Полный текст (129 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
سفر نامه نَاصِر خسرو
стр. 2
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
هَذَا مَا يَقُول أَبُو معِين الدّين نَاصِر خسرو القبادياني الْمروزِي تَابَ الله عَنهُ كَانَت صناعتي الْإِنْشَاء وَكنت من المتصرفين فِي أَمْوَال السُّلْطَان وأعماله واشتغلت بالديوان وباشرت هَذَا الْعَمَل مُدَّة من الزَّمن وذاع صيتي بَين أقراني وَفِي ربيع الآخر سنة ٤٣٧ أَيَّام أبي سُلَيْمَان جغري بيك دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق حَاكم خُرَاسَان ذهبت من مرو فِي عمل للديوان وَنزلت فِي بنج ديه مرو الرود كَانَ ذَلِك يَوْم قرَان الرَّأْس وَالْمُشْتَرِي وَيُقَال إِن الله تَعَالَى وتقدس يستجيب فِيهِ إِلَى مَا يطْلب النَّاس من حاجات فَذَهَبت إِلَى زَاوِيَة وَصليت رَكْعَتَيْنِ ودعوته تَعَالَى وتبارك أَن ييسر لي أَمْرِي فَلَمَّا عدت لأصدقائي وأصحابي وجدت أحدهم ينشد شعرًا فارسيا فجال بخاطري أَبْيَات فكتبتها على ورقة لأعطيه إِيَّاهَا حَتَّى ينشدها فَإِذا بِهِ ينشد مَا كتبت من شعر وَلما أعْطه الورقة فتفاءلت بِهَذِهِ الْحَال وَقلت فِي نَفسِي إِن الله تَعَالَى وتبارك قد قضى حَاجَتي ثمَّ ذهبت إِلَى جزجانان فَمَكثت بهَا حوالي شهر وظللت أشْرب الْخمر
стр. 3
قَالَ النَّبِي ﷺ ﴿قُولُوا الْحق وَلَو على أَنفسكُم﴾ حَتَّى إِذا كَانَت ذَات لَيْلَة رَأَيْت فِي الْمَنَام رجلا يَقُول لي إِلَى مَتى تشرب هَذَا الشَّرَاب الَّذِي يسلب لب الرِّجَال خير لَك أَن تصحو فأجبت إِن الْحُكَمَاء لَا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئا غير هَذَا يقلل هموم الدُّنْيَا فَأجَاب إِن التسرية عَن النَّفس لَا تتأتى بفقد الشُّعُور وَالْعقل والحكيم لَا يَسْتَطِيع أَن يَقُول إِن الرجل المسلوب الْفُؤَاد يصلح هاديا للنَّاس بل يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَن يبْحَث عَمَّا يزِيد الْعقل وَالْحكمَة قلت وأنى لي هَذَا قَالَ من جد وجد ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْقبْلَة وَلم يقل شَيْئا فَلَمَّا صحوت من النّوم كَانَت هَذِه الرُّؤْيَا ماثلة بأكملها أَمَامِي وَقد أثرت فِي فَقلت لنَفْسي صحوت من نوم البارحة وَيَنْبَغِي أَن أصحو من نوم أَرْبَعِينَ سنة خلت وأمعنت الْفِكر فوجدتني لن أسعد مَا لم أعدل عَن كل سلوكي
وَفِي يَوْم الْخَمِيس من جمادي الآخر سنة ٤٣٧ (٢٠ ديسمبر ١٠٤٥) منتصف شهر دي من السّنة الفارسية ٤١٠ من التَّقْوِيم اليزدجردي اغْتَسَلت وَذَهَبت إِلَى الْجَامِع فَصليت ودعوت الله ﵎ أَن يُعِيننِي على أَدَاء الْوَاجِب وعَلى ترك المنهيات والسيئات كَمَا أَمر الْحق سُبْحَانَهُ تَعَالَى
стр. 4
ثمَّ تَوَجَّهت من هُنَاكَ إِلَى شبورغان وَفِي الْمسَاء كنت فِي قَرْيَة بارياب وَمِنْهَا سرت إِلَى مرو الرود عَن طَرِيق سنكلان وطالقان فَلَمَّا بلغت مرو طلبت إعفائي مِمَّا عهد إِلَيّ من عمل وَقلت إِنِّي عازم على الْحَج ثمَّ أدّيت مَا عَليّ من حِسَاب وَتركت أَمْوَالِي عدا الْقَلِيل الضَّرُورِيّ مِنْهَا
وَفِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان (٦ مارس ١٠٤٦) عزمت على السّفر إِلَى نيشابور فسرت من مرو إِلَى سرخس وَهِي على ثَلَاثِينَ فرسخا مِنْهَا وَمن سرخس إِلَى نيشابور أَرْبَعُونَ فرسخا وَقد بلغتهَا يَوْم السبت الْحَادِي عشر من شَوَّال (٢٢ ابريل ١٠٤٦) وَيَوْم الْأَرْبَعَاء آخر هَذَا الشَّهْر كسفت الشَّمْس وَكَانَ الْحَاكِم حِينَئِذٍ طغرل بيك مُحَمَّد أَخُو جغري بيك وَكَانُوا يشيدون مدرسة بِقرب سوق السراجين أَمر ببنائها وَقد ذهب أثْنَاء ولَايَته لأوّل مرّة للاستيلاء على ولَايَة اصفهان
وَفِي الثَّانِي من ذِي الْقعدَة (١٢ مايو ١٠٤٦) غادرت نيشابور فِي صُحْبَة الْأُسْتَاذ الْمُوفق الَّذِي كَانَ مؤدبا للسُّلْطَان فَبَلغنَا قومس عَن طَرِيق كوان وزرت الشَّيْخ بايزيد البسطامي قدس الله روحه
وَفِي الْجُمُعَة الثَّامِن من ذِي الْقعدَة (١٨ مايو ١٠٤٦) سرت إِلَى دامغان
стр. 5
ثمَّ بلغت سمنان عَن طَرِيق آنجوري وجاشت خواران فِي غرَّة ذِي الْحجَّة سنة ٤٣٧ (٩ يونيو ١٠٤٦) وَقد مكثت هُنَاكَ زَمنا وتعرفت بِأَهْل الْعلم وَقد دلوني على رجل اسْمه عَليّ النَّسَائِيّ وَهُوَ شَاب يتَكَلَّم الفارسية بلهجة الديالمة كَانَ شعر رَأسه مُرْسلا وَكَانَ وَهُوَ يتَكَلَّم يَقُول إِنِّي قَرَأت كَذَا على الْأُسْتَاذ أبي عَليّ سينا ﵀ وَهَكَذَا سَمِعت عَنهُ لكَي أعرف أَنه تلميذ ابْن سينا وَلما ناظرته قَالَ إِنِّي قَلِيل الْمعرفَة بِكُل علم وَأحب أَن أَقرَأ مَعَك قَلِيلا فِي الْحساب فَخرجت مُتَعَجِّبا قلت مَاذَا يعلم الآخرين وَهُوَ لَا يعلم شَيْئا
وعدت من بَلخ إِلَى الرّيّ ثَلَاثمِائَة وَخمسين فرسخا وَيُقَال إِنَّه من الرّيّ إِلَى ساوه ثَلَاثُونَ فرسخا وَمن ساوه إِلَى هَمدَان كَذَلِك وَمن الرّيّ إِلَى أصفهان خَمْسُونَ فرسخا وَإِلَى آمل ثَلَاثُونَ وَبَين الرّيّ وآمل جبل دماوند وَهُوَ كالقبة وَيُسمى لواسان وَيُقَال إِن بقمته بِئْرا يسْتَخْرج مِنْهُ النوشادر وَيُقَال والكبريت أَيْضا فيصعد عَلَيْهَا رجال يحملون جُلُود الْبَقر ويملئونها بالنوشادر ثمَّ يدحرجونها من قمة الْجَبَل لتعذر إِيجَاد طَرِيق لنقلها
وَفِي الْخَامِس من محرم سنة ٤٣ ﴿١٣ يوليو ١٠٤٦) الْمُوَافق الْعَاشِر من شهر مرداد سنة ٤١٥ من تَارِيخ الْفرس تَوَجَّهت نَاحيَة قزوين فبلغت قَرْيَة قوهة وَكَانَ بهَا قحط حَتَّى بيع الْمَنّ من خبز الشّعير بِدِرْهَمَيْنِ وَقد غادرتها فِي التَّاسِع من محرم (١٧ يوليو) فبلغت قزوين وَهِي آهلة بالحدائق الَّتِي لَا تحدها أسوار أَو أشواك فَلَا يحول دون دُخُولهَا عائق رَأَيْت قزوين مَدِينَة عَظِيمَة ذَات حصن مكين عَلَيْهِ شرفات وَبهَا أسواق جميلَة إِلَّا أَن المَاء بهَا قَلِيل وَهُوَ يجْرِي فِي قنوات تَحت الأَرْض وَكَانَ حاكمها رجلا من العلويين ويشتغل مُعظم صناعها بصناعة الأحذية
وَفِي الثَّانِي عشر من محرم سنة ٤٣ ﴿٢٠ يوليو ١٠٤٦) غادرت قزوين عَن طَرِيق بيل وقبان وهما من ضواحيها وسرت إِلَى قَرْيَة تسمى خرزويل
стр. 6
كَانَ مَعنا أَنا وَأخي وَغُلَام هندي كَانَ يصحبنا زَاد قَلِيل فَذهب أخي للقرية ليَشْتَرِي شَيْئا من الْبَقَّال فَقَالَ لَهُ أحدهم مَاذَا تُرِيدُ أَنا الْبَقَّال فَقلت كل مَا عنْدك يناسبنا فَإنَّا غرباء وعابرو سَبِيل فَقَالَ لَيْسَ عِنْدِي شَيْء أبدا وَبعد ذَلِك كنت أَقُول إِنَّه بقال خرزويل عَن كل شخص فِي أَي مَكَان يَقُول كلَاما من هَذَا النَّوْع
بعد مغادرة هَذِه الْقرْيَة جزنا منحدرا صعبا وَبعد مسيرَة ثَلَاثَة فراسخ بلغنَا قَرْيَة تسمى الْخَيْر من أَعمال طارم كَانَ جوها حارا وَبهَا شجر كثير من الرُّمَّان والتين ومعظمه بري وَمن هُنَاكَ اجتزنا نَهرا يُسمى شاه رَود عَلَيْهِ قَرْيَة تسمى خندان تجبى فِيهَا المكوس من قبل أَمِير الْأُمَرَاء وَهُوَ من مُلُوك الديلم وَحين يخرج النَّهر مِنْهَا يلتقي بنهر آخر اسْمه سبيدرود ثمَّ يدْخل النهران وَاديا شَرْقي جبال جيلان ويمر النَّهر بجيلان ثمَّ يصب فِي بَحر آبسكون بَحر قزوين وَيُقَال إِن ألفا وَأَرْبَعمِائَة نهر تصب فِي هَذَا الْبَحْر الَّذِي يُقَال إِن محيطه ألف وَمِائَتَا فَرسَخ وَإِن فِي وَسطه جزائر آهلة بالسكان وَقد سَمِعت هَذَا من كثرين
والآن أَعُود إِلَى رحلتي وَمَا كَانَ فِيهَا
وَمن خندان إِلَى شميران ثَلَاثَة فراسخ من صحراء صخرية كلهَا وشميران قَصَبَة ولَايَة طارم وعَلى حافة الْمَدِينَة قلعة مُرْتَفعَة مشيدة على صَخْر صلد محاطة بِثَلَاثَة أسوار وَقد حفرت فِي وَسطهَا قناة تجْرِي حَتَّى شاطىء النَّهر وَمِنْهَا يستخرجون المَاء ويحملونه إِلَى القلعة وَيُقِيم بهَا ألف رجل مُخْتَار من أَبنَاء عُظَمَاء الْولَايَة وَذَلِكَ حَتَّى لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يضل أَو يثور وَيُقَال إِن لهَذَا الْأَمِير قلاعا كَثِيرَة فِي ولَايَة الديلم وَإِن الْعدْل والأمن مستتبان بهَا فَلَا يَسْتَطِيع أحد أَن يغتصب شَيْئا من غَيره بل إِن النَّاس هُنَاكَ يدْخلُونَ مَسْجِد الْجُمُعَة ويتركون أحذيتهم خَارِجَة فَلَا يَأْخُذهَا أحد وَيكْتب هَذَا الْأَمِير اسْمه هَكَذَا مرزبان الديلم جيل جيلان أَبُو صَالح
стр. 7
مولي أَمِير الْمُؤمنِينَ واسْمه جستان إِبْرَاهِيم وَقد رَأَيْت فِي شميران رجلا طيبا من دربند اسْمه أَبُو الْفضل خَليفَة بن عَليّ الفيلسوف كَانَ رجلا فَاضلا أضافنا وَأَكْرمنَا وَقد تناظرنا مَعًا واتصلت بَيْننَا الصداقة سَأَلَني علام عزمت فَقلت أَنِّي أنوي الْحَج قَالَ أُرِيد أَن تمر بِنَا فِي عودتك حَتَّى أَرَاك
وَفِي السَّادِس وَالْعِشْرين من محرم (٣ أغسطس ١٠٤٦) غادرت شميران وَفِي الرَّابِع عشر من صفر (٢١ أغسطس) بلغت مَدِينَة سراب وغادرتها فِي السَّادِس عشر (٢٣ أغسطس) ثمَّ مَرَرْت بِسَعِيد آباد وَبَلغت تبريز فِي عشْرين صفر ٤٣ ﴿٢٧ أغسطس ١٠٤٦) وَكَانَ ذَلِك فِي الْخَامِس من شهر يور الشَّهْر الْقَدِيم وتبريز قَصَبَة ولَايَة آذربيجان وَهِي مَدِينَة عامرة وَقد قست طولهَا وعرضها فَكَانَ كل مِنْهُمَا الْفَا وَأَرْبَعمِائَة قدم وَكَانَ ملك ولَايَة آذربيجان يذكر هَكَذَا فِي الْخطْبَة الْأَمِير الْأَجَل سيف الدولة وَشرف الْملَّة أَبُو مَنْصُور وهسودان بن مُحَمَّد مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ وحكوا لي أَنه فِي لَيْلَة الْخَمِيس السَّابِع عشر من ربيع الأول ٤٣٤ (٥ ديسمبر ١٠٤٢) فِي الْأَيَّام المسترقة بعد الْعشَاء زلزلت الأَرْض فخرب جُزْء من الْمَدِينَة وَلم يصب الْجُزْء الآخر بِسوء وَيُقَال إِنَّه هلك فِيهَا حِينَئِذٍ أَرْبَعُونَ ألف نسمَة وَرَأَيْت فِي تبريز شَاعِرًا اسْمه قطران يَقُول شعر
