Полный текст (129 стр.). Показаны 106–129 · переход к 111.
стр. 106
الْعِيد بمنى فِي ذَلِك الْيَوْم وَلم يَأْمر بهما الْمُصْطَفى ﵇ وَيكون الْحجَّاج بمنى فِي الْعَاشِر من ذِي الْحجَّة وَهُنَاكَ يرْمونَ الْحِجَارَة وَشرح ذَلِك مَذْكُور فِي مَنَاسِك الْحَج وَفِي الثَّانِي عشر من ذِي الْحجَّة يُغَادر منى من عزم على العودة لبلاده وَيذْهب إِلَى مَكَّة أَهلهَا
الى الحسا عَن طَرِيق الطَّائِف ومطار والثريا وجزع وسربا وفلج واليمامة
بعد اتمام الْحَج اسْتَأْجَرت جملا من أَعْرَابِي لأذهب إِلَى الحسا وَقيل إِنَّهُم يبلغونها من مَكَّة فِي ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَقد ودعت بَيت الله يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشر ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (٧ مايو ١٠٥١) الْمُوَافق أول خرداد الْقَدِيم (مايو يونيو) وَقد وجدنَا مرجا بعد سَبْعَة فراسخ من مَكَّة عِنْده جبل وَلما بلغناه وجدنَا سهلا وقرى وبئرا اسْمهَا بِئْر الْحُسَيْن بن سَلامَة وَكَانَ الجو بَارِدًا وَقد سرنا نَاحيَة الْمشرق
بلغنَا الطَّائِف يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وَمن مَكَّة إِلَى هُنَاكَ إثنا عشر فرسخا والطائف نَاحيَة على رَأس جبل وَكَانَ الجو بَارِدًا فِي شهر خرداد (مايو يونيو) حَتَّى لزم الْجُلُوس فِي الشَّمْس بَيْنَمَا يكثر الْبِطِّيخ بِمَكَّة فِي هَذَا الْوَقْت وقصبة الطَّائِف هَذِه مَدِينَة صَغِيرَة بهَا حصن مُحكم وسوق وجامع صغيران وَبهَا مَاء جَار وأشجار رمان وتين كَثِيرَة وبجوارها قبر عبد الله بن عَبَّاس ﵁ وَقد بنى خلفاء بَغْدَاد هُنَاكَ مَسْجِدا كَبِيرا يَقع الْقَبْر فِي زاويته على يَمِين الْمِحْرَاب والمنبر وَبنى النَّاس هُنَاكَ بُيُوتًا يسكنونها
سرنا من الطَّائِف واجتزنا جبالا وأراضي صخرية وَكُنَّا نجد حَيْثُمَا سرنا قلاعا مُحصنَة وقرى وَقد أروني وسط الصخور قلعة خربة قيل إِنَّهَا كَانَت بَيت ليلى وقصتهم فِي هَذَا عَجِيبَة وَمن هُنَاكَ بلغنَا قلعة تسمى مطار
стр. 107
وَبَينهَا وَبَين الطَّائِف إثنا عشر فرسخا ثمَّ بلغنَا نَاحيَة تسمى الثريا بهَا نخيل كثير وتزرع أرْضهَا بمياه الْآبَار والسواقي قَالُوا وَلَيْسَ لهَذِهِ النَّاحِيَة حَاكم أَو سُلْطَان فَإِن على كل جِهَة رَئِيسا اَوْ سيدا مُسْتقِلّا ويعيش النَّاس على السّرقَة وَالْقَتْل وهم فِي حَرْب دَائِم بَعضهم مَعَ بعض وَمن الطَّائِف إِلَى هُنَاكَ خَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخا وَبعد ذَلِك مَرَرْنَا بقلعة تسمى جزع وعَلى مساحة نصف فَرسَخ مِنْهَا أَربع قلاع نزلنَا عِنْد أكبرها وَتسَمى حصن بني نسير وَهُنَاكَ قَلِيل من النخيل وَبَيت الْعَرَبِيّ الَّذِي استأجرنا حمله فِي الْجزع هَذِه ولبثنا هُنَاكَ خَمْسَة عشر يَوْمًا إِذْ لم يكن مَعنا خفير يهدينا الطَّرِيق وَلكُل قوم من عرب هَذَا الْمَكَان ارْض محددة ترعى بهَا ماشيتهم وَلَا يَسْتَطِيع أَجْنَبِي أَن يدخلهَا فهم يمسكون كل من يدْخل بِغَيْر خفير ويجردونه مِمَّا مَعَه فَيلْزم اسْتِصْحَاب خفير من كل جمَاعَة حَتَّى يَتَيَسَّر الْمُرُور من أَرضهم فَهُوَ وقاية للْمُسَافِر ويسمونه أَيْضا مرشد الطَّرِيق (قلاوز) وَقد اتّفق أَن جَاءَ إِلَى الْجزع رَئِيس الْأَعْرَاب الَّذين كَانُوا فِي طريقنا وهم بَنو سَواد واسْمه أَبُو غَانِم عبس بن
стр. 108
الْبَعِير فاتخذناه خفيرا وذهبنا مَعَه وقابلنا قومه فظنوا أَنهم لقوا صيدا إِذْ أَن كل أَجْنَبِي يرونه يُسمى صيدا فَلَمَّا رَأَوْا رئيسهم مَعنا أسقط فِي أَيْديهم وَلَوْلَا ذَلِك لأهلكونا وَفِي الْجُمْلَة لبثنا مَعَهم زَمنا إِذْ لم يكن مَعنا خفير يصحبنا ثمَّ أَخذنَا من هُنَاكَ خفيرين أجر كل مِنْهُمَا عشرَة دَنَانِير ليسيرا بِنَا بَين قوم آخَرين وَقد كَانَ من هَؤُلَاءِ الْعَرَب شُيُوخ فِي السّبْعين من عمرهم قَالُوا لي إِنَّهُم لم يَذُوقُوا شَيْئا غير لبن الْإِبِل طوال حياتهم إِذْ لَيْسَ فِي هَذِه الصَّحرَاء غير علف فَاسد تَأْكُله الْجمال وَكَانُوا يظنون ان الْعَالم هَكَذَا وظللت أتحول من قوم إِلَى قوم وَأَجد فِي كل مَكَان خطرا وخوفا إِلَّا أَن الله ﵎ سلمنَا مِنْهَا
وبلغنا مَكَانا فِي وسط أَرض ملؤُهَا الصخور يُسمى سربا رَأَيْت بِهِ جبالا كل مِنْهَا كالقبة لم أر مثلهَا فِي أَي ولَايَة وَهِي من الِارْتفَاع بِحَيْثُ لَا يصل اليها السهْم وملساء وصلبة بِحَيْثُ لَا يظْهر عَلَيْهَا شقّ أَو التواء وَقد سرنا من هُنَاكَ فَكَانَ زملاؤنا فِي الطَّرِيق كلما رَأَوْا ضبا قَتَلُوهُ وأكلوه وَكَانُوا يحلبون لبن الْجمال حَيْثُ وجد الْأَعْرَاب وَلم أكن أَسْتَطِيع أكل الضَّب أَو شرب لبن الْجمال وَفِي كل جِهَة فِي الطَّرِيق بهَا شجر بِهِ ثَمَر فِي حجم حَبَّة السلَّة كنت أقنع بِأَكْل حبات مِنْهَا وَبعد معاناة مشاق ومتاعب كَثِيرَة بلغنَا فلج فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر (٤٣٣ ١٠٥١)
فلج
وَمن مَكَّة اليها ثَمَانُون وَمِائَة فَرسَخ وَتَقَع فلج هَذِه وسط الصَّحرَاء وَهِي نَاحيَة كَبِيرَة وَلكنهَا خربَتْ بالتعصب وَكَانَ الْعمرَان حِين زرناها قاصرا على نصف فَرسَخ فِي ميل عرضا وَفِي هَذِه الْمسَافَة أَربع عشرَة قلعة
стр. 109
