← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المسألة الثالثة: تقسيم ابن القيم المسألة الرابعة: تقسيم ابن كمال باشا المطلب الثاني: أبرز مناهج المتأخرين في تقسيم طبقات المتمذهبيبن. وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي المسألة الثانية: تقسيم الشَّيخ محمد أبو زهرة المسألة الثالثة: تقسيم الدكتور محمد الفرفور المطلب الثالث: الموازنة بين التقسيمات المبحث الثاني: الانتقال عن المذهب. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الانتقال عن التمذهب إِلى الاجتهاد. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الانتقال عن التمذهب إِلى الاجتهاد المستقل المسألة الثانية: الانتقال عن التمذهب إِلى الاجتهاد المنتسب المطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إِلى التمذهب بمذهب آخر المطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل المبحث الثالث: تتبع الرخص. وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف التتبع المطلب الثاني: تعريف الرخصة في اللغة والاصطلاح المطلب الثالث: تعريف تتبع الرخص المطلب الرابع: الفرق بين الرخصة من العالم، وزلة العالم المطلب الخامس: حكم تتبع الرخص

стр. 37

المبحث الرابع: التلفيق بين المذاهب. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تعريف التلفيق في اللغة والاصطلاح. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تعريف التلفيق في اللغة المسألة الثانية: تعريف التلفيق في الاصطلاح المطلب الثاني: صور التلفيق. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: التلفيق بين قولين في مسألة وفروعها المسألة الثانية: التلفيق بين أثر القول وقول آخر في مسألة وفروعها المطلب الثالث: أقسام التلفيق، وحكم كل قسم. وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: التلفيق في الاجتهاد المسألة الثانية: التلفيق في التقليد المسألة الثالثة: التلفيق في التقنين المطلب الرابع: الفرق بين التلفيق وتتبع الرخص الفصل الخامس: أحكام المتمذهب. وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: عمل المتمذهب إِذا خالف مذهبه الدليل المبحث الثاني: عمل المتمذهب عند تعدد أقوال إِمامه في مسألة واحدة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم تعدد أقوال إِمام المذهب المطلب الثاني: الترجيح بين أقوال إِمام المذهب المبحث الثالث: أخذ المتمذهب قولًا رجع عنه إِمامه المبحث الرابع: عمل المتمذهب فيما توقف فيه إِمامه المبحث الخامس: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع

стр. 38

المبحث السادس: عمل المتمذهب إِذا خالف أحد أتباع الإمام مذهب الإِمام المبحث السابع: عمل المتمذهب عند اختلاف أصحابه في تعيين المذهب المبحث الثامن: إِفتاء المتمذهب. وفيه تمهيد ومطلبان: تمهيد: في تعريف الإِفتاء في اللغة، والاصطلاح المطلب الأول: إِفتاء المتمذهب بمذهب إِمامه المطلب الثاني: إِفتاء المتمذهب بغيرِ مذهبِ إِمامه الفصل السادس: أثر التمذهب في التوصل إِلى حكم النازلة. وفيه تمهيد ومبحثان: تمهيد: في تعريف النازلة في اللغة والاصطلاح المبحث الأول: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على أصول المذهب المبحث الثاني: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على فروع المذهب الباب الثاني: الدراسة النقدية للتمذهب وفيه تمهيد، وأربعة فصول: تمهيد: في الحاجة إِلى المذاهب الفقهية الفصل الأول: آثار التمذهب الإيجابية. وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: ظهور المناظرات الفقهية المبحث الثاني: ازدهار النشاط في مجال التأليف

стр. 39

المبحث الثالث: تجنب الآراء الشاذة المبحث الرابع: الإلمام الشمولي بالمسائل الفقهية والأصولية المبحث الخامس: دعم سبيل الارتقاء إِلى مقام الاجتهاد المبحث السادس: تجنب التناقض في الاختيار بين الأقوال المبحث السابع: بروز فن الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر الفصل الثاني: آثار التمذهب السلبية. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: ظهور التعصب المذهبي. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الإِعراض عن الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة الثابتة المطلب الثاني: رد دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك المطلب الثالث: الانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية المطلب الرابع: الاستدلال بالحديث متى ما وافق المذهب ومخالفة الحديث نفسه في حكم آخر دل عليه لمخالفته المذهب المبحث الثاني: دعوى غلق باب الاجتهاد، ومحاربة من يدعيه المبحث الثالث: ظهور الحيل الفقهية المبحث الرابع: عدم الاطلاع على ما لدى المذاهب الأخرى الفصل الثالث: أسباب ظهور الآثار السلبية، وطرق علاجها. وفيه مبحثان: المبحث الأول: أسباب ظهور الآثار السلبية المبحث الثاني: طرق علاج الآثار السلبية الفصل الرابع: مشروع توحيد المذاهب الفقهية. وفيه مبحثان:

стр. 40

المبحث الأول: عرض المشروع المبحث الثاني: نقد المشروع الخاتمة: وتتضمن أهمَّ نتائج البحث، والتوصيات. منهج البحث: ويتضمن ثلاثة أمور: الأمر الأول: منهج الكتابة في الموضوع ذاته، وكان على ضوءِ النقاط الآتية: ١ - الاستقراءُ التامّ لمصادرِ المسألةِ، ومراجعها المتقدمةِ والمتأخرةِ. ٢ - اعتمدتُ عند الكتابةِ على المصادرِ الأصيلةِ في كلِّ مسألةٍ بحسبها. ٣ - مهدتُ للمسألةِ بما يوضِّحها إِن احتاجَ المقامُ لذلك. ٤ - اتَّبَعتُ في دراسةِ التعريفات المنهجَ الآتي: أ - التعريفُ اللغوي: ويتضمّن الجوانبَ الآتية: الجانب الصرفي، جانب الاشتقاق، جانب المعنى اللغوي للفظ. ب - التعريفُ الاصطلاحي: ويتضمّن ذكرَ أهمِّ تعريفاتِ العلماءِ، والموازنة بينها وصولًا إِلى التعريف المُخْتَار، وشرحه. ج - ذكرُ المناسبةِ بين التعريفِ اللغوي، والتعريفِ الاصطلاحي. ٥ - اتَّبَعتُ في بحث المسائل الخلافية المنهجَ الآتي: أ - تحرير محلِّ الخلافِ فيها. ب - ذكر الأقوالِ في المسألةِ. ج - ذكر أدلةِ الأقوالِ بعد الانتهاءِ مِنْ سردِ الأقوالِ. د - ذكر ما يَرِدُ على الدليلِ مِنْ مناقشات واعتراضات، والجواب عنها.

