← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

فالعالمُ مهما بلغتْ درجتُه في العلمِ والاجتهادِ قد يخفى عليه كثيرٌ مِن الأحاديثِ، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ. لكن ما بَيّنتُه آنفًا لم يكنْ متقررًا في أذهانِ عددٍ ليس بالقليلِ مِن المتمذهبين، ورأوا أنَّ إمامَهم وأئمةَ مذهبِهم لم يخفَ عليهم شيءٌ مِن الأدلةِ - ودليل السنة منها على وجه الخصوص - فإذا وقفوا على دليلٍ نقلي، قالَ إمامُهم بخلافِ ما دلَّ عليه، وقالَ بمقتضاه مجتهدٌ آخر، جعلوا حجتَهم في تركِ الدليلِ وعدمِ الأخذِ به، والحرصِ على تأويلِه، علمَهم أنَّ إمامَ مذهبِهم لم يترك الدليلَ إلا لضعفِه، أو لمعارضٍ أرجح، فيأخذون في تأويلِه - ويتكلفون في ذلك - أو يقولون بنسخِه؛ ليتركوا العملَ به (١). ومن الأمثلة لهذا السبب: ما علَّقه أبو عيسى الوزاني على كلامِ العزِّ بنِ عبد السلام حين وَصَفَ بعضَ المتمذهبين بأنَّ أحدَهم يقفُ على ضعفِ مأخذِ إمامِه، ويقلِّده فيه - وقد سَبَقَ نقلُ كلامِ العزِّ في المطلب الثاني: (رد دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك) - فقد قالَ: "أمَّا كونُ المقلِّد لم يجدْ لضعفِ إمامِه مدفعًا - كما قاله عزُّ الدين - فلا يُوْجِب انتفاءَه؛ إذ قد يكون له مدفعٌ، ولا يعلمُه هذا الفقيه المقلِّد، تأمَّله" (٢). وقد نقلَ الشيخُ صالحٌ المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ) عن بعضِ متمذهبي قُطْرِه مِن الزيديةِ أنَّهم صرَّحوا بأنَّ الاعتمادَ على نصوصِ إمامِهم أولى؛ لأنَّه قد بَلَغَ في معرفةِ الكتابِ والسنةِ مبلغًا لا يدركونه، ولا يقاربونه، فما حَكَمَ به، فكأنَّه حُكْمُ صاحبِ الشريعةِ! (٣). لقد أورثَ إعجابُ المتمذهبين بعلماءِ مذهبهم، وتمجيدُهم لهم أنْ يُنَزّهوهم عن الوقوعِ في الخطأِ، فحصروا أنفسَهم في مذهبِهم (٤).

стр. 1402

ومِن العجيبِ أنْ يقعَ في هذا المزلق بعضُ المحققين مِنْ أهلِ العلمِ (١). ويحكي أبو شامةَ المقدسي حالةَ بعضِ متعصبي الشافعية - وقد نَفَدَ صبرُه ممّا بَدَرَ منهم - إذا وقفوا على حديثٍ صحيحٍ على خلافِ مذهبِهم، قائلًا: "فيقول المتحذلقُ منهم المتصدّرُ في منصبٍ لا يستحقه: أَمَا كانَ هؤلاءِ الأئمة يعرفون هذا الحديثَ الصحيحَ الواردَ على خلافِ نصِّهم؟ ! " (٢). ويقولُ عنهم في موضعٍ آخر: "إذا نُسِبَ إلى بعضِ المتأخرين أنَّه خَفَي عليه شيءٌ مِن السنةِ: أَنِفَ ذلك المقلِّدُ المتعصبُ المتصعّبُ مِنْ هذا، وأَنَكَرَ، وخوّفَ وحذَّرَ، وهو غارقٌ في غيّه المنكرِ" (٣). والغريبُ أنَّ بعضَ المتمذهبين يجوّزُ على أئمة الاجتهادِ خفاءَ شيءٍ مِن السننِ عليهم، إلا إمامَه، فلا يُسلّم بخفاءِ شيءٍ من السنةِ النبويةِ عليه (٤). وهذا السبب (اعتقاد عدم خفاء شيءٍ من الأدلة على إمام المذهب) ناشئٌ عن السببِ الأول: (الغُلوّ في تعظيم الأئمة المجتهدين)؛ لأنَّ ثمرةَ الغلوِّ اعتقادُ عدمِ خفاءِ الأدلةِ على الإمامِ. السبب الثالث: اتباع الهوى (٥). إنَّ اتّباعَ الهوى مِنْ أهمِّ الأسبابِ التي تصدُّ المسلمين، وكثيرًا مِنْ أربابِ المذاهبِ عن اتباعِ الراجحِ والأخذِ بالدليلِ.

стр. 1403

فإذا كان المتمذهبُ متبعًا لهواه، فسيردُّ القولَ الراجحَ إذا بانَ له واتضحَ (١)؛ لأنَّه عاقدٌ قلبَه على الأخذِ بقولٍ معيّن (٢)، فيستدل له بأيّ دليلٍ، ولو كان خبرًا موضوعًا، ويؤولُ ما خالفه بأيّ طريقٍ، دونَ التفاتٍ أكان مذهبُه هو القول الراجح، أم لا؟ يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "صاحبُ الهوى يُعْمِيه الهوى ويصمُّه، فلا يستحضرُ ما لله ورسولِه في ذلك، ولا يَطْلُبُه، ولا يرضى لرضا الله ورسولِه، ولا يغضبُ لغضبِ الله ورسولِه، بلْ يرضى إذا حَصَلَ ما يرضاه بهواه، ويغضبُ إذا حصَلَ ما يغضبُ له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهةُ دِيْن: أنَّ الذي يرضى له ويغضبُ له أنَّه مَن السنةِ، وهو الحقُّ، وهو الدِّينُ ... " (٣). ويقولُ شمسُ الدينِ بنُ القيّمِ: "إنَّ اتباعَ الهوى يعمي عن الحق معرفةً وقصدًا" (٤). ومسالكُ الهوى أكثرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ، وإذا أرادَ المتمذهبُ أنْ يعرفَ أوقعَ في شيءٍ منها، أم لا؟ فليفرضْ أنَّه قرأَ آية مِن القرآن الكريم، فلاحَ له منها موافقةُ قولٍ لإمامِه، وقَرَأَ آيةً أخرى، فلاحَ له منها مخالفةُ قولٍ آخر لإمامِه، أيكون نظرُه إلى الآيتين سواءً؟ لا يبالي أنْ يتبيّنَ منهما بعدَ التدبرِ صحةُ ما لاح له، أو عدمُ صحتِه.

стр. 1404

وليفرضْ أنَّه وَقَفَ على حديثين لا يعرفُ صحتَهما ولا ضعفَهما، أحدهما: يوافقُ قولًا لإمامِه، والآخر يخالفُه، أيكون نظرُه في الحديثين سواءً، لا يبالي أنْ يصحَّ سندُ كلٍّ منهما، أو يضعف؟ (١). إنَّ إجابةَ المتمذهبِ عن هذينِ السؤالينِ السابقينِ مِنْ شأنِها أنْ تُبَيّن مدى اتباعِه لهواه. يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية عن العالمِ القادرِ على الاجتهادِ في بعضِ المسائلِ: "إذا قَدِرَ على الاجتهادِ التامِّ الذي يعتقدُ معه أن القولَ الآخر ليس معه ما يَدْفَعُ به النصّ، فهذا يجبُ عليه اتباعُ النصوصِ، وإنْ لم يفعلْ كان متبعًا للظنِّ، وما تهوى الأنفسُ" (٢). ويقولُ في موضع آخر: "أمَّا ترجيحُ بعضِ الأئمةِ والمشايخِ على بعضٍ، مثل: مَنْ يرجّح إمامَه الذي تفقه به ... فهذا البابُ أكثرُ الناسِ يتكلمون فيه بالظنِّ وما تهوى الأنفسُ ... " (٣). بلْ إنَّ تقيَّ الدين عدَّ المنتسبَ إلى الأئمةِ الخارجَ عن موجبِ الكتابِ والسنةِ مِنْ أهل الأهواء؛ لأنَّ مَنْ لم يتبع العِلمَ، فقد اتبع هواه (٤). ولأبي إسحاقَ الشاطبي حديثٌ عن وجهِ عدِّ المبتدعِ متّبعًا لهواه صادقٌ إلى حدِّ ليس بالبعيدِ على متعصبي المذاهبِ، يقول فيه: "إنَّهم اتبعوا أهواءَهم، فلم يأخذوا بالأدلةِ الشرعيةِ مأخذَ الافتقارِ إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بلْ قدّموا أهواءَهم، واعتمدوا على آرائِهم، ثم جعلوا الأدلةَ الشرعيةَ منظورًا فيها مِنْ وراء ذلك" (٥).