للصوص والمفسدين والجهلة وَهِي مقسمة بَين فريقين بَينهمَا خُصُومَة وعداوة دائمة وَقد قَالُوا نَحن من أَصْحَاب الرسيم الَّذين ذكرُوا فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَهُنَاكَ أَربع قنوات يسقى مِنْهَا النخيل أما زرعهم فَفِي أَرض عالية يرفع اليها مُعظم المَاء من الْآبَار وهم يستخدمون فِي زراعتهم الْجمال لَا الثيران وَلم أرها هُنَاكَ وزراعتهم قَليلَة واجر الرجل فِي الْيَوْم عشرَة سيرات من غلَّة يخبزها أرغفة وَلَا يَأْكُلُون إِلَّا قَلِيلا من صَلَاة الْمغرب حَتَّى صَلَاة الْمغرب التالية كَمَا فِي رَمَضَان ويأكلون التَّمْر أثْنَاء النَّهَار وَقد رَأَيْت هُنَاكَ تَمرا طيبا جدا أحسن مِمَّا فِي الْبَصْرَة وَغَيرهَا والسكان هُنَاكَ فُقَرَاء جدا وبؤساء وَمَعَ فَقرهمْ فَإِنَّهُم كل يَوْم فِي حَرْب وعداء وَسَفك دِمَاء وَهُنَاكَ تمر يسمونه ميدون تزن الْوَاحِدَة مِنْهُ عشرَة دَرَاهِم وَلَا يزِيدُونَ وزن النَّوَى بِهِ عَن دانق وَنصف وَيُقَال انه لَا يفْسد وَلَو بَقِي عشْرين سنة ومعاملتهم بِالذَّهَب النيشابوري وَقد لَبِثت بفلج هَذِه أَرْبَعَة أشهر فِي حَالَة لَيْسَ أصعب مِنْهَا لم يكن معي من شؤون الدُّنْيَا سوى سلتين من الْكتب وَالنَّاس جِيَاع وعراة وجهلاء ويلتزمون حمل الترس وَالسيف إِذا ذَهَبُوا للصَّلَاة وَلَا يشْتَرونَ الْكتب وَكَانَ هُنَاكَ مَسْجِدا نزلنَا فِيهِ وَكَانَ معي قَلِيل من اللونين القرمزي واللازورد فَكتبت على حَائِط الْمَسْجِد بَيت شعر وَوضعت فِي وَسطه ورق الشّجر فرأوه وتعجبوا وَتجمع أهل القلعة كلهَا ليتفرجوا عَلَيْهِ وَقَالُوا لي إِذا تنقش محراب هَذَا الْمَسْجِد نعطيك مائَة من تَمرا وَمِائَة من تَمرا عِنْدهم شَيْء كثير فقد أَتَى وَأَنا هُنَاكَ جَيش من الْعَرَب وَطلب مِنْهُم خَمْسمِائَة من تَمرا فَلم يقبلُوا وحاربوا وَقتل من أهل القلعة عشرَة رجال وقلعت ألف نَخْلَة وَلم يعطوهم عشرَة أمنان تَمرا وَقد نقشت الْمِحْرَاب كَمَا اتَّفقُوا معي وَكَانَ لنا فِي الْمِائَة من من التَّمْر عون كَبِير إِذْ لم يكن ميسورا أَن نجد
стр. 110
غذَاء وَلم يكن لدينا أمل فِي الْحَيَاة وَلم نَكُنْ نستطيع أَن نتصور خروجنا من هَذِه الْبَادِيَة إِذْ كَانَ يَنْبَغِي لِلْخُرُوجِ مِنْهَا عَن أَي طَرِيق اجتياز مِائَتي فَرسَخ من الصَّحرَاء كلهَا مخاوف ومهالك وَلم أر فِي الْأَشْهر الْأَرْبَعَة الَّتِي أقمتها بفلج خَمْسَة أمنان من الْقَمْح فِي أَي مَكَان وأخيرا أَتَت قافلة من الْيَمَامَة لأخذ الْأَدِيم وَحمله إِلَى الحسا فَإِنَّهُ يحصر من الْيمن إِلَى فلج حَيْثُ يُبَاع للتجار قَالَ لي أَعْرَابِي أَنا أحملك إِلَى الْبَصْرَة وَلم يكن معي شَيْء قطّ لأعطيه أجرا والمسافة مِائَتَا فَرسَخ وَأُجْرَة الْجمل دِينَار وَيُبَاع الْجمل الْعَظِيم هُنَاكَ بدينارين أَو ثَلَاثَة وَلَكِنِّي رحلت نَسِيئَة إِذْ لم يكن معي نقود فَقَالَ الْأَعرَابِي أحملك إِلَى الْبَصْرَة على أَن تَأْجُرنِي ثَلَاثِينَ دِينَارا فَقبلت مُضْطَرّا وَلم أكن قد رَأَيْت الْبَصْرَة قطّ فَوضع هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب كتبي على جمل أركبوا عَلَيْهِ أخي وسرت أَنا رَاجِلا وتوجهنا فِي اتجاه مطلع بَنَات النعش (الدب الْأَكْبَر) كَانَ الطَّرِيق مستويا لَا جبال فِيهِ وَلَا مرتفعات وَكَانَ مَاء الْمَطَر متجمعا حَيْثُمَا كَانَت الأَرْض أَشد صلابة وَمَضَت لَيَال وَأَيَّام وَلم يبد فِي أَي جِهَة أثر الطَّرِيق إِلَّا أَنهم كَانُوا يَسِيرُونَ بالغريزة (بِالسَّمْعِ) وَمن العجيب أَنهم كَانُوا يبلغون فجاة بِئْر مَاء مَعَ عدم وجود أَي عَلامَة
الْيَمَامَة
وبالاختصار بلغنَا الْيَمَامَة بعد مسيرَة أَرْبَعَة أَيَّام بلياليها وباليمامة حصن كَبِير قديم وَالْمَدينَة والسوق حَيْثُ صناع من كل نوع يقعان خَارج الْحصن وَبهَا مَسْجِد جميل وأمراؤها علويون مُنْذُ الْقَدِيم وَلم ينتزع
стр. 111
أحد هَذِه الْولَايَة مِنْهُم إِذْ لَيْسَ بجوارهم سُلْطَان أَو ملك قاهر وَهَؤُلَاء العلويون ذَوُو شَوْكَة فلديهم ثَلَاثمِائَة أَو أَرْبَعمِائَة فَارس ومذهبهم الزيدية وهم يَقُولُونَ فِي الْإِقَامَة (مُحَمَّد وَعلي خير الْبشر وَحي على خير الْعَمَل) وَقيل إِن سكان هَذِه الْمَدِينَة شريفية (خاضعون للأشراف) وبالنامة مياه جَارِيَة فِي القنوات وفيهَا نخيل وَقيل إِنَّه حِين يكثر التَّمْر يُبَاع الْألف من مِنْهُ بِدِينَار وَمن الْيَمَامَة إِلَى الحسا أَرْبَعُونَ فرسخا وَلَا يَتَيَسَّر الذّهاب اليها إِلَّا فِي فصل الشتَاء حِين تتجمع مياه الْمَطَر فيشرب النَّاس مِنْهَا وَلَا يكون ذَلِك فِي الصَّيف
وصف الأحساء
والحسا مَدِينَة فِي الصَّحرَاء ولبلوغها عَن أَي طَرِيق يَنْبَغِي اجتياز صحراء وَاسِعَة وَالْبَصْرَة أقرب الْبِلَاد الإسلامية الَّتِي بهَا سلطنة إِلَى الحسا وَبَينهمَا خَمْسُونَ وَمِائَة فَرسَخ وَلم يقْصد سُلْطَان من الْبَصْرَة الحسا أبدا
والحسا مَدِينَة وَسَوَاد أَيْضا وَبهَا قلعة ويحيط بهَا أَرْبَعَة أسوار قَوِيَّة متعاقبة من اللَّبن الْمُحكم الْبناء بَين كل اثْنَيْنِ مِنْهَا مَا يقرب من فَرسَخ وَفِي الْمَدِينَة عُيُون مَاء عَظِيمَة تَكْفِي كل مِنْهَا لإدارة خمس سواق ويستهلك كل هَذَا المَاء بهَا فَلَا يخرج مِنْهَا ووسط القلعة مَدِينَة جميلَة بهَا كل وَسَائِل الْحَيَاة الَّتِي فِي المدن الْكَبِيرَة وفيهَا أَكثر من عشْرين ألف محَارب وَقيل إِن سلطانهم كَانَ شريفا وَقد ردهم عَن الْإِسْلَام وَقَالَ إِنِّي أعفيتكم من الصَّلَاة وَالصَّوْم ودعاهم إِلَى أَن مرجعهم لَا يكون إِلَّا إِلَيْهِ وأسمه أَبُو سعيد وَحين يسْأَلُون عَن مَذْهَبهم يَقُولُونَ إِنَّا أَبُو سعيديون وهم لَا يصلونَ وَلَا يَصُومُونَ وَلَكنهُمْ يقرونَ بِمُحَمد الْمُصْطَفى ﷺ وبرسالته وَقد قَالَ لَهُم أَبُو سعيد إِنِّي أرجع اليكم يَعْنِي بعد الْوَفَاة وقبره دَاخل الْمَدِينَة وَقد
стр. 112
