والمرداويُّ (١).
وصنيعُهم صحيحٌ لا غبارَ عليه، وإِنَّما الخطأُ تَطَرّقَ إِلى مَنْ فَهِمَ مِنْ هذا السياقِ انحصارَ التمذهبِ في صورةِ المسألةِ - كما سيأتي في بعضِ تعريفاتِ المعاصرين بعدَ قليلٍ - مع أنَّ التمذهبَ أوسعُ مِنْ صورةِ المسألةِ، وإنْ كانت هذه الصورةُ هي السائدة في تطبيقِ التمذهبِ في بعض العصور.
يقولُ تاجُ الدّينِ بنُ السبكي: "المحمدون الأربعة: محمد بن نصر (٢)، ومحمد بن جرير (٣)،
стр. 72
وابن خزيمة (١)، وابن المنذر (٢) من أصحابنا، وقد بلغوا درجةَ الاجتهادِ المطلقِ، ولم يخرجْهم ذلك عن كونِهم مِنْ أصحابِ الشَّافعي، المخرِّجين على أصولِه، المتمذهبين بمذهبِه، لوفاقِ اجتهادِهم اجتهادَه ... فإِنَّهم وإِنْ خَرَجُوا عن رأيّ الإِمامِ الأعظمِ في كثيرِ مِن المسائلِ، فلم يَخْرُجوا في الأغلبِ، فَاعْرِفْ ذلك، واعلمْ أنَّهم في أحزابِ الشافعيةِ معدودون، وعلى أصولِه - في الأغلب - مخرِّجون، وبطريقِه متهذبون، وبمذهبِه متمذهبون" (٣).
стр. 73
ويويّدُ ما سَبَقَ ثلاثةُ أمورٍ:
الأمر الأول: أنَّ كثيرًا مِن العلماءِ متمذهبون بمذاهب محددة، بدليل: ما يختمُ به الواحدُ منهم اسمَه مِنْ النسبةِ إِلى مذهبِه، وورود أسمائِهم في كتبِ طبقاتِ المذهبِ، وهم ليسوا مِنْ العامّةِ قطعًا، ولم يلتزمْ جمعٌ منهم برخصِ المذهبِ وعزائمِه، بل خالفوا بعضَ ما في مذهبِهم، ولم يُخْرِجْهم ذلك عن كونِهم متمذهبين (١).
يؤكدُ ذلك: ما يَرِدُ في ترجمةِ بعضِ العلماءِ في كتبِ الطبقاتِ مِنْ ذِكرِ آرائِه الَّتي انفردَ بها، ولو أخرجه ذلك عن التمذهبِ بمذهبِه، لما ذكروا اسمَه في طبقاتِ المذهبِ.
الأمر الثاني: أنَّ جماعةً مِنْ أهلِ العلمِ بلغوا شأوًا كبيرًا فيه، ومَعَ ذلك فهم ينتسبون إِلى مذاهبِ أئمتِهم (٢).
الأمر الثالث: الواقعُ العلمي لمؤلفاتِ جمعٍ غفيرِ مِن العلماءِ، فتجدُ العالمَ يُؤَلِّفُ كتابًا في مذهب إِمامِه في الأصولِ أو الفروعِ، ويستدلُّ لأقوالِه، وتجدُ منه التصريحَ بقولَه: مذهبُنا، إِمامُنا.
ثانيًا: كان اهتمامُ المتأخرين بالحديثِ عن التمذهبِ أكثرَ مِن اهتمامِ العلماءِ المتقدمين، وقد عَرَّف جمعٌ منهم مصطلحَ: (التمذهب).
وأنبَّه إِلى أن بعضَ التعريفاتِ الَّتي سأوردها بعد قليلٍ، قد وَرَدَتْ في سياقٍ معيّنٍ، وليست بصريحةٍ في كونِها تعريفًا للتمذهبِ، لكنْ يُمْكِنُ أخذ التعريفِ منها، فاعتبرتُها تعريفًا، وقد نبّهتُ على هذا في موضعِه.
تعريف التمذهب عند المتأخرين:
التعريف الأول: التزامُ غيرِ المجتهدِ مذهبًا معينًا، يعتقدُه أرجح أو مساويًا لغيره.
стр. 74
أورد تاجُ الدينِ بنُ السبكي الكلامَ المذكور في كتابِه: (جمع الجوامع) (١) على أساسِ أنَّه مسألةٌ مستقلةٌ، ولم ينصَّ على أَنَّه تعريفٌ للتمذهبِ.
وقد جعله بعضُ شرَّاحِ كتاب: (جمع الجوامع)، كبدرِ الدينِ الزركشي (٢)، وولي الدينِ العراقي (٣)، وابنِ رسلان الرملي (٤) تعريفًا للتمذهب.
ومعنى: "الالتزام": أنْ لا ياخذَ المتمذهبُ فيما يقعُ له مِن أمورِ إِلَّا بمذهبٍ معَّينِ (٥).
التعريف الثاني: الالتزامُ لمذهبِ إِمامٍ معيَّنٍ.
وهذا التعريف ظاهر سياق كلام الشَّيخ حمد بن معمر (٦).
стр. 75
ولا يعني الالتزامُ عدمَ الخروجِ عن المذهبِ متى ما رأى المتمذهبُ مخالفةَ مذهبِه للدليلِ (١).
وقد ذَكَرَ الشَّيخ حمدُ بن معمر صورة أخرى للتمذهبِ، فقالَ: "أمَّا لزومُ التمذهبِ بمذهبٍ بعينِه، بحيثُ لا يخرجُ عنه، وإِن خالفَ نصَّ الكتابِ والسنةِ، فهذا مذمومٌ غيرُ ممدوحٍ" (٢).
ويدلُّ ظاهرُ السياقِ على أنَّ التمذهبَ يشملُ لزومَ المذهبِ دونَ الخروجِ عنه، ولزومَ المذهبِ والخروج عنه، إِنْ خالفَ الدليلَ.
التعريف الثالث: تلقّي الأحكام مِنْ إِمامٍ معيَّنٍ، واعتبار أقوالِه كأنَّها مِن الشارعِ نصوصٌ يلزم المقلِّد اتّباعها.
وهذا تعريف الشَّيخ محمد الخضري (٣)، وساقه على أنَّه تعريفٌ للتقليدِ الواقعِ في القرنِ الخامسِ إِلى سقوطِ الدولةِ العبَّاسيةِ، وما ذكره يصدق على حقيقة التمذهبِ.
ويظهرُ لي أنَّ ما ذكره الشيخُ الخضري وصفٌ للأمرِ الواقعِ في تلك الحقبةِ الزمنيةِ، لا أنَّه تعريفٌ للتمذهبِ على وجهِ الاستقلالِ.
стр. 76
التعريف الرابع: السلوكُ في طريقِ الاجتهادِ مسلكَ إِمامٍ معيَّنٍ.
ذَكَرَ هذا التعريفَ الشيخُ عبد القادر بن بدران (١)، وسياقُ كلامِه ليس بصريحٍ في كونِه تعريفًا للتمذهب؛ إِذْ يقولُ: "بل المرادُ باختيارِ مذهبِه - أيْ: اختيار بعض العلماء مذهب الإِمام أحمد - إِنَّما هو السلوكُ على طريقةِ أصولِه في استنباطِ الأحكامِ.
وإِنْ شئتَ قُلْ: السلوك في طريقِ الاجتهادِ مسلكه، دونَ مسلكَ غيرِه" (٢).
وما ذكره يُعَدُّ تعريفًا للاجتهادِ المذهبي.
التعريف الخامس: اتباع أُمَّةٍ كبيرةٍ مِن المسلمين لإِمامٍ معيّنٍ، في العبادات والمعاملات.
وهذا تعريفُ الشيخِ أحمدَ الوزير (٣).
