← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

المطلب الرابع: الاستدلال بالحديث متى ما وافق المذهب ومخالفة الحديث نفسه في حكم آخر دل عليه؛ لمخالفته المذهب مِن الآثارِ الخطيرةِ التي ظَهَرَتْ بين صفوفِ بعضِ المتمذهبين الاستدلالُ بالحديثِ النبوي على حكم مسألةٍ وافق الحديثُ فيها مذهبَ المستدلِّ، ومخالفةُ الحديثِ نفسِه في مسألةٍ أخرى دلَّ عليها؛ لمخالفتِه المذهب، ولا يكون ثمةَ ما يعارضُ دليلَ حكمِ المسألةِ. قد يهتمُّ بعضُ المتمذهبين بالتدليلِ على أقوال مذهبِه - وهو أمرٌ حسنٌ وإيجابيٌ - لكنَّهم يَغْفَلون، فيستدلون بشطرِ الحديثِ؛ لموافقتِه للمذهبِ، ويتركون شطرَه؛ لمخالفتِه للمذهبِ. وفي هذا التصرف تعصبٌ بيّنٌ (١)، وتفريقٌ بين متماثلين - إذ كلتا المسألتين قد دلَّ عليهما نصٍّ واحدٌ - دونَ ما يسوّغه، وتطبيقٌ خاطئٌ لمدلولِ التمذهب، وكيف يكون الحديثُ حجةً في شطرٍ منه، وليس بحجةٍ في شطرٍ آخر؟ ! (٢). وقد بيَّنَ ابنُ القيّمِ عوارَ فعلِ بعضِ المتمذهبين المتعصبين لمذاهبِهم، فقالَ مخاطبًا لهم: "إذا أخذتم بالحديثِ - مرسلًا كان أو مسندًا - لموافقتِه رأيَ صاحبِكم، ثمَّ وجدتم فيه حُكْمًا يخالفُ رأيَه: لم تأخذوا به في ذلك

стр. 1367

الحكمِ، وهو حديثٌ واحدٌ! وكأنَّ الحديثَ حجةٌ فيما وافقَ رأي مَنْ قلَّدتُموه، وليس بحجةٍ فيما خالفَ رأيَه" (١). ويتصلُ بهذا الأثرِ صورةٌ أخرى، وهي؛ أنْ يقومَ المتمذهبُ بالاستدلالِ بحديثٍ ما على مسألةٍ دلَّ عليها؛ موافقة لمذهبِه، ثم يقومُ بتضعيفِ الحديثِ ذاتِه في مسألةٍ أخرى تخالفُ مذهبَه. وهذا العملُ في الحقيقةِ عملٌ مَشِينٌ؛ فليستْ نصوصُ الشريعةِ محلًا للأخذِ والردِّ على حسب موقعها مِنْ قولِ الإمامِ، بلْ أقوالُ الإمام هي محلّ الأخذِ والردِّ؛ بحسبِ موافقتِها أو مخالفتِها لنصوصِ الشارعِ. ويبدو أنَّ هذا الداءَ الخطيرَ كان قد استشرى في نفوسِ بعضِ المتمذهبين في زَمنٍ متقدمٍ؛ فقد ذكر ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ) أنَّه اطلعَ على كتابِ: (شرح الرسالة) (٢) للقاضي عبدِ الوهاب المالكي (ت: ٤٢٢ هـ)، فرآه في باب: (مَنْ يعتق على المرءِ إذا ملكه)، قد استدلَّ بحديثِ: (مَنْ ملك ذا رحمٍ مَحْرَم فهو حرٌّ) (٣)، وبعدَ هذه المسألة بقليلٍ ذَكَرَ قولَ الإمامِ أبي حنيفة في

стр. 1368

مسألةٍ أخرى، وقال: "فإنْ احتجَّ بما رُوي عن النبي ﷺ : (مَنْ ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ). قلنا: هذا خبرٌ لا يصحُّ! " (١).

стр. 1369

ثمَّ يحكي ابنُ حزمٍ واقعَ بعضِ المتمذهبين، فيقول: "ولا أُحْصِي كم وجدتُ للحنفيين والمالكيين والشافعيين تصحيحَ روايةِ ابنِ لَهِيْعة (١)، وعمرو بن شعيب (٢) عن أبيه (٣) عن جدّه (٤)، إذا كان فيها ما يوافقُ تقليدَهم في

стр. 1370

مسألتِهم تلك، ثم رُبَّما أتى بعدها - بصفحةٍ أو ورقةٍ أو أوراقٍ - احتجاجُ خصمِهم عليهم بروايةِ عمرو بنِ شعيب عن أبيه عن جدّه، أو بروايةِ ابنِ لهيعة، فيقولون: هذه صحيفة (١)، وابنُ لهيعة ضعيفٌ! " (٢). وليس مِنْ شكٍّ في أنَّ ما صنعه بعضُ المتمذهبين فعلٌ غيرُ مقبولٍ، وتناقضٌ واضحٌ (٣)، صادرٌ ممَّنْ لا يَقْدِرُ نصوصَ الشارعِ حقَّ قدرِها. يقولُ أبو شامةَ المقدسي: "مِنْ قبيحِ ما يأتي به بعضُهم: تضعيفهم لخبرٍ يحتجُّ به بعضُ مخالفيهم، ثمَّ يحتاجون هُمْ إلى الاحتجاجِ بذلك الخبرِ بعينِه في مسألةٍ أخرى، فيُوردونه مُعْرِضين عمَّا ضعفوه! " (٤). وقريبٌّ ممَّا سَبَقَ: مَنْ يضعّف بعضَ رجالِ الإسنادِ في موضع ما إذا كان حديثُهم يخالف مذهبَه، ويحتجّ بهم في موضعٍ آخر إذا كان حديثُهم يوافقُ مذهبَه (٥).

стр. 1371

أمثلة للأثر السلبي: المثال الأول: استدلالُ بعضِ العلماءِ (١) بحديثِ: (نهى رسول الله ﷺ أنْ تغتسل المرأةُ بفضلِ الرجلِ، أو يغتسل الرجلُ بفضلِ المرأةِ) (٢): على كراهةِ استعمالِ الرجلِ للماءِ الذي خلتْ به المرأة، ولم يستدلوا به على كراهةِ استعمالِ المرأة للماءِ الذي خلى به الرجلُ. يقولُ الشيخُ محمد العثيمين: "مِنْ غرائبِ العلم: أنَّهم استدلوا به - أي: بالحديثِ السابقِ - على أنَّ الرجلَ لا يتوضأ بفضلِ المرأةِ، ولم يستدلوا به على أنَّ المرأةَ لا تتوضأ بفضلِ الرجلِ، وقالوا: يجوز أنْ تغتسلَ المرأةُ بفضلِ الرجل. فما دام الدليلُ واحدًا، والحكمُ واحدًا، والحديث مقسّمًا تقسيمًا، فما بالنُا نأخذ بقسمٍ، ولا نأخذ بالثاني؟ ! " (٣).