стр. 1405

السبب الرابع: التعصب للمذهب (١). لقد كان التعصبُ المذهبي هو الداءَ العضالَ الذي فَتَكَ بأربابِ المذاهبِ، وأَوْقَعَ كثيرًا منهم في التفرقِ والاختلافِ. وقد بيّنَ أبو شامةَ المقدسي أنَّ مِنْ أكبرِ أسبابِ تركِ طلب درجةِ الاجتهادِ، والبقاءِ على التقليدِ المذهبي، وعدمِ التزحزح عنه هو: الوَقوع في التعصبِ المذهبي (٢). ويقولُ الشيخُ صالحٌ المقبلي: "إنما يُعَظِّمُ الخلافَ التعضبُ" (٣). ولئن كنتُ أتحدثُ هنا عن أسباب الآثارِ السلبية، وعلى رأسِها: التعصبُ المذهبي، فإنَّني أقولُ: إن التعصَبَ المذهبي بعدَ ظهورِه أضحى سببًا في ظهورِ كثيرٍ مِن الآثارِ السلبيةِ السابقةِ؛ ولذا أفردته بالذّكرِ. السبب الخامس: المناظرات والجدل (٤). لئنْ كانت المناظراتُ مِن الآثارِ الإيجابيةِ للتمذهبِ، إلا أنَّ بعضَ

стр. 1406

المتمذهبين لم يجعل المناظرةَ لطلبِ الصواب، ومعرفةِ الأدلةِ ودرجاتِها (١)، بلْ جالوا في ميدانِها؛ لنصرةِ مذهبِهم أيًّا كَان الطريقُ إلى ذلك، ولدعوةِ الناسِ إلى التمذهبِ بمذهبِهم (٢). بلْ وَصَلَ الأمرُ في بعضِ المناظراتِ التي جرتْ بين متأخري المذاهبِ إلى التشاحنِ والتشاجر، فأضحت المناظراتُ مقامَ تطاولٍ وتناحرٍ، لا يُرَاعَى فيها جانبُ الحقِّ (٣)، وقد سَبَقَت الإشارةُ إلى هذا عند حديثي عن المناظرات في الفصلِ السابقِ. وهذا الخُلُق الذميمُ مِنْ شأنِه أنْ يجعلَ النفوسَ غيرَ قابلةٍ للحقِّ والصوابِ إذا بانَ لها واتضح، فيتمسك كلٌّ بقولِه، ويتعصب له، ويتكلّف ردَّ أدلةِ مَناظرِه، وينصر قولَه ومذهبَه بأيّ دليلٍ (٤). يقول الشيخُ محمدٌ الشوكاني: "إنَّ الرجلَ قد يكون له بصيرةٌ وحسنُ إدراكٍ، ومعرفةٌ بالحقِّ ورغوبٌ إليه، فيخطئ في المناظرةِ، ويحمله الهوى، ومحبةُ الغَلَب، وطلبُ الظهورِ على التصميمِ على مقالِه، وتصحيحِ خطئِه، وتقويمِ معوجِّه بالجدالِ والمراءِ" (٥).

стр. 1407

ويشهدُ لهذا السببِ: ما قاله أبو حامدٍ الإسفرايني لبعضِ جلسائِه: "لا تُعلِّقْ كثيرًا ممَّا تسمعُ مني في مجالسِ الجدلِ؛ فإن الكلامَ يجري فيها على خَتْل (١) الخصمِ، ومُغَالطتِه، ودفعِه ومُغالبتِه، فلسنا نتكلّم لوجهِ الله خالصًا! ولو أردنا ذلك، لكان خَطْونا إلى الصمتِ أسرعَ مِنْ تطاولنا في الكلامِ" (٢). ويقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن المناظراتِ الفقهيةِ: "وقد أدتْ تلك المُلاحاةُ، وهذه المناقشاتُ التي كانت تُتخذُ أحيانًا للمغالطاتِ إلى أمرين: ... ثانيهما: اشتدادُ التعصبِ المذهبي الذي انتقل إلى مخاصماتٍ، فعداواتٍ، وسَرَى ذلك إلى العامةِ، حتى كادَ يؤدّي إلى التناحرِ ... " (٣). السبب السادس: الإلفُ والاعتيادُ على مذهبٍ فقهي واحدٍ. لم يكن التواصلُ بين المذاهبِ الفقهيةِ قائمًا في جميعِ الأقطارِ، فقد عُمرتْ بعضُها بمذهبٍ فقهي واحدٍ، لم يخالطه غيرُه من المذاهب، إلا على وجهٍ لا يكادُ يُذكر. ومِنْ شأنِ إلفِ المتمذهب للمذهبِه، واعتيادِه عليه، ورُؤيته مَنْ يُعَظِمُه ويُجِلُّه مقيمًا عليه، وتمذهب العلماء والكبراء به، وعدم الاطلاع على غيرِه مِن المذاهبِ (٤): أنْ يجعلَ نفسَ المتمذهبِ غيرَ مُتَقَبِّلةٍ لغيرِ ما تعرفُه مِنْ مذهبِها، دونَ نظرٍ في القولِ ودليلِه، بلْ يتجاوزُ الأمرُ عند بعضِهم إلى الطعنِ ومحاربةِ مَنْ يأتي بغيرِ مذهبِهم (٥).

стр. 1408

وقد قيلَ: إنَّ مَنْ مارس مذهبًا بُرْهَةً مِن الزمانِ، ونَشَأَ عليه، فإنَّه يجزمُ بصحته، وببطلانِ غيرِه مِن المذاهبِ (١). وقد يُوْرِثُ هذا الأمر رهبةً في نفسِ مَنْ ترجّح عنده خلافُ مذهبِه مِنْ أنْ يُظْهِرَ قولَه ورأيه (٢). يقولُ ابنُ القيّمِ: "إنَّ العادةَ قد تقوى حتى تغلبَ حكمَ الطبيعةِ ... فيُربَّى الرجلُ على المقالةِ، ويَنْشَأُ عليها صغيرًا، فيتربى قلبُه ونفسُه عليها، كما يتربى لحمُه وعظمُه على الغذاءِ المعتادِ، ولا يَعْقل نفسَه إلا عليها، ثمَّ يأتيه العلمُ وهلةً واحدةً يريدُ إزالتَها وإخراجَها مِنْ قلبِه، وأنْ يَسْكُنَ موضعَها، فيعسرُ عليه الانتقالُ، ويصعبُ عليه الزوالُ" (٣). ويقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي عن حالِ بعضِ المتمذهبين المتعصبين لمذهبِهم: "إذا جاءَهم أحدٌ ممّنْ بَلَغَ درجةَ الاجتهادِ، وتكلّم في المسائلِ باجتهادِه، ولم يرتبطْ إلى إمامِهم: رموه بالنكيرِ وفَوَقُوا (٤) إليه سهامَ النقدِ، وعدّوه مِن الخارجين عن الجادّة، والمفارقين للجماعةِ! مِنْ غيرِ استدلالٍ منهم بدليلٍ؛ بلْ بمجرّدِ الاعتيادِ العامي" (٥). وقد عدَّ الشيخُ محمدٌ الشوكاني نشأةَ المسلمِ في بلدٍ تمذهب أهلُه بمذهبٍ واحدٍ الداءَ الذي طبَّق بلادَ الإسلامِ (٦). وقد يعتادُ بعضُ المتمذهبين النظرَ في كتبِ مذهبِه؛ لطلب أدلةِ المذاهبِ الأخرى، وقد يطَّلعُ على كتابٍ غيرِ مُنْصِفٍ في هذا المَقامِ،

стр. 1409

يُعْرِضُ عن أدلةِ المخالفِ القويةِ، ويسميها شُبَهًا، فإذا اقتصرَ المتمذهبُ على مثلِ هذه الكتب، ظنَّ مذهبَه صوابًا في جميعِ المسائلِ، وكلَ مَنْ خالفه فهو مخطئ (١). السبب السابع: الخشيةُ مِنْ وقوعِ الناسِ في تتبعِ الرخصِ، والتلفيقِ بين المذاهبِ. لقد كان الحادي والدافعُ لبعضِ المتمذهبين في الدعوةِ إلى البقاءِ على المذهبِ، وعدمِ خروجِ الناسِ عنه، هو المحافظة على الدِّينِ والصيانة له (٢)؛ لئلا يتساهلَ المفتون في إفتاءِ الناسِ بالرخصِ، ولئلا يقعَ الناسُ في تلفيقٍ يُبْطِلُ عبادتهم، وقد سَبَقَت الإشارةُ إلى هذه المسألةِ مِنْ قبلُ. ويتصل بهذا السببِ: الحرصُ على سلامةِ أقضيةِ الناسِ، وحكوماتِهم مِنْ جَوْرِ بعضِ القضاةِ، فيُلْزَمُ القاضي بالقضاءِ بالمذهب فقط؛ لئلا يُعْطَى فرصةً للتلاعبِ في الاحكامِ. وها هو ذا الشيخُ محمد الحجوي مع ما عُرِف عنه من دعوةٍ إلى الاجتهادِ، والتحذيرِ مِن التقليدِ المذهبي، يُقررُ ضرورةَ القضاءِ والإفتاءِ بالمذهب فحسب، فلا يخرج عنه البتة، يقول: "أمَّا الأحكامُ القضائيةُ مِنْ بيعٍ وطَلاقٍ ومِلكٍ واستحقاقٍ، أو أيّ عقدٍ كان، والإفتاءُ للغيرِ، فالصواب: أنْ لا نشغل أنْفُسَنَا بالأماني والخيالِ، بلْ علينا النظرُ إلى الحقائقِ الراهنةِ ... أمَّا المعوّلُ عليه الآن، فهو ما عليه الناسُ مَن التزامِ مذهبٍ معيّنٍ: كمالكٍ أو الشافعي أو غيرِهما ممّنْ ظَهَرَتْ أمانتُه ومتانةُ أقوالِه، وحسنُ نظرِه، فلا معدل عن الراجح أو المشهورِ، أو ما به العملُ؛ لقلةِ الأمانةِ في الوقتِ الحاضرِ؛ إذ لو فُتِحَ بابُ الاجتهادِ لأطلقنا طُغْمَة (٣) القضاة

