Полный текст (129 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
والحوائط وَذَلِكَ بدقة قل نظيرها والصخرة أَعلَى من الأَرْض بِمِقْدَار قامة رجل وَقد أحيطت بسياج من الرخام حَتَّى لَا تصل يَد أليها
والصخرة حجر أَزْرَق لَونه لم يَطَأهَا أحد بِرجلِهِ أبدا وَفِي ناحيتها المواجهة للْقبْلَة انخفاض كَأَن أنسانا سَار عَلَيْهَا فبدت آثَار قدمه فِيهَا كَمَا تبدو على الطين الطري فان آثَار أَصَابِع قَدَمَيْهِ بَاقِيَة عَلَيْهَا وَقد بقيت عَلَيْهَا آثَار سبع أَقْدَام وَسمعت أَن إِبْرَاهِيم ﵇ كَانَ هُنَاكَ وَكَانَ اسماعيل طفْلا فَمشى عَلَيْهَا وَهَذِه هِيَ آثَار قدمه وَيُقِيم فِي بَيت الصَّخْرَة هَذَا جمَاعَة من المجاورين والعابدين وَقد زينت أرضه بالسجاد الْجَمِيل من الْحَرِير وَغَيره وَفِي وَسطه قنديل من الْفضة مُعَلّق بسلسلة فضية فَوق الصَّخْرَة وَهُنَاكَ قناديل كَثِيرَة من فضَّة كتب عَلَيْهَا وَزنهَا أَمر بصنعها سُلْطَان مصر وَقد قدرت مَا هُنَاكَ من الْفضة بِأَلف من
وَرَأَيْت هُنَاكَ أَيْضا شمعة كَبِيرَة جدا طولهَا سبع أَذْرع وقطرها ثَلَاثَة أشبار لَوْنهَا كالكافور الزباجي وشمعها مخلوط بالعنبر وَيُقَال ان سُلْطَان مصر يُرْسل هُنَاكَ كل سنة كثيرا من الشمع مِنْهُ هَذِه الشمعة الْكَبِيرَة وَيكْتب عَلَيْهَا اسْمه بِالذَّهَب وَهَذَا الْمَسْجِد هُوَ ثَالِث بيُوت الله وَالْمَعْرُوف عِنْد عُلَمَاء الدّين ان كل صَلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس تَسَاوِي خَمْسَة وَعشْرين ألف صَلَاة وكل صَلَاة فِي مَدِينَة الرَّسُول ﵊ تعد بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة وان صَلَاة مَكَّة المعظمة شرفها الله تَعَالَى تَسَاوِي مائَة ألف صَلَاة وفْق الله عباده جَمِيعًا لهَذَا الثَّوَاب
وَقد قلت ان أَسْقُف وَظُهُور القباب ملبسة بالرصاص وعَلى جَوَانِب الْبَيْت الْأَرْبَعَة أَبْوَاب كَبِيرَة مصاريعها من خشب الساج وَهِي مقفلة دَائِما وَبعد قبَّة الصَّخْرَة قبَّة تسمى قبَّة السلسلة وَهِي السلسلة الَّتِي علقها دَاوُد ﵇ وَالَّتِي لَا تصل إِلَيْهَا إِلَّا يَد صَاحب الْحق أما يَد الظَّالِم وَالْغَاصِب فَلَا تبلغها وَهَذَا الْمَعْنى مَشْهُور عِنْد الْعلمَاء وَهَذِه الْقبَّة مَحْمُولَة على رَأس ثَمَانِيَة أعمدة من الرخام وست دعائم من الْحجر وَهِي مَفْتُوحَة من جَمِيع الجوانب عدا جَانب
стр. 37
الْقبْلَة فَهُوَ مسدود حَتَّى نهايته وَقد نصب عَلَيْهِ محراب جميل
وعَلى هَذِه الدكة أَيْضا قبَّة أُخْرَى مقامة على أَرْبَعَة أعمدة من الرخام وَهِي مغلقة من نَاحيَة الْقبْلَة أَيْضا حَيْثُ بني محراب جميل وَتسَمى هَذِه الْقبَّة قبَّة جِبْرِيل ﵇ وَلَيْسَ فِيهَا فرش بل ان أرْضهَا من حجر سووه
وَيُقَال ان هُنَاكَ أعد الْبراق ليركبه النَّبِي ﵇ لَيْلَة الْمِعْرَاج
وَبعد قبَّة جِبْرِيل قبَّة أُخْرَى يُقَال لَهَا قبَّة الرَّسُول ﵊ وَبَينهمَا عشرُون ذِرَاعا وَهِي مقامة على أَربع دعائم من الرخام ايضا وَيُقَال ان الرَّسُول ﵊ صلى لَيْلَة الْمِعْرَاج فِي قبَّة الصَّخْرَة اولا ثمَّ وضع يَده على الصَّخْرَة فَلَمَّا خرج وقفت لجلاله فَوضع الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام يَده عَلَيْهَا لتعود إِلَى مَكَانهَا وتستقر وَهِي بعد نصف معلقَة وَقد ذهب الرَّسُول ﵇ من هُنَاكَ الى الْقبَّة الَّتِي تنتسب إِلَيْهِ وَركب الْبراق وَهَذَا سَبَب تعظيمها
وَتَحْت الصَّخْرَة غَار كَبِير يضاء دَائِما بالشمع وَيُقَال انه حِين قَامَت الصَّخْرَة خلا مَا تحتهَا فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ بَقِي هَذَا الْجُزْء كَمَا كَانَ
وصف المراقي المؤدية الى الدكة الَّتِي بِسَاحَة الْجَامِع
يسَار الى هَذِه الدكة من سِتَّة مَوَاضِع لكل مِنْهَا اسْم فبجانب الْقبْلَة طَرِيقَانِ يصعد فيهمَا على دَرَجَات فَإِذا وقفت فِي وسط ضلع الدكة وجدت أَحدهمَا على الْيَمين وَالثَّانِي على الْيَسَار وَالَّذِي على الْيَمين يُسمى مقَام النَّبِي ﵇ وَالَّذِي على الْيَسَار يُسمى مقَام الغورى وَسمي الأول مقَام النَّبِي لِأَن النَّبِي ﵊ صعد على درجاته الى الدكة لَيْلَة الْمِعْرَاج وَدخل الى قبَّة الصَّخْرَة وَيَقَع طَرِيق الْحجاز على هَذَا الْجَانِب وَعرض درجاته الْيَوْم عشرُون ذِرَاعا وَهِي من الْحجر المنحوت المنتظم وكل دَرَجَة قِطْعَة أَو
стр. 38
قطعتان من الْحجر المربع وَهِي معدة بِحَيْثُ يَسْتَطِيع الزائر الصعُود عَلَيْهَا رَاكِبًا وعَلى قمة هَذِه الدَّرَجَات أَرْبَعَة أعمدة من الرخام الْأَخْضَر الَّذِي يشبه الزمرد لَوْلَا أَن بِهِ نقطا كَثِيرَة من كل لون ويبلغ ارْتِفَاع كل عَمُود مِنْهَا عشرَة اذرع وقطره بِقدر مَا يحتضن رجلَانِ وعَلى رَأس هَذِه الأعمدة الْأَرْبَعَة ثَلَاثَة طيقان أَحدهَا مُقَابل للباب والآخران على جانبيه وسطح الطيقان أفقي من فَوْقه شرفات بِحَيْثُ يَبْدُو مربعًا وَهَذِه الْعمد والطيقان منقوشة كلهَا بِالذَّهَب وبالمينا لَيْسَ أجمل مِنْهَا ودرابزين الدكة كُله من الرخام الْأَخْضَر المنقط حَتَّى لتقول ان عَلَيْهِ رَوْضَة ورد ناضر
وَقد أعد مقَام الغوري بِحَيْثُ تكون ثَلَاثَة سلالم على مَوضِع وَاحِد أَحدهَا محاذ للدكة والآخران على جانبيها حَتَّى يُسْتَطَاع الصعُود من ثَلَاثَة أَمَاكِن وَمن فَوق هَذِه السلالم الثَّلَاثَة أعمدة عَلَيْهَا طَرِيقَانِ وشرفة والدرجات بِالْوَصْفِ الَّذِي ذكرت من الْحجر المنحوت كل دَرَجَة قطعتان أَو ثَلَاث من الْحجر المستطيل وَكتب بِخَط جميل بِالذَّهَب على ظَاهر الايوان أَمر بِهِ الْأَمِير لَيْث الدولة نوشتكين الغوري وَيُقَال انه كَانَ تَابعا لسلطان مصر وَهُوَ الَّذِي أنشأ هَذِه الطّرق والمراقي
وعَلى الْجَانِب الغربي للدكة سلمَان فِي ناحيتين مِنْهَا وَهُنَاكَ طَرِيق عَظِيم مشابه لما ذكرت وَكَذَلِكَ فِي الْجَانِب الشَّرْقِي طَرِيق عَظِيم مماثل عَلَيْهِ أعمدة فَوْقهَا طيقان وشرفة يُسمى الْمقَام الشَّرْقِي
وعَلى الْجَانِب الشمالي طَرِيق اكثر علوا وأكبر مِنْهَا كلهَا بِهِ أعمدة فَوْقهَا طيقان يُسمى الْمقَام الشَّامي وأظن انهم صرفُوا على هَذِه الطّرق السِّتَّة مائَة ألف دِينَار
стр. 39
وَفِي الْجَانِب الشمالي لساحة الْمَسْجِد لَا على الدكة بِنَاء بِهِ كَأَنَّهُ مَسْجِد صَغِير يشبه الحظيرة وَهُوَ من الْحجر المنحوت يزِيد ارْتِفَاع حوائطه على قامة رجل وَيُسمى محراب دَاوُد وبالقرب مِنْهُ حجر غير مستو يبلغ قامة رجل وقمته تتيح وضع حصيرة صَلَاة صَغِيرَة عَلَيْهَا وَيُقَال انه كرْسِي سُلَيْمَان ﵇ الَّذِي كَانَ يجلس عَلَيْهِ أثْنَاء بِنَا الْمَسْجِد
هَذَا مَا رَأَيْت فِي جَامع بَيت الْمُقَدّس قد صورته وضممته الى مذكراتي وَمن النَّوَادِر الَّتِي رَأَيْتهَا فِي بَيت الْمُقَدّس شَجَرَة الْحور