стр. 1372

المثال الثاني: استدلالُ بعضِ العلماءِ (١) بحديثِ أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تُصرِّوا (٢) الإبلَ والغنمَ، فمَنْ ابتاعها بعدُ، فإنَّه بخيرِ النظرين بعد أنْ يحتلبَها: إنْ شاءَ أمسك، وإنْ شاءَ ردَّها وصاعًا مِنْ طعامٍ، وهو بالخيارِ ثلاثًا) (٣): على أنَّ أقصى مدةِ الخيارِ في البيعِ ثلاثةُ أيام، في حينِ أنَّ المستدلَّ بالحديثِ على تحديدِ مدةِ الخيارِ لم يأخذْ بما دلَّ عليه الحديثُ من ردِّ الشاةِ بعدَ بيعِها مصراة مع صاعٍ مِن الطعامِ. ويعلِّقُ ابنُ حزمٍ على ما صدَرَ مِنْ بعضِ الحنفيةِ قائلًا: "وهذا مِنْ عجائب الدنيا، وهم أشدُّ الناسِ إنكارًا لخبرِ المصرَّاة، ويقولون: هو مخالفٌ للأصولِ، وهو مضطربٌ ... ثمَّ يحتجون به فيما ليس فيه منه أثرٌ ولا دليلٌ؛ لأنَّه ليس في خبر المصرَّاة ذكرُ خيارٍ في عقدِ البيعِ أصلًا" (٤). المثال الثالث: استدلالُ بعضِ العلماءِ (٥) بحديثِ عمار بن ياسر (٦)

стр. 1373

- ﵁: (إنَّما تغسل ثوبَك مِن البولِ، والغائطِ، والمني مِن الماءِ الأعظم، والدمِ، والقيءِ) (١): على أنَّ الغائطَ نجسٌ، وقرروا في مسألةِ: (طهارة المني) أنَّه طاهرٌ (٢)، دونَ التعرضِ للحديثِ الذي احتجوا به في مسألةِ: (نجاسة الغائطِ). يقولُ أبو شامةَ المقدسي معلِّقًا على هذا الأمر: "ولم يتعرّضْ للجوابِ عن هذا الحديثِ الذي هو حجّةُ خصمِه، ولم يكن له حاجةٌ إلى ذكرِه أصلًا؛ فإنَّ الغائط لا ضرورةَ إلى الاستدلالِ على نجاستِه بهذا الحديثِ

стр. 1374

الضعيفِ المنتهض حجةً عليه في أمرٍ آخر" (١). المثال الرابع: استدلالُ بعضِ العلماءِ (٢) بحديثِ أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مَنْ أدرك ركعةً مِن الصبحِ قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ، فقد أدركها؛ ومَنْ أدرك ركعةً مِن العصرِ قبل أنْ تغيبَ الشمسُ، فقد أدركها) (٣): على أنَّ المصلي لو غربتْ عليه الشمسُ، وهو يصلي العصرَ، فإنّه يتمُّ صلاتَه، في حين أنَّ المستدل بالحديثِ يقولُ ببطلانِ صلاةِ الفجرِ لمَنْ طلعتْ عليه الشمسُ، وهو يصلي. وغيرُ خافٍ ما في هذا الفعل مِن التناقض (٤)، يقول ابنُ القيّمِ مُلْزِمًا مَن استدلَّ بالحديثِ في إتمامِ صلاةِ العصرِ، ولم يقلْ بمثلِ هذا في صلاةِ الفجرِ: "حديثٌ واحدٌ قاله ﷺ في وقتٍ واحدٍ، وقد وجبتْ طاعتُه في شطرِه، فتجبُ طاعتُه في الشطرِ الآخر" (٥). المثال الخامس: استدلَّ بعضُ العلماءِ (٦) بحديثِ عبدِ الله بنِ عباسٍ ﵁ في الرجلِ الذي وقصته ناقتُه، وهو محرمٌ، فقال النبي ﷺ : (لا تُخَمّروا رأسَه ولا وجهَه؛ فإنَّه يبعث يوم القيامة ملبيًا) (٧): على تحريمِ تغطيةِ وجهِ

стр. 1375

المحرمِ، وذهبوا إلى أنَّ المُحْرِمَ إذا ماتَ فإنَه يُغَظَى رأسُه ووجهُه (١). وقد علَّقَ ابنُ حزمٍ على هذا قائلًا: "فكانَ هذا عجبًا جدًّا؛ خالفوه - أي: الحديث - في نصِّ ما فيه، فقالوا: المُحْرِمُ إذا ماتَ وَجَبَ أنْ يُغَطَّى وجهُه ورأسُه ... " (٢). ويقولُ الشيخُ محمد ناصر الدين الألباني: "يجبُ على الحنفيةِ أنْ يأخذوا بالحديثِ، ولا يتأولوه بالتأويلِ البعيدِ؛ توفيقًا بينه وبين مذهبِ إمامِهم! " (٣). * * *

стр. 1376

المبحث الثاني: دعوى غلق باب الاجتهاد، ومحاربة من يدعيه مِن الآثارِ السلبيةِ التي أسهمَ التمذهبُ في انتشارِها وتَمَسُّكِ المتمذهبين بها القولُ بإغلاقِ باب الاجتهادِ، ومحاربةِ مَنْ يدّعيه، فليس بإمكانِ أحدٍ أنْ يدّعي أنَّه يستنبطُ أحَكامَ المسائلِ بنَظَرِه في الأدلةِ الشرعيةِ، بلْ عليه النظرُ في المذهبِ - أو المذاهب المتبوعة - لمعرفةِ الحُكْمِ (١). والحديثُ عن إغلاقِ باب الاجتهادِ حديثٌ متشعبٌ، ولن أتحدثَ عن آثارِ القولِ بإغلاقِه، ولا عن مَسالةِ: (خلو العصرِ عن مجتهدٍ)، وإنْ كان كلام الأصوليين عنها يدلُّ على أثرِ التمذهب في القولِ بإغلاقِ بابِ الاجتهادِ في الشريعةِ عند القائلين بجوازِ خلوِ العصَرِ عن مجتهدٍ (٢). إنَّ للقولِ بإغلاقِ باب الاجتهادِ أسبابًا عدّة، ويأتي في مقدمتِها: النزعةُ المذهبيةُ التي ترى أنَّ المتمذهبين مهما بلغوا مِن العلمِ، فلنْ يصلوا إلى علومِ السابقين (٣). ويصفُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة الحالةَ العلميةَ في القرونِ التاليةِ لعصورِ الاجتهادِ الأُولى، فيقول: "اقتصرَ العناءُ على مراجعةٍ أقوالِ السابقين، ثمَّ

стр. 1377

جاءَ بعد ذلك في العصورِ المتأخرةِ مَنْ أغلقَ بابَ الاجتهادِ، مكتفيًا باجتهادِ الأئمةِ السابقين" (١). وينبغي التفريقُ بين الاجتهادِ المطلق المستقلّ، والاجتهادِ المطلق المنتسب: فالاجتهادُ المطلقُ المستقلُّ طوي بساطُه، وأُغْلَق بابُه؛ لاستقرارِ الأصولِ التي سارَ عليها أئمةُ الاجتهادِ، فليس لأحدٍ أنْ يأتي بأصول مخترعةٍ لم يُسبق إليها (٢). وفي هذا المقام يقولُ ابنُ الصلاح: "ومنذُ دهرِ طويلِ طوي بساطُ المفتي المستقل المطلقَ" (٣). وقد نصَّ بدرُ الدين الزركشي على خلوِّ العصرِ عن المجتهدين المطلقين، ثمَّ نَقَلَ اتفاقَ المسلمين على انحصارِ الحقِّ في المذاهب المعروفةِ (٤)، ولعله يقصدُ الاجتهادَ المستقلَّ. أمَّا الاجتهادُ المطلقُ المنتسبُ فلم يُغْلقْ بابُه، وإنْ ادّعى بعضُ الناس أنَّه مغلقٌ. يقولُ ابنُ الصلاح: "وأفضى أمرُ الفتوى إلى الفقهاءِ المنتسبين إلى أئمةِ المذاهبِ المتبوعةِ" (٥).