стр. 1410

عن كلِّ تقييدٍ ... وبابُ الحيلِ قد فُتِحَ مِنْ قبلُ مع رقّةِ الديانةِ وذهابِ الأمانةِ ... " (١). السبب الثامن: الأوقاف على المذاهب الفقهية (٢). لقد كانَ الوقفُ بابًا مهمًّا لئلا ينقطعَ عملُ المسلمِ بعد موتِه، وجهاتُ الوقفِ كثيرةٌ لا تكاد تُحْصَر، ومِنْ أهمِّها: الوقفُ على معلمي المذاهبِ الفقهيةِ الذين ينذرون أوقاتهم للتعليمِ ونشرِه، وذلك بإنشاءِ مدارسَ تعنى بالمذهبِ، وقد انتفعَ الطلابُ بهذه المدارسِ، وتعلموا فيها، وتخرج فيها عددٌ مِن العلماءِ المحققين (٣). لكنَّ المشكلةَ التي حلَّتْ في بعضِ الأزمانِ والأقطارِ أنَّ بعضَ الواقفين يشترطُ في معلمي المدرسةِ أن يكونوا مِنْ مذهبٍ فقهي معيَّنٍ، أو أنْ يُدَرِّسوا مذهبًا معينًا، والغالبُ أنَّ هذا الشرطَ صادرٌ مِن الواقفِ عن حُسْنِ نيةٍ وقصدٍ (٤). وهذا الشرطُ وأمثالُه أورثَ عند بعضِ المدرسين جمودًا وعدمَ تزحزحٍ عن المذهب، فلا يخرجُ عنه، ولا يُقرر غيرَه مِن المذاهبِ، فضلًا عن تدريسِها، وَلا يتجاوزُ المذهبَ وأدلتَه؛ كلُّ هذا؛ لئلا يخرجَ عن شرطِ

стр. 1411

الواقفِ، إذ لو خَرَجَ عن شرطِه؛ لما استحقَّ شيئًا مِنْ ريعِ الوقفِ (١). وقد أنكرَ بعضُ المتمذهبين على تقي الدينِ بنِ تيمية تدريسَه بمدرسةِ ابنِ الحنبلي؛ إذ هي وقفٌ على الحنابلةِ، وتقيُّ الدين لا يلتزمُ مذهبَهم (٢). ويقولُ أبو شامةَ المقدسي مبيّنًا سببَ تركِ بعضِ العلماء لطَلَبِ رُتْبَةِ الاجتهادِ، والبقاءِ على المذهبِ: "ومِنْ أكبر أسبابِه: تعصبهم وتقيّدهم برِفْقِ الوقوفِ" (٣). ويقولُ - أيضًا -: "وعُدِمَ منهم - أي: من متعصبة المذاهب - الإنصافُ في مسائلِ الخلافِ؛ ولا سيما لما وُقِفَتْ عليهم الأوقافُ" (٤). ويقولُ الشيخُ محمدٌ الحجوي: "هناك بالمشرقِ أوقافٌ خاصةٌ بالشافعيةِ، وأخرى بالحنفيةِ مثلًا، ومدارسُ لا يُنَال التدريسُ بها إلا مَنْ كان مقلِّدًا لأحدِ المذاهبِ الأربعةِ، ووظائفُ كذلك مِنْ قضاءٍ وفتوى، فكان هذا العملُ ممَّا أوجبَ بقاءَ العلماءِ مقلِّدين، ولو بلغوا درجةَ الاجتهادِ" (٥). ويقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: "إنَّ إنشاءَ المدارسِ - مع أنّه أذَّى إلى نشرِ العلمِ، وكثرةِ تحصيله - قد أدَّى إلى التعصبِ الفكري، وكثرةِ الأتباعِ،

стр. 1412

وقلةِ التفكيرِ الحرِّ المستقلِّ الذي ينظرُ إلى الدليلِ، وما يوصل إليه البرهانُ مِنْ غير تقليدٍ أو اتباعٍ ... " (١). ومن الشواهد على هذا السبب: ما ذكره وليُّ الدين العراقي بقوله: "قلتُ مرةً لشيخنِا الإمامِ البُلقيني - رحمه الله تعالى -: ما يقصرُ بالشيخِ تقيِّ الدّينِ السبكي عن الاجتهادِ، وقد استكمل آلته؟ وكيف يُقلِّدُ؟ ! - ولم أذكرْه هو؛ استحياءً منه؛ لما أريدُ أن أُرَتب على ذلك - فَسَكَتَ. فقلتُ: ما عندي أنَّ الامتناعَ مِنْ ذلك إلا للوظائفِ التي قُررت للفقهاءِ على المذاهب الأربعةِ، وأنَّ مَنْ خَرَجَ عن ذلك واجتهدَ، لم ينلْه شيءٌ مِنْ ذلك، وحُرِمَ وَلايةَ القضاءِ، وامتنع الناسُ مِن استفتائِه، ونُسِب إلى البدعةِ. فتبسَّم، ووافقني على ذلك" (٢). السبب التاسع: الوقوعُ في ردّة الفعل. عندما يدعو بعضُ المنتسبين إلى العلم غيرَهم مِن المتمذهبين إلى النظرِ في الأدلةِ، وترجيحِ ما يرجّحه الدليلُ، ويصاحب هذه الدعوةَ في بعضِ الأحايين ما يُنفّر منها، ويدعو إلى محاربةِ مَنْ ينتسبُ إليها، كأنْ يصدرَ مِن الداعي هجومٌ على إمامِ المذهبِ وعلماءِ مذهبِه، أو هجومٌ على المذاهبِ، والدعوة إلى تركِها بالكليةِ، ونحو هذا: يقف المدعوون موقفًا سلبيًا ومعاديًا لهؤلاءِ؛ بسببِ سوءِ التصرفِ الصادرِ عنهم. ولو سَلَكَ أولئك القوم طريقةً أحسن مِن هذه الطريقِةِ لكانت النتيجةُ أفضلَ، فكيفَ نريدُ مِنْ علماءِ الحنفيةِ مثلًا أنْ يقبلوا دعوةَ مَن يدعوهم إلى الأخذِ بالدليلِ في بعضِ المسائلِ، والداعي يتهجم على الإمامِ أبي حنيفةَ نفسِه؟ ! (٣).

стр. 1413

يقولُ شمسُ الدين الذهبي عن ابنِ حزمٍ: "لم يتأدبْ مع الأئمةِ في الخطاب، بلْ فجَّجَ العبارة، وسبَّ وجدّعَ، فكان جزاؤه مِنْ جنسِ فعلِه، بحيثُ أَعرضَ عن تصانيفِه جماعةٌ مِنْ الأئمةِ، وهجروها، ونفروا منها، وأُحْرِقَتْ في وقتٍ ... " (١). ويقولُ أحمدُ بن المقّري (٢) عنه أيضًا: "هو نسيجُ وَحْدِه (٣)، لولا ما وُصِفَ به مِنْ سوءِ الاعتقادِ، والوقوعِ في السلفِ الذي أثارَ عليه الانتقادَ، سامحه الله" (٤). ولقد أرشدَ الشوكانيُّ مَنْ يريدُ إقامةَ الحجةِ بالصدعِ بالحقِّ، وضرب البدعةِ في وجهِ صاحبِها، وأنْ يُلْقَمَ المتعصبُ حجرًا، ويوضّح ما شرعه اللهُ لعبادِه، وأنَّ يُبيّنَ للمتمسكِ بالرأي مع وجودِ الأدلةِ الثابتةِ عن الشارعِ أنَّه

стр. 1414

كخابطِ عشواء، وراكبِ عمياء (١). ومثل هذا المسلكِ لا يصلحُ لكثيرٍ مِن الناسِ، وهو مُؤذنٌ بعدمِ قبولِ المنصوحِ للنصيحةِ. ويتحدّثُ أبو حامدٍ الغزاليُّ عن بعضِ العلماءِ الذين يزدون مخالفيهم فيقع مخالفوهم في مخالفةِ الصواب؛ نتيجةً لسوءِ أولئك العلماء، فيقول: "إذ التعصّبُ سببٌ يرسخُ العقائدَ فيَ النفوسِ، وهو مِنْ آفاتِ العلماءِ السوء، فإنَّهم يبالغون في التعصّبِ للحقِّ، وينظرون إلى المخالفين بعينِ الازدراءِ والاستحقارِ، فينبعثُ منهم الدعوى بالمكافأةِ والمقابلةِ والمعاملةِ، وتتوافر بواعثُهم على طلبِ نصرةِ الباطلِ، ويقوى غرضُهم في التمسّكِ بما نسبوا إليه، ولو جاءوا مِنْ جانب اللطفِ والرحمةِ والنصحِ في الخلوةِ، لا في معرضِ التعصّبِ والتحقيرِ: لأنجحوا فيه ... " (٢). وقد يقعُ بعضُ الناسِ في التعصبِ نتيجةً لفعل صارٍ مِنْ بعض المتمذهبين. ومن الأمثلة على هذا: أنَّ أحدَ علماءِ المالكيةِ البارزين (٣) لمَّا مالَ إلى مذهب الإمامِ الشافعي، أَخَذَ يُسمي: (المدونة) بالمدودة! فهجره علماءُ المالكية (٤)، والظاهر أنَّهم هجروه؛ لإساءته اللفظيةِ لكتابٍ مؤلَّفٍ في أجوبة إمامِهم. السبب العاشر: الضعف العلمي (٥). لم يكن العلماءُ والمتعلمون يومًا ما على درجةٍ واحدةٍ في العلمِ، بلْ