بعد الْفَرَاغ من زِيَارَة بَيت الْمُقَدّس عزمت على زِيَارَة مشْهد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵊ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء غرَّة ذِي الْقعدَة سنة ٤٣ ﴿٢٠ ابريل سنة ١٠٤٧) والمسافة بَينهمَا سِتَّة فراسخ عَن طَرِيق جنوبي بِهِ قرى كَثِيرَة وَزرع وَحَدَائِق وَشَجر بري لَا يُحْصى من عِنَب وتين وزيتون وسماق وعَلى فرسخين من بَيت الْمُقَدّس أَربع قرى بهَا عين وَحَدَائِق وبساتين كَثِيرَة تسمى الفراديس لجمال موقعها وعَلى فَرسَخ وَاحِد من بَيت الْمُقَدّس مَكَان لِلنَّصَارَى يعظمونه كثيرا يُقيم بجانبه مجاورون دَائِما ويحج اليه كَثِيرُونَ اسْمه بَيت اللَّحْم وَهُنَاكَ يقدم النَّصَارَى القرابين ويقصده الْحجَّاج من بِلَاد الرّوم وَقد بلغته مسَاء الْيَوْم الَّذِي قُمْت فِيهِ من بَيت الْمُقَدّس
وصف قبر الْخَلِيل صلوَات الله عَلَيْهِ
يُسمى أهل الشَّام وَبَيت الْمُقَدّس هَذَا المشهد الْخَلِيل وَلَا يذكرُونَ
стр. 40
اسْم الْقرْيَة الَّتِي هُوَ فِيهَا قَرْيَة مطلون وَهِي مَوْقُوفَة عَلَيْهِ مَعَ قرى كَثِيرَة وَفِي هَذِه الْقرْيَة عين مَاء تخرج من الصخر يتفجر مَاؤُهَا رويدا رويدا وَهُوَ ينْقل من مَسَافَة بعيدَة بِوَاسِطَة قناة الى خَارج الْقرْيَة حَيْثُ بنى حَوْض مغطى يصب فِيهِ المَاء فَلَا يذهب هباء حَتَّى يَفِي بحاجة أهل الْقرْيَة وَغَيرهم من الزائرين
والمشهد على حافة الْقرْيَة من نَاحيَة الْجنُوب وَهِي فِي الْجنُوب الشَّرْقِي والمشهد يتكون من بِنَاء ذِي أَربع حَوَائِط من الْحجر المصقول طوله ثَمَانُون ذِرَاعا وَعرضه أَرْبَعُونَ وارتفاعه عشرُون وثخانة حوائطه ذراعان وَبِه مَقْصُورَة ومحراب فِي عرض الْبناء وبالمقصورة محاريب جميلَة بهَا قبران رأسهما للْقبْلَة وَكِلَاهُمَا من الْحجر المصقول بارتفاع قامة الرجل الْأَيْمن قبر اسحق بن إِبْرَاهِيم وَالْآخر قبر زوجه ﵍ وَبَينهمَا عشرَة أَذْرع وَأَرْض هَذَا المشهد وجدرانه مزينة بالسجاجيد الْقيمَة والحصر المغربية الَّتِي تفوق الديباج حسنا وَقد رَأَيْت هُنَاكَ حَصِير صَلَاة قيل أرسلها أَمِير الجيوش وَهُوَ تَابع لسلطان مصر وَقد اشْتريت من مصر بِثَلَاثِينَ دِينَارا من الذَّهَب المغربي وَلَو كَانَت من الديباج الرُّومِي لما بلغت هَذَا الثّمن وَلم ار مثلهَا فِي مَكَان قطّ
стр. 41
حِين يخرج السائر من الْمَقْصُورَة الى وسط ساحة المشهد يجد مشهدين أَمَام الْقبْلَة الْأَيْمن بِهِ قبر إِبْرَاهِيم الْخَلِيل صلوَات الله عَلَيْهِ وَهُوَ مشْهد كَبِير وَمن دَاخله مشْهد آخر لَا يُسْتَطَاع الطّواف حوله وَلَكِن لَهُ أَربع نوافذ يرى مِنْهَا فيراه الزائرون وَهُوَ يطوفون حول المشهد الْكَبِير وَقد كُسِيت أرضه وجدرانه ببسط من الديباج والقبر من الْحجر ارتفاعه ثَلَاث أَذْرع وعلق بِهِ كثير من الْقَنَادِيل والمصابيح الفضية
والمشهد الثَّانِي الَّذِي على يسَار الْقبْلَة بِهِ قبر سارة زوج إِبْرَاهِيم ﵇ وَبَين القبرين ممر عَلَيْهِ باباهما وَهُوَ كالدهليز وَبِه كثير من الْقَنَادِيل والمسارج
وَبعد هذَيْن المشهدين قبران متجاوران الْأَيْمن قبر النَّبِي يَعْقُوب ﵇ والأيسر قبر زوجه
وبعدهما الْمنَازل الَّتِي اتخذها إِبْرَاهِيم للضيافة وَبهَا سِتَّة قُبُور
وخارج الجدران الْأَرْبَعَة منحدر بِهِ قبر يُوسُف بن يَعْقُوب ﵇ وَهُوَ من حجر وَعَلِيهِ قبَّة جميلَة وعَلى جَانب الصَّحرَاء بَين قبر يُوسُف
стр. 42
ومشهد الْخَلِيل ﵉ قرافة كَبِيرَة يدْفن بهَا الْمَوْتَى من جِهَات عديدة
وعَلى سطح الْمَقْصُورَة الَّتِي فِي المشهد حجرات للضيوف الوافدين وَقد وقف عَلَيْهَا أوقاف كَثِيرَة من الْقرى ومستغلات بَيت الْمُقَدّس
وأغلب الزِّرَاعَة هُنَاكَ الشّعير والقمح قَلِيل وَالزَّيْتُون كثير ويعطون الضيوف والمسافرين والزائرين الْخبز وَالزَّيْتُون وَهُنَاكَ طواحين كَثِيرَة تديرها البغال والثيران لطحن الدَّقِيق وبالمضيفة خادمات يخبزن طول الْيَوْم ويزن رغيفهم منا وَاحِدًا وَيُعْطى من يصل هُنَاكَ رغيفا مستديرا وطبقا من العدس الْمَطْبُوخ بالزيت وزبيبا كل يَوْم وَهَذِه عَادَة بقيت من أَيَّام خَلِيل الرَّحْمَن ﵇ حَتَّى السَّاعَة وَفِي بعض الْأَيَّام يبلغ عدد الْمُسَافِرين خَمْسمِائَة فتهيأ الضِّيَافَة لَهُم جَمِيعًا
وَيُقَال انه لم يكن لهَذَا المشهد بَاب وَكَانَ دُخُوله مستحيلا بل كَانَ النَّاس يزورونه من الايوان فِي الْخَارِج فَلَمَّا جلس الْمهْدي على عرش مصر
стр. 43
أَمر بِفَتْح بَاب فِيهِ وزينه وفرشه بالسجاجيد وَأدْخل على عِمَارَته اصلاحا كثيرا وَبَاب المشهد وسط الْحَائِط الشمالي على ارْتِفَاع أَربع أَذْرع فَوق الأَرْض وعَلى جانبيه دَرَجَات من الْحجر فيصعد اليه من جَانب وَيكون النُّزُول من الْجَانِب الثَّانِي وَوضع هُنَاكَ بَاب صَغِير من الْحَدِيد
ثمَّ رجعت الى بَيت الْمُقَدّس وَمن هُنَاكَ سرت مَاشِيا مَعَ جمَاعَة تقصد الْحجاز وَكَانَ دليلنا رجلا اسْمه أَبُو بكر الْهَمدَانِي وَهُوَ رجل جلد يقدر على الْمَشْي وَجهه جميل غادرت بَيت الْمُقَدّس فِي منتصف ذِي الْقعدَة سنة ٤٣٧ (أول مايو ١٠٤٧) وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام بلغت جِهَة تسمى أعز الْقرى بهَا مَاء جَار وأشجار ثمَّ بلغنَا منزلا آخر يُسمى وَادي الْقرى وَمن بعده نزلنَا مَكَانا ثَالِثا ثمَّ بلغنَا مَكَّة بعد عشرَة أَيَّام لم تحضر لمَكَّة قافلة من اي بلد فِي هَذِه السّنة وشح الطَّعَام وَقد نزلت فِي سكَّة العطارين أَمَام بَاب النَّبِي ﵇ وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ طلعت عَرَفَات وَكَانَ النَّاس مملوئين رعْبًا من الْعَرَب وَلما عدت من عَرَفَات لَبِثت بِمَكَّة يَوْمَيْنِ ثمَّ رجعت الى بَيت الْمُقَدّس عَن طَرِيق الشَّام
وبلغنا الْمُقَدّس فِي الْخَامِس من الْمحرم سنة ٣٣٩ (٧ يوليو ١٠٣٧) وَلَا أذكر هُنَا وصف مَكَّة وَالْحج سأذكر ذَلِك عِنْد الْكَلَام على الْحجَّة الْأَخِيرَة
كَنِيسَة بيعَة الْقِيَامَة
وَلِلنَّصَارَى فِي بَيت الْمُقَدّس كَنِيسَة يسمونها بيعَة القمامة لَهَا عِنْدهم مكانة عَظِيمَة ويحج اليها كل سنة كثير من بِلَاد الرّوم ويزورها ملك الرّوم متخفيا حَتَّى لَا يعرفهُ النَّاس وَقد زارها أَيَّام عَزِيز مصر الْحَاكِم بِأَمْر الله
стр. 44
فَبلغ ذَلِك الْحَاكِم فَأرْسل اليه أحد حراسه بعد أَن عرفه أَن رجلا بِهَذِهِ الْحِلْية وَالصُّورَة يجلس فِي كَنِيسَة بَيت الْمُقَدّس وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ عِنْده وَقل لَهُ ان الْحَاكِم أَرْسلنِي اليك وَيَقُول لَا تحسبني أَجْهَل أَمرك وَلَكِن كن آمنا فَلَنْ أقصدك بِسوء وَقد أَمر الْحَاكِم هَذَا بالإغارة على الْكَنِيسَة فَهَدمهَا وخربها وظلت خربة مُدَّة من الزَّمَان وَبعد ذَلِك بعث القيصر اليه رسلًا وَقدم كثيرا من الْهَدَايَا والخدمات وَطلب الصُّلْح والشفاعة ليؤذن لَهُ بإصلاح الْكَنِيسَة فَقبل الْحَاكِم وأعيد تعميرها
وَهَذِه الْكَنِيسَة فسيحة تسع ثَمَانِيَة آلَاف رجل وَهِي عَظِيمَة الزخرف من الرخام الملون والنقوش والصور وَهِي مزدانة من الدَّاخِل بالديباج الرُّومِي والصور وزينت بطلاء من الذَّهَب وَفِي أَمَاكِن كَثِيرَة مِنْهَا صُورَة عِيسَى ﵇ رَاكِبًا حمارا وصور الْأَنْبِيَاء الآخرين مثل إِبْرَاهِيم وَإِسْحَق وَيَعْقُوب وَأَبْنَائِهِمْ ﵈ وَهَذِه الصُّور مطلية بِزَيْت السندروس وَقد غطى سطح كل صُورَة بلوح من الزّجاج الشفاف على قدها بِحَيْثُ لَا يحجب مِنْهَا شَيْء وَذَلِكَ حَتَّى لَا يصل الْغُبَار اليها وينظف الخدم هَذَا الزّجاج كل يَوْم وَهُنَاكَ عدا ذَلِك عدَّة مَوَاضِع أُخْرَى كلهَا مزينة وَلَو وصفتها لطالت كتابتي وَفِي هَذِه الْكَنِيسَة لوحة مقسمة الى قسمَيْنِ وَعَملا لوصف الْجنَّة وَالنَّار فَنصف يصف الْجنَّة وَأَهْلهَا وَنصف يصف النَّار وَأَهْلهَا وَمن
