← Адаб

Адаб · id 670

القرط على الكامل

ابن سعد الخير

Полный текст (206 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن دور المسلمين الأندلسيين في نهضة الحضارة الأوربية عامة وتقدم العلوم والآداب العربية الأندلسية أمر بديهي وحقائق تاريخية ثابتة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها. فلولا المسلمون دخلوا الأندلس لإيقاظ أوربا النائمة في ذلك الوقت لتأخرت النهضة الأوربية العلمية الحديثة كما أنهم لو مكثوا فيها حاكمين وأقاموا بها مدة أخرى من الزمان محافظين على تراثهم العلمي والأدبي المضاع على أيدي الإفرنج، واستمروا في خدمة العلم والحضارة الأندلسية والنهوض بها، لاستنارت أوربا المظلمة في أقل وقت وأسرعه واتعجلت نهضتها الحديثة ولقطع موكب الحضارة البشرية مسافته البعيدة بخطوات مسرعة ولبلغ الإنسان ما يتمنى أن يبلغه من الأهداف والغايات بكل سرعة وسهولة ويسر. ولكنه يا للأسف ويا له من خسارة! قد وقعت وأصبحت الأندلس الإسلامية أسطورة من أساطير الماضي وعبرة من عبر التاريخ ولله در أوس حيث " المنسرح ": أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا

стр. 2

على كل حال فقد عرفت الأندلس في خلال الحكم الإسلامي بها تطورت مخلفته في العلوم ولآداب إلى جانب حضاري ملموس وذلك أسباب ووسائل أهمها: هجرة العلماء المسلمين من الشرق إلى الأندلس. بعثات الطلاب الأندلسيين إلى المراكز الثقافية الإسلامية في الشرق. هجرة الكتب والمؤلفات العربية من الشرق الإسلامي إلى الأندلس. كون العربية لغة البلاط والحكومة والشعب مما جعل العربية وعلومها وآدابها تتقدم وتزدهر تقدمها وازدهارها في العواصم الإسلامية الشرقية. أما أخصب العصور إنتاجا وأغزرها مادة فهما العصران عصر الخلافة الأموية وخاصة عصر الخليفتين الناصر لدين الله وابنه المستنصر بالله والعصر الثاني هو عصر ملوك الطواءف. وهذا العصر الأخير هو الذي يهمنا لأنه هو عصر صاحبينا أبى الوليد والوقشي وابن السيد البطليوسي فعلينا أن ندرس بعض الجوانب لهذا العصر ونلتقط منه بعض الصور الجميلة الرائعة حتى نعرف الجو الذي عاشا فيه قم ننتقل إلى ترجمتها والدراسة لآثارهما المجيدة. عصر الوقشي وابن السيد البطليوسي أبو محمد ابن السيد البطليوسي حياته، ومؤلفاته، وشيوخه، وتلاميذه صور من عصر ملوك الطوائف وبعض مميزاته يمتاز هذا العصر بكثرة الفتن والمعارك والحروب والاضطراب والبذخ والترف واللهو والخلاعة، كما أنه يمتاز بشدة الروح الدينية وازدهار الحركة الأدبية وكثرة العلماء والأدباء والشعراء، وشيوع فن الموشح في الشعر العربي الأندلس الذي ظهرت طلائعه في مطلع هذا العصر. أما عصر المرابطين، الذين حلوا محل ملوك الطوائف، فانه يمتاز بالتعصب الديني، وتسليط البرابرة وضعف الحركة الأدبية، وظهور الزجل من الشعر العامي. واستيلاء النساء والفقهاء على شؤون الدولة. وهذه صور ولقطات من الحياة في عصر ملوك الطوائف ١ - النظم الإدارية لم يحدث شيء جديد من النظام الإداري في عصر ملوك الطوائف، وإنما كانوا يسيرون على سنن الأمويين قبلهم حذو النعل بالنعل، وكانت نظمهم في الجملة نظما فردية جانحة إلى الاستبداد بكرامة الإنسان. ولقد أصاب الأستاذ الكبير إحسان عباس وأجاد حيث قال: " وليس هناك من تفاوت كبير بين هذه الإمارات فيما تنتهجه من نظم سياسية أو إدارية، فالسيد فيها ذو سلطان مطلق يميل في أغلب الأحيان إلى الاستبداد والاستهانة بالدماء وانتهاز الفرص، مع ميل إلى الاستكثار من أسباب الترف وضروب العمران. وهو يعتمد على وزير أو وزراء، من طبقة الكتاب، أو الفقهاء، وللوزير الكاتب مكانة هامة في الدولة لأنه اللسان المعبر عن سياستها وعلاقتها، بأسلوب لبق أو قوى. أما العلاقة بين هذا السيد والشعب، فهي علاقة الجباية، نظراً لحاجته إلى المال لإعداد الجند وغير ذلك من شؤون دولته وأسباب ترفه.

стр. 3

أما العلاقات بين هؤلاء الملوك والأمراء أنفسهم فقد كان أساسها وبناؤها على حذر ونفاق ومنافسة ومعاداة ومؤامرة، مما أشعلت به نار الفتن بينهم جميعا فأخذوا يتحاربون ويتطاحنون ويستمدون عددهم الأجنبي المتربص بهم الدوائر. وكان واحد منهم، إذا أحس بالقوة أو آنس في نفسه البأس، انقض على جاره الضعيف لتحقيق مجده الشخصي. فلم يكن أمام المغلوب الضعيف إلا طريقان أما أن يتخالف مع جار أقوى أو يستنصر من الإفرنج. وظل المر على ذلك ودسائس الفونس وغاراته تشتد، واضطراب العامة واستصراخهم يزيد، حتى لبى دعواتهم يوسف اللمتوني ليذيق ملوم الطوائف و " سيدهم " افونس بأسه، وفي خلال سنوات عديدة، دانت له الأندلس كلها وأصبح ملوك الطوائف عبرة من عبر التاريخ وأسطورة من أساطير الدهر. ٢ - الضعف والاضطراب الداخلي وكان عصر الطوائف هو أضعف العصور الإسلامية في الأندلس وأوهنها ففيه انقسمت البلاد، وتولى الحكم فيه بعض والضعفاء الحمقاء، الذين كانوا يفخرون بقرد أهداه إليهم ملك الأسبان. كما أنهم كانوا يدعونه ويسلمون إليه مقاليد المدن فيحتلها العدو، ويقتل أهلها، وينهب أموالهم كما فعل القادر ابن ذي النون بأهل طليطلة. وأضف إلى ذلك ما حدث في هذا العصور من الفتن والحروب التي قامت بين ملوك الطوائف أو الأجناس المختلفة، والاشتاط في تحصيل الضرائب، والصراع العنصري العنيف بين الجنسيات المتعادية. فكان نتيجة هذا الجو المضطرب المتموج ظهور الأشخاص الانتهازيين المغامرين المتعلقين في نواحي البلاد: " ولا سيما في بلاطات الملوك وقصور الأمراء، يتلمظون بانتظار فرصة وصفقة رابحة ولقمة سائغة ". ٣ - الروح الدينية المتشددة لم تزل هذه الروح تسود المجتمع الإسلامي في الأندلس في جميع أدوار التاريخ والسبب في ذلك يرجع إلى أمرين. أولهما أن المسلمين كانوا في بقعة تتأخمها المسيحية المتعادية لدينهم ووجودهم فكان لذلك أثر كبير في إذكاء الشعور الديني في نفوسهم والتعصب لعقيدتهم، كما نرى عند المسلمين في شبه القارة الباكستانية الهندية. فان هذا التحمس الشديد للإسلام والمناضلة دونه كان كله كرد فعل لتعصب الهنادكة وعدواتهم الكامنة ضد الإسلام والمسلمين في هذه الديار. ثاني الأمرين هي سيادة الفقهاء وقيادتهم. فان الأمير عبد الله بقول في مذكراته: " ولم تزل الأندلس قديما وحديثا عامرة بالعلماء والفقهاء وأهل الدين، وإليهم كانت الأمور مصروفة " إلا ما يلزم للملك من خاصته وعبيده وأجناده من الأخذ من واحد ودفعه لآخر لينخل بذلك عسكره ويتخير أفضله " وقد زادت هذه الروح شدة في عصر ملوك الطوائف، فقد كان الفقهاء يرجع إليهم في شئون الحياة، ومنهم الوزراء والكتاب، وإليهم كان الرأي والمشورة في شؤون الدولة، وكانت كلمتهم هي العلياء. وقد استبد بعضهم بالأمر فاقام دولة مستقلة من أمثال القاضي ابن عباد صاحب أشبيلية والقاضي ابن الجحاف صاحب بلنسية. وكان زهير العامري يشاور الفقهاء ويعمل بقولهم. وكان مجتهد العامري قد نصب بمحل ملكه خايفة دعا الناس إليه وهو الفقيه أبو عبد الله المعيطي وأخذ له على الناس البيعة في جميع عمله بدانية وميورقة وغيرهما، وقد كان هذا الفقيه يعبث بالناس ويستأثر بالفيء ويجاهر بالمعاصي. وقد استغل الفقهاء مكانتهم الدينية وسلطتهم السياسية فجمعوا الأموال الضخمة على حساب الرعية مما أثار حفائظ الشعب فأعلنوا ذمهم وتهكموا بهم وذمهم الشعراء وحملهم ابن حيان مسؤولية سقوط بلاد الإسلام وزوال الأمة وفسادها وأشركهم في ذلك مع الأمراء والملوك. ٤ - الترف والرخاء والبذخ ويمتاز هذا العصر بمظاهر الرخاء والبذخ والإسراف في شراء القينات، وبناء الدور، والقصور، وإنشاء الحدائق المثمرة، والرياضيات الناضرة، والبساتين الزهراة. وكان ذلك كله على حساب الرعية من الضرائب الباهظة المثقلة التي كانت تفرض عليها. ٥ - طرب واللهو والخلاعة

стр. 4

وقد كانت نتيجة هذا الترف، والبذخ، وكثرة الجواري، والغلمان أن انتشرت الخلاعة والمجون، وعمت مجالس اللهو والطرب، وساءت أخلاق العامة والخاصة، وفسد المجتمع الإسلامي، وانغمس الشعراء الكتاب في حمأة الدعارة، ونطقت ألسنتهم بأفحش الأقوال. وزاد الطين بلة إذا شجعهم الملوك والأمراء على ذلك، وشاركوهم في مجالسهم للطرب واللهو والأنس. حتى أننا نراهم قد بلغ فسقهم القمة إذ يقيمون هذه المجالس اللاهية في الليلة السابعة والعشرين من رمضان، الليلة المباركة التي يجب أن ينقطع فيها الإنسان المسلم إلى العبادة وذكر الله ، ويقول الفتح ابن خاقان: وأخبرني الوزير أبو الحسين بن سراج، وهو بمنزل الوزير أبي عامر بن شهيد، وكان من البلاغة في مدى غاية البيان، ومن الفصاحة في أعلى مراتب التبيان، وكنا نحضر مجلس شرابه ولا نغيب عن بابه، وكان له، بباب الصومعة من الجامع، موضع لا يفارقه أكثر نهاره، ولا يخليه عن نثر درره، وأزهاره. فقعد فيه ليلة سبع وعشرين من رمضان، في لمة إخوانه، وأئمة سلوانه، وقد ليقطفوا نخب أدبه، وهو يخلط لهم الجد بالهزل، ولا يفرط من انبساط مشتهر، ولا انقباض جزل، إذا بجارية من أعيان أهل قرطبة، معها من جواريها من يسترها ويواريها، وهي ترتاد موضعا لمناجاة ربها، وتبتغي منزلا لاستغفار ذنبها، وهي متنقبة خائفة، وممن يرقبها مترقبة، وأمامها طفل لها كأنه غض آس، أوضبي يمرح في كناس. فلما وقعت عينها على أبي عامر، ولت سريعة، وتولث مروعة، خيفة أن يشبب بها، أو يشهرها باسمها. فلما نظرها قال قولا فضحها به وشهرها. " المتقارب ": وناظرة تحت طي القناع ... دعاها إلى الله للخير داع سعت خيفة تبتغي منزلا ... بوصل التبتل والانقطاع وجالت بموضعنا جولة ... فحل الربيع بتلك البقاع أتتنا تبختر في مشيها ... فحلت بواد كثير السباع ٦ - العناية بالعلوم والآداب في هذا العصر جرت حادثتان في قرطبة فغيرنا مجرى التاريخ الإسلامي الأندلسي، أولهما موت الحكم المستنصر بالله الخليفة الأموي في سنة ٣٦٦ هـ. فتغلب ابن ابي عامر على مقاليد الحكم، وتدبير الملك، ثم أمر باخراج الكتب من الفلسفة، والمنطق وعلم النجوم، والكلام، غير ذلك، وإحراق بعضها، وطرح بعضها في الآبار ودفنها تحت التراب والحجارة، وكل ذلك كان تحببا إلى عوام الأندلس، وتقبيحا لمذهب الخليفة الراحل عندهم. فتنوهبت مكتبة المستنصر وخزانته الكبرى من نفائس الكتب، وانتشرت كتبه في أنحاء الأندلس، وتستر الناس بما كان عندهم من كتب العلوم المهجورة، إلى أن جاء أمر الله بظهورها، واصبح اهتمام العامة بالمكتبات، واقتناء الكتب في سائر البلاد الأندلسية، أمرا ملحوظا وأخذ الناس يتنافسون في ذلك. والحادثة الثانية هي موت ابن أبي عامر نفسه، ذلك الزعيم البطل، والأمير الموهوب، الذي يعتبر أعظم أمراء الأندلس، وأكبر قوادها، ذلك سنة ٣٩٣هـ والفترة التي تلت موته كانت فترة مضطربة جدا، تعاقب فيها خلفاء ضعفاء، الذين لم يكن لهم حظ من الخلافة والحكم إلا الأسماء والألقاب. وانتهى الأمر بثورة الولاة والحكام، وإعلان استقلالهم في كل مدينة. " ولما ثار ملوك الطوائف بعد انهيار الدولة الأموية وتفرقوا في البلاد، كان في تفرقهم اجتماع على النعم لفضلاء العباد، إذ نفقوا سوق العلوم، وتباروا في المثوبة على المنثور والمنظوم، فما كان أعظم مباهاتهم إلا قول: العالم الفلاني عند الملك الفلاني والشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم ونبهت الأمداح من مآثره ما ليس طول الدهر بنائم، وقد سمعت ما كان من الفتيان العامرية مجاهد ومنذر وخيران، وسمعت عن الملوك العربية، بنو عباد، وبنو صمادح، وبنو الأفطس، وبنو ذي النون، بنو هود، كل منهم قد خلت فيه من الأمداح ما لو مدح به الليل لصار أضواء من الصباح، ولم تزل الشعراء تتهاوى بينهم تهاوي النواسم بين الرياض، وتفتك في أموالهم فتكة البراض.

стр. 5

ويقول القاضي صاعد أنه لما " انقرضت دولة بني أمية من الأندلس، وافترق الملك من المسربين عليهم في صدر المائة الخامسة من الهجرة، وصاروا طوائف، واقتعد كل ملك قاعدة من أمهات البلاد، فاشتغل بهم ملوك الحاضرة العظمى فرطبة عن امتحان الناس، والتعقب عليهم، واضطراتهم الفتنة إلى بيع ما كان بقصر قرطبة، من ذخائر ملوك الجماعة، من الكتب، وسائر المتاع، فبيع ذلك بأوكس ثمن، قيمة، وانتشرت تلك الكتب بأقطار الأندلس، ووجد في خلالها أعلاق من العلوم القديمة، كانت قد أفلتت من أيدي الممتحنين بحركة الحكم أيام المنصور بن أبي عامر، وأظهر أيضا كل من كان عنده من الرعية شيء منها، فلم تزل الرغبة ترتفع من حين إلى حين في طلب العلم القديم شيئا فشيئا، وقواعد الطوائف تتمصر قليلا قليلا ". فأنت ترى أن موت الحكم كانت خسارة علمية وسياسية في نفس الوقت، تعرقلت به الحركة العلمية التي بدأت في عهود آبائه من الخلفاء وبلغت القمة في عهده، كما أن الخلافة الأموية في الأندلس ضعفت بموته حتى تزعزع بنيانها وانتقل الحكم من الأمويين إلى ابن أبي عامر، وأولاده، وأحفاده ومنهم انتقل الحكم إلى ملوك الطوائف. أما موت ابن أبي عامر فقد كانت خسارة سياسية فقط. فبموته شق عصا الجماعة وانبعثت الفتن وافتتحت أبواب الآلام على الأمة الإسلامية التي لم تزل تعاني الشدائد وتعالج المصائب إلى أن أنقذها يوسف بن تاشفين اللمتوني. لا شك أن هذه الخسائر الكبيرة، كان لها أثر بالغ، واسع المدى في حياة الأمة الإسلامية الأندلسية، ومستقبلها، إلا أن مجهودات الخليفة العلامة الحكم المستنصر، ومجهوات لآبائه، لم تذهب باطلا وإنما كللها الله تعالى بالنجاح والإثماء، فاستوى غرسها على سواقة وآتى أكله. فقد كانت الأندلس، في خلال القرون الثلاثة أو الأربعة من الحكم الإسلامي، قد استكملت شخصيتها العلمية والأدبية وتهيأت للنشاط الأدبي والبحث العلمي، وباتت تنافس بغداد والمشرق كله في العلوم والآداب وجميع ألوان المعرفة وأصبحت كل عاصمة من عواصم ملوك الطوائف مركزا من المراكز الثقافية والعلمية والأدبية، واستطاعت دول الطوائف، على الرغم تطاحنها، أن تعيد بهاء الحضارة الأندلسية في قصورها، ومجتمعاتها، وعرفت الأندلس في هذه الحقبة المضطربة من تاريخها، طائفة من العلماء والأدباء والشعراء والفلاسفة، قد سار بذكرهم ركبان وخلدت أسمائهم أمجادهم من الكتب والمؤلفات ولا يسعنا ضيق الوقت والمكان أن نذكر أسمائهم وأسماء مؤلفاتهم أو نلم بتراجمهم وفضائلهم ومحاسنهم، إلا أن القليل يشفي الغليل، ويغنى عن الكثير، فمن هؤلاء الأعلام يوسف بن عبد الله أبو عمر ابن عبد البر المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، وسليمان بن خلف أبو الوليد الباجى المتوفى سنة ٤٧٤هـ في علوم الحديث، وأبو غالب تمتم بن غالب المعروف بابن التبانى المتوفى سنة ٤٣٦ هـ، صاحب " تلقيح العين " وعلى بن إسماعيل أبو الحسن ابن سيده المتوفى سنة ٤٥٨ هـ. صاحب " المحكم " و " المخصص " في علوم اللغة، وابن حيان المتوفى ٤٦٩ هـ في التاريخ، وصاحبنا ابن السيد اليطليوسى المتوفى ٥٢١ هـ في النحو، والفقيه أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم المتوفى ٤٥٦ هـ، وعبد الله بن احمد السرقسطى المتوفى سنة ٤٤٨ هـ، وصاحبنا أبو الوليد الوقشي المتوفى ٤٨٩ هـ في علوم المنطق والفلسفة والهندسة والرياضى، والشعراء من أمثال ابن زيدون المتوفى ٣٦٢ هـ، وابن عبدون المتوفى ٥٢٠ هـ، وابن بسام صاحب الذخيرة المتوفى ٤٠٣ هـ، وزميله ومعاصره محمد بن عبد الغفور الكلاعى صاحب " أحكام صنعه الكلام " ورسالة " الساجعة " و " الغربيب " في تاريخ الشعر والشعراء والنقد الأدبي.

стр. 6

إلا أن العصر المرابطى، الذي تلا عصر الطوائف، لم تكن فيه مكانة للعلوم، ولا سيما الأدبية منها، وذلك للروح الدينية المتشددة السائدة في هذا العصر، ولبعد الأمراء عن الذوق الشعري والأدبي. وكانوا مع ذلك لا يتعففون عن أموال الناس كما كان يتعفف عنها أمير المسلمين، وإنما كانوا قد شمروا عن أسؤقهم للتزيد من الثروة والمكاسب وقد شاركهم في ذلك النساء والفقهاء فأفسدوا على الأمة كل شيء من دينهم ودنياهم وناهيك ما قاله عبد الواحد المراكشي في ذلك: " ولم يكن يقرب من أمير المسلمين، ويحظى عنده، إلا من علم الفروع، أعنى فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها، ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نسى النظر في كتاب الله، وحديث رسول الله ﷺ ، فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء، ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام، وكراهة السلف له، وهجرهم من ظهر عليه شئ منه، وأنه بدعة في الدين وربما أدى أكثره إلى الاختلال في العقائد، في أشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله، فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شئ منه، وتوعد من وجد عنده شئ من كتبه، ولما دخلت كتب أبى حامد الغزالي رحمة الله المغرب. أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد من سفك الدم، واستئصال المال، إلى من وجد عنده شئ منها، واشتد الأمر في ذلك ". وأضف إلى ذلك ما قاله أبو جعفر أحمد بن محمد المعروف بالنبي من أهل مدينة جيان كم جزيرة الأندلس، يهجو الفقهاء: " الكامل " أهل الرياء لبستمو ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم فملكتمو الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتو الأموال بابن القاسم وركبتمو شهب الدواب بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم أبو الوليد الوقشي حياته ومؤلفاته، وشيوخه، وتلاميذه أبو الوليد هشام بن أحمد الوقشي لا خلاف بين المصادر الشرقية والغربية في اسم الوقشي واسم أبيه وقد أجمعت ونصت على أنه هشام بن أحمد كما أنها لا تختلف في كنيته ونصت عليه كذلك أما نسب الوقشي يعد أبيه فان المراجع تختلف فيه اختلافا كثيرا وقد وقع في ذلك اضطراب كبير وتخليط فاحش ولا يمكن للقارئ أن يجزم القول فيه. فقد روى ابن بشكوال في الصلة أنه بن أحمد بن خالد بن هشام. وفي النسخة الأخرى من نفس الكتاب التي قرئت على المصنف أنه هشام بن أحمد بن هشام. وقال القاضي صاعد بن أحمد: إنه هشام بن أحمد بن خالد. وذكره القاضي عياض في مشيخة القاضي فيروز فقال: إنه هو هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد. وأما الضبي من المغاربة فاكتفى بذكر اسمه واسم أبيه فقد ولم يذكر المقري إلا اسمه وأهمل اسم أبيه أيضا. ويسرد ياقوت نسبه في الإرشاد فقال إنه هو هشام بن أحمد بن خالد بن سعيد. ويقول في البلدان عند ذكر مدينة وقش أنه هشام بن أحمد بن هشام. وهو عند السيوطي هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد. وقد زاد إسماعيل باشا البغدادي اسما آخر في نهاية عمود النسب فقال إنه هو هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد بن الوليد ولا نعرف مصدره الذي أخذ منه هذه الزيادة التي أخلت به جميع المصادر القديمة. وهو عند ابن حجر هشام بن أحمد بن هشام بن سعيد بن خالد. وقال الخوانسارى إنه هشام بن أحمد بن خالد بن سيد بن الوليد الكناني.