стр. 1415

هم متفاوتون فيه تفاوتً واضحً، والمتمذهبُ الذي حصَّل شيئًا مِن العلمِ، وجهلَ أشياءَ كثيرة، ولم يجعل جهلَه عذرًا له في تركِ الإنكارِ على غيرِه، فأضحى ينكرُ على كلِّ مَنْ خالف مذهبه، دونَ معرفةِ حجةِ قولِه: واقعٌ في أثرِ سلبي؛ نتيجةَ لضعفِه العلمي (١). يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيميةَ: "مِن الناسِ مَنْ لا يعرفُ مذاهبَ أهلِ العلمِ، وقد نَشَأَ على قولٍ لا يعرف غيرَه، فيظنَّه إجماعًا" (٢). ولابنِ القيمِ كلماتٌ صالحةٌ لهذا السبب، يقولُ بعدما قرر مسألةَ: (اشتراط المحلِّل في السباق) بأقوالِها وأدلتِهَا (٣): "فتأمّلْ أيّها المنصفُ المذاهبَ، وهذه المآخذَ؛ لتعلمَ ضعفَ بضاعةِ مَنْ قمّشَ شيئًا مِنْ العلمِ مِنْ غيرِ طائلٍ، وارتوى مِنْ غيرِ مَوْردٍ، وأنكرَ غيرَ القولِ الذي قلَّده بلا علمٍ" (٤). ولا يخفى أنَّ الجهلَ داءٌ قد يصدُّ عن الحقِّ؛ إذ الجهلُ أصلُ كلِّ فسادٍ (٥)، يقولُ ابنُ القيمِ: "الأسبابُ المانعةُ مِنْ قبولِ الحقِّ كثيرةٌ جدًّا: فمنها: الجهلُ به، وهذا السببُ هو الغالبُ على أكثرِ النفوسِ، فإنَّ مَنْ جهلَ شيئًا عاداه، وعادى أهلَه" (٦).

стр. 1416

ويقولُ الشيخُ محمدٌ الباني مبيّنًا سببَ التعصبِ عند بعضِ فقهاءِ عصرِه: "وهذا ناشئٌ عن جفافِ علمِهم، وضعفِ عقولِهم" (١). وقد بيّنَ الشيخُ محمدٌ الشوكاني أنَّه يغلبُ على مَنْ له اشتغالٌ بطلب العلمِ في مذهبِه، والاقتصار عليه، وعدم الالتفاتِ إلى ما سواه، وتركَ التحقيقِ في العلمِ، التعصب على العلماءِ الذين ينظرون في المسائلِ نَظَرَ المجتهدين (٢). وإذا علمنا أنَّ مِنْ فقهاءِ أهلِ الرأي مَنْ أجازَ نسبةَ الحُكم الذي دلَّ عليه القياسُ إلى رسولِ الله ﷺ فيقول قالَ رسولُ لله ﷺ كذا (٣) - فليسَ مِنْ ريبٍ في أنَّ الجهلَ أحدُ الأسبابِ الي أوقعتهم في مثلِ هذا الصنيعِ. السبب الحادي عشر: الكسلُ والرغبة في الراحة (٤). لا يستريبُ أحدٌ في أنَّ العلمَ الشرعي صعبُ المنالِ، ويحتاج إلى صبرٍ ومصابرةٍ، وليس بإمكانِ الإنسانِ أنْ يتعلمَ العلمَ إلا إذا جدَّ واجتهدَ، وكان في مزيدِ تعلّمِ في يومه وليلته، فيكونَ دائمًا في طلبِ الازديادِ منه (٥). لكنَّ بعضَ المتمذهبين أرادَ أنْ يخلدَ إلى الراحةِ، وأنْ لا يكدَّ ذهنَه في العلمِ، ومعرفةِ الأقوالِ وأدلتِها، فاقتصرَ على مذهبِه تعلمًا وحفظًا، دونَ عنايةٍ بالأدلةِ والاستنباطِ منها، ومعرفةِ درجتها وصحتها.

стр. 1417

ويدلُّ على هذا السبب: ما ذكره أبو الفرجِ بنُ الجوزي في مقدمة كتابِه: (التحقيق في أحاديث التعليق) (١) عن سبب إعراضِ بعضِ فقهاءِ عصرِه عن طلبِ الأدلةِ الصحيحةِ، ووجودِ الأدلةِ الضعيفة في مدوّناتهم، فقالَ: "قومٌ غَلَبَ عليهم الكسلُ، ورأوا في البحثِ تَعَبًا وكلفةً، فتعجلوا الراحةَ، واقتنعوا بما سطّره غيرُهم". وقد يُعبَّرُ عن هذا السبب بـ: ضعفِ الهمةِ وقصورِها (٢)؛ إذ ضعفُ الهمةِ مؤذنٌ بالكسلِ العلمي في طلبِ تحقيقِ المسائلِ، وصحةِ الأقوالِ، والاكتفاء بالمذهبِ فحسب (٣). وقد ساعدَ على ضعفِ الهمةِ عند بعضِ المتمذهبين تدوينُ المذاهبِ الفقهيةِ، فإذا عرضتْ حادثةٌ طلبوا حكمَها في مدوّناتِ المذهبِ، التي يغلبُ على عددٍ منها عدمُ الاعتناءِ بذكرِ أدلةِ المسائلِ (٤).

стр. 1418

المبحث الثاني: طرق علاج الآثار السلبية إنَّ الحديثَ عن طُرُقِ علاجِ الآثارِ السلبيةِ حديثٌ مهمٌ، وتبرز أهميتُه في خطورةِ الآثارِ السلبيةِ. وتحسنُ الإشارةُ إلى أنَّ الآثارَ السلبيةَ السابقةَ متفاوتةٌ مِنْ جهةِ الخطورة، ومِنْ جهةِ الانتشارِ، ومِنْ جهةِ بقائِها إلى عصرِنا الحاضر. وإنَّ مِن النعمِ التي حبانا اللهُ تعالى بها أنَّ كثيرًا مِن الآثارِ السلبيةِ قد تقلصتْ، مع بقاءِ المذاهبِ قائمةً في أقطارِ المسلمين، وقد تقدّمت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ في الفصلِ الثاني مِن البابِ الأولِ. وسأنطلقُ في هذا المبحثِ مقتنعًا بضرورةِ بقاءِ المذاهبِ المتبوعةِ، ومشروعيتها، فلن يكونَ مِنْ سُبُلِ العلاجِ الدعوةُ إلى إلغائِها واقتلاعِها (١)؛ لظهورِ فسادِ هذا الطريقِ، ولو فَرَضْتُ جدلًا قبولَه، فإنَّ تطبيقَه أشبه شيءٍ بالمستحيل، إضافةً إلى خطورته الجسيمةِ على حاضر الفقهِ وأصولِه وماضيهما (٢). وقبل بيانِ الطرقِ المقترحة أُحِبُّ أنْ أبيّنَ أمرين: الأمر الأول: أنَّ المتلطخين بالآثارِ السلبيةِ للتمذهبِ متفاوتون في درجةِ التأثرِ، فقد نجدُ بين المتعصبين للمذاهبِ مَنْ هو شديدُ التعصبِ لمذهبِه، موغلٌ في تقليدِه، مع قدرتِه على الاستدلالِ، ونجدُ مَنْ فيه شائبةٌ مِنْ داءِ التعصبِ.

стр. 1419

الأمر الثاني: أنَّ بعضَ الذين تلبسوا بالآثارِ السلبيةِ يصعبُ علاجُهم، وقد يكون رجوعهم إلى جادةِ الصواب مِنْ أبعدِ الأمورِ، إلا بتوفيقِ الله تعالى (١). وبتأمَّل الآثارِ السابقةِ، وأسباب ظهورها، فإنَّني أقترح بعض الطرقِ التي أرى أنَّها تسهمُ في علاجِها. الطريق الأول: الاهتمامُ بالكتب المذهبيةِ البعيدةِ عن التعصب المذهبي، والتي تُعْنَى بالاستدلالِ. لم يبخلْ أربابُ المذاهبِ على مذاهبِهم بالتأليفِ فيها - كما سَبَقَ بيانُه - وقد تنوعتْ جهودُهم في خدمةِ مذاهبِهم، ولا يخلو مذهبٌ مِنْ وجودِ مؤلفاتٍ ومدوّناتٍ عُنيتْ وشحِنَتْ بالاستدلالِ للمذهب، وإظهارِ الصنعةِ الأصوليةِ. إنَّ الاهتمامَ بأمثالِ هذه المؤلفاتِ مِنْ شأنِه أنْ يعوّدَ أربابَ المذهبِ وطلابَه على تطلّبِ الدليلِ، والبحثِ عنه، وتعظيمِه؛ ليكونَ الوقوفُ على دليلِ المذهبِ؛ للنَظرِ فيه قوةً وضعفًا مقصدًا للمتمذهبِ، كما يقصدُ معرفةَ أقوالِ إمامِه وما قرره محققو مذهبِه. ومِنْ شأنِه - أيضًا - أنْ يُعودَ أربابَ المذهب على تطبيقِ القواعدِ الأصوليةِ (٢)، وعلى تركِ مذهبِهم في المسائل الَتي لم يقوَ فيها دليلُ المذهبِ. وقد حثَّ أبو إسحاقَ الشاطبي المتعلمَ على الاعتمادِ على كتبِ المتقدمين، فقالَ: "أنْ يتحرى كتبَ المتقدمين مِنْ أهلِ العلمِ المراد؛ فإنَّهم

