← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الحالةِ الثانيةِ على أقوال، أشهرها: القول الأول: ننسبُ إلى إمامِ المذهبِ القولَ الأشبهَ بأصولِه وقواعدِ مذهبِه، ونكون شاكين في قولِه الثاني. وهذا القولُ هو الصحيحُ في مذهبِ الحنابلةِ (١). وهو قولُ بعضِ المالكيةِ (٢)، وبعضِ الحنابلةِ (٣). ونَسَبَه صدرُ الدّين السلمي إلى بعضِ المحققين (٤). وذَهَبَ إليه جمعُ مِن العلماءِ، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (٥)، وأبو الخطابِ (٦)، وابنُ بَرْهان - إذ عمَّم بأنَّ منتحلي مذهب الإمام الشافعي يجتهدون بالأشبهِ مِن أقوالِه عند اختلافِها بمذهبِه (٧) - والموفقُ بنُ قدامة (٨)، وابنُ الصلاحِ (٩)، وابنُ حمدان (١٠)، والطوفيُّ (١١)، وهو ظاهر قولِ تقيّ الدين بنِ تيمية - إذ نَقَلَ كلامَ ابنِ حمدان (١٢) وابنِ الصلاحِ (١٣) دونَ تعقبهما - وهو قولُ ابنِ مفلحٍ في كتابه: (الفروع) (١٤)، وابنِ فرحون (١٥)، وتقيّ الدين الحصني (١٦)، والمرداوي (١٧)، وجلالٍ الدين السيوطي (١٨)،

стр. 1157

وابنِ النجار (١)، وابنِ بدران (٢). وبعضُ أرباب هذا القولِ - كأبي الخطاب، والموفقِ بنِ قدامة، والطوفي - جعلوا مِن المرجحات للقولِ كونَه أقربَ إلى الحجةِ الشرعيةِ مِن الكتابِ والسنةِ. بلْ إنَّ ابنَ حمدان أكثر مِنْ ذكرِ المرجِّحات، فجَعَلَ منها إضافةً إلى ما سَبَقَ: ما كان أقرب إلى الإجماعِ، أو الآثارِ، أو عوائد إمامِ المذهبِ ومقاصدِه وتصرفاتِه (٣). ونصَّ ابنُ الصلاحِ (٤)، وابنُ حمدان (٥)، وجلالُ الدين السيوطي (٦) على التوقف عند عدمِ إمكانِ الترجيحِ بين قولي إمامِ المذهبِ. ومقتضى إطلاقِ القائلين بالقولِ الأولِ أنَّهم يوافقونهم على التوقفِ عن الترجيحِ إذا لم يتمكن المتمذهبُ منه. ولعل مقصدَ أرباب هذا القول بالشكِّ في القولِ الثاني هو الشكّ في بقاءِ إمامِ المذهبِ على القولِ به، لا أنَّهم يشكون في نسبتِه إليه؛ لثبوتِ النقلِ عنه. ويمكنُ أنْ يُلْحَقَ بأربابِ هذا القولِ مَنْ ذَهَبَ إلى الترجيحِ بين القولين باعتمادِ المتمذهب على ما يشهدُ له به قلبُه باعتبارِ ما ظَهَرَ عنده مِن الأماراتِ الدالةِ على كونِه أقربَ إلى الصوابِ.

стр. 1158

وقد ذَهَبَ إلى هذا القولِ: ابنُ الهمام الحنفي (١)، وأمير باد شاه (٢). القول الثاني: نَنسبُ القولين إلى إمامِ المذهبِ، ولا نحكمُ برجوعِه عن أحدِهما بعينِه. وهذا القولُ هو ظاهرُ إطلاقِ الحسنِ بن حامد (٣)، وهو قولُ القاضي أبي يعلى (٤)، والفخرِ الرازي (٥)، وتاجِ الدين الأرموي (٦)، وسراجِ الدين الأرموي (٧)، والقاضي البيضاوي (٨)، وشهابِ الدين القرافي - ونصَّ على عدمِ جوازِ العملِ بأحدِ القولين (٩) - وصفيّ الدين الهندي - ونصَّ على عدمِ جوازِ العملِ بأحدِ القولين حتى يتبينَ التاريخُ (١٠) - وابنِ جزي المالكي (١١)، وابنِ مفلحٍ في كتابِه: (أصول الفقه) (١٢)، وتاجِ الدين بنِ السبكي (١٣)، وجمالِ الدين الإسنوي (١٤)، وبدرِ الدين الزركشيّ - ونصَّ على عدمِ جوازِ العملِ بأحدِ القولين حتى يتبيّن التاريخُ (١٥) - وابنِ رسلان الرملي (١٦)، وابنِ أمير الحاج (١٧)، وأبي علي الشوشاوي (١٨)، ومحمد بخيت المطيعي (١٩). ومحصّل هذا القول هو التوقف عن تعيينِ القولِ الذي رَجَعَ عنه إمامُ المذهبِ (٢٠).

стр. 1159

ومَنْ قالَ في الحالةِ الأولى: (إذا علم تاريخ قولي الإمام) بنسبةِ كلا القولين إلى إمامِ المذهبِ، فمِنْ بابٍ أولى أنْ يقولَ بنسبةِ كلا القولين إلى إمامِ المذهبِ في الحالةِ الثانيةِ (١). القول الثالث: نعتقدُ نسبةَ أحدِ القولين إلى إمامِ المذهب، ورجوعه عن القولِ الآخر، دونَ تعيين أحدِهما. وهذا قولُ الآمدي (٢)، ونصَّ على امتناع العملِ بأحدِ القولين (٣)، وتَبعَ أبو زكريا الرهوني الآمديَّ في منعِ العملِ بأحدِ قولي إمامِ المذهبِ (٤). واختارَ هذا القولَ الدكتور عياضٌ السلمي (٥). ومحصّل القول الثالث هو التوقّفُ في نسبةِ أحدِ القولين إلى إمامِ المذهبِ، ورجوعه عن الآخر. • أدلة الأقوال: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: قياسُ أقوالِ إمامِ المذهبِ إذا تعارضتْ، فلم يُعْرَفْ المتقدِّمُ منها على أقوالِ النبي ﷺ ، فكما أنَّ المجتهدَ يجتهدُ في أقوالِ النبي ﷺ إذا تعارضتْ، ولم يَعْلم المتقدِّمَ منها، فإنَّه يأخذُ بأقربِها إلى شرعِ الله ودينه، فكذا أتباعُ إمامِ المذهبِ، يجتهدون في معرفةِ الراجحِ مِنْ أقوالِه المتعارضةِ بترجيحِ ما كان أقرب منها إلى أصولِ إمامِ المذهبِ وقواعدِه (٦).

стр. 1160

مناقشة الدليل الأولك لا يصحُّ إلحاقُ أقوالِ إمامِ المذهبِ بأقوالِ النبي ﷺ ؛ إذ هناك فرقٌ بينهما، وإذا كان ثمّةَ فرقٌ لم يصحّ القياسُ، وبيانُ الفرقِ: أنَّ الشرعَ أَذِنَ في الاجتهادِ في أقوالِ النبي ﷺ ، ولذا جازَ الترجيحُ بينها إذا تعارضتْ، ومِنْ أينَ لكم أنَّ إمامَ المذهبِ قد أَذِنَ في الاجتهادِ في أقوالِه إذا تعارضتْ؟ ! (١). الجواب عن المناقشة: إذا بيَّنَ إمامُ المذهبِ أصولَه وقواعدَه، فإنَّ في هذا إذنًا في التفريعِ عليها، إذ الإمام ألزمَ نفسَه بما تقتضيه هذه الأصولُ والقواعدُ (٢)، والظاهرُ مِنْ حالِه أنَّه يَطْرُدُها في جميعِ المسائلِ (٣). الدليل الثاني: إذا تعارضتْ أقوالُ إمامِ المذهبِ في المسألةِ الواحدةِ، ولم يُعْلَم المتقدِّم منها، فإنَّنا نرجّحُ القولَ الأشبهَ بَأصولِ الإمامِ؛ لاقترانِه بدليل مِنْ مذهبِ الإمامِ نفسِه - وهو موافقة أصل مِنْ أصولِه - فكان هو المرجَّح منها (٤). ومِنْ جهةٍ أخرى: يغلبُ على الظنِّ أنَّ القولَ الأشبهَ بأصولِ إمامِ المذهبِ وقواعدِه، قولُه المتأخر (٥). أدلةُ أصحابِ القول الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: ليس تقديمُ أحدِ قولي إمامِ المذهبِ أولى مِنْ تقديمِ القولِ الآخر؛ ولا يسوغُ إهمالُ كلا القولين، فقلنا بإثباتِهما - وجعلنا الحُكْمَ مختلفًا فيه عنده (٦) - إلى أنْ يَتَبَّينَ لنا أيُّ القولين هو المتأخر؟ فنأخذ به.