стр. 8
جميلا وَلكنه لم يكن يجيد الفارسية وَقد زارني وَمَعَهُ ديواني منجيك والدقيقي وَقَرَأَ عَليّ مِنْهُمَا وسألني عَمَّا أشكل عَلَيْهِ من الْمعَانِي فَكنت أُجِيبهُ وَهُوَ يكْتب مَا أَقُول ثمَّ تلى عَليّ شَيْئا من أشعاره
فِي الرَّابِع عشر من ربيع الأول (١٩ سبتمبر) غادرت تبريز عَن طَرِيق مرند مَعَ جمَاعَة من جَيش الْأَمِير وهسودان فسرنا حَتَّى بلغنَا خوى وَمن هُنَاكَ سرنا إِلَى بر كري بِصُحْبَة رَسُول وَمن خوى إِلَى بركزي ثَلَاثُونَ فرسخا وَقد بلغناها فِي الثَّانِي عشر من جُمَادَى الأولى (١٦ نوفمبر) وَمن هُنَاكَ ذَهَبْنَا إِلَى وان ثمَّ إِلَى وسطان وَكَانَ لحم الْخِنْزِير يُبَاع فِي سوقها كَمَا يُبَاع الضَّأْن وَيجْلس نساؤها ورجالها أَمَام الحوانيت وَيَشْرَبُونَ بِغَيْر حَيَاء
وَمن هُنَاكَ بلغنَا مَدِينَة أخلاط فِي الثَّامِن عشر من جُمَادَى الأولى (٢٢ نوفمبر) وَهِي على الْحُدُود مَا بَين بِلَاد الْمُسلمين والأرمن وَبَينهَا
стр. 9
وَبَين بركري تِسْعَة عشر فرسخا وَعَلَيْهَا أَمِير اسْمه نصر الدولة نَيف على الْمِائَة وَله أَبنَاء كَثِيرُونَ أعْطى كلا مِنْهُم ولَايَة ويتكلمون بهَا ثَلَاث لُغَات الْعَرَبيَّة والفارسية والأرمنية وأظن أَنَّهَا سميت أخلاط لهَذَا السَّبَب والمعاملة هُنَاكَ بالنقود النحاسية ورطلهم ثَلَاثمِائَة دِرْهَم
فِي الْعشْرين من جُمَادَى الأول (٢٤ نوفمبر) غادرنا أخلاط ونزلنا فِي رِبَاط كروانسراي كَانَت السَّمَاء تمطر ثلجا وَالْبرد قارسا وَقد غرسوا فِي جُزْء من الطَّرِيق عمدا ليسير المسافرون على هديها أَيَّام الثَّلج والضباب ثمَّ بلغنَا مَدِينَة بطليس وَهِي وَاقعَة فِي وَاد وَقد اشترينا مِنْهَا عسلا الْمِائَة من بِدِينَار حسب مَا باعونا وَيُقَال إِن بهَا من يجني فِي السّنة الْوَاحِدَة ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعمِائَة جرة عسل
وَخَرجْنَا مِنْهَا فَرَأَيْنَا قلعة تسمى قف انْظُر وتركناها إِلَى مَكَان بِهِ جَامع يُقَال بناه اويس الْقَرنِي قدس الله روحه وَرَأَيْت النَّاس عِنْد حُدُوده يطوفون بِالْجَبَلِ ويقطعون أشجارا تشبه السرو فَسَأَلت مَاذَا تَعْمَلُونَ بهَا فَقَالُوا نضع طرفا من الشَّجَرَة فِي النَّار فَيخرج هَذَا القطران من طرفها الآخر فنجمعه فِي الْبِئْر ثمَّ نضعه فِي أوعية ونحمله إِلَى الْأَطْرَاف وَهَذِه الولايات الَّتِي ذكرت بعد أخلاط وَقد اختصرنا ذكرهَا هُنَا
стр. 10
تَابِعَة لميافارقين
ثمَّ سرنا إِلَى مَدِينَة أرزن وَهِي مَدِينَة عامرة وجميلة فِيهَا أَنهَار جَارِيَة وبساتين وأشجار وأسواق جميلَة وَيبِيع البرسيون هُنَاكَ المائتا من عنبا بِدِينَار وَاحِد فِي شهر آذر نوفمبر وديسمبر ويسمون هَذَا الْعِنَب رز إرمانوش
وانتقلنا إِلَى مَدِينَة ميافارقين الَّتِي يفصلها عَن أخلاط ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ فرسخا وَمن بَلخ إِلَيْهَا عَن الطَّرِيق الَّذِي إجتزناه إثنان وَخَمْسُونَ وَخَمْسمِائة فَرسَخ وَقد دخلناها يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس وَالْعِشْرين من جمادي الأول ٣٣ ﴿٢٣ نوفمبر ١٠٣٦) وَكَانَت أوراق الشّجر حِينَئِذٍ لَا تزَال خضراء وميافارقين محاطة بسور عَظِيم من الْحجر الْأَبْيَض الَّذِي يزن الْحجر مِنْهُ خَمْسمِائَة من وعَلى بعد كل خمسين ذِرَاعا من هَذَا السُّور برج عَظِيم من الْحجر نَفسه وَفِي أَعْلَاهُ شرفات وَهِي من الدقة بِحَيْثُ تَقول أَن يَد بِنَاء ماهر أكملتها الْيَوْم ولهذه الْمَدِينَة بَاب من نَاحيَة الغرب لَهُ عتبَة عَلَيْهَا طاق حجري وَقد ركب عَلَيْهَا بَاب من حَدِيد لَا خشب فِيهِ وَيطول وصف مَسْجِد الْجُمُعَة بهَا لَو ذكرته وَلَو أَن صَاحب الْكتاب شرح كل شَيْء أتم الشَّرْح وَقد قَالَ إِن للميضأة الَّتِي عملت بِهَذَا الْمَسْجِد أَرْبَعِينَ مرحاضا تمر أمامها قناتان كبيرتان الأولى ظَاهِرَة ليستعمل مَاؤُهَا وَالثَّانيَِة وَهِي تَحت الأَرْض لحمل الثفل وللصرف وخارج هَذِه الْمَدِينَة فِي الربض أربطة كروانسراها وأسواق وحمامات وَمَسْجِد وجامع آخر يصلونَ فِيهِ الْجُمُعَة ايضا وَفِي نَاحيَة الشمَال سَواد آخر يُسمى المحدثة بِهِ سوق وَمَسْجِد
стр. 11
جَامع وحمامات وكل مَا يَنْبَغِي لمدينة من مهمات وَيذكر اسْم سُلْطَان الْولَايَة فِي الْخطْبَة هَكَذَا الْأَمِير الْأَعْظَم عز الْإِسْلَام سعد الدّين نصر الدولة وَشرف الْملَّة أَبُو نصر أَحْمد وَقد بلغ الْمِائَة من عمره وَيُقَال إِنَّه حَيّ والرطل هُنَاكَ أَرْبَعمِائَة وَثَمَانُونَ درهما وَقد بنى هَذَا الْأَمِير مَدِينَة على مَسَافَة أَرْبَعَة فراسخ من ميافارقين سَمَّاهَا الناصرية وَمن آمد إِلَى ميافارقين تِسْعَة فراسخ
فِي السَّادِس من شهر دي الْقَدِيم (٢٢ ديسمبر ١٠٣٦) بلغنَا آمد الَّتِي شيدت على صَخْرَة وَاحِدَة طولهَا ألفا قدم وعرضها كَذَلِك وَهِي محاطة بسور من الْحجر الْأسود كل حجر مِنْهُ يزن مَا بَين مائَة وَألف من وَأكْثر هَذِه الْحِجَارَة ملتصق بعضه بِالْبَعْضِ من غير طين أَو جص وارتفاع السُّور عشرُون ذِرَاعا وَعرضه عشر أَذْرع وَقد بني على بعد كل مائَة ذِرَاع برج نصف دائرته ثَمَانُون ذِرَاعا وشرفاته من هَذَا الْحجر بِعَيْنِه وَقد شيدت فِي عدَّة أَمَاكِن دَاخل الْمَدِينَة سلالم من الْحجر ليتيسر الصعُود إِلَى السُّور وَقد بنيت قلعة على قمة كل برج ولهذه الْمَدِينَة أَرْبَعَة أَبْوَاب كلهَا من الْحَدِيد الَّذِي لَا خشب فِيهِ يطلّ كل مِنْهَا على جِهَة من الْجِهَات الْأَصْلِيَّة وَيُسمى الْبَاب الشَّرْقِي بَاب دجلة والغربي بَاب الرّوم والشمالي بَاب الأرمن والجنوبي بَاب التل وخارج هَذَا السُّور سور آخر من نفس الْحجر ارتفاعه عشر أَذْرع وَمن فَوْقه شرفات فِيهَا ممر يَتَّسِع لحركة رجل كَامِل السِّلَاح بِحَيْثُ يَسْتَطِيع ان يقف فِيهِ ويحارب بسهولة وَلِهَذَا السُّور الْخَارِجِي أَبْوَاب من الْحَدِيد شيدت مُخَالفَة لأبواب السُّور الداخلي بِحَيْثُ لَو اجتاز السائر أَبْوَاب السُّور الأول وَجب عَلَيْهِ اجتياز مَسَافَة لبلوغ أَبْوَاب السُّور الثَّانِي وَهَذِه الْمسَافَة تبلغ خمس عشرَة ذِرَاعا وَفِي وسط الْمَدِينَة عين يتفجر مَاؤُهَا من الْحجر الصلب وَهَذَا المَاء من الغزارة بِحَيْثُ يَكْفِي لإدارة خمس طواحين وَهُوَ غَايَة فِي العذوبة وَلَا يعرف أحد من أَيْن يَنْبع وَفِي الْمَدِينَة أَشجَار وبساتين تَقِيّ من هَذَا المَاء وأمير الْمَدِينَة وحاكمها هُوَ ابْن نصر
стр. 12
الدولة الَّذِي مر ذكره وَقد رَأَيْت كثيرا من المدن والقلاع فِي أَطْرَاف الْعَالم فِي بِلَاد الْعَرَب والعجم والهند وَالتّرْك وَلَكِنِّي لم أر قطّ مثل مَدِينَة آمد فِي أَي مَكَان على وَجه الأَرْض وَلَا سَمِعت من أحد أَنه رأى مَكَانا آخر مثلهَا ومسجدها الْجَامِع من الْحجر الْأسود وَلَيْسَ مثله متانة وإحكاما وَقد أقيم فِي وَسطه مِائَتَا عَمُود ونيف من الْحجر كل عَمُود قِطْعَة وَاحِدَة وَفَوق هَذِه الأعمدة عُقُود من الْحجر وَقد نصبت فَوْقهَا أعمدة أقصر من تِلْكَ وَجَمِيع أَسْقُف الْمَسْجِد على هَيْئَة الجملون وَقد كملت نجارة ونقارة ونقشا ودهنا وَفِي ساحته صَخْرَة كَبِيرَة عَلَيْهَا حَوْض كَبِير مستدير من الْحجر يبلغ ارتفاعه قامة رجل ومحيط دائرته ذراعان وَفِي وسط الْحَوْض أنبوبة من النّحاس يتفجر مِنْهَا مَاء صَاف لَا يظْهر مدخله أَو مخرجه وبالمسجد ميضأة عَظِيمَة جميلَة الصنع بِحَيْثُ لَا يُوجد أحسن مِنْهَا وَقد بنيت عمارات آمد كلهَا من الْحجر الْأسود وَأما ميافارقين فعماراتها من الْحجر الْأَبْيَض
وبالقرب من الْمَسْجِد كَنِيسَة عَظِيمَة غنية بالزخارف مَبْنِيَّة كلهَا من الْحجر وَقد فرشت أرْضهَا بالرخام المنقوش وَقد رَأَيْت فِيهَا على الطارم وَهُوَ مَكَان الْعِبَادَة عِنْد النَّصَارَى بَابا من الْحَدِيد المشبك لم أر مثله فِي أَي مَكَان
وَمن آمد إِلَى حران طَرِيقَانِ أَحدهمَا لَا عمرَان فِيهِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ فرسخا وَالثَّانِي بِهِ أَمَاكِن معمورة وقرى كَثِيرَة مُعظم أَهلهَا من النَّصَارَى وَهُوَ سِتُّونَ
стр. 13
فرسخا وَقد سرنا مَعَ الْقَافِلَة فِي هَذَا الطَّرِيق وَكَانَت الصَّحرَاء غَايَة فِي الاسْتوَاء إِلَّا أَن بهَا أحجارا كَثِيرَة بِحَيْثُ لَا تَسْتَطِيع الدَّوَابّ أَن تخطو خطْوَة وَاحِدَة من غير أَن تعثر بِحجر وَقد بلغنَا حران يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الآخر سنة ٣٣ ﴿٢٨ ديسمبر ١٠٤٦) الْمُوَافق اثْنَيْنِ وَعشْرين من شهر دي الْقَدِيم وَكَانَ هواؤها فِي ذَلِك الْوَقْت كهواء خُرَاسَان أَيَّام النوروز