بنوا عِنْده قبرا جميلا وَقد أوصى أبناءه قَائِلا (يرْعَى الْملك ويحافظ عَلَيْهِ سِتَّة من أبنائي يحكمون النَّاس بِالْعَدْلِ وللقسطاس وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَا بَينهم حَتَّى أَعُود) ولهؤلاء الْحُكَّام الْآن قصر منيف هُوَ دَار ملكهم وَبِه تخت يَجْلِسُونَ هم السِّتَّة عَلَيْهِ وَيَصْدُرُونَ أوامرهم بالِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ يحكمون وَلَهُم سِتَّة وزراء على تخت آخر ويتداولون فِي كل أَمر وَكَانَ لَهُم فِي ذَلِك الْوَقْت ثَلَاثُونَ ألف عبد زنجي حبشِي يشتغلون بالزراعة وفلاحة الْبَسَاتِين وهم لَا يَأْخُذُونَ عشورا من الرّعية وَإِذا افْتقر إِنْسَان أَو اسْتَدَانَ يتعهدونه حَتَّى يَتَيَسَّر عمله وَإِذا كَانَ لأَحَدهم دين على آخر لَا يُطَالِبهُ بِأَكْثَرَ من رَأس المَال الَّذِي لَهُ وكل غَرِيب ينزل فِي هَذِه الْمَدِينَة وَله صناعَة يعْطى مَا يَكْفِيهِ من المَال حَتَّى يَشْتَرِي مَا يلْزم صناعته من عدد وآلات وَيرد (إِلَى الْحُكَّام) مَا أَخذ حِين يَشَاء وَإِذا تخرب بَيت أَو طاحون أحد الْملاك وَلم تكن لَدَيْهِ الْقُدْرَة على الْإِصْلَاح أمروا جمَاعَة من عبيدهم بِأَن يذهبوا اليه ويصلحوا الْمنزل أَو الطاحون وَلَا يطْلبُونَ من الْمَالِك شَيْئا وَفِي الحسا مطاحن مَمْلُوكَة للسُّلْطَان تطحن الْحُبُوب للرعية مجَّانا وَيدْفَع فِيهَا السُّلْطَان نفقات إصلاحها وأجور الطحانين وَهَؤُلَاء السلاطين السِّتَّة يسمون السادات وَيُسمى وزراؤهم الشائرة وَلَيْسَ فِي مَدِينَة الحسا مَسْجِد جُمُعَة وَلَا تُقَام بهَا صَلَاة أَو خطْبَة إِلَّا أَن رجلا فارسيا اسْمه عَليّ بن أَحْمد بنى مَسْجِدا وَهُوَ مُسلم حَاج غَنِي كَانَ يتعهد الْحجَّاج الَّذين يبلغون الحسا وَالْبيع وَالشِّرَاء وَالعطَاء وَالْأَخْذ يتم هُنَاكَ بِوَاسِطَة رصاص فِي زنابيل يزن كل مِنْهَا سِتّ آلَاف دِرْهَم فَيدْفَع الثّمن عددا من الزنابيل وَهَذِه العملة لَا تسري فِي الْخَارِج وينسجون هُنَاكَ فوطا جميلَة ويصدرونها لِلْبَصْرَةِ وَغَيرهَا وَإِذا
стр. 113
صلى أحد فَإِنَّهُ لَا يمْنَع وَلَكنهُمْ أنفسهم لَا يصلونَ ويجيب السلاطين من يُحَدِّثهُمْ من الرّعية برقة وتواضع وَلَا يشربون مُطلقًا وعَلى بَاب قبر أبي سعيد حصان مُهَيَّأ بعناية عَلَيْهِ طوق ولجام يقف بالنوبة لَيْلًا وَنَهَارًا يعنون بذلك أَن أَبَا سعيد يركبه حِين يرجع إِلَى الدُّنْيَا وَيُقَال إِنَّه قَالَ لأبنائه حِين أَعُود وَلَا تعرفونني إضربوا رقبتي بسيفي فَإِذا كنت أَنا حييت فِي الْحَال وَقد وضعت هَذِه الدّلَالَة حَتَّى لَا يَدعِي أحد أَنه أَبُو سعيد
وَقد ذهب أحد هَؤُلَاءِ السلاطين بِجَيْش إِلَى مَكَّة أَيَّام خلفاء بَغْدَاد فاستولى عَلَيْهَا وَقتل من كَانَ يطوف بِالْكَعْبَةِ وانتزع الْحجر الْأسود من مَكَانَهُ وَنَقله إِلَى الحسا وَقد زَعَمُوا أَن هَذَا الْحجر مغناطيس يجذب النَّاس اليه من أَطْرَاف الْعَالم وَلم يفقهوا أَن شرف مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﷺ وجلاله هما اللَّذَان يجذبان النَّاس فقد لبث الْحجر الْأسود فِي الحسا سِنِين عديدة وَلم يذهب اليها أحد وأخيرا اشْترِي مِنْهُم الْحجر الْأسود وأعيد إِلَى مَكَانَهُ
وَفِي الحسا تبَاع لُحُوم الْحَيَوَانَات كلهَا من قطط وكلاب وحمير وبقر وخراف وَغَيرهَا وتوضع رَأس الْحَيَوَان وَجلده بِقرب لَحْمه ليعرف المُشْتَرِي مَاذَا يَشْتَرِي وهم يسمنون الْكلاب هُنَاكَ كَمَا تعلف الخراف حَتَّى لَا تَسْتَطِيع الْحَرَكَة من سمنها ثمَّ يذبحونها ويبيعون لَحمهَا
وَالْبَحْر على مسيرَة سَبْعَة فراسخ من الحسا إِلَى نَاحيَة الشرق فَإِذا اجتازه الْمُسَافِر وجد الْبَحْرين وَهِي جَزِيرَة طولهَا خَمْسَة عشر فرسخا والبحرين مَدِينَة كَبِيرَة أَيْضا بهَا نخل كثير ويستخرجون من هَذَا الْبَحْر اللُّؤْلُؤ ولسلاطين الحسا نصف مَا يَسْتَخْرِجهُ الغواصون مِنْهُ وَإِذا سَار الْمُسَافِر جنوب الحسا يبلغ عمان وَهِي فِي بِلَاد الْعَرَب وَثَلَاثَة جَوَانِب مِنْهَا صحراء لَا يُمكن اجتيازها وَولَايَة عمان ثَمَانُون فرسخا فِي مثلهَا وَهِي حارة الجو وَيكثر بهَا الْجَوْز الْهِنْدِيّ الْمُسَمّى نارجيل وَإِذا أبحر الْمُسَافِر من عمان نَحْو الشرق
стр. 114
يبلغ شاطئ كيش ومكران وَإِذا سَار جنوبا يبلغ عدن فَإِذا سَار فِي الْجَانِب الآخر يبلغ فَارس
وَفِي الحسا تمر كثير حَتَّى أَنهم يسمنون بِهِ الْمَوَاشِي وَيَأْتِي وَقت يُبَاع فِيهِ أَكثر من ألف من بِدِينَار وَاحِد وَحين يسير الْمُسَافِر من الحسا إِلَى الشمَال سَبْعَة فراسخ يبلغ جِهَة القطيف وَهِي مَدِينَة كَبِيرَة بهَا نحل كثير وَقد ذهب أَمِير عَرَبِيّ إِلَى أَبْوَاب الحسا ورابط هُنَاكَ سنة وَاسْتولى على سور من أسوارها الْأَرْبَعَة وَشن عَلَيْهَا غارات كَثِيرَة وَلكنه لم ينل من أَهلهَا شَيْئا وَقد سَأَلَني حِين رَآنِي عَمَّا تنبئ بِهِ النُّجُوم قَالَ أُرِيد أَن أستولي على الحسا فَهَل أَسْتَطِيع أم لَا فَإِن أَهلهَا قوم لَا دين لَهُم فأجبته بِمَا فِيهِ الْخَيْر لَهُ
وَعِنْدِي أَن كل البدو يشبهون أهل الحسا فَلَا دين لَهُم وَمِنْهُم أنَاس لم يمس المَاء أَيْديهم مُدَّة سنة أَقُول هَذَا عَن بَصِيرَة لَا شَيْء فِيهِ من الأراجيف فقد عِشْت فِي وَسطهمْ تِسْعَة شهور دفْعَة وَاحِدَة لَا فرقة بَينهَا وَلم أكن أَسْتَطِيع أَن أشْرب اللَّبن الَّذِي كَانُوا يقدمونه إِلَيّ كلما طلبت مَاء لأشرب فحين أرفضه وأطلب المَاء يَقُولُونَ اطلبه حَيْثُمَا ترَاهُ وَلَكِن عِنْد من ترَاهُ وهم لم يرَوا الحمامات أَو المَاء الْجَارِي فِي حياتهم
وصف فَارس
الْبَصْرَة
والآن أَعُود إِلَى حكايتي
حينما غادرنا الحسا إِلَى الْبَصْرَة كُنَّا نجد المَاء فِي بعض الْجِهَات وَلَا نجده فِي أُخْرَى حَتَّى بلغنَا الْبَصْرَة فِي الْعشْرين من شعْبَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (٢٨ ديسمبر ١٠٥١) لِلْبَصْرَةِ سور عَظِيم يُحِيط بهَا مَا عدا
стр. 115