стр. 7

فانك ترى أن بعض المصادر لا تذكر نسبة بعد أبيه كما أن بعضها لا تتجاوز جده، على أنها تختلف في اسمه أهو خالد أم هشام أم سعيد، وأما النسب بعد جده ففيه كثير من الاضطراب والتخليط. وإننا نظن أن هذا الخلاف والاضطراب والتخليط. وإننا نظن أن هذا الخلاف الاضطراب يرجع إلى الخلاف والتخليط الذي وقع في التراجم المغربية وخاصة في نسخ الصلة لان معظم تراجم الوقشي عند المشارقة منقولة عن الصلة. وأجود الأقوال وأصحها عندنا في نسب الوقشي ما قاله القاضي عياض ونقله عنه ياقوت في البلدان لأنه يوافق ما جاء في نسخة الصلة المسوعة على المصنف وأيضا فيه زيادة حسنة من اسمين في عمود النسب بعد جده والقاضي عياض ثقة وهو من المغاربة وممن عاش في عصر قريب من العصر الذي عاش فيه الوقشي، وكفى تائيد لهذا القول اعتماد أربعة من نوابغ الشرق عليه من أمثال السيوطي، وياقوت وإسماعيل باشا البغدادي وألستاذ خير الدين الزركي. كنيته أما كنية الوقشي فلا اختلاف فيها بين المصادر المغربية والمشرقية، وقد أجمعت على أنه كان يكنى ابا الوليد. نسبه وأبو الوليد يعرف بالنسبتين وهما الكناني والوقشي. فالكناني يمكن أن تكون نسبة إلى قبيلة أو جد ثم إذا كانت النسبة إلى قبيلة فهل هو من كنانة قريش أم من غيرها من الكنانات. وقد ذكر السمعاني وابن الأثير الكثيرين من رجال العلم والأدب المنتسبين إلى كنانة ولكن لا إلى قبائلهم وإنما ينتسبون إلى ىبائهم وأجدادهم فمنهم رجل كان يعرف بخلف بن حامد الكناني الذي ولي القضاء بشذونه من أعمال طليطلة، وقد ازدهرت وتقدمت أسرة هذا الرجل ونشأ فيها عدد من الرجال النابهين توالوا مناصب القضاء وكانوا يعرفون بهذه النسبة ونرجع أن نسبة أبي الوليد ليست من هذا القبيل، وإنما هي نسبة إلى قبيلة كنانة بن خزيمة بن مدركة وذلك على أساس ما قاله المقري وابن الخطيب فالمقري يذكر أن عدد كبيرا من الرجال في الأندلس كانوا ينتسبون إلى عموم كنانة وان جلهم كانوا يسكنون في مدينة طليطلة وأعمالها وان من بينهم الوقشيون الكنانيون الأعيان الفضلاء وذكر فيهم القاضي أبا الوليد هشام والوزير أبا الحسين ابن جبير صاحب الرحلة وهو من ولد ضمرة بن بكر بن عبد مناة من كنانة. وابن جبير هذا هو صهر الوزير أبي جعفر الوقشي ابن أخي أبى الوليد هشام الوقشي. ويصرح لسان الدين ابن الخطيب أن ابن جبير كناني وهو كم كنانة بن خزيمة بن مدركة بت إلياس، وان أول من ورد الأندلس من أجداده هو عبد السلام الذي كان في عسكر بلج بن بشر القشيري الذي ولي الأندلس وذلك في محرم سنة ١٢٣هـ وكان نزوله بكورة شذونه من أعمال طليطلة. فهذا مما يوضع لنا جليا أن أبا الوليد الوقشي ﵀ كان من صميم العرب ومن قبيلة كنانة. والنسبة الثانية التي يعرف بها أبو الوليد هي " الوقشي " نسبة إلى وقش قرية بثغر الأندلس بينها وبين طليطلة اثنا عشر ميلا من المسافة. وقد ضبطها ياقوت. فقال " وقش بالفتح وتشديد القاف والشين معجمة، مدينة بالأندلس من أعمال طليطلة " ويقول الأستاذ عناية الله في " جغرافية الأندلس التاريخية " " أن وقش " huecas " مدينة في الأندلس الوسطى من أعمال طليطلة وان وقش كانت قبيلة من العدنانية ومن الممكن أن يكون قد بناها الناس من هذه القبيلة العربية فعرفت باسمها ". ولا ندري أصل الكلمة أهي عربية أم أسبانية كما أننا لا نجزم القول في تاريخ المدينة وبنائها. ولم يذكر الجغرافيون والمؤرخون العرب وغيرهم شيئا في هذا الباب غير الأستاذ عتاية الله وعليه العهدة، إلا أن هذه المدينة كانت عامرة في القرن الرابع الهجري لأننا نرى أبا نصر فتح بن إبراهيم الأموي المعروف بابن القشاري " ٣٣٢ - ٤٠٣هـ " من أهل طليطلة يبنى حصنا في مدينة وقش وذلك في زمن الأمير المنصور محمد بن أبي عامر. وذكر بعضهم أن عينا كان عند حصنها ونبشت في بعض السنين ليكثر ماؤها فكثرة فيها العلق كثرة مفرطة فنظروا فيما استخرجوه من نبشها، فإذا فيه علقة نحاس. وقد يذكر له نسبتان غير هاتين المذكورتين وهما الوحشي والوعلى كما وقع في الصلة وخطبة الطرر والحواشي وفي خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي. ولا نعرف أصلهما ولا نستطيع أن نقول فيهما شيئا، وقد تكون نتيجة لأوهام الناسخين والرواة. أسرته

стр. 8

أسرة الوقشي عريقة في العلم والأدب والفضل وقد نشأ فيها عدد من الأعيان الأفاضل، وحصلت لهم النباهة والشهرة ونالوا من المناصب والمكانة المرموقة والمكارم مالا يمكن إنكاره أو تجاهله، وقد اعترف به المؤرخون فمن هذه الأسرة الكريمة كان الوزير أبو جعفر وهو ابن أخي أبي الوليد الوقشي وابنه أبو الحسين ونقف قليلا عند ترجمتهما حتى نعرف ما لهذا الأسرة من النباهة والفضل والكرامة. أبو جعفر الوقشي هو أحمد بن عبد الرحمن أبو جعفر الوقشي من بيت القاضي أبي الوليد هشام بن أحمد الوقشي ووزير الرئيس ابي إسحاق ابن همشك وهو أحد الكفاة الأمجاد والدهاة الأنجاد. قام بأمر صاحبه ابن همشك أحسن قيام وكان ضابطا لأعماله مصلحا لأحواله. وهو ابن أخي صاحبنا أبي الوليد الوقشي كما يرى ابن الأبار وكما هو الظاهر من سلسلة نسبه. وكان ابن همشك استخلفه على جيان سنة ٥٥٧هـ حين لاذ بالفرار خوفا من جيش الموحدين فناب أحسن مناب من صاحبه آثر محل ولم يزل بعد ذلك يحسن الضبط لبلاده ويظهر الكفاءة في كافة محاولاته إلى أن اعتلق صاحبه ابن همشك بالدعوة المهدية ونابذ صهره محمد بن سعد وذلك في سنة ٥٦٢هـ. وعند ما اشتدت المعاداة والمنابذة بين ابن همشك وبين ابن سعد، وجه وزيره أبا جعفر هذا وافدا عنه إلى الموحدين في مراكش ومستصرخا على صهره وعدوه ابن سعد الذي كان قد وكئ أعماله ودوخها وتغلب على كثير من حصونه ومعاقله. ويبدو أن المساعدة الموحدية لصاحبه ابن همشك تأخرت كثيرا لأننا نراه قد وصل إلى مراكش ويهنئ أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن بن علي بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك من قصيدة طويلة مطلعها: تحن إليكم وافدات المواسم ... فتهدي إلى كفيكم تغر باسم ثم نراه يموت بمقالة صادرا عن مراكش في سنة ٥٧٤ وكان صاحبه أبو إسحاق ابن همشك قد مات قبله بمكناسة في سنة ٥٧٢هـ. وقد ذكر الشيخ أبو الربيع بن سالم أن أبا جعفر الوزير الوقشي كان يمر ببقيع مالقه فاستحسن ما رأى من زخرفة القبور به وأغراس الأشجار ذات النواوير والأزهار في أثناءها فتمنى أن يدفن هنالك فوفت القدار بأمنيته ووافته منيته فدفن هنالك. وكان الوزير أبو جعفر متكبرا تياها معجبا بنفسه وقال له يوما بعض ندماء ملكه، صاحب جيان ابن همشك، يا أبا جعفر؟؟؟ أنت جملة المحاسن، وفيك الأدوات العلية التي هي أهل لكل فضيلة غير أنك قد قدحت في ذلك كله بكثرة عجبك وإذا مشيت على الأرض تشمئز منها. فقال له كيف لا أشمئز من شيء أشترك معك في الوطئ عليه؟؟ فضحك من حضر من جوابه. وهو القائل في الكبر والإعجاب بنفسه " " الطويل " إذا لم أعظم قدر نفسي وأنني ... عليم بما حاوته منعظم القدر فغيري معذور إذا لم يبرني ... ولا يكبر الإنسان شيء سوى الكبر وله في هذا المعنى " الطويل " تكبر وإن كنت الصغير تظاهرا ... وباعد أخا صدق متى ما اشتهى قربا وكن تابعا الهر في حفظ أمره ... الست تراه عندما يبصر الكلبا وكانت تحته بنت ابن همشك فطلقها ثم ندم على ما فعل. وكانت له بنت تزوجها ابن جبير الرحالة وماتت بسبته فدفنها بها وقال فيها " المتقارب ": بسبتة لي سكن في الثرى ... وخل كريم إليها قد أتى فلو أستطع ركبت الهواء ... فزرت بها الحي والميتا وقد عده ابن الأبار من مفاخر الأندلس وقال فيه " وللوقشي تحقق بالإحسان وتصرف في أفانين البيان وكتابي المؤلف في أدباء الشرق المترجم بايماض البرق مشتمل على كثير من شعره وقال عنه الأستاذ الطباع: والدراس لشعر أحمد هذا يدرك رقة شاعريته وجمال عبارته وحنينه إلى زوجته التي غادرت منزله والتي كانت إلى الأمس القريب تملاء البيت إشراقاً. وكان شاعر الأندلس أبو عبد الله محمد بن غالب الرصافي البلنسي، الذي كان يقال له " ابن رومي الأندلس " لحسن اختراعه وتوليده، قد مدح الوزير المتكبر أبا جعفر الوقشي بقصيدة أولها " الكامل ": لمحلك الترفيع والتعظيم ... ولوجهك التقديس والتكريم ؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أبو الحسين الوقشي

стр. 9

هو علي بن أحمد بن عبد الرحمن بن احمد أبو الحسين الوقشي ابن الوزير أبي جعفر الوقشي المذكور آنفا، من العلماء الفضلاء والشيوخ المعدودين، روى عنه سالم بن صالح وأبو عمرو بن سالم " وكان آية الله في الظرف وكيف لا ووالده الوزير أبو جعفر وصهره أبو الحسن ابن جبير صاحب الرحلة وشيخه في الموسيقى والتهذيب والظرف والتدريب أبو الحسن بن الحاسب شيخ هذه الطريقة، وقد رزق أبو الحسين المذكور فيها ذوقا مع صوت بديع أشهى من الكأس للخليع ". وهو من لدات ابن سعيد المؤرخ الرحالة، وكانا يحضران في صباهما معا في مرج الخز ويقرضان الشعر ويصنعانه، ولهما قصة لطيفة مع المسن بن دويدة وكان معروفا بخفة الروح والمزاح والظرفة قد ذكرهما المقري مع شعرهما الذي قالا في وصف إوز كانت تسبح في الماء وتمرح في المرج النضير مرج الخز. وكان ابن سعيد يختلف إلى بيت أبي الحسين الوقشي ويرتاح إلى لقائه ارتياح العليل إلى شفائه وكان يتمتع بشعره وغنائه وموسيقاه الحلو. وكان أبو الحسين الوقشي أديباً ومغنيا مطربا في نفس الوقت ومن شعره " الطويل ": حننت إلى صوت النواعير سحرة ... وأضحى فؤادي لا يقر ولا يهدى وفاضت دموعى مثل فيض دموعها ... أطارحها تلك الصبابة والوجدا وزاد غرمي حين أكثر عاذلى ... فقلت له أقصر ولا تقدح الزندا أهيم بهم في كل واد صبابة ... وأزداد مع طول المعاد لهم ودا مولد أبى الوليد الوقشي إن المصادر التي وصلت إلينا، والتي استطعنا أن نستفيد منها في ترجمة الوقشي، لا تصرح بالمكان الذي ولد به، فقد ذكر ابن بشكوال أنه من أهل طليطلة، إلا أن قوله هذا لا يفيد في شيء عن مولده، فقد يكون أنه كان قد هاجر إليها، واستوطنها وأقام بها، فوهم ابن بشكوال أنه طليطلى وليس كذلك وإنما مولد الوقشي ومسقط رأسه هي مدينة وقش إلى كانت دار الوقشيين الكنانيين الفضلاء الأعيان منذ البداية، ولم تزل دارهم إلى الأجيال التي نشأت بعد أبى الوليد الوقشي رحمة الله. ومما يذهب بنا إلى هذا الرأى أن: المصادر وكتب التاريخ والتراجم والجغرافية والبلدان قد نصت أكثرها على أن أبا الوليد الوقشي أصله من مدينة وقش. أسرة الوقشي لم تزل تسكن وقش حتى موته، وكانوا يعرفون بهذه النسبة كابن أخيه الوزير أبى جعفر، وابنه أبى الحسين، اللذين قد مر ذكرهما. ثم أن أبا الوليد لم يذكر كطليطلى إلا قليلا نادرا، وإنما كان يعرف دلئما بالوقشي هذه النسبة محبوبة إليه، لأن وقش هي دار آبائه، ومسقط رأسه، بها ولد، ونشأ، وترعرع، ثم خرج منها طالبا للعلم. وأيضا استقضاؤه بمدينة طلبيرة، وهي أقرب إلى وقش يدل على أنه كان يحب أن يتولى هذا المنصب الجليل في مكان قريب من مسقط رأسه، ومسكن أسرته حتى يتمكن من زيارتهم ولقائه مت أراد، وهي سنة بشرية، لأن كل إنسان يحب العمل في مكان قريب من أهبه، وأسرته. وأما تاريخ مولده، فان المصادر تكاد تجمع على أنه ولد في مستهل القرن الخامس الهجري، سنة ثمان وأربعمائة، وهو الزمن الذي شق فيه عصا الجماعة وافترقت الأمة، وانبعثت الفتن، وانقسمت الأندلس الإسلامية إلى دويلات عرف أصحابها بملوك الطوائف. حياته حياة الوقشي، خاصة حياته الابتدائية، لا تزال سرا غامضا، لم يجله الباحثون ولم يوضحه المؤرخون، والمعلومات، التي حصلت لدينا عن حياته، قليلة ضئيلة جدا وأصحاب التراجم الذين ترجموا وكتبوا عن حياته من علماء الشرق والغرب، لم يتغلغل أحد منهم في التنقيب، ولم يتقدم في التحقيق، وإنما جرى المتأخر منهم مجرى المقدم من غير تمحيص ولا بحث. وأجل ما يمكننا استخلاصه من كلام القوم، المشارقة والمغاربة، عن حياة الوقشي هو أننا نراه يتنقل من بلد إلى آخر، ويتجول في البلاد الأندلسية لأغراض مختلفة. وليس في مقدرة باحث أن يحدد الوقت، ويضبط التاريخ لهذه الأحداث إلا أننا نستطيع أن تقسم حياته إلى أربعة أطوار. الطور الأول وهو عهد الطفولة، ولا نعرف شيئا عن هذا الطور من أطوار حياته، إذ لم يحدثنا التاريخ عن أبويه، ولن تعلافنا المصادر بيئته التي نشأ فيها وتأثر بها. الطور الثاني

стр. 10

وهو عهد شبابه، وزمان الدراسة والطلب والتحصيل، ولا نستطيع أن نحدد الوقت والتاريخ بالضبط والتقييد، كما أنا لا نستطيع أن نجزم القول في المدارس والمعاهد العلمية التي درس بها، وتعلم لأن التاريخ عاجز عن ذلك، وكتب التراجم قد أهملت هذه الناحية من نواحى حياته. إلا أننا قد عرفنا بعض الأساتذة الذين تلمذ لديهم الوقشي، وأخذ منهم العلم، واتصل بهم روايته، وسنده عي العلوم وآداب، ومنهم أبو عمر الطلمنكى، وأبو عمرو السفاقسى، وأبو عمر بن الحذاء، وأبو محمد الشنتجيالي وأبو محمد الأنصاري ﵏، وسنذكرهم في فصل مستقل من الفوصل الآتية، وتلم بتراجمهم إلماما، إن شاء الله. إننا نرى أن الوقشي كان قد أتم معظم دراساته بطلطيطة. ويدل على ذلك أن هؤلاء الأعلام المذكورين من أساتذة، كان جلبهم من علماء طليطلة القائمين بها بتدريس العلوم وروايتها، فان أبا عمر بن الحذاء كان قاضى طلطيلة الأفاضل والسفاقسى كان ورد الأندلس وطاف ببلادها نحو عامين، وذلك من ٤٣٦ هـ إلى ٤٣٨ هـ، ومن بين المدن، التي وردها السفاقسى فسمع الناس منه، كانت مدينة طليطلة، وكان الوقشي مقيما بها في سنة ٤٣٨ هـ كما صرح به القاضي صاعد، فلا بد أن سكون سماع الوقشي عن السفاقسي بطليطلة. الطور الثالث وهو عهد القضاء بمدينة طلبيرة، ومن الصعب أن نعرف بالضبط متى كان الوقشي قد استقضى بطلبيرة، وما هي الأسباب التي جعلته يحوز هذا المنصب الجليل، إلا أننا نقدر، على وجه الظن والتخمين، أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وذلك في عهد المأمون يحي بن ذي النون، ملك طليطلة، لأن الوقشي يسمع أبا عمرو السفاقسي بطليطلة بين ٤٣٦ هـ و ٤٣٨ هـ، ثم يراه القاضي صاعد، ويأخذ منه، سنة ٤٣٨ هـ وهو بطليطلة، ولأن الوقشي في ذلك الوقت كان تجاوز الثلاثين من عمره، وبلغ من العلوم بحيث قضى له الجميع في كل علم وفن، وكان قد احتوى علة فنون المعارف، وجمع لكليات العلوم، فأشتهر كأستاذ كبير، وعالم نابغة، وفقيه ناجح، ووصل صيته في جميع أنحاء الأندلس، وأصبح مرجعا في العلوم والآداب، وقبلة للطلاب الوافدين عليه من أقاصي البلاد، وقد يكون ذلك سببا لاتصال حباله بالمأمون ابن ذي النون، الذي كان قد جعله، من خاصته، وشاركه في مجالس أنسه، وأصبح أكيله وشريبه. ثم اختاره لقضاء طلبيرة في عهده. ولم يحدثنا التاريخ عن مدة قضائه بتلك المدينة، ألا أن بعضهم قد ذكر أن عبد الله بن فرحون، المتوفى سنة ٤٨٧هـ، " بعد أن نيف على الثمانين من عمره "، كان قد استقضى بطبيرة بعد أبى الوليد الوقشي، وهذا القول أيضا مجهول، ولا يساعدنا في تحديد الوقت ومعرفة التاريخ، كما أنن لا نعرف الأسباب التي جعلته يستقيل عن منصب القضاء، ويهاجر من طلبيرة إلى بلنسية، وقد يكون السبب في ذلك موت ولى نعمته، وأكيله وشريبه المأمون ابن ذي النون، لأن حفيده القادر، الذي خلفه على العرش طليطلة، ثم يكن يتحلى بأوصاف يرضى بها الكرام ويحبها العلماء، فيكونوا من أعوانه وأنصاره أو ولاته وقضائه وحاشيته، وخاصة الأعلام النبلاء الأفاضل من أمثال أبى الوليد الوقشي رحمة الله. وإذا صح هذا فمعنى ذلك أن الوقشي لم يزل على قضاء طلبيرة حتى ٤٦٨ هـ؟ الطور الرابع

стр. 11

وهو دور التدريس والتأليف، وكذلك فان المصادر لا تصرح بشيء عن حياته التي قضاها بعد الانفصال عن منصبه وهجرته إلى بلنسية والإقامة بها، إلا أننا نعتقد، أن الوقشي رحمة الله كان قد عكف على القراءة والتأليف، وكرس حياته للإقراء، والتدريس بعد الانصراف عن طلبيرة، وذلك لأن معظم طلابه وتلاميذه هم البلنسيون، حتى أن عددهم يزيد من تلاميذه الطليطليين، فهذا مما يمكن به الاستدلال على أن الوقشي أكثر الرواية والإقراء، وهو ببلنسية. ثم أن المعلومات الضئيلة القليلة التي وصلت إلينا عن حياته من طريق كتب التراجم والتاريخ تنص على اشتغاله بالتأليف والتدريس والرواية بها. قمن ذلك ما ذكره الضبي. أن أبا عامر الخطيب البلنسي، من تلاميذه الوقشي، كان قد روى عنه كتاب السيرة بسنده. وروى عنه أبو محمد عبد المنعم بن محمد. وعنه الضبي صاحب يغية الملتمس. ومن ذلك ما روى أنه كتس إلى محمد بن عثمان أبى عبد الله البكري الحجارى وذلك سنة ٤٧٥هـ. ثم أن الوقشي، كعالم رباني صاحب التصانيف، وذى العدد الضخم من التلاميذ، كان قد احتل مكانة كبيرة في نفوس أهل بلنسية. مما جعلهم يلجؤون إليه في مصابهم ويجتمعون أليه في أزمتهم الخطيرة وفي نكبتهم الكبيرة ليتزعمهم وينقذهم منها. ثم أن العدو كان قد حاصر بلنسية، ودخلها بعد أخذ المواعيد وعقد العقود التي ما رعاها ونبذها نبذا، ودهى الاحتلال الأجنبي أهل بلنسية من المسلمين، فدهشوا وبهتوا وكابدوا من آلام، وأصيبوا بالقتل والاضطهاد والإرهاب، ونهب الأموال وفتك الأعراض والخوف والجوع فاستصرخوا بملوك الإسلام، كالمستعين ابن هود، وقواد الجيش المرابصى، إلا إن الإغاثة قد تمطلت، والنصرة قد تأخرت، وكانوا في أشد حاجة إلى من يتولى أمرهم ويقودهم وينقذهم مما أصابهم، ولكن ليس من ينهض بذلك ولا من يتقدم إليه غير صاحبنا الوقشي، وذلك الإنسان النبيل الشجاع، والعالم الرباني. فيتولى أمر المسلمين، ويلتزم قضائهم. ويتكلم نيابة عنهم، ويأخذ لهم الأمان بشرط التوقف. وللقوشى فصيدة مؤثرة، بكى فيها مصاب المسلمين من أهل بلنسية، على يد القمبيطور، إلا أن أصلها قد ضاع، ولم يبق منها إلا ترجمة بعض الأبيات، ونقلت إلى اللغة الأسبانية، ورددتها ألسنة العامة ومنها ما معناه: إذا أنا مضيت يمينا، هلكت بماء الفيضان. وإذا ذهب يسارا، أكلني السبع. وإذا مضيت أمامي، غرقت في البحر. وإن التفت خلفي، أحرقتني النار. ولا يحدثنا التاريخ متى خرج الوقشي من بلنسية، وإنما لراه. وهو في دانية على وشك الرحيل إلى رحمة الله. ولم يتوقف رحمة الله من الرواية والتدريس، وهو بدانية فان لدينا أساء من تلاميذه الدانيين الذين أخذوا منه في الأيام الأخيرة من عمره. وفاته ومدفنه وتوفي أبو الوليد الوقشي، على أصح الأقاويل، يوم الثلاثاء ليلية بقيت من جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وأربعمائة من الهجرة النبوية وقد تجاوز الثمانين من عمره وقيل سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. رحمة الله واسعة وجعل الجنة مثواه ومتعنا بما تركه من المعارف والآثار. وقد بلغ اهتمام الدانيين به وحبهم واحترامهم له إلى أن دفنوه بازاء الجامع القديم لدانية ويبدو أن قبره كان معروفا بين الناس إلى مدة غير قليلة فان كتب التراجم تذكر قبره في كثير من المواضع وكان أبو مروان عبد الملك بن محمد الإيادي والد أبى العلاء ابن زهر قد دفن عند قبر أبى الوليد الوقشي، إلا أن ابن الأبار يذكر أن هذين القبرين لم يكونا يعرفان في عصره. بعض ملامح شخصيته بداهة القول كان للوقشي رحمة الله حظا وافر من الفهم والذكاء وبداهة القول. وله مواقف غريبة في ذلك، احتفظ ببعضها، وكتب التاريخ والتراجم. فمن ذلك ما روى أنه حضر يوما مجلس ابن ذي النون، فقدم نوع من الحلواء، يعرف " بآذان القاضي " فتهافت من الخواص الملك عليها، وجعلوا يكثرون من آكلها، وكان فيما قدم من الفاكهة، طبق فيه، نوع يسمى عيون البقر، فقال له المأمون، يا قاضي؟ ؟؟؟؟؟؟ أرى هؤلاء يأكلون أذنيك فقال: وأنا أيضا آكل عيونهم وكشف عن الطبق وجعل يأكل منه واختصم إليه رجلان، فقال أحدهما: يا فقيه اشتريت من هذا أثني عشر تيسا حاشاك، فقال له الوقشي: قل أحد عشر.