وسرنا من هُنَاكَ فَبَلغنَا مَدِينَة تسمى قرول حَيْثُ أضافنا رجل كريم فِي بَيته وَهُنَاكَ دخل أَعْرَابِي فِي السِّتين من عمره فاقترب مني وَقَالَ حفظني الْقُرْآن فلقنته ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ فَكَانَ يقْرؤهَا معي فَلَمَّا وصلت إِلَى آيَة ﴿من الْجنَّة وَالنَّاس﴾ قَالَ أَقُول أَيْضا سُورَة أَرَأَيْت النَّاس فَقلت هَذِه السُّورَة لَيست قبل تِلْكَ فَقَالَ مَا سُورَة نقالة الْحَطب وَلم يعرف أَنه قيل فِي سُورَة ﴿تبت﴾ حمالَة الْحَطب لَا نقالة الْحَطب وَلم يسْتَطع هَذَا الْأَعرَابِي المشرف على السِّتين فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أَن يحفظ سُورَة ﴿قل أعوذ﴾ مَعَ تكراري لَهَا مَعَه
وَفِي يَوْم السبت الثَّانِي من رَجَب سنة ٣٣ ﴿٢ يناير ١٠٤٧) بلغنَا مَدِينَة سروج واجتزنا الْفُرَات فِي الْيَوْم التَّالِي ونزلنا فِي منبج وَهِي أول مدن الشَّام وَكَانَ هَذَا أول بهمن الْقَدِيم يناير فبراير والطقس هُنَاكَ معتدل جدا وَلم يكن خَارج الْمَدِينَة عمارات قطّ وَقد سرت مِنْهَا إِلَى حلب وَمن ميافارقين إِلَيْهَا إِلَى حلب مائَة فَرسَخ
وَرَأَيْت مَدِينَة حلب فَإِذا هِيَ جميلَة بهَا سور عَظِيم قست ارتفاعه فَكَانَ خمْسا وَعشْرين ذِرَاعا وَبهَا قلعة عَظِيمَة مشيدة كلهَا من الصخر وَيُمكن مُقَارنَة حلب ببلخ وَهِي مَدِينَة عامرة أبنيتها متلاصقة وفيهَا تحصل المكوس عَمَّا يمر بهَا من بِلَاد الشَّام وَالروم وديار بكر ومصر وَالْعراق
стр. 14
وَيذْهب اليها التُّجَّار من جَمِيع هَذِه الْبِلَاد وَلها أَرْبَعَة أَبْوَاب بَاب الْيَهُود وَبَاب الله وَبَاب الْجنان وَبَاب أنطاكية وَالْوَزْن فِي سوقها بالرطل الظَّاهِرِيّ وَهُوَ أَرْبَعمِائَة وَثَمَانُونَ درهما وَتَقَع حما جنوبي حلب بِعشْرين فرسخا وَمن بعْدهَا حمص وَمن حلب إِلَى دمشق خَمْسُونَ فرسخا وَإِلَى أنطاكية اثْنَا عشر فرسخا وَإِلَى طرابلس كَذَلِك وَيُقَال إِن من حلب حَتَّى الْقُسْطَنْطِينِيَّة مِائَتي فَرسَخ
وَفِي الْحَادِي عشر من رَجَب سنة ٤٣ ﴿١١ يناير ١٠٤٧) خرجنَا من حلب وعَلى مَسَافَة ثَلَاثَة فراسخ مِنْهَا قَرْيَة تسمى جند قنسرين وَفِي الْيَوْم التَّالِي سرنا سِتَّة فراسخ وبلغنا مَدِينَة سرمين الَّتِي لَا سور لَهَا وَبعد مسيرَة سِتَّة فراسخ أُخْرَى بلغنَا معرة النُّعْمَان وَهِي مَدِينَة عامرة وَلها سور مَبْنِيّ وَقد رَأَيْت على بَابهَا عمودا من الْحجر عَلَيْهِ كِتَابَة غير عَرَبِيَّة فَسَأَلت مَا هَذَا فَقيل إِنَّه طلسم الْعَقْرَب حَتَّى لَا يكون فِي هَذِه الْمَدِينَة عقرب أبدا وَلَا يَأْتِي اليها وَإِذا أحضر من الْخَارِج وَأطلق بهَا فَإِنَّهُ يهرب وَلَا يدخلهَا وَقد قست هَذَا العمود فَكَانَ ارتفاعه عشر أَذْرع وَرَأَيْت أسواق معرة النُّعْمَان وافرة الْعمرَان وَقد بني مَسْجِد الْجُمُعَة على مُرْتَفع وسط الْمَدِينَة بِحَيْثُ يصعدون اليه من أَي جَانب يُرِيدُونَ وَذَلِكَ على ثَلَاث عشرَة دَرَجَة وزراعة السكان كلهَا قَمح وَهُوَ كثير وفيهَا شجر وفير من التِّين وَالزَّيْتُون والفستق وَالْعِنَب ومياه الْمَدِينَة من الْمَطَر والآبار
وَكَانَ بِهَذِهِ الْمَدِينَة رجل أعمى اسْمه أَبُو الْعَلَاء المعري وَهُوَ حاكمها وَكَانَ وَاسع الثراء عِنْده كثير من العبيد وَكَانَ أهل الْبَلَد خدم لَهُ
стр. 15
أما هُوَ فقد تزهد فَلبس الكلتم وَاعْتَكف فِي الْبَيْت وَكَانَ قوته نصف من من خبز الشّعير لَا يَأْكُل غَيره وَقد سَمِعت أَن بَاب سرايه مَفْتُوح دَائِما وَأَن نوابه وملازميه يدبرون أَمر الْمَدِينَة وَلَا يرجعُونَ إِلَيْهِ إِلَّا فِي الْأُمُور الهامة وَهُوَ لَا يمْنَع نعْمَته أحدا يَصُوم الدَّهْر وَيقوم اللَّيْل وَلَا يشغل نَفسه مُطلقًا بِأَمْر دُنْيَوِيّ وَقد سما المعري فِي الشّعْر وَالْأَدب إِلَى حد أَن أفاضل الشَّام وَالْمغْرب وَالْعراق يقرونَ بِأَنَّهُ لم يكن من يدانيه فِي هَذَا الْعَصْر وَلَا يكون وَقد وضع كتابا سَمَّاهُ الفضول والغايات ذكر بِهِ كَلِمَات مرموزة وأمثالا فِي لفظ فصيح عَجِيب بِحَيْثُ لَا يقف النَّاس إِلَّا على قَلِيل مِنْهُ وَلَا يفهمهُ إِلَّا من يقرأه عَلَيْهِ وَقد اتَّهَمُوهُ بأنك وضعت هَذَا الْكتاب مُعَارضَة لِلْقُرْآنِ يجلس حوله دَائِما أَكثر من مِائَتي رجل يحْضرُون من الْأَطْرَاف يقرءُون عَلَيْهِ الْأَدَب وَالشعر وَسمعت أَن لَهُ أَكثر من مائَة ألف بَيت شعر سَأَلَهُ رجل لم تعط النَّاس مَا أَفَاء الله ﵎ عَلَيْك من وافر النعم وَلَا تقوت نَفسك فَأجَاب إِنِّي لَا أملك أَكثر مِمَّا يُقيم أودي وَكَانَ هَذَا الرجل حَيا وَأَنا هُنَاكَ
وَفِي الْخَامِس عشر من رَجَب سنة ٣٣ ﴿١٥ يناير ١٠٤٧) سرنا إِلَى كويمات وَمِنْهَا إِلَى حما وَهَذِه الْمَدِينَة جميلَة عامرة على شاطىء نهر العَاصِي وَيُسمى هَذَا النَّهر بالعاصي لِأَنَّهُ يذهب إِلَى بِلَاد الرّوم فَهُوَ يخرج من بِلَاد الْإِسْلَام ليدْخل بِلَاد الْكفْر وَقد نصبوا عَلَيْهِ سواقي كَثِيرَة وَمن حما طَرِيقَانِ أَحدهمَا بِجَانِب السَّاحِل غرب الشَّام وَالْآخر فِي الْجنُوب وَهُوَ يَنْتَهِي إِلَى دمشق فسرنا عَن طَرِيق السَّاحِل وَقد رَأينَا فِي الْجَبَل عينا قيل إِن ماءها يتفجر فِي الثَّلَاثَة أَيَّام التالية لنصف شعْبَان من كل سنة ثمَّ ينضب فَلَا تخرج مِنْهُ قَطْرَة وَاحِدَة حَتَّى السّنة التالية وَيذْهب الكثيرون
стр. 16
لزيارة هَذِه الْعين تقربا إِلَى الله وَقد بنيت هُنَاكَ عمارات وأحواض وَلما سرنا من هُنَاكَ بلغنَا سهلا كَسَاه النرجس ثوبا أَبيض وذهبنا بعد ذَلِك إِلَى مَدِينَة تسمى عرقة وَبعد مسيرَة فرسخين مِنْهَا بلغنَا شاطىء الْبَحْر فتبعناه نَاحيَة الْجنُوب حَتَّى بلغنَا مَدِينَة طرابلس بعد مسيرَة خَمْسَة فراسخ
وَمن حلب إِلَى طرابلس أَرْبَعُونَ فرسخا عَن هَذَا الطَّرِيق وَكَانَ بلوغنا إِيَّاهَا يَوْم السبت الْخَامِس من شعْبَان (٦ فبراير) وحول الْمَدِينَة الْمزَارِع والبساتين وَكثير من قصب السكر وأشجار النارنج والترنج والموز والليمون وَالتَّمْر وَكَانَ عسل السكر يجمع حينذاك ومدينة طرابلس مشيدة بِحَيْثُ أَن ثَلَاثَة من جوانبها مطلة على الْبَحْر فَإِذا ماج علت أمواجه السُّور أما الْجَانِب المطل على الْيَابِس فبه خَنْدَق عَظِيم عَلَيْهِ بَاب حديدي مُحكم وَفِي الْجَانِب الشَّرْقِي من الْمَدِينَة قلعة من الْحجر المصقول عَلَيْهَا شرفات ومقاتلات من الْحجر نَفسه وعَلى قمتها عرادات لوقايتها من الرّوم فهم يخَافُونَ أَن يُغير هَؤُلَاءِ عَلَيْهَا بالسفن ومساحة الْمَدِينَة ألف ذِرَاع مربع وأربطتها أَربع أَو خمس طَبَقَات وَمِنْهَا مَا هُوَ سِتّ طَبَقَات أَيْضا وشوارعها وأسواقها جميلَة ونظيفة حَتَّى لتظن أَن كل سوق قصر مزين وَقد رَأَيْت بطرابلس مَا رَأَيْت فِي بِلَاد الْعَجم من الْأَطْعِمَة والفواكه بل أحسن مِنْهُ
стр. 17
مائَة مرّة وَفِي وسط الْمَدِينَة جَامع عَظِيم نظيف جميل النقش حُصَيْن وَفِي ساحته قبَّة كَبِيرَة تحتهَا حَوْض من الرخام فِي وَسطه فواره من النّحاس الْأَصْفَر وَفِي السُّوق مشرعة ذَات خَمْسَة صنابير يخرج مِنْهَا مَاء كثير يَأْخُذ مِنْهُ النَّاس حَاجتهم وَيفِيض بَاقِيه على الأَرْض وَيصرف فِي الْبَحْر وَيُقَال إِن بهَا عشْرين ألف رجل ويتبعها كثير من السوَاد والقرى ويصنعون بهَا الْوَرق الْجَمِيل مثل الْوَرق السَّمرقَنْدِي بل أحسن مِنْهُ وَهِي تَابِعَة لسلطان مصر قيل وَسبب ذَلِك أَنه فِي زمن مَا أغار عَلَيْهَا جَيش الرّوم الْكفَّار فحاربه جند سُلْطَان مصر وقهروه فَرفع السُّلْطَان الْخراج عَنْهَا وَأقَام بهَا جَيْشًا من قبله على رَأسه قَائِد لحمايتها من الْعَدو وَتحصل المكوس بِهَذِهِ الْمَدِينَة فتدفع السفن الْآتِيَة من بِلَاد الرّوم والفرنج والأندلس وَالْمغْرب الْعشْر للسُّلْطَان فَيدْفَع مِنْهُ أرزاق الْجند وللسلطان بهَا سفن تُسَافِر إِلَى بِلَاد الرّوم وصقلية وَالْمغْرب للتِّجَارَة وسكان طرابلس كلهم شيعَة وَقد شيد الشِّيعَة مَسَاجِد جميلَة فِي كل الْبِلَاد وَهُنَاكَ بيُوت على مِثَال الأربطة وَلَكِن لَا يسكنهَا أحد وَتسَمى مشَاهد وَلَا يُوجد خَارج طرابلس بيُوت أبدا عدا مشهدين أَو ثَلَاثَة من الَّتِي مر ذكرهَا
وغادرت طرابلس وسرت على شاطىء الْبَحْر نَاحيَة الْجنُوب فَرَأَيْت على مَسَافَة فَرسَخ وَاحِد قلعة تسمى قلمون فِي داخلها عين مَاء وسرت من هُنَاكَ إِلَى طرابزون وَمن طرابلس إِلَيْهَا خَمْسَة فراسخ وَمِنْهَا بلغنَا مَدِينَة جبيل وَهِي مُثَلّثَة تطل زَاوِيَة مِنْهَا على الْبَحْر ويحيطها سور حُصَيْن شَاهِق الِارْتفَاع وحولها النخيل غَيره من أَشجَار المناطق الحارة وَقد رَأَيْت فِي يَد غُلَام بهَا وردة حَمْرَاء وَأُخْرَى بَيْضَاء ناضرة وَكَانَ ذَلِك فِي الْيَوْم الْخَامِس من استدارمذ الشَّهْر الْقَدِيم (فبراير) سنة ٣١٥ من تَارِيخ الْعَجم
وَمن هُنَاكَ بلغنَا بيروت فَرَأَيْت بهَا طاقا حجريا شقّ الطَّرِيق فِي وَسطه وَقد قدرت ارتفاعه بِخَمْسِينَ ذِرَاعا وجانباه من الْحجر الْأَبْيَض
стр. 18