стр. 1378

ولقد استنكرَ ابنُ حمدان عدمَ وجودِ المجتهدِ، وأشارَ إلى سببِ هذا الأمرِ، فقالَ: "ومنذُ زمنِ طويلِ عُدمَ المجتهدُ المطلقُ، مع أنَّه الآن أيسرُ منه في الزمنِ الأولِ؛ لأنَّ الحديثَ والفقهَ قد دُونا، وكذا ما يتعلق بالاجتهادِ مِن الآياتِ والآثارِ وأصولِ الفقهِ والعربيةِ، وغيرِ ذلك، لكنَّ الهممَ قاصرةٌ، والرغباتِ فاترةٌ، ونارَ الجدِّ والحذر (١) خامدةٌ؛ اكتفاءً بالتقليدِ، واستعفاءً من التعبِ الوكيدِ، وهَرَبًا مِن الأثقالِ ... وهو فرضُ كفايةٍ، قد أهملوه وملّوه، ولم يَعقلوه؛ ليفعلوه" (٢). ويقولُ جلالُ الدين السيوطي مفرِّقًا بين المجتهدِ المستقلِّ، والمجتهدِ المطلقِ: "لَهَجَ كثيرٌ مِن الناسِ اليومَ بأنَّ المجتهدَ المطلقَ فُقِدَ مِنْ قديمٍ، وأنَّه لم يوجدْ مِنْ دهرٍ إلا المجتهدُ المقيّدُ. وهذا غلطٌ منهم، ما عرفوا كلامَ العلماءِ، ولا عرفوا الفرقَ بين المجتهدِ المطلقِ، والمجتهدِ المستقلِّ؛ ولا بين المجتهدِ المقيّدِ، والمجتهدِ المنتسبِ (٣)، وبين كلّ ممَّا ذُكِرَ فرقٌ" (٤). وفي كلامِ جلالِ الدّينِ السيوطي دلالةٌ على انتشارِ القولِ بإغلاقِ بابِ

стр. 1379

الاجتهادِ المطلقِ المنتسبِ؛ تمسكًا ببعضِ عباراتِ العلماءِ التي نصتْ على إغلاقِ بابِ الاجتهادِ المستقل. لقد أسهم بعضُ المتمذهبين في القولِ بإغلاقِ بابِ الاجتهادِ في الشريعةِ؛ وكان السببُ في هذه الدعوى: - إمَّا حفظًا للدِّين مِنْ أنْ يتكلمَ أو يفتي فيه مَنْ لا يوثق به، أو مَنْ لا يُحسنُ الكلام فيه، فيدّعي الاجتهادَ مَنْ ليس مِنْ أهلِه (١). يقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا: "كان هذا الإقفالُ تدبيرًا وقائيًا حين لَحَظَ فقهاءُ المذاهب الأربعة ... ضعفَ الوازعِ الديني لدى بعضِ العلماءِ أو المتعالمين، وَانفصالَ العلم عن تقوى الله تعالى، وصيرورةَ العلم أداةً لكسبِ المنافعِ الدنيويةِ ... وفُقِدت الأمانةُ لدى بعضِ العلماءِ - ممَّا عُبِّرَ عنه بـ: فسادِ الزمانِ - فخشي فقهاءُ المذاهبِ أنْ تشوّه أحكام الشريعةِ وفقهها بما يصدرُ عن أمثالِ هؤلاءِ؛ تحتَ ستارِ الاجتهادِ، فأفتوا بعدمِ جوازِ الاجتهادِ مِنْ أحدٍ بعد القرنِ الرابعِ الهجري، وهذا ما سُمّي بإقفالِ بابِ الاجتهادِ" (٢).

стр. 1380

- وإمَّا قناعةً مِن المتمذهبين وإعجابًا منهم واكتفاءً بما في مذهبِهم مِنْ ثروةٍ فقهيةٍ مستوعبةٍ وشاملةٍ لجمهورِ المسائلِ، تُغْنِي في نظرِهم عن الحاجةِ إلى الاجتهادِ (١). - وإمَّا تعصبًا مِنْ بعضِ المتمذهبين لمذهبِهم؛ لئلا يخرج عنه أحدٌ؛ بحجّةِ أنَّه مجتهدٌ (٢). إضافةً إلى انشغالِ جمهورِ المتمذهبين بمذاهبِهم: بالتأليفِ والتبويبِ والتفريعِ والتأصيلِ والترجيحِ والانتصارِ لها، الأمر الذي جعلهم يبعدون عن الاجتهادِ شيئًا فشيئًا (٣).

стр. 1381

وقد ادّعى ابنُ أبي الدم (١) أنَّ الله أعجزَ الخلائق عن بلوغِ درجةِ الاجتهادِ! وصَرَفَ هممهم عن دركِها وبلوغِها (٢). يقولُ أبو شامةَ المقدسي حاكيًا حالَ بعضِ أربابِ المذاهبِ مع مَنْ يريدُ بلوغَ رتبةِ الاجتهادِ: "صاروا ممَّنْ يرومُ رتبةَ الاجتهادِ يَعْجَبُون، وله يَزْدَرُون" (٣). وقد نَقَلَ أبو العباسِ الونشريسي كلامًا عن بعضِ الفقهاءِ (٤) يصوّرُ حالَ بعضِ المتمذهبين الذين أغلقوا بابَ الاجتهادِ، فيقول: "وقد حكى الناسُ أنَّه لم يبلغْ في هذه الملةِ أحدٌ بعدَ الأئمةِ الأربعةِ رتبةَ الاجتهاد غير إسماعيلَ القاضي ... فكيفَ تطمحُ نفسُ عاقلٍ إلى تعاطي رتبة الاجتهادِ، والنظر في قول مالكٍ والشافعي وأبي حنيفةَ؟ ! وترجيحِ بعضِها على بعضٍ بهذه البلاد؟ ! وفي هذا الزمانِ الذي غاية المفتي به والعارفِ الدَّينِ الفاضلِ أنْ يكونَ قد مارسَ اصطلاحَ الفقهاءِ بعضَ الممارسةِ، ويكون عنده بعضُ دفاتر في الفقهِ مقتناه في خزانتِه، فإذا وَرَدَت عليه النازلةُ نَظَرَ في تلك الدفاترِ ... ، (٥). ويستغربُ شمسُ الدّينِ بنُ القيّمِ (٦)،

стр. 1382

وجلالُ الدّينِ السيوطي (١)، والأميرُ الصنعاني (٢)، والإمام الشوكاني (٣)، والشيخ عبد القادر بنُ بدران (٤)، والشيخُ محمدٌ الشنقيطي (٥) مَنْ لا يُصدِّق بوجود المجتهدين في عصورهم؛ فالله قادرٌ على هذا الأمرِ. ويقولُ الشيخُ صالح المقبلي متحدّثًا عن مفاسدِ الخلافِ بين المذاهبِ - ومنها: الزيدية -: "سدّ باب التفقهِ في الدِّينِ، ومعرفةِ الكتاب والسنةِ، حتى صار المتشوّفُ لذلك متفقًا على جنونِه وخذلانِه عندهم! ويصرِّحون أنَّ الاجتهادَ قد استحالَ منذُ زمانٍ" (٦). ولقد بيَّن الأميرُ محمدٌ الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ) أنَّ عامةَ أرباب المذاهبِ الأربعةِ في عصرِه قد طبَّقتْ على إحالةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، وعَلى إغلاق بابِه (٧). ويقولُ الشوكانيُّ (ت: ١٢٥٠ هـ) عن متمذهبي عصرِه: "ويالله العجبُ، ما قَنِعَ هؤلاءِ ... حتى سدّوا على أمةِ محمدٍ ﵌ بابَ معرفةِ الشريعةِ مِنْ كتابِ الله وسنةِ رسولِه ﵌ وأنَّه لا سبيلَ إلى ذلك ولا طريقَ ... وكلُّ هذا حرصٌ منهم على أنْ تعمَّ بدعةُ التقليدِ كلَّ الأمةِ ... " (٨).

стр. 1383

ويقولُ أيضًا: "فانظرْ أيّها المنصفُ: ما حَدَثَ بسببِ بدعةِ التقليدِ مِن البلايا الدينيةِ، والرزايا الشيطانيةِ، فإنَّ هذه المقالةَ بخصوصِها، أعني: انسدادَ بابِ الاجتهادِ، لو لم يحدثْ مِنْ مفاسدِ التقليدِ إلا هي، لكان فيها كفايةٌ ونهايةٌ ... " (١). وإنْ كان في كلامِ الشوكاني كثيرٌ مِن التحاملِ على مخالفيه، إلا أنَّه يُبينُ تأثيرَ التمذهبِ في القولِ بإغلاقِ بابِ الاجتهادِ. ولقد وَقَفَ كثيرٌ مِن المتمذهبين بالمرصادِ أمام مَنْ يدّعى بلوغَ رتبةِ الاجتهادِ، ونالَ كثيرًا مِن العلماءِ كثيرٌ مِن الأذى؛ بسببِ دعوتِهم للنظرِ في الكتابِ والسنةِ، وعدمِ الجمودِ على المذهبِ (٢). ويقولُ الشوكانيّ أيضًا: "وما زال هذا - أي: محاربة مَنْ يدعي الاجتهاد - دَأَبَ الناسِ مع مَنْ بَلَغَ إلى تلك الرتبةِ" (٣). ويبيّن الشوكانيُّ (ت: ١٢٥٠ هـ) في موضعٍ آخر حالةَ الناس في قُطْرِه مع مَنْ يدّعي الاجتهاد، فيقول: "إذا سمعوا برجلٍ يدّعي الاجتهادَ ... قاموا عليه قيامًا تبكي عليه عيونُ أهلِ الإسلامِ، واستحلوا منه ما لا يستحلونه مِنْ أهلِ الذمةِ! مِن الطعنِ واللعنِ والتفسيقِ والتكفيرِ! ... " (٤). ومِنْ أمثلة محاربة مَنْ يدّعي الاجتهاد المطلق: ما جرى لجلالِ الدينِ السيوطي حين ادّعى بلوغَ رتبةِ الاجتهادِ، فقام عليه معاصروه، ورموه عن

