنُ تيمية في: (المسودة) (٦)، وشاه ولي الله الدهلويُّ (٧)، ولم يتعقباه.

стр. 1081

وقريبٌ مِنْ هذا القول ما اختاره شمسُ الدّينِ الذهبي، إذ قررَ اتباعَ الحديثِ إذا خالفَ المذهبَ بالشروطِ الآتية: الشرط الأول: أنْ يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ مجتهدٌ مِنْ نظراءِ الأئمةِ الأربعةِ، كسفيان والأوزاعي. الشرط الثاني: أن يكونَ الحديثُ ثابتًا سالمًا مِن العلةِ. الشرط الثالث: أنْ لا تكونَ حجةُ إمامِ المذهب حديثًا صحيحًا معارضًا للآخرِ (١). وبناءً عليه، لا يجوزُ أخذُ حديثٍ صحيحٍ تنكّبه سائرُ أئمةِ الاجتهادِ، وقد مثَّلَ شمسُ الدّينِ الذهبيُّ بحديثِ: (فإنْ شرب في الرابعةِ، فاقتلوه) (٢)،

стр. 1082

وحديثِ: (لعن الله السارقَ، يسرقُ البيضةَ، فتُقْطَع يدُه) (١). • أدلة الأقوال: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: الآياتُ المحذِّرةُ مِنْ اتِّباعِ الآباءِ والكبراءِ عند ظهورِ

стр. 1083

مخالفتِهم لشرعِ الله تعالى، ومِن الآياتِ الواردةِ في هذا: قولُ الله ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (١)، وقولُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (٢)، وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (٣). ووجه الدلالة: أنَّ هذه الآياتِ نصٌّ في التحذيرِ ممَّنْ يُقدِّمُ رأيَ أحدٍ على حكمِ الله تعالى، يقولُ ابنُ حزمٍ: "هذا نصُّ ما فَعَلَ خصومُنا بلا تأويلٍ ولا تدبّرٍ، بلْ تُعْرَضُ عليهم الآيةُ والحديثُ الصحيحُ - الذي يقرون بصحتِه - وكلاهما مخالفٌ لمذاهب لهم فاسدةٌ، فيأبون مِنْ قبولِها لا نفارقُ ما وجدنا عليه آباءنا وكبراءنا، فقد أجابهم الله تعالى جوابًا كافيًا" (٤). ويقولُ تقيُّ الدّين بنُ تيميةَ: "أكثرُ الناسِ إنَّما التزموا المذاهبَ - بل الأديان - بحُكْمِ ما تبيّنَ لهم، فإنَّ الإنسانَ على دينِ أبيه ... كما يتبع الطفلُ في الدّينِ أبويه ... ثمَّ إذا بَلَغَ الرجلُ فعليه أنْ يقصدَ طاعةَ الله ورسولِه حيثُ كانتْ، ولا يكون ممَّنْ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٥)، فكلّ مَنْ عَدَلَ عن اتِّباعِ الكتابِ والسنةِ، وطاعة الله والرسولِ إلى عادتِه وعادةِ أبيه وقومِه، فهو مِنْ أهلِ الجاهليةِ ... وكذلك مَنْ تبيَّنَ له في مسألةٍ من المسائل الحقُّ الذي بَعَثَ اللهُ به رسولَه، ثم عَدَلَ عنه إلى عادتِه، فهو مِنْ أهلِ الذمِّ" (٦). فالعملُ بالآيةِ والحديثِ أسلمُ مِنْ تركِهما والأخذ بقولِ مَنْ ليس معصومًا (٧).

стр. 1084

الدليل الثاني: إجماعُ أهلِ العلمِ على أنَّ مَنْ ثبتتْ عنده سنةُ رسولِ الله ﷺ ، فلا يجوزُ له تركُها، حكاه الإمامُ الشافعي، فقالَ: "أجمعَ المسلمون على أنَّ مَنْ استبانتْ له سنةُ رسولِ الله ﷺ لم يحلَّ له أنْ يدعها لقولِ أحدٍ" (١). الدليل الثالث: أنَّ عددًا مِن الأئمةِ أمروا غيرَهم عند مخالفةِ أقوالهم لحديثِ رسولِ الله ﷺ بالأخذِ بالحديثِ، وتركِ أقوالهم، وقد تقدّمَ ذكرُ بعضِ أقوالهم في مسألةِ: (نسبة القول إلى إمام المذهب بناءً على ثبوتِ الحديثِ)، ومِنْ ذلك: قولُ الإمامِ الشافعي: "إذا وجدتم عن رسولِ الله ﷺ سنةً خلاف قولي، فخذوا السنةَ، ودعوا قولي، فإنِّي أقولُ بها" (٢). ويقولُ الإمامُ الشافعي للربيعِ: "قد أعطيتُك جملةً تغنيك إنْ شاءَ لله: لا تدع لرسولِ الله ﷺ حديثًا أبدًا، إلا أنْ يأتي عن رسولِ الله ﷺ خلافه، فتفعل فيه ما قلتُ لك في الأحاديثِ إذا اختلفتْ" (٣). فإذا كنتم تتبعون إمامَكم فيما يقولُ، فاتبعوه حين أَمَرَ بتركِ قولِه، والأخذِ بالحديثِ النبوي (٤). يقولُ أبو شامةَ المقدسي: "أمَّا الذين يُظْهِرُون التعصبَ لأقوالِ الشافعي كيفما كانتْ، وإنْ جاءَتْ سنةٌ بخلافِها، فليسوا متعصبين له في الحقيقةِ؛ لأنَّهم لم يمتثلوا ما أَمَرَ به إمامُهم، بلْ دَأَبُهم وديدنهم إذا أُوْرِدَ عليهم حديثٌ صحيحٌ - وهو مذهبُ إمامِهم لو وَقَفَ عليه لقالَ به - أنْ يحتالوا في دفعِه بما لا ينفعهم ... " (٥).