стр. 12

واجتمع أبو الوليد الوقشي وأبو مروان عبد الملك بن سراج القرطبي وكانا فريدي عصرهما حفظا وتقدما، فتعارفا، وتساءلا، ثم بادروا أبو الوليد بالسؤال، فقال لابن سراج كيق يكون قول القائل. " الطويل ": ولو أن ما بي الحصى فعل الحصى ... وبالريح لم يسمع لهم هبوب ما ينبغي أن يكون مكان " فعل الحصى "؟ فقال أبو مروان ابن سراج: " فلق الحصى " فقال: وهمت إنما يكون قلق ليكون مطابقا لقوله " لم يسمع لهن هبوب "، يريد أن ما به يحرك ماشانه السكون، ويسكن ما شأنه الحركة. ثم قال ابن سراج للوقشي، ما يريد الشاعر بقوله: " الطويل " وراكعة في ظل غصن منوطة ... بلؤلؤة نيطت بمنقار طائر؟ وكان اجتماعهما في مسجد. فأقيمت الصلوة أثر فراغ اين سراج من إنشاد البيت فلما انقضت الصلوة، قال له الوقشي: ألغز الشاعر باسم أحمد، فالراكعة الحاء والعصن كناية عن اللف، واللؤلؤة الميم، ومنقار الطائر الدال فقال له ابن سراج: ينبغي أن تعيد الصلوة لشغل خاطرك بهذا اللغز، فقال له الوقشي، لا حاجة إلى إعادة الصلوة، لأننى كنت قد فككته بين الإقامة وتكبيرة الإحرام. الفقيه القاضي وكثيرا ما يذكره المصادر التاريخية. بلقب فقيه القاضي، وتجعله من الراسخين في العلوم الدينية، من الحديث، والفقه، والفرائض، والشروط وأصول الاعتقاد ولا غزو فان الوقشي رحمة الله كان من أعلام الفقه المالكى، وكان ينتصر لمالك ويتعصب لمذهبه، وبذلك اكتسب منصب القضاء مرتين، مرة في طلبيرة لملوك بني ذى النون، وأخرى للشعب البلنسى في خلال استيلاء العدو على بلدهم، بلنسية. وكان رحمة الله عارفا بأصول الفقه والقضاء، ثاقب الذهن في تمييز الصواب، وصاحب النظر الناقد للمذاهب الفقيهة، كما أنه كان واقفا على كثير من فتاوى فقهاء الأمصار، نافذا في أصول الديانات وعلم الفرائض. وقد رأيناه في خلال تحقيفنا لهذا السفر يتناول البحوث الفقيهة التي ألم بها المبرد في الكامل، فمن ذلك ما ذكره المبرد من قول الفقهاء في تكفير الحجاج. فان الوقشي رحمة الله، عندما يتكلم على هذا الموضوع من الكامل، يثور ثورة الفقيه المفتى المتشدد، والقاضي الغضبان المتحمس، ويصول على الحجاج، ويرميه بفتاوى القوم الخرى في تكفيره حتى يقول في نهاية كلامه " لعن الله قائل هذا فلقد كفر ". المحدث وكذلك فان للوقشي عناية كبيرة بالحديث النبوي وعلومه، وأسماء نقلته، وأنساب رواته، وتراجمهم، وقد ألف في هذا الموضوع، واختصر مؤلفات المشارقة، وهذبها، ككتاب تهذيب الكنى وله ردود، وتنبيهات على بعض المؤلفين. إلا أن مؤلفاته في هذا الموضوع، قد طارت بها العنقاء بها الأيام، فلم يبق منها إلا أسماؤها، وذكرها في كتب التراجم والتاريخ. وقد رايناه، في نكته التي كتبها على الكامل، يتناول معظم الأحاديث التي أوردها المبرد، ويعطيها عناية خاصة واهتماما كبيرا، فيتكلم عن أسانيدها، وطرق روايتها، واختلاف ألفاظها، وكلماتها، كحديث ذي الثدى مثلا، الذي أوردها المبرد في باب أخبار الخوارج من الكامل، فان الوفشي ﵀ يلخص جميع الأحاديث والروايات التي جاء فيها ذكر الخوارج، ويشرحها ويتكلم عن طرق أسانيدها ومراتبها صحة وضعفا وردا وقبولا. وقد ذكره الضبي وابن بشكوال كحافظ للسنن النبوية، وأسماء نقلة الأخبار والحاديث. المؤرخ النسابة وللوقشي مجال في علم الأنساب والتاريخ، ومجهوداته في هذا الميدان قد اعترف بها العلماء من معاصريه، ومن الأجيال المتأخرة، وكانت لديه المعلومات التاريخية ذات قيمة ومكانة كبيرة، وكان غاية في الضبط والتقييد والاتقان والمعرفة بأنساب الأشراف من الخلفاء والأمراء والعلماء والأدباء والشعراء، وله ردود وتنبيهات على كبار أهل التصانيف التاريخية وكتب الأنساب، ولقد أصاب القاضي صاعد بن أحمد حيث قال. " ولا يفضله عالم بالأنساب والأخبار والسير ". وكذلك فقد رأيناه في خلال بحثنا هذا أنه يعطي عناية خاصة واهتماما كبيرا لأنساب الشعراء والأشخاص الآخرين المذكورين في الكامل، ويترجم لهم، كما رأيناه فيما كتب على السيرة النبوية لابن هشام، واستفادة منه أبو القاسم السهيلي في كتابه الخالد " الروض الأنف ".

стр. 13

وكان الوقشي ﵀ قد هذب " المؤتلف والمختلف في أسماء القبائل " لابن حبيب البغدادي. الكاتب الأديب كان الوقشي ﵀ كاتبا كبيرا أديبا نابغة بليغا مجيدا، وكان أعلم الناس بالنحو واللغة. إماما متقدما فيهما، وكان له قدما راسخة في صناعة الكتابة والبلاغة. ولم لا يكون، وقد كان العصر الذي نشأ فيه وترعرع، عصر تقدم العلوم الأدبية وازدهارها، وكانت أسواق الأدب والكتابة نافقة في كل عاصمة من عواصم ملوك الطوائف، ومما يدل على مكتنة الوقشي كأديب كاتب، هو أنه قد ذكر في الإرشاد بين الأدباء والكتاب، حيث جاء " إنه كان كاتبا أديبا متوسعا في ضروب المعارف وأنواع الآداب. وكتابه " المنتخب من غريب كلام العرب " الذي يبحث عن الأدب وغربية اللغة، شاهد عدل على مكانة الوقشي كأديب كاتب، وقد وصل إلينا منه الجزء الأول في شكل نسخة مصورة بالتصوير الشمسي وسنعرف به القراء الكرام فيما يلي من الصفحات. الشاعر وللوقشي حظ وافر من الشعر، فقد كان من أعلم الناس بمعاني الشعر كما أنه كان شاعرا بليغا مجيدا، ولم لا يكون وقد وهبه الله طبعا سخيا وذهبا خصبا، وفطرا عميقا، وشعورا نبيلا، وقلبا خفاقا، وكان إلى ذلك ظريفا خبيرا عالما بدقائق اللغة وغوامضها وطرائف الأدب ونفائسه، وكل ذلك مسما يمكن الإنسان ويؤهله أن يقول الشعر ويعرفه معرفة جيدة ويميز جيده من ردئيه. ويحدثنا ابن الأبار أن أبا بكر محمد بن سعد الداني، كان قد اختار مجموعة من الشعر الأندلسي وسماها وسماها التذكرة السعدية وكان فيما اختار قصيدة للوقشي، وأغلب الظن أنها يقصيدة التي بكى فيها مصاب بلنسبة أيام حصار القمبيطور لها، وذلك لأن الوقشي كان حديث العهد بهذا المصاب، وقصيدته التي قالها فيه أنشدها لأبي بكر محمد بن سعد الداني عقب وروده بدانية، وقبيل وفاته بها فاختاره لمجموعته الشعرية. ويبدو أنه كان قد صنع ديوانا من شعره، تداوله الناس، وأخذوه عنه ورووه فان ابن الأبار يحدثنا أيضا أن أبا العاصي الحكم بن محمد الأنصاري المتوفي ٥٧٩هـ كان يروى شعر الوقشي وقد اخذ عنه الناس شعره منهم أبو عمر بن عباد يوسف بن عبد الله المؤرخ البلنسي المتوفي سنة ٥٧٥هـ. وإنه لمما يؤسفنا ويؤلمنا أن شعر ابي الوليد، قد ضاع وذهب به الغداة وكرا العشي، ولم يبقى منه إلا نزر يسير في كتب التراجم والتاريخ، فمن ذلك قوله " الخفيف " عجبا للمدام ما إذ استعارت ... من سجايا معذبي وصفاته طيب أنفاسه وطعم ثنايا ... هـ وسكر العقول من لحظاته وسنى وجهه وتوريد خديه ... ولطف الديباج من بشراته والتداوي منها كالتداوي ... برضى من هويت من سطواته وهي من بعد إذا على حرام ... مثل تحريمه جنى ورشقاته وهو القائل: " السريع " وفاره يركبه فاره ... مربنا في يده صعده سنانها مشتمل لحظه ... وفدها منتحل فده يزحف للنساك في جحفل ... من حسنه وهو يرى وحده قلت لنفسي حين مدات لها ... الآمال ةالآمال ممتدة لا تطمعي فيه كما الشمس لا ... يطمع في تدنيه حده وهو يقول في علوم الورى: " السريع " برح بي أن علوم الورى ... اثنان ما أن فيهما من مزيد حقيقة يعجز تحصيلها ... وباطل تحصيله لا يفيد وهو القائل فيمن طرشاربه " لكامل " قد بيتن فيه الطبيعة أنها ... لبديع أفعال المهندس ماهره عنيت بمبسمه فخطت فوقه ... بالمسك خطا من محيط الدائره وكان ﵀ عزم على ركوب البحر إلى الحجاز حاجا فهاله ذلك فقال: " السريع " لا أركب البحر ولو أنني ... ضربت بالعصا فانفلق ما إن رأت عيني أمواجه ... في فرق إلا تناهي الفرق الفيلسوف المهندس

стр. 14

كان أبو الوليد الوقشي من فلاسفة الأندلس ومهندسيها الأعلام، وكانت له معرفة جيدة بآراء الحكماء وأفكاره الفلاسفة، كما أنه كان متقنا متحققا لعلم الحساب والهندسة، وحسبك شاهدا على ذلك، أن القاضي أبا القاسم صاعد بن أحمد الطليطلين ترجم له في طبقات الأمم وعده من الحكماء والفلاسفة والمهندسين، واعتراف بفضله كعالم ممتاز لعلم الحساب والهندسة وسمع منه. وقد كان الوقشي مرجعا للطلاب الراغبين في علم الحساب والهندسة والمنطق والفلسفة وكانوا يقصدونه ويفدون عليه من أقاصي البلاد، ويستفيدون منه، وقد نبغ من طلابه عدد غير قليل، منهم القاضي أبو القاسم المذكور، وإبراهيم بن لب المعروف بالقويدس، كان قد اتصل بالوقشي رغبة في علم الحساب والهندسة، فقرأ عليه كتاب اقليدس وغيره من أمهات الفن، حتة برع فيه وأحكمه وأصبح مرجعا لطلاب الهندسة والحساب. وهل يمكن أن يقول هذا الشعر إلا مهندس بارع ماهر من أمثال أبي الوليد الوقشي؟! " الكامل " قد أثبتت فيه الطبيعة أنها ... بدقيق أعمال المهندس ماهره عنيت بعارضه فخطت فوقه ... بالسمك خطا من محيط الدائره وقد صرح الحميري أن الوقشي كان قد عنى بالهندسة والمنطق ومليح النادرة ويسميه المقرى الفيلسوف الآريب ويقول إنه كان من أعلم الناس بالهندسة والفلسفة والمنطق والزيوج وآراء الحكماء. الذين عضوا على تعليم الكتاب والسنة بالنواجذ، ولم ينحرفوا عن الصراط السوى قيد شعرة. ولم يتحقق لدينا ما يقضي خلاف ذلك في عقيدته، وإنما شك الناس شكا في ذلك لما وصل إليهم من الأشياء المنسوبة إليه، ولم يصرحوا فيه بشيء، أو قل إنهم ما استطاعوا أن يصرحوا بشيء في ذلك لأن الآراء التي نسبت إليه زوراً وكذبا بالاطلا عبه، لم تكن لها حقيقة، ومن ثم لم يقل أحد شيئا بالصراحة في عقيدته وآرائه التي انحرف فيها عن طريق السنة، إلا أن القاضي عياض " يقول أن الكتاب قد ظهر وأخبر الثقة أنه رواه عليه سماع ثقة من أصحاب وخطه عليه " وأما ابن بشكوال فانه لا يؤكد بشيء وإنما يقول " وقد نسبت إليه أشياء والله أعلم بحقيقتها، وسائله عنها، ومجازيه بها " وأما العقيدة التي أتهم بها والرأي الذي زن به، فهو ليس إلا رأي الاعتزال وأما الكتاب الذي ظهر فاكتسب له عارا، وزهد الناس في عمله، وتركوا الرواية عنه، فهو لم يكن إلا " تأليف في القدر والقرآن وغير ذلك من أقاويلهم ". وقد كان الفقيه أبو بكر بن سفيان بن العاصم من تلاميذ الوقشي ينفي عنه الرأي الذي زن به الكتاب الذي نسب إليه. وليس من وظيفتنا أن نبرر الوقشي وننفي عنه الرأي الذي اتهم به وندافع عنه، كما إنه ليس من واجبنا إدانة خصومه المعارض لع، وانما وظيفتنا وواجبنا هو قول الحق، والتحقيق العلمي لا غير. فنقول إن الوقشي برئ مما زن به واتهم وذلك لأن: القاضي عياض لم يذكر اسم الثقة الذي أخبره. ثم أن هذه الثقة لم يسمع من الوقشي مباشرة، وإنما " رواه عليه سماع ثقة " من أصحابه ولا نعرف هؤلاء الصحاب الذين سمع منهم، ولا نتحقق أكانوا من أعدائه أو من أصحابه، وأما " خطة عليه " فانه ليس ببعيد من الحاسدين المزورين المزيفين وخاصة في تلك العصور المختلفة، أن يصنعوا بأيديهم ورقة من غلاف الكتاب بخط المؤلف وينسبوه إلى من أرادوا تذليله، والطعن فيه والافتراء عليه! وعندنا شهادة فقيه عدل من أمثال أبي بحر بن سفيان بن العاصي الذي كان ينفي عن شيخه الرأي الذي زن به الكتاب الذي نسب إليه زورا مما لا يترك مجالا للشك في تزوير الرأي وتزييف الكتاب المنسوب إلى العالم النبيل البري مما افترى عليه الحاسدون المطلبون، ولا يجوز لمسلم أن يشك في إيمان أخيه السلم وعقيدته إلا إذا ثبت لديه بشهادة قاطعة خلاف ذلك.

стр. 15

ونرى أن مكانته في نفوس المسلمين كانت قد ارتفعت، وحبهم له كان قد زاد، ذلك في الأيام الأخيرة من حياته. فقد رأينا يتولى قضاء المسلمين ببلنسية وهم يلجؤون إليه ليتزعمهم دون غيره من الكبراء والعلماء، ولينقذهم من الهلاك ومن تلك الأزمة الخطيرة التي واجهتهم خلال الحصار واستيلاء العدو على مدينتهم، ثم رأينا بعد موته يدفنه المسلمون بازاء المسجد الجامع بدانية، ويبالغون في احترامه، ويصبح فبره معروفا بينهم، فيذكرونه في كتبهم و مؤلفاته م فلو كان الوقشي على رأي غير رأيهم وعلى عقيدة غير عقيدتهم، لم يكن من الممكن أن تكون له هذه المكانة في نفوس العامة من أهل ملته من الأندلسين المتحمسين لدينهم المتشددين فيه. ثم أن المعلومات والمواد التي حصلت لدينا في خلال البحث وخاصة في خلال تحقيق الطرر والحواشي على الكامل كم ادعي اعتزاله وينفي عنه الرأي الذي زن به، وهو يظهر أمامنا كمسلم صحيح راسخ في العقيدة من المحدئين القضاء، المالكيين، ونراه يدافع عن مالك، وينتصر له، ويؤيد آرائه الفقهية، ويعضد مسلكه في التشريع الإسلامي، ويتعصب له في بعض الأحيان. فانه ينفي القول المذكور في عثمان وعلى غيرهما من لأصحاب النبي ﷺ ، الذي نسب إلى مالك بن أنس في بعض تسخ الكامل المخطوطة القديمة، كما انه يفكر الحجاج في رأيه الحر كما كفره الفقهاء والأئمة من أهل السنة الراسخين في العلم والأيمان والعقيدة والله أعلم بالصواب، وعنده مفاتيح الغيب وهو عليم بذات الصدور. آراء الأعلام في شخصيته يقول القاضي: " وكان غاية في الضبط والتقييد والاتقان والمعرفة بالنسب والأدب، وله تنبيهات وردود على كبار أهل التصانيف التاريخية والأدبية، ويقضى ناظرها بالعجب، وتنبئ عن مطالعته وحفظه واتقانه، وناهيك عن حسن جتابه في تهذيب الكنى لمسلم الذي سماه بعكس الرتبة ومن تنبيهاته على أبى نصر الكلا باذى ومتلف الدارقطنى ومشاهد ابن هشام وغيرها. وقال القاضي أبو القاسم صاعد بن أحمد وقد لقيه وأخذ منه: " أحد المتقنين في العلوم، المتوسعين في ضروب المعارف من أهل الفكر الصحيح والنظر الناقد، والمتحقق بصناعة الهندسة والمنطق، والرسوخ في علم النحو واللغة والشعر والخطابة، والإحكام بعلم الفقه والأثر والكلام، وهو مع ذلك شاعر بليغ ليس يفضله عالم بالأنساب والأخبار والسير، مشرف على جمل سائر العلوم ". وقال ابن بشكوال نقلا عن القاضي أبى القاسم المذكور: " أبو الوليد الوعشى أحد رجال الكمال في وقته باحتوائه على فنون المعارف، وجمعه لكليات العلوم، وهو أعلم الناس بالنحو واللغة ومعاني الأشعار وعلم الفروض وصناعة البلاغة، وهو بليغ مجيد شاعر متقدم حافظ للسنن وأسماء نقلة الأخبار، بصير الاعتقادات وأصول الفقه، واقف على كثر من فتاوى الأمصار، نافذ في علم الشروط والفرائض متحقق بعلم الحساب والهندسة، مشرف على جميع آراء الحكماء، حسن النقد للمذاهب، ثاقب الذهن في تمييز الصحابة ويجمع إلى ذلك آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ولين الكنف وصدق اللهجة. ويقول ياقوت في الإرشاد: " كان من أعلم الناس بالعربية واللغة والشعر والمخاطبة والحديث والفقه والأحكام والكلام، وكان أديبا كاتبا شاعراً متوسعاً في ضروب المعارف، متحققا بالمنطق والهندسة، ولا يفضله عالم بالأنساب والأخبار والسير. ويقول الأستاذ خير الدين الزركلى: " أبو الوليد المعروف بالوقشي كاتب قاض مهندس أديب له شهر جيد من أهل طليطلة للمؤرخين ثناء عليه ". وكان أبو محمد الريولى يقول: " والله ما أقول فيه إلا كما قال الشاعر: " الوافر " وكان من العلوم بحيث يقضى ... له في كل فن بالجميع ويقول فيه المقرى: " وكان الحافظ أبو الوليد هشام الوقشي من أعلم الناس بالهندسة وآراء الحكماء والنحو واللغة ومعاني الأشعار والعروض وصناعة الكتابة والفقه والشروط والفرائض وغيرها وهو قال الشاعر: وكان من العلوم ... ... ... البيت " مؤلفاته

стр. 16

وقد ألف أبو الوليد الوقشي رحمة الله عدداً من الكتب، بين اختصارات، وتهذيبات، وردود، وشروح، وتنبيهات، وقد وصل إلينا أقل قليلها، وفقد أكثرها وجلها، وذهب بها الزمان واكلتها الأيام، ولم يبق منها إلا الأسماء والعناوين أو الإشارات المجملة إلى موضوعاتها في كتب التراجم والتأريخ والمؤلفات الأخرى للأندلسيين وغيرهم. ويمكن لنا أن نقسم مؤلفات الوقشي إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول، وهو ما بقى من مؤلفاته واحتفظ به الزمان واستفدنا منه. والقسم الثاني وهو ما فقد أصله إلا أننا وجدنا بعض الإشارات إليه وبعض الاقتباسات منه في مؤلفات الأندلسيين وغيرهم من علماء الشرق والغرب، والقسم الثالث ما فقد أصله ولانجد له اقتباسا ولا ذكراً حتى لا نعرف موضوعات بعضه غير الأسماء. فأما القسم الأول الباقي من مؤلفاته فانه لا يزيد على كتابين مخطوطين، وهما نكت الكامل للمبرد " و " المنتخب من غريب كلام العرب . نكت الكامل للمبرد وهو أول الاثنين مما بقي من مؤلفات الوقشي، وقد ورد ذكر الكتاب بهذا الاسم في خمسة من كتب التراجم والمصادر التأريخية القديمة والحديثة فمن القدماء من ذكره بهذا الاسم المقرى في نفخ الطيب وياقوت في الإرشاد والسيوطى في بغية الوعاة. ومن المتأخرين المحدثين، العلامة اسماعيل باشا البغدادي صاحب هدية العارفين في أسماء المؤلفين والأستاذ خير الدين الزركلى في الأعلام. وقد أورد ذكره أبو عبيد الله محمد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي في الذيل والتكملة باسم " طرر أبى الوليد الوقشي " حيث ذكر علي بن ابراهيم ابن سعد الخير الأنصاري. كان قد جمع طرر الوقشي وابن السيد البطليوسى إلى زيادات من قبله عليهما، وهو الموجود الباقي المحفوظ من هذا الكتاب ويشمله هذا السفر. أما الكلام عليه فان له موضعا آخر وسنفصل الحديث هناك في كزايا الشرح ومميزاته الخاصة إن شاء الله. المنتخب من غريب كلام العرب وهو الكتاب الثاني الباقي من مؤلفات الوقشي، وموضوعه شرح غريب اللغة كما يتبادر إليه الذهن من اسمه، ولم نعثر على ذكر هذا الكتاب القيم المغر في المراجع المغربية والمشرقية إلا أن الأستاذ الزركلي يقول إنه رآه بالرباط، وأنه في جزئين. فقد قال في الأعلام ما نصه: " هشام بن أحمد أبو الوليد الوقشي يزاد في ترجمته قبل و " توفى بدانية " " وله " المنتخب من غريب كلام العرب - خ " مجلدان " ثم زاد بالهامش: رأيته في الخزانة العامة بالرباط " د ٣٣٦ ود٧٨ ". وقد حصلنا على نسخة مصورة للنصف الأول من الكتاب وقد اكتشفنا، في خلال دراستنا لها، أن الوقشي يحذو حذو ابن سيدة في المخصص ويقتفى آثاره ولا نبالغ إذا قلنا أن " المنتخب " هو ملخص واختصاره، إلا أن الوقشي قد اعتمد على أمهات الكتب الأخرى في غريب اللغة كغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام والنوادر لابن الأعرابي والحيوان للجاحظ والخيل لأبي عبيدة والكتب المؤلفة في خلق الإنسان وقلما يصرح بمصادره وماخذه إلا أن الناقد البصير يستطيع أن يعرفها ويستكشفها. يقول الوقشي في خطبة الكتاب: " هذا الكتاب بدأت فيه بعون الله وتسديده، وتوفيقه، وتائيده، مما أحاط به علمي، وأتقنه فهمي، من الأسماء المختلفة الألفاظ الواقعة على الأجسام والأغراض، من الحيوان الموات، والأجناس المختلفات وبينت ذلك بالفرق بين الناس وغيرهم في خلقهم وصفاتهم وأفعالهم. وأتبعته بأبواب من حيث يكون الشئ صغيراً إلى أن يكبر، أو قليلا إلى أن يكثر، وختمته بأبواب فيها من كلام العرب ما لا يستغني عنه أحد من أهل العلم والأدب، وكل ما صنعته من ذلك آت في موضعه إن شاء الله. وأول الأبواب: " باب ماله اسمان فصاعدا من خلق الإنسان وغيره دون الصفات، يقال للرأس، الضريب، لكثرة اضطرابه والتحماس في لغة حمير. ويقال لجانبيه، الفودان والمذروان والقرنان، ويقال للهمامة، الملطاط والصومعة والمرقى والعامة. وإنما يقال للهمامة العامة إذا بدا لك الراكب من بعيد فرأيت هامته قلت رأيت عامته. وقال بعضهم الهامة والعامة واحد، بدلت الهاء عينا لقرب المخرجين ... الخ.