стр. 1420

أقعدُ مِنْ غيرِهم مِنْ المتأخرين" (١). الطريق الثاني: الاطلاعُ على بقيةِ المذاهبِ المتبوعة، ومعرفةُ أقوالِ السلفِ. إنَّ المذاهبَ الفقهيةَ المتبوعةَ تحتوي على ثروةٍ فقهيةٍ وأصوليةٍ ضخمة، ومِن الخسارةِ الكبيرةِ أنْ لا يفيدَ المتمذهبُ إلا مِنْ كتبِ مذهبِه ومؤلفاتِه (٢). يقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا بعدما حثّ على الإفادةِ مِن المذاهبِ: "هذا الانفتاحُ قد أزال العصبيةَ المذهبيةَ التي كانت بين أتباعِ المذاهب في الماضي ... وأصبحت الدراسةُ الفقهيةُ في الجامعات تُظهرُ للطالبِ مزايا المذاهبِ المختلفةِ، وما فيها مِنْ ثروةٍ فقهيةٍ، وتنميةٍ فكريةٍ، وتوسعةٍ للمداركِ بمناقشةِ الأدلةِ، وتيسيرٍ على المكلَّفِ في التطبيقِ" (٣). وقد بيّنَ الشيخُ الزرقا أنَّ الانفتاحَ على المذاهبِ مِنْ سماتِ فقيه العصرِ الحاضرِ (٤). وقد جاءَ عن بعضِ السلفِ ما يدلُّ على ضرورةِ أنْ يطلّعَ العالمُ على أقوالِ العلماءِ في المسائل، فمِنْ ذلك: - قول قتادة (٥): "مَنْ لم يَعرف الاختلافَ لم يشمَّ رائحةَ الفقهِ

стр. 1421

بأنفِه" (١). - وقول سعيد بن أبي عروبة (٢): "مَنْ لم يسمع الاختلافَ فلا تعدَّه عالمًا" (٣). الطريق الثالث: التقاءُ علماءِ المذاهب الفقهيةِ لدراسةِ ما يهم المسلمين. إنَّ مكانةَ العلماءِ في نفوسِ المسلمين مكانةٌ كبيرةٌ، فهم ممَّنْ يُقتدى بهم في أقوالِهم وتصرفاتِهم، وإذا رأى المتمذهبون وأربابُ المذاهبِ علماءَهم كيفَ يصنعون إذا التقوا، فإنَّ هذه الصورةَ المشرقةَ مِنْ شأنِها أنْ تَمْحِي آثارًا سلبيةَ كثيرةَ عالقةً في تصرفاتِ بعضِ المتمذهبين؛ لأنَّها تطبيقٌ عمليٌ لما يجبُ أنْ يكونَ عليه علماءُ المذاهبِ. ولقد أسهمت المجامعُ والمحافلُ والمؤتمراتُ الفقهية في التقاءِ العلماءِ مِنْ مختلفِ المذاهب، فنظروا في المسائلِ العديدةِ، واجتهدوا اجتهادًا جماعيًا؛ للتوصلِ إلى أَحكامِها (٤).

стр. 1422

وقد عدَّ الشيخُ مصطفى الزرقا التقاءَ العلماءِ في هذه المحافلِ الفقهيةِ لدراسةِ النوازلِ بعثًا للاجتهادِ مِنْ مرقدِه في صورةٍ جماعيةٍ (١). الطريق الرابع: تربيةُ المتمذهبِ على احترامِ المذاهبِ وأهلِها (٢). إنَّ التنشئةَ على حبِّ العلمِ، وحبِّ أهلِه، واحترامِهم مِنْ الأهميةِ بمكان. وممَّا يساعدُ في هذا الجانب: الاهتمامُ بالكتبِ التي ألّفها علماؤنا في الآدابِ الشرعيةِ عمومًا، وآدابِ طالبِ العلمِ على وجهِ الخصوصِ. وإذا كان المتمذهبُ عارفًا للأئمةِ قدرَهم، محبًّا للإنصافِ، متحليًّا بالآداب، فإنَّه سيتجنبُ الوقوعَ في التعصبِ وذيولِه (٣). يقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيل: "كانتْ أيدي الحنابلة مبسوطةً في أيامِ ابنِ يوسفَ (٤)، فكانوا يستطيلون بالبغي على أصحاب الشافعي في الفروعِ، حتى لا يُمَكّنوهم مِن الجهرِ والقنوتِ، وهي مسألةٌ اجتهاديةٌ ... فلمَّا ماتَ ابنُ يوسفَ، وزالتْ شوكةُ الحنابلةِ، استطالَ عليهم أصحابُ الشافعي استطالةَ السلاطين الظلمة ... فتدبرتُ أمرَ الفريقين، فإذا بهم لم تعمل فيهم آدابُ العلمِ، وهل هذه إلا أفعالُ الأجنادِ؟ ! ... " (٥).

стр. 1423

وقد دعا الإمامُ الشوكانيُّ طلابَ العلمِ إلى أنْ يوطنوا أنفسَهم على الإنصافِ، وعدمِ التعصب لمذهب من المذاهب، ولا لعالم من العلماءِ، فمَنْ صَنَعَ ذلك فقد فاز بأعَظمِ فوائَدِ العلمِ (١). وقد ذَكَرَ الشيخُ محمد الطاهر بنُ عاشور أنَّ مِنْ أسباب تأخرِ التعليم: "عُرُوُّ التعليم عن مادة الآداب وتهذيب الأخلاقِ، وشرحِ العوائدِ النافعةِ وغيرِها، وهو السبب الذي قَضَى على المسلمين بالانحطاطِ في الأخلاقِ والعوائدِ" (٢). ويتصل بهذا الطريق أمران: الأمر الأول: أنْ يتعلمَ أربابُ المذاهبِ، ويرسخَ في أذهانِهم أنَّ أئمتهم قد تخرجوا في مدارس متقاربةٍ، فأصولُهم متقاربةٌ، وكانتْ بينهم رَحِمُ العلمِ؛ إذ دَرَسَ بعضُ الأئمةِ على غيرِه من الأئمة (٣)، فالإمامُ الشافعي تلميذُ الإمامِ مالكٍ، والإمامُ أحمدُ تتلمذ للإمامِ الشافعي. فمعرفةُ المتمذهبين بقربِ مذاهبِهم مِنْ بعضها في أصولِها، وبوقوع المحبةِ فيما بين أئمتِهم، دافعةٌ لهم أنْ يتّبعوا إمامَهم في هذا الأمرِ، وأنْ ينزعَ فتيلَ التعصبِ مِنْ قلوبِهم (٤). الأمر الثاني: أنْ يقومَ علماءُ المذاهب العارفون بالآثارِ السلبيةِ بتحذيرِ أرباب مذهبِهم منها؛ لئلا يقعوا فيها، أو يتلَبسوا بشيءِ منها (٥).

стр. 1424

الطريق الخامس: العنايةُ بالتخصصِ العلمي. ممَّا هو معلومٌ أنَّ العلمَ الواحدَ بحورٌ زاخرةٌ، وممَّا يسهمُ في ضبطِه أنْ يتخصصَ المتمذهبُ في علمٍ - أو فنٍ - بحيثُ يتقنُه ويستوعبُه، ويستوفي مقاصدَه وأغراضَه. إنَّ المتخصصَ في العلمِ أقربُ إلى الاهتمامِ بالدليلِ، وإلى تركِ التعصبِ ونبذِه، والدراسةُ المتخصصةُ مِنْ أفضلِ أساليبِ التأليفِ في العصرِ الحاضرِ (١). بل إنَّ الاهتمامَ بموضوعاتٍ وأبوابٍ محددةٍ في العلمِ الواحدِ - إذا كان واسعًا مترامي الأطراف كالفقه مثلًا - أحرى بصاحبِه إلى ضبطِ مسائلِه وإتقانِها، ومعرفةِ أدلتِها. ومِنْ شأنِ المتخصصِ إذا كان ذا أهليةٍ أنْ يكونَ منصفًا، دقيقًا في آرائه (٢)، ذا قدرةٍ على النقدِ والابتكارِ. وقد جاء عن بعضِ العلماءِ المتقدمين الحثُّ على التخصص في العلم: يقولُ الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٥ هـ): "إذا أردتَ أنْ تكونَ عالمًا، فاقصدْ لفنٍ مِنْ العلمِ، وإنْ أردتَ أنْ تكون أديبًا، فخذْ مِنْ كلِّ شيءٍ أحسنَه" (٣). وحينَ بيّن الشيخُ محمد الطاهر بن عاشور أسبابَ تأخرِ المسلمين في علومِهم، ذَكَرَ مِنْ جملةِ الأسباب: إهمال التخصصِ، فبيّنه قائلًا: "طموحُ النفسِ إلى المشاركةِ في جميعِ العَلومِ، ممَّا جعل التآليف خليطًا مِن المسائلِ التي يتوقف بعضُها على فهمِ بعضٍ ... وذلك حال دونَ أهلِ العلمِ، ودونَ