стр. 1384

قوسٍ واحدةٍ، وكتبوا له أسئلةً يختبرون بها علمَه في مرتبةِ الاجتهادِ في الفتوى في المذهب الشافعي! (١). وفي هذا الصنيعِ مِن معاصري السيوطي دلالةٌ على ضيقِهم وعدمِ قبولهم واستبعادِهم أنْ يبلغَ أحدٌ رتبةَ الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ. ولما دعا الشيخُ صالح المقبلي إلى تركِ التقليدِ الأعمى، والعملِ بالاجتهادِ أُوذي، وناله مِن المحنِ والعداوةِ ما حمله على تركِ بَلدِه، والارتحالِ إلى مكةَ (٢). ولما قام الأميرُ محمدٌ الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ) على معاصريه - ولا سيما علماء الزيدية - وحاربَ التمذهبَ والتقليدَ الأعمى الذي وقع فيه أهلُ قطرِه، قام عليه كثيرٌ منهم، يقول الشيخُ محمدٌ الشوكاني عن الأميرِ الصنعاني: "تظهّرَ بالاجتهادِ، وعَمِلَ بالأدلةِ، ونفَرَ عن التقليدِ، وزيّف ما لا دليلَ عليه مِن الآراءِ الفقهيةِ، وجرتْ له مع أهلِ عصرِه خطوبٌ ومحنٌ" (٣). والشوكانيُّ نفسُه صَنَعَ مثلما صَنَعَ الأميرُ الصنعاني، يقول الشوكاني عن نفسِه إنَّه: "تَرَكَ التقليدَ، واجتهدَ رأيَه اجتهادًا مطلقًا غيرَ مقيّدٍ، وهو قبل الثلاثين" (٤)، ولم يسلمْ مِنْ علماءِ قُطرِه، وأوذي بسببِ دعواه (٥). وإنْ كانتْ محاربةُ مدّعي الاجتهاد القادر عليه - أو محارب التقليد الأعمى - مرفوضةً، فإن ممَّا يزيدُ في محاربةِ كثيرٍ مِنْ مدّعي الاجتهاد ما

стр. 1385

يصدرُ عن بعضهم مِن الوقوعِ في أعيانِ المذاهب ورجالها، ورميهم بالخطأِ، والتنقصِ مِنْ علمهم ونحو ذلك (١). * * *

стр. 1386

المبحث الثالث: ظهور الحيل الفقهية يحسنُ قبلَ الحديثِ عن أثرِ التمذهبِ في ظهورِ الحيلِ تعريفُ مصطلحِ الحيلِ في: اللغةِ، والاصطلاحِ. أولًا: تعريف الحيل في اللغة: الحِيَل: جمعُ حِيْلَةٍ، على وزن: (فعيلة)، ماخوذةٌ مِن التحولِ (١). ويرجعُ أصلُ الكلمةِ إلى مادة: (حول)، ولهذه المادة عدة معان، أهمّها: تَحرُّكٌ في دَوران (٢)، يقال: حَالَ الرجلُ في فرسِه، يَحُولُ حَوْلًا، وحُؤُولًا، إذا وَثَبَ (٣)، وحَالَ الشخصُ يَحُولُ، إذا تَحَرَّكَ (٤). ومِنْ هذا البابِ: الحيلةُ؛ لأن الشخصَ يدورُ حوالي الشيءِ؛ ليدركَه (٥). ومعنى الحيلةِ: الحِذْقُ في تدبيرِ الأمورِ، ويكونُ بتقليبِ الفِكْرِ حتى يُهتدى إلى المقصودِ، وجودةُ النظرِ، والقدرةُ على دقّةِ التصرفِ (٦).

стр. 1387

ثانيًا: تعريف الحيل في الاصطلاح: لقد عُرِّفت الحيل في الاصطلاحِ بتعريفاتٍ عدةٍ، ومِنْ أشهرِها: التعريف الأول: أنْ يقصدَ المكلّفُ سقوطَ الواجبِ أو حِلَّ الحرامِ بفعلٍ لم يَقصدْ به ما شُرِعَ الفعلُ له. وهذا تعريفُ تقي الدين بنِ تيمية (١). التعريف الثاني: التّوصّلُ إلى الغرضِ الممنوعِ منه شرعًا، أو عقلًا، أو عادةً. وهذا تعريفُ ابنِ القيّمِ (٢). التعريف الثالث: تقديمُ عملٍ ظاهرُه الجوازُ؛ لإبطالِ حكمٍ شرعي، وتحويله في الظاهرِ إلى حكمٍ آخر. وهذا تعريفُ أبي إسحاقَ الشاطبي (٣). وهذه التعريفات متقاربةٌ مِنْ حيثُ المعنى، يكاد معناها أنْ يكونَ واحدًا. ولن أتحدث في هذا المبحث عن نشأةِ الحيل، وأقسامِها، وحُكمِها، وضابطِ الحيل المباحةِ، والحيلِ المحرمةِ، فهذا له مقامٌ آخر، وسأقتصرُ في حديثي هنا على بيانِ أنَّ مِنْ آثارِ التمذهبِ ظهورَ الحيل عند بعضِ المتمذهبين. لمَّا ظَهَرَت المذاهبُ الفقهيةُ، وأضحتْ منتشرةً بين أصنافِ المتعلمين كافةً، ازدادَ تمسكُ الناسِ بها، والتزمَ كثيرٌ مِن المفتين الإفتاءَ بها، وشدّد آخرون، فلم يجوّزوا الخروجَ عنها (٤)؛ لئلا يقعَ الناسُ في التلفيقِ بين المذاهبِ.

стр. 1388

وإذا كانَ بعضُ علماءِ المذاهبِ مقتنعين بعدمِ جوازِ الخروجِ عن المذهبِ، ولزومِ الإفتاءِ به، فإنَّ الغالبَ في شأنِهم أنْ لا يفتوا الناسَ إلا بالمذهبِ، وإذا كان في الإفتاءِ به حرجٌ ومشقةٌ بالغين، فإنَّ بعضَ المفتين يجنحُ إلىَ حيلةٍ يرى أنَّها تُخرج المستفتي مِن الحرجِ والمشقة اللذين وَقَعَا عليه، دون الخروجِ عن المذهبِ، مع العلمِ أنَّه بإمكانِ العالمِ أنْ يُفتي بغيرِ مذهبِه - إمَّا لرجحانِه وإمَّا للضرورةِ ونحو ذلك - دونَ الجنوحِ إلى الحيل، فبَدَلًا مِنْ أنْ يحافظَ المفتي على هيبةِ المذهبِ (١)، فليحافظْ على هيبةِ الشرعِ (٢). يقولُ تقيُّ الدين بن تيمية مُبَيّنًا حالَ مَنْ يُشدّد على نفسِه: "إنَّه لا بُدَّ أنْ يضطرَ إلى إجازةِ ما حرّمه: فإمَّا أنْ يخرجَ عن مذهبِه الذي يُقلِّده في المسألةِ، وإمَّا أنْ يحتالَ" (٣). ويبيّن في موضعٍ آخر أنَّه لما شاعَ في الأُمةِ اليمينُ بالطلاقِ، وانتشرَ انتشارًا عظيمًا، واعتقدَ كثيرٌ مِن الناسِ أنَّ الطلاقَ يقعُ بهذه اليمينِ لا محالةَ، وفي إيقاعِ الطلاقِ بها حرجٌ ومشقةٌ على الناسِ: نَشَأَ عن التزامِ هذا القولِ أنواعٌ من الحيلِ التي لا يقعُ بها الطلاقُ، ولا يُفتى فيها بما عدا المذهب (٤). وبيَّن تقيُّ الدين أنَّه ليس في القرآنِ الكريمِ، ولا في السنةِ المطهرةِ، ولا في فتاوى الصحابةِ ﵁ لزومُ الطلاق في هذه الحالة (٥). وليس الباعثُ على ظهورِ الحيلِ وانتشارِها محصورًا في أمرٍ واحدٍ، بل هناك عدّةُ أمورٍ ساعدتْ على ظهورها، ويأتي في مقدمتِها: التزامُ المذهبِ، وعدم الخروجِ عنه.