стр. 17

وآخر الأبواب من الجزء الأول " باب الأودية، الغلان أحدهما غال، وهي الأودية الغامضة في الأرض ذات الشجر والسلان. واحدها سال، وهو المسيل الضيق في الوادي، ينبت فيه السلم والخواب والجلواخ والسحبلى. الواسع من الأودية وجزع الوادى: خارج ضفته من جانبيه، ويقال منعرجه، حيث ينعطف، وكذلك المحنية والضوج بالضاد والجيم والصوح، حائطه وهما صوحان والبعشط: سرة الوادى، وكذلك اللجف، وسرارته. خيره، واللحج، الشئ في الوادي يكون نحوا من الدخل في أسفله. وأسفل البئر والجبل، كأنه نقب يضيق فمه ثم يتسع أسفله، ثجرته ويهرته وسطه ومعظمه، وجلهمته: ما استبلت من حروفه. وجمعها جلاهم، وأعراضه، جوانبه وأحدها عرض، والشجون، أعاليه، وأحدها شجن وهي الشواجن أيضا، والحاجر، ويمسك الماء من ضفتيه والجميع الحجران والشعب: مسيله وجمعه شعبان ... انتهى النصف الأول من " المنتخب " بحمد الله وحسن عونه. وهذا الجزء يقع في ٢٩٨ صفحة. بكل صفحة نحو عشرين سطرا، وبكل سطر نحو ٨ كلمة وهو بخط معربي غير رديء. أما القسم الثاني من مؤلفاته. وهو ما يشمل الكتب التي فقدت أصولها، وقد بقيت بعض اقتباساتها يمكن من خلالها أن نقدر قيمة الكتاب ومكنته بين مؤلفات الفن. وقد وجدنا كتابا واحدا من هذا القسم، وهو شرح السيرة النبوية لابن هشام، ولعله هو المراد ب مشاهد ابن هشام عند القاضي عياض رحمة الله. مشاهد ابن هشام وكان للأندلسيين كبير الشغف والاعتناء بقراءة السيرة النبوية وروايتها وشرحها: ولهم في ذلك أعمال جسام وكتب حسان، وناهيك من الدليل عليه. كتاب " الروض الأنفي تفسير ما اشتمل علية حديث السيرة النبوية لابن هشام تأليف أبي القاسم السهلي ﵀ وأيضاً كان لهذا الكتاب شرح للشيخ أبي بحر سفيان بن العاصي. وقد استفاد منه السهلي ونبه على أخطائه في الروض الأنف في كثير من المواضيع. وأبو بحر هذا من تلاميذ الوقشي النابهين النوابغ. وكان الوقشي ﵀ قرأ هذا الكتاب على شيخه الأمام الأكبر الفقيه المقرئ أبي عمر أحمد بن محمد الطلمنكي ﵀ وكانت رواية الطلمنكي، وسنده في السيرة لأبن هشام، عن أبي جعفر أحمد بن عون الله بن حديد البزاز، عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن الورد بن زنجويه البغدادي، عن أبي سعيد عبد الرحيم البرقي، عن ابن هشام ﵏. روى السيرة النبوية لأبن هشام، من طريق الوقشي، ابن خير الأشبلي وذلك عن الشيخ أبي بحر سفيان العاصي الأسدي قرأة عليه، وقال أنه قرأ على الشيخ القاضي الوليد هشام بن أحمد الوقشي. وأيضاً رواها عن طريقه أبو القاسم السهلي، وذلك عن أبى مروان عبد الملك بن سعيد بن بونة القرشي العبدرى، عن أبي بحر الأسدي، عن أبى الوليد الوقشي الكناني. وقد رأينا من خلال قرائتنا للروض الأنف، أن السهيلي كان قد عكف على نسخة الشيخ أبى بحر، من شرح السيرة النبوية، واستفاد منه في كثير من المواضيع، وأنة لا يذكر اسم الوقشي لا قليلاً، ويقول في اكثر الأحيان هكذا وقع في نسخه الشيخ أو في شرح الشيخ أبى بحر ﵀ مع أن شرح أبي معظمه كان مأخوذا من شرح الوقشي والمواضع من الروض الأنف التي ذكر فيها اسم الوقشي وشرحه، تزيد من ثلاث موضعا ومن ثلاثة هامة جداً وتلف أنظارنا ولابد من ذكرها لأنها تلقي ضؤا كافيا وتوضح لنا واضحا جليا مكانة الشرح وقيمته كما أنها تشرح لنا شغف الرجل وولوعه بجمع الكتب الثمينة. والمواضيع هي: - الأول، وهو تعليق على بيت لعبد الله بن الزبعري من شعره في وقعة الفيل وهو " الكامل ". ستون ألفا لم يؤولوا أرضهم ... ولم يعش بعد الإياب سقيمها فيعلق عليه السهلي قائلا: وقول " ولم يعش بعد الإياب سقيما " هكذا في النسخة المفيدة على أبى الوليد، المقابلة بلأصلين اللذين كانا عنده وقابلها أبو بحر ﵀ بهما مرتين الثاني: وهو تعليق على بيت الأمية بن أببي الصلت من شعره في سيف بن ذى يزن الحميري " البسيط " ليطلب الوتر أمثال ذي يزن ... ريم في البحر للأعداء أحوالا

стр. 18

فيعلق عليه السهيلى: " وقولة في شعر أمية بن أبى الصلت: ريم في البحر، أي أقام فيه، ومنه الروائم، وهي الأثافي كذلك وجدته في حاشية التي عارضها بكتابى أبى الوليد الوقشي، وهو عندي غلط لأن الروائم من رأمت وإذا عطفت وريم ليس من رأم، وإنما هو من الريم وهو الدرج أو من الريم الذي هو الزيادة والفضل أو من رام يريم إذا يريم إذا يرح كأنه يريد غاب زمانا وأحوالاً ثم رجع للأعداء وارتقى في درجات المجد أحوالا، أن كان من الريم الذي هو الدرج ووجدته في غير هذا الكتاب خيم مكان ريم فهذا معناه أقام. الثالث: وهو أيضاً تعليق على بيت العدى بن زيد العبادي الحميري من شعره يذكر فيه بن تبع " المسرح ". بعد بني تبع نخاورة ... قد اطمأنت بها مرازبها فيقول أبو القاسم السهيلي معلقاً علية: وقوله بعد بنى تبع بجاورة هكذا في نسخة سفيان بن العاصي الأسدي وقد كتب مصححا عليه وقد كتب في الحاشية نخاورة في المين وفى الححاشية النخاورة الكرام، وكذلك في المسموعة على ابن هشام يعنى نسختى أبى الوليد الوقشي، اللتين قابل بهما مرتين ويعني بالحاشية، حاشية تينك الأمين، وأن فيهما نخاورة بالنون والخاء المنقوطة، وهم الكرام كما ذكر. وقد جاء ذكر شرح الوقشي في عير هذه المواضع الثلاثة، وذلك في الجزء الأول على الصفحات ٤، ٢٩، ٣٨، ٤٣، ٦٤، ٧١، ٧٢، ١٠، ١١٥، ١٦٦، ٦٦٥، ٢٣١، ٢٥٥، ٧٧، وفي الجزء الثاني على الصفحات ٩، ٤٣، ٥، ٦٤، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢١٣، ٢٤٣، ٢٥٧، ٢٦٣، ٢٧١، ٣٤١، ٣٦٠. وقد عرفنا قيمة شرح الوقشي، ومدى فائدته، ومكانته عند علماء الأندلس من أمثال أبى بحر وأبى القاسم، كما أننا قد عرفنا أن عنده كانت نسختين من السيرة النبوية لابن هشام اللتان عرفتا عند العلماء بالنسختين الأمين. وكانوا يعارضون بهما، وأن إحدى النسختين كانت مسموعة على ابن هشام، وهي نسخة أبى سعيد البرقي التي كان قد قرأها على شيخه الإمام أبى محمد عبد الملك ابن هشام المعافري الحميري البصري المتوفى بمصر سنة ٢١٣ هـ. أما النسخة الثانية فلا نجزم فيها القول إلا أننا نظن أنها أيضا كانت قد قرأت بعضها على ابن هشام. ونستدل ببيان السهيلي حيث ذكر نسخة من السيرة التي كان شيخه أبو بحر نقل عنها، وهذا نص بيانه: وذكر الشيخ أبو بحر سفيان بن العاصي رحمة الله في هذا الموضع، قال: " نقلت من حاشية نسخة من كتاب السيرة، منسوبة بسماع أبى سعيد عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم، وأخويه محمد وأحمد أبني عبد الله بن عبد الرحيم، ما هذا نصه: وجدت بخط أخي قول أبن هشام هذا مما لم يذكره ابن إسحاق، هو غلط منه، قد ذكره ابن لإسحاق عن جعفر بن عمرو بن أمية عن عمرو بن أمية، فيما حدث أسد عن يحيى بن زكريا عن ابن إسحاق ". والقائل في الحاشية " وجدت بخط أخي " هو أبو بكر بن عبد الله عبد الرحيم. وفي الكتاب المذكور جاء قول أبى بكر المذكور في غزوة الطائف، بعد قوله: " فولدت له داود بن أبى مرة إلى هاهنا انتهى سماعي من أخي، وما بقي من هذا الكتاب سمعته من ابن هشام نفسه ". فانك ترى أن هذه النسخة التي نقل عنها أبو بحر كانت قد قرأت بعضها على أبي سعيد عبد الرحيم بن عبد الله وأخويه، وبعضهما على ابن هشام، والقارئ هو أبو بكر بن عبد بن عبد الرحيم، ولا ندري أين رآها الشيخ أبو بحر؟ أعند الوقشي فتكون إحدى نسختيه الأمين، أو وجدها في مكان آخر، والأول هو أقرب الاحتمالين، والله أعلم بالصواب، وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وأما القسم الثالث المفقود أصلاً من مؤلفات الوقشي، فانها مذكورة منسوبة له عند بعض أصحاب التراجم والطبقات، ولم نعثر عليها بعد إلا على أسمائها، وموضوعاتها ومحتوياته وهي: عكس الرتبة في تهذيب الكنى لمسلم وكان الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج القثيري المتوفى سنة ٢٦١ هـ، قد ألف كتابا في أسماء الرواة وكناهم، وسماه كتاب الأسماء والكنى وذكر بعضهم أنه في أربعة أجزاء، وتداوله الأندلسيون فيما تداولوا من كتب المشارقة، وشرحوه، وهذبوه، فمن الشارحين المهذبين صاحبنا أبو الوليد الوقشي، وقد ذكر شرحه هذا القاضي عياض فقال: " وله ردود وتنييهات على كبار أهل التصانيف التاريخية والأدبية يقضي ناظرها بالعجب وناهيك من حسن كتابة في تهذيب الكنى لمسلم، الذي سماه بعكس الرتبة.

стр. 19

ولم يذكر وجود الكتاب في مكتبات العالم، فيما عرفنا، ولعله قد ضاع وذهبت به الحروب والفتن التي أثارها الإفرنج على العرب، وانتهت بجلائهم عن الأندلس. التنبيهات على أبى نصر الكلاباذى وهو نقد وإصلاح لكتاب " " الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد " " للحافظ أبى نصر أحمد بن محمد بن الحسين الكلاباذي البخاري رحمة الله المتوفى سنة ٣٩٨ هـ ويتناول الكتاب تراجم الرجال الذين خرجهم البخاري في صحيحه. والظاهر من أسم الكتاب، أن الوقشي رحمة الله كان قد قام بنقد كتاب الكلاباذي وإصلاحه وتصويب أخطائه، والتنبيه على أغلاطه، ولا نعرف له وجودا في العالم. التنبيهات على مؤتلف الدارقطني كتاب المختلف والمؤتلف في أسماء الرجال لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي المتوفى سنة ٣٨٥ هـ من أهم ما كتب في أسماء الرجال والرواة، وكان للعلماء والمحدثين اعتناء كبير برواية الكتاب وقرأته والاستفادة منه. فقد كتبوا له من التكملات والذيول والاستدراكات، وهو من الكتب التي نالت إعجاب المغاربة واهتمامهم، فمن المعجبين المهتمين به: صاحبنا الوقشي، وكان قد كتب عليه الطرر والحواشي والتنبيهات، التي ضاعت وذهب بها حوادث الأيام وآفات الزمان. تهذيب المؤتلف والمختلف في أسماء القبائل لمحمد بن حبيب البغدادي كتاب موجز في الأنساب، مفيد في موضوعه. وقد اختلف في اسمه، فهو عند ياقوت كتاب المؤتلف والمختلف في أسماء القبائل، وعند الحاج خليفة كتاب المختلف والمؤتلف في أسماء القبائل، وقد طبع هذا الكتاب مرتين، المرة الأولى في أوربا، وذلك باسم كتاب المؤتلف والمختلف في النسب، والمرة الثانية، في باكستان باسم مختلف القبائل ومؤتلفها. وكان للأندلسيين اعتناء كبير بهذا الكتاب. فقد رووه، وشرحوه، وهذبوه، فمن هذبه أبو عبيد البكري صاحب اللالى والتنبيه على أمالي القالي، وقد ذكره ابن خير باسم تهذيب المؤتلف والمختلف لمحمد بن حبيب. وقد هذبه صاحبنا أبو الوليد الوقشي وسماه " تهذيب المؤتلف والمحتلف في أسماء القبائل "، وهو مما رواه ابن خير عن شيوخه وذكره في فهرسته، وحدثه به الشيخ الفقيه أبو بحر سفيان بن العاصي الأسدي رحمة الله إجازة عن الإمام أبي الوليد الوقشي رحمة الله في رواية مهذبة. الرسالة المرشدة لم نعثر على وجود نسخة منه كما أننا لم نعرف موضوعها، وقد جاء ذكرها عند ياقوت وإسماعيل باشا البغدادي. ديوان شعره يبدو أن الوقشي رحمة الله. كان قد جمع شعره، وصنع ديوانا، وأخذه عنه الناس. فقد ذكر ابن الأبار أن الحكم بن محمد بن عبد الرحمن أبى العاص الأنصاري كان يروي شعر الوقشي، وأخذه عنه أبو عمرو بن عياد. وقد أنشد قصيدة الوقشي، وأبو بكر محمد بن سعد الداني في مجموعته التي اختارها من الشعر الأندلسي، وسماها بالتذكرة السعدية. كتاب في القدر والقرآن قيل إن له كتابا في آراء المعتزلة، ولم نجد له ذكراً إلا عن ياقوت وابن حجر نقلاً عن القاضي عياض وهذا نصه: " ولكنه اتهم برأي المعتزلة وظهر له تأليف في القدر والقرآن وغير ذلك من أقاويلهم وزهد فيه الناس وترك الحديث عنه جماعة من مشائخ الأندلس. ولعل الوقشي تحدث فيه عن مسئلة القدر وخلق القرآن؟ أساتذته أبو عمر ابن الحذاء ٤٠٨ - ٤٦٧ هو أحمد بن محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن يعقوب بن داود، أبو عمر التميمي القرطبي، المعروف بابن الحذاء، من أسرة عربية ذات شرف ونباهة، كانت قد هاجرت إلى الأندلس في عهد متقدم جداً. وهي أسرة عريقة في الكرم والفضل والعلم والدين. فقد كان أبوه أبو عبد الله القرطبي، المتوفى ٤١٦ هـ، أحد رجال الأندلس فقها وعلماً ونباهة معتنياً بالعلوم، متقنناً فيها، متقناً لها، وكان ممن عنى بالحديث ولآثار، وأتقن عملها، وعرف طرقها وعالمها، وكان حافظاً للفقه، بصيراً بالأحكام وتولى قضاء بجانة. وكان جده يحيى بن أحمد المتوفى ٤٠٢ هـ. أيضاً من علماء الأندلس النابهين، وكان جد أبيه أحمد بن محمد أبو عمر، المتوفى ٣٠٦ هـ، أيضاً من العلماء البارزين، وهو مولى الأمير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام وقد صلى بالأمير عبد الله بن محمد، وأمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر لدين الله.

стр. 20

وروى عن أبيه، وأكثر عنه الرواية، وندبه أبوه صغيراً إلى طلب العلم والسماع من الشيوخ الجلة فحصل له سماع عال، أدرك به درجة أبيه، حتى قال فيه الذهبي: " وانتهى إليه علو الأستاذ بقطرة ". وكان قد هاجر من قرطبة إلى سرقطة، بعيد انبعاث الفتن، وافتراق الجماعة، وتقلد أحكام القضاء بمدينة طليطلة، ثم بدانية. وروى الناس عنه وأخذوا منه في كل مكان سكنه، وفي كل مدينة وردها. وكان قد كتب بخطه مختصر العين لأبي بكر الزبيدي في أربعين يوماً، وهو بمدينة المرية. " وكان أحسن الناس خلقاً، وأوطأهم كفا، وأطلعهم برا وبشرا. وأبدرهم إلى قضاء حوائج إخوانه " وتوفي بأشبيلية سنة ٤٦٧ هـ، وكان مولده ٣٠٨ هـ. وأغلب الظن أن الوقشي تلمذ لديه وأخذ عنه وهو على قضاء طليطلة وذلك في نحو ٤٣٨ هـ. أبو عمر الطلمنكي أحمد ببن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى بن يحيى بن محمد بن قزلمان المعافري المقري الطلمنكي. من كبار شيوخ الأندلس وعلمائها الفضلاء الأعيان، وكان مرجعاً لطلاب القرآن والحديث وعلومهما، وكانت له مكانة كبيرة في نفوس المسلمين الأندلسيين. وعدد تلاميذه يزيد على الآلاف على ما ذكره الضبي وابن بشكوال وابن الأبار والمراكشي في الذيل والتكملة ولا نعرف أحدا بين علماء الأندلس من يباريه في كثرة التلاميذ والطلاب. وكان قد أتم معظم دراساته في قرطبة عند علمائها الأعلام من أمثال أبي جعفر أحمد بن عون الله، وأبي بكر الزبيدي صاحب " مختصر العين " وغيرهما. ثم رحل إلى المشرق طالباً، حاجاً، فأخذ عن علماء الحرمين، ومصر، وأفريقية، منهم أبو الحسن يحيى بن الحسين المطلبي وأبو القاسم الجوهرى. وأنصرف إلى الأندلس بعلم كثير، وسكن قرطبة، وجلس للإقراء والإسماع بها، والتزم الإمامة بمسجدها، فأسرع إليه الطلاب من كل ناحية وصوب، وكان الناس يرجعون إليه في أمور الذين، ويقلدونه في المسائل الفقهية. وله جولة إلى ثغور الأندلس، انتفع الناس من خلالها من علمه. ثم قصد طلمنكة، مسقط رأسه في آخر عمره، فتوفى بها سنة ٤٢٩ هـ. وكان مولوده ٣٤٠ هـ. وله مؤلفات قيمة، وكتب حسان، قد أشار المؤرخون إلى بعضها، ككتاب: " الدليل إلى معرفة الجليل " مائة جزء و " تفسير القرآن " نحو هذا و " الوصول إلى معرفةالأصول " و " البيان في إعراب القرآن " و " فضائل مالك " و " رجال الموطأ " و " الرد على أبي ميسرة " و " رسالة في أصول الديانات إلى أهل أشبونة " وكتاب: " الروضة في القراءات ". وللمؤرخين ثناء عليه، فيقول الذهبي: " وكان خبيراً في علوم القرآن، وتفسيره، وقراءاته، وإعرابه، وأحكامه، ومعانيه، وكان ثقة، وصاحب سنة واتباع، ومعرفة بأصول الديانة ". ويقول فيه اين بشكوال: " وكان أحد الئمة في علم القرآن العظيم، قراءاته، وإعرابه، وإحكامه، وناسخه، ومنسوخه، ومعانيه، وجمع كتباً حساناً كثيرة النفع على مذاهب أهل السنة، ظهر فيها علمه، واستبيان فيها فهمه، وكانت له عناية كاملة بالحديث ونقله، وروايته، وضبطه، ومعرفة رجاله، وحملته، حافظاً للسنن، جامعاً لها، إماماً فيها، عارفاً بأصول الديانات، مظهر للكرامات، قديم الطلب لمعلم، مقدماً في المعرفة والفهم. على هدى وسنة واستقامة، وكان سيفا مجردا على أهل الأهواء والبدع، قامعا لهم، غيورا على الشريعة، شديدا في ذات الله تعالى " وقد اعترف الضبي بعمله وفضله قائلاً: " وكان إماماً في القرأة مذكوراً، وثقة في الرواية مشهوراً ". ونرجع أن سماع الوقشي عنه كان نحو ٤٢٠ هـ. بقرطبة، أي قبل جولته في ثغور الأندلس ثم رجوعه إلى طلمنكة ووفاته بها، والله أعلم بالصواب. ٣ - أبو عمرو ابن الضابط السفاقى ٤٤٠ ه ـ هو عثمان بن أبي بكر بن محمد بن أحمد الصدفى، المعروف بابن الضابط السفاقسى. من العلماء الغرباء الراحلين الذين وردوا الأندلس الوافدين من الشرق، وهو أستاذ الحميدي وشيخه.

стр. 21

وله رحلة طويلة في المشرق، تجول في خلالها في كثير من البلاد الشرقية. وعرف أخبارها ومن فيها من أهل العلم والرواية، وأخذ عنهم وخاصة عن علماء العراق. ومن شيوخه أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ الأصفهاني، وكريمة بنت أحمد السرخسية، وأبو ذر الهروي. ثم رحل إلى الأندلس ووردها سنة ٤٣٦ هـ، وتجول في بلادها، وأكثر الناس عنه السماع والرواية، وامتدت هذه الجولة إلى سنتين، وحدث عنه علماء الأندلس قاطبة في كل بلد دخله من بلدانها، وهو أول من ادخل كتاب غريب الحديث للخطابي إلى الأندلس. ثم خرج منها إلى أفريقية، ومات مجاهداً في جزيرة من جزائر الروم، وذلك سنة أربعين وأربعمائة. " وكان حافظا للحديث وطرقه، وأسماء رجاله ورواته، منسوباً إلى معرفته وفهمه، وكان يملى الحديث من حفظه، ويتكلم على أسانيده ومعانيه، وكان عارفاً باللغة والإعراب ذاكراً للغريب والآداب، ممن عنى بالرواية وشهر بالفهم والدراية، يجمع إلى ذلك حسن الخلق وأدب النفس وحلاوة الكلام ورقة الطبع ". وكان يجيد الشعر ويعرف جيده من رديئه معرفة الناقد البصير: فقد حكى عن نفسه. وقال: بعث إلى شعراء القيروان، حين مقامي بها، وهو ابن رشيق وابن شرف، وابن حجاج، وعبد الله العطار، يسألوني أن أرسل إليهم شعري، فقلت للرسول إنه في مسوداته، فقال كما هو، فأخذته وكتبت عليه ارتجالاً، ثم بعثت به: " المتقارب " خطبت بناتي فأرسلهن ... إليك عواطل من كل زينة لتعلم اني ممن يجود ... بمحض الوداد ويشنأ ضنينه فقل كيف كان ثناء الجليس ... أضمخ بالمسك أم صب طينه فأجابوني عن بطء، بهذه الأبيات: " المتقارب " أننا بناتك يرفلن في ثيا ... ب من الوشى يفتن زينة فما سفرن فضحن الشموس ... وسرب الظباء وأخجلن عينه فما نطقن سحرن العقول ... وظل القرين ينادى قرينه أبو محمد الشنتجيالي المجاور هو عبد الله بن سعيد لباج الأموي أبو محمد الشنتجيالي، الطويل الجوار بمكة، شرفها الله، بهذا السبب عرف بالمجاور. قيل جاورها بضعا وثلاثين، وقيل أربعين عاماً. وكان يسكن قرطبة، فسمع من علمائها، من أمثال أبي عمر الطلمنكي، ثم رحل إلى المشرق طالباً، حاجاً، وذلك سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة، فسمع بمكة من علمائها، وصحب بها أبا ذر عبد بن أحمد الهروي الحافظ، واختص به وأكثر عنه الرواية والسماع. ويقال إنه لقي أبا سعيد السجزي فسمع عنه صحيح مسلم. وكان، في خلال مجاورته للحرم المقدس يسرد الصوم، فإذا أراد أن يغوط، خرج من الحرم إلى الحل، فقضى حاجته، ثم انصرف إلى الحرم تعظيماً له. وكان كثيراً ما يكتحل بالإثمد ويجلس للمسع، وكان يقول: لا تمنعوا العين قوتها فتمنعكم ضؤها. ويقال إنه حج سنة ٣٩١ هـ. حجة الفريضة عن نفسه، وأتبعها خمساً وثلاثين حجة، وزار مع كل حجة زورتين، فكلمت له اثنتان وسبعون زورة. ورجع إلى الأندلس في سنة ٤٣٠ هـ، ودخل قرطبة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت للمحرم سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وجلس للإقراء والإسماع بجامعها. فقرئ عليه صحيح ملسم، ثم خرج منها غازيا مجاهدا إلى الثغور، فرابط ييطليموس، وشلب وغيرهما وروى عنه بتلك الجهات، وكان له فرس يسميه مرزوق، فكان يقول له يا مرزوق: رزقني الله عليك الشهادة. ثم رجع إلى قرطبة وتوفي بها سنة ٤٣٦ هـ. وكان الشنتجيالي رجلا صالحاً، زاهداً، متبتلاً، منقطعاً إلى ربه، منفرداً به، خيراً، عاقلاً، فاضلاً، كريماً، حليماً، جواداً. وله من المؤلفات " مختصر في الفقه ". أبو محمد ابن الحصار الطليطلي هو عبد الرحمن بن محمد بن عباس جوشن بن إبراهيم بن شعيب بن خالد الأنصاري. المعروف بابن الحصار " أو الحطار "، صاحب الصلاة والخطبة بالمسجد الجامع بطليطلة. أخذ العلم ورواه عن كبار أئمة العلم والأدب في بلدة طليطلة، ثم سافر إلى قرطبة فسمع من شيوخها الأعلام، كأبي جعفر أحمد بن عون الله وغيره، ثم خرج في رحلة إلى المشرق طالباً، حاجاً، وهو حديث السن، واتصل بعلماء الشرق وروى عنهم يسيراً. وكان فقيها، محدثاً، راوية، مسنداً، متصفاً بالدين والخير والحلم الوقار وحسن النقل.