стр. 77
ويُؤْخَذُ على هذا التعريفِ عدةُ أمورٍ، منها:
أولًا: العمومُ في قولِه: "أمة كبيرة من المسلمين"، إِذ يشملُ العلماءَ والعوامَّ، فيكون التعريفُ تعريفًا غيرَ جامعٍ.
ئانيًا: قَصَرَ الاتِّباعَ على العباداتِ والمعاملاتِ، وهذا غيرُ صحيحٍ؛ إِذ التمذهبُ - كما يقع في العبادات والمعاملات - يقعُ في الأنكحةِ والأقضيةِ وسائرِ أبوابِ الفقهِ.
ثالثًا: لم يذكر التمذهبَ في الأصول، مع أنَّ أحمدَ الوزير نفسَه يُقِرُّ بوجودِه في الأصولِ (١).
التعريف السادس: أنْ يقلِّدَ العاميُّ، أو مَنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهاد مذهبَ إِمامٍ مجتهدٍ، سواء التزم واحدًا بعينه، أو عاش يتحول من واحدٍ إِلى آخر.
وهذا تعريفُ الدكتور محمد البوطي (٢).
ويؤخذ على تعريفِه أمورٌ، منها:
أولًا: أدخلَ العامي في التمذهبِ - وهي مسألةٌ خلافيةٌ - وما ذكره بعده "من لم يبلغ رتبة الاجتهاد" يغني عن قوله: "العامي".
ثانيًا: ما المقصودُ بقولِه: "أو عاش يتحول من واحد إِلى آخر"؟ أيقصدُ أنَّ العامي، أو مَنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ يتحولُ مِنْ مذهبِ مجتهدٍ إِلى
стр. 78
مذهبِ مجتهدٍ آخر، أم أنَّه يتحول في آحادِ المسائلِ مِنْ مذهب مجتهدٍ إِلى مذهبِ مجتهدٍ آخر، فيقع في التلفيقِ؟
ثالثًا: قولُه في التعريفِ: "أو عاش يتحول من واحد إِلى آخر" مِنْ أحكامِ التمذهبِ، وليس مِنْ حقيقتِه، وأحكام المعرَّف لا تُذْكَرُ في التعريفِ.
التعريف السابع: تقليدُ طائفةٍ مِن الناسِ لإِمامٍ معيَّنٍ في آرائِه واجتهاداتِه، وكذلك اجتهادات الفقهاءِ الذين أخذوا بمنهج الإِمام في البحثِ الفقهي.
وهذا تعريف الدكتور محمد الدسوقي (١).
وممَّا يؤخذُ على التعريفِ: أنَّه جعلَ المتمذهبين طائفةً مِن الناسِ، ولم يُحَددْ درجةَ هذه الطائفةِ.
التعريف الثامن: التزامُ غيرِ المجتهدِ مذهبَ مجتهدٍ واحدٍ، لا يخرج عنه.
وهذا التعريفُ هو ما يُفهمُ مِنْ سياقِ الدكتور سعد الشثري؛ إِذْ يقولُ تحتَ عنوان: (التمذهب): "المرادُ بالمسألة: هلْ يجبُ على مَنْ لم يبلغْ مرتبةَ الاجتهادِ التزامُ مذهبِ مجتهدِ واحدٍ، لا يخرجُ عنه" (٢).
وهذا التعريفُ تعريفٌ جيدٌ مِنْ جهةِ تحديدِه للمتمذهبِ، ويُؤْخَذُ عليه:
أولًا: تقييدُه للتمذهبِ بعدمِ الخروجِ عن المذهبِ، وهذا يعدُّ وجهًا للتمذهبِ، في حينِ أنَّ مِن التزمَ مذهبًا، وخَرَجَ عنه في بعضِ المسائلِ، فإِنَّه متمذهبٌ، وغيرُ خارجٍ عن حقيقةِ التمذهبِ؛ بدليل: أنَّ مِنْ أتباعِ المذاهبِ مَنْ خالفَ إِمامَه في مسائل؛ لدليلٍ اقتضى المخالفة، ولم يخرجوا عن التمذهبِ بمذهبِ إِمامِهم (٣).
стр. 79
ثانيًا: لم يُبَيّن محلَّ الأخذِ بمذهبِ المجتهدِ، أهو في الفروعِ فقط، أم في الأصولِ والفروعِ؟
التعريف التاسع: التزامُ العامي مذهبًا معيّنًا، يأخذُ برخصِه وعزائمِه.
وهذا تعريف الشَّيخ عبد الله آل خنين (١).
وقد قَصَرَ التمذهبَ على العامي فقط، وهذا محلُّ نظرٍ؛ لأمرين:
الأمر الأول: عدمُ صحةِ التمذهب مِن العامي - على خلافٍ في المسألةِ - إِلَّا إِذا أرادَ بالعامي مَنْ عدا المَجتهد.
الأمر الثاني: ما ذكره يُعَدُّ وجهًا للتمذهبِ، وليس التمذهبُ مقتصرًا عليه، كما تقدمَ التنبه عليه قبلَ قليلٍ.
التعريف العاشر: ذَكَرَ الشيخُ محمد العثيمين تفصيلًا لمعنى التمذهبِ - ضمّنه بيانَ حكمِه - فأطلقَ التمذهبَ على التزامِ الإِنسانِ مذهبًا معيّنًا؛ بحيثُ يُعْرِضُ عمَّا سواه، سواءٌ أكان الصوابُ في مذهبِه، أم مذهب غيره؛ وعلى الانتساب إِلى مذهبٍ معيّنٍ؛ لينتفعَ بما فيه مِن القواعدِ والضوابطِ، لكنْ مع ردِّ ذلكَ إِلى الكتابِ والسنةِ (٢).
وحاصلُ كلامِه، أنَّ التمذهبَ يطلقُ على مِن التزمَ مذهبًا معينًا، ولم يخرجْ عنه، وعلى مَن انتسبَ إِلى مذهبٍ معيّنٍ - لينتفعَ بقواعدِه وضوابطِه - وخَرَجَ عنه؛ لمخالفتِه الدليلَ.
التعريف الحادي عشر: اتخاذُ عالمٍ مذهبَ مجتهدٍ مذهبًا له، يتَّبِعُه ويلتزمه في الأصولِ والفروعِ، دونَ غيرِه مِن مذاهبِ المجتهدين الآخرين، أو انتسابًا فقط.
стр. 80
وهذا تعريف الدكتور جبريل ميغا (١).
ويقولُ مُوْضِحًا تعريفَه: "فواضحٌ - مِنْ خلالِ هذا التعريفِ - أنَّ التمذهبَ إِنَّما يصحُّ ممَّنْ هو قادرٌ على التعرّفِ على مذهب إِمامِه مِنْ بين المذاهب الأخرى، وقادرٌ على الاستدلالِ له، والانتصارِ له، فهو اقتداءٌ عن وَعْي وعَلْم بمذهب إِمامِه: أصولًا وفروعًا، أو اقتداءٌ بمجرَّدِ الانتساب والانتماءِ" (٢).
وهذا التعريفُ - مِنْ وجهةِ نظري - مِنْ أجودِ التعريفاتِ وأسلمِها، وإِنْ كان تعبيرُه بلفظ: "عالم" محل نظرٍ؛ مِنْ جهةِ عدمِ تحديدِ مرتبةِ العالمِ، أهو المجتهد، أم من عداه ممَّنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ مِن المنتسبين إِلى العلم؟
التعريف الثاني عشر: اتباعُ إِمام اقتفى طريقةً معينةً في استنباطِ الأحكامِ الفرعيةِ مِنْ أدلتِها التفصيليةِ.
وهذا تعريف الدكتور وليد الودعان (٣).
ويَرِدُ على تعريفِه أمورٌ ثلاثةٌ:
الأمر الأول: يمكنُ الاستغناءُ عن قولِه: "اقتفى طريقة معينة ... "
بقولنا: مجتهدٌ مستقل؛ لأنَّ المجتهدَ مستقلٌ بأصولِه في استنباطِ الأحكام الفرعيةِ مِنْ أدلتِها التفصيليةِ.
