← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وقيل: ما يخرِّجه أصحابُ الإمامِ على مذهبِه، هل يجوزُ أنْ يُنسبَ إليه، وأنَّه مذهبُه؟ فيه - لنا ولغيرنا - خلافٌ وتفصيلٌ" (١). ولعلَّ في قولِ مَنْ قال بتأدي فرضِ الكفايةِ في الفتوى بالمخرِّجِ (٢) إشارةً إلى الاعتدادِ بالقولِ الذي توصّلَ إليه. ويُؤكّدُ الاعتداد بقولِ المتمذهب في هذه الحالة: أنَّ العلماءَ ما زالوا على مرِّ العصورِ يُبَيّنون خلافَ المذاهبِ في المسائلِ الفرعيةِ اعتمادًا على الكتبِ المذهبيةِ التي ألّفها مجتهدو المذهبِ. ولأبي المظفرِ السمعاني كلامٌ محررٌ يمثلُ خُلاصةً جيّدةً يُبَيّنُها بقولِه: "مَنْ يكونُ حافظًا للأحكامِ والفروعِ بدلائلِها وعللِها، مُشْرِفًا على الأصولِ في ترتيبِها ولوازمِها، عارفًا سُبُلَها، وأدلتها وعللها: فهذا أكملُ الفقهاءِ عِلْمًا، وأصحِّهم اجتهادًا، وهذه الطبقةُ هم الذين يُرجعُ إليهم في الإجماعِ، والاختلافِ. وأمَّا مَنْ يكونُ حافظًا للأحكامِ والفروعِ بدلائلِها وعللِها، غير عارفٍ بالأصولِ وترتيبها ولوازمها: فيصحُّ اجتهادُه فيما يقتضيه التعليلُ والشبهُ، ولا يصحُّ اجتهادُه فيما تقتضيه دلائلُ الأصولِ، فما يصحُّ اجتهاده فيه ارتفع الإجماعُ بخلافِه، وما لا يصح اجتهادُه فيه لم يرتفع الإجماعُ بخلافِه" (٣). ثانيًا: مجتهد الترجيح (أو مجتهد الفتيا)، والحافظ لمذهب إمامه (٤): هلْ يُعْتَدُّ بقولِ مجتهدِ الترجيح، وبقولِ الحافظِ لمذهبِ إمامِه في

стр. 1192

الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماعُ إلا بموافقتِهما فيما لو ذكرا قولًا في المسألةِ؟ يمكنُ بيانُ حالِ مجتهدِ الترجيحِ، والحافظِ لمذهبِ إمامِه في ضوءِ التفصيلِ الآتي: - إنْ تحقّقَ لمجتهدِ الترجيحِ، أو لحافظِ المذهب وصفُ الاجتهادِ المقيَّدِ بالتخريجِ على أصولِ مذهبِه وفروعِه في بعضِ المسَائل: فلهما حُكْمُ المجتهدِ المقيَّد فيها؛ والذي يظهرُ لي أنَّه يعتدُّ بقولِهما في الإجماعِ على المسائل التي تحققَ لهما فيها وصفُ الاجتهادِ المقيَّدِ. - إنْ لم يتحققْ لمجتهدِ الترجيحِ، أو لحافظِ المذهب وصفُ الاجتهادِ المقيَّدِ، واقتصر مجتهدُ الترجيحِ على الترجيحِ، والحافظُ عَلى حفظِ مذهبِه، مع بروزِهما في الفقهِ، وعدمِ معرفتِهما بأصولِ الفقهِ: فما ذكره الأصوليون في مسألةِ: (الاعتداد بقولِ الفقيه الذي لا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ)، صادقٌ على حالتهما هنا. وقد اختلف الأصوليون في الاعتدادِ بقولِ الفقيه الذي لا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ في الإجماعِ على قولين: القول الأول: لا يُعْتَدُّ بقولِ الفقيهِ في الإجماعِ على المسائل الفقهيةِ. وهذا القولُ هو مذهبُ الحنابلةِ (١). ونَسَبَه ابنُ مفلحٍ (٢)، وابنُ اللحامِ (٣)، وأمير باد شاه (٤) إلى الجمهورِ. واختاره جمعٌ مِنْ محققي أصول الفقه، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (٥)، وفخرُ الإسلام البزدوي (٦)، وأبو المظفرِ السمعاني (٧)، والفخرُ

стр. 1193

الرازي (١)، والموفقُ بن قدامة (٢)، وابنُ الحاجبِ (٣)، وسراجُ الدين الأرموي (٤)، والطوفيُّ (٥). القول الثاني: يُعْتَدُّ بقولِ الفقيهِ في الإجماعِ على المسائل الفقهية. وهذا قولُ بعضِ الحنابلةِ (٦). واختاره: أبو حامد الغزالي (٧). وذَكَرَ القولَ دون نسبةٍ إلى أحدٍ جمعٌ مِن الأصوليين، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (٨)، وأبو حامدٍ الغزالي (٩)، والموفقُ بن قدامة (١٠)، والآمديُّ (١١)، وابنُ التلمساني (١٢)، وابنُ الحاجبِ (١٣)، وصفيُّ الدين الهندي (١٤)، والطوفيُّ (١٥)، وعبدُ العزيز البخاري (١٦)، وعضدُ الدين الإيجي (١٧)، وابنُ مفلح (١٨)، وأبو زكريا الرهوني (١٩)، ومحمدٌ البابرتي (٢٠)، وأبو علي الشوشاوي (٢١).

стр. 1194

• أدلة القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأول بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: مِنْ شرطِ الاجتهادِ معرفةُ أصولِ الفقهِ، وإذا عُدِمَتْ معرفة الأصول فُقِدَ الاجتهادُ، وإذا فُقِدَ الاجتهادُ عُدِمُ الإجماعُ (١)، ويكون حكمُ الفقيه في هذه الحالةِ حكمَ العامي (٢). الدليل الثاني: أنَّ الحافظَ للأحكامِ غيرُ قادرٍ على إقامةِ الدليلِ (٣)، فلا يُعْتَدُّ بقولِه؛ وبيان ذلك: أنَّ الحافظَ للأحكامِ؛ لجهلِه بأصولِ الفقهِ لا يمكنُه التمييزُ بين الصواب والخطأِ في الاستدلالِ بالأدلةِ، فكيفَ يُعتبرُ قولُه؟ ! وهو فاقدٌ لأهليةِ التمييزِ بين دلالةِ الأدلةِ (٤). الدليل الثالث: لا يجوز تقليدُ الحافظِ للأحكامِ في النوازلِ، إذ إنَّه ليس من المفتين، بلْ هو من المستفتين، وإذا لم يجزْ تقليدُه لم يُعْتَدَّ بقولِه (٥). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ الفقيهَ العارفَ بالفقهِ عالمٌ بتفاصيلِ الأحكامِ