стр. 45
يبْقى فِيهَا وَلَيْسَ لهَذِهِ الْكَنِيسَة نَظِير فِي اي جِهَة من الْعَالم وَيُقِيم بهَا كثير من القس والرهبان يقرأون الْإِنْجِيل وَيصلونَ ويشتغلون بِالْعبَادَة ليل نَهَار
وصف مصر
ثمَّ عزمت لى ان أغادر بَيت الْمُقَدّس الى مصر بطرِيق الْبَحْر ثمَّ أغادرها الى مَكَّة وَلَكِن كَانَت الرّيح معاكسة وَتعذر السّفر بالبحر فسرنا عَن طَرِيق الْبر ومررنا بالرملة ثمَّ بلغنَا مَدِينَة عسقلان بهَا سوق وجامع جميل رَأَيْت بهَا طاقا قَدِيما قيل انه كَانَ مَسْجِدا وَهُوَ طاق من الْحجر الْكَبِير وَلَو أَرَادوا هَدمه للزمهم إِنْفَاق مَال كثير وَخرجت من هُنَاكَ فَوجدت فِي الطَّرِيق قرى كَثِيرَة ومدنا يطول وصفهَا فحذفته اختصارا وبلغنا مَكَانا يُسمى طِينَة وَهُوَ مرفأ للسفن يذهب مِنْهُ الى تنيس وَقد ركبت السَّفِينَة اليها
تنيس جَزِيرَة ومدينة جميلَة وَهِي بعيدَة عَن السَّاحِل بِحَيْثُ لَا يرى من أسطحها وَالْمَدينَة مزدحمة وَبهَا أسواق فخمة وجامعان وَقد يبلغ عدد الدكاكين بهَا عشرَة آلَاف دكان مِنْهَا مائَة دكان عطار وَهُنَاكَ فِي فصل الصَّيف يبيعون الكشكاب فان الجو حَار وتكثر الامراض فِي الْمَدِينَة
стр. 46
وينسج بتنيس الْقصب الملون من عمامات ووقايات وَمِمَّا يلبس النِّسَاء وَلَا ينسج مثل هَذَا الْقصب فِي جِهَة مَا غير تنيس والأبيض مِنْهُ ينسج فِي دمياط وَمَا ينسج مِنْهُ فِي مصانع السُّلْطَان لَا يُبَاع وَلَا يعْطى لأحد وَقد سَمِعت ان ملك فَارس أرسل رسله الى تنيس بِعشْرين ألف دِينَار ليَشْتَرِي لَهُ بهَا حلَّة من كسْوَة السُّلْطَان وَقد بقى رسله هُنَاكَ عدَّة سِنِين وَلم يستطيعوا شراءها وبتنيس صناع مختصون بنسيج ملابس السُّلْطَان وَقد سَمِعت أَن عَاملا نسج عِمَامَة السُّلْطَان فَأمر بِهِ بِخَمْسِمِائَة دِينَار ذهب مغربي وَقد رَأَيْت هَذِه الْعِمَامَة وَيُقَال انها تَسَاوِي أَرْبَعَة آلَاف دِينَار مغربي
وينسجون فِي مَدِينَة تنيس هَذِه البوقلمون الَّذِي لَا ينسج فِي مَكَان آخر من جَمِيع الْعَالم وَهُوَ قماش ذهبي يتَغَيَّر لَونه بِتَغَيُّر سَاعَات النَّهَار وَتحمل أثوابه من تنيس الى الْمشرق وَالْمغْرب وَسمعت ان سُلْطَان الرّوم كَانَ قد أوفد رَسُولا ليعرض على سُلْطَان مصر أَن يُعْطِيهِ مائَة مَدِينَة على أَن يَأْخُذ تنيس فَلم يقبل السُّلْطَان وَكَانَ قَصده من هَذِه الْمَدِينَة الْقصب والبوقلمون
стр. 47
حينما يزِيد مَاء النّيل يبعد المَاء الْملح من حول تنيس بِحَيْثُ يصبح مَاء الْبَحْر عذبا حَتَّى عشرَة فراسخ حولهَا وَقد بنوا بِجَزِيرَة تنيس ومدينتها صهاريج عَظِيمَة تَحت الأَرْض وَهِي قَوِيَّة الْبُنيان وَتسَمى المصانع فحين يغلب مَاء النّيل ويطرد المَاء الْملح من هُنَاكَ تملأ هَذِه الأحواض حِين يفتحون لَهُ الطَّرِيق وَمَاء هَذِه الْمَدِينَة من تِلْكَ المصانع الَّتِي تمتلئ وَقت زِيَادَة النّيل وَيسْتَعْمل السكان هَذَا المَاء حَتَّى السّنة التالية وكل من لَدَيْهِ مَاء فَوق حَاجته يَبِيع الفائض لغيره وبتنيس مصانع كَثِيرَة مَوْقُوفَة يعْطى مَاؤُهَا للغرباء وسكانها خَمْسُونَ ألفا
стр. 48
ويرابط حولهَا دَائِما ألف سفينة مِنْهَا مَا هُوَ للتجار وَكثير مِنْهَا للسُّلْطَان ويجلب لهَذِهِ الجزيرة كل مَا تحْتَاج اليه اذ لَيْسَ بهَا من خيرات الأَرْض شَيْء وتجرى الْمُعَامَلَات فِيهَا بالسفن لِأَنَّهَا جَزِيرَة
وَيُقِيم بتنيس جَيش كَامِل السِّلَاح احْتِيَاطًا حَتَّى لَا يَسْتَطِيع أحد من الفرنج اَوْ الرّوم أَن يُغير عَلَيْهَا وَسمعت من الثِّقَات أَنه يصل مِنْهَا لخزانة سُلْطَان مصر يوميا ألف دِينَار مغربي ويصل ذَلِك الْمِقْدَار مرّة وَاحِدَة يحصله شخص وَاحِد يُسلمهُ أهل الْمَدِينَة اليه فِي وَقت معِين وَهُوَ يسلم للخزانة فَلَا يتَأَخَّر مِنْهُ شَيْء وَلَا يجبى شَيْء بالعنف من اي شخص
وَمَا ينسج للسُّلْطَان من الْقصب والبوقلمون يدْفع ثمنه كَامِلا بِحَيْثُ يعْمل الصناع برضاهم للسُّلْطَان لَا كَمَا فِي الْبِلَاد الْأُخْرَى حَيْثُ يفْرض الدِّيوَان وَالسُّلْطَان السخرة على الصناع وتصنع أَسْتَار هوداج الْجمال ولبود سروج الْخَيل الْخَاصَّة بالسلطان من البوقلمون
стр. 49
وَيُؤْتى بالفاكهة والأغذية لتنيس من قرى مصر ويصنعون بهَا آلَات الْحَدِيد كالمقراض والسكين وَغَيرهمَا وَقد رَأَيْت مقراضا فِي مصر صنع فِي تنيس ثمنه خَمْسَة دَنَانِير مغربية يفتح اذا رفع مسماره ويقص اذا انْزِلْ
وتصيب النِّسَاء هُنَاكَ أَحْيَانًا عِلّة كالصرع فيصحن مرَّتَيْنِ اَوْ ثَلَاثًا ثمَّ يعدن بعد ذَلِك الى صوابهن وَكنت سَمِعت فِي خُرَاسَان عَن جَزِيرَة تموء فِيهَا النِّسَاء كالقطط وَذَلِكَ على النَّحْو الَّذِي ذكرت
وَتذهب السَّفِينَة من تنيس الى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي عشْرين يَوْمًا وَقد سرنا بِجَانِب مصر وَحين بلغنَا شاطئ الْبَحْر سَارَتْ السَّفِينَة فِي النّيل حِين يقترب نهر النّيل من الْبَحْر يصير فروعا تصب مُتَفَرِّقَة فِيهِ وَيُسمى الْفَرْع الَّذِي سرنا فِيهِ فرع الرّوم سَارَتْ السَّفِينَة حَتَّى بلغنَا مَدِينَة تسمى الصالحية وَهِي مَدِينَة كَثِيرَة النعم والخيرات وتصنع بهَا سفن كَثِيرَة حمولة كل مِنْهُمَا مِائَتَا خروار وَهِي تنقل البضاعة الى مَدِينَة مصر حَتَّى أَبْوَاب دكاكين البقالين وَلَو لم تكن وَسَائِل النَّقْل كَذَلِك لتعذر نقل الْمُؤَن فِيهَا على ظُهُور الدَّوَابّ لِكَثْرَة الزحام الَّذِي بهَا وَقد نزلت من السَّفِينَة الى الصالحية ثمَّ بلغت قرب الْقَاهِرَة تِلْكَ اللَّيْلَة وَفِي يَوْم الْأَحَد السَّابِع من صفر سنة ٤٣٩ (٤ أغسطس ١٠٤٧) وَهُوَ يَوْم هرمرذ من شهر يور الْقَدِيم كُنَّا فِي الْقَاهِرَة
وصف مصر وولايتها
يخرج مَاء النّيل من بَين الْجنُوب والغرب ويمر بِمصْر ثمَّ يصب فِي بَحر الرّوم ويبلغ نهر النّيل فِي زِيَادَته ضعف نهر جيحون عِنْد ترمذ ويمر النّيل بِولَايَة النّوبَة ثمَّ يَجِيء الى مصر والنوبة ولَايَة جبلية وَحين يصل النّيل الى الْوَادي فهناك ولَايَة مصر وَأول مَدِينَة يصل اليها على الْحُدُود تسمى أسوان
стр. 50
والمسافة من مصر اليها ثلثمِائة فَرسَخ وَتَقَع المدن والولايات كلهَا على شاطئ النّيل وَتسَمى هَذِه الْولَايَة أسوان بالصعيد الْأَعْلَى وَلَا تَسْتَطِيع السفن عبور النّيل حِين تصل لأسوان لِأَن المَاء يخرج هُنَاكَ من شلالات فيندفع سَرِيعا
وَولَايَة النّوبَة جنوبي أسوان وَلها ملك خَاص وسكانها سود الْبشرَة وَدينهمْ النَّصْرَانِيَّة وَيذْهب اليه التُّجَّار ويبيعون الخرز والأمشاط والمرجان ويجلبون مِنْهَا الرَّقِيق وَالرَّقِيق فِي مصر إِمَّا نوبيون وَإِمَّا روم وَقد رَأَيْت قمحا وذرة من النّوبَة كِلَاهُمَا أسود
وَيُقَال ان حَقِيقَة منابع النّيل لم تعرف وَسمعت ان سُلْطَان مصر ارسل بعثة لتتبع شاطئ النّيل سنة كَامِلَة ودرسه وَلَكِن أحدا لم يعرف حَقِيقَة منبعه وَيُقَال انه يَأْتِي من جبل فِي الْجنُوب يُسمى جبل الْقَمَر