الأمر الثاني: لم يتضح المقصودُ بقولِه: "طريقة معينة".
الأمر الثالث: لم يحددْ محلَّ اتِّباع الإِمام، أهو في الفروع وحدها، أم في الفروعِ والأصولِ؟
стр. 81
التعريف الثالث عشر: الانتسابُ لمذهبٍ معيَّنٍ، دونَ غيرِه مِن المذاهبِ.
وهذا التعريفُ هو ظاهرُ سياقِ الدكتور؛ أحمد الحجي الكردي؛ إِذْ يقولُ: "وعُرِفَ الاتجاه الَّذي يضمُّ المنتسبين لمذهبٍ معيَّنٍ، دون غيرِه بالتمذهبِ" (١).
وعلى التسليمِ باعتبارِ السياقِ السابقِ تعريفًا للتمذهب، فإِنَّه لم يحددْ في التعريفِ المتمذهبَ، ولا محلَّ التمذهبِ، أهو في الفَروعِ فحسب، أم في الأصولِ والفروعِ؟
التعريف الرابع عشر: التزامُ العامي، أو مَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ مذهبًا معينًا، ولا يخرج عنه إِلَّا بفتوى مجتهدٍ.
وهذا تعريفُ الباحثةِ مليكة صوالح (٢).
ويَرِدُ على تعريفها أمورٌ، منها:
الأمر الأول: عدمُ صحةِ التمذهب مِن العامي، على خلافٍ في المسألةِ، كما سيأتي الحديثُ عنه في مسألةٍ مستقلةٍ.
الأمر الثاني: في التعريفِ تكرارٌ؛ لأنَّ قولَها: "مَنْ لم يبلغ درجة الاجتهاد" يغني عن قولِها: "العامي"؛ لأنَّ العامي ممَّنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ.
الأمر الثالث: لم تُحدد الباحثةُ محلَّ التمذهبِ.
الأمر الرابع: قولُها: "ولا يخرج عنه إِلَّا بفتوى مجتهد": لم تُحددْ درجةَ المجتهدِ، أهو المجتهدُ المطلقُ، أم المجتهدُ المقيَّدُ؟
стр. 82
ثم حصرُ الخروجِ عن المذهبِ بفتوى المجتهدِ، محلُّ نظرٍ؛ فقد يخرجُ المتمذهبُ عن مذهبِه؛ لنظرِه في الأدلةِ، إِذا كان ذا أهليةٍ.
التعريف الخامس عشر: أنْ يقلدَ مَنْ لم يبلغْ درجةَ النظرِ والاجتهادِ في علومِ الشريعةِ، مذهبًا مِن المذاهب الفقهيةِ المعتبرةِ يأخذُ برخصِه وعزائمِه، ولا يقلِّد غيرَ أهلِه.
وهذا تعريفُ الدكتورِ عطية فياض (١).
ويَرِدُ على التعريف عدةُ أمورٍ، منها:
الأمر الأول: يدخلُ في عمومِ التعريفِ العامِيُّ الصرفُ، ومِنْ وجهةِ نظري لا يصح التمذهب مِن العامي وإِن ادّعاه، وسيأتي الحديثُ عن مذهب العامي في مسألةٍ مستقلةٍ.
الأمر الثاني: أنَّه حَصَرَ التمذهبَ بالأخذِ بمذهبٍ فقهي معتبرٍ، والواقعُ أنَّه يصحُّ تصورُ التمذهب بمذهبٍ فقهي غيرِ معتبرٍ.
الأمر الثالث: جَعَلَ مِنْ حقيقةِ التمذهبِ أنَّ المتمذهبَ لا يقلِّدُ غيرَ مذهبِه، وهذا وإِنْ كان مِنْ أحكامِ التمذهب - فالأَولى عدمُ ذكرِه في التعريفِ - إِلَّا أنَّه قد ينازَعُ فيه، مِنْ جهةِ أن الخَروجَ عن المذهبِ في بعضِ المسائلِ لا ينافي التمذهبَ.
التعريف السادس عشر: اتِّباعُ إِمامٍ مِن الأئمةِ المجتهدين.
وهذا تعريفُ الدكتور عبد الرَّحمن الجبرين (٢).
ويَرِدُ على التعريف عدةُ أمورٍ، منها:
الأمر الأول: لم يُحددْ في التعريفِ درجةَ الاتباع، أهي في كل المسائل، أم في أغلبِها؟
стр. 83
الأمر الثاني: مدارُ التمذهب - مِنْ وجهةِ نظري - قائمٌ على الالتزامِ، فالإِتيانُ بلفظِ: "الالتزام" أدلُّ علىَ المرادِ مِن الإِتيانِ بلفظِ: "الاتباع".
الأمر الثالث: لم يُحدّد في التعريفِ المتَّبِع، أهو العامي، أم المجتهد، أم المتعلم الَّذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهاد؟
الأمر الرابع: لم يُحددْ في التعريف محلّ التمذهبِ.
التعريف المُخْتَار:
مِنْ خلالِ تأمُّل التعريفاتِ المتقدمةِ أجدُ أنَّ أقربَها هو التعريف
الحادي عشر، لكنْ مع بعض التعديل، فالتمذهب هو: التزامُ غيرِ العامي مذهبَ مجتهدٍ معيَّنٍ في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدِهما، أو انتسابُ مجتهدٍ إِليه.
شرح التعريف:
- "التزام" الالتزام هو: التصميمُ على التمسكِ بمذهبِ المجتهدِ (١)، أو: التصميمُ على أنْ لا يأخذَ فيما يقعُ له من أمورٍ إِلَّا بمذهبٍ معيَّنٍ (٢).
ويأتي الالتزامُ على صورتين:
الصورة الأولى: الالتزامُ بالمذهبِ، مع عدمِ الخروجِ عنه.
الصورة الثانية: الالتزامُ بالمذهبِ - في الجملة - مع الخروجِ عنه، لمسوّغٍ، كما لو كانَ المذهبُ على خلافِ الدليلِ (٣).
- "غير العامي"، قيدٌ خَرَجَ به العاميُّ؛ لأنَّ العاميَّ لا مذهبَ له؛ إِذ حقيقةُ التمذهب إِنَّما تكونُ لأهلِ العلمِ، الذين يختارون مذهبًا على آخر؛ لأسبابٍ علميةٍ؛ كقوةِ أصولِ المذهبِ، أو قربِه مِن الأثرِ، وهذا وأمثاله لا
стр. 84
يتحقق مِن العامي (١)، وسيأتي الحديثُ عن تمذهبِ العامي في مسألةٍ مستقلةٍ.
ويدخلُ تحتَ هذا القيد: المجتهدُ، والعالمُ الَّذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، والمتعلمُ الَّذي ارتفع عن مرتبةِ العامي.
- "مذهب مجتهد"، تقدَّم تعريفُ المذهب فيما سَبَقَ.
والمجتهدُ هو الفقيه الَّذي استكملَ شروطَ الاجتهادِ (٢)، وسيأتي في مسألةٍ مستقلةٍ الحديثُ عن إِمام المذهب، وسأتحدثُ فيها عن تعريفِ المجتهدِ.
- "مجتهد"، قيدٌ خَرَجَ به مَنْ عداه؛ إِذ لا مذهبَ له.
- "معيّن"، أي: دونَ غيرِه مِن المجتهدين.
- "في الأصول"، أي: في أصول الفقه (٣)، وما يتبعها مِن القواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ، ممَّا يشاركُ أصولَ الفقهِ في التقعيدِ، وصورةُ التمذهبِ في الأصولِ أنْ يلتزمَ المتمذهبُ أصولَ إِمامِه وقواعدَه، ويسلك طريقَه في الاجتهادِ عند النظرِ في الفروعِ (٤).