стр. 1161

الدليل الثاني: أنَّ كلا القولينِ المختلفينِ في المسألةِ قولٌ ثابتٌ لإمامِ المذهبِ، فنُثْبِتُهما دونَ إبطالٍ لهما؛ لأنَّ الاجتهادَ لا يُنْقَضُ بالاجتهادِ، والقولانِ قالهما إمامُ المذهبِ باجتهادين، فلا ينقض أحدُهما بالآخر (١). مناقشة الدليل الثاني: سبقتْ مناقشةُ الدليلِ الثاني في الحالةِ الأولى. الدليل الثالث: إجماعُ العلماءِ على نقلِ أقوالِ السلفِ، وإن اختلفتْ عنهم (٢)، وليس لنقلِها فائدةٌ إلا نسبتها إليهم، وجواز العملِ بها. ويمكن أن يناقش الدليل الثالث: بمثلِ مناقشةِ الدليلِ الثاني لأصحابِ القولِ الثاني في الحالةِ الأولى. دليل أصحاب القول الثالث: إنَّ تعيينَ أحدِ القولين مذهبًا لإمامِ المذهب ترجيحٌ مِنْ غيرِ مرجِّحٍ، وإذا عمل المتمذهبُ بأحدِ القولين، فيحتمل أنَّه أخَذَ بالقولِ المرجوعِ عنه؛ إذ إنَّنا نجزمُ بأنَّ أحدَ القولين مرجوعٌ عنه. ويؤكّدُ هذا الأمر: أنَّه إذا وَجَدَ المجتهدُ نصين مِن النصوصِ الشرعيةِ، وعَلِمَ أنَّ احدَهما ناسخٌ للآخرِ، ولم يتبينْ له الناسخُ مِن المنسوخِ، فإنَّه يمتنعُ عليه العملُ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ ما عَمِلَ به هو المنسوخ (٣). • الموازنة والترجيح: بالنظرِ في الأقوالِ وما استدلوا به، يظهرُ لي الآتي: الأول: مِنْ جهةِ نسبةِ أحدِ القولين إلى إمامِ المذهبِ، فإنَّ الأرجحَ هو القولُ الثالث؛ إذ لا مُرجّحَ بين القولين. الثاني: مِنْ جهةِ عملِ المتمذهبِ، فالقولُ الأولُ وجيهٌ في المسألة؛ لأنَّ المتمذهبَ لا بُدَّ له من العملِ والإفتاءِ، فإذا أفتى بالقولِ الأشبهِ بأصولِ إمامِه الذي تعضده الأدلةُ، فقد أدَّى ما عليه.

стр. 1162

الثالث: لا يبعدُ القولُ عندي أنَّ عملَ كثيرٍ مِن الفقهاءِ ولا سيما علماء الحنابلة على حكايةِ القولين عن إمامِ المذهبِ، ولا يُغْفِلون شيئًا منها، ثم يبقى نظرُ محققيهم في الترجيحِ بينها. • نوع الخلاف: الخلافُ بين الأقوال خلافٌ معنوي، ويمكنُ القولُ: إنَّ القولَ الثالثَ يقتربُ مِن بعضِ أصحابِ القولِ الثاني ممَّنْ نصَّ على امتناعِ العملِ بأحدِ القولين إلى أنْ يَتبيّنَ المتقَدّم مِن المتأخرِ، بلْ أكادُ أقولُ: إنَّ الخلاف بينهما خلافٌ في العبارةِ فحسب؛ إذ كلا الفريقين ذاهبٌ إلى المنعِ مِن العملِ بقولِه إمامِ المذهبِ، وهذا الحكمُ يُقرِّبُ بينهما في المعنى (١). ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ أصحابَ القولِ الثاني توقّفوا في تعيينِ القولِ الذي رَجَعَ عنه إمامُ المذهبِ، وأصحابُ القول الثالث توقفوا عن نسبةِ أحدِ القولين إلى إمامِ المذهبِ، ورجوعه عن الآخرِ، فالتقاربُ بين القولين كبيرٌ. ولا يبعدُ عندي أنْ يكونَ المانعُ مِن العملِ بقولِ إمامِ المذهبِ في هذه الحالة قد وجَّه منعَه إلى رتبةِ المقلِّدين مِن المتمذهبين وغيرِهم، بخلافِ المتمذهبِ الذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ المقيَّد في المذهبِ، فلهم أنْ يعملوا باجتهادِهم في أقوالِ إمامِهم (٢)؛ لأنَّ المجتهدَ المذهبيَّ متأهلٌ للترجيحِ بين أقوالِ إمامِه، بخلافِ المقلِّدين. وقد أشارَ بعضُ الأصوليين إلى أثرٍ من آثارِ الخلاف في المسألةِ، فيظهر في مسألةِ: هل يسوغُ العملُ بأحدِ قولي إمامِ المذهبِ في هذه الحالةِ؟ (٣).

стр. 1163

فعند أصحابِ القولِ الأول يسوغُ العملُ بالقولِ الأشبه بأصولِ الإمامِ وقواعدِه. وأمَّا عند أصحابِ القول الثاني: فمنعَ بعضُهم العملَ، ومقتضى إطلاقِ الآخرين هو تجويز العملِ بكلا القولين. وعند أصحابِ القول الثالثِ لا يسوغُ العملُ بأحدِ القولين حتى يتبين الأمرُ. * * *

стр. 1164

المبحث الثالث: أخذ المتمذهب قولا رجع عنه إمامه يتصل الحديثُ في هذا المبحثِ بالمبحثِ السابقِ اتصالًا وثيقًا؛ إذ يترتبُ الحُكْمُ هنا - في الجملةِ - على تقريرِ نسبةِ القولِ المرجوعِ عنه إلى إمامِ المذهبِ. وقبلَ الدخولِ في هذا المبحث تحسنُ الإشارةُ إلى أنَّ لمعرفةِ رجوعِ إمامِ المذهبِ عن قولِه طُرُقًا عدّةً، منها: الطريق الأول: تصريحُ إمامِ المذهبِ نفسِه برجوعِه عن قولِه، وقد سَبَقَ في المبحثِ الثاني ذكرُ مثال له. الطريق الثاني: ما ينقله تلاميذُ إمامِ المذهبِ وأصحابُه عنه مِنْ رجوعِه عن قولِه؛ إذ أعرفُ الناسِ بأقوالِ الإمامِ هم تلامذته الملازمون له (١). الطريق الثالث: ما يُقرره أصحابُ المذهبِ المحققون فيه، فإذا قرّر محققو المذهبِ أنَّ إمامَهم قد رَجَعَ عن قولِه، أو صححوا قولًا في المذهبِ على خلافِ قولِ إمامِهم، فإنَّ تقريرَهم قرينةٌ قويةٌ دالةٌ على رجوعِ إمامِهم عن قولِه (٢). ومِن الأمورِ التي قد تترتبُ على هذا الطريقِ حصولُ الاختلافِ بين محققي المذهبِ في تعيينِ القولِ المرجوعِ عنه، أو القولِ المصحّحِ في مذهبِهم (٣).

стр. 1165

الطريق الرابع: إذا تعارضَ قولٌ لإمامِ المذهبِ مع قولٍ آخر، وعُلِمَ القولُ المتأخرُ منهما، فالمتقدِّمُ مرجوعٌ عنه، وقد سَبَقَ الحديثُ عن هذا في المبحثِ السابقِ. الطريق الخامس: إذا أفتى إمامُ المذهبِ بحكمٍ، واعترضَ عليه أحدٌ، فسَكَتَ، فهل يُعَدُّ سكوتُه حينئذٍ رجوعًا عن قولِه؟ وقد سبقَ الحديثُ عن هذا الطريق في مسألة: (نسبة القول إلى إمام المذهب عن طريق السكوت). ولم أقفْ على مَنْ تحدث عن هذا الطريقِ عند غيرِ الحنابلةِ، فيما رجعتُ إليه من مصادر. والطرقُ السابقةُ متفاوتةٌ في بيانِ القولِ المرجوعِ عنه؛ فلا يستوي الطريقُ الأولُ مع بقيتها. يقولُ الطوفي عن درجةِ تصحيحاتِ علماءِ الحنابلةِ: "لكنَّ هؤلاءِ بالغين ما بَلَغُوا لا يحصلُ الوثوقُ مِنْ تصحيحِهم لمذهبِ أحمدَ كما يحصلُ مِنْ تصحيحِه هو لمذهبِه قطعًا" (١). ومحلُّ الحديثِ في هذا المبحثِ عند غيرِ القائلينِ بنسبةِ القولين: المتقدِّم منهما والمتأخر إلى إمامِ المذهبِ؛ لأنَّ الآخذَ بالقولِ المتقدِّمِ عندهم آخذٌ بقولِ الإمامِ الذي تصحُّ نسبتُه إليه، ويجوزُ العمل به (٢). إذا ثَبَتَ عند المتمذهبِ رجوعُ إمامِه عن قولِه، فهلْ يسوغُ للمتمذهبِ أنْ يأخذَ قولَ إمامِه حينئذٍ؟ لا يخلو الأمرُ عن حالتين: الحالة الأولى: أنْ تكونَ المسالةُ بعدَ رجوعِ الأمامِ عن قولِه وفاقيةً.