حِين تبلغ الشَّمْس مدَار السرطان يزْدَاد النّيل فيرتفع عشْرين ذِرَاعا عَمَّا كَانَ مُسْتَقرًّا عَلَيْهِ فِي الشتَاء وَهَكَذَا يتزايد يَوْمًا بعد يَوْم وَقد أعدُّوا لَهُ فِي مصر مقاييس وعلامات ورتبوا عَاملا وظيفته ألف دِينَار للمحافظة عَلَيْهَا ولتسجيل الزِّيَادَة ومنذ أول يَوْم للفيضان يطوف منادون فِي الْمَدِينَة منادين بِأَن الله تَعَالَى قد زَاد النّيل كَذَا أصبعا ويذكرون مِقْدَار زِيَادَته كل يَوْم
وَحين تبلغ الزِّيَادَة ذِرَاعا كَامِلا تضرب البشائر ويفرح النَّاس حَتَّى تبلغ الزِّيَادَة ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَهِي الزِّيَادَة الْمَعْهُودَة يَعْنِي أَنه كلما قلت الزِّيَادَة عَن ذَلِك قيل ان النّيل نَاقص فتصدقوا ونذروا النذور وعلاهم الْغم فاذا زَاد عَن هَذَا الْقدر فرحوا وأظهروا الْغِبْطَة وَمَا لم يصل الِارْتفَاع الى ثَمَانِيَة
стр. 51
عشر ذِرَاعا لَا يَأْخُذ السُّلْطَان الْخراج وَيتَفَرَّع من النّيل فروع كَثِيرَة تسير فِي الْأَطْرَاف كَمَا يتفرغ مِنْهَا ترع صَغِيرَة وَعَلَيْهَا تقع الولايات والقرى وأقيمت بِمصْر سواق كَثِيرَة يصعب حصرها اَوْ قياسها وشيدت قرى مصر كلهَا على المرتفعات والتلول وَذَلِكَ حَتَّى لَا تغرق فان المَاء يغمر الْبِلَاد كلهَا وَقت الفيضان وَحِينَئِذٍ يَسِيرُونَ من قَرْيَة لأخرى بالزوارق وَقد أنشأوا على الشاطئ من أول الْولَايَة لأخرها جِسْرًا من الطين ليسير عَلَيْهِ
стр. 52
النَّاس أَي بِجَانِب النّيل وَتصرف خزينة السُّلْطَان كل سنة لِلْعَامِلِ الْمُعْتَمد عشرَة آلَاف دِينَار مغربي لتجديد عِمَارَته ويجهز أهل الْولَايَة حاجاتهم الضرورية كلهَا لهَذِهِ الْأَشْهر الْأَرْبَعَة الَّتِي تكون بِلَادهمْ أثناءها مغمورة بِالْمَاءِ ويخبز كل شخص فِي الرِّيف مَا يَكْفِيهِ من الْخبز هَذِه الْمدَّة ويقدده حَتَّى لَا يتعفن
ونظام الفيضان هُوَ الْآتِي
يتزايد المَاء أَرْبَعِينَ يَوْمًا من بَدْء الفيضان الى ان يبلغ ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَيبقى على هَذَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يزِيد وَلَا ينقص ثمَّ يتدرج نَحْو النُّقْصَان مُدَّة أَرْبَعِينَ يَوْمًا أُخْرَى حَتَّى يصل الى الْحَد الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي الشتَاء وحينما يبْدَأ المَاء فِي التناقص يتبعهُ الزراع فَكلما حفت بقْعَة زرعوها الزَّرْع الَّذِي يُرِيدُونَ
وعَلى هَذَا النَّحْو زرعهم الصيفي والشتوي فَلَا يتطلب مَاء آخر قطّ
تقع مصر بَين النّيل وَالْبَحْر والنيل يَأْتِي من الْجنُوب وَيتَّجه شمالا وَيصب فِي الْبَحْر والمسافة من مصر الى الْإسْكَنْدَريَّة ثَلَاثُونَ فرسخا
وَتَقَع الْإسْكَنْدَريَّة على شاطئ بَحر الرّوم وشاطئ النّيل وتصدر مِنْهُمَا بالسفن فَاكِهَة كَثِيرَة لمصر وَفِي الْإسْكَنْدَريَّة مَنَارَة رَأَيْتهَا قَائِمَة وَأَنا هُنَاكَ وَقد كَانَ فَوْقهَا حراقة مرْآة محرقة فَكلما جَاءَت سفينة رُومِية من الْقُسْطَنْطِينِيَّة أصابتها نَار من هَذِه الحراقة فأحرقتها وَقد بذل الرّوم كثيرا من الْجد والجهد وَالْحِيلَة فبعثوا شخصا فَكسر الْمرْآة وَفِي عهد الْحَاكِم
стр. 53
سُلْطَان مصر جَاءَهُ شخص وَعرض عَلَيْهِ ان يُعِيدهَا كَمَا كَانَت فَقَالَ الْحَاكِم لَا حَاجَة الى ذَلِك فان الرّوم يرسلون الينا الْآن الذَّهَب وَالْمَال كل سنة وهم راضون بِأَن يذهب جيشنا اليهم وَنحن مَعَهم فِي سَلام تَامّ وَمَاء الشّرْب فِي الْإسْكَنْدَريَّة من الْمَطَر وصحراؤها مَمْلُوء بِهَذِهِ الأعمدة المبعثرة الَّتِي قدمت وصفهَا
ويمتد بَحر الْإسْكَنْدَريَّة حَتَّى القيروان الَّتِي يفصلها عَن مصر مَسَافَة مائَة
стр. 54
وَخمسين فرسخا والقيروان ولَايَة مدينتها الْكُبْرَى سجلماسة الَّتِي تقع على بعد أَرْبَعَة فراسخ من الْبَحْر وَهِي مَدِينَة كَبِيرَة فِي الصَّحرَاء وَبهَا حصن مُحكم وبجانبها المهدية الَّتِي بناها الْمهْدي أحد أَبنَاء أَمِير المؤمين الْحُسَيْن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا بعد استيلائه على الْمغرب والأندلس وَهِي فِي هَذِه الْأَيَّام تَابِعَة لسلطان مصر وَيسْقط الْبرد فِي القيروان وَلكنه لَا يمْكث على أرْضهَا وَيتَّجه الْبَحْر شمالا ويسير نَاحيَة الْيَمين الى الأندلس
وَبَين مصر والأندلس ألف فَرسَخ وسكانها جَمِيعًا مُسلمُونَ وَهِي ولَايَة كَبِيرَة جبلية ينزل فِيهَا الْبرد ويتجمد سكانها بيض وشعرهم أَحْمَر وَأَكْثَرهم كالصقالبة عيونهم كعيون القطط وَتَقَع الأندلس فِي نِهَايَة بَحر الرّوم فالبحر شَرْقي بِالنِّسْبَةِ لأَهْلهَا وَإِذا ذهب السائر من الأندلس شمالا جِهَة الْيَمين متتبعا الشاطئ فانه يبلغ بِلَاد الرّوم وَكَثِيرًا مَا يغزون الرّوم من الأندلس
وَمن الْمُمكن أَن يركب الْمُسَافِر الْبر الى الْقُسْطَنْطِينِيَّة اذا اراد وَلَكِن لَا بُد من اجتياز خلجان كَثِيرَة عرض كل مِنْهَا مِائَتَا فَرسَخ اَوْ ثلثمِائة فَرسَخ لَا يُمكن اجتيازها الا بالسفن والمعابر
وَقد سَمِعت من ثِقَة أَن مُحِيط هَذَا الْبَحْر أَرْبَعَة آلَاف فَرسَخ وَأَن فرعا مِنْهُ يدْخل بِلَاد الظُّلُمَات كَمَا يُقَال وَأَن نِهَايَة هَذَا الْفَرْع متجمدة دَائِما لِأَن الشَّمْس لَا تبلغه
وَمن جزائر هَذَا الْبَحْر صقلية وتبلغها السَّفِينَة من مصر فِي عشْرين يَوْمًا وَهُنَاكَ جزر كَثِيرَة غَيرهَا وَيُقَال ان صقلية ثَمَانُون فرسخا فِي ثَمَانِينَ وَهِي ملك سُلْطَان مصر وتغادرها كل سنة سفينة تحمل المَال الى مصر ويجلبون مِنْهَا كتانا رَقِيقا وثيابا منقوشة يُسَاوِي الثَّوْب مِنْهَا فِي مصر عشرَة دَنَانِير مغربية
وَإِذا سَار السائر من مصر شرقا يبلغ بَحر القلزم والقلزم مَدِينَة على شاطئ الْبَحْر بَينهَا وَبَين مصر ثَلَاثُونَ فرسخا وَهَذَا الْبَحْر فرع من مُحِيط يتَفَرَّع
стр. 55
عِنْد عدن وَيتَّجه نَحْو الشمَال فَإِذا بلغ القلزم انْقَطع وَيُقَال أَن عرضه مِائَتَا فَرسَخ ويفصله عَن مصر جبال وصحراء لَا مَاء فِيهَا وَلَا نَبَات
وَمن يُرِيد الذّهاب إِلَى مَكَّة من مصر يلْزمه الاتجاه نَحْو الشرق فَإِذا بلغ القلزم وجد طَرِيقين أَحدهمَا بري وَالْآخر بحري وَهُوَ يبلغ مَكَّة عَن الطَّرِيق الأول فِي خَمْسَة عشر يَوْمًا فِي صحراء طولهَا ثَلَاثمِائَة فَرسَخ وَتذهب عَن هَذَا الطَّرِيق مُعظم القوافل الْآتِيَة من مصر فَإِذا سَار عَن طَرِيق الْبَحْر يبلغ الْجَار فِي عشْرين يَوْمًا وَهِي مَدِينَة صَغِيرَة من الْحجاز تقع على شاطئ الْبَحْر وَمِنْهَا إِلَى مَدِينَة الرَّسُول ﷺ ثَلَاثَة أَيَّام وَمن الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة مائَة فَرسَخ
فَإِذا جَاوز الْجَار وواصل السّير فِي الْبَحْر بلغ سَاحل الْيمن وَمن هُنَاكَ إِلَى سَاحل عدن فَإِذا جاوزه يَنْتَهِي إِلَى الْهِنْد وَهَكَذَا حَتَّى الصين وَإِذا سَار من عدن إِلَى الْجنُوب مائلا نَحْو الغرب فَإِنَّهُ يذهب إِلَى زنجبار والحبشة وسأشرح ذَلِك فِي مَكَانَهُ
وَإِذا سَار من مصر إِلَى الْجنُوب وَجَاوَزَ ولَايَة النّوبَة بلغ ولَايَة المصامدة وَهِي أَرض ذَات مراع وَاسِعَة وفيهَا دَوَاب كَثِيرَة وسكانها سود كبار الْعِظَام غِلَاظ أقوياء البنية وَيكثر الْجند مِنْهُم فِي مصر وهم قباح الصُّورَة ضخام الجثة يسمون المصامدة يُحَاربُونَ راجلين بِالسَّيْفِ والحربة وَلَا يَسْتَطِيعُونَ اسْتِعْمَال غَيرهَا من الْآلَات