- "والفروع"، أي: المسائلِ الشرعيةِ العمليةِ الَّتي لا يُعْلَمُ كونها مِن الدِّينِ بالضرورةِ (٥)، أو: هي المسائلُ الاجتهاديةُ مِن الفقه (٦).
стр. 85
- "أو أحدهما"، أي: أنَّ المتمذهبَ يلتزمُ أصولَ المذهبِ دونَ فروعِه، أو فروعَه دونَ أصولِه، وبناءً على هذا القيدِ يوجد عندنا ثلاثُ صورٍ:
الصورة الأولى: التزامُ المتمذهبِ أصولَ مذهبِ إِمامِه، وفروعَه.
الصورة الثانية: التزامُ المتمذهبِ أصولَ مذهبِ إِمامِه، دونَ فروعِه.
الصورة الثالثة: التزامُ المتمذهبِ فروعَ مذهبِ إِمامِه، دونَ أصولِهِ.
وقد يكونُ التزامُ المذهبِ في كلِّ واحدةٍ مِن الصورِ آنفة الذكرِ مع عدمِ الخروجِ عنه، أو مع الخروجِ عنه إِنْ ظَهَرَ الدليلُ على خلافِ المذهبِ.
- "أو انتساب مجتهد إِليه"، هذا القيدُ للعالم الَّذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ المطلقِ، وينتسبُ إِلى مذهبٍ معيَّنٍ، دونَ التزامٍ بأصولِ المذهبِ وفروعِه، ودونَ أنْ تُؤَثِّرَ هذه النسبةُ على آرائِه الأصوليةِ والفروعية.
نستخلص مما سبق:
أولًا: أنَّ التمذهبَ قد يقعُ مِن المجتهدِ، ويقعُ مِن العالمِ الَّذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، ومِن المتعلمِ الَّذي ارتفعَ عن رتبةِ العامي.
ثانيًا: أنَّ محلَّ التمذهبِ في الفقهِ، وأصولِه.
ثالثًا: أنَّ التزامَ المذهبِ، والخروجَ عنه - إِنْ وُجِدَ ما يقتضي الخروجَ - لا ينافي حقيقةَ التمذهبِ، فيما ظَهَرَ لي، فالمهمُّ لوجودِ حقيقةِ التمذهبِ هو الالتزامُ بالمذهبِ في الجملةِ، فلو كان شخصٌ ما يقلِّدُ المفتين، أو العلماء مِنْ عدةِ مذاهب، فإِنَّه غيرُ متمذهبٍ، وإِنْ كان الإِطلاقُ اللغوي لا يمنعُ مِن وصفِه بالتمذهبِ (١).
стр. 86
رابعًا: قد يصاحبُ الالتزام بالمذهب معرفة أدلتِه في المسائلِ الأصوليةِ والفروعيةِ، وأدلةِ المذاهبِ المخالفةِ - وقد تؤدي تلك المعرفةُ إِلى مخالفةِ المذهبِ، أو نصرتِه - وقد لا يصاحبُ الالتزامَ بالمذهب معرفة الادلةِ، بل يقتصرُ على المسائلِ مجرّدةً عن أدلتِها.
العلاقة بين التعريف اللغوي للتمذهب والتعريف الاصطلاحي:
تظهر العلاقةُ بين التعريفِ اللغوي للتمذهب والتعريفِ الاصطلاحي مِنْ جهةِ دلالةِ الوزنِ الصرفي للتمذهب (تمفعل) على الاتخاذِ والظهورِ، وهذا المعنى متحققٌ في المعنى الاصطَلاحي للتمذهبِ؛ إِذ التمذهبُ أخذٌ لمذهبِ المجتهدِ وإِظهارٌ للالتزامِ به.
* * *
стр. 87
المبحث الثاني: العلاقة بين التمذهب، والمصطلحات ذات الصلة
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: العلاقة بين التمذهب والتقليد
المطلب الثاني: العلاقة بين التمذهب والاجتهاد
المطلب الثالث: العلاقة بين التمذهب والاتباع
المطلب الرابع: العلاقة بين التمذهب والتأسي
المطلب الخامس: العلاقة بين التمذهب والتعصب
المطلب السادس: العلاقة بين التمذهب والخلاف
المطلب السابع: العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب
المطلب الثامن: العلاقة بين التمذهب والصلابة في المذهب
стр. 88
تمهيد
هناك عددٌ مِن المصطلحاتِ والألفاظِ ذات صلةٍ بمصطلحِ التمذهب، ومِن المناسبِ لتحقيقِ معنى التمذهبِ الاصطلاحي بيانُ هذه الألفاظِ، وإظهار العلاقة بينها، وبين التمذهبِ.
المطلب الأول: العلاقة بين التمذهب والتقليد
قبلَ تجليةِ العلاقةِ بين مصطلحي التمذهبِ والتقليدِ، لا بُدَّ مِنْ بيانِ معنى التقليدِ في اللغةِ، والاصطلاحِ؛ لأتمكنَ بعدها مِنْ بيانِ العلاقةِ بينهما.
تعريف التقليد في اللغة:
التَّقْليدُ: مصدرٌ مِن الفعلِ الثلاثي: قَلَّدَ - بالتشديد - يُقالُ: قَلَّدَ يُقَلِّدُ تَقْلِيدًا، بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ في مصدرِ الثلاثي المشدّدِ العينِ إذا كان صحيحَ اللامِ، فإنَّ مصدرَه التَّفْعِيل (١).
والقَلْد أصله: الفَتْلُ (٢)، يُقال: قَلَدتُ الحبلَ، أقْلِدُه قَلْدًا، إذا فتلتُه (٣).
ولمادة: (قلد) عدة معان في اللغة، منها:
المعنى الأول: وضعُ الشيءِ في العنقِ، محيطًا به. يقولُ ابنُ فارسٍ: "القافُ واللامُ والدالُ أصلانِ صحيحانِ، يدلُّ أحدُهما على: تعليقِ شيءٍ
стр. 89
على شيءٍ، وليّه به" (١).
ومِنْ هذا المعنى: القِلادةُ التي في العنقِ، وجمعُها قلائد (٢)، يُقالُ: قَلّدَ فلانٌ فلانًا قِلادةَ سوءٍ، إذا هجاه بما يبقى عليه وسْمُه (٣)، ويُقالُ: قَلَّدتُ المرأةَ قلادةً، إذا جعلتُها في عنقِها (٤).
المعنى الثاني: الحظُّ والنصيبُ مِن الماءِ. يقول ابنُ فارسٍ: "والأصلُ الآخرُ القِلْدُ: الحظُّ مِن الماءِ، يُقالُ: سقينا أرضَنا قِلْدَها، أيْ: حظَّها، وسقتنا السماءُ قِلْدًا كذلك، أراد حظًّا" (٥).
ويقولُ ابنُ منظورٍ (٦): "القِلْد: الحظُّ مِن الماءِ، والقِلْدُ: سقْيُ السماءِ، وقد قلَّدَتْنا وسقتنا السماءُ قِلْدًا في كل أسبوعٍ، أيْ: مطرتنا لوقتٍ" (٧).
المعنى الثالث: التفويض. وهذا الاستعمالُ على سبيلِ المجازِ (٨)،
стр. 90
يُقالُ: أعطيتُه قِلْدَ أمري، إذا فوضتُه إليه (١)، وقَلَّدَه الأمرَ، أي: فوَّضه؛ كأنَّه رَبَطَ الأمرَ بعنقِه (٢)، ومنه: تقليدُ الولاةِ الأعمال (٣).