стр. 1425

تحقيقِ علم مِن العلومِ ينبغون فيه؛ لأنَّ الزمانَ أقصرُ مِن استيفاءِ حاجةِ كلِّ العلومِ، لاسيما مع اختلالِ التعليمِ، ولإهمالِ الناسِ هذا الصلاح وقفوا عند حدودِ الأولين، بلْ نقصوا عنهم؛ لأنَّ المتقدمين لم يكونوا يبرزون إلا في فنٍ واحدٍ، وهو الاختصاص؛ ولذا ظهرتْ فيهم أئمةٌ مشاهير" (١). وألفتُ النظرَ إلى أنَّ بروزَ المتمذهب في الفقهِ على وجهِ الخصوصِ، وإبداعَه فيه موكولٌ إلى مهارتِه الأصوليةِ، وَمعرفته الدقيقة بعلمِ أصولِ الفقهِ. الطريق السادس: العنايةُ بطرقِ التعليمِ. إنَّ طرقَ التعليمِ متعددةٌ، وليست الأقطارُ على طريقٍ تعليميةٍ واحدةٍ، وكلٌّ يتبعُ ما يراه مفيدًا، وحسنُ اتخاذِ الطريقِ يؤدي إلى نتيجةِ أفضل؛ فإذا تعلمَ المتمذهبُ بالترقي في العلمِ (٢)، فَفَهِمَ مسائلَه، ثمّ اهتمَّ بالنظرِ في الأدلةِ وما يتصلُ بها، وتكونت لديه الملكةُ، بحيثُ يصبح بمقدورِه أنْ يفهمَ المسائلَ العويصةَ والمغلقةَ والمبهمةَ، ويوضحَها: فإنَّ هذا مِنْ شأنه أنْ يرسّخَ الطالبَ في المذهب، وأنْ يكون ذا دربةٍ للنظرِ في الأدلةِ والاستنباطِ منها (٣). يقولُ الشيحُ محمدٌ الحجوي ناصحًا للأساتذةِ وشيوخِ الطلاب: "ليْتَنَا نمرّنُ طلبةَ الفقهِ على النظرِ في الآياتِ القرآنيةِ المتعلقةِ بالأحكامِ، وحَفظِها، وفهمِها فهمًا استقلاليًا يوافقُ ما كان يفهمه منها قريشٌ الذين نزَلَ بلغتِهم، وعلى النظرِ في السنةِ الصالحةِ للاستدلالِ، وحفظِها وإتقانِها، وفهمِها كذلك، ونمرنُهم على اللغةِ العربية، وأصولِ الفقه ... ولن يُصْلِحَ آخر هذه الأمة إلا ما صَلَحَ عليه أولُها" (٤).

стр. 1426

وفي العصرِ الحديثِ أسهمت الدراساتُ العلميةُ المتخصصةُ في مجالي الفقه وأصوله في معالجةِ كثيرٍ من المسائلِ بعيدةً عن التعصبِ والآثارِ السلبيةِ الأخرى، يقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا مادحًا هذه الأطروحات العلمية: "وُجِدتْ رسائلُ ماجستير ودكتوراه في موضوعاتٍ فقهيةٍ كثيرةٍ، تستوعبُ كلَّ موضوعٍ وتناقشُه بتعمّقٍ مِنْ مختلف جوانبِه، وتغني الباحثين والمراجعين ... " (١). * * *

стр. 1427

الفصل الرابع: مشروع توحيد المذاهب الفقهية وفيه مبحثان: المبحث الأول: عرض مشروع توحيد المذاهب الفقهية المبحث الثاني: نقد مشروع توحيد المذاهب الفقهية

стр. 1428

المبحث الأول: عرض مشروع توحيد المذاهب الفقهية لم يكن موقفُ بعضِ المعارضين للتمذهبِ موقفًا يعتمدُ على اطِّراح التمذهبِ والتقليدِ المذهبي فحسب، بل اقترحَ بعضُهم مشروعًا ليكونَ بديلًا عن تمذهبِ المسلمين بالمذاهب المتبوعةِ، وإذا صوّبنا النظرَ تجاههم نجد أنَّ لبَّ المَشروعِ المطروحِ مِنْ قِبَلِهم قائمٌ على توحيدِ المذاهب الفقهيةِ، لا على أساسِ الاكتفاءِ بواحدٍ منها، بلْ على أساسِ الأخذِ بالقَولِ الراجحِ منها، دونَ انتسابٍ إلى مذهبٍ مِن المذاهبِ المعروفةِ. ولا شكَّ عندي في أنَّ الحادي لهؤلاءِ إلى الدعوةِ إلى توحيدِ المذاهبِ، والباعثَ لهم حرصُهم على أنْ يلتئمَ شملُ أربابِ المذاهب المتبوعةِ، فلا يكون بينهم عداوةٌ ولا بغضاء، وأنْ يعملوا جميعُهم بالأدلةِ الشرعيةِ، وأنْ يستفيدوا مِنْ جميعِ المذاهبِ المتبوعةِ (١). يقولُ الشيخُ محمدٌ الباني مُعللًا دعوتَه إلى توحيدِ المذاهبِ: "تخلّصًا مِن التعصبِ الممقوتِ، وحميةِ الجاهليةِ الأُوْلى التي نشأتْ بين متأخري أتباعِ المذاهب، فَنَجَمَ عنها: تفرّقُ كلمتِهم، وتخاذلُهم في وقتٍ هم أشدُّ الناسِ احتياجًا فيه إلى اتّحادِ الكَلِم والتضامنِ" (٢). ويظهر لي أنَّ بدءَ الدعوةِ إلى توحيدِ المذاهبِ كانت في أوائل القرنِ الرابعِ عشرِ الهجري تقريبًا، يدلُّ على هذا: ما جاء في فتاوى الشيخ عبد القادر بن بدران (ت: ١٣٤٦ هـ) من السؤال عن توحيدِ المذاهبِ (٣)، ودعوةِ

стр. 1429

الشيحِ محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ) إلى توحيدِ المذاهبِ (١)، وكذلك ما قرره الشيخُ محمد الباني (ت: ١٣٥١ هـ) (٢). وقبلَ بيانِ مشروعِ توحيدِ المذاهبِ أُحِبُّ أنْ أنبّه إلى النقاطِ الآتيةِ: الأولى: رغّبَ الشيخُ عبدُ القادر بنُ بدران في توحيدِ المذاهبِ في أبوابِ المعاملاتِ، دونَ أبواب العبادات، وبقراءة كلامِه يظهر أنَّه أراد تقنينَ الأحكام في ضوءِ قولٍ واحدٍ، يقول في إجابتِه عن سؤالِ إمكانيّة توحيدِ المذاهب: "هاهنا تفصيل: فإنْ كانَ توحيدُ المذاهبِ في العباداتِ، فهذا لا يمكنُ ... وإنْ كانَ في المعاملاتِ، وكان الموحّدون للمذاهبِ أصحابَ علم واجتهادٍ، وأصحابَ معرفةٍ بأحوالِ الزمانِ، ومعرفةٍ بالمصالحِ المرسلة: فإنَّ توحيدَ المذاهبِ هذه أولى مِنْ اختراعِ القوانينِ المبتدعةِ، ومِن السيرِ على نمطِ القوانينِ الأُورباوية التي لم تزلْ عُرْضةً للتغييرِ والتبديلِ ... " (٣). الثانية: نَسَبَ الشيخ محمدٌ الباني القولَ بتوحيدِ المذاهبِ إلى علماءِ عصرِه وحُكمائِه المجددين (٤). الثالثة: يختلفُ مفهومُ توحيدِ المذاهبِ عند بعضِ الداعين إليه فيما بينهم، فالمتبادرُ مِنْ قولهم: توحيد المذاهب أنْ يكونَ للمسلمين مذهبٌ واحدٌ، لكنَّ الشيخَ محمدًا الباني فسَّر توحيدَ المذاهبِ - الذي دعا إليه العلماءُ في عصرِه - بـ: "التوفيق بينها فيما يمكنُ التوفيق به؛ قصرًا للطريقِ على طالبِ التفقه في دينِه، وخروجًا مِنْ خلافِ العلماءِ حسب الإمكانِ؛ أخذًا بالورعِ" (٥). وأعدُّ ما قرره الشيخُ محمدٌ الباني مِنْ اللبناتِ الأُوْلى في طريقِ توحيدِ المذاهبِ؛ إذ جاءَ بعده مَنْ لم يقصرْ توحيدَ المذاهبِ على ما يمكنُ التوفيقُ فيه فحسب، بل جَعَلَ دعوته لتوحيدِ المذاهبِ في جميعِ المسائلِ.

стр. 1430

الرابعة: هناك فرقٌ بين الحديثِ عن تقارب المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ، والدعوةِ إلى توحيدِها؛ إذ المذاهبُ الفقَهيةُ متقاربةٌ مِنْ حيثُ أصولُها، وأحكامُ فروعِها (١)، وليس هذا بغريبٍ؛ لأنَّ أئمةَ المذاهبِ تخرجوا في مدارس متقاربةِ الأصولِ، وقد تتلمذ بعضُهم لبعضٍ (٢). الخامسة: ضرورةُ التفريقِ بين الدعوةِ إلى توحيدِ المذاهبِ، والدعوةِ إلى جعلِ المذاهبِ كالمذهبِ الواحدِ. فتوحيدُ المذاهبِ صهرٌ لأقوالِ المذاهبِ في مذهب وقالبٍ واحدٍ، بحيثُ لا توجدُ المذاهبُ المعروفةُ؛ أمَّا جعلُ المذاهب كالمذهب الواحدِ، فهو بقاءٌ على المذهبية مع الأخذِ بما يرجحه الدليلُ والبرهانُ، ولو كان خارجَ المذهب، فلا يُوجَدُ حَرَجٌ عند هؤلاءِ مِن الأخذِ بمذهبٍ آخرَ شريطةَ أنْ يكون هناكَ ما يُسوّغُ الأخذَ به. أشرتُ إلى هذا الأمرِ؛ لئلا يذهبَ ذاهبٌ إلى عدِّ مَنْ دعا إلى جعلِ المذاهب كالمذهبِ الواحدِ منْ حيثُ الإفادةُ منها مِن الداعين إلى توحيدِها (٣). السادسة: ثمةَ فرقٌ بين الدعوةِ إلى توحيدِ المذاهبِ، والدعوةِ إلى توحيدِ الحُكمِ القضائي والإفتائي. فمَنْ دعا إلى توحيدِ الحكمِ القضائي والإفتائي - بغضِّ النظرِ عن حُكمِ توحيدِ القول في القضاءِ والإفتاءِ - فإنَّه لا يُعدُّ مِن الداعين إلى توحيدِ