стр. 41

هـ - ترجيح ما يظهر رجحانُه، وبيان سببِ الترجيحِ. و- ذكر نوعِ الخلافِ أهو لفظي، أم معنوي؟ مع ذكر ثمرتِه إِنْ كان معنويًا. ز - ذكر سببِ الخلافِ في المسألةِ، ما أمكن ذلك. ٦ - العناية بضربِ الأمثلةِ الَّتي تقتضيها مسائلُ البحثِ. ٧ - كتابة المعلوماتِ بأسلوبي ما لم يقتضِ المقامُ نقلَ نصوصِ الآخرين. ٨ - الاعتراف بالسبقِ لأهلِه في تقريرِ فكرةٍ، أو نصب دليلٍ، أو مناقشتِه، أو ضربِ مثالٍ، أو ترجيحِ رأي، ونحو ذلك. الأمر الثاني: منهجُ التعليقِ والتهميشِ، وكان على ضوء النقاط الآتية: ١ - بيان أرقامِ الآياتِ وعزوها لسورِها، فإِنْ كانت آيةً كاملةً قلتُ: الآية رقم: ( ... ) من سورة (كذا)، وإِن كانت جزءًا مِنْ آيةٍ قلتُ: من الآية رقم: ( ... ) من سورة (كذا). ٢ - اتَّبَعتُ في تخريجِ الأحاديثِ والآثارِ المنهجَ الآتي: أ - بينتُ مَنْ أخرجَ الحديثَ أو الأثرَ بلفظِه الواردِ في البحثِ، "فإِنْ لم أجد الحديثَ أو الأثرَ بلفظِه، خرّجته بنحوِ اللفظِ الواردِ في البحثِ، فإنْ لم أجد الحديثَ أو الأثرَ بلفظِه أو بنحوِه، ذكرتُ ما وَرَدَ في معناه. ب - أحلتُ على مصدرِ الحديثِ بذكرِ الكتابِ والبابِ، ثم بذكرِ الجزءِ والصفحةِ ورقمِ الحديثِ أو الأثرِ إِنْ كان مذكورًا في المصدرِ. ج - إِن كان الحديثُ بلفظِه في الصحيحين أو أحدِهما اكتفيتُ بتخريجِه منهما. د - إِنْ لم يكن الحديثُ في أيّ مِن الصحيحين خرّجتُه من المصادرِ الأخرى المعتمدة، مع ذكر ما قاله أهلُ الحديثِ فيه.

стр. 42

٣ - اتَّبَعتُ في عزوِ الأشعارِ إِلى مصادرِها المنهجَ الآتي: أ - إِنْ كان لصاحبِ الشعرِ ديوانٌ وثّقتُ شعرَه مِنْ ديوانِه. ب - إِنْ لم يكنْ له ديوانٌ، وثّقْتُ الشعرَ مما تيسر مِن دواوينِ الأدبِ واللغةِ. ٤ - عزوتُ نصوصَ العلماءِ وآراءَهم لكتبِهم مباشرةً، ولا ألجا للعزوِ بالواسطةِ إِلَّا عند تعذرِ الأصلِ. ٥ - وثقتُ نسبةَ الأقوالِ إِلى المذاهبِ مِن الكتبِ المعتمدةِ في كلِّ مذهبٍ. ٦ - وثقتُ المعاني اللغويةَ مِنْ معجماتِ اللغةِ المعتمدة، وتكون الإِحالةُ على معجماتِ اللغةِ بالمادةِ، والجزءِ والصفحةِ. ٧ - وثقتُ المعاني الاصطلاحيةَ الواردةَ في البحثِ مِنْ كتب المصطلحاتَ المختصةِ بها، أو مِنْ كتب أهلِ الفنِّ الَّذي يَتْبَعُه هذا المَصطلح. ٨ - بيّنتُ المعاني اللغويةَ لما يَرِدُ في البحثِ مِنْ ألفاظٍ غريبةٍ، والمعاني الاصطلاحية لما يَرِدُ فيه مِنْ مصطلحاتٍ تحتاجُ إِلى بيانٍ. ٩ - اتَّبَعتُ في ترجمةِ الأعلامِ المنهجَ الآتي: أ - ضمنتُ الترجمةَ: * اسم العلمِ، ونسبه، مع ضبطِ ما يُشْكِلُ مِنْ ذلك. * تاريخ مولدِه، ومكانه. * شهرته، ككونِه محدثًا، أو فقيهًا، أو لغويًا، والمذهب الفقهي والعقدي. * أهمّ مؤلفاتِه. * وفاته. * مصادر ترجمتِه. ب - اتسام الترجمةِ بالاختصار، واقتصرتُ في الترجمةِ على الأعلامِ غيرِ المشهورين عند الأصوليين.

стр. 43

ج - أنْ تكونَ مصادرُ الترجمةِ في نوعِها متناسبةً مع الجانبِ الَّذي بَرَزَ فيه العالمُ؛ فإِنْ كان فقيهًا فيكون الاعتمادُ على كتبِ تراجمِ الفقهاءِ، مع مراعاةِ طبقاتِ المذهبِ، وإنْ كان محدثًا فيكونَ الاعتماد على كتب المحدِّثين، وهكذا. ١٠ - اتَّبَعتُ في التعريفِ بالفِرَقِ المنهجَ الآتي: • ذكرُ الاسمِ المشهورِ للفرقةِ والأسماء المرادفة له. • نشاةُ الفرقةِ، وأشهرُ رجالِها. • آراؤها الَّتي تميزها، معتمدًا في ذلك على كتب أصحابِها ما أمكن ذلك، مقتصرًا على التعريف بالفرق غير المشهوَرة. ١١ - أحلتُ إِلى المصدرِ في حالةِ النقلِ منه بالنصِّ بذكر اسمه والجزء والصفحة، وفي حالة النقل بالمعنى بذكر ذلك مسبوقًا بكلمة: (انظر). الأمر الثالث: ما يتعلق بالناحية الشكلية والتنظيمية ولغة الكتابة: وراعيتُ فيه الأمورَ الآتية: ١ - العناية بضبطِ الألفاظِ الَّتي يترتب على عدمِ ضبطِها شيءٌ مِن الغموضِ أو إِحداثِ لَبْسٍ. ٢ - الاعتناءُ بصحةِ المكتوبِ، وسلامتِه مِن الناحيةِ اللغويةِ، والإِملائيةِ، والنحويةِ، ومراعاةُ حسنِ تناسقِ الكلامِ ورقي أسلوبِه. ٣ - العنايةُ بعلاماتِ الترقيمِ، ووضعها في مواضعِها الصحيحةِ فقط. ٤ - الاعتناءُ بانتقاءِ حرفِ الطباعةِ في: العناوين، وفي صلب الموضوعِ، وفي الهوامشِ وبداياتِ الأسطرِ. ٥ - وضع ما يدلُّ على انتهاء المطلب، أو المبحث ونحو ذلك. ٦ - اتَّبَعتُ في إِثبات النصوص المنهج الآتي:

стр. 44

أ - وضع الآيات القرآنية بين قوسين مميزين على هذا الشكل: ﴿﴾ ب - وضع الأحاديث والآثار بين قوسين مميزين على هذا الشكل: () ج - وضع النصوص الَّتي أنقلها من الآخرين على هذا الشكل: "". الصعوبات الَّتي واجهت الباحث: لما بدأتُ في جمعِ المادةِ العلميةِ للبحثِ واجهني عددٌ مِن الصعوباتِ، ويمكن إِجمالها في الآتي: الأولى: طولُ البحثِ وكثرةُ مسائلِه، وطولُ الحديثِ في كثيرٍ منها. الثانية: أنَّ مظنّةَ مادةِ البحثِ متراميةٌ في عددٍ من العلومِ، فلا تقفُ المادةُ عند حدودِ العلوم الشرعية، بلْ تتجاوزها إِلى مدوَّناتِ التاريخِ والمؤلفاتِ في طبقاتِ علماءِ المذاهب، وتاريخِ المذاهب، وقد استدعى ذلك مني في جمعِ مادةِ البحثِ العلميةَ أنْ أقرأَ عددًا ليسَ بالقليل مِنْ كتبِ علمِ الفقهِ وأصولِه والقواعدِ الفقهيةِ والتراجمِ، واستدعى كذلك أنْ أقرأَ كتبَ بعضِ العلماءِ المحققين، وقد أخذ منِّي هذا الأمرُ جهدًا كبيرًا، ووقتًا طويلًا. الثالثة: تَعَلُّقُ البحثِ بعددٍ مِن العلومِ، فبعضُ مسائلِه يتكلّم عنها الأصوليون في مدوَّناتِهم الأصولية، والفقهاءُ في مؤلفاتِهم الفقيهة، وفي بعضِ كتبِ الفتاوى، وفي هذا الأمرِ شيءٌ من تَشَتّت الذّهنِ لدى الباحثِ. الرابعة: عدمُ التنصيصِ على محلِّ الخلافِ وتحريرِه في بعضِ المسائلِ، ممَّا يستدعي كثيرًا مِن النظرِ والتأمّلِ لكلامِ الأصوليين؛ للوصولِ إِلى بعضِ ما يمكنُ اعتبارُه تحديدًا لمحلِّ الخلافِ. الخامسة: أنَّ مظنةَ مادةِ البحثِ ولا سيما الباب الثاني غيرُ محددةِ الأبواب في أصولِ الفقهِ، ممَّا استدعى منّي قراءة كتبٍ أصوليةٍ كثيرةٍ كاملةً؛ بُغْيَةَ الوَقوفِ على ما يمكن الإِفادةُ منه ممَّا وَرَدَ في غيرِ مظنتِه.

стр. 45

السادسة: أنَّ مادةَ البحثِ غيرُ مقصورةٍ على ما دوَّنه متقدمو العلماءِ من الأصوليين وغيرهم، بلْ إِنَّ الباحثين المعاصرين لهم إِسهامٌ في الحديثِ عن بعضِها، وفي سبيلِ استقراءِ هذه الجهودِ احتجتُ إِلى كثيرٍ مِن الوقتِ والجهدِ. الشكر والتقدير: وفي نهايةِ المطافِ أتوجّه إِلى الله بالحمدِ والثناءِ عليه، فقد أعانني على إِتمامِ البحثِ، ويسّرَ لي إِنهاءَه بهذه الصورةِ، فله الحمدُ في الأُولى والآخرة. وأتقدَّمُ في هذا المقامِ بجزيلِ الشكرِ، وعظيمِ العرفانِ إِلى كلٍّ مِنْ: ١ - والديّ الكريمين على كريم رعايتِهما لي، وحُسنِ تربيتِهما، وتسهيلِهما لي سلوكَ طريقِ العلمِ، وَأسأل اللهَ تعالى أنْ يعينَني على برِّهما، والإِحسانِ إِليهما، والقيام بحقِّهما على الوجهِ الَّذي يرضيه . ٢ - زوجتي الفاضلة، وابنتيَّ الصغيرتين، فقد عانوا مِن انشغالي عنهم مدةَ إِعدادي للرسالةِ، وهيؤوا لي الوسائلَ المعينةَ، فكانوا عونًا لي في إِتمامِها، فأسال الله لهم الهدايةَ والصلاحَ والتوفيقَ والسدادَ. ٣ - جامعة الإِمامِ محمد بنِ سعودِ الإِسلامية ممثلةً بكليةِ الشريعةِ بالرياضِ، وقسم أصولِ الفقهِ. ٤ - شيخي الفاضل، وأستاذي الكريم، الأستاذ الدكتور فهد بن محمد السدحان، المشرف على الرسالة، والأستاذُ بقسمِ أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، فأفضاله عليَّ كثيرةٌ، فلقد أرشدني في أثناءِ إِعدادِ خطةِ البحثِ، ودلَّني على محاور تجعلُ الدراسةَ دراسةً متكاملةً، وتفضَّل مشكورًا بالموافقةِ على قبولِ الإِشرافِ على الرسالةِ، ومنحني الكثير مِنْ وقتِه وجُهدِه، ولم يبخلْ عليَّ برأي ولا بمشورةٍ، ولم يألُ