ومنه أيضًا: قول الشاعر (٤):
فقلِّدوا أمرَكم لله دَرُّكُمُ ... رَحْبَ الذِّراعِ بأمرِ الحربِ مضطلعا
المعنى الرابع: اللّزوم. واستعمالُ التقليدِ بمعنى اللزومِ استعمالٌ مجازي (٥)، يُقالُ: قَلَّدَه الأمرَ، أيْ: ألزمه إيّاه (٦)، ومنه: حديثُ النبي ﷺ (قَلِّدُوا الخيلَ، ولا تُقَلِّدُوها الأوتارَ) (٧)، أيْ: اجعلوا طلبَ أعداءِ الدِّين،
стр. 91
والدفاعَ عن المسلمين لازمًا لها في أعناقِها لزومَ القلائدِ للأعناقِ (١).
تعريف التقليد في الاصطلاح:
تعددتْ تعريفاتُ الأصوليينَ للتقليدِ، وليس المقامُ هنا مقامَ استقصاءٍ وبسطٍ لها؛ لذا سأذكرُ أبرزَ التعريفاتِ مِنْ وجهةِ نظري؛ لأبيّنَ في ضوئِها العلاقةَ بين التمذهب، والتقليدِ.
أشارَ إمامُ الحرمين الجويني (٢)، وبدرُ الدينِ الزركشي (٣) إلى أنَّ تعريفاتِ الأصوليين للتقليدِ سارتْ في أحد اتجاهين:
الاتجاه الأول: قبولُ قولِ القائلِ، مع عدمِ معرفةِ مستندِ قولِه.
الاتجاه الثاني: قبولُ القولِ الذي ليس له حجةٌ.
ويترتب على هذين الاتجاهين: دخولُ أخذِ العامي قول العالمِ في مسمَّى التقليدِ:
стр. 92
فعلى الاتجاهِ الأول: يُعَدُّ تقليدًا، وعلى الاتجاهِ الثاني: لا يُعَدُّ تقليدًا.
وقبلَ عرضِ التعريفاتِ، أُبيّنُ أنَّ هناك مسائلَ اختُلفَ في دخولِها تحتَ حقيقةِ التقليدِ، وعلى رأسها: العملُ بقولِ النبي ﷺ ، هل يُسمَّى تقليدًا (١)؟ والأخذُ بقولِ المجمعين (٢)، والأخذُ بقولِ الصحابي (٣)، وأخذُ القاضي بقولِ الشهودِ (٤)، هل يُسمَّى - ما تقدم - تقليدًا؟
ونظرًا لأنَّ المقامَ ليس مقامَ عرضٍ للخلافِ في المسألةِ، فإنِّي سأسيرُ على القولِ المشهورِ - وهو قولُ الأكثرِ (٥) - وهو أنَّ الأخذَ بما تقدّمَ ذكرُه آنفًا ليس بتقليدٍ.
من التعريفاتِ التي سارتْ في الاتجاه الأول:
التعريفُ الأولُ: قبولُ قولِ القائلِ، وأنتَ لا تدري مِنْ أين قاله؟
وهذا تعريفُ القفالِ الشاشي (٦)، وقد ذكره إمامُ الحرمين الجويني في
стр. 93
كتابِه: (البرهان) (١).
التعريفُ الثاني: أخذُ القولِ مِنْ غيرِ معرفةِ دليلِه.
وهذا تعريفُ تاجِ الدينِ بنِ السبكي (٢).
وجليٌّ شمولُ التقليدِ - في ضوءِ هذينِ التعريفينِ - لأخذِ العامي قولَ المجتهدِ، وأخذِ العامي قولَ عامي مثلِه، وأخذِ المجتهدِ قولَ عامي، وأخذِ المجتهدِ قولَ مجتهدٍ مثلِه.
التعريفُ الثالثُ: أخذُ مذهبِ الغيرِ، بلا معرفةِ دليلِه.
وهذا تعريفُ المرداوي (٣)، وابنِ النجارِ الفتوحي (٤).
ويدخلُ تحتَ التعريفِ أخذُ العامي قولَ مجتهدٍ.
مِن التعريفاتِ التي سارت في الاتجاه الثاني:
التعريفُ الأولُ: اتباعُ مَنْ لم يقمْ باتباعه حجةٌ، ولم يستندْ إلى علمٍ.
وهذا تعريفُ القاضي أبي بكرٍ الباقلاني (٥).
يقولُ القاضي أبو بكرٍ الباقلاني معلِّقًا على هذا التعريفِ: "الذي نختارُه أنَّ ذلك - أي: أخذ العامي قول المجتهد - ليس بتقليدٍ أصلًا؟ فإنَّ قولَ العالمِ حجةٌ في حقِّ المستفتي؛ إذ الربُّ - تعالى وجلَّ - نَصَبَ قولَ العالم عَلَمًا في حقِّ العامي، وأوَجَبَ عليه العملَ به ... ويتخرّجُ لك مِنْ هذا الأصلِ أنَّه لا يُتَصوّر - على ما نرتضيه - تقليدٌ مباحٌ في الشريعةِ" (٦).
стр. 94
التعريفُ الثاني: قبولُ قولِ الغيرِ مِنْ غيرِ حجةٍ.
ذَكَرَ إمامُ الحرمين الجويني هذا التعريف في كتابِه: (البرهان) (١).
وقريبٌ منه تعريفُ أبي حامدٍ الغزالي؛ إذ عرَّفه بأنَّه: "قبولُ قولٍ، بلا حجةٍ" (٢).
وقريبٌ منهما تعريفُ الآمدي، إذ عرَّفَ التقليدَ بأنَّه: "العملُ بقولِ الغيرِ مِنْ غيرِ حجةٍ ملزمةٍ" (٣)، وقالَ عقيبه: "وعلى هذا، فرجوعُ العامي إلى قولِ المفتي لا يكونُ تقليدًا؛ لعدمِ عُرُوّهِ عن الحجةِ الملزمةِ" (٤).
وأنبّه إلى أنَّ بعضَ مَنْ سارَ مع أصحاب الاتجاه الثاني - كالموفقِ ابنِ قدامةَ؛ إذ عرَّفَ التقليدَ بأنَّه "قبولُ قولِ الغيرِ مِنْ غيرِ حجةٍ" (٥) - لم يقصدْ ما أرادَه أصحابُ الاتجاه الثاني، بلْ أرادَ المعنى الذي سار عليه أصحابُ الاتجاهِ الأولِ، وهو شمولُ التقليدِ لأخذِ العامي قولَ المجتهدِ (٦)، فيكونُ معنى تعريفِهم قبولَ قولِ الغيرِ مِنْ غيرِ أنْ تَعْرِفَ حجتَه (٧).
وقد أشارَ بعضُ الأصوليين: كالآمدي (٨)، وابنِ الحاجبِ (٩)، وابنِ الساعاتي (١٠)،
стр. 95
وابنِ الهمام الحنفي (١) إلى أنَّ الخلافَ في دخولِ أخذِ العامي قول المجتهدِ في حقيقةِ التقليدِ، خلافٌ لفظيٌّ، لا أثرَ له.
وتعقب الشيخُ عبدُ الرزاق عفيفي ذلك، فقالَ: "ليس هذا مجرّد اختلافٍ في العبارةِ والاصطلاحِ، بل الاختلافُ بين حقائق مدلولاتِ تلك العباراتِ، يَتْبَعُه اختلافٌ في حكمِ بعضِها، واتفاقٌ على حكمِ بعضِ آخر" (٢).
ويتوجّه تعقّبُ الشيخِ عبد الرزاق عفيفي على مَنْ نَظَرَ في كلامِ الأصوليين في مسألة: (حكمِ التقليدِ)، دونَ معرفتِه باختلافِهم في حقيقتِه.
العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:
أشار بعضُ الأصوليينَ إلى العلاقةِ بينَ المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي، يقولُ القاضي أبو يعلى: "واشتقاقُه - أي: التقليد - مِنْ القلادةِ؛ لأنَّها تكونُ في رقبةِ الإنسانِ، فاشْتُقَّ التقليدُ منها؛ لأنَّه إذا قَبِل قولَه فيما سأله، فقد قلَّد رقبتَه ذلك" (٣).