стр. 1195

والفروعِ، فيُعْتَبُر قولُه في الإجماعِ (١). الدليل الثاني: أنَّ للفقيهِ العارفِ بالفقه والفروِعِ أهليةً في العِلْم، ومعرفةً بالأحكامِ، وهذه لا وجودَ لها في العامي، فوَجَبَ اعتبارُها (٢)، ليحصلَ الفرقُ بينه وبين العامي. الدليل الثالث: أنَّ الحافظَ للأحكامِ يَعْرِفُ مواقعَ الاتفاقِ والاختلافِ، فمخالفتُه في المسألةِ تدل على تقدم الخلافِ فيها؛ إذ لو كان متّفَقًا على حكمِها لما خَالَف (٣). مناقشة الدليل الثالث: لا نُسلّم ما ذكرتموه في دليلِكم، فقد تكونُ المسألةُ محلُّ النظرِ نازلةً في العصرِ غيرَ واقعةٍ في العصرِ السابقِ، حتى نقول بالحاجةِ إلى موافقةِ الحافظِ للفروعِ. ثم لو وَقَعَتْ في العصرِ الأول، فقد لا يَعْرِفُ الحافظ للفروعِ الأقوالَ فيها؛ لعدم وصولِها إليه، فلا تدلُّ عدمُ موافقتِه على تقدّمِ الخلافِ، ولذا لا تُعتبرُ موافقتُه في الإجماعِ (٤). ويمكنُ أنْ يُستدلَّ لأصحاب القولِ الثاني بالدليلِ الأولِ لأصحاب القولِ الثاني في مسألةِ: (الاعتداد بقول الأصولي). • الموازنة والترجيح: بالنظرِ في القولين وما استدلوا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بعدمِ الاعتدادِ بقولِ الفقيهِ العارفِ لأحكامِ الفروعِ في الإجماعِ على

стр. 1196

المسائلِ الفقهيةِ؛ إذ معرفةُ القولِ الراجحِ في المسائلِ الفقهيةِ التي تكلّم عنها أهلُ العصرِ السابقِ، ومعرفةُ حُكْمِ النازلةِ التي وَقَعَتْ في عصرِ الفقيهِ الحافظِ للفروعِ، متوقفةٌ على معرفةِ أصولِ الفقه، فالجاهلُ بهذا العلمِ ليس أهلًا للاعتدادِ بقولِه. يقولُ أبو المظفرِ السمعاني عن حالِ المقتصرِ على حفظِ مذهبِ إمامِه: "إنَّ مَنْ يَعْرِفُ الفروعَ والأحكامَ، ولا يَعْرِفُ دلائلَها وعللَها، فهذا ناقلٌ يُرْجَعُ إلى حفظِه، ولا يعوَّل على اجتهادِه، فلا يَرْتَفِعُ الإجماعُ بخلافِه" (١). أمَّا لو كان عنده معرفةٌ بأصولِ الفقهِ، بحيثُ يُكسبُه الأصولُ القدرةَ على التمييزِ بين الأدلةِ ودلالتها، فالظاهر الاعتدادُ بقولِه في هذه الحالةِ. * * *

стр. 1197

المبحث السادس: عمل المتمذهب إذا خالف أحدُ أتباع الإمام مذهبَ الإمام كان لبعضِ أتباعِ المذاهبِ على اختلافِ مناهجِها وأصولِها اجتهاداتٌ مختصةٌ بهم، وقد تكونُ نتيجةُ هذه الاجتهادات آراء تخالفُ أقوالَ إمامِ المذهبِ، فإذا وَقَفَ المتمذهبُ على مخالفةٍ لأحدِ أتباعِ المذهبِ لإمامِه، فما الذي يصنعُه المتمذهبُ في هذه الحالةِ؟ أيأخذُ بقولِ إمامِه، أم له أنْ يأخذَ بقولِ مَنْ خالفه مِنْ أتباعِه؟ ممَّا لا شك فيه أنَّ المذهبَ عبارةٌ عن الأصولِ والقواعدِ التي سارَ عليها إمامُ المذهب وأتباعُه، وعبارةٌ أيضًا عن آراءِ إمام المذهبِ وأتباعِه واجتهاداتهم، فالمَذهبُ مدرسةٌ فقهيةٌ أصوليةٌ مكتملةٌ، ولذا فنسبةُ أقوالِ الأتباعِ إلى المذهبِ بهذا الاعتبارِ نسبةٌ صحيحةٌ، فإذا قال أحدُ الأتباعِ قولًا في مسألةٍ لم يَرِدْ فيها عن إمامِ المذهبِ قولٌ، فقولُه داخلٌ تحتَ مسمّى المذهبِ، إنْ لم يخالفْ أصولَه وقواعدَه، لكنْ إنْ كانَ قولُ أحدِ أئمةِ المذهبِ مخالفًا لقولِ إمامِه، فما موقفُ المتمذهب في هذه الحالةِ؟ قبلَ بيانِ عملِ المتمذهبِ تحسنُ الإشارةُ إلى مسألةٍ مهمةٍ، وهي: إذا كان في قولِ أحدِ أتباعِ الإمام خطأٌ أو وهمٌ في نسبةِ القولِ إلى إمامِه، فلا شكَّ في عدم الاعتدادِ بقولِه حينئذٍ؛ لأنَّ مقصودَه بيانُ قول إمامِه، وقد أخطأ في بيانِه (١). ويمكن تقسيم القولِ المخالفِ لإمامِ المذهبِ قسمين:

стр. 1198

القسم الأول: إذا كان قولُ أحد أتباع المذهب المخالف لإمام المذهب غيرَ سائرٍ على أصول المذهب. القسم الثاني: إذا كان قولُ أحد أتباع المذهب المخالف لإمام المذهب سائرًا على أصول المذهب. القسم الأول: إذا كان قولُ أحد اتباع المذهب المخالف لإمام المذهب غيرَ سائرٍ على أصول المذهب. إذا اجتهدَ أحدُ أتباعِ إمامِ المذهبِ، فذَهَبَ إلى قولٍ خالفَ فيه إمامَه، فلا تثريبَ فيما ذَهَبَ إليه؛ لأنَّه أدَّى ما عليه، لكنْ إنْ سارَ في اجتهادِه على غيرِ أصولِ مذهبِه، فتوصَّل إلى ترجيحِ قولٍ خارجٍ عن المذهب - كما لو أخذ غيرُ المالكي بعملِ أهلِ المدينةِ، فرخحَ قولَ المالكيةِ في مسألةٍ ما - فإنَّ القول الذي توصّلَ إليه لا يُنسب إلى المذهبِ البتة، وإنَّما يُنْسَبُ إلى قائلِه (١)؛ لأنَّ في نسبتِه إلى المذهبِ مخالفةً صريحةً لأصولِه وقواعدِه، فنسبته إليه كالكذبِ على المذهبِ. فإذا أرادَ المتمذهبُ أَخْذَ القولِ المخالفِ لإمامِه، فتنطبق عليه مسألةُ: (الخروج عن المذهب)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها (٢). القسم الثاني: إذا كان قولُ أحدِ أتباع المذهب المخالف لإمام المذهب سائرًا على أصول المذهب. إذا اجتهدَ أحدُ أتباعِ المذهب في مسألةٍ ما، فأدّاه اجتهادُه إلى قولٍ مخالفٍ لقولِ إمامِه، فلا لومَ عليه وَلا عَتَبَ؛ لأنَّه أَخَذَ باجتهادِه، فإنْ كان اجتهادُه سائرًا على أصولِ المذهب وقواعدِه، فما الذي يفعلُه المتمذهبُ في هذه الحالةِ؟