تزن كل قِطْعَة مِنْهُ أَكثر من ألف من وعَلى جانبيه بِنَاء من الطوب النيىء ارتفاعه عشرُون ذِرَاعا وَقد نصبت على قمته أعمدة من الرخام طول كل مِنْهَا ثَمَانِيَة أَذْرع وَهِي سميكة بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع رجلَانِ أَن يحيطاها بأذرعهما إِلَّا بصعوبة وعَلى رَأس هَذِه الْعمد عُقُود على الْجَانِبَيْنِ كلهَا من الْحجر المنحوت الَّذِي لَا يفصله عَن بعضه حص أَو طين وَفِي الْوسط تَمامًا الطاق الْكَبِير يعلوها بِخَمْسِينَ ذِرَاعا وَقد قست كل حجر مِنْهُ فَإِذا بِهِ ثَمَانِيَة أَذْرع طولا وَأَرْبَعَة عرضا وأظن الْحجر الْوَاحِد يزن سَبْعَة آلَاف من وَقد نقشت هَذِه الْحِجَارَة بدقة ومهارة بِحَيْثُ يقل مَا يشابهها مِمَّا ينقش على الْخشب وَلم يبْق هُنَاكَ أبنية غير هَذَا الطاق وَقد سَأَلت أَي مَكَان هَذَا فَقيل لي سمعنَا أَنه بَاب حديقة فِرْعَوْن وَهُوَ بَالغ فِي الْقدَم والوادي المجاور لهَذِهِ النَّاحِيَة مَمْلُوء بأعمدة الرخام تيجانها وجذوعها وَهِي من الرخام المدور والمربع والمسدس والمثمن وَهِي من الصلابة بِحَيْثُ لَا يُؤثر فِيهَا الْحَدِيد وَلَيْسَ فِي هَذِه الْجِهَة جبل حَتَّى يُقَال إِنَّهُم جلبوها مِنْهُ وَهُنَاكَ حِجَارَة تبدو كَأَنَّهَا معجونة جرانيت وَهِي تفل الْحَدِيد وَفِي نواحي الشَّام أَكثر من خَمْسمِائَة ألف من أعمدة وتيجان وجذوع وَلَا يعرف أحد مَاذَا كَانَت وَلَا من أَيْن نقلت
ثمَّ بلغنَا مَدِينَة صيدا وَهِي على شاطىء الْبَحْر أَيْضا يزرع بهَا قصب السكر بوفرة وَبهَا قلعة حجرية محكمَة وَلها ثَلَاث بوابات وفيهَا مَسْجِد جُمُعَة جميل يبْعَث فِي النَّفس هَيْبَة تَامَّة وَقد فرش كُله بالحصير المنقوش وَفِي صيدا سوق جميل نظيف وَقد ظَنَنْت حِين رَأَيْته أَنه زين خَاصَّة لمقدم السُّلْطَان أَو لِأَن بشرى سعيدة أذيعت فَلَمَّا سَأَلت قيل لي هَكَذَا عَادَة هَذِه الْمَدِينَة دَائِما وفيهَا حدائق وأشجار منسقة حَتَّى لتقول إِن سُلْطَانا هاويا غرسها وَفِي كل من هَذِه الحدائق كشك وأغلب شَجَرهَا مثمر
стр. 19
وَبعد مسيرَة خَمْسَة فراسخ على شاطىء الْبَحْر بلغنَا مَدِينَة صور وَهِي ساحلية أَيْضا وَقد بنيت على صَخْرَة امتدت فِي المَاء بِحَيْثُ أَن الْجُزْء الْوَاقِع على الْيَابِس من قلعتها لَا يزِيد على مائَة ذِرَاع وَالْبَاقِي فِي مَاء الْبَحْر والقلعة مَبْنِيَّة بِالْحجرِ المنحوت الَّذِي سدت فجواته بالقار حَتَّى لَا يدْخل المَاء من خلله وَقد قدرت الْمَدِينَة بِأَلف ذِرَاع مربع وأربطتها من خمس أَو سِتّ طَبَقَات وَكلهَا متلاصقة وَفِي كثير مِنْهَا نافورات وأسواقها جميلَة كَثِيرَة الْخيرَات وتعرف مَدِينَة صور بَين مدن سَاحل الشَّام بالثراء ومعظم سكانها شيعَة وَالْقَاضِي هُنَاكَ رجل سني اسْمه ابْن أبي عقيل وَهُوَ رجل طيب ثري وَقد بني على بَاب الْمَدِينَة مشْهد بِهِ كثير من السجاجيد والحصير والقناديل والثريات المذهبة والمفضضة وصور مشيدة على مُرْتَفع وتأتيها الْمِيَاه من الْجَبَل وَقد شيد على بَابهَا عُقُود حجرية يمر من فَوْقهَا إِلَى الْمَدِينَة وَفِي الْجَبَل وَاد مُقَابل لَهَا إِذا سَار السائر فِيهِ ثَمَانِيَة عشر فرسخا نَاحيَة الْمشرق بلغ دمشق
بعد أَن سرنا سَبْعَة فراسخ من صور بلغنَا عكة وتكتب هُنَاكَ مَدِينَة عكة وَهِي مشيدة على مُرْتَفع بعضه من أَرض وعرة وَبَعضه سهل وَلم تشيد الْمَدِينَة فِي الْوَادي المنخفض مَخَافَة غَلَبَة مَاء الْبَحْر عَلَيْهَا وخشية أمواجه الَّتِي تعج على السَّاحِل وَمَسْجِد الْجُمُعَة فِي وسط الْمَدِينَة وَهُوَ أَعلَى مبانيها وأعمدتها كلهَا من الرخام وَيَقَع قبر صَالح النَّبِي ﵇ خَارجه على يَمِين الْقبْلَة وساحته بَعْضهَا من الْحجر وَبَعضهَا الآخر مزروع وَيُقَال إِن آدم ﵇ كَانَ يزرع هُنَاكَ ومسحت الْمَدِينَة فَكَانَ طولهَا ألفي ذِرَاع وعرضها خَمْسمِائَة وَلها قلعة غَايَة فِي الإحكام يطلّ جانباها الغربي والجنوبي على الْبَحْر وعَلى الْأَخير ميناء ومعظم مدن السَّاحِل كَذَلِك والميناء اسْم يُطلق على الْجِهَة الَّتِي بنيت للمحافظة على السفن وَهِي تشبه الاسطبل وظهرها نَاحيَة الْمَدِينَة وحائطاها داخلان فِي الْبَحْر وعَلى امتدادهما مدْخل مَفْتُوح طوله خَمْسُونَ ذِرَاعا وَقد شدت السلَاسِل بَين
стр. 20
الحائطين فَإِذا أُرِيد إِدْخَال سفينة إِلَى الميناء أرخيت السلسلة حَتَّى تغوص فِي المَاء فتمر السَّفِينَة فَوْقهَا ثمَّ تشد حَتَّى لَا يَسْتَطِيع عَدو أَن يقصدها بِسوء وَعند الْبَاب الشَّرْقِي على الْيَد الْيُسْرَى عين يصلونَ إِلَى مَائِهَا بنزول سِتّ وَعشْرين دَرَجَة وَتسَمى عين الْبَقر وَيُقَال آدم ﵇ هُوَ الَّذِي كشفها وَكَانَ يسْقِي مِنْهَا بقرته وَلذَا سميت عين الْبَقر
وَحين يذهب الْمُسَافِر من عكة نَاحيَة الْمشرق يجد جبلا بِهِ مشَاهد الْأَنْبِيَاء ﵈ وَهَذَا الْجَبَل وَاقع على جَانب الطَّرِيق الْمُؤَدِّي إِلَى الرملة وَقد عزمت على التَّبَرُّك بزيارة هَذِه الْمشَاهد والتقرب إِلَى الله ﵎ وَقد قَالَ سكان عكة إِن فِي الطَّرِيق أشرارا يتعرضون لم يرَوْنَ من الغرباء وينهبون مَا مَعَهم فأودعت نفقتي بِمَسْجِد عكة وَخرجت من بَابهَا الشَّرْقِي يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة ٣٣ ﴿٥ مارس ١٠٣٧) وَقد زرت فِي الْيَوْم الأول قبر عك باني الْمَدِينَة وَهُوَ أحد الصَّالِحين الْأَوْلِيَاء وَكنت حائرا إِذا لم يكن معي دَلِيل يرشدني وفجأة تعرفت فِي الْيَوْم نَفسه بِفضل من الله ﵎ بِرَجُل من الْعَجم أَتَى من آذربيجان للتبرك بزيارة الْمشَاهد مرّة أُخْرَى فَشَكَرت لله ﵎ هِبته وَصليت رَكْعَتَيْنِ وسجدت لَهُ شكرا على توفيقه إيَّايَ لأفي بعزمي ثمَّ بلغت قَرْيَة تسمى بروة وزرت قبر عَيْش وشمعون ﵉ وَمن هُنَاكَ بلغت مغارك الَّتِي تسمى دامون فزرت المشهد الْمَعْرُوف بِقَبْر ذِي الكفل ﵇ ثمَّ واصلت السّير إِلَى قَرْيَة أُخْرَى تسمى أعبلين وَبهَا قبر هود ﵇ فزرته وَكَانَ بحظيرته شَجَرَة الخرتوت وَكَذَلِكَ زرت هُنَاكَ قبر النَّبِي عُزَيْر ﵇ ثمَّ يممت وَجْهي شطر الْجنُوب فبلغت قَرْيَة تسمى حَظِيرَة
стр. 21
وَفِي الْجَانِب الغربي مِنْهَا وَاد بِهِ عين مَاء عذب تخرج من الصخر وَقد بني أمامها مَسْجِد على الصخر بِهِ بيتان صخريان فَوْقهمَا سقف من الْحجر أَيْضا وَعَلَيْهِمَا بَاب صَغِير يَسْتَطِيع الزائر دُخُوله بصعوبة وَهُنَاكَ قبران متجاوران أَحدهمَا قبر شُعَيْب ﵇ وَالثَّانِي قبر ابْنَته الَّتِي كَانَت زوج مُوسَى ﵇ ويعنى أهل هَذِه الْقرْيَة بِهَذَا الْمَسْجِد عناية فائقة من تنظيف وإنارة وَغير ذَلِك وَمن هُنَاكَ بلغت قَرْيَة تسمى إربل وَفِي نَاحيَة الْقبْلَة مِنْهَا جبل فِي وَسطه حَظِيرَة بهَا أَرْبَعَة قُبُور لأربعة من أَبنَاء يَعْقُوب إخْوَة يُوسُف ﵈ وَذَهَبت من هُنَاكَ فَرَأَيْت تَلا من تَحْتَهُ غَار فِيهِ قبر أم مُوسَى ﵇ فزرته ثمَّ خرجت فَبَدَا لي وَاد فِي آخِره بَحر صَغِير تقع عَلَيْهِ طبرية طوله سِتَّة فراسخ وَعرضه ثَلَاثَة وماؤه عذب لذيذ وَتَقَع غربية الْمَدِينَة وَتصرف فِي هَذَا الْبَحْر كل مياه الحمامات وفضلات الْمَدِينَة وَكَذَلِكَ يشرب مِنْهُ سكانها وسكان الْولَايَة الَّتِي على شاطئه وَسمعت أَن أَمِيرا دخل هَذِه الْمَدِينَة ذَات مرّة فَأمر بسد قنوات القاذورات وَالْمَاء الملوث حَتَّى لَا تُفْضِي إِلَى الْبَحْر فنتن مَاؤُهُ وَأصْبح لَا يصلح للشُّرْب فَأمر ثَانِيَة بِفَتْح هَذِه القنوات فَعَاد مَاء الْبَحْر عذبا ولطبرية سور حُصَيْن يبْدَأ من شاطئ الْبَحْر ويمتد حول الْمَدِينَة والطرف الْمَحْدُود بالبحر لَا حَائِط لَهُ وَبهَا مبان كَثِيرَة فِي وسط الْبَحْر فَإِن قاعه صخري وَقد شيدت هُنَاكَ مناظر على رُءُوس أعمدة رخامية أساسها فِي المَاء وَفِي بَحر طبرية سمك كثير وَمَسْجِد الْجُمُعَة فِي وسط الْمَدِينَة وَعند بَابه عين مَاء بني عِنْد رَأسهَا حمام مَاؤُهُ ساخن فَلَا يَسْتَطِيع مستحم أَن يصبهُ على جسده من غير أَن يمزجه بِمَاء بَارِد وَيُقَال إِن الَّذِي بناه هُوَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ وَقد دَخلته وَفِي الْجَانِب الغربي من مَدِينَة طبرية مَسْجِد اسْمه مَسْجِد الياسمين وَهُوَ مَسْجِد جميل فِي وَسطه ساحة كَبِيرَة بهَا محا ريب وحولها الياسمين الَّذِي سمي بِهِ الْمَسْجِد وَفِي رواق بالجانب الشَّرْقِي قبر يُوشَع بن نون وَتَحْت هَذِه الساحة قُبُور سبعين نَبيا ﵈ قَتلهمْ بَنو إِسْرَائِيل
стр. 22
وجنوب طبرية بَحر لوط وَهُوَ مالح الْمِيَاه وَيصب بِهِ مَاء بَحر طبرية وَكَانَت مَدِينَة لوط تقع على شاطئه وَلم يبْقى مِنْهَا أثر قطّ وَسمعت من انسان أَن فِي مياه بَحر لوط المالحة شَيْئا كالحجارة السَّوْدَاء غير صلب يشبه الْبَقر يخرج من قاعه فَيَأْخذهُ السكان ويقطعونه ويحملونه إِلَى المدن والولايات وَيُقَال إِنَّه إِذا وضعت قِطْعَة مِنْهُ تَحت شَجَرَة يمْتَنع الدُّود عَنْهَا من غير أَن يمس جذرها أَذَى مِنْهُ فَلَا يتْلف الْبُسْتَان مِمَّا تَحت الأَرْض من دود وحشرات والعهدة على الرَّاوِي وَقيل كَذَلِك إِن العطارين يستخدمونه لِأَنَّهُ يبعد دودة تصيب البذور اسْمهَا النقرة وَفِي طبرية يصنعون الْحَصِير وَمِنْه حَصِير الصَّلَاة وتشتري الْوَاحِدَة مِنْهَا بِخَمْسَة جنيهات مغربية وَفِي الْجَانِب الغربي من الْمَدِينَة جبل فِيهِ قِطْعَة من حجر المرمر مَكْتُوب عَلَيْهَا بِخَط عبري أَن الثريا كَانَت على رَأس الْحمل سَاعَة الْكِتَابَة وَيَقَع قبر أبي هُرَيْرَة خَارج الْمَدِينَة نَاحيَة الْقبْلَة وَلَكِن لَا يَسْتَطِيع أحد زيارته لِأَن السكان هُنَاكَ شيعَة فَإِذا ذهب أحد للزيارة تجمع عَلَيْهِ الْأَطْفَال وتحرشوا بِهِ وحملوا عَلَيْهِ وقذفوه بِالْحِجَارَةِ وَلِهَذَا لم أستطع زيارته سرت بعد ذَلِك إِلَى قَرْيَة تسمى كفركنه بجانبها تل بنيت عَليّ قمته صومعة جميلَة بهَا قبر النَّبِي يُونُس ﵇ وَعَلَيْهَا بَاب متين بِقُرْبِهِ بِئْر مَاؤُهَا عذب