стр. 1166

الحالة الثانية: أنْ تكونَ المسألةُ بعد رجوعِ الإمامِ عن قولِه خلافيةً. الحالة الأولى: أنْ تكون المسألةُ بعد رجوعِ الإمامِ عن قولِه وفاقيةً. إذا قالَ إمامُ المذهب قولًا انفردَ به عن بقيةِ علماءِ عصرِه، واستقرَّ خلافُهم، ثمَّ رَجَعَ عن قولَه، فهل للمتمذهبِ أنْ يأخذَ قولَ إمامِه في هذه الحالةِ؟ الذي يظهرُ هو عدمُ جوازِ أخذِ قولِ الإمامِ المرجوعِ عنه؛ وذلك للآتي: الأول: أنَّ الإجماعَ ينعقدُ في هذه الحالةِ في مذهبِ جمهورِ العلماءِ (١)، ولا يسوغُ الأخذُ بقولِ مخالفِ للإجماعِ. الثاني: أنَّ الآخذَ بالقولِ المرجوعِ عنه في هذه الحالة آخذٌ بقولٍ لا قائلَ به. الثالث: ذَهَبَ كثيرٌ مِنْ أهلِ العلمِ إلى المنعِ مِن الأخذِ بغيرِ المذاهب الأربعة - كما سبقت الإشارة إليه مِنْ قبل - والآخذُ بالقولِ الذي رَجَعَ عنه إمامُ مذهبِه آخذٌ بقولٍ خارجٍ عن المذاهبِ الأربعةِ. الرابع: لا يصدقُ على الآخذِ بالقولِ المرجوعِ عنه في هذه الحالة أنَّه متمذهبٌ بمذهبِ إمامِه، ولا مقلِّدٌ لغيرِه. وهنا تنبيه، وهو: إذا تحقّقَ للمتمذهبِ وصفُ الاجتهادِ المطلقِ، أو

стр. 1167

الاجتهاد الجزئي في بعضِ المسائلِ، فله أحكامُ المجتهدين في الشريعةِ. الحالة الثانية: أنْ تكونَ المسألةُ بعد رجوعِ الإمامِ عن قولِه خلافيةً. إذا قال إمامُ المذهبِ قولًا ما في مسألةٍ خلافيةٍ، ووافقه بعضُ المجتهدين، ثمَّ رَجَعَ إمامُ المذهبِ عن قوْلِه، وبقي مَنْ عداه مِن المجتهدين على أقوالِهم، فهل يجوزُ للمتَمذهبِ في هذه الحالةِ أخذُ قولِ إمامِه المرجوعِ عنه؟ بتأمَّل الحالةِ الثانيةِ، ظَهَرَ لي التفصيلُ الآتي: أولًا: إذا كانَ أَخْذُ المتمذهبِ لقولِ إمامِه المرجوعِ عنه؛ لرجحانِه عنده: فالذي يظهرُ لي هو جوازُ أَخْذِه، إنْ لم أقل بوجوبه (١)؛ لأنَّ أَخْذَ المتمذهبِ للقولِ في هذه الحالة غيرُ مقصودٍ؛ لأنَّه أَخَذَه لرجحانِه، فوافقَ قولَ إمامِه المرجوعَ عنه تبَعًا (٢). يقولُ الشريفُ التلمساني عن الأخذِ بقولِ الإمامِ مالكٍ المرجوع عنه: "إنْ كانَ مرجوعًا عنه عنده - أي: عند الإمام مالك - فنحنُ نَأخُذُ به مِنْ حيثُ دليلُه. وأيضًا: غالبُ أقوالِ مالكٍ المنقولةِ عنه قد قالَ بها أصحابُه، فليُعملْ بها مِنْ حيثُ اجتهادُهم" (٣). ويدلُّ على جواز الأخذِ بالقول المرجوع عنه في هذه الحالة: أنَّ غالبَ المذاهبِ قد أَخَذَ متمذهبوها بقولٍ لإمامِهم ثَبَتَ رجوعُه عنه؛ لمقتضٍ للأخذِ (٤).

стр. 1168

وقد عللّ ابنُ عابدين للأخذِ بالقولِ المرجوعِ عنه: بأنَّ الإمامَ قد أَمَرَ أصحابَه بأنْ يأخذوا مِنْ أقوالِه بما يتّجه الدليلُ عليه، فإذا أخذوا قولَه المرجوعَ بناءً على أصلِه وقواعدِه التي أسسها لهم، صار ما اختاروه قولًا لإمامِهم (١). ولعل منشأ التعليلِ الذي ذكره ابنُ عابدين الحرصُ على نسبةِ كلِّ ما يصدرُ عنه، وعن غيرِه مِنْ أربابِ مذهبِه إلى مذهبِ إمامهم، بحيثُ لا يخرجُ المتمذهبُ عن مذهبِه البتة. ثانيًا: إذا كان أَخْذُ المتمذهبِ للقولِ الذي رَجَعَ عنه إمامُه؛ بناءً على أنَّه مذهبُ إمامِه: فالذي يظهر لي في هذه الحالة هو عدمُ الجوازِ؛ لأنَّ الأصلَ العملُ بقولِ الإمامِ المتأخرِ المرجوعِ إليه (٢) ح ولأنَّ القولَ المرجوعَ عنه بمنزلةِ المعدومِ (٣). ولأنَّ الباعثَ على أَخْذِ المتمذهبِ للقولِ المرجوعِ عنه هو أنَّه مذهبُ إمامِه، فإذا انتفتْ نسبةُ القولِ المرجوعِ عنه عن الإمامِ، لم يصحَّ أخذُه؛ لأنَّه ليس بقولِ له، إلا إذا صحّحَ أئمةُ المذهبِ القولَ المرجوع عنه؛ لسببٍ ما، فللمتمذهبِ أَخْذُ القولِ في هذه الحالة؛ لاندراجِه تحت مسمّى المذهبِ، بتصحيحِ الأصحابِ له. ولو أراد المتمذهبُ أخذَه مع العلمِ بأنَّه قولٌ مرجوعٌ عنه، فالحكمُ هنا يبنى على مسألةِ: (الخروج عن المذهب)، وقد تقدَّمَ الحديثُ عنها. يقولُ ابنُ الصلاحِ: "كلُّ مسألةٍ فيها قولان: قديم وجديد، فالجديدُ

стр. 1169

أصحُّ، وعليه الفتوى، إلا في نحوِ عشرين مسألةً - أو أكثر - يُفْتَى فيها على القديمِ" (١). ويقولُ أيضًا: "في هذا - أيْ: في الفتوى بالقولِ القديمِ - إشعارٌ بأنَّ عليه الفتوى، فصاروا - أيْ: أئمة الشافعية - إلى ذلك في ذلك مع أنَّ القديمَ لم يبقَ قولًا للشافعي؛ لرجوعِه عنه، فيكون اختيارُهم إذنْ للقديمِ فيها مِنْ قبيلِ ما ذكرناه مِن اختيارِ أحدِهم مذهب غيرِ الشافعي إذا أدّاه اجتهادُه إليه ... بلْ أَوْلَى؛ لكونِ القديمِ قد كان قولًا له منصوصًا" (٢). وقد تبع ابنُ حمدان ابنَ الصلاح فيما قرره آنفًا (٣). ويقولُ محيي الدين النووي: "ثمَّ إنَّ أصحابَنا أفتوا بهذه المسائلِ مِن القديمِ، مع أنَّ الشافعيَّ رَجَعَ عنه، فلم يبقَ مذهبًا له ... فإذا عَلِمْتَ حالَ القديمِ، ووجدنا أصحابَنا أفتوا بهذه المسائل على القديمِ، حملنا ذلك على أنَّه أدّاهم اجتهادُهم إلى القديمِ؛ لظهورِ دليلِه، وهُمْ مجتهدون أفتوا به، ولا يلزمُ مِن ذلك نسبتُه إلى الشافعي، ولم يقلْ أحدٌ مِن المتقدمين في هذه المسائل: إنَّها مِن مذهبِ الشافعي" (٤). فما صححّه أئمةُ المذهبِ مِنْ أقوالِ إمامِهم التي رَجَعَ عنها، لا تُنسبُ إليه (٥)، لكنَّها مِن المذهبِ باعتبارِ تصحيحِ أصحابِه لها. * * *