стр. 1199

يمكنُ القول "إنَّه لا ريبَ في عدمِ نسبةِ ما قاله التابعُ لمذهبِه إلى إمامِه (١). والأصلُ في هذا المقامِ هو قولُ إمامِ المذهبِ، ومع هذا فالقولُ المخالفُ له منسوبٌ إلى المذهب؛ لأنَّه قولٌ مِنْ أحدِ أتباعِه سائر على أصولِه، ولبعضِ المذاهبِ اصطَلاحُها الخاص في تسميةِ اجتهادات الأصحابِ. ولا شكَّ في تقديم قولِ إمامِ المذهب في هذه الحالةِ (٢) - إلا إنْ كان مردُّ الاختلافِ إلى تغيّرِ العرفِ أو اختلافَ المصلحةِ مثلًا، فيؤخذُ بالقولِ الذي اعتبرَ العرفَ الحالي والمصلحةَ القائمة (٣) - ويسوغُ الأخذُ بقولُ الصاحب الذي خالفَ إمامَ مذهبِه؛ لمقتضٍ (٤). يقولُ صدرُ الدين السلمي: "إذا وَجَدْنا الإمامَ الشافعيُّ ﵁ نصَّ على شيءٍ مِن المسائلِ، وحَكَمَ فيها بحكمٍ، ووجدنا واحدًا مِن الأصحابِ، أو كثيرًا منهم أو أكثرهم ممَّنْ يُرْجَعُ إليه في التصحيحِ، ذَكَرَ المسألةَ، وصححَّ فيها خلافَ ما جزمَ به الشافعيُّ ﵁، ولم نجدْ هذا المصحِّح تعرضَ لنصِّ الشافعي، ولا ذَكَرَه، ولا ألمَّ به، ولا أجاب عنه: فالمعتمدُ في الفتوى والعملِ على ما نصَّ عليه" (٥). ويظهرُ أن أربابَ المذاهبِ يَقْبَلون اجتهاداتِ أصحابِهم المخالفةَ لإمامِهم، ولابنِ القيّمِ كلامٌ يشير إلى هذا المعنى، يقول مخاطبًا فئةً مِن

стр. 1200

المتمذهبين: "إذا قالَ بعضُ أصحابِكم ممَّنْ قلدتموه قولًا خلافَ قولِ المتبوع، أو خرَّجه على قولِه جعلتموه وجهًا، وقضيتُم وأفتيتُم به، وألزمتَم بمقتضاه" (١). ويقولُ ابنُ عابدين: "والحاصلُ أنَّ ما خالفَ فيها - أي: المسائل - الأصحابُ إمامَهم الأعظم لا يخرج عن مذهبِه إذا رجّحه المشايخُ المعتبرون" (٢). ولما سَبَقَ عابَ بعضُ العلماءِ على بعضِ المتمذهبين اقتصارَهم على ما قرره متأخروهم، وعدم التفاتِهم إلى نصوصِ إمامِهم. يقولُ الشيخُ محمد بن عبد الوهاب: "أكثرُ ما في: (الإقناع) (٣) و (المنتهى) (٤) مخالفٌ لمذهبِ أحمدَ ونصِّه! " (٥). ويقولُ الشيخُ حمد بن معمر عن حالِ بعضِ المتعصبين لمذهبِهم: "تجدهم في أكثرِ المسائلِ قد خالفوا نصوصَ أئمتِهم، واتَّبعوا أقوالَ المتأخرينِ مِنْ أهلِ مذهبِهم، فهم يحرصون على ما قاله الآخرُ فالآخرُ، وكلمَّا تأخرَ الرجلُ أخذوا بكلامِه، وهجروا أو كادوا يهجرون كلامَ مَنْ فوقَه" (٦). وخلاصة الأمر: إذا كان المتمذهبُ متأهلًا للنظرِ في المسألةِ التي اختلفَ فيها قولُ إمامِه وأحدُ أصحاب مذهبِه: نَظَرَ فيها ليتوصلَ إلى القولِ

стр. 1201

الراجحِ (١)، وقد سارَ على هذا الأمرِ كثيرٌ من محققي المذاهبِ (٢). وإنْ لم يكنْ متأهلًا للنظرِ في الأدلةِ، أو أرادَ بيانَ ما استقر عليه المذهبُ، فالأصلُ عنده هو قولُ إمامِه، ويستعين بما قاله محققو مذهبِه في الترجيحِ (٣). * * *

стр. 1202

المبحث السابع: عمل المتمذهبُ عند اختلاف أصحابه في تعيين المذهب قد يقفُ المتمذهبُ في مذهبِه أمامَ بعضِ المسائل - سواءٌ أكانت المسألةُ أصوليةً، أم فقهيةً - على اختلافٍ بين أربابِ مذهبِه في تعيين المذهبِ، إذ قد يقولُ بعضُهم: المذهبُ الإباحةُ مثلًا، ويقول آخرون: المذهبُ الاستحبابُ، فما الذي يصنعه المتمذهبُ في هذه الحالةِ؟ اهتمّت المذاهبُ الفقهيةُ المتبوعةُ بالحديثِ عن ضوابطِ الترجيحِ في المذهبِ عند حصولِ اختلافٍ بين المتمذهبين في تعيينِه، وسوفَ أشيرُ إلى أبرزِ الطرقِ التي يعتمدُ عليها المتمذهبون في هذه الحالةِ، دونَ خوضٍ في تفاصيلها، كالترجيحِ بالكتبِ واختيارِ شيوخ المذهبِ ونحو هذا؛ وذلك لخصوصيةِ كلِّ مذهبٍ على حِدَةٍ. ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ الضوابطَ التي ذكروها غيرُ مطّردةٍ في كلِّ المسائلِ (١)، بلْ قد يقعُ في المذهبِ الواحدِ اختلافٌ، فيرجِّح أهلُ قُطْرٍ ما

стр. 1203

قدَّمه كتابٌ معينٌ، ويرجِّح أهل قُطْرٍ آخر ما قدَّمه كتابٌ آخر (١). يقولُ المرداويُّ بعدَ سياقِه عددًا مِن المرجحاتِ المعْتَمِدةِ على كتبِ المذهب وشيوخِه: "هذا الذي قلتُه مِنْ حيثُ الجملةُ وفي الغالب، وإلا فهذا لا يَطَّرِدُ البته، بلْ قد يكون المذهبُ ما قاله أحدُهم في مسألةٍ، ويكون الصحيحُ مِن المذهبِ ما قاله الآخر أو غيرُه في أخرى، وإنْ كان أدنى منه منزلةً، باعتبارِ النصوص والأدلةِ والعللِ والمآخذِ، والاطلاعِ عليها، والموافقِ من الأصحابِ" (٢). وجُملة القولِ في هذا المبحث: إذا كان المتمذهبُ متمكنًا مِن الترجيح في المذهب بنفسِه، فإنَّه يذكر ما وَقَفَ عليه مِن اختلافِ أصحابِه (٣)، ثم المعوَّلُ عليه ما ترجَّح عنده (٤)؛ لتمكنِه منه. أمَّا إنْ لم يكن المتمذهبُ أهلًا للترجيحِ (٥)، فعليه أنْ يعتمدَ على ما يرجحُه شيوخُ مذهبِه من البالغين درجةَ الاجتهادِ في المذهبِ، وعلى ترجيحِ

стр. 1204

أربابِ مرتبةِ مجتهدي الترجيحِ (١)، ولمصطلحاتِ نقلِ المذهبِ دلالةٌ على درجةِ القولِ فيه قوةً وضعفًا (٢). ويراعي الناظرُ في اختلافِ أرباب المذهب أنْ لا يكونَ سببُ الاختلافِ هو تغيّرُ العُرْفِ أو اختلافُ المصلحة مثلًا؛ إذ مثل هذا لا يُعَدُّ اختلافًا؛ لأنَّ الحكمَ يتغيّرُ تبَعًا لتغيّرِ العُرْفِ والمصلحةِ (٣). أمَّا المرجحات التي يُرجعُ إليها عند اختلافِ شيوخِ المذهبِ أو مجتهدي الترجيحِ في تعيينِ المذهب، فإنَّها تختلفُ من مذهبٍ إلى مذهبٍ آخر، ولبُّها عائد إلى أنَّ المعوَّلَ عليه في الترجيحِ هو الصفةُ القائمةُ بالقائلِ التي تُوجبُ مزيدَ الثقةِ بقولِه (٤). ومِنْ أبرزِ المرجحات التي ذُكرَت، وفي بعضِها خلافٌ: أولًا: الترجيحُ بكثرةِ القائلين بالقولِ في المذهبِ (٥)، وبما اختاره أكثرُ محققيه (٦).