стр. 22

ووصفه ابن بشكوال وأثنى عليه فقال: " عنى بالرواية، والجمع لها، وإكثار منها، فكان واحد عصره فيها، وكانت الرحلة في وقته إليه، وكانت الرواية أغلب عليه من الدراية، وكان ثقة فيهما، صدوقاً فيما رواه منهما. وكان حسن الحظ، وجيد الضبط. وكانت أكثر كتبه بخطه. وكان صبوراً على النسخ، ذكر عنه أنه نسخ مختصر ابن عبيد في يوم واحد، وأنه كتب بمدة واحدة خمسة عشر سطراً. وتوفي في ٤٣٨ هـ وكان مولده سنة ٣٥١ هـ. أبو العباس ابن الدلائي هو أحمد بن عمر بن أنس، أبو العباس العذاري، المعروف بابن الدلائي. كان من أهل المرية، وبها كان مولده سنة ٣٩٣ هـ. ورحل إلى المشرق، طالباً، حاجاً، مع أبويه، وهو حديث السن، وذلك سنة ٤٠٧ هـ، وأقام مدة غير قصيرة معهما في جوار بيت الحرام، ثم خرج من مكة في سنة ست عشر وأربعمائة، فسمع من علماء الحجاز من أمثال أبي العباس الرازي، وأبي بكر محمد بن نوح الأصبهاني، وصحب الشيخ الفاضل المحدث الحافظ أبا ذر عبد بن أحمد الهروي، كما أنه سمع من علماء العراق، والشام، وخرسان، ممن ورد منهم مكة، وهو مقيم بها. وقد سمع ابن الدلائي، وكتب عن علماء الأندلس كأبي عمرو السفاقسي، شيخ صاحبنا أبي الوليد الوقشي، والقاضي يونس بن عبد الله وغيرهما، وحدث عنه جماعة من كبار العلماء والشيوخ كأبي علي الغساني وأبى محمد بن جزم، وأبى الوليد الوقشي وغيرهم. وكان يعتني بالحديث وروايته ونقله وضبطه، وكان ثقة ضابطاً، ولجلالة قدره وثقافتاه وعلو إسناده في الحديث، أكثر الناس عنه السماع والرواية. وتوفي ابن الدلائي رحمة الله في نهاية شهر شعبان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ودفن بمقبرة الحوض بمدينة المرية، مسقط رأسه. تلاميذه تلاميذ الوقشي كثيرون، ولا يسعنا أن نفصل ذكرهم ونترجم لجميعهم في هذا الموضوع، إلا أننا نرى من المفيد، أن نذكر أسماء أشهرهم، على وجه إجمالي، حتى نعرف قدر الرجل لأن قدر العالم يعرف بعدد تلاميذه، وكثرة من يرجعون إليه في حاجاتهم العلمية والأدبية. فمن تلاميذ الوقشي: إبراهيم بن لب بن إدريس: أبو إسحاق التجيبى، المعروف بالقويدس المتوفى ٤٥٤هـ، قرأ على الوقشي كتاب أقليدس وغيره، وأصبح مرجعا لطلاب الهندسة. أحمد بن خلف بن سعد اليحصبي الداني، كانت له معرفة بالفقه والحساب وكان ذا رأي ومشورة. أحمد بن مروان بن محمد أبو بكر التجيبي البلنسي. المتوفى سنة ٥١١هـ ولي الخطبة بالمسجد الجامع لبلنسية، وتقدير لصلاحه وفضله. أحمد بن محمد بن عبد الرحمن. أبو العباس السبتي، المعروف بابن نمارة، وهو شيخ ابن الأبر في سماع الموطأ لمالك. بكر بن محمد، أبو بكر اليحصبي، المتوفي في نحو ٥١٠هـ. وكان أهل المعرفة والنبل والذكاء. أبو بكر بن سفيان بن العاصم، وهو الذي كان ينفي عن الوقشي الرأي الذي زن به والكتاب الذي نسب إليه وزرا ومينا. جعفر بن محمد، أبو الفضل الجذامي القيرواني. المتوفى ٥٣٤هـ، كان أدبيا شاعرا وعمر طويلا، وله مؤلفات في الأمثال، والأخبار، والآداب والأشعار. حمدون بن محمد، أبو بكر البانسي، المعروف بابن المعلم، سمع من أبي الوليد الوقشي، ولازمه، وأكثر عنه. وكان من أهل العلم والأدب والشعر وتولى الصلاة والخطبة بمسجد رحبة القاضي من بلنسية بعد تغلب الروم عليها واجتيازهم المسجد الجامع بها وذلك سنة ٤٨٩هـ ثم خرج منها مع جماعة من أهل بلنسية فرارا بدينهم، سنة ٤٩٥هـ. خلف بن داودأبو القاسم الصدفي الركاني ثم البلنسي، المتوفى ٣٨٧٩هـ. كان فقيها، محدثا، أديبا، شاعرا. خليص بن عبد الله أبو الحسن الأنصاري، المتوفى ٥١٣هـ، وكان ضعيف الرواية والسماع وكان ينسب إلى الكذب أيضا. سفيان بن العاص بن أحمد، أبو بحر الأسدي. المتوفى ٥٢٠هـ، وهو أبرز تلاميذ الوقشي وأشرهم، وأكثرهم شهرة ولباهة. وكان إماما محدثا، أديبا متقدما. سماجة بن خلف بن سماجة، أبو الحسن، ذكره المراكش وقال إنه روى عن الوقشي. صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن، أبو القاسم التغلبي، صاحب طبقات الأمم وقاضي طليطلة، من أهل المعرفة والذكاء، والدراية، وكان متحريا في أموره، واختار انقضاء باليمن مع شاهد الواحد في الحقوق وبالشهادة على الخط.

стр. 23

عاصم بن عبد العزيز بن محمد، أبو الحسن التجيبي البلنسي، المعروف بابن القدرة، من الأدباء والشعراء، والفقهاء المشاورين. عبد الباقي بن محمد ين سعيد، أبو بكر الأنصاري، المتوفى ٥٠٢هـ كان نبيلا، حافظا، ذكيا، أدبيا، شاعرا، محسنا. عبد الرحمن بن أحمد، أبو القاسم السلمي. كان رواية، مكثرا، حدث عنه جماعة من علماء الأندلس. عبد الرحمن بن محمد، أبو القاسم الأنصاري الخزرجي، المتوفى ٥٤٢هـ، من ولد سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري رضى الله عنه. عبد العزيز بن عبد الله بن الغازي، أبو الأصبغ الشاطبي، المتوفى ٣٩٣هـ، سمع من الوقش، وأيضا أجاز له أبو عمر بن عبد البر. عبد الله بن عبد الرحمن، أبو محمد القضلعي، المتفى في نحو ٥١٠هـ، وكان صهرا لآبي بحر الأسدي المار ذكره وراوية جليلا وفقيهاً حافظا. عبد الله الفضل، أبو محمد اللخمي، المتوفى بعد التسعين وأربعمائة، من علماء النحو واللغة والشعر. بارع الخط. رائق الوراقة. عبد الملك بن يوسف بن عبد ربه، الكتب، أبو مروان القرطبي. المتوفى بشاطبة قبل الثلاثين وخمسمائة، من الأدباء الكتاب. عبد الوهاب بن عبد الله، أبو محمد الصدفي، المتوفى ٥٢١هـ، " وكان حافظا للفقه ذاكرا لمسائل والفرائض والأصول، كثير العناية بالعلم والجمع له ". عتيق بن محمد أحمد، أبو بكر الأنصاري، صاحب الصلاة والخطبة بالمسجد الجامع بدانية، ولم نعثر على تاريخ وفاته، وأغلب الظن أنه سمع من الوقشي وهو بدانية في آخره عمره، والله أعلم بالصواب. على بن عزلون، أبو الحسن الشموني، المتوفى ف ينحو ٤٨٤هـ، وكانت له عناية بالحديث والعربية واللغة والأدب. على بن محمد بن دري، أبو الحسن المقرئ الطليطلي، المتوفى ٥٢٠هـ، وكان يخطب بالمسجد الجامع، لغرناطة، وكان فاضلا، ضابطا، عالما، عارفا. ابن فيروز القاضي ذكره ياقوت عن القاضي عياض أنه من تلاميذ الوقشي. محمد بن أحمد بن عبد الله بن حصن، أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي البلنسي، المتوفى قبل العشرين وخمسمائة، وهو من ولد سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري ﵁، وكان حسن الخط، شديد العناية بالعلم. محمد وبن أحمد بن محمد، أبو عبد الله الأنصاري السرقسطي ثم البلنسي، المعروف بابن الخراز، روى عن الوقشي، واختص به، وكان هو القارئ لما يأخذ عنه الناس، وكان أديبا شاعرا، راوية مكثرا، حسن الخط. محمد بن أحمد، أبو عبد الله النصاري، المتوفى ٤٧٧هـ، رحل حاجا إلى المشرق، وزار دمشق، ومكث بها أياما، وقد ضعفه ابن عساكر. ومن أساتيذه غير الوقشي. ابو الوليد الباجي، والحافظ ابن عبد البر. محمد بن أحمد بن إسماعيل، أبو عباس الطليطلي، المتوفى ٥٢٣هـ. كان مولعا بلقاء الشيوخ، وجمع الكتب، واجتمعت لديه أخبار العلماء وفوائدهم حتى أصبح للناس في هذا الموضوع. محمد بن إدريس، أبو عبد الله المخزومي البلنسي، المتوفى سنة ٥٤٥هـ، وكان له حظ وافر من علوم الحديث والأدب، لقي أبا الوليد الوقشي ولازمه مدة من الزمان. محمد بن جعفر بن خيرة، أبو عامر الخطيب البلنسي، المعروف بابن شرويه، وكان صاحب الصلاة والخطبة بمسجد بلنسية، سمع أبا الوليد الوقشي، واختص به ولازمه، وروى عنه السيرة النبوية بسنده، وعنه أبو محمد عبد المنعم بن محمد، وعنه أحمد الضبي صاحب بغيمة الملتمس، وكان شيخا فاضلا، محدثا حافظا، نزيها، جميل الشارة، جهير الصوت والنباهة في بلده، وكان قد جمع كثيرا من الدواوين والدفاتر ونفائس الكتب. وكان صهرا للوقشي ﵀، وعمر طويلا. وكانت وفاته في سنة ٥٤٦ أو ٥٤٧هـ. محمد بن سعادة، أبو عبد الله الأنصاري البلنسي، وكان يعرف بابن قديم، وأخذ العلوم الفقهية عن الوقشي ﵀. محمد بن سعد بن زكريا بن عبد الله أبو بكر الداني، صاحب التذكرة السعدية، وهي ذكرى الشعراء، واختيار من شعرهم، ذكر ابن الأبار أنه أنشد فيها قصيدة الوقشي ﵀. ويرى أن بينهما لقاء، وليس ببعيد فقد كان أبو بكر هذا حيا سنة ٥١٦هـ بدانية، حيث توفى الوقشي بها، سنة ٤٨٨ أو ٤٨٩هـ. محمد بن عبد الرحيم بن محمد، أبو عبد الله الخزرجي، المعروف بابن الفرس مفتى مدينة مرسية، وكان فقيها، عارفا، محدثا، حافظا، روى عن خمسة وثمانين رجلا.

стр. 24

محمد بن عثمان، أبو عبد الله البكري، كانت له معرفة بالعربية، والفقه والحديث، كتب إليه الوقشي وأجاز له، وهو ببلنسية، وذلك سنة ٤٨٥هـ، وكان ابن الأبار المتوفى ٦٣٥هـ رآه في سنة ٥١٩هـ. محمد بن عمر، أبو بكر العقيلي البلنسي، المعروف بابن القباب، وقد أخذ عن الوقشي، وابن السيد كليهما، وكان ذا عناية بالرواية، حسن الخط، جيد الضبط. مروان بن محمد بن عبد العزيز، أبو عبد الملك التجيبي، سمع الوقشي، وأجاز له، ولابتيه، أحمد وعبد الله، أبو عمر ابن عبد البر، وذلك ٤٨٨هـ، وبقى ولد ييلنسية، حتى تغلب الروم عليها سنة ٦٣٦هـ، وكان عالما متقنا، وحدثا حافظا، توفى في نحو ٤٩١هـ. مفرج بن فيرة، أبو الحسن الشنتجالي، المتوفى في نحو ٤٨٠هـ، وكانت له معرفة بالعربية والأشعار والأخبار. يحي بن محمد، أبو بكر السرقسطي، المعروف باللباني، المتوفى في نحو العشرين وخمسمائة وكان أديبا، كاتبا، محدثا، حافظا للاداب واللغة. ابن السيد البطليوسي " نشاته و حياته " مولده ولد الفقيه الأجل الحافظ، النحوي، الأديب، اللغوي، أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن ابن السيد البطليوسي في سنة ٤٤٤هـ. وعاش سبعة وسبعين عاما، أو ما يزيد قليلا من حياته، واختلف بين بطليوسي، وطليطلة، والسهلة، وسرقسطة، وبلنسية وبها كانت وفاته سنة ٥٢١هـ. وعاصر ملوك الطوائف، واتصل ببعضهم، وشاهد عصر المرابطين إلا أنه شغل عنهم بالتأليف والتدريس، قانعا بهما غير راغب في خدمة القصور زاهدا في مجالسها واجتماعاتها. حياته الطور الأول من أطوار حياته، ونعنى بع عهد الطفولة، والحداثة والنشأة والتربية في حجر أبويه، وبين أعضاء أسرته. وهذا الدور من حياته، لا يزال سرا غامضا لم تتناوله كتب التراجم والتاريخ، ولم يجله الباحثون، لأننا لا نعرف شيئا عن أسرته وطفولته، أكثر من أن له أخا وهو أبو الحسن علي بن محمد ابن السيد، وشقيقه الأكبر وشيخه في الأدب والنحو، وأن أصله من شلب، التي كان منها ذو الوزارتين الكاتب الشاعر ابن عمار، وابن بدرون. شارح قصيدة ابن عبدون، التي بكى بها بني الأفطس، ملوك بطليوس كما صرح به في المغرب، ونفخ الطيب: فقد قال المقري، نقلا عن " الذخيرة " لابن بسام: " ومنها " من شلب " نحوي زمانه، وعلامته، أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي، فان شلبا بيضته، ومنها كانت حركته ونهضته. وقد جاء في المغرب متنصه: " أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي، أحد من تفخر به جزيرة الأندلس من علماء العربية وهو من شلب، ولازم مدينة بطليوس، فعرف بالبطليوس ". وقال الفتح: شلب بيضته ومنها كانت حركة أبيه ونهضته، وفيها كان قرارهم ومنها نم آسهم وعرارهم، ونسب إلى بطليوس لمولده بها ". الطور الثاني: وهو عهد الطلب، والدراسة، والتحصيل في معاهد الأندلس، ومراكزها العلمية والأدبية، وهذا الطور، أيضا، غير واضح، وليس لدينا معلومات مفصلة عن هذا المرحلة الهامة من مراحل حياته، وإنما نجد في الكتب بعض الإشارات الخفية المبهمة، التي لا تعطينا صورة واضحة جلية عن هذا الطور من حياة ابن السيد وكذلك فان مؤلفاته التي وصلت إلينا - مطوعها ومخطوطها - لا تشير إلى ذلك إلا قليلا نادرا. وأغلب الظن أنه بدأ حياة الطلب، والدراسة، والتحصيل في مدينة بطليوس، التي كانت في ذلك الوقت، مركزا هاما، من المراكز الثقافية في الأندلس، وكانت تضاهي عواصم ملوك الطوائف الأخرى، كم قرطبة، وطليطلة، واشبيلية، وسرقسطة، من ناحية الحضارة، والتمدن، والنشاط الثقاف، والعلمي، والأدبي، ولم لا فقد كان ملكها في ذلك الوقت هي أبو بكر محمد بن عبد الله المظفر " من ٤٣٧هـ إلى ٤٦٠هـ " الذي كان أديب ملوك عصره غير مدافع، ولا منازع، والذي ألف موسوعة كبيرة وسماها بالمظفري، وهو الملك الذي كلن قد بلغ إعجابه بالمعري والمتنبي إلى أن قال: من لم يكن شعره مثل شعر المتنبي أو المعري فليسكت.

стр. 25

ففي هذه البيئة الأدبية، بدأ ابن السيد دراساته، كطالب ناشئ ذكي فكان يختلف إلى علماء بطليوس، ويتردد إلى مدارسهم، ويحضر حلقاتهم، ويستفيد من معارفهم، وفضلهم، منهم أخوه أبو الحسن علي ابن السيد، وعاصم بن أيوب، وعل بن أحمد بن حمدون البطيوسيون وغيرهم، من أعلام العلم والأدب، فأخذ عنهم اللغة، والأدب، وشعر القدماء. لعله أخذ عن أخيه " سقط الزند " وغير من دواوين شعر المعري، لأن أخاه أبا الحسن هذا، كان قد أخذ سقط الزند عن عبد الدائم القيرواني وكان يرويه عنه في بطليوس. على كل حال، فان ابن السيد كان قد غذي بشعر المعري، وهو صغير، وسمعه من شيخ بطليوس، وأعجب فيه، وحفظه، لألنا نراه يسرع إلى طليطلة، وهو حديث السن، ولم يتجاوز الثانية عشر من عمره، ليزور شيخا من شيوخ المشرق، وعلما من أعلامها، الذي رأى أبا العلاء المعري، وأخذ عنه شعره، واستجازه روايته، فأجاز له، ذلك الشيخ العلم، هو أبو الفضل البغدادي، رسول خليفة العباسي إلى المعزا بن باديس، ورسول المعري الأدبي إلى أهل المغرب كافة، الذي دخل الأندلس واستقر أخيرا بطليطلة، وملكها إذا ذاك هو المأمون يحيى ابن ذي النون، ذلك الملك الذي عرفه التاريخ كمأوى للعلماء، والأدباء، وملاذهم وقبلة الشعراء والكتاب، وولى نعمتهم ومعطيهم. ثم أن ابن السيد، لم يزل يتنقل في عواصم الأندلس، ومراكزها، فتارة في قرطبة، وأشبيلية، وأخرى ببلنسية وسرقسطة، وأخذ عن أبي سعيد الوراق، وعبد الدائم القيرواني، وأبي علي الغساني، رئيس المحدثين بقرطبة في زمانه، وكبار العلماء المسندين به، وسنذكرهم في فصل مستقل، أن شاء الله في شيوخ ابن السيد وأساتيذه. الطور الثالث: وهو عهد الرجولة، والاتصال بالملوك، والأمراء، والعيان والوجهاء في عصره، فان ابن السيد في هذا الطور من أطوار حياته، لم يزل ينتقل من بلاط إلى آخر، ومن عاصمة إلى أخرى، ويحضر مجالس الملوك ومآدبهم، طوال هذه المدة فجلب الدهر أشطره، وتلا حروفه وأسطره، وخدم الرياسات، وعلم طرق السياسات ونفق، وكسد ووقف وتوسد. فممن اتصل به من الملوك، القادر بالله يحي بن إسماعيل بن يحي ابن ذي النون صاحب طليطلة، وأبو مروان عبد الملك ابن رزين، صاحب السهلة، والمستعين بالله، أحمد بن سليمان ابن هود، ملك سرقسطة، وأمراء نبي عبد العزيز، أصحاب بلنسية وكذلك فانه كان قد عرف كثيرا من الأعيان، والوجهاء، والوزراء والكتاب، وأصحاب الرتب من أمثال ذي الوزارتين أبي عبس ابن لبون، وذي الوزارتين، أبي محمد ابن الفرج. والوزير الكاتب أبي أحمد بن سفيان، والوزير أبي بكر بن عبد العزيز والأستاذ أبي الحسن ابن الأخضر، والأستاذ أبي محمد ابن جوشن، وأب الحسن راشد بن عريب، وابن أبي الخصال. وله في بعضهم المدائح والمرثى، كما أن له بعض الرسائل، والمكاتبات، والأشعار، التي كان يبعث بها إليهم في شتى المناسبات وفي الأغراض المختلفة المتنوعة. والظاهر من الأسباب، التي جعلته يميل إلى حياة القصور، وخدمة الملوك ماشاهده بطليطلة، عند المأمون يحي ابن ذي النون، من تقدير العلماء، والأدباء، وإكراهم لهم، وإجزال العطايا والصلات لهم، وإجزاء الأموال عليهم، وعزهم، ومكانتهم في نفوس الخاصة والعانة. وليس لدينا ما يؤكد لنا عن صلته بالمأمون، وحظه من حاشيته، وهل كانت له شركة في مجالس الطرب والأنس التي كان يقيمها في قصره الذي كان شاده بطليطلة، والذي بالغ الشعراء والخطباء والمؤرخون في وصفه أم لا؟ لأن المصدر المفصل عن حياة ابن السيد، هو الفتح ابن خاقان، وبيانه مختلف فيما ألفه، وقوله يناقض بعضه بعضا؟ فانه يقول في القلائد أن ابن السيد، حضر مع المأمون ابن ذي النون في مجلس الناعورة بالمنية، وبه أخذ المقري في نفخ الطيب وقال في رسالته، التي خصصها لابن السيد أنه حضر مع القادر بالله ابن ذي النون في مجلس الناعورة بطليطلة، فقال قصيدته الدالية يصف بها حال المجلس ومطلعهل " المنسرح " يا منظرا إن رمقت بهجته ... أذكرني حسن جنة الخلد فالرجل يختلف بيانه، وكلامه يناقض بعضه بعضا، كما ترى.