стр. 1170

المبحث الرابع: عمل المتمذهب فيما توقف فيه إمامه قد يجدُ المتمذهبُ إمامَه متوقفًا في بعضِ المسائلِ غيرَ مفصحٍ بحكمٍ فيها - وأسبابُ التوقف متعددةٌ ليس المقامُ متسعًا لذكرها (١) - وقد سَبَقَ الحديثُ عن نسبةِ القول بالتوقفِ إلى إمامِ المذهب، وذكرتُ فيما سَبَقَ عددًا مِن الطُرُقِ الدَّالةِ على توقّفِ إمامِ المذهبِ في المسَألةِ. وحديثي هنا عن عملِ المتمذهب فيما توقفَ فيه إمامُه، أيتوقف عن الحكمِ كما توقفَ إمامُه، أم يخرِّجُ حُكمَ المسألةِ على الأشبهِ بأصولِ مذهبِه وقواعده؟ يتَعيّنُ على المتمذهبِ أولًا البحثُ فيما جاءَ عن إمامِه - من مؤلفات أو فتاوى ونحوهما - لعلّه يَجِدُ حُكْمَ ما توقفَ فيه إمامُه منصوصًا عليه؛ إذ العالمُ قد يتوقفُ في المسألةِ؛ لسببٍ ما، ثم يَذْهَبُ بعد ذلك إلى قولٍ فيها (٢). وكما هو معلومٌ ليس مِنْ ضرورةِ المتوقِّف عن الحُكْمِ أنْ يبقى دائمًا متوقفًا، بلْ ذهابه إلى قولٍ محدَّدٍ احتمالٌ قوي؛ فقد يَقِفُ على دليلٍ في المسألةِ، أو مرجِّحٍ، ونحو ذلك. يقولُ الحسنُ بنُ حامد: "المذهبُ في جوابِه - أيْ: الإمام أحمد - بـ

стр. 1171

لا أدري: [إنْ] (١) تأمَّل المتأمّل مذهبَه، وبَحَثَ عن مسطورِه، وَصَلَ إلى ما قاله في ذلك، وما ذكره من البيانِ فيها" (٢). فإذا لم يجدْ المتمذهبُ لإمامِه في المسألة التي توقّفَ فيها قولًا محدّدًا، فما الذي يفعله في هذه الحالةِ؟ لا يبعدُ القولُ: إنَّ للمتمذهب أنْ يتوقفَ في المسألةِ التي توقّفَ فيها إمامُه، إنْ قلنا: إنَّ التوقفَ قولٌ، لكنْ نصَّ علماءُ الحنابلةِ - على وجهِ الخصوصِ - على عَمَلِ المتمذهبِ عندما يتوقف إمامُه، وتحصَّل لدي مِنْ كلامِهم أنَّهم اختلفوا في عملِه في هذه الحالةِ على ثلاثةِ أقوال: القول الأول: على المتمذهبِ النظرُ في المسألةِ، وطلب الصواب فيها، وِفْقًا لأصولِ مذهبِ إمامِه وقواعدِه. وهذا ما ذَهَبَ إليه الحسنُ بنُ حامدٍ؛ إذ يقولُ: "على مَنْ أرادَ الجوابَ اتّباعُ الاجتهادِ لنفسِه، والاعتبارُ بما يوجبُه دليلُ الحادثةِ على أصلِه" (٣). القول الثاني: للمتمذهب إلحاقُ المسألةِ بما يشبهها من المسائلِ التي حُكمها أرجح. وهذا قولُ ابنِ حمدان (٤)، وابنِ مفلحٍ (٥)، والمرداوي (٦). وقد اختلفَ أربابُ القولِ الثاني فيما لو أَشْبَهَت المسألةُ مسالتين مختلفتين في الحُكمِ، فَبِمَ يلحقها؟ على ثلاثةِ آراء (٧):

стр. 1172

الرأي الأول: يُلْحِقُ المتمذهبُ المسألةَ بالحُكْمِ الأخفِّ. وهذا الرأي وجهٌ عند الحنابلةِ (١). واختاره المرداوي (٢). الرأي الثاني: يُلْحِقُ المتمذهبُ المسألةَ بالحُكْمِ الأشدِّ. وهذا الرأي وجهٌ عند الحنابلةِ (٣). الرأي الثالث: يتخيرُ المتمذهبُ في إلحاقِ المسألةِ بالحُكمِ الأخفِّ، أو الأشدِّ. وهذا الرأي وجهٌ عند الحنابلةِ (٤)، وجعله ابنُ حمدان (٥)، والمرداويُّ (٦) الوجهَ الأظهرَ عندهم. واختار ابنُ حمدان أنَّ الأَوْلى العملُ بكلّ مِن الحكمين: الأخف والأثقل لمَنْ هو أصلحُ له (٧). القول الثالث: يخرِّجُ المتمذهبُ مِن المسألةِ التي توقّفَ فيها إمامُه وجهين. وهذا ما يفعلُه بعضُ علماءِ الحنابلة، يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "مسائلُ الوقفِ يخرِّجها أصحابُه - أي: أصحاب الإمام أحمد - على وجهين" (٨). وهذه المسألةُ شحيحةُ الأدلةِ، ولعل الأقوال المذكورة أشبه بوجهاتِ النظرِ مِنْ قائليها، ومِن الممكنِ قول الآتي:

стр. 1173

أولًا: أنَّ القولين: الأول والثاني وجيهانِ؛ إذ أَخْذُ حُكْم المسألةِ مِنْ أصولِ المذهبِ أو مِنْ فروعِه، أقربُ طريقٍ إلى الوصولِ إلى حُكْمٍ قريبٍ مِنْ أحكامِ إمامِ المذهبِ. ثانيًا: في القولين: الأول والثاني اجتهادٌ مقيَّدٌ مِنْ المتمذهبِ للوصولِ إلى الحُكْمِ، وهذا خيرٌ مِنْ تخريجِ قولين مِنْ توقّفِ الإمامِ دونَ نظرٍ وتأمّلٍ. ثالثًا: إنْ كان المتمذهبُ أهلًا للتخريجِ على أصولِ إمامِه، أو على نصوصه، فله أَخْذُ الحكمِ مِنْ أحدِ هذينِ الطريقينِ، وإنْ كان عملُ كثيرٍ مِن الفقهاءِ على التخريجِ على نصوصِ الإمام. رابعًا: إنْ لم يكن المتمذهبُ أهلًا للتخريجِ، أو لم يتمكن منه؛ لسببٍ مِن الأسباب، فله أَخْذُ الحُكْمِ اعتمادًا على ما يقرره محققو المذهبِ في تخريج حُكْمِ المسألةِ، وله تقليدُ غيرِ إمامِه مِنْ أئمةِ المذاهب الأخرى، إنْ اطمأنَّ إلى قولِه. خامسًا: يُطَبّقُ على مَنْ أرادَ إلحاقَ المسألةِ بما يشبهها ما ذكرتُه في مسألةِ: (القياس على أقوال الإمام)، فإنَّ نصَّ الإمامُ على العلّةِ جازَ الإلحاقُ، وإنْ لم ينصَّ عليها جازُ الإلحاقُ، بشرطِ: نسبةِ القولِ إليه مقيَّدًا. سادسًا: يظهرُ أنَّ أتباعَ المذاهب في الجملةِ لا يتوقفون عند توقّفِ إمامِهم، بلْ يخرِّجون حُكْمَ المسائل الَتي توقّف فيها، وقد تقدّمَ قبل قليل كلامُ تقي الدين بنِ تيمية. سابعًا: لعلَّ السببَ في عدمِ ذكرِ بعضِ المذاهب حُكْمَ مسألةِ: (عمل المتمذهب فيما توقف فيه إمامُه)، أنَّهم قرروا طُرُقًا لمعرفةِ قولِ الإمامِ، كفعلِه أو القياس على قولِه والتخريج على أصلِه، بحيثُ لا يقع المتمذهبُ في حالة يُعْوِزُه فيها معرفة حكمِ المسألةِ داخل مدرسة مذهبِه. ثامنًا: محلُّ الكلام فيما سبق في غيرِ المتمذهب الذي بلغ درجةَ الاجتهادِ، والمتمذهب الذي تحقق له وصفُ الاجتهادِ الجزئي في المسألةِ التي توقف فيها إمامُه؛ لانتفاءِ أثرِ توقّفِ إمامِهما فيما يرجحانِه مِنْ أقوال.