وَقد عدت إِلَى عكا بعد زِيَارَة هَذَا المشهد وَبَينهمَا مَسَافَة أَرْبَعَة فراسخ فَمَكثت بهَا يَوْمًا وَاحِدًا ثمَّ غادرتها إِلَى قَرْيَة تسمى حيفا وَفِي طَرِيق بِهِ كثير من هَذَا الرمل الَّذِي يستخدمه صياغ الْعَجم والمسمى بالرمل الْمَكِّيّ وحيفا مشيدة على الْبَحْر وَبهَا نخل وأشجار كَثِيرَة وَهُنَاكَ عُمَّال يصنعون السفن البحرية الْمُسَمَّاة بالجودي وسرنا بعد ذَلِك فَبَلغنَا بعد مسيرَة فَرسَخ وَاحِد قَرْيَة أُخْرَى تسمى كَنِيسَة وَعِنْدهَا ينحرف الطَّرِيق عَن الْبَحْر وَيدخل الْجَبَل نَاحيَة الْمشرق حَيْثُ الصحروات والمحاجر الَّتِي تسمى وَادي التماسيح وَيعود لمحاذاة الشاطىء بعد مسيرَة فرسخين وَهُنَاكَ رَأينَا عِظَام حيوانات بحريّة كَثِيرَة مختلطة بِالتُّرَابِ
стр. 23
والطين وَقد تحجرت من كَثْرَة مَا ثار عَلَيْهَا من الموج
وقمنا من هُنَاكَ وسرنا حَتَّى بلغنَا مَدِينَة تسمى قيسارية بَينهَا وَبَين عكا سَبْعَة فراسخ وَهِي مَدِينَة جميلَة بهَا مَاء جَار ونخيل وأشجار النارنج والترنج وَلها سور حُصَيْن لَهُ بَاب حديدي وَبهَا عُيُون مَاء جَارِيَة وَمَسْجِد الْجَامِع جميل وَيرى المصلون الْبَحْر ويتمتعون بِهِ وهم جُلُوس فِي ساحته وَهُنَاكَ زير من الرخام يشبه الخزف الصيني وَهُوَ عميق بِحَيْثُ يسع مائَة من مَاء
فِي يَوْم السبت آخر شعْبَان (١٠ مارس) قمنا من هُنَاكَ وسرنا مِقْدَار فَرسَخ عَن طَرِيق الرمل الْمَكِّيّ وَقد رَأَيْت فِي الطَّرِيق كُله سهله وجبله كثيرا من شجر التِّين وَالزَّيْتُون وَبعد بضعَة فراسخ بلغنَا مَدِينَة تسمى كفرسابا أَو كفر سَلام وَمِنْهَا حَتَّى الرملة ثَلَاثَة فراسخ فِي طَرِيق كُله شجر كَالَّذي ذكرت
وَفِي يَوْم الْأَحَد غرَّة رَمَضَان (١١ مارس) بلغنَا الرملة وَمن قيسارية إِلَيْهَا ثَمَانِيَة فراسخ وَهِي مَدِينَة كَبِيرَة بهَا سور حُصَيْن من الْحجر والجص مُرْتَفع ومتين وَعَلِيهِ أَبْوَاب من حَدِيد وَمن الْمَدِينَة إِلَى الشاطئ الْبَحْر ثَلَاثَة فراسخ وَالْمَاء هُنَاكَ من الْمَطَر وَلذَا فقد بني فِي كل منزل حَوْض لجَمِيع مياه الْمَطَر فَيبقى ذخيرة دائمة وَفِي وسط مَسْجِد الْجُمُعَة أحواض تمتلى بِالْمَاءِ فَيَأْخُذ مِنْهُ من يَشَاء ومساحة الْجَامِع ثَلَاثمِائَة قدم فِي مِائَتَيْنِ وَقد كتب أَمَام الضفة إِنَّه فِي الْخَامِس عشر من شهر محرم سنة ٤٢٥ (١١ ديسمبر ١٠٣٣) زلزلت الأَرْض بِشدَّة هُنَا فخربت عمارات كَثِيرَة وَلم يصب أحد من السكان بِسوء وَفِي هَذِه الْمَدِينَة رُخَام كثير وَقد زينت مُعظم السرايات والبيوت بالرخام المنقوش الْكثير الزِّينَة وَيقطع الرخام بمنشار لَا أَسْنَان لَهُ وبالرمل الْمَكِّيّ ويعملون الْمِنْشَار على أعمدة الرخام بالطول لَا بِالْعرضِ فَيخْرجُونَ مِنْهُ ألواحا كألواح الْخشب وَرَأَيْت هُنَاكَ أنواعا وألوانا من
стр. 24
الرخام من الملمع والأخضر والأحمر وَالْأسود والأبيض وَمن كل لون وَفِي الرملة صنف من التِّين لَيْسَ أحسن مِنْهُ فِي أَي مَكَان يصدر مِنْهَا إِلَى جَمِيع الْبِلَاد وَتسَمى مَدِينَة الرملة فِي الشَّام وَالْمغْرب فلسطين
وَفِي الثَّالِث من رَمَضَان غادرت الرملة فبلغت قَرْيَة تسمى خاتون وَقد سرت مِنْهَا إِلَى قَرْيَة أُخْرَى تسمى قَرْيَة الْعِنَب وَقد رَأينَا فِي الطَّرِيق كثيرا من نَبَات السذاب الَّذِي ينْبت بريا على الْجبَال وَفِي الصَّحرَاء وَقد رَأَيْت فِي هَذِه الْقرْيَة عين مَاء عذب تخرج من الصخر وَقد بنيت هُنَاكَ أحواض وعمارات وَقد ذَهَبْنَا صاعدين وَكُنَّا نحسب أَنا بعد صعُود الْجَبَل سنهبط إِلَى الْمَدِينَة فِي الطّرف الآخر وَلَكنَّا وجدنَا أمامنا بعد أَن صعدنا قَلِيلا سهلا وَاسِعًا بعضه صخري وَبَعضه كثير التُّرَاب وعَلى رَأس جبل فِيهِ تقع مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس وَمن طرابلس الَّتِي هِيَ على السَّاحِل إِلَيْهَا سِتَّة وَخَمْسُونَ فرسخا وَمن بَلخ إِلَيْهَا سِتَّة وَسَبْعُونَ وَثَمَانمِائَة فَرسَخ
وَفِي الْخَامِس من رَمَضَان سنة ٤٣ ﴿١٦ مارس ١٠٤٧) بلغنَا بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ قد مضى على خروجنا من بلدنا سنة شمسية وطوال رحلتنا لم نقر فِي مَكَان قطّ وَلَا وجدنَا رَاحَة كَامِلَة وَأهل الشَّام وأطرافها يسمون بَيت الْمُقَدّس الْقُدس وَيذْهب إِلَى الْقُدس فِي موسم الْحَج من لَا يَسْتَطِيع الذّهاب إِلَى مَكَّة من أهل هَذِه الولايات فَيتَوَجَّه إِلَى الْموقف ويضحي ضحية الْعِيد كَمَا هِيَ الْعَادة ويحضر هُنَاكَ لتأدية السّنة وَفِي بعض السنين أَكثر من عشْرين ألف شخص فِي أَوَائِل ذِي الْحجَّة وَمَعَهُمْ أبناؤهم كَذَلِك يَأْتِي لزيارة بَيت الْمُقَدّس من ديار الرّوم كثير من النَّصَارَى وَالْيَهُود وَذَلِكَ لزيارة الْكَنِيسَة والكنيش هُنَاكَ وَهُنَاكَ كَنِيسَة عَظِيمَة سَيَأْتِي وصفهَا فِي مَكَانَهُ وَسَوَاد ورساتيق بَيت الْمُقَدّس جبلية كلهَا والزراعة وأشجار الزَّيْتُون والتين وَغَيرهَا تنْبت كلهَا بِغَيْر مَاء والخيرات بهَا كَثِيرَة ورخيصة
стр. 25
وفيهَا أَرْبَاب عائلات يملك الْوَاحِد مِنْهُم خمسين ألف من من زَيْت الزَّيْتُون يحفظونها فِي الْآبَار والأحواض ويصدرونها إِلَى أَطْرَاف الْعَالم وَيُقَال إِنَّه لَا يحدث قحط فِي بِلَاد الشَّام وَسمعت من ثِقَات أَن وليا رأى النَّبِي ﵇ فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ ساعدنا فِي معاشنا يَا رَسُول الله فَأَجَابَهُ النَّبِي ﵇ على خبز الشَّام وزيته
والآن أصف مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس
وصف بَيت الْمُقَدّس
هِيَ مَدِينَة مشيدة على قمة الْجَبَل لَيْسَ بهَا مَاء غير الأمطار ورساتيقها ذَات عُيُون وَالْمَدينَة محاطة بسور حُصَيْن من الْحجر والجص وَعَلَيْهَا بوابات حديدية وَلَيْسَ بقربها أَشجَار قطّ فَإِنَّهَا على رَأس صَخْر وَهِي مَدِينَة كَبِير كَانَ بهَا فِي ذَلِك الْوَقْت عشرُون ألف رجل وَبهَا أسواق جميلَة وأبنية عالية وكل أرْضهَا مبلطة بِالْحِجَارَةِ وَقد سووا الْجِهَات الجبلية والمرتفعات وجعلوها مسطحة بِحَيْثُ تغسل الأَرْض كلهَا وتنظف حِين تنزل الأمطار وَفِي الْمَدِينَة صناع كَثِيرُونَ لكل جمَاعَة مِنْهُم سوق خَاصَّة وَالْجَامِع شَرْقي الْمَدِينَة وسوره هُوَ سورها الشَّرْقِي وَبعد الْجَامِع سهل كَبِير مستو يُسمى الساهرة يُقَال أَنه سَيكون ساحة الْقِيَامَة والحشر وَلِهَذَا يحضر إِلَيْهِ خلق كَثِيرُونَ من أَطْرَاف الْعَالم ويقيمون بِهِ حَتَّى يموتوا فَإِذا جَاءَ وعد الله كَانُوا بِأَرْض الميعاد اللَّهُمَّ عفوك ورحمتك بعبيدك ذَلِك الْيَوْم آمين يَا رب الْعَالمين وعَلى حافة هَذَا السهل قرافة عَظِيمَة ومقابر كثير من الصَّالِحين يُصَلِّي بهَا النَّاس ويرفعون بِالدُّعَاءِ أَيْديهم فَيَقْضِي الله حاجاتهم اللَّهُمَّ تقبل حاجاتنا واغفر ذنوبنا وسيئاتنا وارحمنا بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ وَبَين الْجَامِع وَسَهل الساهرة وَاد عَظِيم الانخفاض كَأَنَّهُ خَنْدَق وَبِه أبنية كَثِيرَة على نسق أبنية الأقدمين وَرَأَيْت قبَّة من الْحجر المنحوت مقامة على بَيت
стр. 26
لم أر عجب مِنْهَا حَتَّى أَن النَّاظر إِلَيْهَا ليسأل نَفسه كَيفَ رفعت فِي مَكَانهَا وَيَقُول الْعَامَّة إِنَّهَا بَيت فِرْعَوْن وَاسم هَذَا الْوَادي وَادي جَهَنَّم وَقد سَأَلت عَمَّن أطلق هَذَا اللقب عَلَيْهِ فَقيل أَن عمر ﵁ أنزل جَيْشه أَيَّام خِلَافَته فِي سهل الساهرة هَذَا فَلَمَّا رأى الْوَادي قَالَ هَذَا وَادي جَهَنَّم وَيَقُول الْعَوام إِن من يذهب إِلَى نهايته يسمع صياح أهل جَهَنَّم فَإِن الصدى يرْتَفع من هُنَاكَ وَقد ذهبت فَلم أسمع شَيْئا وَحين يسير السائر من الْمَدِينَة جنوبا مَسَافَة نصف فَرسَخ وَينزل المنحدر يجد عين مَاء تنبع من الصخر تسمى عين سلوان وَقد أُقِيمَت عِنْدهَا عمارات كَثِيرَة ويمر مَاء هَذَا الْعين بقرية شيدوا فِيهَا عمارات كَثِيرَة وغرسوا بهَا الْبَسَاتِين وَيُقَال إِن من يستحم من مَاء هَذِه الْعين يشفى مِمَّا ألم بِهِ من الأوصاب والأمراض المزمنة وَقد وقفُوا عَلَيْهَا مَالا كثيرا وَفِي بَيت الْمُقَدّس مستشفى عَظِيم عَلَيْهِ أوقاف طائلة وَيصرف لمرضاه العديدين العلاج والدواء وَبِه أطباء يَأْخُذُونَ مرتباتهم من الْوَقْف الْمُقَرّر لهَذِهِ المستشفى وَمَسْجِد الْجُمُعَة على حافة الْمَدِينَة من النَّاحِيَة الشرقية وَإِحْدَى حَوَائِط الْمَسْجِد على حافة وَادي جَهَنَّم وَحين ينظر السائر من خَارج الْمَسْجِد يرى الْحَائِط المطل على هَذَا الْوَادي يرْتَفع مائَة ذِرَاع من الْحجر الْكَبِير الَّذِي لَا يفصله عَن بعضه ملاط أَو جص والحوائط دَاخل الْمَسْجِد ذَات ارْتِفَاع مستو وَقد بني الْمَسْجِد فِي هَذَا الْمَكَان لوُجُود الصَّخْرَة بِهِ وَهِي الصَّخْرَة الَّتِي أَمر الله مُوسَى ﵇ أَن يتخذها قبْلَة فَلَمَّا قضي هَذَا الْأَمر واتخذها مُوسَى قبْلَة لَهُ لم يعمر كثيرا بل عجلت بِهِ الْمنية حَتَّى إِذا كَانَت أَيَّام سُلَيْمَان ﵇ وَكَانَت الصَّخْرَة قبْلَة بنى مَسْجِدا حولهَا بِحَيْثُ أَصبَحت فِي وَسطه وظلت الصَّخْرَة قبْلَة حَتَّى عهد نَبينَا الْمُصْطَفى ﵊ فَكَانَ المصلون يولون وُجُوههم شطرها إِلَى أَن أَمرهم الله تَعَالَى أَن يولوا وُجُوههم شطر الْكَعْبَة وَسَيَأْتِي وصف ذَلِك فِي مَكَانَهُ