стр. 96
وجعل بعضُ الأصوليين المناسبةَ بين المعنيين مِنْ جهةِ أنَّ المقلِّدَ كأنَّه يطوِّق المجتهدَ إثمَ ما غشَّه به في دينِه، وكَتَمَه عنه مِنْ علمِه، إنْ كان المجتهدُ أخطأ في قولِه؛ أخذًا مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (١).
وقد أشارَ أبو الخطابِ إلى مناسبةٍ أخرى، فقالَ: "التقليدُ مشتقٌ مِنْ تطويقِ المقلِّد للمقلَّد ما يتعلقُ بذلك الحكمِ مِنْ خيرٍ وشرٍّ، كتطويقِ القلادة، وخصَّ بذلك؛ لأنَّ القلادةَ ألزمُ الملابسِ لعنقِ الإنسانِ، ولهذا يُقالُ للشيءِ اللازم: هذا عُنقُ فلانٍ، أيْ: لزومُه له كلزومِ القلادةِ ... وإنَّما سُمّي بذلك؛ لأنَّ المقلِّد يَقْبَلُ قولَ المقلَّدِ بغيرِ حجةٍ، فيلزمُ المقلِّد ما كان في ذلك القولِ مِنْ خيرٍ وشرٍّ" (٢).
العلاقةُ بين التمذهبِ والتقليدِ:
سَبَقَ وأنْ بيّنتُ اختلافَ الأصوليين في دخولِ أخذِ العامي قول المجتهدِ في حقيقةِ التقليدِ، وسأسيرُ هنا على القولِ القائلِ بأنَّه داخلٌ في حقيقةِ التقليدِ؛ لأنَّه قولُ معظمِ الأصوليين (٣).
يقولُ بدرُ الدينِ الزركشي: "مَنْ نَظَرَ كتبَ العلماءِ والخلافيين وَجَدها طافحةً بجعلِ العوامِّ مقلدين" (٤).
يجتمعُ التمذهبُ والتقليدُ في: أنَّ كلًا منهما أخذٌ لقولِ قائلٍ.
ويفترقُ التمذهبُ والتقليدُ في أمورٍ، منها:
الأول: التمذهبُ أخذُ قولِ إمامٍ مجتهدٍ، أمَّا التقليدُ، فهو أخذ لقولِ قائلٍ سواءٌ أكان القائلُ مجتهدًا، أم غيرَ مجتهدٍ.
стр. 97
الثاني: التمذهبُ أخذُ أقوالِ إمامٍ معيَّنٍ، أمَّا التقليدُ، فقد يكونُ الأخذُ فيه - عند تعدد الوقائع - عن مجتهدٍ معيّنٍ، وقد يكونُ عن عددٍ مِن المجتهدين.
الثالث: يمثِّلُ التمذهبُ منظومةً متكاملةً مِن الفقهِ وأصولِ الفقهِ والقواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ، أمَّا التقليدُ، فهو خالٍ عن هذه الأمورِ.
الرابع: يتفرع عن الثالثِ: أن التمذهبَ في كثيرٍ مِنْ صورِه طريقٌ للتفقه، أمَّا التقليدُ، فليس بطريقٍ للتفقه.
يقولُ القاضي عبدُ الوهاب المالكي (١): "والتفقهُ مِن التفهمِ والتبيّن، ولا يكونُ ذلك إلا بالنظرِ في الأدلةِ واستيفاءِ الحجةِ، دون التقليدِ؛ فإنَّه لا يُثْمِرُ عِلْمًا، ولا يُفْضِي إلى معرفةٍ" (٢).
ويقولُ - أيضًا -: "فإنْ قِيلَ: أتراكم تعتقدونَ مذهبَ مالك بنِ أنس ﵀ وتختارونه دونَ غيرِه مِنْ مذاهبِ المخالفين، وتُخبِرونَ عنْ صوابِه، وتَأمُرون مبتدئَ التفقهِ بدرسِه، فَخَبِّرُونا عنْ موجبِ ذلك عندكم، أهو تقليدُكم له، وأنَّكم صرتم إليه؛ لأنَّه قال؟ أو لأنَّ الدليلَ قامَ عندكم عليه؟
стр. 98
قيل له: إنَّا لم نصرْ إلى قولِه إلا وقد علمْنَا صحتَه، وعرفنا صحةَ الأصولِ التي بَنَى عليها، واعتمدَ في اجتهادِه على الرجوعِ إليها، فلمَّا عرفنا ذلك مِنْ مذهبِه اعتقدناه، وحَكَمْنَا بصوابِه" (١).
ويقولُ أحدُ المعاصرين: "وقد وجدنا لمَنْ يطلبُ الفقهَ - بالجلوسِ في حلقاتِ العلمِ - أنَّ أحكمَ طريقةٍ، وأسرعَ وأحسنَ وسيلةٍ تُوصِلُه إلى غايتِه، أنْ يتخذَ واحدًا مِن المذاهبِ الأربعةِ وسيلة للتفقهِ في الشريعةِ، أيْ: أنْ يتمذهبَ" (٢).
الخامس: لا يصحُّ التمذهبِ مِن العامي - على خلاف في ذلك، كما سيأتي الحديث عنه في مسألةٍ مستَقلةٍ - أمَّا التقليدُ، فيصحُّ مِن العامي.
السادس: التقليدُ أسبقُ في الوجودِ مِن التمذهبِ؛ إذْ وَقَعَ التقليدُ في عهدِ الصحابة ﵃، ولم يكنْ ثَمّةَ تمذهبٌ بالمعنى المعَهودِ.
السابع: أنَّ معرفةَ الدليلِ تُخرجُ مِنْ حقيقةِ التقليدِ - على خلافٍ في نوعِ هذه المعرفةِ - بخلافِ التمذهبِ، فإنَّ معرفةَ الدليلِ لا تُخْرِجُ عن حقيقةِ التمذهبِ.
الثامن: أنَّ التمذهبَ طريقٌ لمعرفةِ حكمِ النازلةِ؛ بتخريجِها على فروعِ المذهبِ أو على أصولِه، أمَّا التقليدُ، فليسَ بطريقٍ لمعرفةِ حكمِ النازلةِ.
نخلصُ مِنْ هذا إلى أنَّ مِنْ التمذهبِ ما هو تقليدٌ، ومنه ما ليسَ بتقليدٍ، فالأول هو التقليد المذهبي، والثاني هو الاجتهاد المذهبي، والذي يُمْكِنُ أنْ يُسمَّى بالاجتهادِ المشوبِ بالتقليدِ.
وإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والتقليدِ، نجدُ أنَّهما يجتمعان في شخصين:
стр. 99
الأول: الشخصُ غيرُ العامي الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، ويقلِّدُ إمامَه ومذهبَه، دونَ معرفتِه بدليلِه.
الثاني: المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهبِ الذي يأخذُ بقولِ إمامِ المذهبِ، دونَ معرفتِه بدليلِه.
وينفردُ التمذهبُ عن التقليدِ في: الشخصِ غيرِ العامي الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، ويأخذُ بقولِ إمامِه، مع معرفتِه بدليلِه.
وينفردُ التقليدُ عن التمذهبِ في: العامي الذي يأخذُ - بقولِ المجتهدِ، أو بقولِ عامي مثلِه.
وبناءَ على ما سبقَ، فالنسبةُ بين التمذهبِ والتقليدِ هي: العمومُ والخصوصُ الوجهي.
* * *
стр. 100
المطلب الثاني: العلاقة بين التمذهب والاجتهاد
قبلَ بيانِ العلاقةِ بين التمذهبِ والاجتهادِ، سأبَيّنُ المعنى اللغوي والاصطلاحي للاجتهادِ، ثمَّ بعدَ ذلكَ أعرضُ العلاقةَ بينهما.