стр. 1085

ويقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "إنَّ كلَّ عالمٍ يُصرِّحُ - أو يعرِّض - بأنَّ اتِّباعه إنَّما يكون على شرطِ أنَّه حاكمٌ بالشريعةِ، لا بغيرِها، فإذا ظَهَرَ أنَّه حاكمٌ بغيرِ الشريعة خَرَجَ عن شرطِ متبوعِه، فلم يكن تابعًا له! فتأمَّلوا كيفَ يخرجُ عن تقليدِ متبوعِه بالتصميمِ على تقليدِه؟ ! " (١). ويقولُ الإمامُ الشوكاني: "تقرّرَ إجماعُ أئمةِ المذاهبِ الأربعةِ على تقديمِ النصِّ على آرائِهم" (٢). مناقشة الدليل الثالث: إنَّ كلامَ الأئمةِ موجَّه إلى مَنْ بَلَغَ درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ الإسلاميةِ؛ لتمكّنِهم مِن استباطِ الحكمِ مِن دليلِه (٣). الجواب عن المناقشة: ليسَ ممَّا يقتضيه عملُ السلفِ الصالحِ اشتراطُ رتبةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، والتوقف عن العملِ بالحديثِ حتى يصل الناطرُ إلى أقصى غايةٍ في الاجتهادِ، بلْ كلُّ مَنْ كان مِنْ أهلِ العلمِ، فهو مطالبٌ بحسبِ ما تصلُ إليه قدرتُه مِن العلمِ (٤). الدليل الرابع: لا شكَّ في أنَّ الواجبَ العملُ بالدليلِ الشرعي، واتّباعُ سنةِ النبي ﷺ ، وإذا لم يعملْ إمامُ المذهب بالحديثِ؛ لعذرٍ مِن الأعذارِ، فإنَّ وجوبَ العملِ به لا يرتفعُ عن أصحابِهَ إذا ظفروا به، فهم غيرُ معذورين في تركِه (٥)، ولا سيما أنَّ تطرّقَ الخطأِ إلى آراء العلماءِ أكثر مِنْ تطرّقِه إلى الأدلةِ الشرعيةِ (٦).

стр. 1086

يقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيمية: "مَنْ تَرَكَ الحديثَ؛ لاعتقادِه أنَّه لم يصحَّ، أو أنَّ راويه مجهولٌ - ونحو ذلك - ويكون غيرُه قد عَلِمَ صحتَه وثقةَ راويه: فقد زَالَ عذرُ ذلك في حقِّ هذا" (١). الدليل الخامس: إذا جوّزَ المانعون مِن العملِ بالحديثِ النبوي المخالفِ لقولِ إمامِهم مخالفةَ نصِّ إمامِهم في مسألةٍ؛ لنصٍّ له آخر نُقِلَ عنه في المسألةِ نفسِها عَسُرَ عليهم التفريقُ بينهما: فمِنْ بابٍ أولى أنْ يخالفوا نصَّه؛ لمخالفتِه حديثَ النبي ﷺ (٢). الدليل السادس: إذا جوّزتم لإمامِ مذهبِكم أنْ يخالفَ غيرَه مِن المجتهدين؛ لدليلٍ ظَفَرَ به، فيلزمكم أنْ تجوّزوا مخالفةَ قولِ إمامِكم إذا ظَهَرَ لكم رجحانُ قولِ غيرِه مِن الأئمةِ؛ لموافقتِهم الدليل (٣). مناقشة الدليل السادس: لا يلزمُ مِنْ تجويزِ مخالفةِ إمامِ المذهب لغيرِه مِن المجتهدين؛ لدليلٍ ظَفَرَ به، أنْ نخالفَه إذا اطّلعنا على دليلٍ على خلافِ قولِه؛ لأنَّه مجتهدٌ كاملُ الآلةِ، ونحن نَظَرُنَا قاصرٌ، فحَصَلَ الفرقُ بين الحالتين (٤). الجواب عن المناقشة: إذا عملتم بالقولِ الذي دلَّ عليه الدليلُ مِنْ كتابٍ أو سنةٍ، وقد عَمِلَ به إمامٌ مِنْ أئمةِ المذاهب المتبوعةِ، فقد وافقتم اجتهادَ عالمٍ كاملِ الآلة، فيتحقق لكم اتّباعُ الدليلِ، وموافقةُ عالمٍ (٥). الدليل السابع: إذا وَجَدَ المتمذهبُ دليلًا نقليًا مِنْ كتابٍ أو سنةٍ يدلُّ على خلافِ قولِ إمامِه، فيتعيَّن عليه الأخذُ بالدليلِ؛ لأنَّ موافقةَ المتمذهبِ لإمامٍ تقاوم إمامَ مذهبِه، وتبقى النصوصُ الشرعيةُ سالمةً في حقِّه عن