стр. 1174

المبحث الخامس: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع (١) ممَّا هو معلومٌ أنَّ الحوادثَ والوقائعَ لا تنتهي، واهتمامُ العلماءِ ببيانِ حكمِها لا ينقطعُ، ولا يقتصرُ اهتمامُهم ونظرُهم على الحوادثِ فحسب، بلْ ينظرون في المسائلِ التي اختلفَ فيها أهلُ العصرِ السابقِ. وليس مِنْ شكَّ في أنَّ للمتمذهبين إسهامًا في معالجةِ أحكامِ المسائل - أصوليةً، أو فقهيةً - وقد ينتهي النظرُ فيها إلى الإجماعِ على حكمِها، إنْ كانت نازلةً، أو الاتفاق على أحد قولي العصر السابق. والمهمُّ عندنا في هذا المبحثِ: هلْ يُعتدُّ بقولِ المتمذهبِ في الإجماعِ، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماعُ إلا بموافقتِه؟

стр. 1175

قبلَ الخوضِ في المسألةِ تحسنُ الإشارةُ إلى الآتي: أولًا: الحديثُ هنا عند القائلين بحجيةِ الإجماعِ، وإمكانِ انعقادِه. ثانيًا: لا شك في أن المجتهدين هم أهلُ الإجماعِ، وهذا أمرٌ لا مريةَ فيه، لكنْ أيدخل معهم العوامُّ، فلا ينعقدُ الإجماعُ إلا بموافقتِهم، أم لا؟ اختلفَ الأصوليون في الاعتدادِ بالعوامِّ في انعقادِ الإجماعِ (١)، فعلى القولِ بالاعتدادِ بهم، فإنَّ دخولَ المتمذهبين بكافّةِ مراتبِهم مِنْ بابٍ أولى عند القائلين بهذا القولِ (٢). يقولُ الآمديُّ: "مَنْ قالَ بإدخالِ العوام في الإجماعِ، قالَ بإدخالِ الفقيهِ الحافظِ لأحكامِ الفروع فيه، وإنْ لم يكنْ أصوليًا؛ وبادخالِ الأصولي الذي ليس بفقيهٍ؛ بطريقِ الأَولى؛ لما بينهما وبين العامةِ مِن التفاوتِ في الأهليةِ والنظرِ، هذا في الأحكامِ، وهذا في الأصولِ" (٣).

стр. 1176

ويقولُ أبو علي الشوشاوي: "يلزمُ على قولِ القاضي (١) المتقدِّم - وهو: الاعتدادُ بقولِ العامي في الإجماع - أنْ يعتبرَ أهل كلِّ فنٍّ في غيرِ فنِّه؛ لأنَّ غايتَهم أنْ يكونوا كالعوامِّ بالنسبةِ إلى غيرِ فنِّهم" (٢). وحديثي في هذا المبحثِ عند غيرِ القائلين بالاعتدادِ بالعوام في انعقادِ الإجماعِ. ثالثًا: ذَكَرَ بعضُ الأصوليين قولًا مفاده: أنَّ أهلَ الإجماعِ هم الأئمةُ المستقلون بالاجتهادِ - كالأئمةِ الأربعةِ ونحوهم - فحسب، أمَّا مَنْ لم يبلغْ هذه الدرجةَ فليس مِنْ أهلِه (٣). وعلى هذا القولُ لا يدخلُ المتمذهبون في أهلِ الإجماعِ. وحديثي عند غيرِ أربابِ هذا القولِ. رابعًا: إذا كان المتمذهبُ بالغًا درجةَ الاجتهادِ، ومنتسبًا إلى مذهبِ إمامِه (متمذهبًا بالاسم فقط)، فيُعْتَدُّ بقولِه في انعقادِ الإجماع؛ لأنَّه مجتهدٌ مطلقٌ، وانتسابُه إلى المذهبِ لا يؤثر على آرائِه الاجتهاديةِ. يقولُ ابنُ الصلاحِ عن المتمذهب البالغِ درجة الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ: "فتوى المنتسبين في هذه الحالةِ في حُكْمِ فتوى المجتهدِ المستقلِّ المطلقِ، يُعْمَلُ بها، ويُعْتَدُّ بها في الإجماعِ، والخلافِ" (٤). وبعَد هذا، فقد سَبَقَ وأنْ ذكرتُ أنَّ التمذهبَ يكون في أصولِ الفقه، وفي الفقه، وسأتحدث هنا عن الاعتدادِ بقولِ المتمذهب في الإجماعِ على المسائل الأصوليةِ، وعن الاعتدادِ بقولِه في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ، وسأجعلُ الحديثَ في القسمين الآتيين:

стр. 1177

القسم الأول: الاعتدادُ بقولِ المتمذهب في الإجماع على المسائلِ الأصوليةِ. القسم الثاني: الاعتدادُ بقولِ المتمذهبِ في الأجماع على المسائلِ الفقهيةِ. القسم الأول: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع على المسائل الأصولية. إذا كان محلُّ النظرِ مسألةً أصوليةً، فهلْ ينعقدُ الإجماعُ دونَ التفاتٍ إلى موافقةِ المتمذهبين؟ لا شد في أنَّ المعوَّلَ عليه في أهلِ الإجماعِ على المسائل الأصولية هم الأصوليون، وبناءً عليه: إذا كانَ المتمذهبُ عارفًا بأصولِ الفقه، بحيثُ يصدقُ عليه أنَّه أصولي (١)، فلا ريبَ في الاعتدادِ بقولِه في الإجماعِ حينئذٍ؛ إذ المعتبرُ في كلِّ علمٍ أهلُه المجتهدون فيه (٢)، والمتمذهبُ الأصولي مِنْ أهلِ الاجتهادِ والنظرِ في علمِ أصولِ الفقهِ، ويكون شأنُه شأنَ أربابِ العلومِ الأخرى - كالحديثِ والتفسيرِ واللغةِ ونحوها - الذين لا ينعقدُ الإجماعُ في مسائلِ العلمِ الذي ينتمون إليه إلا بهم. يقولُ بدرُ الدين الزركشي عن الاعتدادِ بقولِ المجمعين: "لا خلافَ في اعتبارِ قولِ ... الأصولي في الأصولِ" (٣).

стр. 1178

أمَّا إذا كان المتمذهبُ مقتصرًا على حفظِ الفروعِ، ولا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ، أو كان يعرفُ أصولَ الفقه معرفةً فيها ضعفٌ، أو دونَ اهتمامِ بأدلة مسائل الأصولِ: فلا يعتدُّ بقولِه في المجمعين على المسائل الأصولية في هذه الحالةِ (١). ويدلُّ على عدمِ الاعتدادِ بقولِ المتمذهبِ الذي هذا حاله الآتي: أولًا: أنَّ المتمذهبَ الذي حكيتُ حالَه كالعامي بالنسبةِ إلى أهلِ أصولِ الفقهِ (٢). ثانيًا: سيكون قولُ غيرِ الأصولي في أصولِ الفقه عن غير دليلٍ؛ لأنَّه غيرُ عالمٍ بأدلتِه، والقولُ بلا دليلٍ جهلٌ وخطأٌ (٣). يقولُ الطوفيُّ: "الفقيه الذي لا يعرفُ العربيةَ أو الأصولَ بالنسبةِ إلى النحاةِ والأصوليين، كالفلَّاحِ بالنسبةِ إلى الفقهاءِ" (٤). وأنبّه إلى أنَّ المرداويَّ قد ذَكَرَ قولًا مفاده أنَّ هناك مَنْ قال بالاعتدادِ بقولِ الفروعي في أصولِ الفقهِ (٥). ويظهرُ لي أنَّ المرداويَّ واهمٌ في إطلاقِ القولِ السابقِ؛ إذ لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه من مصادر - على مَنْ قالَ أو ذَكَرَ قولًا بالاعتدادِ بقولِ