стр. 46

جهدًا في إِرشادي ونصحي، وقد استفدتُ مِنْ توجيهاتِه العلمية، وإِرشاداتِه القيّمة، وآرائِه السديدةِ في أثناءِ إِعدادِ الرسالةِ مما كان له أبلغُ الأثرِ في تقويمِ الرسالةِ، وإِنجازِها على هذا الوجهِ، كلُّ ذلك في أَدَبٍ جمٍّ، وخُلُقٍ رفيعٍ، ولينِ جانبٍ، ورحابةِ صدرٍ، وعدمِ ضيقٍ بمخالفةِ رأيه، فشكر اللهُ له صنيعَه، وجزاه خيرًا على ما بَذَلَه مِنْ نصحٍ وتوجيه، وأسأل اللهَ تعالى له التوفيقَ والسدادَ، وأسأله تعالى أنْ يباركَ له في علمِه ووقتِه ورزقِه وذريتِه، وأنْ يُجْزِلَ له العطاءَ، وأنْ يجزيَه عنِّي خيرَ ما جزى شيخًا عن تلميذِه، وأنْ يجعلَ ذلك في موازينِ أعمالِه، إِنَّه سميعٌ مجيبٌ. ٥ - عضوي لجنة المناقشة الأستاذ الدكتور أحمد بن محمد العنقري - أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض - والأستاذ الدكتور محمد سعد بن أحمد اليوبي - أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإِسلامية - فقد استفدتُ من ملحوظاتهما وآرائهما، فجزاهما الله خيرًا، وجعل ما قدماه لي في موازين أعمالهما. وختامًا: إِنِّي لأرجو اللهَ أنْ أكونَ قد وُفِّقْتُ في الكتابةِ في الموضوع، وأنْ يجعلَه خالصًا لوجهِه الكريم، وما كتبتُه هو جُهد المقلِّ، وحسبي أنِّي بذلتُ فيه ما أمكنني مِنْ وسعٍ، وأملي أنْ يكونَ صوابُه أكثرَ مِنْ خطئِه، "والمنصفُ مَن اغتفرَ قليلَ خطأ المرءِ في كثيرِ صوابِه" (١). وصَدَقَ أبو إِسحاقَ الشاطبي؛ إِذ يقولُ: "فالإِنسانُ - وإِنْ زَعَمَ في الأمرِ أنَّه أدركه وقتله علمًا - لا يأتي عليه الزمانُ إِلَّا وقد عَقَلَ فيه ما لم يكنْ عَقَلَ، وأدركَ مِنْ علمِه ما لم يكن أدرك قبلَ ذلك، كلُّ أحدٍ يشاهدُ ذلك مِنْ نفسِه عيانًا، ولا يختص ذلك عنده بمعلومٍ دونَ معلومٍ" (٢).

стр. 47

"فيا أيّها القارئ له والناظر فيه، هذه بضاعةُ صاحبِه المزجاةُ مسوقةٌ إِليك، وهذا فهمُه وعقلُه معروضٌ عليك، لك غنمُه وعلى مؤلفِه غرمُه، ولك ثمرتُه وعليه عائدتُه. فإِنْ عدم منك حمدًا وشكرًا، فلا يعدمْ منك مغفرةً وعذرًا، وإِن أبيت إِلَّا الملام فبابُه مفتوحٌ" (١). وصلى اللهُ وسلم على نبيًّا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين. خالد بن مساعد بن محمد الرويتع ٢/ ٢/ ١٤٣١ هـ للتواصل: جوال: ٠٥٠٥٢٩٣١٧٤ البريدي الشبكي: khalied ٩٩٩٩٩@hotmail.com

стр. 48

الباب الأول: الدراسة النظرية للتمذهب وفيه ستة فصول: الفصل الأول: حقيقة التمذهب الفصل الثاني: نشأة التمذهب وتاريخه الفصل الثالث: حكم التمذهب الفصل الرابع: الأحكام المترتبة على التمذهب الفصل الخامس: أحكام المتمذهب الفصل السادس: أثر التمذهب في التوصل إِلى حكم النازلة

стр. 49

الفصل الدول: حقيقة التمذهب وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: تعريف التمذهب المبحث الثاني: العلاقة بين التمذهب والمصطلحات ذات الصلة المبحث الثالث: أركان التمذهب المبحث الرابع: أقسام التمذهب

стр. 50

المبحث الأول تعريف التمذهب وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف التمذهب في اللغة المطلب الثاني: تعريف التمذهب في الاصطلاح

стр. 51

المطلب الأول: تعريف التمذهب في اللغة التمذهبُ: مصدرٌ مِن الفعلِ تمذهب (١)، ولكونِ التمذهب مرتبطًا - لفظًا ومعنى - بالمذهب، فسأعرضُ أولًا تعريفَ المذهبِ في اللغَةِ ، ثمَّ أذكرُ بعده المعنى اللغوي للتمذهبِ. تعريف المذهب في اللغة: المَذْهب: على وزنِ (مَفْعَل)، وتأتي لفظةُ: (مَذْهب) مصدرًا، واسمَ مكانٍ، واسمَ زمانٍ (٢)، يُقالُ: ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهَابًا، ومَذْهَبًا، وهنا مذهبُه، أيْ: موضع ذهابِه، وحان مذهبُه، أيْ: زمان ذهابه (٣). والمَذْهبُ مشتق مِنْ ذَهَبَ (٤). ولمادةِ (ذهب) معنيانِ في اللغةِ: المعنى الأول: الحسنُ والنضارةُ (٥). يقول ابنُ فارسٍ (٦): "الذال

стр. 52

والهاء والباء، أُصيلٌ، يدلُّ على حسنٍ ونضارةٍ" (١). ومن هذا المعنى: أولًا: الذَهَبُ، المعدِنُ الثمينُ (٢). يُقالُ: ذَهِب - بالكسر - الرجلُ، إِذا رأى ذَهَبًا في المعدِن، فَبَرَقَ بصرُه مِنْ عِظَمِه في عينه (٣). والمذَاهبُ: سيورٌ تموّه بالذَّهَبِ، وكلُّ شيءٍ موّه بالذهبِ، فهو مُذهب، والفاعل مُذْهِب (٤). والإِذهابُ، والتذهيبُ واحدٌ، وهو: التمويه بالذهبِ (٥). ثانيًا: الذِّهْبَة، وهي: المطرةُ. وقيل: المطرةُ الضعيفةُ. وقيل:

стр. 53

الجَوْدُ (١)، والجَوْدُ: المطرُ الغزيرُ (٢)؛ لأنَّ بالمطرِ تنضر الأرضُ والنباتُ. وجمعُ ذِهبة ذِهَاب (٣)، قالَ ذو الرُّمة (٤): حواءُ فرحاءُ أشراطيةٌ وَكَفَتْ ... منها الذهاب وحفتها البراعيمُ (٥) يقولُ ابنُ فارسٍ عن المعنى الأولِ: "فهذا معظمُ البابِ" (٦). الثاني: المضيُّ، أو السيرُ، أو المرورُ (٧). يُقالُ: ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهَابًا، وذُهُوبًا (٨). وذَهَبَ فعلٌ لازمٌ، ويتعدى بالحرفِ، يُقالُ: ذَهَبَ فلانٌ مَذْهَبًا حَسَنًا،

стр. 54

وذَهَبَ عليَّ كذا، أيْ: نسيته، وذَهَبَ الرجلُ في القومِ، أيْ: ضلَّ، وفلانٌ يَذْهَبُ إِلى قولِ أبي حنيفةَ، أيْ: يأخذُ به (١). والمَذْهَبُ: سيرةُ الرجلِ، ومعتقدُه (٢). تعريف التمذهب في اللغة: ذكرتُ في صدرِ المطلبِ أنَّ التمذهبَ مصدرٌ مِن الفعلِ: (تمذهب)، ووزنُه (تَمَفْعَل)، وقد جاءَ في لغةِ العرب ولسانِهم أفعالٌ على هذا الوزن، مثل: تمسكن وتمدرع وتمندل وتمنطق (٣). يقول سيبويه (٤) عن وزنِ (تَمَفْعَل): "وقد جاء (تَمَفْعَل)، وهو قليلٌ، قالوا: تَمَسْكَنَ، وتَمَدْرَعَ" (٥). ويدلُّ الوزنُ (تَمَفْعَل) على: الإِظهارِ، والأخذِ (٦).

стр. 55

فمعنى تمذهبَ بكذا: اتَّبعه واتخذه مذهبًا (١). وذَكَرَ مؤلِّفُ كتاب: (محيط المحيط) (٢) أنَّ أكثرَ استعمالِ (تمذهب) في الأديانِ، وقد تستعمَلُ في غيرِها مِنْ مطلقِ الآراءِ. وما ذكره محلُّ نظرٍ، ولو ادُّعِيَ العكس لما كان بعيدًا عن الصوابِ. وذَهَبَ جمعٌ مِن العلماءِ مِنْ أهلِ اللغةِ إِلى أنَّ الوزنَ (تَمَفْعَل) شاذٌّ (٣). وهذا محلُّ نظرٍ؛ فقد صرَّحَ كلٌّ مِن ابنِ عصفور (٤)، وأبي حيان (٥) بهذا الوزنِ، ولم يشيرا إِلى شذوذِه، وتقدمَ لنا كلامُ سيبويه قبلَ قليلٍ.

стр. 56

ويقولُ ابنُ جني (١): "جاءَ: (تمسْكنَ)، و (تمدْرعَ)، و (تمنطقَ)، و (تمندلَ)، و (تمخرقَ)، وكان يُسمَّى محمدًا، ثمَّ تَمَسْلَم، أيْ: صار يُسمَّى مُسْلِمًا، ومرحبك الله ومسهلك. فتحملوا -: أيْ: العرب - ما فيه تَبْقِيَة الزائد مع الأصلِ في حالِ الاشتقاقِ؛ كلُّ ذلك توفيةً للمعنى، وحراسةً له، ودلالةً عليه؛ أَلا تراهم إِذ قالوا: تدرَّع، وتسكَّن - وانْ كانت أقوى اللغتين عند أصحابِنا - فقد عرَّضوا أنفسَهم لئلا يُعرفَ غرضُهم: أمِن الدرعِ والسكونِ، أم من المدرعة والمَسكنة؟ وكذلك بقية الباب. ففي هذا ... حرمة الزائد في الكلمة عندهم حتى أقروه إِقرارَ الأصولِ" (٢).

стр. 57

وأيضًا: يشهدُ لوزنِ: (تَمَفْعَل): حديثٌ، وأثرٌ: أمَّا الحديثُ: فقولُه ﷺ (الصلاةُ مثنى مثنى، في كلِّ تشهدٍ ركعتين، وتخشَّع وتضرَّع وتَمَسْكَن، وتُقْنِعُ يديك (١)) (٢).

стр. 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 59

وأمَّا الأثرُ: فما جاءَ عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁، قال في كتابِه الَّذي أرسله إِلى أبي عثمان النهدي (١): (اخشوشنوا

стр. 60

وتمعددوا (١) ... ) (٢). وذَهَبَ جمعٌ مِنْ أهلِ اللغةِ إِلى أنَّ الوزنَ (تَمَفْعَل) ملحقٌ (٣) بالرباعي

стр. 61

المزيدِ فيه حرف واحد (١). وتعقب هذا الشَّيخ محمد الاستراباذي (٢)، فقال: "وفي عدِّ النحاة (تَمَدْرع) و (تَمَنْدل) و (تَمَسْكن) مِن الملحقِ نظرٌ، وإِنْ وافقتْ تَدَحْرَجَ في جميع التصاريف؛ وذلك لأنَّ زيادةَ الميمِ فيها ليستْ لقصدِ الإِلحاق، بلْ هي مِنْ قبيلِ التوهمِ والغلطِ، ظنَّوا أنَّ ميمَ منديل ومسكين ومدرعة فاء الكلمة، كقاف قنديل ودال درهم، والقياسَ تدرع وتندّل وتسكّن ... فتَمَدْرع وتَمَنْدل وتَمَسْكن، وإِنْ كافتَ على تَمَفعَل في الحقيقةِ، لِكن في توهم تَفَعْلَلَ" (٣). * * *