الْجزع المطل على النَّهر وَهَذَا النَّهر هُوَ شط الْعَرَب ويلتقي دجلة والفرات عِنْد حُدُود مَدِينَة الْبَصْرَة ويلتقي بهما أَيْضا قناة المويزة فيسمى النَّهر حِينَئِذٍ شط الْعَرَب وَيتَفَرَّع من شط الْعَرَب هَذَا قناتان كبيرتان بَين منبعهما مَسَافَة فَرسَخ وَقد شقا صوب الْقبْلَة مَسَافَة أَرْبَعَة فراسخ ثمَّ يَلْتَقِيَانِ ويكونان قناة وَاحِدَة تسير مَسَافَة فَرسَخ وَاحِد نَاحيَة الْجنُوب وَمن هَاتين القناتين شقَّتْ ترع كَثِيرَة مدت فِي كل الْأَطْرَاف وغرست أَشجَار النخيل والحدائق على شواطئها والقناة الْعليا وَهِي الشمالية الشرقية تسمى نهر معقل وَالثَّانيَِة وَهِي الغربية الجنوبية تسمى نهر الأبله ومنهما تتكون جَزِيرَة كَبِيرَة مستطيلة وَالْبَصْرَة على أقصر ضلع من هَذَا المستطيل والجنوب الغربي لِلْبَصْرَةِ صحراء لَيْسَ بهَا عمرَان وَلَا مَاء وَلَا شجر مُطلقًا وَكَانَ مُعظم الْبَصْرَة خرابا وَنحن هُنَاكَ والجهات العامرة متباعدة جدا من وَاحِدَة لأخرى نصف فَرسَخ من الخراب وَلَكِن بَابهَا وسورها محكمان وقويان وَبهَا خلق كثير وَدخل سلطانها كَبِير كَانَ أميرها فِي ذَلِك الْوَقْت ابْن أبي كاليجار الديلمي الَّذِي كَانَ ملك فَارس وَكَانَ وزيره رجلا فارسيا اسْمه ابو مَنْصُور شاه مردان
وَينصب السُّوق فِي الْبَصْرَة فِي ثَلَاث جِهَات كل يَوْم فَفِي الصَّباح يجْرِي التبادل فِي سوق خُزَاعَة وَفِي الظّهْر فِي سوق عُثْمَان وَفِي الْمغرب فِي سوق القداحين وَالْعَمَل فِي السُّوق هَكَذَا كل من مَعَه مَال يُعْطِيهِ للصراف وَيَأْخُذ مِنْهُ صكا ثمَّ يَشْتَرِي كل مَا يلْزمه ويحول الثّمن على الصراف فَلَا يستخدم المُشْتَرِي شَيْئا غير صك الصراف طالما يُقيم بِالْمَدِينَةِ
حِين بلغنَا الْبَصْرَة كُنَّا من العري والفاقة كأنا مجانين وَكُنَّا قد لبثنا ثَلَاثَة
стр. 116
شهور لم نحلق شعر رَأْسنَا فَأَرَدْت أَن أذهب إِلَى الْحمام التمس الدفء فقد كَانَ الجو بَارِدًا وَلم يكن علينا ملابس كنت أَنا وَأخي كِلَانَا نلبس فوطة بالية وعَلى ظهرينا خرقَة من الصُّوف متدلية من الرَّأْس حَتَّى قلت لنَفْسي من الَّذِي يسمح لنا الْآن بِدُخُول الْحمام فَبِعْت السلتين اللَّتَيْنِ كَانَت بهما كتبي وَوضعت بعض دَرَاهِم من ثمنهَا فِي ورقة لأعطيها للحمامي عَسى أَن يسمح لنا بِوَقْت أطول فِي الْحمام لنزيل مَا علينا من كدر فَلَمَّا قدمت اليه هَذِه الدريهمات نظر إِلَيْنَا شذرا وَظن أننا مجانين وانتهرنا قَائِلا اذْهَبُوا فَالْآن يخرج النَّاس من الْحمام وَلم يَأْذَن لنا بِالدُّخُولِ فخرجنا فِي خجل ومشينا مُسْرِعين وَكَانَ بِبَاب الْحمام أَطْفَال يَلْعَبُونَ فحسبونا مجانين فجروا فِي أثرنا ورشقونا بِالْحِجَارَةِ وصاحوا بِنَا فلجأنا إِلَى زَاوِيَة وَقد تملكنا الْعجب من أَمر الدُّنْيَا وَكَانَ الْأَعرَابِي يطْلب منا الثَّلَاثِينَ دِينَارا مغربيا وَلم نَكُنْ نَعْرِف وَسِيلَة للسداد وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ وَزِير ملك الأهواز واسْمه أَبُو الْفَتْح عَليّ بن أَحْمد وَهُوَ رجل أَخْلَاق وَفضل يجيد معرفَة الشّعْر وَالْأَدب وَكَانَ كَرِيمًا وَقد جَاءَ الْبَصْرَة مَعَ أبنائه وحاشيته وَأقَام بهَا وَلم يكن لَدَيْهِ مَا يشْغلهُ وَكنت عرفت رجلا فارسيا فَاضلا من أصدقاء الْوَزير والمترددين عَلَيْهِ كل وَقت وَكَانَ هَذَا الْفَارِسِي فَقِيرا لَا وسعة عِنْده لإعانتنا فَقص على الْوَزير قصتنا فَلَمَّا سَمعهَا أرسل إِلَيّ رجلا وَمَعَهُ حصان أَن اركب واحضر عِنْدِي كَمَا أَنْت فخجلت من سوء حَالي وعريي وَلم أر الذّهاب مناسبا فَكتبت رقْعَة معتذرا وَقلت فِيهَا إِنِّي سأكون فِي خدمته (بعد وُصُول ورقتي اليه) وَكَانَ قصدي من الْكِتَابَة شَيْئَيْنِ أَن يعرف فقري وَعلمِي حِين يطلع على كتابتي وَأَن يقدر أهليتي وَذَلِكَ حَتَّى لَا أخجل من زيارته وَقد أرسل إِلَيّ فِي الْحَال ثَلَاثِينَ دِينَارا لشراء كسْوَة فاشتريت حلتين جميلتين وَفِي الْيَوْم الثَّالِث ذهبت لمجلس الْوَزير فرأيته رجلا كَامِلا أديبا فَاضلا جميل الْخلقَة متواضعا دينا حُلْو الحَدِيث وَله أَرْبَعَة أَبنَاء أكبرهم شَاب فصيح أديب عَاقل اسْمه الرئيس أَبُو عبد الله أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد وَكَانَ شَاعِرًا
стр. 117
وكاتبا فِيهِ فتوة الشَّبَاب ورجاحة الْعقل وَمظَاهر التَّقْوَى وَقد أضافنا الْوَزير عِنْده من أول شعْبَان إِلَى نصف رَمَضَان ثمَّ أَمر بِإِعْطَاء الْأَعرَابِي الَّذِي استأجرنا جمله الثَّلَاثِينَ دِينَارا الَّتِي لَهُ عَليّ فكفاني مؤونة هَذَا الدّين اللَّهُمَّ تَبَارَكت وَتَعَالَيْت فرج ضيق المدينين من عبيدك من هم الْقَرْض بِحَق الْحق وَأَهله وَلما أردنَا السّفر رحلنا عَن طَرِيق الْبَحْر بعد أَن أَفَاضَ علينا بنعمه وأفضاله فَبَلغنَا فَارس فِي كَرَامَة وهدوء ببركة هَذَا الرجل الْحر رَضِي الله عَن الرِّجَال الْأَحْرَار
وَفِي الْبَصْرَة ثَلَاثَة عشر مشهدا باسم أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أبي طَالب صلوَات الله عَلَيْهِ يُقَال لأحدها مشْهد بني مَازِن وَذَلِكَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عليا ﷺ جَاءَ إِلَى الْبَصْرَة فِي ربيع الأول سنة خمس وَثَلَاثِينَ (سبتمبر ٦٥٥) من هِجْرَة النَّبِي ﵊ وَكَانَت عَائِشَة ﵂ قد أَتَت محاربة وَقد تزوج أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ ليلى بنت مَسْعُود النَّهْشَلِي وَكَانَ هَذَا المشهد بَيتهَا وَقد أَقَامَ أَمِير الْمُؤمنِينَ اثْنَيْنِ وَسبعين يَوْمًا ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْكُوفَة وبجانب الْمَسْجِد الْجَامِع مشْهد آخر يُسمى مشْهد بَاب الطّيب وَرَأَيْت فِي مَسْجِد الْبَصْرَة عمودا من الْخشب طوله ثَلَاثُونَ ذِرَاعا وسمكه خَمْسَة أشبار وَأَرْبَعَة أَصَابِع وَكَانَ أحد طَرفَيْهِ أسمك من الطّرف الآخر قيل إِنَّه من أخشاب بِلَاد الْهِنْد استولى عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇ وأحضره لِلْبَصْرَةِ والأحد عشر مشهدا الْأُخْرَى كل مِنْهَا بِموضع وَقد زرتها كلهَا
بعد أَن أيسرنا ارتدينا ملابسنا وذهبنا يَوْمًا إِلَى ذَلِك الْحمام الَّذِي لم يسمح لنا بِدُخُولِهِ من قبل فَوقف الحمامي عِنْد دخولنا من الْبَاب وَكَذَلِكَ وقف كل من الْحَاضِرين حَتَّى دَخَلنَا ثمَّ جَاءَ المدلك والقيم وقاما بخدمتنا فَلَمَّا فَرغْنَا ودخلنا غرفَة الملابس وقف كل من بهَا وَلم يجلسوا حَتَّى لبسنا ثيابنا وَخَرجْنَا وَفِي أثْنَاء ذَلِك كَانَ الحمامي يَقُول لصَاحب لَهُ هَذَانِ هما