стр. 27
وَقد أردْت أَن أَقيس هَذَا الْمَسْجِد وَلَكِنِّي آثرت أَن أتقن معرفَة هيأته وَوَضعه أَولا ثمَّ أقيسه فَلَبثت فِيهِ زَمنا أمعن النّظر فَرَأَيْت عِنْد الْجَانِب الشمالي بجوار قبَّة يَعْقُوب ﵇ طاقا مَكْتُوبًا على حجر مِنْهُ ان طول هَذَا الْمَسْجِد أَربع وَخَمْسُونَ وَسَبْعمائة ذِرَاع وَعرضه خمس وَخَمْسُونَ وَأَرْبَعمِائَة ذِرَاع وَذَلِكَ بِذِرَاع الْملك الْمُسَمّى فِي خُرَاسَان كزشايكان وَهُوَ أقل قَلِيلا من ذِرَاع وَنصف وَأَرْض الْمَسْجِد مغطاة بحجارة موثوقة الى بَعْضهَا الْبَعْض بالرصاص وَالْمَسْجِد شَرْقي الْمَدِينَة والسوق فَإِذا دخله السائر من السُّوق فَإِنَّهُ يتَّجه شرقا فَيرى رواقا عَظِيما جميلا ارتفاعه ثَلَاثُونَ ذِرَاعا وَعرضه عشرُون وللرواق جَنَاحَانِ وواجهتاهما وإيوانه منقوشة كلهَا بالفسيفساء المثبتة بالجص على الصُّورَة الَّتِي يريدونها وَهِي من الدقة بِحَيْثُ تبهر النّظر وَيرى على هَذَا الرواق كِتَابَة منقوشة بالمينا وَقد كتب هُنَاكَ لقب سُلْطَان مصر فحين تقع الشَّمْس على هَذِه النقوش يكون لَهَا من الشعاع مَا يحير الْأَلْبَاب وَفَوق الرواق قبَّة كَبِيرَة من الْحجر المصقول وَله بَابَانِ مزخرفان وواجهتاهما من النّحاس الدِّمَشْقِي الَّذِي يلمع حَتَّى لتظن أَنَّهُمَا طليا بِالذَّهَب وَقد طعما بِالذَّهَب وحليا بالنقوش الْكَثِيرَة وَطول كل مِنْهُمَا خمس عشرَة ذِرَاعا وَعرضه ثَمَان ويسميان بَاب دَاوُد ﵇ وَحين يجتاز السائر هَذَا الْبَاب يجد على الْيَمين رواقين كبيرين فِي كل مِنْهُمَا تِسْعَة وَعِشْرُونَ عمودا من الرخام تيجانها وقواعدها مزينة بالرخام
стр. 28
الملون ووصلاتها مثبتة بالرصاص وعَلى تيجان الأعمدة طيقان حجرية وَهِي مقامة فَوق بَعْضهَا بِغَيْر ملاط وجص لَا يزِيد عدد حِجَارَة الطاق مِنْهَا على أَربع أَو خمس قطع وَهَذَانِ الرواقان ممتدان الى الْمَقْصُورَة ثمَّ يجد على الْيَسَار وَهُوَ نَاحيَة الشمَال رواقا طَويلا بِهِ أَرْبَعَة وَسِتُّونَ طاقا كلهَا على تيجان أعمدة من رُخَام وعَلى هَذَا الْحَائِط نَفسه بَاب آخر اسْمه بَاب السقر وَطول الْمَسْجِد من الشمَال الى الْجنُوب وَهُوَ ساحة مربعة اذا اقتطعت الْمَقْصُورَة مِنْهُ والقبلة فِي الْجنُوب وعَلى الْجَانِب الشمالي بَابَانِ آخرَانِ متجاوران عرض كل مِنْهُمَا سبع أَذْرع وارتفاعه اثْنَتَيْ عشرَة ذِرَاعا ويسميان بَاب الأسباط فاذا اجتازه السائر وَذهب مَعَ عرض الْمَسْجِد الَّذِي هُوَ جِهَة الْمشرق يجد رواقا أخرا عَظِيما كَبِيرا بِهِ ثَلَاثَة أَبْوَاب متجاورة فِي حجم بَاب الأسباط وَكلهَا مزينة بزخارف من الْحَدِيد والنحاس قل مَا هُوَ أجمل مِنْهَا تسمى بَاب الْأَبْوَاب لِأَن للمواضع الْأُخْرَى بَابَيْنِ وَله ثَلَاثَة وَبَين هذَيْن الرواقين الواقعين على الْجَانِب الشمالي فِي الرواق ذِي الطيقان المحملة على أعمدة الرخام قبَّة رفعت على دعائم عالية وزينت بالقناديل والمسارج تسمى قبَّة يَعْقُوب ﵇ لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ وَفِي عرض الْمَسْجِد رواق فِي حائطة بَاب خَارجه صومعتان للصوفية وَهُنَاكَ مصليات ومحاريب جميلَة يُقيم بهَا جمَاعَة مِنْهُم وَيصلونَ وَلَا يذهبون للجامع الا يَوْم الْجُمُعَة لأَنهم لَا يسمعُونَ التَّكْبِير حَيْثُ يُقِيمُونَ
وَعند الرُّكْن الشمالي لِلْمَسْجِدِ رواق جميل وقبة جميلَة لَطِيفَة مَكْتُوب عَلَيْهَا هَذَا محراب زَكَرِيَّا النَّبِي ﵇ وَيُقَال انه كَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ دَائِما وَعند الْحَائِط الشَّرْقِي وسط الْجَامِع رواق عَظِيم الزخرف من الْحجر المصقول حَتَّى تظن انه نحت من قِطْعَة وَاحِدَة ارتفاعه خَمْسُونَ ذِرَاعا
стр. 29
وَعرضه ثَلَاثُونَ عَلَيْهِ نقوش ونقر وَله بَابَانِ جميلان لَا يفصلهما أَكثر من قدم وَاحِدَة وَعَلَيْهِمَا زخارف كَثِيرَة من الْحَدِيد والنحاس الدِّمَشْقِي وَقد دق عَلَيْهِمَا الْحلق والمسامير وَيُقَال ان سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ بنى هَذَا الرواق لِأَبِيهِ
وَحين يدْخل السائر هَذَا الرواق متجها نَاحيَة الشرق فالأيمن من هذَيْن الْبَابَيْنِ هُوَ بَاب الرَّحْمَة والايسر بَاب التَّوْبَة وَيُقَال ان هَذَا الْبَاب هُوَ الَّذِي قبل الله تَعَالَى عِنْده تَوْبَة دَاوُد ﵇ وعَلى هَذَا الرواق مَسْجِد جميل كَانَ فِي وَقت مَا دهليزا فصيروه جَامعا وزينوه بأنواع السَّجَّاد وَله خدم مخصصون وَيذْهب اليه كثير من النَّاس وَيصلونَ فِيهِ وَيدعونَ الله ﵎ فانه فِي هَذَا الْمَكَان قبل تَوْبَة دَاوُد وكل انسان هُنَاكَ يأمل فِي التَّوْبَة وَالرُّجُوع عَن الْمعاصِي وَيُقَال ان دَاوُد ﵇ لم يكد يطَأ عتبَة هَذَا الْمَسْجِد حَتَّى بشره الْوَحْي بَان الله سُبْحَانَهُ تَعَالَى قد قبل تَوْبَته فَاتخذ هَذَا الْمَكَان مقَاما وَانْصَرف إِلَى الْعِبَادَة وَقد صليت أَنا نَاصِر فِي هَذَا الْمقَام ودعوت الله تَعَالَى أَن يوفقني لطاعته وَأَن يغْفر ذَنبي الله يهدي عباده جَمِيعًا لما يرضاه وَيغْفر لَهُم ذنوبهم بِحَق مُحَمَّد وَآله الطاهرين
وَحين يمْضِي السائر بحذاء الْجِدَار الشَّرْقِي الى ان يبلغ الزاوية الجنوبية عِنْد الْقبْلَة الَّتِي تقع على الضلع الجنوبي يجد أَمَام الْحَائِط الشمالي مَسْجِدا بهيئة السرداب ينزل اليه بدرجات كَثِيرَة مساحته عشرُون ذِرَاعا فِي خمس عشرَة وسقفه من الْحجر مَرْفُوع على أعمدة الرخام وَبِهَذَا السرداب مهد عِيسَى ﵇ وَهُوَ من الْحجر حجمه كَبِير بِحَيْثُ يُصَلِّي عَلَيْهِ النَّاس وَقد صليت هُنَاكَ وَقد أحكم وَضعه فِي الأَرْض حَتَّى لَا يَتَحَرَّك وَهُوَ المهد الَّذِي أمضى فِيهِ عِيسَى طفولته وكلم النَّاس مِنْهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد مَكَان الْمِحْرَاب وَفِي الْجَانِب الشَّرْقِي من هَذَا الْمَسْجِد محراب مَرْيَم ﵍ وَبِه محراب آخر
стр. 30
لزكريا ﵇ وعَلى هذَيْن المحرابين آيَات الْقُرْآن الَّتِي نزلت فِي حق زَكَرِيَّا وَمَرْيَم وَيُقَال ان عِيسَى ﵇ ولد بِهَذَا الْمَسْجِد وعَلى حجر من عمده نقش أصبعين كَأَن شخصا أمْسكهُ وَيُقَال ان مَرْيَم أمسكته باصبعيها وَهِي تَلد وَيعرف هَذَا الْمَسْجِد بمهد عِيسَى ﵇ وَبِه قناديل كَثِيرَة من النّحاس وَالْفِضَّة توقد كل مسَاء
حِين يخرج السائر من هَذَا الْمَسْجِد مُتبعا الْحَائِط الشَّرْقِي يجد عِنْدَمَا يبلغ زَاوِيَة الْمَسْجِد الْكَبِير مَسْجِدا آخر عَظِيما جدا أكبر مرَّتَيْنِ من مَسْجِد مهد عِيسَى يُسمى الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَهُوَ الَّذِي أسرى الله بالمصطفى ﷺ لَيْلَة الْمِعْرَاج من مَكَّة اليه وَمِنْه صعد الى السَّمَاء كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآن ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ وَقد بنوا بِهِ أبنية غَايَة فِي الزخرف وفرش بالسجاد الفاخر وَيقوم عَلَيْهِ خدم مخصصون يعْملُونَ بِهِ دواما
وَحين يعود السائر الى الْحَائِط الجنوبي على مِائَتي ذِرَاع من تِلْكَ الزاوية لَا يجد سقفا وَهُنَاكَ ساحة الْمَسْجِد وَأما الْجُزْء المسقوف من الْمَسْجِد الْكَبِير وَالَّذِي بِهِ الْمَقْصُورَة فَيَقَع عِنْد الحائطين الجنوبي والغربي وَطول هَذَا الْجُزْء عشرُون وَأَرْبَعمِائَة ذِرَاع وَعرضه خَمْسُونَ وَمِائَة ذِرَاع وَبِه ثَمَانُون وَمِائَتَا عَمُود من الرخام على تيجانها طيقان من الْحِجَارَة وَقد نقشت تيجان الأعمدة وهياكلها وَثبتت الوصلات فِيهَا بالرصاص فِي مُنْتَهى الإحكام وَبَين كل عمودين سِتّ أَذْرع مغطاة بالرخام الملون الملبس بشقاق الرصاص والمقصورة فِي وسط الْحَائِط الجنوبي وَهِي كَبِيرَة جدا تتسع لسِتَّة عشر عمودا وَعَلَيْهَا
стр. 31
قبَّة عَظِيمَة جدا منقوشة بالميناء على نسق مَا وصفت وَهِي مفروشة بالحصير المغربي وَبهَا قناديل ومسارج معلقَة بالسلاسل ومتباعد بَعْضهَا عَن بعض وَبهَا محراب كَبِير منقوش بالميناء وعَلى جانبيه عمودان من الرخام لونهما كالعقيق الْأَحْمَر وَإِزَار الْمَقْصُورَة كُله من الرخام الملون وعَلى يَمِينه محراب مُعَاوِيَة وعَلى يسَاره محراب عمر ﵁ وسقف هَذَا الْمَسْجِد مغطى بالخشب المنقوش الْمحلى بالزخارف وعَلى بَاب الْمَقْصُورَة وحائطها المطلان على الساحة خَمْسَة عشر رواقا عَلَيْهَا أَبْوَاب مزخرفة ارْتِفَاع كل مِنْهَا عشرَة أَذْرع وَعرضه سِتّ عشرَة من هَذِه الْأَبْوَاب تفتح على الْجِدَار الَّذِي طوله عشرُون وَأَرْبَعمِائَة ذِرَاع وَخَمْسَة مِنْهَا على الْجِدَار الَّذِي طوله خَمْسُونَ وَمِائَة ذِرَاع وَقد زين بَاب مِنْهَا غَايَة الزِّينَة وَهُوَ من الْحسن بِحَيْثُ تظن أَنه من ذهب وَقد نقش بِالْفِضَّةِ وَكتب عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة الْمَأْمُون وَيُقَال انه هُوَ الَّذِي أرْسلهُ من بَغْدَاد وَحين تفتح الْأَبْوَاب كلهَا ينير الْمَسْجِد حَتَّى لتظن أَنه ساحة مكشوفة أما حِين تعصف الرّيح وتمطر السَّمَاء وتغلق الْأَبْوَاب فان النُّور ينبعث لِلْمَسْجِدِ من الكوات وعَلى الجوانب الْأَرْبَعَة من الْحرم المسقوف صناديق من مدن الشَّام وَالْعراق يجلس بجانبها المجاورون كَمَا هُوَ الْحَال فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمَكَّة شرفها الله تَعَالَى