تعريف الاجتهاد في اللغة:
الاجتهادُ: مصدرٌ مِن الفعلِ اجْتَهَدَ، يُقالُ: اجْتَهَدَ يَجْتَهِدُ اجْتِهَادًا.
والاجتهادُ مشتقٌ مِنْ الفعل: (جَهَد)، ولمادة: (جهد) معانٍ في اللغةِ، منها:
المعنى الأولى: المشقة (١). الجَهْدُ - بالفتح -: المشقةُ. يقولُ ابنُ فارس: "الجيمُ والهاءُ والدالُ أصلُه: المشقةُ، ثمَّ يُحملُ عليه ما يقاربُه، يُقَالُ: جَهَدْتُ نفسي، وأَجْهَدْتُ" (٢).
ويُقالُ: جَهِدَ دابتَه، وأَجْهَدَها، إذا حَمَلَ عليها في السيرِ فوقَ طاقتِها (٣).
يقولُ الليثُ (٤) الجَهْدُ: ما جهدَ الإنسانَ مِنْ مرضٍ، أو أمرٍ شاقٍّ، فهو
стр. 101
مجهودٌ" (١)
واستعمالُ الجَهْدِ بمعنى: المشقةِ، بفتحِ الجيمِ فقط، فلا يأتي الجُهْدُ بمعنى: المشقةِ. يقولُ ابنُ الأثيرِ (٢): "قد تكررَ لفظُ: (الجَهْدِ)، و (الجُهْدِ) في الحديثِ كثيرًا، وهو بالضمِّ: الوسْعُ والطاقةُ، وبالفتحِ: المشقةُ ... فأمَّا في المشقةِ، فالفتحُ لا غير" (٣).
المعنى الثاني: الطاقة والوسع (٤). الجُهْدُ - بالضم -: الطاقةُ والوسعُ، يُقالُ: اجْهُدْ جُهْدَك، أيْ: طاقتك، وهذا جُهدِي، أيْ: طاقتي (٥).
يقولُ الفراءُ (٦):
стр. 102
"الجُهْدُ - با لضم -: الطاقةُ" (١). ويقولُ الجوهريُّ (٢): لا "الجَهْدُ، والجُهْدُ: الطاقةُ" (٣).
ومنه: قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٤).
فالجُهدُ - بالضم - يستعملُ بمعنى: الطاقةِ، وقد اختلفَ العلماءُ في استعمالِ الجَهْد - بفتح الجيم - بمعنى: الطاقةِ على قولين:
القول الأول: لا يأتي الجَهْدُ بمعنى: الطاقةِ.
القول الثاني: يأتي الجَهْدُ بمعنى: الطاقةِ، فيكونُ في الجهدِ الذي بمعنى: الطاقةِ، لغتانِ: الضمُّ، والفتحُ (٥).
ويتصلُ بهذا المعنى تفسيرُ الجَهْدِ - بالفتحِ - بالغايةِ، أو ببلوغِ الغايةِ.
стр. 103
قال ابنُ السكّيت (١) والفراءُ: "الجَهْدُ: الغايةُ" (٢).
تقولُ: اجْهَد جَهْدَك في هذا الأمرِ، أيْ: ابلغْ فيه غايتَك (٣).
يقولُ الفراءُ: "الجَهْدُ - بالفتحِ - مِنْ قولِك: اجْهَدْ جَهْدك في هذا الأمرِ، أيْ: ابلغْ فيه غايتَك" (٤).
والجَهْدُ: بلوغُ غايةِ الأمرِ الذي لا تألو عن الجهدِ فيه (٥)، تقول: جَهِدْتُ جَهْدِي، واجتهدتُ برأي وبنفسي حتى بلغتُ مجهودي (٦).
واستعمالُ الجَهْدِ في هذا المعنى، بفتحِ الجيمِ (٧).
وقد ذكرَ بعضُ الأصوليين تعريفًا لغويًا للاجتهاد، فمِنْ هذه التعريفاتِ، ما أوردَه الفخرُ الرازي، إذ عرَّف الاجتهادَ في اللغةِ بأنَّه استفراغُ الوسعِ في أيِّ فعلٍ كان (٨)، يُقالُ: استفرغَ وسعَه في حملِ الثقيلِ،
стр. 104
ولا يُقال: استفرغَ وسعَه في حملِ النواةِ (١).
وسببُ قصرِ الرازي الاجتهادِ في اللغةِ على ما فيه مشقةٌ وكلفةٌ فحسب؛ أنَّ مِنْ ضرورةِ كونِ الاجتهادِ استفراغًا للوسع أنْ لا يكونَ إلا فيما فيه مشقةٌ وكلفةٌ (٢).
وقد وافقَ الفخرَ الرازيَّ على هذا المعنى جمعٌ مِنْ الأصوليين، منهم: ابنُ قدامةَ (٣)، والآمديُّ (٤)، والطوفيُّ (٥)، وتاجُ الدينِ بنُ السبكي (٦).
تعريف الاجتهاد في الاصطلاح:
تعددتْ تعريفاتُ الأصوليينَ للاجتهادِ في الاصطلاح، وهي - في الجملة - متقاربةٌ، وسأعرضُ عددًا مِنْها:
التعريفُ الأولُ: بذلُ الجهدِ في استخراجِ الأحكامِ مِنْ شواهدِها الدالّةِ عليها، بالنظرِ المؤدي إليها.
وهذا تعريفُ أبي المظفرِ السمعاني (٧).
التعريفُ الثاني: بذلُ المجهودِ في طلبِ العلمِ بأحكامِ الشريعةِ.
وهذا تعريفُ أبي حامد الغزالي (٨).
وقد ذكره ابنُ قدامةَ مع اختلافٍ يسيرٍ، فعرّفه بأنَّه: بذلُ المجهودِ في العلمِ بأحكامِ الشرعِ (٩).
стр. 105
التعريفُ الثالثُ: استفراغُ الوسعِ في طلب الظنِّ بشيءٍ مِنْ الأحكامِ الشرعيةِ، على وجهٍ يحسُّ مِنْ نفسِه العجزَ عن المَزيدِ عليه.
وهذا تعريفُ الآمدي (١).
وقد عرَّفَ ابنُ الحاجبِ الاجتهادَ يتعريفٍ قريبٍ مِنْ تعريفِ الآمدي، فعرَّفه بأنَّه: استفراغُ الفقيه الوَسعَ؛ لتحصيلِ ظنٍّ بحكمٍ شرعي (٢).
التعريفُ الرابعُ: استفراغُ الجهدِ في دَركِ الأحكامِ الشرعيةِ.
وهذا تعريفُ تاجِ الدِّينِ الأرموي (٣).
واختاره: القاضي البيضاوي (٤)، إلا أنَّه أبدلَ لفظةَ: (الجهدِ) بـ (الوسعِ).
التعريفُ الخامسُ: استفراغُ الفقيه وسعَه لدَركِ حكمٍ شرعي.
وهذا تعريفُ ابنِ مفلحٍ (٥)، والمرداوي (٦)، وابنِ النجارِ (٧).
التعريفُ السادسُ: بذلُ الوسعِ في نيلِ حكمٍ شرعي عَمَلي، بطريقِ الاستنباطِ.
стр. 106
وهذا تعريفُ بدرِ الدِّينِ الزركشي (١).
وذَكَرَ الشوكانيُّ أنَّ بعضَ الأصوليين زاد على تعريفِ الزركشي، لفظةَ (الفقيه)، فيكون التعريفُ: بذلُ الفقيه الوسعَ في نيلِ حكمٍ شرعي عملي، بطريقِ الاستنباطِ (٢).
وهناك تعريفاتٌ اصطلاحيةٌ أخرى للاجتهادِ، لم أُوردْها؛ لأن المقامَ ليس مقامَ بسطٍ واستقصاءٍ لها، وكذلك لم أقفْ مع التعريفاتِ السابقةِ، إذ ما مِنْ تعريفٍ إلا ووَرَد عليه اعتراضٌ أو أكثر، وأُجيبَ عن الاعتراضِ؛ وليس المقامُ مقامَ عرضِها، كما ذكرتُ آنفًا.