стр. 118
الرّجلَانِ اللَّذَان لم ندخلهما الْحمام يَوْم كَذَا وَكَانَ يظنّ أنني لَا أعرف لغته فَقلت لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ حَقًا مَا تَقول فَنحْن اللَّذَان كُنَّا نلبس خرقَة من الصُّوف على ظهرنا فَخَجِلَ الرجل وَاعْتذر وَكَانَ بَين هذَيْن الْحَالين عشرُون يَوْمًا وَقد ذكرت هَذَا الْفَصْل حَتَّى يعرف النَّاس أَنه لَا يَنْبَغِي التذمر من أزمات الزَّمَان واليأس من رَحْمَة الْخَالِق ﷻ وَعم نواله فَإِنَّهُ تَعَالَى رَحِيم
وصف الْمَدّ والجزر بِالْبَصْرَةِ وَوصف أنهارها
يحدث الْمَدّ ببحر عمان عَادَة مرَّتَيْنِ كل أَربع وَعشْرين سَاعَة فيرتفع المَاء بِمِقْدَار عشر أَذْرع وَحين يبلغ الِارْتفَاع أقْصَى مداه يبْدَأ الجزر بالتدريج فينخفض المَاء عشرا أَو اثْنَتَيْ عشرَة ذِرَاعا وَيعرف بُلُوغ ارْتِفَاع المَاء مِقْدَار الأذرع الْعشْر بظهوره على عَمُود أقيم هُنَاكَ أَو على حَائِط وَلَو كَانَت الأَرْض مستوية وَغير عالية لعظم امتداد الْبَحْر اليها ويسير النهران دجلة والفرات بغاية البطء حَتَّى يتَعَذَّر فِي بعض الْجِهَات معرفَة اتجاه التيار فيهمَا وَحين يبْدَأ الْمَدّ بِدفع الْبَحْر ماءهما مَسَافَة أَرْبَعِينَ فرسخا حَتَّى يظنّ إنَّهُمَا يرتدان إِلَى منبعيهما أما فِي الْأَمَاكِن الْأُخْرَى الَّتِي تقع على شاطئ الْبَحْر فَإِن امتداد الْمَدّ إِلَيْهَا يتَوَقَّف على ارتفاعها وانخفاضها فَحَيْثُمَا اسْتَوَت الأَرْض ازْدَادَ الْمَدّ وحيثما ارْتَفَعت قل وَيُقَال إِن الْمَدّ والجزر متعلقان بالقمر فَيبلغ الْمَدّ أقْصَى مداه حِين يكون الْقَمَر على الأفقين يَعْنِي أفقي الْمشرق وَالْمغْرب وَمن نَاحيَة أُخْرَى حِين يكون الْقَمَر فِي اجْتِمَاع الشَّمْس واستقبالها يزْدَاد المَاء أَي ان الْمَدّ يزِيد فِي هَذِه الْأَوْقَات ويعظم ارتفاعه وَحين يكون الْقَمَر فِي التربيعات تَأْخُذ الْمِيَاه فِي النُّقْصَان يَعْنِي لَا يكون علوها كثيرا وَقت الْمَدّ وَلَا ترْتَفع ارتفاعها وَقت الِاجْتِمَاع والاستقبال وَكَذَلِكَ يكون جزرها فِي هَذِه الْحَالة أقل هبوطا مِنْهُ فِي وَقت الِاجْتِمَاع والاستقبال وبهذه الدَّلَائِل يَقُولُونَ إِن الْمَدّ والجزر متعلقان بالقمر وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 119
والأبلة الَّتِي تقع على النَّهر الْمُسَمّى بهَا مَدِينَة عامرة وَقد رَأَيْت قُصُورهَا وأسواقها ومساجدها وأربطتها وَهِي من الْجمال بِحَيْثُ لَا يُمكن حَدهَا أَو وصفهَا وَالْمَدينَة الْأَصْلِيَّة تقع الْجَانِب الشمالي للنهر وعَلى جَانِبه الجنوبي يُوجد من الشوارع والمساجد والأربطة والأسواق والأبنية الْكَبِيرَة مَا لَا يُوجد أحسن مِنْهُ فِي الْعَالم وَهَذَا الْجَانِب الجنوبي يُسمى شقّ عُثْمَان والشط الْكَبِير الَّذِي هُوَ دجلة والفرات مُجْتَمعين والمسمى شط الْعَرَب يَقع شَرْقي الأبلة وَالْمَدينَة فِي الْجنُوب ويلتقي نَهرا الابلة وَمَعْقِل عِنْد الْبَصْرَة وَقد ذكرت ذَلِك من قبل
وصف أَحيَاء الْبَصْرَة
وَالْبَصْرَة عشرُون نَاحيَة فِي كل مِنْهَا كثير من الْقرى والمزارع وَهِي حشان شربه بلاس عقر ميسَان الْمُقِيم نهر حَرْب شط الْعَرَب سعد سَام الجعفرية المشان الصَّمد الجونة الجزيرة الْعُظْمَى مروت الشرير جَزِيرَة الْعَرْش الحميدة الحويزة المنفردات
وَيُقَال انه كَانَ من المتعذر فِي وَقت مَا أَن تمر سفينة من فَم نهر الأبلة لعظم عمق مَائه فَأمرت امراة من أثرياء الْبَصْرَة بتجهيز أَرْبَعمِائَة مركب وملأتها كلهَا بنوى التَّمْر وأغرقتها هُنَاكَ بعد أَحْكَام سدادها فارتفع القاع وتيسر عبور السفن وَفِي الْجُمْلَة فقد غادرنا الْبَصْرَة فِي منتصف شَوَّال سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (٢٠ فبراير ١٠٥٢) فَرَكبْنَا الزورق وسرنا فِي نهر الأبلة ورأينا طوال أَرْبَعَة فراسخ فِي اجتيازه حدائق وجواسق ومناظر لَا تَنْقَطِع على شاطئيه وَيتَفَرَّع من هَذَا النَّهر ترع كل مِنْهَا فِي سَعَة نهر فَلَمَّا بلغنَا شقّ عُثْمَان وَهِي أَمَام الأبلة نزلنَا وأقمنا بهَا وَفِي السَّابِع عشر من شَوَّال (٢٢ فبراير) ركبنَا سفينة تسمى بوصي وَكَانَ النَّاس الكثيرون الواقفون على الْجَانِبَيْنِ يصيحون قائلين سلمك الله يَا بوصي وَقد بلغنَا عبادان فَنزل
стр. 120
فَنزل الركاب من السَّفِينَة
وَتَقَع عبادان على شاطئ الْبَحْر وَهِي كالجزيرة إِذْ أَن الشط يَنْقَسِم هُنَاكَ إِلَى قسمَيْنِ مِمَّا يَجْعَل بُلُوغهَا متعذرا من أَي نَاحيَة بِغَيْر عبور المَاء وَيَقَع الْمُحِيط جنوب عبادان وَلذَا فَإِن المَاء يبلغ سورها وَقت الْمَدّ كَمَا أَنه يبتعد عَنْهَا أقل من فرسخين أثْنَاء الجزر وَيَشْتَرِي بعض الْمُسَافِرين الْحَصِير من عبادان وَيَشْتَرِي الْبَعْض الآخر المأكولات مِنْهَا وَفِي صباح الْيَوْم التَّالِي أجريت السَّفِينَة فِي الْبَحْر وسارت بِنَا شمالا وَكَانَ الْمَدّ حلوا مستساغا لغاية عشرَة فراسخ ذَلِك لِأَن الشط يسير كاللسان فِي وسط الْبَحْر وَلما ارْتَفَعت الشَّمْس ظهر فِي الْبَحْر شَيْء يشبه العصفور الدُّرِّي وَكَانَ يكبر كلما اقتربنا مِنْهُ فَلَمَّا واجهناه من الْيَسَار على مَسَافَة فَرسَخ خَالَفت الرِّيَاح فرموا المرساة ولفوا الشراع فَسَأَلت مَا هَذَا قَالُوا إِنَّه الخشاب
وصف الخشاب (الْمنَار)
يتكون من أَرْبَعَة أعمدة كَبِيرَة من خشب الساج على هَيْئَة المنجانيق وَهُوَ مربع قَاعِدَته متسعة وقمته ضيقَة ويرتفع عَن سطح الْبَحْر أَرْبَعِينَ ذِرَاعا وعَلى قمته حِجَارَة وقرميد مقامة على عمد من خشب كَأَنَّهَا سقف وَمن فَوْقهَا أَرْبَعَة عُقُود يقف بهَا الحراس وَيَقُول الْبَعْض إِن الَّذِي بنى الخشاب هَذَا تَاجر كَبِير وَيَقُول آخَرُونَ بل بناه أحد الْمُلُوك وَكَانَ الْغَرَض مِنْهُ شَيْئَيْنِ أَحدهمَا أَنه بني فِي جِهَة ضحلة يضيق الْبَحْر عِنْدهَا فَإِذا بلغتهَا سفينة كَبِيرَة ارتطمت بِالْأَرْضِ فَفِي اللَّيْل يشعلون سِرَاجًا فِي زجاجة بِحَيْثُ لَا تطفئه الرِّيَاح وَذَلِكَ حَتَّى يرَاهُ الملاحون من بعيد فيحتاطون وينجون وَالثَّانِي ليعرف الملاحون الاتجاه وليروا القرصان إِن وجدوا فيتقونهم بتحويل اتجاه السَّفِينَة