стр. 1087

المعارضِ إذا عملَ بها (١). الدليل الثامن: يلزمُ مِنْ الأخذِ بقولِ إمامِ المذهبِ، وتركِ الدليلِ النقلي الإعراضُ عن الكتابِ والسنةِ، وتركُ أَمْرِ الله تعالى وأَمْرِ رسولِه ﷺ ، ويكون إمامُ المذهب كالنبي لأتباعِه، وفي هذا مشابهةٌ لما عابَ الله تعالى به النصارى في قولَه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢). الدليل التاسع: إذا خالفَ قولُ إمامِ المذهب دليلًا مِن الكتابِ أو السنةِ، فالمقدَّمُ هو الدليل؛ لأنَّ الأدلةَ هي الحجةُ التي يجبُ الأخذُ بها، بخلافِ رأي إمامِ المذهبِ، فليسَ بحجّةٍ شرعيةٍ (٣). الدليل العاشر: إذا قررتُم أيَّها المانعون مِن العملِ بالحديثِ العذرَ للمتمذهبِ حينَ يتركُ الحديثَ النبويَّ؛ لقولِ إمام مذهبِه، فأولى بالعذرِ مَنْ تَرَكَ قولَ إمامِ مذهبِه؛ لمخالفتِه للحديثِ النبوي (٤). الدليل الحادي عشر: إذا ساغَ للمتمذهبِ الأخذُ بقولِ إمامِه الذي رَجَعَ عنه - كما هو موجودٌ لدى كثيرٍ مِن المتمذهبين (٥) فما المانعُ مِنْ أخذِ المتمذهبِ بقولِ غيرِ إمامِه، إنْ ظَهَرَتْ له موافقتُه للدليلِ؟ ! (٦). مناقشة الدليل الحادي عشر: هناك فرقٌ بين الحالتين - الحالة الأولى: أخذُ قولِ الإمامِ المرجوعِ عنه، والحالة الثانية: أخذُ قولِ غيرِه مِن الأئمةِ - من جهةْ أنَّ المتمذهبَ في الحالةِ الأُوْلى قد أَخَذ بقولٍ كان مذهبًا

стр. 1088

لإمامِه مرةً، بخلافِ الحالةِ الثانيةِ، فإمامُ المذهبِ لم يقلْ بالقولِ أصلًا (١). الجواب عن المناقشة: أجابَ ابنُ القيّمِ عن المناقشةِ، فقالَ: "هذا فرقٌ عديمُ التأثيرِ؛ إذ ما قالَ به، وصرَّحَ بالرجوعِ عنه بمنزلةِ ما لم يقلْه" (٢). الدليل الثاني عشر: أنَّنا نُوْجِبُ العملَ بالحديثِ النبوي إذا ثَبَتَ عن النبي ﷺ دونَ تفصيلٍ؛ إذ لا نعلم أحدًا مِنْ أئمةِ المسلمين البتة قال: لا نعملُ بحديثِ رسولِ الله ﷺ حتى نعرفَ مَنْ عملَ به، فإنْ جَهِلَ مَنْ بلغه الحديثُ مَنْ عملَ به، لم يحلَّ له أنْ يعملَ به (٣). ويمكن أنْ يناقش الدليل الثاني عشر: بأنَّ ما ذُكِرَ في الدليلِ مِن عدمِ الالتفاتِ إلى أحدٍ إذا ثبتتْ سنةُ النبي ﷺ هو مِنْ شأنِ المجتهدِ المطلقِ، أمَّا من عداه، فليس له ذلك؛ إذ قد يعملُ بحديثٍ ظاهره الصحة، لكنْ له علةٌ خفيتْ عليه - ولم تخف على مَنْ قبله؛ إذ لم يعملوا بالحديثِ - فيقع في مخالفةِ السلفِ. الدليل الثالث عشر: إذا فَرَضَ المسلمُ نفسَه بين يدي النبي ﷺ ، وقد سمعَ حديثَه، فهلْ يسعه التأخر عن العملِ بما سَمِعَ؟ ! (٤)، فكذا الحال إذا نُقِلَ إليه حديثُه ﷺ . ويمكن أنْ يناقش الدليل الثالث عشر من وجهين: الوجه الأول: أنَّ قولَ تقيِّ الدين السبكي - وهو المستدلُّ بالدليلِ -: "ليفرض المسلم نفسه بين يدي النبي ﷺ ، وقد سمع حديثه ... " (٥)، مدفوعٌ بأنَّ تركَ العلماءِ للعملِ بالحديثِ قادحٌ في صحتِه، أو دالٌّ على نسخِه. الوجه الثاني: لا تستوي حالة مَنْ سمع من النبي ﷺ مباشرةً، وحالة