وصف مَدِينَة الْقَاهِرَة
أول مَدِينَة يصل إِلَيْهَا الْمُسَافِر من الشَّام إِلَى مصر هِيَ الْقَاهِرَة وَتَقَع مَدِينَة مصر جنوبها وَتسَمى الْقَاهِرَة (المعزية) وَيُقَال للمعسكر (الْفسْطَاط) يرْوى أَن أحد أَبنَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحُسَيْن بن عَليّ صلوَات الله عَلَيْهِنَّ أَجْمَعِينَ
стр. 56
وَهُوَ الْمعز لدين الله استولى على بِلَاد الْمغرب حَتَّى الأندلس ثمَّ سير جَيْشًا نَحْو مصر وَكَانَ لابد لهَذَا الْجَيْش أَن يعبر النّيل وَهَذَا أَمر غير مستطاع أَولا لِأَن النّيل عَظِيم الاتساع وَثَانِيا لِأَنَّهُ مَمْلُوء بالتماسيح الَّتِي تجذب إِلَى قاعه فِي الْحَال كل من يعبر وَيُقَال إِنَّه فِي الطَّرِيق قرب مَدِينَة مصر طلسم يحمي الْإِنْسَان وَالدَّوَاب من هَذَا الشَّرّ وَلَكِن أَثَره يبطل على مَسَافَة رمية سهم من الْمَدِينَة فَلَا يَجْرُؤ أحد أَن يقترب من النّيل قيل ان الْمعز أرسل جَيْشه فَنزل حَيْثُ الْقَاهِرَة الْيَوْم وَقد أَمر جُنُوده قَائِلا حِين تصلونَ الى النّيل ينزل المَاء أمامكم كلب أسود فيعبر النَّهر فَاتَّبعُوهُ واعبروا آمِنين قيل وَقد بلغ هَذَا الْمَكَان ثَلَاثُونَ ألف فَارس كلهم خدم الْمعز وَقد انْطلق الْكَلْب سابحا أمامهم وَسَارُوا على أَثَره وعبروا من غير حَادث وَلم يقل أحد قطّ ان فَارِسًا عبر نهر النّيل رَاكِبًا وَكَانَت هَذِه الْحَادِثَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلثمائة ٩٧٣ قد حضر السُّلْطَان الى مصر عَن طَرِيق الْبَحْر فأفرغت السفن الَّتِي حضر بهَا قرب الْقَاهِرَة وأخرجت من المَاء وَتركت كَأَنَّهَا أَشْيَاء لَا غناء فِيهَا وَقد رأى رَاوِي هَذِه الْقِصَّة نَاصِر خسرو تِلْكَ السفن وَهِي سبع طول الْوَاحِدَة مائَة وَخَمْسُونَ ذِرَاعا وعرضها سَبْعُونَ وَقد مضى عَلَيْهَا هُنَاكَ ثَمَانُون سنة وَكَانَ ذَلِك سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة ١٠٤٦ حِين بلغ الرَّاوِي هَذَا الْمَكَان
стр. 57
وَحين دخل الْمعز لدين الله مصر تقدم لَهُ بِالطَّاعَةِ قَائِد الْجَيْش الَّذِي ولاه خَليفَة بَغْدَاد وَنزل الْمعز بالجيش فِي هَذَا الْموضع الَّذِي هُوَ الْقَاهِرَة الْيَوْم وَقد سمى المعسكر بِالْقَاهِرَةِ لِأَن ذَلِك الْجَيْش كَانَ قاهرا وَقد أَمر الْمعز بِأَن لَا يتجول أحد من جَيْشه فِي الْمَدِينَة اَوْ يدْخل بَيت أحد ثمَّ أَمر أَن تبنى مصر فِي هَذِه الصَّحرَاء وَأَن يشيد كل من أَفْرَاد حَاشِيَته بَيْتا وَهَكَذَا بنيت الْمَدِينَة الَّتِي قل نظيرها
وقدرت أَن فِي الْقَاهِرَة مَا لَا يقل عَن عشْرين ألف دكان كلهَا ملك للسُّلْطَان وَكثير مِنْهَا يُؤجر بِعشْرَة دَنَانِير مغربية فِي الشَّهْر وَلَيْسَ بَينهَا مَا تقل أجرته عَن دينارين والأربطة والحمامات والأبنية الْأُخْرَى كَثِيرَة لَا يحدها
стр. 58
الْحصْر وَكلهَا ملك السُّلْطَان اذ لَيْسَ لأحد ان يملك عقارا اَوْ بَيْتا غير الْمنَازل وَمَا يكون قد بناه الْفَرد لنَفسِهِ وَسمعت أَن للسُّلْطَان ثَمَانِيَة ألف بَيت فِي الْقَاهِرَة ومصر وَأَنه يؤجرها وَيحصل أجرتهَا كل شهر يؤجرونها للنَّاس برغبتهم ثمَّ يتقاضون الْأجر فَلَا يجْبر شخص على شَيْء
وَيَقَع قصر السُّلْطَان فِي الْقَاهِرَة وَهُوَ طلق من جَمِيع الْجِهَات وَلَا يتَّصل بِهِ أَي بِنَاء وَقد مَسحه المهندسون فوجدوه مُسَاوِيا لمدينة ميافارقين وكل مَا حوله فضاء ويحرسه كل لَيْلَة ألف رجل خَمْسمِائَة فَارس وَخَمْسمِائة رجل وهم ينفخون البوق ويدقون الطبل والكوس من وَقت صَلَاة الْمغرب ويدورون حول الْقصر حَتَّى الصَّباح ويبدو هَذَا الْقصر من خَارج الْمَدِينَة كَأَنَّهُ جبل لِكَثْرَة مَا فِيهِ من الْأَبْنِيَة المرتفعة وَهُوَ لَا يرى من دَاخل الْمَدِينَة لارْتِفَاع أسواره وَقيل إِن بِهِ اثْنَي عشر ألف خَادِم مأجور وَمن يعرف عدد من فِيهِ من النِّسَاء والجواري إِلَّا أَنه يُقَال إِن بِهِ ثَلَاثِينَ ألف آدَمِيّ وَهَذَا الْقصر يتكون من اثْنَي عشر جوسقا وَله عشرَة أَبْوَاب فَوق الأَرْض لكل مِنْهَا اسْم على هَذَا التَّفْصِيل وَذَلِكَ فضلا عَن أَبْوَاب أُخْرَى تَحت الأَرْض بَاب الذَّهَب بَاب الْبَحْر بَاب السريج بَاب الزهومة بَاب السَّلَام
стр. 59
بَاب الزبرجد بَاب الْعِيد بَاب الْفتُوح بَاب الزلاقة بَاب السّريَّة وَتَحْت الأَرْض بَاب يخرج مِنْهُ السُّلْطَان رَاكِبًا وَهَذَا الْبَاب على سرداب يُؤَدِّي إِلَى قصر آخر خَارج لمدينة وَلِهَذَا السرداب الَّذِي يصل بَين القصرين سقف مُحكم وجدران الْقصر من الْحجر المنحوت بدقة تَقول إِنَّهَا قدت من صَخْر وَاحِد وَفَوق الْقصر المناظر والإيوانات الْعَالِيَة وَفِي دَاخله دهليز بِهِ دكك
وأركان الدولة والخدم من العبيد السود أَو الرّوم والوزير رجل يمتاز عَن الْجَمِيع بالزهد والورع وَالْأَمَانَة والصدق وَالْعقل
وَلم يكن شرب الْخمر مُبَاحا أَعنِي أَيَّام الْحَاكِم هَذَا وَفِي أَيَّامه حرم على النِّسَاء الْخُرُوج من بُيُوتهنَّ وَمَا كَانَ أحد يجفف الْعِنَب فِي بَيته لجَوَاز عمل السيكي (نوع من الشَّرَاب) مِنْهُ وَلم يكن أحدهم يَجْرُؤ على شرب الْخمر وَلَا كَانُوا يشربون الفقاع فقد قيل إِنَّه مُسكر فَهُوَ محرم
وللقاهرة خَمْسَة أَبْوَاب بَاب النَّصْر وَبَاب الْفتُوح وَبَاب القنطرة وَبَاب الزويلة وَبَاب الخليج وَلَيْسَ للمدينة قلعة وَلَكِن أبنيتها أقوى وَأكْثر ارتفاعا من القلعة وكل قصر حصن ومعظم العمارات تتألف من خمس أَو سِتّ طَبَقَات
ويجلب مَاء الشّرْب من النّيل يَنْقُلهُ السقاءون على الْجمال والآبار الْقَرِيبَة
стр. 60
من النّيل عذب مَاؤُهَا وَأما الْبَعِيدَة عَنهُ فماؤها ملح وَيُقَال إِن فِي الْقَاهِرَة ومصر اثْنَيْنِ وَخمسين ألف جمل يحمل عَلَيْهَا السقاءون الروايا وهولأء عدا من يحمل المَاء على ظَهره فِي الجرار النحاسية أَو الْقرب وَذَلِكَ فِي الحارات الضيقة الَّتِي لَا تسير فِيهَا الْجمال
وَفِي الْمَدِينَة بساتين وأشجار بَين الْقُصُور تسقى من مَاء الْآبَار وَفِي قصر السُّلْطَان بساتين لَا نَظِير لَهَا وَقد نصبت السواقي لريها وغرست الْأَشْجَار فَوق الأسطح فَصَارَت متنزهات
وَحين كنت هُنَاكَ أجر منزل مساحته عشرُون ذِرَاعا فِي إثني عشر ذِرَاعا بِخَمْسَة عشر دِينَارا مغربيا فِي الشَّهْر وَكَانَ أَرْبَعَة طوابق ثَلَاثَة مِنْهَا مسكونة وَالرَّابِع خَال وَقد عرض على صَاحبه خَمْسَة دَنَانِير مغربية كَأُجْرَة شهرية فرفض معتذرا بِأَنَّهُ يلْزمه أَن يُقيم بِهِ أَحْيَانًا وَلَو انه لم يحضر مرَّتَيْنِ فِي السّنة الَّتِي أقمتها هُنَاكَ
وَكَانَت الْبيُوت من النَّظَافَة والبهاء بِحَيْثُ تَقول إِنَّهَا بنيت من الْجَوَاهِر لَا من الجص والآجر وَالْحِجَارَة وَهِي بعيدَة عَن بَعْضهَا فَلَا تنمو أَشجَار بَيت على سور بَيت آخر ويستطيع كل مَالك أَن يَجْعَل مَا يَنْبَغِي لبيته فِي كل وَقت من هدم أَو إصْلَاح دون أَن يضايق جَاره