стр. 1205

ثانيًا: الترجيحُ باتّصافِ القائلِ بالعلمِ والورعِ (١). فإذا اجتمعتْ صفتا: العلم والورع في شخصٍ فهو المقدَّمُ، وإنْ اختلفَ المرجّحون فيهما، فكان أحدُهما أعلم، والآخرُ أورع، فالمقدَّم المرجِّح الأحرى بالإصابةِ، وهو الأعلمُ (٢). ثالثًا: الترجيحُ برجحانِ القولِ في نفسِه (٣). رابعًا: الترجيحُ بموافقةِ أكثرِ المذاهبِ المتبوعةِ، أو أكثرِ العلماءِ (٤). فإنْ لم يقف المتمذهبُ على مرجِّحٍ لأحدٍ، توقّفَ عن الترجيحِ (٥)، وأطلقَ الخلافَ في المذهبِ (٦). ونصَّ بعضُ المتأخرين على تخييرِ المتمذهبِ بين القولين (٧). ولعلَّ مقصدهم بالتخييرِ التخييرُ في العملِ، لا في تحديدِ المذهبِ (٨).

стр. 1206

المبحث الثامن إفتاء المتمذهب وفيه تمهيد ومطلبان: تمهيد في: تعريف الإفتاء في: اللغة، والاصطلاح المطلب الأول: إفتاء المتمذهب بمذهب إمامه المطلب الثاني: إفتاء المتمذهب بغير مذهب إمامه

стр. 1207

تمهيد في: تعريف الإفتاء في: اللغة، والاصطلاح مِن الأمورِ المهمةِ التي قامَ بها كثيرٌ مِن المتمذهبين في عصورِ متتاليةٍ إفتاءُ الناسِ بمذاهبِ أئمتِهم (١)، وقبلَ الدخولِ في مطلبي المبحث الثامن سأُمهدُ له بتعريفِ الإفتاءِ في: اللغةِ، والاصطلاحِ. أولًا: الإفتاء في اللغة: الإفتاءُ: مصدرٌ مِنْ الفعل أَفْتَى، يُقالُ: أَفْتَى يُفْتِي إفْتَاءَ (٢)، والفَتْوَى - ويُقالُ: الفُتْوَى - والفُتْيَا: اسما مصدرٍ (٣)، وتُجْمَع الفَتْوَى على فتاوِي.

стр. 1208

وقيل: يجوزُ أنْ تُجْمَع على فتاوَى؛ للتخفيفِ (١). وترجعُ كلمةُ: (الإفتاء) إلى مادةِ: (فتي) (٢)، ولهذه المادةِ معنيانِ في اللغةِ: المعنى الأول: الطراوةُ والجدَّةُ (٣). ومِن هذا المعنى: الفَتيُّ: الطريُّ مِن الإبلِ (٤)، والأَفْتَاءُ مِن الدوابِّ: خلافُ المسنِّ (٥)، والفَتَى من الناسِ: واحدُ الفتيان (٦)، وهو الطريُ مِن الشبابِ (٧)، والفتاةُ: الشابّةُ (٨). المعنى الثاني: تبيينُ حُكمٍ (٩). يُقالُ: أفتى الرجلُ في المسألةِ، واستَفْتَيْتُه، فأفتاني، وأفتيتُ فلانًا في رؤيا رآها، إذا عبَّرتُها له (١٠). يقولُ أبو منصورٍ الأزهري: "أصلُ الإفتاءِ والفتيا: تبيينُ المشكلِ مِن الأحكامِ، أصلُه مِن الفتى: وهو الشابُّ الحدثُ الذي شبَّ وقوي، فكأنَّه

стр. 1209

يقوي ما أَشْكَلَ بيانُه، فَيَشِّبُ، ويصير فتيًا قويًّا" (١). فكأنَّ أبا منصور الأزهري يُرْجِعُ المعنى الثاني إلى المعنى الأولِ. ومِن المعنى الثاني قولُهم: أفتى الفقيهُ في المسألةِ، إذا بيَّنَ حكمَها، واستفتيتَ عالمًا إذا سألتَ عن الحكم (٢)، ومنه أيضًا: قولُه تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ (٣)، وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٤). والمعنى اللغوي المناسبُ للتعريف الاصطلاحي للإفتاءِ هو المعنى الثاني. فمعنى الإفتاءِ في اللغةِ: الإبانةُ. ثانيًا: الإفتاء في الاصطلاح: تعددتْ تعريفاتُ العلماءِ لمصطلحِ: (الإفتاء) - وفي معناه: الفتيا والفتوى (٥) - وسأذكرُ أبرزَ التعريفاتِ، دون توسعٍ في ذكرِ المناقشاتِ الواردةِ عليها والإجابة عنها (٦)؛ إذ المقصودُ التمهيد للمطلبين القادمين.

стр. 1210

التعريف الأول: إخبارٌ عن الله تعالى في إلزامٍ، أو إباحةٍ. وهذا تعريفُ شهابِ الدينِ القرافي (١). التعريف الثاني: إخبارُ المفتي بحكمِ الله تعالى؛ لمعرفتِه بدليلِه. ذَكَرَ هذا ابنُ حمدان، ولم ينصَّ على كونِه تعريفًا، وإنَّما ساق تعريفًا للمفتي - يمكن منه أخذ تعريفِ الإفتاءِ - فقال: "المفتي: هو المخبرُ بحكمِ الله تعالى؛ لمعرفتِه بدليلِه" (٢). التعريف الثالث: الإخبارُ عن الحكمِ، على غيرِ وجهِ الإلزامِ. ذَكَرَ هذا التعريفَ إبراهيمُ بن محمد اللقاني (٣)، والبنانيُّ (٤). واحْتُرِزَ بقيد: "على غير وجه الإلزام" عن القضاءِ؛ لأنَّه إلزامٌ (٥). وذَهَبَ بعضُ العلماءِ إلى عدمِ الحاجةِ إلى قيد: "على غير وجه الألزام"؛ لخروجِ القضاءِ بالقيدِ الأولِ، وهو "الإخبار"؛ فالقضاءُ إنشاءٌ، وليس بإخبارٍ، فهو غيرُ داخلٍ في التعريفِ أصلًا (٦).