стр. 1089

مَنْ نُقلَ إليه الحديثُ؛ وذلك لتطرّقِ احتمالِ غلطِ الراوي وخطئِه إلى الحالةِ الثانيةِ، دونَ الأُولى. الدليل الرابع عشر: إذا خالفَ إمامُ المذهبِ الحديثَ النبوي، فإنَّنا نأخذُ بالحديثِ النبوي؛ لأنَّ ما دلَّ عليه الحديثُ هو مذهبُ إمامنا في هذه الحالةِ، فلم نخرجْ عن التزامِ مذهبِه (١). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: إذا اختلفَ العلماءُ في مسألةٍ ما على قولين، وكان قولُ إمامِنا مخالفًا للدليلِ الذي مع القولِ الآخر - سواءٌ أكان آيةً أم حديثًا - فإنَّنا نأخذُ بقولِ إمامِنا مع مخالفتِه للدليلِ؛ لأنَّنا مأمورون بتوقيرِ العلماءِ، ونعلم أنَّ العالمَ لو تعمَّدَ مخالفةَ رسولِ الله ﷺ ، لكانَ مرتكبًا لكبيرةٍ مِن الكبائرِ، وفي براءتِه مِن ارتكابِ الكبيرةِ ما يُوجبُ أنَّه كان عنده علمٌ يُوجبُ له ترك الحديثِ، ورفع حكمِ الآيةِ، لم يكنْ عند العالمِ الذي قالَ بموافقةِ الدليلِ، وبهذا نكون قد قمنا بتوقيرِ كلا العالمين (٢). مناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من أربعة أوجه: الوجه الأول: يلزمُ مِنْ دليلِكم لازمٌ باطلٌ لا يقولُ به أحدٌ؛ إذ يلزمُ منه أنْ يأخذَ المتمذهبُ بالأقوالِ التي خالفَ أصحابُها الدليلَ؛ ليوقرَ كلا العالمين، فيقول بمنعِ الجنبِ مِن التيممِ في السفرِ؛ تقليدًا لعمرَ بنِ الخطابِ ﵁ (٣)، وبسقوطِ الكفارةِ عن الواطئِ زوجته في نهارِ رمضان؛

стр. 1090

تقليدًا لإبراهيمَ النخعي (١)، بلْ عليه أنْ يتعمدَ الأخذَ بكلِّ قولٍ خالفَ صاحبُه حديثَ النبي ﷺ ، وهذا لا يفعلُه مسلمٌ (٢). الوجه الثاني: يقتضي دليلُكم أنْ يتركَ المتمذهبُ مذهبَه فيما إذا وافقَ إمامُه الدليلَ فيه، وخالفه غيرُه مِن العلماءِ، وأنتم لا تصنعون ذلك (٣). الوجه الثالث: يلزم مِنْ دليلِكم استحقاقُ إمامِ مذهبِكم لسخطِ الله تعالى؛ لأنَّ إمامَكم في ضوءِ ما قلتُم كاتمٌ لعلمٍ عنده عن رسولِ الله ﷺ ، ويقول ﵎ متوعِّدًا مَنْ كَتَمَ علمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (٤). الوجه الرابع: القولُ بأنَّ إمامَ المذهبِ قد اطَّلعَ على الدليلِ، وخالفَه؛ لأمرٍ يقتضي المخالفةِ، قولٌ غيرُ دقيقٍ؛ فقد يكون واقعُ الأمرِ أن إمامَ المذهب لم يطَّلعْ على الحديثِ أصلًا، أو بَلَغَه فنسيه، أولم ينسه، لكنَّه لم يخَطرْ على بالِه، أو تأوّله بتأويلٍ - من تخصيصٍ أو نسخٍ - لا يصحّ وجهُه (٥)، ونحو ذلك مِن الأعذارِ التي تُخرج العالم عن
следующие страницы →