وَيرى السائر خَارج الْمَدِينَة نَاحيَة الغرب ترعة كَبِيرَة تسمى الخليج حفرهَا وَالِد السُّلْطَان وَله على شاطئيها ثَلَاثمِائَة قَرْيَة ويبتدئ فَم الخليج من مَدِينَة مصر ويمر بِالْقَاهِرَةِ ويدور بهَا مارا أَمَام قصر السُّلْطَان وَقد شيد على رَأسه قصران أَولهمَا قصر اللؤلؤة وَثَانِيهمَا قصر
стр. 61
الْجَوْهَرَة
وَفِي الْقَاهِرَة أَرْبَعَة مَسَاجِد جُمُعَة الْأَزْهَر وجامع النُّور وجامع الْحَاكِم وجامع الْمعز والأخير خَارج الْقَاهِرَة على شاطئ النّيل
стр. 62
وَيتَوَجَّهُ المصريون نَحْو مطلع الْحمل حِين يولون وُجُوههم شطر الْقبْلَة وَبَين مدينتي مصر والقاهرة أقل من ميل وَالْأولَى فِي الْجنُوب وَالثَّانيَِة فِي الشمَال ويمر النّيل بهما وبساتينهما وبيوتهما مُتَّصِلَة أما الْبَقِيَّة فتحت مستوى المَاء وتغمر الْمِيَاه الْوَادي بأجمعه فِي الصَّيف كَأَنَّهُ بَحر عدا حديقة السُّلْطَان لِأَنَّهَا على مُرْتَفع أما الْبَقِيَّة فتحت مستوى المَاء
وصف فتح الخليج
حِين يبلغ النّيل الْوَفَاء أَي من الْعَاشِر شهر يور أغسطس وسبتمبر إِلَى الْعشْرين من آبان (أكتوبر ونوفمبر) ويبلغ ارْتِفَاع المَاء ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا عَن مستواه فِي الشتَاء وَتَكون أَفْوَاه الترع والجداول مسدودة فِي الْبِلَاد كلهَا يحضر السُّلْطَان رَاكِبًا ليفتح النَّهر الَّذِي يُسمى الخليج وَالَّذِي يبْدَأ قبل مَدِينَة مصر ثمَّ يمر بِالْقَاهِرَةِ وَهُوَ ملك خَاص للسُّلْطَان وَفِي ذَلِك الْيَوْم يَوْم ركُوب السُّلْطَان لفتح الخليج تفتح الخلجان والترع الْأُخْرَى فِي الولايات كلهَا
وَهَذَا الْيَوْم أعظم الأعياد فِي مصر وَيُسمى عيد ركُوب فتح الخليج
حينما يقترب ينصب للسُّلْطَان على رَأس الخليج سرادق عَظِيم التكاليف من الديباج الرُّومِي وموشى كُله بِالذَّهَب ومكلل بالجواهر ومعد أعظم إعداد بِحَيْثُ يَتَّسِع ظله لمِائَة فَارس وأمام هَذَا السرادق خيمة من البوقلمون وسرادق آخر كَبِير
وَقبل الاحتفال بِثَلَاثَة أَيَّام يدقون الطبل وينفخون البوق ويضربون الكوس فِي الاصطبل لتألف الْخَيل هَذِه الْأَصْوَات
وَحين يركب السُّلْطَان يصطف عشرَة آلَاف فَارس على خيولهم سروج
стр. 63
مذهبَة وأطواق وألجمة مرصعة وَجَمِيع لبد السُّرُوج من الديباج الرُّومِي والبوقلمون نسجت لهَذَا الْغَرَض خَاصَّة فَلم تفصل وَلم تخط وطرزت حواشيها باسم سُلْطَان مصر وعَلى كل حصان درع أَو جوشن وعَلى قمة السرج خوذة وَجَمِيع أَنْوَاع الأسلحة الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ تسير جمال كَثِيرَة عَلَيْهَا هوادج مزينة وبغال عمارياتها (هوادجها) كلهَا مرصعة بِالذَّهَب والجواهر وموشاة بِاللُّؤْلُؤِ وَإِن الْكَلَام ليطول إِذا وصفت كل مَا يكون يَوْم فتح الخليج
وَفِي ذَلِك الْيَوْم يخرج جَيش السُّلْطَان كُله فرقة فرقة وفوجا فوجا فرقة تسمى الكتاميين وهم من القيروان أَتَوا فِي خدمَة الْمعز لدين الله وَقيل ان عَددهمْ عشرُون ألف فَارس
وَفرْقَة تسمى الباتليين وَهُوَ رجال من الْمغرب دخلُوا مصر قبل مَجِيء السُّلْطَان اليها وَقيل ان عَددهمْ خَمْسَة عشر ألف فَارس
وَفرْقَة تسمى المصامدة وَهُوَ سود من بِلَاد المصامدة قيل أَن عَددهمْ عشرُون ألف رجل
وَفرْقَة تسمى المشارقة وهم ترك وعجم وَسبب هَذِه التَّسْمِيَة أَن أصلهم لَيْسَ عَرَبيا وَلَو أَن أَكْثَرهم ولد فِي مصر وَقد اشتق اسمهم من الأَصْل قيل انهم عشرَة آلَاف رجل وهم ضخام الجثة
وَفرْقَة تسمى عبيد الشِّرَاء وهم عبيد مشترون قيل أَن عَددهمْ ثَلَاثُونَ ألف رجل
وَفرْقَة تسمى البدو وهم من أهل الْحجاز يُقَال لَهُم الرُّمَاة وهم خَمْسُونَ ألف فَارس
وَفرْقَة تسمى الأستاذين كلهم خدم بيض وسود اشْتَروا للْخدمَة وهم ثَلَاثُونَ ألف فَارس
وَفرْقَة تسمى السرائيين وهم مشَاة جَاءُوا من كل ولَايَة وَلَهُم قَائِد خَاص يتَوَلَّى رعايتهم وكل مِنْهُم يسْتَعْمل سلَاح ولَايَته وعددهم عشرَة آلَاف رجل
стр. 64
وَفرْقَة تسمى الزنوج يُحَاربُونَ بِالسَّيْفِ وَحده وَقيل أَنهم ثَلَاثُونَ ألف رجل
وَنَفَقَة هَذَا الْجَيْش كُله من مَال السُّلْطَان وَلكُل جندي مِنْهُ مُرَتّب شَهْري على قدر دَرَجَته وَلَا يجْبر على دفع دِينَار مِنْهَا أحد الرعايا أَو الْعمَّال وَلَكِن هَؤُلَاءِ يسلمُونَ للخزانة أَمْوَال ولايتهم سنة فَسنة وَتصرف أرزاق الْجند من الخزانة فِي وَقت معِين بِحَيْثُ لَا يرهق وَال أَو وَاحِد من الرّعية بمطالبة الْجند
وَهُنَاكَ فرقة من أَبنَاء الْمُلُوك والأمراء الَّذين جَاءُوا لمصر من أَطْرَاف الْعَالم وَلَا يعدون من الْجَيْش وهم من الْمغرب واليمن وَالروم وبلاد الصقالبة والنوبة وَأَوْلَاد مُلُوك الكرج (جورجيا) وَأَبْنَاء مُلُوك الديلم وَأَبْنَاء خاقَان تركستان
وَكَذَلِكَ وجد فِي يَوْم فتح الخليج طَبَقَات أُخْرَى من الرِّجَال ذَوي الْفضل والأدباء وَالشعرَاء وَالْفُقَهَاء وَلكُل مِنْهُم أرزاق مُعينَة وَلَا يقل رزق الْوَاحِد من أَبنَاء الْأُمَرَاء عَن خَمْسمِائَة دِينَار وَقد يبلغ الْأَلفَيْنِ وَلَيْسَ لَهُم عمل إِلَّا أَن يذهبوا ليسلموا على الْوَزير حِين يركب ثمَّ يعودون
والآن نعود إِلَى حَدِيث فتح الخليج
стр. 65
فِي الْيَوْم الَّذِي ذهب السُّلْطَان فِي صباحه لفتح الخليج استأجروا عشر آلَاف رجل أمسك كل وَاحِد مِنْهُم إِحْدَى الجنائب الَّتِي ذكرتها وَسَارُوا مائَة مائَة وأمامهم الموسيقيون ينفخون البوق ويضربون الطبل والمزمار وَسَار خَلفهم فَوْج من الْجَيْش مضى هَؤُلَاءِ من قصر السُّلْطَان حَتَّى رَأس الْخُيُول أَتَت الْجمال وَعَلَيْهَا المهود والمراقد وَمن بعْدهَا البغال وَعَلَيْهَا العماريات
وَقد ابتعد السُّلْطَان عَن الْجَيْش والجنائب وَهُوَ شَاب كَامِل الْجِسْم طَاهِر الصُّورَة من أَبنَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ حُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب صلوَات الله عَلَيْهِمَا كَانَ حليق شعر الرَّأْس يركب على بغل لَيْسَ فِي سَرْجه أَو لجامه حلية فَلَيْسَ عَلَيْهِ ذهب أَو فضَّة وَقد ارتدى قَمِيصًا أَبيض عَلَيْهِ فوطة فضفاضة كَالَّتِي تلبس فِي بِلَاد الْمغرب وَالَّتِي تسمى فِي بِلَاد الْعَجم دراعة وَقيل أَن اسْم هَذَا الْقَمِيص الدبيقي وَإنَّهُ يُسَاوِي عشر آلَاف دِينَار وَكَانَ على رَأسه عِمَامَة من لَونه ويمسك بِيَدِهِ سَوْطًا ثمينا وأمامه ثلثمِائة راجل ديلمي عَلَيْهِم ثِيَاب رُومِية مذهبَة وَقد حزموا خصورهم وأكمامهم وَاسِعَة كَمَا يلبس رجال مصر وَمَعَهُمْ النشاب والسهام وَقد عصبوا سيقانهم
ويسير مَعَ السُّلْطَان حَامِل المظلة رَاكِبًا حصانا وعَلى رَأسه عِمَامَة مذهبَة مرصعة وَعَلِيهِ حلَّة قيمتهَا عشرَة آلف دِينَار ذهبي مغربي والمظلة الَّتِي بِيَدِهِ ثمينة جدا وَهِي مرصعة ومكللة وَلَيْسَ مَعَ السُّلْطَان فَارس غير حَامِل المظلة وَقد سَار أَمَامه الديالمة وعَلى يَمِينه ويساره جمَاعَة من الخدم
стр. 66
يحملون المجامر ويحرقون العنبر وَالْعود
وَالْعَادَة فِي مصر أَن يسْجد الرِّجَال للسُّلْطَان وَأَن يدعوا لَهُ كلما قرب مِنْهُم وَجَاء بعد السُّلْطَان الْوَزير مَعَ قَاضِي الْقُضَاة وفوج كَبِير من أهل الْعلم وأركان الدولة وَقد ذهب السُّلْطَان إِلَى حَيْثُ ضرب الشراع على رَأس سد الخليج أَي فَم النَّهر وظل ممتطيا الْبَغْل تَحت السرادق مُدَّة سَاعَة وَبعد ذَلِك سلموه مزراقا ليضْرب بِهِ السد ثمَّ عجل الرِّجَال بهدمه بالمعاول والفؤوس والمخارف فانساب المَاء وَقد كَانَ مرتفعا وَجرى دفْعَة وَاحِدَة فِي الخليج