стр. 1389

وقد ذكر الأستاذُ محمد بحيري الباعثَ على ارتكابِ الحيلِ، فَذَكَر أنَّ مرتكبها قد "يكون ممَّنْ تأخذُه العصبيةُ المذهبيةُ، فيأبى إلا أنْ يتمسكَ بمذهبِه في كل أحوالِه، وقد يكون في مذهبِه مِنْ الشدّةِ في بعضِ المسائلِ ما لا يطيقُ احتمالَه، ولا يبيحُ لنفسِه أنْ يقلِّدَ غيرَ مذهبِه، فيتخلّص مِنْ هذا المأزقِ بالحيلةِ التي ظاهرُها التزامُ المذهبِ، وحقيقتُها مخالفتُه" (١). أمثلة على تأثير التمذهب في الإفتاء بالحيلة: المثال الأول: إذا قالَ الرجلُ لزوجتِه في أمرٍ لا بُدَّ لها مِنْ فعلِه: إنْ فعلتِ كذا، فأنتِ طالقٌ ثلاثًا. احتالَ بعضُ المفتين، فَأَمَرَ الزوجَ أنْ يخالعَ زوجتَه؛ لتفعلَ المحلوفَ عليه، ثم يعقد عليها (٢)؛ التزامًا في جعل هذه الصيغة تعليقًا للطلاق، دونَ النظرِ إلى نيةِ الزوجِ، أأراد بها تعليق الطلاقِ، أم حثّ الزوجةِ على التركِ؟ المثال الثاني: نَقَلَ تاجُ الدين بنُ السبكي فتوى لأحدِ علماءِ الشافعيةِ (٣) في طلاقِ الثلاثِ، ملخصها: أنَّ رجلًا طلَّق زوجتَه ثلاثًا، بعد صحبةِ سنين، وبَعْد أولاد، فسألَ المفتي عن ولي المرأةِ، أكان يشربُ الخمرَ ويدخلُ الحمامَ بلا مئزر؟ وغير ذلك ممَّا يسقطُ العدالة، فإذا ذَكَرَ له ذلك، أفتى بعدمِ وقوعِ الطلاقِ؛ لفسادِ النكاحِ في الأصلِ (٤). ولا يخفى أن الباعثَ للمفتي على هذه الحيلة التزام إيقاع الطلاقِ الثلاثِ إذا كان بلفظٍ واحدٍ.

стр. 1390

المبحث الرابع: عدم الاطلاع على ما لدى المذاهب الأخرى ما مِنْ ريبٍ في أنَّ عددًا مِن المتمذهبين في عصورٍ سابقةٍ، وأقطارٍ متعددةٍ قد اكتفوا بما في مذهبِهم من الأقوال (١) - سواءٌ أكان ذلك في التقعيد، أم في التفريع، أم في الإفتاءِ والقضاءِ (٢) - فقصروا اطلاعَهم عليه، ولم يعرفوا غيرَه مِن المذاهبِ (٣). إنَّ مَنْ لم يُحْسِنْ دخولَ مدرسةِ التمذهب بمذهبٍ معيّنٍ - مع قدرتِه على الترقي في دروبِ الفقهِ وأصولِه - ويكتفَى بمذهبِه الذي نَشَأَ عليه: فسيفوتُه خيرٌ كثيرٌ ممَّا لدى المذاهبِ الأخرى (٤)؛ إذ ليس الحقُّ محصورًا في مذهبٍ واحدٍ، وليست أقوالُ المذهبِ راجحةً في جميعِ المسائلِ (٥). ويُعدُّ هذا الأثر مِن الصورِ المؤسفةِ التي وَصَلَ إليها بعضُ المتمذهبين، إذ مِنْ شأنِه أنْ يضيق بنَظَرِ المتمذهبِ وأُفقِه، وأنْ يُضعِفَ علمَه بالفقهِ وبأصولِه (٦).

стр. 1391

ولم يكن غالبُ متقدمي علماء المذاهبِ الفقهيةِ مكتفين بما جاءَ عن إمامِهم، وبما في مذهبِهم، والدليلُ على هذا: أنَّ منهم مَنْ خالفَ إمامَه، ورجّحَ قولَ غيرِه (١)، لكنَّ الأمرَ بدأَ بالتدريجِ رويدًا رويدًا عند بعضِ المتمذهبين، حتى أضحى سِمَةً ظاهرةً عندهم، بلْ صارَ الحالُ إلى اكتفاءِ بعضهم بكتاب أو بكتابين مِنْ كتبِ المذهبِ المتأخرةِ، واقتصارهم عليها (٢)، وأمسى الفارقُ بين المتمذهب المبتدئِ في العلمِ، والمتمذهبِ المنتهي، في كثرةِ المسائلِ التي يحفظها (٣). ويحكي العزُّ بنُ عبد السلام حالَ بعضِ متمذهبي عصرِه، فيقول: "إذا ذُكِر لأحدِهم خلاف ما وطّن نفسَه عليه، تعجَّب منه غايةَ العجبِ، حتى ظنَّ أنَّ الحق منحصرٌ في مذهبِ إمامِه" (٤). ويبيّنُ تقيُّ الدين بنُ تيمية أن غالبَ الخائضين في الفقهِ إنَّما يعرفُ أحدُهم مذهبَ إمامِه، ثمَّ قد يعلمُه على الجُمْلة، دونَ أنْ يميّزَ المسائلَ القطعيةَ، وما يسوغ فيه الاجتهادُ، وما انفردَ به إمامُه (٥). ويقولُ الطوفيُّ: "غالبُ الفقهاءِ يتفاوتون في معرفةِ مذهبِ خصمِهم" (٦). وفي اكتفاءِ المتمذهبِ بمذهبِ إمامِه، وبدليلِ قولِه نقصٌ بيّنٌ؛ فليس بإمكانِه حينئذٍ أنْ يرجِّح بين الأقوالِ، ولا أنْ يُزَيّفَ الضعيفَ؛ لعدمِ اطلاعِه على المذاهبِ الأخرى في الأصلِ.

стр. 1392

ومِثلُ هذا المتمذهبِ لا يُعدّ مِن العلماءِ المحققين (١)، ولقد وَصَفَ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ مَنْ هذا حالُه - فلم يَعْرِفْ إلا قولَ إمامٍ واحدٍ وحجته، دونَ قولِ المخالفِ وحجته - بأنَّه مِن العوامِّ المقلِّدين! (٢). ويقولُ الشيخُ محمدٌ ناصر الدين الألباني عن بعضِ أربابِ المذاهبِ الفقهيةِ: "إنَّ المتمذهبَ بواحدٍ منها - أي: بالمذاهب - يتعصبُ له، ويتمسكُ بكلِّ ما فيه، دون أنْ يلتفتَ إلى المذاهب الأخرى وينظرَ؛ لعلّه يجد فيها مِن الأحاديثِ ما لا يجدُه في مذهبِه الذي قلَّده" (٣). بلْ بَلَغَ الأمرُ في بعضِ الأقطارِ إلى عدمِ وجودِ مؤلفاتِ المذاهبِ الأخرى، فضلًا عن الاطلاعِ عليها، يدلّ على هذا: ما قاله أبو إسحاقَ الشاطبي معلِّلًا قلةَ الاطلاعِ على كتب المذاهبِ الأخرى: "إذ كتبُ الحنفيةِ كالمعدومةِ الوجودِ في بلادِ المغربِ! وكذلك كتبُ الشافعيةِ وغيرِهم مِنْ أهلِ المذاهبِ" (٤). ويقولُ في موضع آخر: "إنَّ المذاهبَ الخارجةَ عن مذهبِ مالكٍ في هذه الأمصارِ مجهولةٌ" (٥). وفي هذا الكلامِ ما يُعطي بعضَ المتمذهبين في بعضِ الأقطار في زمنٍ مضى شيئًا مِن العذرِ في عدمِ اطلاعِهم على المذاهبِ الأخرى؛ لعدمِ وجودِ مؤلفاتِ علمائِها. ويبيّنُ الشاطبيُّ مَغَبَّةَ عدمِ الاطلاع على المذاهبِ الأخرى، فيقول: "إنَّ اعتيادَ الاستدلالِ لمذهبٍ واحدٍ رُبما يُكسِبُ الطالبَ نفورًا وإنكارًا لمذهبِ