стр. 121
وَلما اجتزنا الخشاب بِحَيْثُ أصبح لَا يرى رَأينَا آخر مثله وَلَكِن لَيْسَ على سطحه قبَّة لأَنهم لم يستطيعوا إكماله
وَمن هُنَاكَ بلغنَا مَدِينَة مهروبان وَهِي مَدِينَة كَبِيرَة على شاطئ الْبَحْر الشَّرْقِي بهَا سوق كَبِير وجامع جميل وَلَكِن ماءها من الْمَطَر وَلَيْسَ بهَا آبار أَو قنوات من المَاء العذب وَقد اتخذ أَهلهَا أحواضا ومصانع ليَكُون المَاء متوفرا دَائِما وَقد بني بهَا ثَلَاثَة أربطة كل مِنْهَا كَأَنَّهُ حصن مُحكم ومرتفع وَقد رَأَيْت على مِنْبَر مَسْجِدهَا الْجَامِع اسْم يَعْقُوب بن اللَّيْث فَسَأَلت وَاحِدًا كَيفَ كَانَ ذَلِك فَقَالَ إِن يَعْقُوب بن اللَّيْث الصفار استولى على الْبِلَاد لغاية هَذِه الْمَدِينَة وَلم يكن لأمير آخر من أُمَرَاء خُرَاسَان هَذِه الْقُوَّة وَفِي الْوَقْت الَّذِي كنت بهَا كَانَت مهروبان ملكا لأبناء أبي كاليجار الَّذِي كَانَ ملك فَارس ومأكولات هَذِه الْمَدِينَة تحمل إِلَيْهَا من المدن والولايات الْأُخْرَى إِذْ لَيْسَ بهَا شَيْء سوى السّمك وفيهَا تحصل المكوس فَهِيَ ميناء وَحين يسير الْمُسَافِر مِنْهَا جنوبا على شاطئ الْبَحْر يبلغ توه وكازرون وَقد لَبِثت بمهروبان زَمنا لِأَنَّهُ قيل إِن الطّرق لَيست آمِنَة لما بَين أَبنَاء أبي كاليجار من الحروب فقد كَانَ كل مِنْهُم على رَأس جَيش وَكَانَ الْملك مضطربا وَسمعت أَن بأرجان رجلا عَظِيما فَاضلا هُوَ الشَّيْخ السديد مُحَمَّد بن عبد
стр. 122
الْملك وَكنت قد سئمت من كَثْرَة مَا أَقمت بمروبان فَكتبت لَهُ خطابا وأعلمته بحالي والتمست مِنْهُ أَن يرحلني من هَذِه الْمَدِينَة إِلَى بلد أَمِين فَلَمَّا أرْسلت الْكتاب جَاءَنِي فِي الْيَوْم الثَّالِث ثَلَاثُونَ رَاجِلا مدججون بِالسِّلَاحِ وَقَالُوا قد أرسلنَا الشَّيْخ لنكون فِي خدمتك إِلَى أرجان وَقد اصطحبونا آمِنين اليها
أرجان مَدِينَة كَبِيرَة بهَا عشرُون ألف رجل وَفِي الْجَانِب الشَّرْقِي مِنْهَا نهر ينحدر من الْجَبَل الَّذِي شقَّتْ عِنْد جَانِبه الشمالي أَربع ترع عَظِيمَة تتخلل الْمَدِينَة وَقد أنْفق فِي إنشائها مَال كثير وتسير هَذِه الترع إِلَى مَا وَرَاء أرجان وَقد زرعت على شواطئها الحدائق والبساتين وَبهَا كثير من النَّحْل وأشجار النارنج والترنج وَالزَّيْتُون وبنيت أرجان بِحَيْثُ يكون مَا تَحت الأَرْض من بيوتها مُسَاوِيا لما فَوْقهَا ويتخلل المَاء هَذِه المساكن الأرضية والسراديب فِي جَمِيع جِهَات الْمَدِينَة حَيْثُ يستريح النَّاس فِي فصل الصَّيف وَالنَّاس هُنَاكَ على مَذَاهِب شَتَّى وَإِمَام الْمُعْتَزلَة اسْمه أَبُو سعيد الْبَصْرِيّ وَهُوَ رجل فصيح يَدعِي الْعلم بالهندسة والحساب وَقد تباحثت مَعَه وَسَأَلَ كل منا الآخر وأجابه كَمَا سَمِعت مِنْهُ فِي علمي الْكَلَام والحساب وَغَيرهمَا
غادرت أرجان فِي أول الْمحرم سنة أَربع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (٢ مايو ١٠٥٢) وَقد اتجهنا نَاحيَة أصفهان عَن طَرِيق كوهستان فَبَلغنَا فِي الطَّرِيق جبلا بِهِ شقّ ضيق يَقُول الْعَامَّة إِن بهْرَام جور شقَّه بِسَيْفِهِ ويسمونه شمشير بريد ورأينا فِي هَذَا الْمَكَان مَاء متدفقا يتفجر من عين على يميننا وَينزل من مَكَان عَال وَيَقُول الْعَامَّة إِن هَذَا المَاء يجوم تفجره فِي الصَّفّ أما فِي الشتَاء فيقف ويتجمد
ثمَّ بلغنَا لوردغان وَبَينهَا وَبَين أرجان أَرْبَعُونَ فرسخا ولوردغان هَذِه هِيَ حُدُود فَارس وَمن هُنَاكَ بلغنَا خَان لنجان وَرَأَيْت اسْم السُّلْطَان طغرل بيك مَكْتُوبًا على بَابهَا وَمِنْهَا إِلَى أصفهان سَبْعَة فراسخ ويعيش أهل خَان
стр. 123
لنجان آمِنين هادئين كل مِنْهُم مشتغل بِعَمَلِهِ وشؤون بَيته وَفِي الثَّامِن من صفر سنة أَربع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (١٠ يونيو ١٠٥٢) قمنا من هُنَاكَ فَبَلغنَا مَدِينَة أصفهان وَمن الْبَصْرَة اليها ثَمَانُون وَمِائَة فَرسَخ وَهِي مشيدة على أَرض مستوية مَاؤُهَا عذب وهواؤها عليل وحيثما حفرت الأَرْض عشر أَذْرع خرج مَاء عذب بَارِد وللمدينة سور مُرْتَفع حُصَيْن بِهِ بوابات ومقاتلات وعَلى السُّور شرفات وفيهَا أَنهَار جَارِيَة وأبنية جميلَة مُرْتَفعَة وَفِي وَسطهَا مَسْجِد جُمُعَة جميل جدا وَيُقَال إِن طول سورها ثَلَاثَة فراسخ وَنصف وَكلهَا عامرة من الدَّاخِل فَلم أر بهَا خرابا قطّ وفيهَا أسواق كَثِيرَة وَرَأَيْت فِيهَا سوقا من أسواق الصرافين كَانَ بهَا مِائَتَا صراف وَلكُل سوق سور وبوابة محكمَة وَكَذَلِكَ للأحياء والشوارع وأربطتها نظيفة وَفِي شَارِع اسْمه كوطراز (شَارِع الطرازين) خَمْسُونَ رِبَاطًا جميلا فِي كل مِنْهَا تجار ومستأجرون كَثِيرُونَ والقافلة الَّتِي صحبناها فِي الطَّرِيق كَانَت تحمل ثَلَاثمِائَة وَألف خروار من البضائع وَلما دَخَلنَا اصفهان لم يتحر عَن دخولنا أحد إِذْ لَا تضيق أَمَاكِن السُّكْنَى أَو تتعذر الْإِقَامَة أَو الْمُؤَن بهَا وَلما استولى السُّلْطَان طغرل بيك أَبُو طَالب مُحَمَّد بن مِيكَائِيل بن سلجوق رَحْمَة الله عَلَيْهِ على هَذِه الْمَدِينَة ولى عَلَيْهَا شَابًّا نيسابوريا كَانَ كَاتبا مجيدا حسن الْخط هادئا حسن اللِّقَاء ولقبه الخواجه العميد كَانَ صَاحب فضل حُلْو الحَدِيث كَرِيمًا وَكَانَ السُّلْطَان قد أَمر بِأَن لَا يُطَالب النَّاس بِشَيْء مُدَّة ثَلَاث سِنِين فَسَار على ذَلِك وَأعَاد الْمُهَاجِرين إِلَى أوطانهم وَكَانَ هَذَا الرجل من كتاب الشورى وَكَانَ بأصفهان قبل مجيئنا قحط عَظِيم وَلَكِن حِين بلوغنا إِيَّاهَا كَانَ الشّعير قد جمع وَكَانَ الْمَنّ وَالنّصف من خبز الْقَمْح يُسَاوِي درهما عدلا وَكَذَلِكَ كَانَت ثَلَاثَة الأمنان من الشّعير وَقَالَ النَّاس هُنَاكَ إِن أحدا مِنْهُم لم ير