وأنبّه إلى أنَّ مقصدَ الأصوليينَ حين عرّفوا الاجتهادَ في المدونات الأصولية، هو الاجتهاد في الفروع (٣)؛ لذا يحسنُ اشتمال التعريفِ على قيدِ: فروعي أو عملي؛ لإخراجِ الأَحكامِ الشرعيةِ: الاعتقاديةِ، والأصوليةِ، على أن بعضَ الأصوليين أخرجَ الأحكامَ الاعتقاديةِ، والأصوليةِ بقيدِ: "حكم شرعي" على اعتبار أنَّ الحكمَ الشرعيَّ هو خطابُ الله المتعلقِ بفعلِ المكلفِ بالاقتضاءِ، أو التخييرِ، أو الوضعِ (٤).
ويمكنُ القولُ بأنَّ التعريفَ السادسَ مِنْ أجودِ تعريفاتِ الاجتهادِ، وقد اشتملَ على قيدِ: "بطريقِ الاستنباطِ"، وهو قيدٌ مهمٌ - لم يُذكرْ في التعريفاتِ قبله - وفائدته: إخراجُ بذلِ الوسعِ في نيلِ الأحكامِ مِن النصوصِ الدالّةِ عليها صراحةً، أو بحفظِ المسائلِ مِنْ كتبِ الفقهِ (٥).
стр. 107
العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي:
تظهرُ العلاقةُ بين التعريفِ اللغوي والتعريفِ الاصطلاحي مِنْ جهةِ: أنَّ المجتهدَ يبذلُ طاقتَه ووسعَه؛ للتوصّلِ إلى حكمٍ شرعي عملي، مع ما يصاحبُ هذا البذل مِنْ مشقةٍ.
فالمعنيانِ المذكورانِ في التعريفِ اللغوي مناسبانِ للمعنى الاصطلاحي، إلا أن المعنى الاصطلاحي مخصوصٌ ببذلِ الطاقةِ مِن المجتهدِ للتوصلِ إلى حكمٍ شرعي عملي، فالعلاقةُ بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ.
العلاقة بين التمذهب والاجتهاد:
بعدَ بيانِ معنى الاجتهادِ، أُبيّنُ العلاقةَ بين التمذهبِ والاجتهادِ في ضوءِ الآتي:
يجتمع التمذهب والاجتهاد في: أنَّ كلًّا منهما فيه بذلُ الوسعِ؛ لاستخراجِ حكمٍ شرعي عملي.
ويبرز الفرق بين التمذهب والاجتهاد في الآتي:
أولًا: ليس في الاجتهادِ التزامٌ لمذهبِ أحدٍ مِنْ المجتهدين، بخلافِ التمذهبِ، إذ مبناه على التزامِ مذهبِ مجتهدٍ معيّنٍ.
ثانيًا: في الاجتهاد تُؤخذُ أحكامُ الفروعِ مِن الأدلةِ، أمَّا في التمذهب، فقد تُؤخذُ أحكامُ الفروعِ مِن فروعِ المذهب أو مِنْ أصولِه، فالاجتهَادُ المذهبي اجتهادٌ مشوبٌ بالتقليدِ.
ثالثًا: الاجتهادُ سابقٌ في الوجودِ على التمذهبِ؛ إذ التمذهبُ التزامُ مذهبِ مجتهدٍ، ولا يتصور التمذهبُ إلا بعدَ وجودِ المَجتهدِ.
رابعًا: قد يكونُ بلوغ رتبةِ الاجتهادِ ثمرةَ التمذهبِ؛ إذ تَمَذْهب الشخصِ، وترقيه في سُلَّم العلمِ قد يوصله إلى رتبةِ الاجتهَادِ المطلقِ في الشريعةِ.
стр. 108
وإذا أردنا معرفة النسبة بين التمذهب والاجتهاد، نجد أنَّهما يجتمعان في: العالمِ الذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، وينتسب إلى مذهبِ إمامٍ معيّنٍ.
ومع كونِ التمذهبِ والاجتهادِ يلتقيانِ في الأمرِ الآنفِ الذّكرِ، إلا أنَّ هذا الالتقاءَ التقاءٌ اسمي فقط، ليس له أيُّ أثرٍ على آراء العالم؛ لأنَّ مَنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهاد، ونَسَبَ نفسَه إلى مذهبٍ فقهي، فحقيقةُ أمرِه أنَّه مجتهدٌ.
وينفرد التمذهب عن الاجتهاد في: المتمذهبِ الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ.
وينفرد الاجتهاد عن التمذهب في: المجتهدِ الذي لا ينتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ.
وفي ضوءِ ما سَبَقَ، يمكن القولُ بأنَّ النسبةَ بين التمذهبِ والاجتهادِ هي: المباينة.
* * *
стр. 109
المطلب الثالث: العلاقة بين التمذهب والاتباع
قبلَ توضيحِ العلاقةِ بين التمذهب والاتباعِ، سأعرضُ تعريفَ الاتّباع في اللغةِ ، والاصطلاحِ، ثم بعد ذلك أُبيّنُ العلاقةَ بين مصطلحي التمذهبِ والاتباعِ.
تعريف الاتباع في اللغة:
الاتِّباعُ: مصدر من الفعلِ اتبَعَ، يُقال: اتَّبَعَ يَتَّبعُ اتِّبَاعًا، وتَتَبَّعتُه اتِّباعًا، يقول سيبويه: "تَتبَّعته اتِّباعًا" (١)؛ لأنَّ تَتَبَّعتُ في معنى اتَّبَعتُ (٢).
وتَبِعْتَ القومَ تَبَعًا، وتَبَاعةً - بالفتح - إذا مشيتَ خَلْفَهم، أو مرّوا بك، فمضيتَ معهم (٣).
والاتِّباع كالتَّبَع (٤)، وتَابَعْتُه مُتَابَعَةً وتِبَاعًا (٥).
ومعنى مادةِ: (تبع): التلو والقفو. يقول ابنُ فارسٍ: "التاءُ والباءُ والعينُ، أصلٌ واحدٌ، لا يشذُّ عنه مِن البابِ شيءٌ، وهو التّلو والقفو، يُقالُ: تَبِعتُ فلانًا، إذا تلوتُه واتَّبَعتُه، وأَتْبَعته، إذا لحقْتُه، والأصلُ واحدٌ" (٦).
стр. 110
ويُستعملُ التبعُ في الظلِّ، فيُقالُ له: تُبْعٌ؛ لأنَّه تابعٌ أبدًا للشخصِ (١).
وتَتَبَّعتُ الشيءَ تتَبُّعًا، أيْ: تَطَلّبتُه متَتَبِّعًا له (٢).
واستعمالُ الاتّباعِ موضع التّتبع استعمالٌ مجازي (٣).
تعريف الاتباع في الاصطلاح:
اختلفَ العلماءُ في تعريفِ الاتباعِ في الاصطلاحِ، ومردُّ ذلك إلى سؤالٍ، وهو: هل هناك فرقٌ بين الاتباعِ والتقليدِ؟
فمَنْ لم يُفَرِّقْ بينهما، عرِّف الاتباعَ بالتقليدِ.
وقد سارَ على هذا الأمرِ كثيرٌ مِنْ الأصوليين.
ويدلُّ عليه: إتيانُ كثيرٍ مِن العلماءِ بلفظةِ: (الاتباع) عند تعريفِهم للتقليدِ (٤).
إضافةً: إلى عدمِ نصِّ كثيرٍ مِن الأصوليين على التفريقِ بين الاتباعِ والتقليدِ.
وممَّنْ سار على عدم التفرقة بينهما: القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (٥)، وإمامُ الحرمين الجويني (٦)، وأبو بكرٍ السمرقندي (٧)،