стр. 1393

غيرِه، مِنْ غيرِ اطلاعٍ على مأخذِه، فيورث ذلك حزازةً في الاعتقادِ في الأئمةِ الذين أجمعَ الناسُ على فضلِهم وتقدّمهم في الدِّينِ، واضطلاعهم بمقاصدِ الشارعِ وفهمِ أغراضِه، وقد وُجِدَ هذا كثيرًا! " (١). ولم يسوّغ بعضُ المالكيةِ الفتوى بغيرِ مذهبِ الإمامِ مالكٍ فمَنَعَوا مِن الفتوى بغيرِ مذهبِهم (٢). وأشدُّ ممَّا سَبَقَ أنْ يُحذَّرَ مِنْ مخالفةِ المذهبِ، فقد نَقَلَ أبو العباس الونشريسيُّ عن بعضِ ولاةِ الأندلس (٣) أنَّه كتب كتابًا، قالَ فيه: "مَنْ خالفَ مذهبَ مالكِ بنِ أنسٍ ﵀ بالفتوى أو غيرِه، وبلغني خبرُه، أنزلتْ به مِن النّكالِ ما يستحقّ! " (٤). ونَقَلَ عنه - أيضًا - قوله: "كل مَنْ زاغَ عن مذهبِ مالكِ بن أنس، فإنَّه ممّن رِينَ على قلبِه، وزُيِّنَ له سوءُ عملِه" (٥). وفي هذا الأمرِ - أيًّا كان الباعثُ عليه - دافعٌ قويٌ إلى تركِ الاطلاعِ على ما دوّنه علماءُ المذاهب الأخرى. وذَكَرَ الشيخُ صالحٌ المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ) أنَّ أحدَ طلبةِ العلمِ المغاربةِ أخبره، وهما بمكةَ بأنَّ الطلبةَ في أرضِه لا يَعرفون إلا مذهبَهم، ولا يعرفون غيرَه من المذاهبِ (٦). ولما سَبَقَ، فقد حثَّ عددٌ مِن العلماءِ والمحققين على عدمِ الاقتصارِ

стр. 1394

على مذهبِ إمامِ واحدٍ يعتقدُ أنَّ كلَّ ما فيه صوابٌ (١)، وقد ظَهَرَ أثرُ هذا جليًّا في المؤلفاتِ التي لم يقتصرْ مؤلِّفوها على ذكرِ مذهبِهم، بلْ ذكروا فيها آراءَ المذاهبِ الفقهيةِ الأخرى (٢). * * *

стр. 1395

الفصل الثالث: أسباب ظهور الآثار السلبية، وطرق علاجها وفيه مبحثان: المبحث الأول: أسباب ظهور الآثار السلبية المبحث الثاني: طرق علاج الآثار السلبية

стр. 1396

المبحث الأول: أسباب ظهور الآثار السلبية لقد جَعَلَ اللهُ لكلِّ شيءٍ سببًا، وقد كانَ لظهورِ الآثارِ السلبيةِ للتمذهبِ أسبابٌ سائقةٌ لها، ولعل مِن المهمِّ بيانَ أنَّ بعضَ الآثار - التي تقدّمَ بيانُها - ناشئةٌ عن أثرٍ سلبي، فيمكن القول: إنَّ التعصبَ المذهبي - وهو مِنْ أسوأِ الآثارِ، إنْ لم يكنْ أسوأها - نَشَأَ عنه عددٌ من الآثارِ السلبيةِ. وسأحاولُ في هذا المقامِ بيان أهمِّ أسبابِ ظهورِ الآثارِ السلبيةِ السابقةِ. وقبل ذكر الأسباب أنبه إلى أمرين: الأمر الأول: قد تكون بعضُ الأسباب التي أذكرها سببًا لأثرٍ واحدٍ أو أثرين، فلا أتقيَّد بكونِ السببِ سببًا لجميعِ الآثارِ السلبيةِ السابقةِ. الأمر الثاني: ألفتُ النظرَ إلى أن وقوعَ بعضِ المتمذهبين في شيءٍ مِن الآثارِ السلبيةِ ناشئٌ عن الخطأِ في تطبيقِ التمذهب ونابع منه، إذ لا يعني التمذهبُ الجمودَ ولا تركَ الأدلةِ، ولا التعصب (١). وبتأمّلِ الآثارِ السلبيةِ السابقةِ، وما جاءَ مِنْ كلامِ أهلِ العلمِ والباحثين في هذا المقامِ، فقد ظَهَرَ لي أنَّ لها أسبابًا متعددة، وإليك بيانُها: السبب الأول: الغُلوّ في تعظيمِ أئمةِ المذاهب (٢). لقد كانَ وقوعُ بعضِ أفرادِ الأمةِ الإسلاميةِ في الغلوِّ داءً متعددَ الألوانِ

стр. 1397

والأشكالِ، والذي يهمني هنا: هو الغلوُّ في أئمةِ المذاهب، والمبالغةُ في تعظيمِهم واتِّباعِهم. لقد جَعَلَ بعضُ المتمذهبين إمامَهم المجتهدَ في مكانةٍ فوقَ التي يستحقها، فأنزلوه منزلةَ النبي ﷺ مع أمتِه! فحرَّموا مخالفتَه، والخروجَ عن رأيه، ولم يقبلوا عن أحدٍ سواه (١)، وزعموا - بالمقالِ أو بلسانِ الحالِ - أنَّ ما قاله إمامُهم فحسب هو الشريعة الإسلامية (٢). وما مِنْ شكَّ في مكانةِ أئمةِ المذاهبِ في الإسلامِ، وما لهم مِن المنزلةِ الرفيعةِ في الأمةِ، وما لأقوالهم مِن الاعتبارِ، لكنَّ هذا لا يعطي العالمَ مهما بلغتْ درجتُه في العلمِ، ومهما بلغتْ خدمتُه للدِّينِ، درجةَ النبي ﷺ مع أمتِه؛ إذ الذي تحرمُ مخالفتُه، ويحرمُ الخروجُ عن قولِه هو النبيّ ﷺ الذي أوجبَ اللهُ تعالى طاعتَه، فلا يجوزُ إنزالُ أئمةِ المذاهبِ منزلةً لم يبلغوها (٣). وأجزمُ أنَّ الأئمةَ المجتهدين لا يرضون أنْ يُعْطَوا فوقَ ما يستحقون، بلْ كان كلُّ واحدٍ منهم معظمًا للأدلةِ، راجعًا إليها إذا تبيّنَتْ له، حاثّا تلاميذَه على النظرِ فيها، ولم يَرِدْ عن أحدٍ منهم على الإطلاقِ الحث على أخذِ أقوالِه. يقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ: "الغلوُّ في تعظيمِ الأوائل بحطِّ المتأخرين عن مناصبِهم غيرُ محمودٍ في الشرعِ والعقلِ" (٤).