стр. 124
إِنَّه بيع بهَا بدرهم أقل من ثَمَانِيَة أمنان من الْخبز وَلم أر قي كل الْبِلَاد الَّتِي تَتَكَلَّم الفارسية مَدِينَة أجمل وَلَا أَكثر سكانا وعمرانا من أصفهان وَقيل إِنَّه إِذا خزن بهَا الْقَمْح أَو الشّعير أَو غَيرهمَا من الْحُبُوب مُدَّة عشْرين سنة لالم يفْسد وَقَالَ الْبَعْض إِن هواءها كَانَ أحسن قبل إنْشَاء السُّور وَإنَّهُ تغير بعد إنشائه بِحَيْثُ تفْسد بعض الْأَشْيَاء أما الرِّيف فقد ظلّ هواؤه كَمَا كَانَ وَقد قُمْت بأصفهان عشْرين يَوْمًا بِسَبَب تَأَخّر قيام الْقَافِلَة وَفِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من صفر سنة أَربع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (٣٠ يونيو ١٠٥٢) بلغنَا قَرْيَة تسمى هيم آباد وَمن هُنَاكَ بلغنَا قَصَبَة نايين عَن طَرِيق الصَّحرَاء وجبل مسكيان وَمن أصفهان الى هُنَاكَ ثَلَاثُونَ فرسخا وَقد سرنا من نايين مَسَافَة ثَلَاثَة وَأَرْبَعين فرسخا حَتَّى بلغنَا قَرْيَة كرمة من نَاحيَة بيابان الَّتِي بهَا عشر أَو اثْنَتَا عشرَة وَهِي جِهَة جوها حَار وَبهَا نخيل وَكَانَت تَابِعَة قَدِيما للقفص وَحين بلغناها كَانَ الْأَمِير كليكى قد استولى عَلَيْهَا مِنْهُم وَنصب عَلَيْهَا نَائِبا من قبله وَجعل مقَامه فِي قَرْيَة ذَات قلعة تسمى بيادة وَقد ضبط هَذَا الْحَاكِم الْولَايَة وَجعل طرقها آمِنَة وَإِذا قطع القفص الطَّرِيق يُرْسل اليهم الْأَمِير كليكى جنده فيقبضون عَلَيْهِم ويستردون مِنْهُم المَال ويقتلونهم وَقد أصبح الطَّرِيق آمنا واستراح النَّاس بِفضل هَذَا الْأَمِير الْعَظِيم اللَّهُمَّ تَبَارَكت وَتَعَالَيْت احفظ وانصر وأعن السلاطين العادلين وَارْحَمْ المتوفين مِنْهُم وَقد بنيت فِي هَذَا الطَّرِيق الصحراوي بَين كل فرسخين فِي الْمَوَاضِع غير الملحة قباب صَغِيرَة وخزانات يتجمع فِيهَا مَاء الْمَطَر وَقد شيدت القباب حَتَّى لَا يضل المسافرون الطَّرِيق ولكي يأووا اليها سَاعَات فِي الْحر وَالْبرد وَقد رَأينَا فِي الطَّرِيق الرمل المتحرك وكل من يتَحَوَّل عَن العلامات الَّتِي وضعت فِي الطَّرِيق للإرشاد فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع
стр. 125
الْخُرُوج من وسط هَذَا الرمل وَيهْلك وبدا لنا طوال سِتَّة فراسخ أَرض ملحة متحركة يختفي فِيهَا من ينحرف اليها عَن الطَّرِيق الْمَحْدُود وَمن هُنَاكَ ذَهَبْنَا عَن طَرِيق رِبَاط زبيدة الْمُسَمّى رِبَاط المرامي وَهُوَ يحتوي على خمس آبار وَلَوْلَا هَذَا الرِّبَاط وَالْمَاء الَّذِي بِهِ لما اسْتَطَاعَ أحد اجتياز هَذِه الصَّحرَاء ثمَّ دَخَلنَا نَاحيَة طبس فِي قَرْيَة تسمى رستاباد وَفِي التَّاسِع من ربيع الأول سنة أَربع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (٩ يوليو ١٠٥٢) بلغنَا طبس وَيُقَال إِن بَينهَا وَبَين أصفهان عشرَة وَمِائَة فَرسَخ وطبس مَدِينَة مزدحمة وَلَو انها تشبه الْقرْيَة مَاؤُهَا قَلِيل وزراعتها أقل وَبهَا النّخل والبساتين وَتَقَع نيسابور على مسيرَة أَرْبَعِينَ فرسخا مِنْهَا شمالا وخبيص على مسيرَة أَرْبَعِينَ فرسخا جنوبا فِي طَرِيق الصَّحرَاء وناحية الْمشرق جبل صَعب المرتقى وَكَانَ أميرها فِي ذَلِك الْوَقْت كيلكى بن مُحَمَّد الَّذِي استولى عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ وَالنَّاس هُنَاكَ فِي سَلام وَأمن عظيمين حَتَّى انهم لَا يغلقون بُيُوتهم لَيْلًا ويتركون الْبَهَائِم فِي الطَّرِيق مَعَ أَن الْمَدِينَة غير مسورة وَلَا تجرؤ امْرَأَة على الْكَلَام مَعَ شخص أَجْنَبِي عَنْهَا فَإِذا فعلت قتل الِاثْنَان وَكَذَلِكَ لَا سَرقَة وَلَا قتل بِفضل حزم الْأَمِير وعدله
وَقد رَأَيْت الْأَمْن وَالْعدْل فِيمَا رَأَيْت من بِلَاد الْعَرَب والعجم فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع الأول بالدشت أَيَّام لشكر خَان وَالثَّانِي فِي الديلم أَيَّام أَمِير الْأُمَرَاء جستان بن إِبْرَاهِيم وَالثَّالِث بِمصْر أَيَّام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالرَّابِع بطبس أَيَّام الْأَمِير أبي الْحسن كيلكى بن مُحَمَّد فَلم أسمع على كَثْرَة مَا سَافَرت بِمثل مَا فِي هَذِه الْجِهَات من الْأَمْن وَلم أره
وَقد استبقانا الْأَمِير ﵁ سَبْعَة عشر يَوْمًا بطبس وأضافنا وَأمر لنا بصلات وَقت الرحيل معتذرا عَن ضآلتها وَأرْسل مَعنا أحد فرسانه
стр. 126
حَتَّى زوزن الَّتِي تقع على مسيرَة اثْنَيْنِ وَسبعين فرسخا
وَبعد إثني عشر فرسخا من قيامنا من طبس بلغنَا قَصَبَة تسمى الرقة بهَا مياه جَارِيَة وَزرع وبساتين وأشجار وحصن وَمَسْجِد جُمُعَة وقرى ومزارع كَبِيرَة وَفِي التَّاسِع من ربيع الآخر (٨ أغسطس) غادرنا الرقة وَفِي الثَّانِي عشر من هَذَا الشَّهْر بلغنَا تون وَبَينهمَا عشرُون فرسخا وتون مَدِينَة كَبِيرَة وَلَكِن معظمها كَانَ خرابا حِين رَأَيْتهَا وَهِي على حافة وَاد بِهِ المَاء الْجَارِي والقنوات وَفِي جَانبهَا الشَّرْقِي بساتين كَثِيرَة وَلها حصن مُحكم وَقيل إِنَّه كَانَ بهَا أَرْبَعمِائَة مصنع للسجاد وَفِي الْمَدِينَة كثير من شجر الفستق فِي بساتين الْمنَازل ويعتقد سكان بَلخ وطخارستان أَن الفستق لَا ينْبت وَلَا يَنْمُو إِلَّا على الْجبَال
وَلما رحلنا من تون حكى لي الرجل الَّذِي بَعثه مَعنا الْأَمِير كيلكي فَقَالَ كُنَّا ذَاهِبين ذَات مرّة من تون إِلَى كنايد فَخرج علينا اللُّصُوص وتغلبوا علينا فَألْقى بَعْضنَا من الْخَوْف بِنَفسِهِ فِي بِئْر تجْرِي تَحت الأَرْض وَكَانَ لوَاحِد من هَؤُلَاءِ وَالِد شفوق فجَاء واستأجر رجلا لينزل إِلَى الْبِئْر وَيخرج وَلَده مِنْهَا واستعان الْجَمَاعَة بِكُل مَا لديهم من الحبال وأتى رجال كَثِيرُونَ وَنزل الرجل مَسَافَة سَبْعمِائة ذِرَاع حَتَّى بلغ القاع وربط الْوَلَد بالحبل وجروه مَيتا وَقد قَالَ الرجل حِين طلع من الْبِئْر إِن بهَا مَاء عَظِيما يتدفق جَارِيا تَحت الأَرْض مَسَافَة أَربع فراسخ وَيُقَال إِن كيخسرو هُوَ الَّذِي أَمر بحفرها
وَفِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال (٢٣ أغسطس) بلغنَا مَدِينَة قاين وَبَينهَا وَبَين تون ثَمَانِيَة عشر فرسخا تجتازها الْقَافِلَة فِي أَرْبَعَة أَيَّام وَهِي مَسَافَة شاقة وقاين مَدِينَة كَبِيرَة حَصِينَة حولهَا خَنْدَق وَبهَا مَسْجِد جُمُعَة بِهِ مَقْصُورَة عَلَيْهَا عقد عَظِيم لم أر أكبر مِنْهُ فِي خُرَاسَان وَهُوَ غير متناسب مَعَ حجم الْمَسْجِد وعَلى جَمِيع بيُوت الْمَدِينَة قباب وزوزن على مسيرَة ثَمَانِيَة
стр. 127
عشر فرسخا من الْجَانِب الشَّرْقِي الشمالي لقاين وَمِنْهَا جنوبا إِلَى هراة ثَلَاثُونَ فرسخا وَرَأَيْت بقاين رجلا اسْمه أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن دوست ملم بِكُل علم من طب وفلك ومنطق فَسَأَلَنِي أَي شَيْء خَارج هَذِه الأفلاك والأنجم قلت يُسمى شَيْئا مَا يكون دَاخل الأفلاك أما مَا وَرَاءَهَا فَلَا يجوز أَن يُسمى شَيْئا فَقَالَ مَا وَرَاء السَّمَوَات معنوي أم مادي قلت لَا جِدَال أَن الْعلم مَحْدُود وَحده فلك الأفلاك وَالْحَد مَا يقصل فلكا عَمَّا عداهُ فَإِذا علم هَذَا وَجب أَن يكون مَا وَرَاء الأفلاك مُخَالفا لما فِي داخلها قَالَ هَذَا الْمَعْنى الَّذِي يُثبتهُ الْعقل هَل لَهُ نِهَايَة من هَذِه النَّاحِيَة إِن كَانَت لَهُ نِهَايَة فَأَيْنَ وَإِن كَانَ لَا نِهَايَة لَهُ فَكيف يقبل الللامتناهي الفناء وتكلمنا زَمنا على هَذَا النَّحْو فَقَالَ أَنا كثير الْحيرَة من هَذَا فَقلت وَمن لَا يحار فِيهِ وعَلى كل حَال فقد لبثنا بقاين شهرا بِسَبَب ثورة كَانَت فِي زوزون أثارها عبيد النَّيْسَابُورِي ولتمرد رَئِيس زوزن وَقد أرجعت من هُنَاكَ الْفَارِس الَّذِي بَعثه مَعنا الْأَمِير كيلكي وَخَرجْنَا من قاين قَاصِدين سرخس فبلغناها فِي الثَّانِي من جُمَادَى الْآخِرَة (أول أكتوبر) وقدرت من الْبَصْرَة إِلَى سرخس تسعين وثلاثمائة فَرسَخ وَقد غادرنا سرخس عَن طَرِيق الرِّبَاط الْجَعْفَرِي والرباط الْعمريّ والرباط النعمتي وَهِي ثَلَاثَة أربطة مُتَقَارِبَة على الطَّرِيق
وَفِي الثَّانِي عشر من جُمَادَى الآخر بلغنَا مَدِينَة مرو الرود وَخَرجْنَا مِنْهَا بعد يَوْمَيْنِ وتبعنا طَرِيق آب كرم وَفِي التَّاسِع عشر بلغنَا فارياب بعد ان سرنا سِتَّة وَثَلَاثِينَ فرسخا وَكَانَ أَمِير خُرَاسَان جعفري بيك أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد ابْن مِيكَائِيل بن سلجوق فِي شبورغان وَكَانَ يقْصد الذّهاب إِلَى دَار ملكه مرو وَقد اتَّبعنَا طَرِيق سنكلان بِسَبَب الثورات ثمَّ اتجهنا نَاحيَة بَلخ عَن طَرِيق سه دره فَلَمَّا بلغنَا رباطها سمعنَا أَن أخي أَبَا الْفَتْح عبد الْجَلِيل كَانَ فِي حَاشِيَة وَزِير أَمِير خُرَاسَان الْمُسَمّى أَبَا نصر
وَقد مضى على خروجنا من خُرَاسَان سَبْعَة أَعْوَام فَلَمَّا بلغنَا دستكرد رَأينَا أَمْتعَة تنقل إِلَى شبورغان فَسَأَلَ أخي الَّذِي كَانَ معي لمن هَذِه فَقيل لَهُ
стр. 128
إِنَّهَا لهَذَا الْوَزير فَسَأَلَهُمْ هَل تعرفُون أَبَا الْفَتْح عبد الْجَلِيل فَقَالُوا إِنَّه كَانَ مَعنا ثمَّ اقْترب منا خَادِم وَسَأَلنَا من أَيْن أتيتم فَقُلْنَا من الْحَج قَالَ إِن لسيدي أبي الْفَتْح عبد الْجَلِيل أَخَوَيْنِ ذَهَبا لِلْحَجِّ مُنْذُ سنوات وَهُوَ دَائِم الشوق إِلَيْهِمَا وَكلما سَأَلَ عَنْهُمَا أحد لَا يدله قَالَ أخي إِنَّا نحمل من نَاصِر كتابا فحين يصل سيدك نسلمه إِيَّاه وَبعد قَلِيل سَارَتْ الْقَافِلَة وسرنا مَعهَا فَقَالَ هَذَا الْخَادِم إِن سَيِّدي يصل الْآن فَإِذا لم يجدكما يضيق صَدره فَإِذا أعطيتماني الْكتاب لأسلمه لَهُ يسر بِهِ فَقَالَ لَهُ أخي أَتُرِيدُ خطاب نَاصِر أم ناصرا نَفسه هَذَا هُوَ نَاصِر ففرح الْخَادِم وَلم يعرف مَاذَا يفعل وسرنا نَحن إِلَى بَلخ عَن طَرِيق ميان روستا
وَقد جَاءَ أخي الخواجه أَبُو الْفَتْح عبد الْجَلِيل إِلَى دسنكرد عَن طَرِيق الصَّحرَاء وَكَانَ ذَاهِبًا مَعَ الْوَزير إِلَى أَمِير خُرَاسَان فَلَمَّا سمع بأمرنا عَاد من دستكرد وَانْتَظرْنَا على رَأس قنطرة جموكيان إِلَى أَن وصلنا وَكَانَ هَذَا فِي يَوْم السبت السَّادِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الآخر سنة أَربع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة (٢٦ أكتوبر ١٠٥٢) وَقد الْتَقَيْنَا وفرحنا باللقاء وشكرنا الله وَذَلِكَ بعد أَن فَقدنَا الأمل فِي اللِّقَاء وَبعد أَن تعرضنا للتهلكة مَرَّات حَتَّى يئسنا من الْحَيَاة وَفِي هَذَا التَّارِيخ نَفسه بلغنَا بَلخ فَقلت هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة فِي هَذَا الْمقَام ... فَإِن يكن تَعب الدُّنْيَا وعناءها طويلين فشرها وَخَيرهَا لَا محَالة منتهيان
إِن الْفلك يَتَحَرَّك من أجلنا ليل نَهَار وَكلما رَاح منا وَاحِد تلاه آخر
إِنَّا نروح ونغدو فِي الْحَيَاة إِلَى أَن تحين الروحة الَّتِي لَا عودة مِنْهَا ...
وتبلغ الْمسَافَة الَّتِي قَطعْنَاهَا من بَلخ إِلَى مصر وَمن مصر إِلَى مَكَّة وَمِنْهَا إِلَى فَارس عَن طَرِيق الْبَصْرَة ثمَّ إِلَى بَلخ عدا الْأَطْرَاف الَّتِي زرناها فِي الطَّرِيق أَلفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَعشْرين فرسخا
стр. 129
وَقد وصفت بأمانة مَا رَأَيْت فِي رحلتي وَأما مَا سمعته وَكَانَ عَلَيْهِ اعْتِرَاض فَلَا ينْسبهُ الْقُرَّاء إِلَيّ وَلَا يؤاخذوني أَو يلوموني عَلَيْهِ وَإِن وفقني الله وسافرت إِلَى الْمشرق فسأضم وصف مَا أشاهده هُنَاكَ إِلَى هَذِه الرحلة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحده الْعَزِيز وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين والصلوة على مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