وخارج هَذَا الْحرم عِنْد الْحَائِط الْكَبِير الَّذِي مر ذكره رواق بِهِ اثْنَان وَأَرْبَعُونَ طاقا وكل أعمدته من الرخام الملون وَهَذَا الرواق مُتَّصِل بالرواق المغربي
وَتَحْت الأَرْض فِي الْحرم المسقوف حَوْض جعل بِحَيْثُ يكون فِي مستوى
стр. 32
الأَرْض حِين يغطى وَقد بنى لِتجمع فِيهِ مياه الْمَطَر وعَلى الْحَائِط الجنوبي بَاب يُؤَدِّي الى ميضأة يذهب اليها من يحْتَاج الى الْوضُوء فيجدده وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يلْحق الصَّلَاة اذا هُوَ خرج من الْمَسْجِد ليتوضأ اذ ان اكبر الْمَسْجِد يفوت عَلَيْهِ الصَّلَاة اذا اجتازه وكل الأسقف ملبسة بالرصاص
وَقد حفرت فِي ارْض الْمَسْجِد أحواض وصهاريج كَثِيرَة فان الْمَسْجِد مشيد كُله على صَخْرَة فمهما يهطل من الْمَطَر لَا يذهب خَارج الأحواض وَلَا يضيع سدى بل ينْصَرف الى الأحواض وَينْتَفع بِهِ النَّاس وَهُنَاكَ ميازيب من الرصاص ينزل مِنْهَا المَاء الى أحواض حجرية تحتهَا وَقد ثقبت هَذِه الأحواض ليخرج مِنْهَا المَاء وَيصب فِي الصهاريج بِوَاسِطَة قنوات بَينهَا غير ملوث أَو عفن وَقد رَأَيْت على ثَلَاثَة فراسخ من الْمَدِينَة صهريجا كَبِيرا تنحدر اليه الْمِيَاه من الْجَبَل وتتجمع فِيهِ وَقد أوصلوه بقناة الى مَسْجِد الْمَدِينَة حَيْثُ يُوجد أكبر مِقْدَار من مياه الْمَدِينَة وَفِي الْمنَازل كلهَا أحواض لجمع مَاء الْمَطَر اذ لَا يُوجد غَيره هُنَاكَ وَيجمع كل انسان مَا على سطح بَيته من مياه فان مَاء الْمَطَر هُوَ الَّذِي يسْتَعْمل فِي الحمامات وَغَيرهَا
والأحواض الَّتِي بِالْمَسْجِدِ لَا تحْتَاج الى عمَارَة أبدا لِأَنَّهَا من الْحجر الصلب فاذا حدث بهَا شقّ اَوْ ثقب أحكم إِصْلَاحه حَتَّى لَا تتخرب وَيُقَال ان سُلَيْمَان ﵇ هُوَ الَّذِي عمل هَذِه الأحواض وَقد جعل الْقسم الْأَعْلَى مِنْهَا على هَيْئَة التَّنور وعَلى رَأس كل حَوْض غطاء من حجر حَتَّى لَا يسْقط فِيهِ شَيْء وَمَاء هَذِه الْمَدِينَة أعذب وأنقى من أَي مَاء آخر وتستمر الميازيب فِي قطر الْمِيَاه يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة وَلَو كَانَ الْمَطَر قَلِيلا الى ان يصفو الجو وتزول آثاره السَّيئَة وَحِينَئِذٍ يبْدَأ الْمَطَر
قلت ان مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس تقع على قمة جبل وان أرْضهَا غير مستوية أما الْمَسْجِد فأرضه مستوية فخارج الْمَسْجِد حَيْثُمَا تكون الأَرْض منخفضة يرْتَفع حَائِطه اذ يكون أساسه فِي أَرض واطئة وحيثما تكون الأَرْض مُرْتَفعَة
стр. 33
يقصر الْجِدَار وَفِي الْجِهَات الواطئة من أَحيَاء الْمَدِينَة فتحُوا فِي الْمَسْجِد أبوابا كَأَنَّهَا نقب تُؤدِّي لساحته وَمن هَذِه الْأَبْوَاب بَاب يُسمى بَاب النَّبِي ﵊ وَهُوَ بِجَانِب الْقبْلَة اي فِي الْجنُوب وَقد عمل بِحَيْثُ يكون عرضه عشرَة أَذْرع وَأما ارتفاعه فيتفاوت حسب الْمَكَان فَهُوَ فِي مَكَان خمس أَذْرع اي علو سقف هَذَا الْمَمَر وَفِي مَكَان آخر عشرُون والجزء المسقوف من الْمَسْجِد الْأَقْصَى مشيد فَوق هَذَا الْمَمَر وَهُوَ مُحكم بِحَيْثُ يحْتَمل أَن يُقَام فَوْقه بِنَاء بِهَذِهِ العظمة من غير ان يُؤثر فِيهِ قطّ وَقد استخدمت فِي بنائِهِ حِجَارَة لَا يصدق الْعقل كَيفَ استطاعت قُوَّة الْبشر نقلهَا واستخدامها وَيُقَال إِن سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇ هُوَ الَّذِي بناه وَقد دخل فِيهِ نَبينَا عَلَيْهِ الصَّلَوَات وَالسَّلَام الى الْمَسْجِد لَيْلَة الْمِعْرَاج وَهَذَا الْبَاب على جَانب طَرِيق مَكَّة
وعَلى الْحَائِط بِقرب هَذَا الْبَاب نقش دَقِيق لمجن كَبِير يُقَال ان حَمْزَة بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي ﵇ كَانَ جَالِسا هُنَاكَ وعَلى كتفه الْمِجَن وظهره مُسْند الى الْحَائِط وَأَن هَذَا نقش مجنه
وَعند بوابة الْمَسْجِد حَدِيث هَذَا الْمَمَر الَّذِي عَلَيْهِ بَاب ذُو مصراعين يبلغ ارْتِفَاع الْجِدَار من الْخَارِج مَا يقرب من خمسين ذِرَاعا وَقد قصد بِهَذَا الْبَاب أَن يدْخل مِنْهُ سكان الْمحلة الْمُجَاورَة لهَذَا الضلع من الْمَسْجِد فَلَا يلجأون الى الذّهاب لمحلة أُخْرَى حِين يُرِيدُونَ دُخُوله وعَلى الْحَائِط الَّذِي يَقع يَمِين الْبَاب حجر ارتفاعه خمس عشرَة ذِرَاعا وَعرضه أَربع أَذْرع فَلَيْسَ فِي الْمَسْجِد حجر أكبر مِنْهُ وَفِي الْحَائِط على ارْتِفَاع ثَلَاثِينَ أَو أَرْبَعِينَ ذِرَاعا من الأَرْض كثير من الْحِجَارَة الَّتِي تبلغ حجمها أَربع أَذْرع
اَوْ خمس وَفِي عرض الْمَسْجِد بَاب شَرْقي يُسمى بَاب الْعين اذا خَرجُوا مِنْهُ نزلُوا منحدرا فِيهِ عين سلوان وَهُنَاكَ ايضا بَاب تَحت الأَرْض يُسمى الحطة يُقَال انه هُوَ الْبَاب الَّذِي أَمر الله بني اسرائيل ان يدخلُوا مِنْهُ الى الْمَسْجِد قَوْله تَعَالَى ﴿وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد الْمُحْسِنِينَ﴾
стр. 34
وَهُنَاكَ بَاب آخر يسمونه بَاب السكينَة فِي دهليزه مَسْجِد بِهِ محاريب كَثِيرَة بَاب أَولهَا مغلق حَتَّى لَا يلجه أحد وَيُقَال ان هُنَاكَ تَابُوت السكينَة الَّذِي ذكره الله ﵎ فِي الْقُرْآن وَالَّذِي حمله الْمَلَائِكَة وأبواب بَيت الْمُقَدّس مَا تَحت الأَرْض وَمَا فَوْقهَا تِسْعَة أَبْوَاب كَمَا ذكرت
وصف الدكة الَّتِي بوسط ساحة الْمَسْجِد والصخرة الَّتِي كَانَت قبْلَة الْإِسْلَام
أُقِيمَت هَذِه الدكة فِي وسط المساحة لِأَنَّهُ لم يَتَيَسَّر نقل الصَّخْرَة الى الْجُزْء المسقوف من الْمَسْجِد لعلوها وَهِي تظل مساحة من الأَرْض مقدارها ثَلَاثُونَ وثلاثمائة ذِرَاع فِي ثَلَاثمِائَة وارتفاعها اثْنَتَيْ عشرَة ذِرَاعا وصحنها مستو ومزخرف بالرخام الملبس بوصلات الرصاص وعَلى جوانبها الْأَرْبَعَة أَلْوَاح الرخام كَمَا يعْمل فِي الْمَقَابِر وَهِي مبينَة بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع أحد الصعُود عَلَيْهَا من غير المراقي المخصصة لهَذَا الْأَمر ويشرف من يصعد عَلَيْهَا على سقف الْجَامِع وَقد حفر فِي أرْضهَا فِي الْوسط حَوْض يصب فِيهِ مياه الْمَطَر بِوَاسِطَة قنوات أعدت لذَلِك وَمَاء هَذَا الْحَوْض أنقى وأعذب من كل مَاء فِي الْجَامِع وعَلى هَذِه الدكة أَربع قباب اكبرها قبَّة الصَّخْرَة الَّتِي كَانَت الْقبْلَة
وصف قبَّة الصَّخْرَة
بني الْمَسْجِد بِحَيْثُ تكون الدكة فِي وسط الساحة وقبة الصَّخْرَة فِي وسط الدكة والصخرة وسط الْقبَّة وقبة الصَّخْرَة بَيت مثمن منظم كل ضلع من
стр. 35
أضلاعه الثَّمَانِية ثَلَاث وَثَلَاثُونَ ذِرَاعا وَله أَرْبَعَة أَبْوَاب على الْجِهَات الْأَرْبَع الْأَصْلِيَّة بَاب شَرْقي وَآخر غربي وثالث شمَالي ورابع جنوبي وَبَين كل بَابَيْنِ ضلع وَجَمِيع الحوائط من الْحجر المنحوت وارتفاعها عشرُون ذِرَاعا
ومحيط الصَّخْرَة مائَة ذِرَاع وَهِي غير منتظمة الشكل لَا هِيَ مُدَوَّرَة وَلَا مربعة وَلكنهَا حجر غير مُنْتَظم كحجارة الْجَبَل وَقد بنوا على جَوَانِب الصَّخْرَة الْأَرْبَعَة أَرْبَعَة دعائم مربعة بارتفاع حَائِط الْبَيْت الْمَذْكُور وَبَين كل دعامتين على الجوانب الْأَرْبَعَة عمودان اسطوانيان من الرخام بِنَفس الِارْتفَاع وعَلى قمة تِلْكَ الدعائم وَهَذِه الأعمدة الاثْنَي عشر بنوا الْقبَّة الَّتِي تحتهَا الصَّخْرَة وَالَّتِي يبلغ محيطها مائَة وَعشْرين ذِرَاعا
وَبَين حَائِط هَذَا الْبناء والدعائم والأعمدة أسمي المربعة المبنية سِتُّونَ دعامة والمنحوتة المستديرة الَّتِي من حجر وَاحِد اسطوانة عمودا ثَمَان دعائم أُخْرَى مَبْنِيَّة من الْحِجَارَة المنحوتة وَبَين كل اثْنَتَيْنِ مِنْهُمَا ثَلَاثَة أعمدة من الرخام الملون على أبعاد مُتَسَاوِيَة بِحَيْثُ يكون فِي الصَّفّ الأول عمودان بَين كل دعامتين وَيكون هُنَا ثَلَاثَة أعمدة بَين كل دعامتين وعَلى تَاج كل دعامة أَرْبَعَة عُقُود على كل عقد طاق وعَلى كل عَمُود عقدان فَوق كل مِنْهَا طاق وَهَكَذَا يكون على العمود متكأ لطاقين وعَلى الدعامة متكأ لأربعة فَكَانَت هَذِه الْقبَّة الْعَظِيمَة فِي ذَلِك الْوَقْت مرتكزة على هَذِه الدعامات الاثنتي عشرَة المحيطة بالصخرة فتراها على بعد فَرسَخ كَأَنَّهَا قمة جبل لِأَنَّهَا من أساسها الى قمتها ثَلَاثُونَ ذِرَاعا وَهِي تستند الى أعمدة ودعامات ارتفاعها عشرُون ذِرَاعا وقبة الصَّخْرَة مشيدة على بَيت ارتفاعه اثْنَتَا عشرَة ذِرَاعا وَإِذا فَمن ساحة الْمَسْجِد الى رَأس الْقبَّة اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ ذِرَاعا