стр. 1398

وللشيخِ عبدِ الرحمن المعلمي كلمةٌ جميلةٌ في التحذيرِ مِن الغلوِّ في أئمةِ المذاهبِ، يقول: "مِن أوسعِ أوديةِ الباطلِ الغلوُّ في الأفاضلِ" (١). وبدلّ على هذا السبب: ما نقله القاضي عياضٌ عن بعضِ المشايخِ أنَّهم قالوا: "إنَّ الإمامَ لمَن التزمَ تقليدَ مذهبِه كالنبي ﷺ مع أمتِه، لا يحلُّ لَه مخالفتُه" (٢). وقد أيَّدَ القاضي عياضٌ هذه الجملةَ قائلًا: "وهذا صحيحٌ في الاعتبارِ، وبما بسطناه وشرطناه، يظهرُ صوابُه لأولي البصائرِ والأبصارِ" (٣). وقد علَّق شمسُ الذينِ الذهبي على ما نقله القاضي عياض، قائلًا: "قوله: "لا تحلُّ مخالفته"، مجرّدُ دعوى، واجتهادٌ بلا معرفةٍ" (٤). ويقولُ ابنُ أبي العز الحنفي عن حالِ بعضِ الحنفيةِ مع الإمامِ أبي حنيفةَ: "غَلَتْ في تقليدِه، فلم تتركْ له قولًا، وأنزلوه منزلةَ الرسولِ ﷺ ... " (٥). ويقولُ عن بعضِ مقلِّدةِ المذاهبِ: "يأخذُ أحدُهم بما يجدُ في كتبِ أصحاب ذلك الإمامِ الذي قلَّده، ولا يلَتفتُ إلى قولٍ خالفه، كائنًا مَنْ كان، ونصَّ ذَلك الإمام والكتبُ عنده بمنزلةِ نصِّ الشارعِ! " (٦). وقد أوضحَ الشيخُ صالحٌ المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ) أنَّ حالَ متمذهبي قُطْره مِن الزيديةِ يكادون يُلحقون إمامَ المذهبِ بالنبي ﷺ (٧). وقد جعلَ بعضُ المتمذهبين نصوصَ إمامِهم كنصوصِ الكتابِ والسنةِ (٨).

стр. 1399

واستمعْ إلى ما يقوله الشيخُ ظفر أحمد التهانوي الحنفي عن الإمام أبي حنيفةَ: "فوالله لم يُولدْ في الإسلامِ بعدَ النبي ﷺ أيمنُ وأسعدُ مِن النعمان أبي حنيفة" (١). وهذا غلوُّ كبيرٌ، وتنزيلٌ للإمامِ فوقَ الدرجةِ التي يستحقها، وحطٌّ مِنْ قدرِ صحابةِ رسولِ الله ﷺ . ويقولُ الفخرُ الرازي: "القولُ بأنَّ قولَ الشافعي خطأٌ في مسألةِ كذا، إهانةٌ للشافعي القرشي، وإهانةُ قريشٍ غيرُ جائزةٍ، فوجَبَ أنْ لا يجوزَ القولُ بتخطئتِه في شيءٍ من المسائلِ ... ! " (٢). وقد تقدمتْ حكايةُ أبي شامةَ المقدسي لحال بعض علماءِ الشافعيةِ مع كتبِ أبي إسحاقَ الشيرازي وأبي حامد الغزالي؛ إذ يرون أن نصوصَهما كنصوصِ الكتابِ والسنةِ، لا يُخْرَجُ عنها (٣). ويقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية عن أتباعِ الأئمةِ الأربعةِ: "تجدُ أحدَهم دائمًا يَجِدُ في كلامِهم - أي: أئمة الفقهاء - ما يراه هو باطلًا، ويتوقّفُ في ردِّ ذلك؛ لاعتقادِه أنَّ إمامَه أكملُ منهم عقلًا وعلمًا ودينًا، هذا مع علمِ كلٍّ مِنْ هؤلاءِ أنَّ متبوعَه ليس بمعصومٍ، وأنَّ الخطأَ عليه جائزٌ (٤). ويبيِّنُ أبو إسحاقَ الشاطبي سببَ تعصبِ بعضِ المالكيةِ على الإمامِ بقي بنِ مخلد، فيقول: "هو تحكيمُ الرجالِ على الحقِّ، والغلوُّ في محبةِ المذهبِ" (٥).

стр. 1400

والغلوُّ في إمامِ المذهب يورثُ المتمذهبَ اعتقادًا بأنَّ كلَّ ما عدا مذهبه وأقوال إمامِه ليس مِنْ الدَّينِ، وأن الحقَّ مقصورٌ على مذهبِه، محصورٌ فيه (١)، وأنَّ ما عند أربابِ المذاهب الأخرى باطلٌ قطعًا (٢). يقولُ الشيخُ عبدُ الحي اللكنوي عن حالِ كثيرٍ من المتمذهبين المتأخرين: "أقاموا الطامّةَ الكبرى، ونصبوا راياتِ المنازعةَ العظمى، وأخذوا في حصرِ الصحةِ على مذهب إمامِهم، وإنْ خالفَ الأحاديثَ الصحيحةَ الصريحةَ! مِنْ غيرِ أنْ يقومَ دليلٌ على عدمِ الاحتجاجِ به، وحكموا بخطأِ مذهبِ مَنْ خالفهم، وإنْ وافق الدلائلَ القويةَ مع الاحتجاجِ بها" (٣). السبب الثاني: اعتقادُ عدم خفاء شيءٍ من الأدلة على إمام المذهب. يظنُّ بعضُ المتمذهبين، ويجزمُ آخرون منهم بأنَّ إمامَهم لم يخفَ عليه شيءٌ مِن الأدلةِ، ولا سيما دليل السنةِ. وما منْ ريبٍ في أن بعضَ الأئمةِ المجتهدين قد بلغوا شأوًا كبيرًا في معرفةِ سنةِ النبي ﷺ القولية والفعلية، ولكنَّ هذا الأمر لا يعني إحاطةَ الواحدِ منهم بالسنةِ النبويةِ (٤). يقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ: "أمَّا إحاطةُ واحدٍ - أي: من العلماء - بجميعِ حديثِ رسولِ الله ﷺ ، فهذا لا يمكنُ ادّعاؤه قط" (٥). ويقول ابن البرِّ: "والإحاطةُ بها - أي: بأخبار الآحاد - ممتنعةٌ، وما أعلمُ أحدًا مِنْ أئمةِ الأمصارِ مع بحثهم وجمعِهم إلا وقد فاته شيءٌ من السننِ المرويةِ من طريق الآحاد" (٦).

стр. 1401

فالعالمُ مهما بلغتْ درجتُه في العلمِ والاجتهادِ قد يخفى عليه كثيرٌ مِن الأحاديثِ، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ. لكن ما بَيّنتُه آنفًا لم يكنْ متقررًا في أذهانِ عددٍ ليس بالقليلِ مِن المتمذهبين، ورأوا أنَّ إمامَهم وأئمةَ مذهبِهم لم يخفَ عليهم شيءٌ مِن الأدلةِ - ودليل السنة منها على وجه الخصوص - فإذا وقفوا على دليلٍ نقلي، قالَ إمامُهم بخلافِ ما دلَّ عليه، وقالَ بمقتضاه مجتهدٌ آخر، جعلوا حجتَهم في تركِ الدليلِ وعدمِ الأخذِ به، والحرصِ على تأويلِه، علمَهم أنَّ إمامَ مذهبِهم لم يترك الدليلَ إلا لضعفِه، أو لمعارضٍ أرجح، فيأخذون في تأويلِه - ويتكلفون في ذلك - أو يقولون بنسخِه؛ ليتركوا العملَ به (١). ومن الأمثلة لهذا السبب: ما علَّقه أبو عيسى الوزاني على كلامِ العزِّ بنِ عبد السلام حين وَصَفَ بعضَ المتمذهبين بأنَّ أحدَهم يقفُ على ضعفِ مأخذِ إمامِه، ويقلِّده فيه - وقد سَبَقَ نقلُ كلامِ العزِّ في المطلب الثاني: (رد دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك) - فقد قالَ: "أمَّا كونُ المقلِّد لم يجدْ لضعفِ إمامِه مدفعًا - كما قاله عزُّ الدين - فلا يُوْجِب انتفاءَه؛ إذ قد يكون له مدفعٌ، ولا يعلمُه هذا الفقيه المقلِّد، تأمَّله" (٢). وقد نقلَ الشيخُ صالحٌ المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ) عن بعضِ متمذهبي قُطْرِه مِن الزيديةِ أنَّهم صرَّحوا بأنَّ الاعتمادَ على نصوصِ إمامِهم أولى؛ لأنَّه قد بَلَغَ في معرفةِ الكتابِ والسنةِ مبلغًا لا يدركونه، ولا يقاربونه، فما حَكَمَ به، فكأنَّه حُكْمُ صاحبِ الشريعةِ! (٣). لقد أورثَ إعجابُ المتمذهبين بعلماءِ مذهبهم، وتمجيدُهم لهم أنْ يُنَزّهوهم عن الوقوعِ في الخطأِ، فحصروا أنفسَهم في مذهبِهم (٤).