стр. 1179

الفروعي في أصولِ الفقهِ، إلا إنْ كان قصدُ المرداوي فيما ذَكَرَ بناءً على القولِ بالاعتدادِ بالعامي في الإجماعِ، فعند القائلين بهذا القولِ يُعْتَدُّ بقولِ الفروعي في الإجماعِ على المسائل الأصوليةِ مِنْ بابٍ أولى، وقد سَبَقَت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ قبلَ قليلٍ. القسم الثاني: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع على المسائل الفقهية. إذا كان محلُّ النظرِ مسألةً فقهيةً، فهل يُعْتَدُّ بقولِ المتمذهبِ في هذه الحالة، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماعُ بدونِه؟ يمكنُ القول: إنَّ للمتمذهبِ في هذا القسم حالتين: الحالة الأولى: أن يكونَ المتمذهبُ أصوليًا. الحالة الثانية: أن يكونَ المتمذهبُ فقيهًا (١). الحالة الأولى: أنْ يكونَ المتمذهبُ أصوليًا. إذا كان الغالبُ على المتمذهبِ اعتناؤه بأصولِ الفقهِ، وتحرير مسائلِه، بحيثُ يطغى ذلك على معرفتِه بالفقهِ وبالفروعِ، فهل يُعْتَدُّ بقولِ المتمذهب الذي هذه صفته في انعقادِ الإجماعِ، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماع على مسألَةٍ فقهيةٍ إلا بموافقتِه؟ اهتمَّ الأصوليون بالحديثِ عن مسألةِ: الاعتدادِ بقولِ الأصولي في الإجماعِ على المسائل الفقهيةِ، ولم تخلُ مؤلفاتهم عن الحديث عنها، وسأعرض المسألة في ضوء الآتي: • تحرير محل النزاع: حكَى الشيخُ محمد بخيت المطيعي الاتفاقَ على الاعتدادِ بقولِ الأصولي إذا كان متمكنًا مِن الاجتهادِ في الفقهِ، وجَعَلَ محلَّ الخلاف في

стр. 1180

الأصولي الذي هو عامي بالنسبةِ للفقه (١). وما ذكره مِن الاعتدادِ بقولِ الأصولي إذا كان متمكنًا مِن الاجتهادِ في الفقهِ، وجيهٌ، لكنَّ الخلافَ فيما ظَهَرَ لي غيرُ قاصرٍ على الأصولي الذي هو كالعامي في الفقهِ (٢)، بل يتعداه ليشملَ الأصوليَّ الماهرَ في الفقهِ. • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في الاعتدادِ بقولِ الأصولي في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ على أقوالٍ، أشهرها قولان: القول الأول: لا يُعْتَدُّ بقولِ الأصولي في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ. وهذا القولُ وجهٌ عند الشافعيةِ (٣)، وهو مذهبُ الحنابلةِ (٤). ونَسَبَه إمامُ الحرمين الجويني (٥)، ومجدُ الدين بنُ تيمية (٦)، وتاجُ الدين بنُ السبكي (٧)، وبدرُ الدين الزركشيُّ (٨) إلى معظمِ الأصوليين. ونسبه ابنُ مفلحٍ (٩)، وابنُ اللحامِ (١٠)، وأمير باد شاه (١١) إلى الجمهورِ. ونسبه المرداوي إلى أكثرِ العلماءِ (١٢). وهو قولُ الإمامِ أحمدَ (١٣)، واختاره: أبو الحسنِ الكرخي (١٤)،

стр. 1181

والقاضي أبو يعلى (١)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (٢)، وإمامُ الحرمين الجويني (٣)، وفخر الإسلام البزدوي (٤)، وأبو حامدٍ الغزالي في كتابِه: (المنخول) (٥)، وأبو الخطاب (٦)، والموفقُ بن قدامة (٧)، ومجدُ الدين بنُ تيمية (٨)، وابنُ الحاجب (٩)، ومالَ إليه شهابُ الدين القرافي (١٠)، وهو قولُ جلالِ الدين السيوطي (١١). القول الثاني: يُعْتَدُّ بقولِ الأصولي في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ. وهذا القول وجهٌ عند الشافعيةِ (١٢). وهو قولُ المعتزلة (١٣). ونَسَبَه القاضي أبو يعلى (١٤)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (١٥)، وأبو المظفرِ السمعاني (١٦)، ومجدُ الدين بنُ تيمية (١٧) إلى قومٍ مِن المتكلمين. ونَسَبَ أبو إسحاقَ الشيرازي (١٨)، وإمامُ الحرمين الجويني (١٩)، وتاجُ الدين السبكي (٢٠) إلى القاضي أبي بكرٍ الباقلاني الاعتدادَ بقولِ الأصولي المبرزِ في الفقهِ.

стр. 1182

ونَسَبَ أبو حامدٍ الغزالي إلى القاضي أبي بكر الباقلاني الاعتدادَ بقولِ الأصولي، دون تقييدِه بالمهارةِ والبروزِ في الفقهِ (١). واختارَ القول الثاني: القاضي عبدُ الجبار المعتزلي (٢)، والقاضي عبدُ الوهاب المالكي - كما نسبه إليه مجدُ الدين بنُ تيمية (٣) - وأبو حامد الغزالي في كتابِه: (المستصفى) (٤)، والفخرُ الرازي (٥)، وابنُ رشيقٍ المالكي (٦)، وابنُ التلمساني (٧)، وتاجُ الدّينِ الأرموي (٨)، وسراجُ الدّينِ الأرموي (٩)، وصفيُّ الدين الهندي (١٠)، والطوفيُّ (١١)، ومحمدٌ الخضري (١٢). وقوَّى المرداويُّ هذا القولَ (١٣). • أدلة القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدل أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:

стр. 1183

الدليل الأول: أنَّ مَنْ لا معرفةَ له بطُرُقِ الاجتهادِ، وأدلةِ الفقهِ التفصيليةِ، وردِّ الفروعِ إلى أدلتِها، فإنَّه يجري في الفقهِ وأحكامِ الشرعِ مجرى العامي؛ لأنَّهما لا يعرفانِ أدلةَ الأحكام على التفصيلِ، والعامي لا يُعْتَدُّ بقولِه، فكذا الأصولي (١). يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: "لأنَّه - أي: الأصولي - يَعْرِفُ أنَّ الأمرَ يقتضي الوجوبَ، وله صيغةٌ، وأنَّه قد يقتضي الندبَ، وكذلك يَعْرِفُ استنباطَ العللِ، وما يصحُّ منها وما لا يصحُّ على طريقِ الإجمالِ، وأمَّا إذا سُئِلَ عن مسألة مِنْ مسائلِ الاجتهادِ مِن الفروعِ، فإنَّه لا يَعْلَمُ دليلَ تلك المسألةِ، لا مِنْ جهةِ النطقِ، ولا مِن جهةِ الاستنباطِ" (٢). مناقشة الدليل الأول: إذا عَرَفَ المتمذهبُ أصولَ الفقه أمكنه ردّ الفروعِ إلى أصولِها (٣). الجواب عن المناقشة: ليس كلُّ مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقه أَمْكَنَه أنْ يَرُدَّ الفروعَ إلى أصولِها، بل لا بُدَّ مِنْ معرفةِ معانيها ونظائرِها حتى يقيسَ عليها (٤). الدليل الثاني: أنَّ أهلَ الإجماعِ هم مَنْ كانت معهم آلةُ الاجتهادِ التي يُتَوَصَّلُ بها إلى معرفةِ الحُكْمِ - بأنْ يَعْرِفَ القياسَ وأحكامَ المسائل وعللها حتى يقيس نظائرها عليها - ومَنْ لا يَعْرِفُ أحكامَ الفروعِ، وأدلتها التفصيلية، لا يتمكنُ مِنْ هذا، فلا يكون مِنْ أهلِ الإجماعِ، ويكونُ شأنُه شأنَ مَنْ عَرَفَ اللغةَ والحسابَ وغيرَ هذا مِنْ أنواعِ العلومِ (٥).