стр. 26

ونرجح، أن هذا لم يكن مع المأمون، وإنما كان مع حفيده القادر، لأن ابن السيد، لم يقل بيتا واحدا في مدح المأمون، فيما بلغنا من شعره، مع أنه قد مدح القادر كما مدح الملوك الآخرين، الذين اتصل بهم وحضر مجالسهم، ومآدبهم، كابن رزين، وابن هود، ونبي عبد العزيز فلو كانت له صلة بالمأمون، وشركة في مجالسه، وحظا من حاشيته، وعطاياه، لقال فيه شعرا، ولخلد ذاكراهن ثم أن ابن السيد، لم يكن قد بلغ درجة من العمر، والشهرة، التي تؤهل الإنسان، أن يكون سمير الملك، وأكيله وشريبه وخاصة إذا كان في بلاطه عددا ضخما من الأعلام والفحول، فانه من الصعب أن يحظى شابا ناهض، من حاشية الملك بشيء، وعنده فطاحل الأدب والشعر. إلا أنه اتصل بالأميرين يحي بن إسماعيل بن يحي المأمون، وعبد الرحمن بن عبيد الله ابن ذيي النون فمدحهما، وحضر مجالس الأنس والطرب لهما. وكانت لابن السيد صلة ببني عبد العزيز، أصحاب بلنسية، فانه قد رثى الوزير الأجل، أبا عبد الملك ابن عبد العزيز، وأشاد بذكر الوزير أبي بكر ابن عبد العزيز الذي كان المأمون قد استخلفه، على بلنسية بعد أن أسقط ملكها، وأدمجها إلى مملكته طليطلة، وذلك سنة ٤٥٧هـ. وأغلب الظن أن صلته ببني عبد العزيز في حياته المأمون هي التي أخرته عن مجالسه ومدحه له. وقال ابن السيد في قصيدته التي رثى بها أبا عبد الملم وأشاد بذكر أبي بكر والتي مطلعها: " الطويل ". فؤادي قريح قد جفاه اصطباره ... ودمعي أبت إلا انسكابا غزاره ويعزى بني عبد العزيز قائلا " الطويل ": عزاء بني عبد العزيز وإن خلا ... من المجد مغناه وهد مناره لكم شرف أرسي قواعد بيته ... أبو بكر الساري إليكم نجاره أجل وزي، عطر الأرض ذكره ... وأخجل زهر النيرات فخاره فلو كان للعلياء جيد، ومعصم ... لأصبح منكم عقده وسواره ففيكم لهذا الصدع آس وجابر ... وإن كان صعبا أسوه وانجباره ولما مات المأمون سنة ٤٦٧هـ، وخلفه حفيده، يحي القادر بالله، كان لابن السيد فيه أملا ورجاء، وكان يتوقع منه خيرا وحسنة، وكان يطمع في إحسانه إليه، فمدحه وقال فيه قصيدة مطلعها " الطويل ": ضمان على عينيك أبي هائم ... تصدع قلبي حول وصلك حائم وفيها يقول: وما أنت إلا آية الله في الورى ... وحكمته أن قال بالعلم عالم لقد بخسوك الحق جهلا، وأخطأت ... بما رجمت فيك الظنون الرواجم كما بخسوا يحي ابن ذب النون حقه ... فقالوا ابن سعدي في النوال وحاتم وفيها يقول: لنا بارق من بشره ليس خلبا ... إذا شامه يوما من الناس شائم عليه من المأمون يحي مشابه ... ترى، ولإسماعيل فيه مباسم إلى أن يقول له: وأورثك المأمون صارمه الذي ... به لم تول تفرى الطلي، والجماجم فصمم ولا تحجم فانك صارم ... وحسام، ومنه في يد الله قائم إلا أن هذا الملك الجديد الشاب، قد ساءت سيرته وفسدت أخلاقه، فأساء إلى النبهاء والزعماء، من أمثال ابن الحديدي، عونهم ومدبر ملكهم، حتى قتلته طائفة مفسدة من أهل طليطلة في القصر الملكي، وأفسد حال طليطلة وأهلها، فثاروا عليه. فزهد فيه الفقيه الأجل، فتركه، وسار متوجها إلى السهلة، وعليها أبو مروان عبد الملك بن هذيل ابن رزين، الملقب بحسام الدولة، وكان عند وصوله إليه قد بفعه أرفع محل وأنزله منزلة أهل العقد والحلن وأطلعه في سمائه، وأقطعه ما شاء من نعمائه، وأورده أصفى مناهل مائة، وأحضره مع خواصه وندامائه، وكانت دولته موقف البيان، ومقذف الأعيان، ومحصب جمار الآمال، وأعذب موارد الأجمال، لولا سطواته الباطنة، ونكباته البارية، لسهام الرزء الرائشة فقلما سلم منها مفاد الأموال، ولا أجمد عقبا معه صاحب ولا وال، فأحمد هو أول أره معه، واستحسن مذهبه في جانيه ومنزعه، ولم يدر أن بعد ذلك الشهد شرب علقم، وان السم تحت لسان ذلك الرقم، فقال ﵀ يمدحه: " الطويل " عسى هطفة ممن جفاني يعيدها ... فتقضي لباناتي ويدنو بعيدها وقصيدته هذه من عيون الشعر الأندلس، وفيها يقول:

стр. 27

إذا أنكحوا من فضة الماء تبرها ... أتى اللؤلؤ المكنون وهو وليدها كما أنكحوا البدر استقامت سعوده ... هذيلا من الشمس اسقامت سعودها فجاءا بعبد الملك للملك كوكبا ... ليحمى سماء المجد ممن يكيدها رمى جنة الأعداء لما سموا لها ... بشهب القنا حتى استشاط مريدها فتى أحرز العليا وحاز مدى الندى ... فما إن له من ريبة يستزيدها سرى بارق من بشره غير خلب ... إلى أرض آمالي فأورق عودها وبوأني من مجده في مكانة ... سعود النجوم الزاهرات صعيدها فيا أيها المولى الذي أنا عبده ... وقدما رجا طول الموالي عبيدها أصخ نحو حر الشعر من عبد أنعم ... بدائعه ما زال منك يفيدها قواف تروق السامعين كأنما ... تحلى سجاياك الحسان قصيدها إلا أن هذه السعادة لم تدم، ولم يلبث أن فسد ما بينهما وكادت سهام الرزء الرائشة لابن رزين تصيب عبد أنعمه أبن السيد، وكاد أن يعتقل في شنت مرية، كما اعتقل أخوه، أبو الحسن قبله في قلعة رباح، ولكن الأقدار ساعدته واستطاع أن يتخلص من أبن رزين، ويفر منه فرار السرور من الحزين. وكان ذلك عام سبعين وأربعمائة كما صرح به أبن السيد نفسه في مقدمة المثلث حيث قال: " وذهب عني في نكبة للسلطان جرت على وانتهت معظم ما كان بيدى ". ولا نعرف شيئا عن حياة أبن السيد التي فضاها بين فراره من أبن رزين ودخوله سرقسطة في أيام المستعين أبن همود. فإذا عرفنا أن نكبة السلطان، التي جرن عليه، كانت في السبعين وأربعمائة، وعرفنا كذلك أن المستعين تبوأ عرش سرقسطة في سنة ٤٧٨، فمعنى ذلك أن بين فراره من السهلة ودخوله سرقسطة ثمانية أعوام، وهو فرغ كبير لا تملأه كتب التراجم والتأريخ، كما أنه هو لم يشر إلى ذلك في مؤلفاته التي وصلت إلينا. وقد كانت سرقسطة عندما دخلها أبن السيد " هي جنة الدنيا، وفتنة المحيا، ومنتهى الوصف، وموقف السرور، والقصف، ملك نمير البشاشة كثير الهشاشة، وملك بهج الفناء أرج الأرجاء، يروق المجتلى ويفوق النجم المعتلى، وخضرة منسابة الماء منجابة السماء، ييسم زهرها وينساب نهرها حمائلها، وتتضوع صباها وشمائلها والحوادث لا تعترضها، والكوارث لا تقتضرها، ونازلها من عرس إلى موسم، وآملها متصل بالأماني ومتسم، فنزل منها في مثل الخورنق والسدير، وتصرف فيها بين روضة وغدير، فلم يخف على المستعين أختلاله، ولم تخف لديه خلاله، فذكره معلما به، ومعرفا، وأحضره منوها له، ومشرفا. وقد مدح المستعين وأشاد بذكره، فمن ذلك قصيدته التي مطلعها: " الطويل " هم سلبوني حسن صبري إذ بانوا ... بأقمار أطواق مطالعها بأن ولعله كان على شيء من سوء الحال عندما وصل إليه، كما يبدو ذلك من قوله في القصيدة نفسها: تنكرت الدنيا بعدكم ... وحقت بنا من معضل الخطب ألوان أناخت بنا في أرض شنت مرية ... هواجس ظن خن والظن خوان وشمنا بروقا للمواعيد أتعبت ... نواظرها دهرا، ولم يهم هتان فسرنا، وما نلوى على متعذر ... إذا وطن أقصاك، آوتك أوطان وأما في الطور الرابع من أطوار حياته، وهو عهد الكهولة والشيخوخة، وعهد التأليف والتدريس. فكان قد قطع صلته بملوك الطوائف. أوقل قطع الله دابرهم وجمع الأمة تحت رأية يوسف بن تاشفين، وأعيان الحكومة وأصحاب الرياسة، وعكف على المطالعة والقراءة والتأليغ، وجلس للتدريس ولإقراء اللغة والنحو ببانسية فأقبل إليه الطلاب من كل ناحية وصوب - يأخذون عنه النحو واللغة ويقتبسون من فضله ومعارفه، ثم ينصرفون عنه وينتشرون في نواحي البلاد، فيعلمون، ويدرسون، ليبثوا معرفه، وينقلوها إلى الأجيال القادمة.

стр. 28

ونراه لا يذهب إلى شلب بيضته ومسقط رأسه، ولا إلى بطليوس، مدرسته الأولى التي بدأ بها حياة الدراسة والتحصيل، وإنما يختار له مدينة بلنسية فينزل بها. ولعل إعراضه وانصرافه عن هاتين المدينتين، كان لما قد أصابهما من التخلف وسؤ الحال. والخراب، بسبب الحروب والفتن، التي قامت في وجه مملكة بطليوس وإما راتها، تارة على أيدي ملوك أشبيلية من بني عبد، وأخرى على أيدي قواد المرابطين وحكامهم، مما كان قد عطل موكب الحضارة، وأفسد النشاط العلمي والأدبي، بتلك البقاع من الأندلس في ذلك الوقت. ولا تحدثنا التراجم بالصراحة، متى تحول أبن السيد عن خدمة الملوك، وقطع صلته بحاة القصور، وأغلب الظن أن ذلك كان بعد وفاة المستعين سمة ٥٠١هـ. فإذا صح أنه فارق سرقسطة بعد وفاة المستعين، وولى وجهه شطر بلنسية، قنزلها، وأستقر بها مكانه، فمعنى ذلك أن هذه المدة كانت طويلة جدا، تمتد إلى عشرين سنة كما أنها هامة جدا، وذلك لأن تلك الحقبة هي ألمع أوقات حياته وأخصبها مادة، وأكثرها فائدة، وأكبها نفعا وغزارة. لأنها تمثل طوارا خصبا من حياته الأدبية والعلمية، التي نصب نفسه في خلالها لاقراء النحو وفيها ألف تواليه الكثيرة. أما الأسباب التي جعلته ينصرف عن حياة القصور، ويتحول عن خدمة الملوك والأمراء، ويقطع صلته بالأعيان والرؤساء، فأظهرها وأكبرها هي أربعة أسباب: أولها، أنه جرب ملوك الطوائف، وأختبرهم، فلم يرفيهم خيرا، ولا صلاحا. وشاهد أخلاقهم السيئة، وطغيانهم على الرعية وجورهم على الضعفاء الأبرياء، فأبغضهم وتنفر عنهم. وثانيها، ما واجهه من نكبة خطرة على يد أبن رزين التي ذهبت بمعظم ما في يديه، وفرمنه فرار الموت أو القتل. وثالثها هي الهزات العنيفة التي أصيبت بها الأندلس، والتي تركت أثرا بعيدا في قلوب أهلها، من إشاعة القلق والخوف، والتوجس من المستقبل، والتي تزعزع بها بنيان الحضارة، وأصيب المسلمون بالمكارة والآلام، التي تقشعر الجلود عند ذكرها، وتظطرب النفوس عند سماعها، وتتبادر الدموع عند بيانها. ورابعها، هي نهاية ملوك الطوائف المشجعين للأدب والشعر، وحلول المرابطين محلهم، الذين لم تكن لهم أية عناية بالأدب والأدباء والشعر والشعراء، ولقد قال الفتح أبن خاقان وأجاد حيث قال إن أبن السيد " لما رأى الأحوال واختلالها، والأقوال واعتلالها، وتلك الشموس قد هوت، ونجوم الآمال قد خوت، أضرب عن سواه، ونكب عن نجواه، وأغترب بلوعة أبن رزين وجواه، ونصب نفسه لإقراء علوم النحو وقنع بتغييم جوه بعد الصحو ". وفاته وقد أجمعت المصادر التأريخية على أن أبا محمد أبن السيد البطليوسي توفى في منتصف رجب الفرد، من سنة إحدى وعشرين وخمسمائة من الهجرة النبوية ببلنسية، ﵀ رحمة واسعة، وجعل الجنة مثواه، ومتعنا بفيوضه ومعارفه، وهو ولي التوفيق. ملامح من شخصية الرجل ١ - لوعات الحب أو الغرام إنك قد رأيت فيما سبق من صورة مجملة عن حياة أبن السيد التي لو لم تكن شاقة، ولكنها كانت مضطربة وخاصة في أطوارها الثلاثة الأولى، التي لم يزل يتنقل في خلالها من عاصمة إلى أخرى، ويتصل بملوك الطوائف، مرة بهذا، وأخرى بذلك. أما حياته الخاصة فلا نعرف عنها، إلا بعض الإشارات الخفية. ويبدو لنا أن الرجل كان قد أبتلى بالحب، وذاق طعمه، وأحس حرارته، وعالج آلامه، فعبر عن ذلك في شعره. وهذا الشعر لا يصدر إلا من قلب مذاب حبا وعطفا وحنانا: " الطويل ". خليلي هل تقتضي لبانة هائم ... أم الوجد والتبريح ضربة لازم فأني بما ألقى من الوجد مغرم ... كسال، وقلبي بائح مثل كاتم ولي عبرات يستهل غمامها ... نحوي، إذا لاحت بروق المباسم كفى حزنا أني أذوب صبابة ... وأشكو الذي ألقى إلى غير راحم وأرتع من خديه في جنة المنى ... ويصلي فؤادي من هواه بجاحم تقتصى الصبا، واللهو إلا حشاشة ... تجدد لي عهد الصبا المتقادم وهو القائل: " الطويل " أما أنه لولا الدموع الهوامع ... لما بأن منى ما تجن الأضالع وكم هتكت ستر الهوى أعين المها ... وهاجت لي الشوق الديار البلاقع

стр. 29

خليلي مالي كلما لاح بارق ... تلضى الحشا، وأرفض منى المدامع هل الأفق في جلبي بالبرق لامع ... أم المزن في جفني بالودق هامع ففي القلب من نار الشجون مصائف ... وفي الخد من ماء الشؤن مرابع وما هاج هذا الشوق إلا مهفهف ... هو البدر أو بدر الدجى منه طالع إذا غاب يوما فالقلوب مغارب ... وإن لاح يوما فالجيوب مطالع يضرج خديه الحياء كأنما ... بخديه من فتك الجفون وقائع إلا أننا لا نعرف أي الجآذر أخذت بلبه، وبمن كان قد أبتلى حبا، وفي أي مكان وزمان كان ذلك؟ وتخشى أن يكون هذا الحب هو " الحب الأفلاطوني " وأن يكون غزله هو الغزل بالمذكر، لأن من سمات عصر ملوك الطوائف هو الغزل بالمذكر. وقد ذكر المقري والسيوطي أن أبن السيد كان قد أولع بأولاد أبن الحاج، صاحب قرطبة، وهو كانوا ثلاثة، وكانوا من أجمل الناس صورة، وهو رحمون، وعزون وحسون فأعجبه جمالهم، وأخذوا بلبه، حتى قال فيهم: " البسيط " أخفيت سقمي حتى كان يخفيني ... وهمت في حب عزون، فعزوني ثم ارحموني برحمون فأن ظمئت ... نفسي إلى ريق حسون، فحسوني وكان قد أولع بأبي الحكم، عمرو بن مذحج بن حزم الذي كان قد غلب على لبه وأخذ بمجامع قلبه، وكان من أحسن الناس صورة، وأروعهم جمالا: فقال فيه " الطويل " رأى صاحبي عمرا فكلف وصفه ... وحملني من ذاك ما ليس في الطوق فقلت له عمرو كعمرو فقال لي ... صدقت ولكن ذا أشب عن الطوق وذكر الفتح أبن خاقان شيخة، أبن السيد فقال إنه كان " يتغزل أيام جرى في ميدان الصبا متهافتا، وأبدله الجوى نفسا خافتا. وهو من أبدع أنواع الاستعطاف، وأحسن من النور عند القطاف، خضع فيه لمحبوبه، وذل وهان له، وأبتذل ورضى بما سامه من العذاب وبذل نفسه في رشفة من ثناياه العذاب، وتشكى من جوره وحيفه، وبكى حتى من اجتناب طيفه، وأستدعى رضاه، وخلع ثوب التناسك ونضاه، ونحا في استلطافه أرق منحى وتصادم عن قول من عذل ولحى، وهذا غرض من كواه الغرام، وسبيل من رام من الوصال ما رام، فما مع الهوى عزو ولا صبر، ومما هو إلا ذلل أو قبر " ثم أنشد قطعة من غزله، يخاطب فيها " محبوبة " ويقول له: " الطويل " أبا عامر أنت الحبيب إلى قلبي ... وإن كنت دهرا من عتابك في حرب أتعرض حتى بالخيال لدى الكري ... وتخبل، حتى بالسلام مع الركب إلى أن قال له: ويا جنة الفردوس هل يقطع العدا ... بجريا لك المختوم، أو مائك العذب ويا بائنا، بان العزاء ببينه ... فأصبحت مسلوب العزيمة والقلب أقنى بالعتبي جنى النحل منعما ... فانك قد جرعتن الصاب بالعتب فأبو عامر هذا هو الخامس ممن " غلب على لبه وأخذ بمجامع قبله ". ولم نعرف ذات سوار وخلخال غلبت على لبه، وأخذ بمجامع قلبه، والله وسبحانه، هو مقلب القلوب علام الغيوب: ٢ - النحوى اللغوي وكثيرا ما تذكره المصادر بقلب النحوي. وهذا مما لاشك فيه، ولا غبار عليه فقد كان ابن السيد البطليوسي، ﵀ إماما من أئمة النحو واللغة، وعلما من أعلام الأدب، لا في المغرب فحسب، بل في المشرق أيضا. وقد تناول بعض أمهات النحو شرحا، ونقدا، فمن ذلك كتاب " الجمل " للزجاجي شرح أبياته، وحل لغاته، ونسبها إلى قائليها، ووصل بكل بيت منها ما يتصل به، وأخرج شرحه هذا باسم " كتاب الحلل في شرح أبيات الجمال " وكان قبل ذلك قد نسبه على أغلاطه، وأخطائه. واصلح من خلله وفساده، وسماه باصلاح الخلل الواقع في الجمل ".

стр. 30

وله كتاب في المثلث، قد أتى فيه بالعجائب، ودل على اطلاع عظيم له في هذا الموضوع، وقد فاق فيه قطربا من ناحية الصواب وكثر المواد. وحقا سماه المقرى: " إمام نحاة الأندلس ونحويزمانه وعلامته ". وقد ادعى أبو الوليد الشقندي في رسالته، التي خاطب بها ابن المعلم الطنجي أن السيد البطيوسي، مثال له في الشرق ونص كلامه: " وهل لكم في النحو مثل أبي محمد ابن السيد وتصانيفه، ومثل أبى على الشلوبيني ". وقد يكون في هذا القول شيء من المبالغة والغلو، إلا أنه لا يخلو عن الحقيقة الواقعية، فان الخدمات، التي قام بها ابن السيد في ميدان النحو واللغة، ولا يمكن إنكارها أو تجاهلها، وتصانيفه شاهدة على ذلك مؤيدة له، إنها لخدمات جبارة تستحق التقدير والإعجاب. ٣ - الكاتب الأديب وكان ابن السيد كاتبا بليغا، أديبا بارعا، وقد وصل إلينا كثير من رسائله، وكتبه، ما يعطينا صورة كاملة عن نثره، مما كتبه في شتى المناسبات والموضوعات. ونثره ينقسم إلى قسمين: قسم علمي، وهو ما نجده في تآليفه العلمية والأدبية والدينية. وهذا النوع م١ن النثر، ليس فيه تسجيع، ولا تقفية، إلا ما جاء عفوا، وفي سهولة ويسر، كما نرى في الاقتضاب، وشرح سقط الزند، والانتصار، وكتاب الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة، والطرر على الكامل، وغيرها من مؤلفاته. وقسم أدبي، ونعنى به لغة الرسائل والتوقيعات، والرقعات، التي بعث بها إلى إخوانه، وأصدقائه، من الوزراء، والكتاب، والأدباء، والشعراء، واحتفظ ببعضها، كتب التراجم، والتأريخ، كقلائد العقيان للفتح أبن خاقان، وارهار الرياض للمقرى، ونفخ الطيب له. وهذا النوع من النثر، يلتزم أبن السيد فيه السجع والقافية، وينحو فيه نحو أبن العميد وغيره من الكتاب المترسلين من هذا القبيل في المشرق والمغرب. إلا أنه لا يتكلف السجع. ولا يكلف نفسه بالصنعة، وإنما نراه يميل دائما إلى القصد في الغلو والتنميق. ويأتي بجمل مسجعة متنافسة في أغراض مختلفة متساوقة يجد فيها القارئ لذة، وحلاوة وروعة وجمالا، من اختيار الألفاظ، وحسن التأليف، والتركيب. وهذا النوع من نثره لا يختلف كثيرا عن شعره من ناحية المحاسن اللفظية والمعنوية، كالاستعارة والتشبيه، والتضمين، والتلميح، وغير ذلك من أنواع الصنائع والبدائع. فكان أبن السيد يقول شعرا في قالب نثري. وكذلك فأن له قدره عجيبة في الاستشهاد ببيت الشعر، وإنشاده في المناسبات. فهو يستعمله في أكثر الأحيان في كلامه، ويطبقه، ويبصبه فيه كأنه صنع لهذا الغرض، وكأن الشاعر قاله على طلب من أبن السيد لغرضه هذا أو ذاك! نماذج من شعره ١ - كتب رقعة، يصف بها " قلائد العقيان في محاسن الأعيان " من تصانيف الفتح أبن خاقان، وهذا نصه: " تأملت فسح الله لسيدي وولي في أمد بقائه، كتابه الذي شرع في إنشائه، فرأبت كتابا سينجد ويغور، ويبلغ حيث لا تبلغ البدور، وتبين به الذرى والمناسم، وتغتدى له غرر، في اوج ومواسم، فقد أسجد الله الكلام لكلامك، وجعل النيرات طوع أقلامك، فأنت تهدى بنجومها، وتروى برجومها، فانثرة من نثرك والشعرى من شعرك والبلغاء لك معترفون، وبين يديك متصرفون، وليس يياريك مبار ولا يجاريك إلى الغاية مجار، إلا وقف حسيرا، وسبقت ودعى أخيرا، وتقدمت، لاعدمت شفوفا، ولابرح مكانك بالآمال محفوفا، بعزة الله ". ٢ - وكتب إلى الأستاذ أبي الحسن بن الأخضر ﵀: " ياسيدي الأعلى، وعمادي الأسنى، وحسنة الزمان الحسنى، الذي جل قدره وسار مسير الشمس ذكره، ومن أطال الله بقائه، بفضل يعلى مناره، وعلم يحى آثاره نحن - أعزك الله - نتدانى إخلاصا، وإن كنا نتنأى أشخاصا، ويجمعنا الأدب، وإن فرقنا النسب، فالأشكال أقارب، والآداب مناسب، وليس يضر تنأنى الأشباح. إذا تقاربت الأرواح، وما مثلنا في هذا الانتظام، إلا كما قال أبو تمام ﵀: نسيبي في رأيي وعلمي ومذهبي ... وإن باعدتنا في الأصول المناسب " الطويل ".