стр. 1431

المذاهبِ (١)؛ لأنَّ منشَأَ دعوته هو النظر إلى مصلحةِ المتخاصِمَينِ والمستفتينَ. عرض المشروع: لم ينصَّ جميعُ دعاةِ توحيدِ المذاهب على مشروعٍ معيَّنٍ، بلْ دعا بعضُهم إلى توحيدِها، دون أنْ ينصَّ على طريقِ توحيدِها. وقد أسهم آخرون في هذا المجالِ، وذكروا مشروعًا، وبيّنوا مضمونَه، ومِنْ أهمِّ ما وقفتُ عليه - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - ما عرضه الشيخُ محمدٌ الباني، وما عرضه الأستاذُ محمدٌ عيد عباسي، وسوف أذكر ما قاله كلُّ واحدٍ منهما في هذا الشأن، مكتفيًا بهما (٢). أولًا: مشروعُ الشيخِ محمد الباني: بيَّن الشيخُ محمدٌ الباني مشروعَه، وأوجزَه في الأسطرِ الآتية، فقالَ: "يريدُ دعاةُ الوحدةِ الأخذَ مِنْ كلِّ مذهبٍ بما كان دليلُه أقوى من كتابٍ وسنةٍ ثابتةٍ؛ مراعاةً للاحتياطِ بالنسبةِ لأهلِ العزائمِ. كما يريدون الأخذَ بالأيسرِ مِنْ كلِّ مذهبٍ؛ رفقًا بضعفِ أربابِ الرخصِ، بالشروطِ المخصوصةِ؛ وفقًا لمقتضى يسرًا لدينِ وتسامحِه؛ خشيةَ تهاونِهم بالتكاليفِ إذا شُدّد عليهم. وكذلك يريدُون الأخذَ مِنْ كلِّ مذهبٍ في المعاملاتِ والعقوباتِ والقضاءِ بما هو أقربُ لروحِ الزمانِ ومقتضياتِ العمرانِ، وأوفقِ

стр. 1432

للمصلحةِ ... ومثلُ هذا أحكامُ الأحوالِ الشخصيةِ، فإنَّهم يريدون الأخذَ بما هو أقربُ للسعادةِ البشريةِ، ومصلحةِ الشؤونِ العائليةِ؛ صيانةً للفروجِ والأنسابِ، وفرارًا مِن حدوثِ ما لا تُحْمَدُ مَغَبَّته في قضايا الزوجيةِ" (١). ثانيًا: مشروع الأستاذ محمد عيد عباسي: لقد كانَ الأستاذُ محمدٌ عباسي أكثر دقّةً فيما دعا إليه، فجعل مشروعَه في بنودٍ، ودعا علماءَ المسلمين إلى العملِ بها، وقد يبيّن الأستاذُ عباسي قبل ذكرِ مشروعِه أهميةَ توحيدِ آراءِ المسلمين وأفكارِهم؛ لأنَّه مِنْ أعظمِ الأسس التي تُوَحّدُ مشاعرَهم وعواطفهم (٢). وقد عرَضَ الأستاذُ محمدٌ عباسي مشروعَه قائلًا: "نصُّ المشروعِ: ١) تُؤلف لجنةٌ تضمُّ أكبرَ علماءِ المسلمين في العالمِ الإسلامي، وتضمُّ مختلفَ الاختصاصاتِ الشرعيةِ، ويكون مهمتُها توحيدَ المذاهبِ الفقهيةِ الإسلاميةِ في مذهبٍ واحدٍ. ٢) تعملُ هذه اللجنةُ حسب الخطةِ الآتية: أ - تُقرر الأحكامَ المتفقَ عليها بين فقهاءِ الإسلامِ دونَ خلافٍ. ب - في المسائلِ المختلفِ عليها اختلاف تنوعٍ: يُؤخذُ بجميعِ الأقوالِ، ما دامت ثابتةً في الشرعِ، ولا يُقْتَصَرُ على واحدٍ منها. ت - في المسائلِ المختلفِ عليها اختلاف تضاد: يُنْظَرُ في دليلِ كلِّ مذهبٍ، ويُؤْخَذُ بأقوى الآراءِ وأرجحها مِنْ ناحيةِ الدليلِ، دون تعصّبٍ لرأي على آخر. ث - في المسائلِ التي يَصْعُبُ ترجيحُ رأي مِن الآراءِ فيها، وتتساوى أدلتُها في القوة: يجوزُ الأخذُ بأيِّ رأي منها، ويَحْسُنُ تقديمُ ما

стр. 1433

يُرجّح مِنْ ناحيةِ المصلحةِ للمسلمين. ج - يُترك كلُّ رأي ظَهَرَ بطلانُه وضعفُه. ٣) يُسمّى هذا المذهب: مذهبُ الكتابِ والسنةِ وجميعِ الأئمةِ" (١). هذان هما أبرزُ مشروعين - مِنْ وجهةِ نظري - لدعاةِ توحيدِ المذاهب الفقهيةِ، وسأنقدهما في المبحثِ القادمِ.

стр. 1434

المبحث الثاني: نقد مشروع توحيد المذاهب الفقهية إنَّ النقدَ الموجّهَ إلى أيِّ عملٍ ومشروعٍ علمي لا يعني توجُّهه إلى مَنْ كَتَبَه، ما دام النقدُ سالمًا مِن التجريحِ الشخصي، وفي هذا المبحثِ سأنتقدُ المشروعَ المقترحَ في ضوءِ المحورين الآتيين: المحور الأول: نقدُ فكرةِ توحيدِ المذاهبِ. المحور الثاني: نقدُ المشروعِ العملي المقترح لتوحيدِ المذاهبِ. المحور الأول: نقدُ فكرةِ توحيدِ المذاهبِ. إنَّ الدعوةَ إلى توحيدِ المذاهب بحيثُ نكوّن مذهبًا واحدًا مُلفّقًا مِن المذاهب الفقهيةِ المتبوعةِ، يُؤخَذُ منهَا القول الذي يشهدُ له الدليلُ، أمرٌ في غايةِ الصَعوبةِ؛ وذلك للآتي: الأول: أنَّ غالبَ الفقهِ مِنْ قبيلِ المسائلِ الاجتهاديةِ التي لم يقمْ عليها دليل قاطعٌ، وهذه المسائلُ لا يُجْزَمُ فيها بخطإِ المخالفِ، فكيفَ يحصلُ الاختيار فيها؟ ! ولا سيما أنَّ بعفنصوصِ الكتاب والسنةِ تحتملُ أكثرَ مِنْ وجهٍ، فكلا الفريقينِ في المسألةِ يعتمدانِ على نصٍّ واحدٍ، كلٌّ منهما فَهِمَه في ضوءِ الأصولِ التي يسيرُ عليها، فمِثلُ هذه المسائلِ يصعبُ أنْ تَتَحّدَ فيها أقوالُ العلماءِ. يقولُ أبو شامةَ المقدسي: "نصوصُ القرآنِ والسنةِ تحتمل وجوهًا مِن التأويلِ، وطُرُقُ العربيةِ ومجاريها واسعةٌ، فلكلِّ قولٍ منها دليلٌ" (١).

стр. 1435

ويقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا معلِّلًا عدمَ إمكانِ توحيدِ المذاهبِ: "قد يكون النصُّ نفسُه يحتملُ أنْ يُفهم على أكثرِ مِنْ وجهٍ، وتكون كلُّها مقبولةً رُغْم اختلافِها، فهذا مجالٌ واسعٌ في فهمِ النصوصِ وتفسيرِها، تختلفُ فيه آراءُ العلماءِ المتشرعين في ترجيحِ الفهمِ الذي يرى العالمُ الفقيهُ أنَّه هو الصحيحُ، أو الأصحُّ، أو الأقربُ إلى غرضِ الشارعِ، أو الأكثرُ انطباقًا على القواعدِ المقررةِ المستمدةِ مِنْ مجموعِ النصوصِ ذاتِ العلاقةِ في كلِّ موضوعٍ. وكلُّ ذلك - أيضًا - هو فقهٌ يقومُ حولَ النصوصِ التشريعيةِ، فَهْمًا لها، وقياسًا عليها، وتفريعًا على قواعدِها ... ونحو ذلك ممَّا لا يمكنُ أنْ تَتحدَ فيه فهومُ العلماءِ، فكيفَ يمكنُ توحيدُ الفقه إذًا؟ ! " (١). الثاني: أنَّ اختلافاتِ العلماءِ في المسائلِ لم تأْتِ دونَ سببٍ، لتُحلَّ بتوحيدِ المذاهبِ، بلْ هذه الأقوالُ والاختلافاتُ عائدةٌ إلى أصولٍ وقواعد سارَ عليها كلُّ عالمٍ. وسيترتبُ على التوحيدِ خلطٌ في المسائلِ، وتلفيقٌ بينها، مِنْ جهةِ اعتمادِ بعضِ الأصولِ في مسائل، وإغفالِها وعدمِ العملِ بها في مسائل أخرى. ثمَّ هل سيحجرُ على العلماءِ أنْ يختاروا، وأنْ يفتوا بخلافِ القولِ الذي قرره موحدو المذاهبِ الفقهيةِ؟ ! (٢). الثالث: لو فُرِضَ قيامُ مشروعِ توحيدِ المذاهب، فهل سَيُؤَسّسُ المشروعُ دونَ أصولٍ وقواعد يُرْجَعُ إليها؟ إنَّ سكوتَ الداعين إلى توحيدِ المذاهبِ عن الأصولِ والقواعدِ