стр. 1184

الدليل الثالث: لا يجوزُ تقليدُ الأصولي في النوازلِ؛ إذ إنَّه ليس مِن المفتين، بلْ هو مِن المستفتين، وإذا لم يجزْ تقليدُه لم يُعْتَدَّ بقولِه في الإجماعِ (١). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ الأدلةَ الدالةَ على حجيةِ الإجماع تتناول الأصوليَّ بعمومِها (٢)، كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقولِه ﷺ : (لا تجتمع أمتي على ضلالةٍ) (٤)، وغيرهما من النصوصِ العامّةِ التي لم يدخلْها

стр. 1185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1186

التخصيصُ (١). مناقشة الدليل الأول: هذه النصوصُ مقصورةٌ على مَنْ هو مِنْ أهل الاجتهاد؛ بدليل: عدمِ إرادةِ العوام (٢). الدليل الثاني: إذا كانَ يُعتبرُ قولُ مَنْ عَرَفَ أصولَ الفرائضِ، وإنْ لم يعرف الغامضَ فيها، فكذلك يُعتبرُ قولُ مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ، وإنْ لم يعرف الفقهَ؛ إذ يمكنه ردّ الفرعِ إلى أصلِه (٣). مناقشة الدليل الثاني: لا يصحُّ إلحاقُ مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ بمَنْ عَرَفَ أصولَ الفرائضِ؛ وذلك للفرقِ بينهما، ووجه الفرقِ: يمكنُ لمَنْ عَرَفَ أصولَ الفرائضِ بناءُ فروعِها عليها بالحساب ونحوِه، بخلافِ مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ، فلا يمكنه بناءُ أحكامِ الفروعِ علَيه؛ لاختصاصِ الفروعِ بأدلةٍ لا يشاركها فيها أصولُ الفقهِ، ولأنَّ مَنْ لا يعرف الأحكامَ والفروعَ لا يمكنه معرفةُ النظيرِ؛ ليقيسَ عليه نظيرَه (٤). الدليل الثالث: أنَّ الأصوليَّ يُضِيءُ لأهلِ الإجماعِ برأيه طُرُقَ

стр. 1187

الاجتهادِ، فهم يستهدون بنهجِه، وإذا كان ذلك كذلك، فيعتبرُ رأيُه، فإذا خالفَ غيرَه في حُكْمٍ، فإنَّ خلافَه يُشيرُ إلى رأي معتبرٍ، فيُعتدُّ بخلافِه ووفاقِه (١). الدليل الرابع: أنَّ الأصوليَّ متمكنٌ مِن الاجتهادِ، الذي هو طريقُ الاستنباطِ، ودَرْكِ الأحكامِ، وكيفيةِ دلالتِها، وكيفيةِ تلقيها مِنْ منطوقِ الدليلِ ومفهومِه، فهو قريب مِنْ مقصودِ الاجتهادِ وإنْ لم يحفظ الفروعَ، فَوَجَبَ اعتبارُ قولِه في أهلِ الإجماع (٢). مناقشة الدليل الرابع: إنَّ مَنْ يعرف كيفيةَ الاستنباطِ، لكنَّه غيرُ عارفٍ بما يستنبطُ منه، فإنَّه غيرُ متمكنٍ مِن الاستنباطِ، ويكونُ حالُه كحالِ مَنْ يعرف النصوصَ، ولا يدري كيفيةَ تلقّي الأحكام منها (٣). ومَنْ لا يعرفُ المسائلَ المتفقَ عليها والمختلفَ فيها، فإنَّه غيرُ متمكنٍ مِن الاجتهادِ؛ إذ مِنْ شرطِه: معرفة المسائلِ المجمعِ عليها (٤). • الموازنة والترجيح: يُمكنُ القولُ بأنَّه لا يُعتبرُ قولِ الأصولي الذي ليس له اهتمامٌ ولا معرفةٌ بالفقهِ في الإجماعِ على المسائل الفقهية، لأنَّه في هذه الحالةِ أشبه

стр. 1188

بالعامي، ويكون شأنُه كغيرِ الأصولي لا يُعتدّ بقولِه في الإجماعِ على المسائلِ الأصوليةِ. يقولُ الطوفيُّ واصفًا حالَ بعضِ الأصوليين: "ككثيرٍ مِن الأعاجمِ تتوفر دواعيهم على المنطقِ والفلسفةِ (١) والكلامِ، فيتسلطون به على أصولِ الفقهِ، إمَّا عن قصدٍ، أو استتباعٍ لتلك العلومِ العقليةِ، ولهذا جاءَ كلامُهم فيه عريًّا عن الشواهدِ الفقهيةِ المقرِّبةِ للفهمِ على المشتغلين، ممزوجًا بالفلسفةِ" (٢). أمَّا إذا كانَ للأصولي اهتمامٌ وبَصرٌ بالفقهِ، لكنَّه غيرُ عالمٍ بتفاصيلِ الفروعِ والأحكامِ، فالأقربُ عندي هو الاعتدادُ بقولِه في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ؛ وذلك للآتي:

стр. 1189

أولًا: أن الأصوليَّ يَتَمَلّكُ أهمّ شرطٍ مِنْ شروطِ الاجتهادِ في الفقه، وهو معرفةُ أصولِ الفقهِ، إضافة إلى معرفتِه بالأحكامِ والفروعِ. ثانيًا: لا يُخْشَى مِن وقوعِ الأصولي في هذه الحالةِ في مخالفةِ الإجماعِ السابقِ، ولا إتيانه بأقوال غريبةٍ. يقولُ الطوفيُّ مبينًا أثرَ معرفةِ أصول الفقهِ في عقليةِ الأصولي وفهمِه: "إنَّ مباحثَ الأصولِ والعربيةِ عقليةٌ، وفيهما مِن القواطع كثيرٌ، فَيَتَنَقّح بها الذهنُ، ويقوى بها استعدادُ النفسِ لإدراكِ التصورات، والتصديقات (١) حتى يصير لها ذلك ملكةٌ، فإذا توجهتْ إلى الأحكامِ الفقهيةِ أدركتها؛ إذ هي في الغالبِ لا تخالف الأصولَ العقلية إلا بعارضٍ بعيدٍ، أو تخصيصِ علةٍ، ومع ذلك فهو لا يخفى على مَنْ مارسَ المباحثَ الأصوليةَ" (٢). الحالة الثانية: أن يكون المتمذهب فقيهًا. إذا كان المتمذهبُ مشتغلًا بالفقهِ والفروعِ - سواءٌ أبلغ درجةَ الاجتهادِ في المذهبِ، أو كان حافظًا لفروعِ مذهبِه - فهل يُعْتَدُّ بقولِه في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماعُ دونَ موافقتِه؟ ليس مِن الممكنِ إطلاقُ حُكْمٍ واحدٍ على المتمذهبين بالاعتدادِ بهم في الإجماعِ، أو عدمِه، بلْ لكلِّ طبقةٍ ما يخصها، وسأذكر الطبقةَ، وحكمَ الاعتدادِ بأهلِها في الإجماعِ:

стр. 1190

أولًا: المجتهدُ المقيّدُ في مذهبِ إمامٍ معيّنٍ (المخرِّج): إذا كانَ المتمذهبُ بالغًا درجةَ الاجتهادِ المقيدِ في مذهبِه، قادرًا على تخريجِ أقوالٍ لإمامِه فيما لم يَرِدْ عنه فيها قولٌ، فهلْ يُعْتَدُّ بقولِه في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ، بحيث لا ينعقدُ الإجماعُ دونَ موافقتِه؟ يمكن تفصيلُ القولِ في ضوءِ الآتي: - إنْ تحققَ للمتمذهب وصفُ الاجتهادِ الجزئي في الشريعةِ في بعضِ المسائلِ، فيُعتدُّ بقولِه فيهَا، ولا ينعقدُ الإجماعُ بدونه؛ ويكون ملحقًا بالمجتهدِ المطلقِ (١). يقولُ ابنُ رشيق المالكي: "كلُّ مَنْ كان متمكنًا مِن النظرِ في الواقعةِ، إمَّا بمتقدمِ حفظِه لأدلتِها، وإمَّا باطلاعِه الآن على مآخذِها، وتصحيحِ الصحيحِ منها، وإبطالِ الباطلِ: فيُعتدُّ بقولِه، ولا ينعقدُ الإجماعُ دونَه" (٢). - إنْ لم يتحققْ للمتمذهبِ وصفُ الاجتهادِ الجزئي في المسألةِ محلِّ النظرِ، فهلْ يُعتدُّ بقولِه في انعقادِ الإجماع على المسائلِ الفقهيةِ؟ بتأمّلِ هذه المسألةِ وأحوالِ أهلِ طبقةِ المخرجين، ظَهَرَ لي أنَّه يُعتدُّ بأربابها في انعقادِ الإجماع؛ وذلك لاجتماعِ شروطِ الاجتهادِ الرئيسة فيهم (٣)، ومِنْ أهمِّها: معرفةُ أصولِ الفقهِ. ولأنَّ هناك من قال: إنَّ القولَ التي يتوصلُ إليه المخرِّج هو قولٌ مخرَّج لإمامِه المجتهدِ، فكأنَّ الإمامَ هو مَنْ أفصحَ بالقولِ في المسألةِ (٤). يقول ابن حمدان: "ثمَّ إنَّ المستفتي فيما يفتيه - أي: المخرِّج - مقلِّدٌ لإمامِه، لا له.