стр. 31

ولو لم يكن لمآثرك ذاكر، ولا لمفاخرك ناشر، إلا ذو الوزارتين، أبو فلان أبقاه الله لقام لك مقام سحبان وائل، وأغناك عن قول كل قائل، فأنه يمد في مضمار ذكرك بارعا رحيبا، ويقوم بفخرك في كل ناد خطيبا، حتى تثنى إليه الأحداق، وتلوى نحوه الأعناق، فكيف وما يقول إلا بالذي علمت سعد، وما تقرر في النفوس من قبل ومن بعد، فذكرك قد أنجد، وغار، ولم يسرفلك حيث سار، وإن ليل جهل أطلعت فيه فجر تبصيرك، لجدير بأن يصير نهارا، وأن نبع فكر قدحته بتذكيرك لجدير أن يعود مرخا وعفارا، فهنيئا لك الفضل، الذي أنت فيه راسخ القدم، شامخ العلم، منشور اللهواء، مشهور الذكاء مليت الآداب عمرك، ولا عدمت الألباب ذكرك، ورقيت من المراتب أعلاها، ولقيت من المآرب أقصاها، بفضل الله. ٤ - الشاعر المفلق كان أبو محمد أبن السيد البطليوسي، من الشعراء المعدودين، المذكورين، وهو من شعراء الذخيرة، والخريدة ومعجم السلفى. وله شعر يجمع بين سلالة التفكير وسلاسة التعبير، ومعالجة كثير من مسائل الحياة، ومشاكل البيئة، والاجتماع وخوالج النفس، وعواطفها ووصف الطبيعة ومظاهرها. وقد احتفظت ببعضه كتب التراجم، والتأريخ، كنفح الطيب للمقرى، وأزهار الرياض له، وقلائد العقيان في محاسن الأعيان، للفتح أبن خاقان، والمغرب في حلى المغرب، وغيرها من المصادر التأريخية. ويمتاز شعره بسلاسة اللفظ، واختياره، وسهولة المعاني وابتكارها. وقد ضمنه من الحكم والأمثال، والأفكار الفلسفية العميقة، والخيالات الجميلة البديعة، مع نوادر التشبيه، وروائع الاستعارة. وعلى شعره طابع واضح من أثر المعرى، والمتنبىء، وأبي تمام، وغيرهم من شعراء العصر العباسي، من هذا الجيل، الذين تأثر بهم شعراء الأندلس أكثر ما تأثروا به من شعراء العرب في الشرق. ونراه في بعض الأحيان، يكلف نفسه بلزوم مالا يلزم كصاحبه أبي العلأ المعري. وليس ذلك بدعا منه، فأنه قد تصدى لشرح سقط الزند لأبي العلاء، وديوان المتنبي، كما أنه عنى بدراسة شعرهما أبي تمام، وغيره من فحول القدماء. إلا أنه لا يحاكيهم، ولا يحتذيهم إلى حد بعيد، ليصبح " معرى الغرب "، أو غير ذلك، كما حاول أبن هانىء الأندلسي في محاكاة المشارقة، واحتذائهم، وتقليدهم وخاصة المتنبي منهم حتى حاز لنفسه لقب " متنبي الغرب "، وإنما كان أبن السيد يشعر لنفسه ويعبر عن نزوات حسه، ولم يكن يكلف نفسه في ذلك أكثر من اللازم والضرورة. وإننا نجد في شعر أبن السيد، أجود ما خصت به الطبيعة أهل الأندلس، من وصف المناظرر، وشرح العواطف، وسمو الخيال، وصفاء الديباجة، ونراه أحيانا تأتلق نفسه الفياضة، وينشرح صدره الرحيب، فتتفتح مشاعره الذكية لجمال الطبيعة، ورونقها، ولذات الحياة، ومعتها، وعجائب الكون، غرائبه، فيصف الخيل والليل، وقصور الترف ومجالس الطرب، والأندلس لملوك الطوائف، التي كان يدعى إليها، ويحضرها، ويتمتع بها. وأما الأغراض الشعرية عند أبن السيد، فأنها لا تختلف عن شعر شعراء الأندلس في وقته. فقد تناول في شعره من المدح والرثاء، والوصف، والحكم، والأمثال، والغزل، والنسيب، والإخوانيات، ونوع آخر، من شعره، يمكن لنا أن نسميه " الشعر الديني "، وهو ما قاله في التوحيد، والزهد، ومدح الرسول ﷺ ، ومكة المكرمة شرفها الله. وقد مدح أبن السيد من ملوك الطوائف: القادر بالله أبن ذي النون. والأمير الظافر عبد الرحمن بن عبيد الله بن ذي النون. والمستعين بالله أبن هود. وأبن رزين صاحب السهلة. كما أنه مدح من الأعيان، ذا الوزارتين أبا عيسى أبن لبون. وذا الوزارتين أبا محمد ابن الفرج. وقد رثى الوزير الأجل أبا عبد الملك ابن عبد العزيز البلنسي. وله شعر في المكاتبات والرسائل، بعث إلى إخوانه، وأصدقائه، في شتى المناسبات، منهم أبو الحسن راشد بن عريب. وذو الوزارتين أبو عبد الله محمد بن مسعود بن ابي الخصال. والأستاذ أبو محمد ابن جوشن. نماذج من شعره قال يصف مجلس القادر بالله ابن ذي النون من مجالس أنسه وطربه " المنسرح " يا منظرا إن رمقت بهجته ... أذكرني حسن جنة الخلد تربة مسك وجو عنبرة ... وغيم ند وطش ماورد والماء كاللا زورد قد نظمت ... فيه اللالي فواغر الأسد

стр. 32

كأنما جائل الحباب به ... يلعب في حافتيه بالنرد تراه يزهي إذ يحل به القادر زهو الكعاب بالعقد وقال يصف فرسا للظافر عبد الرحمن ابن ذي النون: " الطويل " وأدهم من آل الو جيه ولاحق ... له الليل لون، والصباح حجول تحير ماء الحسن فوق أديمة ... فلولا التهاب الخصر ظل يسيل كأن هلال الفطر، لاح بوجهه ... فأعيننا شوقا إليه تميل كأن الرياح العاصفات تقله ... إذا ابتل منه محزم وتليل وله في وصف طول الليل: " الطويل " ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة ... كما شبت أم في الجو روض بهار كأن الليالي السبع في الأفق جمعت ... ولا فضل فيما بينها لنهار وقال يرثى الوزير الأجل أبا عبد الملك بن عبد العزيز " " الطويل " فؤادي قريح قد جفاه اصطباره ... ودمعي أبت إلا انسكابا غزاره يسر الفتى بالعيش وهو مبيده ... ويغتر بالدنيا وما هي داره وفي عبر الأيام للمرء واعظ ... إذا صح فيها فكره واعتباره فلا تحسبن يا غافل الدهر صامتا ... فأفصح شيء ليله ونهاره أصخ لمناجاة الزمان فانه ... سغنيك عن جهر المقال سراره أدار على الماضين كأسا فكلهم ... أبيحت مغانيه وأقوت دياره وغالت أبا عبد المليك صروفه ... وقد كان دهرا لا يباح ذماره فأصبح مجفوا وقد كان واصلا ... وأمسى قصيا وهو دان مزاره ولم أنس إذ أودى الحمام بنفسه ... فلم يبق إلا فعله وادكاره خوى المجد من مروان وانهد طوده ... وجد بجد المكرمات عثاره وما خلت أن الصبح يشرق بعده ... لعين وأن الروض يبقى اخضراره فيا طود عز زلزل الأرض هذه ... وبدر علا راع الأنام انكداره هنيئا للحد ضم شلوك أن غدا ... عميد الندى والمجد فيه قراره ولم أر دار قط، أصدافه القرى ... زي بدر تم في التراب مغاره وله في الغزل: " الطويل " أيا قمراً في وجنتيه نعيم ... وبين ضلوعي من هواه جحيم إلى كم أقاسي منك روعا وقسوة ... وصرما وسقما أن ذا لعظيم وإني لأنهى النفس عنك تجلدا ... وأزعم أني بالسلو زعيم فان خطرت بالقلب ذكراك خطرة ... ظللت بلا لب إليك أهيم ومما أغرب به وأبدع قطعة تنفك منها ست قطع وهي: " الكامل " نفسي الفداء لجؤذر حلو اللمى ... مستحسن بصدوده أضناني في فيه سمطا جوهر يروى الظما ... نوعلني ببروده أحياني ثم زاد في غرابة هذا المنزع بأن صنع قطعة تنفك منها تسع قطع وهي: " الكامل " طيف سرى من خاطر القلب الذوى ... فوفي لنا بعداته وقضى الوطر بذ الكرى عن ناظر الصب الجوى ... وشفى الضني بهباته ومضى حذر وقال يشكو بعض إخوانه: " الطويل " أبا حسن أنب بودك معصم ... فهل أنت يوما من جفائك عاصمي جعلتك في نفسي وقلبي محكما ... لترضى فقد أصبحت أجور حاكم أتظلمني ودي، وما زال فيكم ... قريع على يرجي لرد المظالم وقال يخاطب مكة أعزها الله: " الطويل " أمكة تفديك النفوس الكرائم ... ولا برحت تنهل فيك الغمائم وكفت اكف السؤ عنك وبلغت ... مناها قلوب كي تراك حوائم فانك رفعت منك القواعد بالتقى ... وشادتك أيد برة ومعاصم وساويت في الفضل المقام كلا كما ... تنال به الزلقي وتحمى المآثم ومن أين تعدوك الفضائل كلها ... وفيك مقامان الهدى والمعالم ومبعث من ساد الورى وحوى العلا ... بمولده عبد الإله وهاشم نبي حوى فضل النبيين، واغتدى ... لهم أولا في فضله وهو خاتم وفيك يمين الله يلثمها الورى ... كما يلثم اليمنى من الملك لاثم

стр. 33

وفيك إبراهيم إذ وطئ الثرى ... ضحى قدم برهانها متقادم وله ﵀ في الزهد عن لزوم مالا يلزم: " الطويل " أمرت إلهي بالمكارم كلها ... ولم ترضا إلا وأنت لها أهل فقلت اصفحوا عمن أساء إليكم ... وعودوا بحلم منكم إن بدا جهل فخل لجهول خاف صعب ذنوبه ... لديك أمان منك، أو جانب سهل؟ ومن قوله في الزهد والتوحيد والثناء على الله : " الطويل " إلهي إني شا كرلك حامد ... وإني لساع في رضاك وجاهد وإنك مهما رلت النعل بالفتى ... على العائد التواب بالعفوا عائد تباعدت مجدا وأدنيت تعطفا ... وحلما فأنت المدني المتباعد ومالي على شيء سواك معول ... إذا دهتنبي المعضلات الشدائد أغيرك أدعو لي إلهنا وخالقا ... وقد أوضح البرهان أنك واحد وكيف يضل القصد ذو العلم والنهى ... ونهج الهدى من كان نحوك قاصد وهل يوجد المعلول من غير علة ... إذا صح فكر أو رأى الرشد راشد؟ وفي كل معبود سواك دلائل ... من الصنع تنبي أنه لك عايد وكل وجود عن وجودك كائن ... فواجد أصناف الروى لك واجد وكم لك في خلق الروى من دلائل ... يراها الفتى في نفسه ويشاهد وهو القائل: " الطويل " أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الآحيأ وهو عد يم ابن السيد أبو العلاء وكان المعري من بين جميع الشعراء أكثر إعجابا، وأوسع تأثيرا، وقبولا عند المغاربة، ولم يكد يظهر شعره في الشرق، حتى ذاع صيته في الأندلس، ووصلت دواوين شعره وجميع آثاره أليها في حياته وتلقاها الناس بالقول، ووجدت لها جوا مناسبا وبيئة صالحة لذيوعها وانتشارها، وأقبل الشعراء، والأدباء، والعلماء، على حفظها ودراستها، كما أقبل عليها الأمراء، واعجبوا بها إعجابا كبيرا، حتى أن أبا بكر، محمد بن عبد الله المظفر، صاحب بطليموس، وأديب ملوك عصره " كان ينكر الشعر على قائله في زمانه، ويفيل رأى من ارتسم في ديوانه، ويقول: من لم يكن شعره مثل شعر المتنبي أو المعري فليسكت ولا يرضي بدون ذلك ". وكانت آثاره قد دخلت الأندلس، إما بطريق الراحلين من الأندلس إلى المشرق وإما بطريق الوافدين من المشارقة على الأندلس. فمن الراحلين إلى المشرق، الآخذين عن المعري، أبو الربيع سليمان بن أحمد السرقسطى، وأبو تمام غالب بن عيسى الأنصاري الأندلسي، وأبو عبد الله بن جابر القرطبي. ومن الوافدين على الأندلس، من تلاميذ المعري، أبو الفضل البغدادي، وأبو عمرو السفاقسى وغيرهما. وكذلك فان الأندلسيين قد تناولوا آثار المعري شرحا ومعارضة. فمن المعارضين له، أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي، صاحب رسالة " الساجعة والغريب "، التي عارضه بها في " الصاهل والشاحج " " كما عارضه في خطبة الفصيح، وسقط الزند بالإصلاح وثمرة الأدب. وأبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الذي عارضه في " خطبة الفصيح " بكتاب سماه " جهد النصيح "، وأبو الطاهر محمد بن يوسف السرقسطى، صاحب " المقامات اللزومية الشهيرة "، وأبو عبد الله بم مسعود ابن أبي الخصال الغافقي، وزير يوسف بن تاشفين، وصديق صاحبنا ابن السيد، كان قد عارض المعري في ملقى السبيل. أما صاحبنا، أبو محمد ابن السيد، فأنه لم يكن من المعارضين للمعري، وإنما كان من المعجبين به، المعتنين بآثاره، الشارحين لها. فقد درس شعره، وحفظه، وفهمه حق الفهم. وقدره حق قدره. انظر إليه كيف يعترف بمكانة المعري وشعره وفنه: " ولمعري إنه لشعر قوي المباني، خفى المعاني، لأن قائله، سلك به غير مسلك الشعراء، ضمنه نكتا من النحل والآراء، وأراد أن يرى معرفته بالأخبار. والأنساب، وتصرفه في جميع أنواع الآداب، فاكثر فيه من الغريب، والبديع، ومزج المطبوع بالمصنوع، فتعقدت ألفاظه، وبعدت أغراضه ".

стр. 34

وقد رأى في شرحه أن ترتيبه، على حسب الحروف المعجمة، أتم في الوضع، وأجمل للتصنيف، فاحتاج لذلك، إلى أن يزيد فيه من شعره، ليكون أو في للغرض، وأنفع، فأضاف إليه قدراً كبيراً من اللزوميات، وجامع الأوزان، وكتبه الأخرى. وهو " في شرحه لآثار المعري " ناقد، دقيق الفهم، صافي الحس، وقد أعانه هذا، وما له من غزواة الحفظ، وسعة الإطلاع، وتحققه في علوم الفلسفة، والمنطق، وغيرهما، من فهم أغراض أبي العلاء، وإدراك خفي معانيه، وكذلك كان عوناً له في دقة الموازنة، وسلامة المقارنة، وفي تتبعه للمعنى، حتى يدرك أول من قاله، ونبه عليه، وفي تعقبه لأصل الخاطر، فلا يدعه حتى يصل إلى مبتدعه. نبذة من آراء القدماء والمحدثين في ابن السيد قال الفتح ابن خاقان في شيخه الفقيه الأجل، أبي محمد عبد الله بن السيد أدام الله علوه وتاج مفرقه، وهلال أفقه، ومهب نفخ صواره ومحلي أنواره ومجلي أنجاده وأغواره ما نصه " إنه ضارب قداح العلوم، ومجيلها، وغرة أيامنا البهيمة، وتججيلها، لو أدركه قيس، لماقاضي للحام وترا ولا شفعا، ولو عاصره ابن العاصي، لما ادعى ضراً ولا نفعاً، حلب الدهر أشرطه، وتلا حروفه وأسطره، وخدم الرياضيات، وعلم طرق السياسات ونفق وكسد، ووقف، وتوسد، وهو اليوم شيخ المعارف، وإمامها، ومن في يديه مقودها وزمامها، لديه تنشد ضوال الأعراب، وتوجد شوارد اللغات والإعراب، إلى مقطع دمث، ومنزع في النفاسية غير منتكث، وندى خرف به العوائد، وأورق عموده في يد الرائد، وعفاف كف حتى عن الطيف، ومكي المحرمين بالخيف، ولقد نزلت منه بالتقي الطاهر، ولقيت منه ما لقى عوف ابن محلم من ابن طاهر، ورأيت نار مكارمه تتألق وبت كأنما على النار الندى والمحلق، وله تحقق بالعلوم الحديثة والقديمة، وتصرف في طرقها المستقيمة، ما خرج بمعرفتها عن مضمار شرع، ولا نكب عن أصل للسنة ولا فرع، وتواليفه في الشروحات وغيرها صنوف، وهي اليوم في آذان الأيام شنوف، فمنها " المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس " و " الاقتضاب في شرح أدب الكتاب " وكتاب " التنبيه على السبب الموجب لاختلاف العلماء في اعتقاداتهم، وآرائهم، وسائر أغراضهم، وأنحائهم، وغير ذلك. وقال فيه، تلميذه الآخر، وهو ابن بشكوا ل: " وكان عالماً بالآداب، واللغات مستبحراً فيهما، مقدما في معرقتهما واتقانهما، يجمع الناس إليه، ويقرؤن عليه ويقتبسون منه، وكان حسن التعليم، جيد التلقين، ثقة، ضابطاً، وألف كتبا حساناً ". وقال الضبي صاحب بغية الملتمس " أبو محمد البطليوسى ... إمام في اللغة، والآداب، سابق، مبرز، وتواليفه دالة على رسوخه واتساعه، ونفوذه، وامتداد باعه، ... وكان ثقة، مأموناً على قيد، وروى، ونقل، وضبط ". ويقول السيوطي في بغية الوعاة: " كان عالماً باللغات والأداب، متبحراً فيهما انتصب لإقراء علوم النحو، واجتمع إليه الناسُ، وله يد في العلوم القديمة ". ويقول ابن خلكان، بعد أن نقل قول ابن بشكوال، وذكر تصانيفه واثنى عليهما: " وبالجملة، فكل شيء يتكلم فيه، فهو في غاية الجودة، وله نظم حسن ". وقال في المغرب: " أبو محمد عبد الله بن السيد، أحد من تفخر به جزيرة الأندلس من علماء العربية ". وقال الأستاذ الكبير، حامد عبد المجيد، في بداية مقدمة الانتصار: " ابن السيد البطييوسى، إمام من أئمة النحو واللغة، وعلم من أعلام الأدب، وصورة صادقة للعقل الخصب، والتفكير الناضج. أديب، عالم لديه مواهب الأديب، ومنح صفات العالم المحقق، شخصية متعددة النواحي، مختلفة الجوانب، فهو نحوي لغوي، فقيه عالم. أديب شاعر، له تحقق بالعلوم الحديثة والقديمة، ومشاركة في علوم الفلسفة والمنطق، وعلم الهيئة، وغير ذلك ". وإذا كانت آثار الإنسان تدل على شخصيته ونفسيته، مواهبه، وتكوين مزاجه، فان ما خلقه هذا الأديب العالم، من بدائع التأليف، لتدلنا على أن ابن السيد رحمة الله - كان واسع الاطلاع، غزير الحفظ، صافي الطبع، صائب الرأي، بارع الحكم، واضح البرهان، ومثل هذه الشخصية، خليقة بالبحث والدروس، جديرة بالعناية والاهتمام ".

стр. 35

وقبل أن نتقل إلى الفصل القادم، للكلام على مؤلفات ابن السيد، ثم على شيوخه، وتلاميذه، ونختم كلامنا عن محاسن الرجل، ومزاياه، لا بدلنا أن نذكر هاهنا كتتمة لهذا الفصل ونهايته - قول الفتح ابن خاقان، الذي ختم به تأليفه البارع عن حياة شيخه، الفقيه الأجل أبي محمد ابن السيد البطليوسي رحمة الله، وهذا نصه: " قال أبو نصر: ما سمح به خاطر، لم تخطر عليه سلوة، وذهن ناب لم ترهف له نبوة، ووقت أضيق من المأزق المتداني، ومقت للزمن شغلنى عن كل شيء وعداني أتجرع به الصاب، وأتدرع منه الأوصاب، فما أتفرغ لانشاء قول، ولا أصحو من الانتشاء من هول، وإلا فمحاسن الرجل كانت أهلا أن يمتد عنانها، لكن عاق عن ذلك الدهر الذي شغل، وأوغلنا في شعاب الأنكاد حيث وغل ". مؤلفاته يصرح ابن القفطي في انباه الرواة، أن ابن السيد البطليوسي، كان قد ألف تواليفه الكثيرة، وهو في بلنسية. إلا أنه لم يبدأ بها التأليف لأول مرة، وإنما كان قد بدأ هذا العمل السامي، في عهد منكر جدا، لأنه يقول في مقدمة المثلث، بأنه كان قد ألف، في هذا الموضوع، كتابا آخر من قبل، وذلك عام سبعين وأربعمائة، فاذا كان مولد ابن السيد، كما صرحت به المصادر إجماعا، هو عام ٤٤٤هـ، فمعنى ذلك أنه كان قد أخذ في التأليف في ميعة الشباب، وعنفوانه، وذلك في نحو السادسة والعشرين من عمره. إلا أنه يعترف بأن التأليف الثاني في المثلث، خير الأول، كما جاء في المثل الفارسي ما معناه: " أن محاولة الفنان الثانية تكون أجمل من الأولى ". ومؤلفات ابن السيد التي تزيد على عشرين كتابا، تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: هي الكتب التي طبعت ونشرت. والقسم الثاني يشمل الكتب من مؤلفات ابن السيد التي عرفنا عن وجود نسخها في شتى مكتبات العالم، ولم تطبع إلى الآن، فيما بلغنا. والقسم الثالث: من مؤلفاته هي الكتب التي فقدت أصولها، وذهب بها الزمام وعصفت بها يد الأيام، ولم نعثر على وجود بسخة منها. فمن القسم الأول: ستة كتب، والثاني: خمسة كتب، والثالث: أحد عشر كتابا فيما علمنا. القسم الأول من مؤلفات ابن السيد ١ - الاقتضاب في شرح أدب لكتاب بهذا الاسم سماه المؤلف، وبهذا الاسم ذكره أصحاب التراجم، والمؤرخون من أمثال ابن بشكوال، وابن خاقان، وابن خلكان، والمقرى في نفخ الطيب، وأزهار الرياض، وابن خير الاشبيلي في فهرسته، والحاج خليفة سوى السيوطي، والأستاذ بروكلمان، فانهما يذكرانه باسن شرح أدب الكاتب. وقد اشتهر ادب الكتاب لابن قتيبة، عند المغاربة باسن أدب الكتاب، فان ابن خير يقول في فهرسته: " كتاب أدب الكتاب لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ﵀، حدثني به الأستاذ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن الرماكا النحوي، ﵀، وقراءة منى عليه، قال: حدثني به الأستاذ أبو الحسن على بن عبد الرحمن التنوخي، ﵀، قراءة منى عليه، قال: حدثني به الأستاذ أبو الحجاج يوسف بن سليمان النحوي الأعلم الخ ". وبهذا الاسم، قد شرحه كثير من علماء المغاربة، ومنهم أبو الحزم الحسن بن محمد بن يحي بن عليم الأنصاري البطليوس ﵀. وقد ذكره المقرى باسم " شرح أدب الكتاب ". وكذلك ابن السيد، قد صرح في خطبة شرحه لأدب الكاتب أنه موسوم بأدب الكتاب. وقال ابن خلكان، وقد ذكر أدب الكتاب لابن قتيبة: " وقد شرح هذا الكتاب أبو محمد ابن السيد البطايوسي، شرحت متوفى، ونبه على مواضع الغلط منه، وفيه دلالة على كثرة اطلاع الرجل، وسماه الاقتضاب في شرح أدب الكتاب ". وكذلك قال الحاج خليفة عند وكلامه على أدب الكاتب لابن قتيبة، " وله شروح أجلها شرح الفاضل الأديب أبي محمد عبد الله محمد، المعروف بابن السيد البطليوسي. وقد طبع الكتاب ببيروت سنة ١٩١٠م في المطبعة الأدبية وقام على تحقيقه ونشره المعلم عبد الله آفندي البستاني. وقد قرانا النسخة المطبوعة من ألفها إلى يائها قرأة مسهبة فوجدناها مليئة بالأخطاء بعضها مطبعية وبعضها من قبل المحقق إذ لم يستطع قرأة المخطوط قرأة صحيحة جدية وليس هذا هو موضع التنبيه على الأخطاء وإنما يكفينا الإشارة إليها.