وَفِي هَذَا الْيَوْم يخرج جَمِيع سكان مصر والقاهرة للتفرج على فتح الخليج وتجرى فِيهِ أَنْوَاع الألعاب العجيبة
وَكَانَ فِي أول سفينة نزلت الخليج جمَاعَة من الخرس يسمون بِالْفَارِسِيَّةِ كنكت ولال لَعَلَّهُم يتفاءلون بنزولهم وَيجْرِي السُّلْطَان عَلَيْهِم صدقاته فِي هَذَا الْيَوْم
وَكَانَ للسُّلْطَان إِحْدَى وَعِشْرُونَ سفينة وَقد عمل لَهَا حَوْض خَاص قرب الْقصر فِي اتساع ميدانين أَو ثَلَاثَة وَطول كل سفينة مِنْهَا خَمْسُونَ ذِرَاعا وعرضها عشرُون ذِرَاعا وَكلهَا مزينة بِالذَّهَب وَالْفِضَّة والجواهر والديباج وَلَو وصفتها لسطرت أوراقا كَثِيرَة وَهَذِه السفن كلهَا مربوطة فِي الْحَوْض مُعظم الْوَقْت كالبغال فِي الاصطبل
стр. 67
وللسلطان حديقة تسمى حديقة عين شمس على فرسخين من الْقَاهِرَة وَهُنَاكَ عين مَاء عذبة سمي الْبُسْتَان بهَا وَيُقَال إِن هَذِه الحديقة كَانَت لفرعون
وَقد رَأَيْت قربهَا بناية قديمَة بهَا أَربع قطع من الْحِجَارَة الْكَبِيرَة كل قِطْعَة مثل المنارة وَطول كل مِنْهَا ثَلَاثُونَ ذِرَاعا وَكَانَ المَاء يقطر من رؤوسها وَلَا يدْرِي أحد مَا هِيَ وَفِي الحديقة شَجَرَة البلسان يُقَال إِن آبَاء هَذَا
стр. 68
السُّلْطَان أَتَوا ببذرتها من بِلَاد الْمغرب وزرعوها فِي الحديقة وَلَا يُوجد غَيرهَا فِي جَمِيع الْآفَاق وَهِي غير مَعْرُوفَة فِي بِلَاد الْمغرب وَمَعَ أَن لهَذِهِ الشَّجَرَة بذرا إِلَّا أَنه لَا ينْبت حَيْثُمَا زرع وَإِذا نبت فَلَا يخرج الزَّيْت مِنْهُ وَهَذِه الشَّجَرَة مثل شَجَرَة الآس يشذبون غصونها بالنصل حينما تكبر ويربطون زجاجة عِنْد مَوضِع كل قطع فَيخرج مِنْهُ الدّهن كالصمغ وَحين ينفذ مَا فِيهَا من دهن تَجف وَيحمل البستانيون غصونها إِلَى الْمَدِينَة ويبيعونها ولحاؤها ثخين وطعمه كاللوز حِين يقشر وينبت فِي جزعها أَغْصَان فِي السّنة التالية فيعملون بهَا كَمَا فعلوا فِي السّنة الغابرة
ولمدينة الْقَاهِرَة عشر محلات وهم يسمون الْمحلة حارة وَهِي حارات برجوان وزويله والجودرية والأمراء والديالمة
стр. 69
وَالروم والباطلية وَقصر الشوق وَعبيد الشرا والمصامدة
وصف مَدِينَة مصر
شيدت مصر على ربوة وجانبها الشَّرْقِي جبلي يتكون من جبال حجرية غير عالية كالتلال وَفِي طرف الْمَدِينَة جَامع ابْن طولون وَهُوَ مشيد على ربوة وَله جداران محكمان وَلم أر أعظم مِنْهُمَا غير جِدَار آمد وميافارقين وَقد بناه أَمِير من أُمَرَاء العباسين كَانَ حَاكما على مصر وَفِي أَيَّام الْحَاكِم بِأَمْر الله جد هَذَا السُّلْطَان الْمُسْتَنْصر بَاعه أحفاد ابْن طولون بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار
стр. 70
مغربي وَبعد مُدَّة شرعوا فِي هدم المئذنة بِحجَّة أَنَّهَا لم تبع فَأرْسل لَهُم الْحَاكِم قَائِلا بقد بعتموني هَذَا الْمَسْجِد فَكيف تهدمونه فَأَجَابُوا نَحن لم نبع المئذنة فَأَعْطَاهُمْ خَمْسَة آلَاف دِينَار ثمنا لَهَا وَكَانَ السُّلْطَان يُصَلِّي فِي هَذَا الْمَسْجِد طوال شهر رَمَضَان وَأَيَّام الْجمع من بَقِيَّة الشُّهُور
ومدينة مصر مشيدة على ربوة خشيَة فيضان المَاء عَلَيْهَا وَهَذِه الربوة كَانَت مغطاة فِي وَقت مَا بأحجار كَبِيرَة جدا فَكسرت وسويت وَيُقَال الْآن للأماكن الَّتِي لم تسو عقبَة وتبدو مصر كَأَنَّهَا جبل حِين ينظر اليها من بعيد
وبمصر بيُوت مكونة من أَربع عشرَة طبقَة وبيوت من سبع طَبَقَات وَسمعت من ثِقَات أَن شخصا غرس حديقة على سطح بَيت من سَبْعَة أدوار وَحمل اليها عجلا رباه فِيهَا حَتَّى كبر وَنصب فِيهَا ساقية كَانَ هَذَا الثور يديرها وَيرْفَع المَاء إِلَى الحديقة من الْبِئْر وَزرع على هَذَا السَّطْح شجر النارنج والترنج والموز وَغَيرهمَا وَقد أثمرت كلهَا كَمَا زرع فِيهَا الْورْد وَالريحَان وأنواع الزهور الْأُخْرَى
وَسمعت من تَاجر ثِقَة أَن بِمصْر دورا كَثِيرَة فِيهَا حجرات للِاسْتِغْلَال أَي للإيجار ومساحتها ثَلَاثُونَ ذِرَاعا فِي ثَلَاثِينَ وتسع ثَلَاثمِائَة وَخمسين شخصا وَهُنَاكَ أسواق وشوارع تضاء فِيهَا الْقَنَادِيل دَائِما لِأَن الضَّوْء لَا يصل إِلَى أرْضهَا ويسير فِيهَا النَّاس
وَفِي مصر سَبْعَة جَوَامِع غير جَوَامِع الْقَاهِرَة والمدينتان متصلتان وَفِيهِمَا مَعًا خَمْسَة عشر جَامعا (مَسْجِد جُمُعَة) وَذَلِكَ لتلقى خطْبَة الْجُمُعَة وَالصَّلَاة
стр. 71
فِي كل حَيّ مِنْهُمَا
وَفِي وسط سوق مصر جَامع يُسمى بَاب الْجَوَامِع شيده عَمْرو بن الْعَاصِ أَيَّام إمارته على مصر من قبل عمر بن الْخطاب وَهَذَا الْمَسْجِد قَائِم على أَرْبَعمِائَة عَمُود فِي الرخام والجدار الَّذِي عَلَيْهِ الْمِحْرَاب مغطى كُله بألواح الرخام الْأَبْيَض الَّتِي كتب الْقُرْآن عَلَيْهَا بِخَط جميل ويحيط بِالْمَسْجِدِ من جهاته الْأَرْبَع الْأَسْوَاق وَعَلَيْهَا تفتح أبوابه وَيُقِيم بِهَذَا الْمَسْجِد المدرسون والمقرئون وَهُوَ مَكَان اجْتِمَاع سكان الْمَدِينَة الْكَبِيرَة وَلَا يقل من من فِيهِ فِي أَي وَقت عَن خَمْسَة آلَاف من طلاب الْعلم والغرباء وَالْكتاب الَّذين يحررون الصكوك والعقود وَغَيرهَا وَقد اشْترى الْحَاكِم بِأَمْر الله هَذَا الْمَسْجِد من أَبنَاء عَمْرو بن الْعَاصِ وَكَانُوا قد ذَهَبُوا اليه وَقَالُوا نَحن فُقَرَاء معوزون وَقد بنى جدنا هَذَا الْمَسْجِد فاذا اذن السُّلْطَان نهدمه ونبيع أحجاره ولبناته فَاشْتَرَاهُ الْحَاكِم بِمِائَة آلف دِينَار وَأشْهد على ذَلِك كل أهل مصر ثمَّ أَدخل عَلَيْهِ عمارات كَثِيرَة عَظِيمَة مِنْهَا ثريا فضية لَهَا سِتَّة عشر جانبا كل جَانب مِنْهَا ذِرَاع وَنصف فَصَارَت دائرتها اربعا وَعشْرين ذِرَاعا
ويوقدون فِي ليَالِي المواسم أَكثر من سبعماية قنديل وَيُقَال ان وزن هَذِه الثريا خَمْسَة وَعِشْرُونَ قِنْطَارًا فضَّة كل قِنْطَار مائَة رَطْل وكل رَطْل أَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ وَمِائَة دِرْهَم وَيُقَال انه حِين تمّ صنعها لم يَتَّسِع لَهَا بَاب من أَبْوَاب الْمَسْجِد لكبرها فخلعوا بَابا وأدخلوها مِنْهُ ثمَّ أعادوا الْبَاب مَكَانَهُ ويفرش هَذَا الْمَسْجِد بِعشر طَبَقَات من الْحَصِير الْجَمِيل الملون بَعْضهَا فَوق بعض ويضاء كل لَيْلَة بِأَكْثَرَ من مائَة قنديل
وَفِي هَذَا الْمَسْجِد مجْلِس قَاضِي الْقُضَاة
стр. 72
وعَلى الْجَانِب الشمالي لِلْمَسْجِدِ سوق يُسمى سوق الْقَنَادِيل لَا يعرف سوق مثله فِي أَي بلد وَفِيه كل مَا فِي الْعَالم من طرائف وَرَأَيْت هُنَاكَ الأدوات الَّتِي تصنع من الذبل كالأوعية والأمشاط ومقابض السكاكين وَغَيرهَا وَرَأَيْت كَذَلِك معلمين مهرَة ينحتون بلورا غَايَة فِي الْجمال وهم يحضرونه من الْمغرب وَقيل انه ظهر حَدِيثا عِنْد بَحر القلزم بلور ألطف وَأكْثر شفافية من بلور الْمغرب وَرَأَيْت أَنْيَاب الْفِيل أحضرت من زنجبار وَكَانَ وزن كثير مِنْهَا يزِيد على مِائَتي من كَمَا أحضر جلد الْبَقر من الْحَبَشَة يشبه جلد النمر ويعملون مِنْهُ النِّعَال وَقد جلبوا من الْحَبَشَة طائرا أليفا كَبِيرا بِهِ نقط بَيْضَاء وعَلى رَأسه تَاج مثل الطاووس