стр. 1211

وبيَّنُ إبراهيمُ اللقاني وجهَ بقاءِ القيدِ الأخيرِ، فقال: "قد يُقالُ: إنَّه لما أَخَذَ الإخبارُ عن الحكم جنسًا (١) للمعرَّفِ، وهو صادقٌ بالإخبارِ المحضِ، كالفتوى، وبالإخبارِ المتضمّنِ للإنشاءِ: احتاجَ إلى زيادةِ قيد: "على غير وجه الإلزام"؛ قَصْرًا للمعرَّفِ على بعضِ ما صدقات (٢) ذلك الجنسِ" (٣). ويدخلُ في عمومِ التعريفِ الثالثِ الإخبارُ عن حكمِ اللغوياتِ والعقلياتِ، فلا تتقيّدُ الفتوى بالفقهِ والشرعِ. ويقولُ إبراهيمُ اللقاني عن دخولِ هذه الأفرادِ في التعريفِ: "وهو حسنٌ" (٤). والذي أراه أنَّ دخولَ هذه الأفرادِ في التعريفِ قادحٌ فيه؛ ويكون التعريفُ تعريفًا غيرَ مانعٍ؛ لأنَّ الكلامَ متوجة إلى تعريفِ الإفتاءِ في الأحكامِ الشرعيةِ، لا مطلق الأحكامِ. ونَقَلَ الحطَّابُ التعريفَ الثالثَ، وأضافَ إليه قيدًا بعد كلمةِ: (الحكم)، وهو: "الشرعي"؛ لإخراج ما عداه، كاللغوي والعقلي ونحوِهما (٥). وساقَ الدكتورُ محمد أبو الأجفان (٦)، والدكتورُ محمد رياض (٧)

стр. 1212

تعريفَ الحطَّابِ. وقريبٌ مِنْ تعريفِ الحطَّابِ ما ذكره المرداويُّ (١)، والحجاويُّ (٢)؛ إذ عرَّفا المفتي بأنَّه: مَنْ يبيّنُ الحكمَ الشرعي، ويخبرُ به مِنْ غيرِ إلزامٍ. التعريف الرابع: تبيينُ الحكمِ الشرعي للسائلِ عنه. وهذا تعريفُ منصور البهوتي (٣). ونَقَلَ هذا التعريفَ مصطفى الرحيباني (٤)، وأضاف إليه في آخرِه: "والإخبار بلا إلزام" (٥).

стр. 1213

ومِن سماتِ التعريفِ الرابع نصُّه على أنَّ تبيينَ الحكمِ الشرعي لا يُسمى إفتاءً إلا إذا كان جوابًا عن سؤالٍ سائلٍ، فلو بيَّنَ العالمُ الحكمَ ابتداءً دون سؤالِ سائلٍ، فإنَّ بيانَه حينئذٍ لا يُسمَّى إفتاءً. يقولُ الدكتورُ محمد أبو الأجفان: "يلاحظُ أنَّ الإفتاءَ يكونُ لسائلٍ راغبٍ في معرفةِ الحكمِ الشرعي لما نَزَلَ في واقعةٍ" (١). وأرى أنَّ إضافةَ هذا القيدِ أمرٌ مهمٌ يكشفُ عن حقيقةِ الفتوى، ولا يبعدُ عندي أنَّ مَنْ أَغْفَلَ ذكرَه ممَّنْ تقدمَ ذكر تعريفاتهم لا يُسمي بيانَ الحكمِ ابتداءً إفتاءً. يقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة: "الإفتاءُ أخصُّ مِن الاجتهادِ؛ فإنَّ الاجتهادَ استنباطُ الأحكامِ، سواء أكان سؤالٌ في موضوعها، أم لم يكنْ - كما يفعلُ أبو حنيفة في درسِه عندما يُفرِّع التفريعاتِ المختلفةِ، ويفرض الفروضَ الكثيرة؛ ليختبرَ الأقيسةَ التي يستنبطُ عللَها، ويتعرف صلاحيةَ هذه العلل؛ لتكوين الأقيسة - أمَّا الإفتاءُ، فإنَّه لا يكون إلا إذا كانتْ واقعةٌ وقعتْ، ويتعرَّف الفقيهُ حكمَها" (٢). التعريف الخامس: ما يُخبرُ به المفتي جوابًا لسؤالٍ، أو بيانًا لحكمٍ مِن الأحكامِ، وإنْ لم يكنْ سؤالًا خاصًّا. وهذا تعريف الدكتور عبد الله التركي (٣). وقد اعتبرَ بيانَ الأحكامِ ابتداءً مِنْ غيرِ سؤالِ سائلٍ مِنْ قبيلِ الإفتاءِ والفتوى.

стр. 1214

وقد وافقَ الدكتورَ عبدَ الله التركي على هذا الأمر الدكتورُ علي الحكمي؛ إذ يقول: "لا يُشترطُ في تسميةِ الفتوى أنْ تكونَ جوابًا لسؤالٍ" (١). التعريف السادس: إخبارٌ بحكم الله تعالى عن دليلٍ شرعي، لمنْ سألَ عنه في أمرٍ نازلٍ. وهذا تعريف الدكتور محمد الأشقر (٢). ومنْ سماتِه: قَصْرُ الإفتاءِ على السؤالِ عنْ أمرٍ نازلٍ. وهذا محلُّ نظرٍ؛ إذلو سألَ شخصٌ عالمًا عن حكمٍ لم ينزلْ به، فأفتاه، لسُمِّيَ جوابُه حينئذٍ إفتاءً. وبين التعريفاتِ السابقةِ قدرٌ كبيرٌ مِن التقاربِ، ومِن المهمِّ مِنْ وجهةِ نظري: أنْ يُبينَ في التعريفِ أنَّ ما يصدر عن العالمِ لا يُسمَّى إفتاءً إلا إنْ كانَ جوابًا عنْ سؤالِ سائلٍ، فبيانُ الحكمِ ابتداءً لا يسمّى إفتاءً (٣)، يؤيّدُ هذا: استعمالُ الإفتاءِ في القرآنِ الكريمِ جوابًا لسؤالٍ (٤). وهلْ يُشترطُ أنْ يكونَ الجوابُ في الإفتاءِ ناشئًا عن اجتهادٍ؟ مَنْ نصَّ في تعريفِه على قيدِ: "معرفته بدليلِه"، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ الفتوى لا بُد أنْ تكونَ صادرةً عن اجتهادٍ (٥). ولا شكَّ في أنَّ تبيينَ المجتهدِ لحكم مسألةِ السائلِ يُسمَّى إفتاءً، وأمَّا المتمذهب، فالأقربُ مِنْ وجهةِ نظري أن ما يصدر عنه مِنْ بيانٍ لمسألةِ

стр. 1215

السائل يُسمَّى إفتاءً، إذا كانت فتياه عبارةً عن تنزيلِ أمرٍ كلي على صورةٍ جزيئةٍ (١)، أمَّا لو نَقَلَ المتمذهبُ فتوى إمامِه بعينِها إلى السائلِ، فإنَّ هذا لا يُسمَّى إفتاءً، وإنَّما يُسمَّى نقلًا (٢). والخطبُ يسيرٌ؛ إذ الخلافُ في اللفظِ والعبارةِ فحسب. ويمكنُ تعريفُ الإفتاءِ بأنَّه: الإخبارُ عن الحكمِ الشرعي للسائلِ عنه، بلا إلزامٍ. * * *

стр. 1216

المطلب الأول: إفتاء المتمذهب بمذهب إمامه ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المتمذهبين على مرِّ عصورٍ متتاليةٍ كانوا يَتَوَلَّون مهمةَ إفتاءِ الناسِ، وبيان الحكمِ لما يسألون عنه. وقبلَ الحديثِ عن حكمِ إفتاءِ المتمذهبِ بمذهبِه أرى مِن اللازمِ الإشارةُ والتنبيهُ إلى الأمور الآتية: الأمر الأول: الأصلُ أنْ يكونَ المفتي بالغًا رتبة الاجتهادِ في الشريعةِ (١). الأمر الثاني: إنْ كانَ المتمذهبُ بالغًا درجةَ الاجتهاد في الشريعةِ (متمذهبًا بالاسم فحسب) (٢)، أو تحققَ له وصفُ الاجتهاد الجزئي فيما سُئلَ عنه (٣)، فإنَّه يُفتي بالقولِ الذي ترجّحَ عنده، إنْ كانَ سؤالُ المستفتي عن الحكمِ الشرعي. أمَّا إنْ سأل المستفتي عن قولِ إمامِ المذهبِ، فإنَّ المتمذهبَ في هذه الحالةِ يُفتي السائلَ بالقولِ الراجحِ عنده، ويبيِّنُ له قولَ إمامِه الذي سُئِلَ عنه (٤).