стр. 1402

ومِن العجيبِ أنْ يقعَ في هذا المزلق بعضُ المحققين مِنْ أهلِ العلمِ (١). ويحكي أبو شامةَ المقدسي حالةَ بعضِ متعصبي الشافعية - وقد نَفَدَ صبرُه ممّا بَدَرَ منهم - إذا وقفوا على حديثٍ صحيحٍ على خلافِ مذهبِهم، قائلًا: "فيقول المتحذلقُ منهم المتصدّرُ في منصبٍ لا يستحقه: أَمَا كانَ هؤلاءِ الأئمة يعرفون هذا الحديثَ الصحيحَ الواردَ على خلافِ نصِّهم؟ ! " (٢). ويقولُ عنهم في موضعٍ آخر: "إذا نُسِبَ إلى بعضِ المتأخرين أنَّه خَفَي عليه شيءٌ مِن السنةِ: أَنِفَ ذلك المقلِّدُ المتعصبُ المتصعّبُ مِنْ هذا، وأَنَكَرَ، وخوّفَ وحذَّرَ، وهو غارقٌ في غيّه المنكرِ" (٣). والغريبُ أنَّ بعضَ المتمذهبين يجوّزُ على أئمة الاجتهادِ خفاءَ شيءٍ مِن السننِ عليهم، إلا إمامَه، فلا يُسلّم بخفاءِ شيءٍ من السنةِ النبويةِ عليه (٤). وهذا السبب (اعتقاد عدم خفاء شيءٍ من الأدلة على إمام المذهب) ناشئٌ عن السببِ الأول: (الغُلوّ في تعظيم الأئمة المجتهدين)؛ لأنَّ ثمرةَ الغلوِّ اعتقادُ عدمِ خفاءِ الأدلةِ على الإمامِ. السبب الثالث: اتباع الهوى (٥). إنَّ اتّباعَ الهوى مِنْ أهمِّ الأسبابِ التي تصدُّ المسلمين، وكثيرًا مِنْ أربابِ المذاهبِ عن اتباعِ الراجحِ والأخذِ بالدليلِ.

стр. 1403

فإذا كان المتمذهبُ متبعًا لهواه، فسيردُّ القولَ الراجحَ إذا بانَ له واتضحَ (١)؛ لأنَّه عاقدٌ قلبَه على الأخذِ بقولٍ معيّن (٢)، فيستدل له بأيّ دليلٍ، ولو كان خبرًا موضوعًا، ويؤولُ ما خالفه بأيّ طريقٍ، دونَ التفاتٍ أكان مذهبُه هو القول الراجح، أم لا؟ يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "صاحبُ الهوى يُعْمِيه الهوى ويصمُّه، فلا يستحضرُ ما لله ورسولِه في ذلك، ولا يَطْلُبُه، ولا يرضى لرضا الله ورسولِه، ولا يغضبُ لغضبِ الله ورسولِه، بلْ يرضى إذا حَصَلَ ما يرضاه بهواه، ويغضبُ إذا حصَلَ ما يغضبُ له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهةُ دِيْن: أنَّ الذي يرضى له ويغضبُ له أنَّه مَن السنةِ، وهو الحقُّ، وهو الدِّينُ ... " (٣). ويقولُ شمسُ الدينِ بنُ القيّمِ: "إنَّ اتباعَ الهوى يعمي عن الحق معرفةً وقصدًا" (٤). ومسالكُ الهوى أكثرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ، وإذا أرادَ المتمذهبُ أنْ يعرفَ أوقعَ في شيءٍ منها، أم لا؟ فليفرضْ أنَّه قرأَ آية مِن القرآن الكريم، فلاحَ له منها موافقةُ قولٍ لإمامِه، وقَرَأَ آيةً أخرى، فلاحَ له منها مخالفةُ قولٍ آخر لإمامِه، أيكون نظرُه إلى الآيتين سواءً؟ لا يبالي أنْ يتبيّنَ منهما بعدَ التدبرِ صحةُ ما لاح له، أو عدمُ صحتِه.

стр. 1404

وليفرضْ أنَّه وَقَفَ على حديثين لا يعرفُ صحتَهما ولا ضعفَهما، أحدهما: يوافقُ قولًا لإمامِه، والآخر يخالفُه، أيكون نظرُه في الحديثين سواءً، لا يبالي أنْ يصحَّ سندُ كلٍّ منهما، أو يضعف؟ (١). إنَّ إجابةَ المتمذهبِ عن هذينِ السؤالينِ السابقينِ مِنْ شأنِها أنْ تُبَيّن مدى اتباعِه لهواه. يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية عن العالمِ القادرِ على الاجتهادِ في بعضِ المسائلِ: "إذا قَدِرَ على الاجتهادِ التامِّ الذي يعتقدُ معه أن القولَ الآخر ليس معه ما يَدْفَعُ به النصّ، فهذا يجبُ عليه اتباعُ النصوصِ، وإنْ لم يفعلْ كان متبعًا للظنِّ، وما تهوى الأنفسُ" (٢). ويقولُ في موضع آخر: "أمَّا ترجيحُ بعضِ الأئمةِ والمشايخِ على بعضٍ، مثل: مَنْ يرجّح إمامَه الذي تفقه به ... فهذا البابُ أكثرُ الناسِ يتكلمون فيه بالظنِّ وما تهوى الأنفسُ ... " (٣). بلْ إنَّ تقيَّ الدين عدَّ المنتسبَ إلى الأئمةِ الخارجَ عن موجبِ الكتابِ والسنةِ مِنْ أهل الأهواء؛ لأنَّ مَنْ لم يتبع العِلمَ، فقد اتبع هواه (٤). ولأبي إسحاقَ الشاطبي حديثٌ عن وجهِ عدِّ المبتدعِ متّبعًا لهواه صادقٌ إلى حدِّ ليس بالبعيدِ على متعصبي المذاهبِ، يقول فيه: "إنَّهم اتبعوا أهواءَهم، فلم يأخذوا بالأدلةِ الشرعيةِ مأخذَ الافتقارِ إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بلْ قدّموا أهواءَهم، واعتمدوا على آرائِهم، ثم جعلوا الأدلةَ الشرعيةَ منظورًا فيها مِنْ وراء ذلك" (٥).

стр. 1405

السبب الرابع: التعصب للمذهب (١). لقد كان التعصبُ المذهبي هو الداءَ العضالَ الذي فَتَكَ بأربابِ المذاهبِ، وأَوْقَعَ كثيرًا منهم في التفرقِ والاختلافِ. وقد بيّنَ أبو شامةَ المقدسي أنَّ مِنْ أكبرِ أسبابِ تركِ طلب درجةِ الاجتهادِ، والبقاءِ على التقليدِ المذهبي، وعدمِ التزحزح عنه هو: الوَقوع في التعصبِ المذهبي (٢). ويقولُ الشيخُ صالحٌ المقبلي: "إنما يُعَظِّمُ الخلافَ التعضبُ" (٣). ولئن كنتُ أتحدثُ هنا عن أسباب الآثارِ السلبية، وعلى رأسِها: التعصبُ المذهبي، فإنَّني أقولُ: إن التعصَبَ المذهبي بعدَ ظهورِه أضحى سببًا في ظهورِ كثيرٍ مِن الآثارِ السلبيةِ السابقةِ؛ ولذا أفردته بالذّكرِ. السبب الخامس: المناظرات والجدل (٤). لئنْ كانت المناظراتُ مِن الآثارِ الإيجابيةِ للتمذهبِ، إلا أنَّ بعضَ
следующие страницы →