стр. 62

المطلب الثاني: تعريف التمذهب في الاصطلاح كما بيّنتُ المعنى اللغوي للمذهبِ حين عرضت تعريفَ التمذهبِ في اللغةِ، فإِنِّي - قبل سياق التعريف الاصطلاحي للتمذهب - سأُوردُ التعريفَ الاصطلاحي للمذهبِ، وأنتقلُ بعده إِلى ذكرِ التعريفِ الاصطلاحي للتمذهبِ. تعريف المذهب اصطلاحًا: اهتمَّ العلماءُ ببيانِ المعنى الاصطلاحي للمذهبِ، وتعدّدتْ عباراتُهم في تحديدِه، فمِنْ تلك التعريفات: التعريف الأول: أنَّ مذهب الإِنسان هو: اعتقادة. ذَهَبَ إِلى هذا التعريفِ: أبو الحسين البصري (١)، وأبو المظفرِ السمعافي (٢)، وغيرُهما. يقولُ أبو الحسين البصري: "فمتى ظنَّنا اعتقادَ الإِنسان، أو عرفناه ضرورةً، أو بدليلِ مجملٍ، أو مفصَّلٍ: قلنا: إِنَّه مذهبُه، ومتى لم نظنّ ذلك، ولم نعلمْه، لم نقلْ: إِنَّه مذهبُه" (٣). ويُشْكِل على هذا التعريفِ: أنَّه قَصَرَ المذهبَ على ما اعتقدُه الإِنسانُ، دونَ ما ظنَّه، أو غَلَبَ على ظنِّه، والمجزومُ به شمول مصطلحِ المذهبِ لما اعتقده الإِنسان، ولما ظنّه، ولما غَلَبَ على ظنِّه.

стр. 63

وقد يُقَالُ ليس المرادُ بالاعتقادِ هنا الحكمَ الجازمَ المرادفَ لليقين، بَل المرادُ مجرَّدُ الإِدراكِ، سواء أكان علمًا، أم ظنًّا، أم شكًّا، أم تقليدًا (١). التعريف الثاني: ما قاله المجتهدُ بدليلِ، ومات قائلًا به. ذَهَبَ إِلى هذا التعريفِ: تقيُّ الدينِ بنُ تيمية (٢)، والمرداويُّ (٣)، وغيرهما. وقد حوى التعريف قيدًا، وهو عدمُ رجوعِ المجتهدِ عن قولِه، فلو رَجَعَ عنه، لما عُدَّ قائلًا به. التعريف الثالث: ما قاله المجتهدُ، أو دلَّ عليه بما يجري مجرى القولِ، من تنبيهٍ، أو غيرِه. ذَهَبَ إِلى هذا التعريفِ: أبو الخطابِ (٤)، وابنُ مفلح (٥)، وابنُ المبرد (٦)، وغيرُهم. ويتميّزُ هذا التعريف بتوسيعِ دائرةِ المذهبِ، فيشملُ القولَ، وما جرى مجراه.

стр. 64

التعريف الرابع: ما اعتقده المجتهدُ - جزمًا، أو ظنًا - بدليلٍ. ذَكَرَ هذا التعريفَ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ في: (المسودة) (١). ويحتملُ قولُه: "جزمًا، أو ظنًا" أحدَ معنيين: المعنى الأول: أنَّ الاعتقادَ قد يكون اعتقادًا جازمًا، وقد يكون اعتقادًا ظنيًا. المعنى الثاني: أنّنا نجزمُ، أو نظنُّ أن هذا اعتقادُ المجتهدِ. التعريف الخامس: ما نصَّ عليه الإِمامُ، أو أَوْمَأَ إِليه، أو خرَّجه أصحابُه، أو ما استنبطوه مِنْ قولِه، أو تعليلِه. ذَكَرَ هذا التعريفَ ابنُ حمدان (٢). وينفردُ التعريفُ الخامسُ عن التعريفاتِ السابقةِ بإدخاله ما خرّجه أتباعُ المذهبِ في تعريفِ المذهبِ. التعريف السادس: ما ذَهَبَ إِليه الإِمامُ من الأحكامِ الاجتهاديةِ. وهذا تعريفُ محمد الحطاب (٣)، وإِبراهيم اللقاني (٤)، ومحمد

стр. 65

الدسوقي (١)، وغيرهم. التعريف السابع: ما اختصَّ به الإِمامُ مِن الأحكامِ الشرعيةِ الفروعيةِ الاجتهاديةِ، وما اختصَّ به من أسبابِ الأحكامِ، والشروطِ، والموانعِ، والحجاج المثبتة لها. وهذا تعريفُ شهابِ الدينِ القرافي (٢)، وقد أفاضَ في شرحِه وتوجيهه (٣). وقريبٌ منه تعريفُ أحمدَ الحموي (٤)، إِذ عرَّفَ المذهبَ بأنَّه: ما

стр. 66

اختصَّ به المجتهدُ مِن الأحكامِ الشرعيةِ الاجتهاديةِ، المستفادةِ مِن الأدلةِ الظنيةِ (١). ويتميّزُ التعريفانِ: السادسُ والسابعُ بنصِّهما على أنَّ المذهبَ إِنَّما يصدقُ على الأحكامِ الاجتهاديةِ، أمَّا الأحكام القطعية - كوجوب الصلاة والزكاة ونحوهما - فلا يسمَّى القول بها مذهبًا، فلا يُقالُ مثلًا: مذهبُ أحمدَ وجوبُ الصلاةِ أو وجوبُ الزكاةِ. يقولُ شهابُ الدينِ القرافيُّ: "أَلا تَرَى أنَّه لو قالَ قائلٌ: وجوبُ الخمسِ صلوات في كلِّ يومِ هو مذهبُ مالكٍ، لَنَبَا عنه السمعُ، ونَفَرَ منه الطبعُ، وتُدْرِكُ بالضرورةِ فَرْقًا بين هذا القولِ، وبين قولنا: وجوبُ التدليكِ في الطهاراتِ مذهبُ مالكٍ، ووجوبُ الوترِ مذهبُ أبي حنيفة، ولا يتبادر إِلى الذهنِ إِلَّا هذا الَّذي وَقَعَ به الاختصاصُ، دونَ ما اشترك فيه السلفُ والخلفُ، والمتقدمون والمتأخرون" (٢). التعريف الثامن: ما ذَهَبَ إِليه الإِمامُ، وأصحابُه مِن الأحكامِ في المسائلِ. وهذا تعريفُ الرملي الشَّافعي (٣). ويتميّزُ التعريفُ بإِدخالِه أقوال أصحابِ الإِمامِ في المذهبِ، وهذا

стр. 67

يتّفقُ مَعَ ما عليه عملُ أربابِ المذاهبِ مِنْ إِدخالِهم أقوالَ أصحابِ الإِمامِ في مسمَّى المذهبِ. ولو أَبدلَ لفظَ: "و" بـ "أو" لكانَ أنسب؛ لئلا يفهمَ أحدٌ أنَّ المذهبَ لا يصدق إِلَّا على ما قال به الإِمامُ وأصحابُه معًا. التعريف التاسع: المسائلُ الَّتي يقولُ بها المجتهدُ، أو الَّتي يستخرجها أتباعُه مِنْ قواعدِه. وهذا تعريفُ الشيخِ أحمدَ الهلالي (١). التعريف العاشر: المشهور من المذهب. ذَكَرَ هذا التعريفَ الشيخُ عبدُ الله بن محمد بن عبد الوهاب (٢).