стр. 1217

وليس هذا محل حديثي؛ إذ كلامي في هذا المطلب مقتصرٌ على المتمذهمبِ الذي لم يتحققْ له الاجتهادُ المطلق، هل له أنْ يفتي بمذهبِ إمامِه؟ الأمر الثالث: نصَّ بعضُ العلماءِ المانعين مِن التمذهمبِ على منعِ المتمذهبِ مِن الإفتاءِ بمذهبِه، إنْ لم يكن عالمًا بحكمِ المسألةِ على وجهِ الخصوصِ بأدلتِها، ويَحْرُمُ على الناسِ سؤالُه، وطلبُ الفتيا منه. وممَّنْ صرَّحَ بهذا: ابنُ حزمٍ (١). ولا يدخلُ في حديثي في هذا المطلب القائلونَ بهذا القولِ. وقريبٌ منه قولُ مَنْ مَنَعَ إفتاءَ غيرِ المجتهدِ بمذهمبِ المجتهد إلا إذا كانت هناك حاجةٌ إلى إفتائِه، كما لو لم يُوجدْ مجتهدٌ في عصرِ مِن العصورِ. وقد ذَهَبَ إلى هذا القول بعضُ العلماءِ (٢)، واختاره: الفخرُ بنُ تيميةَ (٣)، وابنُ القيَّمِ (٤).

стр. 1218

الأمر الرابع: تحسنُ الإشارةُ إلى اختلافِ درجاتِ المتمذهبين مِنْ جهةِ معرفتِهم بالأدلةِ، ويمكنُ جعلهم ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: اعتقدتْ صحةَ مذهب إمامِها بغيرِ دليلٍ، فحفظتْ أقوالَه وأقوالَ أصحابِه في مسائل الفقهِ، دونَ أنْ تتفقه في معانيها، فتميّز الصحيحَ مِن السقيمِ (١). الطائفة الثانية: اعتقدتْ صحةَ مذهبِ إمامِها بما بأنَّ لها مِنْ صحةِ أصولِه، فحفظتْ أقوالَه وأقوالَ أصحابِه في مسائلِ الفقه، وتفقهت في معانيه، فعَلِمَت الصحيحَ الجاري على أصولِه مِن السقيمِ الخارجِ عنها (٢). الطائفة الثالثة: اعتقدتْ صحةَ مذهبِ إمامِها بما بانَ لها مِنْ صحةِ أصولِه، فحفظتْ أقوالَ إمامِها وأقوالَ أصحابِه في مسائل الفقهِ، وتفقهت في معانيه، فعلمت الصحيحَ الجاري على أصولِه مِن السقيمِ الخارجِ عنها، وبلغت درجةَ التحقيقِ باجتماعِ شروطِ الاجتهادِ فيها (٣). ولا يدخلُ أربابُ الطائفةِ الثالثةِ في حديثي هنا؛ لتملكهم آلة الفتيا (٤)، وكلامي مقصورٌ على الطائفتين: الأولى، والثانيةِ. يقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "وقد قَبِلَ الناسُ أنظارَهم - أيْ: أصحاب الأئمة المجتهدين المنتسبين - وفتاويهم، وعَمِلُوا على مقتضاها، خالفتْ مذهبَ إمامِهم أو وافقته، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّهم فهموا مقاصدَ الشرع في وضعِ الأحكامِ، ولولا ذلك لم يَحِل لهم الإقدامُ على الاجتهادِ والفتوى، ولا حَلَّ لِمَنْ في زمانِهم - أو مَنْ بعدهم مِنْ العلماءِ - أنْ يُقِرَّهم على ذلك، ولا يسكت عن الإنكارِ عليهم على الخصوصِ" (٥).

стр. 1219

الأمر الخامس: لا بُدَّ مِنْ صلاحيةِ المتمذهبِ للإفتاءِ ابتداءً، بأنْ يعرفَ أحوالِ الناسِ، ولغاتهم وألفاظهم (١)، أمَّا إنْ كان غيرَ عالمٍ بهذه الأمور ونحوِها ممَّا يتوقفُ عليه فهمُ سؤالِ السائلِ، لتطبيقِ الحكمِ عليه على الوجهِ الصحيحِ، فليس له الإفتاءُ. يقولُ تقيُّ الدينِ السبكي: "نجدُ كثيرًا مِن الفقهاءِ لا يعرفون أن يفتوا، وإنَّ خاصيةَ المفتي تنزيلُ الفقهِ الكلي على الموضعِ الجزئي، وذلك يحتاجُ إلى تبصّرٍ زائدٍ على حفظِ الفقهِ وأدلتِه ... " (٢). وهذا يجرُّ إلى ضرورةِ معرفةِ الأحكامِ التي تُبْنَى على العُرْف؛ فإنَّها تتغيَّر تبعًا لتغيّرِه، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ (٣). الأمر السادس: إنْ كان المتمذهبُ فاسقًا فلا تصحّ الفتيا منه؛ لفسقِه (٤)، وإذا لم يجز قبول فتوى المجتهدِ الفاسقِ، فالمتمذهبُ الفاسقُ مِن بابٍ أولى. الأمر السابع: حديثي هنا عن إفتاءِ المتمذهب بمذهبه، وليس عن حكم سؤال العامي للمتمذهبِ (٥). الأمر الثامن: أريدُ بالمذهبِ في قولي: (إفتاء المتمذهب بمذهبه): القول الذي تصحُّ نسبتُه إلى المذهبِ مِن الأقوالِ الراجحةِ فيه أو المعتمدةِ، أو التي نصَّ أربابُ المذهبِ على جوازِ الفتوى بها (٦).