стр. 1436

والضوابطِ مِنْ أهمِّ الأمورِ التي تُضْعِفُ مِنْ شأنِ مشروعِهم، فإذا لم يكنْ ثمة أصولٌ، فكيفَ تُعالجُ النوازل؟ ! وكيفَ يسيرُ أربابُ هذا المذهبِ في استنباطِ الأحكامِ مِنْ نصوصِ الكتابِ والسنةِ؟ ! الرابع: أنَّ معالجةَ التعصبِ والتفرقِ وآثارِ التمذهب السلبيةِ الأخرى بالدعوةِ إلى توحيدِ المذاهب، معالجةٌ غيرُ ناجعةٍ. والدلَيل على هذا: أنَّ لهذه الدعوةِ عقودًا متطاولةً وَهي قائمةٌ وموجودةٌ، فمِن استجابَ لها؟ ! وهل أَخَذَ علماءُ المجامعِ والهيئاتِ العلمية بالمشروعِ، فأصدروا أحكامًا للمسائل التي وَرَدَت فيها نصوصٌ غيرُ قاطعةٍ؟ ! ولما دعا الشيخُ محمدٌ الحجوي إلى تعويدِ الطلاب على النظرِ في نصوصِ الكتاب والسنةِ - كما تقدّمَ نقلُ كلامِه حينَ تكلّمتُ عنْ طرقِ علاجِ الآثارِ السلبية - خَتَمَ دعوتَه قائلًا: "وهذا العملُ أنجحُ مِن السعي في توحيدِ المذاهبِ" (١). وقال - أيضًا -: "كنتُ لا أرتضي فكرةَ توحيدِ المذاهب؛ لأنَّها فكرةٌ لا نتيجةَ لها، ولا تفيدُ المجتمعَ الإسلاميَّ إلا شقاقًا آخر فقط! " (٢). ثمَّ إنَّ إعراضَ علماءِ عصرِنا عن توحيدِ المذاهبِ دليلٌ على ضعفِ هذا العلاجِ لاجتثاثِ التعصبِ المذهبي المقيتِ. الخامس: أنَّ في توحيدِ المذاهبِ الفقهيةِ في مذهبٍ واحدٍ، بحيثُ يسيرُ الناسُ كلُّهم على قولٍ واحدٍ، مشقةً عليهم؛ فليس بمقدورِهم أنْ يكونوا على قولٍ واحدٍ في جميعِ المسائلِ العَمَلية، فعدمُ توحيدِ المذاهبِ يدفعُ عن الناسِ مشقاتٍ عديدة يعرفُها أهلُ العلمِ الممارسون إفتاء الناسِ (٣). بلْ إنَّ وجودَ الاختلافاتِ بين العلماءِ ممَّا يُمْكِنُ معه تحقيقُ اليُسْرِ على العلماءِ، بحيثُ لا يُضلَّل المخالفُ في المسائلِ الاجتهاديةِ.

стр. 1437

يقولُ أبو شامة المقدسي: "اختلافُ الأئمةِ رحمةٌ" (١). ويقولُ جلالُ الدين السيوطي: "اعلمْ أنَّ اختلافَ المذاهب في هذه الملّةِ نعمةٌ كبيرةٌ، وفضيلةٌ عظيمةٌ ... " (٢)، ويقولُ أيضًا: "إنَّ اختلافَ المذاهبِ في هذه الملّة خِصّيصةٌ فاضلةٌ لهذه الأمةِ، وتوسيعٌ في هذه الشريعةِ السمحةِ السهلةِ ... " (٣). وقد وَصَفَ السيوطيُّ القائلين بأنَّ النبيَّ ﷺ جاءَ بشرع واحدٍ، فمِنْ أينَ جاءَت هذه المذاهب الأربعة؟ بالجُهالِ (٤). وقد جاءَ عن بعضِ السلفِ أقوالٌ في هذا المعنى، دالةٌ على تخفيفِ وطأةِ اختلافاتِ العلماءِ فيما كان طريقُه الاجتهاد، فمِنْ هذا: - قول عمر بن عبد العزيز (٥): "ما يَسُرّني باختلافِ أصحاب النبي ﷺ حُمْر النَّعَم (٦) " (٧).

стр. 1438

- وقول الموفق بنِ قدامة في فاتحةِ كتابِه (المغني) (١) عن الأئمة المجتهدين: "اتفاقُهم حجةٌ قاطعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ واسعةٌ". السادس: ليس الاختلافُ في الفقهِ والفروعِ مِن الاختلافِ المنهيِّ عنه (٢)، لنخرجَ عنه بتوحيدِ المذاهب، بل إنَّ الاختلافَ فيها موجود منذُ زمنِ الصحابةِ ﵃ (٣)، ولم يدعُ أحدٌ مَنهم إلى توحيدِ الأقوالِ (٤). ويدل على أنَّ الاختلافَ في الفروعِ ليس بمذموم حتى مع وجودِ النصِّ المحتمل: حديثُ عبدِ الله بنِ عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ لصحابته ﵃ (لا يُصلينَّ أحَدٌ العصرَ إلا في بني قريظة). فادرك بعضُهم العصرَ في الطريقِ، وقال بعضُهم: "لا نصلي حتى نأتيها". وقال بعضُهم: "بلْ نصلي؛ لم يُرِد منَّا ذلك". فَذُكِرَ للنبي ﷺ ، فلم يُعَنّفْ واحدًا منهم (٥).

стр. 1439

وكذلك الاختلافُ موجودٌ بين أربابِ العلومِ الأخرى - كالنحوِ والحديثِ والتفسيرِ وغيرِها - ولم يدعُ أحدٌ مِنْ أربابِ هذه العلومِ إلى توحيدِ الأقوالِ في علومِهم، ولم يعبْ أحدٌ منهم الاختلافَ الواقعَ بينهم (١). السابع: أنَّ في الدعوةِ إلى توحيدِ المذاهبِ عدةَ سلبيات: منها: ظنُّ السامعِ للدعوةِ إلى توحيدِ المذاهب أنَّ المذاهبَ المتبوعةَ عيبٌ يجبُ التّخلّصُ منه، ومشكلةٌ يجب حلُّها (٢)، ولَيس الأمرُ كذلك قطعًا. ومنها: هدرُ الثروةِ العلميةِ التي خلفتها المذاهبُ الفقهيةُ المتبوعة وتضييعُها - من المؤلفات في الفقه وأصوله، والقواعد والضوابط الفقهية - وهذه الثروةُ محلُّ اعتزازِ وامتيازٍ للأمةِ وعلمائِها (٣). ومنها: التسويةُ بين الاختلافِ في الفروع، والاختلافِ في العقائدِ، إذ الاختلافُ في العقائدِ مذمومٌ، وهو سببٌ للفُرْقَةِ والتفرّقِ، بخلافِ الاختلافِ في الفروعِ، فليس بسببٍ للفُرْقَةِ، إذا خلا عن التعصبِ المذهبي. وختامًا لهذا المحورِ، أقول: لقد ذَكَرَ الشيخُ محمدٌ الحجوي كلمةً حسنةً في هذا المقامِ، فقالَ: "فالواجبُ علينا أنْ لا نسعى وراءَ توحيدِ المذاهبِ؛ لأنَّه أصعب شيءٍ يعانيه المصلحون، بلْ يجبُ أنْ نطّرحَ

стр. 1440

التعصبَ، ونعتبرَ أنَّ كلَّ مذهب فيه صوابٌ وخطأ لم يتعمدْه قائلُه، ولكنْ أداه إليه اجتهادُه" (١). وقد وَصَفَ الشيخُ مصطفى الزرقا الدعوةَ إلى توحيدِ المذاهبِ بأنَّها تدعو إلى أمرٍ مستحيلٍ (٢). وقسا الدكتورُ وهبة الزحيلي فوصف الداعين إلى توحيد المذاهب بـ: "الجهلةِ والعوامِّ" (٣). المحور الثاني: نقد المشروع العملي المقترح لتوحيد المذاهب. كما سَبَقَ في المبحثِ الأولِ، فقد اقترحَ بعضُ الداعين إلى توحيدِ المذاهبِ مشروعًا، يضمنُ للأمةِ أنْ تسيرَ على مذهب واحدٍ، ولكونِ المشروعِ الذي اقترحه الأستاذُ محمدٌ عباسي أنضجَ ممَّا ذَكَرَه الشيخُ محمد الباني، فسوفَ أقتصرُ في نقدي على المشروعِ الثاني، تاركًا ما قاله الشيخُ الباني؛ لأنَّ ما ذكرتُه في المحورِ الأولِ صالحٌ لنقدِه ومناقشتِه. يمكن نقدُ المشروعِ المقترحِ في ضوءِ الآتي: أولًا: لم يُبْدِ صاحبُ المشروعِ المقترحِ أصولًا يسيرُ عليها العلماءُ المنتسبون إليه، فلم يذكرْ أدلةً يُرْجَعُ إليها، ولا طُرُقًا للاستدلالِ. وهذا ماخذ كبيرٌ؛ إذ كيفَ يقومُ مذهبٌ دونَ أصول يسيرُ أربابُهْ عليها؟ ! ثانيًا: دعا صاحبُ المشروعِ إلى إقامةِ لجنةٍ مؤلَّفةٍ مِنْ علماءِ العالم الإسلامي؛ لتنظرَ في المسائلِ المختلفِ فيها اختلافَ تضاد، وتقررُ اللجنةُ أقوى الآراءِ وأرجحِها مِنْ حيثُ الدليلُ، دونَ تعصبٍ لرأي على آخر.
следующие страницы →