стр. 68

ويُعْتَرضُ على التعريفِ بأنَّ إِيرادَ لفظةِ: (المذهب) فيه، تؤدي إِلى الدَّوْرِ (١). التعريف الحادي عشر: ما ترجَّح عند المجتهدِ في أيّ مسألةٍ بعد الاجتهادِ. وهذا تعريفُ الشيخِ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٢). التعريف المُخْتَار: يمكنُ القولُ بأنَّ عَدَّ قول الإِمامِ مذهبًا محلُّ اتفاقٍ، ويبقى النظرُ فيما يأتي، أتعتبرُ مِن المذهبِ، أم لا؟ أولًا: اعتبارُ أقوالِ أتباعِ إِمامِ المذهبِ وأصحابِه الَّتي لا تتعارضُ مع أصولِ المذهبِ. ثانيًا: اعتبارُ تخريجاتِ أتباعِ إِمامِ المذهبِ وأصحابِه مِن المذهبِ. ثالثًا: شمولُ المذهبِ للأصولِ، وللفروعِ. وإِذا أجلنا النظرَ في مدوَّناتِ المذاهبِ الفقهيةِ والأصوليةِ، نجدُ أنَّها تشملُ الأمورَ الثلاثة، وتعدّها مِن المذهبِ (٣). يقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة (٤) في معرضِ حديثِه عن تخريجاتِ علماءِ

стр. 69

الشافعيةِ: "آراء تُعَدُّ مِنْ مذهبِ الشَّافعي، وإِنْ لم يُؤْثَرْ عن الشَّافعي نصٌّ فيها، تلك الآراء الَّتي تُعَدُّ مُخَرّجة على أصولِ الشَّافعي، ولم تكنْ مخالفةً لرأي له، فإِنَّ هذه تُعَدُّ مِنْ مذهبِ الشَّافعي بلا خلافٍ" (١). وبناءً على ما تقدّم، يمكنُ تعريفُ المذهب بأنّه: أقوالُ الإِمامِ في المسائلِ الشرعيةِ الاجتهاديةِ، وما جرى مجرى قَولِه، وقواعدُ الاستنباطِ الَّتي سار عليها، وما خُرِّج على قولِه، أو على أصلِه. المناسبة بين التعريض اللغوي للمذهب والاصطلاحي: يظهرُ أن المعنى اللغويَّ الثاني للمذهبِ أنسبُ للمعنى الاصطلاحي، وكما تقدّمَ مِنْ أنَّ المذهبَ يأتي مصدرًا، واسمَ مكانٍ، فيمكن بيانُ وجهِ المناسبةِ على النحوِ الآتي: المناسبةُ بين المعنى المصدري للمذهبِ - بمعنى: الذهاب - والمعنى الاصطلاحي هي: حصولُ الذهابِ مِن المجتهدِ إِلى الأحكامِ الشرعيةِ (٢). والمناسبةُ بين المذهب - باعتبارِه: اسم مكان - والمعنى الاصطلاحي، هي: مشابهةُ الأحكامِ للمكانِ؛ لأنَّ الأحكامَ مكانٌ اعتباري لتَرَدّدِ الذِّهن وتأمُّلِه (٣). تعريف التمذهب في الاصطلاح: سأتحدث عن المعنى الاصطلاحي للتمذهبِ في ضوءِ الآتي: أولًا: لم يتعرضْ متقدمو الأصوليين - فيما رجعتُ إِليه مِنْ

стр. 70

مصادر - إِلى بيانِ المعنى الاصطلاحى للتمذهبِ، وقُصَارى ما وقفتُ عليه ورودُ مصطلحِ التمذهبِ عَرَضًا في تضاعيف كلامِ بعضِ الأصوليينَ، كأبي الوفاءِ ابنِ عقيلِ، حيثُ يقولُ: "وقيل: الوقوف (١) ليس بمذهبٍ، إِنَّما هو جنوحٌ عن التمذهب" (٢)، ويقولُ في موطنٍ آخر: "قولهم: إِنَّ. ما ذهبتُم إِليه ها هنا يعودُ بقولِكم، ويفضي به إِلى التمذهبِ بمذهبِ (٣) أهلِ الوقفِ" (٤). ويظهرُ لي أنَّ مرادَ ابنِ عقيلٍ بالتمذهبِ الإِفصاحُ عن المذهبِ. إِلى جانب ذلك عَرَضَ جمعٌ مِن الأصوليين مسألةَ: (التزام العامي بمذهبٍ معيّنٍ)، بحيثُ يأخذُ برخصِه وعزائمِه، متصلةً بالتمذهب، فَوَرَدَتْ عندهم: هل يلزمُ العامي أنْ يتمذهبَ بمذهبٍ معيَّنٍ، بحيثُ يأخذُ برخصِه وعزائمِه؟ فممَّنْ أوردها بهذه الهيئة: ابنُ الصلاحِ (٥)، وابنُ حمدان (٦)، وتقيُّ الدينِ بنُ تيمية (٧)، وابنُ القيِّمِ (٨)، وابنُ مفلحٍ (٩)، وابنُ اللحامِ (١٠)،

стр. 71

والمرداويُّ (١). وصنيعُهم صحيحٌ لا غبارَ عليه، وإِنَّما الخطأُ تَطَرّقَ إِلى مَنْ فَهِمَ مِنْ هذا السياقِ انحصارَ التمذهبِ في صورةِ المسألةِ - كما سيأتي في بعضِ تعريفاتِ المعاصرين بعدَ قليلٍ - مع أنَّ التمذهبَ أوسعُ مِنْ صورةِ المسألةِ، وإنْ كانت هذه الصورةُ هي السائدة في تطبيقِ التمذهبِ في بعض العصور. يقولُ تاجُ الدّينِ بنُ السبكي: "المحمدون الأربعة: محمد بن نصر (٢)، ومحمد بن جرير (٣)،