стр. 1220

الأمر التاسع: على المتمذهب الانتباهُ إلى تحقيقِ مذهبِه (١)، ومعرفةِ القولِ الراجحِ فيه، وإن احتاجَ الأَمرُ إلى مزيدِ نَظَرٍ وبحثٍ، فَعَلَ، ولا يكتفي في ذلك - إنْ لم يكن أهلًا للترجيحِ - بمجردِ مطالعةِ كتابٍ أو كتابين في مذهبِه، يقولُ محيي الدين النووي: "لا يجوزُ لمفتٍ على مذهبِ الشافعي إذا اعتمدَ النقلَ أنْ يكتفي بمصنَّفٍ ومصنَّفين ونحوِهما مِنْ كتبِ المتقدمين وأكثرِ المتأخرين؛ لكثرةِ الاختلافِ بينهم في الجزمِ والترجيحِ؛ لأنَّ هذا المفتي المذكور إنَّما ينقلُ مذهبَ الشافعي، ولا يحصلُ له وثوقٌ بأنَّ ما في المصنَّفينِ المذكورينِ ونحوِهما هو مذهب الشافعي أو الراجح منه؛ لما فيها مِن الاختلافِ ... بلْ قد يجزم نحوُ عشرةٍ مِن المصنفين بشيءٍ، وهو شاذٌّ بالنسبةِ إلى الراجح في المذهبِ، ومخالفٌ لما عليه الجمهورُ، ورُبَّما خالفَ نصَّ الشافعي أَو نصوصًا له! " (٢). وبعدَ هذا أقولُ: إذا سألَ العاميُّ متمذهبًا عن حكم مسألةٍ ما؟ وأراد المتمذهبُ إفتاءَه بمذهبِ إمامِه - إمَّا بما علمه مِنْ أقوالِه، أو بما نُسِبَ إليه بطريقٍ صحيحٍ (٣)، أو كان ما سُئِلَ عنه مندرجًا تحتَ ضابطٍ أو قاعدةٍ مِنْ قواعدِه (٤)، أو بالقولِ المفتى به في مذهبِه (٥) - فهل له الإفتاءُ في هذه الحالةِ؟ • تحرير محل النزاع: نفَى ابنُ الهمامِ الحنفي الخلافَ عن حالةِ ما إذا كانَ المتمذهبُ ناقلًا لقولِ إمامِه بنصِّه، فيجوزُ إفتاؤه به، إذا استكملَ المتمذهبُ شروطَ الروايةِ

стр. 1221

مِن العدالةِ وغيرِها، وجَعَلَ ابنُ الهمام محل الخلافِ فيما يخرِّجه المتمذهبُ على نصوصِ إمامِه، وقواعدِه (١). وتَبعَ ابنَ الهمامِ عددٌ مِن أصولي الحنفية، منهم: أمير باد شاه (٢)، وابنُ أمير الحاج (٣)، ومحبُّ الله بن عبد الشكور (٤)، ومحمد بخيت المطيعي (٥). ومَعَ وجاهةِ ما قاله ابنُ الهمام، إلا أن في أدلة المسألةِ ما يشيرُ إلى جريانِ الخلافِ فيما ينقلُه المتمذهبُ عن إمامِه بنصِّه. • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في جوازِ إفتاءِ المتمذهبِ بمذهبِه على أقوال، أشهرُها: القول الأول: لا يجوزُ للمتمذهبِ أنْ يفتي بمذهبِه. وهذا القول وجهٌ عند الشافعيةِ (٦)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (٧). ونسبَه ابنُ القيّمِ إلى أكثرِ أصحابِه، وإلى جمهورِ الشافعيةِ (٨). وذَهَبَ إليه بعضُ الزيديةِ (٩). ونسبه الآمديُّ (١٠)، وتاجُ الدين السبكي (١١) إلى جماعةٍ مِن الأصوليين. ونسبه صفيُّ الدين الهندي إلى جماهيرِ الأصوليين (١٢).

стр. 1222

وهو ظاهرُ قولِ ابنِ بطّة (١)، وذهب إليه: أبو الحسين البصري (٢)، وهو ظاهر قولِ الفخرِ الرازي (٣)، وهو قول تاجِ الدينِ الأرموي (٤). القول الثاني: يجوزُ للمتمذهبِ أنْ يفتي بمذهبِه. ذَكَرَ الآمديُّ (٥)، وابنُ الحاجب (٦) هذا القولَ دونَ نسبةٍ إلى أحدٍ. وهو وجهٌ عند الشافعيةِ (٧)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (٨). ونَقَلَ ابنُ أمير الحاج عن بعض الحنفية نسبتَهم هذا القول إلى كثيرٍ مِن العلماءِ (٩). واختاره بعضُ الحنفيةِ (١٠)، وذَهَبَ إليه: أبو إسحاقَ بن شاقلا (١١)، وابنُ القصارِ (١٢)،

стр. 1223

والقفالُ المروزي (١)، وهو ظاهرُ قولِ إمامِ الحرمين الجويني (٢)، وظاهرُ قولِ ابنِ الصلاحِ (٣) - إلا أنَّه قيَّد قولَه، بمَنْ كان حافظًا لمذهبِ إمامِه فله النقلُ، دونَ التخريجِ على قولِه (٤) - ووافق محيي الدين النوويُّ ابنَ الصلاحِ فيما قرره (٥)، وقال شهابُ الدينِ القرافيُّ (٦)، وابنُ حمدان (٧) بمثلِ تفصيلِ ابنِ الصلاحِ. واختارَ القولَ الثاني: القاضي البيضاويُّ (٨)، وأحمدُ الساعاتيُّ (٩)، وابنُ جزي المالكي (١٠)، وبدرُ الدّينِ الزركشيُّ (١١)، وهو ظاهرُ قولِ ابنِ بدرانِ (١٢). وقيَّد تاجُ الدين السبكي (١٣)، وبدرُ الدين الزركشيُّ (١٤) قولَ القائلين بجوازِ الإفتاءِ بما إذا عَرَفَ المتمذهبُ حكمَ المسألةِ بدليلِها. ويظهرُ لي أنَّ القيدَ الذي ذكراه محلُّ نظرٍ؛ لأنَّ مَنْ ذَكَرَ القول الثاني

стр. 1224

- ممَّن اطلعتُ على كلامِهم - لم يقئدوه بقيدِ معرفةِ دليلِ حكمِ المسألةِ (١). القول الثالث: إنْ كانَ المتمذهبُ مجتهدًا في مذهبِ إمامِه، بحيثُ يكون مطّلعًا على مأخذِه، قادرًا على التفريعِ على قواعدِه وأقوالِه، متمكنًا مِن الجمعِ والفرقِ والمناظرةِ: جازَ له الإفتاءُ بمذهبِه، وإنْ لم يكن مجتهدًا في مذهبِ إمامِه، لم يجزْ له الإفتاءُ. وهذا القولُ هو أصحّ الأوجه عند الشافعيةِ (٢). ونسبه تاجُ الدين السبكي (٣)، وبدرُ الدين الزركشيّ (٤) إلى الأكثرين. ونسبه المرداويُّ إلى أكثرِ العلماءِ (٥). ونسبه ابنُ أمير الحاج (٦)، وأميرُ باد شاه (٧) إلى كثيرٍ مِن المحققين مِن الحنفيةِ وغيرِهم. وذَهَبَ إليه جمعٌ من العلماءِ، منهم: أبو محمد الجويني (٨)، والآمديُّ (٩)، وابنُ الحاجبِ (١٠)، وعبدُ الله الستاري (١١)، وصفيُّ الدين

стр. 1225

الهندي (١)، وعضدُ الدين الإيجي (٢)، وابنُ الهمام الحنفي - واستثنى ما إذا كانَ المنقولُ نصَّ قولِ الإمامِ، فالمعتبرُ استكمالُ شروطِ الراوي في الناقلِ (٣) - وأميرُ باد شاه (٤)، وأبو العباسِ الونشريسي (٥)، ومحبُّ الله بن عبد الشكور (٦). • أدلة الأقوال: أدلة أصحاب القول الأول: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: عن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : (مَنْ أُفْتِي بفتيا غير ثبت (٧) فإنَّما إثمه على مَنْ أفتاه) (٨).