стр. 1191

وقيل: ما يخرِّجه أصحابُ الإمامِ على مذهبِه، هل يجوزُ أنْ يُنسبَ إليه، وأنَّه مذهبُه؟ فيه - لنا ولغيرنا - خلافٌ وتفصيلٌ" (١). ولعلَّ في قولِ مَنْ قال بتأدي فرضِ الكفايةِ في الفتوى بالمخرِّجِ (٢) إشارةً إلى الاعتدادِ بالقولِ الذي توصّلَ إليه. ويُؤكّدُ الاعتداد بقولِ المتمذهب في هذه الحالة: أنَّ العلماءَ ما زالوا على مرِّ العصورِ يُبَيّنون خلافَ المذاهبِ في المسائلِ الفرعيةِ اعتمادًا على الكتبِ المذهبيةِ التي ألّفها مجتهدو المذهبِ. ولأبي المظفرِ السمعاني كلامٌ محررٌ يمثلُ خُلاصةً جيّدةً يُبَيّنُها بقولِه: "مَنْ يكونُ حافظًا للأحكامِ والفروعِ بدلائلِها وعللِها، مُشْرِفًا على الأصولِ في ترتيبِها ولوازمِها، عارفًا سُبُلَها، وأدلتها وعللها: فهذا أكملُ الفقهاءِ عِلْمًا، وأصحِّهم اجتهادًا، وهذه الطبقةُ هم الذين يُرجعُ إليهم في الإجماعِ، والاختلافِ. وأمَّا مَنْ يكونُ حافظًا للأحكامِ والفروعِ بدلائلِها وعللِها، غير عارفٍ بالأصولِ وترتيبها ولوازمها: فيصحُّ اجتهادُه فيما يقتضيه التعليلُ والشبهُ، ولا يصحُّ اجتهادُه فيما تقتضيه دلائلُ الأصولِ، فما يصحُّ اجتهاده فيه ارتفع الإجماعُ بخلافِه، وما لا يصح اجتهادُه فيه لم يرتفع الإجماعُ بخلافِه" (٣). ثانيًا: مجتهد الترجيح (أو مجتهد الفتيا)، والحافظ لمذهب إمامه (٤): هلْ يُعْتَدُّ بقولِ مجتهدِ الترجيح، وبقولِ الحافظِ لمذهبِ إمامِه في

стр. 1192

الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماعُ إلا بموافقتِهما فيما لو ذكرا قولًا في المسألةِ؟ يمكنُ بيانُ حالِ مجتهدِ الترجيحِ، والحافظِ لمذهبِ إمامِه في ضوءِ التفصيلِ الآتي: - إنْ تحقّقَ لمجتهدِ الترجيحِ، أو لحافظِ المذهب وصفُ الاجتهادِ المقيَّدِ بالتخريجِ على أصولِ مذهبِه وفروعِه في بعضِ المسَائل: فلهما حُكْمُ المجتهدِ المقيَّد فيها؛ والذي يظهرُ لي أنَّه يعتدُّ بقولِهما في الإجماعِ على المسائل التي تحققَ لهما فيها وصفُ الاجتهادِ المقيَّدِ. - إنْ لم يتحققْ لمجتهدِ الترجيحِ، أو لحافظِ المذهب وصفُ الاجتهادِ المقيَّدِ، واقتصر مجتهدُ الترجيحِ على الترجيحِ، والحافظُ عَلى حفظِ مذهبِه، مع بروزِهما في الفقهِ، وعدمِ معرفتِهما بأصولِ الفقهِ: فما ذكره الأصوليون في مسألةِ: (الاعتداد بقولِ الفقيه الذي لا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ)، صادقٌ على حالتهما هنا. وقد اختلف الأصوليون في الاعتدادِ بقولِ الفقيه الذي لا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ في الإجماعِ على قولين: القول الأول: لا يُعْتَدُّ بقولِ الفقيهِ في الإجماعِ على المسائل الفقهيةِ. وهذا القولُ هو مذهبُ الحنابلةِ (١). ونَسَبَه ابنُ مفلحٍ (٢)، وابنُ اللحامِ (٣)، وأمير باد شاه (٤) إلى الجمهورِ. واختاره جمعٌ مِنْ محققي أصول الفقه، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (٥)، وفخرُ الإسلام البزدوي (٦)، وأبو المظفرِ السمعاني (٧)، والفخرُ

стр. 1193

الرازي (١)، والموفقُ بن قدامة (٢)، وابنُ الحاجبِ (٣)، وسراجُ الدين الأرموي (٤)، والطوفيُّ (٥). القول الثاني: يُعْتَدُّ بقولِ الفقيهِ في الإجماعِ على المسائل الفقهية. وهذا قولُ بعضِ الحنابلةِ (٦). واختاره: أبو حامد الغزالي (٧). وذَكَرَ القولَ دون نسبةٍ إلى أحدٍ جمعٌ مِن الأصوليين، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (٨)، وأبو حامدٍ الغزالي (٩)، والموفقُ بن قدامة (١٠)، والآمديُّ (١١)، وابنُ التلمساني (١٢)، وابنُ الحاجبِ (١٣)، وصفيُّ الدين الهندي (١٤)، والطوفيُّ (١٥)، وعبدُ العزيز البخاري (١٦)، وعضدُ الدين الإيجي (١٧)، وابنُ مفلح (١٨)، وأبو زكريا الرهوني (١٩)، ومحمدٌ البابرتي (٢٠)، وأبو علي الشوشاوي (٢١).

стр. 1194

• أدلة القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأول بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: مِنْ شرطِ الاجتهادِ معرفةُ أصولِ الفقهِ، وإذا عُدِمَتْ معرفة الأصول فُقِدَ الاجتهادُ، وإذا فُقِدَ الاجتهادُ عُدِمُ الإجماعُ (١)، ويكون حكمُ الفقيه في هذه الحالةِ حكمَ العامي (٢). الدليل الثاني: أنَّ الحافظَ للأحكامِ غيرُ قادرٍ على إقامةِ الدليلِ (٣)، فلا يُعْتَدُّ بقولِه؛ وبيان ذلك: أنَّ الحافظَ للأحكامِ؛ لجهلِه بأصولِ الفقهِ لا يمكنُه التمييزُ بين الصواب والخطأِ في الاستدلالِ بالأدلةِ، فكيفَ يُعتبرُ قولُه؟ ! وهو فاقدٌ لأهليةِ التمييزِ بين دلالةِ الأدلةِ (٤). الدليل الثالث: لا يجوز تقليدُ الحافظِ للأحكامِ في النوازلِ، إذ إنَّه ليس من المفتين، بلْ هو من المستفتين، وإذا لم يجزْ تقليدُه لم يُعْتَدَّ بقولِه (٥). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ الفقيهَ العارفَ بالفقهِ عالمٌ بتفاصيلِ الأحكامِ

стр. 1195

والفروعِ، فيُعْتَبُر قولُه في الإجماعِ (١). الدليل الثاني: أنَّ للفقيهِ العارفِ بالفقه والفروِعِ أهليةً في العِلْم، ومعرفةً بالأحكامِ، وهذه لا وجودَ لها في العامي، فوَجَبَ اعتبارُها (٢)، ليحصلَ الفرقُ بينه وبين العامي. الدليل الثالث: أنَّ الحافظَ للأحكامِ يَعْرِفُ مواقعَ الاتفاقِ والاختلافِ، فمخالفتُه في المسألةِ تدل على تقدم الخلافِ فيها؛ إذ لو كان متّفَقًا على حكمِها لما خَالَف (٣). مناقشة الدليل الثالث: لا نُسلّم ما ذكرتموه في دليلِكم، فقد تكونُ المسألةُ محلُّ النظرِ نازلةً في العصرِ غيرَ واقعةٍ في العصرِ السابقِ، حتى نقول بالحاجةِ إلى موافقةِ الحافظِ للفروعِ. ثم لو وَقَعَتْ في العصرِ الأول، فقد لا يَعْرِفُ الحافظ للفروعِ الأقوالَ فيها؛ لعدم وصولِها إليه، فلا تدلُّ عدمُ موافقتِه على تقدّمِ الخلافِ، ولذا لا تُعتبرُ موافقتُه في الإجماعِ (٤). ويمكنُ أنْ يُستدلَّ لأصحاب القولِ الثاني بالدليلِ الأولِ لأصحاب القولِ الثاني في مسألةِ: (الاعتداد بقول الأصولي). • الموازنة والترجيح: بالنظرِ في القولين وما استدلوا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بعدمِ الاعتدادِ بقولِ الفقيهِ العارفِ لأحكامِ الفروعِ في الإجماعِ على
следующие страницы →