стр. 36

وقد نسب هذا الشرح لأحمد بن محمد بن احمد أبي العباس المرسي، المتوفى٤٦٠هـ المعروف بابن بلال، الذي قرأ عليه المظفر عبد الملك، في صغره، عند كونه بمرسية، في حياة أبيه المنصور أبي الحسن عبد العزيز عبد الرحمن بن أبي عامر، صاحب بلنسية. وقد كان أبو عبد الله بن خلصة النحوي كتب رسالة ناقض فيها أبا محمد بن السيد اليطليوسي، وبكته، وذكر أنه أغار على شرح أدب الكتاب لابن بلال، وانتحله وسماه بالاقتضاب. والكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول، في شرح الخطبة، والثاني في التنبيه على الأغلاط، والثالث في شرح الأبيات، ونسبتها لقائليها. وقد صرح المؤلف نفسه بذلك، عندما أراد أن يشرح موضوعه، وأغراض الشرح، وأهدافه، حيث قال: " غرضي، في كتابي هذا، تفسيرا خطبة الكتاب، الموسوم بأدب الكتاب، وذكر أصناف الكتبة، ومراتبهم، وجل ما يحتاجون إليه في صناعتهم، ثم الكلام بعد ذلك على نكت من هذا الديوان، يجب التنبيه عليها، والإشارة إليها، ثم الكلام على مشكل إعراب أبياته، ومعانيها، وذكر ما يحضرني من أسماء قائليها، وقد قسمته ثلاثة أجزاء: الجزء الأول في شرح الخطبة، وما يتعلق بها من ذكر أصناف الكتاب، وآلاتهم، والجزء الثاني في التنبيه على ما غلك فيه واضع الكتاب، أو الناقلون عنه وما منع منه، وهو جائز، والجزء الثالث في شرح أبياته. وفي نهاية القسم الأول أضاف ابن السيد بعض الفوائد الجمة، والمصطلحات الفنية، والمعلومات الثمينة، كأصناف الكتاب، وما يحتاجون إليه، والآتهم التي يحتاجون إلى معرفتها، ومعنى الكتاب والكاتب، وطبع الكتاب وختمه، ومن المصطلحات كعنوان الكتاب والديوان والتوقيع والتاريخ، ويختم القسم على ذكر الأوائل، كأول من افتتح كتابه بالبسملة، وأول من قال " أما بعد " وأول من طبع الكتب، وأول من كتب في كتابه " من فلان بن فلان، إلى فلان بن فلان " وغير ذلك من الفوائد. وأما الأغلاط، التي نبه عليها في الجزء الثاني، فهي تنقسم إلى أربعة أقسام: فالقسم الأول، هي مواضع، غلط فيها ابن قتيبة، والقسم الثاني، أشياء اضطرب فيها كلامه فأجاز في موضع ما منعه في آخر، والقسم الثالث، هي أشياء، جعلها ابن قتيبة من لحن العامة، وعول في ذلك على ما رواه بعض أئمة اللغة، وأهمل آراء بعضهم وأنكرها، وكلن ينبغي له أن يقول: أن ما ذكره هو المختار والأفصح عنده، والقسم الرابع من الأخطاء، هي مواضع الكتاب وقعت غلطا في رواية أبي على القلي، والتي نقلت إلى ابن السيد بطريق أبي نصر هارون بن موسى في رواية أدب الكاتب عن القالي. وابن السيد ﵀، لا يجزم القول في كونها أغلاط ابن قتيبة أو الناقلين والرواة عنه. ونظن أن معظم هذه الأخطاء، التي نبه عليها ابن السيد ترجع إلى غفلة الناقلين وإهمال الرواة، وتخليطهم في كلمات الأدبيات، وغيرها من مواد الكتاب. ويدل على صحة قولنا هذا، ما نبه عليها بن السيد في الأفاظ بيت منأبيات الكتاب " لبشار بن برد أو عروة ابن أذينة " وهو " الوافر ": يقلن، لقد بكيت، فقلت كلا ... وهل يبكى من الطرب الجليد فينبه عليه ابن السيد قائلا: هكذا نقل إلينا عن أبي نصر هارون بن موسى عن أبي على البغدادي، ﵀ عليهما، والصواب: " فقلن " " بالفاء " وأننا نجد في المطبوع من أدب الكاتب " فقلن " بالفاء، وقد ذكر المحقق الأروبي للكتاب، بهامشه أن في نسخة من نسخ الكتاب: " يقلن " مكان " فقلن ". وقد قال، في بداية القسم الثالث من الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، أن غرضه أن يقرن بكل بيت من أبيات الكتاب، ما يتصل به من قبله أو من بعدهن إلا أن أبيات يسيرة، لم يعلم قائلها، ولم يحفظ الأشعار التي وقعت فيها. ثم يقول إن في معرفة ما يتصل بالشاهد الشعري، وما يجلو معناه، ويعرب عن فحواه، فان كثيرا من المفسرين للأبيات، المستشهد بها، قد غلطوا في معانيها، حين لم يعلموا الأشعار التي وقعت فيها هذه الأبيات، لن البيت، إذا انفرد، احتمل تاويلات كثيرة.

стр. 37

وللكتاب نسخ مخطوطة في مكتبات العالم، كالقاهرة، والاسكوريال، وفاس ، والقيروان. ذكر ذلك الأستاذ الكبير بروكلمان في تكملته ١١٨٥. وفي نهاية الكتاب الثاني من الأقتضاب عبارة ما نصها: " نجز الكتاب بحمد الله، وحسن معونته، وصلى الله على محمد، خاتم أنبيائه، في اليوم الثاني من ذي القعدة، سنة خمس وثمانين وخمسمائة فاظاهر أن النسخة التي عول عليها المحقق كانت قد كتبت بعد موت ابن السيد بقرن والنصف، أو نحو ذلك. ٢ - شرح سقط الزند كان ابن السيد ﵀ من المعجبين بشخصية المعري المولعين بشعره، كما ذكرنا قبل ذلك. وكان قد اذخ شعره عن أخيه أبي الحسن ابن السيد، وعبد الدائم القيرواني، وأبي الفضل الدرامي البغدادي، الذي ذكره ابن السيد فقال: أنه شيخه في شعر ابي العلاء المعري. وقد شغل بأبي العلاء، وشرح شعره، واختار من دواوين شعره، سقط الزند، فشرحه، واستوفى فيه المقاصد، كمل يقول ابن خلكان. وهو أجود من شرح صاحب الديوان، أبي العلاء نفسه، الذي سناه " ضوء السقط " ويعد هذا الشرح أقوى شروح سقط الزند، وأكثرها نفعا وأوفاها استيعابا. وليس شرح ابن السيد خاصا بسقط الزند، وإنما يتناول مؤلفه طائفة أخرى من شعر المعري، في كتبه الأخرى، كجامع الأوزان، ولزوم مالا يلزم، إلا أنه مع هذه الزيادات، التي ضمها إلى شرحه هذا، فقد فاته بعض القصائد من بسقط الزند. وقد انفرد ابن السيد من بين شراح بسقط الزند، بترتيب شرحه على نظم حروف المعجم، وقد صرح بذلك، حيث قال: " ورأيت أن ترتيبه، عل نظم حروف المعجم، أتم في الوضع، وأجمل للتصنيف، فاحتجت لذلك إلى أن أزيد فيه ما يفي بالغرض ". إلا انه وضع ترتيب الحروف على طريقة المغاربة، وليس على طريقة المشارقة. " وهذا الشرح، يمتاز بكثرة التعرض للتحقيقات اللغوية، والمسائل النحوية وهو شديد الولوع بالموازنة والمقابلة، بين معاني أبي الطيب وأبي العلاء، وليس بدعا منه أن يسرف في ذلك فان اتبطليوسي قد تصدى لشرح ديوان المتنبئ، فكان لذلك أثره في استيعابه لشعره، ومعانيه، وهو أيضا، يلتزم التسجيع في أكثر عباراته، فلا ينزل إلى التكلف، وإنما يصطنع ذلك في سهولة ويسر. وللكتاب عدة نسخ، توجد في شتى مكتبات العالم. منها في تونس، والقاهرة. وقد طبع هذا الشرح مع شرحي الخوارزمي، والتبريزي، في القاهرة، بإشراف وزارة الثقافة والإرشاد القومي، وتحقيق لجنة مكونة من الأساتذة الأعلام. ٣ - كتاب الانتصار وقد جاء ذكره بهذا الاسم في المعجم لابن الأبار " ص٣٠١. حيث قال إن الفتح سمعه من ابن السيد سنة " ٥١٦ ". وقد قام بنتحقيقه، ونشره، الأستاذ الكبير الدكتور حامد عبد المجيد، وأخرجه باسن " الانتصار ممن عدل عن الاستبصار " وذكر أنه لم يتحقق اسمه من نسخة المخطوطة، التي وصلت إلى يده، لأنها تختلف في اسمه ولا تعينه واحدة منها، وإنما جعلت كل منها للكتاب اسماء اقتسمه من قول المؤلف في صدر تأليفه، مشيرا إلى موضوع الكتاب، وقال إن اسم الكتاب هذا، قد اكتشفه من مخطوطة بدار الكتب المصرية " برقم ١١ لغة م "، وهي نسخة كتاب " القول المأنوس في شرح مغلق القاموس " لبدر الدين محمد بن عمر بن حسن. موضوع الكتاب، هو رد اعتراضات أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي على ابن السيد في شرح بسقط الزند، كما يصرح به في خطبة الكتاب ويقول: " رأيت اراك الله منهج الحق، وسننه، وجعلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اعتراضات ابن العربي علينا في شرح شهر المعري. ولسنا ننكر معارضة المعارضين، ومناقضة المناقضين، فانها سبيل العلماء المعروفة، وطريقهم المألوفة " الطويل ": ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نيلا أن تعد معايبه

стр. 38

وإنما ننكر من هذا الرجل - وفقنا الله وإياه إلى صالح العمل - أنه تعسف، وما أنصف، وجاء في المعرضة والخلاف بأشياء، ن استطر فتها غاية الاستطراف، وذلك أنه وجد أبياتا، أفسدها ناسخ الديوان، بالزيادة والنقصان، فعادت مكسورة الأوزان، ونبت العين فيها من الشين، فنبه عليها في طور الكتاب، وبين فيها وجه الصواب، كأنه توهم - غفا الله عنه - أننا من الطبقة التي لا تقيم وزن الشعر، ولا تحسن شيئاً من النظم والنثر. وكذلك وجد لحنا من الناسخ في بعض الأحرف، فظنه من قبل المؤلف المصنف، فتفضل بأن عليه في طور الكتاب، فجعلنا عنده في مرتبة من لا يقيم وزن الشعر، ولا يحسن الإعراب ". وابن العربي هذا، كابن السيد، من المغاربة، المعجبين بشعر أبى العلاء، المولعين بقرائته، وحفظه، ودراسته، إلا أنه يمتاز برحلته إلى المشرق، ورواية شعر المعري عن أعلام الشرق مباشرة. فانه قد تلمذ على أبى زكرياء التبريزي، من تلاميذ المعري، المختصين به. أما ابن السيد، فانه لم يرحل إلى المشرق، وإنما أخذ شعر المعري عن أبى الفضل البغدادي الوافد على أهل الأندلس وغيره. وكانت رحلة ابن العربي إلى المشرق سنة ٤٨٥ هـ. وهو لم يتجاوز السابعة عشر من عمره. ثم انصرف 'لى الأندلس، سنة ٤٩٣ هـ. بعد أن أخذ، وسمع، وجمع، فأوعى، من المعارف، وأصبح من المتخصصين في شعر أبى العلاء المعري. وعندما عادة إلى بلاده، وقع في يده شرح سقط الزند لابن السيد، فأخذ عليه، واعترض. والبطليوسى رحمة الله، في هذا الكتاب، لا يرد مآخذ ابن العربي فحسب، وإنما يظهر أخطاءه، ويبين أغلاطه، وهو فر رده غزير الحفظ، واسع الاطلاع، جم المعرفة، متمكن في علم النحو، فلا يخفي عليه الدقائق، وقد ظهر أثر ذلك في كثرة استشهاده بشعر القدماء، وفي التنظير بين أبيات العمري، بعضها ببعض، وفي الموازنة والمقابلة بين شعر المعري، وغيره من الشعراء، وهو قد درس شعر أبي العلاء في أكثر من نسخة، كما يقول، وكذلك فانه ملم بما غير المعري من ألفاظ شعره في أخريات حياته، وكان كثير النص عليها، والإشارة إليها. وللكتاب ست نسخ، مخطوطة محفوظة في شتى مكتبات العالم، وقد سرد ذكرها الدكتور حامد عبد المجيد في مقدمته للانتصار، حيث فصل القول عن حياة ابن السيد ومؤلفاته. ٤ - كتاب الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة وهذا الكتاب قد قام بتحقيقه الأستاذ محمد زاهد بن الحسن الكوثري، وكيل المشيخة الإسلامية في العثمانية وصححه، وعرق به، وترجم لمؤلفاته، ونشره السيد عزت العطار الحسيني، مدير مكتب نشر الثقافة الإسلامية، من القاهرة سنة ١٣٦٥ هـ ١٩٤٦ م. والكتاب يشتمل على بعض المشاكل الفلسفية الغامضة العويصة، التي حارت فيها العقول والأذهان، وكان ابن السيد قد سئل عنها، فرد عليها، وهي ثمانية مسائل كما ذكرها في مقدمته قائلاً " سألتنى..عن معنى قول الحكماء، أن ترتيب الموجودات، عن السبب الأول، يحكى دائرة وهمية، تبدأ من نقطة، وترجع إليها، ومرجعها في صورة الإنسان، وعن قولهم إن الإنسان، تبلغ ذاته، بعد مماته إلى حيث يبلغ علمه في حياته. وأن علمه يحكى أيضا دائرة وهمية. وعن قولهم، إن في قوة العقل الجزئي أن يتصور بصورة العقل الكلي. وعن قولهم إن العدد دائرة وهمية كدائرة الأحاد والعشرات، ودائرة المئات والألوف. وعن قولهم، إن صفات الباري تعالى، لا يصح أن يوصف بها، إلا على طريق السلب. وعن قولهم إن الباري تعالى لا يعرف إلا نفسه. وما البرهان على بقاء النفس الناطقة بعد الموت ". وأما مدى نجاح ابن السيد رحمة الله، وتوفيقه في الإجابة عن هذه المطالب، ضيقة المسالك، ويرد عليها، فناهيك ما قاله المحقق العلامة في تعريفه بالكتاب ومؤلفاته: " وقد أجاب المؤلف في هذا الكتاب عن تلك الأسئلة العويصة، إجابة خبير بتلك المضائق، بصير بوجوده كشف الحقائق. وسعى في أن لا يحيد في بيانه وتيد شعره عن حدود شرع الله بقدر ما استطاع، ولمباحثه صلة وثيقة بمباحث اللمعه، وقد أجاد في بيان آراء الفلاسفة في تلك المطالب ". ٥ - التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة

стр. 39

ذكر الكتاب بهذا الاسم عند ابن خلكان في الوفيات، وابن بشكوال في الصلة، وابن العماد في شذرات الذهب، والبغدادي في هدية العارفين، وذكر عند ابن خير باسم " كتاب التنبيه على الأسباب التي أوجبت الخلاف بين المسلمين في عقائدهم، ومذاهبهم " وقال إنه سمعه عن أبي محمد العبدري، تلميذ ابن السيد، وهو عند المقرى، في أزهار الرياض، كتاب " التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين، في رأيهم، واعتقادهم " وقال إنه كتاب عظيم، لم يصنف مثله ". واسم الكتاب عند الفتح بن خاقان، في رسالته، التي كتبها عن حياة ابن السيد، كتاب " التنبيه على السبب الموجب لاختلاف العلماء في اعتقاداتهم، وآرائهم، وسائر أغراضهم، وأنحائهم ". وذكر السيوطى باسم كتاب " سبب اختلاف الفقهاء ". وأما الحاج خليفة، فقد سماه في كشف الظنون، كتاب " التنبيه على الأسباب الموجبة للخلاف بين المسلمين ". وعند ابن فرحون " كتاب التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة ". وقد طبع الكتاب من القاهرة سنة ١٣١٩ هـ بتحقيق الشيخ أحمد عمر المحمصاني البيروتي الأوهري وسماه " الأنصاف في التنبيه على الأسباب أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ". ٦ - المسائل والأجوبة هذا الكتاب يشتمل على الردود، والجوبة، عن بعض المشاكل، والأسئلة، التي كان ابن السيد، قد طولب بالجواب عنها، بعضها استفهام واسترشاد وبعضها امتحان وعناد. وتوجد له نسختان، كما ذكر الأستاذ الكبير بروكلمان في تكملته " ١٧٥٨ "، نسخة في الاسكوريال باسم " المسائل والأجوبة "، برقم ١٥١٨، وأخرى في مكتبة جامع القرويين، بفاس، باسم " كتاب الأسئلة "، تحت رقم ١٢٤٠. وقد نشر الأستاذ إبراهيم السامرائي، في مجموعة سماها " رسائل في اللغة "، من بغداد، سنة ١٩٦٤ م، وذكر أنه حصل على نسخة جيدة من تونس كتبت في سنة ١٢٩٩ هـ، وقد سماه " المسائل والأجوبة "، كما صرح به ابن السيد، مؤلفاته، في خطبة الكتاب، حيث قال: " سميته، كتاب المسائل والأجوبة ليكون معروفاً بهذا السمة ". وأننا نظن، أن هذا الكتاب، هو نفس الكتاب، الذي ذكره اليوطى في البغية باسم " المسائل المنشورة في النحو "، والقاضي ابن شبهة في طبقات النحاة، باسم " مسائل، منشورة مشهورة غربية "، وابن خير باسم " كتاب فيه مسائل في العربية وغيرها "، وقال إن من بين هذه المسائل، مسألة سحنون، ومسألة التشميت، والفرق بين التوابع والخمسة. ونرى أن هذه الخلاف والتخليد، في اسم الكتاب، قد وقع من قبل الكتاب الناسخين، وأخذ كل منهم اسم الكتاب من محتوياته، بصفة عامة، فانه يحتوي على الأسئلة واجوبتها، ومعظمها تتعلق بالنحو واللغة، وهذا كثير ما يحدث بالكتب القديمة، كما حدث " بالانتصار " من الاختلاف في اسمه. وأما الدكتور حامد عبد المجيد، فانه قد جعل الأسئلة والمسائل والأجوبة كتابين مستقلين وهما واحد في الحقيقة كما أنه متردد غير جازم في " المسائل المنشورة في النحو "، و " مسائل منشورة مشهورة غريبة "، هل هما كتابان أم اسمان لكتاب واحد، والله أعلم بالصواب، وهو ولي التوفيق والتسديد. القسم الثاني من مؤلفاته المثلث هذا الكتاب الغر قد جاء، عند ابن خير في فهرسته ٣ وقال أنه رواه عن القيسي والعبدري، اللذين كانا من تلاميذ ابن السيد ﵀، كما ذكره السويطى في البغية، وعنه المقري في ازهار الرياض، والقفطي في أنباه الرواة، والقاضي ابن شهبه في طبقات النحاه، وابن خلكان في الوفيات، ووصفه وأثنى عليه، فقال أن المثلث في مجلدين وان مؤلفه ابن السيد قد أتى فيه بالعجائب، ودل على اطلاع عظيم، فأن مثلث قطرب، في كراسه واحدة، واستعمل فيها الضرورة، ومالا يجوز، وغلط في بعضه. وقد نقل قول ابن خلكان هذا، ابن العماد في الشذرات، واليافعي في مرآة الجنان.

стр. 40

ويقول يوسف سركيس، صاحب معجم المطبوعات العربية الومعربة، أنه وقف على نسخة خطية، من كتاب المثلث لابن السيد، الذي يقول فيه: " اجتمع لنا في المثلث، المختلفة المعاني ٦٨٠ كلمة، ومن المثلث المتفق المعاني ١٢٢ كلمة. وقد كنت صنفت فيه تاليفا آخر، مرتبا على نظم الحروف، حسبما فعلت في هذا التصنيف، وذلك عام سبعين وأربعمائة، وذهبت عنى في نكبة السلطان، جرت على، وانتهب معظم ماكان بيدى، غير أنه لم يبلغ عدد ما ذكرته في هذا التأليف الثاني ". وللكتاب عدة نسخ، توجد في مكتبات العالم، كما ذكر المستشرق الكبير ، الأستاذ بروكلمان، في تكملته ١٧٥٨، والأستاذ حامد في مقدمة الانتصار، وهي: مكتبة عاطف آفندي، وبرقم ٢٧٥٤، ومكتبة لالى برقم ٣٦١٦، والقاهرة ٢، ٣٤ و " لعلها هي النسخة، التي ذكرها الأستاذ حامد في مقدمة الانتصار " وطنجة ١٢، ٥٦. وكان أبو مروان عبد الملك بن يزويد القرطبي، قد ألف كتاباً في المثلث، نحى فيه منحى أبي محمد البطليوسى، ورتبه على حروف المعجم، وسماه " بحر الدرر وروض الفكر ". وكان ابن الابار، قد وقف على نسخة منه، وكتب عنه، وذلك في سنة ٥٢١ هـ، وهي سنة وفاة ابن السيد رحمة الله. وعمر بن محمد القضاعى أيضا ألف كتابا في هذا الموضوع وسماه " الباهر في المثلث مضافا إليه المثنيات "، وهو من تلاميذ ابن السيد وسيأتي ذكره. شرح الكامل للمبرد، وسيأتي ذكره . كتاب الحلل في شرح أبيات الجمل بهذا الاسم ذكره الحاج خليفة، في كشف الظنون، وقال إن ابن السيد لما فرغ كم " إصلاح الخلل الواقع في الجمل "، تكلم في أبياته وذكر أسماء قائليها، وما يتصل بالشاهد من بعده، أو من قبله، وسماه " الحلل في شرح أبيات الجمل ". وهو أصغر من الشرح حجماً، أوله: " الحمد لله الذي علمنا ما لم نكن نعلم، الخ "، كما ذكره بهذا الاسم ابن شبهة، والسيوطى، والمقرى، وابن العماد في الشذرات وبهذا الاسم يوجد له نسخة في مكتبة جامعة طهران. أما الأستاذ بروكلمان والقفطى وابن خير، فقد ذكروه باسم " شرح أبيات الجمل ". وقد ذكر الأستاذ الزركلى أن نسخة الحلل، التي توجد في جامعة طهران، كانت قد كتبت في ٥٢٦ هـ، وكانت في خزانة المتوكل، احمد بن سليمان المتوفي ٥٥٦ هـ وقد حصلنا على نسخة منها، بالتصوير الشمسي - فرأينا، أن اسم الكتاب هو كما ذكر خليفة، ومن نحي نحوه، وعلى غلاف الكتاب، تحت اسمه، عبارة، بالخط الفارسي، يختلف عن خط الأصل، وهي: " تصنيف السيد الأجل، عبد الله بن محمد بن الحسن البطليوسى، رحمة الله تعالى عليه، ورضوانه، وصلى الله على محمد وآله وسلم. كتبه محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن الحسين. " وفي زواية، ذات اليسار من ذليل الغلاف، اسم مكتوب بالخط الفارسي وهو " صلاح بن محمد بم صلاح ". ومتن الكتاب يبدأ هكذا: " بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على محمد وآله، ... الحمد لله الذي علمنا مالم نكن نعلم، وفضلنا على كثير من خلقه وقدم، وجعلنا ممن يقتدي به ويأتم، وصلى الله على محمد وآله وسلم. قال أبو محمد، عبد الله بن محمد بن الحسن البطليوسى، رحمة الله،: لما فرغت من الكلام في الخلل الواقع في كتاب الجمل، أردت أن اتبع ذلك الكلام في إعراب أبياته، ومعانيها، وما يحضرني من أسماء قائليها. وغرضى، أن أصل بكل بيت منها، ما يتصل به، ليكون أبين لغرض قائله ومذهبه. ولم يمنعنى من الكلام في إعرابها ومعانيها ما تقدم من كلام غيري فيها، فربما كان لكلامي مزية على ما سواه، وزيادة فائدة لمن وقف عليه، ورواه. وأنا أسأل الله عونا على ما أيديه، أنه ولي الفضل ومسدده، ولا رب سواه، ولا معبود حاشا. أنشد أبو القاسم " الزجاجي "، رحمة الله، باب النعت: " الكامل " لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزا النازلون بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر هذا الشعر للخرنق بنت هفان القيسية، وهي أخت طرفة بن العبد المالكي لأمه، من شعرت به زوجها بن عمرو بن مرثد، ومن قتل معه، من بنيه وقومه. وكان عزى بن أسد بن خزيمة، هو، عمرو بن عبد الله بن الأشل الخ ". وفي نهاية الكتاب، جاءت هذه العبارة: تم الكتاب بحمد الله ومنه ولطفه، وتوفيقه، وتأيده، في سنة ٥٢٦ هـ ".
следующие страницы →