стр. 1226

وجه الدلالة: دلَّ الحديثُ على تحريمِ الإفتاءِ بغير ثبتٍ، وإفتاءُ المتمذهبِ بمذهبِه تقليدًا داخلٌ تحتَ ما حذَّر منه النبيُّ ﷺ (١). ويمكن أنْ يناقش الدليل الأول: بأنَّ الممنوعَ الإفتاءُ بغيرِ علمٍ وبيّنةٍ، وإذا أفتى المتمذهبُ بقولِ إمامِه، فإنَّه أفتى بقولِ عالمٍ توصَّلَ إلى قولِه عن اجتهادٍ وبيّنةٍ. الدليل الثاني: حديثُ جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرجنا في سفرٍ، فأصابَ رجلًا منا حجرٌ، فشجه في رأسِه، ثمَّ احتلم، فسألَ أصحابَه: هل تجدونَ لي رخصةً في التيممِ؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنتَ تقدرُ على الماءِ، فاغتسلَ، فماتَ. فلمَّا قدمنا على النبي ﷺ أُخبِر بذلك، فقالَ: (قتلوه قَتَلَهم اللهُ، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنَّما شفاءُ العيّ السؤال) ((٢). وجه الدلالة: أنّ النبيَّ ﷺ دعا على مَنْ أفتى بغيرِ علمٍ، وهذا يدلُّ على تحريمِ إفتاءِ المتمذهبِ بقولِ إمامِه تقليدًا له (٣).

стр. 1227

ويمكن أن يناقش الدليل الثاني بمثل مناقشةِ الدليلِ الأولِ. الدليل الثالث: لو جازت الفتيا عن طريقِ حكايةِ المذهبِ، لجازَ للعامي الإفتاءُ بطريقِ الحكايةِ، بجامعِ: عدمِ بلوغِ رتبةِ الاجتهادِ في كلٍّ منهما، والعاميُّ لا يجوزُ له الإفتاءُ بقولِ أحدٍ مِن الأَئمةِ، فكذا مَنْ عداه (١). مناقشة الدليل الثالث، نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: أنَّ الإجماعَ - الآتي في دليلِ أصحاب القولِ الثالثِ - هو الذي نَهَضَ بالمتمذهب المتبحّرِ في مذهبِه المطَّلعِ على مآخذِه، فجوَّز له الإفتاءَ، والعاميُّ لا دليلَ عَلى جوازِ إفتائِه (٢). الوجه الثاني: هناك فرقٌ واضحٌ بين المتمذهبِ المطَّلعِ على مذهبِ إمامِه ذي الأهليةِ، والعامي، فلا تصحُّ التسوية بينهما، ولذا صحَّ لنا منعُ العامي مِن الإفتاءِ بقولِ أحدٍ مِن الأئمةِ، وتجويزُه للمتمذهبِ البصيرِ بمذهبِ إمامِه؛ إذ يبعدُ عنه الخطأُ (٣). الدليل الرابع: أنَّنا نمنعُ إفتاءَ المتمذهبِ بقولِ إمامِه؛ لأنَّه تقليدٌ

стр. 1228

لمجتهدٍ ميتٍ، وتقليدُ الميتِ غيرُ جائزٍ (١). مناقشة الدليل الرابع: لا نُسلّمُ لكم منعَ تقليدِ المجتهدِ الميتِ، وقد تقدمَ الحديثِ عن هذه المسألةِ فيما سَبَقَ، وظَهَرَ ضعفُ القولِ المانع مِن تقليدِ المجتهدِ الميتِ. أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: إذا ثَبَتَ عند المتمذهبِ - أيًّا كانتْ درجتُه في مذهبِه - قولُ إمامِه، فما المانع مِنْ إفتائِه به على سبيلِ الحكايةِ؟ ! إذ هو ناقلٌ له، ويكون حالُه كحالِ ناقلِ أحاديثِ النبي ﷺ (٢). مناقشة الدليل الأول: ليس الخلافُ في نقلِ قولِ المجتهدِ حتى يُقال: إنَّه كنقلِ أحاديثِ النبي ﷺ ، وإنَّما حديثُنا عن نقلِ قولِه إفتاءً للواحدِ مِن الناسِ، ليعملَ بمقتضاه (٣).

стр. 1229

الدليل الثاني: أنَّ الفتيا الصادرةَ مِن المتمذهب: إِمَّا أنْ تكون نقلًا لفتيا إِمامِه، فهو مبلِّغ، وليس له اجتهادٌ فيها، فيعتبرُ نقَله (١)، وإِمَّا أنْ تكونَ فتياه تخريجًا على ما نصَّ عليه إِمامُه، فيعتبرُ تخريجُه؛ لأهليتِه (٢). دليل أصحاب القول الثالث: أجمعَ أهلُ كلِّ عصر على قبولِ إِفتاءِ أربابِ المذاهبِ المجتهدين فيها بمذاهبِهم، حكاه الآمدي (٣). وتَبِعَ الآمديَّ في حكايةِ الإِجماعِ جمعٌ مِن الأصوليين منهم: ابنُ الحاجبِ (٤)، وابنُ دقيق العيد (٥)، وأبو الثناءِ الأصفهاني (٦)، وتاجُ الدين السبكي (٧)، وابنُ الهمام الحنفي (٨)، وابنُ أمير الحاج (٩)، وأمير باد شاه (١٠)، وأحمدُ المنجور (١١)،

стр. 1230

ومحبُّ الله بن عبد الشكور (١)، ومحمدُ الخضر الشنقيطي (٢). يقولُ عضدُ الدينِ الإِيجي: "وَقَعَ إِفتاءُ العلماءِ، وإِنْ لم يكونوا مجتهدين في جميعِ الأعصارِ، وتكرر، ولم يُنكرْ، فكان إِجماعًا" (٣). وحكى بعضُ الأصوليين إِجماعَ أهلِ العصرِ على إِنكارِ إِفتاءِ غيرِ المتبحّرِ في مذهبِه، منهم: ابنُ الحاجب (٤)، وتاجُ الدين السبكي (٥)، وابنُ أمير الحاج (٦)، وأمير باد شاه (٧). مناقشة دليل أصحاب القول الثالث: إِنَّ الإِجماعَ المذكورَ في دليلِكم هو اتفاقُ غير المجتهدين، وحقيقةُ الإِجماعِ اتفاقُ المجتهدين، ولا عبرةَ باتفاقِ غيرِهم (٨). الجواب عن المناقشة، أجيب عنها من وجهين: الوجه الأول: لا نُسَلّم أنَّ الاتفاقَ المحكي اتفاقُ غيرِ المجتهدين، بل المتفقون في الإِجماعِ المذكورِ هم مجتهدون في مسألةِ: (جواز إِفتاءِ مجتهدِ المذهبِ بمذهبِ إِمامِه) بخصوصِها؛ إِذ تحققَ لهم الاجتهادُ فيها، وإِنْ لم يكونوا مجتهدين مطلقين، وهذا جائزٌ؛ لجوازِ تجزؤ الاجتهادِ (٩). الجواب عن الوجه الأول: قولكم: إِنَّ مجتهدي المذاهب تحققَ لهم الاجتهادُ في مسألةِ: (إِفتاء مجتهد المذهب بمذهب إِمامه)، مجرَّدُ دعوى؛ لم
следующие страницы →