стр. 72

وابن خزيمة (١)، وابن المنذر (٢) من أصحابنا، وقد بلغوا درجةَ الاجتهادِ المطلقِ، ولم يخرجْهم ذلك عن كونِهم مِنْ أصحابِ الشَّافعي، المخرِّجين على أصولِه، المتمذهبين بمذهبِه، لوفاقِ اجتهادِهم اجتهادَه ... فإِنَّهم وإِنْ خَرَجُوا عن رأيّ الإِمامِ الأعظمِ في كثيرِ مِن المسائلِ، فلم يَخْرُجوا في الأغلبِ، فَاعْرِفْ ذلك، واعلمْ أنَّهم في أحزابِ الشافعيةِ معدودون، وعلى أصولِه - في الأغلب - مخرِّجون، وبطريقِه متهذبون، وبمذهبِه متمذهبون" (٣).

стр. 73

ويويّدُ ما سَبَقَ ثلاثةُ أمورٍ: الأمر الأول: أنَّ كثيرًا مِن العلماءِ متمذهبون بمذاهب محددة، بدليل: ما يختمُ به الواحدُ منهم اسمَه مِنْ النسبةِ إِلى مذهبِه، وورود أسمائِهم في كتبِ طبقاتِ المذهبِ، وهم ليسوا مِنْ العامّةِ قطعًا، ولم يلتزمْ جمعٌ منهم برخصِ المذهبِ وعزائمِه، بل خالفوا بعضَ ما في مذهبِهم، ولم يُخْرِجْهم ذلك عن كونِهم متمذهبين (١). يؤكدُ ذلك: ما يَرِدُ في ترجمةِ بعضِ العلماءِ في كتبِ الطبقاتِ مِنْ ذِكرِ آرائِه الَّتي انفردَ بها، ولو أخرجه ذلك عن التمذهبِ بمذهبِه، لما ذكروا اسمَه في طبقاتِ المذهبِ. الأمر الثاني: أنَّ جماعةً مِنْ أهلِ العلمِ بلغوا شأوًا كبيرًا فيه، ومَعَ ذلك فهم ينتسبون إِلى مذاهبِ أئمتِهم (٢). الأمر الثالث: الواقعُ العلمي لمؤلفاتِ جمعٍ غفيرِ مِن العلماءِ، فتجدُ العالمَ يُؤَلِّفُ كتابًا في مذهب إِمامِه في الأصولِ أو الفروعِ، ويستدلُّ لأقوالِه، وتجدُ منه التصريحَ بقولَه: مذهبُنا، إِمامُنا. ثانيًا: كان اهتمامُ المتأخرين بالحديثِ عن التمذهبِ أكثرَ مِن اهتمامِ العلماءِ المتقدمين، وقد عَرَّف جمعٌ منهم مصطلحَ: (التمذهب). وأنبَّه إِلى أن بعضَ التعريفاتِ الَّتي سأوردها بعد قليلٍ، قد وَرَدَتْ في سياقٍ معيّنٍ، وليست بصريحةٍ في كونِها تعريفًا للتمذهبِ، لكنْ يُمْكِنُ أخذ التعريفِ منها، فاعتبرتُها تعريفًا، وقد نبّهتُ على هذا في موضعِه. تعريف التمذهب عند المتأخرين: التعريف الأول: التزامُ غيرِ المجتهدِ مذهبًا معينًا، يعتقدُه أرجح أو مساويًا لغيره.

стр. 74

أورد تاجُ الدينِ بنُ السبكي الكلامَ المذكور في كتابِه: (جمع الجوامع) (١) على أساسِ أنَّه مسألةٌ مستقلةٌ، ولم ينصَّ على أَنَّه تعريفٌ للتمذهبِ. وقد جعله بعضُ شرَّاحِ كتاب: (جمع الجوامع)، كبدرِ الدينِ الزركشي (٢)، وولي الدينِ العراقي (٣)، وابنِ رسلان الرملي (٤) تعريفًا للتمذهب. ومعنى: "الالتزام": أنْ لا ياخذَ المتمذهبُ فيما يقعُ له مِن أمورِ إِلَّا بمذهبٍ معَّينِ (٥). التعريف الثاني: الالتزامُ لمذهبِ إِمامٍ معيَّنٍ. وهذا التعريف ظاهر سياق كلام الشَّيخ حمد بن معمر (٦).

стр. 75

ولا يعني الالتزامُ عدمَ الخروجِ عن المذهبِ متى ما رأى المتمذهبُ مخالفةَ مذهبِه للدليلِ (١). وقد ذَكَرَ الشَّيخ حمدُ بن معمر صورة أخرى للتمذهبِ، فقالَ: "أمَّا لزومُ التمذهبِ بمذهبٍ بعينِه، بحيثُ لا يخرجُ عنه، وإِن خالفَ نصَّ الكتابِ والسنةِ، فهذا مذمومٌ غيرُ ممدوحٍ" (٢). ويدلُّ ظاهرُ السياقِ على أنَّ التمذهبَ يشملُ لزومَ المذهبِ دونَ الخروجِ عنه، ولزومَ المذهبِ والخروج عنه، إِنْ خالفَ الدليلَ. التعريف الثالث: تلقّي الأحكام مِنْ إِمامٍ معيَّنٍ، واعتبار أقوالِه كأنَّها مِن الشارعِ نصوصٌ يلزم المقلِّد اتّباعها. وهذا تعريف الشَّيخ محمد الخضري (٣)، وساقه على أنَّه تعريفٌ للتقليدِ الواقعِ في القرنِ الخامسِ إِلى سقوطِ الدولةِ العبَّاسيةِ، وما ذكره يصدق على حقيقة التمذهبِ. ويظهرُ لي أنَّ ما ذكره الشيخُ الخضري وصفٌ للأمرِ الواقعِ في تلك الحقبةِ الزمنيةِ، لا أنَّه تعريفٌ للتمذهبِ على وجهِ الاستقلالِ.
следующие страницы →