وسقوف هَذِه الدكة وقبابها مكسوة بالنجارة وَكَذَلِكَ الدعائم والعمد
стр. 36
والحوائط وَذَلِكَ بدقة قل نظيرها والصخرة أَعلَى من الأَرْض بِمِقْدَار قامة رجل وَقد أحيطت بسياج من الرخام حَتَّى لَا تصل يَد أليها
والصخرة حجر أَزْرَق لَونه لم يَطَأهَا أحد بِرجلِهِ أبدا وَفِي ناحيتها المواجهة للْقبْلَة انخفاض كَأَن أنسانا سَار عَلَيْهَا فبدت آثَار قدمه فِيهَا كَمَا تبدو على الطين الطري فان آثَار أَصَابِع قَدَمَيْهِ بَاقِيَة عَلَيْهَا وَقد بقيت عَلَيْهَا آثَار سبع أَقْدَام وَسمعت أَن إِبْرَاهِيم ﵇ كَانَ هُنَاكَ وَكَانَ اسماعيل طفْلا فَمشى عَلَيْهَا وَهَذِه هِيَ آثَار قدمه وَيُقِيم فِي بَيت الصَّخْرَة هَذَا جمَاعَة من المجاورين والعابدين وَقد زينت أرضه بالسجاد الْجَمِيل من الْحَرِير وَغَيره وَفِي وَسطه قنديل من الْفضة مُعَلّق بسلسلة فضية فَوق الصَّخْرَة وَهُنَاكَ قناديل كَثِيرَة من فضَّة كتب عَلَيْهَا وَزنهَا أَمر بصنعها سُلْطَان مصر وَقد قدرت مَا هُنَاكَ من الْفضة بِأَلف من
وَرَأَيْت هُنَاكَ أَيْضا شمعة كَبِيرَة جدا طولهَا سبع أَذْرع وقطرها ثَلَاثَة أشبار لَوْنهَا كالكافور الزباجي وشمعها مخلوط بالعنبر وَيُقَال ان سُلْطَان مصر يُرْسل هُنَاكَ كل سنة كثيرا من الشمع مِنْهُ هَذِه الشمعة الْكَبِيرَة وَيكْتب عَلَيْهَا اسْمه بِالذَّهَب وَهَذَا الْمَسْجِد هُوَ ثَالِث بيُوت الله وَالْمَعْرُوف عِنْد عُلَمَاء الدّين ان كل صَلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس تَسَاوِي خَمْسَة وَعشْرين ألف صَلَاة وكل صَلَاة فِي مَدِينَة الرَّسُول ﵊ تعد بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة وان صَلَاة مَكَّة المعظمة شرفها الله تَعَالَى تَسَاوِي مائَة ألف صَلَاة وفْق الله عباده جَمِيعًا لهَذَا الثَّوَاب
وَقد قلت ان أَسْقُف وَظُهُور القباب ملبسة بالرصاص وعَلى جَوَانِب الْبَيْت الْأَرْبَعَة أَبْوَاب كَبِيرَة مصاريعها من خشب الساج وَهِي مقفلة دَائِما وَبعد قبَّة الصَّخْرَة قبَّة تسمى قبَّة السلسلة وَهِي السلسلة الَّتِي علقها دَاوُد ﵇ وَالَّتِي لَا تصل إِلَيْهَا إِلَّا يَد صَاحب الْحق أما يَد الظَّالِم وَالْغَاصِب فَلَا تبلغها وَهَذَا الْمَعْنى مَشْهُور عِنْد الْعلمَاء وَهَذِه الْقبَّة مَحْمُولَة على رَأس ثَمَانِيَة أعمدة من الرخام وست دعائم من الْحجر وَهِي مَفْتُوحَة من جَمِيع الجوانب عدا جَانب
стр. 37
الْقبْلَة فَهُوَ مسدود حَتَّى نهايته وَقد نصب عَلَيْهِ محراب جميل
وعَلى هَذِه الدكة أَيْضا قبَّة أُخْرَى مقامة على أَرْبَعَة أعمدة من الرخام وَهِي مغلقة من نَاحيَة الْقبْلَة أَيْضا حَيْثُ بني محراب جميل وَتسَمى هَذِه الْقبَّة قبَّة جِبْرِيل ﵇ وَلَيْسَ فِيهَا فرش بل ان أرْضهَا من حجر سووه
وَيُقَال ان هُنَاكَ أعد الْبراق ليركبه النَّبِي ﵇ لَيْلَة الْمِعْرَاج
وَبعد قبَّة جِبْرِيل قبَّة أُخْرَى يُقَال لَهَا قبَّة الرَّسُول ﵊ وَبَينهمَا عشرُون ذِرَاعا وَهِي مقامة على أَربع دعائم من الرخام ايضا وَيُقَال ان الرَّسُول ﵊ صلى لَيْلَة الْمِعْرَاج فِي قبَّة الصَّخْرَة اولا ثمَّ وضع يَده على الصَّخْرَة فَلَمَّا خرج وقفت لجلاله فَوضع الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام يَده عَلَيْهَا لتعود إِلَى مَكَانهَا وتستقر وَهِي بعد نصف معلقَة وَقد ذهب الرَّسُول ﵇ من هُنَاكَ الى الْقبَّة الَّتِي تنتسب إِلَيْهِ وَركب الْبراق وَهَذَا سَبَب تعظيمها
وَتَحْت الصَّخْرَة غَار كَبِير يضاء دَائِما بالشمع وَيُقَال انه حِين قَامَت الصَّخْرَة خلا مَا تحتهَا فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ بَقِي هَذَا الْجُزْء كَمَا كَانَ
وصف المراقي المؤدية الى الدكة الَّتِي بِسَاحَة الْجَامِع
يسَار الى هَذِه الدكة من سِتَّة مَوَاضِع لكل مِنْهَا اسْم فبجانب الْقبْلَة طَرِيقَانِ يصعد فيهمَا على دَرَجَات فَإِذا وقفت فِي وسط ضلع الدكة وجدت أَحدهمَا على الْيَمين وَالثَّانِي على الْيَسَار وَالَّذِي على الْيَمين يُسمى مقَام النَّبِي ﵇ وَالَّذِي على الْيَسَار يُسمى مقَام الغورى وَسمي الأول مقَام النَّبِي لِأَن النَّبِي ﵊ صعد على درجاته الى الدكة لَيْلَة الْمِعْرَاج وَدخل الى قبَّة الصَّخْرَة وَيَقَع طَرِيق الْحجاز على هَذَا الْجَانِب وَعرض درجاته الْيَوْم عشرُون ذِرَاعا وَهِي من الْحجر المنحوت المنتظم وكل دَرَجَة قِطْعَة أَو
стр. 38
قطعتان من الْحجر المربع وَهِي معدة بِحَيْثُ يَسْتَطِيع الزائر الصعُود عَلَيْهَا رَاكِبًا وعَلى قمة هَذِه الدَّرَجَات أَرْبَعَة أعمدة من الرخام الْأَخْضَر الَّذِي يشبه الزمرد لَوْلَا أَن بِهِ نقطا كَثِيرَة من كل لون ويبلغ ارْتِفَاع كل عَمُود مِنْهَا عشرَة اذرع وقطره بِقدر مَا يحتضن رجلَانِ وعَلى رَأس هَذِه الأعمدة الْأَرْبَعَة ثَلَاثَة طيقان أَحدهَا مُقَابل للباب والآخران على جانبيه وسطح الطيقان أفقي من فَوْقه شرفات بِحَيْثُ يَبْدُو مربعًا وَهَذِه الْعمد والطيقان منقوشة كلهَا بِالذَّهَب وبالمينا لَيْسَ أجمل مِنْهَا ودرابزين الدكة كُله من الرخام الْأَخْضَر المنقط حَتَّى لتقول ان عَلَيْهِ رَوْضَة ورد ناضر
وَقد أعد مقَام الغوري بِحَيْثُ تكون ثَلَاثَة سلالم على مَوضِع وَاحِد أَحدهَا محاذ للدكة والآخران على جانبيها حَتَّى يُسْتَطَاع الصعُود من ثَلَاثَة أَمَاكِن وَمن فَوق هَذِه السلالم الثَّلَاثَة أعمدة عَلَيْهَا طَرِيقَانِ وشرفة والدرجات بِالْوَصْفِ الَّذِي ذكرت من الْحجر المنحوت كل دَرَجَة قطعتان أَو ثَلَاث من الْحجر المستطيل وَكتب بِخَط جميل بِالذَّهَب على ظَاهر الايوان أَمر بِهِ الْأَمِير لَيْث الدولة نوشتكين الغوري وَيُقَال انه كَانَ تَابعا لسلطان مصر وَهُوَ الَّذِي أنشأ هَذِه الطّرق والمراقي
وعَلى الْجَانِب الغربي للدكة سلمَان فِي ناحيتين مِنْهَا وَهُنَاكَ طَرِيق عَظِيم مشابه لما ذكرت وَكَذَلِكَ فِي الْجَانِب الشَّرْقِي طَرِيق عَظِيم مماثل عَلَيْهِ أعمدة فَوْقهَا طيقان وشرفة يُسمى الْمقَام الشَّرْقِي
وعَلى الْجَانِب الشمالي طَرِيق اكثر علوا وأكبر مِنْهَا كلهَا بِهِ أعمدة فَوْقهَا طيقان يُسمى الْمقَام الشَّامي وأظن انهم صرفُوا على هَذِه الطّرق السِّتَّة مائَة ألف دِينَار
стр. 39
وَفِي الْجَانِب الشمالي لساحة الْمَسْجِد لَا على الدكة بِنَاء بِهِ كَأَنَّهُ مَسْجِد صَغِير يشبه الحظيرة وَهُوَ من الْحجر المنحوت يزِيد ارْتِفَاع حوائطه على قامة رجل وَيُسمى محراب دَاوُد وبالقرب مِنْهُ حجر غير مستو يبلغ قامة رجل وقمته تتيح وضع حصيرة صَلَاة صَغِيرَة عَلَيْهَا وَيُقَال انه كرْسِي سُلَيْمَان ﵇ الَّذِي كَانَ يجلس عَلَيْهِ أثْنَاء بِنَا الْمَسْجِد
هَذَا مَا رَأَيْت فِي جَامع بَيت الْمُقَدّس قد صورته وضممته الى مذكراتي وَمن النَّوَادِر الَّتِي رَأَيْتهَا فِي بَيت الْمُقَدّس شَجَرَة الْحور
بعد الْفَرَاغ من زِيَارَة بَيت الْمُقَدّس عزمت على زِيَارَة مشْهد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵊ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء غرَّة ذِي الْقعدَة سنة ٤٣ ﴿٢٠ ابريل سنة ١٠٤٧) والمسافة بَينهمَا سِتَّة فراسخ عَن طَرِيق جنوبي بِهِ قرى كَثِيرَة وَزرع وَحَدَائِق وَشَجر بري لَا يُحْصى من عِنَب وتين وزيتون وسماق وعَلى فرسخين من بَيت الْمُقَدّس أَربع قرى بهَا عين وَحَدَائِق وبساتين كَثِيرَة تسمى الفراديس لجمال موقعها وعَلى فَرسَخ وَاحِد من بَيت الْمُقَدّس مَكَان لِلنَّصَارَى يعظمونه كثيرا يُقيم بجانبه مجاورون دَائِما ويحج اليه كَثِيرُونَ اسْمه بَيت اللَّحْم وَهُنَاكَ يقدم النَّصَارَى القرابين ويقصده الْحجَّاج من بِلَاد الرّوم وَقد بلغته مسَاء الْيَوْم الَّذِي قُمْت فِيهِ من بَيت الْمُقَدّس
وصف قبر الْخَلِيل صلوَات الله عَلَيْهِ
يُسمى أهل الشَّام وَبَيت الْمُقَدّس هَذَا المشهد الْخَلِيل وَلَا يذكرُونَ
стр. 40
اسْم الْقرْيَة الَّتِي هُوَ فِيهَا قَرْيَة مطلون وَهِي مَوْقُوفَة عَلَيْهِ مَعَ قرى كَثِيرَة وَفِي هَذِه الْقرْيَة عين مَاء تخرج من الصخر يتفجر مَاؤُهَا رويدا رويدا وَهُوَ ينْقل من مَسَافَة بعيدَة بِوَاسِطَة قناة الى خَارج الْقرْيَة حَيْثُ بنى حَوْض مغطى يصب فِيهِ المَاء فَلَا يذهب هباء حَتَّى يَفِي بحاجة أهل الْقرْيَة وَغَيرهم من الزائرين
والمشهد على حافة الْقرْيَة من نَاحيَة الْجنُوب وَهِي فِي الْجنُوب الشَّرْقِي والمشهد يتكون من بِنَاء ذِي أَربع حَوَائِط من الْحجر المصقول طوله ثَمَانُون ذِرَاعا وَعرضه أَرْبَعُونَ وارتفاعه عشرُون وثخانة حوائطه ذراعان وَبِه مَقْصُورَة ومحراب فِي عرض الْبناء وبالمقصورة محاريب جميلَة بهَا قبران رأسهما للْقبْلَة وَكِلَاهُمَا من الْحجر المصقول بارتفاع قامة الرجل الْأَيْمن قبر اسحق بن إِبْرَاهِيم وَالْآخر قبر زوجه ﵍ وَبَينهمَا عشرَة أَذْرع وَأَرْض هَذَا المشهد وجدرانه مزينة بالسجاجيد الْقيمَة والحصر المغربية الَّتِي تفوق الديباج حسنا وَقد رَأَيْت هُنَاكَ حَصِير صَلَاة قيل أرسلها أَمِير الجيوش وَهُوَ تَابع لسلطان مصر وَقد اشْتريت من مصر بِثَلَاثِينَ دِينَارا من الذَّهَب المغربي وَلَو كَانَت من الديباج الرُّومِي لما بلغت هَذَا الثّمن وَلم ار مثلهَا فِي مَكَان قطّ
следующие страницы →