وتنتج مصر عسلا وسكرا كثيرا
وَفِي الْيَوْم الثَّالِث من شهر دي الْقَدِيم (ديسمبر يناير) من السّنة الفارسية سِتّ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة رَأَيْت فِي يَوْم وَاحِد هَذِه الْفَوَاكِه والرياحين الْورْد الاحمر والنيلوفر والنرجس والترنج والنارنج والليمون والمركب والتفاح والياسمين وَالريحَان الملكي والسفرجل وَالرُّمَّان والكمثري والبطيخ والعطر والموز وَالزَّيْتُون والبليج (الإهليلج) وَالرّطب وَالْعِنَب وقصب السكر والباذنجان والقرع واللفت والكرنب والفول الْأَخْضَر وَالْخيَار والقثاء والبصل والثوم والجزر والبنجر
وكل من يفكر كَيفَ تَجْتَمِع هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي بَعْضهَا خريفي وَبَعضهَا ربيعي وَبَعضهَا صَيْفِي وَبَعضهَا شتوي لَا يصدق هَذَا وَلَكِن لَيْسَ لي قصد فِيمَا ذكرت وَلم أكتب الا مَا رَأَيْت وَأما مَا سمعته ثمَّ كتبته فَلَيْسَتْ عهدته على فولاية مصر عَظِيمَة الاتساع بهَا كل أَنْوَاع الجو من الْبَارِد والحار وتجلب كل الحاجيات لمدينة مصر من جَمِيع الْبِلَاد وَيُبَاع بَعْضهَا فِي الْأَسْوَاق
ويصنعون بِمصْر الفخار من كل نوع وَهُوَ لطيف وشفاف بِحَيْثُ إِذا وضعت يدك عَلَيْهِ من الْخَارِج ظَهرت من الدَّاخِل وتصنع مِنْهُ الكؤوس
стр. 73
والأقداح والأطباق وَغَيرهَا وهم يلونونها بِحَيْثُ تشبه البوقلمون فتظهر مُخْتَلف فِي كل جِهَة تكون بهَا ويصنعون بِمصْر قَوَارِير كالزبرجد فِي الصفاء والرقة ويبيعونها بِالْوَزْنِ
وَسمعت من بزاز ثِقَة أَن وزن الدِّرْهَم الْوَاحِد من الْخَيط يشترى بِثَلَاثَة دَنَانِير مغربية وَهِي تَسَاوِي ثَلَاثَة دَنَانِير وَنصف نيسابورية وَقد سَأَلت فِي نيسابور بكم يشْتَرونَ أَجود الْخَيط فَقَالُوا إِن الْخَيط الَّذِي لَا نَظِير لَهُ يشترى الدِّرْهَم مِنْهُ بِخَمْسَة دَرَاهِم
ومدينة مصر ممتدة على شاطئ النّيل الَّذِي بنيت عَلَيْهِ الْقُصُور والمناظر الْكَثِيرَة بِحَيْثُ إِذا احتاجوا إِلَى المَاء رَفَعُوهُ بالحبال من النّيل أما مَاء الْمَدِينَة فيحضره السقاءون من النّيل أَيْضا يحملهُ بَعضهم على الْإِبِل وَبَعْضهمْ على كتفه وَرَأَيْت قدورا من النّحاس الدِّمَشْقِي كل وَاحِد مِنْهَا يسع ثَلَاثِينَ منا وَكَانَت من الطلاوة بِحَيْثُ تظنها من ذهب وَقد حكوا لي أَن امْرَأَة تملك خَمْسَة آلَاف قدر وَأَنَّهَا تؤجر الْوَاحِد مِنْهَا بدرهم فِي الشَّهْر وَيَنْبَغِي أَن يردهَا الْمُسْتَأْجر سليمَة
وأمام مصر جَزِيرَة وسط النّيل كَانَ عَلَيْهَا مَدِينَة فِي وَقت مَا والجزيرة غربي الْمَدِينَة وَبهَا مَسْجِد جُمُعَة وَحَدَائِق وَهِي صَخْرَة وسط النَّهر تقسمه قسمَيْنِ كل مِنْهُمَا فِي اتساع جيحون وَلَكِن أَكثر هدوءا وبطأ فِي جَرَيَانه وَثَبت بَين الجزيرة وَالْمَدينَة جسر من سِتّ وَثَلَاثِينَ سفينة
وَيَقَع جُزْء من مَدِينَة مصر على جَانب النّيل الآخر ويسمونه الجيزلا وَبهَا مَسْجِد لصَلَاة الْجُمُعَة وَلَكِن لَيْسَ لَهَا جسر وَلذَا يعبر النَّاس بالزوار أَو بالمعابر وَهِي كَثِيرَة فِي مصر أَكثر مِمَّا فِي بَغْدَاد أَو الْبَصْرَة
стр. 74
وتجار مصر يصدقون فِي كل مَا يبيعونه وَإِذا كذب أحدهم على مُشْتَر فَإِنَّهُ يوضع على جمل وَيُعْطى جرسا بِيَدِهِ وَيَطوف بِهِ فِي الْمَدِينَة وَهُوَ يدق الجرس وينادي قَائِلا قد كذبت وَهَا أَنا أعاقب وكل من يَقُول الْكَذِب فَجَزَاؤُهُ الْعقَاب
وَيُعْطِي التُّجَّار فِي مصر من بقالين وعطارين وبائعي خردوات الأوعية اللَّازِمَة لما يبيعون من زجاج أَو خزف أَو ورق حَتَّى لَا يحْتَاج المُشْتَرِي أَن يحمل مَعَه وعَاء
ويستخرجون من بذور الفجل واللفت زيتا للمصابيح يسمونه الزَّيْت الْحَار والسمسم هُنَاكَ قَلِيل وزيته عَزِيز وزيت الزَّيْتُون رخيص والفستق أغْلى من اللوز وَلَا تزيد الْعشْرَة أمنان من اللوز المقشور على دِينَار وَاحِد
ويركب أهل السُّوق وَأَصْحَاب الدكاكين الْحمر المسرجة فِي ذهابهم وإيابهم من الْبيُوت الى السُّوق وَفِي كل حَيّ على رَأس الشوارع حمر كَثِيرَة عَلَيْهَا برادع مزينة يركبهَا من يُرِيد نَظِير أجر زهيد وَقيل إِنَّه يُوجد خَمْسُونَ ألف بَهِيمَة مسرجة تزين كل يَوْم وتكرى وَلَا يركب الْخَيل إِلَّا الْجند والعسكر فَلَا يركبهَا التُّجَّار أَو القرويون أَو أَصْحَاب الْحَرْف وَالْعُلَمَاء وَرَأَيْت كثيرا من الْحمر البلق كالخيل بل أجمل
وَكَانَ أهل مَدِينَة مصر فِي غنى عَظِيم حِين كنت هُنَاكَ
وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة (١٠٤٧) ولد للسُّلْطَان ولد فَأمر النَّاس بِإِقَامَة الأفراح فزينت الْمَدِينَة والأسواق زِينَة لَو وصفتها لما اعْتقد بعض النَّاس صِحَة مَا أَقُول وَلما صدقوني فقد كَانَت دكاكين البزازين والصرافين وَغَيرهم مَمْلُوءَة بِالذَّهَب والجواهر والنقد والأمتعة الْمُخْتَلفَة والملابس المذهبة والمقصبة بِحَيْثُ لَا يُوجد فِيهَا متسع لمن يُرِيد أَن يجلس
وَكَانَ النَّاس جَمِيعًا يثقون بالسلطان فَلَا يَخْشونَ الجواسيس وَلَا الغمازين معتمدين على أَن السُّلْطَان لَا يظلم أحد وَلَا يطْمع فِي مَال أحد وَرَأَيْت أَمْوَالًا يملكهَا بعض المصرين لَو ذكرتها أَو وصفتها لما صدقني النَّاس فِي فَارس فَإِنِّي
стр. 75
لَا أَسْتَطِيع أَن أحدد أَمْوَالهم أَو أحصرها أما الْأَمْن الَّذِي رَأَيْته هُنَاكَ فَإِنِّي لم أره فِي بلد من قبل
وَقد رَأَيْت هُنَاكَ نَصْرَانِيّا من سراة مصر قيل إِن سفنه وأمواله وأملاكه لَا يُمكن أَن تعد وَحدث فِي سنه مَا أَن كَانَ النّيل نَاقِصا وَكَانَت الْغلَّة عزيزة فَأرْسل الْوَزير إِلَى هَذَا النَّصْرَانِي وَقَالَ لَيست السّنة رخاء وَالسُّلْطَان مُشفق على الرّعية فاعط مَا اسْتَطَعْت من الْغلَّة إِمَّا نَقْدا وَإِمَّا قرضا قَالَ النَّصْرَانِي أسعد الله السُّلْطَان والوزير إِن لدي من الْغلَّة مَا يمكنني من إطْعَام أهل مصر الْخبز سِتّ سنوات وَلَا شكّ ان سكان مصر فِي ذَلِك الْوَقْت كَانُوا كثرين فَإِن سكان نيسابور خمسهم مَعَ الْإِسْرَاف فِي التَّقْدِير وكل من يَسْتَطِيع الحكم يدْرك كم يَنْبَغِي أَن يكون لهَذَا الثري لتبلغ غَلَّته هَذَا الْمِقْدَار وَأي سَلام كَانَت فِيهِ الرّعية وَأي عدل كَانَ للسُّلْطَان بِحَيْثُ تكون أَحْوَال النَّاس على هَذَا الْوَضع وَأَمْوَالهمْ بِهَذَا الْقدر لم يكن السُّلْطَان يظلم أَو يجور على أحد وَلَا كَانَ أحد من الرّعية يخفي أَو يُنكر شَيْئا مِمَّا يملك
وَرَأَيْت هُنَاكَ خَانا يُسمى دَار الْوَزير لَا يُبَاع فِيهِ سوى الْقصب وَفِي الدّور الْأَسْفَل مِنْهُ يجلسن الخياطون وَفِي الْأَعْلَى الرفاءون وَسَأَلت الْقيم عَن أُجْرَة هَذَا الخان الْكَبِير فَقَالَ كَانَت سنة عشْرين ألف دِينَار مغربي وَلَكِن جانبا مِنْهُ قد تخرب وَهُوَ يعمر الْآن فَيحصل مِنْهُ كل شهر ألف دِينَار يَعْنِي إثني عشر ألف دِينَار فِي السّنة وَقيل إِن فِي هَذِه الْمَدِينَة مِائَتي خَان أكبر مِنْهُ أَو مثله
وصف مائدة السُّلْطَان
يُقيم السُّلْطَان مأدبة فِي كل من الْعِيدَيْنِ وَيَأْذَن بالاستقبال فِي قصره
следующие страницы →